الرد على ناصر الدين الالباني

الفصل الأول شذوذ الألباني في العقيدة ‏

ينقل(1) ناصر الدين الألباني عن بعض المشبهة ومقرا له بأن من قال عن الله ‏‏”ويُرى لا في جهة ” فليُراجع عقله. وقال الالباني(2) “إن اريد بالجهة امر عدمي ‏وهو ما فوق العالم فليس هناك الا الله وحده”. اهــ. ‏

‏ الرد: قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة التي ألفها لبيان عقيدة أهل ‏السنة والجماعة:{ لا تحويه – أي الله – الجهات الست كسائر المبتدعات}اهـ, أي أن ‏الله تعالى منزه عن الجهة لان في ذلك نسبة المكان والحد لله وتوابعهما من‏
الحركة والسكون ونحو ذلك مما هي من صفات المخلوقين. فالألباني بكلامه الاول يكون ‏اتّهَم أهل السنة والجماعة بأنهم لا عقل لهم وحكم على نفسه أنه شذ عن مذهبهم ‏والرسول صلى الله عليه وسلم قال:{ عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان ‏مع الواحد وهو من الاثنين أبعد فمن أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة} رواه ‏الترمذي(3). وقال {ثلاثة لا يُغل عليهن قلب مسلم: اخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة ‏الأمر، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} رواه ابن حبان وصححه(4)، ‏والحافظ ابن حجر في الامالي وحسنه، ثم هو لا يرتدع بكلام الطحاوي ولا بكلام أهل ‏السنة قاطبة ولا يرده إجماع الأمة فيدّعي مغرورا بجهله أن الله فوق العرش بذاته. ‏

‏ ومما انفرد به في العقيدة حيث شبه الله تعالى أنه محيط بالعالم من جميع الجهات ‏كما أن الحقّة تحيط بما في ضمنها ولم يسبقه بهذا أحد لا من أهل السنة ولا من ‏المشبهة, وقد ذكر ذلك في كتابه المسمى صحيح الترغيب والترهيب (5), فكيف جمع بين ‏هذا وبين قوله إن الله بذاته فوق العرش؟! وفي هذا تناقض لا يخفى, وهذا ضد عقيدة ‏طائفته الوهابية المشبهة المجسمة “أن الله فوق العرش فقط”, فهذه من مفرداته التي ‏انفرد بها عن طائفته, وهذا نشأ من سوء فهمه بقوله تعالى:{ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ ‏مُّحِيطًا }(126) [ سورة النساء]. ومعنى الآية أن الله محيط بكل شيء علما, فهذا ‏الرجل من شدة تهوره يناقض نفسه وهو لا يدري, فماذا تقول فيه طائفته وقد أثبت ‏عقيدة ضد عقيدتهم هل تتبرأ منه؟؟ أم تسكت له مداهنة؟ لان طائفته الوهابية ‏تعتبره قدوة لهم وزعيما كبيرا بل تعتبره مجدد العصر لهم، فقد شبه الالباني الله ‏بالحقة التي تحيط بما فيها من جميع الجهات كما ذكر في كتابه المسمى “صحيح الترغيب ‏والترهيب”, فجعله تحت العالم وفوق العالم وعن شمال العالم وعن يمين العالم وامام ‏العالم وخلف العالم, ولم يقل بذلك قط مسلم ولا كافر قبله, هذا ما شهر عنه, وقد ‏ذكر في بعض مؤلفاته في أكثر من موضع أن الله متحيز فوق العرش بذاته, فها هو ذا ‏ينتقل من ضلال إلى ضلال ليس له مستقر في فساده في العقيدة والأحكام. ‏
‏ ‏
فائدة: قال الألباني: اعلم أن قوله في هذا الحديث فإن الله قبل وجهه وفي الحديث ‏الذي قبله فإن الله عز وجل بين أيديكم في صلاتكم لا ينافي كونه تعالى على عرشه فوق ‏مخلوقاته كلها كما تواترت فيه نصوص الكتاب والسنة وءاثار الصحابة والسلف ‏الصالح رضي الله عنهم ورزقنا الاقتداء بهم فإنه تعالى مع ذلك واسع محيط بالعالم ‏كله, وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله عز وجل بل هذا شأن ‏مخلوقاته المحيط بما دونه فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط فإنه يستقبل وجه ‏المحيط ويواجهه وإذا كان عالي المخلوقات يستقبل سافلها المحاط بها بوجهه من جميع ‏الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط وهو محيط ولا يُحاط به}. اهـ. ‏

هذه عبارته حتى يتأكد المطالع أنه قال إن الله يحيط بالعالم من جميع الجهات بالذات ‏لا يعني بالعلم كما هو معتقد المسلمين, وهي صريحة في أنه أراد إحاطة الله بالعالم ‏بذاته لا بالعلم والقدرة كما هو معتقد المسلمين سلفهم و خلفهم, وهذه المقالة ‏التي قالها لم تقل بها فرقته غير أن شابا دمشقياً من المنتسبين إليه صرّح بذلك يوما ‏وشبّه ذلك بضم كفه إلى الأخرى. ‏

أما زعمه أنه ليس فوق العرش شيء من المخلوقات فهذا دليل جهله بالحديث وعلومه ‏رغم ادِعائه انه اشتغل بهذا العلم سنين عديدة, فقد روى البخاري ومسلم (6) عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:{ لمَّا قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده ‏فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي}, وفي رواية عند مسلم(7){ فهو موضوع عنده}, وفي ‏رواية عند ابن حبان(8) بلفظ:{ وهو مرفوع فوق العرش} وقد ذكر الحافظ ابن حجر ‏عند شرحه(9) لهذا الحديث أنه لا مانع من أن يكون فوق العرش مكان, وروى ‏النسائي في سننه الكبرى(10):{ فهو عنده على العرش} وهذا صريح في أن فوقية هذا ‏الكتاب هي الفوقية المتبادرة فاندفع ما يقال إن “فوق” في حديث البخاري بمعنى ‏تحت, ويبطل هذه الدعوى قول بعض أهل الأثر إن اللوح المحفوظ فوق العرش مقابل ‏قول الآخرين إنه تحت العرش. وهذا الحديث فيه الرد على الألباني وعلى كل من ‏ينفي وجود مخلوق فوق العرش, وفيه أيضا دليل على أن فوق العرش مكان, فلو كان ‏الله متحيزا في جهة فوق العرش لكان له أمثال وأبعاد وطول وعرض وعمق ومن كان ‏كذلك كان محدثا محتاجا لمن حدّه بذلك الطول وبذلك العرض والعمق. ‏

ويكفي في الرد عليه قول الله تعالى:{ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (8)[سورة الرعد] ومعناه أن ‏الله خلق كل شيء على مقدار أي على كمية وكيفية مخصوصة, فالعرش له كمية وحبة ‏الخردل لها كمية, فالمعنى المفهوم من هذه الآية أن الله الذي خلق كل شيء على كمية ‏‏– أي حجم وشكل مخصوص – لا يجوز أن يكون ذا حجم لا حجم كبير ولا حجم صغير, ومعلوم ‏أن الجالس على شيء له حجم إما بقدر ما جلس عليه أو أقل منه أو أوسع منه, فلا ‏يجوز على الله الجلوس, والموجود المتحيز في مكان له مقدار, والمقدار صفة المخلوق ‏فالإنسان له مقدار أي حجم وشكل مخصوص والملائكة كذلك, والعرش والشمس وكل فرد ‏من أفراد النجوم كذلك, وكذلك الحجم الصغير كحجم حبة الخردل, فالله تعالى هو الذي ‏خصّص هذه الأشياء بحجم وشكل مخصوص, وقد أفهمنا بقوله:{ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} ‏أن هذا وصف الخلق وهو سبحانه الخالق لا يجوز أن يتصف بصفات المخلوقين, فلا يجوز ‏على الله التحيز في مكان, ولا يجوز وصفه بالحركة ولا السكون, ولا الهيئة ولا الصورة, ‏ولا التغيّر, هذا الدليل من القرءان.‏

أما الدليل من الحديث فما رواه البخاري وابن جارود والبيهقي بالإسناد الصحيح ‏‏(11) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ كان الله ولم يكن شيء غيره}. ‏

وقال الحافظ البيهقي في كتابه “الأسماء والصفات” ما نصه (12):{ استدل بعض أصحابنا في ‏نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم:{ أنت الظاهر فليس فوقك ‏شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء}, وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في ‏مكان}. انتهى, وهذا الحديث فيه أيضا الرد على القائلين بالجهة في حقه تعالى. . ‏

وقال الإمام علي رضي الله عنه(13):{ كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه ‏كان}. ‏

وأما رفع الأيدي عند الدعاء إلى السماء فلا يدل على أن الله متحيز في جهة فوق ‏كما أن حديث مسلم (14)عن أنس بن مالك رضي الله عنه:{ أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء} لا يدل على أن الله في جهة تحت, فلا حجة ‏في هذا ولا في هذا لإثبات جهة تحت أو فوق لله تعالى بل الله تعالى منزه عن الجهات ‏كلها. ‏

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي رضي الله عنه في عقيدته التي ذكر أنها عقيدة أهل ‏السنة والجماعة:{ تعالى – يعني الله – عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء ‏والأدوات ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات}. ! ‏

وممن نقل إجماع المسلمين سلفهم وخلفهم على أن الله موجود بلا مكان الإمام النحرير ‏أبو منصور البغدادي الذي قال في كتابه “الفرق بين الفرق” (15) ما نصه:{ ‏وأجمعوا – أي أهل السنة والجماعة – على أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه ‏زمان}. انتهى بحروفه. ‏

وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني في كتابه “الإرشاد”(16) ما نصه:{ مذهب أهل الحق ‏قاطبة أن الله يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات} انتهى. ‏

فكما صح وجود الله تعالى بلا جهة قبل خلق الأماكن والجهات فكذلك يصح وجوده بعد ‏خلق الأماكن بلا مكان وجهة وهذا لا يكون نفيا لوجوده تعالى. ‏

قال القشيري(17):{ والذي يدحض شبههم – أي شبه المشبهة – أن يقال لهم قبل أن ‏يخلق العالم أو المكان هل كان موجودا أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقولوا: بلى, ‏فيلزمه لو صح قوله لا يُعلم موجود إلا في مكان أحد أمرين إما ان يقول المكان ‏والعرش والعالم قديم – يعني لا بداية لوجودها – وإما أن يقول أن الرب محدَث وهذا ‏مآل الجهلة الحشوية, ليس القديم بالمحدَث والمُحدَث بالقديم}. انتهى. ‏

وقد قال الحافظ النووي الشافعي في شرح صحيح مسلم(18) ما نصه:{ قال القاضي ‏عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدّثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن ‏الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى:{ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}(16)[سورة ‏الملك] ونحوه ليس على ظاهرها بل متأوّلة عند جميعهم}. انتهى, يعني تأويلا إجماليّا ‏أو تأويلا تفصيليّا. ‏

وكذا قال المفسرون من أهل السنة كالإمام فخر الدين الرازي في تفسيره(19) وأبي ‏حيان الأندلسي في تفسيره (20) وأبي السعود في تفسيره (21) والقرطبي في تفسيره ‏‏(22) وغيرهم. وعبارة القرطبي: { ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } قال ابن عباس “ءامنتم ‏عذاب من في السماء ان عصيتموه” ثم قال “وقيل هو اشارة الى الملائكة، وقيل الى ‏جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب. قلت : ويحتمل ان يكون المعنى “ءأمنتم خالق من في ‏السماء ان يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون”. اهـ

‏ فبَعد هذا يُقال لهذا المجسم أعني الألباني وجماعته: أنتم تعتقدون أن الله جسم ‏متحيّز فوق العرش له مقدار عندكم وهو أنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر على ما ‏قال زعيمكم ابن تيمية في بعض مؤلفاته وفي بعض إنه بقدر بالعرش ويزيد, ولو ‏قال لكم عابد الشمس: كيف تقولون معبودي الذي هو الشمس لا يجوز أن يكون إلـها ‏مع أنه موجود مشاهد لنا ولكم وكثير النفع ينفع البشر والشجر والنبات والهواء ‏ويُطيّب الماء, وضَوْؤه يعُمُّ نفعُه البشر, وأما معبودكم الذي هو جسم تخيلتموه فوق ‏العرش لم تشاهدوه ولا نحن شاهدناه ولا شاهدنا له منفعة, فغاية ما تحتجّون به ‏إيراد بعض الآيات كقوله:{ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ } (16) [سورة الرعد] فيقول لكم عابد ‏الشمس:{ أنا لا أؤمن بكتابكم أعطوني دليلا عقليا}. فهل عندكم من جواب يقطعه ‏كلا, أما نحن أهل السنة الأشاعرة والماتريدية نقول لعابد الشمس: معبودك هذا له ‏حجم وشكل مخصوص فهو محتاج لمن أوجده على هذا الحجم وعلى هذا الشكل, ومعبودنا ‏موجود ليس ذا حجم ولا شكل فلا يحتاج لمن خصّصه بحجم وشكل بخلاف الشمس, فهو الذي ‏أوجد الشمس على حجمها وشكلها المخصوص وهو الذي يستحق أن يكون إله العالم لأنه ‏لا يشبه شيئا من العالم, ويقال أيضا: أنواع العالم العلوي والسفلي له حجم ‏وشكل مخصوص فعلى قولكم الله له أمثال لا تحصى, فتبين أنكم مخالفون لقوله تعالى:{ ‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } (11) [سورة الشورى], فكلمة شيء تشمل كل ما دخل في الوجود من ‏علوي أو سفلي وكثيف ولطيف, فالآية نصٌّ على أن الله تعالى لا يشبه شيئا من هؤلاء ‏أي لا يكون مثل العالم حجما كثيفا ولا حجما لطيفا ولا متحيزا في جهة من الجهات, ‏ولم يقل الله تعالى ليس كمثله البشر ولا قال ليس كمثله الملائكة ولا قال ليس كمثله ‏الشمس, بل عَمَّم فقال:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }, قال شيخنا العلامة المحدث عبد الله الهرري ‏المعروف بالحبشي ما نصه:{ والنَّكِرَةُ عند أهل اللغة إذا وقعت في حيِّز النفي فهي ‏للعموم, فمعنى الآية ليس كمثله تعالى شيء من الأشياء على الإطلاق بلا ‏استثناء}اهـ. أما أنتم فقد جعلتموه حجما في جهة فوق تلي العرش وجعلتم له ‏أعضاء فقد شبهتموه بخلقه, فلم يبق لكم إلا أن تقولوا إنه إنسان, تعالى الله عن ‏ذلك علوا كبيرا
*****************************
الفصل الثاني بيان شذوذ الألباني في مسألة كلام الله ‏

‏ ها هو الألباني يصرح باعتقاد ليس له سلف فيه إلا الكرامية والمشبهة وهما ‏فرقتان من الفرق الضالة الذين انحرفوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة, فيقول في ‏كتابه المسمى “مختصر العلو”(1), بأن الله متكلم بصوت وحرف, وما هذا الكلام إلا ‏امتداد لعقيدة التشبيه التي يحملها وينسبها زورا وبهتانا إلى أئمة الحديث وإلى ‏أهل السنة والجماعة, وهم بريئون منه ومن عقيدته الكفرية, شأنه في ذلك شأن ‏متبوعه إمام الضلالة أحمد بن تيمية الحراني, ثم نقل في شرحه على الطحاوية(2) ‏عن بعض المجسمة ما نصه:{ وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما, وهذا ‏المأثور عن أئمة الحديث والسنة}اهـ. ‏

‏ الرد: لا يستطيع هذا المجسم ولا أحد من الوهابية أن يثبتوا نقلا صحيحا عن أحد ‏أئمة الحديث والسنة المعتبرين ما زعمه الألباني, بل هذه عقيدة ابتدعها ابن ‏تيمية, فإن عقيدة السلف كما قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر رضي الله عنه ‏عن كلام الله:{ ويتكلم لا ككلامنا, نحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا ‏آلة ولا حرف} انتهى بحروفه. ‏

وقال العز بن عبد السلام(3) ما نصه:{ فالله متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحروف ولا ‏صوت, ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق شكلا ترمقه العيون ‏والأحداق كما زعم أهل الحشو والنفاق, بل الكتابة من أفعال العباد ولا يتصور ‏من أفعالهم أن تكون قديمة, ويجب احترامها لدلالتها على كلامه كما يجب احترام أسمائه ‏لدلالتها على ذاته}, إلى أن قال:{ فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ ‏العباد أو رسم من أشكال المداد}. انتهى, وهذا هو عين الرد على الألباني ‏وجماعته الوهابية المجسمة لأنهم قالوا إن الله يتكلم بالحروف التي يتكلم بها البشر, ‏أي على زعمهم عندما قال الله في القرءان الكريم سورة مريم:{ كهيعص }(1) فالله ‏عندهم متكلم بالكاف والهاء والياء والعين والصاد وهذا عين كلام البشر, فما ‏جوابكم عن ذلك؟!اهـ. ‏

‏ وفي كتاب “نجم المهتدي ورجم المعتدي” للفخر بن المعلم القرشي الفتاوى التي ‏تبطل عقيدة هؤلاء المشبهة, فمن أراد مزيد التأكد فليرجع إليه. ‏

‏ وعلى هذا علماء الإسلام كالحافظ البيهقي الأشعري وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم ‏من الشافعية, وأبي المعين النسفي والقونوي وغيرهما من الحنفية, ومحمد بن يوسف ‏السنوسي والعز بن عبد السلام وغيرهما من المالكية, والحافظ ابن الجوزي وغيره من ‏فضلاء الحنابلة. ‏

‏ فليُعلم أن هؤلاء المشبهة يعتقدون أن الله متكلم بكلام هو حروف وأصوات متعددة ‏يحدث في ذاته ثم ينقطع, ثم يحدث ثم ينقطع والعياذ بالله تعالى, وهذا ضلال مبين مخالف ‏لقوله تعالى :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة الشورى].‏

‏ فاعلم أن كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفا وصوتا ولغة, فالله تعالى موجود ‏متكلم سميع بصير قادر عالم قبل وجود الخلق فهو موصوف بصفة الكلام قبل وجود الحرف ‏والصوت واللغات. ‏

‏ والقرءان الكريم له إطلاقان يطلق ويراد به صفة الله القائمة بذاته أي ‏الثابتة له فهو على هذا المعنى ليس حرفا ولا صوتا وليس بمبتدإ ولا مختتم, فالحروف ‏متعاقبة, فحين يقول القارئ بسم الله الرحمن الرحيم نطق بالباء ثم السين وهكذا, ‏ولا شك أن هذا الناطق ونطقه بالحروف المتعاقبة كلٌّ مخلوق ولا يجوز ذلك على الله. ‏

‏ ويطلق القرءان ويراد به اللفظ المنزل على سيدنا محمد فهذا اللفظ المكتوب في ‏المصاحف المقروء بالألسنة المحفوظ في الصدور الذي هو باللغة العربية لا يشك عاقل ‏أنه مخلوق, ومع ذلك فهو ليس من تأليف مَلَك ولا بشر. ومن الدليل على أن اللفظ ‏المنزل مخلوق قول الله تعالى:{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }(19)[سورة التكوير] أي أن هذا ‏القرءان لمقروء رسول كريم هو جبريل عليه السلام, ولا يجوز أن تكون قراءة جبريل ‏أزلية, وكذلك قوله تعالى:{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ }(6)[سورة ‏التوبة] يدل على أن كلام الله يُطلق ويراد به اللفظ المنزل المخلوق لأن الكافر في ‏الدنيا لا يسمع كلام الله الذي هو الصفة القائمة بذات الله. ‏

‏ ولا يطلق القول بأن القرءان مخلوق ولو مع إرادة اللفظ المنزل حتى لا يُتوهم من ‏ذلك أن كلام الله الذي هو صفة ذاته مخلوق, بل يقال في مقام التعليم: القرءان إن ‏أريد به اللفظ المنزل فهو مخلوق, وإن أريد به الكلام الذاتي فهو أزلي ليس بحرف ‏ولا صوت. ‏

‏ ومن أصرح الأدلة على أن كلام الله بمعنى الصفة القائمة بذات الله ليس حرفا ولا ‏صوتا ولا لغة قوله صلى الله عليه وسلم:{ ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس ‏بينه وبينه ترجمان} رواه البخاري(24), فالله تعالى هو يحاسب جميع الخلق بنفسه ‏فيُسمع الكافر والمؤمن كلامه الذاتي فيفهم العباد منه السؤال عن نياتهم ‏وأفعالهم وأقوالهم, والله قال في القرءان:{ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ‏‏}(62)[سورة الأنعام]. فلو كان حساب الله تعالى لعباده بتكليمه لهم بحرف وصوت ‏ولغة لأخذ الحساب وقتا طويلا ولما كان الله أسرع الحاسبين كما قال, بل كان أبطأ ‏الحاسبين لأن الخلق كثير وإبليس وحده عاش ءالافا من السنين والله أعلم كم سيعيش ‏بعد, ويأجوج ومأجوج الكفار ورد في الحديث أن كل البشر بالنسبة لهم كواحد من ‏ألف فلو كان حساب هؤلاء بالسؤال بالحرف والصوت لكان حساب العبد يحتاج لوقت ‏طويل, والله يفرغ من حساب العباد في لحظة قصيرة في جزء من موقف من مواقف القيامة ‏الخمسين, فتبين للعاقل أن كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة. ‏

——————————————————–

‏(1)- مختصر العلو (ص/7 و 156 و 285 ).‏
‏(2)- انظر كتابه المسمى العقيدة الطحاوية شرح و تعليق الألباني (ص/25).‏
‏(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ‏ناظرة}.‏
*************************

تهجم الألباني على علماء الخلف وجَمعٍ من علماء السلف لتأولهم ما تشابه من ءايات ‏القرءان والحديث, فقال ما نصه(1):{ ونحن نعتقد أن كثيرا من المؤولة ليسوا ‏زنادقة لكن في الحقيقة أنهم يقولون قولة الزنادقة}اهـ, وقال(2):{ التأويل هو ‏عين التعطيل}اهـ. ‏

‏ فنقول: علماء السلف والخلف أوّلوا فأنت يا ألباني لست مع السلف ولا مع ‏الخلف, فهذا كأنه اعتراف منك بالخروج عن الملة, أليس أوّلت أنت وجماعتك المشبهة ‏قوله تعالى:{ وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ }(115)[سورة البقرة] فهذه الآية ‏ظاهرها أن الله محيط بالأرض بحيث يكون المصلي متوجها إلى ذات الله, أليس أنت وجماعتك ‏أوّلتم قوله تعالى حكاية عن إبراهيم:{ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ }(99)[سورة الصافات] ‏أليس إبراهيم كان في العراق وذهب إلى فلسطين, أليس أولتم هذه الآية ولم تأخذوا ‏بظاهرها الذي يوهم أن الله متحيز في أرض فلسطين, وأين أنت يا ألباني وجماعتك من ‏حديث مسلم(3):{ ما تصدّق أحد بصدقة من طيّب, ولا يقبل الله إلا الطيب, إلا أخذها ‏الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن}, أليس ظاهر هذا الحديث أن ‏المتصدق إذا تصدق وقعت صدقته في يد الله, أليس أولتم هذا؟؟؟ أم حملتموه على ‏الظاهر فتكونون جعلتم يد الله تحت يد المتصدق. ‏

‏ فإن قلتم: هذا الحديث والآيات التي ظواهرها أن الله في غير جهة فوق نؤولها وأما ‏الآيات التي ظواهرها أنه متحيز في جهة فوق نعتقدها ولا نؤولها, قلنا: هذا تحكّم ‏أي دعوى بلا دليل, بل الدليل العقلي والنقلي يدلان على وجوب ترك حمل هذه ‏الآيات وما كان على نحو هذا الحديث على ظواهرها وإلا لتناقضت هذه الآيات مع ‏قوله تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة الشورى] والقرءان منزه عن التناقض, والذي ‏أوقعكم في هذا هو أنكم لا تؤمنون بوجود موجود ليس في جهة ومكان وليس حجما ‏مخصوصا فمن أين يصح لكم معرفة الله وأنتم على هذه الحال. ‏

‏ أما نحن أهل السنة والجماعة فقد أوّلنا هذه وهذه, فنحن نوفّق بين الآية:{ لَيْسَ ‏كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } وبين تلك الآيات, فإن الآيات والأحاديث منها ما هو محكم ومنها ما هو ‏متشابه ونحن رددنا المتشابه بقسميه القسم الذي يدل ظاهره أن الله متحيز في جهة ‏فوق والقسم الذي يدل على أنه متحيز في جهة تحت إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى:{ ‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة الشورى]‏
‏ وأما حديث:{ كان الله ولم يكن شيء غيره} فهو دال دلالة صريحة على أن الله موجود ‏بلا مكان لأن المكان غير الله. فتبين أن مذهبكم التحكّم, ومذهب أهل السنة الاعتدال, ‏وليس مذهبنا التعطيل بل أنتم عطلتم قسما من الآيات والأحاديث جعلتموها وراء ‏ظهوركم كأنكم لم تسمعوها أو تروها. ‏

فالحاصل أن المتشابه من الكتاب والسنة قسمان قسم يوهم ظاهره أن الله في جهة فوق ‏متحيز وأن له أعضاء وحركة وسكون, وقسم ظاهره أن الله متحيز في جهة تحت, فعَمَد ‏أهل السنة إلى تأويل القسمين وردّهما إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } ‏وقوله:{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ }(4)[سورة الإخلاص] عملا بقول الله تعالى:{ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ‏مِنْهُ ءايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }(7)[سورة ءال عمران], لما وصف سبحانه المحكمات ‏بأنها أم الكتاب رددنا القسمين من المتشابه إلى المحكمات وهن أم الكتاب أي أصل ‏الكتاب. ‏

‏ أما أنت يا ألباني وطائفتك المشبهة حملتم قسما من المتشابه على الظاهر ‏وألغيتم القسم الآخر فكأنكم جعلتم القسم الآخر ما لا يلتفت إليه والقرءان كله ‏حق وصحيح, ثم إنكم جعلتم لله أعضاء وحَدا ومقدارا حملا للآيات التي ظواهرها ذلك ‏على الظاهر فجعلتم لله أمثالا وخالفتم قوله تعالى:{ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (8)[سورة ‏الرعد] والعالم لطيفه وكثيفه له مقدار فجعلتم الخالق مثل خلقه, فالعرش له ‏مقدار أي حد يعلمه الله والشمس لها مقدار أي حد يعلمه الله والنور والظلام له ‏مقدار يعلمه الله, وجعلتم أنتم لله مقدارا فقلتم الله بقدر العرش, وقال بعضكم ‏ليس بقدر العرش بل بقدر بعض العرش, فأهل السنة المباينون لكم هم الأمة هم ‏مئات الملايين اليوم وهم الأشاعرة والماتُريدية, وأما أنتم معشر المشبهة شرذمة ‏قليلة لا تتجاوزن نحو مليون. ‏

‏ والآيات المحكمة: هي ما لا يحتمل من التأويل بحسب وضع اللغة إلا وجها واحدا, أو ‏ما عُرف بوضوح المعنى المراد منه كقوله تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة الشورى]‏
‏:{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ }(4)[سورة الإخلاص], وقوله:{ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا }(65)[سورة مريم]. ‏

‏ وأما المتشابه: فهو ما لم تتضح دلالته, أو يحتمل أكثر من وجه واحتيج إلى ‏النظر لحمله على الوجه المطابق, كقوله تعالى:{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(5)[سورة طه]. ‏

‏ وأما قوله تعالى:{ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ }(7)[سورة ءال عمران] يحتمل أن يكون ابتداءً, ‏ويحتمل أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة, فعلى الأول المراد بالمتشابه ما استأثر ‏الله بعلمه كوجبة القيامة وخروج الدجال ونحو ذلك, فأنه لا يعلم متى وقوع ذلك ‏أحد إلا الله؛ وعلى الثاني: المراد بالمتشابه ما لم يتضح دلالته من الآيات أو يحتمل ‏أوجها عديدة من حيث اللغة مع الحاجة إلى إعمال الفكر ليحمل على الوجه المطابق ‏كآية:{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }(5)[سورة طه], فعلى هذا القول يكون الراسخون في ‏العلم داخلين في الاستثناء, ويؤيد هذا ما رواه مجاهد عن ابن عباس أنه قال:{ ‏أنا ممن يعلم تأويله}(4). ‏

‏ قال القشيري في التذكرة الشرقية(5):{ وأما قول الله عز وجل:{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ‏‏}(7)[سورة ءال عمران] إنما يريد به وقت قيام الساعة, فإن المشركين سألوا النبي ‏صلى الله عليه وسلم عن الساعة أيان مرساها ومتى وقوعها, فالمتشابه إشارة إلى ‏علم الغيب, فليس يعلم عواقب الأمور إلا الله عزّ وجل ولهذا قال:{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ ‏يَأْتِي تَأْوِيلُهُ }(53)[سورة الأعراف] أي هل ينظرون إلا قيام الساعة. وكيف يسوغ لقائل ‏أن يقول في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلا الله, ‏أليس هذا من أعظم القدح بالنبوات, وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف تأويل ‏ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم, أليس الله يقول:{ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ‏مُّبِينٍ }(195)[سورة الشعراء] فإذا على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال:{ بِلِسَانٍ ‏عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } إذ لم يكن معلوما عندهم, وإلا فأين هذا البيان؛ وإذا كان بلغة العرب ‏فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب لما كان ذلك الشيء عربيّا, فما قول في مقال ‏مآله إلى تكذيب الرب سبحانه. ‏

ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى, فلو كان في كلامه ‏وفيما يلقيه إلى أمته شيء لا يعلم تأويله إلا الله تعالى, لكان للقوم أن يقولوا ‏بيّن لنا أوّلا من تدعونا إليه وما الذي تقول, فإن الإيمان بما لا يعلم أصله غيرُ ‏مُتَأَتّ, ونسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل ‏أمر عظيم لا يتخيله مسلم, فإن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف, والغرض ‏أن يستبين من معه مُسْكَةٌ من العقل أن قول من يقول:{ استواؤه صفة ذاتية لا يعقل ‏معناها, واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها, والقدَم صفة ذاتية لا يعقل معناها} ‏تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل؛ وقد وضح الحق لذي عينين, وليت شعري ‏هذا الذي ينكر التأويل يَطَّرِدُ هذا الإنكار في كل شيء وفي كل ءاية أم يقنع بترك ‏التأويل في صفات الله تعالى, فإن امتنع من التأويل أصلا فقد أبطل الشريعة ‏والعلوم, إذ ما من ءاية وخبر إلا ويحتاج إلى تأويل وتصرف في الكلام إلا ما كان نحو ‏قوله تعالى:{ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }(101)[سورة الأنعام] لأن ثَمَّ أشياء لا بدّ من ‏تأويلها لا خلاف بين العقلاء فيه إلا الملاحدة الذين قصدهم التعطيل للشرائع, ‏والاعتقاد لهذا يؤدي إلى إبطال ما هو عليه من التمسك بالشرع بزعمه. وإن قال: ‏يجوز التأويل على الجملة إلا فيما يتعلق بالله وبصفاته فلا تأويل فيه, فهذا مصير ‏منه إلى أن ما يتعلق بغير الله تعالى يجب أن يعلم وما يتعلق بالصانع وصفاته يجب ‏التقاصي عنه, وهذا لا يرضى به مسلم؛ وسرّ الأمر أن هؤلاء الذين يمتنعون عن ‏التأويل معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يُدلّسون ويقولون: له يد لا كالأيدي ‏وقدم لا كالأقدام واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا. فليقل المحقق: هذا ‏كلام لا بد من استبيان (6), قولكم نجري الأمر على الظاهر ولا يعقل معناه ‏تناقض, إن أجريت على الظاهر فظاهر السياق في قوله تعالى:{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ‏‏}(42)[سورة القلم] هو العضو المشتمل على الجلد واللحم والعظم والعصب والمخ, ‏فإن أخذت بهذا الظاهر والتزمت بالإقرار بهذه الأعضاء فهو كفر, وإن لم يمكنك الأخذ ‏بها فأين الأخذ بالظاهر, ألست قد تركتَ الظاهر وعلمت تقدس الرب تعالى عما يوهم ‏الظاهر, فكيف يكون أخذا بالظاهر؟ وإن قال الخصم: هذه الظواهر لا معنى لها أصلا, ‏فهو حكم بأنها ملغاة, وما كان في إبلاغها إلينا فائدة وهي هدَر وهذا محال. وفي ‏لغة العرب ما شئت من التجوز والتوسع في الخطاب, وكانوا يعرفون موارد الكلام ‏ويفهمون المقاصد, فمن تجافى عن التأويل فذلك لقلة فهمه بالعربية, ومن أحاط ‏بطرق من العربية هان عليه مدرك الحقائق, وقد قيل{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ‏‏}(7)[سورة ءال عمران]: فكأنه قال: والراسخون في العلم أيضا يعلمونه ويقولون ‏ءامنا به. فإن الإيمان به غير متأت, ولهذا قال ابن عباس:{ أنا من الراسخين في ‏العلم}}.اهـ. ‏

فتبين أن قول من يقول إن التأويل غير جائز خبط وجهل, وهو محجوج بقوله صلى الله ‏عليه وسلم لابن عباس:{ اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب}(7). ‏

هذا وقد شدّد الحافظ ابن الجوزي الفقيه الحنبلي – وهو حرب على حنابلة المجسمة ‏وما أكثرهم – في كتابه ” المجالس” النكيرَ والتشنيع على من يمنع التأويل ووسّع ‏القول في ذلك, فمما ورد فيه(8):{ وكيف يمكن أن يقال إن السلف ما استعملوا ‏التأويل وقد ورد في الصحيح عن سيد الكونين صلى الله عليه وسلم أنه قدّم له ابن ‏عباس وَضوءه فقال:{ من فعل هذا}, فقال: قلت: أنا يا رسول الله, فقال:{ اللهم ‏فقّهه في الدين وعلّمه التأويل}, فلا يخلو إما أن يكون الرسول أراد أن يدعو له ‏أو عليه, فلا بد أن تقول أراد الدعاء له لا دعاءً عليه, ولو كان التأويل ‏محظورا لكان هذا دعاء عليه لا له. ثم أقول: لا يخلو إما أن تقول: إن دعاء ‏الرسول ليس مستجابا فليس بصحيح, وإن قلت: إنه مستجاب فقد تركت مذهبك وبَطَل ‏قولك: إنهم ما كانوا يقولون بالتأويل, وكيف والله يقول:{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ ‏فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ}(7)[سورة ءال عمران], وقال:{ الم}(1)[سورة البقرة] أنا الله ‏أعلم, و{ كهيعص}(1)[سورة مريم] الكاف من كافي, والهاء من هادي, والياء من ‏حكيم, والعين من عليم, والصاد من صادق, إلى غير ذلك من المتشابه}. اهـ. ‏

‏ ثبوت التأويل التفصيلي عن السلف: ‏

والتأويل التفصيلي وإن كان عادة الخلف فقد ثبت أيضا عن غير واحد من أئمة ‏السلف وأكابرهم كابن عباس من الصحابة, ومجاهد تلميذ ابن عباس من التابعين, ‏والإمام أحمد ممن جاء بعدهم, وكذلك البخاري وغيره. ‏

أما ابن عباس فقد قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري(9):{ وأما الساق فجاء ‏عن ابن عباس في قوله تعالى:{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}(42)[سورة القلم] قال: عن شدة من ‏الأمر, والعرب تقول قامت الحرب على ساق إذا اشتدت, ومنه: ‏

قد سَنّ أصحابك ضرب الأعناقْ—-وقامت الحرب بنا على ساقْ ‏

وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسيرها: عن نور عظيم, قال ابن فورك: معناه ما ‏يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف, وقال المُهَلَّب: كشف ساق للمؤمنين رحمة ‏ولغيرهم نقمة, وقال الخطابي(10): تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق, ومعنى ‏قول ابن عباس أن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة, وأسند البيهقي (11) ‏الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد: إذا خفي عليكم شيء من ‏القرءان فابتغوه من الشعر, وذكر الرجز المشار إليه, وأنشد الخطابي في إطلاق ‏الساق على الأمر الشديد: ‏

‏—–في سنة قد كَشَفَت عن ساقِها}اهـ. ‏

وأما مجاهد فقد قال الحافظ البيهقي(12):{ وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر ‏القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب, حدثنا الحسن بن علي بن عفان, ‏ثنا أبو أسامة, عن النضر, عن مجاهد في قوله عز وجل:{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ‏اللهِ}(115)[سورةالبقرة] قال: قِبلة الله, فأينما كنت في شرق أو غرب فلا توجهن إلا ‏إليها}. اهـ. ‏

وأما الإمام أحمد فقد روى البيهقي في مناقب أحمد عن الحاكم, عن أبي عمرو بن ‏السماك, عن حنبل أن أحمد ابن حنبل تأوّل قول الله تعالى:{ وَجَاء رَبُّكَ }(22)[سورة ‏الفجرٍ] أنه جاء ثوابه, ثم قال البيهقي:{ وهذا إسناد لا غبار عليه}, نقل ذلك ‏ابن كثير في تاريخه(13). ‏

وقال البيهقي في مناقب أحمد(14):{ أنبأنا الحاكم, قال حدثنا أبو عمرو بن ‏السماك, قال: حدثنا حنبل بن إسحاق, قال: سمعت عمي أبا عبد الله – يعني أحمد – ‏يقول: احتجوا عليّ يومئذ – يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين – فقالوا تجيء ‏سورة البقرة يوم القيامة وتجيء سورة تبارك فقلت لهم: إنما هو الثواب قال الله ‏تعالى:{ وَجَاء رَبُّكَ }(22)[سورة الفجرٍ] إنما يأتي قدرته وإنما القرءان أمثال ‏ومواعظ. ‏

‏ قال البيهقي: وفيه دليل على أنه لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب ‏والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجيء ذوات الأجسام ‏ونزولها, وإنما هو عبارة عن ظهور ءايات قدرته, فإنهم لما زعموا أن القرءان لو ‏كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان, فأجابهم أبو عبد الله ‏بأنه إنما يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ فعبر عن إظهاره إياها ‏بمجيئه}.اهـ. ‏

‏ وهذا دليل على أن الإمام أحمد رضي الله عنه ما كان يحمل ءايات الصفات وأحاديث ‏الصفات التي توهم أن الله متحيّز في مكان أو أن له حركة وسكونا وانتقالا من علو ‏إلى سفل على ظواهرها, كما يحملها ابن تيمية وأتباعه فيثبتون اعتقادا التحيز ‏لله في المكان والجسمية ويقولون لفظا ما يموهون به على الناس ليظن بهم أنهم منزهون ‏لله عن مشابهة المخلوق, فتارة يقولون بلا كيف كما قالت الأئمة, وتارة يقولون على ‏ما يليق بالله. نقول: لو كان الإمام أحمد يعتقد في الله الحركة والسكون والانتقال ‏لترك الآية على ظاهرها وحملها على المجيء بمعنى التنقل من علو إلى سفل كمجيء ‏الملائكة وما فاه بهذا التأويل.‏

‏ وقد روى البيهقي في الأسماء والصفات(15) عن أبي الحسن المقرئ, قال:{ أنا أبو ‏عمرو الصفار, ثنا أبو عوانة, ثنا أبو الحسن الميموني قال: خرج إليّ يوما أبو ‏عبد الله أحمد بن حنبل فقال: ادخل, فدخلت منزله فقلت: أخبرني عما كنت فيه مع ‏القوم وبأيّ شيء كانوا يحتجون عليك؟ قال: بأشياء من القرءان يتأولونها ‏ويفسرونها, هم احتجوا بقوله:{ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ }(2)[سورة الأنبياء] قال: ‏قلت: قد يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المُحدث لا الذكر نفسه هو المُحدَث. قلت – ‏أي قال البيهقي-: والذي يدل على صحة تأويل أحمد بن حنبل رحمه الله ما حدثنا ‏أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك, أنا عبد الله بن جعفر, ثنا يونس ابن حبيب, ثنا ‏أبو داود, ثنا شعبة, عن عاصم, عن أبي وائل عن عبد الله – هو ابن مسعود – رضي ‏الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يردّ عليّ فأخذني ‏ما قََدُمَ وما حَدَث, فقلت: يا رسول الله أحدث فيّ شيء, فقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم:{ إن الله عز وجلّ يحدث لنبيه من أمره ما شاء, وإن مما أحدث ألا تكلموا في ‏الصلاة}}. اهـ. ‏

‏ وورد أيضا التأويل عن الإمام مالك فقد نقل الزرقاني(16) عن أبي بكر بن ‏العربي أنه قال في حديث:{ ينزل ربنا}:{ النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته, ‏بل ذلك عبارة عن مَلَكِهِ الذي ينزل بأمره ونهيه. فالنزول حسيّ صفة الملك المبعوث ‏بذلك, أو معنوي بمعنى لم يفعل ثم فعل, فسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة, فهي ‏عربية صحيحة}. اهـ. ‏

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري(17):{ وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة ‏ردّ هذه الأحاديث, وعن السلف إمرارها, وعن قوم تأويلها وبه أقول. فأما ‏قوله:{ ينزل} فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته, بل ذلك عبارة عن مَلَكِهِ الذي ‏ينزل بأمره ونهيه, والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني, فإن حملته في ‏الحديث على الحسي فتلك صفة المَلَك المبعوث بذلك, وإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم ‏يفعل ثم فعل فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة, فهي عربية صحيحة انتهى. ‏والحاصل أنه تأوّله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو المَلَك بأمره, وإما بأنه ‏استعارة بمعنى التلطّف بالداعين والإجابة لهم ونحوه} انتهى كلام الحافظ, وكذا حكي ‏عن مالك أنه أوّله بنزول رحمته وأمره أو ملائكته كما يقال فعل المَلِك كذا أي ‏أتباعه بأمره. ‏

‏ وورد التأويل أيضا عن سفيان الثوري فقد روى الحافظ البيهقي أيضا في الأسماء ‏والصفات(18) عن أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي, قال:{ أنا أبو الحسن محمد ‏بن محمود المروزي الفقيه, ثنا أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ, ثنا أبو موسى ‏محمد بن المثنى, حدثني سعيد بن نوح, ثنا علي ابن الحسن شقيق, ثنا عبد الله بن ‏موسى الضبي, ثنا معدان العابد قال: سألت سفيان الثوري عن قول الله عزّ وجل:{ ‏وَهُوَ مَعَكُمْ }(4)[سورة الحديد] قال: علمه}.ا.هـ. ‏

‏ وقد ورد أيضا عن الإمام البخاري فقد روى في صحيحه(19) عند قوله تعالى:{ كُلُّ ‏شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }(88)[سورة القصص], قال البخاري:{ إلا مُلكه, ويقال: إلا ما أُريد ‏به وجه الله}. ا.هـ. ‏

‏ وروى أيضا(20) عن أبي هريرة رضي الله عنه:{ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ‏وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء, فقال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم:{ من يضم}, أو:{ يضيف هذا؟} فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى ‏امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت ‏صبياني, فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء, ‏فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها, ثم قامت كأنها تصلح سراجها ‏فأطفأته, فجعلا يُريانِه أنهما يأكلان, فباتا طاويين, فلما أصبح غدا إلى رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم فقال:{ ضحك الله الليلة}, أو:{ عجب من فعالكما}. فأنزل ‏الله:{ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }(9)[سورة الحشر]. ‏

‏ قال الحافظ ابن حجر(21):{ ونسبة الضحك والتعجّب إلى الله مجازية والمراد بهما ‏الرضا بصنعيهما}.ا.هـ. ‏

‏ وأوّل البخاري الضحك الوارد في الحديث بالرحمة نقل ذلك عنه الخطابي(22) ‏فقال:{ وقد تأوّل البخاري الضحك في موضع ءاخر على معنى الرحمة وهو قريب, ‏وتأويله على معنى الرضا أقرب}(23). ا.هـ. ‏
‏ ‏
‏ خلاصة ما يتعلق بمسئلة التأويل يقال: هنا مسلكان كل منهما صحيح: الأول ‏مسلك السلف وهم أهل القرون الثلاثة الأولى أي الغالب عليهم, فإنهم يؤولونها ‏تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته بلا تعيين, بل ‏ردوا تلك الآيات إلى الآيات المحكمات كقوله تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة ‏الشورى].‏

‏ الثاني: مسلك الخلف: وهم يؤولونها تفصيلا بتعيين معان لها مما تقتضيه لغة ‏العرب ولا يحملونها على ظواهرها أيضا كالسلف, ولا بأس بسلوكه ولا سيما عند الخوف ‏من تزلزل العقيدة حفظا من التشبيه. ‏

‏ قال الحافظ ابن دقيق العيد(24):{ نقول في الصفات المشكلة أنها حقّ وصدق على ‏المعنى الذي أراده الله, ومن تأوّلها نظرنا فإن كان تأويله قريبا على مقتضى لسان ‏العرب لم ننكر عليه, وإن كان بعيدا توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع ‏التنزيه}.اهـ

‏ فضيحة للألباني ‏

‏ يثبت الألباني لله تعالى معيّة ذاتية مع عباده(25) مع قوله فوق العرش بذاته, ‏ومع قوله مرة أُخرى: إن الله محيط بالعالم إحاطة ذاتية أي أنه تعالى فوق العالم ‏وتحت العالم وعلى يمين العالم وعلى يسار العالم بذاته, فكيف ساغ في عقله الجمع بين ‏هذه التناقضات فهل هذا كلام من له عقل؟!. ‏

‏ فماذا تقول له فرقته لو اطّلعوا على هاتين المقالتين أي القول بالمعية ‏الذاتية مع عباده المتقين والقول بأنه محيط بالعالم إحاطة ذاتية وهم القائلون ‏بأن من لم يعتقد أن الله فوق العرش بذاته كافر – وكَذَبوا – أيكفّرونه أم يسكتون ‏عنه لأنه يوافقهم في أكثر عقائدهم مداهنة. ‏

‏ ثم إن في فتاوى هذا الرجل مقالات بشعة خبيثة تمجها أسماع المؤمنين وكل من يفرق ‏بين الحق والباطل. ‏

‏ فيا أيها الألباني يا أيها المتذبذب في عقيدته بين ضلالة وضلالة متناقضتين هل ‏خفي عليك تذبذبك هذا أم أنك تدري ومع هذا تُصِرُّ وذلك أن تعتقد أن الله فوق ‏العرش بذاته كما تقول طائفتك, وتقول إنه محيط بالعالم من جميع النواحي, وتقول ‏إنه ينزل من فوق إلى السماء الدنيا بذاته فأدى بكم فساد أفهامكم إلى أن ‏جعلتم النصوص القرءانية والحديثية متناقضة حيث جعلتم الآيات التي ظواهرها أن ‏الله في جهة فوق وأنه يتحرك ويسكن وأن له أعضاء محمولة على ظواهرها فاعتقدتم أن ‏الله جسما يتحرك ويسكن كما أن أجسام المخلوقات كذلك, وأما أهل العدل أهل ‏السنة لم يحملوا هذه النصوص على ظواهرها بل ردوا الجميع إلى قوله تعالى:{ ليس ‏كمثله شيء}, وقد سميتم أهل السنة لهذا التأويل معطلة, فكيف استجزتم القول ‏المشهور عندكم التأويل تعطيل ولم تدروا أن هذا ينطبق عليكم وليس على أهل ‏السنة, فهل عندكم ذنب لأهل السنة غير أنكم جعلتم تأويلهم لتلك الآيات ‏والأحاديث مردودة إلى آية:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة الشورى] تنزيها لتلك الآيات ‏والأحاديث من التناقض. ‏

‏ أما تخجلون من إطلاق هذا القول “التأويل تعطيل” وقد أوّلتم كل ءاية ظاهرها ‏أن الله في الأرض وكذلك كل حديث. فقد أوّلتم قول الله تعالى:{ وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ‏فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}(115)[سورة البقرة], وأولتم قول الله تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه ‏السلام:{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}(99)[سورة الصافات], فلم تأخذوا بظاهره, وأولتم ‏حديث البخاري(26):{ وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه فإذا أحببته ‏كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ‏بها} فلم تأخذوا بظاهره, وأولتم حديث(27):{ ما تصدّق أحد بصدقة من طيب, ولا ‏يقبل الله إلا الطيب, إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كفّ الرحمن}, ‏فلم تأخذوا بظاهر هذا الحديث أن يد المتصدق فوق يد الله, أما قوله تعالى:{ يَدُ اللهِ ‏فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(10)[سورة الفتح], فقد حملتموه على الظاهر, فما هذا التناقض؟!.

————————————————-
‏(1)- و (2)- فتاوى الألباني (ص/522-523)، و انظر أيضًا كتابه المسمى ” مختصر العلو” (ص/23 ‏و ما بعدها).‏
‏(3)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب و تربيتها.‏
‏(4)- الدر المنثور (2/152)، زاد المسير (1/354).‏
‏(5)- ذكر ذلك الحافظ اللغوي مرتضى الزبيدي في كتابه إتحاف السادة المتقين (2/110).‏
‏(6)- كذا في الأصل و وجه الكلام لا بد من استبيانه.‏
‏(7)- أخرجه ابن ماجه في سننه: المقدمة: فضل ابن عباس رضي الله عنهما.‏
‏(8)- كتاب المجالس لابن الجوزي (ص/13).‏
‏(9)- فتح الباري (13/428).‏
‏(10)- الأسماء و الصفات للبيهقي (ص/345).‏
‏(11)- المرجع السابق.‏
‏(12)- الأسماء و الصفات (ص/309).‏
‏(13)- البداية و النهاية (10/327).‏
‏(14)- انظر تعليق الزاهد الكوثري على السيف الصقيل للإمام السبكي (ص/120-121).‏
‏(15)- الأسماء و الصفات (ص/235).‏
‏(16)- شرح الزرقاني على الموطأ (2/35)، و انظر شرح الترمذي (2/236).‏
‏(17)- فتح الباري (3/30).‏
‏(18)- الأسماء و الصفات (ص/430).‏
‏(19)- صحيح البخاري: كتاب التفسير: باب تفسير سورة القصص، في فاتحته.‏
‏(20)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب قول الله عز و جل: { و يؤثرون على ‏أنفسهم و لو كان بهم خصاصة (9)} [ سورة الحشر ].‏
‏(21)- فتح الباري (7/120).‏
‏(22)- الأسماء و الصفات (ص/470).‏
‏(23)- فتح الباري (6/40).‏

هوامش فضيحة الألباني:‏

‏(24)- فتح الباري (13/383).‏
‏(25)- فتاوى الألباني (ص/343).‏
‏(26)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب التواضع.‏
‏(27)- تقدم تخريجه.‏
**********************
الفصل الرابع إنكار الألباني تأويل البخاري ‏

أنكر الألباني(1) تأويل البخاري لقوله تعالى:{ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }(88)[سورة ‏القصص] أي إلا ملكه فقال الألباني(2) أيضا عن هذا التأويل:{ هذا لا يقوله ‏مسلم مؤمن} اهـ, وذكر أنه ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين ‏التعطيل ثم قال ما نصه(3):{ ننزه الإمام البخاري أن يؤول هذه الآية وهو إمام ‏في الحديث وفي الصفات وهو سلفي العقيدة والحمد لله}. اهـ. ‏

‏ الرد: الألباني بهذا يكون كفّر من أوّل هذه الآية بهذا التأويل فإذن البخاري ‏عنده كافر لأن نسخ البخاري كلها متفقة على هذا ولا يستطيع الألباني أن يُثبت ‏نسخة خالية عن هذا التأويل لكنه يُكابر هربا مما يتوقعه, فمثله كمثل من أراد ‏أن يغطي الشمس بكفه في يوم صحو رابعة النهار. ثم ليس هذا التأويل مما انفرد ‏به البخاري بل أوّل(4) سفيان الثوري رضي الله عنه هذه الآية:{ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ‏‏}(88) بقوله:{ ما أريد به وجهه}. ‏

ثم إن تأويل البخاري لهذه الآية ثابت عنه, فقد قال في أول سورة القصص ما نصه:{ ‏كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }(88)[سورة القصص] إلا ملكه, ويقال: إلا ما أُريد به وجه الله} ‏انتهى بحروفه. فإنكار الألباني لذلك دليل جهله فكيف يدعي أصحابه بأنه حافظ ‏محدث, سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم. ‏

‏ أما قوله بأن هذا التأويل لا يقوله مسلم مؤمن لأنه على زعمه يكون من أهل ‏التعطيل الضالين, فماذا يقول عن البخاري بعد ثبوت ذلك عنه, هل يرميه ‏بالتعطيل(5)؟
*******************
الفصل السادس بيان شذوذ الألباني في مسألة التوسل والاستغاثة ‏

زادت جرأة الألباني وتطاوله على الحق وأهله حين حرّم(1) التوسل بذات النبي صلى ‏الله عليه وسلم وجعل الاستغاثة بغير الله شركا. ‏

‏ الرد: روى البخاري(2) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:{ إن الشمس ‏تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن, فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم ‏بموسى ثم بمحمد}, والتوسل والاستغاثة بمعنى واحد كما قال الحافظ اللغوي تقي الدين ‏السبكي الذي قال فيه السيوطي إنه حافظ مجتهد لغوي فقيه أصولي نحوي متكلم. ‏

‏ ومما يدل على ذلك أن حديث الشفاعة روي بلفظين, رواه البخاري عن ابن عمر ‏بهذا اللفظ, ورواه أيضا عن أنس بلفظ الاستشفاع ونصه:{ فاشفع لنا عند ربنا}, ‏فهاتان الروايتان يؤخذ منهما أن الاستغاثة توسل والتوسل استغاثة. ‏

‏ ومن أدلة أهل السنة على جواز الاستغاثة ما رواه البخاري في الأدب ‏المفرد(3) عن ابن عمر أنه قال: يا محمد, وذلك عندما خدرت رجله, ولم ينكر ‏عليه أحد من الصحابة, وكلامه هذا استغاثة ويقال عنه توسل أيضا. ‏

‏ ومن أدلة التوسل ما رواه الحافظ الطبراني(4) عن عثمان بن حنَيف أن رجلا ‏كان يختلف إلى عثمان بن عفان فكان عثمان لا يلتَفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ‏عثمان بن حُنَيْف فشكى اليه ذلك فقال: ائت الميضأةَ فَتَوضأ ثم صل ركعتين ثم قل:{ ‏اللهم إني أسألك وأتَوجّه إليك بنبِيّنا محمد نبيّ الرحمة، يا محمّدُ إني أتَوجهُ بكَ إلى ‏ربّي في حاجتي لتُقضَى لي}، ثم رح حتى أرُوحَ معك. ‏

فانطلق الرجل ففعل ما قال، ثم أتَى باب عثمان, فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله ‏على عثمان بن عفان فأجلسه على طنفسته فقال: ما حاجتك؟ فذكر له حاجته، فقضى ‏له حاجتَه وقال: ما ذكرت حاجتَك حتى كانَت هذه الساعة، ثم خرج من عنده فلقي ‏عثمان بن حنيف فقال: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى ‏كلمته فيَّ، فقال عثْمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فقال صلى الله عليه وسلم: إن شئت ‏صبرتَ وإن شئت دعوت لك، قال: يا رسول الله إنه شق عليّ ذهاب بصري وإنه ليس لي ‏قائد فقال له:{ائتِ المِيْضَأةَ فتَوضأ وصل ركعتين ثم قلْ هؤلاءِ الكَلمات}، ففعلَ الرجل ‏ما قال، فوَالله مَا تفرقنا ولا طال بِنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقَد أبصر كأنه ‏لم يكن به ضرّ قط. قال الطبراني(5): والحديث صحيح. ففي هذا الحديث الصحيح دليل ‏على جواز التوسل بالنبي في حياته بغير حضوره وبعد وفاته. ‏

‏ ومن أدلة الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ما رواه الحافظ ‏البيهقي(6)أيضا بإسناد صحيح عن مالك الدار – وكان خازن عمر – قال:{ أصاب ‏الناس قحط في زمان عمر, فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:{ يا ‏رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا, فأُتي الرجل في المنام – أي رأى النبي صلى ‏الله عليه وسلم في المنام – فقيل له: أقرئ عمر السلام وأخبره أنهم يسقون وقل له: ‏عليك الكيس الكيس, فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر وقال:{ يا رب ما ءالوا ‏إلا ما عجزت} اهـ. وهذا الرجل هو بلال بن الحرث المزني الصحابي, فهذا الصحابي ‏قد قصد قبر الرسول للتبرك فلم ينكر عليه عمر ولا غيره. ‏

‏ وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(7) ما نصه:{ وروى ابن شيبة بإسناد ‏صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن ‏عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك ‏فإنهم قد هلكوا, فأُتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر… الحديث. وقد روى ‏سيف الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحرث المزني أحد ‏الصحابة}.اهـ.‏

ولما لم يستطع الألباني أن يثبت ضعف هذا الأثر عمد إلى الافتراء على الحافظ ابن ‏حجر بأنه ضعفه(8) مع أن الحافظ صرّح بصحة سنده كما نقلنا عنه من كتابه “فتح ‏الباري”, وهذا دليل أيضا على أن الألباني لا يوثق بنقله ولا برأيه الذي يحرّف ‏الحقائق والوقائع نصرة لرأيه. ‏

‏ ثم إن الاستغاثة بالرسول بعد موته شرك وكفر عند هذا الرجل أي ناصر الدين ‏الألباني فماذا يقول في زعيمه ابن تيمية الذي أوقعه في التجسيم وتوابعه في ‏قوله في كتابه الذي سماه “الكلم الطيب”, أي أن كل ما فيه شئ حسن أن عبد الله ‏بن عمر رضي الله عنه خدرت رجله – أي أصابها مرض الخدر الذي هو شبه فالج في الرِّجل ‏وهو معروف عند الأطباء – فقال له رجل: اذكر أحبّ الناس إليك فقال: يا محمد, ‏فكأنما نشط من عقال. ‏

‏ وكتاب ابن تيمية هذا توجد منه نسخ خطية وطبع عدة طبعات في مصر وغيرها, ‏فموجب قوله بتكفير المستغيث برسول الله بعد موته تكفير ابن تيمية حيث انه ‏استحسن هذا ومن استحسن الكفر فهو كافر ومن دلَّ إلى الكفر فهو كافر, فهل يكفر ‏ابن تيمية لأنه استحسن هذه الاستغاثة كما يُكفر المستغيثين بالرسول بعد وفاته ‏على الإطلاق أم يستثنيه؟! أم ماذا يفعل؟! فإن قال: لا أكفر ابن تيمية ‏لاستحسانه ذلك لأنه زعيمنا قيل له: إذن أنت تتحكم تطبق على الناس ما لا تطبقه ‏على زعيمك فقد أشبهت في هذا اليهود الذين كانوا بدّلوا حكم التوراة في الرجل ‏الزاني المحصن كانوا يرجمون الزاني المحصن إن كان من الوضعاء ولا يرجمونه إن كان ‏من أشرافهم. وقد اعترفت يا ألباني بأن هذا الكتاب من مؤلفات ابن تيمية كما ‏عرف الناس سواك لأن مترجميه ذكروا ذلك في عداد من مؤلفاته, فأين المهرب؟! ‏

‏ ثم ماذا يقول الألباني فيما ذكره الحافظ الخطيب(8) بسنده إلى عبد الواحد بن ‏ءادم يقول:{ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو ‏واقف في موضع, فسلمت عليه فرد على السلام, فقلت: وما وقوفك ههنا يا رسول الله؟ ‏قال: أنتظر محمد بن إسماعيل – إلى آخر ما تقدم – وقال القسطلاني: لما ظهر أمره ‏بعد وفاته, خرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا التوبة والندامة, وقال أبو علي ‏الحافظ: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السمرقندي, قدم علينا “بلنسية” عام ‏أربعة وستين وأربعمائة, قال: فقحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام, ‏فاستسقى الناس مرارا فلم يسقوا, فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند ‏وقال له: إني رأيت رأيا أعرضه عليك, قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج ‏الناس معك إلى قبر الإمام البخاري فتستسقي عنده فعسى الله أن يسقينا, فقال ‏القاضي: نِعْمَ ما رأيت! فخرج القاضي ومعه الناس واستسقى بهم وبكى الناس عند ‏القبر وتشفعوا بصاحبه, فأرسل الله تعالى السماء بماء عظيم غزير, أدام الناس من ‏أجله بخرتنك سبعة أيام ونحوها لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر ‏وغزارته}. اهـ. – لامع الدراري (1/44) -‏

وقد حصل لشخص من أهل السنة الطيبين أنه ذهب إلى رأس من رؤوس الوهابية في ‏الأردن لمناقشته في مسألة التوسل والاستغاثة, قال: فتكلمت معه في موضوعه التوسل ‏أولا وأعطيته حديث الطبراني فقال لي: إنه يُجيز التوسل بالنبي في حال حياته, ‏فقلت له: حديث الطبراني فيه جواز التوسل بالنبي في حال حياته وبعد مماته, ‏وكذلك حديث بلال بن الحارث المزني الذي ذهب إلى قبر النبي وتوسل به بعد موته, ‏فقال لي: هذا الحديث ضعيف, فقلت له رواه البيهقي بسند صحيح كما قال الحافظ ‏ابن حجر في الفتح وكذلك صححه ابن كثير, فقال لي: ابن حجر يقول رواه البيهقي ‏بسند صحيح إلى مالك الدار أي أن الحديث صحيح إلى مالك الدار, ومالك الدار هذا ‏مجهول, فلا حجة في الحديث, فقلت له: عمر يولي على خزائن المسلمين على بيت مال ‏المسلمين رجلا مجهولا ليس معروفا أم ثقة, فسكت. ثم رجع فقال: أنا التوسل أقول إن ‏فيه خلافا فلا أعترض على من يتوسل أما الاستغاثة بغير الله هي المحرّمة ولا يجوز لمخلوق ‏أن يستغيث بمخلوق ءاخر, فقلت له: ماذا تقول في الحديث الذي رواه البخاري من ‏طريق ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ إن الشمس تدنو يوم ‏القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن, فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم}, فقال لي: ‏هذا في حال حياتهم يجوز أن تستغيث بهم أما بعد مماتهم لا يجوز. ‏

فقلت له: إذا أنت تُقرُّ بجواز الاستغاثة بالأنبياء في حال حياتهم فقال لي: نعم, ‏فقلت له: ما المانع عقلا أو شرعا من الاستغاثة بهم بعد مماتهم, فقال لي: حديث أحمد ‏الذي رواه في مسنده والذي أقوم بتحقيقه ولم تر الأسواق مثله, ثم قال لي: الحديث ‏هو أن الرسول قال:{ إنه لا يُستغاث بي, إنما يُستغاث بالله}, فقلت له أنت شهدت ‏على نفسك الآن بالتناقض, فقد قلت لي لما ذكرت لك حديث ابن عمر إن الاستغاثة ‏بالأنبياء في حال حياتهم جائزة فكيف تُورِد حديثا أن النبي في حال حياته قال إنه ‏لا يُستغاث بي, فقال لي: هذا الحديث ضعيف لا حُجة فيه!!! ثم قال لي: أعطني واحدا من ‏الأئمة الأربعة ذهب إلى قبرٍ أو ولي تبرك أو استغاث به, فقلت له: روى الخطيب ‏البغدادي بإسناد صحيح في تاريخ بغداد – (9) – أن الشافعي قال: إني لأتبرك ‏بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره كل يوم يعني زائرا فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين ‏وأتيت إلى قبره وسألت الله الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى, فقال لي: هذا ليس ‏صحيحا وصار يصرخ ويقول: من أين أتيت بهذا, فكان الكتاب كتاب تاريخ بغداد ‏خلف ظهره, فقلتُ له: أعطني الكتاب ففتحت له الكتاب حيث الرواية فلما رأى ذلك ‏بعينه عجب وقال لشخص عنده: اذهب وخرّج لي رواه هذا الحديث, وهذا يعني أن يُجرئ ‏الذين عنده على التصحيح والتضعيف, فذهب هذا ورجع فسمعته يقول له بصوت ‏منخفض: كل رواة الحديث ثقات, فقلت له فورا: ماذا وجدت في رواة هذا الحديث, ‏فقال: كل رواته ثقات إلا راوٍ لم أجد له عندي ترجمة, فقال الوهابي: إذا هذا ‏الحديث ضعيف لأن فيه راوٍ مجهول, فقلت له: كيف تحكم بضعف هذه الرواية لأنك لم تجد ‏ترجمة لراوٍ عندك والقاعدة تقول ” عدم الوجدان ليس دليل العدم”, فقال لي: ما ‏معنى هذه القاعدة, فقلت له: إذا لم تجد ترجمة لراوٍ عندك فليس المعنى أنه مجهول ‏ضعيف فقال لي: إذا أتيتني بترجمة هذا الراوي أنا أبصم لك بالعشرة, ثم قال لي: ‏أنا مشغول الآن, وسألني عن اسمي, فقلت له اسمي ‏
———————————————————————————-
‏(1)- انظر كتابه المسمى “التوسل” (ص/70 و 74).‏
‏(2)- المصدر السابق (ص/25).‏
‏(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة: باب من سأل الناس تكثُّرًا.‏
‏(4)- الأدب المفرد (ص/207).‏
‏(5)- المعجم الكبير (9/17)، و المعجم الصغير (1/201-202).‏
‏(6)- فتح الباري شرح صحيح البخاري (2/495-496).‏
‏(7)- انظر كتابه المسمى ” التوسل أنواعه و أحكامه” (ص/13).‏
‏(8)- لامع الدراري (1/44).‏
‏(9)- تاريخ بغداد (1/123).‏
*****************************
الفصل السابع يدعي الألباني أنه لا يجوز الزيادة في التلبية على تلبية رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم(1). ‏

ومن بدع هذا الألباني التي شوش بها على المسلمين حكمه على أفعال أحدثها العلماء ‏الأخيار من السلف والخلف, وهي موافقة لكتاب الله وسنة رسوله غير مخالفة وهي ‏داخلة تحت قوله صلى الله عليه وسلم:{ من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر ‏من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء, ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة ‏فعليه وزرها ووزر من عمِل بها من بعده, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء}, رواه ‏مسلم (2), وللحديث الصحيح الموقوف وهو قول عبد الله بن مسعود:{ ما رءاه المسلمون ‏حسنا فهو عند الله حسن, وما رءاه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح}. حسنه ‏الحافظ ابن حجر في الأمالي (3) وذلك مثل عمل المولد في شهر ربيع الأول, واستعمال ‏السبحة للذكر, والطرق التي أحدثها العلماء الأولياء الأبرار كالطريقة ‏القادرية والطريقة الرفاعية, وصيغة التلبية التي أحدثها عمر رضي الله عنه, ‏كانت تلبية رسول الله:{ لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد ‏والنعمة لك والملك, لا شريك لك}, فأحدث عمر:{ لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك ‏والخيرُ في يديك, لبيك والرغباءُ إليك والعمل}, وزاد ابن عمر في التشهد:{ وحده لا ‏شريك له}, قال:{ أنا زدتها}. ‏

أما تلبية عمر التي زادها على تلبية الرسول فقد رواه مسلم (4), أما زيادة ابن ‏عمر في تشهد الصلاة:{ وحده لا شريك له}, فأخرجها أبو داود (5). ‏

وكذلك أحدث السلف من التابعين التعريف أي الاجتماع يوم عرَفة للذكر والدعاء ‏تشبها بالحجاج الذين يذكرون ويدعون الله في عرفات ومنهم الحسن البصري رضي الله ‏عنه رواه جمع من علماء الحفاظ منهم النووي. ‏

وأحدث العلماء من السلف كتابة ” صلى الله عليه وسلم” عند كتابة اسم محمد وكُتُب ‏الرسول التي أملاها على الصحابة التي كتبها إلى الملوك ليدعوهم إلى الإسلام كهرقل ‏خالية عن ذلك فلم يملِ الرسول عليهم إلا اسمه, ففي صحيح البخاري صورة كتابة ‏رسالته صلى الله عليه وسلم ولفظه:{ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ‏ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك ‏بدعاية الإسلام أسلم تسلم} الحديث (6), وهذه الكتابة سنة حسنة أحدثها العلماء مما ‏لم يفعله الرسول وقبلها أهل السنة وغيرهم حتى المشبهة جماعة الألباني في مؤلفاتهم ‏عند كتابة اسم الرسول يكتبون صلى الله عليه وسلم, ومن ذلك ما ذكره المحدثون في ‏كتب اصطلاح الحديث أن يبدأ مجلس الحديث بقراءة شيء من القرءان والحمد لله والصلاة ‏والسلام على النبي ثم يقول المستملي للمملي:{ من ذكرتَ رحمك الله}, وهذا لم يكن في ‏عهد الرسول ولا فيما بعده إلى زمان طويل, فالعجب, من هذا الرجل وجماعته ‏الوهابية حيث ينكرون بعض ما أحدثه علماء الإسلام مما ذكرنا ونحوه محتجين بأن ‏الرسول لم يفعله وهم موافقون في بعض ذلك, بل يفعلونه ويحرمون على الناس بعضا ‏تحكما بلا دليل, فإن كان عندهم كل ما لم يفعله الرسول ولا رغب في فعله حراما ‏فليحرموا هذا أي كتابة صلى الله عليه وسلم عقب كتابة اسم محمد , وليحرموا ‏أيضا تلبية عمر التي لم ينكرها عليه أحد من الصحابة وغيرهم, وليحرموا على عبد ‏الله بن عمر قوله:{ وأنا زدتها}, أي كلمة ” وحده لا شريك له”, وليحرموا على ‏المحدثين ما استحسنوه لمجلس إملاء الحديث ما سبق ذكره آنفا. ‏

ومن قبيل ما ذكر مما يحرمونه على المسلمين بدعوى أن الرسول لم يفعله الجهر ‏بالصلاة على النبي عقب الأذان مع أنه لا يخالف الشرع وإن لم ينقل عن مؤذني ‏الرسول أنهم كانوا يجهرون بذلك فأي بأس في الجهر بالصلاة عليه عقب الأذان بعد ‏قوله عليه الصلاة والسلام:{ إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا عليّ} ‏رواه مسلم (7), وقوله عليه السلام:{ من ذكرت عنده فليصل عليّ}, رواه الحافظ ‏السخاوي وحسن اسناده (8), فقوله:{ من ذكرت عنده فليصل عليّ} يشمل المؤذن وغيره من ‏كل ذاكر اسم الرسول ، مطلوب من الكل الصلاة عليه إما سرا وإما جهرا لأن ‏قوله:{ فليصل عليّ}, مطلق يشمل الصلاة عليه سرا والصلاة عليه جهرا. فعند فرقة ‏هذا الرجل الوهابية حرام حتى غلا بعضهم في ذلك فقال في الذي صلى على النبي عقب ‏الأذان جهرا:{ هذا مثل الذي ينكح أمه}. – والعياذ بالله -. ‏

و نقل الشيخ أحمد بن زيني دحلان رحمه الله عن زعيم الوهابية محمد بن عبد الوهاب أنه أتي برجل ‏مؤذن أعمى صلى على النبي عقب الأذان جهرًا فأمر بقتله فقتل و هذه الحادثة التي قال فيها الوهابية ‏للذي صلى على النبي جهرًا عقب الأذان هذا مثل الذي ينكح أمه يعرفها الرجال الكبار من محلة أهل ‏جامع الدقاق بدمشق من محلة الميدان، فما دعوى هؤلاء الفرقة الإسلام و هم ساووا بين من يصلي على ‏النبي جهرًا عقب الأذان و بين الزنى بالأم؟!.‏

هذا و قد جرى عمل السلف و الخلف من أهل السنة على التبرك بقبور الأنبياء و الصالحين و كان ذلك ‏عادة الفقهاء و الحفاظ و المحدثين و الزهاد، و تشهد بذلك كتب التواريخ و طبقات الفقهاء و طبقات ‏المحدثين و طبقات الصوفية الزهاد، و من طالع طبقات الحفاظ يجد الكثير الكثير من ذلك و أقدمُ السلف ‏في ذلك الصحابي أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقد ثبت أنه وضع وجهه على قبر الرسول رواه ‏الحاكم و صححه ووافقه الذهبي.‏

تنبيه: قد يقول بعض هؤلاء أن حديث مسلم:” من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من ‏عمل بها بعده” خاص بإحياء سنة فعلها الرسول لأن سبب الحديث أن أناسًا مجتابي النّمار من شدة ‏البؤس فرقوا أوساط نمارهم فأدخلوها على رءوسهم فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم، فأمر ‏الرسول بالتصدق فجمع لهم فسر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هذا الحديث، فلا تدخل تحته ‏هذه الأشياء من عمل المولد و الطريقة و أشباهها. فيقال لهم: دعواكم هذه باطلة مخالفة للقاعدة ‏الأصولية:” العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” فلو كان الأمر كما تقولون لانسد باب القياس، لأن ‏القياس إلحاق ما لم ينص عليه بما نص عليه لشبه بينهما و على هذا يدور عمل الأئمة المجتهدين.‏

ألست يا ألباني تقول في من عمل المولد: (و طرق أهل الله من قادرية و رفاعية و غيرهما و جهر المؤذن ‏بالصلاة على النبي عقب الأذان إنها بدعة ضلالة) و تحتج في ذلك بالحديث المشهور:” و إياكم و ‏محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة” رواه أبو داود (9) و تنكر عموم حديث:” ‏من سنة في الإسلام سنة حسنة” و تقول إن هذا الحديث مخصوص بإحياء ما فعله الرسول و تنكر ‏عمومه

‏ لكل ما أحدث من غير أن يكون مخالفًا للكتاب و السنة، و تدعي بلسان حالك أنك محدث العصر و ‏أنت في الحقيقة ضدهم تنقض ما صححوه و تصحح ما ضعفوه، و قد كفرت في فتاويك من يأول قوله ‏تعالى:{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88)}: ” إلا ملكه”، و قد علمت أن البخاري قال ذلك و هو ‏موجود في كل نسخة فلما قلت في فتاويك:” لا يقول ذلك مؤمن” كفرت البخاري، و لن تجد أنت ‏نسخة من البخاري ليس فيها ذلك. فقولك:” لا يقول هذا البخاري” حيلة أردت أن تدفع بها ظاهرًا أن ‏يثور الناس عليك لو قلت ” البخاري قال هذا فهو كافر” و لن تستطيع أن تأتي بنسخة من البخاري تخلو ‏عن هذا التأويل، إنما أردت أن تدافع عن عقيدتك عقيدة التجسيم إثبات الجسمية و ما يتبعها لله تعالى و ‏هذه العقيدة يهدمها قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11)}. ‏

————————————-

‏(1)- فتاوى الألباني (ص/318).‏
‏(2)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة.‏
‏(3)- موافقة الخبر الخبر (2/435).‏
‏(4)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحج: باب التلبية و صفتها و وقتها.‏
‏(5)- سنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب التشهد.‏
‏(6)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي.‏
‏(7)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم ‏يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم.‏
‏(8)- انظر القول البديع (ص/ 103).‏
‏(9)- سنن أبي داود: كتاب السنة: باب في لزوم السنة.‏
********************
الفصل العاشر الألباني ينكر تسمية ملك الموت عزرائيل

و مما يدل على جهل الألباني بما أجمعت عليه الأمة و عدم اطلاعه أنه ينكر تسمية ملك الموت بعزرائيل، حيث يقول ‏إن تسميته بعزرائيل كما هو شائع بين الناس فلا أصل له و إنما هو من الإسرائيليات.‏

فنقول له: كلاّ ليس كما زعمت، فقد نقل القاضي عياض (1) الإجماع على أن اسم ملك الموت عزرائيل، و هذا ‏الإجماع وحده كاف لأن الأمة معصومة عن الخطأ في إجماعها، قال أبو مسعود البدري رضي الله عنه: ” و عليكم ‏بالجماعة فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة”، و هذا موقوف صحيح الإسناد كما قال الحافظ ابن حجر (2)، و ‏ذكر الحافظ ابن الجوزي الحنبلي ملك الموت باسم عزرائيل في بعض مؤلفاته.‏

فإذا كان الألباني لا يعرف ما اجتمعت عليه الأمة و يقول عن أمر مجمع عليه إنه من الإسرائيليات فيجب أن تُكف ‏يده عن العبث بالدين و يُمنع من الفتوى لئلا يفتن بجهله العوام، و أنت يا أخي المسلم اسمع كلام سيدنا علي ابن أبي ‏طالب رضي الله عنه حيث قال:” الناس ثلاثة عالم رباني، و متعلم على سبيل النجاة، و همج رعاع أتباع كل ناعق ‏يميلون مع كل ريح”، فاحذر أن تكون من النوع الثالث.‏

————————————-
‏(1)- كتاب الشفا (2/303)‏
‏(2)- موافقة الخبر الخبر (1/115)‏
الفصل الحادي عشر بيان شذوذ الألباني عن أهل السنة و الجماعة

لقد سلك المدعو الألباني طريقًا شائكًا لنصرة معتقده و للفت الأنظار إليه و التمويه على العوام فتهجم على أهل السنة ‏و الجماعة و رماهم بالكفر، فقد ذكر (شريط بصوته يوزع في مدينة فاس و غيرها) أن الأشاعرة اليوم كلهم كفار و أغلب الماتريدية إن لم يكونوا كلهم، و ‏من راجع فتاويه وجد الطعن في أكثر من موضع بالأشاعرة و الماتريدية.‏
فنسأل الألباني: هل تعرف الفرق بين الأشاعرة و الماتريدية من جهة و بين المعتزلة من جهة أخرى؟

ألم تسمع أن الحافظ ابن عساكر أخرج في كتاب ” تبيين كذب المفتري” و الحاكم في ” المستدرك” أنه لما نزل قول ‏الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‏أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ ‏عَلِيمٌ (54)} [ سورة المائدة ] أشار النبي إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال:” هم قوم هذا”.‏

‏ ‏
قال القشيري: فأتباع أبي الحسن الأشعري من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع، قاله ‏القرطبي (1) و قال الحافظ البيهقي: و ذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة و المرتبة الشريفة للإمام ابي الحسن ‏الأشعري رضي الله عنه فهو من قوم أبي موسى و أولاده الذين أوتوا العلم و رزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم لتقوية ‏السنة و قمع البدعة بإظهار الحجة و رد الشُّبَه، ذكره ابن عساكر (2). و روى البخاري (3) أن النبي صلى الله عليه ‏و سلم قال عن أبي موسى الأشعري و قومه:” هم مني و أنا منهم “، و نحن نحمد الله تعالى على هذه العقيدة السُّنية ‏التي نحن عليها و النبي كان عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه و من تبعهم بإحسان و التي مدح ‏الرسول صلى الله عليه و سلم معتنقها، فقد روى الإمام أحمد و الحاكم (4) بسند صحيح:” لتفتحن القسطنطينية ‏فلنعم الأمير أميرها و لنعم الجيش ذلك الجيش “، و لقد فتحت القسطنطينية بعد ثمانمائة عام فتحها السلطان محمد ‏الفاتح رحمه الله، و كان سنيًّا ماتريديًّا أشعريًّا يعتقد أن الله موجود بلا مكان و يحب الصوفية الصادقين و يتوسل ‏بالنبي صلى الله عليه و سلم ‏

و بالأولياء و كان له شيخ صوفي من المحققين بالتصوف كان يتوجه بإشاراته، و جيشه شمله تزكية الرسول لهم و ‏كانوا كذلك أشاعرة ماتريدية، و على هذا الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين سلفًا و خلفًا في الشرق و الغرب ‏تدريسًا و تعليمًا و يشهد بذلك الواقع المشاهد، و يكفي لبيان حقيَّة هذا كون الصحابة و التابعين و من تبعهم ‏بإحسان على هذه العقيدة، فممن تبعهم بإحسان هؤلاء الحفاظ أبو بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري، ‏ثم الحافظ العلم المشهور أبو بكر البيهقي، ثم الحافظ الذي وصف بأنه أفضل المحدثين بالشام في زمانه ابن عساكر، ‏كان كل واحد من هؤلاء عَلَمًا في الحديث في زمانه، ثم جاء من هو على منهجهم الحافظ الموصوف بأنه أمير المؤمنين ‏في الحديث أحمد بن حجر العسقلاني، فمن حقق عرف أن الأشاعرة فرسان ميادين العلم و الحديث و فرسان ميادين ‏الجهاد. و يكفي أن منهم مجدد القرن الرابع الهجري الإمام أبا الطيب سهل بن محمد، و أبا الحسن الباهلي، و ابا بكر ‏بن فورك و هو أحد شيوخ البيهقي في الحديث، و أبا بكر الباقلاني، و أبا اسحق الإسفراييني، و الحافظ أبا نعيم ‏الصبهاني، و القاضي عبد الوهاب المالكي، و الشيخ أبا محمد الجويني، و ابنه أبا المعالي إمام الحرمين، و الحافظ ‏الدارقطني، و الحافظ الخطيب البغدادي، و الأستاذ العالم المحدّث أبا القاسم القشيري، و ابنه أبا نصر، و الشيخ أبا ‏إسحق الشيرازي، و نصرًا المقدسي، و الغزالي، و الفراوي، و أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي، و الحافظ الفقيه الحنفي عبد ‏الرزاق الطُّبْسي، و قاضي القضاة الدامغاني الحنفي، و ابا الوليد الباجي المالكي، و ابن الدبيثي، و الإمام المحدث المفسّر ‏الفقيه الصوفي عَلَم الزهاد السيد أحمد الرفاعي، و الحافظ ابن السمعاني، و الحافظ القاضي عياضًا، و الحافظ السّلفي، ‏و الحافظ الفقيه النووي، و الفقيه المفسّر الأصولي فخر الدين الرازي، و العز بن عبد السلام، و أبا عمرو بن الحاجب ‏المالكي، و الحافظ ابن دقيق العيد، و علاء الدين الباجي، و الحافظ الفقيه اللغوي المجتهد علي بن عبد الكافي السبكي ‏الذي قال فيه الذهبي:‏
شيوخ العصر أحفظهم جميعًا و أخطبهم و أقضاهم عليُّ

و الحافظ العلائي، و الحافظ زين الدين العراقي و ابنه الحافظ ولي الدين، و الشيخ زكريا النصاري، و ابن الملقن، و ‏القاضي الجليل ابن فرحون المالكي، و أبا الفتح الشهرستاني، و الإمام أبا بكر الشاشي القفال، و ابا علي الدقاق ‏النيسابوري، و الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، و خاتمة الحفاظ الحافظ اللغوي السيد محمد مرتضى الزبيدي، ‏و من أهل القرن المنصرم الحافظ أحمد الغماري، و غيرهم من أئمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله و منهم الوزير ‏المشهور نظام الملك و السلطان العادل العالم المجاهد صلاح الدين الأيوبي طارد الصليبيين من القدس رحمه الله فإنه أمر ‏أن تذاع أصول العقيدة على حسب عبارات الأشعري على المنائر قبل أذان الفجر، و أن تُعلَّم المنظومة في العقيدة ‏الأشعرية التي ألفها له ابن هبة المكي للأطفال في الكتاتيب و منها هذان البيتان:‏

و صانع العالم لا يحويه قطر تعالى الله عن تشبيه

قد كان موجودًا و لا مكانا و حكمه الأن على ما كان‏

و ليس مرادنا بما ذكرناه إحصاء الأشاعرة فمن يحصي عدد نجوم السماء أو يحيط علمًا بعدد رمال الصحراء؟ و مثلهم ‏في العقيدة الحقة الماتريدية أتباع إمام أهل السنة أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه.‏

فالأشاعرة و الماتريدية هم أهل السنة و الجماعة الفرقة الناجية، و الفريقان متفقان في أصول العقيدة لا اختلاف بينهم ‏و إنما اختلفوا في بعض الفروع التي لا تؤدي إلى التبديع و التضليل و قد حصل ذلك بين بعض الصحابة فإن عائشة و ‏ابن مسعود كانا ينفيان رؤية الرسول صلى الله عليه و سلم لربه ليلة المعراج، و أنس و ابن عباس كانا يثبتان، و لم ‏يمنع ذلك كون كلّ منهم على سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم.‏

ففي الفريقين الأشاعرة و الماتريدية تحقق حديث رسول الله:” سألت ربي لأمتي أربعًا فأعطاني ثلاثًا و منعني واحدة، ‏سألته أن لا يكفر أمتي جملة فأعطانيها” رواه الحافظ ابن أبي حاتم كما قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري (5)، ‏فيستحيل أن يضلّ جمهور أمة محمد و إنما الضلال فيمن خالفهم كفرقتكم المشبهة، و بأي فضيلة يشهد لكم التاريخ ‏يا مشبهة، أنتم الفرقة الذين قال الرسول فيهم:” يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الأوثان ” و هو من جملة ‏أحاديث البخاري (6)، و هذا الوصف هو الذي يشهد به التاريخ عليكم.‏

و يكفي الأشاعرة فضلاً أن أغلب حفاظ الحديث هم أشاعرة، و يعلم ذلك من تتبع طبقات الحفاظ.‏
—————————————–

‏(1)- الجامع لأحكام القرءان (6/220).‏
‏(2)- تبيين كذب المفتري (ص/50).‏
‏(3)- صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب قدوم الأشعريين و أهل اليمن.‏
‏(4) مسند أحمد (4/335)، المستدرك للحاكم (4/424).‏
‏(5)- فتح الباري (8/293).‏
‏(6)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء: باب قول الله تعالى:{ و إلى عادٍ أخاهم هودًا (65)}.‏
« الموضوع السابق

الفصل الثاني عشر الألباني يدعو إلى هدم ءاثار الرسول و يمنع من قول ” السلام عليك أيها النبي ” في الصلاة

يدعو الألباني(1) لهدم القبة الخضراء و إلى إخراج قبر النبي إلى خارج المسجد.‏

فهذا الكلام لا يصدر إلا من رجل قلبه ملىء بالضغينة و البغضاء على رسول الله، و عقيدة التشبيه التي في صدره ‏سودت قلبه حتى جعلته يقول ما يقول فيجهّل المسلمين الذين يذهبون لزيارة قبره صلى الله عليه و سلم منذ قرون و ‏يرون القبة الخضراء مستحسنين لها على هذا الشكل، فمستحيل أن يسكت كل الذين مضوا في هذه القرون على ‏باطل و قد قال ابن مسعود رضي الله عنه:” ما رءاه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، و ما رءاه المسلمون قبيحًا ‏فهو عند الله قبيح”، و هذا و قد حسن الحافظ ابن حجر إسناده (2)، فمن أين جاء الألباني بمثل هذا الكلام؟!‏

ثم هذا الرجل ينطبق عليه ما اتفق عليه العلماء و هو أن من قال قولا يؤدي إلى تضليل المسلمين فهو كافر ذكر ذلك ‏القاضي عياض و الحافظ محي الدين النووي و غيرهما، فهذا الرجل تنطبق عليه هذه القاعدة فهو داخل تحتها لأنه ضلل ‏المسلمين لأن وجود قبر الرسول و صاحبيه على هذا الوضع أي كون القبور الثلاثة مكتنفة بالمسجد من جميع جوانبها ‏في أيام أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فالألباني يكون ضلل هذا الخليفة الراشد و من ‏جاء بعده من خلفاء المسلمين، فيكفيه هذا كفرًا و خزيًا و ضلالاً فهو مرتد بلا شك و لا ريب، فكيف سوَّلت له ‏نفسه أن يكون أهل ألف و ثلاثمائة سنة من أمه محمد على ضلال و يكون هو المخالف لهم على هدى؟! و قد سبق له ‏أن طلب أيام الملك سعود أن يهدم هذا الوضع القائم و يجعل القبور الثلاثة منفردة عن المسجد فلم يوافقه الملك ‏سعود.‏

تكميل: لا يجوز تسمية الوهابية سلفية لأنهم ليسوا من السلف و لا من الخلف فكيف يصح تسميتهم سلفية و هم ‏ضلّلوا الأمة بتكفيرهم للمتوسلين بالأنبياء و الولياء بعد موتهم أو في حياتهم في غير حضورهم، و كيف يجوز تسميتهم ‏سلفية و هم ينكرون وضع المسجد النبوي لوجود قبر الرسول و قبر أبي بكر و قبر عمر و هذا أمر رضيه المسلمون ‏سلفهم و خلفهم، فإن المسجد لما وسّع في زمن عمر بن عبد العزيز بحيث إن القبور الثلاثة صارت مكتنفة بالمسجد و ‏صار المسجد محيطًا بالقبور الثلاثة من الجهات الأربعة، و بعض المتقدمين من الوهابية و المتأخرين يرون إزالة القبور ‏الثلاثة من أول المسجد إلى ءاخره من الجهتين و هم سمّوا أنفسهم سلفية لإيهام الناس أنهم مقتدون بالسَّلف و هيهات ‏هيهات، فكيف يسمون سلفية و هم يضللون الأمة لأن الأمّة متفقون على استحسان الوضع القائم هناك منذ أيام ‏عمر بن عبد العزيز إلى يومنا هذا لم ينكر ذلك مسلم عالم أو عامّي.‏

و أما احتجاج بعض هذه الفرقة من الألباني و بعض من سبقه لإنكار وضع القبور الثلاثة بعد التوسيع الذي صارت به ‏القبور الثلاثة مكتنفة بالمسجد من جميع نواحيها بالحديث المشهور (3):” لعن الله اليهود و النصارى اتخذورا قبور ‏أنبيائهم مساجد ” فلا يلتفت إليه لأن القبور الثلاثة غير بارزة بل مستورة ضمن بيت الرسول الذي توفي فيه، فتبين ‏

‏أنه لا ينكر الصلاة إلى القبر إذا كان القبر مستورًا غير بارز كما دلَّ على ذلك قول عائشة راوية الحديث المذكور:” و ‏لولا ذلك لأبرزوا قبره”، تعني أن النهي المذكور لا يشمل من يصلي إلى قبرٍ مستور غير بارز، فلا كراهة في صلاة من ‏يصلي خلف القبور الثلاثة كما لا كراهة في صلاة من يصلي في الروضة و جزء المسجد الذي عن يسار القبور الثلاثة ‏و من يصلي أمام القبور الثلاثة، و لم ينكر ذلك أحد من المسلمين قبل هذه الفرقة الشموشة، فقد ذكرت الحنابلة أن ‏الصلاة إلى القبور مكروهة إذا كانت بلا حائل لا تحرم أما إذا كان حائل لم تكره الصلاة، و الوهابية يدَّعون أنهم ‏حنابلة و ما أكثر ما يخالفون الإمام أحمد في الأصول و الفروع.‏

و كذلك حديث (4):” لا تصلوا إلى القبور ” لا يدخل فيه من يصلي خلف القبور الثلاثة من التوسعة، و في حديث ‏الإسراء الذي رواه الصحابي المشهور شداد بن أوس أن جبريل في أثناء سيرهما قال للرسول حين انتهيا إلى الطور: ‏انزل هنا فصلّ فنزل فصلى، ثم لما انتهيا إلى بيت لحم ‏
حيث ولد عيسى عليه السلام قال له: انزل فصل، فهذا دليل على أن الصلاة في المواضع المباركة مستحب شرعًا، و ‏هذا الحديث رواه البيهقي و صححه (5). فلا يجوز الإنكار على من يصلي وراء قبر غير بارز كما تظن هذه الفرقة، ‏و مصيبة هذه الفرقة أنهم يحملون النصوص الشرعية في غير مواضعها كما كانت الخوارج تفعل ذلك فإنهم حملوا قول ‏الله تعالى:{ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ (57)} [ سورة الأنعام ] على إنكار موافقة عليّ على تحكيم الحكمين فأدى بهم ‏جهلهم لمعنى القرءان إلى تكفير عليّ رضي الله عنه، و أكثر استدلالات هذه الفرقة لآرائهم التي يخالفون بها الأمة ‏ناشىء من جهلهم بمعاني النصوص.‏

فالنصيحة الواجبة على المسلمين تقضي بالتحذير من هذا الرجل و من مؤلفاته و من أتباعه الذين قلدوه في التجرىء ‏على تصحيح الحديث و تضعيفه و هو و أتباعه الذين قلدوه بعيدون من أهلية ذلك بعدَ الأرض من السماء فإنه ليس ‏فيهم شخص واحد يحفظ عشرة أحاديث باسانيدها، و إنما التصحيح و التضعيف حق أولئك الذين يحفظون الآلاف ‏المؤلفة من الأحاديث بأسانيدها و يعرفون أحوال ‏

رجالها عن ظهر قلب، فقد جمع بعض الحفاظ لرواة حديث واحد مائةً و ثمانين طريقًا متفرعةً عن الحسن البصري ‏الذي هو تابعي الحديث، فهو و أتباعه بالنسبة إلى الحفاظ الذين لهم حق التصحيح و التضعيف كنسبة سير النملة ‏بالنسبة إلى سير الطير المسرع، فليعرف هو و أتباعه أنفسهم حالهم و ليقصُروا عما هم عليه من التصحيح و التضعيف ‏و يرجعوا إلى كلام أهل التصحيح و التضعيف.‏

و من مستشنع أقواله الشاذة أنه ذكر أنه يقال في التشهد ” السلام على النبي ” (6) بدل: ” السلام عليك أيها النبي “.‏

الردّ: ألم يسمع الألباني أن سيدنا أبا بكر (7) و عمر بن الخطاب (8) و ابن الزبير (9) و غيرهم كانوا يعلمون ‏الناس على المنبر بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم التشهدَ باللفظ المشهور الذي فيه: ” السلام عليك أيها النبي و ‏رحمة الله و بركاته ” و لم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكيف يترك ما جاء عن هؤلاء الأكابر و يتبع قول هذا ‏الساعاتي المفلس من العلم ؟!‏

أليس المسلمون من زمن الصحابة إلى زماننا هذا يقولون هذه الصيغة؟! فكأن الألباني لا يأخذ بقول هؤلاء الصحابة و ‏لا يعجبه ما عليه المسلمون إلى زماننا هذا بل يعتبر ذلك ضلالا.
——————————————
‏(1)- انظر كتابه المسمى ” تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد” (ص/68-69).‏
‏(2)- موافقة الخبر الخبر (2/435).‏
(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.‏
‏(4)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب النهي عن الجلوس على القبر و الصلاة عليه
(5)-دلائل النبوة (2/355).‏
‏(6)-ذكر ذلك في كتابه ” صفة صلاة النبي ” ( ص/143).‏
‏(7)- أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 264).‏
‏(8)- أخرجه البيهقي في سننه (2/142)، و مالك في الموطأ: كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة.‏
‏(9)- أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/264).‏

الفصل الثالث عشر شذوذ الألباني عن المذاهب الاربعة

لا شك أن أهل السنة و الجماعة أجمعوا على فضل أصحاب المذاهب الأربعة أبي حنيفة النعمان، و مالك بن أنس، و الشافعي، و أحمد بن حنبل رضوان الله عليهم.

أما الألباني الذي يهوى الشذوذ فله رأي ءاخر حيث يقول: بأن عيسى لما ينزل لا يحكم بالنصرانية و لا باليهودية و لا بالفقه الحنفي (1).

فانظروا كيف يتكلم عن هذا العالم الجليل الذي فسر به حديث:” لو كان العلم بالثُّريا لتناوله ناس من أبناء فارس ” (2).

