الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب الإمام الحافظ العلامة أبو الفرج بن الجوزي

الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب1 إبن الجوزي
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الحافظ العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الله بن حماد الجوزي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن الفطر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: (اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه رأيته رجلاً كبير القدر في العلوم، قد بالغ رحمة الله عليه في النظر في علوم الفقه ومذهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه على طريق السلف، فلم يصنف إلا المنقول، فرأيت مذهبه
خالياً من التصانيف التي كثر جنسها عند الخصوم.
فصنفت تفاسير مطولة منها (المغنى مجلدات) و(زاد المسير)، و(تذكرة الأديب)، وغير ذلك.
وفي الحديث: كتباً منها (جامع المسانيد)، و(الحدائق)، و(نفي النقل)، وكتباً كثيرة في الجرح والتعديل، وما رأيت لهم (تعليقه) في الخلاف إلا أن القاضي أبا يعلى قال: كنت أقول ما لأهل المذاهب يذكرون الخلاف مع خصومهم ولا يذكرون أحمد؟ ثم عذرتهم، إذ ليس لنا
تعليقة في الفقه.
قال: فصنفت لهم تعليقة
قلت: وتعليقته لم يحقق فيها بيان الصحة والطعن في المردود، وذكر فيها أقيسة طردية. ورأيت من يلقي الدرس من أصحابنا من يفزع إلى تعليقة الاصطلام أو تعليقة أسعد، أو تعليقة العالمي، أو تعليقة الشريفة استعارات. فصنفت لهم تعاليق منها (كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف) ومنها (جنة النظر وجنة الفطر) ومنها (عمد الدلائل في مشهور المسائل)، ثم رأيت جمع أحاديث التعليق التي يحتج بها أهل المذهب، وبينت تصحيح الصحيح، وطعن المطعون فيه وعملت كتاباً في المذاهب أدخلتها فيه، وسميته (الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب) وصنفت في الفروع كتاب (المذهب في المذهب) وكتاب (سبوك الذهب) وكتاب (البلغة) وكتاب (منهاج الوصول إلى علم الأصول) وقد بلغت مصنفاتي مائتين
وخمسين مصنفاً
ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد. وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس. فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين.
وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس.
وقالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته.
وقال بعضهم: ويتنفس
وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف، وساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل على حقيقته إذا أمكن وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلاً منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام.
فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وأتباع وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: (كيف أقول ما لم يقل).
فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلتم في الأحاديث، تحمل على ظاهرها.
وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى ان الله صفة هي روح ولجت في مريم، ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل. وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئاً قبيحاً حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة.
فصل
قلت وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه:أحدها: أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: (وَنَفَختُ فيهِ مِن رَوحي).
وليس لله صفة تسمى روحاً، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة.
الثاني: أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا: نحملها على ظواهرها، فواعجباً ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له..؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال..
الثالث: أنهم أثبتوا الله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية. (وقال ابن حام: من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ على وجهين، وقال: غالب أصحابنا على تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وإن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم.
قلت: هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل.
الرابع: أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله: (ينزل إلى السماء الدنيا) وبين حديث لا يصح كقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة.
الخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ماأثبتوا بهذا.
السادس: أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).قالوا: هذا ضرب مثل للأنعام.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي) فقالوا: نحمله على ظاهره فواعجباً من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز.
السابع: أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لا كما يعقل. فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث على الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازماً لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل على الدليل، وخصوصاً في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد.
فصل
فإن قال قائل: ما الذي دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بألفاظ موهمة
للتشبيه؟ قلنا: إن الخلق غلب عليهم الحس فلا يكادون يعرفون غيره، وسببه المجانسة لهم في الحديث، فعبد قوم النجوم وأضافوا إليها المنافع والمضار، وعبد قوم النور وأضافوا إليه الخير، وأضافوا الشر إلى الظلمة، وعبد قوم البقر والأكثرون الأصنام فآنست نفوسهم بالحس المقطوع بوجوده ولذلك قال قوم لموسى: (إِجعَل لَنا إِلَهاً) فلو جاءت الشرائع بالتنزيه المحض جاءت بما يطابق النفي فلما قالوا: (صف لنا ربك) نزلت: (قُل هُوَ اللَهُ أَحد) ولو قال لهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا يشغل الأمكنة ولا يحويه مكان ولا جهة من الجهات الست وليس بمتحرك ولا ساكن ولا تدركه الإحساس لو قالوا حد لنا النفي بأن تميز ما تدعونا إلى عبادته عن النفي وإلا فأنت تدعو إلى عدم. فلما علم الحق سبحانه ذلك جاءهم بأسماء يعقلونها من السمع والبصر والحلم والغضب، وبنى البيت وجعل الحجر بمثابة اليمين المصافحة، وجاء بذكر الوجه واليدين والقدم والاستواء والنزول لأن المقصود الإثبات فهو أهم عند الشرع من التنزيه، وإن كان التنزيه منها، ولهذا قال للجارية: أين الله، وقيل له: أيضحك ربنا؟ قال: نعم، فلما أثبت وجوده بذكر صور الحسيان نفى الخيال التشبيه بقوله (لَيسَ كَمثلِهِ شَيء)، ثم لم يذكر الرسول الأحاديث جملة وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان فقد غلط من ألفها أبواباً على ترتيب صورة غلطاً قبيحاً، ثم هي مجموعها يسيرة، والصحيح منها يسير: ثم هو عربي وله التجوز، أليس هو القائل: (تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صاف، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح.
فإن قيل لما سكت السلف عن تفسير الأحاديث وقالوا: أمروها كما جاءت؟ قلت لثلاثة
أوجه:أحدها: أنها ذكرت للايناس بموجود فإذا فسرت لم يحصل الإيناس مع أن فيها ما لا بد من تأويله كقوله تعالى (وَجاءَ رَبُكَ) أي جاء أمره. وقال أحمد بن حنبل: وإنما صرفه إلى ذلك أدلة العقل فإنه لا يجوز عليه الانتقال.
والوجه الثاني: أنه لو تأولت اليد بمعنى القدرة جز أن يتناول معنى القوة فيحصل الخطر بالصرف عما يحتمل.
والثالث: أنهم لو أطلقوا في التأويل اتسع الخرق فخلط المتأول، فإذا سئل العامي عن قوله تعالى: (ثُمَ اِستَوى عَلى العَرش) قيل له: الإستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وإنما فعلنا هذا لأن العوام لا يدركون الغوامض.
فصل
وكان الإمام أحمد يقول: أمروا الأحاديث كما جاءت وعلى هذا من كبار أصحابه كإبراهيم الحربي، وأبي داود الأشرم، ومن كبار أصحابنا أبو الحسن التميمي، وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب، وأبو الوفاء ابن عقيل فنبغ الثلاثة الذين ذكرناهم ابن حامد، والقاضي، والزاغوني.
وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فأفتى فيها فقيل هذا لا يقول به ابن المبارك فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: استخرت الله تعالى في الرد على الإمام مالك. ولما صنف هؤلاء الثلاث كتباً، وانفرد القاضي فصنف الأحاديث التي ذكرتها على ترتيبه، وقدمت عليها الآيات التي وردت في ذلك.
باب ما جاء في القرآن من ذلك
قال الله تعالى: (وَيَبقى وَجهُ رَبِّكَ ذو الجَلالِ وَالإِكرام) قال المفسرون: يبقى ربك، وكذا قالوا في قوله: (يَريدونَ وَجهِهِ). أي يريدونه.
وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله: (كُلُ شَيءٍ هالِك إِلّا وَجهِهِ) أي إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن… صفة تختص باسم زائد على الذات.
قلت: فمن أين قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيان..؟ وذلك يوجب التبعيض، ولو كان كما قالوا: كان المعنى: أن ذاته تهلك إلا وجهه. وقال ابن حامد: أثبتنا لله وجهاً ولا نجوز إثبات رأس. قلت: ولقد اقشعر بدني من جراءته على ذكر هذا فما أعوزه في التشبيه غير الرأس.
قلت: ومن ذلك قوله: (وَلِتَصنع عَلى عَيني).
(وَأصنَع الفَلَك بِأَعيُنِنا)
قال المفسرون: بأمرنا، أي بمرأى منا، قال أبو بكر بن الأنباري: أما جمع العين على مذهب العرب في ايقاعها الجمع على الواحد يقول: خرجنا في السفر إلى البصرة. وإنما جمع لأن عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا. وقد ذهب القاضي إلى أن العين صفة زائدة على الذات وقد سبقه أبو بكر بن خزيمة فقال في الآية: (لِرَبِنا عَينان يُنظر بِهُما).
وقال ابن حامد: يجب الإيمان أن له عينين.
قلت: وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام: وان الله ليس بأعور).
وإنما أراد نفي النقص عنه، ومتى ثبت أنه لا يتجزأ، لم يكن لما يتخيل من الصفات وجه، ومنها قوله تعالى: (لَمّا خَلَقتُ بِيَدي).
اليد في اللغة: بمعنى النعمة والإحسان.
قال الشاعر:
مَتى ما تَناخي عِندَ بابِ بَني هاشم تَريحي فَتَلقى من فَواضِلَهُ يَداً
ومعنى قول اليهود: (يَدُ اللهِ مَغلولَةٌ).أي محبوسة عن النفقة، واليد القوة، يقولون: ما لنا بهذا الأمر من يد، وقوله تعالى: (بَل يَداهُ مَبسوطَتانِ).أي نعمته وقدرته.
وقوله: (لما خلقت بيدي) أي بقدرتي ونعمتي، وقال الحسن في قوله تعالى: (يَدُ اللَهِ فَوقَ أَيديهُم).أي منته وإحسانه. قلت: هذا كلام المحققين.
وقال القاضي: اليدان صفتان ذاتيتان تسميان باليدين، وهذا تصرف بالرأي لا دليل عليه. وقال ابن عقيل: معنى الآية لما خلقت أنا فهو كقوله: (ذَلِكَ بِما قَدَمَت يَداك) أي بما قدمت أنت وقد قال بعض البله: الإضافات إلى الله تعالى: لو لم يكن لآدم مزية على سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال (بِيَدي). ولو كانت القدرة لما كانت له مزية، فإن قالوا القدرة لا تثن. وقد قال بيدي.
قلنا: بلى قال العىبي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة، وقال عروة بن حزام في شعره.
فَقالا شَفاكَ اللَهُ وَاللَهُ مالَنا بِما ضَمَت مِنكَ الضُلوعُ يَدانِ
وقولهم: ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل: (خَلَقنا لَهُم مِما عَمِلَت أَيدينا أَنعاماً).
ولم يدل هذا على تمييز الأنعام على بقية الحيوان قال الله تعالى: (وَالسَماءُ بَنَيناها وَإِنا لَمُوَسِعون) أي بقوة.
ثم قد أخبر أنه نفخ فيه من روحه، ولم يرد إلا الوضع بالفعل والتكوين والمعنى: نفخت أنا، ويكفي شرف الإضافة؛ إذ لا يليق بالخالق سوى ذلك لأنه لا يحتاج أن يفعل بواسطة، فلا له أعضاء وجوارح يفعل بها، لأنه الغني بذاته، فلا ينبغي أن يتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباري سبحانه من التعظيم ينفي الأبعاض والعادات في الأفعال، لأن هذه الأشياء صفة الأجسام، وقد ظن بعض البله أن الله يمس، حتى توهموا أنه مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، وما فطنوا أنه من جملة مخلوقاته جسماً يقابل جسماً فيتحد به ويفعل فيه (ومن السحر من يعقد عقداً فيتغير به حالاً وصفة) أفتراه سبحانه جعل أفعال الأشخاص والأجسام تتعدى إلى الأجسام بعيدة، ثم يحتاج هو في أفعاله إلى معاناة الطين، وقد رد قول من قال هذا بقوله تعالى: (إِن مِثلَ عيسى عِندَ اللَهِ كَمَثَلِ آدم خَلَقَه مِن تُراب ثُمَ قالَ لَهُ كُن فَيَكون)، ومنها قوله تعالى: (وَيُحَذِرَكُم اللَهُ نَفسَهُ).
وقوله تعالى على لسان عيسى: (تَعَلَم ما في نَفسي وَلا أَعلَمُ ما في نَفسك).
قال المفسرون: ويحذركم الله إياه
وقالوا: (تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك).
قال المحققون: المراد بالنفس هاهنا الذات ونفس الشيء ذاته وقد ذهب القاضي إلى أن لله نفساًن وهي صفة زائدة على ذاته. قلت: وهذا قوله لا يستند إلا إلى التشبيه، لأنه يوجب أن الذات شيء والنفس غيرها وحكى ابن حامد أعظم من هذا فقال: ذهبت طائفة في قوله تعالى: (وَنَفِخَت فيهِ مِن رَوحي) إن تلك الروح صفة من ذاته وإنها إذا خرجت رجعت إلى الله تعالى قلت: وهذا أقبح من كلام النصارى فما أبقى هذا من التشبيه بقية. ومنها قوله تعالى: (لَيسَ كَمثلِهِ شَيء).
ظاهر الكلام أن له مثل، فليس كمثله شيء، وليس كذلك، وإنما معناه عند أهل اللغة: أن يقام المثل مقام الشيء نفسه.
يقول الرجل: مثلي لا يكلم مثلك، وإنما المعنى: ليس كهو شيء، ومنها قوله تعالى: (يَومَ يَكشِفُ عِن ساق).
قال (ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة) وجمهور العلماء: يكشف عن شدة، وأنشدوا:
(وقامت الحرب بنا على ساق).
وقال آخرون:
إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا.
قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة الجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
وبهذا قال الفراء وأبو عبيد، وثعلب واللغويون، وروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يكشف عن ساقه).
هذه إضافة إليه معناها: يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعنى يكشف عنها (يزيلها).
وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير. غضب وقال: يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد وقد ذكر أبو عمر الزاهد ان الساق بمعنى (النفس) وقال: ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة: لا حكم إلا لله فقال: لا بد من محاربتهم ولو بلغت ساقي.. فعلى هذا يكون المعنى يتجلى لهم، وفي حديث أبي موسى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (يكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون سجداً، ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون).
فذلك قوله تعالى: (يَومَ يَكشِفُ عَن ساقِ ويَدعونَ إِلى السُجودِ فَلا يَستَطيعون) وقد ذهب القاضي إلى أن الساق صِفة ذاتية. وقال في مثله في (يضع قدمه في النار): وحكى عن ابن مسعود: ويكشف عن ساقه اليمنى فتضيء من نور ساقه الأرض.
قلت: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض وما ذكر عن ابن مسعود محال ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات، ولا يوصف ذاته بنور شعاع نضيء به الأمكنة، واحتجاجه بالإضافة ليس بشيء لأنه إذا كشف عن شدته، فقد كشف عن ساقه، وهؤلاء وقع لهم أن معنى يكشف (يظهر) وإنما المعنى (يزيل ويرفع).
قال ابن حامد: يجب الإيمان بأن لله تعالى ساقاً صفة لذاته، فمن جحد ذلك كفر.
قلت: ولو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحاً، فكيف بمن ينسب إلى العلم؟ فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم ردوا الأمر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقاً للذات، وقدماً حتى يتحقق التجسيم والصورة، ومنها قوله تعالى: (ثُمَ اِستَوى عَلى العَرش).
قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير، فكل سرير ملك يسمى عرشاً، والعرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال الله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَويهِ عَلى العَرش).وقال تعالى: (أَيَكُم يَأتيني بِعَرشِها).
واعلم أن الاستواء في اللغة على وجوه منها: الاعتدال. قال بعض بني تميم فاستوى ظالم العشيرة والمظلوم. أي اعتدلا، والاستواء: تمام الشيء قال الله تعالى: (وَلَما بَلَغَ أَشَدَهُ وَاِستَوى)، أي تم.
والاستواء: القصد إلى الشيء قال تعالى: (ثُمَ اِستَوى إِلى السماءِ).
أي قصد خلقها، والاستواء في الاستيلاء على الشيء قال الشاعر:
قَد اِستَوى بَشَرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيرِ سَيفٍ وَدَم مِهراق
وقال الآخر:
إِذا ما غَزى قَوماً أَباحَ حَريمَهُم وَأَضحى عَلى ما مَلَكوهُ قَد اِستَوى
وروى إسماعيل بن أبي خالد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء.
قلت: وجميع السلف على إمرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل.
قال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله (الرَحمَنُ عَلى العَرشِ اِستَوى) كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع راسه فقال: الرحمن على الرعش استوى كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج.
وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة على مقتضى الحس فقالوا: (استوى على العرض بذاته)، وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من إحساسهم، وهو ان المستوي على الشيء إنما تستوي عليه ذاته، قال أبو حامد: الاستواء مماسته وصف لذاته، والمراد به القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله سبحانه وتعالى على عرشه ما ملأه، وانه يقعد فيه، ويقعد نبيه صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
قال أبو حامد: والنزول انتقال.
قلت: وعلى ما حكى تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة..؟؟
وقيل لابن الزاغوني: هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش..؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدى الذاتين صفة التحت تثبت للأخرى صفة استحقاق الفوق قال: وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا بد من شيء يحصل به الفصل، فلما قال: (ثُمَ اِستوى) علمنا اختصاصه بتلك الجهة.
قال ابن الزاغوي: ولا بد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها.
قلت: وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلاً بين الخالق والمخلوق فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه: إنه ليس بجوهر، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكاناً يتحيز فيه.
قلت: وهنا كلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، ما يستحيل عليه. فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحاذي، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذي أو أصغر أو مثله، وان هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة. فإذا أجازوا هذا عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرنا مستغنياً عن المحل والحيز ومحتاجاً إلى الحيز، ثم قلنا، إما أن يكون مجاورين ومتباين، كان ذلك محالاً.
فإن المتجاور والمتباين من لوازم المتحيز في المتحيزات، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزاً لم يخل إما أن يكون ساكناً في حيازته متحركاً عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين، فقد تناهى ذاتاً، والمتناهي إذا —– بمقدار، استدعى مخصصاً، وكذا ينبغي أن لا يقال، ليس بداخل العالم، وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام. وأما قولهم داخل الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها.
قلنا: ذاته تعالى لا تقبل أن يخلق منها شيء، ولا أن يحل فيها شيء، (والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب على الجواهر ومعنى الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد، وكلام — مبني على الحس، وقد حملهم الحسم على التشبيه والتخليط حتى قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه جهل أيضاً. لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم، (وقال بعضهم: جهة العرش تحاذي ما يقابله من الذات ولا تحاذي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض)، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلى مذهبنا؟ واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: (إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلَمُ الطَيب وَالعَمَل الصالح).
وبقوله: (وَهُوَ القاهر فَوقَ عِبادِهِ).
وجعلوا ذلك فوقية حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال: (فوق عباده) قال: (وهو معكم).
فمن حملهما على العلم، حمل خصمه الاستواء على القهر: أخبرنا علي بن محمد بن عمر الدباس، قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: كان أحمد بن حنبل يقول: الاستواء صفة مسلمة وليست بمعنى القصد ولا الاستعلاء. قال: وكان أحمد لا يقول بالجهة للباري لأن الجهات تخلي عما سواها. وقال ابن حامد: الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته على عرشه وقال: وذهبت طائفة إلى أن الاستواء على عرشه قد ملأه، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه.
قلت: المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقى هذا في التجسيم بقية..؟؟
فصل
(واعلم أن كل من يتصور وجود الحق سبحانه وجوداً مكانياً طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده زمانياً طلب له مدة في تقدمه على العالم بأزمنة وكلا التخييلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوى بالإضافة إلى القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعنى زائداً على ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات. ثم ان كل من هو في جهة يكون مقدراً محدوداً وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة.
فإن قيل: (فقد أخرج في الصحيحين عن شريك عن أبي نمر أنس بن مالك رضي الله عنهم: أنه ذكر المعراج فقال فيه: (فعلا به إلى الجبار تعالى) فقال: (وهو في مكانه يا رب خفف عنا).
فالجواب: ان أبا سليمان الخطابي قال: هذه لفظة تفرد بها شريك، ولم يذكرها غيره وهو كثير التفرد بمناكير الألفاظ، والمكان لا يضاف إلى الله عز وجل، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: مقامه الأول الذي أقيم فيه).
قال الخطابي: وفي هذا الحديث (فاستأذنت على ربي وهو في داره).
توهم مكاناً، وإنما المعنى، في داره التي دورها لأوليائه، وقد قال القاضي: أبو يعلي في كتابه (المعتمد) إن الله عز وجل لا يوصف بالمكان.
فإن قيل: نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا: إن كان الموجود يقبل الاتصال
والانفصال فقد صدقت، فأما إذا لم يقبلهما فليس خلوه من طرق النقيض بمحال.
فإن قيل: أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم.
قلنا: إن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك غلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيئاً إلا على وفق ما رآه لأن الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لان العقل مضطر إلى التصديق بموجب الدليل.
واعلم أنك لما لم تجد إلا حساً أو عرضاً وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزاً أو متحركاً أو متنقلاً، ولما كان مثل هذا الكلام لا يفهمه العامي قلنا: لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه بل يسروه أن لا يساكن الجبال، ويقال إن الله تعالى استوى على عرشه كما يليق به.
ومن الأيات قوله تعالى: (أَءَمَنتُم مَن في السَماء).
قلت: وقد ثبت قطعاً أنها ليست على ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وغذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ومنها قوله تعالى: (يا حَسرَتي عَلى ما فَرَطتُ في جَنبِ اللَه).
أي في طاعته وأمره، أي لأن التفرط لا يقع إلا في ذلك، وأما الجنب المعهود من ذي الجوارح، فلا يقع فيه تفريط، وقال ابن حامد: (نُؤمِنُ بِأَنَ لِلَهُ جَنباً بِهَذِهِ الآية).
قلت: (وآعجباً من عدم العقول، إذا لم يتهيأ التفريط في جنب مخلوق كيف يتهيأ في صفة الخالق وأنشد ثعلب وفسره: (خليلي كفا فاذكر الله في جنبي) أي في أمري..
ومنها قوله تعالى: (فَنَفخنا فيهِ مِن رَوحِنا).
قال المفسرون: أي من رحمتنا.
وإنما نسب الروح إليه، لأنه بأمره كانز ومنها قوله تعالى: (يُؤذونَ اللَه).
قلت: أي يؤذون أولياءه، كقوله تعالى: (وَاَسأَل القَريَةَ) أي أهلها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أحد جبل يحبنا ونحبه).
قال الشاعر:
أَنبَئتَ أَنَّ النارَ بَعدَكَ أَوقَدَت وَاِستَبَ بَعدَكَ يا كُليبَ المَجلِسِ
ومنها قوله تعالى: (هَل يَنظُرونَ إِلا أَن يَأتيهُمُ اللَهُ في ظَللٍ من الغَمامِ) أي بظل.
وكذلك قوله تعالى: (وَجاءَ رَبُكَ).
قلت: قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قال: في قوله تعالى: (يَأَتيهُمُ) قال المراد به: قدرته وأمره، قال: وقد بينه في قوله تعالى: (أَو يَأتي أَمرُ رَبِكَ)، ومثل هذا في التوراة: (وَجاءَ رَبُكَ) قال: إنما هو قدرته.
قال ابن حامد: هذا خطأ، إنما ينزل بذاته بانتقال.
قلت: وهذا الكلام في ذاته تعالى بمقتضى الحس، كما يتكلم في الأجسام، قال ابن عقيل في قوله تعالى: (قُل الروحُ مِن أَمرِ رَبي).
قال: من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق، فكفهم عن الخالق وصفاته أولى. وأنشده:
كَيفيةِ النَفسِ لَيسَ المَرءُ يُدرِكُها فَكَيفَ كَيفيةِ الجَبارِ في القَدَمِ
ذكر الأحاديث التي سموها أخبار الصفات
اعلم أن للأحاديث دقائق وآفات لا يعرفهما إلا العلماء الفقهاء، تارة في نظمها، وتارة في كشف معناها، وسنوضح إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته).
قلت: للناس في هذا مذهبان أحدهما: السكوت عن تفسيره، والثاني: الكلام في معناه، واختلف أرباب هذا المذهب في الهاء على من تعود..؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: تعود على بعض بني آدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يضرب رجلاً وهو يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك. فقال: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته).
قالوا: وإنما اقتصر بعض الرواة على بعض الحديث فيحمل المقتصر على المفسر قالوا: فوجه من أشبه وجهك يتضمن سب الأنبياء والمؤمنين.
إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتدأت خلقته ووجهه على هذه الصورة التي احتذى عليها من بعده، وكأنه نبه على أنك سببت آدم وأنت من أولاده وذلك مبالغة في زجره، فعلى هذا تكون الهاء كناية عن المضروب، ومن الخطأ أن ترجع إلى الله عز وجل بقوله: ووجه من أشبه وجهك فإنه إذا نسب إليه شبه سبحانه وتعالى كان تشبيهاً صريحاً.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته).
القول الثاني: (إن الهاء كناية عن إسمين ظاهرين، فلا يصح أن يضاف إلى الله عز وجل لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة، فعادت إلى آدم، ومعنى الحديث: إن الله خلق آدم على صورته التي خلقها عليها تاماً لم ينقله من نطفة إلى علقة هذا مذهب أبي سليمان الخطابي، وقد ذكره ثعلب في أماليه.
القول الثالث: (إنها تعود إلى الله تعالى) وفي معنى ذلك قولان: أحدهما: أن تكون صورة ملك، لأنها فعله وخلقه، فتكون إضافتها إليه من وجهين: أحدهما: التشريف بالإضافة كقوله تعالى: (وَطَهَرا بَيتي لِلطائِفين).
والثاني: لأنه ابتدعها على غير مثال سابق وقد روي هذا الحديث من طريق ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقبح الوجه فإن آدم خُلق على صورة الرحمن).
قلت: هذا الحديث فيه ثلاثة علل، أحدها: ان الثوري والأعمش اختلفا فيه فأرسله الثوري ورفعه الأعمش.
الثانية: أن الأعمش كان يدلس فلم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة: أن حبيباً كان يدلس فلم يعلم أنه سمعه من عطاء.
قلت: وهذه أدلة توجب وهناً في الحديث ثم هو محمول على إضافة الصورة إليه ملكاً.
والقول الثاني: أن تكون صورة بمعنى الصفة. تقول: هذا صورة هذا الأمر: أي صفته ويكون المعنى خلق آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام فميزه بذلك على جميع الحيوانات، ثم ميزه عن الملائكة بصفة التعالي حين أسجدهم له. وقال ابن عقيل إنما خص آدم بإضافة صورته إليه لتخصيصه وهي السلطنة التي تشاكلها الربوبية استعباداً وسجوداً وأمراً نافذاً وسياسات تعمر بها البلاد ويصلح به العباد وليس في الملائكة والجن من تجمع على طاعته نوعه وقبيله سوى الآدمي.
وإن الصورة هاهنا معنوية لا صورة تخاطيط، وقد ذهب أبو محمد بن قتيبة في هذا الحديث إلى مذهب قبيح فقال: لله صورة لا كالصور فخلق آدم عليها..؟؟ وهذا تخليط وتهافت لأن معنى كلامه: إن صورة آدم كصورة الحق.
وقال القاضي: يطلق على الحق تسمية الصورة لا كالصور، نقض لما قاله، وصار بمثابة من يقول: جسم لا كالأجسام، فإن الجسم ما كان مؤلفاً، فإذا قال: لا كالأجسام نقض ما قال.
الحديث الثاني
روى عبد الرحمن بن عياش – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت: أنت أعلم يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين السموات والأرض).
قال أحمد رضي الله عنه: أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة يرويه معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح، ورواه قتادة عن أنس واختلف على قتادة فرواه يوسف بن عطية عن قتادة ووهم فيه، ورواه هشام عن قتادة عن ابن قلابة عن خالد بن الحلاج عن ابن عباس ووهم في قوله عن ابن عباس وإنما رواه خالد عن عبد الرحمن بن عياش وعبد الرحمن لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما رواه عن مالك بن يخامر عن معاذ. قلت: قد ذكرنا أنه لا يصح، وقال أبو بكر البيهقي: فقد روي عن أوجه كلها ضعيفة وأحسن طرقه تدل على أن ذلك كان في النوم.
وقد روي من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (أتاني آت في أحسن صورة).
فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى..؟ فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعرفت كل شيء يسألني عنه.
وروي من حديث ثوبان قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح، فقال: (إن ربي أتاني اليلة في أحسن صورة فقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري، فتجلى لي ما بين السماء والأرض).
وروي عن أبي عبيد بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما كنت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة).
قلت: وهذه أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت وفي بعضها أتاني آت وذلك يرفع الأشكال، وإن قلنا إنه رآه في اليقظة فالصورة إن قلنا ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى رأيته على أحسن صفاته في الإقبال عليّ والرضى عني، وإن قلنا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى رأيته وأنا على أحسن صورة.
قلت: والعجب مع اضطراب هذه الأحاديث وكون مثلها لا يثبت به حكم في الوضوء وروي ابن حامد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (ولما أسري بي رأيت الرحمن تعالى في صورة شاب أمرد، له نور يتلألأ، وقد نهيت عن وصفه لكم، فسألت ربي أن يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنه عروس حين كشف عن حجابه مستوٍ على عرشه).
قلت: هذا الحديث كذب قبيح. ما روي قط في صحيح ولا في كذب مشهور. فأبعد الله من عمله فقد كنا نقول ذلك في المنام، فذكر هذا في ليلة الإسراء كافأهم الله وجزاهم النار، يشبهون الله بعروس..؟ ما قال هذا مسلم..؟؟ وأما ذكر البرد في الحديث الماضي، فإن البرد عرض، لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وقد ذكر القاضي في كتاب الكفاية عن أحمد: رأيت ربي في أحسن صورة، أي في أحسن موضع.
الحديث الثالث
روت أم طفيل امرأة أبي رضي الله عنهما، أنها سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يذكر، أنه رأى ربه عز وجل في المنام في أحسن صورة، شاباً موقراً، رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب.
قلت: هذا الحديث يرويه نعيم بن حماد بن معاوية قال ابن عدي: كان يضع الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس نعيم بشيء في الحديث. وفي إسناده مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر، قال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله عز وجل؟ وقال مهنى بن يحيى، سئلت أحمد عن هذا الحديث، فأعرض بوجهه وقال: هذا حديث منكر مجهول يعني مروان بن عثمان قال ولا يعرف أيضاً عمارة، وقد روى عبيد الله بن أبي سلمة قال: بعث ابن عمر إلى عبد الله بن عباس هل رأى محمد ربه فأرسل إليه أن نعم قد رآه فرد الرسول إليه كيف رآه؟ قال: رآه على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة في صورة رجل.
قلت: وهذا الحديث تفرد به إسحاق وكذبه جماعة من العلماء وفي رواية عن ابن عباس (رآه كان قدميه على خضرة دونه ستر من لؤلؤ).
قلت: وهذا يرويه أبو إبراهيم بن الحكم بن ابان وقد ضعفه يحيى بن معين وغيره وفي رواية ابن عباس – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي أجعد أمرد عليه حلة خضراء).
قلت: وهذا يروى عن طريق حماد بن سلمة وكان ابن أبي العوجاء لزنديق ربيب حماد، وكان يدس في كتبه هذه الأحاديث، على أن هذا كان مناماً والمنام خيال.
ومثل هذه الأحاديث لا ثبوت لها، ولا يحسن أن يحتج بمثلها في الوضوء، فقد أثبت بها القاضي صفات الله تعالى فقال: قوله: شاب، وأمرد، وجعد، وقطط، والفراش والنعلان والتاج. قال: ثبت ذلك تسميد لا يعقل معناها، وليس في إثباتها أكثر من تقريب المحدث من القديم وذلك جائز كما روي (يدني عبده إليه) يعني يقربه إلى ذاته.
ومن يثبت بالمنام، وبما لا يصح نقله صفات، وقد عرفنا معنى الشاب والأمرد ما هو.
ثم يقول: ما هو كما نعلم، كمن يقول: قام فلان وما هو قائم، وقعد وليس بقاعد.
قال ابن عقيل: هذا الحديث مقطوع فإنه كذب، ثم لا تنفع ثقة الرواة إذا كان المتن مستحيلاً، وصار هذا كما لو أخبرنا جماعة من المعدلين: بأن جمل بالبزاز دخل في خرم إبرة الخياط. فإنه لا حكم لصدق الرواة مع استحالة خبرهم.
الحديث الرابع
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (انتهيت ليلة أسري بي إلى السماء فرأيت ربي، فرايت كل شيء من ربي، حتى لقد رأيت تاجاً مخوصاً من لؤلؤ).
قلت: هذا يرويه أبو القاسم عبد الله بن محمد بن اليسع عن القاسم بن إبراهيمز قال الأزهري: كنت أقعد مع ابن اليسع ساعة فيقول: (قد ختمت الختمة منذ قعدت وقاسم ليس شيء).
قال الدارقطني: هو كذاب.
قلت: كافأ الله عن عمل مثل هذا الحديث.
الحديث الخامس
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتهم الله عز وجل في غير الصورة التي كانو يعرفون فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: أنت ربنا…؟ وفي الصحيحين من حديث ابن سعيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: فيأتيهم الجبار في غير صورة رأوه فيها أول مرة.
فيقول أنا ربكم، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقال: هل بينكم وبينه آية تعرفونها..؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن).
قلت: إعلم أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله سبحانه وتعالى، لا تجوز عليه الصورة التي هي هيئة وتأليف.
قال أبو سليمان الخطابي: معنى (فيأتيهم الله) أي يكشف الحجاب لهم حتى يرونه عياناً كما كانوا عرفوه في الدنيا استدلالاً.
وأما الصورة فتتأول على وجهين أحدهما: أنها بمعنى الصفة، يقال صورة الأمر كذا.
والثاني: أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور يخرج الكلام على نوعين من المطابقة، وقوله (في غير صورة رأوه فيها) دليل على أن المراد بالصورة الصفة لأنهم ما رأوه قبلها فعلمت أن المراد الصفة التي عرفوه فيها.
وقال غيره من العلماء: يأتيهم بأهوال القيامة، وصور الملائكة، ما لم يعهدوا مثله في الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربناه عرفناه، أي أتى بما يعرفونه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون فيكشف عن ساق: أي عن شدة كأنه يرفع تلك الشدائد المهولة، فيسجدون شكراً، وقال بعضهم: صورة يمتحن إيمانهم بها، كما يبعث الدجال فيقولون: نعوذ بالله منك.
وفي حديث أبي موسى عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن الناس يقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا فيقال: وتعرفونه إذا رأيتموه…؟ فيقولون: نعم فيقال: كيف تعرفونه ولم تروه…؟ فيقولون: إنه لا شبيه له، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله عز وجل فيخرون سجداً، قال ابن عقيل: الصورة على الحقيقة تقع على الأشكال والتخاطيط، وذلك من صفات الأجسام، والذي صرفنا عن كونه جسماً. الأدلة القطعية كقوله: (لَيسَ كَمَثَلِهِ شَيء).
ومن الأدلة العقلية: أنه لو كان جسماً لكان صورة وعرضاً، ولو كان حاملاً الأعراض، جاز عليه ما يجوز على الأجسام، وافتقر إلى صانع، ولو كان جسماً مع قدمه، جاز عليه ما يجوز على الأجسام، وافتقر إلى صانع، ولو كان جسماً مع قدمه، جاز قدم أحدنا، فاحوجتنا الأدلة إلى تأويل صورة تليق أضافتها إليه، وما ذلك إلا الحال الذي يوقع عليه أهل اللغة اسم صورة فيقولون كيف صورتك مع فلان؟ وفلان… على صورة من الفقر. والحال التي أنكروها العنف، والتي يعرفونها اللطف. فيكشف عن الشدة، والتغيرات أليق بفعله، فإما ذاته، فتعالى عن التغيير. نعوذ بالله أن يحمل الحديث على ما قالته المجسمة إن الصورة ترجع إلى ذاته، فإن في ذلك تجويز التغير على صفاته. فخرجوه في صورة إن كانت حقيقة، فذلك استحالة. وإن كانت تخيلاً فليس ذلك هو، إنما يريهم غيره.
الحديث السادس
روى مسلم في صحيحه من حديث المغيرة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ولا شخص أحب إليه المدحة من ال
قلت: لفظة الشخص يرويها بعض الرواة، ويروي بعضهم (لا شيء أغير من الله).
والرواة يروون بما يظنون به المعنى فيكون ذلك الشخص من تغيير الرواة، (والشخص لا يكون إلا جسماً مؤلفاً، وسمي شخصاً فإن له شخوصاً وارتفاعاً والصواب أنه يرجع ذكر الشخص إلى المخلوقين لا أن الخالق يقال له شخص، ويكون المعنى (ليس منكم أيها الأشخاص أغير من الله)، لأنه لما اجتمع الكل بالذكر، سمي بأسمائهم، ومثل هذا قول ابن مسعود: (ما خلق الله من جنة ولا نار أعظم من آية الكرسي).
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الخلق يرجع إلى الجنة، والنار إلى المخلوق لا إلى القرآن ومن هذا الجنس قوله تعالى (الجَنةَ يَومَئذ خَيرَ مُستَقراً وَأَحسنَ مَقيلاً) ومعلوم أن أهل النار لا مستقر لهم ولا مقيل. ويمكن أن يكون هذا من باب المستثنى من غير الجنس كقوله تعالى: (ما لَهُم بِهِ مِن عِلم إِلا اِتباع الظَن). وقد أجاز بعضهم إطلاق الشخص على الله تعالى وذلك غلط لما بيناه.
وأما الغيرة: فقد قال العلماء: كل من غلب من شيء اشتدت كراهيته له، فلما حرم الفواحش وتوعد عليها وصفه رسوله بالغيرة.
الحديث السابع
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض). المعنى مقدار قبضته وليست على ما يتصور من قبضات المخلوقين فإن الحق منزه عن ذلك.
وإنما أضيفت القبضة إليه لأن أفعال المملوك نسب إلى المالك، وذلك أنه بعث من قبض كقوله تعالى: (فَطَمَسنا أَعيُنُهُم).
وقد روي محمد بن سعد في كتاب الطبقات: أن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض فخلق من آدم فمن ثم قال (أَأَسجُد لِمَن خَلَقتُ طيناً).
قال القاضي لا يمتنع إطلاق اسم القبض إليه وإضافة القبضة لا على معنى الجارحة ولا على المعالجة والممارسة.
قلت: فيقال له: أطلقت وما تدري.
قال أبو عمر الزاهد: الجبار ها هنا الطويل، يقال: نخلة جبارة.
قال ابن قتيبة: الجبار ههنا الملك، والجبابرة الملوك.
قال القاضي: نحمله على ظاهره. وان الجبار هو الله تعالى، لانا لا نثبت ذراعاً هو جارحة.
قلت: واعجباً اذ ذهبت العقول على هذا الحد؟ قال: ويجوز ان يقال: إن الذراع إثنان وأربعون مرة، حتى يبلغ جلد الكافر، ويضاف إلى الذات القديم، ثم قال: ليس بجارحة، فإذا لم يكن جارحة كيف ينشئ أربعين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الحديث الثامن
روى القاضي عن مجاهد أنه قال: إذا كان يوم القيامة يذكر داود سعيد، فقرصها قرصة شديدة فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن آدم أوجعتني.
فقال: ذلك أردت ان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن الله لما قضى خلقه، استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى، ثم قال: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا).
قال أبو سعيد: لا جرم لا أفعله هذا).
قال أبو سعيد: لا جرم لا أفعله أبداً.
قلت: وقد رواه عبد الله بن أحمد عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصاغاني قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن سعيد بن الحارث عن عبيد الله بن حنين قلت:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وما رأيت هذا في الحديث في ديوان من دواوين الشريعة المعتمد عليها. وكان أحمد بن حنبل يذم إبراهيم بن المنذر ويتكلم فيه، وقال زكريا الساجي عنده مناكير، وقال يحيى بن معين: فليح ليس حديثه بالجائز. وقال مرة: هو ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي.
وأما عبيد بن حنين فقال البخاري، لا يصح حديثه في أهل المدينة، وقال أبو بكر البيهقي: إذا كان فليح مختلف في جواز الاحتجاج عند الحفاظ لم يثبت بروايته مثل هذا الأمر العظيم قال: وفي الحديث علة أخرى، وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة. وله خمس وسبعون سنة، في قول الواقدي، فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة. وقول الراوي: فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد لا يرجع إلى عبيد بن حنين وإنما يرجع إلى من أرسله عنه ونحن لا نعرفه قال: ولا نقبل المراسيل في الأحكام فكيف هذا الأمر العظيم.
فقال أحمد: ثم لو صح طريقه احتمل أن يكون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حدث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم، فلم يفهم قتادة إنكاره عليهم.
قلت: ومن هذا الفن حديث رويناه، أن الزبير سمع رجلاً يحدث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاستمع له الزبير حتى إذا قضى الرجل حديثه، قال له الزبير: (أنت سمعت هذا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -..؟ قال: نعم، قال: هذا وأشباهه يمنعنا أن نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: لعمري سمعت هذا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ابتدأ بهذا الحديث. فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت يومئذ بعد انقضاء صدر الحديث، وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت به أنه من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
قلت: وغالب الظن أن الإشارة في حديث الزبير إلى حديث قتادة، فإن أهل الكتاب قالوا: إن الله تعالى لما خلق السموات والأرض استراح فنزل قوله تعالى: (وَما مَسَنا مِن لَغوب).
فيمكن أن يكون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حكى ذلك عنهم، ولم يسمع قتادة أول الكلام.
وقد روى عبد الرحمن بن أحمد في كتاب السنة عن أبي سفيان قال: (رأيت الحسن قد وضع رجله اليمنى على شماله وهو قاعد، فقلت: يا أبا سعيد تكره هذه العقدة.؟ فقال: قاتل الله اليهود ثم قرأ: (وَلَقَد خلَقنا السَمواتِ وَالأرض وَما بَينَهُما في سِتَةِ أَيام وَما مَسَنا من لَغوب) فعرفت ما عنى فامسكت.
قلت: وإنما أشار الحسن إلى ما ذكرنا عن اليهود.
قلت: إنما أشار الحسن إلى ما ذكرناه عن اليهود. وروينا عن العوام بن حوشب قال: سألت أبا مجلز عن رجل يجلس فوضع إحدى رجليه على الأخرى قال: لا بأس وانما ذكره ذاك اليهود زعموا ان الله عز وجل خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
قلت: وقد تأول بعض العلماء الحديث الذي نحن فيه على تقدير الصحة فقال: معنى استلقى أتم خلقه، وفرغ يقال فلان بنى لفلان داره واستلقى على ظهره أي لم يبق له فيها عمل. وقوله: وضع رجلاً على رجل أي وضع بعض المخلوقات على بعض، وذهب القاضي إلى جعل الاستلقاء صفة وان وضع رجلاً على رجل ثم قال: لا على وجه يعقل معناه. قال: ويفيد الحديث إثبات رجلين.
قلت: ولو لم يعقله ما أثبت رجلين ولم نثبت بمثل هذا الحديث المعلول، ولو لم يكن معلولاً لم نثبت صفة باخبار احاد ولم لم يعقل معناه ما قال لا يصلح للبشر ولا كان يقع هي وانما النهي أشبه ما بين الفعلين.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، أنهم كانوا يستلقون ويضعون رجلاً على رجل وإنما يكره هذا لمن لا سراويل له.
الحديث التاسع
روى القاضي عن ابن عطية ان رجلاً من المشركين سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمل عليه رجل من المسلمين فقاتله وقتل الرجل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تعجبون من نصر الله ورسوله لقي الله متكئاً فقعد له).
قلت: هذا حديث مقطوع بعيد الصحة، ولو كان له وجه كان المعنى: فاقبل عليه وأنعم.
الحديث العاشر
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لا تزال جهنم يلقي فيها وتقول: هل من مزيد..؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتمتلئ).
قلت: الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا تتبعض ولا يحويها مكان ولا توصف بالتغير ولا بالانتقال.
وقد حكى أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري أنه قال: القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها، وقال الأمام ابن الأعرابي: القدم المتقدم، وروى أبو بكر البيهقي عن النضر بن شميل أنه قال: القدم ههنا الكفار الذين سبق في علم الله أنهم
من أهل النار.
وقال: أبو منصور الأزهري، القدم هم الذين قدم الله بتخليدهم في النار فعلى هذا يكون في المعنى وجهين أحدهما: كل شيء قدمه.
يقال: لما قدم، ولما هدم هدم ويؤيد هذا قوله في تمام الحديث (وأما الجنة فينشئ لها خلقاً).
ووجه ثان: إن لكل قادم عليها سمي قادماً، فالقدم جمع قادم.
فبعض الرواة رواه بما يظنه المعنى من ان المقدم الرجل، وقد رواه الطبراني من طرق، فقال: قدمه ورجله قلت: وهذا دليل على تغير الرواة بما يظنونه على أن الرجل في اللغة جماعة.
ومن يرويه بلفظ الرجل فإنه يقول: رجل من جراد. فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم رجل الجراد، فيسرعون التهافت فيها.
قال القاضي: القدم صفة ذاتية. وقال ابن الزاغوني: نقول إنما وضع قدمه في النار ليخبرهم أن أصنافهم تحترق وأنا لا أحرق. قلت: وهذا اثبات تبعيض، وهو من أقبح الاعتقادات.
قلت: ورأيت أبا بكر بن خزيمة قد جمع كتاباً في الصفات وبوبه فقال: باب إثبات اليد،
باب امساك السموات على أصابعه، باب إثبات الرجل وإن رغمت انوف المعتزلة ثم قال: قال الله تعالى: (أَلَهُم أَرجُلٌ يَمشونَ بِها أَم لَهُم أَيدٍ يَبطُشونَ بِها).
فأعلمنا أن من لا يد له ولا رجل فهو كالأنعام.
قلت: واني لأعجب من هذا الرجل مع علو قدره في علم النقل، يقول هذا ويثبت الله ما ذم الأصنام بعدمه من اليد الباطشة والرجل الماشية، ويلزمه أن يثبت الأذن، ولو رزق الفهم ما تكلم بهذا، وأفهم ان الله تعالى عاب الأصنام عند عابديها، والمعنى: لكم أيد وارجل فكيف عبدتم ناقصاً ولا يد له يبطش ولا رجل يمشي بها.
قال ابن عقيل: تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة، هذا عين التجسيم، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها، ثم أنه لا يعمل في النار أمره وتكوينه حتى يستعين بشيء من ذاته ويعالجها بصفة من صفاته وهو القائل.
(كوني بَرداً وَسَلاماً).
فما أسخف هذا الاعتقاد وأبعده عن مكون الأملاك والأفلاك فقد نطق بتكذيبهم فقال تعالى: (لَو كانَ هَؤُلاء آلهة ما وردوها).
فكيف يظن بالخالق أنه يردها..؟ تعالى الله عن تجاهل المجسمة.
الحديث الحادي عشر
روى أبو هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ضرس الكافر مثل أحد، وكثافة جلده إثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار).الحديث الثاني عشر
روى سليمان قال: إن الله تعالى لما خمر طينة آدم ضرب بيده فيه، فخرج كل طيب في يمينه، وكل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، فمن ثم يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي).
قلت: وهذا مرسل وقد ثبت بالدليل أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بمس شيء، فإن صح فضرب مثل لما جرت به الأقدار.
وقال القاضي: تخمير الطين وخلط بعضه ببعض مضاف إلى اليد التي خلق بها آدم.