فكيف يقول عن أبي حنيفة النعمان هذا و قد أخذ علمه عن التابعين و التقى بانس بن مالك لما دخل الكوفة، و مشايخه كثر أمثال عطاء بن ابي رباح و الشَّعبي و نافع مولى ابن عمر (3)، و محمد بن المنكدر و ابن شهاب الزهري و محمد الباقر و عبد الرحمن بن هرمز الأعرج و حماد بن أبي سليمان و جميعهم من اكابر التابعين.

و روى عنه خلق كثير، و درس على يديه أكابر العلماء مثل محمد بن الحسن شيخ الشافعي و أبي يوسف القاضي و وكيع شيخ الشافعي و عبد الله بن المبارك و زفر بن هذيل التميمي و داود الطائي و حماد بن أبي حنيفة و غيرهم، حتى قال عنه الشافعي:” الناس عيال على فقه أبي حنيفة “، و قال عنه يحيى بن معين أحد نقاد الرجال:” كان أبو حنيفة لا يدرّس إلا من حفظه “. فلأي سبب تطعن بمثل هذا الإمام أيها الألباني، و أي شىء جعلك تطعن بالشافعي و الحافظ البغدادي يروي عنه (4) بالإسناد الصحيح أنه قال:” إني لأتبرك بأبي حنيفة و أجيء إلى قبره كل يوم فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين و جئت إلى قبره و سألت الله الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى “.

فماذا تقول بعد هذا البيان أيها الألباني! هل ترجع عن قولك هذا أم تناطح رجلاً كالشافعي فُسر به حديث النبي صلى الله عليه و سلم:” عالم من قريش يملأ طباق الأرض علمًا ” (5)، أم تراك تغير على هذا الحديث بالتضعيف لتهشم الشافعي و ترفع من قدر نفسك لجهلك بمعنى الحديث الذي رواه الحاكم(6) و فيه:” من أقام بمسلم مقام سمعة أقامه الله يوم القيامة مقام سمعة و رياء “.

و حسبنا حكمًا بيننا و بينك قول أفضل البشر و خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم :” ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا و يرحم صغيرنا و يعرف لعالمنا حقّه ” رواه أحمد و غيرُه (7).
فمن أي باب يا الألباني تذم الإمام أبا حنيفة و الشافعي و أنت بلغ جهلك مبلغه، و لأي سبب تحمل على أئمة السلف و أنت مفلس من العلم و الفقه، لقد صدق سيدنا علي رضي الله عنه حين قال:” و الجاهلون لأهل العلم اعداء” قد ءان لك أيها الألباني أن تسكت و تكف لسانك عن هؤلاء الشرفاء الأطهار الذين رفعوا راية محمد و حفظوا السنة.
————————————-
(1)- انظر كتابه المسمى ” صحيح الترغيب و الترهيب “: باب نزول عيسى.
(2)- مسند أحمد (2/420).
(3)- و هو أثبت الناس بحديث ابن عمر.
(4)- تاريخ بغداد (1/123).
(5)- رواه البيهقي في مناقب الشافعي (1/54).
(6)- المستدرك (4/128).
(7)- مسند أحمد (5/323)، و عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (1/127) للطبراني في المعجم الكبير.

الفصل الرابع عشر شذوذ الألباني عن الجمهور فيحكم على نفسه بأنه ليس جمهوريًّا

يقول ناصر الدين الألباني في تعليقه على قول الطحاوي ” و نجتنب الشذوذ و الخلاف و الفرقة ” بقوله (1):” قلت: ‏يعني الشذوذ عن السنة و مخالفة الجماعة الذين هم السلف كما علمت، و ليس الشذوذ في شىء أن يختار المسلم قولا ‏من اقوال الخلاف لدليل بدا له، و لو كان الجمهور على خلافه خلافًا لمن وهم، فإنه ليس في الكتاب و لا في السنة ‏دليل على أن كل ما عليه الجمهور أصح مما عليه مخالفوهم عند فقدان الدليل” اهـ، إلى ان قال:” و أما عند ‏الاختلاف فالواجب الرجوع إلى الكتاب و السنة، فمن تبيَّن له الحق اتبعه و من لا استفتى قلبه سواء وافق الجمهور أو ‏خالفهم، و ما أعتقد أن احدًا يستطيع أن يكون جمهوريًّا في كل ما لم يتبين له الحق بل إنه تارةً هكذا و تارة هكذا ‏حسب اطمئنان نفسه و انشراح صدره و صدق رسول الله إذ قال: استفت قلبك و إن أفتاك المفتون ” اهـ.‏

الردّ: إن هذه دعوة إلى ترك ما عليه جمهور الأمة و مخالفة صريحة لحديث النبي صلى الله عليه و سلم:” عليكم ‏بالجماعة و إياكم و الفرقة فإن الشيطان مع الواحد و هو من الإثنين أبعد من اراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ” ‏‏(2).‏

و معنى الجماعة في هذا الحديث لم يرد بها الرسول صلى الله عليه و سلم الجماعة في الصلاة إنما المعنى معنى حديث ابن ‏حبان (3):” ثلاثٌ لا يُغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، و مناصحة ولاة الأمر، و لزوم الجماعة فإن ‏دعوتهم تحيط مَن وراءهم “.‏

و قد كتبت مجلة ” التمدن الإسلامي ” منذ أربعين سنة أنه اجتمع الألباني بالمحدث الشيخ عبد الله الهرري فقال الألباني ‏نضع أربعة أسس الكتاب و السنة و الإجماع و القياس، ثم بعد أن بدأ الكلام قال: الإجماع إذا لم يكن معه نص لا ‏أقبل، فقال له المحدث الهرري: أنت متلاعب اتفقنا على أن الأدلة الشرعية أربعة و الآن جعلتها ثلاثة فأنا لا أمضي ‏معك على هذا أنت تناقض نفسك قلتَ الأدلة الشرعية أربعة عليها نبني المناظرة ثم جعلتها ثلاثة. ‏

و دعوة الألباني أيّ إنسان أن يعمل بحديث:” استفت قلبك و إن افتاك المفتون ” فيه تشجيع الجهال على ترك العمل ‏بما عليه أهل الإجتهاد و العمل بما تميل إليه نفوسهم، و لا يخفى أن الجاهل قد يميل قلبه إلى ما يخالف الشرع فكيف ‏يترك فتوى المجتهدين المعتبرين و يعمل بما تميل إليه نفسه، و هذا الحديث كان الخطاب فيه لوابصة بن معبد و هو من ‏مجتهدي الصحابة، فوابصة و من كان مثله في الأهلية لأخذ الحكم من القرءان و الحديث يأخذ بما ظهر له من الأدلة ‏على حسب اجتهاده، و ليس المراد كلَّ فرد من أفراد المسلمين و إلا لأدى ذلك إلى الفوضى قال الأفوه الأودي:‏

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم و لا سراة إذا جهالهم سادوا

و السراة: الأشراف من أهل الفهم الذين يصلحوا للقيادة، و يعلم أنه ليس كل من سمع حديثًا له أهلية الاجتهاد أي ‏استنباط الأحكام من الحديث لقوله صلى الله عليه و سلم:” نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها و حفظها و بلغها ‏فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه (4) “، و في رواية:” و ربَّ حامل فقه ليس بفقيه (5)” فقد أفهمنا الرسول ‏عليه الصلاة و السلام ‏

بذلك أنه قد يسمع منه الشخص الحديث المتضمن للأحكام و لا يكون عنده أهلية الاستنباط و يحمله إلى من هو افقه ‏منه أي إلى من له اهلية الاستنباط، و في قوله عليه السلام:” و ربَّ حامل فقه ليس بفقيه ” دليل على أن الذين لا ‏يستطيعون أن يستخرجوا الفقه من الحديث أكثر من الذين يستطيعون، و هذا موافق لقول النحويين: ربّ للتكثير ‏كثيرًا.‏

فكيف يتجرأ مثلك يا ألباني على تاليف فتاوى، و ما أنت إلا كما قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي:” من لم ‏يأخذ الحديث من أفواه العلماء لا يسمى محدثًا بل يسمى صحفيًا “، إنما المحدث كما قال الحافظ السّلفي:‏

بادر إلى علم الحديث و كتبه و اجهد على تصحيحه من كتبه

و اسمعه من أشياخه نقلاً كما سمعوه من أشياخهم تسعدْ به

و أنت تعرف نفسك و يعرفك غيرك أنك لم تقرأ كتابًا في الحديث على محدّث قرأ على غيره من المحدثين بالاتصال ‏خلفًا عن سلف، أما تستحي من دعواك أنك محدث و أنك من أهل الفتوى و أنت مبتور مقطوع.‏

—————————————-
‏(1)- انظر (ص/48) من الكتاب.‏
‏(2)- رواه الترمذي: كتاب الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة.‏
‏(3)- انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/ 35).‏
‏(4)- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء في الحث على تبليغ العلم.‏
‏(5)- المصدر السابق.‏

الفصل الخامس عشر: الألباني و اليهود

لقد اعتاد هذا الألباني المدعي للعلم على زرع الفتنة و الفرقة و بث الحقد و العداوة و البغضاء بين المسلمين، و لعله ‏يريد أن يحقق بهذه المقولة المشهورة ” فرّق تسد ، فهو يحرّم زيارة الحياء للأحياء في العيد (1) مع أن الإسلام رغب في ‏صلة الرحم و زيارتهم لا سيما في الأعياد، أما اللباني فقد ابتدع دينًا جديدًا شذ فيه عن دين محمد صلى الله عليه و ‏سلم فهو بهذا يأبى إلا أن يؤكد شذوذه و أن يظهر حقده الدفين للإسلام و المسلمين خصوصًا بعدما أوجَب على ‏أهل فلسطين أن يتركوها
لليهود (2)، و يتركوا بلدًا من بلاد المسلمين و يغادروا أرضًا من الأراضي المقدسة عند ‏المسلمين و يتركوه لليهود ليعبثوا بها متناسيًا قوله تعالى عن الأقصى:{ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ (1)} [ سورة الإسراء ] ‏فيا ترى ما الذي دفعه إلى مثل هذا؟ و لمصلحة من على زعمه؟

تنبيه: و من أعجب فتاوى الألباني ما ذكره في فتاويه فقال (3): ” إنما القاعدة أنه لا يجوز للمسلم أن يدع بلد ‏الإسلام إلى بلاد الكفر إلا لضرورة قاهرة ” اهـ.‏

الردّ: بل لمصلحة راجحة يجوز للمسلم أن يقيم في بلاد الكفر إذا كان يرجو بإقامته أنه يُدخل بعض الكفار في ‏الإسلام، إنما يحرم الإقامة فيها على من خاف على نفسه أن يُفتن كأن يُمنع عن الصلاة و على هذا يحمل الحديث ‏الوارد في النهي من الإقامة بين الكفار.‏

‏(1)- انظر كتابه ” فتاوى الألباني ” (ص/ 61 و 63) ‏
‏(2)- انظر فتاوى الألباني (ص/ 18).‏
‏(3)- انظر فتاوى الألباني (ص/ 73).
الفصل السادس عشر ‏شذوذ الألباني في الأحكام

يتنطع اللباني فيحرم على المرأة أن تلبس الذهب المحلق (1) و يعني بذلك الخاتم و السوار و السلسلة من الذهب و ‏يتبجح بتفاخره بهذا لآنه في نفسه يرى مقولة الوهابية:” هم رجال و نحن رجال “، كأنه ما سمع بحديث رسول الله ‏عن الذهب:” و حل لإناثهم ” (2)، و لم يسمع بالإجماع الذي نقله البيهقي و غيره (3).‏

و قد حرَّم الألباني أيضًا الوضوء بأكثر من مد و حرًّم الاغتسال بأكثر من خمسة أمداد، لأنه من شدة تهوره قال إن ‏هذا مأخوذ من حديث أنس (4):” كان- أي رسول الله – يتوضأ بالمد و يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد “، و ‏نسوق كلام شيخنا العلامة المحدث الهرري في الرد عليه و نصُّ ‏

عبارته:” و من أعجب شذوذات الألباني أنه حرم الوضوء بأكثر من مد أي مقدار (125) غرامًا تقريبًا أي ما ‏يساوي ثلاثة أرباع كوب من الماء و على حساب وزن المد من الحب نحو (400) غرام، و حرَّم الاغتسال بأكثر من ‏صاع و هو اربعة أمداد، نشرت ذلك عنه مجلة التمدن الإسلامي في دمشق و حدثنا عنه بذلك بعض من شافهه، ‏فكان ردّي في ذلك موجهًا إليه الخطاب: كنت تأخذ بمذهب الحنفي و تدعي أنك لا تخرج عنه إلا إلى قول قاله ‏مجتهد ءاخر و ها أنت قد خرجت إلى قول لم يقل به عالم قط فلم يردّ جوابًا و انقطع. و كان استناده في تحريم ذلك ‏حديث مسلم عن أنس: كان رسول الله يتوضأ بالمد و يغتسل بالصاع، و أين في الحديث تحريم الزيادة على المد في ‏الوضوء على ان مسلمًا أورد أيضًا في نفس الباب رواية: ” كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بخمس مكاكيك و ‏يتوضأ بمكوك “، و المكوك مقدار صاع و نصف يفهم ذلك من القاموس و غيره و إن فسره النووي بالمد و لا وجه ‏لذلك.‏
و على مذهب الألباني يا ويل الذين يزيدون على ذلك لكونهم أصحاب الحِرف الوسخة حيث لا يقتصرون لجميع ‏وضوئهم على المد فهم ءاثمون ضالون على قوله، ففيما ذهب إليه تضييق لدين الله الواسع و حرج عظيم و الله تعالى ‏يقول:{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78)} [ سورة الحج ].‏

و كذلك يكفي في الرد عليه حديث ابن حبان (5) عن ابن عباس قال: حدثتني خالتي ميمونة قالت: أدنيت لرسول ‏الله صلى الله عليه و سلم غسلَه من الجنابة قالت: فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاُ ثم أدخل كفَّه في الإناء فافرغ بها على ‏فرجه فغسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ‏ثلاث حفنات مِلء كفيه ثم تنحّى غير مقامه ذلك فغسل رجليه ثم أتيته بالمنديل فردّه “، فإذا كان أفرغ على رأسه ‏ثلاث حفنات ملء كفيه هذا لرأسه فقط فماذا يكون جملة ما أخذه لبدنه؟

و ذكر الإمام المجتهد ابن المنذر في كتاب ” الأوسط” (6) ما نصه: ” و قد أجمع أهل العلم على أن المدَّ من الماء في ‏الوضوء و الصاع في الاغتسال غير لازم للناس. و كان الشافعي يقول:” و قد يُرفق بالماء القليل فيكفي و يُخرق ‏بالكثير فلا يكفي “، و صدق الشافعي هذا النص قال:” موجود من أفعال الناس “. انتهى كلام شيخنا الهرري.‏

و فعل اللباني يشهد عليه بكذبه حيث كان يغترف من برك بعض المساجد في دمشق كما يغترف غيره للوضوء فقد ‏شوهد و هو يغترف من البركة على حسب العادة المعروفة في دمشق و ذلك القدر لا يقل عن عشرة أمداد، فمن هنا ‏يصح أن يقال إنه كالمثل القائل :” خالف تُعرف”.‏

فعلى قول اللباني كل مسلم يتوضأ اليوم فهو عاص بوضوئه، فمن منكم أيها المسلمون يتوضأ بمقدار المد من الماء ‏فانظروا فقد جعلكم هذا البدعيُّ عصاةً بوضوئكم، و دين الله يسر واسع ليس حرجًا قال الله تعالى:{ وَمَا جَعَلَ ‏عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78)} [ سورة الحج ]، فهذا الرجل جعل دين الله حرجًا بإيجابه الاقتصار على المدّ من ‏الماء لكل وضوء، انظروا إلى ما يؤدي إليه كلام هذا الرجل.‏

—————————————————-

‏(1)- كما في كتابه “ءاداب الزفاف ” (ص/132).‏
‏(2)- أي إناث الأمة، رواه الترمذي: كتاب اللباس: باب ما جاء في الحرير و الذهب.‏
‏(3)- السنن الكبرى (4/142)، المجموع للنووي (4/442)، فتح الباري (10/317).‏
‏(4)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحيض: باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة.

‏(1)- انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/251).‏
‏(2) الأوسط (1/361).‏
الفصل السابع عشر تحريم الألباني استعمال السبحة للذِّكر

من جملة بدع هذا الرجل المحرَّمة تحريمه استعمال السُّبحة للذِّكر(1) و هو بهذا خالف السلف و الخلف فقد كان العبَّاد ‏الصالحون من السلف الذين يقتدى بهم يستعملون السبحة كالجنيد بن محمد البغدادي من أهل القرن الثالث و الذي ‏قال فيه ابن تيمية إنه إمام هدى ذكر ذلك في أكثر من كتاب من كتبه.‏
و من الدليل على جوازه الحديث الذي أخرجه ابن حبّان و صحَّحه (2) و حسَّنه الحافظ ابن حجر في أماليّه (3) أن ‏الرسول صلى الله عليه و سلم دخل مع سعد ابن أبي وقاص على امرأة في يدها نوى أو حصا تسبح بها فقال:” ألا ‏أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا و أفضل: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، و سبحان الله عدد ما خلق في ‏الآرض، و سبحان الله عدد ما هو خالق، و الله أكبر مثل ذلك، و الحمد لله مثل ذلك، و لا إله إلا الله مثل ذلك، ‏و لا حول و لا قوة إلا بالله مثل ذلك “.‏


هذا سياق لفظ الحديث عند ابن حبان، و أما سياق لفظ الحديث الذي رواه الحافظ ابن حجر فهو هكذا:” سبحان ‏الله عدد ما خلق في السماء، و سبحان الله عدد ما خلق في الآرض، و سبحان الله عدد ما هو خالق، و الله أكبر ‏مثل ذلك، و الحمد لله مثل ذلك، و لا إله إلا الله مثل ذلك، و لا حول و لا قوة إلا بالله مثل ذلك “.‏

فإن قال الألباني هذا الحديث ضعيف لأن أحد رواته مختلف فيه قيل له: كلامك لا عبرة به بعد تصحيح ابن حبان و ‏تحسين الحافظ ابن حجر له في الأماليّ، و أنت لست من أهل التصحيح و التضعيف، بينك و بين هذه المرتية بَوْنٌ بعيد ‏فاعرف نفسك أين أنت، فإنَّ الحافظ من الحفَّاظ قد يصحّح أو يضعَف حديثًا في بعض رواته من هو متكلَّم فيه ‏لشاهدٍ أو اعتبار، أو لأن ذلك الراوي المختلف فيه ثقة عندهم، لأن كثيرًا من الرواة مختلف فيهم يعتبره بعض أهل ‏الجرح و التعديل ثقةً و يعض يعتبره ضعيفًا.‏

ثم من المعلوم عند المحدثين أن الضعيف يعمل به في الأذكار و الدَّعوات و المناقب و فضائل الأعمال و التَّفسير كما ‏ذكر ذلك الحافظ البيهقي في المدخل، و السبحة المستعملة اليوم و قبل اليوم في معنى الخيط الذي كان أبو هريرة يسبّح ‏به و كان فيه ألفا عقدة ثبت أنه كان يسبّح اثنتي عشرة ألف تسبيحة كل يوم و كان يقول: أسبّح الله بقدر ذنوبي، ‏فلا فرق بين ذلك الخيط و بين النَّوى و الحصا كما قال الشوكاني في السبحة، و أنت يا ألباني طالما شوَّشت على ‏المسلمين بتحريم ما يحرّم الله فهل لك في الرجوع إلى ما عليه المسلمون قبل فوات الأوان.‏
—————————————————————–

‏(1)- انظر كتابه المسمى ” سلسلة الأحاديث الضعيفة “، رقم الحديث/83.‏
‏(2)- انظر الإحسان بترتيب ابن حبان (2/101).‏
‏(3)- نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (1/77).
الفصل الثامن عشر يمنع الألباني الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة قيام رمضان (1)

ادعى الألباني في الاستدلال على ما ذهب إليه في المنع من الزيادة على إحدى عشر ركعة في قيام الليل من رمضان أن ‏‏” رسول الله صلى الله عليه و سلم عاش عشرين سنة و هو لا يزيد في رمضان و لا غيره عن إحدى عشر ركعة”(2). ‏

الرد: لم يحلام أحد من السلف و الخلف الزيادة في قيام رمضان على إحدى عشر ركعة، و أول من حرم ذلك هو ‏اللباني فبذلك يكون قد ضلل المسلمين حتى طائفته الوهابية فإنهم يصلون ثلاثًا و عشرين ركعة في الحجاز و الحرمين ‏الشريفين، فأنت يا ألباني شذذت عن الأمة و من شذَّ شذَّ في النار، و يكفي في الرد عليه حديث البخاري (3):” ‏صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما صلى”.‏

و نورد هنا ما ذكره شيخنا العلامة المحدث عبد الله‏

الهرري في إيضاح بطلان ما ادعاه الألباني و نص عبارته: ” أبعد ناصر الدين الألباني في القول في الدين بغير دليل ‏فحرم قيام رمضان بأكثر من إحدى عشر ركعة و احتجَّ لذلك بقول عائشة:” ما كان يزيد في رمضان و لا في غيره ‏على إحدى عشرة ركعة” رواه البخاري (4)، و ليس فيخ حجة له لأن كلام عائشة هذا محمول على أن ذلك بحسب ‏ما رأته لأنه صح حديث أبي هريرة عن النبي:” لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، و لكن أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو ‏بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك” رواه ابن حبان و ابن المنذر و الحاكم و البيهقي من طريق عراكٍ عن أبي ‏هريرة (5).‏

و مما يرد على الألباني ما شاع و تواتر في عصر السلف أن أهل المدينة كانوا يقومون بستٍّ و ثلاثين و كان أهل مكة ‏يقومون بثلاث و عشرين و كانوا يطوفون بين كل أربع ركعات فأراد أهل المدينة أن يعوِّضوا عن الطواف الذي زاده ‏أهل مكة أربع ركعات و لم يُنكَر عليهم ذلك بتحريم ما فعله الفريقان، و عملهم هذا مستند لما فهمه من الحديث
الصحيح: ” صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما صلى” (6).‏

و مما ينقض كلامه ما رواه الخلعيُّ من حديث علي ـن النبي صلى في الليل ست عشرة ركعة قال الحافظ العراقي: ‏إسناده جيد.‏
و يرد عليه أيضًا ما رواه البخاري (7) من حديث عبد الله ابن عمر عن النبي أنه قال:” صلاة الليل مثنى مثنى فإذا ‏خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة ” فإن فيه دليلاً صريحًا على جواز قيام رمضان بأقل من إحدى عشرة ركعة و ‏بأكثر منها بلا تحديد و ذلك حجة لما قاله الشافعي:” لا حدَّ لعدد ركعات قيام رمضان و ما كان أطول قيامًا أحبُّ ‏إليَّ” نقل ذلك عنه الحافظ أبو زرعة العراقي في شرح التقريب (8) و نقله غيره عنه. و قد كان اللباني و جماعته ‏أحدثوا بلابل بين المسلمين بنفيهم جواز قيام رمضان إلا بإحدى عشرة ركعة في الشام و غيره.‏

ثم هو افتَاتَ على اهل الحديث فقال في رواية:” إن عمر جمع الناس على قيام رمضان فكانوا يصلون ثلاثًا و عشرين ‏ركعة” (9) قال: إن هذه الرواية ضعيفة و الصحيحة رواية إحدى عشرة، فشذَّ بذلك و خالف قاعدة المحدثين أن ‏التصحيح و التضعيف للحفاظ فقط، و هو يعرف من نفسه أنه ليس بمرتبة الحفظ و لا يقاربها و قد اعترف بذلك في ‏بعض مقالاته، و هذه القاعدة إن لم يكن يعرفها فليعرفها الأن فقد ذكر السيوطي في تدريب الراوي و غيرُه، و قال ‏في ألفيته:‏
و خذه حيث حافظ عليه نص أو من مضنَّف بجمعه يُخص

و شرح هذا البيت كما هو مذكور في شرحه على ألفيته أن الصحيح يعرف بتصحيح حافظ من الحفاظ أو بوجودخ ‏في كتاب التزم مؤلفه الحافظ الاقتصار على الصحيح.‏

و هذه الرواية لم يطعن في صحتها حافظ بل رجَّح الحافظ ابن عبد البر رواية ” ثلاث و عشرين ” على رواية ” إحدى ‏عشرة ” بل اعتبرها وهمًا، و ابن عبد البر معدود في الحفاظ، فليس تضعيف الألباني رواية ثلاث و عشرين إلا ‏كناموسة نفخت على جبل لتزيحه.‏

فمن عرف هذه الحقيقة عرف أن مؤلفات الألباني مدخولة لا يجوز الاعتماد عليها فلا عبرة بتأليفه الذي سماه ‏الصحيحة و تأليفه الذي سماه الضعيفة، فليحذر المسلمون، و هذه نصيحة أسديناها للمسلمين فلا يكونوا أسراء ‏التقليد الفاسد.‏

و ليعلم ذلك أيضًا من تبعه من أتباعه ممن كتبوا على بعض المؤلفات و قلدوه تقليدًا أعمى كحمدي السلفي، و قد ‏تتابع على ذلك اقتداء به بعض من ليس من أتباعه فليتقوا الله و ليعملوا بقول أهل الحديث: التصحيح و التضعيف من ‏خصائص الحفاظ، و هذا نشأ من قصورهم عن فهم علم الحديث درايةً كما ينبغي، لأن شرط الصحيح و الحسن ‏السلامة من الشذوذ و العلة، و معرفة ذلك استقلالا لا يقوم به إلا الحافظ لأن مبنى ذلك على تتبع الطرق.‏

تكملة: ما شاع في بعض كتب الشافعية أن التراويح لا تصح إلا ركعتين ركعتين إلى ثلاث و عشرين لا يجوز حمل ‏هذا الكلام على مطلق قيام رمضان لأن اسم صلاة التراويح لم يرد منصوصًا عليه إنما هو عُرفٌ طارىء حتى صارت ‏كلمة التراويح عبارة عن ثلاث و عشرين على هذا الوجه أن تكون ركعتين ركعتين ثم ثلاث ركعات الوتر موصولةً ‏أو مفصولةً، و قصد أولئك أن من ينوي التراويح فلا يجزئه إلا هذه الكيفية، و لا يقصدون أنه لو لم يقصد التراويح ‏بل قصد قيام رمضان لا يصح قيامه إلا بثلاث و عشرين و هذا محمل كلامهم، و أما حقيقة الأمر فهو الرجوع إلى ‏حديث: ” صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة ” و معناه: أن الأفضل في كيفية صلاة ‏الليل أن تكون ركعتين ركعتين، و ليس المراد حصرَ الجواز في هذه الكيفية، لأنه ثبت في الصحيح أن عائشة قالت في ‏بيان صلاته صلى الله عليه و سلم:” يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن و طولهن ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن ‏حسنهن و طولهن ثم يصلي ثلاثًا ” رواه البخاري (10). هذه عظة و عبرة لمن يعتبر، كم من أناس اليوم يصححون و ‏يضعفون و هم بعيدون من استئهال ذلك بُعد الآرض من السماء، لأن مريتة الحفظ بعيدة المنال منهم و هي عند أهل ‏الحديث: أن يستحضر المحدث أغلب المتون و أغلب الرواة في ذهنه من حيث معرفة اساميهم و أحوالهم، فليزنوا بهذا ‏الميزان حتى يعرفوا أنهم بعيدون منه ذلك البعد.‏

و حديث:” صلاة الليل مثنى مثنى ” أقوى من حديث عائشة المذكور إسنادًا و شهرة.‏


‏ ‏

و مما يردُّ دعوى و زعم الألباني أن الرسول ما كان يزيد من إحدى عشرة ركعة ما رواه ابن حبان في صحيحه من ‏روايات عن صلاة النبي صلى الله عليه و سلم بالليل فقال: ” عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي ‏من الليل تسع ركعات” (11).‏

و روى أيضًا عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل ثمان ‏ركعات و يوتر بواحدة ثم يركع ركعتين و هو جالس” (12).‏
و روى أيضًا عن مسروق أنه دخل على عائشة فسألها عن صلاة الرسول صلى الله عليه و سلم بالليل فقالت:” كان ‏يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل، ثم إنه كان صلى إحدى عشرة ركعة ترك ركعتين، ثم قُبِض صلى الله عليه و سلم ‏حين قُبض و هو يصلي من الليل تسع ركعات ءاخر صلاته من الليل و الوتر، ثم ربما جاء إلى فراشي هذا فيأتيه بلال ‏فيؤذنِه بالصلاة” (13).‏

و روى ابن حبان أيضًا عن ابن عباس أنه قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة و رسول الله صلى الله عليه و سلم عندها تلك ‏الليلة فتوضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قام يصلي ركعتين فقمت عن يساره

فأخذني فجعلني عن يمينه فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة، ثم نام رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نفخ و ‏كان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج و صلى و لم يتوضأ، قال عمرو: حدثت بهذا بكير ابن الأشج فقال: حدثني ‏كريب بذلك”(14).‏

و روى ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فقام النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل قال: فقمت فتوضأت ثم ‏قمت عن يساره فجرني حتى أقامني عن يمينه، ثم صلى ثلاث عشرة ركعة قيامه فيهن سواء”(15).‏

و روى عن الحسن بن سعد بن هشام أنه سأل عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه و سلم باليل فقالت:” كان ‏رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلى العشاء تجوَّز بركعتين ثم ينام و عند رأسه طَهوره و سواكه فيقوم فيتسوك و ‏يتوضأ و يصلي و يتجوَّز بركعتين، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات يسوي بينهن في القراءة ثم يوتر بالتاسعة، و يصلي ‏ركعتين و هو جالس، فلما أسنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخذه اللحم (16) جعل الثمان ستًا و يوتر ‏بالسابعة و يصلي ركعتين

و هو جالس يقرأ فيهما:{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} [ سورة الكافرون ] و { إِذَا زُلْزِلَتِ (1)} [ سورة الزلزلة ] ‏أبو حرة اسمه واصل بن عبد الرحمن” (17).‏

و معنى:” و يصلي ركعتين و هو جالس ” أي ركعتي الفجر و ليستا من قيام الليل لأن الرسول كان يجعل ءاخر ‏صلاته بلليل وترًا فلا يصلي بعد ذلك إلا ركعتي الفجر أي سنة الصبح.‏

و روى مسلم و غيره (18) عن ابن عباس قال:” كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ‏ركعة”، و روى البخاري (19) عن ابن عباس أيضًا قال:” كانت صلاة النبي صلى الله عليه و سلم ثلاث عشرة ‏ركعة- يعني بالليل-“.‏
و في هذه الروايات دليل على أن ما رواه البخاري عن عائشة من أنه ما كان يزيد في رمضان و غيره في صلاة الليل ‏على إحدى عشرة ركعة محمول على أنها رأت ذلك

‏(17)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/141).‏
‏(18)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المسافرين: باب صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و دعائه بالليل، و ابن ‏المنذر في الأوسط (5/157)، و ابن خزيمة في صحيحه (2/191).‏
‏(19)- أخرجه البخاري في صحيحه: أبواب تقصير الصلاة: باب كيف كان صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و كم ‏كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل.‏

منه أولاً ثم رأت منه ما يخالف ذلك، و لا يؤخذ من رواية البخاري أنه لم يصل قطّ أكثر من إحدى عشرة ركعة في ‏قيام الليل كما زعم الألباني.‏

فإن قال الألباني هذه الأحاديث التي ذُكر فيها أن الرسول زاد على إحدى عشرة ركعة معارضة لحديث عائشة الذي ‏أخرجه البخاري الذي فيه أن الرسول ما زاد في صلاة الليل في رمضان و لا في غيره على إحدى عشرة ركعة، فما ‏خالفه فهو ضعيف فيكون الرَّاجح و تكون تلك الروايات مرجوحةً لا يحتجُّ بها، قلنا: و التّرجيح لا يصار إليه ما ‏أمكن الجمع بين الروايتين و هنا الجمع ممكن سهل و ذلك بأن يقال إن عائشة لما حدَّثت ذلك الحديث لم يكن لها ‏اطلاع على غير ذلك القدر، لم تشاهد النبي صلى الله عليه و سلم صلَّى أكثر من إحدى عشرة ركعة، و لا يمنع ذلك ‏أن يكون غيرها كابن عباس شاهد منه ما يزيد على ذلك، لأن عائشة ما كانت تراه صلى الله عليه و سلم كل ليلة ‏من بين تسع ليال في بعض الزمن الذي عاشت معه صلى الله عليه و سلم، و الدليل على ذلك أنها روت عنه صلى الله ‏عليه و سلم أنه ءاخر عمره كان يقوم بأقلَّ من ذلك رأته قام بتسع ركعات.‏

و مما يدل على ما ذكرنا ما ذكره الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير و نصه (20):” حديث أم سلمة: كان رسول ‏الله صلى الله عليه و سلم يوتر بثلاث عشرة فلما كبر و ضعف أوتر بسبع، رواه أحمد و الترمذي و النسائي و الحاكم ‏و صححه من طريق عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عنها، قوله لم ينقل زيادة على ثلاث عشرة كأنه أخذه من ‏رواية أبي داود الماضية عن عائشة و لا بأكثر من ثلاث عشرة و فيه نظر، ففي حواشي المنذري: قيل أكثر ما روي في ‏صلاة الليل سبع عشرة و هي عدد ركعات اليوم و الليلة، و روى ابن حبان و ابن المنذر و الحاكم من طريق عراك ‏عن أبي هريرة مرفوعاً:” أوتروا بخمس أو سبع أو بتسع أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك ” انتهى.‏
ثم قال (21): ” حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في ءاخرهن، رواه مسلم ‏بلفظ:” كان يصلي من الليل ثلاث عشرة يوتر بخمس ركعات لا يجلس و لا يسلم إلا في الأخيرة منهن”، وللبخاري ‏من حديث ابن عباس في صلاته في بيت ميمونة:” ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن” اهـ.‏

و هذا دليل على أن عائشة روت هذا الحديث الذي اعتمد عليه الألباني و فهمه على غير وجهه.‏

و من أكبر ما حصل من الفساد بسبب تحريم الألباني قيام رمضان بأكثر من إحدى عشرة ركعة ما كتبه بعض أتباعه ‏في قيام رمضان و هو قوله:” إن عمر لم يأمر بالقيام بثلاث و عشرين ركعة و إن كان أمر بذلك فهو من الذين ‏يدخلون تحت هذه الآية :{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ (21)} [ سورة الشورى ] ‏فقد جعل هذا الجاهل عمر داخلاً تحت هذه الآية، و هذا غضٌّ كبير و تنقيص عظيم لعمر رضي الله عنه، و هذا ‏الرجل يسمى ” نسيب الرفاعي ” و سماه أهل حلب ” نسيب الأفاعي “.‏

و يكفي في الرد على الألباني ما رواه عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال:” صلاة الليل مثنى مثنى فإذا ‏أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتِر لك ما صليت “(22).‏

و فيخ دليل على أن صلاة الليل ليس لها عدد بركعاتٍ محدودة و هذا أيضًا ناقض لقول الألباني بتحريم ما زاد على ‏إحدى عشرة ركعة أو نقص، فعنده إذا لم يثبت عن رسول الله ‏

إلا هذا فما نقص و ما زاد فهو حرام، فبهذا و نحوه خرج الألباني من الأمة لأنه ضلل الأمة و من ضلل الأمة فليس ‏منهم” ‏
انتهى كلام العلامة الهرري حفظه الله تعالى.‏

نقول: فأنت يا ألباني بتحريمك أكثر من إحدى عشرة ركعة ضللت الأمة و خالفت فرقتك التي تنتسب إليها الو هابية ‏فإنهم يصلون في مكة و المدينة و سائر بلادهم عشرين ركعة و يوترون بثلاث ، كما خالفت علماء الحديث و الفقهاء ‏و العبَّاد في تحريمك زيارة قبور الأنبياء و الأولياء للتبرك، و كل المحدثين المتقدمين و المتأخرين على جواز ذلك يرون ‏ذلك عملاً حسنًا عندما يترجمون المحدثين فكثيرًا ما يذكرون:” و قبره هناك يزار و يتبرك به “و قد يكتبون ” و تجاب ‏الدعوة عنده “، فكتب علماه الحديث التي ألفوها في طبقات المحدثين طافحة بذلك، و هذا الإمام الحافظ الكبير الذي ‏قال علماء الحديث فيه إن الذين جاؤوا بعده من المحدثين عيال على كتبه في علم مصطلح الحديث ذكر في كتاب ‏تاريخ بغداد قبر النذور و تبرك الناس به و قضاء حاجاتهم بزيارته، و ذكر أن الإمام الشافعي كان يزور قبر الإمام أبي ‏حنيفة و يدعو عنده فتقضى حاجاته، و ذكر هو و غيره أن قبر معروف الكرخي الذي ببغداد ترياق مجرب أي لقضاء ‏حاجات قاصديه الذين يدعون عنده و قال ذلك أيضًا الإمام الحافظ المجتهد إبراهيم الحربي الذي كان يُشَبَّهُ بالإمام ‏أحمد بن حنبل، و قال أحمد بن حنبل إن التبرك بمس قبر النبي و منبره تقربًا إلى الله جائز، نقل ذلك عنه ابنه عبد الله في ‏كتاب العلل و معرفة الرجال (23). و هذا عمل المسلمين علمائهم و فقهائهم من غير خلاف في استحسان ذلك حتى ‏جاء ابن تيمية الذي توفي في القرن الثامن الهجري فحرَّم ذلك و جعله شركًا فتبعته أنت و طائفتك لكنك أنت ‏انفردت عن طائفتك بإبطال كل قول يخالف قولك و يميل إليه قلبك في المسائل الفقهية في الطهارات و الصلوات و ‏الزكوات و جواز تحلّي النساء بحلي الذهب المحلَّق، و أنت تعلم أن الأئمة المجتهدين من الصحابة و من بعدهم اختلفوا ‏في مسائل الطهارة و الوضوء و الغسل و التيمم و الصلاة و في مسائل النطاح و الطلاق و الجنابات إلى غير ذلك، و ‏قد يكون اختلافهم في بعض المسائل على وجهين و في بعض على ثلاثة أوجه و في بعض يزيد على ذلك إلى نحو سبع ‏أو أكثر فأنت بذلك عملت قاعدة لنفسك و هي قولك:” الحق لا يتعدد ” تريد بذلك أن كل من سواك من ‏المجتهدين على باطل.‏
و معنى هذا الكلام أنا الرجل المهتدي و من مشى معي لا

غير، أنا على الحق و من تبعني و من سواي على باطل، فكأنك تقول بهذا أنا المهتدي و من وافق رأيي فقط.‏

فقد وضح الحق لذي عينين أنك شاذ عن جميع المسلمين حتى عن المحدثين الذين تفتخر بالإنتساب إليهم و لست ‏منهم، فإنهم سلفهم و خلفهم من كان قبل إظهار ابن تيمية شذوذه و من بعده من الحفاظ على خلاف ما تعتقده من ‏تكفير المتبركين بزيارة الأنبياء و الأولياء، فأنت كفرتهم إن كنت شاعرًا بذلك و إن كنت غير شاعر، فها أنت يا ‏ألباني قد باينت مباينة بعيدة عن أهل الحديث الذين تدعي أنت أنك منهم و تعتز بهم، و لقد تبيَّن أنك عدوهم و عدو ‏الفقهاء و العبَّاد و الزهاد و الصوفيين المتحققين و بهذا تبين أنك و طائفتك الوهابية شاذون عن السلف و الخلف فلا ‏يجوز تسميتكم سلفية كما سميتم أنفسكم.‏

و قد وصف عبد المنعم مصطفى حليمة الألباني في أثناء ردّه عليه بقوله (24) إنه جهمي جلد و هو موافقه في عقيدة ‏التجسيم لكنه لما انحرف انحرافات لا تقول بها فرقته الذين منهم هذا الرادّ عليه وصفه بأنه جهمي أي يوافق الجهمية في ‏بعض غقائدها.‏

————————————————————————–

‏(1)- انظر كتابه المسمى” قيام رمضان” (ص/22).‏
‏(2)- فتاوى الألباني (ص/315).‏
‏(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر.
‏(4)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.‏
‏(5)- رواه ابن المنذر في الآوسط (5/184)، و البيهقي في السنن الكبرى (3/31-32).‏
‏(6)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر.‏
‏(7)- سبق تخريجه.‏
‏(8)- طرح التثريب في شرح التقريب (3/98).
(9)- سنن البيهقي (2/496).‏
‏(10)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.
‏(11)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/135).‏
‏(12)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/135).‏
‏(13)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/ 136-137).‏
‏(14)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/138).‏
‏(15)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/138).‏
‏(16)- أخذه اللحم معناه ثَقُلَ عليه لحم بدنه.‏
‏(17)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/141).‏
‏(18)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المسافرين: باب صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و دعائه بالليل، و ابن ‏المنذر في الأوسط (5/157)، و ابن خزيمة في صحيحه (2/191).‏
‏(19)- أخرجه البخاري في صحيحه: أبواب تقصير الصلاة: باب كيف كان صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و كم ‏كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل.‏
‏(20)- تلخيص الحبير (2/14-15).‏
‏(21)-تلخيص الحبير (2/15).‏
‏(22)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر.‏
‏(23)- العلل و معرفة الرجال (2/492)‏
‏(24)- انظر كتابه المسمى ” الانتصار لأهل التوحيد و الرد على من جادل عن الطواغيت ” (ص/14).‏

الفصل التاسع عشر يدعي الألباني أن قيام اليل بأكثر من إحدى عشر ركعة بدعة و يرى أن هذا ليس بطاعة

و من أعجب شذوذ الألباني ما ادعاه في فتاويه بقوله (1): “… ثم ما هي البدعة، البدعة فيما تذهبون إليه من قوله ‏عليه السلام:” كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ” ما هي البدعة؟ أليس هي الزيادة على ما جاء به الرسول ‏صلى الله عليه و سلم من طاعة و عبادة؟! إن كان كذلك فإن الجواب الذي قلته ءانفًا بأن الأصل في العبادات المنع ‏إلا لنص” اهـ، ثم قال: ” فأنا أقول إن عجبي يكاد لا ينتهي من مثل هذا القول، أصلاة مائة ركعة طاعة أم غير ‏طاعة؟ إن كانت طاعة كيف غفل عنها رسول الله؟ لماذا لم يسن و لو مرة واحدة في حياته؟ هل صلى مائة ركعة مرة ‏واحدة في هذه الفترة الطويلة جدًّا ؟!” اهـ.‏

الرد: هذا القول يرده الحديث الذي صححه ابن حبان و وافقه عليه الحافظ ابن حجر (2): ” الصلاة خير موضوع ‏فمن شاء استكثر و من شاء استقل “، و حديث البخاري

و مسلم (3):” صلاة الليل مثنى مثنى ” فيه ترك التحديد بعدد فيشمل سبع ركعات و تسعًا و إحدى عشرة و ثلاثة ‏عشر إلى عشرين إلى أربعين إلى مائة إلى أكثر من ذلك كل هذا شىء موافق، و ليس الرسول فعل كل ما رغّضب ‏فيه، فظنك أن أي عمل من أعمال الدين لم يفعله الرسول بعينه باطل جهل منك فالله تبارك و تعالى قال:{ يَا أَيُّهَا ‏الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)} [ سورة الأحزاب ] فيشمل العشرة و المائة و الألف و الألفين و ما ‏فوق ذلك مع أنه لم يُنقل عن الرسول في الأحاديث الواردة أنه كان يستغفر مائتي استغفارًا أو الفًا غنما الوارد عنه أنه ‏قال (4):” إني لأستغفر الله في اليوم و الليلة مائة مرة “، و قال (5):” رب اغفر لي و تب على إنك أنت التواب ‏الرحيم ” مائة مرة، فهل يفهم من هذا و أمثاله أنه لا يجوز الزيادة على هذا القدر ما أجهلك يا الباني و ما أجرأك ‏على الكذب على الله و الرسول، أليس ثبت عن أبي هريرة أنه كان يسبح اثنتي عشرة ألف تسبيحة ‏
كل يوم و يقول: ” أسبح بقدر ذنبي “، إلى متى يا رجل تهدم الحق و تبني الباطل، فعلى قولك أبو هريرة عصى الله، و ‏اهل المدينة الذين كانوا يقومون في رمضان بستة و ثلاثين ركعة ضالون على زعمك خاب سعيهم و ضل و أتعبوا ‏انفسهم فيما هو معصية لله، و حديث أبي هريرة رواه ابن سعد و صححه الحافظ ابن حجر (6).‏

‏(1)- فتاوى الألباني (ص/315-316).‏
‏(2)- انظر الإحسان بترتيب ابن حبان (1/287)، فتح الباري (2/479).‏

‏(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر، و مسلم في صحيحه: كتاب صلاة ‏المسافرين و قصرها: باب صلاة الليل مثنى مثنى.‏
‏(4)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر و الدعاء: باب استحباب اإستغفار و الاستكثار منه.‏
‏(5)- سنن اب داود: كتاب الصلاة: باب في الاستغفار.‏
‏(6)- افصابة في تمييز الصحابة (4/209).‏
الفصل العشرون شذوذ الألباني في قوله الحق لا يتعدد

من دسائس الألباني قاعدة استحدثها يريد بها حصر الحق فيما يراه و إبطال ما سواه و هي قوله:” الحق لا يتعدد”، ‏يريد بها هذا، و هذه القاعدة غير صحيحة يبطلها ما أخرجه مسلم (1) من حديث عليّ أنه قال:” جلد النبي صلى ‏الله عليه و سلم – في الخمر – أربعين و جلد أبو بكر أربعين و عمر ثمانين و كلٌّ سنَّة و هذا أحبُّ إليَّ يعني جلد ‏أربعين”، و قد حكم عليّ بأن كلا الأمرين حق، و حديث البخاري (2) أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال في ‏غزوة:” لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ” فخاف بعضهم أن تفوتهم العضر فصلوا قبلها و أخَّر الآخرون فلم ‏يعنّف رسول الله صلى الله عليه و سلم واحدًا من الفريقين.‏

ثم ماذا يقول الألباني في اختلاف الئمة المجتهدين من الصحابة كاختلاف أبي بكر مع عليّ في حكم الجدّ مع الأخوة، ‏فمع من الحق عند الألباني هل هو مع أبي بكر فيكون اجتهاد عليّ باطلاً على زعمه أم العكس، و علماء الأمة يرون ‏كلاًّ حقًّا.‏

و أيُّ باب من أبواب الأحكام الشرعية من ربع العبادات و ربع المعاملات و الربعين الآخرين في الفقه الإسلامي لم ‏يختلف الأئمة المجتهدون فيها على حسب ما يؤدي كلاًّ اجتهاده إليه أنه صواب.‏
و هذا الاختلاف الذي بينهم لا يقال لأحد المختلفين في المسئلة قول فلان حق و قول فلان باطل و لذلك لم يقبل ‏أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن يجمع الناس على مذهب واحد يلتزموه دون غيره.‏
فعلى قولك يا ألباني على ما يُحمل اختلاف أبي بكر و اختلاف علي في مسئلة توريث الأخوة مع الجد و عدم ‏توريثهم، لإابو بكر رأى أن الأخوة لا يرثون مع الجد لأن الجد في معنى الأب، و علي رأى تشريكه مع الأخوة في ‏الإرث و لم ير أنه كالأب في هذه المسئلة، فالمسلمون لا يختلفون في أن ما رءاه أبو بكر لا يُطلق عليه إنه باطل و لا ‏على مقابِلِهِ، و لا يجرأ أحد من المسلمين على قول إن ما قاله أحدهما حق و ما قاله الآخر باطل إنما قال علماء ‏الإسلام في ذلك و أمثاله أحد المجتهدين مصيب و الآخر مخطىء، و قال بعضهم كلا المجتهدين مصيب، و هما قولان ‏معروفان عند الصوليين و يرون هذا الاختلاف بعد اتفاقهم في أصول العقيدة خطبًا يسيرًا.‏

ثم ماذا يقول اللباني فيما رواه مسلم (3):” بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب بابن إحداهما، فقالت هذه ‏لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى للكبرى، فخرجتا على سليمانبن داود عليهما السلام ‏فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى ” ‏اهـ، فهل يقول إن حكم واحد من داود و سليمان باطل، فعلى قوله حكم أحد الحكمين باطل؟!.‏

ثم في الحديث:” إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ” دليل على إبطال ما ذهب إليه الألباني فإن هذا الحديث ‏صريح في أنه لال يقال لما اختلف فيه أئمة الهدى على وجه معتبر في الاجتهاد إن احد المختلفين قوله حق و الآخر ‏قوله باطل، و هذا الحديث كما ذكر ابن المنذر و الخطابي محمول على المجتهد الذي استكمل شروط الاجتهاد و ليس ‏على كل من يوقل في العلم قولا مخالفًا غيره.‏

أخيرًا نقول للألباني : لم يسلم منك الفقهاء و لا المحدثون أما الفقهاء فقد قلت:” لا يتعدد الحق ” جعلتها قاعدة كليِّة ‏و تريد بذلك أن تحصر الحق فيما وافق رأيك و معنى ذلك أن ائمة الاجتهاد الأربعة و غيرهم إذا خالف اجتهاد ‏أحدهم رأيك فهو باطل و الذي وافق رأيك من أقوالهم فهو الحق، و أما أهل الحديث فقد خالفتهم في كثير من ‏المسائل منهم تحريمك قيام رمشان بأكثر من إحدى عشر ركعة و تحريم التوسل و الاستغاثة بالرسول و غيره من ‏الأنبياء و الصالحين و غير ذلك كثير نسأل الله السلامة.‏
————————————————————
‏(1)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحدود: باب حد الخمر.‏
‏(2)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الخوف: باب صلاة الطالب و المطلوب راكبا و إيماء.‏
‏(3)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأقضية: باب بيان اختلاف المجتهدين
الفصل الحادي و العشرون الألباني يمنع سنة الجمعة القبلية قبل الجمعة و بعد الأذان بحجة أنها بدعة

الجواب: ذكر الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي أن الخلعي روى في فوائده عن علي بن أبي طالب رضي ‏الله عنه أن الرسول صلى الله عليه و سلم صلى قبل الجمعة أربعًا و بعدها اربعًا و إسناده جيد كما ذكر الحافظ ولي ‏الدين العراقي (1). و خالف الألباني في هذه المسألة الأحاديث الصحيحة فمنع الصلاة قبل الجمعة بحجة أنها بدعة و ‏أنها خلاف السنة حيث قال (2):” و إن قصد الصلاة بين الأذان المشروع و الأذان المحدث تلك التي يسمونها سنة ‏الجمعة القبلية فلا أصل لها في السنة و لم يقل بها أحد من الصحابة و الئمة ” اهـ.‏

قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (3):” فائدة: لم يذكر الرافعي في سنة الجمعة التي قبلها حديثًا و اصح ما فيه ‏ما رواه ابن ماجه عن داود بن رشيد عن حفص بن ‏

غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة و عن أبي سفيان عن جابر قالا: جاء سُلَيْك الغَطَفاني و رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم يخطب فقال له:” أصليت ركعتين قبل أن تجيء “؟ قال: لا، قال:” فصل ركعتين و تجَوَّز فيهما ‏‏”. قال المجد بن تيمية في المنتقى: قوله: ” قبل أن تجيء” دليل على أنهما سنة الجمعة التي قبلها لا تحية المسجد و تعقبه ‏المزي بأن الصواب: أصليت ركعتين قبل أن تجلس؟ فَصحَّفه بعض الرواة، و في ابن ماجه عن ابن عباس:” كان النبي ‏صلى الله عليه و سلم يركع قبل الجمعة أربع ركعات لا يفصل بينهن بشىء” و إسناده ضعيف جدًا، و في الباب عن ‏ابن مسعود و علي في الطبراني الأوسط”. اهـ.‏

قال الحافظ ولي الدين العراقي عن الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه (4):” رواه ابن ماجه في ‏سننه بإسناد صحيح “اهـ، و قال عن حديث جابر الذي رواه ابن ماجه أيضًا (5):” قال والدي – يعني الحافظ عبد ‏الرحيم العراقي – رحمه الله في شرح الترمذي: و إسناده صحيح” اهـ.‏

و قال الحافظ ابن حجر (6):” و ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة منها عن أبي هريرة رواه ‏البزاربلفظ:” كان يصلي قبل الجمعة ركعتين و بعدها أربعًا”، و في سنده ضعف” اهـ . ثم قال (7):” و عن ابن ‏مسعود عند الطبراني أيضًا مثله و في إسناده ضعف و انقطاع و رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود موقوفًا و هو ‏الصواب و روى ابن سعد عن صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم موقوفًا نحو حديث أبي هريرة” اهـ.‏

أما حديث ابن مسعود الموقوف فقد رواه عبد الرزاق (8) في مصنفه عن معمر عن قتادة:” أن ابن مسعود رضي الله ‏عنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات و بعدها أربع ركعات” صححه الحافظ ابن حجر (9) و روى ابن أبي شيبة ‏‏(10) أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أرعًا و أخرج عبد الرزاق (11) أيضًا أن ابن مسعود كان يأمر بأن ‏يُصلى قبل الجمعة أربعًا، قال الحافظ ابن حجر (12): ” و رواته ثقات” اهـ.‏

و روى ابو داود و ابن حبان و غيرهما (13) عن نافع قال:” كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ‏ركعتين في بيته، و يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك” و روى ابن سعد في الطبقات (14) ‏عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن صافية سمعها و هي تقول:” رأيت صفية بنت حيي صلت اربعًا قبل خروج ‏الإمام و صلت الجمعة مع الإمام ركعتين”.‏

و روى ابن أبي شيبة (15) عن أبي مجلز أنه كان يصلي في بيته ركعتين يوم الجمعة و عن عبد الله بن طاوس عن أبيه ‏أنه كان لا يأتي المسجد يوم الجمعة حتى يصلي في بيته ركعتين و عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يصلون قبلها ‏أي الجمعة أربعًا.‏

و قد ورد عن ابن عمر ” أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين و بعدها ركعتين و بعد ‏المغرب ركعتين في بيته و بعد العشاء ركعتين و كان لا يصلي بعد الجمعة حتى

ينصرف فيصلي ركعتين”… الحديث رواه البخاري في صحيحه تحت باب الصلاة بعد الجمعة و قبلها قال الحافظ ابن ‏حجر (16):” و لم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها يعني الجمعة قال ابن المنيِّر في الحاشية: كأنه يقول الأصل استواء الظهر ‏و الجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأن الجمعة بدل الظهر قال: و كانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر و لذلك ‏قدمه في الترجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد”.اهـ، ثم قال:” و قال ابن التين: لم يقع ذكر الصلاة ‏قبل الجمعة في هذا الحديث فلعل البخاري أراد إثباتها قياسًا على الظهر انتهى، و قوَّاه الزين ابن المنير بأنه قصد التسوية ‏بين الإمام و المأمومفي الحكم و ذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء. انتهى، و الذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع ‏في بعض طرق حديث الباب و هو ما رواه أبو داود و ابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل ‏الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ركعتين في بيته و يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك ‏اححتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها” اهـ.‏

قال الزيلعلي (17): ” و لم يذكر الشيخ محيي الدين النووي في الباب غير حديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله ‏عليه و سلم قال: ” بين كل أذانين صلاة ” أخرجه البخاري و مسلم (18) ذكره في كتاب الصلاة و ذكر أيضًا ‏حديث نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ركعتين في بيته و يحدث أن رسول الله صلى ‏الله عليه و سلم يفعل ذلك اهـ. قال: رواه أبو داود بسند على شرط البخاري انتهى، و سنة الجمعة ذكرها صاحب ‏الكتاب- في الاعتكاف- فقال: السنة قبل الجمعة أربع و بعدها أربع و أشار إليها في إدراك الفريضة فقال: و لو ‏أقيمت و هو في الظهر أو الجمعة فإنه يقطع على رأس الركعتين و قيل: يتمها ” اهـ.‏

قال الحافظ ابن حجر (19): ” و اقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان ‏‏(20) من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا:” ما من صلاة مفروضة إلا و بين يديها ركعتان ” و مثله (21) ‏حديث عبد الله بن مغفل

الماضي في وقت المغرب:” بين كل أذانين صلاة ” اهـ.‏

قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي (22):” و أما الصلاة قبلها يعني الجمعة فإنه جائز ” اهـ.‏

قال ابو عبد الرحمن شرف الحق العظيم ءابادي (23) ما نصه:” و الحديث- أي حديث ابن عمر المتقدم- يدل على ‏مشروعية الصلاة قبل الجمعة و لم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال و هو مع كون ‏عمومه مخصصًا بيوم الجمعة ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق و غاية ما فيه المنع في ‏وقت الزوال و هو غير محل النزاع و الحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عمومًا”، ثم قال (24):” قلت: ‏حديث ابن عمر الذي شرحه قال النووي في الخلاصة: صحيح على شرط البخاري و قال العراقي في شرح الترمذي: ‏إسناده صحيح لا جرم و اخرجه ابن حبان في صحيحه” اهـ.‏
و يكفي في مشروعية ركعتين قبل الجمعة فعل الصحابي الجليل ابن مسعود و ابن عمر و أم المؤمنين صفية بنت حيي

رضي الله عنهم و فعل أبي مجلز و هو لاحق بن حميد تابعي جليل و طاوس بن كيسان اليماني أحد أكابر تلاميذ ابن ‏عباس رضي الله عنهم و من سادات التابعين و ثقاتهم و إبراهيم بن يزيد النخعي و هو تابعي ثقة و مفتي أهل الكوفة ‏في زمانه و إقرار سفيان الثوري و ابن المبارك اللذين هما من أكابر العلماء العاملين و يكفي تصحيح الحافظ الثقة ‏الثبت الزين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني للحديث و غيرُه.‏
و في ختام ردنا نوجه كلمة لناصر اللباني نقول له فيها: لقد خالفت في هذا زعيمك الحراني الذي تسميه شيخ ‏الإسلام فقد أجاز صلاة النافلة قبل الجمعة فقال:” من فعل ذلك ذلك لم يُنكر عليه”، كما نقل عنه صاحب ‏الإنصاف” الحنبلي (25).‏

و لقد تبين من هذا الرد المختصر مشروعية صلاة النافلة قبل صلاة الجمعة من أقوال أهل العلم و المعرفة و بهذا نكون ‏قد فندنا قول الألباني:” إن سنة الجمعة القبلية لا اصل لها في السنة الصحيحة و إنه لم يقل أحد من الأئمة بها بل هو ‏أمر محدث”.‏

و تبين بذلك التذبذب و الاختلاف بين الألباني و زعيمه الحرَّاني ابن تيمية.‏
‏—————————————-‏

‏(1)- طرح التثريب في شرح التقريب (3/42).‏
‏(2)- انظر كتابه المسمى الأجوبة النافعة (ص/41).‏
‏(3)- تلخيص الحبير (2/74).‏
‏(4)- طرح التثريب في شرح التقريب (3/42).‏
‏(5)- المرجع السابق.‏
‏(6)- فتح الباري (2/426).‏
‏(7)- المرجع السابق.‏
‏(8)- مصنف عبد الرزاق (3/247).‏
‏(9)- تلخيص الحبير (2/74).‏
‏(10)- مصنف ابن أبي شيبة (1/463).‏
‏(11)- مصنف عبد الرزاق (2/247).‏
‏(12)- الدراية في تخريج أحاديث الهداية (ص/ 218).‏

‏(13)- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة، و ابن حبان في صحيحه انظر الإحسان ‏‏(4/84)، و ابن خزيمة في صحيحه (3/168)، و أحمد في مسنده (2/103).‏
‏(14)- طبقات ابن سعد (8/491).‏
‏(15)- مصنف ابن أبي شيبة (1/463).‏
‏(16)- فتح الباري (2/426).‏
‏(17)- نصب الراية لأحاديث الهداية (2/207).‏
‏(18)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأذان: باب بين كل أذانين صلاة، و مسلم في صحيحه: كتاب صلاة ‏المسافرين و قصرها: باب بين كل أذانين صلاة.‏
‏(19)- فتح الباري(2/426).‏
‏(20)- أخرجه ابن حبان في صحيحه انظر الإحسان (4/77-78).‏
‏(21)- انظر الإحسان بترتيب ابن حبان (2/48-49، 7/523).‏
‏(22)- شرح الترمذي (2/312).‏
‏(23)- عون المعبود على سنن أبي داود (1/438).‏
‏(24)- عون المعبود على سنن أبي داود (1/439).‏
‏(25)- الإنصاف (2/406).‏
عجيبة للالباني

قال في فتاويه (1):” يحرم إسبال اللحية فوق القبضة كما يحرم إحداث أي بدعة في الدين ” انتهت عبارته.‏
الرد: هذه الفتوى شاذة شذ بها عن علماء الإسلام فإن علماء الإسلام على زجهين منهم من قال: اللحية تترك كما ‏هي لا يؤخذ منها، و منهم من قال يؤخذ من طولها و من عرضها القول الأول قاله النووي و الثاني الإمام الحسن ‏البصري رضي الله عنه و من أين للألباني أن يقول إن ما زاد على القبضة حرام و ليس له حجةٌ يحتج بها من حديث ‏فيه أن الرسول قال ذلك أو أنه عليه الصلاة و السلام قبض على لحيته فقصَّ ما زاد على ذلك و من أين له أن يقول ‏إن لحيته خِلقةً ما زادت على ذلك فهل أخذ هذه من أوهام منامية أم كيف ذلك؟!‏

و نسأل الله تعالى أن يلهمنا السهر على حفظ شريعة رسول الله صلى الله عليه و سلم و نسأله أن يرزقنا العلم و ‏العمل به و الله سبحانه و تعالى أعلم و أحكم و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و على ءاله الأطهار و ‏صحابته الأخيار.‏

‏(1)- انظر فتاوى الألباني (ص/53).‏

Advertisements

الكتاب : القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع المؤلف : أبو الفضل الشيخ الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري

الكتاب : القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع
المؤلف : أبو الفضل الشيخ الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري
القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع
لأبي الفضل الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري

[ 1 ]
(1/1)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الأكرمين . وبعد : فمنذ ثلاثين سنة ، طبعت رسالة (بداية السول في تفضيل الرسول) بتعليقاتي . ثم طبعت مرة ثانية بتلك التعليقات ، وطبعت مرة ثالثة بتعليقات الشيخ محمد ناصر الألباني ، وقد تعرض لي في مقدمة تعليقاته ، وتهجم علي ، وهو هجام ، مع اعترافه بأنه استفاد من النسخة التى صححتها تصحيح بعض الأخطاء في المخطوطة التى علق عليها . وأبى أن يترك اعترافه ، دون أن يشفعه بما يكدر صفوه ، فلمزني بأشياء حصلت في تلك الرسالة ، أذكرها وأجيب عنها بحول الله . قال : أولا ، لقد جرى الشيخ في تخريج الأحاديث ، على سنن جمهور المخرجين ، فهو لا يعنى إلا نادرا ببيان مرتبة الأسانيد من الصحه والضعف ، بل ولا الأحاديث . وأقول : لم أبين الأسانيد ، لأن الرسالة في الفضائل النبوية ، ولتلك الأحاديث ما يؤيدها من القرأن والسنة الصحيحة . على أن مما قرره العلماء من المحد ثين والفقهاء وغيرهم جواز العمل بالحد يث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا ، ونص على هذا الامام أحمد وابن المبارك والسفيانان وغيرهم من الائمة ، واستمر العمل على هذا في جميع الأعصار ، إلا أن ابن العربي المعافرى شذ عن الجمهور ، فقال : لا يجوز العمل بالضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب ، وتبعه القنوجي في نزل الأبرار ، وقلدهما الألباني ، لولوعه باتباع الشواذ . على أن
(1/1)
________________________________________
——————————————————————————–
[ 2 ]
ابن العربي خالف الجمهور قولا ونظرا فقط . أما في العمل فقد عمل بالضعيف في الفضائل في كتابه سراج المريدين وهو من نفائس كتبه ، وفي شرح الترمذي وشرح الموطأ ، وفي الاحكام أيضا . والجمهور الذين أجازوا العمل بالضعيف في الفضائل ونحوها ، اقتدوا بصنيع الشارع ، حيث تجاوز في الفضائل ، ما لم يتجاوز في الفرائض والأحكام . وإليك أمثلة من ذ لك : صلاة النافلة أجاز أن تصلي من قعود مع القدرة على القيام ويجوز أن تصلي ركعة قياما وركعة قعودا ، ففي صحيح مسلم والسنن ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي ليلا طويلا قائما ، وليلا طويلا قاعدا ، وفي الصحيحين عنها أنها لم تر النبي صلي الله عليه واله وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا حتى أسن ، وكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلا ثين أو أربعين آية ثم ركع ، ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك . مثال ثان : روى الشيخان عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوتر على بعيره . يفيد جواز صلاة النافلة على الدا بة . مثال ثالث : روى الشيخان عن ابن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في السفر ، على راحلته حيث توجهت به ، وفى الصحيحين ايضا عن عامر بن ربيعه ، رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته ، وهذا لا يجوز في صلاة الفريضة . مثال رابع : صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الليل صفات منها عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذ كر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ، رواه مسلم في صحيحه . ومنها عن عائشة أيضا قالت : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كبر وضعف أوتر
(1/2)
________________________________________
بسبع ركعات لا يقعد إلا في الساد سة ، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي السابعة ثم يسلم تسليمة ، رواه النسائي .
——————————————————————————–
[ 3 ]
ومنها عن عائشة أيضا قالت : لما أسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ اللحم صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ثم يصلي ركعتين بعد أن يسلم رواه النسائي . ومنها عن عائشة : أن النبي صلى الله وآله وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن ، رواه النسائي . هذه صفات كلها صحيحة ، ولا يجوز شئ منها في صلاة الفريضة . مثال خامس : تبييت النية قبل الفجر في صيام الفريضة واجب لا يصح الصوم إلا به ، وفي صوم التطوع ليس بواجب ، روى مسلم والأربعة عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، فقال : ” هل عندكم من شئ ؟ ” فقلنا : لا ، فقال ” فاني إذن صائم ” اثم أتانا يوما آخر ، فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيس ، فقال ” أرينيه ، فلقد أصبحت صائما ، فأكل . زاد النساني : قال ” يا عائشة إن منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع ، بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فاعطاه وبخل منها بما شاء فأمسكه ” . يستفاد من الحديت مثال سادس ، وهو : من صام تطوعا يجوز له أن يفطر ولا يتم صومه ، ولا إثم عليه ولا قضاء . مثال سابع : الترتيب بين المناسك في الحج مندوب ، وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عكسه ، فقال : ” لا حرج “) . روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه رجل يوم النحر ، وهو واقف عند الجمرة ، فقال يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي ؟ قال : ” ارم ولا حرج ، ” وأتاه آخر ، فقال : إني ذ بحت قبل أن أرمي ؟ قال : ” ارم ولا حرج ” ، وأتاه آخر ، ففال : إني أفضت الى البيت قبل أن أرمي ؟ قال : ” ارم ولا حرج ” فما سئل يومئذ عن شئ إلا قال ” افعل ولا حرج ” . هذا
(1/3)
________________________________________
مدرك الذين أجازا العمل بالضعيف في الفضانل ونحوها ، غير أنهم احتاطوا مع ذلك ، فاشترطوا للعمل به ثلاثه شروط :
——————————————————————————–
[ 4 ]
أحدها : أن يكون معناه مندرجا تحت أصل عام مثل آية ، أو حديث صحيح ، أو قاعدة من قواعد الشريعة . ثانيها : ألا يكون ضعفه شديدا كالواهي ونحوه . ثالثها : ألا يعتقد ثبوته عن النبي صلى اللة عليه وآله وسلم . على أن قولهم : لا يجوز العمل بالضعيف في الأحكام ، ليس على عمومه ، لأن الأئمة عملوا بالحديث الضعيف في كثير من الأحكام ، وللحافظ ابن الملقن كتاب جمع فيه الاحاديث الضعيفة التي عمل بها الأئمة مجتمعين أو منفردين ، ورتبه على الأبواب الفقهية وهو جدير بأن يطبع ، وفي تدريسي لنيل الأوطار بزاويتنا الصديقية ألفت أنظار الطلبة الى الأحاديث التي عمل بها الأئمة أو الجمهور ، وهى ضعيفة ، مع علمهم بضعفها . قال الألباني : وثانيا رأيته يعتمد على تحسين التومذي ، وظني به أنه يعلم أنه متساهل كما صرح بذلك الذهبي وغيره من الحفاظ النقاد . وأقول : لم أعتمد على تحسين الترمذي في تلك الرسالة إلا مرة أو مرتين على الأكثر ، ولم يكن تقليدا بل إقرار له ، لأنه صواب . ذكر الذهبي في الميزان ، في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف تضعيف الأئمة له وأن بعضهم نسبه إلى الكذ ب ، ثم قال : وأما الترمذي فروى من حديثه ” الصلح جائز بين المسلمين ” وصححه ، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي اه‍ وتعقبه الحافظ العراقي في شرح الترمذي ، فقال : لا يقبل هذا الطعن منه في حق الترمذي وإنما جهل الترمذي من لا يعرفه ، كابن حزم ، وإلا فهو إمام يعتمد عليه ، ولا يمتنع أن يخالف اجتهاده اجتهاد غيره في بعض الرجال ، وكأنه رأى ما رآه البخاري ، فإنه روى عنه أنه قال . حديث كثير عن أبيه عن جده في العيدين إنه حديث حسن اه‍ فهذا الحافظ العراقي وهو من
(1/4)
________________________________________
الحفاظ النقاد ، يصرح أن الترمذي إمام معتمد عليه ، وأن ما اعتبره الذهبي تساهلا منه ، هو في الحقيقة اختلاف في الاجتهاد ، فإطلاق التساهل على الترمذي ، مما لا ينبغي ، نعم قد تعقبته في تحسينه أو تصحيحه ، في كثير من مؤلفاتي وتعليقاتي . والألباني يعتمد على المناوي وعلى القاري ، وأين درجتهما من الترمذي .
——————————————————————————–
[ 5 ]
قال الألباني رابعا : يعزو الحديث لغير المسثاهير من أصحاب السنن وغيرهم ممن ألف في الصحيح ، فهو لما خرج الحديث الأول ” أنا سيد ولد آدم ولا فخر ” عزاه لابن أبي عاصم في الأدب ، الخ كلامه . وأقول : هذا التعقب غفلة منه كبيرة ، ذ لك أن مؤلف الرسالة قال في الخصله الأولى : أنه ساد الكل ، فقال : ” أنا سيد ولد أدم ولا فخر ” ، فعزوت الحديث لمن رواه بهذا اللفظ ، وقال في الخصلة 18 : أنه كما ذكر السؤدد مطلقا فقد قيده بيوم القيامة . فعزوت الحدبث مقيدا الى كتب الصحاح والسنن والمسانيد المشهورة ، ولم أخالف القاعدة في العزو ، لكن الألباني غفل وذهل . وقولي في حديث ابن مسعود ” الخلق عيال الله ” . سنده جيد ، سهو لا أدري كيف حصل لي ؟ بل أوقعني فيه صنيع الحافظ السخاوي قال : ونحو هذا أنه ذكر حديث عائشة في المستدرك بلفظ ” أنا سيد ولد أدم وعلي سيد العرب ” فقال : وهو حديت ضعيف ، خلافا لقول الذهبي أنه موضوع ، وهذا تبجح بارد ، وتطاول على الحافظ الذهبي بدون مبرر (1) ، لأن مدار الحديث على حسين بن علوان ، وعمر الوجيهي وغيرهما من الوضا عين ، وقد أقر الحافظ العسقلاني الذهبي على وضعه فانظر لسان الميزان ، 4 – 289 – 290 وفي ظني أن ابن تيمية أيضا قال بوضعه في كتابه الحجة منهاج السنة اه‍ وأقول : أولا : حديت ” أنا سيد ولد أدم وعلي سيد العرب ” ضعيف كما قلت في تعليقاتي على بداية السول . وقول الذهبي : موضوع ، غلو غير مقبول . ذلك أن الحديث
(1/5)
________________________________________
ورد من غير طريق ابن علوان وعمر الوجيهي ، فرواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ” من سيد العرب ؟ ” قالوا : أنت يا رسول الله ، فقال : ” أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ” ، قال الحافظ الهيثمي : فيه خاقان بن عبد الله بن الاهتم ضعفه أبو داود . قلت : خاقان ذكره ابن أبى حاتم في الجرح ولم يجرحه ، وعبارته : خاقان بن عبد الله بن الأهتم أخو يحيى بن أبي الحجاج المنقري روى عن
——————————————————————————–
(1) هذا التعبير خطا لا وجه له وان استعمله بعض من يدعي الأدب والصواب ان يقال : بدون مسوغ . (*)
——————————————————————————–
[ 6 ]
(1/6)
________________________________________
الحكم بن عتيبة وعلي بن زيد بن جدعان ، روى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث ومسدد وهشام بن الكلبي . سمعت أبي يقول بعض ذلك ، وبعضه من قبلى اه‍ وهو بصري ، والبصريون أبعد الناس عن التشيع . طريق آخر ، روى الحاكم في المستدرك من طريق عمر بن الحسن الراسبي ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ” . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد ، وفيه عمر بن الحسن وأرجو أنه صدوق ولولا ذلك لحكمت بصحته على شرط الشيخين اه‍ قلت : إسناد الحديث نظيف ليس فيه كذاب ولا متهم ، وعمر بن الحسن هو الراسبي ، ذكرد ابن أبي حاتم في الجر ح والتعديل ، فقال ما نصه : عمر بن الحسن الراسبي البصري ، روى عن القاسم بن الفضل الحداني وديلم بن غزوان وسكين بن عبد العزيز ، روى عنه محمد بن موسى الحرشي اه‍ ولم يجرحه بشئ ، وبمقتضى القاعدة المقررة يكون تعديل الحاكم له مقبولا ، لكن الذهبي يعقب قول الحاكم : أرجو أنه صدوق ، فقال : أظن أنه هو الذي وضع هذا ، وهو تعنت شديد وقول بالظن ، والظن أكذب الحديث . والعجب من الحافظ كيف وافق الذهبي على هذا الحكم المتعنت ، وغفل عما تقتضيه القاعدة في هذا المقام ؟ ! والكمال لله تعالى . فالحديث بهذين الطريقين طريق انس ، وطريق عائشة لا يبعد ان يكون من قبيل الحسن لغيره . ثانيا : الحامل للذهبي على الحكم بوضع الحديث ، فهمه أن الحديث يقتضي تفضيل علي على الشيخين رض الله تعالى عنهم . وعلى أساس هذا الفهم ، رد هو وغيره كثيرا من الأحاديث في فضل علي عليه السلام . وحكموا بوضعها أو نكارتها . ولم يسلم من نقدهم بهذا الفهم إلا قليل وأيد ذلك عندهم ان المبتدع إذا روى حديثا يؤيد بدعته ، ترد روايته ، ونفذوا هذه القاعدة بدقة فيما يرويه الشيعة من فضائل علي عليه السلام . بل يستنكرون الحديث الوارد في فضله ، ولو لم يكن في سنده شيعي . روى
(1/7)
________________________________________
الحاكم من طريق عامر بن السمط عن أ بي الجحاف داود بن ابي عوف عن معاوية بن ثعلبه عن أبي ذ ر قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني ” قال الحاكم : صحيح الاسناد . ووافقه الذهبي وزاد : بل منكر ، والحديث رواه البزاز ، وقال الهيثمي : رجاله ثقات . وإنما استنكره الذهبي لأمرين : أن هذا اللفظ لم يرد في حق أحد الشيخين ، وأنه يفيد الطعن في معاوية وفرقته .
——————————————————————————–
[ 7 ]
(1/8)
________________________________________
وقد يدعون بطلان حديث صحيح في فضل علي عليه السلام ويستدلون بما هو أشد بطلانا من الدعوى . مثال ذلك ما رواه أحمد في فضائل الصحابة والحاكم في المستدرك والخطيب في تاريخ بغداد من طريق أحمد بن الأزهر ثنا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي بن أبى طالب ، فقال ” أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله والويل لمن أبغضك بعدي . قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، وأبو الأزهر باجماعهم ثقة ، وإذا انفرد الثقه بحديت فهو على أصلهم صحيح ، سمعت أبا عبد الله القرشي يقول : سمعت أحمد بن يحيى الحلواني يقول : لما ورد أبو الأزهر من صنعاء ، وذاكر أهل بغداد بهذا الحديت ، أنكره يحيى بن معين ، فلما كان يوم مجلسه ، قال في آخر المجلس : أين هذا الكذاب النيسابوري الذي يذكر عن عبد الرزاق هذا الحديث ؟ فقام أبو الأزهر ، فقال : هو ذا أنا ، فضحك يحيى بن معين من قوله وقيامه في المجلس ، فقربه وأدناه ، ثم قال له : كيف حدثك عبد الرزاق بهذا ولم يحدث به غيرك ؟ فقال : اعلم يا أبا زكريا أني قدمت صنعاء ، وعبد الرزاق غائب في قرية له بعيدة ، فخرجت إليه وأنا عليل ، فلما وصلت إليه سألني عن خراسان ، فحدثته بها وكتبت عنه وانصرفت معه إلى صنعاء فلما ودعته قال لي قد وجب حقك علي فأنا أحدثك بحديث لم يسمعه مني غيرك فحدثني والله بهذا الحديث لفظا فصدقه يحيى بن معين واعتذر إليه اه‍ كلام الحاكم . وكتب الذهبي على قوله صحيح على شرط الشيخين ، ما نصه : هذا وإن كان رواته ثقات ، فهو منكر ، وليس ببعيد من الوضع ، وإلا لأ ي شئ حد ث به عبد الرزاق سرا ولم يجسر أن يتفوه به لأحمد وابن معين والخلق الذين رحلوا إليه اه‍ ثم وافق على الحكاية التي رواها الحاكم ، وفيها بيان سبب تخصيص أبي الأزهر بهذا الحديث ، وتصديق
(1/9)
________________________________________
يحيى بن معين له . فلم يبق لاستنكاره حجه إلا التعنت . وقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7 – 356 وقال : رواه غير واحد عن ابي الازهر ، وما ضعفه ولا استنكره . وقال الخطيب في التاريخ : وقد روته محمد بن الازهر من عهدته إذ قد تربع على ورايته اه‍ .
——————————————————————————–
[ 8 ]
وبعد هذا فاسمع ما قيل في الحكم ببطلانه ووضعه : روى الخطيب عن ابي حامد بن الشرقي : انه سئل عن حديث الي الازهر عن عبد الرزاق عن معمر في فضائل علي ؟ . فقال : هذا حديث باطل ، والسبب فيه : ان معمرا كان له ابن أخ رافضي ، وكان معمر يمكنه من كتبه ، فادخل عليه هذا الحديث ، وكان معمر رجلا مهيبا لا يقدر عليه احد في السؤال والمراجعة ، فسمعه عبد الرزاق من كتاب ابن اخي معمر اه‍ قلت : هذا كلام باصل جدا ، وبيان ذلك : ان ابن أخي معمر ، شخص وهمي لا وجود له ، ولا يعرف أخ لمعمر . وكيف يوجد ابن بدون اب غير عيسى عليه السلام ؟ وعلى فرض وجود هذا الابن المزعوم ، فلم يكن معمر ليمكنه من كتبه يعبث فيها . كيف وهو ثقة إمام ولو فرض إدخال شئ في كتبه من الابن المزعوم ، فيكون في غير رواية عبد الرزاق ولابد ، لان روايته عن معمر متقنة . قال احمد : حديث عبد الرزاق عن معمر احب الي من حديث هؤلاء البصريين ، كان معمر يتعهد كتبه وينظر فيها باليمن ، وكان يحدثهم حفطا بالبصرة ، فكيف يتعهد كتبه ويحدث بها عبد الرزاق وفيها دخيل لابن أخيه المزعوم ، ولم يشعر به ؟ هل حدث بها وهو نائم . ؟ أو مغلوب على عقله ؟ ثم إن معمرا كان ثبتا في الزهري بصفة خاصة ، قال ابن معين : أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ، وقال ابن معنى ايضا : معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة ، وقال عثمان الدارمي : قلت لابن معين : معمر أحب اليك في الزهري أو ابن عيينة أو صالح بن كيسان أو يونس ؟ فقال في كل ذلك ، معمر . وقال الغلابي : ابن معين
(1/10)
________________________________________
يقدم مالك بن انس على اصحاب الزهري ثم معمرا . فهلا كان ابن اخيه المزعوم ادخل عليه الحديث في غير روايته عن الزهري ! ! ومن هنا يعلم ان الذي اختلق حكاية اتن اخي معمر ، ليبطل بها الحديث لم يوفق في حبكها وصياغتها ، فكانت تحمل بطلانها في تضاعيفها ، ويأبى الله إلا أن يظهر الحق ويخذل الباطل . ثالثا : اتخذ النواصب وتبعهم كثير من أهل السنة انخداعا بهم ، مسألة احتمال الحديث تفضيل علي على الشيخين تكأة يستندون إليها في رد أحاديث كثيرة في فضل علي عليه السلام ، كما سبق . وابن تيمية أكثر الطعن في أحاديث فضل علي عليه السلام ، تجد ذلك في منهاجه واضحا ، فلا يعتمد عليه فيما يطعن فيه من تلك الاحاديث ، لان فيه انحرافا عن علي عليه السلام ، كما نبه عليه الحافظ في ترجمته من الدرر الكامنة . وقال في لسان الميزان : لكن وجدته – يعنى ابن تيمية – كثير التحامل الى الغاية في در الاحاديث التي يوردها بن المطهر وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنه در في رده
——————————————————————————–
[ 9 ]
(1/11)
________________________________________
– يعني المنهاج – كثيرا من الاحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها لانه كان لا تساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره ، والانسان عرضة للنسيان وكم من مبالغة لتوهين كلام الزافضي أدته أحيانا الى تنقيص علي رضي الله عنه اه‍ ج 6 ص 319 / 320 ولالبانى حريص كل الحرص على تلقيب ابن تيمية بشيخ الاسلام ، مع أنه لقب مبتدع ، لا أصل له عن السلف إلا ما جاء باسناد واه عن عبد الله بن ابي رأس المنافقين : أنه رأى أبا بكر رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ، فقال لاصحابه : انظرو كيف أصرف هؤلاء السفهاء فتقدم الى أبي بكر ، فصافحه وسماه شيخ الاسلام نفاقا ومداهنة ، ثم إن الاسلام دين الله أنزله على رسوله . فكيف يكون أحد شيخا له ؟ ! . والعجيب في أمر هذا الالباني أنه يحرص على تلقيب ابن تيمية بهذا اللقب المتبتدع ، ويعيب على الذين يسودون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عليه ويعتبر لفظ اسيادة بدعة ؟ ! ويعتبر الذين يذكرونها متبدعة ! مع أن سيادته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالتواتر ، ومعلومة بالضرورة لكل مسلم . رابعا : قال الفيومي في المصباح : وساد يسود سيادة ، والاسلام السؤدد وهو المجد ولاشرف ، فهو سيد والانثى سيدة قلت : فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام ” علي سيد العرب ” أنه ذو الشرف والمجد فيهم ، لانه من أهل البيت فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع علينا وفاطمة والجسن والحسين رضي الله عنهم ، ثم أدخلهم تحت ثوبه وجللهم بكساء كان عليه ، ثم قال : ” هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فسر قول الله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ، ولهذا الحديث طرق عن أم سلمة وعائشة وواثلة بن الاسقع وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فهو حديث مستفيض . فعلي عليه السلام سيد العرب لكونه من أهل البيت النبوي ، وهذه خصوصية له ، خصه الله بها . وأهل المشرق
(1/12)
________________________________________
يطلقون لفظ السيد على الرجل من أهل البيت . وخصوصية أخرى لعلي رضي الله عنه ، وهي أنه يقال له : عليه السلام ، لان هذه الكلمة تقال لاهل البيت ، ولا يقال لغيرهم ، وإن كان أفضل منهم كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . ولعلي عليه السلام خصوصية ثالثة ، وهي أنه إذا صلى شخص على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، صلى على آله معه ، دخل علي دخولا أوليا . وننبه هنا
——————————————————————————–
[ 10 ]
(1/13)
________________________________________
على خطأ وقع من جماهير المسلمين ، قلد فيه بعضهم بعضا ولم يتفطن له إلا الشيعة . ذلك أن الناس حين يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكرون معه أصحابه ، مع ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ساله الصحابة فقالوا : كيف نصلي عليك ؟ أجابهم بقوله : ” قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد ” وفي رواية ” اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ” ولم يأت في شئ من طرق الحديث ذكر أصحابه ، مع كثرة الطرق وبلوغها حد التواتر ، فذكر الصحابة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، زيادة على ما علمه الشارع ، واستدرك عليه ، وهو لا يجوز . وأيضا فان الصلاة حق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولاله ، لا دخل للصحابة فيها ، لكن يترضى عنهم . للصحابة فيها ، لكن يترضى عنهم . وروى مالك حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يارسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال : ” قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم ” . قال ابن عبد البر في التمهيد : استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير حديث مالك ” اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ” . وفي هذا الحديث ” اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ” ، قالوا : فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن ذريته : صلى الله عليك ، إذا واجهه ، وصلى الله عليه ، إذا غاب عنه ، ولايجوز ذلك في غيرهم اه‍ وأهل الكساء هم أساس الذرية وأصلها .
——————————————————————————–
[ 11 ]
(1/14)
________________________________________
فائدة حصل خلاف كبير في توجيه التشبيه في الصلاة الابراهيمية ، وذكروا وجوها كثيرة ، وألف العلامة محمد موسى الروحاني البازي كتابا سماه ” فتح العليم لحل أشكال التشبيه العظيم في حديث كما صليت على ابراهيم ” . ذكر فيه سبعة وثمانين ومائة جواب ، وألهمني الله جوابا رافعا للاشكال ، ذكرته في كتاب فضائل النبي في القرآن . وحاصله : أن التشبيه نوعان : الاول : الحاق مفضول بفاضل ، نحو زيد كالبدر ، وأبو يوسف كأبي حنيفة ، والشجاع كالاسد . والاخر : الحاق متاخر ، بمتقدم من غير نظر الى المفاضلة بينهما ، بل قد يكون المتأخر أفضل من المتقدم . نحو قول الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم) شبه استخلاف المسلمين باستخلاف اليهود ، لكونه سابقا في الوجود ، مع أن استخلاف المسلمين أعم وأقوى . والتشبيه في الصلاة الابراهيمية من هذا النوع ، والمعنى : اللهم صل على محمد كما سبقت الصلاة منك على ابراهيم من غير اعتبار مفاضلة بينهما . وإن كانت الصلاة على محمد في الواقع أفضل منها على ابراهيم وبهذا زال الاشكال ، ولم يبق محل لكثرة القيل والقال . وهذه الفائدة ذكرناها استطرادا ، متممة لبحث الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . خامسا : عاب الالباني مخالفتي للذهبي ، واعتبرها تبجحا باردا وتطاولا على مقامه بدون مسوغ . وأقول : هنا يصح ذكر الحديث ” يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه ” فالالباني أكثر الناس تطاولا على مقام أئمة كبار ، مع تبجح أبراد من الثلج ، وسفه سمج ، ويكفيه ذما وعابا انه تطاول على مقام الامام مسلم بن الحجاج الحافظ العلم وضعف احاديثه في صحيحه الذي هو أحد الصحيحين اللذين تلقتهما الامامة بالقبول ، ولهما عند الحفاظ جلالة ومهابة ، وليته ضعف تلك الاحاديث بعلم ومعرفة ، ولكن بجهل ووقاحة . وقد تتبع تلميذنا الاستاذ المحقق الفاضل محمود
(1/15)
________________________________________
سعيد : الاحاديث التي ضعفها ، بالنقد والتزييف حديثا حديثا في كتاب سماه ” تنبيه المسلم الى تعدي الالباني على صحيح مسلم ” . وبين سقوط تضعيفه
——————————————————————————–
[ 12 ]
بالقواعد الحديثية ، من قرأ هذا الكتاب ، تبين له أن الالباني ضعيف في علم الحديث متنا ورجالا ، بخلاف ما يدعيه لنفسه . وميزة أخرى لهذا الكتاب : أن صاحبه عف اللسان ، ينتقد بلطف ، ويناقش بأدب ، لاتجد فيه لفظا نابيا ، ولا دعوى عريضة ، بخلاف الالباني ، فانه كثير الدعوى ، سفيه اللسان شتام هجام فيه زعارة ، وعرامة قبيحة ، كانه لم يقرأ الاحاديث الذامة لسوء الخلق ، والناهية عن السب والشتم . ومن معيبه – وما أكثرها – لمزه لمن يخالفه بالابتداع ، فهو عند نفسه : قسيم النار ، من كان معه فهو سني يستحق الجنة ، ومن خالفه فهو مبتدع ، يستحق النار ، ومن تبجحه السخيف ، قوله في تعليقاته على كتاب السنة لابن ابي عاصم ج 1 / 76 . وقد خرجت اسماء هؤلاء الائمة – يعني الذين ضعفوا ابا حنيفة رضي الله عنه ، في الاحاديث الضعيفة ، بما لا تراه في كتاب آخر ، ولدينا مزيد اه‍ وفي هذه الجملة سخافات : منها : تطاوله على مقام الامام أبي حنيفة احد أئمة المسلمين وهو ثقة عدل . ومنها تبجحه بأن ما جاء به لا يوجد عند غيره ونقول له : مادح نفسه يقرنك السلام . ومنها وهو أشدها سخافة وقبحا : تمثلة بالاية الكريمة . وإذا قال الله تعالى (ولدينا مزيد) فهو حق لان عطاءه ليس له حد ، ونعمه ليس لها عد . لكن ماذا عند الالباني من المزيد غير الجهل والوقاحة ؟ ! . وذكر في مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ص : 67 طبعة رابعة ، عبارة : العصمة لله وحده . وهذه العبارة لا تجوز في جانب الله ، ولا يصح إضافة العصمة وصفا تعالى . ذلك أن العصمة ملكة تقوم بشخص النبي تحول دون وقوع المعصية منه ، وهي خاصة بالانبياء والملائكة ، فيقال : النبي
(1/16)
________________________________________
معصوم ، والملك معصوم ، وعند الاشعرية : أن الملك ليس بمعصوم ، وهذا خطأ . ولعلهم استندوا الى حديث هاروت وماروت وقصتهما مع الزهرة ، وهو حديث باطل ، وأن صححه ابن حبان ، والكمال لله . ومما يدل على تقليد الالباني في الرجال ، وقلة اطلاعه ، أنه في تعليقه على كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لما ذكر مؤلف الكتاب حديث ” من أفتى الناس بغير علم ، لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض ” . كتب عليه الالباني : اسناده ضعيف ، فيه عبد الله ابن بشر عن علي بن موسى الرضا . الاول لم أجد من ترجم له
——————————————————————————–
[ 13 ]
(1/17)
________________________________________
والاخرة ، قال ابن حبان يروي عن ابيه العجائب كانه كان يهم ويخطئ اه‍ . فاقتصار الالباني على كلام ابن حبان في تضعيف على الرضا ، قصور ينبئ عن قلة اطلاع وكثرة جهل ، فقد نقل أبو سعد ابن السمعاني كلام بان حبان كما نقله الالباني ، مع احاديث منكرة رويت من طريقة ، وقال : والخلل في رواياته من رواته فانه ما روى عنه الا متروك اه . ونقل الذهبي في ترجمته من الميزان ، قول ابن طاهر : ياتي عن آبائه بعجائب ، وقال عقبه : إنما الشأن في ثبوت السند إليه ، وإلا فالرجل قد كذب عليه ووضع عليه نسخة سائرها كذب على جده جعفر الصادق اه‍ . وقال في المغني : علي بن موسى بن جعفر الرضا ، عن آبائه . قال ابن طاهر ، ياتي عن آبائه بعجائب . قلت الشأن في صحة الاسناد إليه : فانه كذب عليه وعلى جده اه‍ واظن الالباني اطلع على بعض هذه النقول أو جميعها ، لكنه اثر كلام ابن حبان ، لنصب عنده . والتشيع الذي شم رائحته منا ، خير من النصب الذي شممنا رائحته منه . وما أحسن قول الامام الشافعي رضي الله عنه : يا راكبا قف بالمحصب من مني * * واهتف بقاعد خيفها والناهض ان كان رفضا حب آل محمد * * فليشهد الثقلان انى رافضي ومن أخطائه الدالة على قلة فهمه ، وضعفه في قواعد الاستنباط : أنه اختار للمصلي أن يقول في تشهده : السلام على النبي ، ولا يقول : السلام عليك أيها النبي ، مع أن الاحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت فيها التشهد بلفظ الخطاب . ففي الصحيحين عن أبو مسعود قال : أخذ رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم بيدي ، وعلمني التشهد كما يعلمني سورة من القران . قال ” قل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد ألا إله ألا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ” . ورواه بقية الستة كذلك . وفي صحيح مسلم والاربعة عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله
(1/18)
________________________________________
وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن . فذكر مثل تشهد ابن مسعود .
——————————————————————————–
[ 14 ]
ورواه مسلم والاربعة إلا الترمذي عن أبي موسى قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبين لنا سنتنا ، وعلمنا صلاتنا فقال ” إذا صليتم وكان عند القعدة فليكن من اول قول أحدكم : التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ” الحديث . وهكذا ثبت التشهد بخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلام عليه ، من حديث ابن عمر وجابر وسلمان الفارسي وابن الزبير وعائشة وأبي يعيد الخدري وغيرهم وهو تواتر ، وواظب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو سنة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله . وأخذ به الشافعية ، فقالوا بوجوب الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . لكن ثبت في صحيح البخاري بعد روايته للحديث عن ابن مسعود قوله : بين ظهر انينا فلما قبض ، قلنا : السلام يعني على النبي . قال الحافظ في فتح الباري : كذا وقع في البخاري ، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الاصبهاني والبيهقي من طرق متعددة الى أبي نعيم شيخ البخاري فيه ، بلفظ : فلما قبض قلنا السلام على النبي ، بحذف لفظ يعني . وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم . قال السبكي في شرح المنهاج ، بعد أن ذكر هذه الرواية عن أبي عوانة : وحده : إن صح هذا عن الصحابة ، دل على أن الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير واجب ، فيقال : السلام عى النبي : قلت : قد صح بلا ريب ، وقد وجدت له متابعا قويا ، قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء : أن الصحابة كانوا يقولون – النبي صلى الله عليه وآله وسلم حي : السلام عليك ايها النبي ، فلما مات قالوا : السلام على النبي ، وهذا إسناد صحيح اه‍ كلام الحافظ . قلت
(1/19)
________________________________________
: كلام عطاء هذا ، عنعنه ابن جريح كما في مصنف عبد الرزاق ج 2 ص 204 وابن جريح مدلس ، فلا يقبل ما عنعنه . قال الالباني : وقول ابن مسعود : فقلنا السلام على النبي . يعني ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون السلام عليك ايها النبي في التشهد . والنبي حي بينهم ، فلما مات عدلوا عن ذلك وقالوا : السلام على النبي ، ولابد أن يكون بتوقيف منه ، ويؤيده إن عائشة رضي الله عنها كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة ، السلام على النبي ، رواه السراج في مسنده والمخلص في في فوائده بسندين صحيحن عنها اه‍
——————————————————————————–
[ 15 ]
(1/20)
________________________________________
وهذا الكلام يدل على جهل عريض . وقد إغرب بعزو أثر عائشة الى السراج والمخلص خلص الله الالباني من جهله ، مع انه في مصنف ابن ابي شيبة ومصنف عبد الرزاق ، وجهل الالباني فيما قاله يتبين بوجوه : الاول : أن قول ابن مسعود : فلما قبض قلنا السلام على النبي ، ليس عن توقيف بل هو اجتهاد منه وممن وافقه ، استنادا منهم الى ان الوفاة تناسبها الغيبة ، وهو خطأ ، لما سيأتي : الثاني : لو كان عند ابن مسعود توقيف بذلك ، لصرح به بأن يقول : فلما قبض قلنا بامره أو بارشاد ، فلما لم يقل دل على أنه رأي له محض . الثالث : أن التشهد يتعلق بالصلاة التي هي أهم أركان الاسلام بعد الشهادتين ، وكان الصحابة يتعلمونه ، كما يتعلمون السورة من القرآن ، فلو كان عندهم توقيف ، لنقلوه إلينا كما نقلوا ألفاظ التشهد ، لانه قيد متمم لها ، وهم يعرفون إن نقل المقيد بدون قيد لا يجوز . الرابع : أنه ثبت بالاسانيد الصحيحة في الموطأ ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وغيرها عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر رضي الله عنه يعلم الناس التشهد على المنبر ، وهو يقول : قولوا : التحيات لله الزاكيات لله الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . الخ . هكذا علم عمر التشهد على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحضرة المهاجرين والانصار ، ولو كان توقيف بتغيير صيغة السلام ، لما خفي على عمر ، ولو خفي عليه ، لنبهه بعض الصحابة الذين سمعوا تعليمه . ومثل هذا ما رواه الطحاوي في معاني الاثار عن الن عمر رضي الله عنهما قال : كان أبو بكر رضى الله عنه يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبينان الكتاب ، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود رضي الله عنه ، لكن في سنده زيد العمي . ومثله ما رواه الطبراني من طريق اسماعيل بن عياش عن حريز بن عثمان عن راشد بن سعد عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر : التحيات لله والصلوات
(1/21)
________________________________________
والطيبات فذكر مثل تشهد ابن مسعود . الخامس : روى الطبراني باسناد صحيح عن الشعبي قال : كان ابن مسعود يقول بعد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته : السلام علينا من ربنا : فهذه
——————————————————————————–
[ 16 ]
الجملة زادها ابن مسعود اجتهادا منه ، فكذلك تغيير صيغة السلام من الخطاب الى الغيبة ، اجتهادا منه إيضا . السادس : أن البيهقي روى في سننه عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت : هذا تشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : التحيات لله الى آخره ، مثل تشهد ابن مسعود . قال النووي في الخلاصة : إسناده جيد : وهو يفيد أن تشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل تشهدنا ، وهي فائده حسنة اه‍ . السابع : روى أبو عاصم قال اخبرنا ابن جريح قال : سئل وأنا اسمع عن التشهد ؟ فقال ، التحيات لله ، وذكر تشهد ابن عباس ، ثم قال : لقد سمعت عبد الله بن الزبير يقولهن على المنبر ، يعلمهن الناس ، ولقد سمعت عبد الله ابن عباس يقول مثل ما سمعت ابن الزبير يقول ، قلت : فلم يختلف ابن الزبير وابن عباس ؟ فقال : لا ، أخرجه الطحاوي . ووقع هذا الاثر في مصنف عبد الرزاق بصيغة الغيبة وما هنا أرجح ، لانه أحال على تشهد ابن عباس ، والسلام فيه بصيغة الخطاب . الثامن : أن المسلمين المقيمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة واليمن وأطراف الجزيرة العربية ، كانوا يسلمونت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تشهد الصلاة بصيغة الخطاب ولم يأمرهم بتغيير صيغة السلام ، لكونهم غائبين عنه . التاسع : أن وفاته صلى الله عليه وآله وسلم لا تستوجب تغيير السلام من الخطاب الى الغيبة ، لان سلامنا عليه يبلغه حيث كنا ، روى احمد والنسائي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” إن لله في الارض ملائكة سياحين يبلغوني عن امتي السلام ” صححه ابن حبان . وللحديث طرق كثيرة .
(1/22)
________________________________________
العاشر : قال ابن حزم أثناء الرد على من زعم أن رسالة النبي تنتهي بانتقاله ، ما نصه : وكذلك ما أجمع الناس عليه ، وجاء به النص ، من قول كل مصل فرضا أو نافلة : السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته اه‍ من كتاب الفصل ج 1 ص 89 ، لابن القيم قريب من هذا المعنى في كتاب الروح . وقال ابن تيمية في الجواب الباهر : والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم قد شرع للمسلمين في كل صلاة ، وشرع للمسليمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد
——————————————————————————–
[ 17 ]
(1/23)
________________________________________
كان ، فالنوع الاول كل مصل صلاة يقول المصلي : السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته اه‍ . وقال في موضع آخر من هذا الكتاب : وهم يقولون في الصلاة : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، كما كانوا يقولون ذلك في حياته اه‍ . الحادي عشر : أن قول ابن مسعود : فلما قبض قلنا السلام على النبي ، لا يجوز أن يكون نسخا لما علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التشهد للصحابة كما كان يعلمهم السورة من القرآن ، لان النسخ لا يثبت إلا بوحي ، ولا وحي بعده صلى الله عليه وآله وسلم . ولا يثبت بقول الصحابي كما بقرر في الاصول . بل غاية ما يفيد قول ابن مسعود أن يكون قرينة على إن الخطاب غير واجب ، فلو قال مصل في بعض الاحيان : السلام على النبي ، صحت صلاته . وقال الشافعية : تبطل لان الخطاب عندهم واحب . وهم اسعد بالدليل ، وأحق بموافقة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” وعهدنا بالالباني ، يظهر الحرص على التمسك بالوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما بالنا نراه في هذه المسالة يحيد عن اللفظ النبوي المتواتر والمتوارث بين الامة جيلا عن جيل . ثم يختار لفظا يزعم أنه عن توقيف ؟ ! . ولا غرابة في ذلك ، فإنه يتكلم على فقه الحديث وهو لا يعرف الاصول ، ولا يحسن قواعد الاستنباط ، فحخبط خبط عشواء ويتيه في ضلالة عمياء ، يجعل المحكم منسوخا والمخصوص عاما ، والموقوف مرفوعا كما هنا . ولو أنه اقتصر على الكلام في سند الحديث – على تخليط له فيه – لكان خيرا له وأفضل ، وأستر لحاله وأجمل ، على أنه كثيرا ما يضعف الحديث بالهوى والعصبية ، متعاميا عن المتابعات والشواهد ، ويريد إحياء أقول ميتة كقول ابن العربي لا يجوز العمل باضعيف في فضائل الاعمال ويزعم أن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمر يفيد استحبابه ، وعلى هذا فالسلام على المصلي يستحب ، وكل الضب مستحب . وتارة يرمي بقاعدة أصولية في
(1/24)
________________________________________
غير موضعها ، فيؤكد بذلك جهله بعلم الاصول ، فقد استعمل في كتاب الجنائز قول الاصوليين : تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فضحكنا من حسن استعماله لهذه القاعدة ! ! وتارة يتحمس للتغليظ في حكم ، فيؤدي به الحماس
——————————————————————————–
[ 18 ]
الى الزيادة على الشارع . ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اعفوا للحي خالفوا المجوس – اشتمل الحديث على الامر بإعفاء اللحي وتعليله بمخالفة المجوس ، لانهم يحلقون لحاهم . فلم يقف الالباني عند هذا التعليل واعتبره غير كاف في الزجر عن حلق اللحي ، فعلله بعلتين أخريين ذكرهما في رسالة أدب الزفاف ، وهما تغيير خلق الله والتشبيه بالنساء وزيادة هاتين العلتين تعتبر استدراكا على الشارع ، والاستدراك على الشارع لا يجوز ، لانه لا ينسى فيذكر ولا يغفل فينبه . وبالجملة فلالباني في استنباطه وغيرها سقطات عظيمة يتحمل وزرها ووزر من يقلده فيها ، لاقدامه على الخوض في ما لا يحينه ، وقد أخطأ من زعمه وهابيا بل هو أعمق من الوهابيين تعصبا وأشد منهم تعنتا ، وأجمد على بعض النصوص بغير فهم وأكثر ظاهرية من ابن حزم ، مع سلاطة في اللسان وصلابة في العناد لاتخطر بخلد أنسان ، وهذا شعار أدعياء السنة والسلفية في هذا الزمان . وبلغنا عنه أنه أفتى بمنع إعطاء الزكاة للمجاهدين الافغانيين ، نصرهم الله ، فخالف نص القرآن في قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) وأجمع العلماء على أن سبيل الله ، هو الجهاد ، ولا دليل للالباني على مخالفة النص والاجماع إلا عقيدة . وهو في الحقيقة الضال المضل ، يسعى في التفريق بين المسلمين ، ويعمل على خذلان المجاهدين الذين أوجب الله نصرهم وإمدادهم بالمال والسلاح والعتاد ، والله تعالى يقول : (إنما
(1/25)
________________________________________
المؤمنون إخوة) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ” المسلم أخو المسلم ” وتواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم تواترا قطعيا معلوما بالضرورة أنه كان يكتفي في إسلام المرء بالشهادتين ولم يشترط سيئا آخر غيرهما ، وجرى على هذا صحابته الكرام ، وتابعوهم بإحسان . فما بال هذا الالباني المبتدع ، يفرق بين المسلمين ويضلل جمهورهم كالاشعرية الذين منهم المالكية والشافعية ، وبعض الحنابلة ، وكالماتريدية الذين هم الحنفية . ولم يبق من المسلمين سني إلا هو ومن على شاكلته من الحشوية والمجسمة الذين ينسبون الى الله تعالى ما لا يليق بجلاله . وآية فساد عقيدبه أن العلماء عابوا على ابن تيمية قوله بإثبات حوادث لا أول لها ، ورجح حديث ” كان الله ولم يكن شئ قبله ” على حديث ” كان الله ولم يكن شئ غيره ” وكلاهما في صحيح البخاري ، ليوافق الحديث قوله المخالف لقول الله تعالى
——————————————————————————–
[ 19 ]
(1/26)
________________________________________
(الله خالق كل شئ . . . وخلق كل شئ فقدره تقديرا) ، (إنا كل شئ خلقناه بقدر) ولاجماع المسلمين على أن الله كان وحده لا شئ معه ، ثم أوجد العالم ، وابن تيمية لم يفهم الحديثين ، فلجأ الى الترجيح بينهما فأخطأ . والصواب الذي لم يوفق إليه أن حديث كان الله ولم يكن شئ قبله ، أو كان الله قبل كل شئ ، يبين معن اسمه تعالى الاول . وحديث كان الله ولم يكن شئ غيره ، يبين معنى اسمه الواحد الاحد . ثم أخطأ خطأ آخر حيث زعم أن مع الله تعالى في الازل حوادث لا اول لها بالنوع لا بالعين والنوع لا وجود له إلا في جزئي من جزئياته كما تقرر في علم المنطق ، وزغم أن الناس اشتبه عليهم الفرق بين النوع والعين ، لا بل هو الذي اشتبه عليه الحال . والعين هو الجزئي الذي لا يتحقق وجود النوع إلا به والمقصود أن ابن تيمية انفرد بهذه المقالة الشنعاء ، وعابها العلماء عليه ، واطلع عليها الالباني ، فكان تعقيبه عليها : أن قال : وليته لم يقلها . ولم يزد على ذلك ، كانه خالف في فرع من فروع الطهارة ، وكان الواجب عليه أن يشتد في إنكار هذه المقالة وبيان فسادها ومخالفتها للقرآن والاجماع ، لانها تتعلق بالعقيدة ، لكنه يشتد فقط ويبالغ في إنكار السبحة وقراءة القرآن على الميت ونحو هذا من المسائل التي لاتعد من الضروريات في الدين . فأيهما صلى الله عليه وآله في الازل ؟ ! معارضا قوله تعالى (الله خالق كل شئ) وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” كان الله ولم يكن شئ غيره ” ؟ ! ! . وهكذا شأن هذا الالباني وإخوانه الزائغين يتشددون في مسائل هينة ، ويحابون بعضهم البعض على حساب الدين والعقيدة ! . ولو أن تلك المقالة صدرت عن أشعري أو صوفي ، لوفع الالباني عقيرته بإنكارها وإكفار قائلها ، لكن حيث صدرت عن شيخ الاسلام ابن تيمنية ، اكتفى بقوله : ليته لم يقله ! ! .
——————————————————————————–
[ 20 ]
(1/27)
________________________________________
سلف ابن تيمية في مقالته تلك ، عبد الله بن ميمون الاسرائيلي صاحب كتاب دلالة الحائرين ، وأنعم به سلفا ! ! . ومن أخطائه في الرجال : أنه يعزو في الضعيفة الى فوائد أبي عثمان البجيرمي بالباء الموحدة ، وهذا الخطأ تكرر منه بتكرر العزو الى الفوائد ، والصواب : النجرمي بالنون ، وهي نسبة الى نجيرم ، بفتح النون وكسر الجيم ، بليدة قرب البصرة نسب إليها قوم من أهل الادب واللغة والحديث . ومن قبيح تعنته – وكل تعنت قبيح – ما كتبه على صلاة ابن مسعود التي رواها إسماعيل القاضي وابن ماجه ، بلفظ : اللهم اجعل صلوتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة ، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الاولون والاخرون ، وذكر الصلاة الابراهيمية . فعلق عليه الالباني بقوله : قال الحافظ ابن حجر : إسناده ضعيف ، ذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة ضعيف ، ذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة في الصلاة عليه صلى الله عليه واله وسلم ، وهي فتوى مهمة ، جرى الحافظ فيها على طريقة السلف في الاتباع وترك الابتداع اه‍ وهذا جمود شديد ، وتزمت ممقوت ، يشبه نكتة تحكى عن فلاح ، ذهب الى فقيه القرية ، يساله عن يمين اوقعها صهره على بنته التي تسمى فاطمة ، فأخبره الفقيه بحكم اليمين ، وقرأ عليه نس الحكم في كتاب الفقه الموجود فيه ، فقال له الفلاح : لكن لم يذكر اسم بنتي فاطمة ! ! وهذا المبتدع ، يريد أن يثبت فزيادة السيادة بدعة ، والناطق بها مبتدع ، فلقد حظر واسعا ، ونطق هجرا . وما أتى إلا من قبل جهله بقواعد علم الاصول التي كيف يكون جمع الادلة ، والتوفيق بينها ، حتى تصير في خط مستقيم ، لا تناقض بينها ولا تعارض . فنحن حين نذكر السيادة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لم نزدها من قبل أنفسنا ، ولكن من
(1/28)
________________________________________
قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتواتر ” أنا سيد ولد آدم ” . فضممنا هذا الحديث الى حديث الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، وعملنا بالدليلين ، وهذا مستند ابن مسعود في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسيد المرسلين .
——————————————————————————–
[ 21 ]
وكثير من الاحكام بل غالبها لم تستفد من دليل واحد بل من دليلين أو أكثر ، فالصلاة عرفت أركانها وشروطها وسننها ومبطلاتها ، من عدة أدلة . وكذلك الصيام والزكاة والحج ، وهي أركان الاسلام . وهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج الى بيان ولكن المتزمتين لا يفهمون . والمبتدع الالباني ، وقع في البدعة التي ينعاها علينا ، وهو لايشعر ، لضعف فهمه ، وقلة إدراكه . فهو حين يصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته كتبه ، يصلي على أصحابه معه ، وزيادة الصحابة بدعة (لما تقدم بيانه) . أرأيت كيف وقع في البدعة وهو ينعاها على غيره ؟ ! ! . نسأل السلامة والتوفيق . ومن جهله بعلم الاصول ، وهو جهل فاضح : أنه جعل القراءة خلف الامام في الصلاة الجهرية منسوخة ، بزيادة مدرجة في الحديث . قال في صف صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص 80 ثم نهاهم عن القراءة كلها في الجهرية ، وذلك حينما انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ، وفي رواية أنها صلاة الصبح ، فقال ” إني أقول ما لي أنازع ” قال أبو هريرة : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جهر فيه بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرؤا في أنفسهم سرا فيما لا يجهر فيه الامام اه‍ . كتب هذا تحت ترجمة : نسخ القراءة وراء الامام في الجهرية . وهذا جهل كبير ، يتبين بالوجوه الاتية : الاول ليس في الحديث نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القراءة خلف الامام ، روى مسلم والنسائي عن عمران بن حصين : أن النبي صلى الله عليه
(1/29)
________________________________________
وآله وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه (سبح اسم ربك الاعلى) فلما انصرف قال :
——————————————————————————–
[ 22 ]
” أيكم قرأ ؟ ” فقال الرجل : أنا ، فقال : ” لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها ” . قال شعبة : قلت لقتادة : كأنه كرهه ، قال : لو كرهه لنهى عنه وحيث لم يوجد نهي ، فلا نسخ يصح . الثاني قال البيهقي في المعرفة قوله : فانتهى الناس عن القراءة ، من كلام الزهري ، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات ، ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود ، واستدلوا على ذلك برواية الاوزارعي حيث ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الامام فيما جهر به وفيما خافت اه‍ . وكذا قال الترمذي في السنن ، ولو صح عن أبي هريرة لم يكن فيه دليل نسخ ، لان النسخ لا يثبت إلا بقول الشارع كما هو مقرر في الاصول ، ولا يثبت بقول صحابي فضلا عن تابعي . الثالث أنه لم يثبت نهي عن القراءة مع الامام إلا مقيدا باستثناء الفاتحة . ففي صحيح ابن حبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه ، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال : ” أتقرؤن في صلاتكم خلف الامام والامام يقرأ ؟ ! ” . فسكتوا ، قالها ثلاثا ، فقال قائل : إنا لنفعل قال : ” فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ” . ورواه أبو يعلي والطبراني في الاوسط ، وقال الحافظ الهيثمي : رجاله ثقات . وروى أحمد عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” تقرأون خلفي ؟ ! ” قالوا نعم ، قال : ” فلا تفعلوا إلا بأم القرآن ” . وروى إحمد إيضا بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” لعلكم تقرأون والامام يقرأ ؟ ! ” قالها ثلاثا ، قالوا : أنا لنفعل ذلك ، قال : ” فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ” . وروى أبو
(1/30)
________________________________________
داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله
——————————————————————————–
[ 23 ]
وسلم في صلاة الفجر ، فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال ” لعلكم تقرأون خلف إمامكم ؟ ! ” . قلنا نعم ، هذا (2) . يا رسول الله . قال : ” لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ” حسنه الترمذي وصححه البخاري في جزء القراءة وابن حبان والحاكم وغيرهم ، وما أعل به من عنعنة ابن إسحاق مردود بقول البيهقي . وقد رواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق فذكر سماعه فيه من مكحول ، فصار الحديث بذلك موصولا صحيحا اه‍ . وقال الخطائي : إسناده جيد لا طعن فيه ، وقال الحافظ في التلخيص الحبير وتخريج أحاديث الاذكار : إسناده حسن ، وروى الدار قطني عن عبادة بن الصامت إيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” لا يقرأن أحدكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن ” . قال الدار قطني : رواته كلهم ثقات . أما النهي عن القراءة مطلقا فلم يثبت أبدا ، فكيف يدعي الالباني نسخ قراءة الفاتحة ؟ ! أليس هذا جهلا واضحا ؟ . الرابع تقرر في علم الاصول : أن الجمع بين الادلة واجب ، لا يجوز العدول عنه إذا كان ممكنا بوجه من الوجوه . والجمع هنا ممكن بوضوح ، والاحاديث نفسها بشير إليه . فالذين قرأوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهروا بالقراءة ، فلذلك قال : ” ظننت أن أحدكم خالجنيها . . . ما لي أنازع ؟ ” . وكانوا يقرأون السورة مثل سبح حرصا على حفظها منه صلى الله عليه وآله وسلم فأرشدهم إلى الانصات وترك الجهر لئلا يحصل تشويش وأمرهم مع ذلك بقراءة الفاتحة في أنفسهم . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ” وإذا قرأ فأنصتوا ” . معناه لا تجهروا بالقراة ، وهم مأمورون بقراءة الامام له قراءة ” . حديث ضعيف بجميع طرقه ، ولو فرضنا أنه يتقوى بتلك الطرق الضعيفة ، لا
(1/31)
________________________________________
يتجاوز أن يكون له أصل فلا يرقى إلى معارضة حديث الفاتحة المتواتر كما قال البخاري .
——————————————————————————–
(2) بتشديد الذال المعجمة : أي سريعا . (*) له أصل فلا يرقى إلى معارضة حديث الفاتحة المتواتر كما قال البخاري .
——————————————————————————–
(2) بتشديد الذال المعجمة : أي سريعا . (*)
——————————————————————————–
[ 24 ]
ثم حمل القراءة فيه على قراءة الفاتحة غلط لا مسوغ له . بل المراد قراءة السورة وأدعية الركوع والسجود ، والمعنى : أن الامام يكفي المأموم عن قراءة السورة . وعن قراءة الادعية الوارادة في الركوع والسجود وفي القيام من الركوع وفي الجلوس بين السجدتين . أما الفاتحة فهي مخصوصة من عموم القراءة لانها ركن في الصلاة والامام يتحمل المندوبات فقط ، ولا يتحمل الاركان كما هو معلوم بالضرورة من كتب الشريعة الاسلامية . الخامس علم مما ذكرنا أن دعوى النسخ باطلة ، نشأت عن ضيق أفق وضعف في الفهم ، والالباني يتحمل إثمها وإثم من قلده فيها وعليه ينطبق حديث : ” ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شئ ” . وهل أسوأ من إبطال حديث صحيح وإلغائه من درجة الحجية والعمل بدعوى خاطئة جريئة لا مخطئة ، ولا لصاحبها عذر مقبول . وغلطاته كثيرة متنوعة في الرجال ، وفي التصحيح والتضعيف ، وفي فهم الحديث ، وفي الاستنباط منه ، وفي الجرأة على الائمة الاعلام ، وفي لمز كل من خالفه بالابتداع ، أما الانصاف وعفة اللسان فيسمع عنهما ولا يحسهما من نفسه ، نسأل الله الهداية والتوفيق . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الاكرمين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين . أبو الفضل عبد الله بن محمد ابن الصديق عفي عنه
(1/32)
________________________________________