قلت: وهذا التشبيه المحض..؟
الحديث الثالث عشر
روى عبيد بن حنين قال: بينما أنا جالس في المسجد، إذ جاء قتادة بن النعمان فجلس يتحدث ثم قال: (انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أخبرت أنه قد اشتكى، فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد فوجدناه مستلقياً واضعاً رجله اليمنى على اليسرى، فسلمنا عليه وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رجل أبي ذنبه فيقول الله: (كن أمامي، فيقول: يا رب ذنبي، فيقول: كن خلفي، فيقول: يا رب ذنبين فيقول: خذ بقدمي).
قال: وفي لفظ عن ابن سيرين قال الله تعالى: (ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه).
قلت: والعجب من إثبات صفات الحق سبحانه وتعالى بأقوال التابعين، وما تصح عنهم ولو صحت فإنما يذكرونها عن أهل الكتاب، كما يذكر وهب بن منبه.
قال القاضي: نحمله على ظاهره، لأنا لا نثبت قدماً ولا فخذاً هو جارحة وكذلك لا نثبت الإمام. قلت: واعجباً لقد كملوا هيئة البدن باثبات فخذ وساق، وقدم، ووجه، ويدين وأصابع، وخنصر وابهام وجنب، وحقو وصعود ونزول، ويقولون تحمل على ظاهرها وليست جوارح، وهل يجوز لعاقل ان يثبت لله تعالى خلفاً وإماماً وفخذاً..؟ ما ينبغي أن يحدث هؤلاء.
ولا نا قد عرفنا الفخذ فيقال: ليس بفخذ، والخلف ليس بخلف، ومثل هؤلاء لا يحدثون، فإنهم يكابرون العقول، وكأنهم يحدثون الأطفال.
الحديث الرابع عشر
روى البخاري ومسل في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يضحك الله من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة).
وفي إفراد مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آخر من يدخل الجنة وضحك، فقيل: مم تضحك..؟ فقال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئي بي..).
قلت: اعلم ان الضحك له معان ترجع إلى معنى البيان والظهور، وكل من أبدى من أمر كان مستوراً قيل قد ضحك. يقال: ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر ما فيها، وانفتحت عن زهره، كما يقال: بكت السماء.
قال الشاعر:
كُلُ يَومٍ بِالاقحُوانِ جَديد تَضحَكُ الأَرضَ مِن بَكاء السَماء
وكذلك الضحك الذي يعتري البشر إنما هو انفتاح الفم عن الإنسان، وهذا يستحيل
على الله تعالى فوجب حمله على ابداء الله كرمه، وإبانة فضله. ومعنى: ضحكت لضحك ربي، أبديت عن أسناني بفتح فمي، لإظهار فضله وكرمه وقول الآخر: لن نعدم من رب يضحك خيراً، أي يكشف الكرب، فرقاً بينه وبين الأجسام التي لا يرجى خيرها.
قلت: وهذا تأويل جماعة من العلماء، وقال الخطابي: معنى ضحك الجبار عز وجل عن الرضى وحسن المجازاة.
وقد روي في حديث موقوف: (فضحك حتى بدت لهواته وأضراسه) ذكره الخلال في كتاب السنة. وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في هذا الحديث..؟ قال: هذا بشع.
قال: ثم على تقدير الصحة يحتمل امرين: أحدها: أن يكون ذلك راجعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه ضحك حين أخبر بضحك الرب، حتى بدت لهواته وأضراسه، كما روي أنه ضحك حتى بدت نواجذه، وهذا هو الصحيح لو ثبت الحديث. وإنما هو مقطوع.
الثاني: أن يكون تجوزاً من كثرة الكرم وسعة الرضا، كما جوز بقوله: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).
قال القاضي: لا يمتنع الأخذ بظاهر الأحاديث في امرارها على ظواهرها من غير تأويل. لأنا لا نثبت ضحكاً هو فتح الفم ولا أضراساً ولهوات وجوارح وأبعاضاً.
قلت: واعجباً قد أثبت الله صفات بأحاديث وألفاظ لا تصح.
قال أحدهم وإذا لم يثبته ضحكاً معقولاً فقد تأول ولا يدري، وواعجباً قد عرف ان الضحك يشار به إلى الفضل والإنعام. فالأضراس ما وجهها؟ والله لو رويت في الصحيحين وجب ردها، فكيف وما ثبتت أصلاً، وقد روى أحمد لو ان الناس اعتزلوهم يعني الأمراء فقال: اضرب على هذا وهذا الحديث في الصحيحين فكيف بحديث لا يثبت يخالف المنقول والمعقول. ومن أثبت الأضراس صفة فما عنده من الإسلام خبر.
الحديث الخامس عشر
روى القاضي أبو يعلى: عن عبد الله بن عمر موقوفاً أنه قال: لما خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر.
قلت: وقد أثبت به القاضي ذاراعين وصدراً لله عز وجل.. وقال: ليس بجوراح، وهذا قبيح، لأنه حديث ليس بمرفوع ولا يصح، وهل يجوز ان يخلق مخلوق من ذات الله القديم..؟ هذا أقبح مما ادعاه النصار..؟؟
الحديث السادس عشر
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله يدني عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه ويقول: أتعرف ذنب كذا).
قال العلماء: يدينه من رحمته ولطفه. وقال ابن الأنباري وكنفه: حياطته وستره، يقال: قد كنف فلان فلاناً: إذا أحاطه وستره، وكل شيء ستر شيئاً فقد كنفه، ويقال
للترس كنيف لأنه يستر صاحبه، قال القاضي: يدينه من ذاته، وهذا قول من لم يعرف الله عز وجل، ولا يعلم أنه لا يجوز عليه الدنو الذي هو مساحة. وكذلك قوله: أنه ليدنو به يوم عرفة: أي يقرب بلطفه وعفوه.
الحديث السابع عشر
روى مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية ترعى غنماً لي، فانطلقت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي. فقلت: ألا أعتقها..؟ قال: ائتي بها.
فأتيته بها، فقال لها: أين الله..؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا: قالت: أنت رسول الله.
قال: اعتقها فإنها مؤمنة.
قلت: قد ثبت عند العلماء ان الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها.
الحديث الثامن عشر
رواه أبو رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق..؟
قال: كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
قلت: هذا حديث تفرد به علي بن عطاء عن وكيع بن عدس (حدس)، وليس لوكيع راو غير يعلى والعماء السحاب.
اعلم أن الفوق والتحت يرجعان إلى السحاب لا إلى الله تعالى، وفي معنى فوق، فالمعنى: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر، ولما كان القوم يأنسون بالمخلوقات، سألوا عنها، والسحاب من جملة خلقه، ولو سئل عما قبل السحاب، لأخبر ان الله تعالى كان ولا شيء معه، كذلك روى عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كان الله ولا شيء معه). وقال أبو الحسن ابن المنادي ونقلته من خطه: وصف الهواء بالفوقية والتحتيو مكروه عن أهل العلم لما في ذلك من الجعل كالوعاء لمن ليس كالأشياء جل وتعالى، قال: ولسنا نختلف أن الجبار لا يعلوه شيء من خلقه بحال، وأنه لا يحل بالأشياء بنفسه، ولا يزول عنها، لأنه لو حل بها لكان منها، ولو زال عنها لنأي عنها فاتفاقنا على هذا أكثر من هذا الخبر على المعنى المكروه، والتأويل المألوف.
الحديث التاسع عشر
روى البخاى ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: (من يدعوني فاستجيب له).
قلت: وقد روى حديث النزول عز وجل الحركة والنقلة والتغيير. فيبقى الناس
رجلين، أحدهما المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته. وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: (وَأنَزَلنا الحَديد فيهِ بَأسٌ شَديد).
وإن كان معدنه بالأرض وقال: (وَأَنزَلنا لَكُم مِن الأَنعام ثَمانية أَزواج).
ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل..؟ والثاني: الساكت عن الكلام في ذلك. روى أبو عيسى الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت: وواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلى أسفل، وهذا لا يجوز على الله تعالى قطعاً.
فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول؟ قيل: أراد به معنى يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا: قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقتنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام.
قال ابن حامد: هو على العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل.
قلت: وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله تعالى: وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال. قلت: وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز على الخالق. وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة.
الحديث العشرون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني مجهود. فقال من يضيف هذا هذه الليلة..؟).
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به فقال لامرأته: هل عندك شيء..؟
قالت: لا إلا قوت صبياني
قال: فعلليهم بشيء إذا أرادوا الصبية العشاء فنوميهم. فإذا دخل ضيفنا فأطفيء السراج، وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح إذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال:(لقد عدب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة).
وفي أفراد البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: عجب ربك من قوم جيء بهم في السلاسل حتى يدخلهم الجنة.
قال العلماء: العجب إنما يكون من شيء يدهم الإنسان فيستعظمه مما لا يعلمه وهذا لا يليق بالخالق سبحانه، لكن معناه: عظم قدر ذلك الشيء عنده لأن المتعجب من شيء يعظم قدره عنده، ومعنى في السلاسل: أكرهوا على الطاعة التي بها يدخلون الجنة. وقال ابن الأنباري: معنى عجب ربك: زادهم إنعاماً وإحساناً، فعبر بعجب عن هذا.
وقال ابن عقيل: العجب في الأصل استغراب الشيء وذلك يكون من علم ما لم يعلم، وإلا فكل شيء أنس به لا يتصور العجب منه، فإن الإنسان إذا رأى حجر المغناطيس يجذب الحديد ولم يكن رآه قبل ذلك عجب، والباري سبحانه لا يعزب عن علمه شيء، فأين العجب منه؟ فلم يبق للحديث معنى إلا أن يكون فعل شيء أعجبه فعله وكذلك الضحك لا يصدر إلا عن راضٍ ولذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لله أفرح بتوبة عبده) أي رضى، ومنه قوله تعالى: (كُلُ حِزبٍ بِما لَدَيهُم فَرِحون). أي راضون.
وقال القاضي: لا نثبت عجباً هو تعظيم الأمر بل نثبت ذلك صفة، وهذا ليس بشيء.
الحديث الحادي والعشرون
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب، من أحدكم براحلته إذا وجدها).
قال المصنف: لما كان سروراً بشيء راضياً به قيل له فرح، والمراد الرضا بتوبة التائب، ولا يجوز أن يعتقد في الله تعالى من التأثر الذي يوجد في المخلوقين، فإن صفات الحق قديمة لا يحدث لها صفة.
الحديث الثاني والعشرون
روى مسلم في إفراده من حديث أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه إلى قوله:، إلى قوله: حجابه النور).
وفي رواية: النار ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
قلت: معنى يخفض القسط ويرفعه: أي يخفض بعدل ويرفع بعدل، وقوله: حجابه النور.
ينبغي أن يعلم أن هذا الحجاب للخلق عنه، لأنه لا يجوز أن يكون محجوباً لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره، ويستحيل أن يكون جسماً أو جوهراً أو متناهياً محاذياً أذ جميع ذلك من امارات الحدث، وإنما عرف الناس حدوث الأجسام من حديث وجودها متناهية محدودة محلاً للحوادث.
وكما أنه لا يجوز أن يكون لوجوده ابتداء ولا انتهاء لا يصح أن يكون لذاته انتهاء، وإنما المراد: أن الخلق محجوبون عنه كما قال سبحانه وتعالى: (كَلا إِنَهُم عَن رَبِهُم يَومَئذٍ لَمَحجوبون).
وقد روى سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة.
قلت: وهذا حديث لا يصح ولو كان صحيحاً كانت الحجب للخلق لا للحق. واما السبحات فجمع سبحة، قال أبو عبيدة لم نسمع هذا إلا في هذا الحديث، قال: ويقول أن السبحة جلال وجهه. ومنه قوله: سبحان الله وإنما هو تعظيم له وتنزيه. وقال ابن خزيمة: باب صفة وجه ربنا ثم ذكر حديث السبحات متوهماً النور المعروف، والخالق منزه عن النور الجسماني. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال: سئلت أحمد بن يحيى عن قوله: لأحرقت سبحات وجهه فقال: السبحات الموضع الذي يسجد عليه. قلت: فعلى هذا يكون الخطاب بما يعرفون كما قال: (قلوب العباد بين أصبعين).
وقال القاضي: لا يمنع اطلاق حجاب من دون الله تعالى، لا على وجه الحد والمحاذاة.
قلت: وهذا كلام مختلط لا ترضى به العوام.
الحديث الثالث والعشرون
روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (هل الجنة يرون
ربهم تعالى في كل جمعة، في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلساً أسرعهم إليه يوم الجمعة).
قوله: في رمال الكافور: إشارة إلى الحاضرين. ثم في رمال الكافور وأقربهم منه أي أحظاهم عنده.
وفي حديث آخر: (المقسطون يوم القيامة عن منابر من نور على يمين الرحمن).
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: وكلتا يديه يمين مباركة.
وهذا يوهن ذكر الشمال. وقال أبو بكر البيهقي: وكان الذي ذكر الشمال رواه على العادة في أن الشمال يقابل اليمين. قال القاضي: غير مستحيل إضافة القبض والبسط إلى ذاته وقد سبق إنكار هذا.
الحديث السادس والعشرون
روى أحمد في مسنده من حديث أنس – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (فَلَما تَجَلى رَبِهِ لِلجَبل).
قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، فقال حميد الطويل لثابت: ما تريد إلى هذا يا ابا محمد، قال فضرب صدره ضربة شديدة فقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد. فحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: فأومئ بخنصره فساخ الجبل وخر موسى صعقاً).
وروى ابن حامد، فلما تجلى ربه للجبل قال: خرج منه أول مفصل من خنصره.
قلت: هذا الحديث تكلم فيه علماء الحديث وقالوا: لم يروه عن ثابت غير حماد بن سلمة وكان ابن أبي العوجاء الزنديق قد أدخل على حماد أشياء، فرواها في آخر عمره ولذلك تجافى أصحاب الصحيح الإخراج عنه، ومخرج الحديث سهل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرب إلى الأفهام بذكر الحسيات، فوضع يده على خنصره إشارة إلى أن الله تعالى أظهر اليسير من آياته.
قال ابن عقيل: كشف من أنواره التي يملكها بقدر طرف الخنصر وهذا تقدير لنا بحسب ما نفهم من القلة لا نحكم أنه يتقدر. فإن قيل: كيف أنكر حميد على ثابت؟ قلنا: يحتمل أن يكون توهم ان هذا يرجع إلى الصفات وقد أثبت القاضي لله سبحانه خنصراً بهذا الحديث المعلول.
الحديث السابع والعشرون
روى القاضي عن عكرمة أنه قال: (إذا أراد الله عز وجل أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تتزلزل، وإذا أراد أن يدمدم على قوم تجلى لها).
قال القاضي: أبدى عن بعضه، هو على ظاهره، وهو راجع إلى الذات على وجه لا يفضي إلى التبعيض.
قلت: ومن يقول أبدى عن بعض ذاته، وما هو بعض لا يكلم. ثم إثبات البعض بكلام تابعي لو صح يخالف اجماع المسلمين فإنهم اجمعوا ان الخالق لا يتبعض وإنما المراد أبدى عن آياته.
الحديث الثامن والعشرون
روى أبو الأحوص الجشمي رضي الله الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
له: لعلك تأخذ موساك فتقطع أذن بعضها فيقول هذه نحر، وتشق الأذن الأخرى وتقول: صرم..؟ قال: نعم. قال: فلا تفعل، فإن موسى الله أحد من موساك، وساعد الله أشد من ساعدك.
قال القاضي: لا يمتنع حمل الخبر على ظاهرة في إثبات الساعد صفة لذاته.
وان المراد بالساعد القوة، لأن قوة الإنسان في ساعده غفلة عامية وخروج عن مقتضى الفهم. وكان ينبغي أن يثبت الموسى…؟ قلت: إثبات صفة الله بهذا الخبر الذي لا يكاد يثبت مع الأعراض عن فهم خطاب العرب وإنها تريد تمثل هذا التجوز والاستعارة.
الحديث التاسع والعشرون
روى أبو هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن).
قلت: قد ذكرنا صفة العين في الآيات المذكورة قبل الأحاديث والمراد بالحديث ان الله تعالى يشاهد المصلي فليتأدب. وكذلك قوله: (فإن الله قبل وجهه) أي أنه يراه.
الحديث الثلاثون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. دخل عليها وعندها امرأة سعيد. فقال: من هذه..؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها.
فقال: مه عليكم ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا).
وفي لفظ: لا يسأم الله حتى تسأموا.
قال العلماء: أبداً وان مللتم. لا يمل الله وهو قول ابن قتيبة والخطابي ولا يختلف في أهل اللغة.
قال الشاعر:
صَلَيتُ مِنى هُذَيلٌ بِخَرِقٍ لا يَملُ المُشيرَ حَتّى يَمل
المعنى: لا يمل وإن ملوا، لم يكن له فضل عليهم، وقال قوم: من مل من شيء تركه. والمعنى. لا يترك الثواب ما لم يتركوا العمل، وأما الملل الذي هو كراهة الشيء والاستثقال له، ونفور النفس عنه والسآمة منه، فمحال في حقه تعالى، لأنه يقتضي تفسيره، لأنه تغير وحلول الحوادث في حقه.
وقال القاضي: لا يمتنع إطلاق الملل عليه لا معنى السأمة.
قلت: وهذا بعيد عن معرفة اللغة وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، ومن لفظ السأمة التي منع بها.
الحديث الحادي والثلاثون
روت خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آخر وطأة وطئها الرحمن بوج؛ ووج (واد بالطائف) وهي آخر وقعة أوقعها الله بالمشركين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنه قوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر).
ومأخوذ من القدم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره، وقال سفيان بن عيينة في تفسير هذا الحديث: آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف.
وقال القاضي: غير ممتنع على أصولنا، حمل هذا الخبر على ظاهره، وإن ذلك المعنى بالذات دون الفعل، لأنا حملنا قوله: (ينزل ويضع قدمه في النار) على الذات.
قلت: وهذا الرجل يشير بأصولهم إلى ما يوجب التجسيم والانتقال والحركة، وهذا مع التشبيه بعيد عن اللغة ومعرفة التواريخ وأدلة العقول، وإنما اغتر بحديث روي عن كعب إنه قال: (ووج مقدس، منه عرج الرب إلى السماء، ثم قضى خلق الأرض).
وهذا لو صح عن كعب احتمل أن يكون حاكياً عن أهل الكتاب، وكان يحكي عنهم كثيراً، ولو قدرناه من قوله كان معناه: ان ذلك المكان آخر ما استوى من الأرض لما خلقت، ثم عرج الرب، أي عمد إلى خلق السماء وهو قوله: (ثُمَ اِستَوى إِلى السَماءِ وَهِيَ دُخان).
ويروى عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما اسرى بي؛ مر بي جبريل – عليه السلام – حتى أتى بي إلى الصخرة، فقال: يا محمد من ها هنا عرج ربك إلى السماء).
قلت: وهذا يرويه بكر بن زياد، وكان يضع الحديث عن الثقات، فإن قيل: قال ابن عباس: استوى إلى السماء: صعد قلنا: صعد أمره، إذ لا يجوز عليه الانتقال والتغيير.
واعلم أن الناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب: أحدها: إمرارها على ماجاءت من غير تفسير ولا تأويل، إلا أن تقع ضرورة كقوله: (جاءَ رَبُكَ) أي جاء أمره وهذا مذهب السلف.
المرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضى الحس، وقد عم جهلة الناقلين، إذ ليس لهم حظ من
علوم المعقولات التي بها يعرف ما يجوز على الله وما يستحيل فإن علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فإذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس. وإليه أشار القاضي بقوله: (لا يمتنع أن تحمل الوطأة التي وطئها الحق على أصولنا وإنه معنى يتعلق بالذات). وأصولهم على زعمه ترجع إلى الحس، ولو فهموا أن الله تعالى لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا تغير، ما بنوا على الحسيات.
والعجب ان يقر بهذا القول ثم يقول: (من غير نقلة ولا حركة) فينقض ما يبني.
ومن أعجب ما رأيت لهم ما أنبأنا عبد العزيز بن كادس، قال: أنبأنا أبو طالب العشاري قال: أنبأنا البنا، قال: انبأنا أبو الفتح ابن أبي الفوارس قال: انبأنا أبو علي بن الصواف، قال: انبأنا أبو جعفر بن عثمان بن أبي شيبة أنه قال في كتاب (العرش) إن الله تعالى قد أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى العرض فاستوى على العرش.
قلت: ونحن نحمد الله إذ لم يبخس حظنا من المنقولات، ولا من المعقولات ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعاب الناس كلامهم.
الحديث الثاني والثلاثون
روى أبو إمامة – رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما تقرب العباد آل الله تعالى، بمثل ما خرج منه وهو القرآن).
وفي حديث عثمان – رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال (فضيلة القرآن على سائى الكلام كفضل الله على خلقه إن القرآن منه خرج وإليه يعود).
قلت: والمعنى إنه وصل إلينا من عنده وإليه يعود فيرفع.
الحديث الثالث والثلاثون روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا).
وهذا حديث موضوع يرويه إبراهيم بن مهاجر عن عمر بن حفص، وأما عمر بن حفص فقال أحمد بن حنبل: صرفنا حديثه، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم بن حبان الحافظ: وهذا متن موضوع.
الحديث الرابع والثلاثون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة.
قلت: وهذه أمثال كلها ترجع إلى ما بينا، ومعنى تعلقها بحقو الرحمن: الاستجارة والاعتصام.
وفي الصحيحين من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله).
قال أبو بكر البيهقي: الحقو الإزار، والمعنى: يتعلق بعزه.
قال ابن حامد: يجب التصديق بأن الله تعالى حقواً، فتأخذ الرحم بحقوه.قال: وكذلك نؤمن
بأن الله جنباً لقوله تعالى: (عَلى ما فَرَطتَ في جَنبِ اللَه).
قلت: وهذا لا فهم له أصلاً، كيف يقع التفريط في جنب الذات..؟ قال: والمراد بالتعلق القرب والمماسة بالحقو كما روي أن الله تعالى يدني إليه داود حتى يمس بعضه.
قلت: قد طم القاضي على هذا فقال: لا على وجه الجارحة والتبعيض، والرحم أخذه بها لا على وجه الجارحة والتبعيض، والرحم أخذه بها لا على وجه الاتصال والمماسة، ثم نقض هذا التخليط وقال: في الخبر اضمار تقديره ذو الرحم يأخذ بحقو الرحمن فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، قال: لأن الرحم لا يصح عليها التعلق فالمراد ذو الرحم يتعلق بالحقو.
قلت: فقد زاد على التشبيه والتجسيم، والكلام مع هؤلاء ضائع كما يقال لا عقل ولا قران، وإذا تعلق ذو الرحم وهو جسم فبماذا يتعلق؟.
نعوذ بالله من سوء الفهم.
الحديث الخامس والثلاثون
روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: (الكبرياء ردائي والعظمة ازاري فمن ناز عني في شيء منهما عذبته).
قال أبو سليمان الخطابي معنى الكلام: أن الكبرياء والعظمة صفتان لله تعالى: اختص بهما لا يشاركه فيهما أحد، ولا ينبغي لمخلوق ان يتعاطاهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل وضرب الازار والرداء. مثلاً يقول – والله اعلم – كما لا يشارك الإنسان في إزاره وردائه أحد، كذلك لا يشاركني في الكبرياء والعظمة مخلوق.
الحديث السادس والثلاثون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
قلت: ذهب القاضي إلى أن الله نفساً هي صفة زائدة على الذات.
وهذا قول مبتدع بنوع التشبيه لأنه لا يفرق بين الذات والنفس، وما المانع أن يكون المعنى ذكرته أنا وقد سبق هذا في الكلام على الآيات، والتقرب والهرولة، توسع في الكلام كقوله تعالى: (سَعوا في آياتِنا).
لا يراد به المشي.
الحديث السابع والثلاثون
روى أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله جميل يحب الجمال).
قال العلماء: الجميل المجمل بتحسين الصور والأخلاق والإحسان، والذي أراه أن الجميل الذي أوصافه تامة مستحسنة.
وقد فسره القاضي بما لا يليق بالحق سبحانه فقال: غير ممتنع وصفه بالجمال وإن ذلك
صفة راجعة إلى الذات، لأن الجمال في معنى الحسن.
قال: وقد تقدم قوله… (رأيت ربي في أحسن صورة).وهذا تشبيه محض.
الحديث الثامن والثلاثون
روى القاضي عن عمر بن عبد العزيز: (إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل يمشي في ئلل من الغمام والملائكة فيقف على أول درجة فيسلم عليهم، فيردون عليه السلام فيقول:
سلوني.فيقولون: وماذا نسألك..؟ وعزتك وجلالك وارتفاعك في مكانك لو إنك قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم وأسقيناهم ولم ينقص ما عندنا.
فيقولون: بلى سلوني.فيقولون: نسألك رضاك. فيقول: رضاي، أحللكم دار كرامتي، فيفعل هذا بأهل كل درجة حتى ينتهي إلى مجلسه).
قلت: هذا حديث مكذوب به على عمر. وبعد كيف يثبت لله صفة بقول عمر. قال ابن حامد: يأتي يوم القيامة إلى المحشر لقوله: (يأتي ربك على وقت نزوله إلى السماء) وقال: الحديث يشهد لحديث عمر يعني قوله تعالى: (يَأتيهُم اللَهَ في ظَلَلٍ مِنَ الغَمامِ).
قلت: ولا يدري أن المعني يأتيهم الله بظلل قال: ولا يمتنع إمراره على ظاهره لأنه لا بد من مشيه وانتهائه إلى مجلسه عن انتقال.
قلت: من يقول يحمل هذا على ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا انتقال.
قلت: من يقول يحمل هذا على ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا إنتقال.
الحديث التاسع والثلاثون
روي عن عائشة – رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود قال: (وعدني ربي بالعقود على العرش).
قلت: هذا حديث مكذوب لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن حامد: يجب الإيمان بما ورد من المماسة والقرب من الحق لنبيه في اقعاده على العرش: قال: وقال ابن عمر: (وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لِزُلفى).
قال: ذكر الله الدنو منه حتى يمس بعضه.
قلت: وهذا كذب على ابن عمر ومن ذكر تبعيض الذات كفر بالاجماع.
قال القاضي: يقعد نبيه على عرشه بمعنى يدنيه من ذاته ويقربه منها ويشهد له قوله (فَكانَ قابَ قَوسَينِ أَو أَدنى). وقال ابن عباس: كان بينه وبينه مقدار قوسين.
قلت: هذا عن جبريل لا عن الله سبحانه ومن أجاز القرب من الذات اجاز الملاصقة وما ذهب إليه القاضي صريح في التجسيم.
الحديث الأربعون
روى الدارقطني من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر: أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب عز وجل فقال: (إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله).
هذا حديث مختلف جداً، فتارة يروي عن عبد الله بن خليفة عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة عن عمر موقوفاً عليه. وقد رواه أبو إسحاق عن ابن خليفة عن ابن عمر قال: (إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل.). ورواه ابن جرير عن عبد الله بن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ثم قال بأصبعه فجمعها.. وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا ركب من ثقله).
ورواه أبو بكر المرورزي إن ابن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكرسي الذي يجلس عليه الرب ما يفضل منه إلا مقدار أربعة أصابع).
قلت: هذا على ضد اللفظ الأول، وكل ذلك من تخليط الرواة وسوء الحفظ، والأليق فما يفضل منه مقدار أربع أصابع: والمعنى أنه قد ملأه بهيبته وعظمته، ويكون هذا ضرب مثل يقرب عظمة الخالق، وقول الرواة: إذ قعد وإذا جلس من تغييرهم أو من تعبيرهم بما ظنونه المعنى، كما قال القائل: ثم استوى على العرش قعد، وإنما قلنا هذا لأن الخالق سبحانه وتعالى لا يجوز أن يوصف بالجلوس على شيء فيفضل من ذلك الشيء، لأن هذه صفة الأجسام.
وقال الزاغوني: معنى الحديث خرج عن صفة الاستواء أربعة أصابع.
قلت: وهذا قد قصد به مغالطة العوام وهل لما قاله معنى إلا أن يقال إن هذه الأربعة لم تحاذ ولم تماس وكل هذا صريح في التشبيه ظاهر في التجسيم ثم هو اثبات صفات بما لا يحسن اثباته من الأحاديث المعلولة.
وقد روينا عن أبي بكر بن مسلم العائدي قال: هذا الموضع الذي يفضل لمحمد ليجلس عليه قال: وقد كان الأليق بهذا المتعبد ان يتشاغل بعبادته عن الكلام في هذا الفن.
وقد روي القاضي عن الشعبي أنه قال: ان الله تعالى قد ملأ العرش حتى أن له اطيطاً كأطيط الرحل.
قلت: هذا كذب على الشعبي. قال القاضي: وغير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في أن ذاته تملأ العرش ثم قال: لا على شغل مكان.
قلت: ومن يخلط هذا التخليط لا يكلم واعجباً ما يملأ مكانه يشغله. روى القاضي عن خالد بن معدان أنه قال: إن الرحمن ليثقل على حملة العرش، وقال غيره: ممتنع حمل هذا على ظاهره وإن ثقله يحصل على وجه المماسة.
الحديث الحادي والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: أن
يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار).
قلت: إنفرد بلفظ الصوت حفص بن غياث وخالفه وكيع وجرير وغيرهما، من أصحاب الأعمش، فلم يذكروا الصوت.
وسئل أحمد عن حفص قال: كان يخلط في حديثه. وفي الحديث الصحيح: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على الصفا). فرواه بعضهم بالمعنى الذي يظنه فقال: سمع صوته أهل السماء.
وفي حديث ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا).وهذا مع اللفظ الأول أليق وليس في الصحيح: سمع صوته أهل السماء.
الحديث الثاني والأربعون
روى جابر – رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما كلم الله موسى
عليه السلام يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي به ناداه، فقال له: يا موسى إني كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك فلما سمع رجع إلى بني إسرائيل قالوا: صف لنا كلام الرحمن..؟ قال: لا أستطيع قالوا: قربه لنا قال: ألم تسمعوا صوت الصواعق التي تقبل بأجلى كلام سمعتموه قط.
قلت: هذا حديث لا يصح يرويه علي بن عاصم عن الفضل بن عيس قال يحيى: ليس بشيء.
وقال النسائي: علي بن عاصم متروك الحديث. وقال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب واما الفضل بن عيسى فقال أبو السختياني: لو خلق أخرس كان خيراً له، وقال ابن عيينة: الفضل بن عيسى لا شيء، وقال يحيى: هو رجل سوء.
الحديث الثالث والأربعون
روى القاضي عن حسان بن عطية أنه قال: (الساجد يسجد على قدم الرحمن).
قلت: هذا قول تابعي، وهو مثل المقرب من فضل الله تعالى، وأثبت القاضي بهذا وصف قدم، وأنه يسجد على قدم حقيقة لا على وجه المماسة.
الحديث الرابع والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن الرائي في جنة عدن لا المرئي لأنه لا تحيط به الأمكنة.
وقال القاضي: ظاهر الحديث أنه المرئي في جنة عدن.
قلت: وهذا هو التجسيم المحض، ورداء الكبرياء ما له من الكبرياء والعظمة، فكأنه له أن يمنعهم فلعظمته، وإن شاء كشف لهم.
وقد تكلمنا على الوجه في الآيات وقلنا المراد بالوجه هو.
الحديث الخامس والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت).
قال القاضي: ظاهر قوله عنده القرب من الذات. واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالى: (مَسومَةً عِندَ رَبِكَ).
الحديث السادس والأربعون
روي عن بعض التابعين أنه قال: (خلق الله آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده).قلت: هذا حديث لا يثبت عن قائله وقد تكلمنا على قوله تعالى (لَمّا خَلَقتَ بِيَدي).
الحديث السابع والأربعون
روى ابن عباس – رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (وَسِعَ كُرسيهِ السَمواتِ وَالأَرض)، قال: كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره).
قلت: رواه جماعة من الأثبات فوقفوه على ابن عباس، ورفعه منهم شجاع بن مخلد فعلم بمخالفته الكبار المتقنين أنه قد غلط.
ومعنى الحديث: أن الكرسي صغير بالإضافة إلى العرش كمقدار كرسي يكون عنده سرير قد وضع لقدمي القاعد على السرير.
قال الضحاك: الكرسي الذي تجعل الملوك أرجلهم عليه وقال القاضي: القدم قدم الذات، وهي التي يضعها في النار.
الحديث الثامن والأربعون
حديث العباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك).
هذا حديث لا يصح تفرد به يحيى بن العلاء.
قال أحمد: هو كذاب يضع الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعة وقد تكلمنا في الفوقية في قوله تعالى (وَهُوَ القاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ).
قال القاضي: المراد من الفوقية: استواء الذات على العرش، وقال: هو على العرش ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وما عدا الجهة المحاذية للعرش وهو الفوق والخلف والأمام واليسرة لا يحد.
قلت: هذا الكلام أصل التجسيم لأن المحاذي يكون أكبر أو أصغر والمقادير لا تكون إلا في الأجسام.قال القاضي: إذا ثبت أنه مستو على العرش فهل يجوز أن نطلق عليه الجلوس والقيام، ما وجدت عن إمامنا في هذا شيئاً.
قلت: وكلا الشيئين لا يصح. أما لفظة القعود فقد رواها عن ابن عباس ولا يصح، وأما القيام فيرويها عيسى عن جابر عن عمر بن الصبح.
قال البخاري: قال عمر بن الصبح أنا وضعت خطبة رسول الله. وقال ابن حبان: وكان يضع الحديث على الثقات لا يصح كتب حديثه إلا على التعجب، وقال الدارقطني: متروك. وقال الأزدي: كذاب ذاهل.
قلت: وبمثل هذه يثبت لله صفة اين العقول؟ تعالى الحق ان يوصف بقيام وهو انتصاب القامة إنما هو قائم بالقسط، ولا يوصف بقعود ولأنها حالة الجسماني.
الحديث التاسع والأربعون
روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً؛ فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يريبها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل..
وفي لفظ أخرجه مسلم: (فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل).
قال العلماء هذا خطاب الناس بما يعلمونه ويفهمونه من الأخذ والتربية والنمو لما كان التناول باليد والقبض بالكف، خاطبهم بما يعقلون، وإنما جرى ذكر اليمين لأنها مرصدة لما عز من الأمور، ومعنى التربية: المضاعفة.
الحديث الحادي والخمسون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم – أنه ذكر الدجال فقال: ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور).
قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، والعور نقص ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة.
قال ابن عقيل: بحسب بعض الجهلة أنه لما نفى العور عن الله عز وجل اثبت من دليل الخطاب أنه ذو عينين وهذا بعيد من الفهم إنما نفى عنه العور من حديث نفي النقائص كأنه قال: ربكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزئ، ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة، لم يكن في ذلك دليل على الألوهية ولا القدم، فإن الكامل في الصورة كثير. قال: ومن قال بدليل الخطاب فاثبت عينين قيل له: دليل الخطاب مختلف في كونه دليلاً في أحكام الفقه وفروع الدين، فكيف بأصوله ثم هو عند من اعتقده جحد يقضي عليه معنى النطق وهو القياس المظنون فكيف يكون له حكم الدليل وقد قضى عليه دليل العقل بالرد.
الحديث الحادي والخمسون
روى البخاري ومسلم في إفراده من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته).
قلت: قوله: كنت سمعه وبصره فهو مثل وله ثلاثة أوجه: أحدها: كنت كسمعه وبصره فهو يحب طاعتي. كما يحب هذه الجوارح.
والثاني: أن جوارحه مشغولة بي، فلا يصغي إلى ما لا يرضيني إلا عن أمري.
والثالث: أني أحصل له مقاصده كما ينالها بسمعه وبصره ويديه اللواتي تعينه على عدوه.
والحق منزه عن حقيقته فهو كقوله: (ومن أتاني يمشي اتيته هرولة). وقال بعض العلماء: لما كان المؤمن يمرض فيسئل العافية فيعافي كان ذلك كالتردد في إماتتهز وأما التردد فخطاب لنا بما نعقل.
الحديث الثاني والخمسون
روى جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله: جهدت الأنفس وجاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا، فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك: أتدري ما تقول.؟؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجه أصحابه فقال: إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه).
شأن الله أعظم من ذلك: ويحك أتدري ما الله..؟ إن عرشه على سمواته هكذا، وقال باصابعه
مثل القبة، فإنه ليئط الرحل بالراكب قلت: هذا الحديث تفرد بروايته وقال محمد بن إسحق عن يعقوب عن عتبة وكلاهما لا يحتج به أرباب الصحاح، قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث إذ أجرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، وهي عن الله وصفاته منفية، فعلم أنه كلام تقربت أريد به تقرير عظمة الله من حيث يدركه فهم السامع إذا كان إعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام ومعنى قوله: أتدري ما الله – أتدري ما عظمة الله وجلاله..؟ ومعنى يأط به: أي يعجز عن جلاله وعظمته، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب معلوماً لقوة ما فوقه، أو لعجزه عن احتماله، فقرب بهذا النوع من التمثيل عنده، معنى عظمة الله وجلاله ليعلمه أن الموصوف بعلو الشأن لا يجعل شفيعاً لمن هو دونه في القدر… وقد ذكرنا فيما تقدم عن القاضي أنه قال: (يأط من ثقل الذات). وهذا صريح في التجسيم.
الحديث الثالث والخمسون
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: (إِنَّ اللَهَ كانَ سَميعاً بَصيراً).
فوضع اصبع الدعاء وإبهامه على عينيه وأذنيه.
قال العلماء: أراد بهذا تحقيق السمع والبصر لله تعالى، فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل السمع والبصر، لا أن لله سبحانه جارحة.
الحديث الرابع والخمسون
روى أبو الدرداء – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الله عز وجل ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر في الساعة الأولى، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن وهي داره التي لم يسكنها غيره، وهي مسكنه، ثم يقول طوبى لمن يسكنك ثم ينزل في الساعة الثالث إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته ثم ينتفض فيقول: قومي بعزتي.
قلت: هذا الحديث يرويه زيادة الأنصاري، قال البخاري، هو منكر الحديث وذكر له أهل الحديث هذا الحديث وقال أبو حاتم بن حبان يروي المناكير عن المشاهير، واستحق الترك وقد رواه أبو جعفر بن ابي شيبة فقال فيه: زائدة: وهو غلط إنما هو زيادة ونقول على تقدير الصحة أنها مضافة إليه كما أضيف البيت إليه يقال: هذا بيته وهذا مسكنه، وإنما قلنا هذا لأن السكنى مستحيلة في حقه.
الحديث الخامس والخمسون
روى أبو إمامة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثياته).د
قلت: الحثية ملئ الكف. والمراد التقريب بما يعقل لا حقيقة الحثية.
الحديث السادس والخمسون
روى أبو إمامة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إن الله يجلس يوم لقيامة على القنطرة الوسطى بين الجنة والنار).
يرويه عثمان بن أبي عاتكة وقال يحيى: ليس بشيء.
الحديث السابع والخمسون
روى القاضي عن محمد بن كعب القرظي قال: (كان الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن كأنهم لم يسمعوه قط).
قال القاضي: ولا يمتنع أن يطلق ألفي عليه.
قلت: واعجباً يعني في الرحمن فمه، فيثبت لله صفة بقول تابعي لا تصح الرواية عنه. هذا من أقبح الأشياء، فإما الحديث الذي سبق عن أبي إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تقرب إلي بمثل ما خرج مني.
فالمعنى: خرج عنه، ولا يجوز أن يظن أنه كخروج جسم من جسم لأن الله عز وجل ليس بجسم ولا كلامه جسم.
الحديث الثامن والخمسون
روينا عن سهل بن سعد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة وما تسمع من نفس شيئاً من حس تلك الحجب إلا زهقت).
قلت: هذا حديث لا أصل له. يرويه موسى بن عبيدة، قال أحمد: لا يحل عندي الرواية عنهن قال يحيى: ليس شيء، وموسى يرويه عن عمر بن الحكم قال البخاري: عمر ذاهب الحديث.
الحديث التاسع والخمسون
رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال (إن لله لوحاً، أحد وجهيه درة والآخر ياقوتة، قلمه النور، فيه يخلق وبه يرزق وبه يحيى وبه يميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء في يوم وليلة) قلت: هذا الحديث موضوع، يرويه محمد بن عثمان وهو متروك.
الحديث الستون
روى جابر رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إذا رأيتهم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فاسألوا الله خيرها واستعيذوا
من شرها).
قلت: النفس بمعنى التنفيس عن المكروب، ومثله ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن).
يعني تنفيسه عن المكروب بنصرة أهل المدينة إياي والمدينة من جانب اليمن، وهذا شيء لا يختلف فيه المسلمونز وقال ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفاً في ذاته بأنه يتنفس. قال: وقالوا الرياح الهفافة مثل الرياح العاصفة، والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة، إلا ريحاً من صفاته هي ذات نسيم حياتي، وهي من نفس الرحمن.
قلت: على من يعتقد هذا اللعنة، لأنه يثبت جسداً مخلوقاً وما هؤلاء بمسلمين.

الكتاب : أدلة أهل السنة والجماعة المسمَّى ( الرد المحكم المنيع ) المؤلف : السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي

الكتاب : أدلة أهل السنة والجماعة المسمَّى ( الرد المحكم المنيع )
المؤلف : السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي
( الطبعة السابعة ) (الكويت ) 1410ه – 1990م
أدلة أهل السنة والجماعة
المسمى (الرد المحكم المنيع)
تأليف
الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي
( الطبعة السابعة )
(الكويت )
1410ه – 1990م
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله وحبيبه وعلى آله ومن والاه وبعد:
فبفضله تعالى ومنه وكرمه قد طبع هذا الكتاب (أ دلة أهل السنة والجماعة أو الرد المحكم المنيع على شهبات ابن منيع ) عدة طبعات في عدة دول إسلامية منذ صدور ( الطبعة الأولى ) فى الكويت سنة 1404ه الموافق سنة 1984 م . كانت الطبعة الثانية في ( إندونيسيا) والثالثة في ( المغرب) سنة 1405ه –1985م بواسطة ( دار الطباعة الحديثة بالدار البيضاء ) والرابعة في ( جمهورية مصر العربية ) بواسطة ( مطبعة السعادة بالقاهرة ) والخامسة فى ( جمهورية اليمن الشمالي ) بواسطة ( جمعية العلماء في الحديدة) سنة 1406ه –1986م , وهذه – ولله الحمد وحده- الطبعة السادسة … وهذا يدل على أن هذا الكتاب المتواضع كان مطلوب ومقصود الجماهير الكثيرة الصامتة من أهل السنة والجماعة التي كانت عقائدها وشعائرها الإسلامية الحنيفة ولازالت , هدفا لحملة ظالمة شرسة لا تخشى الله تعالى ولا تتورع عن توزيع أوصاف الكفر والبدعة على من يخالفها من السواد الأعظم من المسلمين .
________________________________________
كذلك فإن مما تجدر الإشارة إلية أن هذا الكتاب المتواضع كان السبب والحافز والمشجع لصدور ردود تناولت نفس الموضوع فى أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي الفسيح من أهمها كتاب ( التخدير من الاغترار مما جاء في كتاب الحوار) للعالمين المغربيين عبد الحي العمروي وعبد الكريم مراد , وكتاب ( رفع الأستار عن شبهات وضالات صاحب الحوار) للعالم البحريني الشيخ راشد بن إبراهيم المريخي , وكتاب ( السنة والبدعة )للعلامة الشيخ السيد عبد الله بن محفوظ الحداد باعلوي الحسنى الحضرمي . وبفضله تعالى وصلتني رسائل وقصائد كثيرة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي تمدح وتبارك هذا الجهد الضئيل وتطلب تزويدها بنسخ منه ……… ولقد رأيت أن أكتفي عند إصدار هذه الطبعة الثانية التي تصدر من الكويت والسادسة على مستوى معتذرا للباقين وشاكرا عواطفهم الكريمة وغيرتهم على دينهم الحنيف . والله تعالى أسأل أن يرزقني مزيد العافية والتوفيق والإخلاص للقيام بما يجب ويلزم مما يحبه الله تعالى برضاه , وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى أله وسلم والحمد لله رب العالمين .
العبد الفقير إلى مولاه تعالى
يوسف السيد هاشم الرفاعي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلي الله تعالي على سيدنا محمد وأله وسلم . وبعد
لقد اطلعت على الكتاب الذي أصدرته الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض بعنوان ((حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته )) للشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع .
________________________________________
وقد آلمني فيه انقضاضه علي السيد المالكي انقضاض السبع الكاسر على فريسته تهجما على شخصه وعلمه ونسبه الشريف قبل أن يطلب منه الدليل الشرعي على آرائه وأفكاره المنتقدة كشأن العلماء من السلف الصالح رحمهم الله تعالى فجعل من نفسه الخصم والحكم منطلقا من مركز القوه الذي يمثله لا من الدليل والحجة والرهان .. وقد كأن الأجدر به أن يدعو خصمه إلي ندوه تلفزيونية أو إذاعية تتقارع فيها الحجج والبراهين وليته أعطاه الفرصة الشرعية المتكافئة للدفاع عن نفسه – وقد أصدر عليه أحكام الكفر والشرك والبدعة والضلال – وقد هاجمه بمطبوعة شبه رسميه ومطبوعة بالأموال العامة لا يملك الخصم أن يرد عليها بنفس القدرة والإمكانية في النشر والتوزيع والتمويل .. ورحم الله خصوم الشيخ ابن تيميه فإنهم لما خرج على الإجماع في بعض آرائه أقاموا له المناظرات الكثيرة المفتوحة في مصر ودمشق وبحضور العلماء والوزراء وطلبه العلم ولم يحكموا عليه من طرف واحد كما فعل الشيخ ابن منيع في القرن العشرين .
________________________________________
وكنت قد التقيت بالشيخ عبد الله بن منيع – مؤلف هذا الكتيب – في أحد المؤتمرات الإسلامية في الهند منذ بضع سنوات , فرأيته لطيفا رقيقا ذا دعابة ينسيك طول الطريق بحكايته المسلية .. فلما طالعت مؤلفه الهجومي هذا ضد السيد العلوي وضد أراء عموم أهل السنة والجماعة فوجئت بارتدائه ( جلد النمر) وامتشاقه سيف التكفير والتضليل والتشريك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأسأل الله لي وله العافية والسداد في القول والعمل وتذكر قولة صلي الله عليه وأله وسلم ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) رواه الشيخان ونذكره موقف القصاص يوم القيامة بين الظالم والمظلوم والباغي والمبغي عليه وما رواه الإمام البخاري وغيره .. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة – آي ظلامه – لأخيه فليتحلل منه اليوم ليس ثم- أي ليس في الآخرة – دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته إن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه ))
فقد بين النبي صلي الله عليه وسلم طريقه المقاصة بين العباد يوم القيامة وذلك بأن يؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات طرح من سيئات المظلوم فطرحت على ظالمة .