الحروب الوهابية على الحجاز التكفير أساس الغزو خالد شبكشي

الحروب الوهابية على الحجاز
التكفير أساس الغزو
خالد شبكشي
كان جون فيلبي مستشاراً بريطانياً خاصاً لإبن سعود، الذي طالما أطلعه على أسراره الخاصة، وأدخله قصره، وتبادل معه أحاديث بالغة الحساسية. وقد دوّن فيلبي بعضاً منها في مذكّراته، ومنها ما دار بينهما حول موقفه الديني من النصارى وسكّان الحجاز. فقد سأل فيلبي عبد العزيز عن موقفه من النصارى. فردّ عليه (إذا قدّمت أنت الإنجليزي إبنتك لي كزوجة، سأتزوجها..ولكني لا أتزوج إبنة الشريف، ولا بنات أهل مكّة ولا غيرهم من المسلمين الذين نعتبرهم مشركين)1.
وشأن مواقف عديدة تبناها عبد العزيز مستمدة من تراث آبائه وأجداده، فإن موقفه من سكّان الحجاز ليس سوى إستدعاءً لما درج عليه الأوائل من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في سياق التحضير لغزو الحجاز، وارتكاب أبشع الجرائم بحق الأهالي الأبرياء، وتكرارها بعد نحو قرن ونصف على يد جيش الإخوان بقيادة إبن سعود، والتي قد يقيّض الله سبحانه وتعالى لذوي الضحايا من يدوّن مظلوميتهم، ولينتصر لهم ممن ظلمهم.
وإذ لا يمكن غزو الحجاز دونما مبرر شرعي، فقد كان (تكفير) أهله مسوّغاً للقوات السعودية الوهابية بأن ترتكب مجازر متنقّلة في منطقة الحجاز، وتسلب الممتلكات، وتسبي النساء، وتقتل الأطفال، وتخرّب الحقول والآبار..
فالحرب السعودية ـ الوهابية على منطقة الحجاز جاءت على خلفية دينية، وبلغت جداً مرعباً، بهدف إحتلال الحجاز وإجبار سكانه على إعتناق المذهب الوهابي، رغم أن المعارك التي نشبت بين سعود الكبير والشريف غالب في مطلع القرن الثالث عشر الهجري، إنتهى في مرحلة لاحقة الى خلاف بين عبد العزيز والشريف حسين دون أن يحقق نتائج تذكر على صعيد التحوّل المذهبي في الحجاز، رغم مساعي الوهابيين في إجبار السكان بالإكراه على فعل ذلك، ورغم ما أثارته الغارات الوهابية ـ السعودية من هلع بين سكّان الحجاز، بحيث باتوا يمقتون الوهابيين وأفعالهم، وهو مايشرحه المبعوث الفرنسي دمنغو باديا إي بينج (إن السكان والحجاج لا يستطيعون سماع مجرد إسمهم دون أن تتملك قلوبهم الرجفة بل إنهم لا يتلفظون بإسمهم إلا همساً).
وكان قاضي مكة أصدر حكماً ضد معتقدات الوهابيين عقب محاججتهم، وصدّهم عن إحداث إضطرابات في المدينتين المقدّستين، غير أنهم بدأوا بعمليات تسلل منتظمة منذ شهر أبريل 1803، وذلك بعد إبرام إتفاقية ترسيم الحدود سنة 1797، والتي شكّلت غطاءً لدخول الوهابيين لمنطقة الحجاز بعنوان أداء مناسك الحج.
وكانت أولى الحملات العسكرية الوهابية على منطقة الحجاز وقعت في شهر ذي القعدة سنة 1217هـ/1804 على مدينة الطائف. ويصف السيد أحمد بن السيد زيني دحلان ماقام به الوهابيون في هذه المدينة بالقول:
(ولما دخلوا الطائف قتلوا الناس قتلاً عاماً واستوعبوا الكبير والصغير، والمأمور والأمير، والشريف والوضيع، وصاروا يذبحون على صدر الأم الطفل الرضيع، وصاروا يصعدون البيوت يخرجون من توارى فيها، فيقتلونهم. فوجدوا جماعة يتدارسون القرآن فقتلوهم عن آخرهم حتى آبادوا من في البيوت جميعاً. ثم خرجوا الى الحوانيت والمساجد وقتلوا من فيها، ويقتلون الرجل في المسجد وهو راكع أو ساجد، حتى أفنوا هؤلاء المخلوقات..)2.
ويقول السيد إبراهيم الراوي الرفاعي أن عدداً من العلماء قتل في غارات الوهابيين على الحجاز من بينهم السيد عبد الله الزواوي مفتي الشافعية بمكة المكرمة، والشيخ عبد الله أبو الخير قاضي مكة، والشيخ سليمان بن مراد قاضي الطائف، والسيد يوسف الزواوي الذي ناهز الثمانين من العمر والشيخ حسن الشيبي والشيخ جعفر الشيبي وغيرهم3.
وأحدثت القوات الوهابية السعودية مجازر جماعية في دقاق اللوز ووادي وج ونهبوا النقود والعروض والأساس والفراش أما الكتب (فإنهم نشروها في تلك البطاح وفي الأزقة والأسواق تعصف بها الرياح. وكان فيها من المصاحف والرباع ألوفاً مؤلّفة ومن نسخ البخاري ومسلم وبقية كتب الحديث والفقه والنحو، وغير ذلك من بقية العلوم شيء كثير. ومكثت أياماً يطؤونها بأرجلهم لا يستطيع أحد أن يرفع منها ورقة)4.
وصلت أنباء المجزرة الوهابية في الطائف إلى أسماع أهالي مكة المكرمة، فالتمسوا من علمائها الذهاب الى سعود للحيولة دون إستمرار مسلسل الدم في مناطق الحجاز، فاستجاب عدد من العلماء منهم الشيخ محمد طاهر سنبل، والشيخ عبد الحفيظ العجيمي والسيد محمد بن محسن العطاس والسيد محمد ميرغني، والد السيد عبد الله ميرغني مفتي مكة، وتوجّهوا إلى سعود، فقابلوه في وادي السيل، وطلبوا منه الأمان فكتب لهم أماناً هذا نصه:(بسم الله الرحمن الرحيم، من سعود بن عبد العزيز إلى كافة أهل مكة والعلماء والآغاوات وقاضي السلطان. السلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فأنتم جيران الله وسكّان حرمه آمنون بأمنه، إنما ندعوكم لدين الله ورسوله (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا: إشهدوا بأن مسلمون)، فأنتم في وجه الله ووجه أمين المسلمين سعود بن عبد العزيز وأميركم عبد المعين بن مساعد، فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع الله والسلام).
وعلّق السيد أحمد دحلان على كتاب سعود بالقول: (كان وصول هذا الكتاب الذي جعل أهل مكة فيه مثل اليهود يوم الجمعة سابع شهر محرم الحرام عام ثمانية عشر بعد المائتين والألف، فصعد به المنبر السيد حسين مفتي المالكية بعد صلاة الجمعة والناس مجتمعة وقرأ هذا الكتاب على رؤوس الأشهاد، فقالوا: حباً وكرامة وحمد الله تعالى على حصول السلامة)5.
وفي اليوم الثامن من محرم من نفس العام، دخل سعود مكة وطلب من الناس الإجتماع بعد صلاة العصر بالمسجد الحرام بين الركن والمقام لأخذ البيعة والتبشير بالدعوة الوهابية: (فلما كان العصر إجتمعوا فجاء وصعد المقام الذي على ظهر زمزم والمفاتي معهم، ففهمهم وبلّغهم وتشدّق وتكلم والناس تحته ملأوا الحرم. وصار يعلمهم دين رعاة الغنم، وأجهل أهل مكة من أكبرهم أعلم. ثم وقف يخاطب الملك عبد الملك ويعلمه الدين، لا يتوقف في قوله ولا يرتبك كلما علّمه مسألة يقول له: علموا الناس حتى يعرفها الجهلة. فكان أول ما علمه من كلام لغة هو قوله إعلموا أيها الناس إن الأمير سعوداً يقول لكم: إن الخمر حرام، والزنا حرام إلى آخر الكلام الذي يعلمه البهائم والأنعام)6.
وفي اليوم الرابع عشر من المحرم، أي اليوم السادس من دخول سعود مكة، أبطل الوهابيون صلاة الجماعة في المسجد الحرام بالطريقة التي كانت جارية وبقيت صلاة الجمعة فقط، بعد أن (كان يصلي الصبح الشافعي والظهر المالكي والعصر الحنبلي والمغرب الحنفي والعشاء يصليه كل راكع وساجد، وأمر أن يصلي بالناس الجمعة المفتي عبد الملك القلعي)7. وأمر سعود علماء مكة بدراسة المذهب الوهابي، ولاسيما كتاب (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وشهدت الأوضاع الإقتصادية تدهوراً خطيراً سنة 1219هـ، بجانب التدهور السياسي، الأمر الذي أدى الى نقص حاد في المواد الغذائية، فساءت الأحوال المعيشية لأهالي مكة ما اضطرهم الى إرسال مكاتيب لسعود والإلتماس منه في الحصول على الغذاء درءً لكارثة إقتصادية وإجتماعية. واستغل سعود تدهور الأوضاع المعيشية لتنفيذ خطة تدميرية متسلسلة. كتب أحمد أمين (فلما دخلوا مكة، هدموا كثيراً من القباب الأثرية كقبة السيدة خديجة، وقبة مولد النبي (ص) ومولد أبي بكر وعلي)8. وكتب إليكسي فاسيلييف (بعد أداء مراسيم الحج أخذوا يدمّرون كل الأضرحة والمزارات ذات القباب والتي أنشئت تكريماً لأبطال فجر الإسلام، ومسحوا من وجه الأرض كل المباني التي لا تناسب معتقداتهم)9. أما السيد دحلان فيقول (بادر الوهابيون ومعهم كثير من الناس لهدم المساجد ومآثر الصالحين فهدموا أولاً مافي المعلى من القبب فكانت كثيرة، ثم هدموا قبة مولد النبي (ص) ومولد أبي بكر ومولد سيدنا علي وقبة السيد خديجة وتتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين وهم عند الهدم يرتجزون ويضربون الطبل ويغنون. وبالغوا في شتم القبور التي هدموها وقالوا إن هي إلا أسماء سميتموها، حتى قيل بأن بعض الناس بال على قبر السيد المحجوب)10.
وبعد ثلاثة أيام من عمليات التدمير المنظّمة، محيت آثار إسلامية في مكة المكرمة، ثم سار سعود بجيشه الى المدينة بعد أن أحكم سيطرته على مكة المكرمة، وبعث خبره إلى أهالي المدينة طالباً منهم تقديم البيعة له، فامتنعوا عن ذلك، فاقتحم المدينة وخاض قتالاً شرساً مع أهلها طالت نحو شهر، سقط خلاله عدد من أبنائها، ثم استباحتها قواته، فيما توجّه سعود إلى الحجرة النبوية. يقول حسن الركي مؤلف كتاب (لمع الشهاب): (فطلب ـ أي سعود ـ الخدم السودان الذين يخدمون حرم النبي، فقال: أريد منكم الدلالة على خزائن النبي، فقالوا بأجمعهم..نحن لا نوليك عليها، ولا نسلطك، فأمر بضربهم وحبسهم، حتى اضطروا إلى الإجابة، فدلوه على بعض من ذلك، فأخذ كل ما فيها، وكان فيها من النقود ما لا يحصى، وفيها تاج كسرى أنوشروان، الذي حصل عند المسلمين، لما فتحت المدائن، وفيها سيف هارون الرشيد وعقد كانت لزبيدة بنت مروان زوجته، وفيها تحف غريبة من جملة ما أرسله سلاطين الهند بحضرته (ص)، تزيناً لقبّته (ص). وأخذ قناديل الذهب وجواهر عديدة..)11.
ويضيف السيد دحلان (أخذ الوهابي كل ماكان في الحجرة النبوية من الأموال والجواهر وطرد قاضي مكة وقاضي المدينة الواصلين لمباشرة القضاء سنة إحدى وعشرين، وأقاموا الشيخ عبد الحفيظ العجيمي من علماء مكة لمباشرة بمكة وأقاموا لقضاء المدينة بعض علماء المدينة ومنعوا الناس من زيارة النبي (ص)12.
وقد أثارت أعمال الوهابيين غضب كثير من الناس وجرحت عواطفهم، (فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ، ومنهم من حزن على الفن الإسلامي، ومنهم من حزن لأن مقبرة الرسول (ص)، وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة، وهكذا اختلفت الإسباب واشتركوا في الغضب)13.
منع الحجيج عن بيت الله الحرام
أعطى عدد من الباحثين، بمن فيهم المقرّبين من آل سعود والوهابيين، تفسيرات متباينة لقرار منع المسلمين من القدوم الى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، حيث قدّم بعضهم تبريراً سياسياً لقرار المنع،على قاعدة النزاع بين الأشراف والوهابيين، فيما اعتبر المقرّبون من الوهابيين قرار المنع بداية مرحلة التصحيح الوهابي للمعتقدات الدينية لدى المسلمين. في المقابل، رفض علماء الحجاز مثل هذا التفسير، في ضوء ما كشفت عنه الممارسات الوهابية ـ السعودية من نهب وسلب وقتل بالجملة، إضافة الى نمط السياسة الوهابية القائمة على أساس فرض الوصاية الدينية على المسلمين والتعامل معهم كمشركين.
مهما يكن التفسير، فإن قرار منع الحجيج من القدوم إلى مكة المكرمة الصادر سنة 1221هـ، قد سبقه إنقطاع الحج العراقي بعد مجزرة كربلاء، وأعقبه الحج الشامي في العام التالي، حيث (كان أمير الحاج الشامي عبد الله باشا، فلما وصل هديه، جاءته مكاتيب بن سعود: لا تأت إلاّ على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي. فلما قرأوا تلك المكاتيب رجعوا من هديه من غير حج)14. وكان عبد الله باشا قد وصل الى حدود المدينة المنورة. ويعود سبب المنع الى اشتراط سعود على أمير الحج الشامي اعتناق المعتقدات الوهابية، وكان بين الحجاج الشاميين بعض الدعاة الوهابيين والذين اعتنقوا المذهب الوهابي بعد غزو سعود لمنطقة الشام.
أما موكب الحج المصري، فإن سعود أمر بإحراقه فور وصوله (وأمر بعد الحج أن ينادى ألاّ يأتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن. وتلا المنادي في المناداة (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربون المسجد الحرام بعد عامهم هذا).15.
وعلى إثر قرار الحظر:(إنقطع وصول قوافل الحج من مصر والشام والعراق واستانبول، لأن السعوديين كانوا يرون فيما يصاحب هذه القوافل من المظاهر، ما يخالف قواعد الدين، ولا يتّفق مع مبادىء الدعوة السلفية، بالإضافة إلى أن هذه المحامل كان يصحبها قوة عسكرية خشي منها آل سعود، ولذلك لم يسمح السعوديون لهذه القوافل بأن تصل الى الأماكن المقدسة)16.
ثم بدأ سعود بتصفية حساباته السياسية مع العثمانيين، فقدم إلى مكة المكرمة، وأصدر أوامره بإخراج الجنود الأتراك من مكة لتكون له السيادة الكاملة عليها، وفعل الشيء ذاته في المدينة، حيث تم استبدال الحاميات التركية بحاميات سعودية ـ وهابية، وقرر بأن يلزم كل مسلم ينوي الحج التخلي عن محمله، بعد أن يخضع لفحص عقدي من قبل الوهابيين.
يسجّل السيد أحمد زيني دحلان تفاصيل دقيقة عن هذه المرحلة بما نصه: (وفي سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف ساروا ـ أي الوهابيين ـ بجيوش كثيرة حتى نازلوا الطائف وحاصروا أهله في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، ثم تملّكوه وقتلوا أهله رجالاً ونساءً وأطفالاً ولا نجا منهم إلا القليل، ونهبوا جميع أموالهم ثم أرادوا المسير إلى مكة فعلموا أن مكة في ذلك الوقت فيها كثير من الحجاج ويقدم إليها الحاج الشامي والمصري فخرج الجميع لقتالهم فمكثوا في الطائف إلى أن انقضى شهر الحج وتوجه الحجاج إلى بلادهم وساروا بجيوشهم يريدون مكة ولم يكن للشريف غالب قدرة على قتال جيوشهم فنزل إلى جدة فخاف أهل مكة أن يفعل الوهابية معهم مثل ما فعلوا مع أهل الطائف فأرسلوا إليهم وطلبوا منهم الأمان لأهل مكة فأعطوهم الأمان ودخلوا مكة ثامن محرم من السنة الثامنة عشرة بعد المائتين والألف ومكثوا أربعة عشر يوما يستتيبون الناس ويجددون لهم الإسلام على زعمهم ويمنعونهم من فعل ما يعتقدون أنه شرك كالتوسل وزيارة القبور، ثم ساروا بجيوشهم إلى جدة لقتال الشريف غالب فلما أحاطوا بجدة رمى عليهم بالمدافع والقلل فقتل كثيراً منهم ولم يقدروا على تملّك جدة فارتحلوا بعد ثمانية أيام ورجعوا إلى بلادهم وجعلوا لهم عسكراً بمكة وأقاموا لهم أميراً فيها وهو الشريف عبد المعين أخو الشريف غالب وإنما قبل أمرهم ليرفق بأهل مكة ويدفع ضرر أولئك الأشرار عنهم، وفي شهر ربيع الأول من السنة المذكورة سار الشريف غالب من جدة ومعه والي جدة من طرف السلطنة العلية وهو شريف باشا ومعهما العساكر فوصلوا إلى مكة وأخرجوا من كان بها من عساكر الوهابية ورجعت إمارة مكة للشريف غالب ثم بعد ذلك تركوا مكة واشتغلوا بقتال كثير من القبائل وصار الطائف بأيديهم وجعلوا عليه أميراً (عثمان المضيافي) فصار هو وبعض جنودهم يقاتلون القبائل التي في أطراف مكة والمدينة ويدخلونهم في طاعتهم حتى استولوا عليهم وعلى جميع الممالك التي كانت تحت طاعة أمير مكة فتوجه قصدهم بعد ذلك للإستيلاء على مكة فساروا بجيوشهم سنة عشرين وحاصروا مكة وأحاطوا بها من جميع الجهات وشددوا الحصار عليها وقطعوا الطرق ومنعوا الميرة عن مكة فاشتد الحصار على أهل مكة حتى أكلوا الكلاب لشدة الغلاء وعدم وجود القوت فاضطر الشريف غالب إلى الصلح معهم وتأمين أهل مكة فوسط أناساً بينه وبينهم فعقدوا الصلح على شروط فيها رفق بأهل مكة فمن تلك الشروط أن إمارة مكة تكون له فتمّ الصلح ودخلوا مكة في أواخر ذي القعدة سنة عشرين وتملّكوا المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وانتهبوا الحجرة وأخذوا ما فيها من الأموال، وفعلوا أفعالا شنيعة، وجعلوا على المدينة أميراً منهم (مبارك بن مضيان)، واستمر حكمهم في الحرمين سبع سنين ومنعوا دخول الحج الشامي والمصري مع المحامل مكة، وصاروا يصنعون للكعبة المعظّمة ثوباً من العباء القيلان الأسود، وأكرهوا الناس على الدخول في دينهم ومنعوهم من شرب التنباك ومن فعل ذلك وأطلعوا عليه عزروه بأقبح التعزير، وهدموا القبب التي على قبور الأولياء. وكانت الدولة العثمانية في تلك السنين في ارتباك كثير وشدة قتال مع النصارى وفي اختلاف في خلع السلاطين وقتلهم..ثم صدر الأمر السلطاني (من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلطان محمود خان ثاني بن عبد الحميد خان أول سلطان أحمد) لصاحب مصر محمد علي باشا بالتجهيز لقتال الوهابية وكان ذلك في سنة 1226 فجهّز محمد علي باشا جيشا فيه عساكر كثيرة جعل عليهم بفرمان سلطان ولده طوسون باشا فخرجوا من مصر في رمضان من السنة المذكورة ولم يزالوا سائرين براً وبحراً حتى وصلوا إلى ينبع فملكوه من الوهابية، ثم لما وصلت العساكر إلى الصفرا والحديدة وقع بينهم وبين العرب الذين في الحربية قتال شديد بين الصفرا والحديدة وكانت تلك القبائل كلها في طاعة الوهابي وانضم إليها قبائل كثيرة فهزموا ذلك الجيش وقتلوا كثيرا منهم وانتهبوا جميع ما كان معهم وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة 1226 ولم يرجع من ذلك الجيش إلى مصر إلا القليل فجهّز جيشاً غيره سنة سبع وعشرين وعزم محمد علي باشا على التوجه إلى الحجاز بنفسه وتوجهت العساكر قبله في شعبان في غاية القوة والإستعداد وكان معهم من المدافع ثمانية عشر مدفعا وثلاثة قنابل فاستولت العساكر على ما كان بيد الوهابية وملكوا الصفراء والحديدة وغيرهما في رمضان بلا قتال بل بالمخادعة ومصانعة العرب بإعطاء الدراهم الكثيرة حتى أنهم أعطوا شيخ مشايخ حرب مائة ألف ريال وأعطوا شيخا من صغار مشايخ حرب أيضا ثمانية عشر ألف ريال ورتبوا لهم علائف تصرف لهم كل شهر، وكان ذلك كله بتدبير شريف مكة الشريف غالب وهو في الظاهر تحت طاعة الوهابي، وأما المرة الأولى التي هزموا فيها فلم يكونوا كاتبوا الشريف غالب في ذلك حتى يكون الأمر بتدبيره ودخلت العساكر المدينة المنورة في أواخر ذي القعدة)17.
وقد ضمّت الحملة المصرية عدداً من علماء الدين لمقاومة الفكر الوهابي، وإضفاء شرعية على الحملة، التي نجحت في استقطاب زخم شعبي واسع، كما حظيت بدعم المسلمين عامة.
احتدمت المعارك بين القوات الوهابية والجيش المصري بقيادة طوسون بن محمد علي باشا ودامت سبع سنوات (1811 ـ 1818)، ووقف الأشراف إلى جانب الحملة المصرية. وكان خروج المدينة المنورة من سيطرة الوهابيين عاملاً أساسياً في استقطاب الشريف غالب الذي كان يحتفظ بميناء جدة، ومال إلى جبهة المصريين والأتراك وسلّم الميناء إليهم بهدف الإفادة منه في إسقاط سلطة الوهابيين في مكة المكرمة، ونتج عن ذلك دخول القوات المصرية إليها بدون قتال، بعد استمالة قبائل البدو، وحاكم الحجاز. وحاول عبد الله بن سعود إستعادة بعض المواقع التي خسرها، فغزا ينبع لقتال بعض القبائل المتحالفة مع القوات المصرية، ولجأ إلى أساليب إنتقامية ضد هذه القبائل، مثل القتل الجماعي، والسبي والنهب وهدم البيوت وإحراق المزروعات، إلا أن القبائل حافظت على ولائها للقوات المصرية.
حظيت القوات المصرية بتأييد داخلي، سيما من أهالي الحجاز، وبتأييد خارجي، وخصوصاً من في مصر والعراق وتركيا وبلاد الشام. وبعد تصفية الوجود الوهابي في الحجاز، إستقر طوسون باشا في مكة المكرمة فيما سار أحد قادة الحملة المصرية الى الطائف، فدخلها وكان معه بعض أقارب الشريف غالب، وطالبوا الأهالي تجديد البيعة لهم.
لم يقبل الوهابيون الهزيمة، وأبقوا على التعبئة العسكرية في صفوفهم، ونظّموا حملة عسكرية سنة 1228هـ، على منطقة الحناكية بالقرب من المدينة المنورة، ولما علم البدو بخبر الحملة هربوا مصطحبين معهم بعض متاعهم. وإقتحم الوهابيون المنازل ونهبوها، ويقول إبن بشر (فدهم المسلمون ـ أي الوهابيين ـ وأخذوا ما وجدوا فيها من الآثاث والأمتاع..)18. ثم قام سعود بعمليات مداهمة واسعة للمناطق لضرب القبائل التي كانت مستوطنة في منطقة الحناكية. إلا أن إنهياراً دراماتيكياً أصاب القوات الوهابية السعودية إثر موت أمير الدرعية سعود سنة 1229هـ، إيذاناً بنهاية فصل من تاريخ الوهابية السعودية كان حافلاً بالمعارك والغارات، كما تهاوت عقدة الوهابية وسط القبائل، الأمر الذي إضطر عبد الله بن سعود الى ترجيح خيار المصالحة على قائد القوات المصرية طوسون باشا، الذي عاد الى مصر كيما يعرض شروط الصلح على أبيه، فاستغل عبد الله بن سعود فرصة غياب طوسون عن الجزيرة العربية، فسار بجيوشه عام 1231هـ ناحية القصيم. يقول ابن بشر: (ونزل على بلد الخبرا وهدم سورها وسور البكيرية عقوبة لهم عن ما قدم منهم من إستدعائهم الترك ـ بما في ذلك المصريين ـ وإدخالهم، وخوفاً أن يحدثوا مثلها فيما بعد..فأقام عبد الله على الخبرا أياماً وقتل شاعراً من الخبرا إسمه عميان، قتله عبد الله بن حجيلان، ثم رحل منها وسار في وادي الرمه مسنداً إلى جهة الحجاز، وقد ذكر له عربان من حرب ومطير في أمواه الحجاز فأنذروا عنه وانهزموا)19.
دفعت شراسة الإنتقام الوهابيين من قبائل القصيم ونجد، إلى طلب النجدة من حاكم مصر، الذي تلقى رسائل منهم تحرّضه على الحرب ضد السعوديين. وبالفعل فشل الصلح، وكان التحريض حافزاً إضافياً للعثمانيين من أجل القضاء على الوجود السعودي الوهابي. وسلّم محمد علي باشا زمام القيادة لإبنه إبراهيم باشا، بعد موت طوسون، ونزل بقوات عسكرية إضافية في ينبع في سبتمبر 1816هـ/ذي القعدة 1233هـ، وتوجّه إلى المدينة المنورة، ودعا الى التعبئة العامة، وأكمل استعدادته العسكرية ثم خاض معركة واسعة النطاق للقضاء التام على الوهابيين، فيما التحقت أعداد غفيرة من القبائل بصفوف القوات المصرية إستعداداً للهجوم ضد معقل السعوديين في الدرعية. وأنزلت القوات المصرية والقبائل المتحالفة معها هزيمة ساحقة بالقوات السعودية الوهابية، فكانت تسقط المناطق الواحدة تلو الأخرى، وفور وصولها إلى الدرعية ضربت طوقاً محكماً حولها دام قرابة سبعة أشهر، أدى الى تدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، واضطر الأهالي إلى الهروب خارج الدرعية بعد أن أفشوا معلومات هامة لإبراهيم باشا حول منافذ الدرعية ومواقعها الإستراتيجية، ما مهّد الطريق أمام إبراهيم باشا لشن هجوم شامل عليها، فسقطت عسكرياً، ووقع عبد الله بن سعود في الأسر، وأرسله إبراهيم باشا إلى مصر في نوفمير سنة 1818 ـ محرم 1234هـ، وتم إحضاره أمام محمد علي باشا، فقدّم عبد الله بن سعود ما سرقه أبوه من الحجرة النبوية، وبعد يومين رحّله إلى الآستانة لمقابلة السلطان العثماني كي ينظر في أمره، فنفّذ الأتراك فيه حكماً بالإعدام، فيما تم نفي أفراد أسرته الى مصر.
وفيما كانت نجد والمنطقة الشرقية من الجزيرة العربية مسرحاً لمناوشات عسكرية بين القبائل المتصارعة من جهة وبين الوهابيين ـ السعوديين والأتراك والمصريين من جهة ثانية، استغرقت مجمل الحقبة السعودية الثانية، كانت الحجاز حينذاك تعيش وضعاً سياسياً مستقراً تحت حكم الأشراف والإدارة العثمانية.
وبعد ظهور عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على المسرح السياسي بعد إحتلاله الرياض سنة 1902، بدأت حقبة جديدة بلغت ذورتها بتشكيل دولة لآل سعود بدعم من علماء الدين من المذهب الوهابي. فبعد أن وطّد عبد العزيز أركان إمارته في منطقة نجد، قاد جيشاً من الأخوان وسار بهم الى الأحساء سنة 1913 في ظل انشغال الدولة العثمانية بمواجهة الاستعمار الإيطالي على ليبيا في نفس العام، حيث استغل عبد العزيز الفرصة وهجم على الأحساء بعد أن أطلع الضابط الإنجليزي ليتشمان على خطته لترتيب أوضاع المنطقة بين الطرفين بعد السيطرة عليها، فدخل ابن سعود الأحساء وثبّت أقدامه فيها.
وكان احتلال الإحساء بمثابة الفاتح لشهية الغزو، بعد أن نجح في الحصول على دعم الإنجليز، أو على الأقل صمتهم من أجل عدم إثارة العثمانيين الذين عقدوا معهم إتفاق جنتلمان في المنطقة. وفيما لم يجرؤ أباؤه على الإقتراب من الحجاز، إبان الدولة السعودية الثانية، فإن عبد العزيز اعتبر دعم الإنجليز له في الأحساء بمثابة ضوء أخضر مفتوح لغزو المناطق الأخرى، وربما أراد أن يثبت جدارته في الحصول على ثقة ودعم الإنجليز ضد خصميه الأتراك والأشراف.
وقد دعا إبن سعود قادة الأخوان وكبار العلماء وشيوخ القبائل وأعيان الحواضر إلى مؤتمر عقد في الرياض في الخامس من يونيو 1924 شرح فيه إبن سعود المسألة الحجازية، ورغبة الإخوان في أداء فريضة الحج، في ضوء قرار الشريف حسين بمنع الإخوان من زيارة العتبات المقدّسة، وكان إبن سعود يهدف من وراء المؤتمر الحصول على فتوى من العلماء بإعلان الحرب ضد الشريف حسين، وتعبئة الإخوان ضمن إستراتيجية عسكرية جديدة وهو ما حصل بالفعل، فاستعد الإخوان لتطبيق فوري للفتوى، فتقدّم أربعة آلاف رجل من الإخوان، وإرتدوا حرام الحج، وحملوا أسلحتهم، وتولى السلطان بن بجاد زعيم الغطغط، وخالد بن نوى قيادة الإخوان، وأغاروا على الطائف وقتلوا حاميتها. وخرج جيش الشريف من المدينة، فدخل الإخوان الطائف وأوقعوا فيها مجازر مرعبة، وأعملوا السيف في رقاب كل من يخالف العقيدة الوهابية، وقتلوا عدداً كبيراً من وجهاء مكة، في مصايفهم ونهبوا ممتلكاتهم، كما قتلوا عدداً من رجال الدين في الحجاز، ونجا الشيخ عبد القادر الشيبي سادن الكعبة بعد أن تظاهر باعتناق الوهابية. ويقول عطار في كتاب (صقر الجزيرة) الذي أملاه عبد العزيز عليه (وفي اليوم التالي، أخرجوا الأهالي نساء وأطفالاً وشيوخاً من المدينة وحبسوا في إحدى الحدائق ثلاثة أيام وكانت النساء سافرات لأول مرة مع الرجال ومكثوا أياماً بدون طعام).
وزحف جيش إبن سعود من الطائف الى مكة المكرمة، بعد أن تخلى الإنجليز عن دعم الشريف حسين، ونقضهم كل الوعود التي أعطوها له بخصوص إقامة إمبراطورية عربية تحت قيادته، بعد أن رفض القبول بدولة يهودية في فلسطين في ضوء وعد بلفور الصادر سنة 1917. ودخل الجيش الوهابي ـ السعودي مكة المكرمة، وهدم ما صادفه من آثار إسلامية وتاريخية، فيما كان أشراف مكة يرددون (إن دعوة ابن سعود مذهبية، لذلك لا تنجح خارج نجد. لا أمن في الجزيرة ولا راحة للعرب ومطامع إبن سعود تزداد يومياً فيوماً..)20.
دخل الإخوان مكة المكرمة والمدينة المنورة كفاتحين، لتطهير المدينتين من البدع، حسب زعمهم، فأزالوا المعالم التاريخية وحطّموا الآثار الدينية وهجموا على المسجد النبوي، الأمر الذي أثار غضب المسلمين في أرجاء العالم. وكتبت جريدة (المصوّر) المصرية في 4 ديسمبر 1925 تقريراً بعنوان (إهتمام العالم الإسلامي بتخريب الآثار المقدّسة) جاء فيه: (إهتم العالم الإسلامي بما تناقلته الصحف عن تخريب الوهابيين بعض الآثار المقدّسة في الحجاز، فأوفدت حكومة إيران لجنة لتحقيق ما حدث برياسة السفير جعفر خان جلال. وقد تكرّم بمقابلة مندوب ‘المصوّرب في فندق الكونتيننتال وقال: كان أهم ما خربوه مقابر آل البيت وأخصها قبر السيدة خديجة والسيدة آمنة. قال السلطان ـ أي عبد العزيز ـ بلغني خبر ما حدث، حزنت لتأكدي أن لهذه الآثار حرمة وكرامة عند الكثيرين من المسلمين في أنحاء العالم لذلك سأبذل جهدي في إعادة هذه إلى ما كانت عليه).
وبسقوط الحجاز تحت سيطرة إبن سعود، بقيت عسير آخر معاقل الأتراك، ونتيجة للظروف الإقليمية والدولية نجح إبن سعود في تصفية الوجود التركي فيها، وصولاً الى إقامة الدولة السعودية سنة 1932، التي قامت بمحو منظّم لمعالم الحجاز وهويته التاريخية وتراثه الثقافي.
المصادر
1 جلال كشك، السعوديون والحل الإسلامي، أميركا، 1982، ص 607
2 السيد أحمد بن زيني دحلان، خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، القاهرة 1305هـ، ص 297
3 السيد إبراهيم الراوي الرفاعي، رسالة الأوراق البغدادية في الحوادث النجدية، تركيا 1976، ص 3
4 السيد دحلان، خلاصة الكلام، مصدر سابق ص 298
5 المصدر السابق ص 301
6 المصدر السابق ص 302
7 المصدر السابق ص 303
8 أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 20
9 اليكسي فاسيليف، تاريخ العربية السعودية، ص 120
10 السيد دحلان، أمراء البلد الحرام، ص 302 ـ 303
11 حسن الركي، لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، ص 108
12 السيد دحلان، أمراء البلد الحرام، ص 326
13 أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 20
14 السيد دحلان، أمراء البلد الحرام، ص 326
15 المصدر السابق ص 326
16 عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، الدولة السعودية الأولى، ص 139
17 السيد أحمد زيني دحلان، فتنة الوهابية، ص ص 11 ـ 15
18 ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، ص 163
19 المصدر السابق ص 185
20 أمين الريحاني، ملوك العرب، ص 507

الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)

الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية
المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)
الدُّرَّةُ الْمُضِيَّة
في الرَّدِّ علَى ابنِ تَيمِيَّة
تصنيف
الإمام الفقيه الأصولي المجتهد النظَّار
تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي
السبكي الأنصاري الشافعي
رحمه الله تعالى
(683 – 756 هـ)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
والصلاة والسلام على سيدنا محمَّدٍ الذي نصر دينه بالجلاد والجدال، وتكفَّلَ لأمَّته أن لا يزالوا على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرَهم الدجال، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الذين وصفهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وألحق التابعين بإحسان في رضاه بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد …
فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا أول للمخلوقات[1]!!، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة[2].
وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون[3]، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل.
وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث.
وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب[4]!!
———————-
[1] وقد ردَّ عليه في هذه المسألة الإمام الإخميمي، في رسالة مفردة، مطبوعة مع تعليقات نفيسة للأستاذ العلامة سعيد فودة حفظه الله تعالى، ومنشورة على صفحات الانترنت في موقع الإمام الرازي. (جلال)
[2] للاطلاع على آراء ابن تيمية العقائدية، والوقوف على ما خالف فيه أهل السنة والجماعة، انظر لزاماً (الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية) تصنيف الأستاذ العلامة أبي الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى، وهو مطبوع، وقد امتاز عن غيره من الكتب بالدِّقة والتحقيق، وقد اشترط أن كل رأي ينسبه إلى ابن تيمية ينقل فيه عدة نقول من كلامه من كتبه المتفرقة، ولذا لم يستطع مدافعوه أن يجيبوا عمَّا فيه، ولا أن يشاغبوا عليه، ولا يغرنك في هذا الباب الدعاية الكبيرة التي حظي بها ابن تيمية في هذا العصر، فلذلك أسبابه السياسية المعروفة. (جلال)
[3] وذلك أنهم يمنعون البحث في مسائل العقائد، ويعتبرون الحديث عنها من البدع المحدثة في الدين، مع أن ابن تيمية قد غاص في مذموم الكلام بغير إتقان، ففاه بما لا يقبله شرع، ولا يصدق به عقل صحيح، ولا يغرنك دعاوى التحقيق في مقلديه اليوم، فجلهم لا يتقن علوم العقائد، وعند المباحثة يتجلى مدى ما هم عليه من زيع، والله المستعان. (جلال)
[4] حتى تعدى ذلك إلى زماننا، رغم بعد الزمان، فدعا أهلُ الجهل إلى ترك أحكام الطلاق بالجملة، وسهلوا على الناس عدم إيقاعه لأدنى خلاف شاذ أو قول باطل لا اعتداد به، فأحلوا الفروج المحرمة، وخالفوا أمر الله تعالى في هذا الباب.
وقد تصدى الإمام الكوثري رحمه الله تعالى لبعض هذه المحاولات في كتابه (الإشفاق على أحكام الطلاق)، بين فيها مدى خطورة الأمر، ودحض بالدليل والبرهان تسهيلات المتساهلين، رحمه الله تعالى. (جلال)
________________________________________
وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء.
ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين وأهل البلاد البرَّانية، ولبَّس عليهم مسألة اليمين بالطلاق حتى أوهمهم دخولها في قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية، وكذلك في قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم).
فعسر عليهم الجواب وقالوا: هذا كتاب الله سبحانه!!
وبقي في قلوبهم شُبَهٌ من قوله، حتى ذاكرني بذلك بعض المشايخ ممن جمع علماً وعمَلاً، وبلغ من المقامات الفاخرة الموصلة إلى الآخرة أملاً، ورأيتُه متطلعاً إلى الجواب عن هذه الشبهة، وبيان الحق في هذه المسألة على وجه مختصر يفهمه من لم يمارس كتب الفقه ولا ناظر في الجدل، فكتبت هذه الأوراق على وجهٍ ينتفع به من نوَّر الله قلبه وأحب لزوم الجماعة، وكره تبعية من شذَّ من الشياطين، وبالله أستعين وعليه توكلتُ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد رتبت الكلام على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان حكم هذه المسألة.
الفصل الثاني: في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور.
الفصل الثالث: في الجواب عن ذلك الاستدلال بخصوصه تفصيلاً.
الفصل الأول
[بيان مجمل عن أنواع الطلاق]
اعلم أن الطلاق يقع على وجهٍ محرَّمٍ، ويسمى طلاقَ البدعة، كالطلاق في الحيض، وعلى وجهٍ غير محرم ويسمى الطلاق السني.
وقد أجمعت الأمة على نفوذ الطلاق البدعي كنفوذ السني، إلا ما يحكى في جمع الثلاث على قولنا إنه بدعي، فإذا طلق امرأته على الوجه المنهي عنه، وهذا ليس فيه بين الأمة خلافٌ يعتبر.
إلا أن الظاهرية الذين يخالفون الإجماع في مسائل من الطلاق وغيره خالفوا في هذه المسألة، وهم محجوجون بالإجماع[1] والحديث، فقد طلَّق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء)، وهو في الصحيحين.
وفي لفظٍ قال ابن عمر: (فطلقها وحسبت لها التطليقة التي طلقها)، وهو في الصحيح، مع أن أهل الظاهر يقولون لو طلقها في الحيض ثلاثاً نَفَذَ، وكذلك لو طلقها في طُهرٍ مسها فيه.
والقصدُ أن الطلاق في الحيض على وجه البدعة نافذٌ على ما دلَّ عليه الحديث المذكور.
—————————-
[1] وولع مبتدعة العصر ومدعو الاجتهاد ممن لم يحقق شروطه ولا شم رائحته، بإنكار حجية الإجماع، والتقليل من شأنه، ظاهرٌ في كل كتاباتهم، وما فتئوا يصيحون بعدم حجيته وعدم إمكانية وقوعه، وكل ذلك باطل عند علماء الأصول، كما تجده مفصلاً في تلخيص إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب الأصول. (جلال)
________________________________________
وما ورد في بعض روايات هذا الحديث أن عبد الله بن عمر قال: (فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً) متأوَّلٌ عند العلماء، ومحمولٌ على معنى الرواية الأخرى.
وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير وجهٍ الاعتدادُ بتلك الطلقة وإنفاذُها عليه، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) يعني لقبل عدتهن، وقد قرئ كذلك.
والمراد أن يوقع الطلاق على وجه تستقبل المرأة العدّة بعدَه، وإذا وقع الطلاق في الحيض لم تعتد المرأة بأيام بقية الحيض من عدتها، فتطول عليها العدة.
وقيل ليطلق في الطهر فربما كان الطلاق في الحيض لعدم حل الوطء فيه.
وقد جاء في بعض ألفاظه هذا الحديث: (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، يعني في هذه الآية فقد دل الكتاب والسنة على أن الطلاق في الحيض محرم ومع ذلك فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بنفوذه والاعتداد به، وإن كان قد خالف الوجه الذي شرع الطلاق فيه، فرأينا الشرع أوقع بدعة الطلاق كما أوقع سنته، وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه، وكذلك إذا جمع الطلقات الثلاث في كلمةٍ فهو مخالفٌ لوجه السنة في قول جماعة من السلف، بل أكثرهم، ومع ذلك يلزمونه الثلاث.
وقد أتى ابنَ العباس رجلٌ فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إنَّ عمك عصى الله، فأندمه الله ولم يجعل له مخرجاً.
وعن أنس قال كان عمر رضي الله عنه إذا أتى برجل طلق امرته ثلاثاً في مجلس واحدٍ أوجعه ضرباً وفرق بينهما.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس قال: أثم وحرمت عليه امرأته.
وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما قال:من طلق امرأته ثلاثاً فقد عَصَى ربَّه، وبانت منه امرأته.
فهذه أقوال الصحابة في إثم من جمع الطلقات الثلاث لمخالفته السنة، ومع ذلك يوقعونها عليه، وما ذلك إلا لقوة الطَّلاق ونفوذه.
________________________________________
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة)، فجعل هزل الطلاق جداً.
ولم نعرف بين الأمة خلافاً في إيقاع طلاق الهازل، وما ذلك إلا لأنه أطلق لفظ الطلاق مريداً معناه، ولكنه لم يقصد حِلَّ قَيدِ نكاحِ امرأته بذلك ولا قصد إيقاع الطلاق عليها، بل هزل ولعب، ومع ذلك فلم يعتبر الشارع قصده وإنما ألزمه موجب لفظه الذي أطلقه وواخذه به، وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه.
ثم إن الطلاق يكون منجَّزاً، ويكون معلَّقاً على شرط:
فالمنجز كقوله: (أنت طالق)، والمعلَّق كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق)، وقد أجمعت الأمة على وقوع المعلَّق كوقوع المنجَّز، فإن الطلاق مما يقبل التعليق، لم يظهر الخلاف في ذلك إلا عن طوائف من الروافض.
ولما حدث مذهب الظاهرية المخالفين لإجماع الأمة المنكرين للقياس خالفوا في ذلك فلم يوقعوا الطلاق المعلّق، ولكنهم قد سبقهم إجماع الأمة فلم يكن قولهم معتبراً؛ لأن من خالف الإجماع لم يعتبر قوله، وقد سبق إجماع الأمة على وقوع الطلاق المعلق قبل حدوث الظاهرية.
وإنما اختلف العلماء إذا علَّق الطلاق على أمرٍ واقع أو مقصودٍ، كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق)، هل يتنجز الطّلاقُ من حين علَّق ولا يتأخر إلى وقوع الشرط، وهو مجيء رأس الشهر، أو يتأخر إلى مجيء رأس الشهر؟
فيه قولان للعلماء مشهوران؛ لأنه لمّا عُلِّق على شرط واقع فقد قصد إيقاع الطلاق ورضي به فتنجز من وقته.
وهذا ابن تيمية لم يخالف في تعليق الطلاق، وقد صرَّح بذلك، فليس مذهبه كمذهب الظاهرية في منع نفوذ الطلاق المعلق.
________________________________________
ثم إن الطلاق المعلَّق منه ما يعلق على وجه اليمين، ومنه ما يعلَّق على غير وجه اليمين: فالطلاق المعلَّق على غير وجه اليمين كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق) أو (إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق)، والذي على وجه اليمين كقوله: (إن كلمت فلاناً فأنت طالق) أو (إن دخلت الدار فأنت طالق) وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علَّق الطلاق على هذا الوجه ثم وجد المعلق عليه وقع الطلاق.
وهذه المسألة التي ابتدأ ابن تيمية بدعته، وقصد التوصل بها إلى غيرها إن تمت له.
وقد اجتمعت الأمة على وقوع الطلاق المعلَّق، سواء كان على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين، هذا مما لم يختلفوا فيه وإجماع الأمة معصوم من الخطأ.
وكل من قال بهذا من العلماء لم يفرِّق بين المعلَّق على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين، بل قالوا: الكلُّ يقع.
وقد لبَّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة، وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الإسلام.
وقد نقل إجماع الأمة على ذلك أئمة لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم.
فممن نقل ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه، وناهيك به فانه الإمام القرشي الذي ملأ طبق الأرض علماً، وثناء إمام هذا المبتدع الذي ينتسب إليه وهو برئ من بدعته -وهو الإمام أحمد رضي الله عنه- على الشافعي معروف، وتبعيته له ومشيه في ركابه وأخذه عنه مشهور.
وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما.
وكذلك نقله أبو ثور وهو من الأئمة أيضاً.
وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطَّبري، وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة.
وكذلك نقل الإجماع الإمام أبو بكر بن المنذر.
ونقله أيضاً الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد ابن نصر المروزي.
________________________________________
ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه (التمهيد) و(الاستذكار)، وبسط القول فيه على وجهٍ لم يبق لقائل مقالاً.
ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب (المقدمات) له.
ونقله الإمام الباجي في (المنتقى)، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصُّوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصاً عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخل فيها الكفارة، وذكرَ[1] العتقَ وذكر الأثر الذي استدل به ابن تيمية فيه، وهو خبر ليلى بنت العجماء، الذي بنى ابن تيمية حجَّته عليه وعلَّله وردَّه، وأخذ بأثر آخر صحَّ عنده، وهو أثر عمان بن حاضر، وفيه فتوى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر رضي الله عنهم بإيقاع العتق على الحانث في اليمين به، ولم يعمل بأثر ليلى بنت العجماء، ولم يُبقِ في المسألة إلباساً رضي الله عنه، بل كان قصده الحق.
وإذا كانت الأمة مجمعة على وقوع الطلاق لم يجز لأحد مخالفتهم، فإن الإجماع من أقوى الحجج الشرعية، وقد عصم الله هذه الأمة عن أن تجتمع على الخطأ فان إجماعهم صواب.
وقد أطلق كثيرٌ من العلماء القول بأن مخالف إجماع الأمة كافرٌ.
وشرطُ المفتي أن لا يفتي بقول يخالف أقوال العلماء المتقدمين، وإذا أفتى بذلك ردتْ فتواه ومُنع من أخذ بقوله.
ودل الكتاب والسنة على أنه لا يجوز مخالفة الإجماع قال الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)، فقد توعد على مخالفة سبيل المؤمنين واتباع غير سبيلهم بهذا الوعيد العظيم، ومخالف إجماع الأمة متبع غير سبيل المؤمنين فكيف يعتبر قوله.
—————————–
[1] أي الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى .
________________________________________
وقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط الخيار، والشهداء على الناس العدول عليهم، فلا يجتمعون على الخطأ.
وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا يدل على أن مجموعهم يأمرون بكلِّ معروف وينهون عن كل منكر، فلوا أجمعوا على الخطأ لأمروا ببعض المنكر ونهوا عن بعض المعروف، ومحال أن يتصفوا بذلك وقد وصفهم الله بخلافه!!
وقد ورد في الأحاديث ما يدلُّ مجموعه على عصمة جماعتهم لهن عن الخطأ والضلال، والمسألة مبسوطة مقررة في موضعها.
والقصد هنا أن الأمةَ مجتمعةٌ على وقوع هذا الطلاق، فمن خالفهم فقد خالف الجماعة وخالف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بلزوم الجماعة، وكان الشيطان معه فان الشيطان مع الواحد.
ثم إن هذا المبتدع ابن تيمية ادَّعى أن هذا القول قال به طاوس، واعتمد على نقلٍ شاذٍ وجَدَه في كتاب ابن حزم الظاهري عن مصنف عبد الرزاق.
ولم يُنقل هذا القول عن أحدٍ بخصوصه في الطلاق إلا عن طاوس كما ذكر وعن أهل الظاهر.
أما طاوس فقد صحَّ النقل عنه بخلاف ذلك، وقد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة، ونقل ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها كتاب (السنن) لسعيد بن منصور، ومنها (مصنف عبد الرزاق) الذي ادعى المخالف أن النقل عنه بخلاف ذلك، وقد وَضَحَ كذبه في هذا النقل، فإن المنقول في مصنَّف عبد الرزاق عن طاوس خلاف هذا الذي نسبه ابن تيمية، والأثر الذي نقله عن طاوس إنما ذكره عبد الرزاق في طلاق المكره، فلبس ابن حزم الظاهري النقل وتبعه هذا المبتدع.
وعن كلام طاوس لو صحَّ عنه أجوبةٌ كثيرة غير هذا مبينة في كتابنا (الرد على ابن تيمية).
________________________________________
وأما أهل الظاهر فيقولون إن الطلاق المعلَّق كلَّه لا يقع، ولم يقل ابن تيمية بذلك، وهم مخالفون للإجماع لا يعتبر قولهم، ويقولون إن الطلاق المعلَّق على وجه اليمين لا كفارة فيه، ولم يقل ابن تيمية بذلك، فهو مخالف لهم في بدعته متمسك بقولهم الذي لا يعتبر.
وقد قال ابن حزم: إن جميع المخالفين له لا يختلفون في أن اليمين بالطلاق والعتق لا كفارة في حنثه، بل إما الوفاء بالمحلوف عليه أو باليمين.
وقال هذا المبتدع: إن هذه المسألة لم يتكلم فيها الصحابة، لأنه لم يكن يحلف بالطلاق في زمانهم، ثم بعد هذا القول نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم أنهم يقولون بقوله فكذب أولاً وآخراً:
أما كذبه أولاً فلأنه قال: (إن الصحابة لم تتكلم في هذه المسألة)، وليس كذلك، ففي صحيح البخاري فتوى ابن عمر رضي الله عنهما بالإيقاع.
قال البخاري: قال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء.
وهذه فتوى ظاهرها في هذه المسألة بإيقاع الطلاق البتة إن خرجت، وهو وقوع المعلَّق عليه، وبه يحصل الحنث، فأوقع ابن عمر الطلاق على الحالف به عند الحنث في يمينه، ومن مثل ابن عمر رضي الله عنهما في دينه وعلمه وزهده وورعه وصحة فتاويه؟!
ولا يُعرَفُ أحدٌ من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى ولا أنكرها عليه، وقد قضى علي رضي الله عنه في يمين بالطلاق بما يقتضي الإيقاع، فإنهم رفعوا الحالف إليه ليفرقوا بينه وبين الزوجة بحنثه في اليمين فاعتبر القضية، فرأى فيها ما يقتضي الإكراه، فردَّ الزوجة عليه لأجل الإكراه، وهو ظاهرٌ في أنه يرى الإيقاع لولا الإكراه.
وفي (سنن البيهقي) بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق ففعلته، قال: هي واحدة، وهو أحقُّ بها، فأوقع الطلاق واحدة عند الحنث بمقتضى اللفظ ولم يوجب كفارة.
________________________________________
ومن مثل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنيف مليء علماً)، وقال: (من أراد أن يقرأ القرآن غضَّاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)، ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وقول الصحابة حجَّةٌ شرعيةٌ في قول جمهور العلماء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أنهم كالنجوم يُهتدى بهم، فلا هدي أتمَّ من هديهم.
وأما كذبه ثانياً فلأنه قال: (لم يكن يحلف بالطلاق في عهد الصحابة)، وهذه وقائع فيها الحلف بالطلاق.
ونُقلت أيضاً حكومة أخرى وقعت عند علي رضي الله عنه في رجل حلف بالطلاق أنه لا يطأ امرأته حتى يعظم ولده، بل نقل عن بعض الصحابة أنه حلف بالطلاق وهو أبو ذر رضي الله عنه لما سألته امرأته عن الساعة التي يستجاب الدعاء فيها يوم الجمعة وأكثرت فقال لها: (زيغ الشمس) يشير إلى ذراع فإن سألتني بعدها فأنت طالق، فحلف عليها بالطلاق أن لا تعاود المسألة، وفي ذلك آثار كثيرة غير هذا مذكورة في المصنَّف المبسوط.
وأما كذبه آخراً فلأنه نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم القول بأن الطلاق لا يقع، وأنه تجب الكفارة، مع اعترافه أن ذلك لم يقع في عهدهم.
وهذه مكابرة قبيحة وكذبٌ صريح، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (كل يمين وإن عظمت ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين)، فاستشنت يمين الطلاق ويمين العتاق من الكفارة.
وهذا الأثر نقله ابنُ عبد البر في (التمهيد) وفي (الاستذكار) بهذا اللفظ مسنداً، ونقلَه هذا المبتدع فأسقط منه قولها: (ليس فيها طلاق ولا عتاق) ليوهم أن عائشة رضي الله عنها تقول بالكفارة في يمين الطلاق والعتق، (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه إلا الإفتاء بالوقوع.
________________________________________
وأما التابعون رضي الله عنهم فأئمة العلم منهم معدودون معروفون، وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم، ولم ينقل هذا المبتدع عن أحدٍ منهم بعينه نصَّاً في هذه المسألة غير ما نسبه إلى طاوس، مع أنه يدعي إجماعهم على قوله مكابرة كما فعل في الصحابة.
وقد نقلنا من الكتب المعروفة الصحيحة (كجامع عبد الرزاق) و(مصنف ابن أبي شيبة) و(سنن سعيد بن منصور) و(السنن الكبرى للبيهقي) وغيرها فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد، وكلهم بالأسانيد الصحيحة أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين ولم يقضوا بالكفارة، وهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، وشريح، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وأبو مخلد.
والفقهاء السبعة فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله بن عمر وسليمان بن يسار، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدَّماً على غيرهم.
وأصحاب ابن مسعود السادات وهم: علقمة والأسود ومسروق وعبيدة السلماني وأبو وائل شقيق بن سلمة وطارق ابن شهاب وزر بن حبيش.
وغير هؤلاء من التابعين مثل ابن شبرمة وأبو عمرو الشيباني وأبو الاحوص وزيد بن وهب والحكم وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمرو.
كل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في ذلك، ومن هم علماء التابعين غير هؤلاء.
فهذا عصر الصحابة وعصر التابعين كلهم قائلون بالإيقاع، ولم يقل أحدٌ أن هذا مما يجري به الكفارة.
وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة كلها تشهد بصحة هذا القول، كأبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وابن جرير الطبري، وهذه مذاهبهم منقولة بين أيدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة.
________________________________________
فإذا كان الصدر الأول وعصر الصحابة رضي الله عنهم وعصر التابعين لهم بإحسان بعدهم وعصر تابعي التابعين لم ينقل عنهم خلاف في هذه المسألة، وهذا المبتدع يسلِّم أنَّ بعد هذه الأعصار الثلاثة لم يقل إمام مجتهد بخلاف قولنا، فكيف يسوغ مخالفة قولٍ استقر من زمن النبي صلى الله عليه وسلم والى الآن، بقولِ مبتدِعٍ يقصد نقض عرى الإسلام ومخالفة سلف الأمة ؟!
أكان الحقُّ قد خفي عن الأمة كلها في هذه الأعصار المتتابعة حتى ظهر هذا الزائغ بما ظهر به؟!!
هيهات هيهات وهذا واضح لذوي البصائر وأرباب القلوب المنورة بنور اليقين، (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين) ولكن قد عميت البصائر والناس سراع إلى الفتنة، راغبون في المحدثات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة ضلالة).
الفصل الثاني
في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور
وذلك أنَّ الناس على قسمين:
عالم مجتهد متمكن من استخراج الأحكام من الكتاب والسنة أو عامي مقلد لأهل العلم:
ووظيفة المجتهد إذا وقعت واقعة أن يستخرج الحكم فيها من الأدلة الشرعية، ووظيفة العامية أن يرجع إلى قول العلماء،
وليس لغير المجتهد إذا سمع آية أو حديثاً أن يترك به أقوال العلماء، فإنه إذا رآهم قد خالفوا ذلك مع علمهم به عَلِمَ أنهم إنما خالفوه لدليلٍ دلَّهم على ذلك، وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال: (ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وللمفسرين في الآية كلامٌ ليس هذا موضع ذكره، والقصد أنَّ غير العالم المجتهد -ولا سيما العوام-، إذا سمعوا آية فيها عمومٌ أو إطلاقٌ لم يكن لهم أن يأخذوا بذلك العموم أو الإطلاق إلا بقول العلماء، ولا يعمل بالعمومات والإطلاقات إلا من عَرَفَ الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز.
________________________________________
فإذا سمع قوله تعالى: (أو مما ملكت أيمانكم) وأخذ بعمومه في الجمع بين الأختين المملوكتين كان مخطئاً، فإذا سمع معه قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) قال: هذا يعم الأختين المملوكتين والمنكوحتين، فيتحير بأي العمومين يعمل ؟ فإذا سمع قول عثمان رضي الله عنه: (أحلتها آية وحرمتها آية والتحريم أولى)، عَلِمَ أنَّ العمل على دليل التحريم، وله ترجيحات أُخَر غير هذا يعرفها العلماء، فيعلم العامي أنه لا يمكنه الاستقلال بأخذ الحكم من الكتاب.
وكذلك إذا سمع الأدلة الدالة على تحريم اللواط والتأكيد، وسمع قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، فقد يخطر له أنَّ هذا يقتضي حل المملوك، وقد خطر ذلك لبعض الجهال، فإذا أخذ بهذا العموم ضلَّ.
وقد قال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه: إن من تأول هذا التأويل سَقطَ عنه الحدُّ، وأخطأ في هذا القول خطأً عظيماً.
وكذلك إذا سمع أنَّ قائلاً قال: يحل وطأ الزوجة في الدبر مستنداً إلى قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شيءتم)، ظَنَّ ذلك صحيحاً، وأن القرآن دلَّ على حِلِّ ذلك، وهو مخطئ؛ لأن هذا القول شاذٌّ، يقال إنه رواية عن مالك ولم يصح، والمالكية ينكرونه، وصحَّ عن مالك تحريم ذلك، والآية دالَّة على التحريم بخلاف ما يظن الجهال، فإن الحرث لا يكون إلا في موضع البذر، والحديث الصحيح في سبب نزول الآية يوضح المعنى، وهو أن اليهود كانوا يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شيءتم) أي كيف شيءتم، وفي الحديث الصحيح: (في صمام واحد)، وفي لفظٍ: (غير أن لا تأتوا في غير المأتي).
فإذا لم يجمع الإنسان بين الأدلة، وبين الكتاب والسنة، ويعرف سبب نزول الآية ومحملها، لا ينبغي أن يأخذ بظاهر من فهمه لا يعرف ما وراءه.
________________________________________
وإذا سمع العامي الحديث: (من شرب الخمر فاجلدوه) إلى أن قال في الرابعة: (فإن شربها فاقتلوه)، فعمل به وقتل الشارب في الرابعة كان مخطئاً؛ لأن الأمة أجمعت على ترك العمل بهذا الحديث.
وكذلك إذا سمع حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوف ولا مطر)، وقد رواه مسلم من طرق عدة، فيقول العامي بهذا الحديث، ولا يعلم أن الأمة أجمعت على ترك العمل به، إلا ما يروى عن ابن سيرين انه يجوز الجمع في الحضر للحاجة، وقد روى أبو العالية أنَّ عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (واعلم أنَّ جمع ما بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر)، وقد أخرجَ هذين الحديثين الترمذيّ، وقال في آخر كتابه: (ليس في كتابي هذا حديثٌ ترك العمل به بالإجماع سوى حديثين) فذكر هذين الحديثين.
وكذلك حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة، فلما رآهم عمر قد تتابعوا فيه قال: أجيزوهن عليهم، وهذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع، ومحمول عند العلماء على معان صحيحة، وقد صحت الرواية عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة.
فإذا سمعه العامي وحده وقف عنده ولم يعلم أنه معارض بما يدفعه، ومردود الظاهر بإجماع الأمة.
وأحاديث المتعة صحيحة، وقد صَحَّ فعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وصحَّ النهي عنها، فأبيحت مرتين ونسخت مرتين، فإذا سمع العامي الأحاديث الصحيحة بإباحتها ظَنَّ أنها مباحة ولم يعلم أن ذلك نسخ، وقد وقع هذا للمأمون وهو خليفة، فنادى بتحليل المتعة، فدخل عليه القاضي يحيى ابن أكثم وقال له: أحللت الزنى، وعرَّفه الحديث الصحيح في النسخ، ولم يكن سمعه، فنادى من وقته بتحريم المتعة.
________________________________________
وحديث قدامة بن مظعون رضي الله عنه صحيحٌ، وكان قد شرب الخمر فرفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه فاعترف وذكر أنه إنما شربها متأولاً قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فما طعموا) فردَّ عليه عمر وقال: (أخطأت التأويل ألم يقل الله سبحانه: (إذا ما اتقوا وآمنوا).) ولم يجعل تأويله موجباً لإسقاط الحد، بل حدَّه؛ لأنه لم يستنبط الحكم استنباطاً صحيحاً، ولكنَّه أخذ بعموم نفي الجناح في كل مطعوم وغفل عن القيد المخصص وهو قوله: (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية.
وهذا يوضح أن العمل بالعموم بمجرده من غير نظر في أدلَّة التخصيص والتقييد خطأٌ من العاملِ به، وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بذكرها.
والآية التي احتجَّ بها هذا المبتدِع وهي قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) إلى آخر الآية والآية الأخرى وهي قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إذا سمعها العامي يظن دخول يمين الطلاق في ذلك وقال: هي يمين، والله جعل في كل يمين كفارة، واعتقد صحَّة قول هذا المبتدع وتلبَّس عليه باطله، فإذا اعترف أنه لا ينبغي له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له مخصّص ويعرف ما يعارضه من الأدلة فوَّضَ الأمر إلى أهله، وعلم أن فوق كل ذي علم عليم.
وكذلك لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم ما في السنة مما يبينه أو يخصصه أو يقيِّده قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول لا أدري ما سمعنا في كتاب الله اتبعناه)..الحديث.
________________________________________
والحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا لي نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول إليه صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعضٍ وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها لم يخرجوا منها أبداً)، وقال: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)، ولم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بإطلاق قوله: (اسمعوا له وأطيعوا)، لما دلت الأدلة على أنَّ الطاعة إنما تكون فيما وافق الحق، ولا طاعة في المعصية، مع أنَّهم قد لا يكونون ممن سمع تلك الأدلة، فإن الممتنعين من الدخول فيها لم يأخذوا إلا بأنهم إنما أسلموا ليسلموا من النار، فكيف يؤمرون بالدخول فيها، فقيدوا إطلاق الأمر بالسمع والطاعة بدليل قياسي، ومع عدم علمهم بتلك الأدلة لم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل حكم باستمرارهم بالنار لو دخلوها لتقصيرهم في البحث عن الأدلة في محل الإشكال.
فمن لم يعرف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة لم يكن له أن يقف عند دليل يسمعه من غير إمام يرشده.
وقد نقل عن جماعة من الأئمة أنه ليس في القرآن عمومٌ إلا وقد دخله التخصيص، إلا قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم)، وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) إذا أريد بالوجه الذات والصفات المقدسة، حتى قالوا في قوله: (خالق كل شيء) ليس محمولاً على عمومه، بل هو مخصوص، فإن الله سبحانه شيء وليس مخلوقاً تعالى عن ذلك.
________________________________________
وفي هذا ومثله كلامٌ لا يليق بهذا الموضع، فعلمنا من ذلك أن قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) الآية، وقوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) لا يعمل بعمومه حتى ننظر فيما يخصصه أو يعارضه من كتاب أو سنة، فإذا تحقق المراد منه وأي مخرج خرج تبين ما فيه من الدليل أو عدمه.
ولكن هذا المبتدع قصده الترويج على العوامِ ومَن لا يعرف شروط الأدلة وكيفية استخراج الحكم، ويهوِّل عليهم بقوله: هذا نص القرآن وهذا قول الله، فتنخلع أفئدتهم لقوله، ولا يعلمون ما وراء ذلك.
الفصل الثالث
في الجواب عن استدلاله بالآيتين المذكورتين على وجه التفصيل
أما الآية الأولى وهي قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون).
وإنما يتم الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه.
والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة، قال الله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم).
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا) قولان:
أحدهما: أن المراد لا تجعلوا اليمين بالله تعالى متعرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، فتحلفوا لا تفعلوا ذلك، فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البرِّ والتقوى، فنهاهم الله عن اليمين على ذلك، ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع؛ ليكون طريقاً لحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح.
________________________________________
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير).
والقول الثاني: أن المراد لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم، فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء، وقوله: (أن تبروا) معناه إرادة أن تبروا، يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر.
ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم، ولا شك أن اليمين بالله تعالى مراده في الآيتين هي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلاً، فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا فإذا قال: والله لا أفعل أو والله لأفعلن فقد أكَّد عقده بهذا الاسم المعظم، كأنه يقول: إن فعلت كذا فقد خالفت موجب تعظيم ما عقدت به اليمين من الاسم المعظم، ولست معظماً له حقَّ تعظيمه.
هذا موضوع اليمين فإذا عقدها على الوجه ثم خالف موجبها وحنث فقد لزمه ما ألزم نفسه من انتهاك حرمة الاسم بالمخالفة، فجعل الله سبحانه الكفَّارة جابرة لهذا الأمر الذي ألزمه نفسه تعظيماً لاسمه المستحق للتعظيم.
وهذا أمرٌ لا يستحقه غير الله عز وجلَّ، فلا يشاركه غيره فيه، ولهذا نهي عن الحلف بغير الله عز وجل.
ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز لأحدٍ الحلف بها، ومن ههنا قال أهل الظاهر: لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله عز وجل وصفاته، ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك.
وممن قال بهذا القول الشعبي والحكم والحارث العكلي وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن، نقله ابن عبد البر وقال: هو الصواب عندنا، والحمد لله.
وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمانٍ غيرها، لكن على سبيل الإلحاق بها؛ لوجود علة وجوب الكفارة عندهم.
هذه أقوال المعتبرين من العلماء، وقد شذَّ بعضهم بأقوال لا يعرج عليها ولا يتأتى بيان ذلك إلا بتفصيل أنواع الأيمان، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى.
________________________________________
هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:
أحدهما: أن يمين الطلاق لا كفارة فيها، ولو قلنا هي يمين.
والثاني: أن عموم الآية مخصوصٌ، فلا تجب الكفارة في كلِّ ما يطلق عليه اسم اليمين لغةً، وإذا كانت الكفارة لا تجب في كل ما يسمى يميناً في اللغة لم تبق الاية الكريمة مجراة على عمومها.
وحينئذ فالآية إما محمولة على اليمين الشرعية، أو على اليمين اللغوية، والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند المحققين من العلماء، فإذا كان للفظٍ معنى في اللغة ومعنى في الشرع إما يقاربه وإما يباينه، ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع حملناه على معناه في الشرع، فإن تعذَّر حملناه على معناه في اللغة والعرف.
وههنا في الآية زيادة، وهي أنَّ الحمل فيها على الموضوع اللغوي يوجب تخصيص عمومها، والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب ذلك، وما سَلِم من التخصيص أو كان أقل تخصيصاً كان أولى، فيتعين حمل الأيمان في الآية الكريمة على المعنى الشرعي.
واليمين الشرعية هي ما شرع الحلف به أو لم يكره شرعاً ولم يحرم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)، وهو في الصحيحين، وفي لفظٍ لمسلم: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: (لا تحلفوا بآبائكم).
وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عزَّ وجل، وما نهى عنه لم يكن شرعياً، ولا فرق بين اليمين باسم الله عز وجل أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا، والكل شرعي ينعقد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول: (لا ومقلب القلوب).
________________________________________
وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها)، ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا ورب الكعبة)، فكل هذه أيمان شرعية؛ لأن المعنى في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على وجه لا يليق بغير الله عز وجل، فبأي اسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته حَلَفَ لم يكن معظِّماً لغير الله تعالى.
فإذا كانت اليمين الشرعية هي اليمين بالله عز وجل وصفاته، كانت الآية محمولة على ذلك، فدلت الآية على أن كل يمين بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث؛ لأن اللفظ شرعي فيحمل على المعنى الشرعي، وتكون الآية على عمومها في كل الأيمان الشرعية؛ فلا تكون الآية دالة على إيجاب الكفارة في شيء من الأيمان سوى الأيمان الشرعية، وهي الأيمان بالله وبأسمائه وصفاته.
ولا تدخل اليمين بالطلاق ولا غيرها في ذلك.
ثم إن العلماء رأوا أن بعض الأيمان ملحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة، فألحقوه بذلك لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لأجله فيها، وعند هذا اختلف نظرهم فمنهم من يلحق أنواعاً كثيراً، ومنهم من يلحق أقل من ذلك على اختلاف نظرهم واجتهادهم.
ويوجد هذا الاختلاف للصحابة والتابعين ومن بعدهم، فنتكلم فيما وعدنا به من تفصيل الأيمان التي جوَّزَ فيها العلماء المعتبرون الكفارة، ثم نتكلم على الطلاق والعِتَاق.
فمنها النَّذر الذي يسمى نذر اللجاج والغضب والغلق وقد قيل فيه بالوفاء، وقيل: بالكفارة على وجه التخيير.
فاعلم أن النذر في أصله قربة، ووضعه الأصلي أن يعلق التزام قربة على مطلوبٍ يريده: إما جلب نعمة أو دفع نقمة كقوله: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ صوم شهر، أو إن ردَّ الله تعالى الغائب فلله علي أن أتصدق بكذا.
________________________________________
وهذا نذر شرعي، ويسمى عند الفقهاء نذر التبرر والوفاء اللازم، فإذا حصل ما طلبه وهو المعلَّق عليه وجب عليه الوفاء بما نذر، ولا تجزئة في ذلك كفارة يمين.
هذا أصلُ البابِ ووضعه في الشرع، فإن التزم قربةً على غير مطلوب كقوله: لله علي أن أصوم كذا أو أن أتصدق بكذا، فهل يسمى هذا نذراً ؟ فيه خلاف، وأكثر العلماء على أنه نذر يجب الوفاء به.
ولكن أصل الباب هو التَّعليق، ثم إنَّ الناس توسعوا في ذلك فصاروا يعلِّقون لزوم القربة على ما يريدون الحثَّ عليه أو المنع منه، كقول القائل: إنْ كلمت فلاناً فعليَّ صوم شهر، وإنْ لم أعطِ فلاناً كذا فعليَّ صدقة وما أشبه ذلك، فهذا تعليقُ قربةٍ على أمرٍ يطالب وقوعه أو المنع منه، فهو تعليق قربة على مطلوب فمن هذا الوجه هو نذر يشبه نذر التَّبرر؛ لما فيه من صريح التعليق للقربة على مطلوب.
وفي معناه شبه اليمين من جهة أنَّه لا على التزام القربة على وجه التِّقرب، بل قصد حثّ نفسه أو منعها بما علّق من لزوم القربة التي إن خالف ولم يلتزمها عند وقوع الشرط فقد ترك حق الله ولم يقم به ولم يعظمه حق تعظيمه، فصار ذلك في المعنى كقول القائل: والله لأفعلن أو والله لا أفعل، فإنَّ معنى كلامه إني إنْ فعلت فقد خالفت ما عقدت به قولي من الاسم المعظَّم، فلست معظماً له حق تعظيمه، فصار في هذا النَّذر شبه من اليمين في المعنى، وهو بلفظ النذر لأجل الذي يجب الوفاء به، وقد مدح الله قوماً على الوفاء بالنذر فقال تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شرُّه مستطيراً) وذم النبي صلى الله عليه وسلم قوماً على ترك الوفاء بالنذر، فقال في حديث عمران بن حصين، وهو في الصحيح، (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، (ثم إن من بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ،ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن).
________________________________________
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وهو حديث صحيح.
فأوجب أولاً الوفاء، وهذا قول مالك رضي الله عنه في المشهور عنه ومن تبعه، وقول ربيعة وإحدى الروايات عن أبي حنيفة، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال بوجوب الوفاء.
روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الهيثم بن سنان أنه سمع ابن عمر وسأله بعض أهله أنه كسى امرأته كسوةً فسخطتها، فقالت: إن لبستها في رتاج الكعبة، قال ابن عمر: لتجعل مالها في رتاج الكعبة، قال: إنما مالها في الغنم والإبل، قال ابن عمر: لِتَبِع الغنم والإبل في رتاج الكعبة.
وروي عن أنس رضي الله عنه مثل ذلك عن مالك بن دينار، وأن امرأة أتته فقالت: إن زوجها كساها كسوة وأنها غضبت فجعلتها هدية إلى بيت الله إن لبستها، قال: فانطلقت إلى أنس فسألته فقال: إن لبستها فلتهدها، وإسناد هذا الأثر أيضاً جيد.
ونقل هذا القول وهو وجوب الوفاء عن إبراهيم النخعي.
وإنما سقت هذه الأقوال لأن هذا المبتدع قال: إن القول بوجوب الوفاء لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد صحَّ ذلك عمَّن ذكرنا.
وسيأتي أثر آخر فيه ابن عمر وابن عباس والزبير وجابر رضي الله عنهم إن شاء الله تعالى.
وقال طائفة أخرى: يكفِّر إن شاء ولا يلزمه الوفاء به، وهؤلاء أجروا هذا النذر مجرى اليمين لما ذكرنا من حصول المعنى الذي شرعت الكفارة في اليمين لأجله، وهو أنه عقد يمينه بما التزمه من طاعة الله التي إن خالف عند لزومها فقد انتهك حرمة الحق، فجبره بكفارة يمين كما يجبر انتهاك حرمة الاسم المعظم إذا حنث بكفارة يمين.
وقد أفتى بذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: إن هذا قول عائشة رضي الله عنها وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الشافعي في ذلك: يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
________________________________________
ومن العلماء من يفرق بين التزام الحج وغيره فيقول: إن التزم حجا لزمه وإن التزم غيره كان له الخروج بكفارة يمين.
ومنهم من فرَّق أن يكون قد التزم صدقةَ مالِه كلِّه أو جعله في سبيل الله فقال: يجزئه الثلث من ماله؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر، فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجزئ عنك الثلث).
وفي الصحيحين في حديث كعب بن مالك -أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم-، أنه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك)، قال: قلتُ: إني أمسك سهمي بخيبر.
ومنهم من أوجب الصدقة بقدر الزكاة، ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وسيأتي الأثر بذلك إن شاء الله تعالى.
والقول بأن يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين هو القول المرضي، وهو قول كثيرٍ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وسببه ما ذكرنا أن اللفظ لفظ نذر والمعنى معنى يمين، فإن وفَّى فقد أتى بموجب اللفظ، وإن كفَّر فقد أتى بموجب المعنى، فهذا النوع يلحق بالأيمان الشرعية من هذا الوجه، وليس يميناً في الحقيقة بما يعظم كالكعبة والنبي فلا كفارة فيها.
وفي مذهب أبي حنيفة قول إنه تجب الكفارة بالحلف بالنبي؛ لأن حقه من حق الله عز وجل فأشبه اليمين بالله، وهو ضعيف وجمهور العلماء على خلافه.
وأما الحلف بملة غير الإسلام فليس من الأيمان الشرعية، ولا ينبغي أن يعتقد دخوله في قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم)، لأنها يمين محرمة، والمحرم لا يكون شرعياً.
وأكثر العلماء على أن لا كفارة فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، وان كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالماً)، وفيه غير ذلك.
________________________________________
وورد فيه أن كفارته قول لا إله إلا الله، وفي مذهب أبي حنيفة إيجاب الكفارة، وهذه اليمين لا تحتاج إلى ذكرها.
لكن هذا المبتدع جعل إيجاب من وأوجب الكفارة فيها حجة له، وقال: لو لزمه ما التزم لحكم بكفره؛ لأنه التزم الكفر في قوله: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، وهذا خطأ، فإن التكفير مداره على اعتقاد القلب، واللسان ترجمان ذلك، فإذا صدر منه لفظ دلَّ على كفره في عقد قلبه حكمنا بكفره، وإذا صدر منه لفظ لا يدل على كفره في قلبه لم نحكم بكفره، وإن تلفظ بالكفر، ولهذا لم نحكم بكفر المكره على التلفظ بالكفر، وقد قال الله تعالى: (إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان)، والقائل: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، لا يقوله ليكون يهودياً أو نصرانياً بقلبه، ولكنه يمنع نفسه من الفعل لئلا يلزمه أن يكون يهودياً أو نصرانياً، والممتنع من الفعل خشية من هذا اللزوم لم يعقد قبله على الكفر، وإنما عقده على الإيمان، فلم نحكم بكفره.
وأما الطلاق فمداره على إطلاق اللفظ للمعنى، وان لم يقصد به حل قيد النكاح، ولهذا اختلف العلماء في إيقاعه على المكره والسكران، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين بوقوع طلاق السكران، بل الأكثرون على ذلك، فلم يعتبروا فيه قصد حل قيد النكاح، ولهذا يلزم الهازل ويقع عليه، وما ذلك إلا لإطلاق اللفظ.
وإنما كفر الهازل بالكفر لأن كفره دلَّ على استهانته بالدين بقلبه، فهو كافر بعقد القلب الذي دلَّ عليه لفظه، والمطلِّق بالهزل مطلق اللفظ، لا بعقد القلب على الطلاق، فلا يقاس أحد البابين على الآخر.
وأما إيجاب الكفارة في مذهب أبي حنيفة في يمين الكفر فلأنه إذا قال: إن فعلت كذا فأنا كافر، كان قد علَّق يمينه بتعظيم حق الله عز وجل على أن يكفر به، فأشبه تعظيم اسم الله أن تنتهك حرمته إذا حلت به، فألحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة فله وجه من القياس، وان كان الأصح أن الكفارة لا تجب.
________________________________________
وأما يمين العتق وهو ما إذا قال: إن فعلت كذا فعبدي حر، فإن جمهور العلماء على لزوم العتق عند الحنث، وأنه لا تجزئ في ذلك كفارة يمين، هذا هو القول المشهور الذي استقرت عليه المذاهب المتبوعة، حتى قال بعضهم: إن الأمة مجمعة عليه.
وروي عن أبي عبيد وأبي ثور أنهما قالا: تجزئ فيه الكفارة، وأما الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فقالوا بالعتق، وهو مذهب عامة علماء الأمصار.
وما يروى من أثر ليلى بنت العجماء أنها حلفت بالهدي والعتاق لتفرقن بين عبدها وأمتها، فأفتاها ابن عمر وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما بالكفارة، فهذا الأثر تختلف الألفاظ في روايته روي من عدة [طرق]، ومداره على أبي رافع مولى ليلى بنت العجماء، وبعضهم يذكر فيه العتق وبعضهم لا يذكره، وقد ذكرنا عنه عدة أجوبة في الكتاب المطول ظاهرة، وقد ذكر هذا الأثر الإمام أحمد، ولم يأخذ به، بل قال بلزوم العتق، وروى أثراً يعارضه عن عثمان بن حاضر، قال: حلفت امرأة من ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله وجاريتي حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء ذكره زوجها أن تفعله، فذكر ذلك لابن عمر وابن عباس فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها مالي في سبيل الله فلتتصدق بزكاة مالها.
وروي هذا الأثر من طرق وفيه أيضاً فتوى ابن الزبير وجابر بن عبد الله بذلك، فهؤلاء أربعة من الصحابة وعلمائهم أفتوا بالعتق.
وقد أخذ بهذا الأثر الإمام أحمد بن حنبل إمام هذا المبتدع في غير بدعته، ورد خبر ليلى بنت العجماء.
وقال الشيخ موفق الدين المقدسي الحنبلي: إن أحمد رضي الله عنه قال في خبر ليلى بنت العجماء: إن الصحابة قالوا لها: كفِّري يمينك واعتقي جاريتك، وقال: هذه زيادة يجب قبولها، فاتفق الخبران على لزوم العتق.
وقول عائشة: (كل يمين ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين) يدل على أنها لا ترى في العتق كفارة.
________________________________________
وقال الشافعي رضي الله عنه لما ذكر الكفارة في نذر اللجاج والغضب إن هذا مذهب عائشة وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من قال هذا يقوله في كل ما يحنث فيه سوى العتق والطلاق.
فالشافعي قد نقل عن عائشة والصحابة القائلين بالكفارة في نذر اللجاج والغضب أنهم لا يقولون بالكفارة في العتق والطلاق.
ثم إذا قلنا بالقول الشاذ الضعيف في إيجاب الكفارة في العتق فسببه أن العتق قربة، فإذا التزمه فقد التزم قربة على تقدير المخالفة، كما التزمها بالنذر الذي يخرج مخرج اليمين تجزئه الكفارة؛ لكونه قربة ملتزمة على تقدير الحنث، فشبهوه باليمين من هذا الوجه كما قدمنا؛ لكونه التزم قربة لله إن خالف ترك تعظيم حق لله فيها، وهذا المعني موجود في التزام العتق فقالوا فيه بالكفارة، هذا توجيه المذهب الشاذ.
ومن هنا يخرج الفرق بينه وبين الطلاق، فإن الطلاق يعلَّق ويقع معلقاً كما يقع منجَّزاً بالإجماع، فإذا علَّقه على وجه اليمين فهو لفظ تعليق، ولفظ التعليق في الطلاق نافذ، وما عرض له من معنى اليمين لا يؤثر في إيجاب الكفارة، لأن الطلاق ليس قربة حتى يقال: التزم قربة إن تركها عند الحنث لم يعظم حق الله فيها، كما أنه إذا حلف باسمه فخالف لم يعظم حرمة اسمه، فلم تجب الكفارة فيه؛ لأنها شرعت هناك للجبر في حرمة اسم الله وفي القربة إليه، وليس كذلك في الطلاق فنفذ تعليقه على وجهه.
________________________________________
ومن وجه آخر أنَّا إذا أوجبنا الكفارة في باب القربة أمكننا أن نوجبها على وجه التخيير فنقول: قد لزمك ما التزمت من القربة، فان شئت أن تقوم به فلك، وإن شئت أن تخرج منه بكفارة يمين فلك، وأما الطلاق فلا يقع مخيراً إن شاء أمضاه بعد وقوعه وإن شاء دفعه بكفارة، هذا لا يقوله عاقل ولا من مارس الشريعة ولا من فهم مقاصدها، فإن الطلاقَ حَلُّ قيد النكاح، فإذا انحلَّ فليت شعري ماذا عقده بعد حلّه، ولا سيما في يمين الثلاث وقد قال الله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل به من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
فلو فكَّر المسكين في منتهى قوله لاستحيا من الله ومن الناس، ولكن غَطَّى عليه الهوى ومحبة الرياسة والطاعة وقبول الكلمة !! اللهم أعذنا من هذه البلوى، وقنا شر الهوى وحظوظ النفوس برحمتك.
ثم إنا نقول: قد أجمعت الأمة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في أيمان الكفارة، فلا مَعدِلَ عن الإجماع، إذ لا يُعارض الإجماعُ بدليلٍ غيره، هذا أيضاً لم يقله أحد من المسلمين.
ثم إن هذه الأيمان التي ذكرناها هل تسمى أيماناً ؟
فيه خلافٌ، والأصح أنها لا تسمى أيماناً.
قال ابن عبد البر: وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند أهل التحصيل والنظر، وإنما هو طلاقٌ بصفةٍ أو عتقٌ بصفةٍ إذا أوقعه مُوقِعٌ وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء، كلٌّ على أصله.
وقول المتقدمين: (الأيمان بالطلاق والعتق) إنما هو كلامٌ خرج على الامتناع والمجاز والتقريب، وأما الحقيقة فإنما هو طلاقٌ على وصف وعتق على وصف ما، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عز وجل.
فقد تبيَّن خروج يمين الطلاق من الآية الكريمة.
وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم)، فإن هذا المبتدع تعلَّق بها بناء على أنَّ الكفارةَ وجبت في التحريم خاصَّةً، وأن الله سبحانه وتعالى جعله يميناً وأجراه مجرى اليمين في الكفارة.
________________________________________
ونبَّه على دخوله في الآية المذكورة قبلها، وهذا ليس كذلك؛ فإن هذه الواقعة قد قيل إنها في قصة ماريّة، وقيل في قصة العسل.
ومن العلماء من لم يذكر فيها يميناً بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم، وعلى هذا القول يخرج الجواب ممَّا تقدم.
والنبي صلى الله عليه وسلم توقف عن الكفارة حتى قال له الله سبحانه ما قال، فلو كان الحرام يسمى يميناً حقيقةً لعلم دخوله في الآية الأولى، فلمَّا احتاج إلى إعلام الله إياه دلَّ على أنه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي.
وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء، وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الإطلاق، فلا يدخل في الآية الكريمة إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي.
هذا على قول من يوجب الكفارة لكونه تحريماً، وأما من لم يقل بذلك فيقول: الكفارة ليمين بالله تعالى اقترنت بالتحريم.
وقد قال هذا المبتدع: من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم حَلَفَ مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحدٌ!!
وقد روى البيهقي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فجعل الحلال حراماً، وجعل في اليمين الكفارة.
وروى أبو داود مرسلاً عن قتادة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فدخلت فرأت معه فقالت: في بيتي وفي يومي!! فقال: (اسكتي فوالله لا أقربها وهي علي حرام).
وقد روى البيهقي مرسلاً أيضاً عن مسروق أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال: (هي علي حرام)، فنزلت الكفارة ليمينه، وأُمر أن لا يحرم ما أحل الله له.
________________________________________
وأما قصَّة العسل وهي أشهر في سبب نزول الآية، فروى البيهقي أن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فليقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب، ولن أعود له، فنزلت (لم تحرم ما أحل الله لك) إلى (إن تتوبا إلى الله) لعائشة وحفصة (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً) لقوله: بل شربت عسلاً.
قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن محمد، ورواه مسلم عن محمد بن حاتم، كلاهما عن حجاج.
قال البخاري: وقال إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريح عن عطاء في هذا الحديث: (ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً).
قال ابن عبد البر: وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك): والله لا أشرب العسل بعدها.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف بالله فالكفارة لليمين بالله.
وهذا معني قول عائشة: فجعل الحلال حراماً، وجعل في اليمين الكفارة، فلم تكن الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى، ولا يحتاج إلى الجواب عن الآية والله أعلم.
________________________________________
[الخاتمة]
فهذه لمعة إقناعية لمن نظرها بعين الإنصاف، ووراء هذا من الأبحاث العقلية والمنقولات الصحيحة والنظر الفقهي ما لا يسعه إلا كتاب مطوَّل.
وقد ذكرنا في كتابنا في الردِّ عليه كثيراً منها ومن دقيقها طرد الباب كلِّه وجعل إيقاع الطلاق في اليمين بالطلاق نظيرَ إيجاب الكفارة في اليمين بالله تعالى عند الحنث، ومقتضى قياسه، فالعلةُ التي أوجبت ثبوت الكفارة في اليمين بالله تعالى هي بعينها التي اقتضت إيقاع الطلاق وإيقاع العتق عند الحنث.
هذا ما لا يفهمه إلا الفقيه المحقق، ولا يدركه من دأبه التخبيط والهذر، وهو في التحقيق على مفاوز.
أعاذنا الله من هوى يسد باب الإنصاف، ويصدُّ عن جميل الأوصاف بمنِّه وكرمه.
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
________________________________________
________________________________________

الكتاب : البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف تأليف : السيد حسن بن علي السقاف

الكتاب : البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف
تأليف : السيد حسن بن علي السقاف
الناشر : مكتبة الإمام النووي – عمَّان

البشارة والإتحاف
حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 1 ]
البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف أو النقول الواضحة الجلية في عرض إنكار الألباني في العقيدة على ابن تيمية عرض الخلاف الواقع بين أدعياء السلفية في العقيدة وبعض الفروع كأمثال ابن تيمية وابن القيم و الشوكاني والألباني وبعض أتباع هذه الطائفة الحرانية بقلم حسن بن علي السقاف عفا الله عنه
________________________________________
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
________________________________________
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون . يا ايها الناس اتقوا ربكم ، الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ، ان الله كان عليكم رقيبا . يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .
________________________________________
[ 4 ]
________________________________________
اما بعد : فهذه رسمالتنا المسماة ب‍ ” النقول الواضحة الجلية في عرض انكار الالباني في العقيدة على ابن تيمية ” عرض فيها بعض ما وقفت عليه من مسائل عقائدية في التوحيد وقع الخلاف فيها بين ابن تيمية والالباني بشكل خاص وغيرهما من باقي اصحابهما بشكل عام . كما اعرض فيها بعض مسائل الفروغ التي وقع الخلاف فيها بين من ذكرنا وهي قليلة هنا . وكان السبب في تأليفها انني التقيت بشاب الباني المشرب فقال لي : لماذا تخالف الامام ابن تيمية في بعض مسائل العقيدة وتشنع عليه ؟ ! فقلت له : هذا السؤال يجب ان توجهه إلى شيخك لم الالباني قبل ان توجهه لي فإنه هومن جملة المشنعين والرافضين لبعض عقائد ابن تيمية في مسائل عديدة ربما لو جمعها الانسان زادت على مائتي مسألة ! فقال : معقول ؟ ! يا ليتي لم قف عليها . فقلت له انا اكتب لك رسالة في بعضها ثم اتفرغ بإذن الله تعالى لتجميعها كلها ووضعها في كتاب كبير أعرض لك فيه جميع
________________________________________
[ 5 ]
________________________________________
المسائل العقائدية التي وقع الخلاف فيها بين مثل ابن تيمية وابن القيم والشوكاني ومن يقلدهم أو كان على مشربهم كالالباني وبعض من يدعي السلفية ! ! هداهم الله تعالى الى الحق والى الطريق المستقيم فشرعت في هذه الرسالة الموجزة والله تعالى الموفق . وانني اوجه اولا سؤالين لهذا الشاب وامثاله هداه الله تعالى ارجو ان يجيب نفسه عليهما ان خلا بنفسه إذا كان لا يريد ان يجيبنا على الملا فاقول له : ما هو رايك في كل مسالة من هذه المسائل التي سأعرضها وخصوصا مسائل اصول الاعتقاد ! من الذي اصاب العقيدة الصحيحة فيها – ابن تيمية أو الالباني – ومن الذي يستحق بذلك دخول الجنة ! ومن الذي اخطا العقيدة الصحيحة منهما ولا يستحق دخول الجنة ؟ ! ! فإذا قلت : ان المخطئ منهما في هذه المسائل العقائدية ماجور – مع ان هذا عند اهل الحق وعلماء اهل السنة مرفوض لان اصول العقائد لا اجتهاد فيها – فاقول لك : لماذا لا تقول بان مخالفك – كما تزعم – في العقيدة وهم السادة
________________________________________
[ 6 ]
الاشاعرة وهم جمهور اهل السنة ماجورون ايضا ؟ ! ! ام انها حلال لكم حرام على غيركم ؟ ! !
________________________________________
[ 7 ]
– 1 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية والالباني في قضية قدم العالم بالنوع وحوادث لا اول لها وهي من مسائل اصول الاعتقاد ذكر ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه بان الحوادث لا اول لها مع كونها مخلوقة لله تعالى ! ! من تلك المواضع الكثيرة قوله : 1 – في (موافقة صحيح منقوله لصريح معقوله) على هامش (منهاج سنته) (1 / 245) ما نصه : (قلت : هذا من نمط الذي قبله ، فان الازلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث) اه‍ . 2 – وفي كتابه (شرح حديث عمران بن حصين) صحيفه (193) ما نصه : (وان قدر ان نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله) اه‍ .
________________________________________
________________________________________
[ 8 ]
3 – وقال ابن تيمية ايضا في (موافقة صحيح منقوله لصريح معقوله) (2 / 75) ما نصه : (واما اكثر اهل الحديث ومن وافقهم فانهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما) اه‍ . قلت : وقد اثبت العلماء ذلك على ابن تيمية (1) ومنهم الحافظ ابن حجر في (شرح صحيح البخاري) (13 / 410) إذ قال عند ذكره لحديث (كان الله ولا شئ معه) ما نصه) ما نصه : (وهو اصرح في الرد على من اثبت حوادث لا اول لها من رواية الباب ، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية ، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس ، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق) . انتهى من (الفتح) فتأمل .
________________________________________
(1) ولا يمكن التفلت من هذا الامر أو انكاره وقد بسطناه بسطا موسعا في رسالتنا (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فارجع إليها فانها مهمة جدا .
________________________________________
[ 9 ]
وقال في هذه المسالة الحافظ ابن دقيق العيد ايضا كما في (الفتح) (12 / 202) ما نصه : (وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل الى الفلسفة (2) فطن ان المخالف في حدوث العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع ، وتمسك بقولنا ان منكر الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع ، قال : وهو تمسك ساقط اما عن عمى في البصيرة أو تعام ، لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر بالنقل) اه‍ من الفتح فتأمل . وقد انكر ابن تيمية في (نقد مراتب الاجماع) ص (168) ان
________________________________________
________________________________________
(2) ينبغي التنبيه هنا الى ان ابن تيمية كان معاصرا للحافظ ابن دقيق العيد قائل هذه العبارة ، لا سيما والحافظ الذهبي يقول في رسالته (زغل العلم) ص (23) عند الكلام على المنطق والفلسفة وما اشبه ذلك : (فما اظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها وقد رايت ما آل امره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل ان يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكسوفا . . .) اه‍
________________________________________
[ 10 ]
يكون هناك اجماع على (ان الله لم يزل وحده ولا شئ معه غيره) وقد رد كلام ابن تيمية هذا الامام المحدث العلامة الكوثري رحمه الله تعالى هناك بما يليق به . رد الالباني لعقيدة ابن تيمية هذه واعلانه رفضها : قال الالباني في (صحيحته) (1 / 208) عن حديث : (ان اول شئ خلقه الله تعالى القلم ما نصه : (وفيه رد ايضا على من يقول بحوادث لا اول لها ، وانه ما من مخلوق الا ومسبوق بمخلوق قبله ، وهكذا الى ما لا بداية له ، بحيث لا يمكن ان يقال : هذا اول مخلوق ، فالحديث يبطل هذا القول ويعين ان القلم هو اول مخلوق ، فليس قبله قطعا اي مخلوق ، ولقد اطال ابن تيمية . . . الكلام في رده على الفلاسفة محاولا اثبات حوادث لا اول لها ، وجاء في اثناء ذلك بما تحار فيه العقول ، ولا تقبله اكثر القلوب) . ثم قال الالباني بعد ثلاثة اسطر : (فذلك القول منه غير مقبول ، بل هو مرفوض بهذا الحديث ، وكم
________________________________________
[ 11 ]
________________________________________
كنا نود ان لا يلج ابن تيمية . . . هذا المولج ، لان الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام . . . .) انتهى . فتأمل ! ! وقال الالباني في (شرحه المختصر) للعقيدة الطحاوية (طبع المكتب الاسلامي الطبعة الاولى (1398 ه‍ – 1978 م) ص (35) ما نصه : (فاني اقول الان : سواء كان الراجح هذا ام ذلك ، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على ان العلماء اتفقوا على ان هناك اول مخلوق ، والقائلون بحوادث لا اول لها مخالفون لهذا الاتفاق ، لانهم يصرحون بان ما من مخلوق الا وقبله مخلوق ، وهكذا الى ما لا اول له ، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه ، فان قالوا العرش اول مخلوق ، كما هو ظاهر كلام الشارح ، نقضوا قولهم بحوادث لا اول لها . وان لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق : فتأمل هذا فانه مهم ، والله الموفق) اه‍ . فالان لم نصغي في تصحيح هذه المسالة العقائدية التي هي
________________________________________
[ 12 ]
من اصول الدين لابن تيمية ام للالباني ؟ ! ! ومن الذي اخطا منهما ؟ وهل ادركتم الخلاف الواقع بينهما في هذه المسالة التوحيدية ؟
________________________________________
[ 13 ]
– 2 – ابن تيمية يقول (ان النار تفنى) والالباني يخطئه فيها ويقول انها لا تفنى وهي مسالة عقائدية خطيرة ثبت ان ابن تيمية يقول بفناء النار ويدعي ان في المسالة نزاعا معروفا عن التابعين ومن بعدهم فيها ، والكل منا يعرف ان هذه المسالة من مسائل العقيدة ، لانها لا تذكر في باب الوضوء من كتب الفقه ولا في باب الحيض والنفاس ولا في غير ذلك من الابواب كالاجارة والنكاح وغيرها ! ! فاذن هي من مسائل اصول الاعتقاد ومع ذلك جرى الخلاف فيها بين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من جهة وبين الالباني من جهة اخرى . واليك ذلك باختصار : 1 – قال الالباني في مقدمة كتاب (رفع الاستار لابطال ادلة القائلين
________________________________________
[ 14 ]
________________________________________
بفناء النار) لمحمد بن اسماعيل الامير الصنعاني (3) ص (7) ما نصه : [ فاخذت في البطاقات نظرا وتقليبا ، عما قد يكون فيها من الكنوز بحثا وتفتيشا ، حتى وقعت عيني على رسالة للامام الصنعاني ، تحت اسم (رفع الاستار لابطال ادلة القائلين بفناء النار) . في مجموع رقم الرسالة فيه (2619) ، فطلبته ، فإذا فيه عدة رسائل ، هذه الثالثة منها . فدرستها دراسة دقيقة واعية ، لان مؤلفها الامام الصنعاني رحمه الله تعالى رد فيها على شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ميلهما الى القول بفناء النار ، باسلوب علمي رصين دقيق ، (من غير عصبية مذهبية . ولا متابعة اشعرية ولا معتزلية) كما قال هو نفسه رحمه الله تعالى في آخرها . وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ اكثر من عشرين سنة بايجاز في (سلسلة الاحاديث الضعيفة) في المجلد الثاني منه (ص 71 – 75) بمناسبة تخريجي فيه بعض الاحاديث المرفوعة ، والاثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا إليه من القول بفناء النار ، وبينت هناك وهاءها وضعفها ، وان لابن القيم قولا آخر ، وهو ان النار لا تفنى ابدا ،
________________________________________
(3) طبع المكتب الاسلامي الطبعة الاولى 1405 ه‍ . (*)
________________________________________
[ 15 ]
________________________________________
وان لابن بيمية قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار . وكنت توهمت يومئذ انه يلتقي فيها مع ابن القيم في قوله الاخر ، فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم ، ان الرد المشار إليه ، انما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون من قال بفناء النار ! وانه هو نفسه – اعني ابن تيمية – يقول : بفنائها ، وليس هذا فقط بل وان اهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ! وذلك واضح كل الوضوح في الفصول الثلاثة التي عقدها ابن القيم لهذه المسالة الخطيرة في كتابه (حادي الارواح الى بلاد الافراح) (2 / 167 – 228) ، وقد حشد فيها (من خيل الادلة ورجلها ، وكثيرها وقلها ، ودقها وجلها ، واجري فيها قلمه ، ونشر فيها علمه واتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل ، واستنفر كل قبيل وجيل) كما قال المؤلف رحمه الله ، ولكنه اضفى بهذا الوصف على ابن تيمية ، وابن القيم اولى به واحرى لاننا من طريقه عرفنا راي ابن تيمية ، في هذه المسالة ، وبعض اقواله فيها ، واما حشد الادلة المزعومة وتكثيرها ، فهي من ابن القيم وصياغته ، وان كان ذلك لا ينفي انه
________________________________________
[ 16 ]
________________________________________
تلقى ذلك كله أو جله من شيخه في بعض مجالسه ] اه‍ . فتأملوا ! ! وقال الالباني ايضا في مقدمة (رفع الاستار) ص (25) ما نصه : [ فكيف يقول ابن تيمية : (ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة) ! فكان الرحمة عنده لا تتحقق الا بشمولها للكفار المعاندين الطاغين ! اليس هذا من اكبر الادلة على خطا ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسالة الخطيرة ؟ ! . ] انتهى كلام الالباني . قلت : ومن رجع الى كتاب (حادي الارواح) لابن القيم ، وما كتبه الالباني في مقدمة (رفع الاستار) يتحقق ان الالباني مخالف لابن تيمية وابن القيم ومن تبعهما في هذه المسالة العقائدية التي وصفها بانها خطيرة ، لا سيما وقد صرح بقوله كما تقدم : (اليس هذا من اكبر الادلة على خطا ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسالة الخطيرة ؟ !) . ومن العجيب الغريب اننا رأينا في هذه الايام كتابا لرجل معاصر مقلد لابن تيمية وهو يرد فيه على الالباني تعديه بزعمه ! ! على
________________________________________
[ 17 ]
________________________________________
ابن القيم وابن تيمية سماه (القول المختار لبيان فناء النار) واسم مؤلفه : عبد الكريم صالح الحميد (طبع مطبعة السفير – الرياض الطبعة الاولى 1412 ه‍) ويمكننا ان نجمل ما في الكتاب بنقل خلاصته المهمة وهي من ص (13 – 14) : قال عبد الكريم صالح الحميد – مقلد ابن تيمية – في رده على الالباني ما نصه : [ فصل : الباعث لكلامنا في هذه المسالة : كنت اسمع من يقول : في كتب ابن القيم اشياء ما تصلح مثل حادي الارواح وغيره ، والبعض يقول : لعل ذلك قبل اتصاله بشيخه أو انه دخل عليه من ابن عربي ولا ادري ما المراد ولكني انفي ان يكون في كتب ابن القيم شئ ما يصلح ! حتى وصلت الى نسخة (رفع الاستار) للصنعاني وفيها مقدمة الالباني وتعليقه ، فلما قرات المقدمة عرفت السر الذي من اجله تكلم من تكلم بكتب ابن القيم فقد رايت تهجما عنيفا من الالباني على الشيخ وتلميذه لاصبر عليه حيث قال : – سقطا بما سقط به اهل البدع والاهواء من الغلو في التأويل وان
________________________________________
[ 18 ]
ابن القيم انتصر لشيخه في ذلك . – وان ابن تيمية يحتج لهذا القول بكل دليل يتوهمه ويتكلف في الرد على الادلة المخالفة له تكلفا ظاهرا . وقال : – حتى بلغ بهما الامر الى تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه كما يفعل المعتزلة تماما . حتى زعم ان تأويل المعتزلة والاشاعرة لايات واحاديث الصفات كاستواء الله على عرشه ونزوله الى السماء ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من التأويل ايسر من تأويل ابن القيم النصوص من اجل القول بفناء النار . وقال : فهذا شيخ الاسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولا لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه . وغير ذلك من طعن الالباني وقدحه على الشيخ وتلميذه في مقدمة (رفع الاستار) . فلذلك كتبت في المسالة دفاعا عنهما وبيانا بان الحق معهما (4) وانا على بصيرة من ذلك حيث دعوت للمباهلة من اول المسالة .
________________________________________
________________________________________
(4) اي ان هذا المؤلف يقول بفناء النار ايضا ! ! فما حكم الالباني عليه ! ! (*)
________________________________________
[ 19 ]
ولو غلط الشيخ وتلميذه في هذه المسالة لم يوجب ذلك ولا بعض ما قاله الالباني كيف والحق والصواب معهما في ذلك ، وقد تكلما فيه دفاعا عن الاسلام كما تقدم فرضي الله عنهما وجزاهما خير الجزاء . فانا اهيب بمن تعجل في الانكار ان يراجع الصواب ويدع الاصرار ] . انتهى كلام خصم الالباني عبد الكريم الحميد فتأملوا ! ! وهناك خصم آخر لعبد الكريم صالح الحميد يدرس في جامعة ام القرى بمكة صنف رسالة سماها (كشف الاستار لابطال ادعاء فناء النار) حاول ان ينفي فيها القول بفناء النار عن ابن تيمية ، مع انه ثابت عنه كالشمس كما قال الالباني حفظه الله ! ! ومنه يتبين انهم يموجون في العقيدة ويضطربون كاضطراب الريح ! ! وهم متنازعون في هذه المسالة الاعتقادية ! ! فنقول الان اين الحق في هذه المسالة العقائدية هل هو عند ابن تيمية وابن القيم القائلين بفناء النار ام عند الالباني القائل ببقائها ؟ ! ! ولماذا يختلف هؤلاء في اصول العقيدة فيما بينهم وينعون على
________________________________________
[ 20 ]
غيرهم الاختلاف والمباينة عنهم في اصول عقيدتهم ؟ ! ! [ تنبيه مهم ] : ينبغي ان نعلم ان القول بفناء النار هو راي الجهم بن صفوان كما تجد ذلك في (لسان الميزان) (2 / 334 السطر الرابع من اسفل الطبعة الهندية) في ترجمة ابي مطيع البلخي ، فالجهم بن صفوان هو سلف من يقول بفناء النار ! !
________________________________________
[ 21 ]
________________________________________
– 3 – فصل ابن تيمية يثبت استقرار الله على العرش ويجوز استقراره على ظهر بعوضة والالباني يخالف عقيدة الاستقرار هذه ويعتبرها بدعة اعلم ان ابن تيمية يقول باستقرار الله – سبحانه وتعالى عما يقول على العرش ، والالباني يخالف ذلك فيقول بانه لا يجوز اعتقاد الاستقرار واليك ذلك مختصرا : قال ابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية) (1 / 568) : (ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم اكبر من السموات والارض ، فكيف على عرش عظيم اكبر من السموات والارض ، فكيف تنكر ايها النفاج ان عرشه يقله . . . .) (5) .
________________________________________
لايستطيع اي انسان عاقل ان ينكر ذلك ، ولا ان يقول ليس هذا كلام ابن تيمية انما هو نقل ، وذلك لان ابن تيمية مقر مقرر لهذا الكلام لم ينكره بل هو حاض عليه ! ! فقد ذكر ابن القيم في كتابه (اجتماع الجيوش الاسلامية) ص (88) طبعة = (*)
________________________________________
[ 22 ]
وكذلك صرح بلفظة الاستقرار التي لم ترد في كتاب ولا في سنة ابن عثيمين حيث قال في (شرح لمعة الاعتقاد) ص (41) : (وهو استواء حقيقي معناه العلو والاستقرار . . .) اه‍ . رد الالباني على ذلك : قلت : وقد رد الالباني عقيدة الاستقرار هذه التي يقول بها ابن تيمية ومقلدوه بكل صراحة في مقدمة (مختصر العلو) ص (17 الطبعة الاولى) 1401 ه‍ حيث قال : [ ولست ادري ما الذي منع المصنف – عفا الله عنه – من الاستقرار على هذه القول ، وعلى جزمه بان هذه الاثر منكر كما تقدم
________________________________________
________________________________________
= هندية ما نصه : (كتابا الدارمي – النقض على بشر المريسي والرد على الجهمية – من اجل الكتب المصنفة في السنة وانفعها ، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والائمة ان يقرا كتابيه ، وكان شيخ الاسلام ابن تيمية . . . يوصى بهما اشد الوصية ويعظمهما جدا ، وفيهما من تقرير التوحيد والاسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما) اه‍ . وقد اثبت هذه الفقرة حامد الفقي على خلف صفحة الغلاف الداخلي لكتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) فتنبه . (*)
________________________________________
[ 23 ]
عنه ، فانه يتضمن نسبة القعود على العرش لله عزوجل ، وهذا يستلزم نسبة الاستقرار عليه لله تعالى وهذا مما لم يرد ، فلا يجوز اعتقاده ونسبته الى الله عزوجل ] اه‍ . فتأملوا جيدا ! ! فهل الحق في هذه المسالة والصواب مع ابن تيمية الذي يثبت الاستقرار ام مع الالباني الذي ينفيه ؟ ! ! ولماذا يختلفان في هذا الاصل العقائدي الخطير ؟ ! ! ومن منهما الذي اصابه في توحيد الاسماء والصفات والاختلال ؟ ! !
________________________________________
[ 24 ]
– 4 – فصل ابن تيمية وابن القيم يقولان بقعود الله على العرش والالباني ينكر عقيدة القعود قال الحافظ أبو حيان في تفسيره (النهر الماد) (6) (1 / 254) ما نصه : [ وقرات في كتاب لاحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش : ان الله تعالى يجلس على الكرسي وقد اخلي منه مكانا يقعد فيه معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحيل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري وكان اظهر انه داعية له حتى اخذه منه وقرانا ذلك فيه ] . اه‍ فتأمل ! ! قلت : كتاب العرش هذا غير الرسالة العرشية المطبوعة .
________________________________________
(6) طبع دار الفكر / معتمد الطباعة والنشر والتوزيع : دار الجنان ومؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الاولى 1407 ه‍ 1987 م . (*)
________________________________________
________________________________________
[ 25 ]
وقد اثبت هذه العقيدة ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) (4 / 39) حيث قال : [ فائدة : قال القاضي : صنف المروزي كتابا في فضيلة النبي (صلى الله عليه وسلم) وذكر فيه اقعاده على العرش . . . ] ثم قال ابن القيم بعد : قلت : وهو قول ابن جرير الطبري وامام هؤلاء كلهم مجاهد امام التفسير وهو قول ابي الحسن الدارقطني ، ومن شعره فيه : حديث الشفاعة عن احمد * الى احمد المصطفى مسنده وجاء حديث باقعاده * على العرش ايضا فلا نجحده امروا الحديث على وجهه * ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروه انه قاعد * ولا تنكروا انه يقعده (7) ] انتهى كلام ابن القيم من كتابه (بدائع الفوائد) .
________________________________________
(7) ما شاء الله على هذه العقيدة ! ! وهنيئا لك يا ابن القيم بها ! ! الا يعتبر هذا من الاطراء المذموم الذي ينهى من يدعي السلفية غيرهم عنه ؟ ! ! والذي نهانا عنه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ؟ ! ! والذي فيه التشبيه بعقيدة النصارى القائلين ان لله ولد ! ! = (*)
________________________________________
[ 26 ]
انكار الالباني لذلك ورده عليه : اعلم ان الالباني رد هذه العقيدة في مقدمة (مختصر العلو) ص (20) حيث قال : [ قلت : وقد عرفت ان ذلك لم يثبت عن مجاهد ، بل صح عنه ما يخالفه كما تقدم . وما عزاه للدارقطني لا يصح اسناده كما بيناه في (الاحاديث الضعيفة) (870) (8) واشرت الى ذلك تحت ترجمة الدارقطني الاتية . وجعل ذلك قولا لابن جرير فيه نظر ] .
________________________________________
________________________________________
= ورحم الله البوصيري حيث قال : دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ومن المؤسف له جدا ! ! ان بعض المعاصرين الذين لا يميزون بين النقير والفتيل ! ! يذكر هذا عن ابن القيم ويعتبرها خصوصية عجيبة وغريبة ! ! في اللغرابة ويا للعجب ! ! ولاحول ولا قوة الا بالله ! ! (8) قلت : الصواب برقم (865) من الطبعة الثانية سنة (1404 ه‍) والنظر التعليقات على كتاب (البرهان في رد البهتان والعدوان) [ الذي نشره المكتب الاسلامي / زهير الشاويش / باشراف اعضاء قسم التصحيح في المكتب الاسلامي / الطبعة الاولى 1413 ه‍ ] ص (37) وتامل . (*)
________________________________________
[ 27 ]
ثم قال الالباني في آخر تلك الصحفية : [ وخلاصة القول : ان قول مجاهد هذا – وان صح عنه – لا يجوز ان يتخذ دينا وعقيدة ، ما دام انه ليس له شاهد من الكتاب والسنة ، فياليت المصنف إذ ذكره عنه جزم برده وعدم صلاحيته للاحتجاج به ، ولم يتردد فيه ] . انتهى كلام الالباني فتأمل ! ! فالان من هو المحق ابن تيمية وابن القيم اللذان يثبتان قعود الله على العرش واقعاد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة بجنبه ام الالباني النافي لذلك الذي يقول : (لا يجوز ان يتخذ هذا – دينا وعقيدة) ؟ ! ! تفكروا في الامر جيدا ! ! وافيدونا يرحمكم الله ؟ ! !
________________________________________
[ 28 ]
________________________________________
– 5 – فصل الالباني يصف ابن تيمية بانه جرئ على تكذيب الحديث الصحيح اورد ابن تيمية حديثا في (منهاج سنته) (4 / 86) فيه فضل سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه وارضاه ، فادعى بانه لم يصح اعتمادا على ابن حزم حيث قال ابن تيمية : [ واما قوله : (من كنت مولاه فعلي مولاه) فليس هو في الصحاح ، لكن هو مما رواه العلماء ، وتنازع الناس في صحته . . . ] ثم قال نقلا عن ابن حزم بزعمه ! ! : [ قال : واما (من كنت مولاه فعلي مولاه) فلا يصح من طريق الثقات اصلا ] . اه‍ قلت : هذا الحديث متواتر نص الذهبي على ذلك في (سير اعلام النبلاء) (8 / 335) .
________________________________________
[ 29 ]
رد الالباني على ابن تيمية في هذه المسالة : قال الالباني في (صحيحته) (5 / 263) : [ فمن العجيب حقا ان يتجرا شيخ الاسلام ابن تيمية على انكار هذا الحديث وتكذيبه في (منهاج السنة) (4 / 104) كما فعل بالحديث المتقدم هناك ] . ثم قال في الاخير : [ فلا ادري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ، الا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة . . . ] . انتهى كلام الالباني فتأمل ! ! [ تنبيه مهم جدا ] : الالباني لا يعول على تصحيح ابن تيمية ولا على تضعيفه للاحاديث بل ينصح طلاب العلم ان لا يعولوا عليه ايضا ويؤكد الالباني عليهم ذلك ومن امثلته : قوله في (صحيح الكلم الطيب) لابن تيمية (صحيفة (4) الطبعة الرابعة 1400 ه‍) ما نصه :
________________________________________
[ 30 ]
________________________________________
(انصح لكل من وقف على هذا الكتاب أو غيره ن لا يبادر الى العمل بما فيه من الاحاديث الا بعد التاكد من ثبوتها ، وقد سهلنا له السبيل الى ذلك بما علقناه عليها ، فما كان ثابتا منها عمل به وعض عليه النواجذ والا فاتركه . . .) انتهى فتأمل ! ! فالالباني يقول بصراحة : ارجعوا لي في الحديث ولا ترجعوا الى شيخ الاسلام ! ! ! ابن تيمية ! ! فيا للعجب ! ! فعلى من ينبغي ان يعول طلاب العلم على تصحيحات وتضعيفات ابن تيمية ام الالباني ؟ ! !
________________________________________
[ 31 ]
– 6 – ابن تيمية ينكر المجاز وبعض المتعصبين له يبالغون فينكرون المجاز في القرآن والالباني يثبته اعلم يرحمك الله تعالى ان ابن تيمية انكر المجاز وبين بطلان تقسيم اللفظ الى حقيقة ومجاز كما اثبت بطلان قول من قال (ان اللفظ إذا لم يكن معه قرينة دل على انه حقيقة وان لم يدل الا معها فهو مجاز) وله في ذلك نصوص كثيرة منها قوله في كتاب (الايمان) ص (109) (9) : (وقولهم : اللفظ ان دل بلا قرينة فهو حقيقة ، وان لم يدل الا معها فهو مجاز ، فقد تبين بطلانه) اه‍ . وتلميذ ابن تيمية وهو ابن القيم يعتبر المجاز في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة طاغوتا فيقول (كما في
________________________________________
(9) طبع المكتب الاسلامي الطبعة الثالثة (1408 ه‍ – 1988) . (*)
________________________________________
[ 32 ]
________________________________________
مختصر الصواعق المرسلة اول الجزء الثاني ص 2) ما نصه . (فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الاسماء والصفات وهو طاغوت المجاز) ! ! مع ان اسم كتاب ابن القيم مجازي لان كتابه ليس صواعق ومن راجع قواميس اللغة لن يجد ان معنى صواعق هو كتاب أو مصنف لابن القيم ! ! مع ان ابن القيم متناقض ! ! في هذه المسالة لانه اثبت المجاز في القرآن وجاء له بامثلة وكذا في لغة العرب بكل توسع في كتابه (الفوائد المشوقة الى علوم القرآن وعلم البيان) . انظر (الفوائد المشوقة) من ص (10 – 12) وما بعدها ! ! وتامل ! ! فيا للعجب ! ! مخالفة الالباني لابن تيمية في هذا : قال الالباني في مقدمة (مختصر العلو) ص (23) في الحاشية ما نصه :
________________________________________
[ 33 ]
[ قرائن المجاز الموجبة للعدول إليه عن الحقيقة ثلاث : العقلية كقوله تعالى (واسال القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) اي اهلهما . ومنه : (واخفض لهما جناح الذل) الثانية : الفوقية مثل (يا هامان ابن لي صرحا) اي مر من يبني ، لان مثله مما يعرف انه لا يبني . الثالثة : نحو (مثل نوره) فانها دليل على ان الله غير النور . قال اهل العلم : وامارة الدعوة الباطلة تجردها عن احد القرائن ، انظر (ايثار الحق على الخلق) (ص 166 – 167) للعلامة المرتضى اليماني ] . انتهى فتأمل ! !
________________________________________
[ 34 ]
________________________________________
– 7 – فصل في عرض اختلافهم في اثبات الصورة في حديث (خلق الله آدم على صورة الرحمن) اعلم يرحمك الله تعالى ان ابن تيمية يقول بثبوت حديث (ان الله خلق آدم على صورة الرحمن) بهذا اللفظ في كتابه (التأسيس في رد اساس التقديس) وهذا الذي يتبناه اتباعه أو مقلدوه الان حتى الف احدهم وهو حمود التويجري كتابا في اثبات ذلك سماه : (عقيدة اهل الايمان في خلق آدم على صورة الرحمن) (10) ! ! وقرظه له عبد العزيز بن باز كما يجده مطالع الكتاب في الصفحات الاولى
________________________________________
(10) ولا اتصور ان هناك منزه أو موحد يتخيل ان سيدنا آدم عليه السلام وبالتالي ذريته التي تشبهه مخلوقة على صورة الرحمن سبحانه وتعالى ! ! وإذا لم تكن هذه العقيدة هي التشبيه والتجسيم بعينه فما ادري ما هو التشبيه والتجسيم بعد ذلك ! ! نسال الله تعالى الهداية . (*)
________________________________________
[ 35 ]
منه ! ! وعلى كل حال فالذي ينبغي علمه هنا ان حمود التويجري رد على الالباني تضعيفه لهذا اللفظ الوارد في الحديث الذي فيه (على صورة الرحمن) واثبته حيث قال ص (21) من الكتاب الانف الذكر : (وقد ادعى الالباني في تعليقه على كتاب السنة لابن ابي عاصم ان هذا المرسل اصح من الموصول ، وهذه دعوى لا دليل عليها فلا تقبل) . اه‍ وقال التويجري ص (22) ايضا : (والجواب عن هذ التعليل من وجوه احدها ان يقال : ان العلل التي ذكرها ابن خزيمة والالباني واهية جدا) . [ وقد نقل شيخ الاسلام أبو العباس ابن تيمية في كتابه الذي سماه (نقض اساس التقديس) ما رواه الخلال عن اسحاق بن راهوية ثم قال فقد صحح اسحاق حديث ابن عمر مسندا خلاف ما ذكره ابن خزيمة ] اه‍ . ثم قال ص (25) :
________________________________________
[ 36 ]
________________________________________
(فلا ينبغي ان يلتفت الى تضعيف ابن خزيمة له فضلا عن تضعيف الالباني له تقليدا لابن خزيمة . . .) اه‍ رد الالباني على ذلك صريحا : قلت : اورد هذا الحديث الالباني في (ضعيفته) المجلد (3) برقم (1175) و (1176) وحكم على الاول بانه منكر وعلى الثاني بانه ضعيف ثم ختم بحثه في الحديث الثاني بقوله : (وهو ضعيف من طريقيه ، ومتنه منكر لمخالفته للاحاديث الصحيحة) اه‍ . فتأملوا ! !
________________________________________
[ 37 ]
– 8 – فصل في عرض الخلاف بينهم في معية الله تعالى فبعضهم يقول هو مع خلقه حقيقة وبعضهم ينفي ذلك ويراه بدعة اثبت ابن تيمية ومن تبعه بان صفة العلو أو الفوقية فوقية حقيقية وان معية الله تعالى لخلقه بالعلم ، فقال في كتابه (الرد على اساس التقديس) (1 / 111) : (والباري سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة) اه‍ . وقد اختلف في ذلك اثنان من اتباع ابن تيمية أو مقلديه واليك ذلك : قال ابن عثيمين في كتابه الذي سماه : (عقيدة اهل السنة
________________________________________
[ 38 ]
والجماعة) (11) ص (9) ما نصه : (ومن كان هذا شانه كان مع خلقه حقيقة وان كان فوقهم على عرشه حقيقة (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير)) اه‍ . وقال في فتوى له – ابن عثيمين – بتاريخ 24 / 6 / 1403 ما نصه : (فعقيدتنا ان لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي احاطته بكل شئ علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا . . .) الخ . ثم قال : (قال مقررا له ومعتقدا له منشرحا له صدره ولله الحمد محمد الصالح العثيمين في 24 / 6 / 1403 ه‍) . وقد رد عليه المدعو علي بن عبد الله الحواس في رسالة سماها : (النقول الصحيحة الواضحة الجلية – عن السلف الصالح في معنى المعية الالهية الحقيقية) وهو مطبوع في الرياض مطابع الخالد ! ! وكذلك رد عليه عبد الله بن ابراهيم القرعاوي في رسالته
________________________________________
________________________________________
(11) طبع مكتبة المعارف / الرياض توزيع : دار الكتب السلفية بالازهر القاهرة . وفي مقدمتها تقريظ لابن باز وقد بلغنا ان مؤلف كتاب (عقيدة اهل الايمان) له كتاب في تحريم الاكل بالملاعق ! ! فسبحان قاسم العقول ! ! (*)
________________________________________
[ 39 ]
(الاقوال السلفية النقية ترد على من قال ان معية الله ذاتية) مطبوعة في (مطابع الخالد للاوفست) الرياض . فتأملوا ! ! رد الالباني على ذلك : قال الالباني في (شرحه وتعليقة) ! ! على العقيدة الطحاوية ص (28) ما نصه : (المعطلة الذين ينفون علوه تعالى على خلقه ، وانه بائن من خلقه . بل يصرح بعضهم بانه موجود بذاته في كل الوجود !) اه‍ قلت : فتأملوا الان كيف يثبت بعضهم لله تعالى معية ذاتية لخلقه وبعضهم ينفيها ويرد على من يقول بها ! ! فسبحان الله تعالى وبحمده ! !
________________________________________
[ 40 ]
– 9 – فصل في عرض اختلافهم في سماع الاموات ابن القيم يثبت ذلك تبعا لشيخه ابن تيمية والالباني ينفي ذلك ذكر ابن القيم في كتابه (الروح) في المسالة الاولى منه ان الميت يسمع سلام من يسلم عليه واحتج له باحاديث منها الحديث الصحيح المشهور الذي فيه : (ان الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه) (12) ثم قال : (فان السلام على من لايشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد علم النبي (صلى الله عليه وسلم) امته إذا زواروا القبور ان يقولوا : سلام عليكم اهل
________________________________________
(12) وهو في صحيحي البخاري ومسلم . (*)
________________________________________
[ 41 ]
________________________________________
الديار من المؤمنين والمسلمين ، وانا ان شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستاخرين ، نسال الله لنا ولكم العافية . وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع ، ويخاطب ، ويعقل ، ويرد ، وان لم يسمع المسلم الرد ، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه ، وعلموا صلاته ، وغبطوه على ذلك) انتهى كلام ابن القيم . رد الالباني على هذا الامر وانتلافه مع ابن القيم وابن تيمية فيه : قال الالباني في مقدمة كتاب نعمان الالوسي (الايات البينات في عدم سماع الاموات) الذي حققه ! وقدم له ! ص (أ) مانصه : [ اما بعد فهذه هي الطبعة الثالثة من كتاب (الايات البينات) للشيخ نعمان الالوسي . . . بتحقيقي وتخريجي ، في ثوب جديد ، زاه مشيب ، قام عليها الاخ الفاضل الاستاذ زهير الشاويش ، جزاه الله خيرا (13) ، رغبة منا في توسيع دائرة نشره وتوزيعه في البلاد
________________________________________
(13) هذا الثناء من الالباني عن الشاويش تراجع عنه وعاد ذاما له ! ! راجع الملحق الخاص آخر هذه الرسالة الذي فيه بعض ما يجري بينهما وكيف يكيد كل منهما للاخر ! ! (*)
________________________________________
[ 42 ]
الاسلامية ، بعدما تبين للعديد من اهل الفضل والعلم اهمية موضوعه ، واحتياج الجماهير الى الاطلاع عليه ، لا سيما من كان منهم لا يزال يعيش في أو حال الجاهلية الاولى ، من الاستغاثة بغير الله والاستعانة بالانبياء والصالحين الاموات وغيره من عباد الله ، متوهمين انهم يسمعونهم حين ينادون . . . . .) ! ! انتهى كلام الالباني . فهل يا استاد الباني تعتبر وتعد ابن القيم ايضا ممن كان يعيش في أو حال الجاهلية الاولى ؟ ! ! وهل كان الحق مع ابن القيم حينما اثبت سماع الاموات بالاحاديث الصحيحة ام الحق معك حينما نفيت سماع الاموات واولت تلك الاحاديث ؟ ! ! راجعوا رسالة (الاغاثة بادلة الاستغاثة) ! !
________________________________________
________________________________________
[ 43 ]
– 10 – فصل ابن تيمية يدعي بان المشبهة طائفة غير مذمومة والالباني يتظاهر بذم هذه الطائفة من اعجب ما قرانا قول ابن تيمية في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) أو (نقض اساس التقديس) ! ! (1 / 109) ما نصه : (وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام احد من الصحابة والتابعين . . .) اه‍ . وقال قبل ذلك ص (100 – 101) ناقلا مقرا : (والموصوف بهذه الصفات لا يكون الا جسما فالله تعالى جسم لا كالاجسام) . وقال ص (101) : (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول احد من سلف الامة وائمتها انه ليس بجسم ، وان صفاته ليست اجساما واعراضا ، فنفي المعاني الثابتة بالشرع بنفي الفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال) انتهى .
________________________________________
[ 44 ]
تظاهر الالباني بمخالفة ابن تيمية في هذه العقيدة : قلت : خالف الالباني ابن تيمية في هذه العقيدة فقال في (شرحه وتعليقه) ! ! على العقيدة الطحاوية ص (28) ذاما المشبهة والمجسمة ما نصه : (والمشبهة انما زلوا لغلوهم في اثبات الصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى (14) ، والحق بين هؤلاء وهؤلاء اثبات بدون تشبيه ، وتنزيه بدون تعطيل . وما احسن ما قيل : المعطل يعبد عدما ، والمجسم يعبد صنما) اه‍ وله عبارات غير ذلك يجدها من يبحث عنها ! ! فهل اصاب ابن تيمية حينما نفى ذم السلف للمجسمة ام اصاب الالباني عندما قال والمجسم يعبد صنما ؟ ! ! فاللهم هداك ! !
________________________________________
(14) كقولهم ان صورة آدم على أو مثل صورة الرحمن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) . (*)
________________________________________
[ 45 ]
________________________________________
– 11 – فصل ابن تيمية يثبت الحركة لله تعالى والالباني ينفيها مدعيا عدم ثبوتها قال ابن تيمية في كتابه (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (2 / 4) – المطبوع على هامش سنته – ما نصه : (وائمة السنة والحديث على اثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما ، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة ، وان ذلك هو مذهب ائمة السنة والحديث من المتقدمين والمتاخرين . . . .) . ثم قال : (وقال عثمان بن سعيد وغيره ان الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك ، وجعلوا نفي هذا من اقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف والائمة على تضليلهم وتبديعهم) اه‍ .
________________________________________
[ 46 ]
اقول : فهذا كلام صريح بسبك وترتيب غريب يبرهن على ان ابن تيمية يقول بعقيدة الحركة وان ذلك مذهب اهل السنة وان كل من نفاها فهو ضال مبتدع جهمي ! ! ! ويا هل ترى ما موقف الالباني من عقيدة الحركة هذه ؟ ! ! تصريح الالباني بعدم ثبوت الحركة ورده لهذه العقيدة : قال الالباني في مقدمة كتاب (مختصر العلو) ص (16) ناقلا كلام العلامة المحدث الكوثري مقرا له ما نصه : [ (ويقولون في الله ما لا يجوزه الشرع ولا العقل من اثبات الحركة له (تعالى) والنقلة (ويعني بهما النزول) والحد والجهة (يعني العلو) والقعود والاقعاد) فيعني هذا الذي نحن في صدد بيان عدم ثبوته . ] اه‍ فتدبروا ! ! فهل يعتقد احد ثبوت لفظ الحركة صفة لله تعالى ؟ ! ! والسلف يقولون : (لا نصف الله الا بما وصف به نفسه) ؟ ! واين لفظة (الحركة) في القرآن الكريم أو السنة المطهرة ؟ ! ! اللهم هداك ! !
________________________________________
[ 47 ]
________________________________________
– 12 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية والذهبي والالباني في مسالة الحد كان الذهبي في اول حياته ايام شبابه في سن (العشرينات) قد تأثر بابن تيمية فصنف بعض التصانيف التي فيها ما يؤيد فكر ابن تيمية ، ثم رجع عن اكثر ذلك في كتبه المتأخرة وخاصة (سير اعلام النبلاء) اما كتابه (العلو) فقد الفه وهو ابن خمس وعشرين سنة اي قبل وفاته بنحو خمسين سنة ، ولذلك نجده يخالف ما فيه كما يخالف ايضا ابن تيمية بل يرد عليه ويخطئه في كثير من المواضع في (سير اعلام النبلاء) ، وما رسالة (زغل العلم والطلب) و (النصيحة الذهبية) (15) عنا ببعيد .
________________________________________
(15) وهذه الرسالة ثابتة رغم انف من يحاول نفيها ! ! ورغم انف من يقول بانها ليست من تصانيف الذهبي ! ! وهي تقع في ورقة واحدة وهي مشهورة باسم القبان . ذكرها الحافظ السخاوي في كتابه (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) طبعة دار الكتب العلمية ص (307) . (*)
________________________________________
[ 48 ]
________________________________________
ومن تلك المسائل التي وقع الخلاف اخيرا فيها بين ابن تيمية ومقلده الالباني وبين الذهبي مسالة اثبات الحد لله سبحانه وتعالى عما يقولون ويصفون ، فابن تيمية يثبتها ويكفر منكر الحد لله تعالى والذهبي ينكرها في آخر حياته بل ويعتبر اثارتها قبل ذلك بدعة واليك ذلك موضحا : قال ابن تيمية في (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (2 / 29) المطبوع على هامش (منهاج سنته) ما نصه : (فهذا كله وما اشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله) . فهذا نص صريح من ابن تيمية فيه تكفير كل من لم يعترف أو يؤمن بالحد ، ومقابل هذا نجد الحافظ الناقد الذهبي يقول في (سير اعلام النبلاء) (16 / 97) ما نصه : (وتعالى الله ان نحد أو يوصف الا بما وصف به نفسه ، أو علمه رسله بالمعنى الذي اراد بلا مثل ولا كيف (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) . اه‍ فتأملوا ! !
________________________________________
[ 49 ]
وتحايد الالباني المسالة لانه لم يفهمها جيدا فمر بها في تخريجه (لشرح الطحاوية) فلم يعلق بشئ ! ! والمنقول لنا عنه من طرق عن بعض مريديه ! ! انه ينكر الحد كالحافظ الذهبي فالله تعالى اعلم ! !
________________________________________
[ 50 ]
– 13 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين هذه الطائفة في التوسل ابن تيمية اختلف قوله فيه ، والشوكاني يجيزه والالباني يحرمه اما مسالة التوسل فقد اختلف آراء دعاة السلفية فيه بشكل ملحوظ مع ان الموجودين في الساحة منهم اليوم يقولون بان هذه المسالة من مسائل العقائد ! ! وليست كذلك قطعا . اما ابن تيمية فقد انكر في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) التوسل – ومرادنا التوسل بالذوات – ثم رجع عن ذلك كما نقل تلميذه ابن كثير في (البداية والنهاية) (14 / 45) حيث قال : (قال البرزالي (16) : وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على
________________________________________
________________________________________
(16) هو الحافظ أبو محمد القاسم بن البهاء محمد الدمشقي البرزالي ترجم في (طبقات الحفاظ) للسيوطي ص (256) . (*)
________________________________________
[ 51 ]
الشيخ تقي الدين وكلموه في ابن عربي وغيره الى الدولة ، فردوا الامر في ذلك الى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء باشياء فلم يثبت عليه منها شئ ، لكنه قال : لا يستغاث الا بالله ، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة – ولعلها العبادة – ، ولكن يتوسل به ويتشفع به الى الله ، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ ، وراى القاضي بدر الدين بن جماعة ان هذا فيه قلة ادب) انتهى فتأمل ! ! واما الشوكاني فقد اجاز التوسل في كتابه (تحفة الذاكرين) كما يعلم ذلك القاصي والداني . ففي صحيفة (37) من كتاب الشوكاني (تحفة الذاكرين) (طبع دار الكتب العلمية) عقد بابا سماه : (وجه التوسل بالانبياء وبالصالحين) ثم قال : [ (قوله ويتوسل الى الله سبحانه بانبيائه والصالحين) . اقول : ومن التوسل بالانبياء ما اخرجه الترمذي . . . ] اه‍ واصرح من هذا ما ذكره الشوكاني ص (138) في (باب صلاة
________________________________________
[ 52 ]
الضر والحاجة) حيث قال ما نصه : (وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى الله عزوجل مع اعتقاد ان الفاعل هو الله سبحانه وتعالى . . .) اه‍ وقد نص الشوكاني ايضا على جواز التوسل ورد على ابن تيمية في كتابه (الدر النضيد في اخلاص كلمة التوحيد) فليرجع إليه من شاء . واما الالباني فمنع ذلك واعتبره من الضلال في كتابه (التوسل انواعه واحكامه) كما هو مشهور ومعلوم مع انه قال في مقدمة (شرح الطحاوية) ص (60 الطبعة 8) ان مسالة التوسل ليست من مسائل العقيدة وهذا خلاف ما يقوله كثير من ادعياء السلفية . فتأملوا يا ذوي الابصار ! !
________________________________________
[ 53 ]
________________________________________
– 14 – فصل ابن تيمية يمنع زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذهبي يخالف ذلك في (السير) ويرد عليه ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) (3 / 66) عند الكلام على حديث (لا تشد الرحال . . .) : ان ابن تيمية يقول بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ! ! وذكر ابن حجر انه انكر ذلك على ابن تيمية وان ذلك من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ، واليك نصه بحروفه من الموضع المشار إليه آنفا : (والحاصل انهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وانكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ! ! ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الاجماع
________________________________________
[ 54 ]
________________________________________
على مشروعية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ما نقل عن مالك انه كره ان يقول زرت قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ! ! وقد اجاب عنه المحققون من اصحابه بانه كره اللفظ ادبا لا اصل الزيارة ، فانها من افضل الاعمال واجل القربات الموصلة الى ذي الجلال وان مشروعيتها محل اجماع بلا نزاع والله الهادي الى الصواب) انتهى . وقال الحافظ الذهبي في (سير اعلام النبلاء) 4 / 484) رادا على ابن تيمية ما نصه : [ فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلا مسلما ، مصليا على نبيه ، فيا طوبى له فقد احسن الزيارة واجمل في التذليل والحب ، وقد اتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في ارضه أو في صلاته ، إذ الزائر له اجر الزيارة واجر الصلاة عليه ، والمصلي عليه في سائر البلاد له اجر الصلاة فقط . فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا ، ولكن من زاره – صلوات الله عليه – واساء ادب الزيارة ، أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع ، فهذا فعل حسنا وسيئا فيعلم برفق والله غفور رحيم ، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم ، والصياح وتقبيل الجدران ، وكثرة
________________________________________
[ 55 ]
________________________________________
البكاء ، إلا وهو محب لله ولرسوله ، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار . فزيارة قبره من أفضل القرب ، وشد الرحال إلى قبور الانبياء والاولياء ، لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه : (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فشد الرحال إلى نبينا (صلى الله عليه وسلم) مستلزم لشد الرحل الى مسجده ، وذلك مشروع بلا نزاع ، إذ لا وصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده ، فليبدأ بتحية المسجد ، ثم بتحية صاحب المسجد ، رزقنا الله وإياكم ذلك آمين ] انتهى . قال الشيخ شعيب الارناؤوط معلقا على كلمة الذهبي هذه في (سير أعلام النبلاء) (4 / 485) ما نصه : (قصد المؤلف رحمه الله بهذا الاستطراد الرد على شيخه ابن تيمية الذي يقول بعدم جواز شد الرحل لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ويرى أن على الحاج أن ينوي زيارة المسجد النبوي كما هو مبين في محله) انتهى . فتأملوا ! !
________________________________________
[ 56 ]
– 15 – فصل عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية في استعمال السبحة ونصه على انها حسنة وبين الالباني التي يراها بدعة ضلالة هذه المسالة من الفرعيات وليست من الاصول احببت ان اوردها في هذه الرسالة الصغيرة المتواضعة ، لكي الفت انظار طلاب العلم الى انه كما اختلف راي ابن تيمية والالباني وغيرهما من دعاة السلفية في اصول الاعتقاد كذلك اختلفوا في فروع المسائل الفقهية فلا ندري بعد ذلك لماذا يحارب الالباني ! ! ويعادي ! ! ويشتم ! ! ويضلل ! ! كل من يخالفه في اي مسالة سواء كانت صغيرة أو كبيرة ويتناسى الخلاف العقائدي القائم بينه وبين ابن تيمية في الراي ! ! وما الذي اسكته عن تضليل ابن تيمية كما يضلل بافي خصومه ولا يتلطف معهم تلطفه مع ابن تيمية وامثاله اهو الدرهم والدينار العائد من العمليات التجارية في البلدان التي تعشق ابن
________________________________________
[ 57 ]
________________________________________
تيمية وتعتبره امام الائمة ام ماذا ؟ ! ! نامل ان يجيب الالباني المسلمين عن هذا الاشكال الذي يقول لسان حاله فيه (دارهم ما دام كتابك يشترى في دارهم) ! ! وهل فقد الالباني الشجاعة العلمية والادبية لان يصرح في حق ابن تيمية ما يصرح في حق خصومه الاخرين ؟ ! ! مسالة السبحة : قال ابن تيمية في (فتاواه) (22 / 506) ما نصه : [ (وعد التسبيح بالاصابع سنة ، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) للنساء : (سبحن ، واعقدن بالاصابع فانهن مسؤولات مستنطقات) واما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن ، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك ، وقد راى النبي (صلى الله عليه وسلم) ام المؤمنين تسبح بالحصى ، واقرها على ذلك ، وروى ان ابا هريرة كان يسبح به . واما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه ، فقال فيه هو حسن غير مكروه) ] انتهى كلام ابن تيمية .
________________________________________
[ 58 ]
وقال الشوكاني في كتابه (نيل الاوطار) (2 / 353) ما نصه : (والحديثان الاخران – اي حديث السيدة صفية وسيدنا سعد – يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى ، وكذا بالسبحة ، لعدم الفارق ، لتقريره (صلى الله عليه وسلم) للمراتين على ذلك وعدم انكاره ، والارشاد الى ما هو افضل لا ينافي الجواز) اه‍ . انكار الالباني للسبحة اشد الانكار : لقد اعتبر الالباني السبحة بدعة منكرة ووصف من الف في بيان سنيتها بانه من اهل الاهواء ! ! كما تجد ذلك اثناء كلامه وتخريجه ! ! لحديث (نعم المذكر السبحة . . .) في المجلد الاول من (ضعيفته) (1 / 110 – 117) من الطبعة القديمة . و (1 / 184 – 193) من الطبعة الجديدة ! ! فتأملوا كيف لا يعد ابن تيمية والشوكاني من اهل الاهواء ويعد العلماء المعاصرين الذين يقولون بسنيتها اليوم من اهل البدع والاهواء ! ! ! فلماذا المحاباة ؟ ! !
________________________________________
[ 59 ]
عافى الله الالباني من هذه المحاباة (17) ! !
________________________________________
________________________________________
ومن رجع الى مقدمته الجديدة للجزء الاول من (ضعيفته) ص (35) وراى كيف عاب على الشيخ اسماعيل الانصاري محاباته كما يدعي ! ! لابن عمه حماد الانصاري وتامل في باقي اعمال هذا اللوذعي ! ! عرف من هو المحابي حقا ! ولله في خلقه شؤون . (*)
________________________________________
[ 60 ]
– 16 – فصل في (فائدة مهمة) تضليل الالباني لسيد قطب بعدما اثنى عليه كان الالباني قد اثنى على سيد قطب في مقدمة (مختصر العلو) ص (60) (الطبعة الاولى / المكتب الاسلامي) فقال عنه هناك ما نصه : [ (ولقد تنبه لهذا اخيرا بعض الدعاة الاسلاميين ، فهذا هو الاستاذ الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى فانه بعد ان قرر تحت عنوان (جيل قرآني جديد) . . . ] انتهى وهذا الكلام كتبه الالباني في دمشق / 8 جمادى الاولى سنة 1392 ه‍ ويوافق ذلك سنة 1972 م تقريبا كما تجد ذلك في صحيفة رقم (78) من مقدمة (مختصر العلو) ! ! ثم عاد ذاما له بل مضللا ! ! ونسخ كلامه السابق الانف
________________________________________
[ 61 ]
________________________________________
الذكر (18) حيث رمى (سيد قطب) بالحول والاتحاد وب‍ (وحدة الوجود) وذلك انه نشرت مقابلة مع الالباني في (مجلة المجتمع) العدد (520) المؤرخ في 11 / جمادى الاولى سنة 1401 ه‍ يقول فيها : ان قول سيد قطب في تفسيره سورة الاخلاص واول سورة الحديد (هو عين قول القائلين بوحدة الوجود . . . حيث قال ما نصه كما في ص (23) (مجلة المجتمع) : (ظاهر كلامه تماما انه لا وجود الحق ، وهذا هو عين القائلين بوحدة الوجود ، كل ما تراه بعينك فهو الله ، وهذه المخلوقات التي يسميها اهل الظاهر مخلوقات ليست شيئا غير الله ، وعلى هذا تاتي بعض الروايات التي تفصل هذه الضلالات الكبرى بما يرى بعض الصوفيين . . .) اه‍ فتأملوا ! ! وهذا الكلام حصل من الالباني بعد الثناء على (سيد قطب) بعشر سنوات تقريبا ، فيكون تضليله لسيد قطب وطعنه فيه ناسخا لثنائه
________________________________________
(18) كما نسخ كلامه في الثناء عن الشاويش بذمه في كتبه الجديدة المبينة تواريخها ! ! فتأملوا ! ! (*)
________________________________________
[ 62 ]
عليه حسب التاريخ وحسبما تقتضيه قواعد علم اصول الفقه في (باب الناسخ والمنسوخ) ! ! وقد رد على الالباني الشيخ عبد الله عزام في مجلة المجتمع في ثلاثة اعداد وهي (256 و 527 و 528) وافتتح مقاله الاول في العدد (526) بقوله : [ هزني من اعماقي : ولقد هزني في اعماقي ان تنشر المجتمع على صفحاتها هذا الكلام لقرائها في العالم . والمجتمع بالهيئة المشرفة عليها تدرك ان قراءها هم تلاميذ الاستاذ سيد قطب . ولقد حز في النفوس ان ينسب هذا الكلام (القول بوحدة الوجود) الى الاستاذ سيد قطب الذي جلى حقيقة التوحيد من كل غبش . . .) اه‍ وقال الشيخ عبد الله عزام في العدد التالي (للمجتمع) رقم (527) صحيفة 23 – 24 : [ (اهذه العبارات تشبه عبارة سيد قطب التي حملوها فوق ما تحمل ، وفسروها تفسيرا يفضي الى الكفر ، كما يقول الالباني (نحن
________________________________________
________________________________________
[ 63 ]
لانحابي في دين الله احدا نقول هذا الكلام كفر) . . . ] اه‍ فتأملوا (19) ! !
________________________________________
(19) فمن تأمل هذا جيدا وقرأ تلك الاعداد المشار إليها من مجلة المجتمع عرف يقينا ان ما املاه الالباني على بعض غلمانه في الرد علينا في كتاب اسماه (بالايقاف) لا قيمة له وفيه تدليس وتغرير لا يخفى ! ! والله المستعان ! وعلى نفسها جنت براقش ! ! (*)
________________________________________
[ 64 ]
– 17 – فصل الالباني يقول بان امهات المؤمنين وزوجات الانبياء غير محفوظات من الزنا والفاحشة وتلميذه القديم الشيخ محمد نسيب الرفاعي ينكر ذلك ويرد عليه في كتاب مستقل زعم الالباني ان امهات المؤمنين وزوجات الانبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهن الزنا والعياذ بالله تعالى (20) ! ! وقد استغربنا صدور ذلك منه جدا وتعجبنا من اثارته هذه المسالة حيث ان زوجات النبي عليه افضل الصلاة والتسليم توفاهن الله تعالى قبل نحو (1400) سنة تقريبا فما فائدة اثارة هذا الموضوع الان مع انهن مبرآت بنص القرآن الكريم ومنه قوله تعالى : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ومن اهل بيته (صلى الله عليه وسلم)
________________________________________
(20) وقد وقفت على كلام له في ذلك في احد كتبه الا انني نسيت الموضع الان وإذا لقيته اثبته باذنه تعالى . (*)
________________________________________
[ 65 ]
________________________________________
زوجاته بلا شك ولا ريب . ولما اثار الالباني هذه المسالة سنة (1387 ه‍ – 1967 م) تصدى له الشيخ محمد نسيب الرفاعي جزاه الله تعالى خير الجزاء وناقشه بدفاعه عن زوجات الانبياء وامهات المؤمنين فرد عليه فيها . ثم فارقه وصنف كتابا في الرد عليه في هذه المسالة سماه (نوال المنى في اثبات عصمة امهات وازواج الانبياء من الزنا) (21) . يقول في آخره بعد ان اورد الادلة من الكتاب والسنة واقوال اهل العلم في الرد على الالباني ما نصه : (واننى لاذكر ان الاخ الكبير الشيخ ناصر الالباني فارق بعض اخوانه لاسباب شخصية بحتة ، فلماذا يرى نفسه محقا في مفارقة اخوانه لاسباب شخصية ولا يراني محقا في مفارقته هو ومن معه لاسباب يعلم الله انها مفارفة في الله وغضبا له وغضبا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وان الشيخ الالباني ليعلم ذلك تماما ولا ينكره . فاين من يقر بالحق ولو على نفسه ؟ ؟ ! ! !) اه‍
________________________________________
(21) ويقع الكتاب في (198) صفحة وهو مكتوب بخط الشيخ محمد نسيب ولدي نسخة منه . (*)
________________________________________
[ 66 ]
وهذه صورة بعض صفحات الكتاب فليتأملها طالب الحق وهي من 184 – 188 بخط مؤلفه . الالباني يقول في تخريج حديث ان كلام ابن تيمية فيه لا ينبغي ان يلتفت إليه قال الالباني في (ارواء غليله) (3 / 13) اثناء تخريج حديث رقم (564) ما نصه : (واما انكار شيخ الاسلام ابن تيمية اللفظ الثاني في اول (كتاب الايمان) . فمما لا يلتفت إليه بعد وروده من عدة طرق بعضها صحيح كما سلف ] . اه‍ فتأملوا ! !
________________________________________
[ 67 ]
________________________________________
الخاتمة فعلى العاقل ان يكون منصفا وان لا يتعصب ممقوتا في الباطل يجره الى الاغضاء عن مخالفه من اهل نحلته من اصحابه ومحبيه الذين يخالفونه في بعض المسائل الاعتقادية فلا يصفهم بالضلال في حين انه يضلل مخالفه من غير اصحابه ومحبيه ولو في مسالة فرعية جدا ويشنع عليه ! ! وهذه الرسالة لا تدع مجالا للشك في ان الالباني يخالف الشيخ ابن تيمية في مسائل اصلية في العقائد والتوحيد فما هو جواب المتعصبين لذلك ؟ ! !
________________________________________
[ 69 ]
ملحق مهم ما بين الشيخ الالباني والشاويش
________________________________________
[ 71 ]
بسم الله الرحمن الرحيم جاء في الحديث الصحيح (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . . .) (البخاري 11 / 340 فتح) . وقد قام الالباني والشاويش بطبع كتاب مستقل وهو كتاب (التنكيل) الذي فيه اعتداء اثيم على علم من اعلام الامة الا وهو الامام المحدث محمد زاهد الكوثري الحنفي رحمة الله عليه ورضوانه ، كما انهما سعيا معا الى الطعن في كثير من العلماء العاملين – اولياء الله تعالى – ك‍ (سيدي) عبد الله بن الصديق والمحدث (حبيب الرحمن الاعظمي) وغيرهم كما تجد بعض ذلك مبسوطا في رسالتنا (قاموس شتائم الالباني والفاظه المنكرة في حق علماء الامة وفضلائها) ! ! وهما يقومان بذلك – كما انكشف جليا الان لكل عاقل – لتحقيق الفائدة المادية البحتة من بيع الكتب التي يكتبها أو يخرجها الالباني والمتاجرة باسم السنة والتي ظهر بكل وضوح جليا الان والحمد لله وحده وهاؤها وتناقضها وتخابط معلومات مؤلفها . فلترويج تلك الكتب التي كان يؤلفها الالباني وينشرها الشاويش
________________________________________
[ 72 ]
________________________________________
سعى كل منهما بالاغارة على الكتب العلمية التي ألفها جماعة من العلماء الاولياء حيث قاما بازدراء كثير من مصنفات العلماء والنيل والتسفيه لمؤلفيها والحط من أقدارهم لتلك الغاية النبيلة ! ! ! ولو نظر أي إنسان بعين البصيرة وتأمل وتفكر بقلبه إلى ما آل إليه أمر الالباني والشاويش من التنازع والتخاصم والسباب المقذع (1) هذا بالاضافة إلى إقامة الدعاوى على بعضهما في المحاكم النظامية وتوجيهات الانذارات العدلية التي سمع بقصصها القاصي والداني بل صار بعضها من جملة المنشورات المدونة المحفوظة في تاريخ دعاة السلفية ! ! المجيد ! ! لعرف وتحقق بأن الله تعالى نكل بهما إذ أظهر كرامة أحد من سعيا بكل قوتهما في النيل منه والحط عليه وتسفيهه من العلماء الاولياء ألا وهو العلامة المحدث الكوثري رحمه الله تعالى ، فأظهر سبحانه هذه الكرامة – وهو الذي يقتص للمظلوم ممن ظلمه ويأخذ له حقه – فجعلها نزاعا بينهما (اشتهر أمره ! ! وذاع صيته ! ! وأظهر الله سبحانه مقصد كل من المتنازعين ! ! وأنهما كانا يركضان وراء العائد المادي ويغض كل منهما عن عورات أخيه
________________________________________
(1) ومن ذلك ما رويناه من طرق بأن الشيخ المربي ! ! قال للمريد ! ! النابه المطيع ! ! عض بهن أبيك ! ! تطبيقا للسنة بزعمه ! !
________________________________________
[ 73 ]
________________________________________
لذلك ! ! (على طبع وعائد ذلك الكتاب الذي يتعلق بذم ذلك العالم الولي ! ! والذي فيه رد عليه بباطل من القول ! ! وزور من البهتان ! ! فبدل ان يؤيداه في دفاعه عن امام من ائمة المسلمين من اصحاب المذاهب الاربعة ، وبدل ان يعيناه في الذب عنه وتفنيد تلك الكلمات التي قالها بعض المتعصبين المخطئين فيه مما لا يقبله المنطق السليم من انه (استتيب من الكفر مرتين) و (ما ولد في الاسلام اشام نه) ! ! سارعا في السعي الى نشر مثالبه ومحاربة من اظهر بطلانها ! ! ففي سعيهما – الاول باكتابة والتخريج والثاني بالنشر – في نشر هذا الكتاب وتحقيقه ! ! يقول لسان حالهما بكل صراحة : (ان ما قيل في ذلك الامام الذي يدافع عنه الكوثري حق وصواب) ! ! وانني في هذا الملحق اعرض بعض ما يتعلق بتلك الكرامة الذي اظهرها الله تعالى للعلامة الكوثري الذي سعيا في النيل منه ببيان جزء يسير جدا فيما جرى بينهما ! ! وما يوجه ويضرب كل منهما الاخر الان ! ! بعدما كان احدهما يتظاهر بانه تلميذ للاخر ومريد من مريديه ! ! تغييرا للشكل من اجل الاكل في سبيل تحقيق
________________________________________
[ 74 ]
________________________________________
امتلاء الجيوب ! ! فاقول : ثناء الالباني على مريده القديم ! ! زهير الشاويش تراجع عنه وهو منسوخ بكلامه الجديد في مقدماته الجديدة الصادرة بعد اختلافاته المالية المادية البحتة مع ذلك المريد ! ! وإذا رجع المحدث ! ! من قول له قديم في رجل الى قول جديد اخذنا بالجديد لاسيما إذا كان جرحا مفسرا فيه بيان ما كان بينهما واسباب سكوت وثناء كل منهما على الاخر ! ! فعبارات المحدث ! ! الالباني الجديدة التي يراها اصح الاقوال في زهير مريده ! ! القديم بعد تربية اربعين عاما تقريبا هي : 1 – قوله عن الشاويش في مقدمته الجديدة للطبعة الجديدة المنقحة ! والمهذبة ! ! من (سلسلة احاديثه الضعيفة) 1992 م متهما له بالسرقة ! وعدم تقوى الله ! ! وبالتلاعب بحقوق العباد ! ! ما نصه ص (7) في الحاشية : (هذه الطبعة هي الشرعية ، واما طبعة المكتب الاسلامي الجديدة ، فهي غير شرعية لانها مسروقة عن الاولى ، وحق الطبع للمؤلف يعطيه من يشاء ، ويمنعه من لا يتقي الله ، ويتلاعب بحقوق العباد ، كما ان في هذه الطبعة المسروقة تصرفا بزيادة
________________________________________
[ 75 ]
________________________________________
ونقص ، والله المستعان ، واليه المشتكى من فساد اهل هذا الزمان) اه‍ . 2 – وقال الالباني ايضا في المصدر السابق ص (166) ما نصه : (ثم تفضل الله علي ، فيسر لي ذلك ، فجعلت من (الجامع الصغير) كتابين : (صحيح الجامع) ، و (ضعيف الجامع) وهو مطبوعان ، ولكننا نحذر القراء من دسائس الشاويش في طبعته الجديدة المكثفة للتجارة بهما ، في تعليقاته عليهما ، وفي تقديمه لهما والله المستعان) اه‍ . وقول الالباني (وهو مطبوعان) مما يدل على مهارته ! وبراعته ! ! وبلاغته وفصاحته في اللغة العربية ! ! وكذا مما يدل على انه فقد اولئك المصححين الذين كانوا يصححون كبته في المكتب الاسلامي من ناحية العربية ! ! 3 – وقال فضيلة ! ! الشيخ ! ! الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ! ! [ ص (3) الطبعة بالجديدة (دار المعارف 1991 م) ] عن الشاويش ما نصه : (فذهبت فائدتها – الطبعات السابقة لصفة صلاته – لقلة أو
________________________________________
[ 76 ]
________________________________________
جهل من يشرف على تصحيح التجارب في المكتب الاسلامي ، فانه الان ليس كما كنا نعهده قبل عشر سنوات !) اه‍ . قلت : وقد حاول الشاويش الان في هذه الايام ان يتنصل ويتفلت من هذه التهمة فقام بطريقة ملتوية جدا حيث طبع كتابا لا قيمة له سماه (البرهان في رد البهتان والعدوان) وضع في ص (3) منه صورة الشيخ ! ! الالباني وهو يعرف ان الشيخ ! ! لا يرضى بذلك ! ! ووضع معه صورتين اخرتين لتغطية طريقته العرجاء ! ! لاملتوية ! التي قصد منها – والله اعلم بالنيات والقلوب لكن لنا الظاهر – النيل من شيخه القديم ! ! ومربيه ! ! فقال ص (35) من (البرهان) المبين ! ! في الحاشية معلقا : (ان في هذا القول – من اشيخ ناصر الالباني – لفتة مناسبة نافعة ، تحدد تبعية (الاخطاء المطبعية) بالمؤلف دون سواه ، وان على المؤلف المتقن لعمله ، المتقي لربه ، الحريص على نفع الناس ، الصادق في النصح لهم . . . . ان لا يترك (الغلط المطبعي) أو (الغلط الطبعي) في كتابه ليشيع في الناس ، من غير المبادرة الى استدراكه . . .) اه‍ . وهدد شيخه تهديدا مبطنا قبل ذلك بصحيفة في الحاشية بانه يملك صورة خط الشيخ ! ! ناصر ليثبت ان الاخطاء الواردة في كتبه
________________________________________
[ 77 ]
________________________________________
هي اخطاء الشيخ ! ناصر وليس – الشاويش – المشرف على التصحيح في المكتب الاسلامي . وانظر ايضا حاشية ص (38 و 39) من (البرهان) المبين ! ! لترى العجب العجاب ! ! وعلى كل حال فما اورده الشاويش في برهانه لا يقدم ولا يؤخر في تفلته وتنصله مما وصفه به شيخه ! ! ولو كان لديه بعض الصور الخطية لكتابة شيخه القديم ! ! 4 – وقال الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ص (4) واصفا الشاويش بالاوصاف التالية : – (وما ذلك الا لغلبة الجشع التجاري على الناشر) . – (لا يعفيه من المسؤولية لظهور اصابع تلاعبه ببعض كتبي وتحقيقاتي التي جدد طبعها في غياتي عنها ، فتصرف فيها كما لو كانت من تأليفه أو تحقيقاته ! يعلم ذلك كل من تتبع ما جد منها وقابلها بما قبلها من المطبوعات منها) اه‍ ! ! وقال الالباني ايضا : – (فقد استغل صاحبنا القديم هجرتي الى عمان (1) . . . فحشر في
________________________________________
(1) وقد استقبل رضي الله عنه ب‍ (طلع البدر علينا . . .) ! ! (*)
________________________________________
[ 78 ]
________________________________________
التعليق عليها دون علمي واذني طبعا – ما شاء له هواه النفسي ، وجشعه التجاري مع استحلاله الكذب والتزوير) اه‍ . ف‍ (محدث الديار الشامية) و (حافظ الوقت) ! ! قد صرح بكل وضوح بان الشاويش وضاع ! ! يستحل الكذب والتزوير ! ! وارجو ان لا يكون هذا تكفيرا من الالباني للشاويش لان مستحل التزوير والكذب المصرح بتحريمه في القرآن كافر بلا ريب ! ! ومن هذا الكلام الذي قاله الشيخ ! ! الالباني يصح لاي شخص ان يتمسك بقول محدث الديار الشامية ! ! بعدم تصديق الشاويش في اي امر يقوله ويدعية حتى لو حلف عليه لانه يرى استحلال الكذب ! ! فاللهم هداك ! ! 5 – ووصف الشيخ ! ! الالباني الشاويش ص (7 و 8 و 9) من مقدمة (صفة صلاته) بالاوصاف التالية : – (السطو) و (المسخ) و (الحذف) و (الاصرار على الباطل) و (تحشية الكتب بالزور والمين) و (التلاعب بتواريخ طبعات الكتب والمقدمات) ! !
________________________________________
[ 79 ]
وقال هناك ان هذا التصرف من الشاويش : – (لا يصدر من متق لربه ، مخلص في عمله) اه‍ . وان الشاويش : – (وقع في طامة) . وان اعمال الشاويش : – (لا فقه فيها ولا علم ، وانما هي المصالح المادية والاهواء الشخصية ، وفي الكثير – من مطبوعاته – دعاية لمطبوعاته ومنشوراته . وبعضها زور وتدليس لا يصدر ممن يخشى الله) اه‍ . وقوله ص (10) انه تصرف : (تصرفا سيئا جدا لا يقدم عليه من عنده ادنى شعور بالامانة العلمية والالتزامات الادبية) . وقوله ص (11) عنه انه : (مسكين) و (مضلل) وان طبعته الجديدة : (مشوهة) . . . الخ وقوله ص (11) عنه انه : (ظالم لشيخه) (وباغي) . . . الخ وقوله عنه ص (12) بانه : (كذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اه‍ ! !
________________________________________
[ 80 ]
________________________________________
وقوله هناك ص (9) عن الشاويش : (ومن آخر ما طلع به علينا من افاعيله وتجبره وتجنيه وتدخله في شؤوني الخاسة انه قدم الي انذارا عدليا بواسطة كاتب عدل عمان المحترم بتاريخ 21 / 9 / 1409 ه‍ – 28 / 4 / 1989 . . . واتبعه بانذار ثان بتاريخ 13 / 5 / 1989 . . . وقد ضمن انذاره هذا عجائب من الادعاءات الباطلة التي لا مناسبة الان لذكرها ، راجيا ان لا يضطرنا استمراره على تجبره وتجنيه ان نكشف القناع عنها للناس . . .) اه‍ . فتأملوا يا ذوي الابصار ! ! قلت : ونحن نلاحظ ان كلا منهما يتوعد الاخر بان لديه كلام يهدد الاخر بنشره بطرق مختلفة ونحن نعرف هذا الكلام جيدا وقد نقل الينا بطريق التواتر المعنوي فإذا قارنت بين قول الالباني هنا : (وقد ضمن انذاره هذا عجائب من الادعاءات الباطلة التي لا مناسبة الان لذكرها راجيا ان لا يضطرنا استمراره . . . ان نكشف عنها للناس . . .) . وبين قول الشاويش في حاشية (برهانه) المبين ! ! ص (34) في حق الالباني : (هنا كلام رأينا تأخير نشره ، لانه من الامور الخاصة . . .) اه‍ . تدرك ما هو اللغز الدائر بينهما ! !
________________________________________
[ 81 ]
الالباني ينص صراحة على ان الشاويش ليس من اهل العلم نص الالباني على ان الشاويش (ليس من اهل العلم) على انه يحشر اسمه في بعض غلافات الكتب على انه محقق أو من ضمن المحققين ليروج بين الناس انه من اهل العلم والتحقيق ! ! والناس جميعا يدركون انه ليس محقق ولا هو من اهل العلم كما قال شيخه حقا وصدقا ! واليكم ذلك : 1 – قال الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ص (11) : (ومن اعتدائه على العلم وفن التخريج لانه ليس من اهله) اه‍ . 2 – وقال عنه في مقدمة (التنكيل) ص (ب وج) من طبعة دار المعارف بعد ان ذكر انه زاد ضغثا على اباله ! ما نصه : (وذكر الناشر اسمه بينهما ! فكأنه يتبارى مع السارق الاول في تغيير شكل الواجهة) لكتاب التنكيل .
________________________________________
________________________________________
[ 82 ]
وقال الالباني هناك ص (ج) عن الشاويش ايضا : [ حشر نفسه بين المحقق الفعلي والمحقق الفعلي والمحقق المدعي ، زاعما ان له فيها تخريجات وتعليقات ليصبغ بذلك على طبعته صبغة الشرعية ، وهو يعلم انه ليس له فيها اي تخريج علمي يذكر ، ولو فرض العكس فهو مما لا يسوغ له فعلته كما لا يخفى ، ولا سيما وانه قد اضاف الى الكتاب : (التنكيل) رسالتين لغير المؤلف ، تأكيدا لما رمى إليه من اضفاء الصبغة الشرعية عليه ! فذكرني هذا وذاك بما يروى عن احد المتصوفة انه رئي يوما غير من شكل لباسه ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : تغيير الشكل من اجل الاكل ! ] اه‍ . وبالمقابل ماذا فعل زهير الشاويش بالالباني واضر به : (اولا) : قام زهير الشاويش بنشر رسالة محمود مهدي الاستنبولي التي اسماها (خطاب مفتوح للشيخ ناصر الالباني) الذي فيه انواعا واشكالا من السب والشتم الموجه من الاستنبولي لشيخه الالباني الموقر ! ! وقد تستر الشاويش ولم يذكر بانه هو ناشر الرسالة وكتب على غلافها نشر فئة من الجامعيين ، فضرب شيخه واستاذه من وراء
________________________________________
[ 83 ]
________________________________________
(الكواليس) واساء إليه غاية الاساءة مع انه يتظاهر بالبراءة من هذا الامر لجبنه وفقد انه الشجاعة العلمية والادبية ! ! وقد اثبت اذيال ادعياء السلفية ان الشاويش هو ناشر هذا (الكتاب المفتوح) ! ! وكذلك الاستانبولي . ففي كتاب (الايقاف) لغلام الالباني المنهزم من الناظرة (الخواف) ص (58) مانصه – وما تحته خط مهم جدا فانتبهوا له – : (لقد هاتفنا الاخ الاستاذ محمود مهدي استانبولي نزيل جدة لنخبره بهذا الذي وصل الى (البعض) بالبريد عن طريق (بيروت) وانه مطبوع باسمه ، منسوب إليه ، وان فيه الفاظا لا يتصور صدورها من مثل الاخ الاستاذ محمود مهدي الذي علم تبجيله لشيخنا الالباني . . . ففوجئ الاستاذ محمود . . . . . . بذلك مفاجاة كبرى ، واستنكر طبع تلك النشرة ، وذكر انه لم يعرف بذلك ، ثم اشار الى ان نشرها انما هو من كيد بعض (الناشرين) للسوء بين المسلمين ، الذين خالفوا جادة الحق المبين ، وجانبوا نهج الصواب المستبين . . .) الخ هرائه . ثم ذكر صاحب (الايقاف) ص (59) بان الاستانبولي ارسل
________________________________________
[ 84 ]
________________________________________
لهم رسالة خطية يقول فيها : (اني اعترف – آسفا – باني كنت حررت هذا الكتاب (1) منذ سنوات بعيدة اثر نزعة عاطفية بريئة (2) ، ولم اطلع عليه احدا كما اذكر ، وقد قدمته للمفتري ناشره – عليه من الله ما يستحق – زهير الشاويش . . . وإذا بهذا الشخص يخفى هذا الكتاب سنين طويلة من اجل استثماره في الكيد لشيخنا ، ليأكل حقوق الناس بالباطل ! عليه من الله ما يستحق . . . بل ليسئ الى سمعة هذا الشيخ المحدث الكبير ، وهو لولاه ، لكان (ابا جهل) حي الميدان ، أو اجيرا في المكتبة الهاشمية بدمشق التي كان يعمل فيها ! ! سائلا الله سبحانه انه يجازيه بما هو اهله ! . . . ولا يضير شيخنا الالباني . . . ما فعله الشاويش . . . المفتري . . . وهو لم يدفع لي حقوقي منذ عشرة اعوام باعترافه المسجل ، ثم ارسل الي كتابا آخر بانه دفع لي جميع
________________________________________
اذن يتصور صدور هذه الكلمات من الاستانبولي بصريح اعترافه ! ! وامثاله يتصور منهم اكثر من ذلك واطول واعرض واوقح وافحش ! ! لان السنتهم درجت وانذلقت بذلك ! ! (2) يا حرام ! ! كيف لو كانت هذه النزعة غير بريئة ؟ ! ! وما هي اشكال والوان السباب التي ستقع بها لو لم تكن بريئة ؟ ! ! (*)
________________________________________
[ 85 ]
________________________________________
حقوقي كاملة ! ! وهو ان يفرض علي ان يدفع لي بالمئة عشرة عليها (1) وفي مقدمتها تحفة العروس . . . بينما يدفع لي الشرفاء والامناء بالمئة (15) على كتبي العادية ! ! (2) . وانني لامل ان تكشف الايام عن بعض اسراره في معاملته لبعض موظفيه المحققين الذين يفرض على بعضهم ان يسجلوا اسمه الى جانب اسمهم ! . . . . . ومن المضحك والمبكي معا ان ينتهز هذا الشاويش فرصة اختلافه مع شيخه بشان الكتب التي طبعها ويطبعها من جديد في غير مكتبه ، فسارع للاساءة إليه – بزعمه – بنشر هذا الكتاب ليسئ الى سمعته – بظنه وزعمه – فعليه من الله ما يستحق) اه‍ . فتأملوا يا اولى الالباب ! !
________________________________________
(1) انظروا كيف يحقدون على انفسهم لاسباب مادية بحته ! ! (2) فميزان الشرف والامانة بنظر الاستانبولي والالبانيين هو اكبر واكثر نسبة دفع بالمئة على حقوق الطبع ! ! وعلى هذا فلو دفع ابليس اكثر للاستانبولي لكان اكثر شرفا وامانة ! ! (*)
________________________________________
[ 86 ]
(ثانيا) : قام الشاويش بطبع كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن ليس الثياب) واهداه لشيخه فقال في مقدمته : (الاهداء . . . واخص الذي آتاه الله العلم فانسلخ منه ! ! (بلعام) ذاك الزمان ، ومن سار على دربه ، واقتفى آثاره من (بلاعيم) هذه الايام تبكيتا . والى صاحب ابليس ، من هو بادس والاحتيال معروف ! ! والى المذمم الكريه . والى من هو بالشؤم في الغرب والشرق موصوف . والى من زاد على الابالة ضغثا ، وفاق كل ما سبقه ، وخالف كل مظنون . حتى كدنا نتوهم الحديث الموضوع صحيحا (ابت النفوس اللئيمة ان تغادر الدنيا حتى تسئ الى من احسن إليها) وكان من فعله ان اخرجت هذا الكتاب من محبسه الذي طال اكثر من عشر سنوات . الى هؤلاء وامثالهم ، ممن اظلت الزرقاء واقلت ، البلقاء جزاء وفاقا) اه‍ .
________________________________________
[ 87 ]
________________________________________
وقد عاتبه شيخه وعاب عليه هذه العبارات ، والغريب ان الشاويش يجادل ويماري في انه لا يقصد به شيخه (1) ! ! حتى ذكر في (برهانه) المبين ! ! موريا ايضا – لجبنه وفقد انه الشجاعة العلمية ! ! – بان شيخه ظن ان الكلام موجه إليه فقال في حاشية ص (4) من (برهانه) المبين ! ! على لسان انسان آخر : (ولم يقصد – الشاويش – شخصا معينا ، كما ظن احدهم حيث تذكر ذاته ، مقرا على انه فيمن عناهم ابن المرزبان والمرء حيث يضع نفسه !) اه‍ . فتأملوا في هذه الصفاقة ! ! وهل هؤلاء جميعا يصلح ان يكونوا دعاء للسنة ؟ ! ! وناشرين لها ؟ ! ! وكاشفين لصحيحها من ضعيفها ؟ ! وائمة للمسلمين ؟ ! ! ودعاة لاخلاق سيد المرسلين ؟ ! ! تفكروا جيدا ايها الناس ! ! وقال الشاويش معلقا على كتاب (تفضيل الكلاب على كثير
________________________________________
(1) مع ان الاحمق يفهم ذلك ، الا انها المراوغة والثعلبية ! ! عافانا الله تعالى ! ! من طينة هؤلاء المعروفة ! ! (*)
________________________________________
[ 88 ]
ممن ليس الثياب) ص (72) ما نصه : (ومن العجائب اننا رأينا من بعض المشايخ اشد من ذلك . فقد بلغني ان احدهم يقول لمن لهم عليه حقوق مادية : عليكم بالتسليم لما اقول . ولا تناقشوا ولا تجادلوا . واقبلوا ما اعترف لكم به فقط . . . لانني لا اكذب . . . الخ . وغفل هذا المغرور بانه – لو كان عندهم لا يكذب – فقد يهم أو ينسى . وفي طلبه هذا منهم عند وجبروت ، لان الله سبحانه يوم القيامة يسمح لكل نفس ان تجادل عن نفسها . بل اكاد اقول : انه بهذا ممن يسمى نفسه طاغوتا نعوذ بالله من الجهل والجبروت) اه‍ . فتأملوا ! ! واقول : ما هي فائدة هذا التعليق وما هي مناسبته في ذلك الكتاب يا زهير هداك الله تعالى ؟ ! ! لا سيما وانت تقول كما نقلنا آنفا في (البرهان) المبين ! ! الذي طبعته (ولم تقصد شخصا معينا كما ظن احدهم حيث تذكر
________________________________________
________________________________________
[ 89 ]
ذاته . . .) ! ! ويكفيك تلاعب ومراوغة ! ! (ثالثا) : ومن طالع مقدمات (صحيح السنن) الاربعة وضعيفها و (صحيح الجامع وزيادته) و (ضعيفه) طبع المكتب الاسلامي يرى بوضوح المشاكسة الكبيرة الواقعة بين الشاويش وشيخه ! ! ولله في خلقه شؤون ! !
________________________________________
[ 90 ]
فرع في ذكر بعض تلاعبات صاحب المكتب الاسلامي بالكتب والتراجم قام ناشر شرح الطحاوية – الشاويش – بالتلاعب هنا لك وذلك في ص (5) من الطبعة الثامنة في الحاشية حيث لم ينقل كلام الامام الحافظ السبكي بتمامه وبحروفة بل حرفه وحذف منه ما سيكون وبالا عليه عند الله تعالى ، ولننقل ما ذكره الناشر هناك ، ثم نردفه بكلام الامام السبكي من كتابه معيد النعم : قال الناشر (1) : كلمة العلامة السبكي في كتابه (معيد النعم) هي : (وهذه المذاهب الاربعة – ولله تعالى الحمد – في العقائد واحدة ، الا من لحق منها باهل الاعتزال والتجسيم ، والا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة ابي جعفر الطحاوي التي تلقاها
________________________________________
(1) وبصراحة لا يحمل اثم هذا العمل الناشر فحسب انما يحمل اثم ذلك شيخه المتناقض ! الذي كان يملي عليه هذه الافكار . (*)
________________________________________
[ 91 ]
________________________________________
العلماء سلفا وخلفا بالقبول) اه‍ . والامام السبكي يقول حقيقة في كتابه (معيد النعم) ص (62) من طبعة مؤسسه الكتب الثقافية الطبعة الاولى (1986) ما نصه : (وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة – ولله الحمد – في العقائد يد واحدة كلهم على راي اهل السنة والجماعة ، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة ابي الحسن الاشعري رحمه الله ، لا يحيد عنها الا رعاع من الحنفية والشافعية ، لحقوا باهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا باهل التجسيم ، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا الا اشعريا عقيدة ، وبالجملة عقيدة الاشعري هي ما تضمنته عقيدة ابي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة . . .) اه‍ . فتأمل بالله عليك كلام الناشر الذي زور كلام الامام الحافظ السبكي وحرفه ! ! ثم انظر وتامل كلام الامام السبكي الحقيقي الذي نقلته لك من كتابه (معيد النعم) لتدرك بان الشاويش محرف محترف يعيث في كتب التراث وعبارات علماء الاسلام فسادا وافسادا (!) .
________________________________________
[ 92 ]
________________________________________
والذي يؤكد انه محرف محترف انه حقق بزعمه كتاب (الرد الوافر) لابن ناصر الدين الدمشقي الذي رد فيه على الامام العلامة العلاء البخاري رحمه الله تعالى ، ونقل الشاويش في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور ترجمة العلاء البخاري وافرط في ذمه ! ونقل جزءا من ترجمته من كتاب (الضوء اللامع) للحافظ السخاوي فحرف في النقل حيث قال واصفا العلامة العلاء البخاري بقوله : (وكان شديد الالتصاق بالحكام) ! ! ! علما بان الكلام الاصلي في كتاب (الضوء اللامع) (9 / 291) للسخاوي هو : (وإذا حضر عنده اعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو اشد في الاغلاظ ويحضه على ازالة اشياء من المظالم) اه‍ . فتأمل كيف قلب الشاويش (وكان شديد الاغلاظ على الحكام) 180 درجة راسا على عقب فقال : (وكان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان ! ! . وقد راجعت الشاويش بهذه المسالة واثبت له ان هذا العمل
________________________________________
[ 93 ]
________________________________________
دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع بعد ان قطع شوطا من المجادلة بالباطل ! ! معي ثم وعد بتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة وانتظرنا ذلك ! ! وقد خرجت الان الطبعة الجديدة ولم نر فيها تراجعا الى الحق الذي وعد به ! ! مما يدل على اصرار اهل هذه النحلة على الباطل ! ! ولا املك اخيرا الا ان انصح الشاويش بان يتوب الى الله ويرجع عما يقترفه ، وان يحترم شيخه وان كنا نخالفهما ولا نرتضي طريقتهما ، فان التمرد على الشيخ وشن الغارات عليه ومعاداته بهذه الصورة لا يليق ابدا من اي عاقل ، فيجب عليه الرضوخ لشيخه للسخاوي هو : (وإذا حضر عنده اعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو اشد في الاغلاظ ويحضه على ازالة اشياء من المظالم) اه‍ . فتأمل كيف قلب الشاويش (وكان شديد الاغلاظ على الحكام) 180 درجة راسا على عقب فقال : (وكان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان ! ! . وقد راجعت الشاويش بهذه المسالة واثبت له ان هذا العمل
________________________________________
[ 93 ]
دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع بعد ان قطع شوطا من المجادلة بالباطل ! ! معي ثم وعد بتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة وانتظرنا ذلك ! ! وقد خرجت الان الطبعة الجديدة ولم نر فيها تراجعا الى الحق الذي وعد به ! ! مما يدل على اصرار اهل هذه النحلة على الباطل ! ! ولا املك اخيرا الا ان انصح الشاويش بان يتوب الى الله ويرجع عما يقترفه ، وان يحترم شيخه وان كنا نخالفهما ولا نرتضي طريقتهما ، فان التمرد على الشيخ وشن الغارات عليه ومعاداته بهذه الصورة لا يليق ابدا من اي عاقل ، فيجب عليه الرضوخ لشيخه واحترامه ومسامحته وان اخطا معه ، والتنازل عن حقوقه وايثار الشيخ بكل خير يراه ، والله يتولى هدانا وهداه ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
________________________________________