هذا وقد علمنا الله تعالى في كتابه كيفيه الحوار وآدابه مع الكفار والمشركين .. فهلا اقتبسناه لتعاملنا مع إخواننا المسلمين الذين نخالفهم الرأي .. فقد قال تعالى في معرض الجدال والحوار معهم ( والله يعلم المفسد من المصلح ) مفوضا الأمر لعلم الله تعالى في أمر معلوم حقيقته وهو صريح الكفر والإيمان فكيف بالمتشابهات والفرعيات بين العلماء وطلبه العلم المسلمين .. وقال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وأله وسلم مخاطبا مشركي قريش بكل أدب وتواضع ( وأنا أو إياكم لعلى هدى أو ضلال مبين ) فهلا تأدبنا آداب القران ونحن ندعى أننا حملته ودعاته وأهل الغيرة على القرآن والتوحيد ؟
________________________________________
وهلا تذكر المؤلف أن حقوق الأعراض وهو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان فى نفسه أو سلفه يجب أن تصان عن الانتهاك . وهو تناولها بغير حق . ويدخل تحت انتهاك الأعراض أمور كثيرة منها القذف والشتم والبهتان والغيبة وإشاعات الكلمات حول من هو برئ منها فإن ذلك يجرى فيه القصاص يوم القيامة .
روى مسلم وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( أتدرون ما المفلس قالوا . المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .
فقال صلي الله عليه وسلم : أن المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقه ويأتي وقد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا حسناته وهذا من حسناته , فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه اخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) ورواه الطبرانى في الأوسط .
وعن أبى أمامه رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله وسلم : يجئ الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون ( أي يقتصون ) من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما فى أيديهم من الحسنات فان لم تكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم – أي سيئات أصحاب الحقوق – حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار )(1)(فال فى مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا.اهـ .
وروى ابن ماجة عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ))
ورواه الاصبهانى وذاد . قال سفيان بن عبينة : هو أن يقول : اق . يعنى لا يتم كلمة اقتل .أه وروى البيهقي نحوه من حديث أن عمر .
________________________________________
وأنه من واجبي الشرعي ومما أتقرب به إلى الله تعالى ثم رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم أن أتقدم للدفاع عن السيد الشيخ محمد علوي المالكي فالسيد المالكي منى وأنا منه يؤذيني ما يؤذيه ويسرني ما يسره كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن بضعته الطاهرة البتول وسبطه الحسين رضى الله عنهما وعليهما السلام .. وأنا مع السيد المالكي أناصره في الحق وبالحق .. بالدليل الشرعي المسند لا بالحمية الجاهلية والهوى .. فكلنا ولله الحمد وقاف عند حدود الله تعالي خائف له تعالى راج لرحمته .. لا نتناصر إلا بالحق ويرد بعضنا بعضا عن الهوى والباطل .. وأنا وإياه أغير على سنة إمامنا ونبينا وجدنا رسول الله صلي الله عليه واله وسلم من الشيخ ابن منيع أو الشيخ الجزائري أو الشيخ التويجرى الذين تناصروا على السيد المالكي أشرأ وبطرأ ومرجعنا جميعا إلى الله تعالى هو الحكم العدل يوم القيامة (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) ) سوره غافر الآية /17 .
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من ذكر امرءآ بشيء ليس ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه )) . رواه الطبراني بإسناد جيد وفي رواية
له: (( أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمه وهو منها برئ يشينه بها في الدنيا كان حقآ على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال ))
وروى أبو داود عن عمر رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول .( من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال) . وفي رواية الطبراني .( وليس بخارج) وقد رأيت من واجبي نصره الظلوم وهو السيد العلوي لأن الذي يعاب عنده أخوه المسلم أو يغتاب وهو ساكت علي ذلك فهو أثم في الدنيا والآخرة .
________________________________________
ولأن في حماية المؤمن المظلوم المستضعف المقهور من ظالمة الباغي المتسلط عليه أجرأ وثوابا عظيما فقد روى أبو داود عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضى الله عنه عن النبي صلي الله وسلم قال: (من حمي مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم , ومن رمي مسلما يريد به شينه حبسه الله علي جسر جهنم حتى يخرج مما قال ).
وروى أبو داود وابن أبى الدنيا وغيرهما عن جابر بن أبي طلحه الأنصارى رضى الله عنهم قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم .( ما من امرئ مسلم ينصر مسلما يخذل امرءأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته . وينتقض فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته . وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقض فيه من عرضه . وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
وعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال . من اغتيب عنده اخوة المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة .
رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ والاصبهاني كما في ترهيب المنذرى .
كيف وأن في الانتصار للمظلوم المفترى عليه السيد الشيخ محمد بن المرحوم السيد الشيخ علوي المالكي . انتصارا لعموم مذهب أهل السنة والجماعة من اتباع السلف الصالح الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم لذلك أسميت هذا الكتاب ( أدله أهل السنة والجماعة ) أو الرد المحكم المنيع على منكرات وشبهات ابن منيع.
وما توفيقي إلإ بالله عليه توكلت وإليه أنيب،
يوسف السيد هاشم الرفاعي
(( الفصل الأول ))
استعداء السلطة على الخصم بدل المحاججة
والمناظرة ليس من سنة وشيم السلف من العلماء
________________________________________
المعلوم والواضح للجميع أن الشيخ ابن منيع واعوانة من المشايخ في ( الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والارشاد )) من خصوم الشيخ السيد محمد علوى المالكي المهاجم في ( الحوار) هم في المركز القوي إذ يملكون الهيمنة المطلقة علي شئون المسلمين في البلاد ويملكون فرض آرائهم ومعتقداتهم علي خصومهم ولديهم كذلك الأموال الموضوعة تحت تصرفهم لطبع ونشر ما يريدون وما يحبون . فلماذا إذن ترك سلاح الحجة والمناظرة مع السيد العلوي واللجوء إلى السلاح (استعداء السلطة والسلطان عليه) كما بين ذلك الشيخ ابن منيع نفسه عندما نشر مقررات ومكاتبات الرئاسة العامة وشكاواها ضد السيد العلوي الذي استفرد به خصومة وضايقوه في دينه ورزقة والذي لا يملك إلا رأيه وحجته من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم . ولقد كانت الحكومة السعودية برموزها الكبيرة في موقف الشرع والحكمة والعدالة والحق عندما لم تستجب استجابة كاملة لكل ما طالب به خصوم السيد المالكي فقمعت الفتنة وأثرت التروي والحكمة وكأنها وهي خادمة ( الحرمين الشريفين) مهوى ومهبط قلوب المسلمين جميعا وكأنها وهي تحمل شعار ( العلم والإيمان ) في العالم الإسلامي كله بما فيه من أراء ومذاهب إسلامية متعددة , وكأنها وهي بلد ( الجامعات السبع ) أثبتت مصداقية التزامها بشعاراتها ومواقفها المعلنة لأن المسائل المثارة بين الشيخ السيد محمد علوي المالكي ومخالفيه من المسائل الخلافية التي طالما ثار حولها الجدل في تاريخ المسلمين منذ القرن السابع الهجري عندما خالف الشيخ ابن تيميه رحمه الله جمهور العلماء في بعض المسائل التي يتبناها حاليا الشيخ ابن منيع وجماعته .. وإذا كان البعض من محبي الشيخ ابن تيميه رأوا في حجر جمهور العلماء آنذاك علي أراء شيخ الإسلام واستعداد السلطة عليه آنذاك ومحاكمته من أجلها انتهاء بتقييد حريته وسجنه رضى الله عنه .استبداد أ وإرهابا فكريا لا يليق
________________________________________
بالعلماء ولا ينسجم مع ( حرية الفكر والتفكير والاجتهاد ) في الإسلام وهو الحنفية السمحاء فإننا نربأ بأتباعة ومحبية من أمثال الشيخ ابن منيع وشيوخه أن يسلكو هذا المسلك مع زميل لهم في العصر الحاضر يقف من حيث قلته وضعفه المادي لا العلمي .موقف الامام الشيخ ابن تيمية بالأمس ويقف خصومه منه موقف خصوم شيخ الاسلام رحمه الله بالأمس وقديما قيل
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
علما بأن الحق في الميزان الشرعي مع الشيخ السيد العلوى لأنه يعبرعن مذهب وأراء علما المسلمين وعامتهم وسوادهم الأعظم خارج المملكة وداخلها آي أتباع مذهب ( أهل السنة والجماعة ) وهم أغلبية المسلمين وقد يتعرض الشيخ ابن منيع قائلا : إن العبرة ليست بالكثرة لأن الله تعالى يقول ( إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ونحن نرد عليه قائلين : هذه الآية في حق الكثرة من (أمه الدعوة) من البشر أما بالنسبة ( لأمه الإجابة ) وهي أمه محمد صلى الله عليه وسلم فإن كثرتها مع الحق مع الجمهور من علماء المسلمين وعامتهم سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه الترمذى ورواه عن أنس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال( إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمه محمد صلي الله عليه وسلم علي ضلاله ويد الله مع الجماعة )
________________________________________
(1) هذا الحديث اخرجة الترمذي بهذا اللفظ وقال هذا الحديث غريب من هذا الوجه انظر طبعه القاهرة الحديث رقم 2256 والترمذي بشرح ابن العربي (9/11) لكن الجزء الأول من هذا الحديث وهو لا يجمع الله أمتي على ضلاله قال الحافظ العراقي رواه البيهقي في المخل من حديث ابن عباس بلفظ لا تجتمع أمتي على ضلاله ولابن ماجه من حديث أنس بلفظ أن أمتي لا تجتمع على ضلاله رقم 3950 وروى من حديث أبى ذر وابى مالك الاشعرى وابن عمر وأبى نصره وقدامه وفى كلها نظر وحسنه الترمذي أنظر تخرج أحاديث منهاج البيضاوي وللحافظ العراقي مخطوط . واما جملة يد الله مع الجماعة فقد رواه الترمذي عن ابن عباس وقال : حسن رقم الحديث 2255 ورواه الطبراني في الكبير بلفظ يد الله على يد الجماعة وعلى كل فللحديث طرق
موقف الشيخ الجزائري
اعتمد الشيخ ابن منيع في حواره على كتيب للشيخ ( أبوبكر الجزائرى ) سماه ( الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف ) في معرض تهجمه على السيد العلوي , وخاصة علماء المسلمين وعامتهم من سواد هذه الأمة , بسبب احتفالهم بالمولد النبوي الشريف واعتقاد مشروعيته , وحقيق بهذا الكتيب أن يسمي ( الاعتساف فيما قيل في المولد النبوي من الغلو والإجحاف من قبل الجفاة وأرباب الخلاف) ولا أدري هل الشيخ الجزائرى لا يزال جزائريا ام انه اصبح مواطنا سعوديا يصول ويجول كما يشاء لأنه أصدر بعد كتيبه الصغير ذلك رسالة صغيره أخرى سماها ( من وسائل الدعوة . كمال الأمة في صلاح عقيدتها – شرح أيه – وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) مؤرخة قي 29/8/1403 ه سار فيها علي منوال الشيخ ابن منيع في التهجم والهجوم علي السيد المالكي إلا أنه لم يسمه – لسبب لا أعرفه حتى الأن – وإن كان قد أشار إليه باعتباره ( مؤلف كتاب – الذخائر المحمدية – الذي نشر الاعتقادات الفاسدة الباطلة والبدع المفسقة والكفرة)
________________________________________
لقد ادعي الشيخ الجزائرى في مقدمه رسالته تلك أن هدفه النصيحة إلا أنه في ختامها لبس جلد النمور والأسود وبعد أن أسرف في مهاجمه خصومه الفكريين بعبارات قاسية , التفت الي رجالات الحكومة السعودية ورموزها فشملهم بهجومه الكاسح متهما إياهم بالفتور في دعوة التوحيد معللا ذلك بما نصه ( لانشغالهم بمهام حكمهم وتغير الظروف والأحوال عليهم) كما ورد في الصفحة ( 25) كم رسالته التي طبعت ووزعت ثلاث مرات في داخل وأمام المسجد النبوي في المدينة المنورة ولا تزال . فاتق الله أيها الشيخ فقد بقي من العمر القليل .
وموقف أخر للشيخ التويجرى
وبينما أنا أتهيأ لاختتام ردى هذا علي الشيخ ابن منيع , اصدر المدعو ( حمود بن عبدالله بن حمود التويجرى ) ولعله من طلبه العلم وشيخ المشايخ في المملكة , لأني لم اعرفه أو اسمع عنه من قبل , كما أنه لم يعرف بنفسه في مقدمه كتابه ولم يعرف به أحد كتابا سماه ( الرد القوي على الرفاعي وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي ) والكتاب كما يبدو لي من تصفح كتابه لا يخلو من إلمام بعلم الحديث الشريف كما أنه كان أكثر ورعآ وخوفا من الله تعالي من الشيخ ابن منيع فلم يطلق علي السيد المالكي أو على شخصي الضعيف ألقاب ( الشرك والكفر والضلال ) كما فعل الشيخ ابن منيع واخوانه في كتابه ( الحوار) حيث صبوا على السيد المالكي أفزع الصفات حتى اتهموه بارتكاب ( الكفر البواح ) كما ورد في مقدمه الكتاب في الصفحة (5) منه مما يعني ( إذا خاصم فجر ) ونسأله تعالي تحري الحق والعافية وأن نكون ممن ( وهدوا إلي الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) وأعود إلى كتاب الشيخ (التويجرى) لأقول إن لدي عليه الملاحظات التالية
________________________________________
1- أنه يستهل رده على كل دليل من الأدلة التي سقتها في مقالي المنشورين في جريده ( السياسة) الكويتية بتاريخ 12و23 ربيع الأول سنه 1402ه بالحديثين الكريمين ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وقوله صلي الله وعليه وآله وسلم .( كل بدعه ضلاله) وأنا لا اختلف معه في صحة هذين الحديثين الشريفين ولكني اخلف معه في فهم معناهما ومدلولهما ومفهوم البد عه والسنة . وهذا محله ( بحث البد عه والسنة) من كتابي هذا فليراجعه الشيخ التويجري .
2- أنه ركز رده وقصره على مهاجمه ( الاحتفال بالمولد النبوي الشريف) مدعيا عدم مشروعيته وحتى لا يكون هذا ( الرد) طويلا ومملا للقارئ الكريم فإني سوف أخص مشروعيه ( المولد النبوي الشريف ) برسالة خاصة تصدر قريبا بأذنه تعالي , مكتفيا بأن أنشر الآن في نهاية هذا ( الرد) مقالا قصير للدكتور الشيخ محمد سعيد بن الملا رمضان البوطي – من علماء أهل السنة والجماعة في بلاد الشام المعاصرين – حول هذا الموضوع وبيان مشروعيته وفيه الإفادة لمن يريد الحق ويهجر العناد .
3- أن مستنده الأخير تكراره وترديده أ، معظم الأدلة مستقاة ومأخوذة من كتب السيد محمد علوي المالكي . مثل كتابه ( حول الاحتفال بالمولد النبوي ) وكتابه الآخر ( الذخائر المحمدية ) مما جعل رده ركيكا ومملا ومضيعا لوقت قارئه وفيما عدا هاتين النقطتين لا نجد جديدا قدمه الشيخ التويجري في هذا الكتاب الضخم ( والرد القوي ) الذي أتعب نفسه فيه إلا تخريجه لمعظم الأحاديث النبوية التي سقتها أنا أو ساقها السيد المالكي أو ساقها هو نفسه وهذا جهد يشكر عليه ويدل على اهتمامه بعلم الحديث الشريف مما يفوق به الآخرين من أقرانه
________________________________________
وبالنسبة لاتهامه لي بالاعتماد على كتب السيد المالكي والاستعانة بأدلته على مشروعيه المولد النبوي الشريف وما سماه هو ( سرقه ) فهذا شرف لا أنكره ولم يكشف الشيخ التويجرى جديدا أو أمرا مطلسما مخيفا لو أنه رجع فيما كتبته أنا ونقله هو حرفيا في كتابه إلي ما يلي.
أنني ذكرت في مقالي – كما نقله الشيخ التويجرى عني في صفحه 67 من كتابه – بعد أن بينت أن الاحتفال بالمولد النبوي جائز شرعا قياسا على صيام النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه يوم عاشوراء الذي نجا الله تعالي فيه موسى من فرعون والغرق . بينت أن مرجعي في ذلك ( مقدمة المورد الروي في المولد النبوي لعلي القاري ) ولأن الشيخ التويجرى لم يقرأ هذه المقدمة ولم يعرف صاحبها – وهو السيد العلوي المالكي نفسه , جازف باتهامي بسرقة أدلته دون الإشارة إلي صاحبها .. وهذا مرده العجلة وسوء الظن وعدم الوقوف عند قوله تعالي (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6))
أنني ذكرت اسم السيد محمد علوي المالكي صريحا وكاملا في ذلك المقال مطالبا برفع ( الإرهاب الفكري ) ضده من قبل مخالفيه من العلماء .. وكان عنوان وموضوع مقالي ( الرد علي الشيخ عبد العزيز بن باز ) عندما هاجم الاحتفال بالمولد النبوي واعتبره شركا وبدعة . ومعروف أن السيد المالكي من أوائل الذين سوف يطلعون علي هذا المقال لورود اسمه فيه صريحا
أن الموقف الضيق الحرج بالنسبة للسيد المالكي كان يقتضي نشر أدلته الشرعية وتبينها والدفاع عنها من قبل الآخرين باعتبارها أدله عامة مشتركة لجميع مشا ركية في الرأي من أهل السنة والجماعة الذين هم السواد الأعظم للآمة الإسلامية في عالم المسلمين . وهذا ما فعله العبد الفقير متحريا به وجه الله تبارك وتعالي في بيان الحق ونصره المظلوم.
وأخيرا .. هل تقبل شهادة ابن منيع علي السيد المالكي ؟
________________________________________
الجلي البين في كتاب الشيخ ابن منيع الذي كرسه للهجوم علي الشيخ السيد محمد علوي المالكي .أنه يتبرأ من عقيدته وآرائه وأفكاره . فهو إذن مخالف له في العقيدة علما بأن كل من اطلع علي الكتاب الخير للسيد المالكي ( قل هذه سبيلي) وخاصة في فصل الإيمان والعقيدة . علم وتيقن صفاء وسلامه عقيد ته وتوحيده وكذب وافتراء مخالفيه عليه مما سيحاسبون عليه يوم القيامة حسابا عسيرا وبمناسبة الحديث عن هذه المسألة الهامة وهي ( المخالفة في العقائد) بين الاثنين . أود أن أورد كلاما نفيسا للأمام العلامة المحقق ( تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنه 702 ه) والذي قال عنه الذهبي في تذكره الحفاظ ج4 ص 1481( الإمام , الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة . شيخ الإسلام) .
وقد ذكره في ( باب معرفة الضعفاء ) وهو الباب الثامن من كتابه ( الاقتراح في بيان الاصطلاح) تحقيق قحطان الدوري – طبع مطبعة الإرشاد في بغداد سنة 1402ه – 1982 م . حيث قال ما نصه وهذا الباب تدخل فيه الآفة من وجود أحدها وهو شرها الكلام بسبب الهوي والغرض والتحامل.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ ( صاحب الاستيعاب) أمورا كثيرة عن أقوام من المتقدمين وغيرهم . حكم بأنه لا يلتقت إليها وحمل بعضها على أنها خرجت عن غضب وحرج من قائلها . ومن رأيه أن من اشتهر بحمل العلم فلا يقبل فيه جرح إلا بيان هذا أومعناه ،
وثانيا المخالفة في العقائد فأنها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبد يعهم وأوجبت عصبيه اعتقدها دينا يتدينون به ويتقربون به الي الله تعالي ونشأ من ذلك الطعن بالتفكير أو التبديع وهذا موجود كثيرا في الطبقة المتوسطة من المتقدمين ,
________________________________________
ثم ختم الامام ابن دقيق العيد كلامه النفيس هذا بقوله ( والذي تقرر عند نا أنه لا تعبير المذاهب في الروايةإذ لا نكفر احدا من أهل القبلة ) وفي الحاشية ذكر محقق الكتاب ان نصر الامام ابن دقيق العيد ورد في شرح ( العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 355) ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب , ما لم يستحله ) . وبهذا الكلام النفيس نتحصل علي جواب السؤال عن مدي صحة قبول شهادة ابن منيع علي السيد المالكي للمخالفة في العقائد من جهة ولكون الشيخ ابن منيع خالف رأي العلماء من السلف الصالح كالامام ابن دقيق العيد الذين لا يبحون أبدا تكفير احد من اهل القبله والاسلام خاصة إذا انعدم الدليل والبرهان الساطع البين الصريح ,
الطعن والتشكيك في الأنساب من الكبائر
المعلوم لطلبه العلم والعامة فكيف للعلماء قوله صلي الله عليه وآله وسلم ( الناس مؤتمنون علي أنسابهم ) وأن ( الطعن في الإنسان من الكبائر ) فكيف بعد هذا يتحمل الشيخ ابن منيع ويوافقه المشايخ المراجعون لكتابه والرئاسة العامة التي صدر الكتاب في ( ثلاث طبعات) حتى الآن علي حسابها من أموال ( بيت مال المسلمين ) علي المساس بالأنساب غمزا ولمزا حيث ورد في ( الحوار) بحق السيد المالكي قول المؤلف( ص 42 ) :
لقد نشرنا أملنا في أن تكون شهادته نبرا سا له في طريق الدعوة إلي بما يرضيه جده صلي الله عليه وسلم على افتراض صحة نسبته إليه . وقوله في الصفحة (191) وكم أتمني أن يكون المالكي وهو يذكر أنه أحد أسباط رسول الله صلي الله عليه وسلم . وهذه صيغه تمريض كان يجب أن يتبرأ منها ويتورع عنها من أقل علما من المؤلف وانتسابا للعلم الشريف . اللهم ألبسنا ثوب الورع العميم وأعدنا بحولك وقوتك من العذاب الأليم فليس المؤمن بسباب ولا فاحش ولا بذئ
________________________________________
واجعلنا اللهم من أحباب أهل بيتك الكريم الذين قلت فيهم ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربي) وقال فيهم صلي الله عليه وآله وسلم ( احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي) أخرجه الترمذي وحسنه الطبراني عن ابن عباس . ورحم الله القائل.
كانت مودة سلمان لهم رحم * ولم يكن بين نوخ وابنه رحم ،
*( الرد على الحوار ) *
قال الشيخ ابن منيع ( إن المالكي بما قرأنا له في كتابه – الذخائر المحمدية – من أن الخلق خلقوا لأجل محمد وأن محمدا له علم شامل , ويعلم الروح والأمور الخمسة التي اختص الله تعالي بعلمها وأن له مقاليد السموات والأرض ) إلي أخر ما قاله في حواره ص 186 ولي علي ما سبق الردود التالية مستعينا بحوله تعالي وقوته القوية فأنه لا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم ..
الفصل الثاني
ولأجله خلقتك
يذكر بعض العلماء في كتب المناقب أن من جمله خصائصه صلي الله عليه وسلم أن الكون خلق لأجله وممن ذكر هذه الخصوصية الحافظ جلال الدين السيو طي والحافظ القسطلانى والشيخ الزرقاني وصحح أحاديث هذه الخصوصية الحافظ الحاكم والسبكي والبلقيني ، فقد أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني في الصغير وأبو نعيم وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( لما اقترف أدم الخطية قال : يارب بحق محمد لما غفرت لي قال وكيف عرفت محمدا ؟ قال لانك خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعملت أنك تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك قال صدقت يا أدم ولولا محمد ما خلقتك . قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد وقال الذهبي بل هو موضوع
( المستدرك وتلخيصه ج2/651) ( والمواهب اللد نية وشرحها ح1ص 62)
________________________________________
قلت وقول الذهبي أنه موضوع تعنت منه وهذا ليس بغريب لأنه معروف في ميزان الجرح والتعديل بأنه من المتشددين وقد ذكر هذا الحديث البيهقي في كتابه المشهور دلائل النيوه وهو ملتزم أن يخرج حديثا في كتابه يعلم انه موضوع كما نص عليه الحافظ السيوطى في كتابه التوحيد من اللالي المصنوعه ةقد ذكر في هذا الكتاب وهي ضعيفه وأنه يكتفي بالصحيح ( ص 5 دلائل النبوه ) وقد قال الذهبي عن هذا الكتاب أي ( دلائل النبوه ) عليك به فإنه كله هدي ونور اه من شرح المواهب ح1ص 62 وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في كتابه دلائل النبوه في باب ماجاء في تحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم بنعمه ربه عز وجل ولقوله تعالي (وأما بنعمه ربك فحدث ) ثم قال بعد أن ساقه تفرد به عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف ا ه وأيدك ذلك الحافظ عماد الدين ابن كثير حيث نقل هذا الحديث في كتابه البدايه والنهايه ولم يتعرض عليه بشئ ( البداية 1/180 ) وأخرج الحاكم وصححه وأقره السبكى والبلقينى عن ابن عباس رضىالله عنهما قال أوحي الله إلي عيسى أمن بمحمد وبمن أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت أدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش علي الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله الا الله محمد رسول الله فسكن . قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (2/615) وقال الذهبي قلت أظنه موضوعا علي سعيد قلت وذكر هذا الحديث الإمام محمد بن يوسف الشامي في كتابه المعروف بالسيرة الشامية وقال رواه ابو الشيخ في طبقات الاصفهانيين والحاكم وصححه وأقره السبكى وشيخ الاسلام البلقيني في فتاويه وقال الذهبيى في سنده عمرو بن أوس لايدرى من هو . وروي الديلمي في مسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال أتاني جبريل فقال يامحمد إن الله يقول لولاك ماخلقت الجنه ولولاك ماخلقت النار ( السيره الشاميه وذكر الحيث أيضا السبكى في شفاء السقام وصححه ص
________________________________________
163) كما ذكر الحديث الشيخ ابن تيميه في فتاويه الكبرى ج2/151 وقال روى أبو النعيم الحافظ في كتابه دلائل النبوه ومن طريق الشيخ أبي الفرج بسنده إلي عمر بن الخطاب قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لما أصاب أدم الخطيئة رفع رأسه فقال يا رب بحق محمد إلا عفرت لي فأوحي إليه وما محمد ومن محمد ؟ فقال يا رب إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلي عرشك لفاذا عليه مكتوب لاإله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع سمك فقال نعم قد غفرت لك وهو أخر الانبياء من ذريتك ولولاه ماخلقتك قال ابن تيميه . فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للاحاديث الصحيحه قلت فهذا يدل علي أن الحديث عند ابن تيميه صالح للاستشهاد والاعتبار لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين وأنت تري أن الشيخ استشهد به هنا على التفسير وبهذا ظهر أن الحديث هذا صححه جماعه من العلماء لا يستهان بهم كالحاكم والسبكى والبلقينى والبيهقي إذ أخرجه في كتابه الذي شرط فيه أن لايخرج الموضوعات وكذلك ابن كثير والقسظلاني والزرقاني وكون الذهبي رده أو حكم بأنه موضوع لا يؤثر شيئا وليس رأي الذهبيى بأولى من رأي الحاكم والبيهقي فمن رد الحديث من أجل فساد المعني فهذا إجتهاد منه في الفهم ونحن نقبله من اجل حكم الحاكم والبيهقي ومن قال ان الحاكم بالوضع وقد حكم كثير من العلماء على أحاديث بالوضع فلم يسلم قولهم كابن الجوزى فأنه أورد في كتابه ( الموضوعات الكبرى ) الضعيف بل الحسن بل الصحيح مما هو في سنن أبى داود وجامع الترمزي وسنن ابن ماجه ومسترك الحاكم وغيرها من الكتب المعتمده بل فيه حديث في صحيح مسلم حتي قال بعض العلماء ومن عجيب نايرى للمسلم * فيه حديث من صحيح مسلم . والحديث يدل علي مزيد التكريم لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم ولا يعارض شيئا منأصول التوحيد وليس فيه انتزاع لحق من حقوق الربوبيه أوصفات الألوهيه بل إنه تشهد له كثير من
________________________________________
الحقائق المعتبره فمن ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه العزيز النبي صلي الله عليه وسلم رحمه للعالمين قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين ) فثبت أنه صليى الله عليه وسلم رحمه وأن هذه الرحمه للعالمين ولا بد لتحقيق هذه الرحمه من وجود العالمين فهم مظهر تحقق تلك الرحمه فلا حرج أن يقال إن العالم خلق من أجل تلك الرحمه المتعلقه به ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالي قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ) وهذا يفيد أن من الحكم الالهيه لايجاد الخلق هو العباده له سبحانه وتعالي وهذه العباده التي من أجلها خلف الخلق لاتكون إلافي الدنيا فهي مظهر تلك العباده ومحلها ومشهدها فمن لازم القضيه أن نقول أن الكون كله خلق من أجل إقامه العباده لله سبحانه وتعالي فلا حرج لوقال قائل ان الله سبحانه وتعالي خلق الكون من اجل عباده الخالصين والمخلصين العابدين الطائعين . ومحمد صلي الله عليه وسلم
نظائر لهذا التكريم الإلهي
________________________________________
وقد وقع من نوع هذا التكريم لأفراد من هذه الأمة وغيرهم من اتباع الرسل فيغفر الله سبحانه وتعالي لهذا من اجل هذا ويسامح هذا من اجل هذا ويشفع هذا في هذا كما جاء في أحاديث عرفه أن الله تعالي يقول للملائكة في حق الواقفين بعرفه الداعين إني أجبت دعاءهم ووهبت مسيئيهم لمحسنيهم ( رواه أبوعلي ) وفي رواية الطبراني عن النبي صلي الله عليه قال ( إن الله وهب مسيئكم لمحسنكم وأعطي امحسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله ) فلما كان ( بجمع ) قال إن الله عز وجل قد غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في كالحيكم . وفي رواية للبيهقى أن الله تعالي يقول ( إني قد غفرت له وشفعته في نفسه ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف) . وهذه الأحاديث ذكرها الحافظ المنذرى في الترغيب والترهيب في كتاب الحج ج3ص 323 وهي صالحة للاحتجاج وبمجموعها يصير الخبر صحيحا . وقد جاء أن عباد الله الصالحين من يرزق الله الكون لأجلهم فبهم يسقى العباد وينصرهم ويغيثهم ويدفع البلاء عنهم ويجلب الخير لهم ويرحم بهم أهل الأرض جميعا . عن على رضي الله عنه قال أني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ( البدلاء بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات جل أبدله الله رجلا مكانه يستسقي بهم الغيث وينصر بهم علي الأعداء ويصرف عن أهل الشام العذاب ) . رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد وهو ثقه وقد سمع من المقداد وهو أقدم من علي . وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : ( الإبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل خليل الرحمن عز وجل كلمات مات رجل أبدل الله تعالي مكانه رجلا) رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الواحد بن قيس وقد وثقه العجلي وأبو زرعه وضعفه غيرهما . وعن عباده بن الصامت قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يزال في أمتي ثلاثون بهم يقوم الأرض وبهم تمطرون وبهم تنصرون قال قتاده إني أرجو أن يكون الحسن منهم . رواه الطبراني من طريق عمر , والبراز
________________________________________
عن عنبسة الخواص وكلاهما لهم أعرفه وبقيه رجاله رجال الصحيح . وعن أنس قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم تسقون وبهم تنصرون مامات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه أخر قال سعيد سمعت قتادة يقول لسنا نشك أن الحسن منهم , رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن( مجمع الزوائد 10/ص 62) عن أبى ألد رداء قال : قال رسول الله صلي الله وسلم : من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرون مره كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض رواه الطبراني وهو حسن كذا في الجامع . بل إن الله سبحانه وتعالي أكرم بأسرها ومعها نبيها لأجل نمله حقيرة فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال عنه قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقي فإذا هو بنمله رافعه بعض قوائمها إلي السماء فقال : ارجعوا فقد أستجيب لكم من أجل هذه النمله رواه الدار قطني ( مشكاة المصابيح ج1ص 478) فإذا صح أن يقال أن الله لأجل نمله سقي أمة بأسرها وفيها نبيها وصالحوها وأولياؤها فما المانع أن يقال ان الله خلق أدم لأجل محمد صلي الله عليه وسلم ومعلوم أن المقصود بمحمد هو ذاته وشريعته ورسالته الخاتمة الكاملة العامة فا لله خلق أدم والكون من أجل محمد للأيمان به ونصرته وتأييده والإقرار برسالته التي ختم بها الرسالات واكمل بها الدين وتمم بها مكارم الأخلاق . وقد جاء أن الله تعالي أخذ العهد والميثاق عل جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا بمحمد صلي الله عليه وسلم إذا أدركوه وأن ينصروه ويؤيدوه ويكونوا من أتباعه وأن يأخذو مثل هذا العهد علي أممهم قال تعالي (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
________________________________________
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) قال علي وابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق , لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق علي أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . قال ابن كثير فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائما إلي يوم الدين , هو الإمام الأعظم الذي لووجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم علي الأنبياء كلهم ولهذا كان إمامهم ليله الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس .وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل حلاله لفصل القضاء بين عباده وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتي تنتهي النبوة إليه فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه .
استشاره الحق سبحانه وتعالي نبيه محمدا
________________________________________
ومن نظائر هذا التكريم ما جاء في الحديث أن الله سبحانه وتعالي استشار نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم في شأن الأمة . عن حذيقه قال : غاب عنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج فلما خرج سجد سجده حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها فلما رفع رأسه قال إن ربي عز وجل استشارني أمتي ماذا – أفعل بهم قلت ما شئت ربي هم خلفك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك فقال لا نخزيك في أمتك يا محمد وأخبرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم وحساب ثم أريل إلي فقال ادع تجب وسل تعط فقلت لرسوله أو معطي ربي عز وجل سؤلي قال ما أرسلني إليك الا ليعطيك ولقد اعطاني ربي عز وجل ولا فخر وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخروانا أمشي حيا صحيحا وأعطاني ان تجوع أمتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر من الجنه يسيل في حوضي وأعطاني العز والنصر والرعب يسير بين يدي أمتي شهرا وأعطاني أني أول الأنبياء ادخل الجنه وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأجل لنا كثيرا مما شدد علي من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج . رواه احمد . قال الهيثمى إسناده حسن (ج10ص 68 مجمع الزوائد) . وبهذا ظهر أن من قال بهذه الخصوصية وأثبتها للنبي صلي الله عليه وسلم هم رجال لا يستهان بهم من أئمة هذه الأمة وحفاظها كالحاكم والبيهقي والسبكى السيوطى وابن الجوزي والزرقاني والقسطلاني لهم دليل يستمسكون به وأصل يرجعون إليه لا من هواهم أو تعصبهم وبقي بعد ذلك البحث في صحة هذا الأصل أو عدم صحته وللمنكر أن يقول إن الأصل بيس بصحيح مثلا فينبني عليه عند من يعرف أصول البحث والنظر أن يقال للمستمسك به إنه مخطئ ولا يصل به الحال إلي أن يقال عنه إنه مشرك أوصال ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) إن هذه المسألة ل صله لها بالشرك والكفر , وإنما يدور البحث فيها بين الصواب والخطأ والبطلان .
الفصل الثالث
النبي صلي الله عليه وسلم وعلم الغيب
________________________________________
العلم بالغيب علمان . علم اتي مطلق تفصيلي محيط بجميع المعلومات الالهيه بالاستغراق الحقيقي وهذا خاص بالله جل جلاله لا يشاركه فيه أحد ومن أثبت شيئا منه ولو ادني من ذره لاحد من العالمين فقد كفر وأشرك وبار وهلك , وعلم عطائي مكتسب من الله تعالي لبعض عباده مثل الأنبياء عليهم السلام قال تعالي : 1-( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)
2-وقال تعالي (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)
3- وقال : (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ)
4- وقال : (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا )
5- وقال : (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)
إلي غير ذلك من آيات كثيره . وهذا ما وفق إليه العلماء الإثبات في آيات النفي والإثبات –كما قال الإمام أبو ذكريا النووي في فتاواه والإمام ابن حجر المكي في ( الفتاوى الحيثيه ) وغيرهما أن معناها ( لا يعلم ذلك استقلالا وعلم أحاطه بكل المعلومات إلا الله تعالي . ولا يمكن أن تخطر شبه مساواة علم المخلوقين طرأ أجمعين بعلم رب العالمين لأنه علمه تعالي ذاتي وعلم الخلق عطائي علم الله واجب لذاته وعلم الخلق ممكن له علم الله أزلي سرمدى قديم حقيقي الخلق – ومنهم الأنبياء حادث لأن الخلق كله حادث والصفه لا تتقدم الموصوف علم الله غير مخلوق وعلم الخلق مخلوق علم الله غير مقدور وعلم الخلق مقدور ومقهور علم الله تعالي واجب البقاء وعلم الخلق جائز الفناء علم الله ممتنع التغير وعلم الخلق ممكن التبدل ( الدوله المكية بالماده الغيبية : للشيخ العلامة احمد رضا خان رحمه الله .
المنهج السليم للاستدلال بآيات القرآن الكريم
________________________________________
إن ملاك الأمر ومناط النجاة الإيمان بالكتاب كله , وما ضل أكثر من ضل إلا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كالقدرية آمنوا بقوله تعالي ( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) وكفروا بقوله تعالي ( والله خلقكم وما تعلمون ) والجبرية أمنوا بقوله تعالي ( وما تشآون إلا أن شاء الله رب العالمين ) وكفروا بقوله تعالي ( ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) , والخرواج أمنوا بقوله تعالي ( وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين ) وكفروا بقوله تعالي ( إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) والمرجئة أمنوا بقوله تعالي ( لاتقطنوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا أنه هو الغفور الرحيم) وكفروا بقوله تعالي ( من يعمل سوءا يجز به ) وأمثال ذلك كثير , دليل علمه الغيب ( صلي الله عليه وسلم) من القرآن الكريم . والقرآن الكريم الذي نص أنه ( لايعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) نص أيضا أنه ( لا يظهر علي غيبه أحدا إلا من ارتضي من رسول الله ) وقال ( وما كان الله ليطلعكم علي الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) وقال ( وما هو علي الغيب بضنين) وقال ( وعلمك ما تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقال تعالي ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) وقال تعالي ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كانت لديهم إذ يختصمون ) وقال تعالي ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ) إلي غير ذلك من الآيات , فهذا ربنا تبارك قد نفي نفيا لا مرد له أنه ( لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فالكل حق والكل إيمان ومن أنكر شيئا منهما فقد كفر بالقرآن . فمن نفي مطلقا ولم يثبت بوجه فقد كفر بآيات الإثبات ومن أثبت مطلقا ولم ينف بوجه فقد كفر بالآيات النافيات والمؤمن يؤمن بالكل ولا تتفرق به السبل . نعم قال النبي صلي الله عليه وسلم (
________________________________________
خمس لا يعلمهن إلا الله ) وقال الله عز وجل ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فخصص الرسول وعمم الآلة وآنا بكل مؤمنون .. فإن الخصوص لا ينفي العموم فلا يعلم الخمس إلا الله ولا يعلم غيرها من الغيوب التي هي أعلي وأشرف وأدق وألطف منها إلا الله بل لا يعلم أحد شيئا إلا الله بل لا وجود حقيقيا إلا الله وقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم أصدق كلمه قالتها العرب قول لبيد ( ألا كل شئ ما خلا الله باطل ) ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه صلي الله عليه وسلم قد أحاط بجميع معلومات الله سبحانه وتعالي فإنه محال للمخلوق ذلك .
دليل علمه الغيب صلي الله عليه وسلم من الأحاديث الشريفة :
________________________________________
قال الله تعالي ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) حسبنا حديث البخاري عن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه قال ( قام فينا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنه منازلهم وأهل النار منازلهم ) وحديث مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه في خطبته صلي الله عليه وسلم من الفجر إلي الغروب وفيه ( فأخبرنا بما كان وبما هو كائن , فأعلمنا أحفظنا ) وحدي الصحيحين عن حذ يفه رضي الله تعالي عنه قال ( قام فينا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا سيكون في مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدث به ) وحديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وفيه قوله صلي الله عليه وسلم ( فرأيته عز وجل وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثدي فتحلي لي كل شئ وعرفت) صححه البخاري الترمذي وابن خزيمه والآئمه بعدهم وحديثه عن ابن عباس رضي الله تعالي عنهما وفيه قوله صلي الله عليه وسلم ( فعلمت ما في السموات والأرض ) وفي أخري ( فعلمت ما بين المشرق والمغرب ) وحديث مسند الامام احمد لرضي الله عنه وطبقات ابن سعد وكبير الطبراني بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري وحديث أبي يعلي وابن منيع والكبراني عن أبي الدر داء رضي الله تعالي عنهما قالا ( لقد تركنا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما) وفي الصحيحين في حديث الكسوف( مامن شئ لم أكن أريته إلا إلا أريته في مقامي هذا) أوكما قال صلي الله عليه وسلم , الطبراني في كبيره وتعيم ابن حماد في ( كتاب الفتن ) وأبي نعيم في ( الحليه) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( إن الله رفع لي الدنيا فأنا انظر إليها والي ما هو كائن فيها آلي يوم القيامة كأنما انظر إلي كفي هذا) جليانا من الله تعالي جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين من قبله ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات
________________________________________
والأرض وليكون من الموقنين ) صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
إقراره صلي الله عليه وسلم وعدم إنكاره لمن نسب إليه علم الغيب من الله تعالي .
وقد أنشد سواد بن قارب رض الله تعالي عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قائلا . فأشهد أن الله لا شئ غيره* وأنك مأمون علي كل غائب وأنك ادني المرسلين شفاعة * إلي الله يا ابن الأكرمين الأطايب فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب , هكذا رواه في المسند وإن كانت الرواية الأخرى ( لا رب غيره) بدلا من ( لاشيء غيره) فسيدنا سواد بن قارب في مديحه ,
نفي الوجود عن كل شئ سوي الله تعالي لأن ( كل شئ هالك الا وجهه) أو نفي ربوبيه من سواه
أثبت علم المغيبات لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم حيث جعله أمينا عل جميع الغيوب والجاهل بالشيء لا يكون أمينا عليه ,
أمن بأن نبينا صلي الله عليه وسلم قد أعطي الشفاعة كما قال صلي الله عليه وسلم ( واعطيت الشفاعة )
( توضيح وبيان )
علي أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أن علمه صلي الله عليه وسلم مماثل ومسا ولعلم الغيب أو لعلم أي واحد من أمته لأن الله تعالي عندما علمه أن يقول ( إنما أنا بسر مثلكم) علمه آن يضيف إليها ( يوحي إلي) وأينا يوحي إليه ؟ وقد عاب الله تعالي في محكم كتابه علي المشركين ( ادعاء المثلية ) مع الأنبياء وزعمهم إياها لقولهم ( ما انتم إلا بشر مثلنا) , إن النبي صلي الله عليه وسلم علم الغيب المكتسب الحادث من علم الله تعالي الذاتي القديم بدليل ما سبق من قوله تعالي ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113) فقد امتن سبحانه وتعالي في هذه الآية علي حبيبه صلي الله عليه وسلم بتعليمه ما لم يكن يعلم وختم الامتنان بما دل علي عظمه تلك آلمنه العظمي وفخامة النعمة الكبرى فقال ( وكان فضل الله عليك عظيما) ,
علم اللوح والقلم
________________________________________
وعلي ضوء ما سبق نستطيع أن تفهم ونتأول معني قول الأمام البوصيرى رضي الله عنه ( ومن علومك علم اللوح والقلم) فقد قال العلامة علي القاري في ( الزبده) شرح البرده تحت البيت المذكور توضيحه ( أن المراد بعلوم اللوح ما أثبت فيه من النقوش القدسية والصور الغيبيه وبعلم القلم ما أثبت فيه كما شاء تعالي وما في اللوح المحفوظ إلا الدنيا فإن الآخرة بعد اليوم الآخر ووراء ها ذات الله سبحانه وتعالي وصفاته التي لا يسعها لوح ولا قلم وقد قال الله تعالي في الدنيا ( قل متاع الدنيا قليل) فأني يقع ما استقله الله تعالي مما استعظمه وكبر شأنه مع آن علمه صلي الله عليه وسلم قد تعدي حسب مامر بنا من أحاديث شريفة صحيحه علم ما كان وما سيكون في الدنيا آلي ما بعد اليوم الأخر من الحشر والنشر والحساب والكتاب ومشاهد ومواقف يوم القيامة مما بينه صلي الله عليه وسلم لأمته من تفاصيل ما هنالك من الثواب والعقاب إلى نزول الناس منازلهم من الجنه والنار إلى ما بعد ذلك مما شاء الله تعالي إعلامه له كما أنه صلي الله عليه وسلم علم من ذاته عز وجل وصفاته ليه الإسراء والمعراج وقبلها وبعدها ما لا يحصي قدره الا الله المانع تلك العطايا لمصطفاة وهكذا يمكن فهم وتأويل ما ذكره . البوصيرى من أن ( علم ما كان وما سيكون المثبت في اللوح المحفوظ ) بعض من علوم نبينا صلي الله عليه وسلم التي اطلعه الله عليها والحاصل ان الشيخ ابن منيع اقام الدنيا واقعدها علي السيد المالكي عند نقله ماقاله البوصيرى ( ص 126 وغيرها ) ولم يتأمل ويتأول بل سارع الي القول بما اخفه عبارة ان خصمه ولم يكن الا ناقل عباره ( ضال مضل متنكب عن صراط الله المستقيم) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كيف نفهم الآية الكريمة وحديث ( خمس لا يعلمهن إلا الله )
________________________________________
نعم قال الله تعالي ( أن الله عنده علم الساعه وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تجرى نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي ارض تموت إن الله عليم خبير) فهل في هذه الآية دليل علي اختصاص الخمس بمولانا وربنا تبارك وتعالي شأنه وهل هي تدل علي الحصر والقصر أجاب علي هذا السؤال والتساؤل أحد العلماء المحققين فقال ( إنه ليس في هذه الآيات دلاله اختصاص فضلا عن خصوصيته الاختصاص ( العلامة الشيخ احمد رضا خان( الدولة المكية ) ـ فإنه تعالي عندما يقول ( ينزل الغيث) ويقول ( يعلم ما في الأرحام) فمجرد الذكر في مقام الحمد لا يوجب الاختصاص مطلقا فقد مدح الله سبحاه وتعالي نفسه بالسمع والبصر والعلم ( بأنه السميع البصير العليم) ووصف بها عباده أيضا ( جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ومن ذلك قوله تعالي علي لسان موسى عليه السلام ( لا يضل ربي ولا ينسي) والأنبياء أيضا منزهون عن الضلال ( يا قومي ليس بي ضلالة ) وقال تعالي ( إن الله لا يظلم مثقال ذره ) والأنبياء أيضا مبرؤون عن الظلم ( قال لا ينال عهدي الظالمين) وفي إرشاد الساري شرح صحيح البخاري من تفسير ( سوره الرعد) ما نصه ( ذكر خمسا وإن كان الغيب لا يتناهي لأن العدد لا ينفي الزياده ) أ ه
وذكر البدر العيني في ( عمده القاري شرح صحيح البخاري ) ما نصه( قال القرطبي لا مطمع لاحد في هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث وقد فسر النبي صلي الله عليه وسلم قوله تعالي ( وعنده مفاتح الغيب) بهذه الخمس ثم قال ( فمن ادعي علم شئ منها غير مسند الي رسول الله صلي الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه ) فانظر كيف قصر ( التكذيب ) علي من لم يسند له صلي الله عليه وسلم
الله تعالي اطلع نبيه صلي الله عليه وسلم علي علم هذه الخمس
أ – أعلامه تعالي له بما في الأرحام
________________________________________
فقد أخرج الطبراني في الكبير وابن عساكر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم دخل علي أم إبراهيم ( ماريه) القبطية وهي حامل منه بإبراهيم ( فذكر الحديث وفيه أن جبريل أتاني فبشرني أن في بطنها غلاما وهو أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم ) قال الأمام السيوطى في الجامع الكبير سنده حسن ,
اخرج الخطيب وأبو نعيم في ( الدلائل ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثتني أم الفضل قالت ( مررت بالنبي صلي الله عليه وسلم فقال إنك حامل بغلام فإذا ولدته فأتيني به قالت يا رسوال الله أني لي ذلك وقد تحالف قريش أن لا يأتوا النساء قال هو ما أخبرتك قالت فلما ولدته أتيته فأذن في أذنه اليمني وأقام في اليسرى وألها من ريقه وسماه عبد الله وقال . أذهبي بأني الخلفاء حتي يكون منهم السفاح حتي يكون منهم المهدي فقد علم صلي الله عليه وسلم من علم ربه تعالي ما في الأرحام كما مر في هذين الحديتين ،
بل روي الأمام مالك رضي الله عنه ورواه الأمام البخاري مختصرا عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر رضي الله عنه نحلها جدا د عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاه قال يابنيه واله ما من الناس أحد احب إلي غني منك ولا أعز علي فقرا بعد لي منك وإني كنت نحليك جدا د عشرين وسقا فلو كنت جدد ته وأحرزته كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه علي كتاب الله فقالت ياأبت والله لو كان كذا وكذا لاركته إنما هي أسماء فمن الأخري فقال – ذو بطن بنت خارجه أراها جارية – ولابن سعد في الطبقات .قال رضي الله عنه( ذات بطن ابنه خارجه قد ألقي في روعي أنها جاريه فاستوصي بها خيرأ فولدت أم كلثوم)
________________________________________
وقد صح وثبت في أحاديث كثيره صحيحه أن بالرحم ملكا موكلا يصور الولد ذكرا أو أنثي وحسنا وقبيحا ويكتب أجله ورزقه وشقي أم سعيد فهو يعلم ما في الرحم ويعلم ما من الله مايجرى عليه
ب – إعلامة تعالي له بنزول الغيث والمطر
قال الأمام السيوطي في ( الخصائص الكبرى ) باب إخباره صلي الله عليه وسلم عن السحابة التي أمطرت باليمن.