الكتاب : التوفيق الربَّاني في الردِّ على ابن تيمية الحرَّاني المؤلف : جماعة من العلماء

الكتاب : التوفيق الربَّاني في الردِّ على ابن تيمية الحرَّاني
المؤلف : جماعة من العلماء
التوفيق الربَّاني في الردِّ على ابن تيمية الحرَّاني
لجماعة
من العلماء
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل على خاتم الانبياء والمرسلين القرآن ، فكشف به ظلمات الجهل ، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب ، ووعد متبعه بالجنة
والثواب ، وأوعد المعرضين عنه والمتتبعين المتشابه منه ابتغاء الفتنة النار والعقاب .
واشهد ان لا اله إلا الله الواحد القهار ، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، الذي اصطفاه وجعله سيد ولد آدم
اجمعين ، وعلى آله وصحبه الغر الميامين : اما بعد : فإن الدافع
لجمع هذا الكتاب اسباب منها : اولا : كثرة الجهل والجهلاء
، همج رعاع اتباع كل ناعق ، غرتهم الدنيا ، ورنين وبريق الذهب
الزائل ، حتى باعوا دينهم بعرض من الدنيا . ثانيا : تحول الاحوال
فكثير منهم يرون التلقي مشافهة من الاكابر عادة القدماء ، وهذا
العصر يغنز عن الاستماع والاملاء ، وانتشار الكتب يوجز الوقت
ويغني عن العلماء . اقول : قال الشاعر : وما كل من هز الحسام
بضارب * ولا كل من اجرى اليراع بكاتب
[ 5 ]
________________________________________
فترى هؤلاء يهجمون على تفسير الايات برأيهم ، والاحاديث بظنونهم ، حتى قاسوا الخالق تعالى الله عن ذلك علواا كبيرا .
ولما كان ابن تيمية عمدتهم ، ورأس الفتنة قديما وحديثا ، افتتن به الاغرار ، وبالعبارات الرنانة ، (الشهيد ، شيخ الاسلام) ، وغيرها من الكلمات الزائقة وعكفوا على كتبه ومؤلفاته وتركوا كتب ومؤلفات الائمة الاعلام
، والجهابذة الاخيار ، وردوا نصوص الكتاب ، والسنة الثابتة المطهرة
، اجارنا الله من هذه الفتنة .
فقياماً بالواجب الذي علي رأيت ان اجمع في هذا الكتاب رسائل الامام المجتهد السبكي وغيره
[ 6 ]
________________________________________
من المعاصرين لابن تيمية ، ووضعت له مقدمة في كشف حاله ، فإن
هذا ليس أكلاً للحوم العلماء – كما يدَّعي الجهلة – انما هو نصرة
لهذا الدين ، فانظروا كتب الجرح للعلماء تجدوها مليئة بالتحذير
من الوضَّاعين والكذَّابين ونحوهم ، حتى قال الشافعي عن حرام بن عثمان
: الرواية عن حرام حرام ، فانظر وتمعن ، وقد قال رسولنا محمد
الصادق صلى الله عليه وسلم : (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول
للظالم يا ظالم فقد تُوُدِّعَ منهم) ، وقال الله تعالى : (كنتم خير
أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) . فإلى الجاهل
العنيد ، أقول لك : (ليس البيان كثرة الكلام إنما البيان اصابة
الحق) ، وعند الله تجتمع الخصوم . كتبه ناصح شفوق .
[ 7 ]
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
من هو ابن تيمية ؟
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي
الحنبلي ولد عاشر ربيع الاول سنة / 661 ه‍ .
جمهور الامة الاسلامية على تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث اتفق العقلاء من أهل السنة والجماعة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان والمشابهة لمخلوقاته .
كشف حال ابن تيمية ذكر العلامة تقي الدين الحصني المتوفى سنة 829 ه‍ في كتابه : ” دفع شبه من شبه وتمرد ”
كثيرا من مسائل ابن تيمية التي حاد فيها عن طريق الحق . وإني أنقل للقراء مقدمة كلامه في ابن تيمية رقم مرسوم السلطان ابن قلاوون ثم بعض شواذ ابن تيمية .
[ 8 ]
قال رحمه الله : ” فاعلم أني نظرت في كلام هذا الخبيث الذي في قلبه مرض الزيغ المتتبع ما تشابه في الكتاب والسنة ابتغاء الفتنة ، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممن أراد الله عزوجل إهلاكه ، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به ، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره ،
لما فيه من تكذيب رب العالمين في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين
________________________________________
، وكذا الازدراء بأصفيائه المنتخبين وخلفائهم الراشدين وأتباعهم
الموفقين ، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الائمة المتقون وما
اتفقوا عليه من تبديعه وإخراجه ببعضه من الدين ، فمنه ما دون
في المصنفات ومنه ما جاءت به المراسيم العليا وأجمع عليه علماء
عصره ممن يرجع إليهم في الامور الملمات والقضايا المهمات ،
وتضمنه الفتاوى الزكيات من دنس أهل الجهالات ، ولم يختلف عليه
أحد كما اشتهر بالقراءة والمناداة على رؤوس الاشهاد في المجامع
الجامعة حتى شاع وذاع واتسع به الباع حتى في القلوب ، فمن ذلك
نسخة المرسوم الشريف السلطاني ناصر الدين والد محمد بن قلاوون
رحمه الله تعالى وقرئ على منبر جامع دمشق نهار الجمعة سنة خمسة
وسبعمائة . صورة مرسوم ابن قلاوون في ابن تيمية بسم الله الرحمن
الرحيم الحمد لله الذي تنزه عن الشبيه والنظير وتعالى عن المثل
، فقال تعالى : (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) ، أحمده
على ما ألهمنا من العمل بالسنة والكتاب ، ورفع في أيامنا أسباب
الشك والارتياب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير ، وينزه خالقه عن
التحيز في جهة لقوله تعالى : (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون
بصير) ، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نهج سبيل
النجاة لمن سلك سبيل مرضاته ، وأمر بالتفكر في الايات ونهى عن
التفكر في ذاته : صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين علا بهم
منار الايمان وارتفع ، وشيد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع ، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع .
[ 9 ]
________________________________________
وبعد فإن القواعد الشرعية ، وقواعد الاسلام المرعية ، وأركان
الايمان العلمية ، ومذاهب الدين المرضية ، هي الاساس الذي يبنى
عليه ، والموئل الذي يرجع كل أحد إليه ، والطريق التي من سلكها
فاز فوزا عظيما ، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما ، ولهذا
يجب أن تنعقد أحكامها ، ويؤكد دوامها ، وتصان عقائد هذه الامة
عن الاختلاف ، وتزان بالرحمة والعطف والائتلاف ، وتخمد ثوائر
البدع ، ويفرق من فرقها ما اجتمع . وكان ابن تيمية في هذه
المدة قد بسط لسان قلمه ، ومد بجهله عنان كلمه ، وتحدث بمسائل
الذات والصفات ، ونص في كلامه الفاسد على أمور منكرات ، وتكلم
فيما سكت عنه الصحابة والتابعون ، وفاه بما اجتنبه الائمة الاعلام
الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الاسلام ، وانعقد على
خلافه إجماع العلماء والحكام . وأشهر من فتاويه ما استخف به
عقول العوام ، وخالف في ذلك فقهاء عصره ، وأعلام علماء شامه ومصره
، وبث به رسائله إلى كل مكان ، وسمى فتاويه بأسماء ما أنزل
الله بها من سلطان ، ولما اتصل بنا ذلك وما سلك به هو ومريدوه
، من هذه المسالك الخبيثة وأظهروه ، من هذه الاحوال وأشاعوه
، وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه ، حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في
حق الله سبحانه بالحرف والصوت والتشبيه والتجسيم ، فقمنا في نصرة
الله مشفقين من هذا النبأ العظيم ، وأنكرنا هذه البدعة ، وعز
علينا أن تشيع عمن تضمه ممالكه هذه السمعة ، وكرهنا ما فاه
به المبطلون ، وتلونا قوله تعالى : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون)
، فإنه سبحانه وتعالى تنزه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير
(لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) ،
[ 10 ] فتقدمت مراسيمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى أبوابنا
حين سارت فتاويه الباطلة في شامنا ومصرنا ، وصرح فيها بألفاظ
ما سمعها ذو فهم إلا وتلا قوله تعالى : (لقد جئت شيئا نكرا) .
ولما وصل إلينا الجمع أولوا العقد والحل ، وذوو التحقيق والنقل
، وحضر قضاة الاسلام ، وحكام الانام ، وعلماء المسلمين ، وأئمة
الدنيا والدين ، وعقد له مجلس شرعي في ملا من الائمة وجمع ،
ومن له دراية في مجال النظر ودفع ، فثبت عندهم جميع ، ما نسب
________________________________________
إليه ، بقول من يعتمد ويعول عليه ، وبمقتضى خط قلمه الدال على
منكر ومعتقده ، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته الخبيثة منكرون ،
وآخذوه بما شهد به قلمه تالين : (ستكتب شهادتهم ويسألون) ، وبلغنا
أنه قد استتيب مرارا فيما نقدم ، وأخره الشرع الشريف لما
تعرض لذلك وأقدم ، ثم عاد بعد منعه ، ولم يدخل ذلك في سمعه . ولما
ثبت ذلك في مجلس الحاكم المالكي حكم الشرع الشريف أن يسجن
هذا المذكور ، ويمنع من التصرف والظهور ، ويكتب مرسومنا هذا بأن
لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك ، وينهى عن التشبيه
في اعتقاد مثل ذلك ، أو يعود له في هذا القول متبعا ، أو لهذه
الالفاظ مستمعا ، أو يسري في التشبيه مسراه ، أو يفوه بجهة
العلو بما فاه ، أو يتحدث أحد بحرف أو صوت ، أو يفوه بذلك إلى
الموت ، أو ينطق بتجسيم ، أو يحيد عن الطريق المستقيم ، أو يخرج
عن رأي الائمة ، أو ينفرد به عن علماء الامة ، أو يحيز الله
سبحانه وتعالى في جهة أو يتعرض إلى حيث وكيف ، فليس لمعتقد هذا
إلا السيف . فليقف كل واحد عند هذا الحد ، ولله الامر من قبل
ومن بعد ، وليلزم كل واحد من الحنابلة بالرجوع عن كل ما أنكره
الائمة من هذه العقيدة ، والرجوع عن الشبهات الزائغة الشديدة
، ولزوم ما أمر الله تعالى به ، والتمسك بمسالك أهل الايمان الحميدة
، فإنه من خرج عن أمر اللة [ 11 ] فقد ضل سواء السبيل ،
ومثل هذا ليس له إلا التنكيل ، والسجن الطويل مستقره ومقيله وبئس
المقيل . وقد رسمنا بأن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية
، وتلك الجهات الدانية والقاصية ، بالنهي الشديد ، والتخويف
والتهديد لمن اتبع ابن تيمية في هذا الامر الذي أوضحناه ، ومن
تابعه تركناه في مثل مكانه وأحللناه ، ووضعناه من عيون الامة
كما وضعناه ، ومن أصر على الامتناع وأبى إلا الدفاع ، أمرنا
بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم ، وأسقطناهم من مراتبهم مع إهانتهم
________________________________________
، وإن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا ولاية ولا شهادة ولا إمامة
بل ولا مرتبة ولا إقامة ، فإنا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد
، وأبطلنا عقيدته الخبيثة التي أضل بها كثيرا من العباد
أو كاد ، بل كم أضل بها من خلق وعاثوا بها في الارض الفساد ، ولتثبت
المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير المحاضر
بعد إثباتها على قضاة المالكية ، وقد أعذرنا وحذرنا وأنصفنا
حيث أنذرنا ، وليقرأ مرسومنا الشريف على المنابر ، ليكون أبلغ
واعظ وزاجر ، لكل باد وحاضر ، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه
وكتب ثامن عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة إ ه‍ . وهذه المراسيم
الصادرة في حقه بعد محاكمته أمام جماعة من كبار العلماء
في عصره مسجلة في كتب التواريخ ، وكتب خاصة مثل عيون التواريخ
، ونجم المهتدي ، ودفع الشبه وغيرها . وسأنقل الصورة الخطية لهذا
المرسوم لاحقا إن شاء الله . كلام ابن تيمية في الاستواء ووثوب
الناس عليه فمن ذلك ما أخبر به أبو الحسن علي الدمشقي في
صحن الجامع الاموي عن أبيه قال : كنا جلوسا في مجلس ابن تيمية
فذكر ووعظ وتعرض لآيات الاستواء ، ثم قال : (واستوى الله . على
عرشه كاستوائي [ 12 ] هذا ” ، قال : فوثب الناس إليه وثبة واحدة
، وأنزلوه من الكرسي وبادروا إليه ضربا باللكم والنعال وغير
ذلك ، حتى أوصلوه إلى بعض الحكام ، واجتمع في ذلك المجلس العلماء
فشرع يناظرهم . ضحك العلماء منه لما طالبوه بالدليل على ما
صدر منه وتحققهم جهله فقالوا : ما الدليل على ما صدر منك ؟ ،
قال قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوي) ، فضحكوا منه وعرفوا
أنه جاهل لا يجري على قواعد العلم ثم نقلوه ليتحققوا أمره فقالوا
ما تقول في قوله تعالى : (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، فأجاب
بأجوبة تحققوا أنه من الجهلة على التحقيق ، وأنه لا يدري
ما يقول ، وكان قد غره بنفسه ثناء العوام عليه وكذا الجامدون من
________________________________________
الفقهاء العارون عن العلوم التي بها يجتمع شمل الادلة على الوجه
المرضي . وقد رأيت في فتاويه ما يتعلق بمسألة الاستواء ، وقد
أطنب فيها وذكر أمورا كلها تلبيسات خارجة عن قواعد أهل الحق
، والناظر فيها إذا لم يكن ذا علوم وفطنة وحسن روية ظن أنها على
منوال مرضي ، ومن جملة ذلك بعد تقريره وتطويله (إن الله معنا
حقيقة وهو فوق العرش حقيقة) كما جمع الله بينهما في قوله تعالى
: (هو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش
يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما
يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) فأخبر
(أنه فوق العرش يعلم كل شئ وهو معنا أينما كنا) ، هذه عبارته
بحروفها ، فتأمل أرشدك الله تعالى هذا التهافت وهذه الجرأة بالكذب
على الله تعالى أنه سبحانه وتعالى أخبر عن نفسه أنه فوق العرش
محتجا بلفظ الاستواء ، وهذا وغيره مما هو كثير في كلامه يتحقق
به جهله [ 13 ] وفساد تصوره وبلادته ، وكان بعضهم يسميه حاطب
ليل ، وبعضهم يسميه الهدار المهذار . تفرقته في جواز التوسل
بالرسول ” صلى الله عليه وسلم ” في حياته ومنع التوسل به بعد
موته تلقاها عن شيخه وكان الامام العلامة شيخ الاسلام في زمانه
أبو الحسن علي بن إسماعيل القونوي يصرح بأنه من الجهلة بحيث لا
يعقل ما يقول ، ويخبر أنه أخذ مسألة التفرقة ، (أي تفرقته بين
جواز التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ، ومنع التوسل
به بعد موته) ، عن شيخه الذي تلقاها عن أفراخ السامرة واليهود
الذين أظهروا التشرف بالاسلام ، وهم من أعظم الناس عداوة للنبي
صلى الله عليه وسلم ، وقتل علي رضي الله تعالى عنه واحدا
منهم تكلم في مجلسه كلمة فيها ازدراء بالنبي صلى الله عليه وسلم
، وقد وقفت على المسألة ، أعني مسالة التفرقة التي أثارها اليهود
ليزدروه بها وبحثوا فيها على قواعد مأخوذة من الاشتقاق وكانوا
________________________________________
يقطعون بها الضعفاء من العلماء ، فتصدى لهم الجهابذة من العلماء
وأفسدوا ما قالوه بالنقل والعقل والاستعمال الشرعي والعرفي
وأبادوهم بالضرب بالسياط وضرب الاعناق ، ولم يبق منهم إلا
الضعفاء في العلم ، ودامت فيهم مسألة التفرقة حتى تلقاها ابن تيمية
عن شيخه . إه‍ . اتفاق الحذاق من جميع المذاهب في زمنه على
سوء فهمه وكثرة أخطائه وعدم إدراكه للمأخذ الدقيقة وكنت أظن
أنه ابتكرها واتفق الحذاق في زمانه من جميع المذاهب على سوء فهمه
وكثرة أخطائه وعدم إدراكه للمأخذ الدقيقة وتصورها ، عرفوا ذلك
منه بالمفاوضة في مجالس العلم . [ 14 ] ما ذكره ابن شاكر فيه
في عيون التواريخ (1) ولنرجع إلى ما ذكره ابن شاكر في تاريخه
قال : وفي سنة خمس وسبعمائة في ثامن رجب عقد مجلس بالقضاة والفقهاء
بحضرة نائب السلطنة بالقصر الابلق ، فسئل ابن تيمية عن عقيدته
، فأملى شيئا منها ثم أحضرت عقيدته الواسطية وقرئت في المجلس
ووقعت بحوث كثيرة وبقيت مواضع أخرت إلى مجلس ثان ثم اجتمعوا
يوم الجمعة ثاني عشر رجب وحضر المجلس صفي الدين الهندي وبحثوا
ثم اتفقوا على أن كمال الدين بن الزملكاني يحاقق ابن تيمية
ورضوا كلهم بذلك . إقحام كمال الدين بن الزملكاني ، ابن تيمية
في المناظرة وقد أقحم كمال الدين ، ابن تيمية ، وخاف ابن تيمية
على نفسه فأشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب ويعتقد ما
يعتقده الامام الشافعي ، فرضوا منه بذلك وانصرفوا ، ثم إن أصحاب
ابن تيمية أظهروا أن الحق ظهر مع شيخهم وأن الحق معه ، فأحضروا
إلى مجلس القاضي جلال الدين القزويني وأحضروا ابن تيمية وصفع
ورسم بتعزيره فشفع فيه ، وكذلك فعل الحنفي باثنين من أصحاب
ابن تيمية . (1) مخطوط في مكتبة قرة جلبي زادة رقم / 694 ص / 33
. (*) [ 15 ] وصول ابن تيمية إلى القاهرة وعقد مجلس القضاة والفقهاء
والعلماء والامراء له وادعاء شمس الدين بن عدنان الشافعي
________________________________________
عليه ثم قال : ولما كان سلح رجب حمعوا القضاة والفقهاء وعقد
مجلس بالميدان أيضا ، وحضر نائب السلطنة أيضا ، وتباحثوا في أمر
العقيدة ، وسلك معهم المسلك الاول ، فلما كان بعد أيام ورد
مرسوم السلطان صحبة بريدي من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة
نجم الدين بن صصري وبابن تيمية ، وفي الكتاب (تعرفونا ما وقع في
سنة ثمان وتسعين في عقيدة ابن تيمية) فطلبوا الناس وسألوهم عما
جرى لابن تيمية في أيام نقل عنه فيها كلام قاله وأحضروا للقاضي
جلال الدين القزويني العقيدة التي كانت أحضرت في زمن قاضي
القضاة إمام الدين وتحدثوا مع ملك الامراء في أن يكاتب في هذا
الامر ، فأجاب ، فلما كان ثاني يوم وصل مملوك ملك الامراء على
البريد من مصر وأخبر أن الطلب على ابن تيمية كثير وأن القاضي المالكي
قائم في قضيته قياما عظيما وأخبر بأشياء كثيرة وقعت من
الحنابلة في الديار المصرية وأن بعضهم صفع . فلما سمع ملك الامراء
بذلك انحلت عزائمه عن المكاتبة وسير شمس الدين بن محمد المهمندار
إلى ابن تيمية ، وقال له : قد رسم مولانا ملك الامراء بأن
تسافر غدا ، وكذلك راح إلى قاضي القضاة فشرعوا في التجهيز ،
وسافر بصحبة ابن تيمية أخواه عبد الله و عبد الرحمن وسافر معهم
جماعة من أصحاب ابن تيمية . شروع ابن تيمية في وعظ أهل المجلس
فقيل له إن الذي تقوله نحن نعرفه . وفي سابع شوال وصل البريدي
إلى دمشق وأخبر بوصولهم إلى [ 16 ] الديار المصرية ، وأنه عقد
لهم مجلس بقلعة القاهرة بحضرة القضاة والفقهاء والعلماء والامراء
: فتكلم الشيخ شمس الدين عدنان الشافعي وادعى على ابن تيمية
في أمر العقيدة ، فذكر منها فصولا فشرع ابن تيمية ، فحمد الله
تعالى وأثنى عليه ، وتكلم بما يقتضي الوعظ ، فقيل له : يا شيخ
إن الذي تقوله نحن نعرفه وما لنا حاجة إلى وعظك ، وقد ادعى
عليك بدعوى شرعية فأجب ، فأراد أن يعيد التحميد فلم يمكنوه من
________________________________________
ذلك بل قيل له أجب ، فتوقف وكرر عليه القول مرارا ، فلم يزدهم
على ذلك شيئا وطال الامر فعند ذلك حكم القاضي المالكي بحبسه وحبس
أخويه معه فحبسوه في برج من أبراج القلعة ، فتردد إليه جماعة
من الامراء فسمع القاضي بذلك ، فاجتمع بالامراء وقال : يجب عليه
التضييق إذا لم يقتل وإلا فقد وجب قتله وثبت كفره فنقلوه إلى
الجب بقلعة الجبل ونقلوا أخويه معه بإهانة . إرجاع نجم الدين
بن صصرى خصم ابن تيمية إلى قضاء القضاة بالشام ومعه مرسوم السلطان
بالتشديد العظيم على الحنابلة وفي سادس عشر ذي القعدة وصل
من الديار المصرية قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى ، وجلس يوم
الجمعة في الشباك الكمالي ، وحضر القبراء والمنشدون وأنشدت التهاني
وكان وصل معه كتب ولم يعرضها على نائب السلطنة ، فلما كان
بعد أيام عرضها عليه ، فرسم ملك الامراء بقراءتها ، والعمل بما
فيها امتثالا للمراسيم السلطانية ، وكانوا قد بيتوا على الحنابلة
كلهم بأن يحضروا إلى مقصورة الخطابة بالجامع الاموي بعد
الصلاة . وحضر القضاة كلهم بالمقصورة ، وحضر معهم الامير الكبير
ركن الدين بيبرس العلائي ، وأحضروا تقليد القضاء نجم الدين بن
صصري الذي حضر معه من مصر باستمراره على قضاء القضاة [ 17 ]
وقضاء العسكر ونظر الاوقاف وزيادة المعلوم ، وقرئ عقيبه الكتاب
الذي وصل على يديه ، وفيه ما يتعلق بمخالفة ابن تيمية في عقيدته
، وإلزام الناس بذلك خصوصا الحنابلة ، والوعيد الشديد عليهم
والعزل من المناصب والحبس وأخذ المال والروح لخروجهم بهذه العقيدة
عن الملة المحمدية ونسخة الكتاب نحو الكتاب المتقدم وتولى
قراءته شمس الدين محمد بن شهاب الدين الموقع ، وبلغ عنه الناس
ابن صبح المؤذن وقرئ بعده تقليد الشيخ برهان الدين بالخطابة ،
وأحضروا بعد القراءة الحنابلة مهانين بين يدي القاضي جمال الدين
المالكي بحضور باقي القضاة واعترفوا أنهم يعتقدون ما يعتقده
________________________________________
محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو قوله : آمنت بالله
وبما جاء عن الله على مراد الله ، وآمنت برسول الله وما جاء
عن رسول الله على مراد رسول الله . وفي سلخ صفر سنة / 709 ه‍
سفروا ابن تيمية من القاهرة إلى الاسكندرية ولم يمكن أحد من جماعته
من السفر معه وحبس في برج شرقي البلد . ورود مرسوم آخر من
السلطان يمنع ابن تيمية من الفتوى في الطلاق وفي سابع شهر صفر
سنة ثمان عشرة ورد مرسوم السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة
الطلاق التي يفتي بها ابن تيمية ، وقد أمر بعقد مجلس له بدار السعادة
، وذلك سنة 720 ه‍ اليوم الحادي عشر من جمادى الاولى وحضر
القضاة وجماعة من الفقهاء ، وحضر ابن تيمية وسألوه عن فتاويه
في مسألة الطلاق وكونهم نهوه وما انتهى ، ولا قبل مرسوم السلطان
ولا حكم الحكام بمنعه ، فأنكر فحضر خمسة نفر فذكروا عنه أنه
أفتاهم بعد ذلك فأنكر وصمم على الانكار فحضر ابن طليس وشهد أنه
أفتى لحاما اسمه قمر مسلماني في بستان ابن منجا ، [ 18 ] فقيل
لابن تيمية اكتب بخطك أنك لا تفتي بها ولا بغيرها ، فكتب بخطه
نه لا يفتي بها وما كتب بغيرها . فقال القاضي نجم الدين بن
صصري حكمت بحبسك واعتقالك فقال له : حكمك باطل لانك عدوي فلم يقبل
منه وأخذوه واعتقلواه في قلعة دمشق . وفي سنة إحدي وعشرين
وسبعمائة يوم عاشوراء افرج عن ابن تيمية من حبسه بقلعة دمشق وكانت
مدة اعتقاله خمسة أشهر ونصفا . في سنة / 726 / حبس ابن تيمية
في قلعة دمشق وفتوى الفقهاء من المذاهب الاربعة بتضليله وفي
سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة في سادس من شعبان قدم بريدي من الديار
المصرية ، ومعه مرسوم شريف باعتقال ابن تيمية ، فاعتقل في
قلعة دمشق ، وكان السبب في اعتقاله وحبسه أنه قال : (لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد وإن زيارة قبور الانبياء لاتشد إليها
الرواحل كغيرها كقبر إبراهيم الخليل وقبر النبي صلى الله عليه
________________________________________
وسلم) . ثم ان الفقهاء الشافعية والمالكية كتبوا فتيا أيضا في
ابن تيمية لكونه أول من أحدث هذه المسألة التي لا تصدر إلا ممن
في قلبه ضغينة لسيد الاولين والاخرين ، فكتب عليها الامام العلامة
برهان الدين الفزاري نحو أربعين سطرا بأشياء وآخر القول
إنه أفتى بتكفيره ، ووافقه على ذلك الشيخ شهاب الدين بن جهبل
الشافعي ، وكتب تحت خطه كذلك المالكي وكذلك كتب غيرهم ، ووقع الاتفاق
على تضليله بذلك وتبديعه وزندقته . ثم أراد النائب أن يعتقد
لهم مجلسا ويجمع العلماء والقضاة ، فرأي أن الامر يتسع فيه
الكلام ، ولا بد من إعلام السلطان بما وقع فأخذ الفتوى وجعلها
في مطالعه وسيرها ، فجمع السلطان لها القضاة فلما قرئت عليهم
أخذها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وكتب عليها : (القائل [
19 ] بهذه المقالة ضال مبتدع) ووافقه على ذلك الحنفي والحنبلي
فصار كفره مجمعا عليه ، ثم كتب كتاب إلى دمشق بما يعتمده نائب
السلطنة في أمره . مرسوم للسلطان أيضا باعتماد ما اتفق عليه علماء
القطرين وفي يوم الجمعة عاشر شهر شعبان ، حضر كتاب السلطان
إلى نائب البلد وأمره أن يقرأه على السدة في يوم الجمعة فقرئ
وكان قارئ الكتاب بدر الدين بن الاعزازي الموقع ، والمبلغ ابن
النجيبي المؤذن ، ومضمون الكتاب بعد البسملة ، أدام الله تعالى
نعمه ، ونوضح لعلمه الكريم ورود مكاتبته التي جهزها بسبب ابن
تيمية فوقفنا عليها ، وعلمنا مضمونها في أمر المذكور وإقدامه
على الفتوى بعد تكرير المراسيم الشريفة بمنعه حسبما حكم به القضاة
وأكابر العلماء ، وعقدنا بهذا السبب مجلسا بين أيدينا الشريفة
، ورسمنا بقراءة الفتوى على القضاة والعلماء ، فذكروا جميعا
من غير خلف أن الذي أفتى به ابن تيمية في ذلك خطأ مردود عليه
وحكموا بزجره وطول سجنه ومنعه من الفتوى مطلقا وكتبوا خطوطهم
بين أيدينا على ظاهر الفتوى المجهزة بنسخة ما كتبه ابن تيمية .
________________________________________
وقد جهزنا إلى الجانب العالي طي هذه المكاتبة فيقف على حكم ما
كتب به القضاة الاربعة ، ويتقدم باعتقال المذكور في قلعة دمشق
، ويمنع من الفتوى مطلقا ويمنع الناس من الاجتماع به والتردد
إليه ، وتضييقا عليه لجرأته على هذه الفتوى ، فيحيط به علمك الكريم
، ولكون اعتماده بحسب ما حكم به الائمة الاربعة . وأفتى به
العلماء في السجن للمذكور وطول سجنه ، فإنه في كل وقت يحدث للناس
شيئا منكرا وزندقة يشغل خواطر الناس بها ، ويفسد [ 20 ] على
العوام عقولهم الضعيفة وعقلياتهم وعقائدهم فيمنع من ذلك وتسد
الذريعة منه . فليكن عمله على هذا الحكم ويتقدم أمره به ، وإذا
اعتمد الجناب الرفيع هذا الاعتماد الذي رسمنا به في أمر ابن
تيمية ، فيتقدم منع من سلك مسالكه أو يفتي بهذه الفتوى أو يعمل
بها في أمر الطلاق ، وهذه القضايا المستحدثة ، وإذا اطلع على
أحد عمل بذلك أو أفتى به فيعتبر حاله ، فإن كان من مشايخ العلماء
فيعزر تعزير مثله ، وإن كان من الشبان الذين يقصدون الظهور
– كما يقصده ابن تيمية – فيؤدبهم ويردعهم ردعا بليغا ، ويعتمد
في أمره ما يحسم به مراد أمثاله لتستقيم أحوال الناس وتمشي على
السداد ، ولا يعود أحد يتجاسر على الافتاء بما يخالف الاجماع
، ويبتدع في دين الله عزوجل من أنواع الاقتراح ما لم يسبقه أحد
إليه ، فالجناب العالي يعتمد هذه الامور التي عرفناه إياها الان
وسد الذرائع فيها . وقد عجلنا بهذا الكتاب وبقية فصول مكاتبته
تصل بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . صورة الفتوى من خط
القضاة الاربعة وكتب في سابع عشرين رجب سنة ست وعشرين وسبعمائة
، صورة الفتوى المنقولة من خط القضاة الاربعة بالقاهرة على ظاهر
الفتوى : الحمد لله هذا المنقول ، باطنها جواب عن السؤال ،
عن قوله إن زيارة الانبياء والصالحين بدعة ، وما ذكره من نحو
ذلك ، وانه لا يرخص بالسفر لزيارة الانبياء باطل مردود عليه ،
________________________________________
وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة
عند الائمة والعلماء ويمنع من الفتاوى الغريبة ، ويحبس إذا لم
يمتنع من ذلك ، ويشهر أمره ، ليتحفظ الناس [ 21 ] من الا قتداء
به وكتب محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي ، وكذلك
يقول محمد بن الحريري الانصاري الحنفي ، لكن يحبس الان جزما
مطلقا ، وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي ، ويبالغ في زجره
، حسبما تندفع به هذه المفسدة وغيرها من المفاسد . وكذلك يقول
أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي . ووجدوا صورة فتوى أخرى ، يقطع
فيها بأن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الانبياء معصية
بالاجماع مقطوع بها ، وهذه الفتوى هي التي وقف عليها الحكام
، وشهد بذلك القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني
، فلما رأوا خطه عليها تحققوا فتواه ، فغاروا لرسول الله صلى
الله عليه وسلم غيرة عظيمة ، وللمسلمين الذين ندبوا إلى زيارته
وللزائرين من أقطار الارض ، واتفقوا على تبديعه وتضليله وزيغه
، وأهانوه ووضعوه في السجن انتهى من كتاب ابن شاكر الكتبي . قال
أبو حيان : قرأت في كتاب لابن تيمية وذكر أبو حيان النحوي الاندلسي
في تفسيره المسمى بالنهر في قوله تعالى : (وسع كرسيه السموات
والارض) ما صورته : وقرأت في كتاب لاحمد بن تيمية هذا الذي
عاصرنا ، وهو بخطه سماه كتاب العرش : إن الله يجلس على الكرسي
وقد أخلى منه مكانا يقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، تحيل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري ،
وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه (1) . إه‍
. وكما ترى ذلك في النسخ المخطوطة من تفسير أبي حيان وليست هذه
الجملة بموجودة في تفسير البحر المطبوع وقد ذكر الكوثري : في
(1) وقد نقل ذلك ايضا صاحب (كشف الظنون) 2 / 1438 . [ 22 ] تعليقه
على السيف / 85 ما نصه : ” وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة
________________________________________
أنه استفظعها جدا فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها أعداء
الدين ، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكا لما كان منه ونصيحة للمسلمين
” . ورأيت في بعض فتاويه أن الكرسي موضع القدمين ، وفي
كتابه المسمى بالتدمرية ما هذا لفظه بحروفه بعد أن قرر ما يتعلق
بالصفات المتعلقة بالخالق والمخلوق قال : ثم من المعلوم لما
وصف نفسه بأنه حي عليم قادر لم يقل المسلمون أن ظاهر هذا غير
مراد ، لان المفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا ، فكذلك لما
وصف نفسه أنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن ظاهره غير مراد ،
لان مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا . هذه عبارته بحروفها
وهي صريحة في التشبيه المساوي كما أنه جعل الاستواء على العرش
مثل قوله تعالى : (لتستوا على ظهوره) تعالى الله وتقدس عن ذلك
، وقال في الكلام على حديث النزول المشهور : إن الله ينزل إلى
سماء الدنيا إلى مرجة خضراء وفي رجليه نعالان من ذهب ، هذه عبارته
الزائغة الركيكة ، وله من هذا النوع وأشباهه مغالات في التشبيه
حريصا على ظاهرها واعتقادها وإبطال ما نزه الله تعالى به
نفسه في أشرف كتبه وأمر به عموما وخصوصا ، وذكره أخبارا عن الملا
الاعلى والكون العلوي والسفلي . ومن تأمل القران وجده مشحونا
بذلك ، وهذا الخبيث لا يعرج على ما فيه التنزيه وإنما يتبع
المتشابه ، ويمعن الكلام فيه ، وذلك من أقوى الادلة على أنه من
أعظم الزائغين ، ومن له أدنى بصيرة لا يتوقف فيما قلته إذ القرائن
لها اعتبار في الكتاب والسنة وتفيد القطع وتفيد ترتب الاحكام
الشرعية لاسيما في محل الشبه إه‍ . [ 23 ] احتجاج ابن تيمية
على إثبات الجهة لله تعالى وقد احتج ابن تيمية على إثبات الجهة
لله تعالى مقلدا سلفه المجسمة بقوله تعالى حكاية عن فرعون :
(يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع
إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا) . وقد نقل ذلك عنه عصريه الحافظ
________________________________________
أحمد بن يحيى الكلابي في رسالته . [ 29 ] ذكره مسائل من شواذه
ثم ذكره التقي الحصني مسائل من شذوذه انتقدها العلماء وبرهن
على بطلانها منها . 1 – زعمه أن النار تفنى وأن الله تعالى جعل
لها أمدا تنتهي إليه ، وهي من أقبح القبائح . 2 – قوله : (بحوادث
لا أول لها) . وتكلم بكلام لبس فيه على العوام وغيرهم من
سئ الافهام يقصد بذلك الازدراء برسول الله صلى الله عليه وسلم
، والحط من قدره ورتبته ، وما فيه رفعة يسكت عنه ، يفهم ذلك منه
كل عالم امتلا قلبه بتعظيمه وتوقيره بما خصه الله تعالى من المواهب
الالهية التي لم ينلها غيره صلى الله عليه وسلم ، وهو حريص
على حط رتبته والغض منه تارة يقع ذلك مكنه قريبا من التصريح
وتارة بالاشارة القريبة وتارة بالاشارة البعيد التي لا يدركها
إلا أهلها . حال ابن تيمية في فهرس الفهارس للكتاني ذكر عبد
الحي الكتاني في ترجمة ابن تيمية في فهرس الفهارس 1 : 201 – 202
ما نصه : ” ومن أبشع وأشنع ما نقل عنه قوله في حديث ” ينزل ربنا
في الثلث الاخير من الليل ” كنزولي هذا . وقال الرحالة ابن
بطوطة في رحلته : ” وشااهدته نزل درجة من المنبر الذي كان يخطب
عليه ” . وقال القاضي أبو عبد الله المقري [ 30 ] الكبير في
رحلته (نظم اللالي في سلوك الامالي) حين تعرض لشيخيه ابني الامام
التلمساني ورحلتهما : ناظرا تقي الدين ابن تيمية وظهرا عليه
وكان ذلك من أسباب محنته . وكان له مقالات شنيعة من أمرار حد
يث النزول على ظاهره ، وقوله فيه كنزولي هذا ، وقوله فيمن سافر
لا ينوي إلا زيارة القبر الكريم لا يقصر لحديث لا تشد الرحال
. ونقله عنه حفيده أبو العباس المقرى في (أزهار الرياض) وأقره
. ومن أشنع ما نقل عن ابن تيمية أيضا قوله في حق (شفاء القاضي
عياض) ” غلا هذا المغيربي ” وقد قال في ذلك شيخ الاسلا م بإفريقيا
الامام العلم أبو عبد الله ابن عرفة التونسي : شفاء عياض في
________________________________________
كمال نبينا * كواصف ضوء الشمس ناظر قرصها فلا غرو في تبليغه
كنه وصفه * وفي عجزه عن وصفه كنه شخصها وإن شئت تشبيها بذكر إمارة
* بأصل ببرهان مبين لنقصها وهذا بقول قيل عن (زائغ) غلا *
عياض فتبت ذاته عن محيصها ذكرهم له تلميذه البسيلي في تفسيره والمقري
في (أزهار الرياض) وفي حواشي البخاري لشيخ الجماعة بفاس
أبي السعود عبد القادر الفاسي ” . . انتهى كلام الكتاني . حال
ابن تيمية عند الحافظ المجتهد السبكي ذكر السبكي في مقدمة كتابه
الدرة المضية في الرد على ابن تيمية مانصه : أما بعد فإنه لما
أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الاسلام
الاركان والمعاقد بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة
مظهرا أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة فخرج عن الاتباع إلى الابتداع
وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الاجماع وقال بما يقتضى [
31 ] الجسمية والتركيب في الذات المقدس وان الافتقار إلى الجزء
ليس بمحال وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى وان القرآن محدث
تكلم الله به بعد أن لم يكن وانه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته
الارادات بحسب المخلوقات وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم
والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها
فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما ولم يجمع أحد
هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل فلم يدخل في
فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الامة ولا
وقفت به مع أمة من الامم همة وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما
تقل جملته بالنسبة لما أحدث في الفروع . انتهى . وأما ما وجد في
بعض النسخ السقيمة في كتابه شفاء السقام عند ذكر ابن تيمية ”
رحمه الله ” فلا يدفع هنا النص الصريح في تكفيره ولاسيما والحال
أن من جملة ما اعتمد عليه في تكفيره قوله بحوادث لا أول لها
أي أزلية العالم فإنه ممن انعقد الاجماع على تكفير قائله فكيف
________________________________________
يصدر من السبكي بعد هذا بعد ذكر ابن تيمية ” رحمه الله ” . وكيف
يقول عنه رحمه الله ويقول عنه : يرى حوادث لا مبدأ لاولها *
في الله سبحانه عما يظن به ويزيد ذلك تأييدا قول الحافظ ابن حجر
في شرح البخاري ما نصه : فقد حكى عياض وغيره الاجماع على تكفير
من يقول بقدم العالم وقال ابن دقيق العيد وقع هنا من يدعي
الحزق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة وظن أن المخالف في حدوث
العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع وتمسك بقولنا ان منكر
الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا
عن صاحب الشرع . قال : وهو تمسك ساقط أما عن عمي في البصيرة أو
تعام لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر
بالنقل انتهى . [ 32 ] وذلك في صحيفة : 202 من الجزء الثاني عشر
ونقل قبل ذلك عن شيخه الحافظ العراقي أنه قال في شرح الترمذي
: إن القول بحدوث العالم مما علم وجوبه بالتواتر انتهى . حال
ابن تيمية عند الحاظ ولي الدين العراقي وقوله بأن ابن تيمية خرق
الاجماع بنحو ستين مسألة قال الحافظ ولي الدين العراقي أيضا
في جوابه عن سؤال الحافظ ابن فهد المسمى بالاجوبة المرضية عن الاسئلة
المكية (1) ما نصه : وأما الشيخ تقي الدين ابن تيمية .
. . لكنه كما قيل فيه علمه أكثر من عقله فأداه اجتهاده إلى خرق
الاجماع في مسائل كثيرة قيل إنها تبلغ ستين مسألة فأخذته الالسنة
بسبب ذلك وتطرق إليه اللوم وامتحن بهذا السبب وأسرع علماء
عصره في الرد عليه وتخطئته وتبديعه ومات مسجونا بسبب ذلك . والمنتصر
له يجعله كغيره من الائمة بأنه لا تضره المخالفة في مسائل
الفروع إذا كان ذلك عن اجتهاد لكن المخالف له يقول ليست مسائله
كلها في الفروع بل كثير منها في الاصول وما كان منها من الفروع
فما كان سوغ له المخالفة فيها بعد انعقاد الاجماع عليها .
ولم يقع للائمة المتبوعين مخالفته في مسائل انعقد الاجماع عليها
________________________________________
قبلهم بل ما يقع لاحد منهم إلا وهو مسبوق به عن بعض السلف كما
صرح به غير واحد من الائمة وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق
والزيارة وقد رد عليه فيهما معا الشيخ الامام تقي الدين السبكي
وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن . انتهى كلام الحافظ ولي
الدين . (1) مخطوط في المكتبة الظاهرية (*) [ 33 ] حال ابن تيمية
في ا لدرر الكامنة لابن حجر الحافظ ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة
ابن تيمية في الدرر الكامنة 1 / 144 انتقاد العلماء له ،
وإني أنقل بعض ما ذكره . قال : أول ما أنكر وقام عليه العلماء
سنة 698 بسبب المسألة الحموية ، ثم طلب إلى مصر سنة / 705 وحبس
بها ، ثم نقل منها سنة 709 إلى الاسكندرية ، ثم أعيد إلى القاهرة
، ثم أرجع إلى الاسكندرية ، ثم أفرج عنه سنة 712 ورجع إلى
الشام . وقد عقد له مجلس في التاريخ الاول سئل فيه عن عقيدته ،
فأملى منها شيئا ثم أحضروا عقيدته الواسطية فقرئ شئ منها ، وبحثوا
في مواضع منها ، ثم اجتمعوا بعد أيام وقرروا الصفي الهندي
لمناظرته ثم أخروه ، وقدموا الكمال الزملكاني ، ثم انفصل الامر
، على أنه أشهد على نفسه أنه شافعي المعتقد فأشاع أتباعه أنه
انتصر فغضب خصومه ، ورفعوا واحدا منهم إلى القاضي جلال الدين
القزويني فعزره ، وكذلك فعل القاضي الحنفي بإثنين من أتباعه ،
ثم قاموا عليه في سنة (719) بسبب مسألة الطلاق ، وأكد عليه المنع
من الفتيا ، ثم عقد له مجلس سنة (720) ، ثم حبس بقلعة دمشق
ثم أخرج سنة (721) ، ثم قاموا عليه سنة (726) ، بسبب مسألة الزيارة
وحبس بالقلعة إلى أن مات سنة (728) ، ونسبوه إلى التجسيم
. لما ذكره في عقيدته الحموية والواسطية وغيرهما في ذلك ، كقوله
إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله تعالى ، وانه
مستو على العرش بذاته ، فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام
. فقال : أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الاجسام ، فألزم
________________________________________
بأنه يقول بالتحيز في ذات الله تعالى ، وخطأ أمير المؤمنين
عمر بن [ 34 ] الخطاب رضي الله عنه ، وخطأ أمير المؤمنين عليا
كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف نص الكتاب . ونسبوه إلى
النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه ، ولقوله أيضا فيه انه
كان مخذولا حيثما توجه وانه حاول الخلافة مرارا فلم ينلها ،
وإنما قاتل للرياسة لا للديانة ، ولقوله أيضا انه كان يحب الرياسة
، ولقوله أيضا فيه أبو بكر أسلم شيخا يدري ما يقول ، وعلي
أسلم صبيا والصبي لا يصح إسلامه على قول ، وبكلامه في خطبة علي
رضي الله عنه بنت أبي جهل ، ومات وما نسيها . وقال إن عثمان رضي
الله تعالى انه كان يحب المال ؟ ونسبوه إلى الزندقة لقوله إن
النبي صلى الله عليه وسلم لا يستغاث به ، ونسبه قوم إلى السعي
في الامامة الكبرى لانه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه ، وكان
إذا حوقق وألزم يقول : لم أرد هذا ، وإنما أردت كذا ، فيذكر
احتمالا بعيدا . إ ه‍ = ملخصا من (الدرر الكامنة) . فقوله : (وقرروا
الصفي الهندي لمناظرته ثم أخروه) ، مجمل بينه العلامة تاج
الدين السبكي في طبقاته الكبرى في ترجمة الصفي الهندي قال :
ولما وقع لابن تيمية في المسألة الحموية ما وقع وعقد له المجلس
بدار السعادة بين يدي الامير تنكيز ، وجمعت العلماء ، وأشاروا
بأن الشيخ الهندي يحضر فحضر ، وكان الهندي طويل النفس في التقرير
إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضا إلا وقد أشار
إليه في التقرير ، بحيث لا يتم التقرير إلا ويعز على المعترض
مقاومته . فلما شرع يقرر أخذ ابن تيمية يعجل عليه – على عادته
– ويخرج من شئ إلى شئ ، فقال له الهندي : ما أراك يا ابن تيمية
إلا كالعصفور ، كلما أردت قبضه من مكان فر إلى مكان آخر ، وكان
الهندي شيخ الحاضرين كلهم ، وكلهم صدر عن رأيه ، وحبس ابن
تيمية بسبب تلك المسألة المتضمنة قوله بالجهة ، ونودي عليه في
________________________________________
البلد وعلى أصحابه [ 35 ] وعزلوا من وظائفهم إه‍ . وقوله : (ثم
قاموا عليه سنة 726 بسبب مسألة الزيارة وحبس بالقلعة إلى أن مات
سنة 728) ، أي علماء دمشق أيضا صحيح أيضا ، فقد أفتى بأن شد
الرحال إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بدعة ومعصية لا يجوز
قصر الصلاة فيها ، وقد رد عليه فيها علماء أعلام في مقدمتهم
الامام السبكي . وقوله : (ونسبوه إلى التجسيم لما ذكره في عقيدته
الحموية والواسطية وغيرهما إلى قوله وخطأ عمر بن الخطاب) صحيح
أيضا ولو لم يدل على تجسيمه من كلامه إلا زعمه أن اليد والقدم
والساق والوجه صفات حقيقية لله تعالى ، وأنه تعالى مستو على
العرش بذاته لكفى ذلك في تكفيره . وفي لسان الميزان 6 / 319 في
ترجمة يوسف الحلي يقول ابن حجر ما نصه : . . . ولابن تيمية رد
عليه أي الرد واستيفاء أجوبة لكنا نذكر بقية الابيات في ما يعاب
به ابن تيمية من العقيدة طالعت الرد المذكور فوجدته كما قال
السبكي في الاستيفاء لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد
الاحاديث التي يوردها ابن المطهر وإن كان معظم ذلك من الموضوعات
والواهيات لكنه رد في رده كثيرا من الاحاديث الجياد التي لم
يستحضر حالة التصنيف مظانها لانه كان لاتساعه في الحفظ يتكل
على ما في صدره والانسان عامد للنسيان وكم من مبالغة لتوهين كلام
الرافضي أدته أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه . [ 36 ] كلام
التقي الحصني أيضا وفي ابن تيمية وقال العلامة تقي الدين الحصني
في ” دفع شبه من شبه وتمرد ” : ومن قواعده المقررة عنده
، وجرى عليها أتباعه التوقي بكل ممكن ، حقا كان أو باطلا ، ولو
بالايمان الفاجرة سواء كانت بالله عزوجل أم بغيره . وأما الحلف
بالطلاق فإنه لا يوقعه البتة ولا يعتبره سواء كان بالتصريح أم
الكناية أم التعليق أم التنجيز وإشاعته هو وأتباعه أن الطلاق
الثلاث واحد خزعبلات ومكر ، وإلا فهو لا يوقع طلاقا على حالف
________________________________________
به ولو أتى به في اليوم مائة مرة على أي وجه ، سواء كان حثا أم
منعا أم تحقيق خبر فاعرف ذلك وأن مسألة الثلاث إنما يذكرونها
تسترا وخديعة ، وقد وقفت على مصنف له في ذلك وكان عند شخص شريف
زينبي . وكان يرد الزوجة إلى زوجها في كل واقعة بخمسة دراهم ،
وإنما أطلعني عليه لانه ظن أني منهم فقلت له : يا هذا أتترك قول
الامام أحمد وقول بقية الائمة بقول ابن تيمية ؟ ، فقال : اشهد
علي اني تبت وظهر لي أنه كذب في ذلك ، ولكن جرى على قاعدتهم
في التستر والتقية ، فنسأل الله تعالى العافية من المخادعة إنها
صفة أهل الدرك الاسفل إه‍ . كلام السخاوي ورأي الذهبي في ابن
تيمية ذكر الحافظ السخاوي في الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ
ص / 77 بعد الكلام على الذهبي ما نصه : ” . . . وقد رأيت – اي
الذهبي – له عقيدة مجيدة ورسالة كتبها لابن تيمية هي لدفع نسبته
لمزيد تعصبه [ 37 ] مفيدة (1) ، وقال مرة فيه مع حلفه بأنه
ما رمقت عينه أوسع منه علما ولا أقوى ذكاء مع الزهد في المأكل
والملبس والنساء ومع القيام في الحق بكل ممكن أنه تعب في وزنه
وتفتيشه سنين متطاولة فما وجد اخره بين المصريين والشاميين ومقتته
نفوسهم بسببه وازدروا به وكذبوه بل كفروه إلا الكبر والعجب
والدعاوى وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار ومحبة
الظهور بحيث قام عليه ناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم ولا أزهد
. . . إلى أن قال بنقله عن الذهبي الصحيفة / 78 من الاعلان
: ” . . . وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل
والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل أن يدخل في هذه
الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكشوفا
عليه قتمة عند خلائق من الناس ودجالا أفاكا كافرا عند أعدائه
. . . ” . قف على قوله : انه كان مضيئا قبل أن يشتغل بالفلسفة
ثم صار مظلما عليه قتمة ، وهذا كلام من ؟ كلام تلميذه الذي كان
________________________________________
يمدحه ثم بعد ذلك ذكر فيه ما ذكر ، وراجع كلامه في النصيحة التي
أرسلها له ويقول له فيها : ” . . . يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة
ومصنفاتهم مرات . . . ” ، ” يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم
منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والاهدار ، أو بالتأويل
والانكار ” . هذا كلام الذهبي الذي قال لابن تيمية ” وأنا الشفوق
المحب الواد ” فراجع النصيحة بتمعن وتفكر . (1) راجع ” بيان
زغل العلم والطلب للذهبي ” . (*) [ 38 ] فصل وقد استتيب مرات
في أمور خطرة وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة وأوردت هنا صورة
من صيغ استتابته كما هي مسجلة في (نجم المهتدي) لتكون عبرة
للمعتبر وهي هذه : (الحمد لله . الذي أعتقده أن في القرآن معنى
قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة الازلية وهو غير
مخلوق وليس بحرف ولا صوت وليس هو حالا في مخلوق أصلا ولا ورق
ولا حبر ولا غير ذلك ، والذي أعتقده في قوله : (الرحمن على العرش
استوى) أنه على ما قال الجماعة الحاضرون وليس على حقيقته وظاهره
ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله ، والقول
في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه لا أعرف
كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله وليس على حقيقته وظاهره
كما قال الجماعة الحاضرون وكل ما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل
وكل ما في خطى أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل وكل ما في ذلك
مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا برئ منه
فقد تبرأت منه وتائب إلى الله من كل ما يخالفه . كتبه أحمد
بن تيمية ، وذلك يوم الخميس سادس شهر ربيع الاخر سنة سبع وسعمائة
. وكل ما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار في ذلك غير
مكره . كتبه أحمد بن تيمية حسبنا الله ونعم الوكيل ” . وبأعلى
ذلك بخط قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ما صورته : اعترف عندي
بكل ما كتبه بخطه في التاريخ المذكور . كتبه محمد بن إبراهيم
________________________________________
الشافعي وبحاشية الخط : اعترف بكل ما كتب بخطه . كتبه عبد الغني
بن محمد الحنبلي . وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات هذه صورتها
: كتب المذكور [ 39 ] بخطه أعلاه بحضوري واعترف بمضمونه . كتبه
أحمد بن الرفعة . صورة خط آخر : أقر بذلك . كتبه عبد العزيز
النمراوي . صورة خط آخر : أقر بذلك كله بتاريخه . علي بن محمد
بن خطاب الباجي الشافعي . صورة خط آخر : جرى ذلك بحضوري في تاريخه
. كتبه الحسن ابن أحمد بن محمد الحسيني وبالحاشية أيضا ما
مثاله : كتب المذكور أعلاه بخطه واعترف به . كتبه عبد الله بن
جماعة . مثال خط أخر أقر بذلك وكتبه بحضوري محمد بن عثمان البوريجبي
. وكل هؤلاء من كبار أهل العلم في ذلك العصر ، وابن الرفعة
وحده له (المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي) في أربعين مجلدا
وفي ذلك عبر . ولولا أن ابن تيمية كان يدعو العامة إلى اعتقاد
ضد ما في صيغة الاستتابة هذه بكل ما أوتي من حول وحيلة لما
استتابه أهل العلم بتلك الصيغة وما اقترحوا عليه أن يكتب بخطه
ما يؤاخذ به إن لم يقف عند شرطه ، وبعد أن كتب تلك الصيغة بخطه
توج خطه قاضي القضاة البدر بن جماعة بالعلامة الشريفة وشهد على
ذلك جماعة من العلماء كما ذكرنا ، وحفظت تلك الوثيقة بالخزانة
الملكية الناصرية ، لكن لم تمض مدة على ذلك حتى نقض ابن تيمية
عهوده ومواثيقه كما هو عادة أئمة الضلال وعاد إلى دعوته الضالة
ورجع إلى عادته القديمة في الاضلال وكم له من فتن في مختلف
التواريخ * في سني 798 و 705 و 718 و 721 و 722 و 726 وهي مدونة
في كتب التواريخ وفى كتب خاصة ، ومجرد تصور شواذه التي ألممنا
ببعضها في هذا الكتاب يدل المسترشد المنصف على ما ينطوي عليه
من الزيغ وإضلال الامة . والغريب أن أتباع هذا الرجل يسيرون
وراءه ويشبهون به في إثارة القلاقل [ 40 ] والفتن بين الامة بمواجهتها
بالحكم على أفرادها بالشرك والزيغ والكفر وعبادة الاوثان
________________________________________
والطواغيت يعنون أحباب الله الانبياء والاولياء يقولون إن من
يزورهم يكون عابد الاوثان والطواغيت ومن هذا الطراز في زمننا
كثير نراهم بأعيننا ونسمعهم بآذاننا طهر الله الارض منهم وأراح
العباد من شرهم . وسأظهر الصورة الخطية لاستتابته منقولة من
كتاب ” نجم المهتدي ورجم المهتدي ، وبالصورة الخطية لمرسوم ابن
قلاورن في ابن تيمية ، كما وعدنا سابقا بإظهار هذا المرسوم كما
أخذتها من كتاب (نجم المهتدي ورجم المعتدي) للفخر بن المعلم
القرشي . والاصل المخطوط محفوظ بالمكتبة الاهلية بباريس تحت رقم
/ 638 ، كتب بخط مؤلفه . [ 41 ] صورة غلاف كتاب نجم المهتدي
ورجم المعتدي لابن المعلم القرشي . [ 43 ] الصورة الخطية لا ستتابته
، انظر مكان السهم . [ 44 ] الصفحة الاخيرة وعليها صور لتوقيعات
العلماء . [ 45 ] الصورة الخطية نمرسوم ابن قلاوون في
ابن تيمية انظر السهم [ 50 ] دليل على جهله وانطوائه على غرض سيئ
ويدل على جهله وانطوائه على غرض سيئ في مراوغته للعلماء عند
محاققتهم له بقوله : لم أرد هذا وإنما أردت كذا ويذكر احتمالا
بعيدا . ما ذكره العلامة الحصني في (دفع شبه من شبه وتمرد) في
آخر صفحة 34 قال : ثم شرع ينظر في كلام العلماء ويعلق في مسوداته
حتى ظن أنه صار له قوة في التصنيف والمناظرة وأخذ يدون ويذكر
أنه جاءه استفتاء من بلد كذا ، وليس لذلك حقيقة فيكتب عليها
صورة الجواب ويذكر ما لا ينتقد عليه وفي بعضها ما يمكن أن ينتقد
، إلآ أنه يشير إليه على وجه التلبيس بحيث لا يقف على مراده
إلا حاذق عالم متفنن ، فإذا ناظر أمكنه أن يقطع مناظره إلا ذلك
المتفنن الفطن إ ه‍ . وفي صفحة 36 منه قال : إنه يذكر في بعض
مصنفاته كلام رجل من أهل الحق ويدس في غضونه شيئا من معتقده الفاسد
فيجري عليه الغبي بمعرفة كلام أهل الحق فيهلك ، وقد هلك
بسبب ذلك خلق كثير ، وأعمق من ذلك أنه يذكر ان ذلك الرجل ذكر ذلك
________________________________________
في الكتاب الفلاني وليس لذلك الكتاب حقيقة وإنما قصده بذلك
انفضاض المجلس ، ويؤكد قوله بأن يقول ما يبعد أن هذا الكتاب عند
فلان ويسمي شخصا بعيد المسافة ، كل ذلك خديعة ومكر وتلبيس لاجل
خلاص نفسه ، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله إ ه‍ . [ 51 ] فائدة
في مسألة الطلاق وتبيان أن ابن تيمية ليس من المجتهدين روى
مسلم في صحيحه في كتاب الطلاق عن عبد الله بن عباس انه قال :
” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابي بكر
وسنتين من خلافة عمر ، طلاق الثلاث واحدة فقال عمر : إن الناس
قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فامضاه
عليهم ” لا يجوز العمل العمل بظاهره . ثم الجواب عنه : إما
أن يقال إنه ضعيف بالشذوذ كما حكم الامام أحمد بن حنبل عليه
وقد ذكر ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في رده على من جعل الثلاث
بلفظ واحد واحدا ، وبمخالفته لما ثبت عن عبد الله ابن عباس أنه
أفتى فيمن طلق بالثلاث دفعة واحدة بأنه ثلاث وقد تواتر ذلك عن
ابن عباس ، فقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى بأسانيده عن ثمانية
من ثقات تلاميذه أنه أفتى بذلك . وأما أن يقال انه مؤول بأن
معنى كان الطلاق طلاق الثلاث واحدا أن البتة كانت تستعمل للطلاق
الواحد للتأكيد ثم صار الناس يستعملونها في أثناء خلافة عمر
بقصد الثلاث فأجرى عليهم عمر الحكم على موجب قصدهم . وبيان ذلك
أن قول الناس أنت طالق ألبتة كانت تستعمل في أول الامر بنية
تأكيد الطلقة الواحدة ثم اشتهرت للطلاق الثلاث لذلك اختلف فيها
مذاهب الائمة كان منهم من يجعل البتة للثلاث ، وكذلك أنت حرام
علي وأنت بائن ومنهم من يجعلها على حسب القصد ويدل لذلك أن في
بعض نسخ مسلم عند المغاربة كانت البتة في عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة كما ذكر ذلك الحافظ
أبو بكر بن العربي في كتابه القبس على موطأ مالك بن أنس
________________________________________
، وأما أن يعارض هذا الحديث بالاجماع المنعقد على أن الثلاث بلفظ
واحد ثلاث ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في آخر بحث له واسع
في هذه المسألة أي مسألة جمع الثلاث في شرحه على البخاري [ 52
] فإن هذه المسألة ليس فيها خلاف معتد به عند أهل السنة ، ولم
يثبت عن أحد من مجتهدي أهل السنة الخلاف في هذه المسألة حتى أن
ابن تيمية الذي أحيا هذا الخلاف كان قد صرح قبل ذلك بأن هذه
المسألة إجماع ، وليس ابن تيمية من أهل الاجتهاد ، وخلافه هذا
نظير خلافه في مسألة بقاء النار ، بعد أن نقل في كتابه منهاج السنة
النبوية اتفاق المسلمين على بقاء الجنة والنار ، وإنه لم
يخالف في ذلك إلا جهم بن صفوان ثم إنه نقض هذا الاجماع فقال هو
– إن نار جهنم تفنى ولذلك قوله على ان الطلاق المعلق على وجه
اليمين لا يقع بوقوع المعلق إليه وانه ليس في ذلك إلا الكفارة
حرف في ذلك إجماع علماء الاسلام على أن الطلاق المعلق يقع إذا
وقع المعلق عليه إن كان على وجه اليمين أو على غير وجه اليمين
. فهل يجوزأن يعد مثل هذا إماما مجتهدا يأخذ بقوله الذي يجتهد
به . ونحمد الله على نبذ المحاكم السعودية لرأي ابن تيمية في الطلاق
والسبب في عدم موافقة القضاة في المحاكم السعودية لابن تيمية
أنه مخالف لاحمد في هذه المسألة التي ليس لاحمد فيها قول
مخالف بل جميع أصحاب أحمد متفقون على أن مذهبه أن الثلاث بلفظ
واحد ثلاثة . ثم إن من أخذ بظاهر هذا الحديث يكون خون عمر بن الخطاب
وابن عباس . أما تخوينهم لعمر فإنهم جعلوه حكم بتحريم النساء
المطلقات بالثلاث باللفظ الواحد على أزواجهن إلا بعد أن تنكحن
أزواجا آخرون وهو يعلم أن الرسول وأبا بكر حكمهما خلاف ذلك
بل في ذلك تكفير لعمر لان من حرف حكما لرسول الله وهو يعلم محرم
ما أحله فهو كافر . وهذا بخلاف ما فعله عمر من ضرب شارب الخمر
ثمانين بعد أن كان يضرب في زمن الرسول وأبي بكر أربعين لان
________________________________________
ذلك ليس فيه ما في هذا . كما قال علي بن أبي طالب عن جلد أربعين
أنه سنة وعن جلد [ 53 ] ثمانين انه سنة كما رواه مسلم وغيره
. فلا يجوز أن يجعل هذا نظير هذا لان ما فعله عمر في مسألة الجلد
ليس فيه إبطال حكم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان
فعل الرسول لذلك لا يتضمن أن ما سوى هذا العدد حرام . وأما تخوينهم
لابن عباس فمن قال منهم بأن ابن عباس أفتى بأن الثلاث بلفظ
واحد ثلاث مع علمه بأن حكم رسول الله خلاف ذلك فقد نسبه لتحريف
حكم رسول الله عمدا ، ومن اعتبر ابن تيمية من المجتهدين الذين
يجب تقليدهم فقد بعد عن الصواب . كيف وهو القائل إن العالم
أزلي بجنسه ، أي إن جنس العالم لم يتقدمه الله بالوجود وإنما
تقدم الافراد المعينة ، وقد اتفق المسلمون على تكفير من يقول بان
العالم أزلي مع الله سواء جعله أزليا بنوعه أو بنوعه وتركيبه
وأفراده المعينة (1) وقد نص ابن تيمية على ما ذكرنا عنه في خمسة
من كتبه . منهاج السنة النبوية – والموافقة – وشرح حديث النزول
– وشرح حديث عمران بن الحصين – وكتاب نقد مراتب الاجماع .
وسنظهر ذلك تباعا إن شاء الله . (1) كما نص على ذلك الزركشي وابن
حزم . (*) [ 54 ] لاتنافض عند أبي حيان في مدحه لابن تيمية
أولا وذمه له ثانيا والمفتتنون بالحراني يسجلون على أبي حيان
تناقضه ، قالوا إنه مدح إمامهم مدحا بليغا ، ولما جهل إمام النحوين
سيبويه نافره وذمه ، ويفتخرون بهذا الهذيان الذي صبه قدوتهم
على عمرو بن بشر : (يفشر سيبويه ، وما كان نبي النحو ، وأخطأ
في الكتاب في ثمانين موضعا لا تفهمها أنت) . ولا تناقض عند أبي
حيان ، أما مدحه له أولا فهو مبني على ، تحسين الظن وعلى الشهرة
الكاذبة والدعاية التي جعلها لنفسه ونشرها له الغوغاء ، وأما
ذمه بعد ذلك فلما انكشف له من عقيدته وعجرفته وغطرسته . قول
إبن حجر الهيتمي في ابن تيمية سئل في فتاواه الحديثية ص / 114
________________________________________
فأجاب بقوله : إبن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله وأعماه وأصمه
وأذله وبذلك صرح الائمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله
، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الامام المجتهد المتفق
على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد . ابي الحسن السبكي
وولده التاج والشيخ الامام العز بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من
الشافعية والمالكية والحنفية . ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية
بل اعترض على مثل عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي
الله تعالى عنهما ، والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في
كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال ، وأجارنا
من مثل طريقته وعقيدته . [ 55 ] وأفاض في ذكر أعيان من الصوفية
طعن فيهم ثم قال : ولا زال يتتبع الاكابر حتى تمالا عليه أهل
عصره ففسقوه وبدعوه ، بل كفره كثير منهم ، وقد كتب إليه بعض أجلاه
أهل عصره علما ومعرفة سنة خمس وسبعمائة . من فلان إلى الشيخ
الكبير العالم إمام أهل عصره – بزعمه – أما بعد ، فإنا أحببناك
في الله زمانا ، وأعرضنا عما يقال فيك إعراض الفضل إحسانا
، إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس
، وهل يشك في الليل عاقل إذا غربت الشمس ؟ ، وإنك أظهرت إنك
قائم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والله تعالى أعلم بقصدك
ونيتك ، ولكن الاخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول ، وما رأينا
آل أمرك إلا إلى هتك الاستار والاعراض باتباع من لا يوثق بقوله
من أهل الاهواء والاغراض ، فهو سائر زمانه يسب الاوصاف والذوات
ولم يقنع بسب الاحياء حتى حكم بتكفير الاموات . ولم يكفه
التعرض على من تأخر من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الاول ومن
له أعلى المراتب في الفضل ، فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة
، وهيهات أن لا يناله غضب وأنى له بالسلامة . وذكر سماعه
منه تخطئة الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب ، وقد تقدم
________________________________________
، ثم قال : فيما ليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ
علي بزعمك كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب ؟ ، والان قد بلغ هذا
الحال إلى منتهاه والامر إلى مقتضاه ولا ينفعني إلا القيام في
أمرك ودفع شرك ، لانك قد أفرطت في الغي ووصل أذاك إلى كل ميت وحي
، وتلزمني الغيرة شرعا لله تعالى ولرسوله ويلزم ذلك جميع المؤمنين
وسائر عباد الله المسلمين بحكم ما يقوله العلماء وهم أهل
الشرع ، وأرباب السيف الذين بهم الوصل والقطع ، إلى أن يحصل
منك الكف عن أعراض الصالحين رضي الله عنهم أجمعين إ ه‍ . [ 56
] وقال الهيتمي بعد هذا مباشرة : واعلم أنه خالف الناس في مسائل
نبه عليها التاج السبكي وغيره ، فمما خرق فيه الاجماع قوله في
(علي الطلاق) إنه لا يقع عليه بل عليه كفارة يمين ولم يقل بالكفارة
أحد من المسلمين قبله ، وان طلاق الحائض لا يقع ، كذا الطلاق
في طهر جامع فيه ، وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يجب قضاؤها
، وان الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا كفارة عليها ، وان
الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة ، وكان هو قبل ادعائه ذلك نقل إجماع
المسلمين على خلافه ، وأن المكوس حلال لمن أقطعها ، وانها
إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم تكن باسم الزكاة
ولا على رسمها ، وان المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة
، وان الجنب يصلي تطوعه بالليل ، ولا يؤخره إلى أن يغتسل قبل
الفجر إن كان بالبلد ، وان شرط الواقف غير معتبر بل ولو وقف على
الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس وعلى القضاة صرف إلى الصوفية
في أمثال ذلك من مسائل الاصول ، مسألة الحسن والقبح ، إلتزم
كل ما يرد عليها ، وأن مخالف الاجماع لا يكفر ولا يفسق ، وأن
ربنا سبحانه وتعالن عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا محل
الحوادث تعالى الله عن ذلك وتقدس ، وانه مركب تفتقر ذاته افتقار
الكل للجزء تعالى الله عن ذلك وتقذس ، وان القرآن محدث في
________________________________________
ذات الله ، تعالى الله عن ذلك ، وان العالم قديم بالنوع ولم يزل
مع الله مخلوقا دائما فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار
تعالى الله عن ذلك . وقوله بالجسمية والجهة والانتقال وانه بقدر
العرش لا أصغر ولا أكبر تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع
القبيح والكفر البراح الصريح وخذل متبعيه وشتت شمل معتقديه . وقال
إن النار تفنى ، وان الانبياء غير معصومين ، وان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا جاه له ولا يتوسل به ، وإن إنشاء السفر
إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه وسيحرم ذلك يوم الحاجة
الماسة إلى شفاعته ، وإن [ 57 ] التوراة والانجيل لم تبدل
ألفاظهما وإنما بدلت معانيهما إ ه‍ . نبذة من تشبيهه لله تعالى
بخلقه وتجسيمه (1) قال في منهاج السنة ج‍ (1) ص 216 و 217 ما
نصه : وأما قوله لانه ليس في جهة ، فيقال للناس في إطلاق لفظ
الجهة ثلاثة أقوال فطائفة تنفيها وطائفة تثبتها وطائفة تفصل ،
وهذا النزاع موجود في المثبتة للصفات من أصحاب الائمة الاربعة
وأمثالهم ، ونزاع أهل الحديث والسنة الخاصة في نفي ذلك وإثباته
نزاع لفظي ليس هو نزاعا معنويا . ولهذا كان طائفة من أصحاب أحمد
كالتميميين والقاضي في أول قوليه تنفيها ، وطائفة أخرى أكثر
منهم تثبتها وهو آخر قولي القاضي ، وذلك أن لفظ الجهة قد يراد
به ما هو موجود ، وقد يراد به ما هو معدوم . ومن المعلوم أن
لا موجود إلا الخالق والمخلوق ، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير
الله تعالى كان مخلوتا والله تعالى لا يحصره ولا يحيط به شئ
من المخلوقات ، وإن أريد بالجهة أمر عدمي ، وهو ما فوق العالم
فليس هناك إلا الله وحده ، فإذا قيل انه في جهة كان معنى الكلام
أنه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عال
عليه . ثم قال : فالاشعري وقدماء أصحابه كانوا يقولون انه بذاته
فوق العرش ومع ذلك ليس بجسم ، و عبد الله بن كلاب والحارث المحاسبي
________________________________________
وأبو العباس القلانسي كانوا يقولون بذلك إ ه‍ . قوله :
(وهذا النزاع موجود في المثبتة للصفات من أصحاب الائمة الاربعة
وأمثالهم) ، بهتان على أصحاب الائمة الاربعة وعلى المجهولين
(أمثالهم) ، ومن هؤلاء الامثال ، ألا سمى لنا ولو واحدا منهم إن
كان [ 58 ] صادقا حتى ينظر فيه ؟ وإني أتحدى كل من افتتن وأعجب
بهذا الانسان أن ينقل لنا تفصيله هذا للجهة عن أي واحد من السلف
المعتبرين الذين يلبس بهم على الغوغاء ولا سبيل له إلى ذلك
. وقوله : (فالاشعري وقدماء أصحابه كانوا يقولون إلى آخر الهراء)
، بهتان على الاشعري وقدماء أصحابه . وقد ذكر في فتاويه 5
: 18 ما نصه : وأما قولهم الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي عن
الله التحيز ” فالجواب من وجوه : أحدها : ان هذا اللفظ ومعناه
الذي أرادوه ليس هو في شئ من كتب الله المنزلة من عنده ولا هو
مأثور عن أحد من أنبياء الله ورسله ، لا خاتم المرسلين ولا غيره
، ولا هو أيضا محفوظا عن أحد من سلف الامة وأئمتها أصلا . إلى
أن قال : ” إن هذا الكلام ليس من دين الله ولا من الايمان ولا
من سبيل المؤمنين ” . إ ه‍ . قوله بالجسمية قال ابن تيمية في
التأسيس في رد أساس التقديس المحفوظ في ظاهرية دمشق في ضمن المجلد
رقم 25 من الكواكب الدراري – وهذا الكتاب مخبأة ووكر لكتبهم
في التجسيم : ” فمن المعلوم أن الكتاب والسنة والاجماع لم
ينطق بأن الاجسام كلها محدثة وأن الله ليس بجسم ولا قال ذلك إمام
من أئمة المسلمين فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا
عن الشريعة إ ه‍ ” . وقال في موضع آخر منه : ” قلتم ليس هو
بجسم ، ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا يشار إليه بحس ولا يتميز
منه شئ من شئ وعبرتم عن ذلك بأنه تعالى ليس بمنقسم ولا مركب
وأنه لا حد له ولا غاية ، تريدون بذلك أنه يمتنع عليه أن يكون
له [ 59 ] حد وقدر أو يكون له قدر لا يتناهى . . . فكيف ساغ
________________________________________
لكم هذا النفي بلا كتاب ولا سنة إ ه‍ ” . وانظر قوله : في التسعينية
(ص 3) : أما قول القائل ، الذي نطلب منه أن ينفي الجهة
عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لان إطلاق هذا
اللفظ نفيا وإثباتا . بدعة إ ه‍ . وهذه مغالطة فإن في قوله سبحانه
: (ليس كمثله شئ) نص في نفي الجهة عنه تعالى إذ لو لم تنف
عنه الجهة لكانت له أمثال لا تحصى تعالى الله عن ذلك . ئم انظر
قوله في منهاجه (1 – 264) : فثبت أنه في الجهة على التقديرين
إ ه‍) لتعلم كيف رماه الله بقلة الدين وقلة الحياء في آن واحد
. قوله إن الله تبارك وتعالى يشار إليه برفع الايدي في الادعاء
(3) وفي ص 250 منه قال : (وإن قال يستلزم أن يكون الرب يشار
إليه برفع الايدي في الدعاء وتعرج الملائكة والروح إليه ويعرج
محمد صلى الله عليه وسلم إليه وتنزل الملائكة من عنده وينزل منه
القرآن ، ونحو ذلك من اللوازم التي نطق بها الكتاب والسنة وما
كان في معناها ، قيل له : لا نسلم انتفاء هذا اللازم ، فإن قال
ما استلزم هذه اللوازم فهو جسم ، قيل إن أردت أنه يسمى جسما
في اللغة والشرع فهذا باطل ، لان أردت أنه يكون جسما مركبا من
المادة والصورة أو من الجواهر المركبة فهذا أيضا ممنوع في العقل
، فإن ما هو جسم باتفاق العقلاء كالاجسام لا نسلم أنه مركب
بهذا الاعتبار ، كما قد بسط في موضعه ، فما الظن بغير ذلك ؟ ،
وتمام ذلك بمعرفة البحث العقلي في تركيب الجسم الاصطلاحي من هذا
وهذا ، وقد [ 60 ] بسط في غير هذا الموضع إ ه‍) . وقال في كتابه
الموافقة 2 : 33 ما نصه : ” وقد اتفقت الكلمة في المسلمين
والكافرين أن الله في السماء وحدوه بذلك ، فانظر إلى هذا الكلام
الذي هو ظاهر في الفساد . وذكر ابن تيمية في الرساتة الحموية
: ص / 121 – 122 عن العرش والكرسي : فقال : ” ومن قول أهل السنة
ان الكرسي بين يدي العرش ، وانه موضع القدمين) . قوله بالحد
________________________________________
لله تعالى تقدس عن هذيانه هذا (4) وفي ج‍ 2 من موافقة صريح المعقول
لصحيح المنقول ص 29 قال : والله تعالى له حد لا يعلمه أحد
غيره ، ولا يجوز لاحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه ، ولكن يؤمن
بالحد ويكل علم ذلك إلى الله تعالى ، ولمكانه أيضا حد وهو على
عرشه فوق سماواته هذان حدان اثنان إ ه‍ . أما كتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح والمسلمون جميعا فهم بريئون
من هذا الافتراء . وقوله : (وهو على عرشه) – أي جالس عليه
على زعمه – . ونحن معاشر أهل الحق لا نبالي بعداء مثله من المبطلين
ولا تزال تطن في آذان رواد الحقائق شواذ ابن تيمية السخيفة
باطلاعهم عليها في مؤلفاته نفسه وفيما رواه ثقات أهل العلم
عنه وكلمته فيما رد به على الرازي في المجلد رقم 25 من الكواكب
الدراري بظاهرية دمشق حيث قال : ” لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة
فاستقلت به بقدرته فكيف على [ 61 ] عرش عظيم ” آية من آيات
خرقه وحمقه . وأما التأسيس في رد أساس التقديس فقد فضح ابن تيمية
به نفسه وهو في ضمن الكواكب الدراري لابن زكنون الحنبلي في
المجلدات (رقم 24 و 25 و 26) بظاهرية دمشق ولو طبع كتابه التأسيس
لما بقي من أهل البسيطة أحد لم يعلم دخائل ابن تيمية . وقد
نقلت منه نصوصا على أن مبلغ زيغه ظاهر من الكتابين المذكورين لمن
ألقى السمع وهو شهيد ، ويتبجح بهما هذا الزائغ كتبجحه بالتأسيس
، هكذا شأن مقلدة الزائغين يثنون على الزيغ الخامسة قوله :
إن كل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية تعالى وتقدس عن افكه
هذا (5) وهو في قوله في ص 30 منه : (وكل أحد بالله وبمكانه أعلم
من الجهمية) أفاك جان على جمهور الامة الاسلامية ، ومراده بالجهمية
الاشاعرة وهذا إفك ثان ونبز لطائفة عظيمة من فحول علماء
الاسلام برأي جهم بن صفوان ، وجهم هلك سنة ثمان وعشرين ومائة
وأقبر معه رأيه الفاسد ولم يكن له أتباع ، كان أقل ” واذل من
________________________________________
أن يكون له ذلك ، فما يوجد كثيرا في كلامه وفي كلام ابن القيم
من النبز بهذا اللفظ ، فالمراد بهم الاشاعرة لانهم أفحموه في المناظرة
بدمشق ولم يستطع حضور مجالسهم بالقاهرة فضلا عن مناظرتهم
، فعدل إلى أساليب ظن أنه يوهي بها جبالهم الشامخة ، كالتكفير
والنبز بالجهمية والاقذاع وأنواع الشتم وإظهار التنسك واستمالة
الامراء إليه ، ولا تروج هذه الاساليب إلا في سوق الغوغاء
وأشباههم ، والامة الاسلامية كلها ما عدا مشايخه المجسمة ، تنزه
الله تبارك وتعالى عن الحد والمكان ، ونقول : العجز عن إدراكه
تعالى إدراك والبجث عن ذاته إشراك . [ 62 ] وقال ابن تيمية في
” الحموية الكبرى : ص / 419 : ليس في كتاب الله ، ولا في سنة
رسول الله ولا عن أحد من سلف الامة ولا من الصحابة والتابعين
، ولا عن الائمة الذين أدركوا زمن الاهواء والاختلاف ، حرف واحد
يخالف ذلك لا نصا ولا ظاعرا . ولم يقل أحد منهم إن الله ليس
في السماء ، ولا انه ليمر على العرش ، ولا انه في كل مكان ” إ
ه‍ نعوذ بالله العظيم من الفساد والمفسدين . قوله ان القرآن والسنن
المستفيضة المتواترة وكلام السابقين والتابعين وسائر القرون
الثلاثة مملو / ئ‍ بما فيه إثبات العلى لاعلى عرشه (6) – وفي
ص 194 من رسالته صفات الله وعلوه على خلقه قال : ان القرآن والسنن
المستفيضة المتواترة وكلام السابقين والتابعين بل وسائر
القرون الثلاثة مملوء بما فيه إثبات العلو لله على عرشه بأنواع
من الدلالات إ ه‍ . أقول : في هذا الكلام تهويل وتلبيس ومآخذ
. أما التهويل والتلبيس فعلى العامة وأشباههم لانهم إذا سمعوا
القرآن والسنة المستفيضة و . . و . . إلى آخر هرائه يروعهم ذلك
ويؤثر فيهم ، وقد ظهر تلبيسه وإفساده لعقائد العامة المساكين
بهذا الكلام المرسل جزافا عليهما وعلى السابقين والتابعين وعلى
سائر القرون الثلاثة ، ولو كان صادقا محققا لمثل لزعمه بعلو الله
________________________________________
تعالى على عرشه بثلاثة أمثلة من أنواع الدلالة الثلاثة من
القرآن الكريم وكذلك من السنة المستفيضة ، ونقل كذلك عن السابقين
– أي الصحابة رضوان الته تعالى عليهم – بأسانيد صحيحة ونقل
عن التابعين مثل ذلك . [ 63 ] ونقل عن أتباعهم كذلك لينظر في ذلك
، ولكنه ملبس مفتر على كتاب الله تعالى وعلى سنة رسول صلى الله
عليه وسلم وعلى السلف الصالح وسائر القرون ، والخبط والتناقض
في قوله (بأنواع من الدلالات) ظاهران . [ 64 ] زعم أن العقل
الصريح موافق للنقل في ذلك (7) وفي ص 200 منها ، زعم أن العقل
الصريح موافق للنقل في ذلك . (8) وفي ص 202 منها ، زعم أنه لا
يتصور من الصحابة والتابعين أن يعرضوا عن السؤال عن علوه على
خلقه ، وهم ليلا ونهارا يتوجهون بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعا وخفية
إلى آخر ثرثرته . (9) وفيها فسر كلام الامام مالك في الاستواء
على مقتضى هواه وافترى على المالكية وخاصة قدماءهم ، بأنهم
حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله تبارك وتعالى فوق
عرشه بذاته . (10) وفي ص 213 منها : زعم اتفاق أهل السنة على ذلك
. (11) وفي ص 209 منها : نسب الحد لله تعالى لعبد الله بن المبارك
، وهو بهتان على الامام ابن المبارك ، وقال : وهو نظر صحيح
ثابت عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الائمة
إ ه‍ . فقوله ، وهو نظر صحيح ، أي عنده وعند مشايخه المجسمة
فقط ، وقوله ثابت عن أحمد وابن راهويه ، بهتان ثان على هذين الاماسين
وما كفاه البهتان الخاص على الائمة الثلاثة حتى ترقى فيه
إلى العام على الائمة بصيغة من صيغ العموم والتلبيس التي يلجأ
إلي أمثالها . [ 65 ] مزيد من افترائه (12) وفي الجزء الاول
من منهاج السنة ص 221 قال : إنه لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يقوم
به ، وهو متكلم بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يجعل
نفس الصوت المعين قديما ، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة
________________________________________
إ ه‍ . 13) وفي رأس ص 224 منه صرح أيضا بأن القرآن حادث الآحاد
قديم النوع ” وزعم أنه قول أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب
الشافعي وأحمد وسائر الطوائف . قلت : هو مذهب الكرامية زخرفه
بهذا التعبير الشنيع – قديم النوع خ دث الآحاد – وهو بهتان على
أئمة أصحاب الحديث ومن عطف عليهم ، ثم قال فيها بعد كلام التزم
فيه الجمع بين مذهب الاشاعرة القائلين بأنه قديم مع كونه مشتملا
على أمر ونهي ، ومذهب المعتزلة القائلين بأنه حادث : فإن
قلتم لنا فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب قلنا لكم : نعم ، وهذا
قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل إ ه‍ ، وهو بهتان على الشرع
وجناية على العقل ، حمله ودله عليه الشيطان . ثم قال فيها أيضا
بعد ثرثرة : وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب
وعدلنا عما يرده الشرع والعقل ، من قول كل منهما ، فإذا قالوا
لنا فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به ، قلنا : ومن أنكر
هذا قبلكم من السلف والائمة ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع
صريح العقل ؟ ، وهو قول لازم لجميع الطوائف إ ه‍ . [ 66 ] زعمه
أن الحروف في كتاب الله تعالى وفي الكتب المنزلة ليست مخلوقة
(14) وفي ص 45 من رسالته مذهب السلف القويم ، في تحقيق مسألة كلام
الكريم قال : وما تكلم الله به فهو قائم . به ليس مخلوقا منفصلا
عنه فلا تكون الحروف التي هي معاني أسماء الله الحسنى وكتبه
المنزلة مخلوقة لان الله تكلم بها إ ه‍ . يرد عليه أن الحروف
مخلوقة حادثة ، ولان كلامه تعالى لو تركب من الحروف والاصوات
لكان حادثا وكل ما سبق وجوده عدم أو طرأ على وجوده عدم فهو حادث
، فالحروف والاصوات لا تكون إلا حادثة أبدا . فكلام الله تعالى
ليس بحرف ولا صوت ، فيا أولي التشبيه والتجسيم ، الحاء في
الرحمن قبل الميم ويلزمه ومشائخه الحنابلة القائلين : كلام الله
القديم القائم بذاته جل وعلا الغير المخلوق ولا المنفصل عن
________________________________________
ذاته هو المنتظم من الحروف المسموعة الموجود بين دفتي المصحف وفي
جميع الكتب السماوية المنزلة على انبيائه ” ، لوازم كثيرة فاسدة
لا يمكنهم الجواب عنها ، ومنها لا تعقل الحروف المتعاقبة
إلا حادثة مخلوقة ، ومنها التلاوة والكتابة لا يعقلان إلا حادثتين
مخلوقتين . (15) وفي الجزء الاول من فتاواه ص 255 و 256 قال
بعد ثرثرة طويلة : ونحن لا نقول كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام
مخلوق ، بل هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما أنه
سبحانه وتعالى خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش
، وثرثر أيضا ثم قال : وما كان قائما بنفسه هو كلامه لا كلام
غيره والمخلوق لا يكون قائما بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات
، بل هو سبحانه يقوم به ما شاء من كلماته وأفعاله وليس
من ذلك شئ مخلوقا ، إنما المخلوق ما كان بائنا عنه ، وكلام الله
[ 67 ] من الله ليس ببائن منه إ ه‍ . فقوله : (ونحن لا نقول
كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام مخلوق) ، مجمل ملبس بينه سابقا
في قوله ان كلام الله تعالى (قديم النوع حادث الاحاد ، وان الحوادث
تقوم به) ، جل وعلا ، فشرع هذا الهراء على رأيه : نحن لا
نقول كلم الله موسى بكلام قديم على الاطلاق ، ولا بكلام مخلوق
على الاطلاق . وقوله : (بل هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا
شاء) ، تشبيه صريح لربه بالمخلوقات ولا معنى للسكوت إلا انعدام
الكلام ، فإن كان قبل وجود الكلام لزم سبق العدم عليه ، وسبق
العدم عليه نفي لقدمه وإثبات لحدوثه ، وإن كان بعد وجود الكلام
فقد طرأ عليه العدم ، وطروء العدم عليه ينفي بقاءه ، وإذا انتفى
البقاء انتفى القدم ، لان كل ما ثبت قدمه استحال عدمه ، فالسكوت
يستلزم عدم الكلام السابق وتجدد الكلام اللاحق ، فيكون اللاحق
حادثا بغير واسطة ، والسابق حادثا بواسطة أن ما لحقه العدم
لزم أن يسبقه العدم ، وإذا لزم من السكوت حدوث الكلام لزم منه
________________________________________
حدوث الذات الموصوف به ، لان قيام الحادث بشئ يوجب حدوث ذلك
الشئ ، ودعوى الاتصاف بذلك لمن تنزه عن الحدوث في ذاته وجميع
صفاته سبحانه وتعالى ، كفر لا محالة . وقوله : (والمخلوق لا يكون
قائما بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات) ، صحيح مناقض
لقوله سابقا (بقيام الحوادث بذاته) جل وعلا ، هكذا دأب هذا المفتون
يقول الشئ في محل من تآليفه وينقضه في محل آخر . [ 68 ] زعم
أن ثم طائفة كثيرة تقول إنه تعالى تقوم به الحوادث وتزول وإنه
تعالى كلم موسى عليه الصلاة والسلام بصوت وذلك الصوت عدم (16)
وفي ص 21 من كتابه الفرقان قال : (وثم طائفة كثيرة تقول إنه
تعالى تقوم به الحوادث وتزول وانه تعالى كلم موسى عليه الصلاة
والسلام بصوت وذلك الصوت عدم ، وهذا مذهب أئمة السنة والحديث
من السلف وغيرهم إ ه‍) . أقول : الطائفة الكثيرة التي قالت هذا
الهراء هم مشايخه الكرامية ، وهم أقل من القليل التي بالنسبة
للامة الاسلامية التي لم تقله ، هكذا يضطرب هذا المفتون في عقيدته
. وقوله : (وهذا مذهب أئمة السنة والحديث من السلف وغيرهم)
، بهتان وإفك مبين على أئمة السنة والحديث من السلف وغيرهم .
وأرى من النصح للمسلمين أن أنقل هنا أجوبة الامام العز بن عبد
السلام والامام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي ،
والامام علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي مؤلف ” جمال
القراء وكمال الاقراء ” حينما استفتوا في هذه المسألة . ومكانتهم
السامية في العلم معروفة . ونص السؤال والاجوبة كما هو مدون
في ” نجم المتهدي ورجم المعتدي ” للفخر بن المعلم القرشي . كالاتي
: صورة السؤال : ما يقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في
كلام الله القديم القائم [ 69 ] بذاته ؟ هل يجوز أن يقال إنه
عين صوت القارئ وحروفه المقطعة ، وعين الاشكال التي يصورها الكاتب
في المصحف ؟ وهل يجوز أن يقال إن كلام الله القديم القائم
________________________________________
بذاته حروف وأصوات على المعنى الظاهر فيها وإنه عين ما جعله الله
معجزة لرسوله ؟ وما الذي يجب على من اعتقد جميع ذلك وأذاعه
وغر به صعفاء المسلمين وهل يحل للعلماء المعتبرين إذا علموا أن
ذلك قد شاع أن يسكتوا عن بيان الحق في ذلك وإظهاره والرد على
من أظهر ذلك واعتقده ؟ أفتونا مأجورين . صورة جواب الامام عز
الدين بن عبد السلام رحمه الله : القران كلام الله صفة من صفاته
قديم بقدمه ، ليس بحروف ولا أصوات ومن زعم أن الوصف القديم هو
عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحد في الدين وخالف
إجماع المسلمين ، بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين ولا يحل
للعلماء كتمان الحق ولا ترك البدع سارية في المسلمين ، ويجب على
ولاة الامر إعانة العلماء المنزهين الموحدين ، وقمع المبتدعة
المشبهين المجسمين ، ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جعل حقيقتها
، ولا يحل لولاة الامر تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين
، ويجب عليهم أن يلزموهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء
المعتبرين ، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضرب والتعزير
والله أعلم . كتبه عبد العزيز بن عبد السلام وصورة جواب الامام
جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي : من زعم أن
أصوات القارئ وحروفه المتقطعة والاشكال التي يصورها الكاتب في
المصحف هي نفس كلام الله تعالى القديم فقد [ 70 ] ارتكب بدعة
عظيمة وخالف الضرورة وسقطت مكالمته في ا لمناظرة فيه ، ولا يستقيم
أن يقال إن كلام الله تعالى القديم القائم بذاته هو الذي
جعله الله معجزة لرسوله ، فإن ذلك يعلم بأدنى نظر ، وإذا شاع ذلك
أو سئل عنه العلماء وجب عليهم بيان الحق في ذلك وإظهاره ويجب
على من له الامر وفقه الله أخذ من يعتقد ذلك ويغربه ضعفاء المسلمين
وزجره وتأديبه وحبسه عن مخالطة من يخاف منه إضلاله إلى
أن يظهر توبته عن اعتقاد مثل هذه الخرافات التي يأباها العقول
________________________________________
السليمة والله أعلم . كتب عثمان بن أبي بكر الحاجب وصورة جواب
الامام علم الدين أبي الحسن علي السخاوي : كلام الله عزوجل قديم
صفة من صفاته ليس بمخلوق ، وأصوات القراء وحروف المصاحف أمر
خارج عن ذلك ولهذا يقال صوت قبيح وقراءة غير حسنة وخط قبيح غير
جيد ، ولو كان ذلك كلام الله لم يجز ذمه على ما ذكر لان أصوات
القراء به تختلف باختلاف مخارجها والله تعالى منزه عن ذلك ، والقرآن
عندنا مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب محفوظ في الصدور
غير حال في شئ من ذلك والمصحف عندنا معظم محترم لا يجوز للمحدث
مسه ، ومن استخف به أو ازدراه فهو كافر مباح الدم ، والصفة
القديمة القائمة بذاته سبحانه وتعالى ليست المعجزة ، لان المعجزة
ما تحدى به الرسول صلى الله عليه وسلم وطالب بالاتيان بمثله
ومعلوم أنه لم يتحدهم بصفة الباري القديمة ، ولا طالبهم بالاتيان
بمثلها ، ومن اعتقد ذلك وصرح به أو دعا إليه فهو ضال مبتدع
، بل خارج عما عليه العقلاء إلى تخليط المجانين . والواجب على
علماء المسلمين إذا ظهرت هذه البدعة إخمادها وتبيين الحق والله
أعلم . علي السخاوي [ 71 ] انظر يا رعاك الله كيف كان العلماء
يتكاتفون في قمع البدع وإحقاق الحق على اختلاف مذاهبهم في تلك
العصور الزاهرة بخلاف غالب أهل العلم في زماننا هذا فإن لهم
منازع وراء اختلاف المذاهب لا يهمهم ذيوع الباطل وقد خانوا دينهم
الذي أئتمنهم الله عليه ، وبه يعيشون ويوم الخائنين يوم رهيب
. وكانت تلك الفتنة بالشام في النصف الاول من القرن السابع
الهجري ، وقد وقع مثلها في النصف الاخير من القرن السادس بمصر
، وفتنة القاهرة معروفة بفتنة ابن مرزوق وابن الكيزاني وكلاهما
من حشوية الحنابلة ، وظن التاج ابن السبكي ابن الكيزاني من الشافعية
فترجم له في طبقاته تبعا لابن خلكان ، فلا بأس في الاشارة
هنا إلى فتاوى علماء ذلك العصر في حقهما . وصورة الاستفتاء
________________________________________
في شأنهما : ما قولكم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن
الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله سبحانه يتكلم بحرف وصوت تعالى
الله عن ذلك وأن أفعال العباد قديمة هل تنفذ أحكامهم على جهل
التوحيد وعامة المسلمين وهل تقبل شهاداتهم على المسلمين أم لا
؟ . جواب الامام شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود الطوسي
الشافعي (صاحب الوقائع مع ابن نجية الحنبلي) تقبل شهادة عدو لهم
على أصحابهم ولا تسمع شهاداتهم على أهل الحق من الموحدين ولا
ينفذ حكم قاضيهم على الموحدين فإنهم أعداء الحق والله أعلم .
كتبه محمد الطوسي [ 72 ] وجواب الامام بوسف الارموي : ما نص عليهم
أعلاه اقترفوا حوبة عظيمة يجب عليهم القفول عما اعتقدوه وهم
كفار وكيف يسوغ قبول أقوالهم ؟ . ويجب على من إليه الامر إحضارهم
واستتابتهم عما هم عليه فإن تابوا وإلا قتلوا ، وحكمهم في
الاستتابة حكم المرتد في إمهاله ثلاثة أيام ولا يقتل في الحال
. كتبه يوسف الارموي وجواب الخطيب أبي عبد الله محمد بن إبراهيم
الحموي : من اعتقد أن أفعال العباد قديمة فقد قال قولا يلزم
منه القول بقدم العالم ومن قال بقدم العالم فهو كافر لا تصح ولايته
ولا تقبل شهادته والله أعلم . كتبه محمد بن إبراهيم الحموي
واستفتاء آخر صورته : ما قول الفقهاء الائمة قادة علماء هذه
الامة أدام الله إرشادهم ووفق إصدارهم وإيرادهم في الحشوية الذين
على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله
سبحانه متكلم بحرف وصوت ، وأن أفعال العباد قديمة هل تقبل شهاداتهم
على أهل الحق الموحدين الاشعرية ، وهل تنفذ أحكام قضاتهم
على الاشعرية أم لا ؟ جواب الامام أبي المنصور ظافر بن الحسين
الازدي المالكي : لا تقبل شهادة من يقول إن الله تعالى يتكلم بحرف
وصوت لانهم مرتكبون كبيرة هي أعظم من سائر المعاصي كالزنا
وشرب الخمر لانها [ 73 ] كبيرة تتعلق بأصل من أصول الدين . وكتب
________________________________________
ظافر بن حسين الازدي وجواب شارح المهذب أبي إسحاق إبراهيم العراقي
: جوابي كذلك . كتبه إبراهيم العراقي وجواب الخطيب محمد
بن إبراهيم الحموي : من قال إن الله متكلم بحرف وصوت فقد قال قولا
يلزم منه ان الله جسم ومن قال إنه جسم فقد قال بحدوثه ومن
قال بحدوثه فقد كفر والكافر لا تصح ولايته ولا تقبل شهادته والله
أعلم . كتبه محمد بن إبراهيم الحموي وجواب الشيخ جمال الدين
بن رشيق المالكي : لا تقبل شهادتهم ولا يجوز أن يولوا الحكم ولا
غيره من المناصب الدينية لانهم بين جاهل يصر على جهله بما يتعين
عليه اعتقاده من صفات الله سبحانه وبين عالم معاند للحق ،
ومن هذه صفته يتعين تأديبه وزجره عما صار إليه بأبلغ الادب ،
ومن جملته رد الشهادة وبالله التوفيق . كتب حسين بن عتيق بن رشيق
وجواب الشيخ محي الدين محمد بن أبي بكر الفارسي ؟ من قال إن
الله سبحانه متكلم بالصوت والحرف فقد أثبت الجسمية وصار بقوله
مجسما والمجسم كافر ومن قال إن أفعال العباد قديمة فقد [ 74 ]
كذب الله تعالى في قوله : (والله خلقكم وما تعملون ” ومكذب الله
بصفة الاصرار كافر ولا تثبت عدالتهم ولا تقبل شهادتهم ولا تجوز
الصلاة خلفهم ، ويجب على الامام وعلى نوابه في الاقاليم استتابتهم
فإن لم يرجعوا عما هم فيه من الكفر يعاقبهم على كفرهم
أو يقبل الجزية منهم أذلاء لا كاليهود والنصارى بل كفرهم أشنع
وأبشع من مقالة النصارى واليهود أما اليهود فشبهوه بالحادث صفة
، وأما النصارى فقالوا إنه جوهر شريف والمجسمة يثبتون الجسم لله
، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وكتب محمد الفارسي
: وفي تلك الفتاوى ما ينزجر به من يخاف مقام ربه من تلك البدع
الشنيعة . إفتراؤه بأن جمهور أهل ألسنة يقولون : إنه تبارك
وتعالى ينزل ولا يخلو منه العرش (17) وفي ج‍ 1 ص 262 من منهاج
السنة قال : جمهور أهل السنة يقولون إنه تبارك وتعالى ينزل ولا
________________________________________
يخلو منه العرش ، وزعم أن ذلك منقول عن إسحاق بن راهويه وحماد
بن زيد وغيرهما ، وعن الامام أحمد وهو مفتر أفاك على جمهور
أهل السنة على إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وعلى غيرهما وعلى
الامام أحمد . قال القرطبي في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى
: (والمستغفرين بالاسحار) ، بعد ذكره حديث النزول وما قيل
فيه ما نصه : وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن
أبي هريرة [ 75 ] وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر
الليل الاول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له ؟ ، هل
من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى ؟ ” – صححه أبو محمد عبد
الحق : وهو يرفع الاشكال ويوضح كل احتمال ، وإن الاول من باب
حذف المضاف ، أي ينزل ملك ربنا فيقول إلخ . . . وقد روى ينزل بضم
الياء وهو يبين ما ذكرنا إ ه‍ . وقال الحافظ ابن حجر في فتحه
في كتاب (التهجد) ما نصه : استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة
العلو ، وأنكر ذلك الجمهور لان القول بذلك يفضي إلى التحيز
، تعالى الله عن ذلك ، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال وأفاض
في ذكرهما ثم قال وقد حكى أبو بكر بن فورك ان بعض المشايخ ضبطه
بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا ، ويقويه ما رواه النسائي
من طريق الاغر عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما بلفظ
: (إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول :
هل من داع فيستجاب له ؟ – الحديث -) . وفي حديث عثمان بن أبي
العاص : (ينادي مناد هل من داع يستجاب له ؟ – الحديث -) ، قال
القرطبي : وبهذا يرتفع الاشكال إ ه‍ . زعم أن جمهور الخلف على
أن الله تعالى فوق العالم (18) وفي آخر هذه الصحيفة زعم : (ان
جمهور الخلف على أن الله تعالى فوق العالم) وهو كذاب يفتري على
الخلف ، كما هو كذاب على السلف فيما ينسبه إليهم من العقائد الزائفة
________________________________________
. [ 76 ] قوله في بيان زعمه قيام الحوادث بذات الله تعالى
: قال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة الجزء الاول ص / 224
: ” . . . فإن قلتم لنا فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب قلنا لكم
: نعم ، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل . . . . وفي عبارة
أخرى بنفس الصفة السابقة يقول : فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم
منه أن تكون الحوادث قامت به قلنا : ومن أنكر هذا قبلكم من السلف
والائمة ؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل وهو
قول لازم لجميع الطوائف ” . إ ه‍ . وقد ذكر في كتابه المسمى
شرح حديث عمران بن حصين ص / 193 ، ونصه : وإن قدر أن نوعها لم
يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله . وانظر
في كتابه نقد مراتب الاجماع ص / 168 بعد أن أورد ابن حزم
تحت عنوان : باب من الاجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع
قال ابن حزم : اتفقوا أن الله عزوجل وحده لا شريك له خالق كل
شئ غيره وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شئ غيره معه ثم خلق الاشياء
كلها كما شاء . . . فقال ابن تيمية عقيب هذا الكلام : واعجب
من ذلك حكايته الاجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده
ولا شئ غيره معه . قوله بحوادث لا أول لها (19) قوله : بحوادث
لا أول لها فهمه من رواية البخاري في كتاب التوحيد : (كان الله
ولم يكن شئ قبله) ، قال الحافظ ابن حجر في فتحه : تقدم في بدء
الخلق بلفظ (ولم يكن شئ غيره .) ، [ 77 ] وفي رواية أبي معاوية
: (كان الله قبل كل شئ) وهو بمعنى : (كان الله ولا شئ معه)
، وهي أصرح في الرد على من أثبت (حوادث لا أول لها) من رواية
الباب ، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية إ ه‍ . راجع
فتح الباري 13 / 348 . هذه تسعة عشر مسألة بينت مواضعها دالة
على جهله بأصول الدين وفساد عقيدته فيه بالتشبيه والتجسيم وغيرهما
، كافية في تبيين ضلاله لكل من نور الله بصيرته ، ومن عميت
________________________________________
بصيرته فافتتن به كالسرمري ، واليافعي اللذين هجوا الامام السبكي
. تنبيه وقد ذكر ابن تيمية في الموافقة 1 – 249 ما نصه :
” قلت : هذا من نمط الذي قبله ، فإن الازلي اللازم هو نوع الحادث
لا عين الحادث ” . وهذه من أعظم كفريات ابن تيمية . وقد نقل
المحدث الاصولي بدر الدين الزركشي في كتابه ” تشنيف المسامع ”
اتفاق المسلمين على تكفير من يقول بما قال به ابن تيمية ، وتكفير
من يقول بما قال به ابن سينا من أن العالم بعينه ونوعه ومادته
أزلي حمانا الله من الضلالتبن . وقد ذكر الجلال الدواني في
شرح العضدية ما نصه : ” وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية) القول
بالقدم النوعي في العرش . إ ه‍ . وقال محمد عبده فيما علقه
عليه : وذلك أن ابن تيمية كان من الحنابلة الآخذين بظواهر الآيات
والاحاديث القائلين بأن الله استوى على العرش جلوسا ” . .
[ 78 ] فقد أثبت قوله بأزلية العالم بنوعه الحافظ المجتهد تقي
الدين السبكي في رسالته ” الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية
” ، والحافظ أبو سعيد العلائي ، كما نقل عنه الحافظ شمس الدين
محمد بن طولون الحنفي وهو محدث حافظ مؤرخ ذكر ذلك في كتابه ”
ذخائر القصر ” . وللحافظ السبكي قصيدة يصرح فيها بأن ابن تيمية
يقول بأنه ما من حادث إلا وقبله حادث وهكذا لا إلى أول . وقد
ذكر العلامة البياضي في كتابه إشارات المرام ص / 197 بعد ذكر الادلة
على حدوث العالم ما نصه : فبطل ما ظنه ابن تيمية منهم من
قدم العرش كما في شرح العضدية ، . ما نقله الحافظ المحدث المؤرخ
ابن طولون الحنفي عن الحفاظ المعتبرين فقد ذكر ابن طولون في
كتابه ” ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر ” (وهذا الكتاب مخطوط
ومحفوظ في الخزانة التيمورية في القاهرة تحت رقم / 1420 تاريخ)
في أثناء ترجمة عبد النافع بن عراق الدمشقي ، فقال : ” وقد
كان أبوه أشغله حنبليا فتحول بعده شافعيا خصوصا لما رأى ما قال
________________________________________
الحافظ صلاح الدين العلائي في ذكر المسائل الذي خالف فيها ابن
تيمية الناس في الاصول والفروع ” . وسنذكره تباعا . [ 79 ] بسم
الله الرحمن الرحيم وهذا نص كلام الحافظ العلائي شيخ الحافظ
زين الدين العراقي وغيره من حفاظ الحديث منقول من مخطوطة كتاب
ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر لابن طولون من صحيفة 32 و 33
يذكر فيه ضلالات ابن تيمية التي شذ فيها عن أهل الحق في أصول
العقيدة والفروع فيقول : ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية
الناس في الاصول والفروع فمنها ما خالف فيها الاجماع ومنها ما
خالف فيها الراجح من المذاهب فمن ذلك يمين الطلاق قال بأنه لا
يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين ولم يقل
قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة ودام إفتاؤه بذلك زمانا طويلا
وعظم الخطب ووقع في تقليده جم غفير من العوام وعم البلاء
. وإن طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته
وإن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين
في هذه المسألة على خلاف ذلك وإن من خالفه فقد كفر ثم إنه
أفتى بخلافه وأوقع خلقا كثيرا من الناس فيه . وإن الحائض تطوف
في البيت من غير كفارة وهو مباح لها . وإن المكوس حلال لمن
أقطعها وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وان لم تكن باسم
الزكاة ولا على رسمها . وإن المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها
فيها وإن الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن
يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد وقد رأيت من يفعل ذللك ممن قلده
فمنعته منه . سئل عن رجل قدم . فراشا لامير فتجنب بالليل في
السفر ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه بغلمانه فأفتاه
بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل . وسئل عن شرط الواقف
فقال غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية
وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس وكان [ 80 ] يفعل
________________________________________
هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام . ولا يحضر درسا على
اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيها ميعادا يوم الثلاثاء
ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس . وسئل عن جواز بيع أمهات
الاولاد فرجحه وأفتى به ومن المسائل المنفرد بها في الاصول مسألة
الحسن والقبح التي يعول بها المعتزلة فقال بها ونصرها وصنف
فيها وجعلها دين الله بل الزم كل ما يبنى عليه كالموازنة في
الاعمال . وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله إن الله سبحانه
محل الحوادث تعالى الله عما يقول علوا كبيرا . وإنه مركب مفتقر
إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء . وان القرآن محدث في ذاته
تعالى وان العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما فجعله
موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار سبحانه ما أحلمه . ومنها
قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مردود . وصرح في بعض تصانيفه
بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر تعالى الله
عن ذلك وصنف جزء في أن علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم
أهل الجنة وأنه لا يحيط بالتناهي وهي التي زلق فيها الامام ومنها
أن الانبياء غير معصومين وأن نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام
ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا وصنف في ذلك
عدة أوراق . وإن إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه وسلم
معصية لا يقصر فيها الصلاة وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين
قبله . وإن عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه . بعض
الفقهاء عن تصانيفه . ومن إفراده أيضا أن التوراة والانجيل حم
تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في
تأويلها وله فيه مصنف آخر ما رأيت ، واستغفر الله من كتابة مثل
هذا فضلا عن اعتقاده إ ه‍ . [ 81 ] صورة لغلاف كتاب القصر فز
تراجم نبلاء العصر لابن طولون الحنفي [ 85 ] افتراؤه على الامام
علي وقد مر أن الحافظ بن حجر ذكر في الدرر الكامنة أن ابن تيمية
________________________________________
خطأ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف
نص الكتاب ، وإن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي
كرم الله وجهه ، ولقوله أيضا فيه انه كان مخذولا ، وانه قاتل
للرياسة لا للديانة ، فمن شاء فليراجع قول ابن حجر في الدرر الكامنة
1 : 114 . وقد ذكر ابن تيمية في حق علي في كتابه منهاج
السنة 2 : 203 مانصه : ” وليس علينا أن نبايع عاجزا عن العدل علينا
ولا تاركا له ، فأئمة السنة يسلمون أنه ما كان القتال مأمورا
به لا واجبا ولا مستحبا ” . وذكر في نفس المصدر السابق 3 :
156 بعد كلام ما نصه فلا رأي أعظم ذما من رأي أريق به دم ألوف
مؤلفة من المسلمين ، ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم
ولا في دنياهم بل نقص الخير كما كان وزاد الشر على ما كان
. . . ” إ ه‍ . قوله : (إنه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا
ولا مستحبا) هذا غير صحيح ، وهو مخالف لما رواه النسائي بالاسناد
الصحيح في الخصائص عن علي رضي الله عنه أنه قال : (أمرت بقتال
الناكثين والقاسطين والمارقين ” ، فالناكثين هم الذين قاتلوه
في وقعه الجمل ، والقاسطين هم الذين قاتلوه في صفين ، والمارقين
وهم الخوارج ، وهذا الحديث ليس في إسناده كذاب ولا فاسق كما
زعم ابن تيمية . ثم إن عليا خليفة راشد واجب الطاعة على المؤمنين
لقوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول
وأولي الامر منكم) . وقد ذكر الامام أبو القاسم الرافعي محرر المذهب
الشافعي : وثبت أن أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة وقد أثبتها
الحافظ ابن حجر في [ 86 ] تلخيص الحبير 4 / 44 فقال بعد
إيرادها : هو كما قال . ويدل عليه : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين
والمارقين . . رواه النسائي في الخصائص والبزار والطبراني
. . والقاسطين أهل الشام لانهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته
. ومثله ذكر الحافظ في فتحه 13 / 57 وقد ثبت أن من قاتل عليا كانوا
________________________________________
بغاة . وأما قوله : (إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا
في دينهم ولا في دنياهم) فهو باطل ، روى الحاكم في المستدرك
وابن حبان في صحيحه والنسائي في الخصائص أن الرسول صلى الله عليه
وسلم قال : إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على
تنزيله فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله قال : لا ، قال عمر
: أنا يا رسول الله قال : لا ولكنه خاصف النعل – (وكان علي يخصف
النعل) . فالرسول زكى قتال عليا في جميع الوقائع ، ومن قاتله
كان عاصيا ، ويؤيد هذا الحديث الذي رواه . أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال للزبير : ” إنك لتقاتلنه وأنت ظالم له ” فالزبير
مع جلالة قدره ظلم ولكنه ندم ورجع . ثم يرد قوله هذا الحديث المتواتر
الذي رواه البخاري : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم
للجنة ويدعونه إلى النار : فعمار الذي كان في جيش علي كان
داعيا إلى الجنة بقتاله مع علي ، فعلي داع إلى الجنة بطريق الاولى
، وعمار ما نال هذا الفضل إلا بكونه مع علي ، فهو وجيشه دعاة
إلى الجنة ومقاتلوهم دعاة إلى النار ، فلو لم يكن إلا حديث
البخاري لكفى في تكذيب ابن تيمية . فكيف يقول إن القتال لا واجبا
ولا مستحبا والرسول زكى قتال علي في جميع الوقائع ، وكيف يقول
إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم
، وعلي كان داعيا إلى الجنة ومن قاتل معه فله أجر ومن خالفه
فهو باغ ظالم . فائدة في الثناء على علي في حروبه الثلاثة : ذكر
في كتاب الفرق بين الفرق ص / 350 – 351 . ما نصه : [ 87 ] وقالوا
بإمامة علي في وقته وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة
وبصفين وبنهروان . وقالوا بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال
علي لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من
الحرب ، وطلحة لما هم بالانصراف رماه مروان بن الحكم – وكان
مع أصحاب الجمل – بسهم فقتله . وقالوا : إن عائشة رضي الله عنها
________________________________________
قصدت الاصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة والازد على رأيها
وقاتلوا عليا دون إذنها حتى كان من الامر ما كان . فائدة ويح عمار
بالجر على الاضافة وهو ابن ياسر تقتله الفئة الباغية قال القاضي
في شرح المصابيح يريد به معاوية وقومه انتهن . وهذا صريح
في نفي طائفة معاوية الذين قتلوا عمار رضي الله عنه في وقعة صفين
وان الحق مع علي رضي الله عنه وهو من الاخبار بالمغيبات يدعوهم
أي عمار رضي الله عنه يدعو الفئة وهم أصحاب معاوية الذين
قتلوا بوقعة صفين في الزمان المستقبل إلى الجنة أي إلى سببها وهو
طاعة الامام الحق ويدعونه إلى سبب النار ومقاتلته . قالوا وقد
وقع ذلك في يوم صفين دعاهم فيه إلى الامام الحق ودعوه إلى النار
وقتلوه فهو معجزة للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلم من أعلام
نبوته . وأما قول بعضهم المراد أهل مكة الذين عذبوه أول الاسلام
فقد تعقبوه بالرد قال القرطبي رحمه الله تعالى : وهذا الحديث
من أثبت الاحاديث وأصحها ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال
: إنما قتله من أخرجه ، فأجابه على كرم الاه وجهه بأن رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه . قال ابن دحية
وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه [ 88 ] وحجة لا اعتراض عليها
. وقال الامام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الامامة : أجمع
علماء الحجاز والغراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي
وأبو حنيفة والاوزاعي والجمهور الاعظم من المتكلمين والمسلمين
أن عليا كرم الله وجهه مصيب في قتاله لاهل صفين كما هو مصيب
في أهل الجمل وان الذين قاتلوه بغاة ظالموا ، له لكن لا يكفرون
ببغيهم . وقال الامام أبو منصور في كتاب الفرق في بيان عقيدة
أهل السنة اجمعوا أن عليا كرم الله وجهه كان مصيبا في قتال
أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة وأهل صفين . وقد روى البيهقي
في السنن الكبرى 8 / 174 بالاسناد المتصل الى عمار بن ياسر
________________________________________
قال : لا تقولوا كفر اهل الشام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا .
وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 15 / 290 بروايات . وفي إحداها
: ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق ، فحق علينا أن نقاتلهم
حتى يرجعوا إليه . تنبيه ليس من سب الصحابة القول ان مقاتلي علي
منهم بغاة لان هذا مما صرح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل
صفين ، وقد روى البيهقي في كتاب الاعتقاد ص / 196 بإسناده المتصل
إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال : ” . . . وكل من نازع
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ على هذا عهدت
مشايخنا ، . وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي رحمه الله ” انتهت
بحروفها ، فلا يعد ذكر ما جاء في حديث البخاري سبا للصحابة
إلا ممن بعد عن التحقيق العلمي فليتفظن لذلك . ثم هل نترك كلام
عمار الذي ورد أن الجنة تشتاق إليه ، ونتبع كلام زائغ جاهل
؟ وأما من يعارض هذا الحديث المتواتر بمثل ما روي أنه صلى الله
عليه وسلم قال : [ 89 ] ” إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ” فهو بعيد
من التحقيق بعدا كبيرا لان هذا لم يثبت ، فكيف يحتج به في معارضة
حديث ثابت متواتر فقد روى حديث ” ويح عمار ” أربعة وعشرون صحابيا
. ومرادنا من هذا الكلام تبين أن عليا هو الخليفة الواجب
الطاعة ، وأن مخالفوه بغاة ، فكيف يقول هذا السخيف أنه ما كان
القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا . وأنه لم يحصل للمسلمين
فيه مصلحة لا في دينهم ولا دنياهم . فهذا فيه مخالفة للاحاديث
التي أوردناها أليس هذا ذما بعلي . وراجع كلام ابن تيمية في
منهاجه ص 202 من الجزء الثاني يقول فيها : وعلي رضي الله تعالى
عنه كان عاجزا عن قهر الظلمة من العسكرين ولم تكن اعوانه يوافقونه
على ما يأمر به ، واعوان معاوية يوافقونه ، وكان يرى ان القتال
يحصل به المطلوب فما حصل به الا ضد المطلوب . . . إلى أن
قال : فائمة السنة يعلمون انه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا
________________________________________
ولا مستحبا ولكن يعذرون من اجتهد فأخطأ . إ ه‍ . وانظر الصحيفة
204 من الكتاب السابق يقول فيها : فان قال الذاب عن علي :
هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة فقد ثبت في الصحيح ان النبي
صلى الله عليه وسلم قال لعمار رضي الله عنه ” تقتلك الفئة الباغية)
وهم قتلوا عمارا فههنا للناس اقوال : منهم من قدح في حديث
عمار ، ومنهم من تأوله على ان الباغي الطالب وهو تأويل ضعيف
، واما السلف والائمة فيقول اكثرهم كابي حنيفة ومالك واحمد وغيرهم
لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية ” إ ه‍ . اقول : السؤال
في هذا الكلام صحيح منطبق على مذهب اهل الحق ، اما جوابه – اي
ابن تيمية – عنه فههنا للناس اقوال الى آخره فاسد وكذب ، فهل يسمي
لنا القادحين في حديث عمار . [ 90 ] بعض العلماء الرادين على
ابن تيمية والمناظرين له أذكر بعض من رد عليه وناظره من العلماء
المعاصرين له والمتأخرين عنه . فممن رد عليه من الشافعية
ردا محكما ونقض رسالته الحموية في الجهة العلامة : (1) شهاب الدين
أحمد بن يحيى الحلبي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ،
وقد ذكرها السبكي في طبقاته في نحو ثلاثين ورقة ، فمن شاء فليراجع
ذلك الحقناها في هذا الكتاب للفائدة . (2) وناظره العلامة
محمد بن عمر بن مكي صدر الدين بن المرحل المتوفى سنة ستة عشرة
وسبعمائة . قال التاج السبكي في طبقاته الكبرى 6 / 23 : وله مع
ابن تيمية المناظرات الحسنة ، وبه حصل عليه التعصب من اتباع ابن
تيمية وقيل فيه ما هو بعيد عنه ، وكثر القائل فارتاب العاقل
إ ه‍ . وراجع الواقي 4 / 264 . (3) وناظره فأفحمه العلامة كمال
الدين الزملكانى المتوفى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، ورد عليه
برسالة في مسألة الطلاق وأخرى في مسألة الزيارة . (4) ورد عليه
العلامة عز الدين بن جماعة وشنع عليه . (5) والامام المحقق أبو
الحسن السبكي رد عليه بشفاء السقام في زيارة خير الانام ، والدرة
________________________________________
المضيئة في الرد على ابن تيمية ، ونقد الاجتماع والافتراق
في مسائل الايمان والطلاق ، والنظر المحقق في الحلف بالطلاق
المعلق ، والاعتبار ببقاء الجنة والنار ، وهي الرسائل التي بين
أيدينا . [ 91 ] (6) والعلامة الشريف تقي الدين الحصني الدمشقي
المتوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة ب‍ : (دفع شبه من شبه وتمرد
، ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام أحمد) وهو مطبوع . (7) والعلامة
ابن حجر الهيتمي المتوفى سنة أربع وسبعين وتسعمائة ب‍
: (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم) وهو مطبوع . . (8) ورد
عليه من المالكية المعاصرين له في الزيارة العلامة عمر بن أبي
اليمن اللخمي الشهير بالتاج الفاكهاني المتوفى بالاسكندرية سنة
أربع وثلاثين وسبعمائة ب‍ (التحفة المختارة في الرد على منكر
الزيارة) . (9) وقاضي القضاة العلامة محمد السعدي المصري الاخنائي
المتوفى سنة خمسين وسبعمائة برسالة محكمة سماها : (المقالة
المرضية في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية) وهي مطبوعة
ضمن البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة للعلامة الشيخ سلامة
العزامي الشافعي المتوفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وألف .
(10) ورد عليه في مسألة الطلاق العلامة عيسى أبو الروح الزواوي
المتوفى بالقاهرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . (11) ” تطهير
الفؤاد من دنس الاعتقاد ” لمفتي المسلمين بالديار المصرية الشيخ
محمد بخيت المطيعي وهو من أهل هذا العصر مطبوع . ويذكر الحافظ
ابن حجر في الدرر 3 / 102 في ترجمة الباجي – أنه حاقق ابن تيمية
على أربعة عشر موضعا فغير ما كان كتب به ” وقد ذكر الكتاني
في فهرس الفهارس 1 : 20 ما نصه : (وقد تصدى للرد على ابن السبكي
ابن عبد الهادي الحنبلي ولكنه ينقل الجرح ويغفل عن التعديل
وسلك سبيل العنف والتشديد وقد رد [ 92 ] عليه وانتصر للسبكي جماعة
منهم : (1) الامام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر ، الشمس
________________________________________
محمد علي ابن علان الصديقي المكي له كتاب (المبرد المبكي في
رد الصارم المنكي) . (2) البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري
من أهل هذا العصر (نصرة الامام السبكي برد الصارم المنكي)
. (3) الحافظ ابن حجر له (الاثارة بطرق حديث الزيارة) ونظر مبحثها
في فتح الباري ، والمواهب اللدنية وشروحها ” . حال ابن تيمية
عند الشيخ زروق قال الشيخ زروق : ” وهو مطعون عليه في العقائد
، (أي ابن تيمية) وذكر غيره أنه ظاهري يقول بالتجسيم) إ ه‍
انظر فهرس الفهارس 1 : 202 . الرد على من قال لعلها دسا عليه
وقد يأتيك بعض الغلاة المتعصبين لابن تيمية فتراه يدافع في أول
الامر عن ابن تيمية وينكر أن يكون قد قالها لان هذا ضلال ، فلما
يرى بعينه في كتبه تراه يراوغ ويتململ ويحاول أن يؤول له مع
أنه قد سبق أن اعترف أن هذا كفر صراح لا يقبل التأويل . ثم لما
تقام عليه الحجة يقول : ” هذا دس على الشيخ ، فلما تثبتونها
في حق ابن تيمية ، وتبرؤون ابن العربي مع أن كتبه الموجودة مليئة
بالكفر والحلول والاتحاد ؟ ” . نقول له : نحن نمنع من التسليم
لما يرى في كتاب ” الفتوحات [ 93 ] المكية ” من العبارات التي
هي صريحة في الكفر ، ونرى في ذلك أنها مدسوسة عليه لامرين :
أحدهما : أن الحفاظ الثقات من أهل عصره والمتأخرين عنه قد مدحوه
وزكوة فقد قال الحافظ ابن حجر في ” لسان الميزان 5 : 314 في
ترجمة ابن عربي : ” إعتد به حفاظ عصره كابن النجار وابن الدبيثي
” . وقد نقل إطراء بعضهم ومنهم ابن الزملكاني الذي قال عن ابن
العربي : ” هو البحر الزاخر في المعارف الالهية ” إ ه‍ . وانظر
أيضا ما ذكر عنه ابن العماد في ” شذرات الذهب 5 : 190 ، والكتبي
في ” فوات الوفيات ” 3 : 438 فقال : وعلى الجملة فكان رجلا
صالحا عظيما ” إ ه‍ . فنرى من هنا أن الحفاظ من أهل عصره قد
زكوه ومدحوه ، أما ذاك – ابن تيمية – فقد طعن فيه وجرحه الحفاظ
________________________________________
من أهل عصره ونسبوا له تلك الكلمات . وراجع كلام الذهبي فيه
الذي هو محب له وشفوق عليه . وعدا عن ذلك فإنه كما مر في هذا الكتاب
توقيعه بأنه تراجع عن هذه الاباطيل ، ولكنه عاد إليها حتى
حبس ومات في السجن . فيا ليت شعري كيف يتراجع عن شئ لم يقله
. والثاني : أن الشعراني قال : إنه اطلع على النسخة الاصلية التي
هي بخط الشيخ فوجدها خالية من هذه الكفريات ، وإن صاحب (المعروضات
المزبورة ” أحد الفقهاء المشهورين من أهل المذهب الحنفي
قال : ” تيقنا أن اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم ” . راجع كتابه
” لطائف المنن والاخلاق ” . ويؤيد ذلك أن في الفتوحات ” المكية
” عبارات صريحة في إبطال القول بعقيدة الحلول والاتحاد .
والتنزيه الصريح لله تعالى عما ينزهه أهل الحق ، ففيها الكثير
من هذا والكثير من ذلك . والكلمة الاخيرة في هذا الموضوع أن نقول
لهذا المموه : (إذا [ 94 ] اعترفت أن هذا ضلال وابن تيمية لا
يقول به ، وان هذا دس عليه ، فلما تصر على الاعتماد على هذه
الكتب ” . فارجع إلى الصواب والحق ، والزم العمل بالكتاب والسنة
. نصيحة وأخيرا أوجه هذه الاسطر إلى كل من تشرب حب هذا الرجل
في قلبه ، وعميت بصيرته عن قبول الحق أقول : ليس الحق يعرف بالرجال
ولكن الرجال يعرفون بالحق . فنحن لسنا مبتكرين نسبة ذلك
إلى ابن تيمية بل اتبعنا غيرنا من الثقات فلا يكن عليك في هذا
الامر التباس ولا تصغ إلى هؤلاء العصريين الذين لهم غرض دنيوي
في تقديس هذا الرجل ومداهنة أتباعه ، ينفون الشئ الثابت للتعصب
له ويثبتون الشئ الذي لا وجود له في سبيل الدفاع عن هذا الرجل
. وقد رأيت لمصري في عصرنا هذا كلاما يفند فيه ما قاله الذهبي
في ابن تيمية من تأنيب لابن تيمية . نفى هذا المصري ثبوت هذا
الشئ مع أنه نص في رسالة له سماها ” بيان زغل العلم والطلب ” وهي
مطبوعة على أن ابن تيمية متكبر ومزدر بالاكابر حتى قال : ”
________________________________________
وما جرى عليه وعلى أتباعه إلا بعض ما يستحقون ” . ووصفه في هذه
الرسالة بأنه خاض في الفلسفة فعاد مظلما مكسوفا . وهذه الرسالة
نقل منها الحافظ السخاوي في كتابه ” الاعلان بالتوبيخ لمن ذم
التاريخ ” في صحيفة 77 . وهذا المصري جره مجرد هوى في الدفاع
عن ابن تيمية لامر في نفسه من غير أن يكون له اطلاع على رسالة
الذهبي ولا على كتاب الحافظ السخاوي الذي نقل فيه كلام الذهبي
في هذه الرسالة في شأن ابن تيمية . فارجع إلى صوابك وتفكر بعين
التبصر بعيدا عن العصبية العمياء ، فإلى متى تبقى في جهلك وتقديسك
لهذا الرجل ، إلى متى تبقى مقلدا [ 95 ] أعمى ، يقودك البريق
الباهت إلى الحفر ، أتبيع دينك بعرض من الدنيا . أأنت أشد
علما وحرصا وورعا من الحفاظ المعاصرين له ، والفقهاء الفحول ،
أتنتظر نزول ملائكة من السماء تقول لك فلان كذا وفلان كذا ؟ ألم
تسمع بالحديث الذي رواه البخاري : المؤمنون شهداء الله في الارض
فإذا لم تقبل شهادة العدول الثقات فمن تقبل شهادتهم . فإن
الحفاظ الثقات من أهل عصره نقلوا عنه ما أوردنا في هذه الورقات
. ويكفيك كلام الحافظ السبكي الذي شبهه الصفدي بسفيان الثوري
وكان – أي الصفدي – تلميذا له ولابن تيمية ، ثم إنه حبس بفتوى
القضاة من المذاهب الابعة . [ 97 ] الرسالة الاولى الدرة المضية
في الرد على ابن تيمية للحافظ المجتهد تقي الدين علي بن عبد
الكافي السبكي المتوفى سنة 756 ه‍ [ 99 ] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى
الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الذي نصر دينه بالجلاد والجدال وتكفل لامته أن لا
يزالوا على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم الدجال وعلى آله الطيبين
وأصحابه الذين وصفهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم وألحق
________________________________________
التابعين بإحسان في رضاه بالسابقين الاولين من المهاجرين والانصار
وسلم تسليما كثيرا . أما بعد فإنه لما أحدث ابن تيمية
ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الاسلام الاركان والمعاقد
بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة مظهرا أنه داع الى
الحق هاد إلى الجنة فخرج عن الاتباع إلى الابتداع وشذ عن جماعة
المسلمين بمخالفة الاجماع وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في
الذات المقدس وان الافتقار إلى الجزء ليس بمحال وقال بحلول الحوادث
بذات الله تعالى وان القرآن محدث تكلم الله به بعد ان لم
يكن وانه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الارادات بحسب المخلوقات
وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا
أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة
[ 100 ] والمخلوف الحادث قديما ولم يجمع أحد هذين القولين
في ملة من الملل ولا نحلة من النحل فلم يدخل في فرقة من الفرق
الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الامة ولا وقفت به مع أمة
من الامم همة ، وكل ذلك وان كان كفرا شنيعا مما تقل جملته بالنسبة
إلى ما أحدث في الفروع فان متلقي الاصول عنه وفاهم ذلك منه
هم الاقلون والداعي إليه من أصحابه هم الارذلون وإذا حوققوا
في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه ، ونبهاء أصحابه
ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرد التبعية للكتاب والسنة والوقوف
عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل . وأما ما
أحدثه في الفروع فأمر قد عمت به البلوى وهو الافتاء في تعليق
الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث وقد استروح العامة إلى
قوله وتسارعوا إليه وخفت عليهم أحكام الطلاق وتعدى إلى القول
بأن الثلاث لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة وكتب
في المسألتين كراريس مطولة ومختصرة أتى فيها بالعجب العجاب وفتح
من الباطل كل باب ، وكان الله تعالى قد وفق لبيان خطئه وتهافت
________________________________________
قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع
الامة ، وقد عرف ذلك خواص العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء
، ثم بلغني أنه بث دعاته في أقطار الارض لنشر دعوته الخبيثة
وأضل بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين وأهل البلاد البرانية
ولبس عليهم مسألة اليمين بالطلاق حتى أوهمهم دخولها في
قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية وكذلك في
قوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فعسر عليهم الجواب
وقالوا هذا كتاب الله سبحانه وبقي في قلوبهم شبه من قوله حتى
ذاكرني بذلك بعض المشايخ ممن جمع علما وعملا وبلغ من المقامات
الفاخرة الموصلة إلى الآخرة أملا ورأيته متطلعا الى الجواب عن
هذه الشبهة وبيان الحق في هذه المسألة على وجه مختصر يفهمه من
لم يمارس كتب الفقه ولا ناظر في الجدل فكتبت هذه الاوارق على
وجه ينتفع به من نور الله قلبه [ 101 ] وأحب لزوم الجماعة وكره
تبعية من شذ من الشياطين وبالله أستعين وعليه توكلت وهو حسبي
ونعم الوكيل . وقد رتبت الكلام على ثلاثة فصول : الفصل الاول في
بيان حكم هذه المسألة . الفصل الثاني : في كلام إجمالي يدفع
الاستدلال المذكور . الفصل الثالث : في الجواب عن ذلك الاستدلال
بخصوصه تفصيلا . الفصل الاول اعلم أن الطلاق يقع على وجه محرم
ويسمى طلاق البدعة كالطلاق في الحيض ، وعلى وجه غير محرم ويسمى
الطلاق السني ، وقد أجمعت الامة على نفوذ الطلاق البدعي كنفوذ
السني إلا ما يحكى في جمع الثلاث على قولنا انه بدعي فإذا طلق
امرأته على الوجه المنهي عنه وهذا ليس فيه بين الامة خلاف يعتبر
إلا أن الظاهرية الذين يخالفون الاجماع في مسائل من الطلاق
وغيره خالفوا في هذه المسألة وهم محجوجون بالاجماع والحديث فقد
طلق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال مرة فليراجعها ثم ليمسكها
________________________________________
حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وان شاء طلق قبل أن
يمس فتلك العدة التي امر الله أن تطلق لها النساء وهو في الصحيحين
وفي لفظ قال ابن عمر فطلقها وحسبت لها التطليقة التي طلقها
وهو في الصحيح مع أن أهل الظاهر يقولون لو طلقها في الحيض ثلاثا
نفذ وكذلك لو طلقها في طهر مسها فيه ، والقصد أن الطلاق في
الحيض على وجه البدعة نافذ على ما دل عليه الحديث المذكور ، وما
ورد في بعض روايات هذا [ 102 ] الحديث ان عبد الله بن عمر قال
فردها علي ولم يرها شيئا متأول عند العلماء ومحمول على معنى
الرواية الاخرى وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير وجه
الاعتداد بتلك الطلقة وانفاذها عليه وقد قال الله سبحانه وتعالى
في كتابه العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن
لعدتهن) يعني لقبل عدتهن وقد قرئ كذلك والمراد أن يوقع الطلاق
على وجه تستقبل المرأة العدة بعده وإذا وقع الطلاق في الحيض
لم تعتد المرأة بأيام بقية الحيض من عدتها فتطول عليها العدة
وقبل ليطلق في الطهر فربما كان الطلاق في الحيض لعدم حل الوطء
فيه وقد جاء في بعض ألفاظه هذا الحديث ” فتلك العدة التي أمر
الله أن تطلق لها النساء ” يعني في هذه الآية فقد دل الكتاب والسنة
على أن الطلاق في الحيض محرم ومع ذلك فقد قضى النبي صلى الله
عليه وسلم بنفوذه والاعتداد به وان كان قد خالف الوجه الذي
شرع الطلاق فيه فرأينا الشرع أوقع بدعة الطلاق كما أوقع سنته
وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه وكذلك إذا جمع الطلقات الثلاث
في كلمة فهو مخالف لوجه السنة في قول جماعة من السلف بل أكثرهم
ومع ذلك يلزمونه الثلاث ، وقد أتى ابن العباس رجل فقال ان عمي
طلق امرأته ثلاثا فقال ان عمك عصى الله فأندمه الله ولم يجعل
له مخرجا ، وعن انس قال كان عمر رضي الله عنه إذا أتى برجل طلق
امرته ثلاثا في مجلس واحد أوجعه ضربا وفرق بينهما ، وعن عمران
________________________________________
بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس
قال : أثم وحرمت عليه امرأته ، وعن نافع ان ابن عمر رضي الله
عنهما قال من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه امرأته
. فهذه أقوال الصحابة في اثم من جمع الطلقات الثلاث لمخالفته السنة
ومع ذلك يوقعونها عليه وما ذلك إلا لقرة الطلاق ونفوذه وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم ” ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاج
والطلاق والرجعة ” فجعل هزل الطلاق جدا ولم نعرف بين الامة
خلافا في ايقاع طلاق الهازل وما ذلك إلا لانه أطلق لفظ الطلاق
مريدا معناه ولكنه لم يقصد حل قيد نكاح امرأته بذلك ولا قصد ايقاع
الطلاق [ 103 ] عليها بل هزل ولعب ومع ذلك فلم يعتبر الشارع
قصده وإنما ألزمه موجب لفظه الذي أطلقه وواخذه به وما ذلك إلا
لقوة الطلاق ونفوذه . ثم ان الطلاق يكون منجزا ويكون معلقا على
شرط فالمنجز كقوله أنت طالق والمعلق كقوله إذا جاء رأس الشهر
فأنت طالق وان دخلت الدار فأنت طالق ، وقد أجمعت الامة على وقوع
المعلق كوقوع المنجز فان الطلاق مما يقبل التعليق ، لم يظهر
الخلاف في ذلك إلا عن طوائف من الروافض ، ولما حدث مذهب الظاهرية
المخالفين لاجماع الامة المنكرين للقياس خالفوا في ذلك فلم
يوقعوا الطلاق المعين ولكنهم قد سبقهم إجماع الامة فلم يكن قولهم
معتبرا لان من خالف الاجماع لم يعتبر قوله وقد سبق إجماع
الامة على وقوع الطلاق المعلق قبل حدوث الظاهرية ، وإنما اختلف
العلماء إذا علق الطلاق على أمر واقع أو مقصود كقوله إذا جاء
رأس الشهر فأنت طالق هل يتنجز الطلاق من حين علق ولا يتأخر إلى
وقوع الشرط وهو مجئ رأس الشهر أو يتأخر إلى مجئ رأس الشهر فيه
قولان للعلماء مشهوران لانه لما علق على شرط واقع فقد قصد ايقاع
الطلاق ورضي به فتنجز من وقته ، وهذا ابن تيمية لم يخالف في
تعليق الطلاق وقد صرح بذلك فليس مذهبه كمذهب الظاهرية في منع
________________________________________
نفوذ الطلاق المعلق . ثم ان الطلاق المعلق منه ما يعلق على وجه
اليمين ومنه ما يعلق على غير وجه اليمين ، فالطلاق المعلق على
غير وجه اليمين كقوله إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو ان اعطيتني
ألفا فأنت طالق ، والذي على وجه اليمين كقوله إن كلمت فلانا
فأنت طالق أو إن دخلت الدار فأنت طالق وهو الذي يقصد به الحث
أو المنع أو التصديق فإذا علق الطلاق على هذا الوجه ثم وجد المعلق
عليه وقع الطلاق وهذه المسألة التي ابتدأ ابن تيمية بدعته
وقصد التوصل بها إلى غيرها ان تمت له وقد اجتمعت الامة على وقوع
الطلاق المعلق سواء كان على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين
هذا مما لم يختلفوا فيه وإجماع الامة معصوم من الخطأ وكل من
قال بهذا من العلماء لم يفرق بين المعلق على وجه اليمين أولا [
104 ] على وجه اليمين بل قالوا الكل يقع وقد لبس ابن تيمية بوجود
خلاف في هذه المسأنة وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الاسلام
وقد نقل اجماع الامة على ذلك ائمة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقف
في صحة نقلهم . فممن نقل ذلك الامام الشافعي رضي الله عنه وناهيك
به فانه الامام القرشي الذي يملا طبق الارض علما ، وثناء
امام هذا المبتدع الذي ينتسب إليه وهو برئ من بدعته – وهو الامام
أحمد رضي الله عنه – على الشافعي معروف وتبعيته له ومشيه في
ركابه وأخذه عنه مشهور ، وممن نقل الاجماع على هذه المسألة الامام
المجتهد أبو عبيد وهو من ائمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما
وكذلك نقله أبو ثور وهو من الائمة ايضا ، وكذلك نقل الاجماع
على وقوع الطلاق الامام محمد بن جرير الطبري وهو من أئمة
الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة ، وكذلك نقل الاجماع الامام أبو
بكر بن المنذر ونقله أيضا الامام الرباني المشهور بالولاية
والعلم محمد ابن نصر المروزي ونقله الامام الحافظ أبو عمر بن عبد
البر في كتابيه ” التمهيد ” و ” الاستذكار ” وبسط القول فيه
________________________________________
على وجه لم يبق لقائل مقالا ونقل الاجماع الامام ابن رشد في كتاب
” المقدمات ، له ونقله الامام الباجي في ” المنتقى ” وغير
هؤلاء من الائمة ، وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم
يختلفوا في هذه المسألة بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر
بين الامة ، والامام أحمد أكثرهم نصا عليها فإن نص على وقوع
الطلاق ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الايمان الي
تكفر ولا تدخل فيها الكفارة وذكر العتق وذكر الاثر الذي استدل
به ابن تيمية فيه وهو خبر ليلى بنت العجماء الذي بنى ابن تيمية
حجته علية وعلله ورده وأخذ بأثر آخر صح عنده وهو اثر عمان بن
حاضر وفيه فتوى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر رضي الله
عنهم بإيقاع العتق على الحانث في اليمين به ولم يعمل بأثرليلى
بنت العجماء ولم يبق في المسألة إلباسا رضي الله عنه بل كان قصده
الحق ، وإذا كانت الامة مجمعة على وقوع الطلاق لم يجز لاحد
مخالفتهم فإن الاجماع من أقوى [ 105 ] الحجج الشرعية وقد عصم الله
هذه الامة عن أن تجتمع على الخطأ فان اجماعهم صواب ، وقد أطلق
كثير من العلماء القول بأن مخالف اجماع الامة كافر وشرط المفتي
أن لا يفتي بقول يخالف أقوال العلماء المتقدمين وإذا أفتى
بذلك ردت فتواه ومنع من أخذ بقوله ، ودل الكتاب والسنة على أنه
لا يجوز مخالفة الاجماع قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من
بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله
جهنم وساءت مصيرا) فقد توعد على مخالفة سبيل المؤمنين واتباع
غير سبيلهم بهذا الوعيد العظيم ، ومخالف إجماع الامة متبع
غير سبيل المؤمنين فكيف يعتبر قوله ، وقال تعالى (وكذلك جعلناكم
أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط الخيار والشهداء على
الناس العدول عليهم فلا يجتمعون على الخطأ ، وقال تعالى (كنتم
خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا
________________________________________
يدل على أن مجموعهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلوا
اجمعوا على الخطأ لامروا ببعض المنكر ونهوا عن بعض المعروف ومحال
أن يتصفوا بذلك وقد وصفهم الله بخلافه ، وقد ورد في الاحاديث
ما يدل مجموعه على عصمة جماعتهم لهن عن الخطأ والضلال والمسألة
مبسوطة مقررة في موضعها والقصد هنا أن الامة مجتمعة على وقوع
هذا الطلاق فمن خالفهم فقد خالف الجماعة وخالف النبي صلى الله
عليه وسلم في أمره بلزوم الجماعة وكان الشيطان معه فان الشيطان
مع الواحد . ثم ان هذا المبتدع ابن تيمية ادعى أن هذا القول
قال به طاوس واعتمد على نقل شاذ وجده في كتاب ابن حزم الظاهري
” عن مصنف عبد الرزاق ” ولم ينقل هذا القول عن أحد بخصوصه في
الطلاق إلا عن طاوس كما ذكر وعن أهل الظاهر ، أما طاوس فقد صح
النقل عنه بخلاف ذلك وقد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة ونقل
ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها كتاب ” السنن
” لسعيد بن منصور [ 106 ] ومنها ” مصنف عبد الرزاق ” الذي ادعى
المخالف ان النقل عنه بخلاف ذلك وقد وضح كذبه في هذا النقل
فان المنقول في مصنف عبد الرزاق طاوس إنما ذكره عبد الرزاق في
طلاق للمكره فلبس ابن حزم الظاهري النقل وتبعه هذا المبتدع ،
وعن كلام طاوس لو صح عنه أجوبة كثيرة غير هذا مبينة في كتابنا
(الرد على ابن تيمية) وأما أهل الظاهر فيقولون ان الطلاق المعلق
كله لا يقع ولم يقل ابن تيمية بذلك وهم مخالفون للاجماع لا يعتبر
قولهم ، ويقولون ان الطلاق المعلق على وجه اليمين لا كفارة
فيه ولم يقل ابن تيمية بذلك فهو مخالف لهم في بدعته متمسك بقولهم
الذي لا يعتبر ، وقد قال ابن حزم ان جميع المخالفين له لا
يختلفون في ان اليمين بالطلاق والعتق لا كفارة في حنثه بل إما
الوفاء بالمحلوف عليه أو باليمين . وقال هذا المبتدع ان هذه المسألة
لم يتكلم فيها الصحابة لانه لم يكن يحلف بالطلاق في زمانهم
________________________________________
: ثم بعد هذا القول نسب الى الصحابة رضوان الله عليهم أنهم
يقولون بقوله فكذب أولا وآخرا اما كذبه أولا فلانه قال ان الصحابة
لم تتكلم في هذه المسألة وليس كذلك ففي صحيح البخاري فتوى
ابن عمر رضي الله عنهما بالايقاع قال البخاري قال نافع طلق رجل
امرأته البتة ان اخرجت فقال ابن عمر ان خرجت فقد بنت منه وان
لم تخرج فليس بشئ وهذه فتوى ظاهرها في هذه المسألة بإيقاع الطلاق
البتة ان خرجت وهو وقوع المعلق عليه وبه يحصل الحنث فأوقع
ابن عمر الطلاق على الحالف به عند الحنث في يمينه ، ومن مثل ابن
عمر رضي الله عنهما في دينه وعلمه وزهده وورعه وصحة فتاويه ،
ولا يعرف أحد من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى ولا أنكرها
عليه ، وقد قضى علي رضي الله عنه في يمين بالطلاق بما يقتضي
الايقاع فإنهم رفعوا الحالف إليه ليفرقوا بينه وبين الزوجة بحنثه
في اليمين فاعتبر القضية [ 107 ] فرأى فيها ما يقتضي الاكراه
فرد الزوجة عليه لاجل الاكراه وهو ظاهر في أنه يرى الايقاع
لولا الاكراه ، وفي ” سنن البيهقي ” بسند صحيح عن ابن مسعود رضي
الله عنه في رجل قال لامرأته ان فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته
قال هي واحدة وهو أحق بها فأوقع الطلاق واحدة عند الحنث بمقتضى
اللفظ ولم يوجب كفارة ، ومن مثل عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم (كنيف ملئ علما ” وقال
” من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن
أم عبد ” ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك ، وقول
الصحابة حجة شرعية في قول جمهور العلماء وقد اخبر النبي صلى
الله عليه وسلم في أنهم كالنجوم يهتدى بهم فلا هدي اتم من هديهم
، وأما كذبه ثانيا فلانه قال لم يكن يحلف بالطلاق في عهد الصحابة
وهذه وقائع فيها الحلف بالطلاق ونقلت أيضا حكومة أخرى وقعت
عند علي رضي الله عنه في رجل حلف بالطلاق أنه لا يطأ امرأته
________________________________________
حتى يعظم ولده بل نقل عن بعغى الصحابة أنه حلف بالطلاق وهو أبو
ذر رضي الله عنه لما سألته امرأته عن الساعة التي يستجاب الدعاء
فيها يوم الجمعة واكثرت فقال لها زيغ الشمس يشير الى ذراع
فإن سألتني بعدها فأنت طالق فحلف عليها بالطلاق ان لا تعاود المسألة
، وفي ذلك آثار كثيرة غير هذا مذكورة في المصنف المبسوط
، وأما كذبه آخرا فلانه نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم القول
بأن الطلاق لا يقع وأنه تجب الكفارة مع اعترافه ان ذلك لم يقع
في عهدهم وهذه مكابرة قبيحة وكذب صريح وقد قالت عائشة رضي الله
عنها كل يمين وأن عظمت ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة
يمين فاستشنت يمين الطلاق ويمين العتاق من الكفارة ، وهذا الاثر
نقله ابن عبد البر في ” التمهيد ” وفي ” الاستذكار ” بهذا اللفط
مسندا ، ونقله هذا المبتدع فأسقط منه قولها ليس فيها طلاق
طلاق ولا عتاق ليوهم أن عائشة رضي الله عنها تقول بالكفارة في
يمين الطلاق والعتق فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يكسبون
فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه الا الافتاء بالوقوع وأما التابعون
رضي الله عنهم [ 108 ] فأئمة العلم منهم معدودون معروفون
وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم ولم ينقل هذا المبتدع عن أحد
منهم بعينه نصا في هذه المسألة غير ما نسبه إلى طاوس مع انه
يدعي اجماعهم على قوله مكابرة كما فعل في الصحابة ، وقد نقلنا
من الكتب المعروفة الصحيحة ” كجامع عبد الرزاق ” و ” مصنف ابن
أبي شيبة ” و ” سنن سعيد بن منصور ” والسنن الكبرى للبيهقي ”
وغيرها فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد وكلهم بالاسانيد الصحيحة
أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين ولم يقضوا بالكفارة وهم :
سعيد بن المسيب أفضل التابعين والحسن البصري وعطاء والشعبي وشريح
وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وقتادة والزهرة وأبو مخلد والفقهاء
السبعة فقهاء المدينة وهم : عروة بن الزبير والقاسمك بن محمد
________________________________________
بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبرة بن مسعود وخارجة
بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله بن عمر وسليمان
بن يسار ، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدما
على غيرهم ، وأصحاب ابن مسعود السادات وهم : علقمة والاسود ومسروق
وعبيدة السلماني وأبو وائل شقيق بن سلمة وطارق ابن شهاب وزر
بن حبيش وغير هؤلاء من التابعين مثل ابن شبرمة وأبو عمرو الشيباني
وأبو الاحوص وزيد بن وهب والحكم وعمر بن عبد العزيز وخلاس
بن عمرو كل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في
ذلك ، ومن هم علماء التابعين غير هؤلاء ، فهذا عصر الصحابة وعصر
التابعين كلهم قائلون بالايقاع ولم يقل أحد أن هذا مما يجري
به الكفارة ، وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة
كلها تشهد بصحة هذا القول كأبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك والشافعي
وأحمد واسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وابن جرير
الطبري وهذه مذاهبهم نقولة بين أيدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة
فإذا كان الصدر الاول وعصر الصحابة رضي الله عنهم وعصر التابعين
لهم بإحسان بعدهم وعصر تابعي التابعين لم ينقل عنهم خلاف
في هذه المسألة ، وهذا المبتدع يسلم أن بعد هذه الاعصار الثلاثة
لم يقل أمام مجتهد بخلاف [ 109 ] قولنا فكيف يسوغ مخالفة قول
استقر من زمن النبي صلى الله عليه وسلم والى الان بقول مبتدع
يقصد نقض عرى الاسلام ومخالفة سلف الامة ، أكان الحق قد خفي عن
الامة كلها في هذه الاعصار المتتابعة حتى ظهر هذا الزائغ بما
ظهر به هيهات هيهات وهذا واضح لذوي البصائر وأرباب القلوب المنورة
بنور اليقين أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ولكن قد
عميت البصائر والناص سراع الى الفتنة راغبون في المحدثات وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم كل محدثة ضلالة ” . الفصل الثاني
________________________________________
في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور وذلك ان الناس على قسمين
: عالم مجتهد متمكن من استخراج الاحكام من الكتاب والسنة أو
عامي مقلد لاهل العلم ، ووظيفة المجتهد إذا وقعت واقعة ان يستخرج
الحكم فيها من الادلة الشرعية ووظيفة العامية أن يرجع إلى
قول العلماء ، وليس لغير المجتهد إذا سمع آية أو حديثا أن يترك
به أقوال العلماء فإنه إذا رآهم قد خالفوا ذلك مع علمهم به علم
أنهم إنما خالفوه لدليل دلهم على ذلك وقد قال الله تعالى (فاسألوا
أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) وقال (ولو ردوه إلى الرسول
وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وللمفسرين
في الاية كلام ليس هذا موضع ذكره والقصد أن غير العالم المجتهد
ولا سيما العوام إذا سمعوا آية فيها عموم أو اطلاق لم يكن لهم
أن يأخذوا بذلك العموم أو الاطلاق إلا بقول العلماء ولا يعمل
بالعمومات والاطلاقات الا من عرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص
والمطلق والمقيد والمجمل والمبين [ 110 ] والحقيقة والمجاز
فإذا سمع قوله تعالى (أو مما ملكت أيمانكم) وأخذ بعمومه في الجمع
بين الاختين المملوكتين كان مخطئا فإذا سمع معه قوله تعالى
(وأن تجمعوا بين الاختين) قال هذا يعم الاختين المملوكتين والمنكوحتين
فيتحير بأي العمومين يعمل فإذا سمع قول عثمان رضي الله
عنه : أحلتها آية وحرمتها آية والتحريم أولى علم ان العمل على
دليل التحريم وله ترجيحات أخر غير هذا يعرفها العلماء فيعلم العامي
انه لا يمكنه الاستقلال بأخذ الحكم من الكتاب وكذلك إذا
سمع الادلة الدالة على تحريم اللواط والتأكيد وسمع قوله تعالى
(أو ما ملكت أيمانكم) فقد يخطر له أن هذا يقتضي حل المملوك ، وقد
خطر ذلك لبعض الجهال فإذا أخذ بهذا العموم ضل ، وقد قال بعض
أصحاب الشافعي رضي الله عنه ان من تأول هذا التأويل سقط عنه الحد
وأخطأ في هذا القول خطأ عظيما ، وكذلك إذا سمع أن قائلا قال
________________________________________
يحل وطأ الزوجة في الدبر مستندا إلى قوله تعالى (نساؤكم حرث
لكم فأتوا حرثكم انى شئتم) ظن ذلك صحيحا وأن القرآن دل على حل
ذلك وهو مخطئ لان هذا القول شاذ يقال انه رواية عن مالك ولم يصح
والمالكية ينكرونه وصح عن مالك تحريم ذلك والاية دالة على التحريم
بخلاف ما يظن الجهال فإن الحرث لا يكون إلا في موضع البذر
، والحديث الصحيح في سبب نزول الاية يوضح المعنى وهو ان اليهود
كانوا يقولون أن الرجل إذا أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء
الولد أحول فأنزل الله هذه الاية (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم
أنى شئتم) أي كيف شئتم ، وفي الحديث الصحيح ” في صمام واحد ”
وفي لفط ” غير أن لا تأتوا في غير المأتي ” فإذا لم يجمع الانسان
بين الادلة وبين الكتاب والسنة ويعرف سبب نزول الاية ومحملها
لا ينبغي أن يأخذ بظاهر من فهمه لا يعرف ما وراءه ، وإذا سمع
العامي الحديث ” من شرب الخمر فاجلدوه ” إلى أن قال في الرابعة
” فإن شربها فاقتلوه ” فعمل به وقتل الشارب في الرابعة كان
مخطئا لان الامة أجمعت على ترك العمل بهذا الحديث وكذلك إذا سمع
حديث ابن عباس [ 111 ] رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم ان النبي
صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوف
ولا مطر وقد رواه مسلم من طرق عدة . فيقول العامي بهذا الحديث
ولا يعلم أن الامة أجمعت على ترك العمل به ، إلا ما يروى عن
ابن سيرين انه يجوز الجمع في الحضر للحاجة ، وقد روى أبو العالية
أن عمر رضي الله عنه كتب الى أبي موسى الاشعري رضي الله عنه
: وأعلم أن جمع ما بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر ، وقد
أخرج هذين الحديثين الترمذي وقال في آخر كتاب : ليس في كتابي هذا
حديث ترك العمل به بالاجماع سوى حديثين فذكر هذين الحديثين
، وكذلك حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة فلما رآهم
________________________________________
عمر قد تتابعوا فيه قال أجيزوهن عليهم ، وهذا الحديث متروك الظاهر
بالاجماع ومحمول عند العلماء على معان صحيحة ، وقد صحت الرواية
عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة فإذا سمعه العامي وحده وقف
عنده ولم يعلم أنه معارض بما يدفعه ومردود الظاهر بإجماع الامة
، وأحاديث المتعة صحيحة وقد صح فعلها في زمن النبي صلى الله
عليه وسلم وصح النهي عنها فأبيحت مرتين ونسخت مرتين فإذا سمع
العامي الاحاديث الصحيحة بإباحتها ظن أنها مباحة ولم يعلم أن ذلك
نسخ ، وقد وقع هذا للمأمون وهو خليفة فنادى بتحليل المتعة فدخل
، عليه القاضي يحيى ابن أكثم وقال له أحللت الزنا وعرفه الحديث
الصحيح في النسخ ولم يكن سمعه فنادى من وقته بتحريم المتعة
، وحديث قدامة بن مظعون رضي الله عنه صحيح وكان قد شرب الخمر
فرفع الامر إلى عمر رضي الله عنه فاعترف وذكر انه إنما شربها
متأولا قوله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
فما طعموا) فرد عليه عمر وقال أخطأت التأويل ألم يقل البه سبحانه
(إذا ما اتقوا وآمنوا) ولم يجعل تأويله موجبا لاسقاط الحد بل
حده لانه لم يستنبط الحكم استنباطا صحيحا ولكنه أخذ بعموم نفي
الجناح في كل [ 112 ] مطعوم وغفل عن القيد المخصص وهو قوله (إذا
ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) إلى آخر الاية ، وهذا يوضح
أن العمل بالعموم بمجرده من غير نظر في أدلة التخصيص والتقييد
خطأ من العامل به ، وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بذكرها ، والاية
التي احتج بها هذا المبتدع وهي قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما
عقدتم الايمان) إلى آخر الاية والاية الاخرى وهي قوله تعالى
(قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إذا سمعها العامي يظن دخول يمين
الطلاق في ذلك وقال هي يمين والله جعل في كل يمين كفارة واعتقد
صحة قول هذا المبتدع وتلبس عليه باطله فإذا اعترف انه لا ينبغي
له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له مخصص ويعرف ما يعارضه من
________________________________________
الادلة فوض الامر إلى أهله وعلم أن فوق كل ذي علم عليم ، وكذلك
لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم ما في السنة مما يبينه
أو يخصصه أو يقيده قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين
للناس ما نزل إليهم) وقال صلى الله عليه وسلم ” لا ألفين أحدكم
متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري فيقول لا أدري ما سمعنا
في كتاب الله اتبعناه ” الحديث ، والحديث الصحيح عن علي رضي
الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل
عليهم رجلا من الانصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه
في شئ فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا له ثم قال أوقدوا لي نارا
فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول إليه صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا
لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم الى بعض وقالوا
إنما فررنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فكانوا
كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” لو دخلوها لم يخرجوا منها
أبدا ” وقال : ” لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف
” ولم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الاخذ بإطلاق قوله
” اسمعوا له وأطيعوا ” لما دلت الادلة على أن الطاعة إنما تكون
فيما وافق الحق ولا طاعة في المعصية مع أنهم قد لا يكونون ممن
سمع للك الادلة فان الممتنعين من الدخول فيها لم يأخذوا الا بأنهم
إنما أسلموا ليسلموا من النار فكيف يؤمرون [ 113 ] بالدخول
فيها فقيدوا اطلاق الامر بالسمع والطاعة بدليل قياسي ومع عدم
علمهم بتلك الادلة لم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بل حكم
باستمرارهم بالنار لو دخلوها لتقصيرهم في البحث عن الادلة في
محل الاشكال فمن لم يعرف الكتاب والسنة وأقوال الائمة لم يكن له
ان يقف عند دليل يسمعه من غير إمام يرشده وقد نقل عن جماعة من
الائمة أنه ليس في القرآن عموم إلا وقد دخله التخصيص الا قوله
________________________________________
تعالى (والله بكل شئ عليم) وقوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه)
إذا أريد بالوجه الذات والصفات المقدسة حتى قالوا في قوله (خالق
كل شئ) ليس محمولا على عمومه بل هو مخصوص فإن الله سبحانه
شئ وليس مخلوقا تعالى عن ذلك ، وفي هذا ومثله كلام لا يليق بهذا
الموضع فعلمنا من ذلك أن قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
الايمان) الاية وقوله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) لا يعمل
بعمومه حتى ننظر فيما يخصصه أو يعارضه من كتاب أو سنة فإذا تحقق
المراد منه وأي مخرج خرج نبين ما فيه من الدليل أو عدمه ، ولكن
هذا المبتدع قصده الترويج على العوام ومن لا يعرف شروط الادلة
وكيفية استخراج الحكم ويهول عليهم بقوله هذا نص القرآن وهذا
قول الله فتنخلع أفئدتهم لقوله ولا يعلمون ما وراء ذلك . الفصل
الثالث في الجواب عن استدلاله بالايتين المذكورتين على وجه
التفصيل أما الاية الاولى وهي قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو
في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام
عشرة مساكين من أوسط [ 114 ] ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير
رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم
واحفظوا ايمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون)
وإنما يتم الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله
(ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها
فيه والكلام على هذه الاية يلتفت على الكلام على الاية الاخرى
في سورة البقرة قال الله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم
أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناص والله سميع عليم لا يؤاخذكم
الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله
غفور حليم) وللمفسرين في معنى قوله تعالى (ولا تجعلوا الله
عرضة لايمانكم أن تبروا) قولان : أحدهما أن المراد لا تجعلوا
اليمين بالله تعالى متعرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا
________________________________________
بين الناس فتحلفوا لا تفعلوا ذلك فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف
وبين البر والتقوى فنهاهم الله عن اليمين على ذلك ثم شرع لهم
الكفارة للتخلص من هذا المنع ليكون طريقا لحالف الى الرجوع
الى البر والتقوى والاصلاح ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
(إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمين
وأتيت الذي هو خير ” والقول الثاني : ” ان المراد لا تجعلوا
اسم الله عرضة لايمانكم فتبتذلوه بالحلف به في كل شئ وقوله (ان
تبروا) معناه ارادة أن تبروا يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في
كل يمين قدرتم على البر ، ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما
يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم ولا شك أن اليمين بالله تعالى
مراده في الايتين هي اليمين الشرعية وهي التي شرعت الكفارة
فيها أصلا فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا
يفعل كذا فإذا قال : والله لا أفعل أو والله لافعلن فقد أكد
عقده بهذا الاسم المعظم كأنه يقول : ان فعلت كذا فقد خالفت ، موجب
تعظيم ما عقدت به اليمين من الاسم المعظم ولست معظما له حق
تعظيمه ، هذا موضوع اليمين فإذا عقدها على الوجه ثم خالف موجبها
وحنث فقد لزمه ما ألزم نفسه من انتهاك حرمة الاسم [ 115 ] بالمخالفة
فجعل الله سبحانه الكفارة جابرة لهذا الامر الذي ألزمه
نفسه تعظيما لاسمه المستحق للتعظيم وهذا أمر لا يستحقه غير الله
عزوجل فلا يشاركه غيره فيه ، ولهذا نهي عن الحلف بغير الله
عزوجل ، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن اليمين بغير
الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لاحد الحلف بها ومن ههنا قال أهل
الظاهر : لا كفارة الا في اليمين بأسماء الله عزوجل وصفاته ولا
تجب الكفارة في يمين غير ذلك ، وممن قال بهذا القول الشعبي
والحكم والحارث العكلي وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن نقله ابن
عبد البر وقال هو الصواب عندنا والحمد لله . وقال جمهور العلماء
________________________________________
بوجوب الكفارة في أيمان غيرها لكن على سبيل الالحاق بها لوجود
علة وجوب الكفارة عندهم ، هذه أقوال المعتبرين من العلماء ،
وقد شذ بعضهم بأقوال لا يعرج عليها ولا يتأتى بيان ذلك إلا بتفصيل
أنواع الايمان وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى ، هذا مع اتفاق
العلماء كلهم على أمرين ، أحدهما أن يمين الطلاق لا كفارة فيها
ولو قلنا هي يمين ، والثاني : أن عموم الاية مخصوص فلا تجب
الكفارة في كل ما يطلق عليه اسم اليمين . لغة ، وإذا كانت الكفارة
لا تجب في ، كل ما يسمى يمينا في اللغة لم تبق الاية الكريمة
مجراة على عمومها ، وحينئذ فالاية اما محمولة على اليمين الشرعية
أو على اليمين اللغوية والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند
المحققين من العلماء فإذا كان للفظ معنى في اللغة ومعنى في
الشرع اما يقاربه وأما يباينه ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع
حملناه على معناه في الشرع فان تعذر حملناه على معناه في اللغة
والعرف ، وههنا في الاية زيادة وهي أن الحمل فيها على الموضوع
اللغوي يوجب تخصيص عمومها والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب
ذلك وما سلم من التخصيص أو كان أقل تخصيصا كان أولى فيتعين
حمل الايمان في الاية الكريمة على المعنى الشرعي ، واليمين الشرعية
هي ما شرع الحلف به أو لم يكره شرعا ولم يحرم ، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم ” من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت
” وهو في [ 116 ] الصحيحين ، وفي لفظ لمسلم ” من كان حالفا فلا
يحلف إلا بالله ” وكانت قريش تحلف بآبائها فقال (لا تحلفوا بآبائكم)
وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال ” لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون
” فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عزوجل
وما نهى عنه لم يكن شرعيا ولا فرق بين اليمين باسم الله عزوجل
أو غيره من الاسماء الحسنى والصفات العليا والكل شرعي ينعقد
________________________________________
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول ” لا ومقلب القلوب
” وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال وعزتك لا يسمع بها أحد
إلا دخلها ، ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله
عليه وسلم ” قولوا ورب الكعبة ” فكل هذه أيمان شرعية لان المعنى
في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على
وجه لا يليق بغير الله عزوجل فبأي اسم من أسماء الله عزوجل أو
صفة من صفاته حلف لم يكن معظما لغير الله تعالى فإذا كانت اليمين
الشرعية هي اليمين بالله عزوجل وصفاته كانت الاية محمولة على
ذلك فدلت الاية على أن كل يمين بالله أو بإسم من أسمائه أو صفة
من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث لان اللفظ شرعي فيحمل على
المعنى الشرعي وتكون الاية على عمومها في كل الايمان الشرعية فلا
تكون الاية دالة على ايجاب الكفارة في شئ من الايمان سوى الايمان
الشرعية وهي الايمان بالله وباسمائه وصفاته ، ولا تدخل اليمين
بالطلاق ولا غيرها في ذلك . ثم إن العلماء رأوا أن بعض الايمان
ملحق باليمين بالله تعالى في ايجاب الكفارة فألحقوه بذلك
لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لاجله فيها وعند هذا اختلف نظرهم
فمنهم من يلحق أنواع كثيرا ومنهم من يلحق أقل من ذلك على
اختلاف نظرهم واجتهادهم ويوجد هذا الاختلاف للصحابة والتابعين
ومن بعدهم فنتكلم فيما وعدنا به من تفصيل الايمان التي جوز فيها
العلماء المعتبرون الكفارة ثم نتكلم على الطلاق والعتاق فمنها
النذر الذي يسمى نذر اللجاج والغضب والغلق وقد قيل فيه بالوفاء
[ 117 ] وقيل بالكفارة على وجه التخيير فاعلم أن النذر في أصله
قربة ووضعه الاصلي أن يعلق التزام قربة على مطلوب يريده أما
جلب نعمة أو دفع نقمة كقوله : ان شفى الله مريضي فلله علي صوم
شهر أو ان رد الله تعالى الغائب فلله علي أن اتصدق بكذا ، وهذا
نذر شرعي ويسمى عند الفقهاء نذر التبرر والوفاء اللازم فإذا
________________________________________
حصل ما طلبه وهو المعلق عليه وجب عليه الوفاء بما نذر ولا تجزئة
في ذلك كفارة يمين ، هذا أصل الباب ووضعه في الشرع فان التزم
قربة على غير مطلوب كقوله : لله علي أن أصوم كذا أو أن اتصدق
بكذا فهل يسمى هذا نذرا فيه خلاف وأكثر العلماء على أنه نذر يجب
الوفاء به ، ولكن أصل الباب هو التعليق ، ثم ان الناس توسعوا
في ذلك فصاروا يعلقون لزوم القربة على ما يريدون الحث عليه أو
المنع منه كقول القائل : إن كلمت فلانا فعلي صوم شهر وان لم
أعط فلانا كذا فعلي صدقة وما أشبه ذلك فهذا تعليق قربة على أمر
يطالب وقوعه أو المنع منه فهو تعليق قربة على مطلوب فمن هذا الوجه
هو نذر يشبه نذر التبرر لما فيه من صريح التعليق للقربة على
مطلوب وفي معناه شبه اليمين من جهة انه لا على التزام القربة
على وجه التقرب بل قصد حث نفسه أو منعها بما علق من لزوم القربة
التي ان خالف ولم يلتزمها عند وقوع الشرط فقد ترك حق الله
ولم يقم به ولم يعظمه حق تعظيمه فصار ذلك في المعنى كقول القائل
: والله لافعلن أو والله لا أفعل فان معنى كلامه اني ان فعلت
فقد خالفت ما عقدت به قولي من الاسم المعظم فلست معظما له حق
تعظيمه فصار في هذا النذر شبه من اليمين في المعنى وهو بلفظ النذر
لاجل الذي يجب الوفاء به ، وقد مدح الله قوما على الوفاء بالنذر
فقال تعالى (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا)
وذم النبي صلى الله عليه وسلم قوما على ترك الوفاء بالنذر فقال
في حديث عمران بن حصين وهو في الصحيح ” خير امتي قرني ثم الذين
يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين
أو ثلاثة ثم ان من بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون
ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر [ 118 ] فيهم السمن ” وروت
عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من
نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي الله فلا يعصه ” وهو
________________________________________
حديث صحيح فأوجب أولا الوفاء وهذا قول مالك رضي الله عنه في المشهور
عنه ومن تبعه وقول ربيعة وإحدى الروايات عن أبي حنيفة وقد
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما انه قال بوجوب الوفاء روى ابن
المنذر بإسناد صحيح إلى الهيثم بن سنان أنه سمع ابن عمر وسأله
بعض أهله انه كسى امرأته كسوة فسخطتها فقالت ان لبستها في رتاج
الكعبة قال ابن عمر لتجعل مالها في رتاج الكعبة قال انما مالها
في الغنم والابل قال ابن عمر : لتبع الغنم والابل في رتاج
الكعبة ، وروي عن انس رضي الله عنه مثل ذلك عن مالك بن دينار وان
امرأة أتته فقالت ان زوجها كساها كسوة وانها غضبت فجعلتها هدية
إلى بيت الله ان لبستها قال فانطلقت الى أنس فسألته فقال أن
لبستها فلتهدها واسناد هذا الاثر أيضا جيد ، ونقل هذا القول
وهو وجوب الوفاء عن ابراهيم النخعي . وإنما سقت هذه الاقوال لان
هذا المبتدع قال ان القول بوجوب الوفاء لم ينقل عن الصحابة ولا
عن التابعين وقد صح ذلك عمن ذكرنا وسيأتي أثر آخر فيه ابن عمر
وابن عباس والزبير وجابر رضي الله عنهم ان شاء الله تعالى ،
وقال طائفة أخرى : يكفر ان شاء ولا يلزمه الوفاء به وهؤلاء أجروا
هذا النذر مجرى اليمين لما ذكرنا من حصول المعنى الذي شرعت
الكفارة في اليمين لاجله وهو أنه عقد يمينه بما التزمه من طاعة
الله التي ان خالف عند لزومها فقد انتهك حرمة الحق فجبره بكفارة
يمين كما يجبر انتهاك حرمة الاسم المعظم إذا حنث بكفارة يمين
وقد افتى بذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين
وقد قال الشافعي رضي الله عنه ان هذا قول عائشة رضي الله عنها
وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشافعي في
ذلك يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين . [ 119 ] ومن
العلماء من يفرق بين التزام الحج وغيره فيقول : ان التزم حجا لزمه
وإن التزم غيره كان له الخروج بكفارة يمين ، ومنهم من فرق
________________________________________
أن يكون قد التزم صدقة ماله كله أو جعله في سبيل الله فقال يجزئه
الثلث من ماله لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر فانه قال للنبي
صلى الله عليه وسلم أن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة لله عزوجل
ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يجزئ عنك الثلث
” وفي الصحيحين في حديث كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلفوا
وتاب الله عليهم أنه قال يا رسول الله ان من توبتي أن انخلع
من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(امسك عليك بعض مالك فهو خير لك ” قال قلت إني أمسك سهمي بخيبر
، ومنهم من أوجب الصدقة بقدر الزكاة ويروى ذلك عن ابن عمر
وابن عباس وسيأتي الاثر بذلك إن شاء الله تعالى ، والقول بأن
يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين هو القول المرضي وهو
قول كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وسببه ما ذكرنا أن اللفط
لفظ نذر والمعنى معنى يمين فان وفى فقد أتى بموجب اللفظ وان
كفر فقد أتى بموجب المعنى فهذا النوع يلحق بالايمان الشرعية
من هذا الوجه وليس يمينا في الحقيقة بما يعظم كالكعبة والنبي
فلا كفارة فيها ، وفي مذهب أبي حنيفة قول انه تجب الكفارة بمالحلف
بالنبي لان حقه من حق الله عزوجل فأشبه اليمين بالله وهو ضعيف
وجمهور العلماء على خلافه ، وأما الحلف بملة غير الاسلام فليس
من الايمان الشرعية ولا ينبغي أن يعتقد دخوله في قوله تعالى
(ذلك كفارة أيمانكم ” لانها يمين محرمة والمحرم لا يكون شرعيا
، وأكثر العلماء على أن لا كفارة فيها وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم ” من حلف على يمين بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما
قال وان كان صادقا لم يعد إلى الاسلام سالما ” وفيه غير ذلك .
وورد فيه ان كفارته قول لا إله إلا الله ، وفي مذهب أبي حنيفة
ايجاب الكفارة وهذه اليمين لا تحتاج إلى ذكرها . وأما الطلاق
بمداره على اطلاق اللفظ للمعنى وان لم يقصد به حل [ 120 ] قيد
________________________________________
النكاح ولهذا اختلف العلماء في ايقاعه على المكره والسكران وقد
قال كثير من الصحابة والتابعين بوقوع طلاق السكران بل الاكثرون
على ذلك فلم يعتبروا فيه قصد حل قيد النكاح ولهذا يلزم الهازل
ويقع عليه وما ذلك إلا لاطلاق اللفظ ، وإنما كفر الهازل بالكفر
لان كفره دل على استهانته بالدين بقلبه فهو كافر بعقد القلب
الذي دل عليه لفظه والمطلق بالهزل مطلق اللفظ لا يعقد القلب على
الطلاق فلا يقاس أحد البابين على الآخر وأما ايجاب الكفارة
في مذهب أبي حنيفة في يمين الكفر فلانه إذا قال ان فعلت كذا فأنا
كافر كان قد علق يمينه بتعظيم حق الله عزوجل على أن يكفر به
فأشبه تعظيم اسم الله أن تنتهك حرمته إذا حلت به فالحق باليمين
بالله تعالى في ايجاب الكفارة فله وجه من القياس وان كان الاصح
ان الكفارة لا تجب ، وأما يمين العتق وهو ما إذا قال ان فعلت
كذا فعبدي حر فان جمهور العلماء على لزوم العتق عند الحنث وانه
لا تجزئ في ذلك كفارة يمين ، هذا هو القول المشهور الذي استقرت
عليه المذاهب المتبوعة ، حتى قال بعضهم ان الامة مجمعة عليه
وروي عن أبي عبيد وأبي ثور انهما قالا تجزئ فيه الكفارة ، وأما
الائمة الاربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فقالوا بالعتق
وهو مذهب عامة علماء الامصار ، وما يروى من أثر ليلى بنت العجماء
أنها حلفت بالهدي والعتاق لتفرقن بين عبدها وامتها فأفتاها
ابن عمر وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما بالكفارة
فهذا الاثر تختلف الالفاظ في روايته روي من عدة ومداره على
أبي رافع مولى ليلى بنت العجماء وبعضهم يذكر فيه العتق وبعضهم
لا يذكره ، وقد ذكرنا عنه عدة أجوبة في الكتاب المطول ظاهرة
وقد ذكر هذا الاثر الامام أحمد ولم يأخذ به بل قال بلزوم العتق
وروى اثرا يعارضه عن عثمان بن حاضر قال حلفت امرأة من ذي أصبح
فقال : مالي في سبيل الله وجاريتي حرة ان لم تفعل كذا وكذا لشئ
________________________________________
ذكره زوجها ان تفعله فذكر ذلك لابن عمر وابن عباس فقالا : أما
الجارية فتعتق وأما قولها مالي في سبيل الله فلتتصدق بزكاة مالها
، وروي هذا الاثر من طرق وفيه أيضا [ 121 ] فتوى ابن الزبير
وجابر بن عبد الله بذلك فهؤلاء أربعة من الصحابة وعلمائهم افتوا
بالعتق وقد أخذ بهذا الاثر الامام أحمد بن حنبل إمام هذا
المبتدع في غير بدعته ورد خبر ليلى بنت العجماء ، وقال الشيخ موفق
الدين المقدسي الحنبلي ان أحمد رضي الله عنه قال في خبر ليلى
بنت العجماء أن الصحابة قالوا لها كفري يمينك واعتقي جاريتك
وقال هذه زيادة يجب قبولها فاتفق الخبران على لزوم العتق ، وقول
عائشة : كل يمين ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين .
يدل على أنها لا ترى في العتق كفارة ، وقال الشافعي رضي الله
عنه لما ذكر الكفارة في نذر اللجاج والغضب ان هذا مذهب عائثة وعدد
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وان من قال هذا يقوله في
كل ما يحنث فيه سوى العتق والطلاق . فالشافعي قد نقل عن عائشة
والصحابة القائلين بالكفارة في نذر اللجاج والغضب انهم لا يقولون
بالكفارة في العتق والطلاق ثم إذا قلنا بالتول الشاذ الضعيف
في ايجاب الكفارة في العتق فسببه أن العتق قربة فإذا التزمه
فقد التزم قربة على تقدير المحلفة كما التزمها بالنذر الذي يخرج
مخرج اليمين تجزئة الكفارة لكونه قربة ملتزمة على تقدير الحنث
فشبهوه باليمين من هذا الوجه كما قدمنا لكونه التزم قربة لله
ان خالف ترك تعظيم حق لله فيها وهذا المعني موجود في التزام
العتق فقالوا فيه بالكفارة هذا توجيه المذهب الشاذ ، ومن ههنا
يخرج الفرق بينه وبين الطلاق فان الطلاق يعلق ويقع معلقا كما يقع
منجزا بالاجماع فإذا علقه على وجه اليمين فهو لفظ تعليق ولفظ
التعليق في الطلاق نافذ وما عرض له من معنى اليمين لا يؤثر في
ايجاب الكفارة لان الطلاق ليس قربة حتى يقال التزم قربة ان تركها
________________________________________
عند الحنث لم يعظم حق الله فيها كما انه إذا حلف باسمه فخالف
لم يعظم حرمة اسمه فلما تجب الكفارة فيه لانها شرعت هناك للجبر
في حرمة اسم الله وفي القربة إليه وليس كذلك في الطلاق فنفذ
تعليقه على وجهه ، ومن وجه آخر انا إذا أوجبنا الكفارة في باب
القربة أمكننا أن نوجبها على وجه التخيير فنقول قد لزمك ما
التزمت من القربة فان شئت أن تقوم به [ 122 ] فلك وإن شئت أن تخرج
منه بكفارة يمين قلك وأما الطلاق فلا يقع مخيرا ان شاء أمضاه
بعد وقوعه وإن شاء دفعه بكفارة هذا لا يقوله عاقل ولا من مارس
الشريعة ولا من فهم مقاصدها فإن الطلاق حل قيد النكاح فإذا
انحل فليت شعري ماذا عقده بعد حله ولا سيما في يمين الثلاث وقد
قال الله تعالى (فإن طلقها فلا تحل به من بعد حتى تنكح زوجا غيره)
فلو فكر المسكين في منتهى قوله لاستحيا من الله ومن الناس
ولكن غطى عليه الهوى ومحبة الرياسة والطاعة وقبول الكلمة اللهم
أعذنا من هذه البلوى وقنا شر الهوى وحظوظ النفوس برحمتك . ثم
انا نقول : قد اجمعت الامة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في
ايمان الكفارة فلا معدل عن الاجماع إذ لا يعارض الاجماع بدليل
غيره هذا ايضا لم يقله أحد من المسلمين ثم ان هذه الايمان الي
دكرناها هل تسمى إيمانا ؟ فيه خلاف والاصح انها لا تسمى ايمانا
قال ابن عبد البر : وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند
أهل التحصيل والنظر وإنما هو طلاق بصفة أو عتق بصفة إذا أوقعه
موقع وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء كل على أصله ، وقول
المتقدمين الايمان بالطلاق والعتق إنما هو كلام خرج على الامتناع
والمجاز والتقريب وأما الحقيقة فانما هو طلاق على وصف وعتق
على وصف ما ، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عزوجل فقد تبين
خروج يمين الطلاق من الاية الكريمة . وأما الاية الثانية وهي
قوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم) فان هذا المبتدع تعلق
________________________________________
بها بناء على ان الكفارة وجب في التحريم خاصة وان الله سبحانه
وتعالى جعله يمينا وأجراه مجرى اليمين في الكفارة . ونبه على
دخوله في الاية المذكورة قبلها وهذا ليس كذلك فان هذه الواقعة
قد قيل انها في قصة مارية وقيل في قصة العسل ومن العلماء من
لم يذكر فيها يمينا بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم وعلى هذا
القول [ 123 ] يخرج الجواب مما تقدم والنبي صلى الله عليه وسلم
توقف عن الكفارة حتى قال له الله سبحانه ما قال فلو كان الحرام
يسمى يمينا حقيقة لعلم دخوله في الاية الاولى فلما احتاج إلى
اعلام الله اياه دل على انه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم
لا في الاسم الحقيقي ، وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء
وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الاطلاق فلا يدخل في الاية الكريمة
إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي هذا على قول من يوجب الكفارة
لكونه تحريما وأما من لم يقل بذلك فيقول الكفارة ليمين بالله
تعالى اقترنت بالتحريم وقد قال هذا المبتدع : من قال بأن النبي
صلى الله عليه وسلم حلف مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحد
وقد روى البيهقي باسناده الى عائشة رضي الله عنها قالت آلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحلال حراما
وجعل في اليمين الكفارة وروى أبو داود مرسلا عن قتادة قال كان
النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فدخلت فرأت معه فقالت في
بيتي وفي يومي فقال ” اسكتي فوالله لا أقربها وهي علي حرام ”
وقد روى البيهقي مرسلا ايضا عن مسروق انه قال ان رسول الله صلى
الله عليه وسلم حلف لحفصة ان لا يقرب أمته وقال ” هي علي حرام
” فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له ، وأما
قصة العسل وهي أشهر في سبب نزول الاية فروى البيهقي أنء عبيد
بن عمير قال سمعت عائشة تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أيتنا
________________________________________
دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فليقل إني أجد منك ريح
مغافير أكلت مغافير فدخل على احداهما فقال ذلك له فقال بل شربت
عسلا عند زينب ولن أعود له فنزلت (لم تحرم ما أحل الله لك) الى
(أن تتوبا الى الله) لعائشة وحفصة وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه
حديثا لقوله بل شربت عسلا قال البيهقي رواه البخاري في الصحيح
عن الحسن بن محمد ورواه مسلم عن محمد بن حاتم كلاهما عن
حجاج قال البخاري وقال ابراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن
جريح عن عطاء في هذا الحديث ولن اعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك
أحدا قال ابن عبد البر وقد روي عن ابن [ 124 ] عباس في تأويل
قوله تعالى (يا ايها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) والله لا
أشرب العسل بعدها فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف
بالله فالكفارة لليمين بالله ، وهذا معني قول عائشة فجعل الحلال
حراما وجعل في اليمين الكفازة فلم تكن الكفارة الا في اليمين
بالله تعالى ولا يحتاج إلى الجواب عن الاية والله اعلم . فهذه
لمعة اقناعية لمن نظرها بعين الانصاف ووراء هذا من الابحاث العقلية
والمنقولات الصحيحة والنظر الفقهي ما لا يسعه الا كتاب مطول
، وقد ذكرنا في كتابنا في الرد عليه كثيرا منها ومن دقيقها
طرد الباب كله وجعل ايقاع الطلاق في اليمين بالطلاق نظير ايجاب
الكفارة في اليمين بالله تعالى عند الحنث ومقتضى قياسه فالعلة
التي أوجبت ثبوت الكفارة في اليمين بالله تعالى هي بعينها الي
اقتضت ايقاع الطلاق وايقاع العتق عند الحنث ، هذا ما لا يفهمه
الا الفقيه المحقق ولا يدركه من دأبه التخبيط والهذر وهو في
التحقيق على مفاوز أعاذنا الله من هوى يسد باب الانصاف ويصد عن
جميل الاوصاف بمنه وكرمه . الحمد لله رب العالمين وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . [ 125 ] الرساة الثانية نقد
الاجتماع والافتراق في مسائل الايمان والطلاق للمؤلف السابق
________________________________________
[ 127 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام
على عباده الذين اصطفى وبعد فهذه مؤاخذات على التصنيف الصغير
الذي عمله ابن تيمية في مسألة الطلاق وسماه بالاجتماع والافتراق
في مسائل الايمان والطلاق ، لاني تكلمت على كلامه قبل ذلك
ولكن أنبه على المواضع التي في هذا التصنيف بحسب الاختصار والله
الموفق . قوله ان صيغة قوله : الطلاق يلزمني لافعلن كذا يمين
باتفاق أهل اللغة فانها صيغة قسم . قلت كيف يدعي اتفاق أهل اللغه
على ذلك ولا تعرف هذه الصيغة وردت في كلام أهل اللغة ولا سمعت
من عربي لا في نظم ولا في نثر ، وقوله : وهو ايضا يمين في
عرف الفقهاء ولم يتنازعوا في أنها تسمى يمينا . قلت : قد تكلمنا
عليه فيما مضى من كلامنا وبتقدير صحته لا يلزم حمل كلام الشارع
على عرف الفقهاء ما لم يعلم وجود في زمنه صلى الله عليه وسلم
، وقوله ان منهم من غلب جانب اليمين فلم يوقع به بل قال عليه
كفارة يمين . قلت : هذا القول لا أعرف أحدا صرح به من سلف ولا
من خلف وأما اقتضاء كلام ابن حزم في كتابه المصنف في الاجماع
فقد تكلمت عليه فيما مضى من الكتاب المسمى بالتحقيق في مسألة التعليق
. التي ستكتب بعد هذا ، وقوله ان الحلف بالطلاق إنما عرف
عن التابعين ومن بعدهم . فقد تكلمنا عليه في التحقيق . وقوله
ان التعليق الذي قصد صاحبه الحلف حكمه [ 128 ] حكم الحلف بالطلاق
باتفاق الفقهاء . أما أن يريد في كونه يسمى حلفا أو في تساوي
أحكامهما فان أراد الاول فقد تكلمنا في التحقيق وان ارد الثاني
فممنوع وسند المنع من وجوه : منها انهم لم يختلفوا ان التعليق
صريح واختلفوا في ” الطلاق يلزمني ” هل هو صريح أو كناية ،
ومنها أنه لا يجد أحدا من الفقهاء سوى بين الصيغتين بمعنى أنه
يقول أما أن يقع الطلاق فيهما أو لا يقع فيهما بل أكثرهم سوى
بينهما في الوقوع ومنهم من يفرق ، والحكم بالوقوع فيهما الذي من
________________________________________
لازمه التسوية فيه ليس حكما بالتسوية بالتفسير المتقدم حتى يستنتج
منه عدم الوقوع فيهما الذي هو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء
، ومن أراد اشباع القول في ذلك فعليه بالتحقيق مع اختصاره ، وقوله
: أنواع الايمان ثلاثة ، 1 – بالله ، 2 – لله ، 3 – أن يعقدها
بغير الله أو لغير الله . قلت : الاقسام أربعة الاول بالله
لله كقوله : والله لاتصدقن ، الثاني بالله لغير الله كقوله والله
لاسرقن ، الثالث بغير الله لله : كقوله : والكعبة لاتصدقن
، ويدخل في هذا : ان فعلت كذا لاتصدقن أو فعلي الحج ، الرابع
بغير الله لغير الله كقوله : والكعبة لاسرقن ولدخل في هذا القسم
: (ان فعلت كذا لاسرقن أو فهو يهودي أو نصراني فالقسمان الاولان
منعقدان يجب فيهما الكفارة ، والثالث فيه مثالان : أحدهما
القسم الصريح كقوله والكعبة لا ينعقد ولا يلزم به شئ ، والثاني
: ان فعلت كذا فعلي الحج أو الحج يلزمن لافعلن كان القياس يقتضي
أنه لا يلزم كالاول إذا كان القسم الصريح لا يلزم به شئ لكنه
لما لم يكن في الصيغة الثانية تعظيم لغير الله بل التزام مجرد
فارق قوله والكعبة وما أشبهه فان فيها تعظيم غير الله فلذلك
أبطل أثرها ، وأما الصيغة الثانية فليس فيها إلا التزام مجرد والشخص
متمكن من الزام نفسه بدليل النذر المطلق ونذر التبرر والضمان
فقد التزم شيئا ليس فيه تعظيم غير الله وليس منهيا عنه وهذا
المأخذ اعوص وأقرب وعليه أكثر السلف أعني من اعتبار ذلك وأنه
يترتب عليه حكم لكنهم اختلفوا في المترتب فمن قائل وجوب الوفاء
بما التزم لما أشرنا إليه من أنه التزم شيئا ليس فيه [ 129
] تعظيم لغير الله فلا مانع من اعتباره كنذر التبرر ، ومنهم من
رأى أن الملتزم لذلك لم يقصد التزامه تقربا إلى الله تعالى بل
إنما قصد ذلك ليمنع نفسه مما حلف عليه أو غيرها ، والنذر الذي
حكم الشرع بوجوبه انما هو فيما يقصد التقرب فلا يجب عليه هنا
________________________________________
الوفاء ويتخلص منه بكفارة يمين لانه مشبه باليمين من حيث كونه
منع نفسه بالتزام شئ ليس فيه تعظيم غير الله ، وأما قوله في آخرها
: أنه حلف حقيقة على الحج مثلا . فرده أن السلف والخلف يطلقون
في مثل ذلك أنه حلف بالحج وحلف بالعتاقة حلف بالصدقة فيمن
قال : ان فعلت كذا فعلي حج أو عتاقة أو صدقة ولو كان الامر كما
يقول لكانوا يقولون حلف أن يحج أو يتصدق أو يعتق وهم لا يقولون
إلا حلف على هذا الفعل بالحج وما أشبهه وذلك هو الذي يفهمه الذين
يحلفون فالفعل المقصود منه هو المحلوف عليه والحج مثلا هو
المحلوف به ويسمونه إذا فعل ذلك الفعل حانثا ، ولو كان كما يقول
لم يكن حانثا إلا بترك الحج وما أشبهه فهو نادر حقيقة لكنه
غير داخل في قوله صلى الله عليه وسلم ” من نذر أن يطيع الله فليطعه
” لان من نذر على وجه الحلف ليس قصده الطاعة وان كان قصده
المشي على تقدير المخالفة لانه قصد المشي له جهتان : احداهما
أن يكون امتثالا للامر وذلك هو الطاعة وهو مفقود هنا والثاني :
ان يكون لغرض آخر كما ههنا فانه إنما قصده ليكون مانعا له من
الفعل فإذا لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم ” من نذر أن يطيع
الله فليطعه ” فلا يجب وان كان مقتضى كلامه أنه أوجبه على نفسه
لانه ليس كل ما أوجبه الانسان على نفسه يجب عليه الا بإيجاب
الله تعالى ففيما إذا كان المقصود الطاعة أوجبه الله تعالى عليه
فوجب وههنا ليس المقصود الطاعة ودخل في قوله كفارة النذر كفارة
يمين وفي قوله تعالى (يوفون بالنذر ” فإذا فعل ذلك الفعل
فقد ترتب المنذور في ذمته ولا يجب عليه وفاؤه عينا بل له أن يسقطه
بالكفارة ، وقد بسط ذلك أكثر من هذا في التحقيق ، وقوله ان
من حلف بغير الله مثل أن يحلف بالطواغيت أو بأبيه أو بالكعبة
أو غير ذلك من المخلوقات انها يمين غير محترمة فلا تنعقد ولا [
130 ] كفارة فيها باتفاق العلماء . يرد عليه في ايجابه الكفارة
________________________________________
في الطلاق والعتق وأما حكمنا نحن بانعقادها فانها ليست في معنى
ما اتفقوا على عدم انعقادها لانه ليس فيها تعظيم غير الله بخلاف
الحلف بالطواغيب وأبيه والكعبة ، وقوله في المعقودة لله :
فيما إذا كان مقصوده التقرب لا الحلف إلى آخره . يقتضي وجوب الكفارة
في كل نذر وليس كذلك فان نذر التبرر لا خلاف فيه انه لا
يجب فيه الكفارة ، وادراكه الحلف بالطلاق والعتاق في القسم الثاني
من اليمين المعقودة لله أن الحلف بالطلاق يفين معقودة لله
وفيه نظر فان قوله معقودة لله أن أريد بها التقرب لله فاليمين
بالطلاق ليس كذلك وان اريد به ان التزم بها شيئا يجب لله تعالى
كالحج والصدقة فليس كذلك لان الحالف بالطلاق ليس مقصوده أنه
إذا حصل الحنث يجب عليه الطلاق والعتاق فقالوا في الاول كفارة
وفي الثاني يلزمه ما حلف عليه ، هذا وان كان قول الجمهور ولكن
لم يقولوه بهذه العبارة وليس مأخذهم كون هذا تحريما وإيجابا ولو
كان ذلك مأخذهم لزمهم أن يقولوا به في كل تحريم كما قال : ان
فعلت كذا فامرأتي أو أمتي حرام وهذا الطعام علي حرام فيحرم إذا
وجد الشرط ، وهذا لم يقل به أحد بل مأخذهم أن هذا وقوع وذلك
التزام والاول مفوض إلى العبد نصب سببه تنجيزا وتعليقا وحتى وجد
سببه لا يتأخر عنه ، والثاني ليس مفوضا إليه مطلقا بل على وجه
خاص وإذا وجد سببه وترتب في الذمة يمكن سقوطه بخلاف الاول ،
واستدلاله بالايات والاحاديث الدالة على تكفير الايمان ودعواه
انها شاملة لهذه اليمين ممنوعة ، وقوله ان هذه داخلة في ايمان
المسلمين وايمان البيعة ودعواه انه لا يعلم فيها نزاعا فاعلم أن
قولنا ايمان المسلمين وايمان البيعة انما صارت يدخل فيها الطلاق
والعتق من زمن الحجاج فانه زادها في ايمان البيعة وصار يحلف
المسلمين بها واشتهرت من ذلك الوقت فإذا نواها الحالف دخلت وان
لم ينوها لا تدخل ولولا ذلك دخلت اليمين بالطلاق والعتاق فيها
________________________________________
نوي أو لم ينو بالايهام بكونها من ايمان المسلمين لا يفيد ومما
يبين ذلك أن قول القائل ايمان المسلمين اما [ 131 ] أن يراد
بها ما شرع للمسلمين الحلف بها أو ما يتعارف المسلمون الحلف
به وجرت عادتهم به فان أريد الاول فاليمين بالطلاق والعتاق لم
يشرع للمسلمين الحلف بها بل هي منهي عنها بقوله صلى الله عليه
وسلم ” من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ” وان اريد به ما يتعارفه
المسلمون وجرت عادتهم بالحلف به فاليمين بالطلاق والعتاق
لم تجر عادة المسلمين في الصدر الاول ولا في زمنه صلى الله عليه
وسلم بالحلف بهما وهو قد سلم فكيف يقول انها داخلة في ايمان
المسلمين ويحتج بعرف طارئ بعد النبي جمب صلى الله عليه وسلم
بنحو من سبعين سنة ، ثم ان سياق الايات الكريمة في معرض ايجاب
الكفارة في الايمان لا في معرض تبيين ما يجب فيه الكفارة من الايمان
وأنها من ايمان المسلمين دون ايمان غيرهم ، وقد قال تعالى
(ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) وهي أعم وقال النبي صلى الله
عليه وسلم ” من حلف على يمين ” والخطاب وان سلم أنه للمؤمنين
خاصة فيدخل في حكمه كل مكلف لعموم شريعة رسول الله صلى الله
عليه وسلم لكل أحد فكل مكلف بر أو فاجر يدخل في حكم هذ الخطاب
، ولكن تبين بدليل آخر ان الايمان التي لا حرمة لها لا يجب فيها
كفارة فعلمنا خروجها من الايات والحديث بالادلة الخاصة ، وقد
كان المسلمون يحلفون بآبائهم حتى نهوا وقد قال تعالى (والليل)
(والضحى) (والشمس) وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” افلح
وأبيه ان صدق ” وهو سيد المسلمين ، قوله : وأما من جهة المعنى
فهو ان فرض الكفارة لئلا يكون الايمان موجبة أو محرمة لا مخرج
منها فلو كان من الايمان ما لا كفارة فيه كانت هذه المفسدة موجودة
قلنا : لا نسلم وجودها لان تلك المفسدة على تقدير مخالفة اليمين
ارتكاب معصية الله من فعل محرم أو ترك واجب وقد تدعو الضرورة
________________________________________
إلى مخالفة اليمين فشرعت الكفارة لذلك والمفسدة هنا وقوع
الطلاق فليس فيه معصية وان كان فيه مفسدة أخرى لكن المعصية اشد
عند المسلم من كل مفسدة دنيوية والمفسدة على تقدير المحافظة على
اليمين مشتركة لا نسلم ان هذه المفسدة وحدها هي الملاحظة بل
المجموع الذي هو موجود في اليمين بالطلاق والعتق فان [ 132 ]
قلت : ففي نذر اللجاج لم حلت الكفارة ؟ قلت لانه حصل فيه ايجاب
ويحصل بتركه المعصية فلو لم تشرع فيه الكفارة لكان بمنزلة اليمين
قبل شرع الكفارة لحصول العصيان على تقدير ترك ما التزمه فهو
أشبه باليمين من تعليق الطلاق والعتق الذي لا معصية فيه البتة
. وقوله : ان الله نهاهم أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم إلى
آخره . قلت : الذي فهمته من كلام السلف في قوله (ولا تجعلوا
الله عرضة لايمانكم) أن المنهي عنه الحلف لاجل هذا الغرض وعليه
ينبغي أن يحمل ما ورد عنهم مما ظاهره خلاف ذلك ذلك فكيف يجعل
الحالف بالبقاء على اليمين جاعلا الله عرضة ليمينه هذا مما ينبو
الفهم عنه وكلام الصحابة والتابعين المعتمد على تفسيرهم ليس
فيه تصريح به بل يفهم منه ما قلته أولا والله أعلم ، وقوله في
الايلاء إلى آخره قلنا لا نسلم دخول الحالف بالطلاق في لفظ الاية
بل في حكمها بالقياس ولو سلمنا وقوله تعالى (فإن فاءوا فان
الله غفور رحيم ” والله اعلم فيئة مقصودة للزوجة وهي متعذرة هنا
وليس في الاية ان كل مول يمكن أن يفئ هذه الفيئة الخاصة ولو
سلمنا ذلك فالمرأة إذا تحققت انها متى وطئت يقع الطلاق عليها يكره
صحبته وان كانت راغبة في الوطء فيحصل مقصودها وأما ان كانت
غير راغبة في الوطء وتكتفي بمجرد الصحبة فلا تطلبه ، والفيئة
انما تكون بعد الطلب والتعرض له ، وقوله انه على هذا التقدير فلا
فائدة في التأجيل بل التعجيل إليها . قلنا : التأجيل ليس لاجلها
بل لاجله فيمهل هذه المدة التي لا تضر بالمرأة ثم تطالب بعد
________________________________________
المدة دفعا لضررها ” وأما أن التأجيل شرع لنفع المرأة فلا .
وما ذكره من فتوى الصحابة فيمن قال : ان فعلت كذا فعبيدي أحرار
قد حصل الكلام عليه في ” التحقيق ” وفيه كلام طوبل لا يحتمل
ذكره هنا والامام أحمد لم يثبته وتقريره أن هذه ايمان محضة وقد
تقدم التنبيه على شئ منه وقد ذكرت أنا قريبا منه في ” التحقيق
” قبل أن أقف [ 133 ] على كلامه فيه ولكن بينه وبين كلامه بعض
المباينة وهو أنني إنما أجعله بوجود الشرط في نذر اللجاج صار
بمنزلة الحالف مثلا وصيرورته كذلك ليس من مقتضى كلامه بل الشرع
نزل منزلته ، وأما مقتضى كلامه فالتزام التزمه لا غير ، وأما
ابن تيمية فظاهر كلامه هذا ان يجعله مقتضى كلامه الحلف لا النذر
، وأما احتجاجه بقوله : ان فعلت كذا فهو يهودي وما أشبه فقد
أجبت عنه في ” التحقيق ” وكذلك قياسه على قوله : ان فعلت كذا فعلي
أن أطلق امرأتي وقوله ان المعلق للطلاق ملتزم لوقوعه وقوله
بعد ذلك ان من عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله ولهذا
كان النذر أبلغ من اليمين وقد بينا أن الحلف بالطلاق ليس عقد
يمين لا بالله ولا لله بل هو عقد يمين لغير الله وهو الطلاق على
فعل قد يكون لله وقد يكون لغيره وسلوكه به مسلك النذر هو أصل
ما بني عليه وحصل له منه الاشتباه وبينهما من الافتراق بون عظيم
ولم يوجب له هذا الشغب الكثير الا تسويته بينهما ولا يستويان
والله تعالى يلهمنا رشدنا بمحمد وآله ، كتبت ذلك مختصرا جدا
بحسب الراغب فيه ولانه قد تقدم الكلام بما يغني وذلك بكرة نهار
الاربعاء عشري شهر رمضان سنة ثماني عشرة وسبعمائة نفعني الله
بها والناظر فيها بمحمد وآله . كتب علي عبد الكافي السبكي انتهى
. نقل من خط من نقله من خطه . [ 135 ] الرسالة الثالثة النظر
المحقق في الحلف بالطلاق المعلق للمؤلف السابق [ 137 ] بسم الله
الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين
________________________________________
اصطفى . مسألة : علق الرجل طلاق زوجته على شرط قاصدا لليمين
اما لحث أو منع أو تصديق ثم وجد ذلك الشرط وقع الطلاق وبيان
ذلك ان مقتضى القضية الشرطية الحكم بالمشروط على تقدير الشرط خبرية
كانت أو انشائية والمعلق فيها هو نسبة أحد الجزئين إلى الاخر
لا الحكم بتلك النسبة الذي هو منقسم إلى الخبر والانشاء لان
كلا منهما يستحيل تعليقه فالمعلق في مسألتنا هو الطلاق وأما
التطليق فهو فعل الزوج يوقعه منجزا أو معلقا ، ويوصف التعليق بكونه
تطليقا عند وجود الشرط حقيقة فان لم يجز التعليق يخرج الذي
حصل مقتضاه عن الشرط ويشهد لذلك أحكام الشريعة كلها المعلقة
بالشروط ، ومن منع تعليق الطلاق بالصفات مطلقا فقد التبس عليه
التعليق بتعليق الانشاء فظن أن تعليق الطلاق من الثاني وإنما هومن
الاول ، وقد علق الله احلال امرأة لنبيه صلى الله عليه وسلم
على يمينها نفسها له وارادته استنكاحها وان خرج مخرج اليمين
فالامر كذلك لوجوه : أحدها أنه تعليق خاص فيجب ثبوت حكم التعليق
العام له ، الثاني قوله تعالى (والخامسة ان لعنة الله عليه ان
كان من الكاذبين) وجه الاستدلال أن الملاعن يقصد [ 138 ] بهذا
الثرط التصديق فهو خارج مخرج اليمين ومع ذلك فهو موجب اللعنة
والغضب على تقدير الكذب بدليل قوله انها موجبه وبأنه لو كان المترتب
على ذلك الكفارة لكان الاتيان بالقسم أولى ، الثالث : ان
في القرآن والسنة وأشعار العرب الفصحاء من التعليقات التي فيها
الحث والمنع أو التصديق ما لا يحصى مع القطع بحصول المشروط
فيها عند الشرط ، الرابع : أن تسمية التعليق المذكور يمينا لا
يعرفه العرب ولم يتفق عليه الفقهاء ولم يرد به الشرع وإنما يسمى
بذلك على وجه المجاز فلا يدخل تحت النصوص الواردة في حكم الايمان
وأنها قابلة للتكفير الخامس : ان هذا التعليق وان قصد به
المنع فالطلاق مقصود فيه على ذلك التقدير ولذلك نصبه الزوج مانعا
________________________________________
له من ذلك الفعل ولولا ذلك لما امتنع ، ولا استحالة في كون
الطلاق غير مقصود للزوج في نفس الامر ومقصودا له على تقدير وإذا
كان مقصودا ووجد الشرط وقع الطلاق على مقتضى تعليقه وقصده ،
والسادس انه عند الشرط يصح اسم التطليق اصا تقدم فيندرج تحت قوله
تعالى (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) السابع
: ان التطليق مفوض إلى العبد بقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن)
وهو أعم من المنجز والمعلق فيندرج المعلق تحت الاية . الثامن
الاجماع نقله محمد بن نصر المروزي وأبو ثور وابن المنذر وغيرهم
فان قلت : يرد عليك أمران : أحدهما طلب الفرق بين هذا وبين نذر
اللجاج عند من جعله يتخلص منه بكفارة يمين والثاني في دعواك
الاجماع ، وقد نقل بعض الناس قولين آخرين : أحدهما أنه لا يلزمه
به شئ والثاني انه لا يلزمه به كفارة قلت : اما الاول فالجواب
عنه أن الطلاق إسقاط حق لا يشترط فيه قصد القربة وفي اللجاج
لم يوجد هذا الشرط ولم يأذن الشرع فيه وليس للعبد ايجاب ولا تحريم
إلا بإذن الله وأيضا فان الدليل قد قام على ما قلناه وهو
على وفق الاصل فإن دل دليل على خروج اللجاج عنه بقي ما عداه على
الاصل ، وأما ان يجعل اللجاج المختلف له الخارج عن الاصل أصلا
ويلحق به الجاري على وفق [ 139 ] الاصل فغبر سديد ، وأما الثاني
فان القول بعدم الوقوع ما قاله أحد من الصحابة ولا من التابعين
إلا أن طاوسا نقل عن لفظ محتمل لذلك أولناه ولا ممن بعدهم
إلا الشيعة ومن وافقهم ممن لا يعتد بخلافه ، وأما القول بالكفارة
في دلك فلم يثبت عن أحد من المسلمين قبل ابن تيمية وان كان
مقتضى كلام ابن حزم في مراتب الاجماع نقل ذلك الا أن ذلك مع ابهامه
وعدم تعيين قائله ليس فيه انه في مسألة التعليق فيجوز أن
يحمل على غيرها من صور الحلف والله أعلم . كتبه مصنفه علي السبكي
في ليلة الاربعاء التاسع والعشرين من المحرم خمس وعشرين وسبعمائة
________________________________________
. [ 141 ] الرسالة الرابعة الاعتبار ببقاء الجنة والنار
للمؤلف السابق رد به على ابن تيمية بما الفه في نفي الخلود في
النار تبعا لجهم بن صفوان المبتدع المشهور . [ 143 ] في ظهر الاصل
بخط الحافظ الشمس بن طولون : (فائدة) قال شيخ الاسلام تقي
الدين السبكي في فتاويه في أثناء مسألة ” إذا وقف على بنيه الثلاثة
إلى آخرها ” : وهذا الرجل يعني ابن تيمية كنت رددت عليه
في حياته في إنكاره السفر لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي
انكاره وقوع الطلاق إذا حلف به وحنث ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي
أنه ليس ممن يعتمد عليه في نقل ينفرد به لمسارعته إلى النقل
بفهمه كما في هذه المسألة ولا في بحث ينسبه لحلطه المقصود بغيره
وخروجه عن الحد جدا ، وهو كان مكثرا من الحفظ ولم يتهذب بشيخ
ولم يرتض في العلوم بل يأخذها بذهنه مع جسارة واتساع خيال
وشغب كثير ، ثم بلغني من حاله ما يقتضي الاعراض عن النظر في كلامه
جملة وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه وحبس
باجماع العلماء وولاة الامور على ذلك ثم مات ولم يكن لنا غرض
في ذكره بعد موته الان تلك أمة قد خلت ولكن له اتباع ينعقون
ولا يعون ونحن نتبرم بالكلام معهم ومع أمثالهم . وأطال رحمه الله
في الرد عليهم في فتاويه في الوقف فراجعه فانه مهم ونسأل الله
حسن الاستقامة في القول والعمل بحق محمد وآله والحمد لله وحده
. [ 144 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى
الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . وبعد فان اعتقاد المسلمين
أن الجنة والنار لا تفنيان وقد نقل أبو محمد بن حزم الاجماع
على ذلك وان من خالفه كافر باجماع ، ولا شك في ذلك فانه معلوم
من الدين بالضرورة وتواردت الادلة عليه قال الله تعالى : (والذين
كفررا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون)
وقال تعالى (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب
________________________________________
النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (ان الذين كفروا وماتوا وهم
كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها
لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) وقال تعالى (ومن يرتدد
منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة
وأولثك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (والذين كفروا
أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب
النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (خالدين فيها لا يخفف عنهم
العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا) وقال تعالى (ان الذين
كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (ومن يعص الله ورسوله
ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) وقال تعالى (ومن يقتل مؤمنا
متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) وقال تعالى (ان الذين كفروا
وظلموا) إلى قوله (خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (النار مثواكم
خالدين فيها إلا ما شاء الله) وقال تعالى (والذين كذبوا بآياتنا
واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها [ 145 ] خالدون)
وقال تعالى (ألم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فان له نار
جهنم خالدا فيها) وقال تعالى (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار
نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم)
وقال تعالى (كلما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (فأما الذين شقوا ففي
النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والارض
إلا ما شاء ربك) وقال تعالى (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك
الاغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال
تعالى (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين)
وقال تعالى (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون) وقال
تعالى (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)
________________________________________
وقال تعالى (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) وقال تعالى
(يضاعف له يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) وقال تعالى (ان الله
لعن الكافرين واعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا) وقال تعالى
(قل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) وقال
تعالى (ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد) وقال تعالى
(ان المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم) وقال تعالى
(كمن هو خالد في النار) وقال تعالى (لن تغني عنهم أموالهم ولا
أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال
تعالى (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) وقال تعالى
(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها
وبئس المصير) وقال تعالى (ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم
خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (ان الذين كفروا من أهل الكتاب
والمشركين في نار جهنم خالدين فيها) فهذه أربع وثلاثون آية فيها
لفظ الخلود وما اشتق منه أربع من التأبيد ، والايات التي فيها
معناه كثيرة ايضا كقوله تعالى (فلا يخفف عنهم العذاب) وقوله
تعالى (لا يخفف عنهم العذاب) وقوله تعالى (وما هم بخارجين من
النار) وقوله تعالى (وما [ 146 ] له في الاخرة من خلاق ” وقوله
تعالى (وما لهم من ناصرين) وقوله تعالى (كلما نضجت جلودهم بدلناهم
جلودا غيرها) وقوله تعالى (لا يجدون عنها محيصا) وقوله تعالى
(وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) وقوله تعالى (ليس مصروفا
عنهم) وقوله تعالى (أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار)
وقوله تعالى حكاية عنهم (ما لنا من محيص ” وقوله تعالى (جهنم
يصلونها وبئس القرار) وقوله تعالى (اخسؤا فيها ولا تكلمون
” وقوله تعالى (أولئك يئسوا من رحمتي) وقوله تعالى (فاليوم لا
يخرجون منها) وقوله تعالى (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم
أعيدوا فيها) وقوله تعالى (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا
________________________________________
فيها) وقوله تعالى (لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخنف عنهم من عذابها)
وقوله تعالى (مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا) وقوله
تعالى (فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون) وقوله تعالى (ادعوا
ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) إلى قوله (وما دعاء الكافرين
إلا في ضلال) وقوله تعالى (ألا ان الظالمين في عذاب مقيم) وقوله
تعالى (فليس له اليوم ههنا حميم ولا طعام الا من غسلين) وقال
تعالى (فلن نزيدكم إلا عذابا) وقال تعالى (ثم لا يموت فيها
ولا يحيى) وقال تعالى (نار موصدة) وقال تعالى (وما هم عنها بنائبين
” وغيرها من الايات كثير في هذا المعنى جدا وذلك يمنع من
احتمال التأويل ويوجب القطع بذلك ، كما أن الايات الدالة على
البعث الجسماني لكثرتها يمتنع تأويلها ، ومن أولها حكمنا بكفره
بمقتضي العلم جملة وكذلك الاحاديث متظاهرة جدا على ذلك كقوله
صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتواجأ
بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ” ومن تردى من
جبل فتتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ”
متفق عليه من حديث أبي سعيد وقوله صلى الله عليه وسلم ” أما أهل
النار الذين هم أهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون ” صحيح
من حديث أبي سعيد وقوله عليه السلام ” إذا صار أهل الجنة إلى
الجنة [ 147 ] وأهل النار الى النار جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة
والنار فيذبح فينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار
لا موت ” وفي رواية صحيحة ” فخلود فلا موت وفي الجنة مثل ذلك
” . وقال تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب
الجنة هم فيها خالدون) وقال تعالى (قل أؤنبئم بخير من ذلكم للذين
اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج
مطهرة ورضوان من الله) وقال تعالى (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
وقال تعالى (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها
________________________________________
الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله) وقال تعالى (ومن يطع
الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك
الفوز العظيم) وقال تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم
جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا وعد الله حقا)
وقال تعالى (فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها) وقال تعالى (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم
جنات من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (أعد الله
لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) وقال تعالى (والسابقون
الاولون) إلى قوله (وأعد لهم جنات تجري تحتها الانهار
خالدين فيها) وقال تعالى (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا
إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) وقال تعالى (للذين
أحسنوا الحسنى وزيادة) إلى قوله (أولئك أصحاب الجنة هم فيها
خالدون) وقال تعالى (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها
ما دامت السموات والارض الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) وقال
تعالى (أكلها دائم وظلها) وقال تعالى (وادخل الذين آمنوا وعملوا
الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها باذن ربهم)
وقال تعالى (لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين) وقال تعالى
(وبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجرا حسنا ماكثين
فيه ابدا ، وقال تعالى (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات
كانت لهم جنات [ 148 ] الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها
حولا) وقال تعالى (جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها
وذلك جزاء من تزكى) وقال تعالى (وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون)
وقال تعالى (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وقال تعالى
(أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) وقال تعالى (خالدين
فيها حسنت مستقرا ومقاما) وقال تعالى (لنبوئنهم من الجنة غرفا
تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) وقال تعالى (ان الذين آمنوا
________________________________________
وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا)
وقال تعالى (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) وقال تعالى (ان
الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) وقال تعالى
(وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وأنتم فيها خالدون) وقال
تعالى (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) إلى قوله (خالدين
فيها جزاء بما كانوا يعلمون) وقال تعالى (ليدخل المؤمنين والمؤمنات
جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) وقال تعالى (ويطوف
عليهم ولدان مخلدون) وقال تعالى (بشراكم اليوم جنات تجري
من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) وقال تعالى
(ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا رضي الله
عنهم ورضوا عنه) وقال تعالى (ذلك يوم الخلود) وقال تعالى (ومن
يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من
تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم) وقال تعالى
(ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها ابدا قد أحسن الله له رزقا) وقال تعالى (الا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) وقال تعالى (أولئك
هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها ابدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ” فهذه الآيات التي
استحضرناها في بقاء الجنة والنار وبدأنا بالنار لانا وقفنا على
تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها وقد ذكرنا نحو مائة آية منها
نحو من ستين في النار ونحو من أربعين في الجنة وقد ذكر [ 149
] الخلد أو ما اشتق منه في اربع وثلاثين في النار وثمان وثلاتين
في الجنة وذكر التأبيد في أربع في النار مع الخلود وفي ثمان
في الجنة منها سبع مع الخلود وذكر التصريح بعدم الخروج أو معناه
في أكثر من ثلاثين ، وتضافر هذه الايات ونظائرها يفيد القطع
بإرادة حقيقتها ومعناها وأن ذلك ليس مما استعمل فيه الظاهر في
________________________________________
غير المراد به ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفا
عن سلف عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو مركوز في فطرة المسلمين
معلوم من الدين بالضرورة بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون
ذلك ومن رد ذلك فهو كافر ومن تأوله فهو كمن تأول الايات الواردة
في البعث الجسماني وهو كافر أيضا بمقتضى العلم . وقد وقفت
على التصنيف المذكور وذكر فيه ثلاثة أقوال في فناء الجنة والنار
: أحدها أنهما تفنيان وقال انه لم يقل به أحد من السلف والثاني
أنهما لا تفنيان والثالث أن الجنة تبقى والنار تفنى ومال إلى
هذا واختاره وقال انه قول السلف ومعاذ الله وأنا أبرئ السلف
عن ذلك ولا أعتقد أن أحدا منهم قاله وإنما روي عن بعضهم كلمات
تتأول كما تتأول المشكلات التي ترد وتحمل على غير ظاهرها فكما
أن الايات والاحاديث يقع فيها ما يجب تأويله كذلك كلام العلماء
يقع فيه ما يجب تأويله ومن جاء إلى كلمات ترد عن السلف في ترغيب
أو ترهيب أو غير ذلك فأخذ بظاهرها وأثبتها أقوالا ضل وأضل
وليس ذلك من دأب العلماء ودأب العلماء التنقير عن معنى الكلام
والمراد به وما انتهى الينا عن قائله فإذا تحققنا ان ذلك مذهبه
واعتقاده نسبناه إليه وأما بدون ذلك فلا ولا سيما في مثل هذه
العقائد التي المسلمون مطبقون فيها على شئ كيف يعمد إلى خلاف ما
هم عليه ينسبه إلى جلة المسلمين وقدوة المؤمنين ويجعلها مسألة
خلاف كمسألة في باب الوضؤ ما أبعد من صنع هذا عن العلم والهدى
وهذه بدعة من أنحس البدع وأقبحها أضل الله من قالها على علم
فان قلت قد قال الله تعالى (لابثين فيها أحقابا) قلت : هو جمع
منكر [ 150 ] يصدق على القليل والكثير وعلى ما لا نهاية له فان
قلت هو جمع قلة لان أفعالا من جموع القلة قلت قد تجمع القلة بجمع
الكثرة وأيضا فالحقب الزمان والزمان يصدق على القليل والكثير
فإذا كان المفرد كذلك فما ظنك بالجمع فان قلت : قد قيل ان الحقب
________________________________________
ثمانون سنة السنة ثلثمائة وستون يوما اليوم كألف سنة مما
تعدون اليوم منها كالدنيا كلها . قلت : إذا صح ذلك فغايته الاخبار
بأنهم لابثون فيها ذلك ولا يدل على نفي الزيادة إلا بالمفهوم
والمنطوق يدل على التأبيد والمنطوق مقدم على المفهوم ، هذا
ان جعلنا أحقابا آخر الكلام وقد جعله الزجاج وغيره موصوفا بقوله
(لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا) وعلى هذا لا يبقى فيه متعلق
البتة فان قلت : قد روي عن الحسن الاحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن
الحقب سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون . قلت
: ان ثبت ذلك عنه يرجع الجواب إلى بعض ما تقدم من الصفة أو الغاء
المفهوم أو ان الذي لا يتناهى يقال انه لا يدري أحد ما هو وان
كان يدري انه لا يتناهى فان دراية عدم العدد يلزم منها عدم
دراية العدد فان قلت : قد قال هذا المصنف ان قول الحسن لا يدري
ماهي يقتضي ان لها عددا والله أعلم به ولو كانت لا عدد لها لعلم
كل أحد انه لا عدد لها قلت ان قوله لا يدري ما هي يقتضي ان
لها عددا ليس بصحيح لانه لم يقل لا يدرى عددها بل قال لا يدري
ما هي وما هي أعم المطالب فيدخل فيه المتناهي وغير المتناهي وقوله
ولو كانت لا عدد لها لعلم كل أحد انه لا عدد لها عجب لانه
كيف يلزم من انها لا عدد لها علم كل أحد بذلك فقد يعلمه بعض الناس
دون بعض ، والحاصل أن الاحقاب قيل محدودة وهو قول الزجاج القائل
بان ” لا يذوقون صفة ” وقيل غير محدودة وقيل الآية منسوخة
بقوله تعالى (فلن نزيدكم الا عذابا) ولا يستبعد النسخ في الاخبار
ولا سيما مثل هذا فان هذا مما يقبل التغيير وهو أمر مستقبل
والاكثرون على انها غير محدودة وان المراد كلما مضى حقب جاء
حقب فان قلت : فما تقول فيما روي عن الحسن البصري انه سئل عن هذه
[ 151 ] الاية فقال الله اعلم بالاحقاب فليس فيها عدد الا الخلود
؟ قلت : قول صحيح لا يخالف لما تقدم وتصريحه بالخلود بين
________________________________________
مراده فان قلت : فقد قال هذا المصنف أن قول الحسن حق فانهم خالدون
فيها لا يخرجون منها ما دامت باقية . قلت : قوله أن الحسن
حق صحيح وأما فهمه اياه وتفسيره الخلود بعدم الخروج منها ما دامت
باقيه فليس بصحيح وليس ذلك بخلود فانك إذا قلت فلان خالد في
هذه الدار الفانية لا يصح وحقيقة الخلود التأبيد وقد يستعمل
في المكث الطويل مجازا وأما استعماله في الخلود في مكان إلى حين
فنائه فهذا معنى ثالث لم يسمع من العرب فان قلت : ما تقول في
قول من قال ان الاية في عصاة المؤمنين قلت : ضعيف لقولة (انهم
كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا) اللهم الا أن نجعلها
عامة ويكون التعليل ليس للجميع بل لبعضهم وقد يجئ في الكلام
الفصيح مثل ذلك أو يراد بالطاغي الكفار فانها مرصاد لهم والعصاة
فيها تبع لهم فجاء قوله (لابثين فيها أحقابا) للتابعين والمتبوعين
جميعا ثم جاء التعليل للمتبوعين لانهم الاصل فان قلت :
قوله تعالى في سورة الانعام (يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس)