1-أخرج البيهقي عن ابن عباس قال – أصابتنا سحابه فخرج علينا النبي صلي الله عليه وسلم فقال إن ملكا موكلا بالسحاب دخل علي أنفا فسلم علي وأخبرني أنه يسوق السماء إلي واد باليمن يقال له ( ضريح) فجاءنا راكب بعد ذلك فسألناه عن السحابة فأخبر انهم مطروا في ذلك اليوم .فقال البيهقي وله شاهد مرسل عن بكر بن عبد الله المزني أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبرنا عن مالك السحاب أنه يجئ من بلد كذا وأنهم مطروا يوم كذا وأنه صلي الله عليه وسلم سأله متي تمطر بلدنا – فقال يوم كذا وعنده ناس من المنافقين فخفظوه ثم سألوا عن ذلك فوجدوا تصديقه فأمنوا وذكروا ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فقال لهم( زادكم الله تعالي إيمانا )
2-وهذا نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام يقول لأهل مصر( تزرعون سبع سنين دأبا) ويقول يأتي من بعد ذلك سبع شداد – وثم يقول ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)
ج- شواهد غيبية أخرى له صلي الله عليه وسلم
وقد كان صلي الله عليه وسلم يعلم عن ربه أن وفاته بالمدينة فقد قال للأنصار الكرام ( المحيا محياكم والممات مماتكم) رواه مسلم عن أبي هريرة .
4-وقال لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه الي اليمن ( يامعاذ انك عسي أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري ) رواه الأمام احمد في مسنده
________________________________________
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه ( ندب رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتي نزلوا بدر فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا مصرع فلان ويضع يده علي الأرض ها هنا وها هنا قال فما ماط أي نازال وما تجاوز أحدهم عن موضوع يد رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي خديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه تعالي عنه ( والذي بعثه بالحق ماأخطاوا الحدود التي حدها رسول الله صلي الله عليه وسلم ) رواه الأمام مسلم ( أه)
إخباره صلي الله عليه وسلم بشئ من المغيبات
________________________________________
المعلوم أن اسم النبي مشتق من ( النبوة ) أو ( النبوءه) وهي التنبؤ بالعلم الغيبي الغائب عن غيره من البشر نقلا عن ربه تعالي الذي زوده بها( حجه له علي قومه) . ومن معجزاته صلي الله تعالي عليه وسلم اطلاعه علي المغيبات وإخباره عنها فكان يظهر ذلك كفلق الصبح وقد وصلت أخبارها الينا بالتواتر القطعي الذي لا يقبل الجحود ولا يمكن فيه شئ من الحمحمة وتلك الاخبار السعيدة كثيره لا تعد . وقد مر بنا منها أنه روي عن حذ يفه رضي الله تعالي عنه أنه قال . قال فينا رسول الله صلي الله عليه تعالي وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامة ذلك إلي قيام الساعه إلا حدث به حفظه ونسبه من نسيه قد علمه ( أي هذا الخبر ) أصحابي هؤلاء من الصحابة الحاضرين . وإنه ليكون منه الشئ قد نسيته فأعرفه وأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل اذا غاب عنه ثم اذا أراد عرفه . ثم قال حذ يفه ماأدري أنسي أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم من قائد فتنه إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائه فصاعدا إلا قد سماه لنا إسمه واسم أبيه وقبيلته رواه الشيخان. وعن أبي ذر رضي الله تعالي عنه انه قال لقد تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا من علما( أي أفهمنا من ذلك الطائر أ, تحريكه شيئا من الأحكام إجمالا أو تفضيلا) لرواه احمد بن حنبل والطبراني بسند صحيح وأبو يعلي وابن منيع عن أبي الدرداء وهو عن أبي ذر رض الله تعالي عنهم . وفيما أخرجه أهل الصحيح كالشيخين وابن حبان وابن خزيمه والحاكم والإمام مالك احمد بن حنبل أن رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم أعلم أصحابه أمور كثيره من الغيوب ووعد بظهورها فأخبر عن ظهورهم وغلبتهم علي اعدائهم فظهروا وغلبوا وفق إعلامه وإخباره عليه من الله أتم الصلاه والسلام كما رواه الشيخان بلفظ تخريجهما . وأخبر عليه السلام أيضا عن فتح مكة فوقع فتحها غي حياته الشريفة
________________________________________
عليه اجل وأذكي السلام , وهذا معروف عند المفسرين والمحدثين وأصحاب التواريخ ورواه الشيخان ايضا بلفظهما . وأخبر عليه الصلاه والسلام ايضا عن فتح بيت المقدس فوقع الفتح كما أخبره رواه البخاري بلفظه عن عوف بن مالك . وأخبر عن فتح اليمن والشام والعراق فوقع الفتح في كل مكان منها وفق إخباره عليه من الله السلام كما رواه الشيخان ايضا تخريجهما وأخبره عليه الصلاه والسلام ايضا عن ظهور الأمن حتي تظعن المرأه ( أي ترحل وتسير) من الحيرة بكسر المهلمه ومدها ( مدينه بقرب الكوفه ) الي مكه لا تخاف إلا الله رواه البخاري بلفظه . وأخبر عليه السلام أيضا لأن المدينة ستغزي ( أي ستحارب وتقاتل ) رواه الشيخان بلفظهما. وهنا يقتضي التوفيق بين كلام الإمام النووي والإمام التلمساني لأن الأول ذهب الي أن تلك المحاربة تقع قرب الساعة وذهب الثاني الي أنها وقعت في زمن يزيد بن معاوية فإنه قد أرسل عسكره من الشام الي المدينه فنهبوها وحاربوا أهلها وتلك المحاربة معروفة قد وقعت في الحرة بفتح الحاء المهملة أرض ذات حجاره سود في ظاهر المدينة قتل فيها كثير من ابناء المهاجرين والانصار وكانت تلك الوقعة في ذي الحجة سنه ثلاث وستين بعد الهجرة وعقيبها هلك يزيد فالتوفيق بين كلاميهما بأن المحاربه التي اخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام مطلقة إ1 لم يتعين زمان وقوعها في إجباره عليه الصلاة والسلام فيمكن وقوع المحاريه مرتين مره في قرب الساعه كما ذهب اليه الإمام النووي ومرة في زمن يزيد بن معاوية علي ماذهب اليه الإمام التلمساني ( طي السجل – السيد محمد مهدى الرفاعي الشهير بالرواس-) (1) وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن فنح خيبر علي يد علي رضى الله عنه وكرم الله وجهه وعليه السلام في غد يومه كما رواه الشيخان عن سهل بن سعد انه عليه الصلاة والسلام قال لأعطين الراية إذا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله علي يدية فدعا عليا وكان
________________________________________
أرمد فبصق في عينيه فبرأ وفتح الله علي يديه . وأخبر عليه الصلاة والسلام عما يفتحه الله علي أمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها ( أي يطعون من بهجتها ورونقها من كثره المال وسعه الجاه ويقسمون كنوز كسرى وقيصر) كما رواه الشيخان بلفظهما. فوقع كل ماذكر وفق مأ أخبربه عليه الصلاة والسلام عن الغيب بطريق خرق العاده والمعجزة , وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عما يحدث بين أمته من الفتن والأختلاف والآهواء وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم علي ثلاث وسبعين فرقة والناجية منها واحدة فظهر صدق إخباره عليه الصلاة والسلام. وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا بأن أمته سيكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حله ويروح في أخرى ويوضع بين يديه صحفه( أي قصعة طعام) وترفع اخري وسترون بيوتهم كما تستر الكعبة وأنتم اليوم خير منهم يؤمئذ , والأنماط بفتح الهمزة جمع نمط نوع فراش ويغشي به الهدوج وهنا معجزه جليلة فأنه أخبرها كما يري عليه الصلاة والسلام وظهر لنا الذي رأه عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام بعد حين فإن الكثير من الأمة المحمدية في الأقطار السائرة يسترون بيوتهم بأنواع الأقمشة ويرفعون فوق روازنها وأبوابها الأستار ويجعلون الأنماط علي الأسرة المعدة لمنامهم تغشي بها كما يغشي الهدوج وقد سري هذا في المالك الأسلامية بين أولي الرفاهية من الأجناس المختلفه من العرب والعجم فالحمد لله الذي صدف نبيه صلي الله تعالي عليه وسلم ماوعده .واخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بأن أمته اذا مشوا المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم وسلط بينهم شرارهم علي خيارهم. والمطيطاء بضم الميم وفتح طائين مهملتين بينهما ياء ساكنه والكلمه ممدوده وهي مشيه بالتخبخير والخيلاء . وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن قتال أمته الترك والخرز والروم وعن ذهاب كسري وفارس وقيصر حتي لا كسري ولا فارس ولا قيصر بعد ذهابهم رواه الشيخان بلفظ الحديث بدون فارس , وأخبر عليه
________________________________________
الصلاة والسلام عن وقوع قريب للعرب حيث قال ويل العرب من شر قد قترب رواه الشيخان عن أم المؤمنين زينب رضي الله تعالي عنها, وهذا وقع للعرب في شهاده سيدنا عمر وفي فتنه سيدنا عثمان وفي واقعه سيدنا علي المرتضي رضي الله تعالي عنهم اجمعين وتبع هذا واقعه الأمام الحسين سلام الله ورضوانه عليه ولعله استكمل في واقعه التتار وهجموهم علي بغداد وإزاله الخلافه الإسلاميه حتي بقي المسلمون ثلاثه اعوام بلا خليفه والعياذ بالله تعالي له الحكم واليه ترجعون وقد ظهر ظهور الشمس الطالعه صدق إخباره عليه من ربه أكمل الصلاه وأتم السلام , وأخبر عليه الصلاة والسلام عن بلوغ ملك أمته إلي مشارق الأرض ومغاربها لي ما رواه مسلم عن ثوبان أن النبي عليه السلام قال إن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها, والمنعي زويت لي جمله الأرض مره واحده وستفتحها أمتي جزء فجزء حتي تملك جميع اجزائها فبلغ ملك هذه الأمة إلي مشارق الأرض ومغاربها ولم يمتد ملك هذه الأمة في الجنوب والشمال مثل امتداده في المشارق والمغرب أذ لم يقتض هذا الحديث ذلك الأمتداد فظهر ها هنا ايضا صدق إجباره علي الصلاة والسلام, وأخبر عليه السلام أيضا عما ينال أهل بيته ( أي يصيبهم من المحن) كقصة الحسن والحسين وبقية أهل البيت وتقتيلهم وتشريدهم علي مارواه الحاكم بلفظ الحديث و×بر عليه الصلاة والسلام أيضا عن نباح كلاب والحوأب علي بعض أزواجه وكان فإن عائشه رضي الله تعالي عنهما توجهت للصلح بين لي ومعاويه فلم تقدر علي إصلاح مابينهما فنبحت كلاب الحوأب عليها كما رواه احمد بن حنبل والبيهقي بلفظ الحيث فظهر ها هنا أيضا صدق إخباره عليه السلام. واخبر عليه الصلاة والسلام عن القتلي الكثيرة حول بعض أزواجه وهي عائشه وأخبر عن نجاتها كما رواه البزار بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالي عنهما, وقد ذكر بعض أهل الحيث أن القتلي يؤمئذ حول عائشه صارت مقدار
________________________________________
ثلاثين الفا من الناس فنجت ونبحت كلاب الحوأب عليها . وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن قتل سيدنا علي رضي لله تعالي عنه وأخبر عن الأشقي الذي يخضب لحيه علي بدم رأسه رواه احمد بن حنبل والطبراني بلفظ الحديث ,وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن ملك بني أمية كما رواه الأمام الترمذي والحاكم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما وايضا رواه البيهقي عن سعيد بن المسيب وأبي هريرة رضي الله تعالي عنهما وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن خروج بني العباس بن عبدالمطلب بالرايات السود وعن ملكهم اضعاف ما ملكوا فظهر صدق أخباره عليه الصلاة والسلام . وأخبر عليه اكمل السلام عن قتل عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه قال يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف وإن الله عسي ان يلبسه قميصا وإنهم يريدون خلعه وإن سيقطر دمه علي قوله تعالي ( فسيكفيكهم الله ) فوقع كل ذلك . وأخبر عليه أتم السلام ايضا بأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيأ فلم تظهر الفتن في حياته , وأخبر بأن عمارا تقتله الفئه الباغية فقتله اصحاب معاوية وأخبر عليه أشرف السلام لجماعه فيهم ابو هريرة وح1يفه وسمره ابن جندب بأ، أخركم موتا في النار فكان بعضهم يسأل عن بعض فكان سمره اخرهم موتا هرم وضهف حتي أصابه ضرر في بدنه وخلل في عقله فاصطلي بالنار فاحترق فيها فظهر أيضا صدق إخباره عليه الصلاة والسلام.وأخبر عليه أجل السلام بانه يكون في ثقيف كذاب مبير فظهر في قبيله المختار بن عبيد كذابا والحجاج كليب بن يوسف مبيرا ( أي مهلكا قاتلا ظااما ) . وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن مسيلمه الكذاب يعقره الله ( أي يقتله ) فقتل في خلافه أبي بكر الصديق رضي الله تعالي عنه. وأخبر عليه أجزل السلام بأن فاطمه بنته عليه السلام أول اهله لحوقا به فكان الأمر كذلك فأنها لحقته بالموت بعد سته أشهر ولم يسبق موتها احد من أهله , وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بأن الخلافه بعدي ثلاثون سنه ثم تكون ملكا ( أي سلطنه)
________________________________________
فكانت وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بشأن أويس القرني فظهر شأنه وفق ماأخبر به عليه السلام, وأخبر عليه الصلاة والسلام في غزوه المصطلق بموت منافق في المدينه حين هاجت الريح فلما رحعوا الي المدينه وجدوا الأمر كذ لك وأخبر عليه الصلاة والسلام لقوم من جلسائة بان ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد قال أبوهريرة فذهب القوم ( يعني ماتوا) وبقيت أنا ورجل وارتد فقتل مرتدا يوم اليمامة والعياذ بالله تعالي , وأخبر عليه الصلاة والسلام بالرجل الذي غل خرزا من خرز يهود فوجد الخرز ف حله , وأخبر عليه الصلاة والسلام بالرجل الذي غل الشمله وأخبر بمكانها فوجدت تلك الشمله حيث أخبر به عليه السلام وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بمكان ناقته التي ضلت وغابت وأخبر كيف تعلقت بالشجرة بخطامها فوجدها علي وفق ما أخبر عليه السلام, وأخبرعليه الصلاة والسلام أيضا بقضيه عمير مع صفوان وهي أنه كان صفوان يقول في خلوته سرا ياعمير إن قتلت محمد ا فأنا اعطيك شيئا كثيرا فلما جاء عمير الي النبي عليه السلام قاصدا لقتله أخبره بجميع ماجرى بينه وبين صفوان من الأسرار التي وقعت بينهما فأسلم في حضوره الكريم من الله أكمل السلام, وأخبر عليه الصلاة والسلام بالمال الذي تركه عمه العباس عند أم الفضل بعد أن كتمه فقال العابس ما علمه غيري وغيرها فأسلم رواه احمد بن حنبل والحاكم والبيهقي بلفظ تخريجهم. وأخبر عليه الصلاة والسلام بأنه سيقتل بيده الشريفه أبي بن خلف فكان الأمر كذلك ( أي قتله النبي عليه أجل السلام بيده الشريفه) , واخبر عليه الصلاة والسلام عن مصارع كفار قريش في غزوة بدر يقوله عليه السلام هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان أي مقتله فذكر عليه الصلاة والسلام المقتولين بأسمائهم ومواضع قتلهم قبل الوقوع فوقع قتل كل منهم في الموضع الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام , واخبرعليه أتم السلام عن واقعه الإمام الحسن بن الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله تعالي
________________________________________
عنهما فقال عليع الصلاة والسلام إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين رواه الشيخان فظهر. وأخبر عليه اكمل السلام ايضا عن تأخير الموت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالي عنه حين مرض بمكه فقال في حال مرضه يارسول الله أأخلف عن أصحابي فقال رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم لعلك تخلف حتي ينتفع بك اقوام ( أي من الأبرار) ويستضربك أخرون ( أي من الفجار) رواه الشيخان بلفظ تخريجهما فأخر عنه الموت مثل ماأخبر عليه الصلاة والسلام, واخبر عليه الصلاة والسلام عن موت أمراء الميلمين في غزوه مؤته يوم موتهم بأسمائهم وهو عليه أعم السلام ف المدينة وهم قتلوا في مؤته بينها وبين المدينة مسافه شهر تقريبا لأن مؤته بلده من بلاد الشام في أخر حوران فقال عليه السلام في المدينه يوم ماتوا أخذ الراية زيد بن حارثه فأصيب ثم خالد بن الوليد من غير إمره ( أي بلا ولاية ولا إمارة يومئذ) واخبر عليه اكمل السلام عن موت النجاشي يوم مات بأرض الحبشة وبينها وبين المدينة مسيره شهر تقريبا رواه الشيخان بفظ تخريجهما, واخبر عليه الصلاة والسلام عن موت كسري يوم مات وهو عليه اتم السلام في المدينة وكسري في العراق وبينهما مسيرة اربعين يوما تقريبا رواه البيهقي بلفظ تخريجه , واخبر عليه الصلاة والسلام عن لبس سراقه بن مالك سواري كسري فقال عليه السلام له كيف بك إذا لبست سواري كسري رواه البيهى وقد جئ بسواري كسري إلي أير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه في زمن خلافته فألبسهما سراقه بن مالك فقال الحمد لله الذي سلبهما عن كسري وألبسهما سراقه وفي إلباس عمر ابن الخطاب رضي الله تعالي عنه سواري كسري لسراقه إيذان منه إلي كمال شرف الإيمان بحيث إن واحدا من بدو العرب يستحق بسبب إيمانه لبس ما يلبسه ملوك العجم للافتخار به, واخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن عيش أبي ذر رضي الله تعالي عنه فريدا في آخر عمره وعن موته فريدا بفلاة من الأرض
________________________________________
وحضور عصابه ( أي جماعه) علي جنازته فوقع كل ذلك وها مضمون حديث رواه احمد بن حنبل والبيهقي وابن راهويه وابن أبي أسامه, واخبر عليه الصلاة والسلام بأن عضوا من زيد بن صوحان يسبقه إلي الجنه فقطعت يده في الجهاد رواه البيهقي . واخبر عليه الصلاة والسلام بأن اسرع أزواجه لحوقا ( أي وصولا اليه ) بعد موته أطولهن يدا فكانت زينب بنت جحش أسرعهن لحوقا به عليه الصلاة والسلام لطول يدها بالصدقه رواه مسلم بلفظ تخريجه, واخبرعليه الصلاة والسلام ايضا عن قتل سيدنا الحسين بن سيدنا علي ابن ابي طالب رضي الله تعالي عنهما بالطف وأخراج عليه السلام بيده تربه ) أي قبضه من التراب) وقال فيها مضجعه ( أي مقتله أو مدفنه) رواه البيهقي ولفظ حديثه ان جبريل كان عند النبي عليه السلام فدخل حسين رضي الله تعالي عنه فقال جبريل من هذا يعني استخبر عنه لبيان أمر سيكون لا لعدم هلمه فقال عليه السلام إبني فقال جبريل ستقتله أمتك وان شئت اخبرتك بالأرض التي يقتل فيها فأشار جبريل بيده إلي الطف من العراق أخذ تربه حمراء فاراه إياها فسبحان الذي أظهر لرسوله المكرم اسرارملكه وعجائب جبروته وصرفه في عوالم ملكوته وجعله أعظم أياته وسيد مخلوقاته , وقد عد أناس من أهل العلم الوسيع بلأخبار النبوية للحضره المحمديه الفريدة السعيدة اكثر من سته آلأف معجزه) اه ,
خلاصه ومختصر ( الرسول صلي الله عليه وسلم وعلم الغيب):
________________________________________
قال تعالي ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب الا الله) وقال حكايه عن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم ( ولا أعلم الغيب) وقال ايضا( ولوكنت إعلم الغيب لاستكثرت من الخير) اننا نعتقد إعتقادا جازما لا شك فيه ولاريب أن علم الغيب يختص بالله تعالي وما وقع منه علي لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم وغيره فمن الله تعالي إما بوحي أو إلهام فكل ماورد عنه صلي الله عليه وسلم من الآنباء بالغيوب ليس إلا من إعلام الله له به للدلالة علي ثبوت نبوته وصحه رسالته صلي الله عليه وسلم وقد اشتهر وانتشر امره صلي الله عليه وسلم بالإطلاع عل الغيب حتي كان يقول بعضهم لبعض (أسكت فوالله لو لم يكن عندنا من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء) . وروي الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الله قد رفع لي الدنيا فأنا أنظر اليها والي ما هو كائن فيها إلي يوم القيامة كأني إلي كفي هذه) قال عبدالله بن رواحه رضي الله عنه, وفينا رسول الله يتلو كتابه اذا انشق معروف من الصبح ساطع ارانا الهدي بعد العمي فقلوبا به موقنات أن ماقال واقع وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه,
نبي يري مالا يري الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد
فان قال في يوم مقاله غائب فتصديقها في صحوة اليوم أو غد
واخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( كنا نتقي الكلام والانبساط إلي نسائنا مخافة ان ينزل فيها شئ فلما مات النبي صلي الله عليه وسلم تكلمنا) وأخرج البيهقي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال . تالله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيهم شئ من القرآن) ومعجزات هذا الباب لا يمكن استقصاؤها لكثرتها ووقوعها منه صلي الله عليه وسلم في اكثر حالاته عن سؤال وغير سؤال لمناسبات كانت تقتضيها وهي اكثر أنواع معجزاته صلي الله عليه وسلم عددا .
________________________________________
فال القاضي عياض في الشفاء : ( وعلمه الغيب صلي الله عليه وسلم من جملة معجزاته المعلومة علي طرق القطع الواصل إلينا خبرها علي التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها ا.هـ
وروي الامام احمد والطبراني عن ابي ذر رضي الله عنه قال ( تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه إلا ذكر لنا منع علما ) 0
وروي مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال :- قال ( صلي بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتي حضرت الظهر فنزل فصلي ثم صعد المنبر فخطبنا حتي حضرت العصر فنزل فصلي ثم صعد المنبر فخطبنا حتي غربت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلي يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا )
وروي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( قام فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدثه , حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وقد علمه أصحابي هؤلاء وانه ليكون منه الشيء قد نسيته فاراه فأذكر كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه إذا راه عرفه ) 0
روري مسلم عن حذيفة أيضا قال : ( أخبرني رسول الله صلي الله عليه وسلم بما هو كائن إلي يوم القيامة فما منه شيء إلا وقد سألته عنه إلا أني لم اسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة ) 0
وروي أبو داود عن حذيفة أيضا قال ( والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا والله ما ترك رسول الله صلي الله عليه وسلم من قائد فتنية إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته )0
وأخرج أبو يعلي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو غضبان فخطب الناس فقال ( لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ) ونحن نري أن جبريل معه فقال عمر : (يارسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فلا تبد علينا سوآتنا فاعف عنا عفا الله عنك )
________________________________________
وأخرج أبو يعلي بسند لا بأس به عن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : ( لا يزال هذا الحي من قريش آمنين حتى يردوهم عن دينهم كفارا ) فقام إليه رجل فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار ؟قال في النار ثم قال : ( اسكتوا عني ما سكت عنكم فلولا أن لا تدافنوا لأخبرتكم بملأ من أهل النار حتي تعرفوهم ولو أمرت ان أفعل لفعلت )
مفاتح الغيب والخمس في قوله تعالي ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ )
قال الله تعالي : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)
قال القرطبي في تفسيره : فالله تعالي عنده علم الغيب , وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو , فمن شاء اطلاعه عليها اطلعه 0 ومن شاء حجبه عنها حجبه , ولا يكون ذلك من إفاضة إلا علي رسله بدليل قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) وقوله تعالي (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)
قال علماؤنا : أضاف سبحانه عالم الغيب إلي نفسه في غير ما اية من كتابه إلا من اصطفي من عباده
وقد قال بعض العلماء ان الله سبحانه وتعالي اطلع نبيه علي هذه الخمس أيضا وأنه لم يخرج من هذه الدنيا حتي عرفها كما نقل ذلك الحافظ السيوطي إذ قال : ( ذهب بعضهم إلي انه صلي الله عليه وسلم : أوتي علم الخمس أيضا وعلم وقت الساعة والروح وأنه أمر بكتم ذلك ) 0 ( الخصائص الكبري ج3/ص160 )
وكذلك أيضا قال الشيخ ابراهيم الباجوري في حاشيته علي البردة ص810
وكذلك أيضا قال الشيخ احمد بن محمد الصاوي في حاشيته علي تفسير الجلالين قال ما نصه :
والحق انه لم يخرج نبينا من الدنيا حتي اطلعه علي تلك الخمس ولكنه أمر بكتمها ( ج3ص244)
________________________________________
وذكرالامام فخرالدين الرازي في تفسيره كلاما محصله أن نفي العلم بهذه الامور الخمسة عن غير الله سبحانه وتعالي ليس مقصودا ولا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر لأن هذا جاء في سياق خاص لاثبات معني خاص ( تفسير 25/164 )
وفصل هذا المعني الامام العالمة محمود الالوسي في ( روح المعاني )(21/112) بقوله : والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس المغيبات محصورة بهذه الخمس وانما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيرا ماتشتاق النفوس الي العلم بها , وقال القسطلاني : ذكر صلي الله عليه وسلم خمسا وان كان الغيب – لا يتناهي لأن العدد لا ينفي زائدا عليه ولأن هذه الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها 0 ا هـ0
وفي شرع المناوي الكبير للجامع الصغير في الكلام علي حديث بريدة : خمس لا يعلمهن إلا الله أي وجه الاحاطه والشمول كليا وجزئيا فلا ينافيه اطلاع الله تعالي بعض خواصه علي بعض المغيبات حتي من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة وانكار المعتزلة لذلك مكابرة اهـ
________________________________________
وذكر القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلي ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل وكذا إذا أراد تبارك وتعالي خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :” إن الله تعالي وكل بالرحم ملكا يقول : يارب نطفة يارب علقة يارب مضغة فاذا أراد الله تعالي أن يقضي خلقه قال : أذكر أم أنثي شقي أم سعيد فما الرزق والأجل ؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالي من خلقه عز وجل ” وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء ان المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل شيء علي التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة , وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر انه ليس بعلم يقيني
وقد نقل العسقلاني في فتح الباري ( ج1ص123 ) عن القرطبي أنه قال من ادعى علم شيء من الخمس غير مسنده إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه
( الساعة )
قال الشيخ الآلوسي : ويجوز ان يكون الله تعالي قد اطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام علي وقت قيامها علي وجه كامل لكن لا علي وجه يحاكي علمه تعالي به إلا أنه سبحانه أوجب عليه صلي الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة والسلام وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك
( الروح )
قال الله تعالي 😦 وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)
قال الحافظ في الفتح , قال بعضهم : ليس في الآية دلالة علي أن الله لم يطلع نبيه علي حقيقة الروح , بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أنه يطلعهم وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا 0
________________________________________
( فتح الباري شرح صحيح البخاري في كتاب التفسير ج8/ص403 )
( وكذا إرشاد الساري شرح البخاري ج7ص213 ).
وعليه فلامانع من القول بأن الله تعالي اطلع نبيه صلي الله عليه وسلم علي حقيقة الروح واذا كان بعض علماء لسلف تكلم عن الروح مما يدل علي أن مع القائل علما أو بعض علم عنها فكيف به هو صلي الله عليه وسلم 0 فهذه كتب التفاسير تنقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وقتادة والسهيلي أوالا متعددة في الروح , فقيل الروح جبريل وقيل ملك عظيم وقيل ملائكة علي صور بني آدم وقيل ملائكة لكن لا تراهم الملائكة 0
(انظر ابن كثير ج 3 ص 61 وغيره من التفاسير )
فهل هؤلاء العلماء تكلموا في الروح بما تستحيل معرفته علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ؟؟
ومن هنا نقل الامام الحافظ جلال الدين السيوطي ( في الخصائص الكبري ج 3 ص 160 ) ان الله سبحانه وتعالي اطلع نبيه علي حقيقة الروح 0
وبهذا ظهر أن القائل بأن الله تعالي اطلع نبيه حتي علي هذه الخمس معه دليل مستنبط أو شبهة دليل فان كان ذلك الدليل صحيحا وموصلا إلي المطلوب فيوصف القائل بأنه مصيب وإن كان ذلك الدليل فاسدا لا يتوصل به إلي المطلوب فغاية ما يوسف به قائله بأنه مخطيء ولا يصل به الحال إلي الكفر والعياذ بالله 0
ورضي الله عن الامام الشافعي فإنه قال : ( إن الله لا يعذب علي فعل اختلف فيه العلماء) 0
” الفصل الرابع ”
مكانة ورفعة قدر سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم
إن أول من يجوز الصراط بأمته ويشرفه بنظرته , وينوره للمؤمنين ليسيروا في ضيائه وعلي محجته – هو سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالي عليه وعليهم أجمعين الذي جمع الله تعالي له فضائل الأوليات الجامعة لأكمل المراتب وأعلي الدرجات 0
فهو صلي الله عليه وسلم أول الأنبياء في الخلق في عالم الأرواح وأخرهم في البعث في عالم الأشباح
________________________________________
والدليل علي أن أول الأرواح البشرية خلقا هو روح السيد العظيم صلي الله عليه وسلم أنه أخبر علي ذلك بقوله :” كنت أول الناس في الخلق وأخرهم في البعث ” رواه ابن سعد مرسلا بإسناد صحيح , ورواه أبو نعيم وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والدليمى كلهم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ” كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث ” 0 وهذه الرواية تفسر رواية ابن سعد وأن المراد من الناس الأنبياء , فهو صلي الله عليه وسلم أولهم في عالم الأرواح وخاتمهم في عالم الأشباح صلي الله عليه وسلم , وقد نبأه الله تعالي في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم 0 فيه فتحت النبوة في عالم الأرواح وبه ختمت في عالم الأشباح صلي الله عليه وسلم 0 فهو الفاتح وهو الخاتم 0
روي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا : يارسول الله , متي وجبت لك النبوة ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد 0 وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو نعيم والبيهقي والحاكم وصححه , ورواه البزار والطبراني وأبو نعيم أيضا من رواية أبن عباس رضي الله عنهما 0
وعن ميسرة الفجر قل : قلت : يارسول الله متي كنت نبيا ؟ قال :” كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ” رواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني والحاكم وصححه وقال الحافظ الهيثمى في رجال أحمد والطبراني : رجالهما رجال الصحيح ا هـ
وهو صلي الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض كما روي مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة , وأنا أول من ينشق عنه القبر , وأنا أول شافع وأول مشفع ”
وهو صلي الله عليه وسلم أول شافع وأول مشفع :
________________________________________
روي الترمذي وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر . وبيدى لواء الحمد ولا فخر , وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر , وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ” قال الزرقاني عنه حسن صحيح وكذا رواه أحمد وابن ماجة 0
وهو صلي الله عليه وسلم – أول من نبأه الله تعالي في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم كما جاء في سنن الترمذي وغيرها أن النبي صلي الله عليه وسلم قيل له يارسول الله متي وجبت لك النبوة , وفي رواية متي استنبئت , وفي رواية متي كنت نبيا , فقال صلي الله عليه وسلم : ” كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ”
وهو صلي الله عليه وسلم أول من يؤذن له حين يستأذن علي ربه وهو أول من يسجد لربه
روي الامام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ” أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود وأول من يرفع رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم ومن خلفي مثل ذلك وعن يمينى مثل ذلك وعن شمالي مثل ذلك – فقال رجل 0 يارسول الله : كيف تعرف أمتك ن بين الأمم فقال صلي الله عليه وسلم : هم غر محجلون من أثر الوضوء ليس أحد كذلك غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم تسعي ذريتهم بين أيديهم “الحديث0( قال الحافظ المنذري : رواه احمد وفي إسناده ابن لهيعة وهو حديث حسن في المتابعات 0 ا هـ 0 وقال في مجمع الزوائد : رواه أحمد والبراز باختصار إلا انه قال : وذراريهم نور بين أيديهم 0 قال : ورجال احمد رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو ضعيف قد وثق0اهـ 0 قلت رواه ابن ابي حام ومحمد بن نصر المرزوي كما في تفسير الحافظ ابن كثير سورة الحديد وسورة التحريم )
وهوصلي الله عليه وسلم أول من يفتح له باب الجنة وهو أول من يدخلها والكل يدخلونها من ورائه صلي الله عليه وسلم
________________________________________
روي مسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أتي باب الجنة فاستفتح فيقول الخازن : من ؟ فأقول : محمد , فيقول : بك أمرت أن لا افتح لأحد قبلك ”
تعظيمه صلوات الله عليه عند ذكر اسمه الشريف
كتب فضيلة الأخ الشيخ محمد سليمان فرج رسالة بعنوان ( دلائل المحبة وتعظيم المقام في الصلاة والسلام علي سيد الانام ) جاء فيها ان ذكر لفظ السيادة عند ذكر اسمه الشريف امر واجب علي كل مسلم محب لسيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم لأن ذلك من رفعة ذكره وتعظيم قدره وقد امر الله تعالي المؤمنين ان يعلوا قدره ويلَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًاوقروا شأنه ولا ينادوه باسمه الشريف مجردا من التكريم والتبجيل
قال الله تعالي :” لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا” سورة النور
قال الصاوي في تفسيره : لا تجعلوا دعاء الرسول أي نداءه بمعني لا تنادوه باسمه فتقولوا يامحمد ولا بكنيته فتقولوا يا ابا القاسم بل نادوه وخاطبوه بالتعظيم والتكريم والتوقير ونستفيد من الآية انه لا يجوز نداء النبي صلي الله عليه وسلم بغير ما يفيد التعظيم لا في حياته ولا بعد وفاته فبهذا يعلم ان من استخف بجنابه صلي الله عليه واله وسلم فهو كافر ملعون في الدنيا والآخرة
وروي ابن جرير عن قتادة في هذه الآية الشريفة ان الله امرهم ان يفخموه , ويشرفوه
وقال السيوطي في الاكليل في استنباط التنزيل عند ذكر هذه الآية الكريمة : تحريم ندائه باسمه بل يقال يارسول الله يا نبي الله والظاهر استمرار ذلك بعد وفاته
________________________________________
وجاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري : انه صلي الله عليه وسلم وأن كان ذا أسماء وكني لكن لا ينبغي ان ينادي بشيء من تلك فيحرم نداؤه بها لقوله تعالي ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) مثل يا محمد ويا أحمد ويؤيده قول الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما انهم كانوا يقولون يا احمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز وجل إعظاما لنبيه صلي الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله يا رسول الله ( صلي الله عليه وسلم )
وقد اتفق ائمة الاسلام وفقهاء المذاهب ونصوا علي تحريم ندائه صلي الله عليه وسلم باسمه اخذ من هذه الآية الشريفة
وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تشير لذلك المعني قال الله تعالي :
” فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ” فهذا الثناء بالفلاح من الله تعالي للذين يعزرونه أي يعظمونه ويبجلونه بكل ما يرفع قدره ويعبر عن شرف مكانته العالية وان ذكر اسمه الشريف مجردا من لفظ السيادة لا يتفق مع التعظيم اللائق بجنابه الكريم وقال الله تعالي ايضا :
” لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ” سورة الفتح
وقرىء وتعززوه من التعزيز والتقدير ادبا وتخلقا بأخلاق القرآن حيث ناداه الله تعالي بقوله : ” يا ايها النبي “و ” يا ايها الرسول ” ولم يوجه له النداء باسمه صلوات الله وسلامه عليه وبين انه سبحانه رفع ذكره بين العالمين 0
قال الله تعالي : ” وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ” سورة الشرح
استحقاقه للسيادة صلي الله عليه وسلم :
ورفعة الذكر تكون بألفاظ التعظيم وألقاب التكريم ومنها السيادة التي جري العرف بها بين الناس وبذلك نكون مأمورين بها عند ذكره ومنهيين عن ضدها وهو ذكر الاسم الشريف مجردا عنها لانه بدونها غير مرفوع 0
________________________________________
وان ذكر السيادة يجب من باب سد الذرائع حتي لا يتوصل به الملاحدة الي اهانته وقد نص الامام الشافعي رضي الله عنه علي كراهة قول المرء قال الرسول –بالألف والام – وان الاولى والمستحب والمرغوب هو ان يقال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم بالاضافة التي هي غاية التشريف ونهاية الفخر والتعظيم لأن في اللفظ المقطوع عن هذه الأضافة ايهاما للنقص لاحتمال ان يراد به رسول غير الله تعالي فيتوصل به الملاحدة والزنادقة الي ذكره بغير الرسالة يوهمون انهم يقصدون رسول الله تعالي 0 والواقع انهم يقصدون غير ذلك فسدا لهذه الذريعة مع ما فيها من سوء الادب بعدم ذكره بالاضافه المشرفة رأي الامام الشافعي ذلك وإن ذكر اسمه الشريف صوات الله وسلامه عليه مجردا عن السيادة هو اليوم في عرفنا مثل ذلك بل اشد ولذلك تري المستشرقين وممن لا خلاق لهم هم الذين يذكرون الاسم الشريف مجردا
وعلي ذلك فلا يجوز ذكره عليه الصلاة والسلام من غير السيادة للتشبه بالكفار واتباعهم في اهوائهم لأنهم يذكرون النبي صلي الله عليه وسلم باسمه مجردا علي سبيل الاستهانة به قال الله تعالي :
” وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ” سورة التوبة
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابي سعيد بن المعلي قال : كنت اصلي بالمسجد فدعاني رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم اجبه ثم اتيته فقلت يارسول الله : اني كنت اصلي فقال عليه الصلاة والسلام :” الم يقل الله تعالي ” اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ” سورة الانفال
________________________________________
فاذا كانت اجابته مفروضة علينا ونحن بين يدي الله تعالي وما ذلك الا مراعاة للادب معه صلي الله عليه وسلم ومراعاة حرمته فذكره بالسيادة مطلوب من باب اولي , وقد قال بعض المفسرين عند قوله تعالي : ” وقولوا للناس حسنا ” المراد بالناس رسول الله صلي الله عليه وسلم والمراد بالحسن الحسن كما قرئ به ومن الحسن الذي نقوله للناس سيدي ومولاي فثبت من الآية الكريمة مطلوبية قول ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم بطريق الأولي
وأما ما يتعلل به الذين لم يتذوقوا قطرة من صافي شراب محبته صلوات الله وسلامه عليه علي عدم إطلاق السيادة له صلي الله عليه وسلم فهو الحديث الشريف ” السيد الله ” وقد أجاب عنه العارف بالله ابن عجيبة في حاشيته علي الجامع الصغير بان الحديث يبين ان الله هو الذي يحق له السيادة المطلقة اذ الخلق كلهم عبيده وأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قاله لما خوطب بما يخاطب به رؤساء القبائل من قولهم انت سيدنا ومولانا وكانوا قريبي عهد بالاسلام واراد الرسول صلي الله عليه وسلم ان يمكن العقيدة في نفوسهم بأن الخضوع التام للمالك الحقيقي وهو الله سبحانه وقد نقل عن الامام مالك رضي الله عنه امتناع اطلاق السيد علي الله اذا اريد بيان هذا المعني الذي قصده صلي الله عليه وسلم , ومما لا شك فيه ان هذه الشبهة ليس فيها أي احتمال للاستدلال علي اطلاق السيادة لأن الله تعالي مدح سيدنا يحيي عليه السلام بقوله سبحانه :
” وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ ” سورة آل عمران
فان ثبت لسيدنا يحيي كان لسيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من باب اولي وكنا مأمورين بطريق الاشارة الواضحة بل ان القرآن الكريم عبر عن لفظ السيد في غير ذلك الموضع في حق من لا يملكون الرفعة
________________________________________
قال تعالي : ” وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ” سورة يوسف ” إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا ” سورة الأحزاب وكذلك لفظ المولي قال تعالي : ” يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ” سورة الدخان
وكذلك تواترت السنة النبوية الشريفة في هذا المضمار وجاءت الأحاديث الكثيرة التي تطلق لفظ السيد علي غير الله تعالي قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :
” كل بني أدم سيد والرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها ” قال الذهبي رواته ثقات وكذلك مارواه البخاري في صحيحه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :
” وليقل المملوك سيدي وسيدتي فانهم المملوكون والرب الله عز وجل ” وفي رواية ابي داود ايضا :” وليقل سيدى ومولاي ” فاذا كان هذا بالنسبة للعبد مع سيده فكيف لا يكون لرسول الله صلي الله عليه وسلم وصدق الله العظيم : ” فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ” سورة الحج
وقد جاء في صحيح مسلم عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الله يقول للعبد يوم القيامة : ” الم اكرمك واسودك ” أي اجعلك سيدا فهذا الامتنان من الله تعالي بنعمة السيادة يدلنا علي انها شرف للانسان فكيف لانشرف بها افضل الخلق عليه الصلاة والسلام
وبذلك يتجلي لنا ان من يقول ان السيادة لا تطلق ال علي الله سبحانه وتعالي فقط فلا يعتد بقوله لأنه مخالف لمنهج القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الشريفة
________________________________________
وكذلك ايضا ما يظنه بعض الناس حديثا نبويا وهو قولهم لا تسيدوني في الصلاة فهو لا يصح نسبته لرسول الله صلي الله عليه وسلم لأنه لحن فاحش وخطأ لغوي لا تجوز نسبته لا فصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه لأن الفعل سيد لم يرد في لغة العرب وانما سود ولذلك ادرك بعض الناس هذا المعني فقالوا ان الحديث بلفظ لا تسودوني في الصلاة ولكن هذا أيضا اشد البطلان وكذب وافتراء علي سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد اورده كثير من المحدثين في الموضوعات التي وضعت كذبا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وسئل عنه الامام جلال الدين السيوطي فأجاب بأنه لم يرد وانه باطل كما نص علي ذلك في الحاوي للسيوطي وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة انه لا اصل له وكذلك الامام جلال الدين المحلي والشمس الرملي وابن حجر الهيثمى وبعض فقهاء الشافعية والمالكية ونص عليه القاري في موضوعاته علي بطلانه وكذلك قولهم لا تعظموني ف المسجد فأنه باطل أيضا وقد جاء في كتاب كشف الخفا للحافظ العجلوني ما نصه :” قال في المقاصد – أي السخاوي – لا اصل له وقال الياجي في اوائل مولده المسمى بكنز العفاة فكذب مولد مفتري جـ2 ص 494 بل انه لو فرضانا مجرد احتمال وروده – مع ان هذا بعيد اشد البعد – ومع ان الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال فانه يمكن تأويله بما يناسب المقام كما اول العلماء حديث :” السيد الله ” لأن التزام الأدب معه صلي الله عليه وسلم مقدم علي امتثال الاوامر كما فعل سيدنا ابوبكر الصديق رضي الله عنه لما جاء سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يؤم الناس فتأخر ابوبكر فأمره ان يثبت مكانه فلم يمتثل ثم سأله بعد الفراغ من الصلاة عن ذلك فأبدي له انه انما فعل ذلك تأدبا معه صلي الله عليه وسلم قائلا : ما كان ينبغي لابن ابي قحافة ان يتقدم بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم ينكر عليه الرسول صلي الله عليه
________________________________________
وسلم ذلك وكذلك التزام سيدنا علي بن ابي طالب الادب دون امتثال الامر حين كتب الكتاب للمصالحة في الحديبية وكان فيه لفظ رسول الله فقال سهيل : والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبدالله فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ان رسول الله وان كذبتموني امحه – أي لفظ رسول الله – فقال سيدنا علي : والله لا أمحوه ومحاه النبي صلي الله عليه وسلم بيده الشريفة ولم ينكر علي الامام علي حسن ادبه قال العلماء المحققون وهذا من الادب المستحب فكذلك زيادة لفظ السيد عند ذكر اسمائه صلي الله عليه وسلم من الادب المستحب
ومن التزام الادب ايضا ان سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه اخر الطواف لما دخل مكة في قضية صلح الحديبية مع علمه بوجوبه علي من دخلها ادبا معه صلي الله عليه وآله وسلم ان يطوف قبله وقال : ما كنت لافعل حتي يطوف رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم ينكر عليه سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد علمه بذلك 0
وبذلك تكون هذه الشبهة واهية لا اساس لها من الصحه وعلي فرض احتمال ورودها فانه يجب التزام الادب عند ذكر سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم
وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم قوله صلوات الله وسلامه عليه :
” انا سيد ولد آدم ولا فخر ”
والسيد هو الذي يسود علي قومه أي يتقدم عليهم بما فيه من خصال الكمال والشرف التام وقيل هو الكامل الذي يحتاج اليه غيره وقال ابن عباس رضي الله عنهما : السيد الكريم علي ربه عز وجل وقال قتادة : السيد الذي لا يغلبه غضبه وفي رواية للامام احمد وابن ماجة والترمذي قوله عليه الصلاة والسلام :
” انا سيد ولد آدم يوم القيامة ”
وفي رواية اخري ” انا سيد الناس يوم القيامة ” للامام احمد والبخاري ومسلم , وذلك شامل لسيدنا آدم عليه السلام لقوله صلي الله عليه وسلم :
” أدم فمن دونه من الانبياء يوم القيامة تحت لوائي ”
________________________________________
بل ان هناك رواية صريحة في ذلك وهي قوله صلي الله عليه وسلم :
” انا سيد العالمين ” وفي رواية ابن نعيم في الدلائل قول سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم :” انا سيد المؤمنين اذا بعثوا ”
ومما رواه الخطيب قوله صلي الله عليه وسلم : ” انا امام المسلمين وسيد المتقين ” فهذه الاحاديث الصحيحة التي بلغت حد التواتر وانه صلي الله عليه وسلم ولد أدم وسيد المؤمنين وسيد العالمين تدل دلالة لا لبس فيها علي ان لفظ السيادة واجب علي كل مسلم محب لرسول الله عليه الصلاة والسلام