إلى قوله (مثواكم النار خالدين فيها الا ما شاء الله) وأولياؤهم
هم الكفار لقوله (وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) وقوله
في سورة هود في أهل الجنة وأهل النار (إلا ما شاء ربك) على
ماذا يحمل إذا كانتا باقيتين ؟ قلت : قد تكلم الناس في ذلك واكثروا
وذكر أبو عمرو الداني في تصنيف له في ذلك سبعة وعشرين قولا
ليس فيها ان الكفار يخرجون من النار وإنما أقوال أخر منها أنه
استثناء المدة التي قبل دخولهم أو الازمنة التي يكون أهل النار
فيها في الزمهرير ونحوه وأهل الجنة فيما هو أعلى منها من رضوان
الله وما لا يعلمه الا هو أو أنه استثناء معلق بالمشيئة وهو
لا يشاء خروجهم فهو أبلغ في التأبيد أو أن الا بمعنى الواو كقوله
الا الفرقدان أو انها بمعنى سوى حكاه الكوفيون كقوله (إلا
ما قد سلف) وقوله (لو كان فيهما آلهة إلا الله) أو ان الاستثناء
________________________________________
لما بعد السموات [ 152 ] والارض كقوله لا تكسل حولا الا ما
شئت معناه الزيادة على الحول أو انه لعصاة المؤمنين والذي يدل
على التأبيد قوله في الجنة (عطاء غير مجذوذ) فلو لم يكن مؤبدا
لكان مقطوعا فيتعين الجمع بين أول الاية وآخرها فبقي يقينا الاستثناء
على ظاهر هذا المجاز في قوله (عطاء غير مجذوذ) وليس التجوز
فيه بأولى من التجوز في الاستثناء ويرجح التجوز في الاستثناء
الادلة الدالة على التخليد وقوله في النار (ان ربك فعال لما
يريد) يناسب الوعيد والزيادة في العذاب ولا يناسب الانقطاع ،
واعلم ان (ما شاء ربك) ظاهره استثناء مدة زمانية من قوله (ما دامت
السموات والارض) ويحتمل أن يراد بها ظرف مكان ويكون الاستثناء
من الضمير في فيها ويراد به الطبقة العليا التي هي لعصاة المؤمنين
فكأنه قال الا ما شاء ربك من امكنة جهنم فان قلت قد قال
أبو نضرة : القرآن كله ينتهي إلى هذه الاية (ان ربك فعال لما
يريد) قلت : هذا كلام صحيح والله يفعل ما يريد وليس في ذلك انه
يخرج الكفار من النار فان قلت : قد قال أبو سعيد الخدري رضي
الله عنه وقتادة الله اعلم بتثنيته على ما وقعت . قلت صحيح لان
تعيين كل واحد من الاقوال التي حكيناها ضعيف والله أعلم به وبغيره
وليس في كلام أبي سعيد وقتادة ما يحتمل خروج الكفار من النار
فان قلت : قد روى الطبراني عن يونس عن ابن ابي ذئب عن ابن
زيد في قوله (عطاء غير مجذوذ) قال أخبرنا الذي شاء لاهل الجنة
فقال (عطاء غير مجذوذ) ولم يخبربا بالذي شاء لاهل النار . قلت
: هذا الذي يقتضي ان ابن زيد يقول بعدم الانقطاع لانه جعل (عطاء
غير مجذوذ) هو الذي شاءه وهو الذي بعد الاستثناء فكذا يكون في
أهل النار ان الاستثناء لا يدل على الانقطاع ولكنه لم يبين ما
بعده بل قال ثعالى (ان ربك فعال لما يريد) فان قلت : فقد قال
السدي انها يوم نزلت كانوا يطمعون في الخروج . قلت : ان صح هذا
________________________________________
عن السدي انها يوم نزلت كانوا يطمعون في الخروج فهو محمول على
أنه حملها على العصاة لان الطعامعين هم المسلمون فان قلت : قد
روى عبد بن حميد في تفسيره عن سليمان بن حرب نا حماد [ 153 ]
ابن سلمة عن ثابت عن الحسن قال عمر رضي الله عنه لو لبث أهل النار
في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون . قلت
: الحسن لم يسمع من عمر وقد رأيت هذا الاثر في تفسير عبد في
موضعين في أحدهما يخرجون وفي الاخر يرجون لا تصريح فيه فقد يحصل
لهم رجاء ثم يبأسون ويخرجون يحتمل أن يكون من النار إلى الزمهرير
ويحتمل أن يكون ذلك في عصاة المؤمنين فلم يجئ في شئ من الاثار
انه في الكفار فان قلت : قد قال : هذا المصنف انه يحتج على
فناء النار بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة وان القائلين ببقائها
ليس معهم كتاب ولا سنة ولا أقوال الصحابة رضي الله عنهم .
قلت . : هذا الكتاب والسنة بين أظهرنا بحمد الله وهما دالان على
بقائهما . فان قلت : قد ليس في ” مسند أحمد ” حديث ذكر فيه انه
ينبت فيها الجرجير . قلت ليس في ” مسند أحمد ” ولكنه في غيره
وهو ضعيف ولو صح حمل على طبقة العصاة . فان قلت : قال حرب الكرماني
: سألت اسحق عن قول الله تعالى (الا ما شاء ربك) فقال أتت
هذه الاية على كل وعيد في القرآن وعن أبي نضرة عن بعض اصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذه الاية تأتي على القران كله
حيث كان في القرآن (خالدين فيها) تأتي عليه . قلت : ان صحت هذه
الاثار حملت على العصاة لان القرآن لم يرد فيه خروج العصاة
من النار صريحا انما ورد في السنة بالشفاعة فالمراد بهذه الاثار
موافقة القرآن للسنة في ذلك فان السلف كانوا شديدي الخوف ولم
يجدوا في القرآن خروج الموحدين من النار وكانوا يخافون الخلود
كما تقوله المعتزلة فان قلت : قال ابن مسعود رضي الله عنه ليأتين
على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون
________________________________________
فيها أحقابا . قلت ان صح هذا عن ابن مسعود حمل على طبقة العصاة
وقوله أحقابا يحمل على أحقاب غير الاحقاب المذكورة في القرآن
حتى يصح الحمل على العصاة . فان قلت : قال الشعبي جهنم أسرع
الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا . قلت أنا أعيذ الشعبي من ذلك فانه
يقتضي خراب الجنة . فان [ 154 ] قلت : قد اعترض هذا المصنف
على الاجماع لانه غير معلوم فان هذه المسائل لا يقطع فيها باجماغ
نعم قد يظن فيها الاجماع وذلك قبل أن يعرف النزاع وقد عرف
النزاع قديما وحديثا بل إلى الساعة . قلت : الاجماع لا يعترض عليه
بأنه غير معلوم بل يعترض بنقل خلاف صريح ولم ينقله وانما هو
من تصرفه وفهمه وقوله ان هذه المسائل لا يقطع فيها باجماع دعوى
مجردة . فان قلت قد قال لم أعلم أحدا من الصحابة رضي الله عنهم
قال لا تفنى إنما المنقول عنهم ضد ذلك لكن التابعون نقل عنهم
هذا وهذا . قلت : هو مطالب بالنقل عن الصحابة رضي الله عنهم
والتابعين ولن يجده وغايته كما قلت لك أن يأخذه من كلمات وردت
فهم منها ذلك ، ويجب تأويلها تحسينا للظن بهم . فان قلت : قد
قال انه ليس في القرآن ما يدل على انها لا تفنى بل الذي يدل عليه
ظاهر القرآن انهم خالدون فيها ابدا وأنه يقتضي خلودهم فيها
ما دامت باقية لا يخرجون منها مع بقائها وبقاء عذابها كما يخرج
أهل التوحيد . قلت : قد قلت لك ان حقيقة الخلود في مكان يقتضي
بقاء ذلك المكان وقد تأملت كلام المصنف فلم أر فيه زيادة على
ذلك بل اندفع في ذكر الايات وأحاديث الشفاعة ولم يبين ما يؤول
إليه أمر الكفار بعد فناء النار . فان قلت : قد فرق بين بقاء الجنة
والنار شرعا وعقلا أما شرعا فمن وجوه : أحدهما ان الله تعالى
أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامها وانه لا نفاد له ولا انقطاع
في غير موضع من كتابه كما أخبر ان أهل الجنة لا يخرجون منها
، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك بل اخبر أن أهلها
________________________________________
لا يخرجون منها . قلت : قد أخبر في النار وأهلها انهم في عذاب
مقيم وانهم لا يفتر عنهم ولا يخفف عنهم فلو فنيت لكان اما أن يموتا
فيها أو يخرجوا وكل منهما أخبر في القرآن بنفيه . فان قلت
: قد ذكره من الوجوه الشرعية أن الجنة من مقتضى رحمته والنار
من عذابه فالنعيم من موجب اسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب دوامه
بدوام معاني اسمائه وصفاته والعذاب من مخلوقاته والمخلوق
قد يكون له انتهاء لا سيما مخلوق خلق لحكمة تتعلق بغيره . [ 155
] قلت : ومن اسمائه تعالى شديد العقاب والجبار والقهار والمذل
والمنتقم فيجب دوامه بدوام ذاته وأسمائه ايضا فنقول لهذا الرجل
ان كانت هذه الاسماء والصفات تقتضي دوام ما يقتضيه من الافعال
فيلزم قدم العالم وان كانت لا تقتضي فلا يلزم دوام الجنة فأحد
الامرين لازم لكلام هذا الرجل وكل من الامرين باطل فكلام هذا
الرجل باطل فان قلت : قد قال انه خبر أن رحمته وسعت كل شئ وسبقت
رحمتي غضبي فإذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة
. قلت : الاخرة داران دار رحمة لا يشوبها شئ وهي الجنة ودار
عذاب لا يشوبه شئ وهي النار وذلك دليل على القدرة والدنيا مختلطة
بهذا وبهذا فقوله إذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة
البتة ان اراد نفي الرحمة مطلقا فليس بصحيح لان هناك كمال الرحمة
في الجنة وان اراد لم يكن في النار قلنا مه وان قال انها شئ
والعقاب شئ وقد قال تعالى (فسأكتبها للذين يتقون) فان قلت قد
ثبت أنه حكيم رحيم والنفوس الشريرة التي لو ردت إلى الدنيا لعادت
لا تصلح ان تسكن دار السلام فإذا عذبوا عذابا تخلص نفوسهم من
ذلك الشر كان هذا معقولا في الحكمة أما خلق نفوس تعمل الشر في
الدنيا وفي الاخرة لا تكون إلا في العذاب فهذا تناقض يظهر فيه
من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر في غيره ، ولهذا كان جهم
ينكر أن يكون الله تعالى أرحم الراحمين بل يفعل ما يشاء والذين
________________________________________
سلكوا طريقته كالاشعري وغيره ليس عندهم في الحقيقة له حكمة
ولا رحمة وإذا ثبت انه حكيم رحيم وعلم بطلان قول جهم تعين اثبات
ما تقتضيه الحكمة والرحمة وما قاله المعتزلة أيضا باطل فقول
القدرية والمجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل ومن أعظم غلطهم
اعتقادهم تأبيد جهنم فان ذلك مستلزم ما قالوه وقد أخبر تعالى
أن أهل الجنة والنار لا موتون فلا بد لهم من دار ومحال أن يعذبوا
بعد دخول الجنة فلم يبق الا دار النعيم والحي لا يخلو من لذة
أو ألم فإذا انتفى الالم تعينت اللذة الدائمة قلت : قد صرح بما
صرح به في آخر كلامه فيقتضي ان ابليس وفرعون وهامان وسائر الكفار
يصيرون إلى النعيم [ 156 ] المقيم واللذة الدائمة وهذا ما
قال به مسلم ولا نصراني ولا يهودي ولا مشرك ولا فيلسوف اما المسلمون
فيعتقدون دوام الجنة والنار وأما المشرك فيعتقد عدم البعث
وأما الفيلسوف فيعتقد أن النفوس الشريرة في ألم فهذا القول
الذي قاله هذا الرجل ما نعرف أحدا قاله وهو خروج عن الاسلام بمقتضى
العلم إجمالا وسبحان الله إذا كان الله تعالى يقول (اولئك
الذين يئسوا من رحمتي) وكذلك قوله تعالى (كلما خبت زدناها سعيرا)
ونبيه صلى الله عليه وسلم يخبر بذبح الموت بين الجنة والنار
ولا شك أن ذلك انما يفعل اشارة إلى اياسهم وتحققهم البقاء الدائم
في العذاب فلو كانوا ينتقلون إلى اللذة والنعيم لكان ذلك
رجاء عظيما لهم وخيرا من الموت ولم يحصل لهم اياس فمن يصدق بهذه
الايات والاحاديث كيف يقول هذا الكلام وما قاله من مخالفة الحكمة
جهل وما ينسبه إلى الاشعري رضي الله عنه افتراء عليه نعوذ
بالله تعالى منه . فان قلت : قد يقول انه تخلص نفوسهم من الشر
بذلك العذاب فيسلمون . قالت : معاذ الله أما اسلامهم في الاخرة
فلا ينفعهم باجماع المسلمين وبقوله تعالى (لا ينفع نفسا ايمانها
لم تكن آمنت من قبل) وأما خلوصهم من الشرط فباطل لقوله تعالى
________________________________________
(ختم الله على قلوبهم) و (طبع على قلوبهم) فهذا يستحيل ان
يخرج الشر من قلوبهم أو يدخل فيها خير . فان قلت : ما في خلق هؤلاء
من الحكمة قلت اظهار القدرة واعتبار المؤمنين وفكرتهم في
عظمة الله تعالى القادر على أن يخلق الملائكة والبشر الصالحين
والانبياء ومحمدا صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وعلى أن يخلق من
الطرف الآخر فرعون وهامان وأبا جهل وشياطين الجن والانس وابليس
رأس الضلال والقادر على خلق دارين متمحضة كل واحدة منهما هذه
للنعيم المقيم وهذه للعذاب الاليم ودار ثالثة وهي الدنيا ممتزجة
من النوعين فسبحان من هذه قدرته وجلت عظمته وكان الله سبحانه
قادرا أن يخلق الناس كلهم مؤمنين طائعين ولكن اراد سبحانه أن
يبين الشئ وضده علمه من علمه وجهله من جهله ، والعلم منشأ السعادة
كلها نشأ عنه الايمان والطاعة ، والجهل منشأ الشقاوة [ 157
] كلها نشأ عنه الكفر والمعصية وما رأيت مفسدة من أمور الدنيا
والاخرة تنشأ إلا عن الجهل فهو أضر الاشياء . فان قلت : قد
نقل عن جهم وأصحابه انهم قالوا بفناء الجنة والنار وان أئمة الاسلام
كفروهم بذلك لاربع آيات من القرآن قوله تعالى (أكلها دائم)
و (ماله نفاد) (لا مقطوعة ولا ممنوعة) (عطاء غير مجذوذ) ولما
رواه الطبراني وابن ماجة في التفسير . قلت : من قال بفناء الجنة
والنار أو أحدهما فهو كافر . فان قلت : قد قال هذا المصنف
ان هذا قاله جهم لاصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى
من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام استدلوا به على حدوث الاجسام
وحدوث ما لا يخلو من الحوادث قلت : في هذا دسيسة يشبه أن يكون
هذا المصنف قصد به التطرق إلى حلول الحوادث بذات الباري تعالى
وتنزه وقد أطال الكلام في ذلك وقال بعده أنه اشتبه هذا على كثير
من أهل الكلام هذا ما اعتقدوه حقا حتى بنوا عليه حدوث ما لم
يخل عن الحوادث ثم قال وعليه أيضا نفي الصفات لانها اعراض لا
________________________________________
تقوم الا بجسم هذا كلامه ويشبه أن يكون عمل هذا التصنيف وسيلة
إلى تقرير ذلك نسأل الله تعالى العافية والسلامة والحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه وذريته والتابعين
لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا . . قال مصنفها التقي السبكي
صنفتها في ذي الحجة سنة ثمان واربعين وسبعمائة والحمد لله رب
العالمين [ 159 ] الرسالة الخامسة رسالة في نفي الجهة تأليف شهاب
الدين أحمد بن يحيى بن جبريل الكلابي المتوفى سنة 733 ه‍ [
161 ] بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله العظيم شأنه القوي
سلطانه القاهر ملكوته الباهر جبروته الغني عن كل شئ وكل شئ مفتقر
إليه فلا معول لشئ من الكائنات الا عليه أرسل محمدا صلى الله
عليه وسلم بالمحجة البيضاء والملة الزهراء ، فأتى بأوضح البراهين
ونور محجة السالكين ووصف ربه تعالى بصفات الجلال ونفى عنه
ما لا يليق بالكبرياء والكمال فتعالى الله الكبير المتعال عما
يقوله أهل الغي والضلال ، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون
بلطيف قدرته مقهورون في قبضته أحاط بكل شئ علما وأحصى كل
شئ عددا ، مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر ، فسبحانه
ما أعظم شأنه وأعز سلطانه يسأله من في السموات والارض لافتقارهم
إليه كل يوم هو في شأن لاقتداره عليه والصلاة والسلام على سيدنا
محمد خاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعلى آله وصحبه وسلم . أما
بعد فالذي دعا إلى تسطير هذه النبذة ما وقع في هذه المدة مما
علقه بعضهم في اثبات الجهة واغتر بها من لم يرسخ في التعليم قدمه
، ولم يتعلق بأذيال المعرفة ولا كبحه لجام الفهم ولا استبصر
بنور الحكمة ، فأحببت أن أذكر عقيدة أهل السنة والجماعة ثم أبين
فساد ما ذكره مع أنه لم يدع دعوى الا نقضها ولا اطرد قاعدة
الا هدمها ، ثم (1) راجع طبقات الشافعية 6 / 181 ترجمة أحمد بن
يحيى بن إسماعيل الكلابي . (*) [ 162 ] استدل على عقيدة أهل السنة
________________________________________
وما يتعلق بذلك وها أنا أذكر قبل ذلك مقدمة يستضاء بها في
هذا المكان . فأقول وبالله المستعان : مذهب الحشوية في اثبات
الجهة مذهب واه ساقط يظهر فساده من مجرد تصوره ، حتى قالت الائمة
لولا اغترار العامة بهم لما صرف إليهم عنان الفكر ولا خط القلم
في الرد عليهم وهم فريقان فريق لا يتحاشي في اظهار الحشو ويحسبون
أنهم على شئ ألا انهم هم الكاذبون ، وفريق يتستر بمذهب
السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه أو هوى يجمع عليه الطغام الجهلة
والرعاع السفلة لعلمه أن ابليس ليس له دأب الا خذلان أمة محمد
صلى الله عليه وسلم ولذلك لا يجمع قلوب العامة إلا على بدعة
وضلالة يهدم بها الدين ويفسد بها اليقين فلم يسمع في التواريخ
أنه خزاه الله جمع غير خوارج أو رافضة أو ملاحدة أو قرامطة وأما
السنة والجماعة فلا تجتمع إلا على كتاب الله المبين وحبله المتين
* وفي هذا الفريق من يكذب على السابقين الاولين من المهاجرين
والانصار ويزعم أنهم يقولون بمقالته ولو أنفق ملء الارض ذهبا
ما استطاع أن يروج عليهم كلمة تصدق دعواه ، وتستر هذا الفريق
بالسلف حفظا لرياسته والحطام الذي يجتلبه يريدون أن يأمنوكم
ويأمنوا قومهم وهؤلاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الروث مفضضا
والكنيف مبيضا ويزهدون في الذرة ليحصلوا الدرة أظهروا للناس
نسكا وعلى المنقوش داروا ومذهب السلف انما هو التوحيد والتنزيه
دون التجسيم والتشبيه والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف .
وكل يدعون وصال ليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكا وكيف يعتقد في
السلف أنهم يعتقدون التشبيه أو يسكتون عند ظهور أهل البدع وقد
قال الله (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)
وقال الله تعالى (واذ أخذنا ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه
للناس ولا تكتمونه) وقال الله تعالى (لتبين للناس ما نزل [ 163
] إليهم ” ولقد كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يخوضون في شئ
________________________________________
من هذه الاشياء لعلمهم ان حفظ الدهماء أهم الامور مع أن سيوف حججهم
مرهفة ورماحهم مشحونة ولذلك لما نبغت الخوارج راجعهم حبر
الامة وعالمها وابنا عم رسولها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
وعبد الله بن عباس فاهتدى البعض بالمناظرة وأصر الباقون عنادا
فتسلط عليهم السيف . ولكن حكم السيف فيكم مسلط * فترضى إذا ما
أصبح السيف راضيا وكذلك لما نبع القدر ونجم به معبد الجهمي قيض
الله تعالى له زاهد الامة وابن فاروقها عبد الله بن عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما ولو لم تنبع هذان البدعتان لما تكلمت الصحابة
رضي الله عنهم في رد هذا ولا ابطال هذا ولم يكن دأبهم الا
الحث على التقوى والغزو وأفعال الخير ، ولذلك لم ينقل عن سيد البشر
صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم أنه
جمع الناس في مجمع عام ثم أمرهم أن يعتقدوا في الله تعالى كذا
وكذا ، وقد صدر ذلك في أحكام شتى وانما نتكلم فيها بما يفهمه
الخاص ولا ينكره العام وبالله أقسم يمينا برة ما هي مرة بل ألف
ألف مرة أن سيد الرسل صلى الله عليه وسلم لم يقل أيها الناس
اعتقدوا ان الله تعالى في جهة العلو ولا قال ذلك الخلفاء الراشدون
ولا أحد من الصحابة بل تركوا الناس وأمر التعبدات والاحكام
ولكن لما ظهرت البدع قمعها السلف أما التحريك للعقائد والتشمير
لاظهارها واقامة ثائرها فما فعلوا ذلك بل حسموا البدع عند ظهورها
. ثم الحشوية إذا بحثوا في مسائل أصول الدين مع المخالفين
تكلموا بالعقول وتصرفوا في المنقول فإذا وصلوا إلى الحشو تبلدوا
وتأسوا فتراهم لا يفهمون بالعربية ولا بالعجمية كلا والله
والله لو فهموا لهاموا ولكن اعترضوا بحر الهوى فشقوه وعاموا وأسمعوا
كل ذي عقل ضعيف وذهن سخيف ، وخالفوا السلف في الكف عن ذلك
مع العوام ولقد كان الحسن [ 164 ] البصري رضي الله عنه إذا تكلم
في علم التوحيد أخرج غير أهله وكانوا رحمهم الله تعالى لا
________________________________________
يتكلمون فيه إلا مع أهل السنة منهم إذ هي قاعدة أهل التحقيق وكانوا
يضنون به على الاحداث ، وقالوا : الاحداث هم المستقلون الامور
المبتدؤون في الطريق فلم يجربوا الامور ولم يرسخ لهم فيها
قدم وان كانوا أبناء سبعين سنة ، وقال سهل رضي الله عنه : لا
تطلعوا الاحداث على الاسرار قبل تمكنهم من اعتقاد ان الاله واحد
وأن الموجد فرد صمد منزه عن الكيفية والاينية لا تحيط به الافكار
ولا تكيفه الالباب . وهذا الفريق لا يكتفي من ايمان الناس
إلا باعتقاد الجهة وكأنه لم يسمع الحديث الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
الحديث أفلا يكتفي بما اكتفى به نبيهم صلى الله عليه وسلم
حتى أنه يأمر بالخوض في بحر لا ساحل له ويأمرهم بالتفتيش عما لم
يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتفتيش عنه ولا أحد من
أصحابه رضي الله عنهم ولا تنازل واكتفى بما نقل عن إمامه الامام
أحمد بن حنبل رضي الله عنه حيث قال : لا يوصف الله تعالى الا
بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا
نتجاوز القرآن والحديث ، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو
حق ليس فيه لغز ولا أحاج ، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم
بكلامه وهو مع ذلك ليس كمثله شئ في نفسه المقدسة المذكورة
بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله فكان ينبغي أن الله سبحانه له
ذات حقيقية وأفعال حقيقية وكذلك له صفات حقيقية وهو ليس كمثله
شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وكل ما أوجب نقصا أو
حدوثا فإن الله عزوجل منزه عنه حقيقة فانه سبحانه مستحق للكمال
الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام
الحدوث سابقا لعدم وافتقار الحدث إلى المحدث وجوب وجوده
بنفسه سبحانه وتعالى هذا نص إمامه فهلا اكتفى به ولقد أتى إمامه
في هذا الكلام بجوامع الكلم وساق أدلة المتكلمين على ما يدعيه
________________________________________
[ 165 ] هذا المارق بأحسن رد وأوضح معان مع أنه لم يأمر بما
أمر به هذا الفريق ، وقد قال الشافعي رضي الله عنه . : سألت
مالكا عن التوحيد فقال : محال ان نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم
أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد وقد قال صلى الله
عليه وسلم أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث
فبين مالك رضي الله عنه ان المطلوب من الناس في التوحيد هو
ما اشتمل عليه هذا الحديث ولم يقل من التوحيد اعتقاد أن الله
تعالى في جهة العلو . وسئل الشافعي رضي الله تعالى عنه عن صفات
الله فقال حرام على العقول ان تمثل الله تعالى وعلى الاوهام
ان تحدوا على الظنون ان تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر
ان تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه
صلى الله عليه وسلم ، ومن تقصى وفتش وبحث وجد ان الصحابة رضي
الله عنهم والتابعين والصدر الاول لم يكن دأبهم غير الامساك
عن الخوض في هذه الامور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها
إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب
الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم
وعلى ذلك بنينا عقيدتنا وأثبتنا نحلتنا وسيظهر لك ان شاء الله
تعالى موافقتنا للسلف ومخالفة المخالف طريقتهم وان ادعى الاتباع
فما سالك غير الابتداع . وقول المدعي انهم أظهروا هذا ويقول
علم النبي كل شئ حتى الخرأة وما علم هذا المهم هذا التبهرج
لا يمشي على الصيرفي النقاد أو ما علم أن الخرأة يحتاج إليها كل
واحد وربما تكررت الحاجة إليها في اليوم مرات وأي حاجة بالعوام
إلى الخوض في الصفات نعم الذي يحتاجون إليه من التوحيد قد تبين
في حديث أمرت ان أقاتل الناس ثم هذا الكلام من المدعي يهدم
بنيانه ويهد أركانه فان النبي صلى الله عليه وسلم علم الخرأة
تصريحا وما علم الناس ان الله في جهة العلو وما ورد من العرش والسماء
________________________________________
في الاستواء قد بني المدعي مبناه وأوثق عرى دعواه على أن
المراد بهما شئ واحد وهو جهة العلو ، فما قاله هذا المدعي [
166 ] لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته وعلمهم الخرأة فعند
المدعي يجب تعليم العوام حديث الجهة وما علمها رسول الله صلى
الله عليه وسلم . وأما نحن فالذي نفوله انه لا يخاض في مثل
هذا ولنسكت عنه كما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
ويسعنا ما وسعهم ولذلك لم يوجد منا أحد يأمر العوام بشئ من الخوض
في الصفات والقوم قد جعلوا دأبهم الدخول فيها والامر بها فليت
شعري من الاشبه بالسلف * وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة (فنقول)
: عقيدتنا أن الله قديم أزلي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ ليس
له جهة ولا مكان ولا يحتوي عليه وقت ولا زمان ولا يقال له أين
ولا حيث يرى لا عن مقابلة ولا على مقابلة كان ولا مكان كون المكان
ودبر الزمان وهو الآن على ما عليه كان . هذا مذهب أهل السنة
وعقيدة مثايخ الطريق رضي الله عنهم قال الجنيد رضي الله عنه
: متى يتصل من لا شبيه ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ، وكما
قيل ليحيى بن معاذ الرازي أخبرنا عن الله عزوجل فقال : إله واحد
، فقيل له : كيف هو ؟ فقال : ملك قادر فقيل له أين هو فقال
: بالمرصاد فقال السائل لم أسألك عن هذا فقال : ما كان غير هذا
كان صفة المخلوق فاما صفته فما أخبرت عنه ، وكما سأل ابن شاهين
الجنيد رضي الله عنهما عن معنى مع فقال مع على معنيين مع الانبياء
بالنصرة والكلاءة قال الله تعالى (إنني معكما أسمع وأرى)
ومع العالم بالعلم والاحاطة قال الله تعالى (ما يكون من نجوى
ثلاثة إلا هو رابعهم) فقال ابن شاهين مثلك يصلح دالا للامة على
الله ، وسئل ذو النون المصري رضي الله عنه عن قوله (الرحمن على
العرش استوى) فقال أثبت ذاته ونفى مكانه فهو موجود بذاته والاشياء
بحكمته كما شاء ، وسئل عنه الشبلي رضي الله عنه فقال : الرحمن
________________________________________
لم يزل والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى ، وسئل عنها جعفر
بن نصير فقال استوى علمه بكل شئ وليس شئ أقرب إليه من شئ ،
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : من زعم أن الله في شئ أو من شئ
أو على شئ فقد أشرك إذ لو كان في شئ لكان [ 167 ] محصورا ولو
كان على شئ لكان محمولا ولو كان من شئ لكان محدثا ، وقال محمد
بن محبوب خادم أبي عثمان المغربي قال لي أبو عثمان المغربي يوما
يا محمد لو قال لك قائل أين معبودك أيش تقول ؟ قلت : أقول حيث
لم يزل . قال فان قال فأين كان في الازل ايش تقول ؟ قلت : حيث
هو الان يعني أنه كان ولا مكان فهو الان كما كان قال فارتضي
ذلك مني ونزع قميصه وأعطانيه . وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد
شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت
إلى أصحابي بمكة اني أسلمت جديدا قال فرجع كل من كان تابعه على
ذلك فهذه كلمات أعلام أهل التوحيد وأئمة جمهور الامة سوى هذه
الشرذمة الزائفة وكتبهم طافحة بذلك وردهم على هذه المنازعة لا
يكاد يحصر وليس غرضنا من ذلك تقليدهم لمنع ذلك في أصول الديانات
بل انما ذكرت ذلك ليعلم أن مذهب أهل السنة ما قدمناه . ثم ان
في قولنا ان آيات الصفات وأخبارها على من يسمعها وظائف التقديس
والايمان بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم
على مراد الله تعالى ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق
والاعتراف بالعجز والسكوت والامساك عن التصرف في الالفاظ
الواردة وكف الباطن عن التفكر في ذلك واعتقاد أن ما خفي عليه
منها لم يخف عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم وسيأتي
شرح هذه الوظائف ان شاء الله تعالى فليت شعري في أي شئ نخالف السلف
هل هو في قولنا كان ولا مكان أو في قولنا انه تعالى كون المكان
أو في قولنا وهو الان على ما عليه كان أو في قولنا تقدس
الحق عن الجسمية ومشابهتها أو في قولنا يجب تصديق ما قاله الله
________________________________________
ورسوله بالمعنى الذي أراد أو في قولنا يجب الاعتراف بالعجز أو
في قولنا نسكت عن السؤال والخوض فيما لا طاقة لنا به أو في قولنا
يجب امساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان ، وليت
شعري فيما ذا وافقوا هم السلف هل في دعائهم إلى الخوض في هذا
والحث على البحث مع الاحداث المغترين والعوام الطغام الذين يعجزون
عن غسل [ 168 ] محل النجو وإقامة دعائم الصلاة أو وافقوا
السلف في تنزيه الباري سبحانه وتعالى عن الجهة وهل سمعوا في كتاب
الله أو أثارة من علم عن السلف أنهم وصفوا الله تعالى بجهة
العلو وان كل ما لا يصفه به فهو ضال مضل من فراخ الفلاسفة واليهود
واليونان انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا
ونحن الان نبتدئ بافساد ما ذكره ثم بعد ذلك نقيم الحجة على
نفي الجهة والتشبيه وعلى جميع ما يدعيه وبالله المستعان . (فأقول)
: ادعى أولا أنه يقول بما قاله الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم
ثم انه قال ما لم يقله الله ولا رسوله ولا السابقون الاولون من
المهاجرين والانصار ولا شيئا منه . فأما الكتاب والسنة فسنبين
مخالفته لهما ، وأما السابقون الاولون من المهاجرين والانصار
فذكره لهم في هذا الموضع استعاره للتهويل والا فهو لم يورد من
أقوالهم كلمة واحدة لا نفيا ولا اثباتا . وإذا تصفحت كلامه عرفت
ذلك اللهم الا أن يكون مزاده بالسابقين الاولين من المهاجرين
والانصار مشايخ عقيدته دون الصحابة وأخذ بعد هذه الدعوى في مدحه
صلى الله عليه وسلم وفي مدح دينه وأن أصحابه أعلم الناس بذلك
والامر كما قاله وفوق ما قاله ، وكيف المدائح تستوفي مناقبه
ولكن كلامه كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه
كلمة حق أريد بها باطل ثم أخذ بعد ذلك في ذم الائمة وأعلام الامة
حيث اعترفوا بالعجز عن ادراكه سبحانه وتعالى مع أن سيد الرسل
________________________________________
صلى الله عليه وسلم قال : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت
على نفسك ، وقال الصديق رضي الله عنه العجز عن درك الادراك ادراك
وتجاسر إلمدعي على دعوى المعرفة وأن ابن الحيض قد عرف القديم
على ما هو عليه ولا غرور ولا جهل أعظم ممن يدعي ذلك فنعوذ بالله
من الخذلان ثم أخذ بعد ذلك في نسبة مذهب جمهور أمة محمد صلى
الله عليه وسلم إلى أنه مذهب فراخ الفلاسفة وأتباع اليونان
اليهود ستكتب شهادتهم ويسئلون ثم قال كتاب الله تعالى [ 169 ]
من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى
آخرها ، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين ثم كلام سائر الائمة مملوء
بما هو اما نص واما ظاهر في الله تعالى أنه فوق كل شئ وعلى
كل شئ وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء وقال في أثناء كلامه وأواخر
ما زعمه انه فوق العرش حقيقة وقاله في موضع آخر عن السلف
فليت شعري أين هذا في كتاب الله تعالى على هذه الصورة التي نقلها
عن كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهل في كتاب الله
تعالى كلمة مما قاله حتى يقول انه فيه نص والنص هو الذي لا يحتمل
التأويل البتة وهذا مراده فانه جعله غير الظاهر لعطفه له
عليه وأي آية في كتاب الله تعالى نص بهذا الاعتبار فأول ما استدل
به قوله تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب) فليت شعري اي نص في
الاية أو ضاهر على أن الله تعالى في السماء أو على العرش ثم نهاية
ما يتمسك به أنه يدل على علو يفهم من الصعود وهيهات زل حمار
العلم في الطين فان الصعود في الكلام كيف يكون حقيقة مع أن المفهوم
في الحقائق أن الصعود من صفات الاجسام فليس المراد الا
القبول ومع هذا لا حد ولا مكان وأتبعها بقوله تعالى : (اني متوفيك
ورافعك الي) وما أدرى من أين استنبط من هذا الخبر ان الله
تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن
أو الالتزام أو هو شئ أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله
________________________________________
اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة ، فإن كان كما خطر
له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وانه لم يقل بهما
فلا حقيقة فيما استدل به ، وان قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة
، ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقرب في المكانة مع
استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه وأتبع ذلك بقوله
(أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض) وخص هذا المستدل من بالله
تعالى ولعله لم يجوز ان المراد به ملائكة الله تعالى ولعله
يقول ان الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف
بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الاية ، ولعلها هي النص [ 170 ] الذي
أشار إليه وأتبعه بقوله تعالى : (تعرج الملائكة والروح إليه)
والعروج والصعود شئ واحد ولا دلالة في الاية على ان العروج إلى
سماء ولا عرش ولا شئ من الاشياء التي ادعاها بوجه من الوجوه
لان حقيقته المستعملة في لغة العرب في الانتقال في حق الاجسام
إذ لا تعرف العرب الا ذلك فليته أظهره واستراح من كتمانه وأردفه
بقوله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم) وتلك أيضا لا دلالة له
فيها على سماء ولا عرش ولا أنه في شئ من ذلك حقيقة . ثم الفوقية
ترد لمعنيين : (أحدهما) نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى
والاخر أسفل بمعنى ان أسفل الاعلى من جانب رأس الاسفل وهذا
لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس
بجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ليخافون ويكون تقدير
الكلام يخافون من فوقهم ربهم أي ان الخوف من جهة العلو وأن العذاب
يأتي من تلك الجهة . وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة
فوق السلطان والسلطان فوق الامير وكما يقال جلس فلان فوق
فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة وقد وقع ذلك في
قوله تعالى حيث قال (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) ولم يطلع أحدهم
على أكتاف الاخر ومن ذلك قوله تعالى (وإنا فوقهم قاهرون) وما
________________________________________
ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم . وأردف ذلك بقوله
تعالى (الرحمن على العرش استوى) وورد هذا في كتاب الله في ستة
مواضع من كتابه وهي عمدة المشبهة وأقوى معتمدهم حتى انهم كتبوها
على باب جامع همذان فلنصرف العناية إلى ايضاحها . (فنقول) :
اما انهم يعزلون العقل بكل وجه وسبب ولا يلتفتون إلى ما يسمى فهما
وادراكا فمرحبا بفعلهم وتقول الرحمن على العرش استوى وان تعدوا
هذا وقالوا هذا يدل انه مستو على العرش فلا حبا ولا [ 171
] كرامة فان الله تعالى ما قاله مع أن علماء البيان كالمتفقين
على أن في . اسم الفاعل من الثبوت ما لا يفهم من الفعل ، وان
قالوا هذا يدل على انه فوقه فقد تركوا ما التزموه وبالغوا في التناقض
والتشهي والجرأة ، وان قالوا بل ننفي العقل ونفهم ما هو
المراد فنقول لهم ما هو الاستواء في كلام لعرب فان قالوا الجلوس
والاستقرار ، قلنا : هذا ما تعرفه العرب الا في الجسم يقولوا
يستوي جسم على العرش وان قالوا جلوس واستقرار نسبته إلى ذات
الله تعالى كنسبة الجلوس إلى الجسم فالعرب لا تعرف هذا حتى يكون
هو الحقيقة ثم العرب تفهم استواء الفدح الذي هو ضد الاعوجاج
فوصفوه بذلك وتبرؤوا معه من التجسيم وسدوا باب الحمل على غير الجلوس
ولا يسدونه في قوله تعالى (وهو معكم أين ما كنتم) وقوله
تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولا تقولوا معهم في العلم
وان قلتم ذلك فلم تحلونه عاما وتحرمونه عاما ومن أين لكم أن
ليس الاستواء فعلا من أفعاله تعالى في العرش . فان قالوا : ليس
هذا كلام العرب قلنا : ولا تعرف العرب استوى بالمعنى الذي تقولونه
بلا جسم ولقد رام المدعي التفلت من شرك التجسيم بما زعمه
من أن الله تعالى في جهة وانه استوى على العرش استواء يليق بجلاله
فنقول له قد صرت الان إلى قولنا في الاستواء . وأما الجهة
فلا تليق بالجلال . وأخذ على المتكلمين قولهم ان الله تعالى لو
________________________________________
كان في جهة فاما أن يكون أكبر أو أصغر أو مساويا وكل ذلك محال
قال فلم يفهموا من قول الله تعالى على العرش إلا ما يثبتون لاي
جسم كان على أي جسم كان قال وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم وأما
استواء يليق بجلال الله فلا يلزمه شئ من اللوازم فنقول له
أتميميا مرة وقيسيا أخرى إذا قلت استوى استواء يليق بجلال الله
فهو مذهب المتكلمين وإذا قلت استواء هو استقرار واختصاص بجهة
دون أخرى لم يجد ذلك تخلصا من الترديد المذكور والاستواء بمعنى
الاستيلاء وأشهد لله في هذه الاية أنها لم ترد قط إلا في اظهار
العظمة والقدرة والسلطان [ 172 ] والملك والعرب تكنى بذلك عن
الملك فيقولون فلان استوى على كرسي المملكة وان لم يكن جلس عليه
مرة واحدة ويريدون بذلك الملك . وأما قولهم : فان حملتم الاستواء
على الاستيلاء ؟ لم يبق لذكر العرش فائدة فان ذلك في حق
كل المخلوقات فلا يختص بالعرش . فالجواب عنه : أن كل الموجودات
لما حواها العرش كان الاستيلاء عليه استيلاء على جميعها ولا كذلك
غيره وأيضا فكناية العرب السابقة ترجحه وقد تقدم الكلام عن
السلف في معنى الاستواء كجعفر الصادق ومن تقدم وقولهم استوى بمعنى
استولى انما يكون فيما يدافع عليه ، قلنا واستوى بمعنى جلس
أيضا انما يكون في جسم وأنتم قد قلتم انكم لا تقولون به ، ولو
وصفوه تعالى بالاستواء على العرش لما أنكرنا عليهم ذلك بل نعدهم
إلى ما يشبه التشبيه أو هو التشبيه المحظور والبه الموفق .
واستدل بقوله تعالى حكاية عن فرعون (يا هامان ابن لي صرحا لعلي
أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) فليت شعري كيف
فهم من كلام فرعون أن الله تعالى فوق السموات وفوق العرش يطلع
إلى إله موسى أما ان إله موسى في السموات فما ذكره وعلى تقدير
فهم ذلك من كلام فرعون فكيف يستدل بظن فرعون وفهمه مع اخبار
الله تعالى عنه انه زين له سوء عمله وانه حاد عن سبيل الله عزوجل
________________________________________
وأن كيده في ضلال مع انه لما سأل موسى عليه السلام وقال وما
رب السموات لم يتعرض موسى عليه السلام للجهة بل لم يذكر الا
أخص الصفات وهي القدرة على الاختراع ، ولو كانت الجهة ثابتة لكان
التعريف بها أولى لان الاشارة الحسية من أقوى المعرفات حسا
وعرفا وفرعون سأل بلفظة ما فكان الجواب بالتحيز أولى من الصفة
وغاية ما فهمه من هذه الاية واستدل به [ 173 ] فهم فرعون فيكون
عمدة هذه العقيدة كون فرعون ظنها فيكون هو مشيدها فليت شعري لم
لا ذكر النسبة إليه كما ذكر ان عقيدة سادات أمة محمد صلى الله
عليه وسلم الذين خالفوا اعتقاده في مسألة التحيز والجهة الذين
ألحقهم بالجهمية متلقاة من لبيد بن الاعصم اليهودي الذي سحر
النبي صلى الله عليه وسلم وختم الايات الكريمة بالاستدلال بقوله
تنزيل من حكيم حميد منزل من ربك بالحق وما في الآيتين لا عرش
ولا كرسي ولا سماء ولا أرض بل فيهما مجرد التنزيل ، وما أدري
من أي الدلالات استنبطها المدعي فان السماء لا تفهم من التنزيل
فان التنزيل قد يكون من السماء وقد يكون من غيرها ولا تنزيل القرآن
كيف يفهم منه النزول الذي هو انتقال من فوق إلى أسفل فان
العرب لا تفهم ذلك في كلام سواء كان من غرض أو غير غرض وكما تطلق
العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه
العزيز (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) وقوله تعالى (وأنزل لكم
من الانعام ثمانية أزواج) ولم ير أحد قطعة حديد نازلة من السماء
في الهواء ولا جملا ينزل من السماء إلى الارض فكما جوزنا هنا
أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل ، فلنجوزه هناك
هذا ما استدل به من الكتاب العزيز . وقد ادعى أولا أنه يقول ما
قاله الله وان ما ذكره من الايات دليل على قوله اما نصا واما
ظاهرا وأنت إذا رأيت ما ادعاه وأمعنت النظر فيما قلناه واستقريت
هذه الايات لم تجد فيها كلمة على وفق ما قاله أولا لا نصا ولا
________________________________________
ظاهرا البتة وكل أمر بعد كتاب الله تعالى والدعوى عليه خلل .
ثم استدل من السنة بحديث المعراج ولم يرد في حديث المعراج ان
الله فوق السماء أو فوق العرش حقيقة ولا كلمة واحدة من ذلك وهو
لم يسرد حديث المعراج ولا بين الدلالة منه حتى نجيب عنه ، فان
بين وجه الدلالة عرفناه كيف الجواب واستدل بنزول الملائكة من
عند الله تعالى . والجواب عن ذلك ان نزول الملائكة من السماء انما
كان لان [ 174 ] السماء مقرهم والعندية لا تدل على ان الله
في السماء لانه يقال في الرسل الادميين انهم من عند الله وان
لم يكونوا نزلوا من السماء على ان العندية قد يراد بها الشرف والرتبة
قال الله تعالى : (وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) وتستعمل
في غير ذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حكابة عن ربه
عزوجل : أنا عند ظن عبدي بي وذكر عروج الملائكة وقد سبق ، وربما
شد فقار ظهره وقوى منه متنه بلفظة إلى ربهم وان إلى لانتهاء
الغاية وانها في قطع المسافة وإذا سكت عن هذا لم يتكلم بكلام
العرب فان المسافة لا تفهم العرب منها الا ما تنتقل فيه الاجسام
وهو يقول انهم لا يقولون بذلك وقد قال الخليل صلى الله عليه
وسلم اني ذاهب إلى ربي وليس المراد بذلك الانتهاء الذي عناه
المدعي بالاتفاق فلم يجترى على ذلك في كتاب الله تعالى ولا يجاب
به في خبر الواحد . وذكر قوله صلى الله عليه وسلم ألا تأمنوني
وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء
وليس المراد بمن هو الله تعالى ولا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
ذلك ولا خصه به ومن أين للمدعي انه ليس المراد بمن الملائكة
فانهم أكبر المخلوقات علما بالله تعالى وأشدهم اطلاعا على القرب
وهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين وهو عندهم
في هذه الرتبة فليعلم المدعي انه ليسن في الحديث ما ينفي هذا
ولا يثبت ما ادعاه ، ثم ذكر حديث الرقية ربنا الله الذي في السماء
________________________________________
تقدس اسمك امرك في السماء والارض كما رزقك في السماء الحديث
وهذا الحديث بتقدير ثبوته فالذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم
فيه ربنا الذي في السماء تقدس اسمك ما سكت النبي صلى الله
عليه وسلم على في السماء فلاي معنى نقف نحن عليه ونجعل تقدس اسمك
كلاما مستأنفا هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أو
أمر به ، وعند ذلك لا يجد المدعي مخلصا الا أن يقول الله تقدس
اسمه في السماء والارض فلم خصصت السماء بالذكر ؟ فنقول له :
ما معنى تقدس ان كان المراد به التنزيه من حيث هو تنزيه فلذلك
ليس في سماء ولا أرض إذ التنزيه نفي النقائص وذلك لا تعلق له [
175 ] بجرباء ولا غبراء ، فان المراد ان المخلوقات تقدسه وتعرفه
بالتنزيه فلا شك أن أهل السماء مطبقون على تنزيهه تعالى كما
أنه لا شك أن في أهل الارض من لم ينزه وجعل له ندا ووصفه بما
لا يليق بجلاله فيكون تخصيص السماء بذكر التقديس فيها لانفراد
أهلها بالاطباق على التنزيه . كما انه سبحانه لما انفرد في الملك
في يوم الدين عمن يتوهم ملكه خصصه بقوله تعالى (ملك يوم الدين)
وكما قال سبحانه وتعالى بعد زمان من ادعى الملك والملك لمن
الملك اليوم لله الواحد القهار وأعاد هذا المدعي على الحديث من
أوله ووصل إلى أن قال فليقل ربنا الذي في السماء ، قال وذكره
ووقف على قوله في السماء فليت شعري هل جوز أحد من العلماء أن
يفعل مثل هذا وهل هذا الا مجرد ايهام أن سيد المرسلين صلى الله
عليه وسلم وعليهم قال ربنا الله الذي في السماء . وأما حديث الاوغال
وما فيه من قوله والعرش فوق ذلك كله والله فوق ذلك كله
فهذا الحديث قد كثر منهم ايهام العوام انهم يقولون به ويروجون
به زخارفهم ولا يتركون دعوى من دعواتهم عاطلة من التحلي بهذا الحديث
ونحن نبين أنهم لم يقولوا بحرف واحد منه ولا استقر لهم قدم
بان الله تعالى فوق العرش حقيقة بل نقضوا ذلك وايضاح ذلك بتقديم
________________________________________
ما أخر هذا المدعي ، قال في آخر كلامه : ولا يظن الظان ان
هذا يخالف ظاهر قوله تعالى (وهو معكم أينما كنتم) وقول النبي
صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فان الله قبل وجهه
ونحو ذلك قال فان هذا غلط ظاهر وذلك ان الله تعالى معنا حقيقة
فوق العرش حقيقة قال كما جمع الله بينهما في قوله : (هو الذي
خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش
يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما
يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) قال هذا
المدعي بملء ماضغيه من غير تكتم ولا تلعثم فقد أخبر الله تعالى
أنه فوق العرش ويعلم كل ! شئ وهو معنا أينما كنا كما قال صلى
الله عليه وسلم في [ 176 ] حديث الاوغال والله فوق العرش وهو
يعلم ما أنتم عليه فقد فهمت ان هذ المدعي ادعى ان الله فوق العرش
حقيقة واستدل بقوله تعالي (ثم استوى على العرش) وجعل أن ذلك
من الله تعالى خبر انه فوق العرش وقد علم كل ذي ذهن قويم وفكر
مستقيم أن لفظ استوى على العرش ليس إلا مراد فاللفظ فوق العرش
حقيقة وقد سبق منا الكلام عليه ، ولا في الاية ما يدل على الجمع
الذي ادعاه ولا بين التقريب في الاستدلال بل سرد آية من كتاب
الله تعالى لا ندري هل حفظها أو نقلها من المصحف . ثم شبه
الاية في الدلالة على الجمع بحديث الاوغال كما قال صلى الله عليه
وسلم فيه والله فوق العرش وقد علمت أنه ليس في الحديث ما يدل
على المعية بل لا مدخل لمع ، في الحديث قال وذلك ان مع إذا أطلقت
فليس ظاهرها في اللغة الا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة
ولا محاذاة عن يمين أو شمال ، فإذا قيدت بمعنى من المعاني
دلت على المقارنة في ذلك المعنى فانه يقال ما زلنا نسير والقمر
معنا والنجم معنا ويقال هذا المتاع معنا وهو لمجامعته معك وان
كان فوق رأسك فان الله مع خلقه حقيقة ثم هذه المعية تختلف أحكامها
________________________________________
بحسب الموارد فلما قال (يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها
وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله
بما تعملون بصير) دل ظاهر الخطاب على ان حكم هذه المعية ومقتضاها
أنه مطلع عليكم عالم بكم ، قال وهذا معنى قول السلف انه
معهم بعلمه قال وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته قال وكذلك في قوله تعالى
(ما يكون من نجوى ثلاثة) الاية وفي قوله تعالى (لا تحزن ان
الله معنا) (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (انني
معكما أسمع وأرى) قال ويقول أبو الصبي الذي فوق السقف لا تخف أنا
معك تنبيها على المعية الموجبة لحكم الحال ، فليفهم الناظر
أدب هذا المدعي في هذا المثل وحسن ألفاظه في استثمار مقاصده ثم
قال ففرق بين المعية وبين مقتضاها المفهوم من معناها الذي يختلف
باختلاف المواضع فليفهم الناظر هذه العبارة التي ليست بالعربية
ولا بالعجمية فسبحان المسبح [ 177 ] باللغات المختلفة . قال
فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل
موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الاخر هذه عبارته بحروفها ،
ثم قال : فاما ان تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر
مشترك بين جميع مواردها وان امتاز كل موضع بخاصية فليفهم تقسيم
هذا المدعي وحسن تصرفه قال فعلى التقديرين ليس مقتضاها ان يكون
ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال صرفت عن ظاهرها ، ثم قال في
موضع آخر : من علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات
كإضافة الربوبية مثلا وأن الاستواء على العرش ليس إلا العرش
وان الله تعالى يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية ولا يوصف بالسفول
ولا بالتحتية قط لا حقيقة ولا مجازا علم أن القرآن على ما
هو عليه من غير تحريف فليفهم الناظر هذه المقدمات القطعية وهذه
العبارات الرائقة الجلية ، وحصر الاستواء على الشئ في العرش مما
لا يقوله عاقل فضلا عن جاهل . ثم قال من توهم أن كون الله في
________________________________________
السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب ان نقله عن
غيره وضال ان اعتقده في ربه وما سمعنا أحدا يفهمه من اللفظ ولا
رأينا أحدا نقله عن احد فليستفد الناظر ان الفهم يسمع قال : ولو
سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قول الله تعالى ورسوله صلى
الله عليه وسلم ان الله تعالى في السماء أنها تحويه لبادركل أحد
منهم إلى أن يقول هذا شئ لعله لم يخطر ببالنا ، وإذا كان الامر
هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس
منه ثم يريد ان يتأوله قال بل عند المسلمين ان الله في السماء
وهو على العرش واحد إذ السماء انما يراد بها العلو فالمعنى
الله في العلو لا في السفل هكذا قال هذا المدعي فليشد الناظر
على هذه بالخناصر وليعض عليها بالنواجذ ، وليعلم ان القوم يخربون
بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين . قال : وقد علم المسلمون أن
كرسيه تعالى وسع السموات والارض وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة
بأرض فلاة وأن العرش خلق من [ 178 ] مخلوقات الله تعالى لا
نسبة له إلا قدرة الله وعظمته وكيف يتوهم متوهم بعد هذا ان خلقا
يحصره ويحويه وقد قال تعالى (ولاصلبنكم في جذوع النخل) وقال
تعالى (فسيروا في الارض) بمعنى على ونحو ذلك وهذا كلام عربي حقيقة
لا مجاز وهذا يعلمه من عرف حقائق معنى الحروف وأنها متواطئة
في الغالب هذا آخر متمسك به فنقول : أولا ما معنى قولك ان مع
في اللغة للمقارنة المطلقة من غير مماسة ولا محاذاة وما هي المقارنة
فان لم يفهم من المقارنة غير صفة لازمة للجسمية حصل المقصود
وان فهم غيره ، فليتنبه حتى ينظر هل تفهم العرب من المقارنة
ذلك أو لا . ثم قوله فإذا قيد بمعنى من المعاني دلت على المقارنة
في ذلك المعنى فنقول له ومن نحا ذلك في ذلك قوله انها في
هذه المواضع كلها بمعنى العلم قلنا : من أين لك هذا ؟ فان قال
من جهة قوله تعالى (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم) الاية
________________________________________
دل ذلك على المعية بالعلم وانه على سبيل الحقيقة فنقول له
قد كلت بالصاع الوافي فكل لنا بمثله . واعلم ان فوق كما يستعمل
في العلو في الجهة كذلك يستعمل في العلو في المرتبة والسلطنة
والملك وكذلك الاستواء فيكونان متواطئين كما ذكرته حرفا بحرف وقد
قال الله تعالى (وهو القاهر فوق عباده) وقال تعالى (وفوق كل
ذي علم عليم) وقال الله تعالى (يد الله فوق أيديهم) وقال تعالى
حكاية عن قوم فرعون (وانا فوقهم قاهرون) وقال تعالى (ورفعنا
بعضهم فوق بعض درجات) ومعلوم أنه ليس المراد جهة العلو فاعد البحث
وقل فوق العرش بالاستيلاء وكذا في حديث الاوغال وما فعلته
في مع فافعله في فوق وخرج هذا كما خرجت ذلك والا اترك الجميع .
ثم قوله ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات
وان الاستواء على الشئ ليس الا العرش ، قلنا : حتى نبصر لك رجلا
استعملها يعلم ما تقوله من غير دليل فانك ان لم تقم دلالة
على [ 179 ] ذلك والا أبرزت لفظة تدل على تحتم فوق للاستواء في
جهة العلو فليت شعري من أين تعلم ان المعية بالعلم حقيقة وان
آية الاستواء على العرش وحديث الاوغال دالان على صفة الربوبية
بالفوقية الحقيقية ، اللهم غفرا هذا لا يكون الا بالكشف والا فالادلة
التي نصبها الله تعالى لتعرف بها ذاته وصفاته وشرائعه لم
يورد هذا المدعي منها حرفا واحدا على وفق دعوى ولا ثبت له قدم
الا في مهوى ثم قوله لا يوصف الله تعالى بالسفول والتحتية لا
حقيقة ولا مجازا ليت شعري من ادعى له هذه الدعوى حتى يكلف الكلام
فيها . ثم ان قوله بعد ذلك من توهم كون الله تعالى في السماء
بمعنى ان السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب ان نقله عن غيره وضال
ان اعتقده في ربه أيها المدعي قل ما تفهم وافهم ما تقول وكلم
الناس كلام عاقل لعاقل تفيد وتستفيد إذا طلبت ان تستنبط من
لفظة في الجهة وحملتها على حقيقتها هل يفهم منها غير الظرفية أو
________________________________________
ما في معناها ، وإذا كان كذلك فهل يفهم عاقل أن الظرف ينفك عن
احاطته ببعض أو جميع أو ما يلزم ذلك وهل جرى هذا على سمع وهل
من يخاطر ان في على حقيقتها في جهة ولا يفهم منها احتواء ولا
احاطة ببعض ولا كل فان كان المراد أن يعزل الناس عقولهم وتتكلم
أنت وهم يقلدون ويصدقون ، ثم تأمن أن بعض المسؤولين من المخالفين
للمسألة يأمرك بذلك أو يثبت الباطل عليك ثم قولك لو سئل سائر
المسلمين هل يفهمون من قول الله تعالى ورسوله ان الله في السماء
تحويه لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول هذا شئ لعله لم يخطر
ببالنا فنقول : ما الذي أردت بذلك ان أردت ان هذا اللفظ لا يعطي
هذا المعنى فإياك أن تسأل عن هذا من هو عارف بكلام العرب فانه
لا يصدقك في أن هذا اللفظ لا يعطي هذا مع كون في للظرفية وانها
على حقيقتها في الجهة ، وان أردت ان العقول تأبى ذلك في حق
الله تعالى فلسنا نحن معك الا في تقرير هذا ونفي كل ما يوهم
نقصا في حق الله تعالى ثم قولك عند المسلمين ان الله في السماء
وهو على العرش واحد لا ينبغي ان تضيف هذا الكلام [ 180 ] الا
إلى نفسك أو إلى من تلقيت هذه الوصمة منه ولا تجعل المسلمين يرتبكون
في هذا الكلام الذي لا يعقل ، ثم استدللت على أن كون الله
في السماء وعلى العرش واحد بأن السماء انما يراد بها العلو فالمعني
الله في العلو لا في السفل قل لي هل قال الله تعالى ورسوله
صلى الله عليه وسلم والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
رضي الله عنهم أجمعين ان الله تعالى في العلو لا في السفل ،
وكل ما قلت من أول المقدمة إلى آخرها لو سلم لك لكان حاصله ان
الله تعالى وصف نفسه بأنه استوى على العرش وان الله تعالى فوق
العرش . وأما ان السماء المراد بها جهة العلو فما ظفرت كفاك بنقله
، ثم قولك قد علم المسلمون ان كرسيه تعالى وسع السموات والارض
وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة فليت شعري إذا
________________________________________
كان حديث الاوغال يدلك على ان الله فوق العرش فكيف يجمع بينه
وبين طلوع الملائكة إلى السماء التي فيها الله وكيف يكون مع
ذلك في السماء حقيقة ولعلك تقول ان المراد بها جهة العلو توفيقا
فليت شعري أيمكن ان تقول بعد هذا التوفيق العازي عن التوقيف
، والتوفيق ان الله في السماء حقيقة وعلى السماء حقيقة وفي العرش
حقيقة وعلى العرش حقيقة ثم حقيقة السماء هي هذه المشاهدة المحسوسة
يطلق عليها هذا الاسم من لم يخطر بباله السمو ، وأما أصل
الاشتقاق فذلك لا مزية لها فيه على السقف والسحاب فتبارك الله
خالق العقول ثم قولك بعد ذلك العرش من مخلوقات الله تعالى لا
نسبة له الا قدرة الله وعظمته وقع إلينا الا قدرة الله فان كانت
بألف لام الف كما وقع الينا فقد نفيت العرش وجعلت الجهة هي
العظمة والقدرة وصار معنى كلامك جهة الله عظمته وقدرته ، والان
قلت ما لا يفهم ولا قاله أحد وان كان كلامك بألف لام ياء فقد
صدقت وقلت الحق ومن قال خلاف ذلك لعمري ولعمري لقد رممنا لك هذا
المكان ولقناك إصلاحه . ثم قلت كيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره
أو يحويه قلنا : نعم ومن [ 181 ] أي شئ بلاؤنا الا ممن يدعي
الحصر أو يوهمه ، ثم قلت وقد قال الله تعالى (ولاصلبنكم في جذوع
النخل) أو ما علمت ان التمكن والاستقرار حاصل في الجذع فان
تمكين المصلوب في الجذع كتمكين الكائن في الظرف وكذلك الحكم في
قوله تعالى (قل سيروا في الارض) وهذا الذي ذكرناه هو الجواب
عن حديث الاوغال وحديث قبض الروح وحديث عبد الله بن رواحة رضي
الله عنه وحديث أمية بن أبي الصلت وما قال من قوله : مجدوا الله
فهو أهل لمجد * ربنا في السماء أمسى كبيرا فيقال للمدعي : ان
كنت ترويه في السماء فقط ولا تتبعها أمسى كبيرا فربما يوهم ما
تدعيه لكن لا يبقى شعرا ولا قافية ، وان كان قال ربنا في السماء
أمسى كبيرا فقل مثل ما قال أمية وعند ذلك لا يدري هل هو كما
________________________________________
قلت ان الله كبير في السماء . فان قلت : وهو كبير في الارض فلم
خصت السماء ؟ قلنا : التخصيص بما أشرنا إليه من أن تعظيم أهل
السموات اكثر من تعظيم أهل الارض له فليس في الملائكة من ينحت
حجرا ويعبده ولا فيهم دهري ولا معطل ولا مشبه ، وخطاب أمية لكفار
العرب الذين اتخذوا هبل ومنات واللات والعزى وغير ذلك من الانداد
وقد علمت العرب أن أهل السماء أعلم منهم حتى كانوا يتمسكون
بحديث الكاهن الذي كان يتلقى من الجنى الذي يسترق الكلمة من
الملك فيضيف إليها مائة كذبة فكيف اعتقادهم في الملائكة فلذلك
احتج عليهم أمية بالملائكة هذا ليس ببعيد ولا خلاف قطعي . ثم
قال من المعلوم بالضرورة ان الرسول المبلغ عن الله : ألقى إلى
أمته المذعنين ان الله تعالى على العرش وانه فوق السماء ، فنقول
له هذا ليس بصحيح بالصريح بل ألقى إليهم ان الله استوى على
العرش هذا الذي تواتر من تبليغ هذا الني صلى الله عليه وسلم وما
ذكره المدعي من هذا الاخبار فأخبار آحاد لا يصدق عليها جمع كثرة
ولا حجة له فيها وذلك واضح لمن سمع كلام الرسول صلى الله عليه
وسلم ونزله [ 182 ] على استعمال العرب واطلاقاتها ولم يدخل
عليها غير لغتها ثم قلت كما فطر الله جميع الامم عربهم وعجمهم
في الجاهلية والاسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته هذا كلام
من أوله إلى آخره معارض بالمثل والترجيح معنا ، ثم قلت عن
السلف في ذلك من الاقوال ما لو جمعت لبلغت مائتين ألوفا فنقول
ان أردت بالسلف عن السلف المشبهة كما سيأتي في كلامك فربما قاربت
وان أردت سلف الامة الصالحين فلا حرف ولا شطر حرف وها نحن معك
في مقام مقام ومضمار مضمار بحول الله وقوته . ثم قلت ليس في
كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا عن أحد من سلف الامة لا من
الصحابة ولا من التابعين حرف واحد يخالف ذلك لا نص ولا ظاهر ،
قلنا : ولا عنهم كما ادعيت أنت ولا نص ولا ظاهر وقد صدرت أولا
________________________________________
أنك تقول ما قال الله ورسوله والسابقون الاولون من المهاجرين
والانصار ثم دارت الدائرة على ان المراد بالسابقين الاولين من
المهاجرين والانصار مشايخ عقيدتك وعزات العشرة وأهل بدر والحديبية
عن السلف والتابعين عن المتابعة وتولى هؤلاء غير الله والله
اعلم حيث يجعل رسالاته ، ثم قولك : لم يقل أحد منهم أنه ليس
في غير السماء ولا انه ليس على العرش ولا انه في كل مكان ولا ان
جميع الامكنة بالنسبة إليه سواء ولا انه داخل العالم ولا خارجه
ولا متصل ولا منفصل . قلنا : لقد عممت الدعوى فذكرت ما لم تحط
به علما . وقد ذكرنا لك عن جعفر الصادق والجنيد والشبلي وجعفر
بن نصير وأبي عثمان المغربي رضي الله عنهم ما فيه كفاية فان
طعنت في نقلنا أو في هذه السادة طعنا في نقلك وفيمن اسندت إليه
من أهل عقيدتك خاصة فلم يوافقك على من ادعيته غيرهم ، ثم انك
أنت الذي قد قلت ما لم يقله الله ولا رسوله ولا السابقون الاولون
من المهاجرين والانصار ولا من التابعين ولا من مشايخ الامة
الذين لم يدركوا الا هؤلاء فما نطق أحد منهم بحرف في أن الله
[ 183 ] تعالى في جهة العلو . وقد قلت : وصرحت وبحثت وفهمت بأن
ما ورد من أنه في السماء وفوق السماء وفي العرش وفوق العرش المراد
به جهة العلو ، فقل لنا : من قال هذا ؟ هل قاله القه أو رسوله
أو السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والتابعين لهم
باحسان ؟ فلم تهول علينا بالامور المغمضة وبالقه المستعان . ثم
ستدل على جواز الاشارة الحسية إليه بالاصابع ونحوها بما صح انه
صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفات جعل يقول : ألا هل بلغت ؟
فيقولون : نعم فيرفع اصعه إلى السماء وينكثها إليهم ويقول : اللهم
أشهد غير مرة ، ومن أي دلالة يدل على هذا على جواز الاشارة
إليه هل صدر منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رفع أصبعه ثم نكثها
إليهم هل في ذلك دلالة على أن رفعه كان يشير به إلى جهة الله
________________________________________
تعالى ولكن هذا من عظيم ما رسخ في ذهن هذا المدعي من حديث الجهة
حتى انه لو سمع مسألة من عويص الفرائض والوصايا وأحكام الحيض
لقال هذه دالة على الجهة ثم أتى بالطامة الكبرى والداهية الدهياء
، وقال : فإن كان الحق ما يقوله هؤلاء السابقون النافون
من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة اما نصا
أو ظاهرا كيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله صلى الله عليه
وسلم ثم على حبر الامة أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر
في خلاف الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون
عليه لا نصا ولا ظاهرا حتى يجئ أنباء الفرس والروم وأفراخ
اليهود يبينون للامة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مؤلف أو
فاضل أن يعتقدها لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلفون هو الاعتقاد
الواجب وهم مع ذلك أحيلوا على مجرد عقولهم ، وأن يدفعوا المقتضى
قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا . لقد كان
ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير
بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصول الدين ، فإن حقيقة
الامر على ما يقوله هؤلاء أنكم يا معشر العباد [ 184 ] لا تطلبون
معرفة الله تعالى وما يستحق من الصفات نفيا ولا اثباتا لا
من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الامة ، ولكن أنظروا
أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به سواء كان موجودا
في الكتاب والسنة أو لم يكن وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم
فلا تصفوه بها . ثم قال : هما فريقان أكثرهم يقول ما لم تثبته
عقولكم فابقوه ومنهم من يقول بل توقفوا فيه وما نفاه قياس عقولكم
الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافا أكثر من جميع اختلاف
على وجه الارض فانفوه وإليه عند الشارع فارجعوا فإنه الحق
الذي تعبدتكم به وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم
هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم على طريقة أكثرهم فاعلموا
________________________________________
انني امتحنتكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدي منه لكن لتجتهدوا في
تخريجه على شواذ اللغة ووحشى الالفاظ وغرائب الكلام أو تسكتوا
عنه مفوضين علمه إلي هذا حقيقة الامر على رأى المتكلمين هذا ما
قاله . وهو الموضح الذي صرح فيه وتخبطه الشيطان من المس . فتقول
له : ما تقول فيما ورد من ذكر العيون بصفة الجمع وذكر الجنب
وذكر الساق الواحد وذكر الايدي ؟ فإن أخذنا بظاهر هذا يلزمنا
اثبات شخص له وجه واحد عليه عيون كثيرة وله جنب واحد عليه أيد
كثيرة وله ساق واحد وأي شخص يكون في الدنيا أبشع من هذا وان تصرفت
في هذا بجمع وتفريق بالتأويل فلم . لا ذكره الله ورسوله وسلف
الامة وقوله تعالى في الكتاب العزيز (الله نور السموات والارض)
فكل عالم يعلم ان النور الذي على الحيطان والسقوف وفي الطرق
والحشوش ليس هو الله تعالى ولا قالت المجوس بذلك ، فإن قلت
بأنه هادي السموات والارض ومنورها فلم لا قاله الله تعالى ولا
رسوله ولا سلف الامة وورد قوله تعالى : (ونحن أقرب إليه من حبل
الوريد) وذلك يقتضي أن يكون الله داخل الرزدمة فلم لا يبينه الله
ولا رسوله ولا سلف الامة وقال تعالى (واسجد واقترب) ومعلوم
أن التقرب في الجهة ليس إلا بالمسافة فلم [ 185 ] لا بينه الله
تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا سلف الامة وقال تعالى
(فأينما تولوا فثم وجه الله) وقال تعالى (وجاء ربك) وقال تعالى
(فأتى الله بنيانهم من القواعد) وقال تعالى (وما يأتيهم من
ذكر من ربهم محدث) وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه عزوجل
” من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت
منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ” وما صح في الحديث ” أجد
نفس الرحمن من قبل اليمن) ومن قوله صلى الله عليه وسلم : ”
الحجر الاسود يمين الله في الارض ” ومن قوله صلى الله عليه وسلم
حكاية عن ربه سبحانه وتعالى ” أنا جليس من ذكرني ” وكل هذه هل
________________________________________
تأمن من المجسم أن يقول لك ظواهر هذه كثيرة تعدت الحصر أضعاف
أحاديث الجهة فإن كان الامر كما يقولون في نفي الجسمية مع أنه
لم يأت في شئ من هذه ما بين خلاف ظواهرها لا عن الله تعالى ولا
عن رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف الامة فحينئذ يكيل لك
المجسم بصاعك ويقول لك لو كان الامر كما قلت لكان ترك الناس
بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم ، وان قلت ان العمومات قد بينت خلاف
ظواهر هذه لم نجد منها نافيا للجسمية الا وهو ناف للجهة ثم ما
يؤمنك من تناسخي يفهم من قوله (في أي صورة ما شاء ركبك) مذهبه
ومن معطل يفهم من قوله تعالى مما تنبت الارض مراده فحينئذ لا
تجد مساغا لما نقص به من ذلك إلا الادلة الخارجة عن هذه الالفاظ
، ثم صار حاصل كلامك أن مقالة الشافعية والحنفية والمالكية يلزمها
أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم افتراهم يكفرونك
بذلك أم لا . ثم جعلت أن مقتضى كلام المتكلمين أن الله تعالى
ورسوله وسلف الامة تركوا العقيدة حتى بينها هؤلاء فقل لنا
ان الله ورسوله وسلف الامة بينوها ثم نقل عنهم أنهم قالوا كما
تقول ان الله تعالى في جهة العلو لا في جهة السفل وان الاشارة
الحسية جائزة إليه فإذا لم تجد ذلك في كتاب الله تعالى ولا كلام
رسوله صلى الله عليه وسلم ولا كلام أحد من العشرة ولا كلام
أحد من السابقين الاولين من المهاجرين والانصار رضى الله عنهم
، فعد على نفسك باللائمة وقل : لقد ألزمت القوم بما لا يلزمهم
ولو لزمهم [ 186 ] لكان عليك اللوم . ثم قلت عن المتكلمين انهم
يقولون ما يكون على وفق قياس العقول فقولوه وإلا فانفوه والقوم
لم يقولوا ذلك بل قالوا صفة الكمال يجب ثبوتها لله وصفة النقص
يجب نفيها عنه كما قاله الامام أحمد رضي الله عنه قالوا وما
ورد من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم فليعرض على لغة
العرب التي أرسل الله تعالى محمدا بلغتها كما قال تعالى (وما
________________________________________
أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فما فهمت العرب فافهمه ومن جاءك
بما يخالفه فانبذ كلامه نبذ الحذاء المرقع واضرب بقوله حائط
الحش ثم نعقد فصلا ان شاء الله تعالى بعد افساد ما نزع به في
سبب ورود هذه الايات على هذا الوجه فإنه إنما تلقف ما نزع به في
مخالفة الجماعة وأساء القول على المسألة من حثالة الملاحدة الطاعنين
في القرآن وسنبين إن شاء الله تعالى ضلالهم ويعلم إذ ذاك
من هو من فراخ الفلاسفة واليهود ثم لو استحيى الغافل لعرف مقدار
علماء الامة رحمهم الله تعالى ثم هل رأى من رد على الفلاسفة
واليهود والروم والفرس غير هؤلاء الذين جعلهم فراخهم وهل اتكلوا
في الرد على هذه الطوائف على قوم لا عقل لهم ولا بصيرة ولا
ادراك ثم يدرونهم يستدلون على اثبات الله تعالى في الحجاب على
منكره بالنقل وعلى منكري النبوة بالنقل حتى يصير مضغة للماضغ
وضحكة للمستهزئ وشماتة للعدو وفرحا للحسود وفي قصة الحسن بن زياد
اللؤلؤي عبرة للمعتبر ، ثم أخذ بعد هذا في أن الامور العامة
إذا نفيت عنها إنما يكون دلالتها على سبيل الالغاز ، قلنا :
وكذلك المجسم يقول لك دلالة الامور العامة على نفي الجسمية الغاز
ثم قال بعد هذا يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول صلى الله عليه
وسلم يوما من الدهر ولا أحد من سلف الامة هذه الايات والاحاديث
لا تعتقدوا ما دلت عليه فيقال له ما الذي دلت عليه حتى يقولوا
انه لا يعتقد هذا تشنيع بحت ، ثم يقول لك المجسم يا سبحان
الله لم لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من سلف
الامة [ 187 ] ان الله تعالى ليس بجسم ولا قالوا لا يعتقدون من
الاحاديث الموهمة للجسمية ظواهرها ، ثم استدل بقوله صلى الله
عليه وسلم في صفة الفرقة الناجية ومن كان عليه ” مثل ما أنا عليه
اليوم وأصحابي ” قال المدعي فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن
في آيات الاعتقاد فهو ضال وإنما الدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم
________________________________________
فليعلم الناظر أنه هاهنا باهت وتزخرف وتشيع بما لم يعظه فإنه
قد ثبت أن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله
عنهم الكف عن ذلك فما نحن الامرون به وانه هو ليس بساكت بل طريقة
الكلام وأمر الدهماء بوصف الله تعالى بجهة العلو وتجويز الاشارة
الحسية إليه فليت شعري من الموافق رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه ، ولكن صدق القائل رمتني بدائها وانسلت ثم المجسم
يقول له حذو النعل بالنعل ما قاله لنا ونقول له : لم لا قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناجية من قال إن الله في جهة
العلو وان الاشارة الحسية إليه جائزة ؟ فإن قال : هذه طريقة السلف
وطريقة الصحابة ، قلنا : من أين لك هذا ثم لا تأمن من كل
مبتدع أن يدعي ذلك ، ثم أفاد المدعي وأسند أن هذه المقالة مأخوذة
من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين قال : فإن أول من
حفظ عنه هذه المقالة الجعد بن درهم وأخذها عنه جهم بن صفوان
وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه والجعد أخذها عن أبان بن سمعان
وأخذها أبان من طالوت بن أخت لبيد بن الاعصم وأخذها طالوت من
لبيد اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم قال وكان الجعد
هذا فيما يقال من أهل حران ، فيقال له : أيها المدعي ان هذه
المقالة مأخوذة من تلامذة اليهود قد خالفت الضرورة في ذلك فإنه
ما يخفى على جميع الخواص وكثير من العوام أن اليهود مجسمة مشبهات
فكيف يكون ضد التجسيم والتشبيه مأخوذا عنهم . وأما المشركون
فكانوا عباد أوثان وقد بينت الائمة أن عبدة الاصنام تلامذة
المشبهة وأن أصل عبادة الصنم التشبيه فكيف يكون نفيه مأخوذا عنهم
، وأما الصابئة فبلدهم معروف واقليمهم مشهور وهل نحن [ 188
] منه أو خصومنا وأما كون الجعد بن درهم من أهل حران فالنسبة
صحيحة وترتيب هذا السند الذي ذكره سيسأله الله تعالى عنه والله
من ورائه بالمرصاد . وليت لو اتبعه أن سند دعواه وعقيدته أن فرعون
________________________________________
ظن أن إله موسى في السماء ثم أضاف المقالة إلى بشر المزني
وذكر أن هذه التأويلات هي التي أبطلتها الائمة ورد بها على بشر
وأن ما ذكره الاستاذ أبو بكر بن فورك والامام فخر الدين الرازي
قدس الله روحهما هو ما ذكره بشر وهذا بهرج لا يثبت على محك
النظر القويم ولا معيار الفكر المستقيم فإنه من المحال أن تنكر
الائمة على بشر أن يقول ما تقوله العرب وهذان الامامان ما قالا
إلا ما قالته العرب وما الانكار على بشر إلا فيما يخالف فيه
لغة العرب وأن يقول عنها ما لم تقله ثم أخذ بعد ذلك في تصديق عزوته
إلى المهاجرين والانصار رضي الله عنهم وشرع في النقل عنهم
فقال قال الاوزاعي كنا والتابعون متوافرون نقول ان الله تعالى
ذكره فرق عرشه فنقول له أول ما بدأت به الاوزاعي وطبقته ومن بعدهم
، فأين السابقون الاولون من المهاجرين والانصار ؟ وأما قول
الاوزاعي فأنت قد خالفته ولم تقل به لانك قلت ان الله ليس فوق
عرشه لانك قررت أن العرش والسماء ليس المراد بهما الا جهة العلو
، وقلت المراد من فوق عرشه والسماء ذلك فقد خالفت قول الاوزاعي
صريحا ، مع أنك لم تقل قط ما يفهم فإن قررت أن السماء في
العرش كحلقة ملقاة في فلاة فكيف تكون هي بعد ثم من أين لك صحة
هذا النقل عن الاوزاعي وبعد مسامحتك في كل ذلك ما قال الاوزاعي
الله فوق العرش حقيقة ، فمن أين لك هذه الزيادة ؟ ونقل عن مالك
بن أنس والثوري والليث والاوزاعي انهم قالوا في أحاديث الصفات
أمروها كما جاءت فيقال له لم لا أمسكت على ما أمرت به الائمة
بل وصفت الله بجهة العلو ولم يرد بذلك خبر ولو بذلت قراب الارض
ذهبا على أن تسمعها من عالم رباني لم تفرح بذلك بل تصرفت ونقلت
[ 189 ] على ما خطر لك وما أمررت ولا أقررت ولا امتثلت ما نقلته
عن الائمة ، وروى قول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول فليت
شعري من قال انه مجهول بل أنت زعمت أنه لمعنى عينته وأردت أن
________________________________________
تعزوه إلى الامامين ونحن لا نسمح لك بذلك ثم نقل عن مالك انه
قال للسائل الايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك الا مبتدعا
فأمر به فأخرج فيقال له ليت شعرى من امتثل منا قول مالك هل
امتثلناه نحن حيث أمرنا بالامساك وألجمنا العوام عن الخوض في
ذلك أو الذي جعله دراسته يلقيه ويلفقه ويلقنه وبكتبه ويدرسه ويأمر
العوام بالخوض فيه وهل أنكر على المستفتي في هذه المسألة بعينها
وأخرجه كما فعل مالك رضي الله عنه فيها بعينها وعند ذلك
يعلم أن ما قاله عن مالك حجة عليه لاله ثم نقل عن عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أنه قال وقد سئل عما جحدت به
الجهمية . اما بعد : فقد فهمت فيما سألت فيما تتابعت الجهمية .
ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير
وكلت الالسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول دون معرفة قدرته ردت
عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وهي حسيرة وإنما أمروا
بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير وإنما يقال كيف لمن لم يكن
مرة ثم كان ، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل
فإنه لا يعلم كيف (1) هو الا هو وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن
لا يموت ولا يبلى وكيف يكون لصفته لشئ منه حدا ومنتهى يعرفه
عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا
شئ أبين منه . والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن
تحقيق صفة أصغر خلقه فلا تكاد تراه صغيرا يحول ويزول ولا يرى
له سمع ولا بصر بل ما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك
مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم
وسيد السادات وربهم ، ثم نقل عنه الاحاديث الواردة في الصفات وذكر
قوله (والارض جميعا قبضته (1) لا يقال عن الله كيف قال أبو
سليمان الخطابي : والكيفية منفية عن الله وعن صفاته . [ 190 ]
يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) قال فوالله ما دلهم على
________________________________________
عظيم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظرها منهم عندهم
أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم فما وصف من
نفسه فسماه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سميناه كما سماه
لم نتكلف منه صفة ما سواه إلا هذا ولا هذا الا بجحد ما وصف
ولا نتكلف معرفة ما لم يتصف وبسط الماجشون كلامه في تقرير هذا
فنقول لهذا الحاكي نعم الحجة أتيت بها ولكن لنا ونعم السلاح حملت
ولكن للعدى أما كلام عبد العزيز رضي الله عنه وما ذكر من كبرياء
الله وعظمته وانها تحير العقول وتشده الفهوم فهذا قاله العلماء
نظما ونثرا وأنت أزريت على سادات الائمة وأعلام الامة في
ثاني صفحة ترغب بها حيث اعترفوا بالعجز والتقصير وتعيب على ذلك
وعددته عليهم ذنبا وأنت معذور وهم معذورون وجعلت قول عبد العزيز
حجة . وقد ذكرنا في القضية ما يقوله المتكلمون في كل موضع
وأمر عبد العزيز أن يصف الرب بما وصف به نفسه وأن يسكت عما وراء
ذلك وذلك قولنا وفعلنا وعقيدتنا وأنت وصفته بجهة العلو وما وصف
به نفسه وجوزت الاشارة الحسية إليه وما ذكرها ونحن أقررنا الصفات
كما جاءت وأنت جمعت بين العرش والسماء بصفة العلو وقلت :
في السماء حقيقة ، وفي العرش حقيقة فسبحان واهب العقول ، ولكن
كان ذلك في الكتاب مسطورا . ثم ذكر عن محمد بن الحسن اتفاق الفقهاء
على وصف الرب بما جاء في القرآن وأحاديث الصفات فنقول له
: نحن لا نترك من هذا حرفا وأنت قلت أصف الرب تعالى بجهة العلو
وأجوز الاشارة الحسية إليه فأين هذا في القرآن وأخبار الثقات
ما أفدتنا في الفتيا من ذلك شيئا ونقل عن أبي عبيد القاسم بن
سلام رضي الله عنه أنه قال : إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وأنه
قال ما أدركنا أحدا يفسرها فنقول له الحمد لله حصل المقصود
ليت شعري من فسر السماء والعرش وقال : معناهما جهة العلو ومن
ترك تفسيرهما وأمرهما كما جاء ثم نقل عن ابن المبارك رضي الله
________________________________________
[ 191 ] عنه أنه قال يعرف ربنا بأنه فوق سمائه ، على عرشه بائن
من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية انه هاهنا في الارض ، فنقول
له : قد نص عبد الله انه فوق سمائه على عرشه فهل قال عبد الله
ان السماء والعرش واحد وهي جهة العلو ، ونقل عن حماد بن زيد
انه قال هؤلاء الجهمية انما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شئ
فنقول له : أيضا أنت قلت بمقالتهم فإنك صرحت بأن السماء ليى
هي ذاتها بل المعنى الذي اشتقت منه وهو السمو وفسرته بجهة العلو
فالاولى لك أن تنعي على نفسك ما نعاه حماد على الجهمية . ونقل
عن ابن خزيمة أن من لم يقل ان الله فوق سمواته على عرشه بائن
من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب والا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة
لئلا يتأذى به أهل القبلة وأهل الذمة فيقال له : الجواب عن
مثل هذا قد تقدم على أن ابن خزيمة قد علم الخاص والعام حديثه
في العقائد والكتاب الذي صنفه في التشبيه وسماه بالتوحيد ورد الائمة
عليه أكثر من أن يذكر وقولهم فيه ما قالوه له هو في غيره
معروف * ونقل عن عباد الواسطي و عبد الرحمن بن مهدي وعاصم بن
علي بن عاصم نحوا مما نقله عن حماد وقد بيناه ثم ذكر بعد ذلك ما
صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كانت زينب تفتخر على أزواج
النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله
من فوق سبع سموات فنقول : ليس في هذا الحديث أن زينب قالت : إن
الله فوق سبع سموات ، بل إن تزويج الله إياها كان من فوق سبع
سموات * ثم نقل عن أبي سليمان الخطابي ما نقله عن عبد العزيز
الماجشون وقد بينا موافقتنا له ومخالفته لذلك * وحكاه أيضا عن
الخطيب وأبي بكر الاسماعيلي ويحيى بن عمار وأبي إسماعيل الهروي
وأبي عثمان الصابوني ، وحكي عن أبي نعيم الاصبهاني أن الاحاديث
الثابتة في الاستواء يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا
تمثيل ولا تشبيه وهومستو على عرشه في سمائه دون أرضه * وحكاه عن
________________________________________
معمر الاصبهاني وقد بينا لك غير ما مرة أنه مخالف لهذا وأنه
ما قال به طرفة عين إلا ونقضه لان السماء عنده [ 192 ] ليست هي
المعرفة وأن السماء والعرش لا معنى لهما إلا جهة العلو * وحكي
عن عبد القادر الجيلي أنه قال : الله بجهة العلو مستو على عرشه
فليت شعرى لم احتج بكلامه وترك مثل جعفر الصادق والشبلي والجنيد
وذي النون المصري وجعفر بن ابي نصير وأضرابهم رضي الله عنهم
* وأما ما حكاه عن ابي عمر بن عبد البر فقد علم الخاص والعام
مذهب الرجل ومخالفة الناس له ونكير المالكية عليه أولا وآخرا
مشهور ومخالفته الامام المغرب أبي الوليد الباجي معروفة حتى أن
فضلاء المغرب يقولون : لم يكن أحد بالمغرب يرى هذه المقالة غيره
وغير ابن أبي زيد غير أن العلماء منهم من قد اعتذر عن ابن أبي
زيد بما هو موجود في كلام القاضي الاجل أبي محمد عبد الوهاب
البغدادي المالكي رحمه الله ثم إنه قال : إن الله فوق في السماء
على العرش من فوق سبع سموات ولم يعقل ما معنى في السماء على
العرش من فوق سبع سموات ولم إن ابن عبد البر ما تأول هذا الكلام
ولا قال بمقالة المدعي إن المراد بالعرش والسماء جهة العلو
* ثم نقل عن البيهقي رحمه الله ما لا تعلق له بالمسألة وأعاد كلام
من سبق ذكره ثم ذكر بعد ذلك شيخنا أبا الحسن علي بن إسماعيل
الاشعري وأنه يقول الرحمن على العرش استوى ولا نتقدم بين يدي
الله تعالى في القول بل نقول استوى بلا كيف * وهذا الذي نقله
عن شيخنا هو نحلتنا وعقيدتنا لكن نقله لكلامه ما أراد به إلا قصد
الايهام بأن الشيخ يقول بالجهة فإن كان كذلك فقد بالغ في البهت
وكلام الشيخ في هذا أنه قال كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي
فلم يحتج إلى مكان وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه وكلامه
وكلام أصحابه رحمهم الله يصعب حصره في ابطالها . ثم حكى ذلك
عن القاضي أبي بكر وامام الحرمين ثم تمسك برفع الايدي إلى السماء
________________________________________
. وذلك إنما كان لاجل أن السماء منزل البركات والخيرات لان
الانوار إنما تنزل منها والامطار وإذا ألف الانسان حصول الخيرات
من جانب مال طبعه إليه فهذا المعنى الذي أوجب رفع الايدي إلى
السماء . وقال الله تعالى [ 193 ] (وفي السماء رزقكم وما توعدون)
ثم اكتفى بمثل هذه الدلالة في مطالب أصول العقائد فما يؤمنه
من مبتدع يقول الله تعالى في الكعبة لان كل مصل يوجه وجهه
إليها ويقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض أو يقول الله في
الارض فإن الله تعالى قال (كلا لا تطعه واسجد واقترب) والاقتراب
بالسجود في المسافة إنما هو في الارض وقال النبي صلى الله
عليه وسلم ” اقرب ما يكون العبد في سجوده ” . ثم ذكر بعد ذلك ما
أجبنا عند من حديث الاوغال ، وذكر بعد ذلك ما لا تعلق له بالمسألة
وأخذ يقول إنه حكى عن السلف مثل مذهبه وإلى الان ما حكى
مذهبه عن أحد لا من سلف ولا من خلف غير عبد القادر الجيلي ، وفي
كلام ابن عبد البر بعضه ، وأما العشرة وباقي الصحابة رضي الله
عنهم فما ثبت عنهم بحرف ثم أخذ بعد ذلك في مواعظ وأدعية لا تعلق
لها بهذا ثم أخذ في سب أهل الكلام ورجمهم وما ضر القمر من
قبحه وقد تبين بما ذكرناه أن هذا الخبر الحجة ترجم فتياه أنه يقول
ما قاله الله ورسوله والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
ولم ينقل مقالته عن أحد من الصحابة وإذ قد أتينا على إفساد
كلامه وإيضاح إيهامه وإزالة إبهامه ونقض إبرامه وتنكيس أعلامه
فلنأخذ بعد هذا فيما يتعلق بغرضنا وإيضاح نحلتنا فنقول وبالله
التوفيق . على سامع هذه الايات والاخبار المتعلقة بالصفات ما
قررناه من الوظائف وهي التقديس والايمان والتصديق والاعتراف بالعجز
والسكوت والامساك عن التصرف في الالفاظ الواردة وكف الباطن
عن التفكر في ذلك واعتقاده أن ما خفي عنه لم يخف عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا عن الصديق ولا عن أكابر الصحابة رضي
________________________________________
الله عنهم ولنأخذ الان في إبراز اللطائف من خفيات هذه الوظائف
فأقول وبالله المستعان . أما التقديس فهو أن يعتقد في كل آية أو
خبر معنى يليق بجلال الله تعالى مثال ذلك إذا سمع قوله صلى الله
عليه وسلم ” إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ” وكان
النزول يطلق على ما يفتقر إلى جسم عال وجسم [ 194 ] سافل وجسم
منتقل . من العالي إلى السافل وإلى انتقال جسم من علو إلى سفل
ويطلق على معنى آخر لا يفتقر إلى انتقال ولا حركة جسم كما قال
تعالى (وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) مع أن النعم لم تنزل
من السماء بل هي مخلوقة في الارحام قطعا ، فالنزول له معنى
غير حركة الجسم لا محالة وفهم ذلك من قول الامام الشافعي رضي
الله عنه دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت ولم
يرد حينئذ الانتقال من علو إلى سفل ، فليتحقق السامع أن النزول
ليس بالمعنى الاول في حق الله تعالى فإن الجسم على الله محال
وإن كان لا يفهم من النزول الانتقال فيقال له من عجز عن فهم نزول
البعير فهو عن فهم نزول الله عز وجل أعجز فاعلم أن لهذا معنى
يليق بجلاله وفي كلام عبد العزيز الماجشون السابق إلى هذا مرامز
، وكذلك لفظة فوق الواردة في القرآن والخبر فليعلم أن فوق
تارة تكون للجسمية وتارة للمرتبة كما سبق فليعلم أن الجسمية على
الله محال وبعد ذلك ان له معنى يليق بجلاله تعالى . وأما الايمان
والتصديق به فهو أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
صادق في وصف الله تعالى بذلك وما قاله حق لا ريب فيه بالمعني
الذي أراده والوجه الذي أراده وإن كان لا يقف على حقيقته ولا
يتخبطه الشيطان فيقول كيف أصدق بأمر جمل لا أعرف عينه بل يخزي
الشيطان ويقول كما إذا أخبرني صادق أن حيوانا في دار فقد أدركت
وجوده وإن لم أعرف عينه فكذلك ههنا . ثبم ليعلم أن سيد الرسل
صلى الله عليه وسلم قد قال ” لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت
________________________________________
على نفسك ” وقال سيد الصديقين رضي الله عنه العجز عن درك الادراك
إدراك . وأما الاعتراف بالعجز فواجب على كل من لا يقف على حقيقة
هذه المعاني الاقرار بالعجز ، فإن ادعى المعرفة فقد كلف وكل
عارف وإن عرف فما خفي عليه أكثر . وأما السكوت فواجب على العموم
لانه بالسؤال يتعرض لما لا يطيقه فهو إن سأل جاهلا زاده جهلا
وإن سأل عالما لم يمكن العالم إفهامه كما لا يمكن البالغ تعليم
الطفل لذة الجماع وكذلك تعليمه مصلحة البيت وتدبيره بل يفهمه
مصلحته في خروجه إلى [ 195 ] المكتب فالعامي إذا سأل عن مثل
هذا يزجر ويردع ويقال له ليس هدا بعشك فادرجي وقد أمر مالك بإخراج
من سأله فقال ما أراك إلا رجل سوء وعلاه الرحضاء ، وكذلك
فعل عمر رضي الله عنه بكل من سأل عن الايات المتشابهة ، وقال
صلى الله عليه وسلم ” إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال ” وورد
الامر بالامساك عن القدر فكيف الصفات . وأما الامساك عن التصرف
في هذه الاخبار والايات فهو أن يقولها كما قالها الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف فيها بتفسير ولا تأويل
ولا تصريف ولا تفريق ولا جمع ، فأما التفسير فلا يبدل لفظ لغة
بأخرى فإنه قد لا يكون قائما مقامه فربما كانت الكلمة تستعار في
لغة دون لغة وربما كانت مشتركة في لغة دون لغة وحينئذ يعظم الخطب
بترك الاستعارة وباعتقاد أن أحد المعنيين هو المراد بالمشترك
، وأما التأويل فهو أن يصرف الظاهر ويتعلق بالمرجوح فإن كان
عاميا فقد خاض بحرا لا ساحل له وهو غير سابح وإن كان عالما لم
يجز له ذلك إلا بشرائط التأويل ولا يدخل مع العامي فيه لعجز
العامي عن فهمه ، وأما كف باطنه فلئلا يتوغل في شئ يكون كفرا ولا
يتمكن من صرفه عن نفسه ولا يمكن غيره ذلك ، وأما اعتقاده أن
النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك فليعلمه ولا يقس نفسه به ولا
بأصحابه ولا بأكابر العلماء فالقلوب معادن وجواهر . ثم الكلام
________________________________________
بعد هذا في فصلين أحدهما في تنزيه الله تعالى عن الجهة فنقول
: الاول أن القوم إن بحثوا بالاخبار والاثار فقد عرفت ما فيها
وأنهم ما ظفروا بصحابي ولا تابعي يقول بمقالتهم على أن الحق
في نفس الامر أن الرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال وقد
روى أبو داود في سننه عن معاذ رضي الله عنه أنه قال : ” إقبلوا
الحق من كل من جاء به وإن كان كافرا أو قال فاجرا واحذروا زيغة
الحكيم قالوا كيف نعلم أن الكافر يقول الحق ؟ قال : إن على الحق
نورا ، ولقد صدق رضي الله عنه ولو تطوقت قلادة التقليد لم
نأمن أن كافرا يأتينا بمن هو معظم في ملته ، ويقول : إعرفوا الحق
بهذا وإذ قد علمت أن القوم لا مستروح لهم في النقل فاعلم أن
الله سبحانه وتعالى لم يخاطب إلا أولي العقول [ 196 ] والالباب
والبصائر والقران طافح بذلك والعقل هو المعرف بوجود الله تعالى
ووحدته ومبرهن رسالة أنبيائه إذ لا سبيل إلى معرفة إثبات ذلك
بالنقل والشرع قد عدل العقل وقبل شهادته ، واستدل به في مواضع
من كتابه كالاستدلال بالانشاء على الاعادة وقوله تعالى (وضرب
لنا مثلا ونسي خلقه) ولقد هدم الله تعالى بهذه الاية مباحث الفلاسفة
في إنكار المعاد الجسماني واستدل به على التوحيد فقال الله
تعالى : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقال تعالى :
(وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على
بعض) وقال تعالى : (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والارض) وقال
تعالى : (أنظروا ماذا في السموات والارض) وقال تعالى : (قل
إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) وقال
تعالى : (سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم) فيا خيبة من رد
شاهدا قبله الله وأسقط دليلا نصبه الله فهم يلقون مثل هذا ويرجعون
إلى أقوال مشايخهم الذين لو سئل أحدهم عن دينه لم يكن له
قوة على إثباته وإذا ركض عليه في ميدان التحقيق جاء سكيتا ، وقال
________________________________________
سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وفي صحيح البخاري في حديث الكسوف
ما يعرف به حديث هؤلاء في قبورهم وبعد ذلك يقول العقل الذي
هو مناط التكليف وحاسب الله تعالى الناس به وقبل شهادته في نصه
وأثبت به أصول دينه وقد شهد بخبث هذا المذهب وفساد هذه العقيدة
وانها آلت إلى وصفه تعالى بالنقائص تعالى الله عما يقول الظالمون
علوا كبيرا ، وقد نبهت مشايخ الطريق على ما شهد به العقل
ونطق به القرآن بأسلوب فهمته الخاصة ولم تنفر منه العامة وبيان
ذلك بوجوه . (البرهان الاول) وهو المقتبس من ذي الحسب الزكي
والنسب العلي سيد العلماء ووارث خير الانبياء جعفر الصادق رضي
الله عنه قال : لو كان الله في شئ لكان محصورا ، وتقرير هذه الدلالة
أنه لو كان في جهة لكان مشارا إليه بحسب الحس وهم يعلمون
ذلك ويجوزون الاشارة الحسية إليه وإذا كان في جهة مشارا إليه
لزم تناهيه وذلك لانه إذا كان في [ 197 ] هذه الجهة دون غيرها
فقد حصل فيها دون غيرها ولا معنى لتناهيه إلا ذلك ، وكل متناه
محدث لان تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص
فقد ظهر بهذا البرهان الذي تبديه العقول أن القول بالجهة يوجب
كون الخالق مخلوقا والرب مربوبا وأن ذاته متصرف فيها وتقبل
الزيادة والنقصان تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
(البرهان الثاني) المستفاد من كلام الشبلي رضي الله عنه شيخ الطريق
وعلم التحقيق في قوله الرحمن لم يزل والعرش محدث والعرش بالرحمن
استوى وتقريره أن الجهة التي يختص الله تعالى بها على قولهم
تعالى الله عنها وسموها العرش . أما أن تكون معدومة أو موجودة
والقسم الاول محال بالاتفاق ، وأيضا فإنها تقبل الاشارة الحسية
والاشارة الحسية إلى العدم محال فهي موجودة وإذا كانت موجودة
فإن كانت قديمة مع الله فقد وجد قديم غير الله وغير صفاته
، فحينئذ لا يدرى أيهما الاله وهذا خبث هذه العقيدة وإن كانت
________________________________________
حادثة فقد حدث التحيز بالله تعالى فيلزم أن يكون الله قابلا لصفات
نفسية حادثة تعالى الله عن ذلك . (البرهان الثالث) المستفاد
من لسان الطريقة وعلم الحقيقة وطبيب القلوب والدليل على المحبوب
أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه قال : متى يتصل من لا شبيه
له ولا نظير بمن له شبيه ونظير هيهات هيهات هذا ظن عجيب ، وتقرير
هذا البرهان أنه لو كان في جهة . فإما أن يكون أكبر أو مساويا
أو أصغر والحصر ضروري فإذا كان أكبر كان القدر المساوي للقدر
منه للجهة مغايرا للقدر الفاضل منه فيكون مركبا من الاجزاء
والابعاض وذلك محال ، لان كل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره
وكل مركب مفتقر إلى الغير وكل مفتقر إلى الغير لا يكون إلها
وإن كان مساويا للجهة في المقدار والجهة منقسمة لامكان الاشارة
الحسية إلى أبعاضها فالمساوي لها في المقدار منقسم وإن كان أصغر
منها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فإن كان مساويا لجوهر
فرد فقد رضوا لانفسهم بأن إلههم قدر جوهر فرد وهذا لا يقوله عاقل
وإن كان مذهبهم لا يقوله عاقل لكن هذا [ 198 ] في بادئ الرأي
يضحك منه جهلة الزنج وإن كان أكبر منه انقسم فانظروا إلى هذه
النحلة وما قد لزمها تعالى الله عنها . (البرهان الرابع) المستفاد
من جعفر بن نصير رحمه الله وهو أنه سئل عن قوله تعالى (الرحمن
على العرش استوى) فقال استوى علمه بكل شئ فليس شئ أقرب إليه
من شئ وتقرير هذا البرهان أن نسبة الجهات إليه على السوية
فيمتنع أن يكون في الجهة وبيان أن نسبتها إليه على السوية أنه
قد ثبت أن الجهة أمر وجودي فهي إن كانت قديمة مع الله لزم وجود
قديمين متميزين بذاتيهما لانهما إن لم يتميزا بذاتيهما ، فالجهة
هي الله تعالى والله هو الجهة تعالى الله عن ذلك وإن لم تكن
قديمة فاختصاصه بها إما أن يكون لان ذاته اقتضت ذلك فيلزم كون
الذات فاعلة في الصفات النفسية أو غير ذاتية فنسبة الجهات إلى
________________________________________
ذاته على السوية فمرجح جهة على جهة أمر خارج عن ذاته فلزم افتقاره
في اختصاصه للجهة إلى غيره والاختصاص بالجهة هو عين التحيز
والتحيز صفة قائمة بذات المتحيز فلزم افتقاره في صفة ذاته إلى
غيره وهو على الله تعالى محال . ثم اعلم أن هذه البراهين التي
سردناها وتلقيناها من مشايخ الطريق فإنما استنبطناها من الكتاب
العزيز ولكن ليس كل ما في الكتاب العزيز يعرفه كل أحد وكل يغترت
بقدر إنائه وما نقصت قطرة من مائه ولقد كان السلف يستنبطون
ما يقع من الحروب والغلبة من الكتاب العزيز ولقد استنبط ابن
برجان رحمه الله من الكتاب العزيز فتح القدس على يد صلاح الدين
في سنته واستنبط بعض المتأخرين من سورة الروم إشارة إلى حدوث
ما كان بعد ثلاث وسبعين وستمائة ولقد استنبط كعب الاخبار رضي الله
عنه من التوراة أن عبد الله بن قلابة يدخل إرم ذات العماد
ولا يدخلها غيره وكان يستنبط منها ما يجري من الصحابة رضي الله
عنهم وما يلاقيه أجناد الشام وذلك مشهور والله تعالى أنزل في
كتابه ما يفهم أحد الخلق منه الكثير ولا يفهم الاخر منه ذلك ،
وقد تختلف المراتب في [ 199 ] استنباط الاحكام من كلام الفقهاء
والمعاني من قصائد الشعراء فإما ما ورد في الكتاب العزيز مما
ينفي الجهة فتعرفه الخاصة ولا تشمئز منه العامة فمن ذلك قوله تعالى
(ليس كمثله شئ) ولو حصرته جهة لكان مثلا للمحصور في ذلك البعض
وكذلك قوله تعالى : (هل تعلم له سميا) قال ابن عباس رضي الله
عنه : هل تعلم له مثلا ، ويفهم ذلك من القيوم وثناء المبالغة
في أنه قائم بنفسه وما سواه قائم به فلو قام بالجهة لقام بغيره
ويفهم من قوله تعالى المصور لانه لو كان في جهة لتصور فإما
أن يصور نفسه أو يصوره غيره وكلاهما محال ويفهم من قوله تعالى
: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) ولو كان على العرش حقيقة
لكان محمولا ويفهم من قوله تعالى : (كل شئ هالك إلا وجهه) والعرش
________________________________________
شئ يهلك فلو كان سبحانه وتعالى لافي جهة ثم صار في جهة لوجد
التغير وهو على الله محال والمدعي لما علم أن القرآن طافح بهذه
الاشياء وبهذه الاشارات قال هذه الاشياء دلالتها كالالغاز
أو ما علم المغرور أن أسرار العقائد التي لا تحملها عقول العوام
لا تأتي إلا كذلك وأين في القرآن ما ينفي الجسمية إلا على سبيل
الالغاز وهل تفتخر الاذهان إلا في استنباط الخفيات كاستنباط
الشافعي رضي الله عنه الاجماع من قوله تعالى : (ويتغ غير سبيل
المؤمنين) وكاستنباط القياس من قوله تعالى : (فاعتبروا يا أولى
الابصار) وكاستنباط الشافعي خيار المجلس من نهيه صلى الله عليه
وسلم عن البيع على بيع أخيه وزبدة المسألة أن العقائد لم يكلف
النبي صلى الله عليه وسلم الجمهور منها إلا بلا إله إلا الله
محمد رسول الله كما أجاب مالك الشافعي رضي الله عنهما ووكل الباقي
إلى الله وما سمع منه ولا من أصحابه فيها شئ إلا كلمات معدودات
فهذا الذي يخفي مثله ويلغز في إفادته . [ 200 ] (الفصل
الثاني) في إبطال ما موه به المدعي من أن القرآن والخبر اشتملا
على ما يوهم ظاهره ما تنزه الله تعالى عنه على قول المتكلمين
فنقول : قال الله تعالى : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات
محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ)
الاية دلت هذه الاية على أن من القرآن محكم ومنه متشابه والمتشابه
قد أمر العبد برد تأويله إلى الله وإلى الراسخين في العلم
فنقول بعد ذلك إنما لم تأت النبوة بالنص ظاهرا على المتشابه لان
جل مقصود النبوة هداية عموم الناس فلما كان الاكثر محكما وألجمت
العامة عن الخوض في المتشابه حصل المقصود لولا أن يقيض الله
تعالى لهم شيطانا يستهويهم ويهلكهم ولو أظهر المتشابه لضعفت
عقول العالم عن إدراكه . ومن فوائد المتشابه رفعة مراتب العلماء
بعضهم على بعض كما قال تعالى : (وفوق كل ذي علم عليم ” وتحصيل
________________________________________
زيادة الاجور بالسعي في تفهمها وتفهيمها وتعلمها وتعليمها ،
وأيضا لو كان واضحا جليا مفهوما بذاته لما تعلم سائر العلوم بل
هجرت بالكلية ووضح الكتاب بذاته ، ولما احتيج إلي علم من العلوم
المعينة على فهم كلامه تعالى ثم خوطب في المتشابه بما هو عظيم
بالنسبة إليهم وإن كان في الامر أعظم منه كما نبه عليه عبد
العزيز الماجشون في القضية وكما قال تعالى في نعيم أهل الجنة :
(في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب) الاية فهذا عظيم
عندهم وإن كان في الجنة ما هو أعظم منه كما قال صلى الله عليه
وسلم حكاية عن الله عزوجل : ” أعددت لعبادي الصالحين ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ” نسأل الله العظيم
أن يجعل فيها قرارنا [ 201 ] وأن ينور بصيرتنا وأبصارنا وأن يجعل
ذلك لوجهه الكريم بمنه وكرمه ونحن ننتظر ما يرد من تمويهه
وفساده لنبين مدارج زيغه وعناده ونجاهد في الله حق جهاده والحمد
لله رب العالمين . [ 203 ] الرسالة السادسة النصيحة الذهبية
لابن تيمية لشمس الدين محمد الذهبي المتوفى سنة 748 ه‍ عن اصل
منقول من نسخة البرهان بن جماعة التي كتبها من نسخة الحافظ الصلاح
العلائي المأخوذة من خط الذهبي [ 205 ] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ذلتي يا رب ارحمني وأقلني عثرتي . واحفظ علي
ايماني . وآحزناه على قلة حزني . وآأسفاه على السنة وذهاب أهلها
. وآشوقاه إلى اخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء . وآحزناه
على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات
. آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب
الناس وتبا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه ، إلى كم ترى القذاة
في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك ؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك
وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول
صلى الله عليه وسلم لا تذكروا موتاكم إلا بخير فانهم قد أفضوا
________________________________________
إلى ما قدموا بلى أعرف إنك تقول لي لتنصر نفسك : إنما الوقيعة
في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الاسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم وهو جهاد ، بلى والله عرفوا خيرا مما إذا
عمل به العبد فاز وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم و : من حسن
اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، يا رجل بالله عليك كف عنا فانك
محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام ، اياكم والاغلوطات في الدين
، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وفي عن كثرة
السؤال وقال (ان أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)
وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام
فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي
تعمي القلوب ؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود ، فإلى كم تنبش
دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا ، يا رجل قد بلعت
سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات ، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها
الجسم وتكمن [ 206 ] والله في البدن . واشوقاه إلى مجلس فيه
تلاوة بتدبر ، وخشية بتذكر . وصمت بتفكر ، وآها لمجلس يذكر
فيه الابرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، لا عند ذكر الصالحين
يذكرون بالازدراء واللعنة ، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم
شقيقين فواخيتهما بالله خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب
، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسا من الضلال قد صارت هي محض السنة
وأساس التوحيد ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار ومن لم يكفر
فهو أكفر من فرعون ، وتعد النصارى مثلنا ، والله ان في القلوب
شكوك ان سلم لك إيمانك بالشهادتين فانت سعيد يا خيبة من اتبعك
فانه معرض للزندقة والانحلال ، ولا سيما إذا كان قليل العلم
والدين باطوليا شهوانيا لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه وفي
الباطن عدو لك ، بحاله وقلبه فهل معظم اتباعك الا قعيد مربوط
خفيف العقل أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر ،
________________________________________
أو ناشف صالح عديم الفهم ، فان لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل
. يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي
الاخيار ؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالابرار ، إلى كم تعظمها وتصغر
العباد ، إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد ، إلى متى تمدح كلامك
بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين ، يا ليت أحاديث الصحيحين
تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف ، والاهدار
، أو بالتأويل والانكار ، أما آن لك أن ترعوي ؟ أما حان لك أن
تتوب وتنيب ، أما أنت في عشر السبعين وقد حمار شهوتك لمدح نفسك
، إلى كم تصادقها وتعادي الاخيار ؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالابرار
، إلى كم تعظمها وتصغر العباد ، إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد
، إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين
، يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها
بالتضعيف ، والاهدار ، أو بالتأويل والانكار ، أما آن لك
أن ترعوي ؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب ، أما أنت في عشر السبعين
وقد قرب الرحيل . بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري
بمن يذكر الموت ، فما أظنك تقبل على قولى ولا تصغي إلى وعظي بل
لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام
ولا تزال تنتصر حتى أقوالك : والبتة سكت فإذا كان حالك عندي
وأنا الشفوق المحب الواد ، فكيف يكون حالك عند أعدائك ، وأعداؤك
والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة
وجهلة وبطلة
[ 207 ] وعور وبقر ، قد رضيت منك بأن تسبني علانية
وتنتفع بمقالتي سراً (رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي) فاني
كثير العيوب غزير الذنوب ، الويل لي إن أنا لا أتوب ووافضيحتي
من علام الغيوب ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته ، والحمد
لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين .
[ 209 ]
سورة بخط ابن قاضي شهبة نقلا عن خط ابن جماعة نقلا عن خط العلائي المنسوخ من خط الذهبي نفسه . وهذه الصورة موجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم / 18823 ب
________________________________________