وان هناك حديثا صريحا في طلب لفظ السيادة من المؤمنين رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح فعن جابر بن عبدالله قال : صعد رسول الله صلي الله عليه وسلم علي المنبر فحمد الله واثني عليه ثم قال من انا ؟ قلنا رسول الله قال : نعم ولكن من أنا ؟ قلنا : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بم عبد مناف قال : ” انا سيد ولد أدم ولافخر فهذا الحديث الشريف يوضح لنا ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحب من اصحابه ان يجيبوه بلفظ السيادة الذي يبين فضله علي سائر العالمين من المرسلين وغيرهم وكذلك لفظ المولي ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الامام احمد في مسنده والترمذي والنسائي وابن ماجة قال صلي الله عليه وسلم : ” من كنت مولاه فعلي مولاه ” فرسول الله هو سيدنا ومولانا صلي الله عليه وسلم بنص الأحاديث الصحيحة المقطوع بها وكذلك الصحابة الاجلاء وآل بيته الكرام الاطهار هم سادتنا فقد روي البخاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال للسيدة فاطمة رضي الله عنها : ” يا فاطمة الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنات او سيدة نساء هذه الامة ” وفي صحيح مسلم :” يا فاطمة اما ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الامة ” 0
________________________________________
وفي رواية ابن سعد في الطبقات : ” اما ترضين ان تكوني سيدة نساء هذه الامة او نساء العالمين ” فيجب علينا ان نذكر سيدتنا ومولاتنا فاطمة بلفظ السيادة عند ذكرها وكذلك سيدنا ومولانا الحسن فقد روي البخاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال عندما رأي السيد الحسن” ان ابني هذا سيد ” وأيضا سيدنا ومولانا الحسين فقد اخرج الترمذي بسند صحيح ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة ”
وكذلك ورد في حق سيدنا ومولانا ابي بكر الصديق رضي الله عنه وسيدنا ومولانا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه ابن ماجة ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
” ابوبكر وعمر سيدا كهول اهل الجنة من الاولين والآخرين الا النبيين والمرسلين ” 0 بل ان رسول الله صلي الله عليه وسلم علم اصحابه ذلك المعني بأجلي وضوح فقد روي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
ان اهل قريظة لما نزلوا علي حكم سعد بن معاذ ارسل اليه سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فجاء علي حمار فقال سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم :
” قوموا الي سيدكم او الي خيركم ”
________________________________________
فهل بعد هذا البيان النبوي الكريم حجة لمن لا يطلق لفظ السيادة علي سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ومع ان النبي صلي الله عليه وسلم نهي اصحابه عن القيام له وكره ذلك ولكنه امر القيام لسعد رضي الله عنه فيجب ان ندرك ذلك المعني الذي اراده رسول الله صلي الله عليه ونبه اصحابه له ووصف به سعد بن معاذ وان الادب الاسلامي الكريم يدعو المؤمن للادب مع والده واستاذه بأن لا ينادي الابن اباه ومعلمه باسمه فقد ذكر الامام النووي في كتابه – الأذكار – في باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ ان ينادي اباه ومعلمه وشيخه باسمه , مارواه ابن السني ان رسول الله صلي الله عليه وسلم رأي رجلا ومعه غلام فقال : ياغلام من هذا ؟ قال : ابي قال ” فلا تمش امامه ولاتستسبه ولا تجلس قبله ولا تدعه بأسمه ”
فاذا كانت هذه اخلاق الاسلام في معاملة اصحاب الفضل والعلم فكيف تكون المعاملة مع احب الخلق الي الله تعالي وهو الاب الحقيقي للمؤمنين قال الله تعالي :
” النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ” سورة الاحزاب
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : ” النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم وهو اب لهم ” وبذلك يظهر لكل من له قلب او ألقي السمع وهو شيهد ان ذكر رسول الله صلي الله عليه وسلم باسمه مجردا ينافي التعظيم المطلوب لجنايه العالي ومقامه الرفيع وأما ما يقوله بعض الناس بأنه لم يرد عن الصحابه ذكر لفظ السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم فهو ناشئ عن جهل مطبق وقصور محقق وهوي متبع فقد روي الامام احمد في مسنده عن سهل بن حنيف يقول : مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت منه فخرجت محموما فنمي ذلك الي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال :
” مروا ابا ثابت فليتعوذ ” قلت ياسيدي والرقي الصالحة قال : ” لارقية الا في نفس او حمة او لدغة”0
________________________________________
فهذا الحديث الشريف صريح اشد الصراحة في قول سهل بن حنيف لسيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم : ياسيدي وقد رواه النسائي أيضا بسند قوي وكذلك ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه :” اذا صليتم علي النبي صلي الله عليه وسلم فاحسنوا الصلاة عليه فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه وقولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك علي سيد المرسلين وامام المتقين
وكان الصحابة ينادون بعضهم بعضا بهذا اللفظ الذي يشعر بالتكريم والاجلال فقد روي الحاكم في المستدرك بسند صحيح ان ابا هريرة رضي الله عنه لما رد السلام علي سيدنا ومولانا الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : وعليك السلام ياسيدي ثم قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول انه سيد
وماقاله الفاروق رضي الله عنه : ابوبكر سيدنا واعتق سيدنا – أي سيدنا ومولانا بلال رضي الله عنه
وكتب اليسرة النوبية مليئة بهذا المعني فمن اعماه التعصب الممقوت واتباع الآراء الضالة فلا نلتفت اليه ولا نعيره أي اهتمام لآنه محروم من محبته صلي الله عليه وسلم
فهذه الدلائل الساطعة والبراهين الدامغة من كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم لاتدع مجالا للشك في اطلاق السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم بل وللمؤمنين غير الفاسقين فقد اخرج البخاري في الادب المفرد وابو داود عن رسول الله صلي الله عليه وسلم انه قال : ” لا تقولوا للمنافق سيدا فانه ان يك سيدكم فقد اسخطتم ربكم عز وجل ” وان النهي عن قوله للمنافق دليل علي جوازه للمؤمن
وان السيادة تتفاوت مراتبها بحسب تفاضل الاعمال الصالحة والمنزلة عند الله تعالي فقد روي الحاكم بسند صحيح ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
” سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام الي امام جائز فأمره ونهاه فقتله ”
________________________________________
فهذه السيادة لسيدنا حمزة رضي الله عنه بالنسبة للشهداء وهكذا نجد كل سيادة مقيدة بعمل معين او زمن معين ولكن السيادة الكاملة التامة لا تكون الا لسيد الخلائق جميعا ورحمة الكائنات كلها صلوات الله وسلامه عليه
وقد قال الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة النبوية :
ولا يحل الرفع فوق صوته * ولا ينادي باسمه بل نعمته
وقال ابن ذكري في همزيته :
لحرمة قدركم حرمت دعوتكم * باسمكم وذم النداء
وقال ابن عطاء الله في كتاب مفتاح الفلاح في كلامه عن الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم : وإياك ان تترك لفظ السيادة ففيها سر يظهر لمن لازم هذه العبادة
وقال ابوالعباس ابوني في أداب الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم : ومنها اذا امر في صلاته عليه صلي الله عليه وسلم علي اسم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم في بعض الكيفيات مجردا عن السيادة فليردد لفظ السيادة بلسانه فقط فذلك هو الأدب مع النبي صلي الله عليه وسلم واما الكتابة فانها تابعة للرواية من غير زيادة ولا نقصان اتفق الصالحون علي ذلك في القرن الثالث ووافقهم العلماء المجتهدون وقالوا يختص النبي صلي الله عليه وسلم بذلك لقوله صلي الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين : ” انا سيد ولد أدم ”
وقال الامام محمد بن جعفر الكتاني في جواب له في هذه المسألة : ان ذكر الاسم الشريف بالسيادة ونحوها مما يدل علي التعظيم والتشريف امر متفق علي طلبه واستحبابه في الجملة امتثالا لقول الله تعالي :
” لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ”
وقوله جل شأنه ” لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ”
وقد نقل كلام ابن حجر م الدر المنضود ثم قال وفي عمدة المريد للشيخ ابراهيم اللقاني علي الجوهرة له في التوحيد قال استاذنا : ولا خلاف في استعمال السيد فيه عليه الصلاة والسلام وانما الخلاف في استعماله في الصلاة فكرهه قوم واجازه اخرون
________________________________________
واما الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم بالصيغ الواردة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال المحققون يزاد فيها لفظ السيادة سواء في الصلاة أو خارجها مستدلين بعمل سيدنا ابي بكر الصديق حيث تأخر عن المحراب مع قول النبي صلي الله عليه وسلم له مكانك وامتناع سيدنا علي بن ابي طالب عن محو اسمه من الصحيفة لأن الالتزام الادب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم اولي من امتثال الامر
واجابوا عن الاعتراض القائل بانه يجب الا يزاد في كلام النبي صلي الله عليه وسلم كما لا يزاد في القرآن الكريم بانه لا تصح التسوية بين القرآن والحديث في هذا المعني لامور منها : ان رواية الحديث تجوز فيها الحكاية بالمعني للعارف بالالفاظ ومدلولاتها كما هو مذهب جمهور المحدثين ولا يجوز ذلك في القرآن قطعا
ومنها ان الرواية يجوز فيها الادراج بتفسير غريب الحديث كما هو منصوص عليه لغير واحد وفعله ابن شهاب الزهرى ولا يجوز في القرآن
وأما الحديث الشريف : ” من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” أي ماليس من امره وما لم يسنه ولم يشهد الشرع باعتباره واما ما شهد الشرع باعتبار اصله فهو جائز اصله فهو جائز شرعا وهو من امره كالبدع المستحسنة كالاجتماع علي قيام رمضان , وذكر الصحابة في الخطبة وذلك لأن القربة اذا شهد الشرع باعتبار جنسها فهي مشروعة . وان لم يرد لها دليل خاص كما هو مقرر في قواعد الفقه واصوله , وذكر السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم قربة قد شهد الشرع باعتبار جنسها وهو توقير النبي صلي الله عليه وسلم وتعظيمه فضلا عن النصوص الصريحة التي ذكرت قبل ذلك بل ان ما اختلفت في مشروعيته ففعله اولي كما نص عليه الامام العز بن ابن عبدالسلام ورجحه القرافي كما ذكره المواق في كتاب ( سنن المهتدين )
صيغ الصلاة عليه صلي الله عليه وسلم
________________________________________
المعلوم أن الصلاة علي الحبيب صلي الله عليه وآله وسلم وردت مرورية بصيغ كثيرة مختلفة مأثورة كما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم صيغ كثيرة اجتهدوا فيها بمزيد الثناء واستمطار صلاة الله تعالي ورحمته وبركاته علي خير خلقه صلي الله عليه وسلم مما يدل علي جواز تعدد هذه الصيغ وعدم التقيد بالمأثور. وقد ورد في كتاب ( نور الاسلام ) للشيخ عبدالكريم المدرس رواية عن سلامة الكندي : كان علي رضي الله تعالي عنه يعلمنا الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ( اللهم داحي المدحورات وبارئ المسموكات , اجعل شرائف صلواتك , ونواحي بركاتك و ورأف تحننك علي محمد عبدك , والدامغ لجيشات الاباطيل كما حمل , فأضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك واعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا علي نفاذ أمرك . حتي اوري قبسا لقابس آلاء الله تصل بأهله اسبابه , به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والاثم , وابهج موضحات الاعلام , ونائرات الاحكام , ومنيرات الاسلام , فهو أمينك المأمون , وخازن علمك المخزون , وشهيدك يوم الدين , وبعيثك نعمة , ورسولك بالحق رحمة , اللهم افسح له في عدنك , واجزه مضاعفات الخير من فضلك مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول , وجزيل عطائك المعلول , اللهم أعل علي بناء الناس بناءه , واكرم مثواه لديك ونزله , وأتمم له نوره وأجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة , ومرضي المقاله , ذا منطق عدل , وخطة فصل وبرهان عظيم )
________________________________________
وعنه أيضا في الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ( ان الله وملائكته يصلون علي النبي , لبيك اللهم وسعديك , صلوات الله البر الرحيم , والملائكة المقربين , والنبيين , والصديقين , والشهداء , والصالحين , وما سبح لك من شيئ يارب العالمين علي محمد بن عبدالله خاتم النبيين , وسيد المرسلين , وامام المتقين , وخاتم النبيين , وسيد المرسلين , وامام المتقين , ورسول رب العالمين الشاهد البشير الداعي اليك باذنك السراج المنير وعليه السلام )
وعن عبدالله بن مسعود ( اللهم اجعل صلواتك , وبركاتك , ورحمتك علي سيد المرسلين , وامام لمتقين , وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك امام الخير ورسول الرحمة , اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الاولون والأخرون , اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي ابراهيم انك حميد مجيد , وبارك علي محمد وعلي آل محمد كما باركت علي ابرهيم وعلي آل ابراهيم ان حميد مجيد )
وكان الحسن البصري يقول من أراد ان يشرب بالكأس الاوفي من حوض المصطفي فليقل( اللهم صل علي محمد وعلي آله واصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته واصهاره وانصاره وأشياعه ومحبيه وأمته وعلينا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين )
وعن طاوس عن ابن عباس انه كا يقول : ( اللهم تقبل شفاعة محمد الكبري , وأرفع درجته العليا , وآته سؤله في الآخرة والأولي كما اتيت ابراهيم وموسي ) وعن وهيب بن الورد انه كان يقول في دعائه ( اللهم أعط محمدا أفضل ما سألك لنفسه , واعط محمد أفضل ما سألك له أحد من خلقك , واعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له الي يوم القيامة )
وعن ابن مسعود رضي الله عنه انه كان يقول : ( اذا صليتم علي النبي صلي الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ( رواه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة علي النبي )
عودة الي أدلة تسويده صلي الله عليه وسلم
________________________________________
وفي كتاب ( المهمات ) أن الإمام العز بن عبدالسلام سئل ايضا في الصلاى علي النبي صلي الله عليه وسلم هل الافضل ذكر السيادة فأجاب بان سلوك الادب هو المستحب كما فعل سيدنا ابوبكر عندما كان في المحراب وتأخر اجلالا لمقام رسول الله صلي الله عليه وسلم وكما فعل سيدنا علي عندما امتنع عن محو لفظ رسول الله صلي الله عليه وسلم
فاذا علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم كيف نصلي عليه وقال : ” قولوا اللهم صلي علي محمد ..” وجب علينا ان نقول اللهم صلي علي سيدنا محمد وقد افتي امام الحرمين من فقهاء الشافعية بذكر لفظ السيادة في التشهد في كل صلاة
وسئل ايضا الامام جلال الدين المحلي عن قوله صلي الله عليه وسلم : ” صوا كما رأيتموني أصلي ” وكيف يصح ان نخالف رسول الله صلي الله عليه وسلم ونزيد لفظ السيادة فأجاب بان هناك قاعدتين امتثال الامر والتزام الادب والارجح التزام الادب وبهذا افتي الامام عز الدين بن عبدالسلام وجماعه من فقهاء الشافعية وابن عبدالسلام من فقهاء المالكية
وقد نص كثير من الفقهاء بان من قال باسقاط لفظ السيادة من اسمه الشريف يؤدب الادب الشديد كما ذكره العلمي في نواز له ولذلك افتي الامام ابن عبدالسلام في قضية الطالب الذي قال لا يزاد في الصلاة عليه صلي الله عليه وسلم ذكر سيدنا بأن يؤدب وامر بسجنه فاختفي حتي شفع فيه فخلي سبيله كما جاء في كتاب اكمال الاكمال او صاحب المعيار
وروي عن الامام مالك – كما في كتاب بدائع الفوائد – لما سئل عن السيادة انه قال : كيف وهو صلي الله عليه وسلم قال عن الحسن ان ابني هذا سيد وقال للانصار لما اقبل سعد بن معاذ : قومو لسيدكم فهو سيد السادة وخير البشر صلوات الله وسلامه عليه
________________________________________
وقال الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته علي شرح الشمس الرملي علي المنهاج في فقه الشافعية عند قوله والافضل الاتيان بلفظ السيادة كما قاله ابن ظهيرة والمحلي , وهو يقتضي العموم في جميع المواضع التي يذكر فيها اسمه عليه الصلاة والسلام وأن الادب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم عند ذكره في حياته وبعد مماته وقد ناظر الامام مالك ابا جعفر المنصور – الخليفة العباسي – وقال له : أن حرمته صلي الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا
وذكر التقي السبكي في ( كتاب تنزيل السكينة علي نادل المدينة ) ان سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان يمنع رفع الصوت في المسجد النبوي الشريف ولم يكن يفعل ذلك في المسجد الحرام وما ذلك الا للادب مع رسول الله صليي الله عليه وسلم وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تسمع الوتد يوتد والمسمار يضرب في البيوت القريبة فتقول : لا تؤذوا رسول الله صلي الله عليه وسلم
بل ان الرسول صلي الله عليه وسلم امرنا ان نكرم من تسمي باسمه الشريف فقد روي الحافظ السيوطي في الجامع الصغير ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” اذا سميتم الولد محمد فأكرموه , واوسعو له في المجلس ولا تقبحوا له وجها ”
وكذلك روي الحاكم والبزاز روايات اخري باسانيد قوية
فاذا كان الامر النبوي الكريم باكرام من تسمي باسمه فما بالك بصاحب الاسم ونبي الرحمة وشفيع الخلق وحبيب الحق صلوات الله وسلامه عليه
(( الفصل الخامس))
شبهات تتعلق بقدره الشريف صلى الله عليه وسلم
صلاة الفاتح
قد مر بنا مبحث صيغ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قول سيدنا الامام علي بن ابي طالب في الصيغة المأثورة عنه ( اجعل شرائف صلواتك ونواحي بركاتك ، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ، والمعلن الحق بالحق والدافع لجيشات الأباطيل).
________________________________________
وفي الصفحة (19) من حواره تهجم الشيخ ابن منيع على شرح السيد العلوى ( لصلاة الفاتح ) كما كرر تهجمه عليها في نهاية الصفحة (29) وسماها ( صلاة الفاتح المغلق ) معتبرا إياها من الشركيات والمكفرات والمنكرات والضلالات التي اقترفها السيد العلوي .. فهل يتجاهل الشيخ ابن منيع أوفلعله يجهل أنه صلى الله عليه واله وسلم أول الأنبياء في الخلق في عالم الأرواح وأخرهم في البعث في عالم الأشباح فهو ( الفاتح المغلق ) كما تهكم . ( والفاتح الخاتم ) كما يسميه أحبابه وجمهور أمته لما جاء في سنن الترمذي وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ( يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ، وفي رواية متى استنبئت ، وفي رواية متى كنت نبيا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ).
ولعله لم يطلع على نسبتها لسيدنا علي أولعله من الذين لايرون الأخذ ( بعمل الصحابي ) ولا يعتبرونه حجة .. وعلى كل حال فقد ذكر الشيخ يوسف النبهانيهذه الصيغة في كتابه (افضل الصلوات ) ص 137 كاملة كما يلي :
________________________________________
( اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه حق قدره ومقداره العظيم ) وللسدة التيجانية الصوفية تعلق خاص بهذه الصيغة وهي جزء هام من أورادهم المشهورة ، وقد نسبها الشيخ النبهاني للشيخ محمد شمس الدين البكري الذي يرجع نسبه لجده الخليفة الأول سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال إنه وجدها في ( كتاب مسالك الحنفا في الصلأة على النبي المصطفى ) للشهاب القسطلاني ومكتوب قلبها هذه العبارة (هذه أنفاس رحمانية وعوارف صمدانية لقطب دائرة الوجود وبدر أساتذة الشهود تاج العارفين سيدنا وأستاذنا ومولانا الشيخ محمد بن أبي الحسن البكري روح الله روحهما ونور ضريحهما وأعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاتهما في الدنيا والآخرة . أمين ) ا. ه ص 141 من ( أفضل الصلوات ) وقد تهجم ابن منيع على الشيخ البكري في صفحة 81 من حواره .
فماذا يقول الشيخ ابن منيع في قول القسطلاني (1) هل تغير الاسلام أم تغير القسطلاني أم تغير ( فهم ) ابن منيع والرئاسة لمعايير الاسلام والمسلمين ؟ وقديما قيل ( من قال هلك الناس فهو أهلكم) .
كل شيء به منوط
________________________________________
جاء في الصلاة المعروفة بالصلاة المشيشية قوله : في حق النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا شئ إلا هو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ) وقد أشكلت هذه الجملة على بعض الناس كما فعل الشيخ ابن منيع في ( حواره صفحة 17 منه ) وفهم منها أموراً غير مقصودة ولا مراده ولا يتصور أبداً أن تقع في ذهن مسلم يؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك جل جلاله وعظم شأنه ولو تدبرت معنى هذه الجملة لسهل عليك الخطب وهان عليك الأمر وعملت أن المسألة لم تخرج عن دائرة التوحيد لأن معناها أن حقائق الأشياء التي لا يتم الوصول إلى الله إلا بها لا تقبل ولا تعتبر إلا إذا جاءت من طريق المشرع وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقد قرر العلماء واتفقوا على أن أي عمل لا يكون مقبولاً إلا إذا كان صواباً مع الإخلاص ولا يكون صواباً إلا إذا كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما قال صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ . رواه مسلم .
فإذا كانت الأعمال جميعها لا تصح إلا إذا جاءت من طريقة ورضى عنها فهل هناك شئ له قيمه أو اعتبار أعلى من هذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (( الدنيا ملعونة ما فيها إلا ذكر الله وما وإلاه وعالما ومتعلماً )) رواه الترمذي وأبن ماجه والبيهقي وقال الترمذي : حديث حسن .
فذكر الله لا يصح إلا إذا كان عن طريقة فهو منوطاً به والعلم لا يصح إلا عن طريقة فهو منوط به فصار كل شئ به منوط .
وأما قوله : (إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ) فأن العاقل لو تدبر معناها بإمعان لعلم أنها تدل على حقيقة من حقائق التوحيد التي لم يختلف فيها أحد من المسلمين والتي هي أصل الشريعة التي من أجلها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل .
________________________________________
فالواسطه هم الرسل والموسوط هم الأمم ولولاهم لهلكنا وضللنا وسقطنا وهذا معنى قوله ( لذهب) أي لتلف وهو معنى قوله تعالى ( وكنتم على شفا حفره من النار فأنقذكم منها ) وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبوني تقحمون فيها ) رواه البخاري .
تنحل به العقد وتنفرج به الكرب
( اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضي به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتم ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى اله وصحبه في كل لمحة ونفس بعدد كل كل معلوم لك ) .
هذه الصيغة من الصيغ المشهورة عند الناس قديماً وحديثاً وهي مجربة لقضاء كثير من المقاصد وتحقيق المطالب وقد أشكل على بعضهم وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه تتنحل به العقد وتنفرج به الكرب من حيث أن الكرب إنما تنفرج بالله فهو الذي يفرج الهم ويكشف الغم وكذلك قضاء الحوائج ، وأقل الناس علما يعرف جواب هذه المشكلة
________________________________________
وهو أن قضاء الحوائج وتفريج الكربات إنما هو بالله سبحانه وتعالى فهو الفاعل حقيقة لا يشك في ذلك إلا كافر أو جاهل ، ونسبة هذه الأفعال للنبي صلى الله عليه وسلم أنما هي نسبة مجازيه . وهذا أمر ظاهر لا إشكال فيه جرت عليه عادة عامة الناس بل وجهلتهم أو جهالهم ، مع علمهم بهذه الحقيقة وإقرارهم بهذا الواقع مع اليقين الكامل والاعتقاد الجازم فان الواحد منا يقول فلان فرج كربتي ، وفلان أقال عثرتي ، وفلان أزال محنتي وقضى حاجتي ولا يخطر في بال أجهل واحد من هؤلاء ، أدنى اعتقاد يفيد استقلال الفاعل بفعل هذه الأمور دون الله ، فإذا كنا نجيز أمثال هذه التعبيرات والإطلاقات في عامة كلامنا وتعاملنا مع البشر فلم لا يجوز ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأولياء والصالحين ؟ وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يستعينون به ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز وهؤلاء الصحابة الكرام يفزعون إليه صلى الله عليه وسلم عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه .
فهذا أعمى يطلب رد بصره
وهذا قتاده يطلب رد عينه
وهؤلاء يطلبون الغيث .
وهذا حسان بن ثابت يقول له أنت يارسول الله ركن المعتمدين وأنت عصمة اللائذين وجار المستجيرين وملاذ القاصدين في قصيدته المشهورة :-
يا ركن معتمد وعصمة لائذ وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيره الإله لحقه فحباه بالخلق الزكيّ الطاهر
________________________________________
وقد جاء في الأحاديث النبوية عن رسول الله صلى الله عليه أحاديث كثيرة تفيد أن الله سبحانه وتعالى يدفع العذاب عن أهل الأرض بالمستغفرين وعمار المساجد وان الله يرزق بهم أهل الأرض وينصرهم ويصرف عنهم البلاء والغرق . وأن من عباد الله من يرزق الله تعالى به الكون ويحفظ به الأرض ويمطر به الناس وأنهم أمان وحصن يفزع الناس إليهم في حوائجهم ويطلبون منهم المعروف والإحسان لأنهم أهل الإحسان ( كل هذا مع العلم الكامل أن الرزق والنصر والمطر والدفع والرفع والضر والنفع بيد الله سبحانه وتعالى .
روى البيهقي في الشعب عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله تعالى يقول : أني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في والمستغفرين بالأسحار صرفت عذابي عنهم ) .
وعن أبي الدراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرين مره كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض ) رواه الطبراني وهو حسن . كذا في الجامع .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن ، فبهم تسقون ، وبهم تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه أخر .)
( رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن . كذا في مجمع الزوائد ج 10 ص 62) .
فهل جهل ذلك الشيخ ابن منيع ؟
قبل أن يبادر للتكفير والتشريك !
________________________________________
كذلك من المعلوم أن أوّ الأرواح البشرية خلقاً هو روح السيّد الأعظم صلى الله عليه وسلم كما أخبر عن ذلك بقوله : (( كنت أول الناس في الخلق وأخرهم في البعث )) رواه أبو نعيم وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والديلمي كلهم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ((كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث)) . وهذه الرواية تفسر رواية ابن سعد وأن المراد من الناس الأنبياء ، فهو صلى الله عليه وسلم أولهم في عالم الأرواح وخاتمهم في عالم الأشباح صلى الله عليه وسلم ، وقد نبأه الله تعالى في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم ،فيه فتحت النبوة في عالم الأرواح وبه ختمت في عالم الأشباح صلى الله عليه وسلم . فهو الفاتح وهو الخاتم .
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( قالوا : يارسول الله ، متى وجبت لك النبوة ؟ قال : وادم بين الروح والجسد )) وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو نعيم والبيهقي والحاكم وصححه ، ورواه البزار والطبراني أبو نعيم أيضا من رواية ابن عباس رضي الله عنهما .
وعن ميسرة الفجر قال : قلت : يارسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: (( كنت نبيا وادم بين الروح والجسد )) رواه الامام أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني والحاكم وصححه وقال الحأفظ الهيثمي في رجال احمد والطبراني : رجالهما رجال الصحيح . ا.هـ .
(( الوحدة والتوحيد ))
________________________________________
مرت بنا آنفا صيغة الصلاة المروية عن سيدنا علي ومن بعده رضى الله تعالى عنه ، اجتهد ولده وحفيده شيخ الإسلام عبد السلام بن بشيش الإدريسي من ولد سيدنا إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فنظم صيغة جديدة ضمنها قوله : ( اللهم أقذف بي على الباطل فأدمغه ، وزج بي في بحار الأحدية ، انشلني من أوحال التوحيد ) فتسارع سوء الظن السيئ لألي النفوس التي همها الانتقاد لا حسن الاعتقاد ، فلم تتأن في طلب المعنى والتأويل ، بل سارعت ، كشأنها دائماً – إلى التبديع والتكفير والتضليل ، وإذا كنا نرجح رأي الأمام السيد أحمد الرفاعي عندما قال في كتابه الشهير ( البرهان المؤيد) معلقاً على بعض النصوص التي يلزمها التأويل : ( إياكم والقول ببعض هذه الأقاويل ، حسن الظن يلزمنا بسيدنا الشيخ ، ولكن أدبنا مع الدين ألزم ) ص 85 . إلا أننا نذكر – المشايخ والعلماء – بقوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) وقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ( التمس لأخيك سبعين عذراً ) فنقول لشرح معنى هذه العبارة التي التبست عليهم ( وزج بي في بحار الأحدية ، وانشلني من أوحال التوحيد ) : أن ( التوحيد) لغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد و ( التوحيد ) شرعاً أفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاده وحدانيته والتصديق بها ذاتاً وصفات وأفعالاً ، و (التوحيد) في اصطلاح أهل الحقيقة من الصوفية : تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الإفهام ويخيل في الأذهان والأوهام وقد هاجم ابن منيع هذه العبارة في صفحة (17) من حواره .
________________________________________
والمعروف أن الله تعالى أوضح لنا سورة (الإخلاص) أنه ( أحد) أي لا أحد معه ولا أحد بعده ولا أحد مثله ( ولم يكن له كفواً أحد ) وصاحب الورد والدعاء يسأل الله تبارك وتعالي أن يرزقه حقيقة التحقق بمعرفة كمال وجمال وجلال ( الأحدية ) وهي التوحيد وفي الوقت نفسه يسأله تعالى أن يحفظه ويحميه وينفذه من مخاطر وشحطات الإغراق والاستغراق والمغالاة في شهود آثار أحدية ذاته ووحدانيته تعالى ( كالقول بالوحدة والاتحاد) وغيره مما هلك فيه من هلك أو ضل وشطح من شحط لذلك قال الأمام السيد أحمد الرفاعي في كتابه الشهير ( البرهان المؤيد ) : ( التوحيد وجدان تعظيم في القلب يمنع من التعطيل والتشبيه ) . فصاحب الورد والدعاء أذن يستعيذ بالله تعالى من أن يتيه في ( أوحال ) التائهين والشاطحين والمنحرفين في ( التوحيد ) إذ كما قال الأمام الرفاعي في ( البرهان ) : (ما ثم اتصال ولا انفصال ، ولا حلول ولا انتقال ، ولا حركة ولا زوال ، ولا ممارسة ولا مجاوره ،ولا محاذاة ولا مقابلة ، ولا مماثلة ولا مجانسة ولا مشاكله ، ولا تجسد ولا تصور ولا انفعال ، ولا مماثلة لا مجانسة ولا تغير ) وكما ذكر في كتابه المذكور رضى الله عنه أنه ( سأل رجل الأمام مالكاً بن أنس رضى الله عنه عن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعاً ، وأمر به أن يخرج .
________________________________________
وقال إمامنا الشافعي رضى الله عنه لما سئل عن ذلك : آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك ، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك وقال الأمام أبو حنيفة رضى الله عنه : من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر .. لأن هذا القول يوهم أن للحق تعالى مكاناً ، ومن توهم أن للحق مكاناً فهو مشبه . سئل الأمام جعفر الصادق بن محمد الباقر رضى الله عنهما : من زعم أن الله في شيء ، أو من شيء ، أو على شيء ، فقد أشرك إذ لو كان على شيء لكان محمولاً ولو كان في شيء لكان محصوراً ولو كان من شيء لكان محدثاً ) ا . هـ .
(( الفصل السادس ))
التبرك ليس شركاً ولا بدعه:
شجرة بيعة الرضوان
في الصفحة (23) من حواره أخذ الشيخ أبن منيع على الشيخ السيد المالكي ( رأيه في أن شجرة بيعة الرضوان لم يقطعها عمر إلا لأن الناس اختلفوا في تعيينها فقطعها لئلا تنسب لبيعة الرضوان والحال أنها ليست كذلك ) .
سبب قطع شجرة البيعة
ولا بد هنا من ملاحظة أن قطع عمر لشجرة البيعة ونحوه : أنما كان لمنع الشرك الذي كان لا يزال متمكناً أو قريباً من النفوس ، ولم يكن أبداً لمنع التبرك وفرق هائل بين الإشراك والتبرك الذي هو من تأكيد الإيمان بالله وقدرته ، وهو من أدلة استمرار آثار العمل الصالح ، وهذه الفعلة من عمر كانت مجرد اجتهاد في حكم سد الذريعه ، فليس هو بشريعة نبوية حاسمة ومن العجب أن هؤلاء الذين يستشهدون بفعل عمر هنا ، هم الذين يخالفون فعل عمر بصلاة التراويح عشرين ويصلونها ثمانية ، فليس الأمر هنا دينا وانما هو شهوة المخالفة .
قصد المعالم المباركة
________________________________________
وقصد الأماكن والمعالم المباركة التي يرجى فيها استجابة الدعاء والتوسل كالمساجد والبقاع التي لها خصوصية ، شرع منصوص ، وقد بينت كتب الحديث في أبواب الدعاء أن هناك أمكنه وأزمنة يكون الدعاء فيها أرجى من غيرها لقد آستها وطهارتها ونزاهتها عن الدنس والخطيئة كما حدث في ليل الإسراء لسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث – وهو في طريقة إلى المسجد الأقصى – نزل عن براقه ، فصلى في عدة أمكنه معينه ، في كتب الحديث والسيرة ومنها : طور سيناء ، ومولد عيسى ، ثم أن في مشاهد الحج واختيار أماكن معينة فيه للدعاء والتعبد ونحوه ، أكبر دليل على ذلك ويؤيده حديث شد الرحال إلى المساجد الثلاثة ، فقصد الأماكن والمعالم المباركة للزيارة والدعاء عمل مندوب إليه . وقد صح عن عمر رضي الله عنه قوله : لو كان مسجد قباء في كذا لذهبنا إليه ) .
التبرك بآثار الصالحين
والتبرك بآثار الصالحين جائز ، وقد نقل الحافظ العراقي في ( فتح المتعال ) بسنده أن الأمام أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره تبركاً ، قال : عندما رأى ذلك الشيخ ابن تيميه عجب ، قال : وأي عجب في ذلك وقد روينا أن الأمام أحمد تبرك بالشرب من ماء غسيل قميص الأمام الشافعي بل قد روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بأثار الشافعي .
وفي ( الحكاية المنثورة ) للأمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أصيب بدمل أعجزه علاجه ، فمسح به قبر الأمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ .
وفي تاريخ الخطيب : أن الأمام الشافعي كان يتبرك بزيارة قبر الأمام أبي حنيفة مدة أقامته بالعراق ، كما صح عنه أنه كان يتبرك بغسالة قميص الأمام أحمد ، (فكان يأخذ منها ما يسمح به وجهه وأعضاءه ، كما ذكره أصحاب ( الطبقات) وغيرهم
________________________________________
وفي صحيح السيرة : أنه كان مع خالد بن الوليد شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم يتبرك بها ، وما شهد بها مشهداً لا نصره الله كما رواه البيهقي وابو يعلي وآخرون .
وفي صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن أسماء بنت أبي بكر أنها اخرجت جبة طيالسية وقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فتحن نغلسها للمرضي فتستشفى بها .
وفي طبقات ابن سعد عن ابن قسيط والعتبي : (كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا رمانه المنبر التي تلي القبر بميامنهم (أي) تبركا وتوسلاً ثم استقبلوا القبله يدعون ) .
وروى ابن سعد كذلك عن عبد الرحمن بن عبد القادر ، أنه رأى ابن عمر رضى الله عنه واضعا يده عل مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه (أي تبركا..) كما ورى عنه أنه كان يضع يده على رمانه المنبر مكان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمسح بها وجهه .
كذلك ثبت أن بلالا مرغ خدع على عتبات الحجرة النبوية باكياً بين الصحابه رضى الله عنهم يوم عاد من الشام إلىالمدينه ثم علم يرد أن أحدا من الصحابه أنكر عليه ولا على فاطمة فيما ورد عنها من التبرك بتربه القبر الشريف .
ولعل الأصل : ثبوت تبرك المسلمين بشعر النبي ووضوئه وسؤره وملابسه وبردته وإقراره صلى الله عليه وسلك لذلك .
تبرك السلفي الأول الصديق والسلفي الثاني الفاروق به
صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
________________________________________
ولا شك أن من أبرز الدلائل الدالة على مشروعية وندب واستحباب التبرك به صلى الله عليه وسلم وبآثاره الشريفة بعد وفاته فضلاً عن حياته ما فعله الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله عنه فانه طلب عند وفاته أن يدفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم ( بل عند قدميه الشريفين وكذلك طلب وألح الخليفة الثاني عمر الفاروق رضى الله عنه فانه كما ورد في صحيح البخاري استأذن أمنا عائشه رضى الله عنها مرتين أن طعن أن يدفن بجوار المصطفى صلى الله عليه وسلم فمرة أرسل ابنه عبد الله قائلاً لها يستأذنك أمير المؤمنين عمر ثم قال له : إذا أنا مت فاذهبوا بجنازتي إلى بيت عائشة وقفوا بي على الباب ثم قولوا : يستأذن عمر فإني عندها لم أعد أمير المؤمنين فإن أذنت وإلا فادفنوني في مقابر المسلمين ( فهل يدلنا المخالفون النافون للتبرك والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عن سر إصرار هذين الطودين الشامخين من أطواد الاسلام والخليفتين الراشدين اللذين قال عنها الصادق والمصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) رواه الامام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفه بن اليمان وحديث العرباض بن ساريه ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) رواه الأمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه .. فهل يجوز بعد بيان ما سلف أن نتهم بالشرك ونضرب بالعصا وننظر شزراً وحنقاً إى من يريد أن يتبرك بأي أثار من أثار النبي صلى الله عليه وسلم سواء في مسجده الشريف ومنبره ومحرابه وشباك قبره المنيف أم في خارجه .. ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (.
(( الفصل السابع ))
التوسل
________________________________________
هذا وأود أن أنقل فيما يلي رأي أهل السنة والجماعة المستند إلى الأدله الشرعية المحكمة في موضوع التوسل فأقول وبالله التوفيق نقلا عن كتاب ( قضايا الوسيلة ) للشيخ محمد زكي أبراهيم :
أنواع التوسل :
من حيث أن أصل التوصل مشروع لا خلاف عليه كان الكلام في فروعه من الخلاقيات التي لا تتعلق بإيمان ولا كفر ولا توحيد ولا شرك وإنما محلها الجواز والمنع فحكمها الحلال والحرام أنه لا خلاف بين طوائف المسلمين إجماعا على ثلاثة أنواع من التوسل:-
النوع الأول :-
التوسل بالحي الصالح إلى الله تعالى كما في الحديث الضرير مع النبي صلى الله عليه وسلم الذي سوف يأتي بيانه .
النوع الثاني : –
توسل الحي بالعمل الصالح إلى الله تعالى كما في ( حديث الثلاثة أصحاب الغار والصخره) الذي أورده الأمام البخاري في صحيحه .
النوع الثالث :-
التوسل إلى الله بذاته تعالى وبأسمائه وصفاته ونحوها وبما أن هذه الأنواع متفق على مشروعيتها فلا داعي لسرد الأدله عليها
وأنما الخلاف هو على التوسل بالميت الصالح .. وقد أجازه جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعه ولديهم عليه الأدله النقلية المتعاضدة نكتفي هنا منها ( بحديث الأعمى ) من حيث أنه المحور الأكبر فيهذا الباب وعليه يدور النقاش .
حديث الأعمى في التوسل وقضاء الحاجه :
روى الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف أن رجلا أعمى اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أني أصبت في بصري فادع الله لي قال أذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم أني أٍألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمه يا محمد أني استشفع بك على ربي في رد بصري وفي روايه ( في حاجتي لتقضي لي اللهم شفعه في ) ( ثم قال صلى الله عليه وسلم ) وأن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ( وفي بعض روايات الحديث خلاف يسير في الألفاظ ليس بذى بال ) .
________________________________________
من هذا الحديث أخذ الفقهاء مندوبيه صلاة الحاجة فمن كانت له إلى الله حاجة صلى هذه الصلاة توجه إلى الله بهذا الدعاء مع ما يناسبة من الدعاء الأثور وغير المأثور مما تمس إليه الحاجة وما يشعر به صاحبها .
ومنطوق الحديث حجه في صحه التوسل بالحي ومفهومه حجه على صحه التوسل بالميت من أن يتوسل بالحي أو الميت ليس توسلا بالجسم ولا الحياة ولا بالموت ولكن بالمعنى الطيب الملازم للأنسان في الموت والحياة وماالجسم إلا حقيقة لصيانه هذا المعنى فاستوجب بهذا تكريمه حياً كان أو ميتا على أن قوله ( يا محمد) نداء للغائب الذي يستوي فيه الحي والميت فهو موجه إلى المعنى الكريم على الله والملازم للروح والذي هو موضع التوسل بالحي أو الميت على حد سواء .
حديث الأعمى والتوسل بالموتى :-
ومع هذا فقد أخرج الطبراني في معجمه الصغير عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقى ابن حنيف فشكا اليه ذلك ( أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد خلافه أبي بكر وعمر )
فقال له عثمان بن حنيف ( وهو الصحابي المحدث العالم بين يدين الله ) أيت الميضأة فتوضأ ثم أيت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل (( اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمه يا محمد : أني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي قال : وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك ) .
فانطلق الرجل يضع ماقال له ثم اتى باب عثمان بن عفان رضى الله عنه فجأه البواب حتى أخذ بيده فأدخله علي عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة ( الوسادة) فقال : ما حاجتك ؟!! فكر حاجته وقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة !!
وقال : ما كانت لك من حاجة فاذكرها !!
________________________________________
ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته ( يريد أن أبن حنيف كلمه ، أي توسط له عند عثمان بن عفان ) .
فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير . فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر !؟ فقال : يا رسول الله أنه ليس لي قائد ، وقد شق علي :
فقال صلى الله عليه وسلم : أيت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ثم ادع هذه الدعوات
قال ابن حنيف : فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط
وهذا نص صحابي قطعي صريح في صحة التوسل بالموتى وقد صحح هذه القصة ( البيهقي ، والمنذري ، والهيثمي ) كما سيأتي .
تحقيق صحة حديث الضرير : –
قال الطبراني : أنه حديث صحيح وذكر أن عثمان بن عمر تفرد به عن شعبه .
قال الشيخ ابن تيمية ( تأمل ) : أن الطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم يبلغه روايه روح بن عباد عن شعبه ، وذلك اسناد صحيح يبن أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر ( أ هـ)
نقول : ولو سلمنا بانفراده به عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة فهما ثقتان باجماع علماء الحديث وبهذا ينتفي تغريب الحديث عند الترمذي وكم من حديث صحيح ولكنه غريب كحديث ( انما الأعمال بالنيات) مثلاً .
قلنا : وبهذا يتحقق علمياً أن الحديث صحيح على شرط الشيخين ( البخاري ومسلم ) ومع هذا فبعض من في صدورهم غرض معين يضعف حديث الأعمى هذا من روايه الترمذي بحجة أن في سنده رجلا غير معروف والقاعدة عند علماء الحديث أن المجهول عند واحد إذا كان معلوماً عند غيره فالحجة للعالم به والمثبت مقدم على النافي عند جميع أهل العلم ، خصوصا أهل الحديث .
________________________________________
وقد قال الترمذي عنه ( حديث حسن صحيح غريب لا يعرف الا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر قال وهو غير الخطمي ( بفتح الخاء) ومعنى هذا : أن رواه هذا الحديث مع مجهولة أبي جعفر عند الترمذي : مقبولون بدرجة الحسن والصحة على الوجهين .
وعلماء الحديث الذين سبقوا الترمذي حققوا أن أبا جعفر ( هذا المجهول عند الترمذي ) هو الخطمي بعينه قال ابن أبي خيثمة : أبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمه : اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبه ثم روى الحديث من طريق عثمان عن شعبة عن أبي جعفر .
قال ابن تيمية : بعد أن روى حديث الترمذي : (( وسائر العلماء قالوا هو جعفر الخطمي وهو الصواب )) فتأمل
قلنا : وفي (تعريف التهذيب) للحافظ أبن حجر : أنه الخطمي وأنه صدوق ( من السادسة) وفي ( الاستيعاب) لابن عبد البر : أنه الخطمي كذلك ثم أن الحديث كذلك رواه البيهقي من طريق الحاكم وأقر تصحيحه وقد رواه الحاكم بسند على شرط الشيخين واقره الحافظ الذهبي واستشهد به الشوكاني وهما !! من هما !!
ومعنى هذا : أن جميع رجال السند معروفون لكبار أئمة الحديث كالذهبي ( وهو من هو تشددا) وابن حجر ( وهو من هو ضبطا، وحفظا ، وتحقيقا ) والحاكم ، والبيهقي والطبراني وابن عبد البر والشوكاني وحتى ابن تيمية .. الخ .
ثم ان هذا الحديث اخرجه البخاري في ( التاريخ الكبير) وابن ماجه في ( السنن ) ونص على صحته والنسائي في ( عمل اليوم واليله ) وأبو نعيم في ( معرفة الصحابه) والبيهقي في ( دلائل النبوه ) والمنذري في (الترغيب) والهيثمي في ( المجمع) والطبراني في ( الكبير) وابن خزيمه في صحيح وآخرون .
وقد نص على صحته نخو خمسة عشر حافظا وهكذا جاء الحديث كما قدمنا على شرط الصحيحين : البخاري ومسلم فلم يبق بعد هذا مطعن لطاعن أو مغمز لمغتمز في صحة الحديث .
________________________________________
وبالتالي في جواز التوسل بالحي والميت جميعا من طريق : العقل والعلم والعاطفة وفي الأمر سعة من شاء توسل ومن شاء ترك بلا فتنه ولا تأثيم بعد كل هذا التحقيق الدقيق.
موضوع توسل الصحابة بالعباس :-
ثم أن توسل الصحابة بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي أبداً صحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره إذ لا تنافي بين الأمرين بدليل أنه : بينما كانت طائفة تتوسل بالعباس لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم ( ومعنى هذا أنهم يتوسلون بالنبي نفسه ) كان بعضهم يتوسل إلى الله مستسقياً بالرسول في قبره فقد أخرج ابن أبي شبيه عن (مالك الدار) بسند صحيح ( كما في فتح الباري ) وأخرجه البخاري في ( التاريخ ) وابن أبي خيثمة والبيهقي في ( الدلائل ) : أن بلال بن الحارث المزني الصحابي أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الرمادة ( القحط) في عمر وقال : (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا ) … الخ .
وهو نص من فعل الصحابه في صحة التوسل بالميت وبما أنه لم ينكره عليه أحد فقد أخذ بالتتالي قوه الاجماع .
وقد روى ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) سبب توسل الصحابه بالعباس وهو لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره بل هو هو قلنا : لأن علة توسلهم به رضى الله عنه هي قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد وغلا فلماذا اختاروا العباس بالذات مع وجود غيره ؟
________________________________________
وكلام الحافظ في ( الفتح) يؤيد هذا الجانب شأن جمهور علماء المسلمين وهو معتضد بخبر فتح الكوي في سقف الحجرة المشرفة بأذن عائشة توسلا إلى الله في اللطف بالعباد كما روى عن أبي الجوزاء وأخرجه الدارمي في ( سننه ) وعلق عليه ( القاري) في شرح ( المشكاه) تأكيدا فالتوسل بالعباس بعد كل هذا فرع لا يتنافى مع الأصل – وهو التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم – لا عقلا ولا نقلا .
علماء الأصول والتوسل بالموتى :
وعلماء ( أصول الدين ) هم أهل الاختصاص في هذا المجال وليس لمنكر من بعد مقالهم مقال فقد اجازوا التوسل بصالحي الموتى وفي مقدمتهم : علامة الدنيا الأمام فخر الدين الرازي في ( المطالب لعاليه ) وأمام البيان العلامة سعد الدين التفتازاني في ( شرح المقاصد ) وأمام الأعجاز العلامة الشريف الجرجاني في حاشية ( المطالع ) ولهم في ذلك توجيهات وتفاصيل ونقول : فلسفات تؤكد ما يكون بين الزائر والمزور من المدد والافاضه والصلة الروحانية على نسبة منزلة كل منهما في الحياتين .
وفي ( مناسك) الأمام أحمد رواية أبي بكر المروزي ، في التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره وهناك صيغة طويله للتوسل به صلى الله عليه وسلم عند الحنابله ذكرها أبو الوفاء بن عقيل في ( التذكره ) فلا خلاف عند كبار الحنابله على ذلك .
وتوسل الأمام الشافعي بالأمام أبي حنيفه ( وهو ميت) مذكور في أوائل ( تاريخ الخطيب ) بسند صحيح . أ . هـ
( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ) ؟!
التوسل واستمداد المغفرة من الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
سخر الشيخ ابن منيع من قول السيد المالكي : (فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية ، وإمدادات محمدية ) وتساءل متهكماً : (وأما الإمدادات المحمدية فلا ندري ماهو مقصود المالكي بها ؟) كذلك هاجم ما أورده السيد المالكي في ( الذخائر) من صيغة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها : (( وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك يا رسول الله إلى ربي عز وجل )) راجع صفحه (75) من حواره .
ونحن نورد له فيما يلي قصه الأعرابي الذي وجد نفسه مذنبا فذهب يستمد مغفرة الله تعالى وغفوه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى وذلك فيما أخرجه أبن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست بحذائه فجاء أعرابي وذكر نحو ما سيأتي بل روى أبو سعيد السمعاني عن علي رضي الله عنه قال قد علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله سبحانه وتعالى ووعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ) الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر أنه قد غفر لك انتهى … ( فبأي حديث بعد يؤمنون ) ؟!!
عقيدتنا في التوسل :
________________________________________
نحن نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة لهم ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا ولو كان هذا التوسل شركا وتوجها إلى غير اله كما يزعمه المنكر فينبيغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حال الحياة أيضا وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب ومستحسن شائع في الدين ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا فما الدليل عليه ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كلياً ولا ليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة غايته أنه لم تكن هذه المسأله كليه .
________________________________________
نعم إن كان الزائر يعتقد أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والإلتجاء إليه كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون وكما يفعلون أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير فذلك مما يمنع ويحذ منه وفعل العوام لا يعتبر قط وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل هذا وإلى هذا التوسل أشار الأمام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني العباس وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم سأل الأمام مالكاً وهو بالمسجد النبوي وقال له :- يا أب عبد الله استقبل القبله وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال مالك :- ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) النساء – وقد ذكره القاضي عياض في ( الشفاء) وساقه بإسناد صحيح وذكره السبكي في ( شفاء السقام ) والسمهودي في ( خلاصة الوفاء ) والعلامة القسطلاني في ( المواهب اللدنيه ) والعلامة ابن حجر في ( تحفة الزوار والجوهر المنظم ) وذكره كثير من أصحاب المناسك في آداب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ( راجع كتاب – طي السجل – للسيد محمد مهدي الرواس الرفاعي ) .
فهل الشيخ ابن منيع والمشايخ في الرئاسة لا يزالون مصرين على ما ورد في الحوار بصفحة (16) من ( أن الاستشفاع والاستجارة به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من أنواع الشرك الأكبر ) نسأل الله السداد في القول ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم .
________________________________________
والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحه التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين كما دلت الأحاديث السابقة لأنا لا نعتقد تأثيرا ولا خلقا ولا إيجادا ولا إعداما ولا نفعا ولا ضرا إلا لله وحده لا شريك له فلا نعتقد تأثيراً ولا نفعا ولا ضرا للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الخلق والإيجاد والتأثير ولا لغيره من الأحياء والأموات فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وكذا بالأولياء والصالحين لا فرق بين كونهم أحياءا أو أمواتا لأنهم لا يخلفون شيئا وليس لهم تأثير في شئ وأنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى والخلق والإيجاد والتأثير لله وحده لا شريك له ( ولأنه تسري بركه المكان على الداعي ) كما ذكر الأمام الشوكاني في كتابه ( تحفه الذاكرين ) بعده الحصن الحصين .
وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات حيث جوزوا بعض التوسلات بالأحياء لا للأموات فهم القريبون من الزلل لأنهم اعتبروا أن الأحياء لهم التأثير دون الأموات مع أنه لا تأثير أيجاد يا لغير الله سبحانه وتعالى على الإطلاق وأما الإفادة وفيض البركات والاستفادة من أرواحهم استفادة اعتيادية وتوجه أرواحهم إلى الله سبحانه وتعالى طالبين فيض الرحمه على ذلك المتوسل فهو شئ جائز وواقع وخال عن كل خلل بدون الفرق بين الأحياء والأموات .
________________________________________
فشبهه المانعين أن كانت من جهة إن الأموات أجساد هامدة جامدة ولا روح ولا أدراك ولا مجال للخطاب معهم فتلك ساقطة من الاعتبار بأن أجساد الأنبياء والرسل لا تبلى وأن حرم على الأرض أن تأكل لحومهم وأن أرواحهم باقية ثابتة، ولها أدراك بأذن الله تعالى ، وهو تعالى يعلمها بصلوات المسلمين وبتوسلات المتةسلين وحسبك في الموضوع خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في كلا صلاة عن التشهد بقولك : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أ . هـ . من ( نور الإسلام ) .
هذا وقد أجاد سماحة الشيخ عبد الكريم المدرس رئيس جمعية علماء بغداد نفع الله تعالى بحياته عندما ذكر في كتاب القيم ( نور الإسلام ) السالف :-
( أنه هناك أمور ينبغي التعرض لها بالزيادة بصيرة المسلمين :-
الأول – أنه هل للأموات أدراك وإطلاع على الزائر وشخصيته وفهم لأحواله ؟
الثاني – هل هناك فائدة تعود على الميت أولاً وعلى الزائر ثانياً ؟
الثالث – أنه هل يجوز للزائر التوسل بهم إلى الله سبحانه لحصول خير أو دفع شر ؟
فنقول أما الأول – فان كان الميت نبيا من الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) فلهم أدراك فقد ثبت أن الانبياء أحياء في قبورهم وان الأرض لا تأكل أجسادهم لما روى النسائي عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء )) عليهم الصلاة والسلام واخرجه بن ماجه في سننه أيضا وروى البيهقي في كتاب الانبياء وصححه من حديث أنس رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال (( الانبياء أحياء في قبورهم يصلون )) وكذلك رواه أبو يعلي والبزار وابن عدي واخرج مسلم في باب فضائل موسى عليه السلام من روايه أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( مررت على موسى ليلة أسرى بي عيد لمزيد البحث والبيهقي في ( حياة الانبياء ).
________________________________________
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض على أعمالكم فان رأيت شرا استغفر لكم )) وذلك العرض كل يوم وقد عد من خصائصه صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من حياة الواردة في هذا الباب مما يدل مجموعها دلالة لا مريه فيها على حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رواه الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد 9/23) .
وكذلك الشهداء فقد ثبت أيضا أنهم أحياء في قبورهم وان كانت حياتهم دون حياة الأنبياء قال تعالى ((وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) سورة البقرة – أية (154) .
والصحيح الذي عليه أكثر الأئمة أن الثواب والعذاب على مجموع الروح والجسد لكن الجسد البرزخي ، لا هذا الجسد المادي المرئي المشهود لأنه ربما يحرق الإنسان فيصير بدنه هباء منبثاً أو يتفتت في القبر ومعنى الجسد البرزخي أنه يخلق الله تعالى لروح المتنعم أو المعذب جداً لطيفاً كجسد الملائكة التي لا فرق فيه بين المحل الكبير والصغير ولا يمنعه مانع من قبوله التنعيم والتعذب وتصور ذلك سهل لمن له المام بالوحي والرسالة ومن تأمل عجائب الملك والملكوت وغرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذه الأشياء فأن للنفس نشأت وهي في كل نشأة منها تشاهد صوراً تقضيها تلك النشأة فكما أنا نشاهد في المنام صوراً لا نشاهدها في اليقظة كذلك نشاهد في حال انخلاعنا عن البدن أموراً لم نكن نشاهدها في الحياة وإلى ذلك يشير قول من قال الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .
فأنا نصدق بأن القبر يوسع على الميت من أهل السعادة بمقدار ما يعلمه الله تعالى وأنه يبقى في النعيم إلى ما شاء الله .
________________________________________
وكذلك نصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت ولكننا لا نشاهد ذلك فان هذه اللعين لا تصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتيه وكل ما يتعلق بالأخره فهو من عالم الملكوت .
قال في موضع آخر من الكتاب :-
وهذا ولا ينافي ذلك قوله تعالى : ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) لقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) فإنه لولا خلق الله للإسماع لم يكن إسماع لأي شخص من أي شخص حتى في لدنيا وفي حال اليقظة ولكن الله يسمعهم وإلا فكيف كان يتكلم صلى الله عليه وسلم مع قتلى بدر الواقعين في القليب وكيف يقول صلى الله عليه وسلم أن الموتى يسمعون قرع نعال المشيعين لهم وكيف كان مجال لتلقين الموتى بعد الدفن ؟
وان كانت شبهتهم من جهة أنه تأثير لما سوى الله تعالى فهي مدفوعة بأن المتوسلين لا يريدون منهم التأثير والإيجاد معاذ الله أن يتصور المسلم صحة شئ مخالف لقواعد الإيمان والإسلام والتوحيد .
وأن كانت الشبهة وقوع بعض ألفاظ غير سليمة من الخلل فهي مدفوعة بتداركها بأدنى عناية حول تربية المسلمين لترك الألفاظ غير السليمة واستعمال ما يناسب مقام العبودية .
وأما منع التوسل مطلقا فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة ومع صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمه وخلفها وجعل التوسل شركا وكفرا معارضة صريحة لقواعد الإسلام فان من قواعده عدم تكفير أي مسلم إلا بعد ثبوت مكفر منه لا يقبل التأويل واضلال للأمه المعصومة من الخطأ فضلا عن الكفر بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) الحديث المعروف المشهور الجلي الذي أدعي بعض المحدثين أنه متواتر ومخاصمة مع قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) إذ كيف تجتمع كلها أو أكثرها على ضلالة ؟ وهي خير أمة أخرجت للناس .
________________________________________
فإذا وقفنا وتوجهنا إلى الضريح الأنور وخاطبناه صلى الله وعليه وسلم فخطابنا معه له أصل في الدين وهو الخطاب معه في تشهدنا لكل صلاة ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم له روح عاليه الدرجات موهوبة من الله سبحانه بفضائل لا يعلمها بصلاة المصلين وخطاب الحاضرين والغائبين .
وإذا توسلنا به صلى الله عليه وسلم على معنى طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم فطلب الدعاء مشروع وروحانيته المنورة لا فرق بين عالم علاقتها المادية الدنيوية وعلاقتها البرزخيه بل والأرواح في البرزخ أصفى منها في عالم الدنيا .
وإذا توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم أي توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم أي حق رعايته للعبودية الخالصة عند الله تعالى بمحض إحسانه ولطفه أو فضل طاعته وأعماله وجهاده في تبليغ الدين المبين فكل ذلك واقع في الروايات الصحيحة كما سمعت منا في أوجه التوسل به صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان القصد الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه الشفيع الأكرم المشفع وشفاعته ثابته لا شك فيها وقبول شفاعته ثابت بفضل الله وهو من خالص كرمه ورحمته تعالى لا حق لأحد في منعه وحجره أو إنكاره .
وما توهم الناس به من أنه اشتراك فهو توهم من تعامي عن حقيقة معنى الإشراك فانه عبارة عن أن يجعل العبد أحدا سوى الله تعالى شريكاً له في الألوهية والربوبية والخلق أي أن ذلك الشريك له نصيب من الصفات المذكورة وأين ذلك من التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم بصفة أنه عبد الله ونبيه ورسوله أكرمه بفضله وجعل له الشفاعة والوسيلة والمقام المحمود ؟
________________________________________
وقياس المسلمين على عباد الأصنام في ما حكاه الله تعالى عنهم من قولهم ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ونحوه ناشئ عن إغماض عن الحق وانحراف عن الواقع ، وتسوية بين الأمة الوثنية والجاهلة الضالة العمياء وبين الأمة المسلمة المؤمنة بالله وحدة لا شريك له ، الناشئة عن الملة الإسلامية الحنيفة المهتدية البيضاء ، التي تمرنت على الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين وخالق كل شئ ومعبود المكلفين . وكيف يتصور بمن أسلم وقرأ القرآن وفهم تعاليمه أن يظن تلك الظنون الفاسدة التى ظنها عباد الأصنام الجاهليون ؟ وكيف يتصور ذلك من العلماء الأعلام الدارسين لمعنى قوله تعالى ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم آله واحد ) ولإنذارات الرسول الكريم لعشيرته بعد نزول قوله تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ؟. ا . هـ .
هذا وقد يكون من المفيد كثيرا أقوال هؤلاء الأعلام : –
قال الإمام أبن الحاج المكي في ( المدخل ) والإمام القسطلاني في المواهب قد قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : ( لا فرق بين موته وحياته صلى الله عليه وسلم في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك جلي عنده لاخفاء به ) ا . هـ .
وقال القاضي ثم القاري ثم المناوي في التيسيير شرح الجامع الصغير الصغير للأمام السيوطي رحمهم الله تعالى : ( النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية أتصلت بالملأ الأعلى ولم يبقى لها حجاب فترى وتسمع الكل كالمشاهد ) . ا هـ .
وفي ,, المنقذ من الضلال ’’ للإمام الغزالي رحمه الله : ( أن أرباب القلوب في يقظتهم قد يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم منهم فوائد ) . ا . هـ .
وقد قال تلميذه الأمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي : ( رؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة ) ( أهل الحق – للمحدث محمد حافظ التيجاني ) .
________________________________________
وقد قرر الأمام الشيخ أبن القيم في كتابه ( الروح ) : أن للأرواح قوة وطاقة وقدرة لا يتصورها البشر ، حتى أن روحاً واحدة عظيمة تؤثر في جيش كامل ) .
الروح بعد مفارقتها للجسد :
والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت ، وتبقى هي مدركة تسمع من يزورها ، وتعرفه ، وترد عليه السلام ، وتحس لذة النعيم ، وألم الجحيم .
قال أبن تيمية رحمه الله تعالى : – (( وقد إستفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا ، وأن ذلك يعرض عليه ، وأنه يرى ويدري ما يفعل عنده ، ويسر بما كان حسناً ، ويتألم بما كان قبيحا )) ؟
وروي عن عائشة رضي الله عنها : بعد أن دفن عمر رضي الله عنه . كانت تستتر وتقول : ,, كان أبي وزوجي ، فأما عمر فأجبي ’’ .. تعني أنه يراها .
((وروى أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم ، فيعرفهم أحوالهم وأنه ولد لفلان ولد وتزوجت فلانة )) أهـ . (العقائد الإسلامية لسيد سابق صفحة 230 ) .
السؤال في القبر :
اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته قبر أم لم يقبر . فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رماداً ، ونسف في الهواء ، أو غرق في البحر لسئل عن أعماله ، وجوزي بالخير خيراً ، وبالشر شراً . وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معاً . وقال أبن القيم رحمه الله تعالى : ـ ( مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه ، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة ، وأنها تتصل بالبدن أحياناً ، ويحصل له معها النعيم أو العذاب ، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد ، وقاموا من قبورهم لرب العالمين ، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى . ) ا . هـ . ( المصدر السابق صفحة 231 )
________________________________________
وفي مسند الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وصحيح أبي حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : ـ أن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم ، حين يولون عنه ، فأن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه ، والصيام عن يمينه والزكاة عن شماله ، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه ، فيؤتي من قبل رأسه فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتي عن يمينه ، فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ثم يؤتي عن يساره ، فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل . ثم يؤتي من قبل رجليه ، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان : ما قبلي مدخل ، فيقال له : اجلس فيجلس ، قد مثلت له الشمس ، وقد أخذت للغروب . فيقال له : هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول دعوني أصلي ، فيقولان : أنك ستصلي ، أخبرنا عما نسألك عنه ؟ أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ وما تشهد عليه ؟ فيقول : محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشهد أنه رسول الله جاء بالحق من عند الله . فيقال له : على ذلك حييت ، وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له هذا مقعدك . وما أعد الله لك فيها ، فيزداد غبطة وسروراً ثم يسح له في قبره سبعون زراعاً . وينور له فيه . ويعاد الجسد لما بدىء منه . وتجعل نسمته في النسم الطيب ، وهي طير معلق في شجر الجنة ، قال : فذلك قول الله تعالى :(( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) نسأل الله سبحانه وتعلى أن يهدي المسلمين بنور العلم السليم إلى الصراط المستقيم بمنه وفضله أنه أرحم الراحمين .
________________________________________
وقلوبنا مملوءة بأمل أن ينتبه المسلم الزكي الزكي المنصف لملاحظة الحقائق ، وتنوير الأمة على ضوئها ، وإرشاد العامة وتأييد الخواص ، فالدين نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وليس من النصيحة اثارة الشكوك والأوهام وتضليل المسلمين من لدن القرون الأولى إلى يومنا . فأنه قد مضت قرون والمسلمون والرشد في قرن كما أنه لا ينبغي ولا يجوز بل يحرم الأقتداء بالحروروية المكفرين فإن رأينا نحن المسلمين أن لا نكفر أحد من أهل القبلة ، إلا بحجة قاطعة على كفره ، كما يجب الاجتناب كل الاجتناب عن الإنحراف ، ويجب علينا الاعتدال والوقوف وسط الطريق بلا إفراط وتفريط ، وإيتاء كل ذي حق حقه ، وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من الرسل وصحابته واتباعه واتباع التابعين صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وعنا ببركاتهم أجمعين . اللهم ارزقنا التصديق والتسليم ولا تجعلنا اللهم من الذين ذممتهم فقلت فيهم ( قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) الممتحنة ـ 13 .
(( الفصل الثامن ))
شبهات صغيرة والرد عليها
سعادة من راه صلى الله علية وسلم
كان الشيخ ابن منيع في ردها لمتهافت على الشيخ السيد محمد علوي المالكي يخبط عشواء ، فبالإضافة إلى تسرعه في السباب والشتيمة وتزيع صفات البدعة والكفر والشرك على خصمه ، غالى في إنكار وجحود جميع ما كتبه السيد وذكره حتى ما كان منه مؤيدا بأحاديث شريفة صحيحة فنراه يهاجم مانقله السيد المالكي في صفحة (54) من الهمزية من قول المحب البوصيري رحمه الله :
ليته خصني برؤية وجه زال عن كل من رآه العناء قائلا ( في صفحة 16 من حواره ):
________________________________________
(( وهذا كذب وباطل وقد رآه في حياته عليه الصلاة والسلام أقوام كثيرون فما زال عنهم عناؤهم ولا كفرهم ) .ا . هـ . والمتتبع لردود الشيخ ابن منيع ومن ساعده من المشايخ في الرئاسة العامة ممن شكرهم في خاتمة كتابه وأثنى عليهم ودعا الله تعالى لهم بالأجر في سبيل الدفاع عن العقيدة في صفحة 199 ـ أنهم ليسوا من ذوي الاطلاع الحسن على السنة وكتب الحديث النبوي الشريف التي هي المصدر الثاني بعد كتاب الله تعالى ، والا فكيف نفسر هذا الحكم القاطع من الشيخ ابن منيع واقرار زملائه واعوانه له فيه مع أن هناك حديثا صحيحا رواه الترمذي في سننه عن سيدنا جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :ـ ( لاتمس النار مسلما راني أو رأى من رأني ) الحديث رقم 3957 من سنن الترمذي ( طبعة القاهرة ) .
ولقد التبس على بعضهم كما التبس على الشيخ ابن منيع كيف يكون ذلك صحيحا مع أن هناك ( أقوام كثيرون رأوه صلى الله عليه وسلم فما زال عناؤهم وكفرهم ) كأبي لهب وأبي جهل والوليد وأبي ابن خلفوغيرهم .. فكان رفع الالتباس عن غشاوة أذهانهم في حقيقة ( أن أولئك إنما نظروا إلى النبي صلى الله علية وسلم في صورة ( يتيم أبي طالب ) لابصورة نبي الله ورسوله وحبيبه ورحمته للعالمين ) وصدق الله تعالى وكفى بقوله تعالى قولا إذ يقول :ـ (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) الأعراف ـ أية 197.
فمن المطالب الآنبالتوبة عن رأيه والاستغفار السيد المالكي أم الشيخ ابن منيع ( اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعة وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله علينا تشابها فنتبع الهوى ) أمين .
أين الاجماع ؟ !
قال الشيخ ابن منيع في حواره : ( لاشك أن علماء التفسير واللغة وأهل العلم مجمعون على أن النور في الآية الكريمة ـ كمشكاة فيها مصباح ـ إلى اخر الآية من سورة النور ـ نور الله تعالى وأن التشبيه تشبيه لنوره تعالىوتقدس ) ص 20.
________________________________________
وقد أوغل في الخطأ وأصدر حكما قاطعا دون الاستناد إلى مايجب من الأدلة الشرعية ونسب لعلماء التفسير واللغة وأهل العلم ما لم يصدر عنهم . والحق أن العلماء والمفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى : ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) سورة النور أية 35.
ففي هذه الآية الكريمة ذكر سبحانه النور ال1ي أظهر به وجود الأكوان والنور الذي أضاء به القلوب بالايمان :
فالأول أشار إليه بقوله تعالى : ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ))
فهو سبحانه الذي أفاض على السموات والأرض وما فيهن نور الوجود فأظهرها من ظلمة العدم الامكاني فإن النور هو ما كان ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره ، وما من ظاهر في الوجود إلا والذي أظهر وجوده هو أظهر وجودا منه ، ولا من نير إلا والذي نوره هو أقوى نورا منه فسبحان من أظهر الظاهرات بعد ماكانت في خفايا الظلمات ، وسبحان
من نور النيرات فأشرق نورها على الكائنات ، وسبحان من تجلى بنور الايجار على الظلمات العدمية فاشرقت بنور الوجود .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يتهجد في الليل قال : (( اللهم ربنا لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت مالك السموات والأرض ومن فيهن )) الحديث.
________________________________________
وجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم : (( أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض واشراقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ـ أن يحل بي سخطك أو أن ينزل علي غضبك ولك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بك )) .
وأما النور الذي أضاء القلوب بالايمان والمعرفة فهو المذكور في قوله تعالى : ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ )) فقد قال أبي بن كعب وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين : إن المعنى مثل نور الله تعالى في قلب عبده المؤمن .
وهذا هو نور الايمان والهداية المذكور في قوله تعالى : ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )) وقال تعالى : (( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ )) الاية . روى ابن أبي حاتم وغيره انه قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : (( نور يقذف في القلب ))
وروى الترمذي وأحمد وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل )) .
فلم يترك سبحانه عباده في ظلمة بل ألقى عليهم من نوره ليعرفوه وليهتدوا بنوره إليه فمن تعرض لذلك النور أصابه فاهتدى ، ومن أعرض عن ذلك النور ضل وتركهم الله في ظلمات لا يبصرون لأنهم أعرضوا وتولوا . ومن البديهي في المحسوسات أن من توجه الى النور أضاء وجهه واستنار ومن أعرض عنه أظلم وجهه وحار .
قال الله تعالى : ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا )). الآية فالكافر يتخبط في الظلمات وأما المؤمن فهو على نور من ربه ويقول الشيخ عبد الله سراج الدين في ( الايمان بعوالم الآخرة ) :ـ
________________________________________
(( وهذا النور الايماني هو المذكور في الحديث الذي رواه أبو يعلي من حديث الفرات بن سليمان قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا يقوم أحدكم فيصلي أربع ركعات ويقول فيهن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( تم نورك فهديت فلك الحمد ، عظم حلمك فغفرت فلك الحمد بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد ))
الحديث كما في الحصن الحصين وشرح المواهب .
وإن أول القلوب وأعظم القلوب إضاءة بهذا النور وأوسع القلوب إشراقا بهذا النور وأكثرها نصيبا من هذا النور هو قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أفاض النور على سائر القلوب والذي أشرق على مرايا القلوب فانعكس فيها ذلك النور الايماني على حسب استعداد ذلك القلب وقابليته .
وقد قال كثير من المفسرين المحققين في قوله تعالى : ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ )) :
إن المراد بالمشكاة هو صدر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة هي قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم والمصباح هو النور الايماني المحمدي صلى الله عليه وسلم السراج المنير للقلوب والعقول والأسماع والابصار والافكار والوجوه والمدارك والأفهام .
وقد سماه الله تعالى بما سمى به شمس الضياء في علياء السماء ولكن وصفه بوصف أكمل وأجمل وأعلى وأسمى من وصف شمس السماء .
قال تعالى في وصف الشمس السمائية (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) . وقال تعالى في وصف الشمس المحمدية ( وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ) وشتان بين الشمس الوهاجة التي يضر وهجها وبين الشمس المنيرة )) ا. هـ .
نعاله صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
في رده على الشيخ السيد محمد علوي المالكي انزلق الشيخ عبد الله بن منيع شطحات واسعة ، دلت على عدم ترويه والتماسه العذر لأخيه فقد هاجم السيد العلوي لأنه أورد شعرا لشاعر محب للنبي صلى الله عليه وسلم يمدح نعله الشريفة ( ص16) ولا أدري هل يجهل المعترض أن سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ـ الذي كثيرا ما تترس ببعض أقواله في مهاجمة البدعة ـ يحمل في كتب الصحاح والسنة للشريفة أنه ( كان صاحب النعال والمشط والمكحلة والادواة ) وهو ابريق وضوئه صلى الله عليه وسلم كما أورد ذلك الامام البخاري وغيره ، إذ كان يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعليه إذا أراد الخروج ، ويخلعها من قدميه إذا هم بالدخول ويحمل له عصاه وسواكه وقد قال المرحوم الشيخ يوسف النبهاني شعرا :
ونعل خضعنا هيبة لوقارها * فإنا متى نخضع لهيبتها نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنها * حقيقتها تاج وصورتها نعل
رحمك الله يا ابن أم عبد فقد علمتنا درسا في أن الاتباع وحده ليس كل شيء بل لابد معه من المحبة لأنه قد يتعبك من لا يحبك ويهواك خوفا أو طعما اللهم فاجعلنا من المحبين المتبعين فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) متفق عليه .
________________________________________
وقد حفلت كتب الصحاح والسيرة بالأحاديث الصحيحة المتواترة عن تبرك الصابة والتابعين رضوان الله عليهم بآثاره الشريفة صلى الله عليه وسلم من شعره ووضوئه خير بصاقه الشريف كما نقل ذلك الأمام ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد في هدي خير العباد ) وغيره . فهل بعد ذلك يهاجم السيد العلوي ويعاب هو أو غيره من المحبين إذا تشبهوا بالسلف الصالح ؟ وهل كان الشيخ ابن منيع يستنكف لو أتيح له ما شرف به الصحابي الجليل ابن مسعود من حمل نعله الشريفة صلى الله عليه واله وسلم حتى روي أنه كان ( يضعها في كمه ) وإذا كان الحنابلة وغيرهم من فقهاء أهل السنة والجماعة أجازوا تقبيل غلاف المصحف لأنه تشرف بمجاورة المصحف الشريف فهل يعد ( شركا وكفرا ) أم ( محبة وتبركا ) أن يقبل المحب شباك قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الشباك تشرف بمجاورة الضريح الشريف الطاهر ؟
هذا والملاحظ أن الشيخ ابن منيع ومن شاركه في أعداد وطبع هجومه وتهجمه على السيد الشيخ المالكي ، قليلو البضاعة العلمية وقليلو المطالعة فى كتب التراث الإسلامي الواسع العميم عدا مطالعتهم فقط لكتب الشيخين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى ، والا لعلموا أن الكثير من العلماء قد اهتموا وألفوا في موضوع نعله الشريف صلى الله عليه وسلم ، لأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم اعتناء العلماء بنعله واهتمامهم بالبحث الدقيق والدراسة العميقة عن صفتها ومثالها ولونها وجنسها وعددها وحاملها ومدحها والثناء عليها والتفنن في ذلك شعرا ونثرا .
وقد اجتهد في تحقيق مثال نعله صلى الله عليه وسلم بالبحث في كتب السير أئمة فحول من الحفاظ وكبار المحدثين . فمنهم ابن العربي وابن عساكر وابن مرزوق والفارقي والسيوطي والسخاوي والتتائي والعراقي .
________________________________________
وامتدح النعل كثير من الأدباء المجيجين . فمنهم أبو الحسن ابن سعد البلانسي وأبو أمية إسماعيل بن سعد السعود بن عفير وشرف الدين عيسى بن سليمان الطنوبي المصري وأبو الحكم بن المرحل السبتي والحافظ أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي البلانسي والحافظ أبو الربيع سليمان الطلاعي وعلي أبو الحسن الرعيني وعلي أبو الحسن بن أحمد الخزرجي والامام أبو الخير محمد بن محمد الجزري والحافظ أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري السبتي والعلامة أحمد المقري ولهم في ذلك القصائد الطويلة المشتملة على عظيم الثناء والتوسل والتبرك بمثال نعله صلى الله عليه وسلم وليس المقصود النعال وإنما مقصود هم بذلك من لبس النعال وما المثال المكرم إلا وسيلة للقدم التي خص الله بأكمل الأوصاف صاحبها صلى الله عليه وسلم .
وما حب النعال شغفن قلبي * ولكن حب من لبس النعال
ويرحم الله الشيخ الفاكهاني الاسكندري المالكي إذ قال حين أبصر مثال النعل النبوي:
ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد ؟ أم الدنيا وما في زواياها ؟
لقال : غبار من تراب نعالها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها
________________________________________
هذا وقد ألف بعضهم رسائل خاصة في هذا الموضوع 000 ومنهم الأمام العلامة الشهاب أحمد المقري الذي ألف رسالة في ذلك وسماها ( فتح المتعال في مدح النعال ) وليس آخرهم علامة الهند الشهير الشيخ أشرف علي التهانوي الملقب بـ ( حكيم الأمة ) من كبار علماء ( جامعة ديوبند ) الإسلامية الشهيرة في الهند حيث ألف رسالة سماها ( نيل الشفا بنعل المصطفى ) وقد نقل القسطلاني والمقري عن العلماء تجارب في حصول كثير من البركة من جراء مسك وحمل مثال نعاله الشريف ( يراجع شرح المواهب للزرقاني على المواهب للقسطلاني ـ الجزء الخامس صفحة 48 طبع دار المعرفة ببيروت ) 000وقد أطنب العلامة المقري في كتابه ( فتح المتعال ) المشار إليه سابقا في تحديد الصفة المعتمدة والمثال المرجح لنعال الحبيب صلى الله تعالى علية واله وسلم وقال عن المثال الذي رجحه ( وهو معتمد ابن العربى وابن عساكر وابن نرزوق والفارقي والسيوطي والسخاوي والتتائي وغير واحد من الشيوخ ) وذكر اسانيدهم واسانيده ( في ان نعله صلى الله عليه وسلم كانت عند السيدة عائشة رضي الله عنها ثم لم تزل تنتقل وتحدى عليها نعال وعلى ما حذي عليها من النعال نعال اخرى ثم وثم الى ان رسم مثالها الشيوخ على الورق ونقلوه بالاسانيد حتى ألف فيه جماعة منهم ابو اليمن بن عساكر ورسمه في كتابه ا . هـ . ثم روي كتابه بالاسانيد وقري بالضبط حتى وصل الى المقري فرسمه في فتح المتعال من نسخة ابن عساكر المعتمدة التي عليها خطوط العلماء والحفاظ كالسيوطي والسخاوي الديلمي رحمهم الله . وممن اهتم بذلك وكتب عنه من المتأخرين العلامة الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله تعالى وأورد فيما كتب ( قال المناوي والقاري في شرح الشمائل قال ابن العربي والنعل لباس الأنبياء وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين . كما ذكر أن من أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة ( صاحب النعلين ) لأن لباس النعال عادة العرب .
________________________________________
وقد صح أن نعله صلى الله عليه وسلم كانت مخصوفه أي طاقاً على طاق ليس فيها شعر ولها قبالان والقبال زمام النعل فكان صلى الله عليه وسلم يضع أحد الزمامين بين إبهام رجله والتي تليها والأخر بين الوسطى والتي تليها ويجمعها إلى السير الذي بظهر قدمه وهو الشراك وكان مثنى من سيرين وكانت من جلود البقره مخصره أي لها خصر ملسنه أي على هيئة اللسان معقبه أي لها عقب من سيور تضم به الرجل وقال بعض الحفاظ كانت صفراء ولبس الخفين ومسح عليهما صلى الله عليه وسلم ) أ . هـ .
وبعد ذلك فليقل الشيخ ابن منيع ما يشاء
ليلة المولد وليلة القدر
ذكر الحافظ الشيخ القسطلاني في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم مسألة المقارنه بين ليلة القدر وليلة المولد وقد أخطأ بعض الناس في فهم المراد من ذلك فظن أن هذا معناه المقارنة بين ليلة القدر وليلة المولد النبوي المتكررة في كل عام كما فعل الشيخ ابن منيع في الصفحة (15) من حواره وهجومه على السيد المالكي وهذا الفهم غير وارد أصلا … لأن المقصود بذلك ( هو ليلة المولد النبوي الحقيقة ) التي كانت قبل ليلة القدر بعشرات السنني وهي قد مضت وانقضت وانتهت … وهذا القول مبني على أن ليلة القدر كانت بطلب من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى قصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار الأمم السابقة فأكرمه الله تعالى بهذه الليلة وتفضل عليه وعلى الأمة بها بطلبه ومراجعته فصارت ليلة مولده هي أم الليالي وبسببها كان كل خير وفضل .
قال الشيخ الأمام القسطلاني في كتابه المواهب فان قلت :
إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلاً فأيهما أفضل ليلة القدر أو ليلة مولده صلى الله عليه وسلم .
أجيب بأن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:-
________________________________________
أحدها : أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم وليلة القدر معطاه له وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه ولا نزاع في ذلك فكانت ليلة المولد بهذا الاعتبار أفضل .
الثاني : أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم فيها ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليله القدر على الأصح المرتضى فتكون ليلة المولد أفضل .
الثالث : أن ليلة القدر وقع التفضل فيها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين فعمت به النعمه على جميع الخلائق فكانت ليلة المولد أعم نفعاً ( أ . هـ ) وهذا اجتهاد من القائل منسوب إليه ومحسوب عليه لم يقل فيه قال الله ولا قال رسول الله وإنما اجتهد برأيه وعلل ذلك بحيثيات متعددة وأستند فيه إلى ما يبرر رأيه وهذا يحتمل الخطأ والصواب والصحه والبطلان ولا أكثر من ذلك ونحن نعتقد اعتقاداً جازما لا شك فيه ولا ريب أن ليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق لقوله تعالى : ( ” إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ” ) .
إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم أرض الجنة لمن يستحق ذلك
ذكر بعض أهل العلم في خصائص النبي صلى اله عليه وسلم أنه له أن يقطع أرض الجنة لمن يستحقها من أهل التوحيد وممن ذكر ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي والقسطلاني والزرقاني .
________________________________________
قال المواهب وشرحه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع الأراضي قبل فتحها ولد أفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأرض بالشام وقال أنه صلى الله عليه وسلم يقطع أرض الجنة ما شاء منها لمن شاء فأرض الدنيا أولى ونقله عن الغزالي ابن العربي في القانون وأقره وأفتى به السبكي أيضا كذا في المواهب للقسطلاني وشرحه للزرقاني ( ج – 5 – ص 242) .
(أقول) هذا الأقطاع لأرض الجنة في الحقيقة لا يخرج عن حد معنى البشاره بالجنه فلا فرق بين البشارة بالجنه لشخص معين وبين البشارة بشيء معين كأرض أو قصر أو غرقه أو خيمه لشخص معين بل قد جاءت شواد كثيرة في هذا السنة فقد بشر صلى الله عليه وسلم كثيراً بالمغفرة وبشر كثيراً بدخول وببيت في الجنه وشجر في الجنة أما من غير تعيين الأشخاص فقد جاءت البشارات بذلك في كثير من الأحاديث بأن من فعل كذا بني الله له قصرا في الجنه ومن فعل كذا كان له كذا في الجنه ومن فعل كذا كان له من الحور العين كذا إلى آخر تلك البشارات التي وراها العلماء في الترغيب والترهيب للمنذري ورياض الصالحين للنووي وحادي الأرواح لابن القيم وحادي الأنام للملا .
ومعلوم أن أي شيء من هذا النوع أنما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التكريم والتقدير لبيان فضله ومقامه عند ربه وإلا فإنه مبلغ عن الله ومخبر عن مولاه بما كتبه وقضاه ومبشر بذلك الذي أذن بأرض فيها أو يقصر فيها أو ببيت فيها وهو المسمى ( بالإقطاع ) فانما يخبر عن حق ويتكلم عن صدق ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) .
________________________________________
فلو قال قائل صلى الله عليه وسلم له أن يبشر بالمغفرة أو بالجنة أو بقصر فيها فهل يشك مسلم في أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدم على هذا الأمر إلا بعلم يقتني عن وحي أو الهام أو رؤيا ؟ وهو يتصور أن يكون المقصود من هذا الأمر هو التصرف الذاتي المشارك لتصرف الله سبحانه وتعالى في المنع والإعطاء والنفع والضر ؟ حاشا وكلا أنه لا يوجد بين جهلة المسلمين من يعتقد ذلك ونحن نبرأ إلى الله منه خصوصاً أن قائل ذلك الكلام ( أعني الإقطاع في الجنة ) مؤمن موحد بالله يعرف أن محمد رسول الله بشر وأنه عبد الله ورسوله وأنه لا يملك من خصائص الربوبيه شيئاً وأنه لا يتصرف إلا بأذن الله ( أنما أنا قاسم والله معط ) .
هذا وقد جاء في الحديث الشريف ما يدل على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بهذه الضمانه في الإقطاع بقوله ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنه لمن ترك المراء وأن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وان كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) رواه أبو داود في باب حسن الخلق .
وقد جاء في الحديث أن الربيع – عمه أنس بن مالك كسرت ثنيه جاريه من الانصار فأتوا النبي الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أنس ! كتاب القصاص ) فرضى القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) متفق عليه ( مشكاة المصابيح ج 2 ص 1030) .
________________________________________
فهذا الصحابي الجليل أقسم على ما لا يدري وما حق له فيه وما لا علم له فيه والله سبحانه وتعالى أكرمه فحقق ظنه وبلغه أمله ولم يحنثه ولم يخيبه وأبر قسمه فيما حلف عليه . فهل ترى أن ذلك لا يكون لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيما لو أقدم علىشيء من أمور الدنيا أو الأخرة اعتمادا على عظيم رجائه في الله وكبير ظنه في مولاه … خصوصا وأن الله يقول (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) إن هذا ليس بكبير ولا كثير على صاحب المقام المحمود الذي يقول الله سبحانه وتعالى له : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) والذي يقول له كما جاء في صحيح مسلم ( أنا لن نخزيك في أمتك أبداً ) .
وفي الحديث : ( أنما أنا قاسم والله معط ) فبين صلى الله عليه وسلم أنه يقسم بين عباد الله والله تعالى يجيز تقسيمه ذلك ويوافق على عطائه ولا يخزنه فيما فعل ولا يخيبه لكرامته عنده لأنه لا يتحرك ولا يخطر على باله وهواه إلا ما يرضي مولاه وإذا كان الإيمان لا يكون كاملاً في المؤمن إلا إذا كان هواه تابعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بهواه هو صلى الله عليه وسلم ونحن نرى أن الكلام في هذه المسألة يدور بين الصواب والخطأ للاختلاف في ثبوت النص بعينه على المسألة ولا صله للإيمان والكفر بهذا البحث وأمثاله .
نسأل الله أن يعرفنا مقام هذا النبي الكريم …
مقاليد السموات والأرض
وهي من الخصائص التي اشتبهت على بعض الناس فنظر إليها من زاوية الألوهية فقط دون ملاحظة لمعانيها المتعددة كما فعل الشيخ أبن منيع في صفحة (9) وصفحة (19) وصفحة (22) من الحوار ) .
________________________________________
وأننا نعتقد اعتقاداً جازما لا شك فيه ولا ريب بأن مقاليد السموات والأرض هي سبحانه وتعالى والآية صريحة في ذلك بقوله ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فالضمير في قوله (( له )) يعود إلى الله سبحانه وتعالى لا شك فيه ولا ريب .فمقاليد السموات والأرض أن كانت بمعنى ( نه تعالى خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وهي كلها تحت تدبيره وقهره وكلاءته ) أقول : أن كانت المقاليد بهذا المعنى ( فهي خاصة بالله سبحانه وتعالى لا شريك له في ذلك ) وإن كانت بمعنى المفاتيح أي مفاتيح الخزائن فلا مانع أن يتفضل بها الله على من يشاء من عباده ويكرمه بها … وقد جاء تفسيرها بهذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن كما ذكره الطبري والقرطبي في التفسير .
ويشهد لهذا ما جاء في الحديث الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أوتيت مفاتيح خزائن الأرض ) وما جاء أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان والضياء المقدسي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بمقاليد الدنيا ) ورجاله رجال الصحيح وبذلك يسقط توهين ( ابن منيع ) عن ( ابن الجوزي) له فإن الأخير أورد في ( الموضوعات ) الضعيف بل الحسن والصحيح .
ويشهد له أيضا ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني رأيت في غداتي هذه كأني أوتيت بالمقاليد والموازين ) رواه ابن مردويه عن ابن عمر وذكر السيوطي في الدر المنثور .
وقد جاء عن عثمان رضى الله عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال : ( هي : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ) أخرجه بو يعلي ويوسف القاضي وأبو الحسن القطان وابن سني في عمل اليوم والليلة وذكره ابن كثير وحكم بغرابته ونكارته .
________________________________________
وجاء عن علي أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليه فقال : ( يا علي ، لقد سألت عن عظيم المقاليد أن يقول عشرا إذا أصبحت وعشراً إذا أمسيت : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ) ( تفسير القوطي ج 15/275والدر المنثور للسيوطي ج 5/333 وتفسيره ابن كثير سوره الشورى ) .
فمقاليد السموات والأرض بهذا المعنى قد أعطاها الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بل وأمثالها معها كما جاءت النصوص الداله على ذلك ومهما كانت درجاته فالقضية لا تنازع الربوبية في شئ والله سبحانه تعالى أكبر من ذلك وأجل وأعلى وأعز .. والمر واضح .
وقد جاء في الحديث ( أن مواضيع سوط في الجنه هو خير من الدنيا وما فيها ) وهذا يشمل السموات والأرض فإذا كان هذا سوط واحد من أتباع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكيف به عليه الصلاة وماذا تكون مقاليد السموات والأرض في جانب ماله من الفضل والمقام ؟!!
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن آخر أهل النار دخولاً الجنه ( أن الله يعطيه مثل الدنيا وعشرة أمثالها ومثله ومثله ) ثم يقول صلى الله عليه وسلم : ( ذلك أدنى أهل الجنة منزله ) .
فلماذا إذن سوء الظن واعتبار الأمر جداخلاً في البدع والخرافات والدعوه إلى الضلال والوثنية ) وأنه من الشركيات والضالات والمنكرات ) كما جاء في الكثير من صفحات الهجوم على السيد المالكي ؟
( القبر الشريف والكعبه المشرفة )
هاجم الشيخ ابن منيع السيد الشيخ المالكي لأنه قال (( إن زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم من كمال الحج وأنه ذكر عشر كرامات لزائر قبره الشريف )) ولنا على المهاجم التعقيب التالي :-
ذكر القاضي عياض في كتاب الشفاء أفضليه قبره صلى الله عليه وسلم على سائر بقاع الأرض .
________________________________________
فقال ( ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ) أ هـ الشفا ووافق على ذلك شارح الشفا الشيخ الخفاجي فقال : (بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله ) أ هـ من نسيم الرياض ج (3) ص (531) ) ونقل عن ابن عبد السلام مثل ذلك
رأي ابن تيميه :
أما الشيخ ابن تيميه فانه لم يوافق على هذا التفضيل ولكنه نقل ذلك عن عيا ولم يرد عليه بأكثر من أن قال أنه لم يوافقه أحد عليه وهذا نص كلامه في الفتاوي .
وسئل أيضا ( الفتاوي ج (27) ص (38) ) .
عن رجلين تجادلا فقال أحدهما : أن تربة محمد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من السموات والأرض وقال الخر الكعبة أفضل فمع من الصواب ؟
فأجاب : ( الحمد لله أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم فما خلق الله خلقاً أكرم عليه منه وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام بل الكعبه أفضل منه ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد عليه … والله أعلم ) .
رأي ابن القيم :
أما الشيخ الأمام ابن القيم فقد فتوى عن ابن عقيل من كبار أئمة الحنابله ولم يعلق عليها بشئ ولم يرددها فدل على أنه موافق عليها … وهذا نص كلامه :
( فائدة : قال ابن عقيل سألني سائل أيهما حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة أفضل وان أردت وهو فيها فلا والله لا العرش وحملته ولا جنه عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسد لو وزن بالكونين لرجح ) أ هـ بدائع الفوائد ج (3) ص (135) .
ابن القيم وفضل آل البيت
________________________________________
في كتابه ( الذخائر النبوية ) نقل السيد الشيخ محمد علوي المالكي عن الشيخ ابن القيم كلامه عن خصائص آل البيت النبوي ولم يقل أبدا أن مراده بذلك آل البيت المحمدي الذين هم ذريه نبيا محمد صلى الله عليه وسلم ومن زعم أن في ذلك إيهاما فقد أخطأ لأن الكلام الذي نقله يتضمن كلمات تدل بصراحة على المراد وتنفي الإيهام المزعوم والدليل على ذلك قوله في صفحة (286) : –
( وهذه الخصائص واضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت فلهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطلب له من الله أن يبارك عليه وعلى آله كما بارك على هذا البيت المعظم صلوات الله عليهم أجمعين ..
ومن بركاته أن الله أعطاهم من الخصائص ما لم يعط غيرهم فمنهم من اتخذه خليلاً ) (انتهى) .
فان أجهل طالب علم عندنا إذا قرأ هذه الجملة يعرف من هم آل البيت الذين أراد وأورد كلام ابن القيم في حقهم .
ويكفي في فضل آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحديث الذي أورده الشيخ ابن القيم في جلاء الإفهام ( ص 138) عن الأمام مسلم صاحب الصحيح بسنده إلى زيد بن أرقم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( وانا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله في أهل بيتي ) إلى أخر الحديث ( أ . هـ ) والحديث الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم عن زيد بن أرقم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أني تارك فيكم ماأن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) .