الكتاب : التنديد بمَن عدَّد التوحيد المؤلف : السيد حسن بن علي السقاف العلوي الهاشمي

الكتاب : التنديد بمَن عدَّد التوحيد
المؤلف : السيد حسن بن علي السقاف العلوي الهاشمي .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 3
التنديد بمن عدد التوحيد إبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية
تأليف حسن بن علي السقاف القرشي الهاشمي الحسيني الشافعي
دار الإمام النووي
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 4

حسن بن علي السقاف حسن التنديد بمن عدد التوحيد / حسن بن علي السقاف
– عمان : دار الامام النووي .
1 . الاسلام – توحيد 2 . الاسلام – عقيدة أ .
العنوان ( تمت الفهرسة بمعرفة المكتبة الوطنية ) دار الامام النووي عمان – الاردن
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 5
مقدمة
الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على عبده المصطفى ، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه المنتخبين أهل الوفا ، ومن لهم اقتفى .
أما بعد : فهذا جزء لطيف ، ومنار منيف ، أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات ، حيث انتشر هذا التقسيم في هذا الزمان ، وقد دعاني إلى ذلك ما رأيت من بعض من كتب في التوحيد والعقائد إثبات هذا الفرق واستساغته تقليدا من غير استبصار بحقيقة الامر والحال ،
وخصوصا أن هذا التقسيم لا يعرف عند السلف البتة وإنما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري ، فأردت التنبيه عليه لئلا يغتر بهذا التقسيم أحد من طلاب العلم ، فنسأل الله تعالى لنا الاعانة ، فيما توخينا من الابانة .
ولا بد أيضا من التنبيه على القسم الثالث للتوحيد وهو : ( توحيد الاسماء والصفات ) وبيان المراد منه عند من يقول به في هذه الرسالة المختصرة وبالله تعالى التوفيق . ( فاعلم ) : أن تقسيم التوحيد إلى هذه الاقسام الثلاث تقسيم غير صحيح ، تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 6
________________________________________
الطحاوية ابن أبي العز المنسوب للحنفية خطأ الذي رد على صاحب الكتاب الاصلي الامام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه – متن الطحاوية – في التوحيد فزيف ابن أبي العز بعض كلام الامام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى ، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح ،
فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والاجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الوارد في كلام الامام أبي جعفر الطحاوي ، وظن الساعون في نشر هذا الشرح للطحاوية والمروجون له أنهم يستطيعون أن يقنعوا الناس بأنه يمثل عقيدة الاسلام الحقة حيث ستروا وغطوا ما لم يعجبهم من عقيدة الطحاوي رحمه الله تعالى وهي العقيدة المتفق على قبولها وصحتها والتى تمثل عقيدة أهل الحق من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية بهذا الشرح المشحون بالاخطاء والمغالطات المختلفة المتنوعة ! ! ،
وكما قيل : لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل وقد نص ابن أبي العز في شرحه المذكور على هذا التقسيم فقال ( 1 ) : ( فان التوحيد يتضمن ثلاث أنواع : أحدهما الكلام في الصفات ، والثاني : توحيد الربوبية ، وبيان أن الله وحده خالق كل شئ ، والثالث : توحيد الالهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له ) ا ه‍.
فلنبدأ بإثبات تحقيق عدم وجود هذا التقسيم وتفنيد هذه العبارة فنقول وبالله تعالى التوفيق .
( هامش ) *
( 1 ) انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ، بتخريج الالباني ، وتوضيح الشاويش المقرين لما فيها جملة وتفصيلا ، طبع المكتب الاسلامي ، الطبعة السادسة ص ( 78 ) . ( * ) ?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 7
تمهيد
________________________________________
لقد أرسل الله تعالى سيدنا محمدا ص بكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وحث عليها ووعد قائلها ومعتقدها الجنة ، وقد وردت بذلك الايات والاخبار الصحيحة ، منها قول الله تعالى : * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) * محمد : 19 ،
ومنها قوله : * ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا ) * الفتح : 13 ،
وقال النبي ص : ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ( 2 ) ألقاها إلى مريم وروح منه ( 3 ) ، والجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ) رواه البخاري ( 6 / 474 فتح ) ومسلم ( 1 / 57 برقم 46 ) .
وقال ص : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) رواه البخاري ( 1 / 75 فتح ) ومسلم ( 1 / 53 برقم 36 ) .
فمن هذه الايات الكريمة والاحاديث الشريفة يتضح وضوحا جليا أن الله سبحانه بين لنا أن التوحيد هو ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ولم يذكر
* ( هامش ) *
( 2 ) معنى ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) أي : بشارته أرسلها بواسطة الملك إلى السيدة مريم .
( 3 ) معنى ( وروح منه ) أي : منه خلقا وتكوينا ، لا جزءا كما تعتقد النصارى . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 8
الله تعالى في كتابه ، ولا النبي ص في سنته أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات ، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة ، بل ولا أحد من التابعين ، بل ولا أحد من السلف الصالح رضي الله عن الجميع .
________________________________________
بل إن هذا التقسيم بدعة خلفية مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري ، أي بعد زمن النبي ص بنحو ثمانمائة سنة ، ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل ، والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج المتمسلفين بالكفار ، بل تكفيرهم بدعوى أنهم وحدوا توحيد ربوبية كسائر الكفار بزعمهم ! ! ولم يوحدوا توحيد ألوهية – وهو توحيد العبادة الذين يدعونه –
وبذلك كفروا المتوسلين بالانبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالاولياء وكفروا أيضا كثيرا ممن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها ، وكل ذلك سببه ذلك الحراني ، وعلى ذلك سار شارح الطحاوية ابن أبى العز الملقب بالحنفي فخالف الامام الحافظ الطحاوي الحنفي في عقيدته في مواضع عديدة !
منها أن صاحب المتن الامام الطحاوي ينفي الحد عن الله سبحانه والشارح يرد عليه فيثبت الحد ! ومنها أن صاحب المتن ينفي الجهة وينزه الله سبحانه أن يوصف بها والشارح يرد عليه فيثبتها !
حتى قال العلامة علي القاري الحنفي عن شارحها ابن أبي العز في شرح الفقه الاكبر ص ( 172 ) بأنه : ( صاحب مذهب باطل ، تابع لطائفة من المبتدعة ) .
ولا بد أن نبطل هذا التقسيم للتوحيد في هذه المقدمة الصغيرة المتواضعة باختصار تلخيصا للبحث الذي تحويه هذه الرسالة التي سنسلك فيها طريقة :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 9
خير الكلام ما قل ودل ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :
( أولا ) : لا يعرف في الشرع اطلاق اسم موحد على من كفر ولو بجزء من العقيدة الاسلامية وذلك بنص الكتاب والسنة ، بل لا يجوز أن نقول الشرع ما لم يقل ولم يرد ، فلا يحل لنا أن نطلق على من كان يقر بوجود الله ويدرك أنه هو الا له المستحق للعبادة دون أن يذعن ويدخل في هذا الدين بأنه موحد ، بل نطلق عليه أنه كافر ،
________________________________________
بدليل قول الله تعالى : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 . فقد وصفهم الله تعالى بالكذب وبالكفر ، بل وصفهم بصيغة مبالغة وهى : ( كفار ) كما تقول : ضارب وضراب . فكيف يقال إنهم موحدون توحيد ربوبية والله تعالى وصفهم بالكفر صراحة ؟ ! !
( ثانيا ) : هؤلاء الكفار الذين كانوا يقولون فيما وصفهم الله تعالى بقوله : * ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ) * الزمر : 38 ولقمان : 25 ، والذين كانوا يقولون : * ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ) * الزمر : 3 ، ما كانوا يقرون بتوحيد ربوبية لو سلمنا جدلا بقسم توحيد الربوبية ، وما كانوا يقرون بوجود الله تعالى ،
ولذلك أدلة سأوردها الان إن شاء الله تعالى ، وإنما قالوا ذلك عند محاججة النبي ومجادلته إياهم وإفحامه لهم بالادلة التي تثبت وجود الله تعالى وتبطل إلهية ما يعبدون من دون الله سبحانه .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 10
فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه ص أن يجادلهم ويناقشهم في عقيدتهم وباقي أمورهم الفاسدة ليثبت لهم الحق قائلا له :
* ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * النحل : 125 ،
فلما كان ص يثبت لهم وجود الله ووحدانيته وأن لا إله إلا هو سبحانه ويلزمهم بترك عبادة هذه الاصنام التي كانوا يعبدونها ويسجدون لها من دون الله ، كانوا يتحرجون ولا يعرفون بماذا سيجيبون فكانوا يقولون عند سؤال النبي ص لهم : من خلق السموات والارض ؟ : الله . وكانوا يتحججون قائلين * ( ما نعبدهم ) * أي هذه الاوثان * ( إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) *.
وهذا كذب صريح منهم لانهم ما كانوا يعتقدون بوجود الله الذي خلق السموات والارض البتة بدليل أن الله أمرهم في القرآن الكريم أن يتفكروا في خلق السموات والارض ليعرفوا أن لها إلها خلقها وأوجدها فيؤمنوا به ،
________________________________________
قال تعالى : * ( أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت ، والى السماء كيف رفعت ، والى الجبال كيف نصبت ، وإلى الارض كيف سطحت ، فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمصيطر ) * الغاشية : 17 – 22 ،
وقال تعالى : * ( وإلهكم إله واحد ، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون ) * البقرة : 163 – 164 .
فكانوا يردون ما جاء في صدر هذه الايات الشريفة قائلين : * ( أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ) * ص : 5 ، ولو كانوا مقرين بأن الله سبحانه هو خالق السموات والارض وما فيهن ، لما ذكر الله لهم تلك الايات الامرة
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 11
بالتفكر في الابل كيف خلقت وفي الجبال كيف نصبت وفي الارض كيف سطحت وفي السماء كيف رفعت . فقولهم عند سؤال النبي لهم وقت إلزامهم الحجة في المناظرة : من خلق السموات والارض ؟ ! فيقولون : الله .
وقولهم * ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ) * ما هو إلا كذب وكفر بنص القرآن الكريم ، حيث قال الله تعالى في آخر الاية : * ( ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 ،
كما قال سبحانه * ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) * التوبة : 8 . فلا يحل ولا يجوز لانسان أن يستنبط بعد هذا البيان من الايتين * ( ما نعبدهم . . ) * و * ( ولئن سألتهم . . ) * أنهم كانوا موحدين توحيدا يسمى توحيد ربوبية ، بل هذا استنباط معارض لنص القرآن الذي حكم عليهم بالكفر بل بالمبالغة بالكفر ،
ومنه يتبين أنه استنباط سطحي سخيف لا يقول به الا من لم يتعمق في فهم آيات القرآن الكريم وسنة النبي ص وقواعد علم التوحيد المبنية على الكتاب والسنة الصحيحة ، والذي يؤكد ذلك :
________________________________________
( ثالثا ) : أن أولئك الكفار اشتهر عنهم أنهم كانوا يعبدون تلك الاصنام ويحجون لها ويتقربون إليها * ( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ) * يس : 74 ، * ( أفرأيتم اللات والعزى ، ومنوة الثالثة الاخرى ) * النجم : 19 – 20 .
بل واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون : ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر . قال الله تعالى مخبرا لنا عنهم * ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 12
وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) * ( 4 ) الجاثية : 24 .
بل قال للنبي ص أحدهم : * ( من يحي العظام وهي رميم ) * يس : 78 ، فرد الله عليه * ( قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) * يس : 79 .
فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأن الله خالق ومحيي بأنه موحد توحيد ربوبية والله تعالى يقول عنه : * ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * ؟ ! الزمر : 3 .
بل بلغ من كفرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز إذ قال * ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) * الفرقان : 60 ،
فهل هؤلاء يقولون بوجود الرحمن الرحيم ؟ ! ! ولو كانوا يقرون أن الله هو الخالق لما قال الله لهم : * ( وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) * المؤمنون : 91 ، وعبر بالاله أيضا ولم يعبر بالرب إشارة الى أنهم لا يوحدون لا الرب ولا الاله ولان الرب هو الاله ، والاله هو الرب .
( رابعا ) : ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد الى ألوهية وربوبية يقول إن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الالوهية وأن المسلمين
* ( هامش ) *
________________________________________
( 4 ) والحق والواقع أن من ثلث التوحيد وقسمه إلى ثلاثة أقسام أبطل – سواء قصد أم لا – وألغى مثل هذه الايات الثابتة كالجبال في كتاب الله تعالى زيادة على قصده الباطل من هذا التقسيم الذي فيه عدة مخالفات ومحظورات شرعية ! ! فالله تعالى المستعان ! ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 13
الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبية ولم يوحدوا ألوهية ، فهو يكفرهم بذلك ، وهذا مراده من هذا التقسيم .
قال في كتابه ( منهاج السنة ) ( 2 / 62 ) بعد أن دمج وخلط بعض أئمة الاسلام كالسهروردي ( 5 ) وأبي حامد الرازي والامدي وغيرهم بمن يخالفهم في آرئهم من الفلاسفة كأرسطو طاليس والفارابي وابن سينا ما نصه :
( دخلوا في بعض الباطل المبدع ، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الالهية وإثبات حقائق أسماء الله ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الاقرار بان الله خالق كل شئ وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم :
* ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ) * . . ) .
وهذه مغالطة منه وتلبيس ، وهو كلام غلط كما بينا . وهل يعقل عاقل أو يقول إنسان بأن فرعون الذي كان من جملة المشركين كان يوحد ربوبية ولا يوحد ألوهية ؟ ! .
وهو الذي يقول * ( ما علمت لكم من إله غيري ) * القصص : 38 ، كما أنه هو القائل * ( أنا ربكم الاعلى ) * النازعات : 24 ولو كان يقر بالربوبية لما قال : * ( أنا ربكم الاعلى ) * ، بل لقال : ( أنا الهكم الاعلى ) .
* ( هامش ) *
( 5 ) علما بأن السهروردي من علماء أهل السنة والجماعة ، وعنه ينقل أكابر الائمة وعلماء الاسلام العقيدة ، فالامام الحافظ ابن حجر العسقلاني ينقل عنه في الفتح ( 13 / 390 سلفية دار المعرفة ) مذهب السلف الصالح في الصفات ويقول عقب ذلك : قال الطيبي : هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح اه‍. ( * )
?
________________________________________
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 14
ولو تذكر ابن تيمية قول الله تعالى في سورة الاعراف : * ( قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) * الاعراف : 76 ،
وقول سيدنا يوسف عليه السلام * ( ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) * يوسف : 39 ،
وقول سيدنا ابراهيم عليه السلام * ( أإفكا آلهة دون الله تريدون ) * الصافات : 86 ، مع قول الله عزوجل * ( واتخذوا من دون الله آلهة ) * يس : 74 ،
وقول الكفار حينما دعاهم الرسول ص الى كلمة التوحيد * ( أجعل الالهة إلها واحدا ) * ص : 5 لاستحى أن يفوه بذلك ! ومن هذا الايضاح والبيان يتبين بطلان تقسيم التوحيد إلى هذه الاقسام ، بل يتضح أن هذا التقسيم يعارض القرآن وعقيدة الاسلام ، فلا يصح أن يقال : هذا تقسيم تعليمي ، بل يجب أن يقال هذا تقسيم مغلوط معارض للقرآن الكريم .
ويجب أن يعلم كل أحد أن شرح الطحاوية يحوى هذا الخطأ وهذه الاغلاط المتناقضة ، وأن التعويل على مثل هذا الكتاب واعتماد تدريسه ما هو إلا خطأ جسيم لم يتنبه له كثير من المدرسين والطلاب فاحذروه واتقوه وإني لكم منه نذير مبين .
[ تنبيه ] :
اعلم أن متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه الامام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى ، كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح ، ولانه أيضا – أعني الطحاوي – ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنه عقيدة الامام الاعظم أبو حنيفة رضي الله عنه وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبو يوسف رحمهما الله تعالى .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 15
وأما شرحه المنتشر في الاسواق لابن أبي العز ففيه أمور كثيرة مخالفة للكتاب الاصلي – متن الطحاوية – ، وفيه أيضا عقائد فاسدة كإثبات قدم العالم بالنوع وتسلسل الحوادث الى غير أول ( 6 ) ، وإثبات الحد لذات الله تعالى ( 7 ) ،
________________________________________
وإثبات الحرف والصوت لكلامه سبحانه ( 8 ) وقيام الحوادث بذات الله سبحانه ( 9 ) إلى غير ذلك من أخطاء جسيمة ، وأغلاط أليمة ، فتنبهوا .
( هامش ) *
( 6 ) وذلك صفحة ( 129 ) من الطبعة الثامنة / المكتب الاسلامي .
( 7 ) انظر ص ( 219 ) من شرح الطحاوية ، وقد رددنا هذا وأبطلناه في رسالتنا ( التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد ) فارجع إليها .
( 8 ) انظر ص ( 169 ) من شرح الطحاوية .
( 9 ) انظر ص ( 177 ) من شرح الطحاوية . ( * ) ?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 16
فصل هام
بيان أن من اعترف بوجود الله ولم يوحده فهو كافر إجماعا ولا يسمى موحدا توحيد ربوبية بنص القرآن الكريم وتنزلا مع بعض أصحاب العقول ذات التفكير السطحي الضحل وعلى سبيل الجدل المنصوص على جوازه في القرآن الكريم بقوله تعالى : * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) *
أقول : هب أن هناك قسما من الجاهليين أو من أي طائفة من طوائف الكفار فيها أشخاص يقرون ويعترفون في غير مجال المضايقة في المناظرة ، بأن الله هو الخالق المحي المميت ، فإن هذا الاقرار منهم أو هذه المعرفة لا تجعل صاحبها يسمى أو يطلق عليه مؤمنا أو موحدا لا شرعا ولا لغة ولا عرفا البتة ،
أما شرعا فلادلة منها قوله تعالى : * ( ألا لله الدين الخالص ، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 ،
فقد صرح هذا النص لنا بأن الواحد من أولئك مع قوله : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * وتسليمنا جدلا بأنه مقر بقلبه بأنه معترف بوجود الله ! ! وهو ما يسميه الخصم
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 17
( توحيد الربوبية ) ومع ذلك كله أطلق عليه الله تعالى في كتابه كما ترون بأنه * ( كاذب كفار ) * .
________________________________________
وأما اللغة والعرف فلم يرد عن سيدنا رسول الله ص في سنته الواسعة أنه سماهم موحدين للربوبية ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه قال في حقهم أو عنهم ( إيمان دون إيمان ) مثل ما نقل عن بعضهم كابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أنه قال في بعض الامور ( كفر دون كفر ) وهذا مما يؤكد لنا ويدل بأن اللغة التي كان ص وأصحابه ينطقون بها والعرف الذي كان سائدا بينهم يمنعان إطلاق موحد أو توحيد ربوبية على ذلك الانسان .
ثم إن الايمان والتوحيد والعقيدة هو ( ما وقر في القلب وصدقه العمل ) وتعريف الايمان والتوحيد واضح من حديث سيدنا جبريل في السؤال عنه الذي رواه مسلم ، وظاهر في كتب التوحيد التي نصت على أن الايمان أو الدخول في التوحيد هو
( الاتيان بالشهادتين لسانا مع الاقرار القلبي بكل ما جاء عن الله تعالى ورسوله مع الاذعان ) فأين ذلك من ذا ، وبذلك اتضح جليا بطلان ما ذهب إليه المخالف وادعاه ، والله الموفق .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 18
وأما القسم الثالث من التوحيد وهو ما سموه بتوحيد الاسماء والصفات
فقد أشار إليه وذكره ابن تيمية في منهاج سنته ( 2 / 62 ) باسم ( إثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) والمراد من هذا القسم إثبات التشبيه والتجسيم وبيان أنه غير مذموم ،
ولا تستعجب أخي القارئ من ذلك ، واصبر فإنني سأنقل لك ذلك من كتب ابن تيمية مثبتا رقم المجلد والصحيفة .
قال ابن تيمية في كتابه التأسيس ( 1 / 101 ) : ( وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا ؟ ! فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل ، جهل وضلال ) اه‍.
________________________________________
وابن تيمية يقول كما هو ثابت عنه في كتبه وكما هو مشهور : ( لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ) ! ! فنقول له : إذا كنت لا تصف الله إلا بما وصف به نفسه فلماذا تثبت استقرار الله تعالى عما تقول على ظهر بعوضة وتجوزه ، هل هذا هو توحيد الاسماء والصفات أيها الشيخ الحراني ؟ ! وهل هذا مما وصف الله به نفسه ؟ !
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 19
قال ابن تيمية في كتابه ( التأسيس في رد أساس التقديس ) ( 1 / 568 ) : ( ولو قد شاء – الله – لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم ) اه‍.
فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لارائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة ؟ ! ولقد استحى عباد الاوثان والمشركون أن يصفوا آلهتهم بذلك ! !
وهل من توحيد الاسماء والصفات إثبات الحركة لله تعالى كما يقول ابن تيمية في كتابه ( موافقة صريح المعقول ) ( 2 / 4 ) على هامش منهاج سنته وقد نسب ذلك لاهل الحديث والسلف زورا ؟ ! ! وأين وصف الله تعالى نفسه في كتابه بلفظ الحركة ؟ !
وابن تيمية يقول في كتابه التأسيس ( 1 / 101 ) : ( وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا ) اه‍.
ونقول له : بل في كتاب الله وفي سنة رسول الله وفي كلام السلف نفي لذلك ، قال تعالى : * ( ليس كمثله شئ ) * الشورى : 11 ،
وقال * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * الاخلاص : 4 ، وهذا نص صريح في القرآن في تنزيه الله عن الجسمية والتركيب لان الجسم له مكافئ ومماثل ، ولا يصح أن يقال فيه * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 20
________________________________________
وأما السنة : فقد روى الامام الحاكم في المستدرك ( 2 / 540 ) عن أبى بن كعب رضى الله عنه : ( أن المشركين قالوا : يا محمد أنسب لنا ربك . فأنزل الله عزوجل : * ( قل هو الله أحد * الله الصمد ) *
قال : الصمد الذى : * ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) * ، لانه ليس شئ يولد الا سيموت ، وليس شئ يموت الا سيورث وان الله لا يموت ولا يورث ، * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * قال : لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شئ ) .
قال الحاكم : ( صحيح الاسناد ولم يخرجاه ) وقال الذهبي : ( صحيح ) وسكت عليه الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري )
( 13 / 356 ) .
قلت : وهو صحيح . وسيأتى بعد صحيفة ان شاء الله تعالى عن الامام أبى حنيفة ذم التشبيه ، وذكر الحافظ البيهقى في كتابه مناقب الامام أحمد الذى هو من أئمة السلف ورؤساء المحدثين رضى الله عنه ما نصه :
( أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال ان الاسماء مأخوذة من الشريعة واللغة ، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذى طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه خارج عن ذلك كله ، فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل ) . انتهى بحروفه .
وهذا الكلام من الامام أحمد ينسف كلام ابن تيمية نسفا ، وابن القيم تلميذ ابن تيمية يثبت في كتاب ( بدائع الفوائد ) ( 4 / 39 ) أن الله يجلس على
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 21
العرش ، ويجلس بجنبه سيدنا محمد ص وهذا هو المقام المحمود ( 10 ) !
ويثبت في كتابه ( الصواعق المرسلة ) أن لله ساقين ، وأنه إذا لم يذكر الله في كتابه إلا ساقا واحدة فهذا لا ينفي أنه ليس له ساق أخرى فيقول ما نصه :
________________________________________
( هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة ، فمن أين في ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه الا تلك الصفة الواحدة ؟ ( 11 ) وأنت لو سمعت قائلا يقول : كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط ؟ ) اه‍.
فانظر الى هذا التجسيم الصريح وإلى هذا الهراء والهذيان ص ( 31 – 32 ) من ( مختصر الصواعق المرسلة ) ( طبع مكتبة الرياض الحديثة ) وانظر كتاب ( الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ) لابن القيم ( 1 / 245 طبع دار العاصمة الرياض )
وابن القيم متعصب لذلك وسائر على قاعدة شيخه الحراني التي أسسها له في كتابه التأسيس ( 1 / 109 ) حيث قال هناك : ( وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ) ا ه‍! ! .
قلت : ليس كذلك ! ! وأبسط مثال لهدم هذا الكلام غير ما تقدم قبل قليل أن الحافظ الذهبي . ذكر في ( سير أعلام النبلاء ) ( 7 / 202 ) نقلا عن الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال :
* ( هامش ) *
( 10 ) مع أنه ثبت في الصحيحين تفسير المقام المحمود بالشفاعة وارجع إلى تعليقنا على كتاب الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) ص 127 التعليق رقم ( 53 ) .
( 11 ) أعوذ بالله تعالى من هذا الهذيان ! ! ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 22
( أتانا من المشرق رأيان خبيثان : جهم معطل ، ومقاتل مشبه ) اه‍.
فخذ مجدك في التجسيم يا ابن القيم ! ! ولا يهمنك المعارضون من أهل السنة ! ! الذين تلقبهم بالجهمية والمعطلة ! !
وقد أثبت ابن القيم أيضا جنبا لله تعالى عما يقول ! ! واستنبط ذلك من قوله تعالى * ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) * الزمر : 56 ، ففي ( الصواعق المرسلة ) ( 1 / 250 ) و ( مختصر الصواعق ) للموصلي ( 1 / 33 ) ما نصه :
________________________________________
( هب أن القرآن دل على إثبات جنب هو صفة ، فمن أين لك ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ؟ ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل على أنه شق واحد ، كما قال النبي ص لعمران بن حصين : ( صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ) وهذا لا يدل على أنه ليس للمرء إلا جنب واحد ) . اه‍! ! !
قلت : وهل يصح قياس الله سبحانه وتعالى بعمران بن حصين وتشبيهه به ؟ ! وهل يقول أحد من الموحدين أن لله جنبا ؟ ! . والله ما الاتيان بمثل هذا الكلام في الصفات إلا رجوع للوثنية الاولى ف‍* ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) * الصافات : 180 ! ! ! !
وامام ابن تيمية وقدوته في هذه الطامات هو أبو يعلى الحنبلي ( 12 ) الذي كان يقول : ( ألزموني ما شئتم إلا اللحية والعورة ) أي في صفات الله تعالى ! ! كما
* ( هامش ) *
( 12 ) وقد رد على أبي يعلى هذا الحافظ ابن الجوزي في كتابه المشهور ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) وقد حققناه وعلقنا عليه وقدمنا له ما يشفي غليل طالب الحق . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 23
نقل ذلك ابن العربي المالكي في كتابه ( العواصم ) ( 2 / 283 ) وهذا هو توحيد الاسماء والصفات الذي يريدونه والذي يحاولون إثباته وقد أثبتوا هذا التقسيم ليقولوا للناس : إن هذه الصفات التي أثبتناها من أنكر منها شيئا فتوحيده ناقص وغير صحيح ، ويلزم من ذلك أن يكون كافرا ، ليهاب الناس من إنكار هذه الصفات التي ابتدعوها وأطلقوها على الله تعالى خشية أن لا يكونوا قد وحدوا توحيد الاسماء والصفات . فتأمل .
________________________________________
وكتاب أبى يعلى في الصفات المسمى بـ ( ابطال التأويل ) فيه من الطامات والعجائب ما يكفي لاي لبيب أن يحكم على مصنفه أنه ليس معه من الاسلام خبر كما قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) ، ولا معه من تنزيه الله شئ معتبر ، وقد طبع حديثا جزء منه ، بتحقيق أحد البسطاء ، وهو دليل قاطع عند أي قارى لبيب على الوثنية التي يدعو إليها هؤلاء باسم : توحيد الاسماء والصفات .
[ تنبيه مهم جدا ] :
ومما يدل على أن هؤلاء المتمسلفين أتباع ابن تيمية وابن القيم مجسمة أيضا يسيرون على نفس نهج شيخيهما ، مؤلفاتهم المطبوعة والتي تثبت ذلك ، منها كتاب طبع حديثا لمتمسلف وهابي يدعى ( عبد الله بن محمد الدويش ) اسم الكتاب ( المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال ) يسفه فيه الشيخ ( سيد قطب ) ويصفه بالابتداع وأنه جهمي أشعري معتزلي واليك بعض ما يقول هذا المتمسلف :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 24
1 – يقول ص ( 10 ) ما نصه : ( فقد عاب – سيد قطب – قول أهل السنة والجماعة وهذا هو مسلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وسيجئ من كلامه ما يبين أنه سلك مسلكهم ) . اه‍.
2 – ويقول ص ( 19 ) ما نصه : ( وأقول قوله – سيد قطب – في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان ، هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والاشاعرة ، وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه . . ) .
ثم قال بعد ذلك بخمسة أسطر في نفس الصحيفة ذاما أهل البدع بنظره ما نصه : ( ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز . . ) . اه‍
فهو يرى تبعا لابن تيمية وابن القيم أن من صفات الله تعالى الجسم والتحيز ، وأن كلام سيد قطب والاشاعرة الذين ينزهون الله عن التحيز والمكان ويقولون * ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) * الشورى : 11 ، مبتدعة جهميون ، فالله حسيبه وحسيب هذه الطائفة .
________________________________________
وقد قال الامام الحافظ القرطبي في كتابه ( التذكار ) في شأن المجسمه ص ( 208 ) : ( والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الاصنام والصور ) اه‍. وكذلك قال الامام النووي رحمه الله تعالى في ( المجموع ) شرح المهذب
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 25
( 4 / 253 ) . بل أجمعت الامة على تكفير المجسمة كما هو معلوم .
3 – صاحب كتاب ( المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال ) متمسلف وهابي يرى تضليل كل من خالف مشربهم ، يدل على ذلك أنه يقول ص ( 13 ) : ( وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام هذه الدعوة قدس الله روحه . . ) ! ! ! وأنه حيثما ذكر ابن تيمية وصفه بشيخ الاسلام دون باقي العلماء ، فليتدبر أولو الابصار وليستيقظ النائمون .
[ تكميل ] : يجدر بنا في هذا المقام أن نلفت نظر أهل العلم إلى ان ابن أبى العز المنسوب للحنفية ، صاحب شرح الطحاوية الذي خالف عقيدة الامام الحافظ الطحاوي ونصوصه قائل بالتفريق بين توحيد الالوهية والربوبية ، وأن المكتب الاسلامي الذي طبع ذلك الشرح بتوضيح الشاويش مديره ، وتخريج الالباني إمامه وشيخه سابقا ! !
قد وضعوا صورة بعض صفحات مخطوطة شرح الطحاوية ( الباطل ) وتعمدوا أن تكون تلك الصفحات هي التي ذكر فيها توحيد الالوهية وتوحيد الربوبية ( انظر ص 64 من الطبعة الثامنة ) ، ثم إن موضحها الشاويش ، ومحققها ! ! ومخرج أحاديثها ! ! الالباني
وضع على الغلاف الداخلي كلام الامام الحافظ السبكي في قوله عن عقيدة الطحاوي : ( جمهور المذاهب الاربعة على الحق يقرون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول ) ليوهما البسطاء أن هذا الثناء من الامام الحافظ السبكي يشمل أيضا شرحها الذي صنفه ابن أبي العز المنسوب للحنفية ، والحق خلاف ذلك وهذا منهما تدليس وقلب للحقائق من أوجه :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 26
________________________________________
( الاول ) : أن هذا الشرح كتب بعد وفاة الامام السبكي .
( الثاني ) : أن الامام السبكي رحمه الله تعالى لا قيمة لكلامه عند هؤلاء المتمسلفين لانه أشعري العقيدة ، ولانه لا يحب ابن تيمية ويعرف حقيقة أمره وفداحة غلطه وهو محذر منه .
فإيرادهما لكلام الامام الحافظ السبكي هنا هو لايهام البسطاء والمبتدئين وأنصاف المتعلمين أن الامام السبكي يثني على هذا الشرح الذي صنفه ابن أبي العز الملئ بمخالفات عقيدة الاسلام ، كقدم العالم بالنوع ، وإثبات حوادث لا أول لها ، وقيام الحوادث بذات الله تعالى وإثبات الحد له تعالى والجهة وغير ذلك ، وفعلا انطلى هذا التمويه على كثير من الناس وراج الكتاب بسبب ذلك وخصوصا :
( الثالث ) : أن الناشر – الشاويش – قام بأمر شيخه ! وإمامه ! سابقا ! ! الالباني بالتلاعب في ص ( 5 ) من الطبعة الثامنة في الحاشية حيث لم ينقل كلام الامام الحافظ السبكي بتمامه وبحروفه بل حرفه وحذف منه ما سيكون وبالا عليه عند الله تعالى ، ولننقل ما ذكره الناشر هناك ، ثم نردفه بكلام الامام السبكي من كتابه معيد النعم :
قال الناشر ( 13 ) : كلمة العلامة السبكي في كتابه ( معيد النعم ) هي : ( وهذه المذاهب الاربعة – ولله تعالى الحمد – في العقائد واحدة ، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم ، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول ) اه‍ .
* ( هامش ) *
( 13 ) وبصراحة لا يحمل إثم هذا العمل الناشر فحسب إنما يحمل إثم ذلك شيخه المتناقض ! الذي كان يملي على الناشر هذه الافكار . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 27
والامام السبكي يقول حقيقة في كتابه ( معيد النعم ) ص ( 62 ) من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الاولى ( 1986 )
________________________________________
ما نصه : ( وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة – ولله الحمد – في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة ، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبى الحسن الاشعري رحمه الله ،
لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية ، لحقوا بأهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم ، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعريا عقيدة ، وبالجملة عقيدة الاشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة . . . ) اه‍ .
فتأمل بالله عليك كلام الناشر الذي زور كلام الامام الحافظ السبكي وحرفه ، ثم انظر وتأمل في كلام الامام السبكي الحقيقي الذي نقلته لك من كتابه ( معيد النعم ) لتدرك أن هؤلاء المتمسلفين محرفون محترفون عاثوا في كتب التراث وعبارات علماء الاسلام فسادا وإفسادا ( ! ) .
( الرابع ) : والذي يؤكد أنهم محرفون محترفون وخصوصا ناشر الطحاوية وكذلك مخرج أحاديثها ! ! المتناقض ! ! أن الناشر الشاويش حقق بزعمه كتاب ( الرد الوافر ) لابن ناصر الدين الدمشقي الذي رد فيه على الامام العلامة العلاء البخاري رحمه الله تعالى ،
ونقل الشاويش في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور ترجمة العلاء البخاري وأفرط في ذمه ! ونقل جزءا من ترجمته من كتاب ( الضوء اللامع ) للحافظ السخاوي فحرف في النقل حيث قال واصفا العلامة العلاء البخاري بقوله : ( وكان شديد الالتصاق بالحكام ) ! ! !
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 28
علما بأن الكلام الاصلي في كتاب ( الضوء اللامع ) ( 9 / 291 ) للسخاوي هو : ( وإذا حضر عنده أعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو أشد في الاغلاظ ويحضه على إزالة أشياء من المظالم ) اه‍ فتأمل كيف قلب ( وكان شديد الاغلاظ على الحكام ) 180 درجة رأسا على عقب فقال : ( كان شديد الالتصاق بهم ) فالله تعالى المستعان ! ! .
________________________________________
وقد راجعت الشاويش بهذه المسألة وأثبث له أن هذا العمل دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع وتصحيح عبارة (