ثم قال ابن القيم : ( فأله صلى الله صلى عليه وآله وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقه ومنها أنهم لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة وإسحاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه صلى الله عليه وآله وسلم . فكذلك الصلاة على آله ) أ . هـ
________________________________________
ثم قال ابن القيم : ( فآله صلى الله عليه وآله وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقة ومنها أنهم لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض اقاربه صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك الصلاة على آله ) أ . هـ
وقد قال الشيخ ابن تيتميه في ((رسالة العقيدة الواسطية )) وهو يذكر عقيده أهل السنة ويتبرأ من طريقه الروافض الذين يبغصون الصحابه ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقوله أو عمل :-
قال : (( ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال في يوم غدير خم اذكركم الله في أهل بيتي وقال أيضا للعباس عمه وقد شكا إليه أن بعض قريش تجفو بني هاشم فقال والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي ……
وقال أن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانه واصطفى من بني قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) أ . هـ
وقال في كتابه (( الإقتضاء )) صفحة (71) :-
( أن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم ورومهم وفرسهم وغيرهم وان قريشا أفضل العرب وان بني هاشم أفضل قريش وان بني هاشم أفضل قريش وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا ونسبا) أ . هـ
وقال في (( الاقتضاء )) صفحة (73) :-
( روى الترمذي عن المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله مغضبا وانا عنده فقال : ما أغضبك ؟ فقال : يا رسول الله مالنا ولقريش إذا تلاقوا بوجوه مبشرة وإذا لقونا بغير ذلك قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحمر وجهه ثم قال : والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله الخ …..
________________________________________
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال وروى أحمد في المسند مثل هذا عن المطلب بن ربيعه قال : دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم فقال : يارسول الله أنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ ايمان حتى يحبكم لله ولقرابتي قال ابن تيميه والحجه قائمة بالحديث ) أ . هـ
فليعلم ذلك الشيخ ابن منيع الذي أوهم قراءه في صفحة (17) من حواره أن تمجيد ومحبة آل البيت الكرام ( هو مذهب الرافضه الأثنى عشريه ) وليتق الله ثم يستغفره ويتوب إليه هو وكل من رضى بقوله … وكل من أراد أن يوهم الناس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أهل له ولا آل فعلق على قبره الشريف مدلسا قوله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) وقد نزلت هذه الآيه كما يعلمون في نفي التبني ولم تنزل لتنفي أن له صلى الله عليه وسلم آل بيت كرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم .
عرض الأعمال على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
في صفحه (15) من حواره أنكر الشيخ ابن منيع على الشيخ السيد المالكي أنه صلى الله عليه وسلم ( تعرض عليه الأعمال ) أي أعمال أمته ولدينا في الرد عليه الأدلة الشرعية الآتيه :
قال الله تعالى : ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )) .
________________________________________
وجاء في الأحاديث النبوية ما يدل على أن أعمال المؤمنين تعرض على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم )) وقد قال الشيخ عبد الله سراج الدين في شرح هذا الحديث في كتابه ( الأيمان بعوالم الأخرة )
فأعمال المؤمنين تعرض عليه صلى الله عليه وسلم والحكمة في ذلك كما بين صلى الله عليه وسلم هي أن ما كان من أعمالهم خيرا حمد الله تعالى وفرح بها وباهي بها في ذلك العالم وما كان غير ذلك من هنات وسيئات استغفر الله لهم ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما جاء في حديث الحوض حيث قال صلى الله عليه وسلم ( وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني فأقول : أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي )) كما في الصحيحين فإن هذا محمول على المرتدين الذين ارتدوا بعده صلى الله عليه وسلم عن دينهم بدليل قوله : (( سحقاً لمن بدل من بعدي ) وذلك أنهم كفروا بعده صلى الله عليه وسلم واعمال الكفار من أمته لا تعرض عليه إذ لا فائدة لعرضها لأن الحكمة في هذا العرض فرحه ومباهاته بأعمالهم الصالحه واستغفاره لأعمالهم السيئة ويدلك على هذا قول عائشة رضى الله عنها كما في البخاري : (( إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم )) فقل : (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .
ومن جمله ما يعرض عليه صلى الله عليه وسلم ويسر ويفرح به صلوات المصلين عليه صلى الله عليه وسلم .
ومن جمله ما يعرض عليه صلى الله عليه وسلم ويسر ويفرح به صلوات المصلين عليه صلى الله عليه وسلم
________________________________________
روى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أكثروا على من الصلاة كل يوم جمعه فأنه مشهود تشهد الملائكة وإن أحداً لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها )) قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )) قال الحافظ المنذري رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه وابن حبان في صحيحة والحاكم وصححه .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( حيثما كنتم فصلوا على فإن صلاتكم تبلغني )) (( 1 قال المنذري رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن أ . هـ) وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من صلى علي بلغتني صلاته وصليت عليه وكتب له سوى ذلك عشر حسنات )) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به (2 راجع ( الترعيب ) للمنذري ) .
وقد أخرج البراز في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض على أعمالكم فما وجدت من خير حمدت الله وان وجدت شراً استغفرت الله لكم ) صححه الحافظ العراقي في (( طرح التثريب )) وصححه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وصححه الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى ونص الزرقاني في شرح المواهب اللدنية على أن إسناده جيد ونص كل من الشهاب الخفاجي وملا على قاري في شرح الشفا على أن إسناده صحيح ولا يعارضه حديث الحوض فأن أعمال أمته الإسلامية هي التي تعرض عليه أما من حيل بينهم وبين الشرب وأخذوا إلى جهة النار فهم من المرتدين أو المنافقين أو المصرين على الكبائر .
________________________________________
وهذا الحديث متواتر تواترا معنوياً لورود معناه من حديث جماعة من الصحابة يبلغ عددهم حد التواتر وهم : (1) عبد الله بن مسعود ولحديثه طرق تزيد على الخمسة (2) وأنس بن مالك ولحديثة طرق تزيد على الستة . (3) وأبو هريرة ولحديثة طرق تزيد على العشرة . (4) وعمار أبن ياسر . (5) وأبو أمامه . (6) وعلي بن أبي طالب . (7) وأبنه الحسن . (8) وابن عباس . (9) وأبو بكر الصديق . (10) وأوس بن أوس الثقفي . (11) وأبو الدرداء . (12) وأبو مسعود البدري الأنصاري . (13) وعمر بن الخطاب . (14) وابنه عبد الله بن عمر .
وروى كذلك مرسلا عن جماعة من التابعين منهم (1) بكر أبن عبد الله المزني . (2) والحسن البصري . (3) وخالد ابن معدان . (4) وابن شهاب الزهري . (5) ويزيد الرقاشي . (6) وأيوب السختياني .
وفي الباب آخرون كثيرون غير المذكورين من الصحابة والتابعين وهذا القدر كاف في أثبات التوتر المعنوي على الأقل خصوصا على رأي من يثبت التواتر الفعلي بسبعة أو عشرة وهو الذي رجحه الحافظ السيوطي وغيره .
وبذلك ثبت أن حديث عرض الأعمال هذا متواتر على جميع الاصطلاحات لوجود ما يزيد على العشرين في كل طبقة من طبقات رواته وقد تقرر في كتب الأصول والفقه والكلام أن منكر التواتر بعد قيام الحجه عليه يكفر .
وروى إسماعيل القاضي في ( فضل الصلاة على النبي ) عن ابن مسعود رضى الله عنه قوله ? إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ) .
يقول المتنطعون كذبا وزورا : هذا الحديث وان اشتهر على السنة كبار الناس وصغارهم فقد خلت منه جميع كتب السنة
ويقولون : ومع هذا فان الذي رواه وقفه على ( بكر ابن عبد الله المزني ) وهو تابعي مشهور ومع ذلك لم يذكر فيه الصحابي أحد من رواه السنة لا في صحيح الكتب ولا في ضعيفها وهو منقطع لا يصلح للاحتجاج به .
________________________________________
وقد كتب المحدث الثبت الشيخ عبد الله الصديق ما ملخصه : ( في كتاب قضايا الوسيلة ) :
أقول : والحديث المذكور حديث صحيح ولا مطعن فيه ولا مغمز ورد من حديث ابن مسعود وأنس بن مالك ومن مرسل بكر بن عبد الله المزني .
أما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فخرجه البزار في مسنده قال حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي دؤاد عن سفيان عن عبد الله ابن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن آمتي السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ففففما فففرأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) قال البزار لا نعلي عن عبد الله إلا بهذا الإسناد ( أ . هـ ) .
قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من ( كطرح التثريب في شرح التقريب اناد جيد وقال الحافظ الهيثم في (( مجمع الزوائد )) والمحدث القسطلاني في ((شرح البخاري )) رجال اسناده رجال الصحيح وقال الحافظ السيوطي في كتاب المعجزات والخصائص )) اسناده صحيح وكذا قال علي القاري والشهاب الخفاجي وفي أول شرحيهما على ((الشفا )) .
واما حديث أنس فرواه الحرث بن أبي أسامه في مسنده وابن عدي في (( الكامل )) من طريق خراش عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فأن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت غير ذلك استغفرت لكم )
________________________________________
قال الحافظ العراقي في (( المغني )) إسناده ضعيف لضعف خراش أهقلت لكن له طريق آخر قال الحافظ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم اليورنارتي الأصبهاني في معجمه سمعت الشريف واضح بن أبي تمام الزينبي يقول : سمعت أبا علي بن تومه يقول اجتمع قوم يقول اجتمع قوم من الغرباء عند أبي حفص بن شاهين فسألوه أن يحدثهم أعلى حديث عنده فقال لأحدثنكم حديثا من عوالي ما عندي حدثنا عبد الله ابن محمد البغوي حدثنا شيبان بن فروخ الأيلي حدثنا نافع أبو هرمز السجساني سمعت أنس بن مالك يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (حياتي خير لكم ) الحديث .
وأخرجه ابن النجار في تاريخ بغداد عن معمر بن محمد الأصبهاني عن الحافظ أبي نصر اليونارتي به وهذا إسناد ضعيف أيضا لا تفاقهم على ضعيف أبي هرمز ( ولكنه مجبور )
وعن أنس حديث أخر أخرجه أبو نعيم في (( الحلية )) قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أحمد بن عيسى ابن ماهان الرازي حدثنا محمد بن مصفي حدثنا عباد كثير عن عمران وهو القصير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن أعمال أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة واشتد غضب الله على الزناة ) .
وأما مرسل بكر بن عبد الله المزني فأخرجه الحرث ابن أبي أسامة في مسندة قال حدثنا الحسن بن قتيبه حدثنا جسر بن فرقد عن بكر بن عبد الله المزني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله وما كان من سيء استغفرت الله لكم ) إسناده ضعيف ، لضعف الحسن بن قتيبه ( وهو مجبور بالمتابعات والشواهد وغيرها ) .
________________________________________
لكن خرجه إسماعيل القاضي المالكي من طريق آخر فقال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح صححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وقال أيضا حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سلمه عن كثير أبي الفضل عن بكر بن عبد الله به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح أيضاً .
وفي الباب عن سعيد الشامي والد عبد العزيز قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله وتعرض على الأنبياء وعلى الأباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوهم بياضا وإشراقا فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم ) رواه الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) من طريق عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد الشامي عن أبيه عن جده وكانت له صحبه وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الغفور وعن مجتهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنكم تعرضون على بأسمائكم ومسماكم فأحنوا الصلاة علي ) أخرجه عبد الرزاق .
________________________________________
وبالجملة فالحديث صحيح لا مطعن فيه ( 1 وذلك أنه كلما وجد سند ضعيف وجد بجواره سند صحيح وجاء الضعيف من طريق أخر يرفعه إلى رتبه الحسن المأخوذ عند العلماء أجمعين خصوصاً بعد ثبوت اعتضاده بما بابه ومعناه وبهذا ذهب ضعف الباب مرفوعا ومرسلا ومعتضدا ) وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من شيء وقبيح وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم قال ابن المبارك أخبرنا رجل الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ( ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي صلى اله عليه وسلم أمته غدوة وعشيا فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ويقول الله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أ . هـ
وقال القرطبي في التذكرة ( باب ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ) ثم أورد أثر سعيد بن المسيب السابق ثم قال : قد تقدم الأعمال تعرض على الله كل يوم أثنين وخميس وأنها تعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة قال ولا تعارض فأنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . ( أ . هـ)
وروى الطبراني باسناد ضعيف عن ابن عباس قال لما نزلت ( يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهدا) وقد كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن فقال : (انطلقا فبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا ) فأنه قد أنزل علي : ( يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهداً على أمتك ومبشرا بالجنة ونذيرا من النار وداعيا إلى شهادة إلا إله إلا الله بأذنه وسراجا منيرا بالقرآن ) فالقرآن كما ترى يؤيد حديث عرض الأعمال ويعضده .
________________________________________
فأن قيل قد أخبر الله تعالى عن هذه الأمة أنها تشهد على غيرها ولم يرد في حديث ولا أثر أن أعمال الأمم تعرض عليها فالجواب من وجهين :-
الأول : أن عرض الأعمال مما خص به نبينا عليه الصلاة والسلام كما خص في قبره بحياة أكمل من حياة الشهداء وبأن جسده لا يبلي .
الثاني : أنه ورد في الصحيحين أن هذه الأمة تشهد على أخبار نبيها وكلامه وذلك أنها إذا شهدت بأن الأنبياء بلغوا اممهم فيقال وما عليكم ؟ فتقول أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه وهكذا صح في الحديث وهو واضح لا خفاء به .
فان قيل : فما تقول فيما رواه الطبراني وغيره عن محمد ابن فضالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قارئاً يقرأ ، فلما بلغ قوله تعالى : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) الآية بكى حتى اضطرب لحياه وقال : (أي رب شهدت على من أنا بين ظهر أنيه فكيف بمن لم أر ) فربما يفهم بعض الجهلة من هذا أنه ينفي عرض الأعمال قلت هذا الحديث مؤيد لعرض الأعمال لا ناف له بل هو أحد الأسباب التي لأجلها أكرم الله نبيه بهذه الخصوصية حتى تكون شهادة على أمته عن مشاهدة وعيان كما أكرمه بعرض أمته مع الأمم الأخرى عليه وهو في المدينة كما ثبت في الصحيحين .
أما أن الحديث خلت منه جميع كتب السنة كطبقات ابن سعد ومسند البزار ومسند الحارث وتاريخ ابن النجار وطرح التثريب للحارث العراقي وبغية الباحث بزوائد مستند الحار ومجمع الزوائد كلاهما للحافظ الهيثمي والجامع الصغير الكبير ، والخصائص الكبرى الثلاثة للحافظ السيوطي وشرح البخاري للقسطلاني وكنز العمال للمتقي الهندي وغيرها .
أما عن راويه وقفة على بكر بن عبد الله المزني فهذا خطأ ناشئ عن جهل فان مثل هذا لا يسمى موقوفا ولا يمكن أن تنطبق عليه حقيقة الموقوف بحال من الأحوال وانما تنطبق عليه حقيقة المرسل لا غير .
________________________________________
أما أنه لم يذكر فيه الصحابي أحد من رواة السنة لا في صحيح الكتب ولا في ضعيفها فكذب مبنى جهل فان الحديث وارد من طريق ابن مسعود وأنس
وورد معناه من طريق سعيد الشامي ومجاهد كما تتقدم كل ذلك بل وصلت طرقه إلى عشرين طريقا فأنتقي القول بضعفه فهو صحيح من كل وجه ( أ . هـ) فهل يجوز بعد ذلك لعالم أو طالب على إنكار هذه الحقيقة الشرعية ؟!!
عرض الأعمال على الأقارب والعشيرة في البرزخ
قال الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عند أية : ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) الآية . قال : وقد ورد أن أعمال الإحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ ثم أورد حديث أبي داوود الطيالسي بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك )) ثم أورد حديث الإمام أحمد بإسناده عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا )) .
وروى الأمام ابن المبارك بإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول : إن أعمالكم تعرض على أمواتكم فيسرون ويساءون ثم يقول : اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند خالي عبد الله بن رواحه .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وأشراقا فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم )) أورده في الجامع الصغير وقال رواه الحكيم الترمذي عن والد عبد العزيز رامزا الحسنة.
________________________________________
وأورد أبو عبد الله القرطبي بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه قال : ليس يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ( أ . هـ )
قال أبو عبد الله ولا تعارض – أي بين ما جاء عن سعيد وبين ما تقدم فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ( أ . هـ ) من تفسير ابن كثير .
ومن خير ما نختم به ردنا علىانكار الشيخ ابن منيع وشيعته لهذه الحقيقة الشرعية قول الحافظ زين الدين بن رجب الحنبلي المتوفي سنة (795هـ) في كتابه المشهور ( لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ) في صفحة (91) من طبعه ( دار الجيل – بيروت ) (( أعمال الأمة تعرض على نبيها في البرزخ فليستح عبد أن يعرض على نبيه من عمله ما نهاه عنه ) .
( فبأي حديث بعده يؤمنون ) ؟!!
(( الفصل التاسع ))
المفهوم الصحيح
للسنة والبدعة
سبق أن وعدت في مقدمة هذا الكتاب بإفراد فصل خاص للحديث عن ( السنة والبدعة ) لأنه بسبب الفهم الخاطئ للسنة والبدعة والأحاديث النبوية الشريفة يثور كل هذا الغبار الذي يلبس ثوب التبديع والتشريك والتكفير لأهل القبله وأهل التوحيد من مخالفي بعض المشايخ وشيوخهم كما حصل من كل من الشيخين ابن منيع والتويجري بخاصة ومن معهم بعامة ولذلك رأيت أن أضمن كتابي هذا بحثا قيما في هذا الموضوع الخطير المختلف فيه وجدته وتسلمته من يد مؤلفه السيد عبد الله بن محفوظ باعلوي الحسيني الحضرمي رئيس القضاء الشرعي بحضر موت سابقا مخطوطا وأسأل الله تعالى أن يوقفه لنشره كاملا وقد اختصرت منه قبسات وفقرات فيها الفائدة والنفع إن شاء الله تعالى لمن كان له قلب أو ألقى السميع وهو شهيد .
(( السنة والبدعة ))
________________________________________
السنة والبدعة أمران متقابلان في كلام صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتحدد أحدهما إلا بتحديد الآخر بمعنى أنهما ضدان ( وبضدها تتبين الأشياء ) وقد جرى كثير من المؤلفين إلى تحديد البدعة دون أن يقوموا بتحديد السنة أولا لأنها الأصل فوقعوا في ضيق لم يستطعوا الخروج عنه واصطدموا بادلة تناقض تحديدهم للبدعة ولو أنهم سبقوا إلى تحدي السنة لخرجوا بضابط لا يتخلف والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حث على السنة أولا ثم حذر من مقابلها البدعة كما ترى في الأحاديث الأتية :-
حديث جابر عند مسلم ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته : ويقول أما بعد فأن خير الحديث كتاب الله خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة ) وقد اخرجه البخاري موقوفا على ابن مسعود .
يوضحه حديث العرباض عند أبي داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وغيره : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب ودرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظه مودع فأوصنا فقال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع وان تأمر عليكم عبد حبشي فأنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ) .
________________________________________
يوضحه أيضا حديث جرير عند مسلم ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سن في الإسلام سنه سيئة كان عليه وزرها ووز من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من اوزارهم شئ ) ومثل هذه الأحاديث أحاديث أخرى تدور حولها منها حديث ابن مسعود عند مسلم ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) وحديث أبي هريرة عند مسلم ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شئ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الآثم …) ألج فأنت ترى في الحديث الأول مقابلة المحدثة والبدعة بالهدى النبوي وأن هدى الرسول هو خير الهدى والشر في المحدث المناقض لهدية فهو البدعة .
وفي الحديث مقابلة واضحة – عليكم بسنتي وسنة الخلفاء … الخ واياكم ومحدثان الأمور فأن كل محدثة بدعة وفي الحديث الثالث السنة الحسنة مقابل بالسنة السيئة – من سن سنة حسنة ومن سن سنة الحسنة مقابل بالسنة السيئة من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة إذا فالسنة أولا وهي الأصل وما خرج عنها فهو البدعة فما هي السنة التي جاءت في حديث العرباض التي قابلها في الحديث بالبدعة .
________________________________________
السنة في لغة العرب والشرع هي الطريقة وهي هدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جابر ومنه قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتتبعن سنن من قبلكم – أي طريقتهم – وهو حديث صحيح مشهور كقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة إلى قوله ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة كما سبق .فطريقة الرسول صلى الله علية وآله في هدية وقبوله ورده هى السنة وهى أيضا مفسرة بذلك في حديث جرير . سنة حسنة وسنة سيئة يعني طريقة حسنة أو طريقة سيئة ولا يحتمل غير ذلك فليس المراد إذا ما يفهمه عامة الطلاب فضلا عن العوام أنها الحديث النبوي أو ما يقابل الفريضة فان الأول مصطلح المحدثين والثاني مصطلح الفقهاء والأصوليين وكلاهما محدث ليس مرادا هنا فسنة الرسول هي طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد وهى طريقة خلفائه الذين سلكوا طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد
إذا فما أحدث لابد من عرضة على سنة الرسول وطريقته في القبول والرد قال الراغب الاصفهاني في مفردات القرآن في مادة سنن صفحة 245 ما نصه فالسنن جمع سنة وسنة الوجه طريقته وسنة النبي صلى الله علية وسلم طريقته التي كان يتحراها وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته نحو 😦 سنة الله التي قد خلت من قبل ) ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، فتبيينه أن فروع الشرائع وان اختلفت صورها فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله وجواره ( أ. هـ) بحروفه وقال الحافظ ابن تيميه في كتاب الاقتضاء ما نصه : ( وسنة الجاهلية : كل عادة كانوا عليها فان السنة هي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أولا يعدونه عبادة ) ((أ.هـ ص 76 )).
________________________________________
وقال الحافظ في الفتح عند تفسير الفطرة في خصال الفطرة قال : والتعبير في بعض روايات الحديث بالنسبة بدل الفطرة يراد بها الطريقة لا التي تقابل الواجب وقد جزم بذلك أبو حامد والماوردي وغيرهما وقالوا هو كالحديث الآخر ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)..الخ ) . فإذا تأكدنا من مجموع هذه النصوص والنقول أن المراد بالنسبة التي قابلها الرسول بالبدعة هي ( الطريقة ) فعلينا أن نتعرف سنة الرسول صلى الله علية وآله وسلم فيما أحدث في زمنه صلى الله علية وآله وسلم مما لم يكن فعله قولا ولا أمر به أمرا خاصا ولكن فهمة من أجتهد وعملوه وعلينا أن نتتبع ذلك لنعرف طريقة الرسول صلى الله علية وآله وسلم في القبول والرد وهذا التتبع سيعطينا حكما يقينا لسنته فيما يحدث من أمور الخير بعده فما وافق فهو من السنة وما خالف سنته وهديه فهو من البدعة ومنها سنعرف ما يريد الرسول صلى الله علية وآله وسلم في قولة ( من دعا إلى هدى ومن دعا إلى خير ومن دعى إلى ضلاله ) في الأحاديث الصحيحة التي سبق وإن سقناها من الصحيح ، ونعرف ما يجب إن يقبل وما يجب أن يرد وسوف يتميز عندنا ما كان من السنة وما كان من البدعة ثم نتتبع بعد ذلك الأنواع التي حدثت في عهد الخلفاء لنعرف طريقتهم كذلك صورا من الأنواع التي ردها الرسول صلى الله علية وآله وسلم .. قد يقول قائل أن ما أقره الرسول صلى الله علية وآله وسلم يكون سنة باقراره له ونقول نعم هو كذلك ولا شك ولكنه ايضا دليل هاد إلى تعرف سنة الرسول وطريقته في القبول إذ كثير مما اقره لم يصبح سنة ولم يقل احد بإنه سنة لأن عمل الرسول صلى الله علية وآله وسلم هو الأفضل والأحرى بالاتباع ولكنة يعطينا صورة واضحة في إنه صلى الله علية وآله وسلم لا يرد شيئا من الخير الذي جاء به إذا لم يصادمه نصا ولم تترتب علية مفسده ولا يعارض هدية صلى الله علية وآله وسلم لكنه من الخير الذي جاء به وهذا معنى قول العلماء إن لم يكن الرسول صلى
________________________________________
الله علية وآله وسلم فعلة بخصوصه أو امر به امرا خاصا فهذه طريقة الرسول صلى الله علية وآله وسلم كما سنراها في عشرات من الأحاديث الصحيحة والحسنة ، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون وصحابته الكرام الهداة المهديون وسنورد أدلة كثيرة من أفعالهم وهي سنة نبيهم صلى الله علية وآله وسلم ومن مجموع الأدلة لأنواع التي قبلها صلى الله علية وآله وسلم لأنها في جنس المشروع وما رده صلى الله علية وآله وسلم لأنه ليس من جنس المشروع أو فيه تشدد ورهبانية لم يرد الرسول صلى الله علية وآله وسلم لأمته الأخذ بها رفقا بهم أو لأنه يخالف نصا في الشريعة ليتضح تماما ما هي السنة وما هي البدعة فإليك أولا إنواعا كثيرة مما قبلة الرسول صلى الله علية وآله وسلم من صحابته ولم يكن فعله هو بل ربما يرى إن فيه مخالفة لما كان علية الرسول صلى الله علية وعلى آله وسلم ولكنه من المشروع.
(( الادلة التي توضح سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم فيما يحدث ))
________________________________________
اعلم يا أخي هدانا الله وإياك إلى الحق والصراط المستقيم أن هناك احاديث جمة جلها في الصحيح او من الصحيح تثبت ان عددا من الصحابة احدثوا اعمالا واذكارا وادعية ونحو ذلك لم يسبق للرسول صلى الله عليه واله وسلم فعلها او الامر بها ولكنهم فعلوها استنباطا واعتقادا انها من الخير الذي جاء به الاسلام ورسول الاسلام صلى الله عليه واله وسلم وحث على مثله عموما تحت مظلة قوله تعالى (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) . وقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم ( من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء ) كما سبق . وهذا الحديث وان ورد في الصدقة فان القاعدة الاصولية المجمع عليها ( ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) وليس معنى ذلك ان لكل أحد أن يشرع فان الاسلام محدود القواعد والضوابط فلا بد ان يكون ما يسنه محفوظا بقواعده وضوابطه وشواهده . من هذا المنطلق . فعل ثير من الصحابة باجتهاداتهم امورا فكانت سنة الرسول وطريقته قبول ماكان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفه ورد ماكان مخالفا لذلك . فهذه سنته وطريقته التي سار عليها خلفاؤه وصحابته واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم ان ما يحدث يجب ان يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة المذمومة . وقد يسمون الأول ( بدعة حسنة ) من حيث اللغة باعتباره محدثا والافهوفي الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو ( سنة مستنبطة ) ما دامت شواهد الشريعة تشهد لها بالقبول . وعلى هذه البدعة اللغوية يحمل قول سيدنا عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح ( نعمت البدعة ) وانما انكر من انكر البدعة الحسنة لاخذه بظاهر الحديث وظاهر لفظ البدعة حتى لقد تجرأ بعضهم في الرد على الخليفة الراشد عمر فقال عند قوله ( نعمت البدعة ). قال ليس في
________________________________________
البدعة حسن . ولنترك هذا الآن لنورد الشواهد التي اشرنا اليها من عمل الصحابة وتصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم معهم فمن شواهد القبول وهذا الفصل معقود لها : ـ
1ـ الحديث الأول : ما رواه البخاري ومسلم والامام احمد عن ابي هريرة رضي الله عنه ان نبيا لله صلى الله عليه واله وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر يابلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام . فاني سمعت دف نعليك في الجنة ، قال ما عملت عملا ارجى عندي من اني لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل او نهار الاصليت بذلك الطهور ما كتب لي . وفي حديث الترمذي وقال حسن صحيح قاله لبلال بم سبقتني الى الجنة ؟ قال ما أذنت قط الاصليت ركعتين ، وما اصابني حدث قط الا توضأت ورأيت ان لله علي ركعتين . فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم بها نلت ـ أي تلك المنزلة ـ ورواه الحاكم ، وقال صحيح على شرطهما واقره الذهبي .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح . يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل الى ما ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول صلى الله غليه واله وسلم (1 انظر فتح الباري ص 276 جـ 3 ) ومثل هذا حديث خباب في البخاري وفيه وهو اول من سن الصلاة لكل مقتول صبرا ركعتين ( 2 ص ـ 313ح8) فهذه الاحاديث صريحة في ان بلالا وخبابا اجتهدا في توقيت العبادة ولم يسبق من الرسول صلى الله عليه واله وسلم امرا ولا فعلا الا الطلب العام . وان الصلاة خير موضوع فاقلل منها أو استكثر كما في الحديث فلو ان احدا اراد ايقاعها في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها لكانت بدعة عند من يرى عموم النهي وغير بدعة عند من يرى تخصيص النهي بالنفل المطلق ومع ان الشافعية رحمهم الله يرون تخصيص النهي بغير المؤقت وذي السبب فانهم اختلفوا في سنة الوضوء فالإسلام الغزالي يمنع فعلهافيه ويقول يتوضأ ليصلي وليس يصلي لأنه توضأ فليست بذات سبب ولكل نهجه وفهمه واستدراكه رضوان الله عليهم اجمعين .
________________________________________
2ـ الحديث الثاني : ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الصلاة في باب ربنا لك الحمد . عن رفاعة بن رافع قال كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه واله وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه : فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها . قال الحافظ في الفتح يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش . ومثله ما رواه الصنعائي عبد الرزاق في المصنف عن ابن عمر قال : أن رجلا والناس في الصلاة . فقال حين وصل إلى الصف الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا . فلما قضى النبي صلى الله غليه واله وسلم صلاته قال من صاحب الكلمات قال الرجل أنا يا رسول الله . والله ما أردت بهن إلا الخير . قال : لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن . قال ابن عمر فما تركتهن منذ سمعتهن . ورواه النسائي في باب القول الذي يفتتح به الصلاة إلا انه قال لقد ابتدرها اثنا عشر ملكا . وفي رواية أخرى فيه قال عجبت لها وذكر كلمة معناها فتحت لها أبواب السماء وفيه قال ابن عمر ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقوله . والحديث في صحيح مسلم (1 والحديث في مسلم وانسائي وابو داود عن انس وحيث رافع الدرقي عند ابي داؤود ايضا وفي ابي داؤود عن عبد الله بن عامر وعن ابيه قال عطس شاب من الانصار خلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو في الصلاة . فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا من امر الدنيا والاخرة فلما انصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم . قال من القائل الكلمة وفيه فقال صلى الله عليه واله وسلم فما تناهت دون عرش الرحمن تبارك وتعالى .) فانظر وفقنا الله وإياك إلى الحق ـ كيف اقر الرسول صلى الله عليه واله وسلم زيادة
________________________________________
ذكر لم يؤثر عنه في الاعتدال وزيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء ذلك لأن الموضعين ، من مواضع الثناء على الله في الصلاة . انظر هذا مع قول بعض المتحذلقين أن القنوات في صلاة الفجر بدعة مع أن اصله مأثور عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وان شغبوا في حديث انس ومأثور عن بعض الصحابة . وروى عبد الرظاق عن ابن جريح عن عطاء قال قلت له القنوت في ركعتي الجمعة قال لم اسمع بالقنوت في المكتوبة إلا في الصبح وليس من غرضنا بحث موضوع القنوت وسنيته بل لنرى تشددهم في البدعة حتى في الدعاء في مواضع الدعاء في الصلاة فان هذه الأحاديث التي أشرنا إليها تبين أن ما كان من دعاء في موضع الدعاء في الصلاة من السنة وليس من البدعة في شيء لإقرار الرسول صلى الله عليه واله وسلم للصحابة يذلك فهو من جنس المأثور وما كان كذلك فهو من السنة وان كان غير وارد بلفظه فكيف لو كان لفظه مأثورا عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم ومحله ايضا مأثورا في الصلاة . وما يقال في القنوت يقال في الجهر بالبسملة مع ثبوته فان المشاغبة فيه لا تزال من هؤلاء التحذلقين (1 أحاديث أنس في القنوت قالوا إنها مضطربة وابن القيم يقول إنها كلها ثابتة وقد اخذ الأمام الشافعي بحدث أنس ( أما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ) ومثل حديث أنس في القنوت حديث في البسملة فيها نفس الاضطراب بل أشد لأنه في الطريق الواحد كما ذكر ابن عبد البر . والتباس إثباتها واجهر بها في البسملة كالجهر بها في بقية السور والفعل مقدم على الترك والإثبات مقدم على النفي وهذا معلوم ومقرر في الأصول وراجع تنوير الحوالك نقلا عن التمهيد ص ( 78و 79)) مع أن الواحد منهم يقرأ الفاتحة ولا يقرا البسملة أو على الأقل لا يجهر بها فإذا قرأ بعدها سورة جهر بالبسملة في أولها ياللعجب أليست الفاتحة سورة من سور القرآن مصدره بالبسملة في أولها وليتهم يعملون في
________________________________________
أنفسهم ولا ينكرون . والمقصود أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم اقر الصحابيين على أحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه وهذا موضع الاستدلال كما سبق وانه كان اجتهادا واستنباطا منهما .
3ـ الحديث الثالث : ما رواه البخاري في باب الجمع بين السورتين في الركعة . من كتاب الصلاة عن انس رضي الله عنه قال كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله احد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا انك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ باخرى فقال ما انا بتاركها أن أحببتم ان اؤمكم فعلت وان كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من افضلهم وكهوا ان يؤمهم غيره فلما اتاهم النبي صلى الله غليه واله وسلم اخبروه الخبر فقال : يا فلان ما يمعنك أن تفعل ما يأمرك بها أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال اني احبها فقال النبي (( صلى الله عليه واله وسلم )) حبك إياها ادخلك الجنة ـ صلى الله عليك يارسول الله . وأين من هديك هؤلاء المبدعة ؟
________________________________________
قال الحافظ في الفتح . قوله ما يمنعك وما يحملك سأله عن امرين فاجابه بقوله اني احبها وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزم للاول بانضمام شيء اخر اليه وهو اقامة السنة المعهودة في الصلاة . فالمانع مركب في المحبة والأمر المعهود والحامل له على الفعل المحبة وحدها ويوحي إلى أن في فعله زيادة على فعل النبي صلى الله عليه واله وسلم . فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث . (( أن المقاصد تغير أحكام الفعل لأن الرجل لو قال : (( أن الحامل له على أعادتها انه لم يحفظ غيرها مثلا لامكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهر صحة قصده فصوبه )) قال : وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس أية والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ومع هذا التقرير من الرسول صلى الله عليه واله وسلم وتبشير الرسول صلى الله عليه واله وسلم له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بان فعله هذا سنة ثابتة ذلك لأن ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه واله وسلم هو الذي تنبغي المحافظة عليه ولكنه يعطينا الدليل على أن مثل هذا وان كان في صورته مخالفة لفعل الرسول في الجملة فان الأمر واسع لا كما يظن المتفيقهون وما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب .
________________________________________
4ـ الحديث الرابع : روى البخاري من كتاب التوحيد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لاصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله احد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه و آله وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن و أنا احب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخبروه أن لله يحبه . ومثله في مسلم فالحديث متفق عليه .قال الحافظ في الفتح :((قال ابن دقيق العيد هذا يدل على انه كان يقرأ بغيرها في كل ركعة وهذا هو الظاهرة . ويحتمل أن يكون المراد انه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الاخيرة ( أ .هـ.) أي وكلا الامرين لم يعهد فعله من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم و مع ذال اقره باعلا درجات الاقرار و هو التبشير بمحبة الله له ( 1 أنظر فتح الباري ص 125 جـ 17) ( أ . هـ) ومع كل هذا فلم نعلم أن أحداً من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحا كالحديث السابق ولا اختتاما كما هنا لن ما كان واظب عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الأفضل ولكن إقراره لمثل هذا يوضح سنته صلى الله عليه وآله وسلم في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات ولا يعتبر مثله حدثا مذموما كما يتسابق المتشددون إلى التبديع والتضليل في أفعاله . هذا وظاهر من سياق الحديثين ( هذا والذي قبله) أنهما قضيتان فحديث أنس الأول فيه الفاعل لتخصيص هذه السورة أمام قومه في مسجد قباء وفي حديث عائشة كان أمير سريه وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد وذاك كان يفتتح بها وهذا بشرة الرسول صلى الله عليه آله وسلم بحب الله له ذاك بشره بالجنة فالتعدد فيها واضح لا يحتما الجمع ولا التأويل .. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول صلى الله عليه آله وسلم (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ومع ذلك قبل هذه الاجتهادات لأنها لا تخرج عن
________________________________________
الهيئة التي حددها الشارع فكل حد لابد من الالتزام به وما عدى ذلك فالأمر متسع مادام داخلا في الأصل المطلوب هذه هي سنة الرسول وطريقته وهذا في غاية الوضوح ويؤخذ منها ما أصله العلماء أن كل عمل يشهد له الشرع من الطلب ولم يصادم نصا ولا يترتب عليه مفسده فليس داخلا في حدود البدعة بل هو من السنة وان كان غيره أفضل فالعبادات فيها الفضول وفيها الفاضل ولا يعاب ولا يبدع من استروح شيئا منها مادام الأصل عبادة والآن نأتي علي شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غير الصلاة لترى كيف أقرها الرسول صلى الله عليه وأله وسلم هو ؟ .
________________________________________
5- الحديث الخامس : حديث الرقيه وقد رواه البخاري في أكثر من موضع من صحيحه وهذا نصه في باب النفث في الرقيه ( عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رهطا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا في سفره سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفون فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط أن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء فهل عند أحد منكم شيء ؟ فقال بعضهم نعم والله أني لراق ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق فجعل سفل ويقرأ الحمد لله رب العالمين حتى لكأنما نشيط من عقال فأنطلق يمشي ما به قلبه فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم أقسموا وقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننتظر ما يأمرنا به فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له فقال : وما يدريك أنها رقيه أصبتم اقسموا وأضربوا لي معكم بسهم قال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة قول وما يدريك الخ هي كلمه تقال عند التعجب من الشيء وتستعمل في تعظيم الشيء أيضا وهو لائق هنا زاد شعبه في روايته ولم يذكر نهيا أي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزاد سليمان بن قند في روايته بعد قوله وما يدريك أنها رقيه ؟ فقلت يا رسول الله بشيء ألقي في روعى ( أ . هـ) وهذا صريح في أصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعيه الرقي بالفاتحة ولكنه شيء فعله باجتهاده ولما لم يكن فيه مخالفة للمشروع اقره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتب عليه مفسده وأن لم يكن من عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصا – وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أصبتم اقسموا واضربوا
________________________________________
لي معكم بسهم كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ .
6 – الحديث السادس : وقد وقعت للصحابه قصه أخرى في رجل مصاب في عقله فقرأ عليه بعضهم فاتحه الكتاب فبرأ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق خارجه بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد فقالوا أنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل فرقاه بها ذكر ذلك الحافظ في الفتح .
7 – الحديث السابع : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على مبتلي في أذنه فأفاق فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما قرأت قال : افحسبتم أنما خلقناكم عبثا إلى أخر السورة فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو أن رجلا مؤمنا قرأ بها على جبل لزال قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أبو يعلي وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن ومثله في المطالب العاليه للحافظ ابن حجر ( 1 صفحة 129 انظر ص 349 جـ 2 من المطالب ) وفي الحديث تقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن مسعود في قراءته الآيات من أخر سوره المؤمنون على المبتلي ولم يكن قد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانما هو شيء استنبطه باجتهاده ولما كان من الخير الذي يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية بالفاتحة عند البخاري والتي عند أصحاب السنن وهم قضيتان إحداهما لأبي سعيد والثانية لعمه خارجه ابن عبد الصلت وهذه الثاله لبن مسعود وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة ابن حجار وهي الحديث الثامن .
________________________________________
8 – الحديث الثامن : أخرج ابن حبان في صحيحه عن علاقة بن حجار السليطي التميمي أنه أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل راجعا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد فقال أهله أنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شيء ترقية ؟ فرقيته بفاتحه الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق ( أ . هـ ) من موارد الظمآن من زوائد ابن حبان للهيثمي ( 1 صفحة 130 انظر ص 276) .
9 – الحديث التاسع : في البخاري في فضائل قل هو الله أحد عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له ذلك وكان الرجل يتقالها فقال صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده أنها لتعدل ثلث القرآن .
قال الحافظ في الفتح القاري هو قتاده بن النعمان أخرجه أحمد بن طريف ابن الهيثم عن أبي سعيد قال بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله قل هو الله أحد لا يزيد عليها والذي سمعه لعله أخوه لأمه أبو سعيد وكانا متجاورين وبذلك جزم ابن عبد البر وقد خرج الدار قطني من طريق اسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ أن لي جارا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد ( أ . هـ) .
________________________________________
وفي الحديث إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم له على هذا التخصيص والاقتصار على هذه السورة في قيام الليل مع ما فيه من التخصيص الذي لم يكن من عمله ( صلى الله عليه وآله وسلم )) وفيه ما في سابقيه برقم (3 و 4 ) من الدلالة على جوازه تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ومع كل هذا فلم نجد من العلماء من قال بافضلية قيام الليل بها وحدها لأن ما كان عليه عمل الرسول من القراءة بالقرآن كله أفضل من ذلك ولكن عمله وما يشبهه داخل في نطاق السنة ولبس فيه ما يذم بل هو محمود على كل حال وفيه رد على المبدعين كالأحاديث السابقة والتي ستأتي .
10- الحديث العاشر : روى أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في صحيحة عن أبي بريده عن أبيه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد فإذا رجل يصلي يدعو (( اللهم أني أسألك باني اشهد أنك أنت الله لا أله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب ( أ.هـ) وهذا دعا أنشأه الصحابي فيما يظهر ولما كان مطابقا للمطلوب أقره صلى الله عليه وآله وسلم باعلا درجات الإقرار والرضاء ولم يعلم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علمه إياه فنصوص الشريعة فيها العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص وفيها الحقيقة والمجاز وما يجب أن يصار إليه عند التعارض إلى غير ذلك من القواعد الأصولية حتى قالوا : ( ما من عام إلا وخصص ) ولا يمنع وجود (كل ) من التخصيص كما سنراه في آيات الكتاب الكريم .
________________________________________
هذه القواعد : لو عرفها المبدعون لما أطلقوا ألسنتهم بالتبديع على أي من أنواع الخير ولما أطلقوا لأقلامهم العنان في اتهام الأئمة الأعلام مما يقبل أقل منه من الجهابذه فضلا عن الأقزام المتطفلين على موائد العلم المتعاملين وهم بالجهل موصوفون أنظر كيف يقولون عن الأئمة : (أنهم بتقسيم البدعة فتحوا للبدع والمحدثات الأبواب على مصاريعها ) ص (58) وحاشاهم لأنهم أفهم بكلام الله ورسوله من غيرهم وأخشى لله وأطوع له ومع هذا الاتهام الخطير فالمنقول عن الأمام الشافعي أنه ( البدعة بدعتان محمودة ومذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفا فهو مذموم ) فهل الشافعي معنى بهذه التهمة الشنيعة وهذا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضى الله عنه بقوله ( نعمت البدعة ) ويؤثر مثل ذلك ابن عمر فهل مشاقان لله ورسوله لأنه يلزم من قولهما أن في البدعه محمودا ومذموماً وهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم منهم النووي وابن عبد السلام والقرا في وابن العربي وخاتمة الحافظ ابن حجر فهل هؤلاء كلهم لا يفهمون كلام الله كلام الرسول ؟ استغفر الله العظيم من هذا الافك لماذا كل هذا لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال ( وكل بدعة ضلالة ) وهذه الكليه تقتضي عندهم شموله الضلالة لكل محدث والمؤلف لا يعرف قواعد الأصول وان في كلام الله وكلام رسوله كثير من الكليات والعمومات من العام المخصوص أو العام الذي اريد يه المخصوص ومع كل هذا فان لهم تقسيما أخر : البدعة المكفرة والبدعة المحرمة والبدعه المكروهة تحريما والبدعة المكروهه تنزيها لم يدخل الحكم الخامس وهو البدعة المباحة لأنهم يرون أن البدع مخصوصه بالعبادة فهم يقسمونها إلى دينية ودنيويه وكان المباح ليس من أحكام الدين وكأن البدع التي تكون في غير العبادات لا يشملها الحديث – وهذا أيضا تخصيص منهم لهذه الكليه التي يرفضون أن يقبل فيها تخصيص – والنبي صلى الله عليه وآله سلم يقول ( من أحدث في أمرنا
________________________________________
ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية في ديننا وشرع الله ودينه شامل لكل تصرفات المسلم عباداته ومعاملاته وأحكامه واقضيته وانكحته ومواريثه وكل أعماله وكلها تدخلها البدع المحرمة ومن أخطر هذه البدع العقائد التي خرجت بها طوائف من الدين .. وبدع الحكم وأخطرها الخروج عن شريعة الله وهذه البدعة التي تؤول إلى الكفر قد شملت معظم البلاد الإسلامية التي عمل لها أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم حتى اخرجوا المسلمين عن شريعتهم وعقيدتهم واضطروهم إلى التحاكم إلى الطاغوت الذي يسمونه القانون .. والعجيب والغريب أن الذين يعلمون على آثاره الخلافات في المسائل الفرعية ويبدعون فيها من يخالفهم لا نجد لهم صوتا ولا حرفا في المسائل الكبرى التي وقع فيها المسلمون في كل بلد مع أن العمل فيها فرض عين في هذه الأزمان مما يضع عليهم علامة استفهام ذلك لأن أثاره المسائل الخلافية في الفروع وفي هذا الزمن بالذات وهي المسائل التي وسعت المسلمين وأصحاب المذاهب من ذ القدم فأن أثارتها في هذا الزمن يفرق ولا يجمع مما يساعد على التناحر والتنافر والتراشق بالتهم والتبديع والتضليل ولا مصلحة للمسلمين في ذلك والعمومات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص أو كانت أو كانت من العام الذي أريد به الخصوص كقوله تعالى ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا )) وبالتأكيد فهي لم تدمر الأرض كلها ولا الكواكب وكقوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعا الملائكة كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه وذكر أكثر من عشرين موضعا بدلائلها أولها صلاة الجنازة والصدقة عن الميت ثم دعا المؤمنين وفي العموم الذي أريد به الخصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ) والحديث في البخاري وقد أجمع الشرح أنه ليس على عمومه
________________________________________
مع أن فيه الكلية ( كل )
ومن ذلك حديث مسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) وهو من صيغ العموم قطعا ليس على عمومه فان من صلى هاتين الصلاتين الفجر والعصر وترك ما عداهما من الصلوات والواجبات ليس مرادا قطعا فهو من العام الذي أريد به الخصوص أو من العام المخصوص بالنصوص ( قال الطيبي كما نقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره : أن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض فأنها في حكم الحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها : ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى : ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) فأن المراد بالناس في الأول المخبرين وهم لا شك عدد محدود والناس (الثاني) هم أبو سفيان وجماعته من مشركي مكه الذين قاتلوا الرسول والمسلمين في أحد وليس هم كل الناس كذلك قوله تعالى : ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)) – واسم الموصول من صيغ العموم ولكن مما لا شك فيه أن عيسى عليه السلام وأمة والملائكة وكلهم عبدوا من دون الله غير مرادين في الآية فهو من العام الذي أريد به الخصوص وكقوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) مع أن أبواب الرحمة لم تفتح عليهم . ومن ذلك قوله تعالى لتبيه : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) . فمن المعلوم أنه لا يشاورهم في التشريع والاحكام فعن ابن عباس رضي الله عنهما ( وشاورهم في الامر ) أي في بعض الامر وهو تفسير لا تلاوة فأذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر لم يكن لبشر ان يتقدم على الله ورسوله (1 انظر فتح الباري ص 103 جـ /17 كذلك قوله تعالى : ((لِتُجْزَى
________________________________________
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)) (2 فكل نفس وفي امثاله مخصوص بما لا يغفر الله واما ما يغفره فغير داخل في الكلية ) وفي الكتاب العزيز والسنة النبوية من هذه العمومات المخصوصة او التي يراد بها الخصوص شيء كثير يتسع لها مجلد كامل للمتتبع فكيف ينكر على جمهور من العلماء الراسخين قولهم في هذا الحديث (( كل بدعة ضلالة )) انه من العام المخصوص او الذي اريد به الخصوص واعتبرهم المؤلف ـ سامحه الله لذلك من المشاقين لله ورسوله والحادين لهما . وحاشاهم . قال النووي (3 راجع حاشية السيوطي على سنن النسائي ص 234جـ2) على قوله صلى الله عليه واله وسلم (( وكل بدعة ضلالة )) هذا عام مخصوص المراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها لا لصحة فهي المرادة بالبدع . وقال الحافظ ابو بكر ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي :ـ ( السابعة قوله : واياكم ومحدثات الامور .اعلموا علمكم الله ان المحدث على قسمين : محدث ليس له اصل الا الشهوة والعمل بمقتصى الارادة فهذا باطل قطعا ( أي ) وهو البدعة الضلالة . ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والائمة الفضلاء . قال وليس المحدث والبدعة مذمومان للنظر ( محدث وبدعة ) ولا لمعناهما فقد قال الله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) وقال عمر ( نعمت البدعة ) وانما يذم من البدعة ماخالف السنة ويذم من المحدث ما دعا الى ضلالة . وهذا هو عين ما سبق اليه الامام الشافعي رحمه الله وقرره في تقسيم المحدث الى محمود ومذموم وهكذا نجد الأئمة الذين جاؤوا بعد الشافعي مثل سلطان العلماء العز ابن عبد السلام من الشافعية والامام النووي وابن الأثير من الشافعية وابن العربي والقرا في من المالكية وغيرهم كثير اخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني كلهم اقروا تقسيم المحدث الى محمود ومذموم وانه قد تعتريه الاحكام الخمسة بحسب الاصل الذي يبنى عليه والشواهد التي تشهد له او عليه او لما يترتب عليه من المصالح
________________________________________
او المفاسد او مصادمة الشرع او موافقته وهذا لا محيص من القول به لمن عرف السنة وقواعدها من الاصول والفقة وهذا لا يتم الا لمن كان له الباع الطولي والفقه الصحيح والفهم العميق للشريعة ومقاصدها . وليس ذلك لكل مدع متطاول لا يعرف الا طرفا من العلم اذا وجد نصا تمسك به ضاربا عرض الحائط بكل ما عداه من نصوص وقواعد ومفاهيم وتقريرات أولى العلم وما اثر عن الصحابة ومن بعدهم اما جهلا او تجاهلا ظانا ان ذلك هو الصواب وكل ماعداه خطأ محاده لله ورسوله كالمؤلف رده الله الى الصواب ( حديث صفحة 135 روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال قال ابن مسعود ان الرجل ليحدث بالحديث فيسمعه من لا يبلغا عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليه فتنة وصدق ابن مسعود راجع ص 286جـ 11 المصنف ) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذ يقول ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ومفهوم الحديث واضح أن من لم يرد به خيرا لم يفقهه في الين فيقع في الجهل المركب فيجهل العلماء ومعلوم ان الفقه في الدين يسوق إلى النظر الفاحص وتتبع النصوص وحمل بعضها على بعض وأعمال كلام الله وكلام رسوله ما امكن وحمل أعمال علماء المسلمين واقوالهم على الخير ما وجد لذلك محملا إذ هو من باب حسن الظن بالمسلمين المأمور به بل هو من اوثق عرى الايمان كما في الحديث ثم مع تتبع الادله عليه ان يتعرف كلام العلماء الراسخين وهم الاكثرون علما والذين هم اعظم فهما وورعا وتعليقهم على هذه الادلة وما لهم فيها من جمع أو تأويل ثم ما جاء عن الصحابة الكرام قولا او عملا بما يفسر مراد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأنهم اعرف بمراده وقصده ممن جاء بعدهم هكذا كان علماء الدين رضي الله عنهم اجمعين ولهذا لن تجد فيما قرروه او استحبوه استنباطا ما يخالف نصا الا لمعارض ولا ظاهرا الا بتأويل ؟ مقبول ولا تجد بينهم من يبدع مخالفيه او يضلله لعلمه بان له متمسكا ومستدلا بما
________________________________________
يصلح له ترجيحه وان عارض ترجيح غيره ولهذا لا تجد عندهم اطلاق التبديع الا على الفرق المنحرفة في العقائد دون تكفير لهم ما داموا يشهدون ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة الا من جحد معلوما من الدين ضرورة فهذا الذي اعلنوا كفره اذ لا سبيل الى التأويل . وأما التبديع والتضليل للفرق المنحرفة في العقائد ( كالباطنية والقدرية والخوارج ) فهم الذين اجمع اهل السنة على تبديعهم وتضليلهم لتوافر النصوص وتظاهرها عليهم فالخوارج أول الفرق التي ظهرت بدعتها وتشددوا في مسلكهم حتى كفروا أمير المؤمنين عليا والصحابه الذين معه أخذ بالظواهر والعمومات التي نزلت في المشركين واشاعوا القول بالتفكير للمخالفين لهم في العقيدة واستباحوا دماءهم وأموالهم … أخرج ابن مردوية عن مصعب أبن سعد قال نظر رجل من الخوارج إلى سعد يعني ابن أبي وقاص رضي الله عنه فقال هذا من أئمة الكفر فقال سعد كذبت أنا قاتلت أئمة الكفر فقال آخر منهم هذا من الأخسرين أعمالا فقال سعد كذبت أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه الآية . ذكر الحافظ في الفت ( 1صفحة 136 راجع ص (40) جـ(10) فتح الباري) وروى الطبراني في الكبير والأوسط قال غزا عمارة بن قرض غزاه فممكث فيها ما شاء الله ثم رجع حتى إذا كان قريبا من الأهواز سمع صوت أذان أن فقال والله ما لي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث وقصد نحو الآذان يريد الصلاة فإذا هو بالازارفة ( قوم من الخوارج ) فقالوا ما جاء بك ياعدو الله فقال : ما أنتم أخواني ؟ قالوا أنت أخو الشيطان لنقتلك قال أما ترضون مني بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا أي شيء رضى به منك قال أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إلا الله وأنه رسول الله عليه وعلى آله وسلم فخلى عني قال فاخذوه فقتلوه قال في مجمع الزوائد رجال إسناده رجال الصحيح ( 2 صفحة 136 انظر مجمع الزوائد ص (126) جـ1) هذه البدعة الضلاله
________________________________________
وهذا ما وقع ويقع من اتباعهم في كل عصر وهو انما أتوا م حيث اغترارهم بأنفسهم أخذهم بظواهر الآيات والأحاديث فهم لا يرون الحق إلا معهم وكل من خالفهم فهو ضال مبتدع أو كافر كشرك بل لا يستمعون إلا من كان منهم وعلى شاكلتهم وينظرون إلى جمهور الأمة بالمنظار الأسود فأما مبتدعه أو مشركون خارجون عن الإسلام والمقصود أن واجب المسلم أن يحسن الظن بالمسلمين فضلا عن علماء الأمة لأن أثاره المسائل الفرعية التي اختلف العلماء فيها بطريقة تسيء الظن بهؤلاء المجتهدين أو تشي بشيء من ذلك فيه هدم للدين وتفرقة للأمة التي وسعها أختلاف الأئمة في الفروع منذ عصورها الأولى دون أن يفرق بينهم في العقيدة والاحترام والتضامن والتعاطف وكلهم متدينون غيورون على الدين لا كما يظن المتيفقهون في هذا العصر الذين يدعون الاجتهاد في مسائل الدين وهم أجهل الناس به وليس لديهم من أدوات الاجتهاد شيء إلا مجرد الدعوى بل هم مقلدون لأناس مشبوهين طلعوا على الأمة بالعلم والفقة والورع في الدين وكان لهم في الأمة كما يقول العلامة شيخ بن تيميه رحمة لسان صدق .
________________________________________
أنظر كلامه في كتاب ( جواب أهل العلم ) في معرض الرد على بعض المبتدعة في بعض الأقوال التي بنتحلها قال رحمه الله ( والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منها عن أحد من السلف اعني الصحابه والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والورع في الدين الذي لهم في الأمة لسان صدق في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم ) ( 1 صفحة 137 ( انظر ص (23) في كتاب جواب أهل العلم ) ( أ . هـ) وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا يقلدن أحدكم دينه رجلا فأن آمن أمن وأن كفر كفروا وأن كنتم ولا بد مقتدين فاقتدوا بالميت دون الحي فأن الحي لا يؤمن عليه الفتنه ( 2 صفحة 137(رواه الطبراني في الكبير وقال في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح انظر المجمع ص (180) جـ1 ) ( أ . هـ) والمقصود تحذير الشاب المسلم من القول على الله ورسوله بما لا يبلغ فيه درجة الفهم التام والإحاطة حتى لا يسلك مسالك الخوارج الذين ضللو خيار الأمة بآرائهم وأهوائهم واعتمادهم على عمومات الكتاب ولم يكن عندهم من العلم غير هذه الظواهر التي كثيراً ما يقع صاحبها في الخطأ فأن كان ولا بد فلنفسه فلا يجوز أن يطلق لسانه بالتبديع والتضليل لعلماء الأمة ولا لا تباعهم مالم تكن المسألة متفقا عليها بين العلماء لأن مسالك العلماء في فهم البدعة مختلفة اختلافاً كثيراً فمنهم من يعمم والتعميم فيه خطر لأنه قد يوقع الصحابة وخيار الأمة من التابعين ومن بعدهم فيه ومنهم من قسم وخصص تحرجاً من الوقوع في مثل ذلك وبعض المقسمين قالوا بدعة حقيقة وبدعة إضافية إلى آخر التقسيمات التي قد نشير إلى شيء منها فيما بعد وكل له مآخذه فعند الاختلاف لا يسع العاقل الحريص على دينه إلا أن يحكي أقوال العلماء والوقوف عند الحد الذي حده له الشارع وليعتبر بالخوارج واضرابهم فقد ضلوا بنص الأحاديث الصحيحة لاعتقادهم الحق فيما يعتقدونه ولم يكتفوا
________________________________________
بذلك بل ضللوا من خالفهم من الصحابه ومن بعدهم ممن لا يرى رأيهم ولهذا ذمم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحكم بأنهم مارقون من الدين مع أنهم أكثر الناس تمسكا بالدين ظاهرا وتشددا في العبادة ولكنهم أتوا من حيث غرورهم بأنفسهم ورميهم مخالفيهم بالضلال روى الأمامان البخاري ومسلم عن بي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أن بعدي م أمتي قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الدين كما السهم من الرمية لئن أدركتهم لا قتلنهم قتل عاد ) . وقال البخاري كان ابن عمر يراهم شر خلق الله وقال أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين علقه البخاري وقال الحافظ في الفتح وصله الطبري في تهذيب الآثار بإسناد صحيح ( أ . هـ) وأخرج أبو يعلي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أخافه عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام انفسخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك قال قلت يابني الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي ) قال : لبرامي الحافظ أبن كثير إسناده جيد . وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ( من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما فان كان كما قال وإلا رجعت عليه ) واخرجا عن ابي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله ليس كذلك إلا حار عليه – أي رجع عليه ) ( 1 صفحة 138 ( هذه الأحاديث منقوله من كتاب مخطوط للعلامة المحدث الأصولي علي بن محمد بن يحيا علوي الخضرمي ) .
وقد روى الطبراني في ( الكبير) عن عبد الله بن عمر بإسناده حسن : ( كفوا عن أأهل لا إله إلا الله ) لا تكفرهم بذنب ( وفي رواية ) ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل .
________________________________________
ومثل الكفر والشرك وعدو الله ( اللعن) كما في الحديث وكذلك التبديغ والتضليل فأنهما قرينا الكفر والشرك والسبب الأعم في جميع ما سبق في الخوارج ومن نحا نحوهم في التبديغ والتضليل هو الغلو في الدين وعدم الفقه والتفقه في مقاصد الشريعة مع الإعجاب بالنفس ودعوى الإحاطة بالشريعة حتى لا ترى الحق إلا فيما تعتقده هي ولا تعتد بآراء العلماء وافهامهم ولا تعبا بمخالفتهم وهذه هي الروح الخارجية الممقوتة التي ركز الشارع عليها ذمهم وهي إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم من عداهم حتى أداهم ذلك إلى إطلاق التكفير والتضليل ثم استحلال دمائهم المعصومة فهي لا تحاول مطلقاً فرض المخارج الحسنة الممكنة التي هي من روح الإسلام والتي ربى الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها صحابته الكرام في تحمل الخلاف في الرأي دون أن يفرق كلمتهم أو يسيء بعضهم إلى بعض رضي الله عنهم وآخذ العلماء عنهم هذا الخلق الحسن فكانوا يحترمون الفهم في الكتاب والنة وأن خالف أفهامهم فيحكونه أمانة أخرج أبو القاسم الأصبهاني في ( الترغيب والترهيب) والخطيب في ( المتفق والمفترق) عن سعيد بن المسبب قال أن عمر رضي الله عنه وضع عشر كلمات حكم منها أن تضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منع ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سواء وأنت تجد لها في الخير محملا ( أ. هـ) فنسأل الله العلي القدير أن يجنب شبابنا وطلاب العلم منهم بالخصوص هذه الروح الخبيثة ويهديهم سواء السبيل حتى يعرفوا دينهم ويعتزوا برجالهم وعلماء الأمة الذين نقلوا إلينا هذا الدين واجهدوا أنفسهم وأعمارهم ليصل إلينا ثروة عظيمة تعتز بها الأمة الإسلامية وتراثا ضخماً لا يوجد في الدنيا له مثيل فقهاً ونقلاً ونقداً وتمحيصا وتقعيداً وحسبنا الله ونعم والوكيل وهنا نعود لما بدأناه من تحقيق السنة والبدعة لنرى أن تقسيم العلماء رضوان الله عليهم لم يكن من فراغ ولم يكن لمجرد الهوى والشهوة فضلاً عن المشاقة
________________________________________
لله ورسوله وحاشاهم … وقد كان الأمام حسن البنا رحمة الله يحذر اتباعه من الانشغال بمحاربة البدع الإضافية لأن في محاربة البدع الحقيقة شغلا ويريد بالبدع الحقيقة ما خالف الدين من المنكرات التي لا خلاف بين العلماء في حد منها وضررها على الدين وما أكثرها أخطرها بين المسلمين ومراده بالبدع الإضافية ما اندرج تحت أصل عام في الطلب ولكن صورته غير المأثورة كسائر المسائل المستنبطة والمختلف فيها بين الفقهاء وهذا منه إدراك لخطورة البدع الحقيقة وخطورة السكوت عنها والانشغال بغيرها أما الخلافات المذهبية فهي أمر ضروري والإجماع على أمر فرعي متعذر : ( فعلينا أن نعتقد الحق فيما بلغنا ونلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات ولا يكون حائلا بين ترابط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير ) وكلامه هذا من جملة التقسيمات التي الجأت اليها النصوص كما سترى ولما كان الكتاب الذي اشرت اليه ليس فيه تقعيد فاني اثرت قبل تتبع الرد على مواضع الخطأ ان اقدم بحثا عن السنة والبدعة فاذا عرفت السنة عرفت البدعة المضادة لها وان اتي في القسم الاول بالادلة التي تثبت أن سنة الرسول هي طريقته وأن طريقته الواضحة بالنصوص المتكاثرة هي قبول كل ما كان من الخير الذي جاء به ولم يصادم نصا ولم يخالف هدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم فهو من السنة وأن لم يسبق أن الرسول فعله بذاته أو أمر به وأن البدعة هي ما صادم نصا او خالف هدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم أو ترتبت عليه مفسده وهذا هو معنى قول علمائنا أن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر الشرع والتي ليست هي مما طلبه الشرع بدليل خاص او عام كل ما كان كأن من الشرع وشهد له بالطلب دليل خاص او عام فليس هو بالبدعة الشرعية المرادة في الحديث وأن سمي بدعة باعتباره اللغوي الشاملة للحسن والقبيح . ولقد تتبعت ماكتبه المخالفون عن البدعة . فإذا علمهم كله محصور في حديث
________________________________________
واحد وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ورمي كل أحاديث الرسول صلوات الله عليه واله ـ الدالة على حيازة كل خير ـ والتي يستفاد منها حكم جميع الحوادث فعند هؤلاء كل شيء حدث بعد عهد الرسول وأن كان من الخير ومن الأمور الدينية الموافقة لدين الله وتشملها أوامر الله . ( فالاستكثار من الخير خير ) . فعند هؤلاء هو بدعة ضلالة . وهذا علم لا يحتاج إلى جهد كبير ، ولكنه تضخم في نفوسهم . وأن هذا الحديث يجب أن يعرض على نصوص الأدلة الأخرى لأنه عام وقد عارضه في عمومة أدلة خاصة وعامة فاقول :
أولا : أن هذا الحديث عام أريد ( حديث صفحة 140 العام الذي أريد به الخصوص يكون من أول الأمر مستعملا في الخصوص أي يكون لفظ العام مجازا في الخصوص ) به الخصوص لأنه يخالف حوافز النصوص التي تدل على النظر في حكم الحادثة واستنباط الأحكام واستخراجها من الكتاب والسنة وهما يستوعبان كل أحكام الحوادث بواسطة دخولها في مضامين الكلام منطوقا أو مفهوما أو عموما أو خصوصا أو نصا أو ظاهرا أو غير ذلك .
ثانيا: وقد عهد العموم الذي أريد به الخصوص في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ألا ترى الى قوله تعالى : ((فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)) ولم يفتح لهم أبواب الرحمة . وقوله تعالى : ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ)) ولم تدمر الجبال والسموات والأرض . وقوله تعالى : ((وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)) ولم تؤت عرش سليمان . قال الامام القرطبي في تفسيره في الكلام على الفطرة التي فطر الله الناس عليها من سورة الروم قال ( والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب ) ثم ذكر ما قدمناه .
________________________________________
وقد أرسل النبي سرية بأمارة بعض أصحابه وامر أصحابه بالسمع والطاعة له فغضب فأجج نارا وأمرهم بدخولها بما أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم لهم بالسمع والطاعة ، فقالوا إنما أمنا وجاهدنا خوفا من النار فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم اخبروه فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وقد اخرج هذه القصة مسلم في صحيحه فلينظر لفظه . ومنه يعلم أن بعض العام يراد به الخصوص بحسب المعروف المعلوم بالعقل او الشرع وفي هذا الحديث نبه النبي صلى الله عليه واله وسلم أن عموم طاعته في هذا غير مراد . وفي البخاري والموطأ . ( كل بني أدم يأكله التراب الأعجب الذنب ) قال ابن عبد البر في التمهيد . ظاهر هذا الحديث وعمومة يوجب أن بنو أدم كلهم في ذلك سواء ألا انه قد روي أن أجساد الأنبياء والشهداء لا تأكلها . وهذا يدل على أن هذا اللفظ عموم يدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرناها فكأنه قال كل ما تأكله الأرض فأنها لا تأكل أجساد الأنبياء والشهداء . وحرم ( حديث صفحة 141 ذلك في قوله ( صلى الله عليه واله وسلم ) لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث رواه مالك والبخاري والترمذي وآبو داود وانسائي عن انس ) النبي صلى الله عليه واله وسلم الهجر فوق ثلاثة أيام مع انه صلى الله عليه واله وسلم هجر الثلاثة الذين تأخروا عن تبوك وأمر المؤمنين باعتزالهم وكذلك بعض الصحابة هجروا أناسا كما كان من علي مع أسامة رضي الله عنهما فالحديث مخصص . وقد جاء تخصيص العموم في عشرات الآيات ( أية صفحة 142 منها قوله تعالى ( من يعمل سوءا يجز به ) مخصوص بقوله تعالى : ( أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وهذه الآية تخصص آيات أخرى فيها هذا العموم. ويخصص قوله تعالى ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) بقوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) وقوله تعالى ( أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) بقوله
________________________________________
تعالى : ( فيكشف ما تدعون إليه أن شاء ) وهذا كثير وأنما هذه أمثله ) في كتاب الله حتى قيل ( ما من عام ألا خصص ) وقال جماعة من العلماء ( لا يعمل بالعام آلا بعد البحث عما يخصصه ) .
ثالثا : أ، النبي صلى الله عليه واله وسلم يؤيد فيما يحدث ما يوافق شريعته وينكر ما ليس موافقا لها فهذا عمر يقترح أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى وان يحجب أمهات المؤمنين قائلا : انه يدخل عليك البر والفاجر فانزل الله في موافقته القران لأنه اقترح ما هو اعظم المصالح الدينية . انظر هذا فقد اقره لما فيه من الخير . ولكن معاذا لما جاء من الشام سجد للنبي صلى الله عليه واله وسلم . ظانا أن ذلك من الخير اقتداء بما راه في الشام من تعظيم آهل الكتاب لرهبانهم وقديسيهم فان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اعظم لكن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى أن يسجد لاحد غير الله . وذلك لأن السجود غير موافق لشريعته الحنيفية فأنها مباينة لغلو أهل الكتاب في تقديسهم لأحبارهم ورهبانهم بالسجود لهم وجعل قبورهم مساجد فحرم رسول الله صلى عليه واله وسلم سلوك طريقتهم . واجاز اقتراح عمر لما فيه من المصلحة وعدم الفساد وانظر الأذان فانه ألفاظ معدودة لا تزيد ولا تنقص ومع ذلك لما جاءت الحاجة بسبب المطر إلى النداء فيه أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالنداء ( ألا صلوا في رحالكم ) وهذا يدل على أن الحكم يدور مع المصلحة والحاجة . واحكام الشريعة تارة تنقل مع العلة وتارة مع عدمها وقد يعرف العلة الصحابي منها في بساط الكلام مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم ولهذا قالوا أن فهم راوي الحديث يقدم على غيره كما يقدم تفسير الصحابي على غيره .
________________________________________
رابعا : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه بارك فعل أشياء كثيرة من الخير ليس فيها مفسدة ولا تخالف طريقة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في نظام شريعته ثم تبت عن الصحابة ما يقرب من التواتر المعنوي ( حديث صفحة 143 التواتر المعنوي هو أن يتفق جماعة كثيرة يؤمن تواطؤهم على الكذب على نقل حوادث مختلفة تتفق كلها على أمر عام وهذا الأمر العام هو الذي يقع فيه التواتر فقد عرف كرم حاتم وعدل عمر وعدل وعلم علي وشجاعته فأن التواتر في ذلك معنوي ) ذلك كثيرا من الخيرات بعد عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . مما تدخل تحت ارشاده وهديه وإن لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم تفعل في عهده . فهذا يدل على أنهم يخصون الدعة الضلالة بالبدعة المخالفة للشرع عقيدة أو عملا فمن أخذ بعمومات الشريعة في فعل الخير وإن لم يرد بعينة كقوله تعالى ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)). ولعموم الحث على الأعمال الصالحة وقول النبي صلى الله علية وآله وسلم (الصلاة خير موضوع ) ثم لم يخالف نظام الشريعة في أداء هذا الخير فقد قام بأعظم القرب.
________________________________________
وقد اخطأ بعض المتخذ لقين في إنكاره على الأمام زين العابدين على بن الحسين سبط الرسول صلى الله علية وآله وسلم لأن هذا الأمام كان له أوراد كبيرة من فعل الصلوات قال هذا المنكران هذا لم يفعله الرسول صلى الله علية وآله وسلم وكان عمله ماشيا على ما كان علية السلف و في مقدمتهم أصحاب رسول الله صلى الله علية وآله وسلم من الاستكثار من عمل الطاعات ففي البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله علية وآله وسلم ( من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بشيء احب مما افترضت علية وما يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببتة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذتي لاعيذنه ) ا هـ .وفي حديث آخر ( عليك بكثرة السجود فانك لن تسجد الله سجدة ألا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ) .نقله في رياض الصالحين . فكيف ينكر علية ذلك .
وهذا معاذ بن جبل ..قال هلال بن الأسود : كنا نمشي مع معاذ قال :اجلسوا نؤمن ساعة .وقد أخرجه ابن أبي شيبة (حديث صفحة 143 )(2) قال ابن أبي شيبة في كتاب الأيمان حدثنا وكيع نا الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال عن معاذ واخرجه أبو عبيد في الأيمان حدثني ابن مهدي عن سفيان عن جامع عن الأسود وعن معاذ واخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو عن علقمة وإسناد ابن عبيد ثقات كالذي قبله .
من طريق جامع بن شداد عن الأسود بن هلال بإسنادين رجالهما ثقات أئمة وأخرجه عن عمرو عن علقمة التابعي .
________________________________________
وهذا معاذ أعرف الناس بالحلال والحرام بشهادة رسول الله صلى الله علية وآله وسلم وعمر الخليفة الراشد وهما يفعلان هذا الخير ولم يرد عن النبي صلى الله علية وآله وسلم ألا أن الأمام احمد روى بإسناد حسن قال كان ابن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب النبي صلى الله علية وآله وسلم ، يقول : ( تعالى نؤمن ساعة فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله علية وآله وسلم . قال .يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي صلى الله علية وآله وسلم يرحم الله ابن رواحة أنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة )وقد علقه البخاري (1 صفحة 144 (كذا في كشف الخفا). وهذا عمر حكم في سواد العراق بعدم قسمته وابقاه لجميع المسلمين اولهم وآخرهم فإن قيل هذا في غير العبادات . قلنا قد خصصتم عموم هذا الحديث اعني ( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وهؤلاء الأنصار الذين تبوؤا الدار والأيمان كانوا يجتمعون لقراءة القرآن . ولكن اخذوا ذلك من عموم قوله صلى الله عليه واله وسلم ( ما اجتمع قوم يذكرون الله ألا حفتهم الملائكة ) الحديث وهو في صحيح مسلم .
________________________________________
خامسا : وقد أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم بالتمسك بما هو عليه واصحابه أي ومن اتبعهم على طريقتهم يدل عليه الحديث الذي يشيد بالعمل على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعدهم ( 2حديث صفحة 144 هو حديث ابي داؤود والترمذي عن العرباض وفيه فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) أي طريقتهم وهي طريقة الخلفاء الراشدين وهم ابو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وعمر بن عبد العزيز وكل خليفة راشد اخرهم المهدي ويمكن أن يشمل خلفاءه في الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء الذين يسيرون على نهجه بحديث ( العلماء ورثة الانبياء ) وبتفسير اولى الامر بالعلماء الذين يستنبطون الاحكام كما في الاية (3صفحة 144وهي اية النساء (83) ( ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) قال ابن مسعود : ( أن الله اختار محمدا واختار له اصحابه فما راه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) اخرجه احمد في مسنده . وقد اخطأ من نفى ذلك وهو حديث حسن وهذا ما يجعل لاقوالهم جلالة واحتراما فلا يقال فيما يفعلونه من الخبر الذي له اندراج تحت اصل عام انه بدعة ضلالة الا أن ما فعله النبي صلى الله عليه واله وسلم هو السنة .
سادسا : قد يفهم مما تقدم أن كل من احدث عبادة في غير محلها الثابت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم يكون ذلك جائزا وليس كذلك بل هو بدعة سيئة . فقد احدث بنو أمية بالهوى ولأغراض سياسية تقديم خطبة العيد على صلاتها فخالفوا النظام الذي رتبه النبي صلى الله عليه واله وسلم فهذا العمل وامثاله لا يدخل في الخير والأعمال الصالحة بخلاف الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها وأن لم يفعلها النبي صلى الله عليه واله وسلم لكنه في أصل عام ( والصلاة خير موضوع ) في أي وقت لا الصلاة فيه مكروهة ألا أن السنة أن لا يصلي قبلها ولا بعدها والعمل بالسنة أولى .ا.هـ من مخطوط السيد عبد الله الحداد نفع الله تعالى به .
________________________________________
رأي وجيه في شذوذ ( الشاطبي ) عن الجمهور في تقسيم البدعة :
( أقول) : وحيث أنه طالما تذرع المخالفون لجمهور أهل السنة والجماعة في مفهوم وتقسيم البدعة بآراء الشاطبي صاحب ( الاعتصام ) وتترسوا بها لرد آراء الجمهور في هذه المسألة ، أحببت أن أورد رأيا وجيها للمحدث الشيخ عبد الله محمد الصديق حيث يقول في رده على كتاب ( القول المبين ) :
قسم عز الذين ابن عبد السلام في قواعده الكبرى البدعة باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أو خلوها عنهما إلى أقسام الحكم الخمسة الوجوب والندب والحرمة والكراهة والاباحة ومثل لكل قسم منها وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة وكلامه في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبرا بالقواعد الفقيهة وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها . ومن مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك ؟ فجأة تقسيمه للبدعة مؤسسا على أساس من الفقه وقواعده متين ، ولذا وافقه عليه الإمام النووي والحافظ ابن حجر وجمهور العلماء وتلقوا كلامه بالقبول ورأوا أن العمل بع متعين في النوازل والوقائع التي تحدث مع تطور الزمان وأهله ، حتى جاء صاحب (الاعتصام ) فخرج عن جمهره العلماء وشذ بإنكار هذا التقسيم فبرهن بهذا الإنكار على أنه بعيد عن معرفة الفقه ، بعيد عن فهم قواعده المبينه على المصالح والمفاسد لا يعرف ما فيه مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله ولا يدري ما فيه مفسده فيطلب احتنابها بتركه ولا ما خلا عنها فيجوز فعله وتركة على السواء وأخيرا برهن عل أنه لم يتذوق علم الأصول تذوقا يمكنه من معرفة وجوه الاسنباط وكيفية استعمالها والتصرف فيها بما يناسب الوقائع وأن كان له في الأصول كتاب ( الموافقات ) فهو كتاب قليل الجدوى عديم الفائدة وأنما هو بارع في النحو له في شرح على ألفية ابن مالك في أربعة مجلدات دل على مقدرته في علم العربية على أنا وأن كنا نعلم أن للشاطبي دراية بعلم أصول الفقه على سبيل المشاركة فلا نشك في
________________________________________
أن سلطان العلماء فيه أمكن وعلمه بقواعده أتم وقواعده الكبرى خير شاهد على ذلك وأني لأعجب من الشاطبي كيف أنكر على سلطان العلماء ذلك التقسيم مع أنه بناءه كما قلنا على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها . ولم ينكر على المالكية القول ( بالاستصلاح ) الذي لم يعتبره الشارع ولا قبله جمهور العلماء بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكاماً كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له ؟! ما القول بهذا مع إنكار ذاك إلا تعصب مذهبي ظاهر ولا يمكنه أن يتمسك لإنكاره بحديث (( كل بدعه ضلالة )) لأن البدعة التي هي ضلالة من غير استثناء هي البدعة الاعتقاديه كالمعتقدات التي أحدثها المعتزله والقدرية والمرجئة ونحوهم على خلاف ما كان يعتقده السلف الصالح فهذه هي البدعة التي هي ضلالة لأنها مفسدة لا مصلحة فيها أما البدعة العملية بمعنى حدوث عمل له تعلق بالعبادة أو غيرها ولم يكن في الزمن الأول فهذا لا بد فيه من التقسيم الذي ذكره عز الدين أبن عبد السلام ولا يتأتى فيه القول بأنه ضلالة الإطلاق لأنه من باب الوقائع التي تحدث على ممر الزمان والأجيال من وجوه الاستنباط والشريعة إنما صلحت لكل زمان ومكان وكانت خاتمة التشريع الإلهية وأكملها بما حوته من قواعد عامة وضوابط كليه ، مع ما اوتية علماؤها من قوه الفهم في نصوصها ومعرفة بالقياس والاستصحاب وأنواعها إلى غير ذلك مما خلصت به شريعتنا الغراء ولو اتبعنا طريقة الشاطبي وحكمنا على كل عمل حدث بعد العصر الأول بأنه بدعة ضلالة من غير أن نعتبر ما فيه من مصلحة أو مفسدة لزم على ذلك إهدار جانب كبير من قواعده الشريعة وقياساتها وتضيق لدائرتها الواسعة وفي ذلك ما لا يخفي فظهر بهذا البيان الوجيز خطأ إنكار الشاطبي رحمة الله تعالى وصواب ما ذهب إليه عز الدين ابن عبد السلام ووافقه عليه جمهور العلماء ( أ . هـ) .
المولد النبوي الشريف :-
________________________________________
في بحث ( البدعة والسنة ) في هذا الكتاب ما يكفي لإثبات مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وحيث خصص كل من الشيخ ابن منيع في ( حواره ) والشيخ التويجري في ( رده القوى ) صفحات كثيرة لمهاجمة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وإثبات بدعيته فأني سوف إصدار بأذنه تعالى كتابا خاصا منفصلا حول هذا الموضوع وعلى قاعدة ( ما لا يدرك كله لا يترك جله ) أحببت أن لا يخلو كتابي هذا من رد مختصر مفيد يوضح مشروعية المولد النبوي الشريف بقلم فضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد ملا رمضان البوطي من علماء الشام المعروفين وعميد كلية الشريعة بجامعة دمشق
(( الفصل العاشر ))
ردا على الذين ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي
ليس كل جديد بدعه
بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
البدعة ، بمعناها الاصطلاحي الشرعي ، ضلالة يجب الابتعاد عنها ، وينبغي التحذير من الوقوع فيها . ما في ذلك ريب ولا خلاف . وأصل ذلك قول رسول الله صلى الله علية وسلم فيما اتفق علية الشيخان (( من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد )) وقوله فيما رواه مسلم : (( إن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )).
ولكن ما هو المعنى المراد من كلمة (( بدعة )) هذه ؟
هل المراد بها معناها اللغوي الذي تعارف علية الناس فيكون المقصود بها إذن ، كل جديد طارئ على حياة المسلم ، مما لم يفعله رسول الله صلى الله علية وسلم ولا أحد من أصحابه ، ولم يكن معروفا لديهم ؟..
________________________________________
إن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال ألي حال ، وتنقلهم من طور إلى آخر .. ولا مطمع في إمكان التغلب على قانونها هذا ، وربطه بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة ، على مر الأزمنة والعصور . وحتى الفترة القصيرة التي عاشها النبي صلى الله علية وسلم مع أصحابه ، لم تجمد الحياة خلالها على نسق مطرد ثابت ، بل استقبل النبي واصحابه منها اطوارا اثر اطوارا .. ولكن ( لحسن حظ ذلك الرعيل الأول ) كان المصطفى صلى الله علية وسلم بين ظهر انيهم ، فكان يرحب بسنة الحياة هذه ، دون أي مقاومة لها أو ثورة عليها . فكم من عرف جديد أيده ،وكم من كشف طارئ على حياة الصحابة والعرب رحب به ودعا إليه ، بعد إن تأمل فرآه لا يخالف من أصول الدين واحكامه شيئا . بل ربما يسر سبيل أحيائه والأخذ به على خير وجه . حتى استظهر علماء الشريعة الإسلامية من ذلك ، القاعدة القائلة : الأصل في الأشياء الإباحة ، واستنبط من ذلك علماء الحنفية وآخرون .. إن العرف _ بقيود معينة _ مصدر لا يستهان به من مصادر الشريعة واحكامها .
لا يعقل _ إذن _ أن يكون المقصود بالدعة هذا المعنى اللغوي العام . بل ما رأينا واحدا من علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسير البدعة وتعريفها هذا المذهب العجيب . وانما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص ، فما هو ؟
البدعة والدين
أمامي تعريفات كثيرة للبدعة ، كلها يدور في فلك معنى اصطلاحي واحد ، وإن تخالفت من حيث الصياغة والأسلوب . ولكني اختار منها تعريفين عرفها بهما الأمام الشاطبي في كتابة الاعتصام وذلك لسببين : أحدهما _ إن الشاطبي يعد في مقدمة من خدم هذا البحث وتناوله بالشرح والتحليل من جوانبه . ثانيهما _ إنه يعد من اكثر العلماء المتقدمين محاربة للبدعة وتشددا في الابتعاد عنها .
________________________________________
التعريف الأول ، أنها (( طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل ((والتعريف الثاني إنها )) طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشريعة)).
وانما رددها الشاطبي رحمه الله بين هذين التعريفين ، نظرا لرأي من حصر البدعة في العبادات ، ولرأي من عممها في سائر أنواع السلوك والتصرفات . على إنه مال فيما بعد إلى إن البدعة إنما تختص بالعبادات سواء منها القلبية وهي العقائد أو السلوكية وهي سائر أنواع العبادات الأخرى . ولا يعنينا الآن أن نقف عند هذا الترديد باي نظر أو تمحيص . إنما الذي يعنينا أن نلاحظ قولهم في التعريف : (( طريقة في الدين مخترعة )) أذن ، فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها ، يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين وأنه جزء لا يتجزأ منه ، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك 00 وتلك هي روح البدعة وسر تحذير الشارع منها ، وذلك هو الملاحظ في تسميتها : (( بدعة )) . والمستند الذي يشكل الدليل القطعي على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه 00)) إذ المقصود بـ (( أمرنا هذا )) الدين ، كما واضح ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما اخرجه الطحاوي : (( ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب : الزائد في دين الله والمكذب بقدر الله ، والمسلط بالجبروت يذل من أعز الله ويعز به من أذل الله ، والتارك لسنتي ، والمستحل لحرم الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله )) ويتضح من ذلك أن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها ، أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه . ولما كان المشرع هو الله عز وجل ، لم يبق مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه . أما سائر الأفعال والتصرفات الأخرى ، التي قد تصدر من الإنسان ، دون أن يتصور أنها جزء من جوهر الدين أو مصلحة له ، دينية كانت أو دنيوية : فهي أبعد ما تكون عن احتمال
________________________________________
تسميتها بدعة ، وان كانت مستحدثة في حياة المسلمين غير معروفة لهم من قبل ، بل مالها أن تصنف إما تحت ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنة حسنة ، أو تحت ما سماه : سنة سيئة . وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه مسلم وغيره (( من سن في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها واجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) .
ما هو المعيار
ويحتاج بيان هذا الأمر إلى تفصيل طويل ولكننا نقتصر منه على الموجز التالي :
ـ أن كانت الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان ( مما لا يدخل في معنى البدعة التي تم بيانها ) تتعارض مع أوامر أو نواه ثابتة في الشرع ، لا فرق بين أن تكون هذه المخالفات مستحدثة أو تكون قديمة معروفة كالمباذل الأخلاقية والأندية التي فيها المنكرات . وأمرها واضح لا يحتاج إلى بحث .
________________________________________
ـ وان كانت مرسلة ، أي غير معارضة ولا موافقة لشيء من احكام الشرع وادابه التفصيلية . فهي تصبغ ، من حيث احكامها ، بلون الآثار والنتائج التي تحققها . أي فما كان منها مؤديا الى تحقيق واحدة من سلم المصالح الخمسة التي جاء الدين لرعايتها ( الدين والحياة والعقل والنسل والمال) فهو من قبيل السنة الحسنة ، ثم أنه يتفاوت ما بين الندب والوجوب ، حسب شدة الحاجة اليه لتحقيق تلك المصلحة ، اذ قد يكون من ضرورياتها الذاتية وقد يكون من حاجياتهم الاساسية ، وقد يكون من تحسيناتها المفيدة 000 وما كان منها متسببا إلى هدم واحدة من تلك المصالح أو الأضرار بها ، فهو من نوع السنة السيئة ، ثم إن درجة سوئه تتفاوت حسب مدى الضرر الذي قد يلحقه بتلك المصلحة ، فقد يكون مكروها وقد يصبح محرما . إما ما كان منه بعيدا عن أي تأثير ضار أو من قبيل العفو ، كما يعبر بعضهم . وإذا استوعبنا هذه الحقيقة أدركنا أنه ليس ثمة ما يسمى بالبدعة الحسنة ، كما توهم ذلك بعض الباحثين . بل البدعة لا تكون ألا ضلالة قبيحة ، وذلك لضرورة أنها تعني التزيد على الدين والإضافة اليه . وهو لا يمكن أن يكون حسنا بحال من الأحوال . وانما يدخل هذا الذي توهموه ( بدعة حسنة ) فيما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة الحسنة ، وهو ما اصطلح الأصوليون على تسميته فيما بعد بالمصالح المرسلة .
ومن أمثلة هذه السنة الحسنة تلك الاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة ، كبدء العام الهجري ، ومولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وعند ذكرى الإسراء والمعراج ، وذكرى فتح مكة وغزوة بدر ، ونحوها ، مما يتوخى من تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين ، سواء على مستوى الضرورات أو الحاجيات أو التحسينات .
ومن المفزوع منه أن ذلك كله مشروط بالا تستتبع هذه الأعمال آثارا ضارة تودي بجدوى ما حققته من المصالح أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها .
((المولد )) ليس بدعة
________________________________________
هذا ما نعتقد أنه المنهج العلمي الذي لا بديل عنه ؛ عند الخوض في ذكر البدع ومحاربتها وجذب الناس عنها . ولا ريب أن أتباع المنهج العلمي يوصلنا إلى هذا القرار:
إن احتفالات المسلمين بذكرى مولده عليه الصلاة والسلام والمناسبات المشابهة ،لا تسمي بدعة قبل كل شيء . لأن أحدا من القائمين على أمرها لا يعتقد أنها جزء من جوهر لدين وأنها داخلة في قوامة وصلبه ،بحيث إذا أهملت أرتكب المهملون على ذلك وزرا. وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخي منها تحقيق خير ديني .
ثم أنها لا تدخل تحت ما يسمى بالسنة السيئة أيضاً ، أن روعي في أقامتها أن تخلو من الموبقات وأن تهذب عن كل ما قد يعود على الخير المرجو منها بالنقض أو الإفساد .
وإذا رأينا من يخلطها بما يسيء إلى نتائجها ، فأن التنبيه يجب أن يتجه إلى هذا الخلط ، لا إلى جوهر العمل بحد ذاته وإلا فكم من عبادة صحيحه مشروعة يؤديها أناس على غير وجهها فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوه منها أفيكون ذلك مبررا للتحذير من أدائها والقيام بها ؟
نعم أن اجتماع الناس على سماع قصة المولد النبوي الشريف ، أمر استحدث بعد عصره النبوه بل ما ظهر إلا في الأوائل القرن السادس الهجري ولكن أفيكون ذلك وحده كافيا لتسميته بدعة والحاقه بما قال عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام : كل من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ؟ أذن فليجردوا حياتهم من كل ما استحداث بعد عهده عليه الصلاة والسلام – أن كانوا يستطيعون – فأن كل ذلك من البدع !! .
أقول بعد هذا كله : فلنفرض أننا مخطئون في فهم (( البدعة )) على هذا النحو وأن الصواب ما يقوله الآخرون من أن كل ما استحداثه الناس حتى مما لا يدخلونه في جوهر الدين وأحكامه ، بدعة محرمه ، فان المسألة تغدو عندئذ من المسائل المختلف المتخلف في شأنها والخاضعة للاجتهاد .
________________________________________
ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن القائم بهذا الشأن ينبغي ( كلما وقف في موقف عام ) أن ينهي عن المنكرات المجمع على أنها كذلك ، ولا ينصرف عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية التي لا يكلف المجتهدون فيها بأكثر من الوقوف عندما قضت به اجتهاداتهم وفهومهم إذ الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يمكن أن ينتهي إلا إلى أثره أسباب الشقاق وتصديع وحده المسلمين وبث عوامل البغضاء فيما بينهم .
وأن في حياتنا ومن حولنا من المنكرات الشنيعة والمفاسد الخطيرة التي لا خلاف في مدى جسامتها وسوء آثارها ما يكفي الصف للقضاء عليها فلماذا نتشاغل عن هذا الذي اجمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت ثم نشتغل بالانتصار لاجتهاداتنا الشخصية ومحاربة ما يقابلها ويكافئها من الاجتهادات الأخرى ؟ ( أ . هـ) مقال الدكتور البوطي .
( خاتمه )
________________________________________
بحمده تعالى وفضله ومعونته وتوفيقه تم هذا الكتاب وأسأله تعالى أن يتقبله ويجعله فيه النفع وتقريب قلوب أمة حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وكلمتهم على الحق الذي أرسله تعالى به وهداه إليه ، لأنني حرصت فيه على تلمس وتقديم الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال وأعمال السلف الصالح رضوان الله عليهم كما حرصت على التزام أداب الأسلام وأحكامه فيما يتصل بأسلوب وطريقة الرد على المخالفين ومحاورتهم بالتي هي أحسن موقناً بأن ( الحكمة ضألة المؤمن ) وأنهم سوف يفيئون إلى الحق ويقبلونه متى عرفوه وأهتدوا أليه بأدلته الجليه الواضحة – فقد أن الأوان لهؤلاء الأخوان أن يرفعوا ( الحاجز النفسي ) الكثيف بينهم وبين جمهور المسلمين م نأهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي الرحيب وقد أن الأوان لأن يحج المسلم ويزور قبر نبيه صلى الله عليه وسلم ومسجده الشريف تحيطه عيون المودة والمحبة والأخاء وكيف ننتظر أن ننتصر على أعدائنا من اليهود والنصاري والمجوس وأعوانهم ونحن تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتى يبدع ويشرك ويكفر بعضنا بعضا والله سبحانه وتعالى يقول ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
والله تعالى من وراء القصد وهو ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به وهو المستعان وعليه التكلان وله الحمد في الأولي والآخرة صلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
أعده وكتبه ( الفقير إليه تعالى )
يوسف السيد هاشم الرفاعي
ص . ب (420) الصفاة
المنصورية – الكويت
موقع الطريقة القادرية – زاوية المكتبة الصوفية القادرية
________________________________________

الكتاب : البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي المؤلف : الدكتور محمود أحمد الزين

الكتاب : البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي
المؤلف : الدكتور محمود أحمد الزين
الطبعة الأولى
1426هـ /2005م
البيان النبوي
عن فضل الاحتفال بمولد النبي
صلى الله عليه وآله وسلم
بقلم
الدكتور محمود أحمد الزين
الطبعة الأولى
1426هـ /2005م
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الافتتاحية
نستفتح بالذي هو خير، وحمداً لله ، وصلاةً وسلاماً على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد :
فنقدم ضمن سلسلة الرسائل رسالة “البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم” ومقصودها إيضاح الأدلة التي اعتمد عليها أئمة المحدثين والفقهاء، الذين استحبوا هذا الاحتفال، مع دفع الشبهات عنها، ومع التأكيد على أن من يبدعهم يخالف السنة، التي بينت أن المجتهد مأجور وإن أخطأ، والله لا يأجر المبتدع، وكل ما ثبت بأدلة الشرع فهو حسن، وهو خير، وليس ببدعة؛ لأن الله تعالى قال: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
________________________________________
مقدمة
هل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين حكم الاحتفال بمولده، ثم يقع حوله هذا الخلاف الكبير بين أن يكون سنة مستحبة وأن يكون بدعة ضلالة، مع أن كل ضلالة في النار؟!
لا، هذا غير ممكن إلا إذا تركنا قواعد ديننا في النظر إلى المسائل الاجتهادية وفي حكم الاختلاف فيها، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).
وهذا صريح في أن المخطئ غير مبتدع، ولا ضال؛ لأن الله لا يأجر على البدعة، بل (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
فالذي يضلل مخالفه إما أنه يغفل عن هذا الميزان، وإما أنه يتجاهله لغاية في نفسه ضد مخالفه، وإما أنه يزعم أن هذه المسألة وأمثالها ليست مسائل اجتهادية، بل هي من البينات التي يضل الناس بالإعراض عنها أو يعاندونها.
وأياً ما كان الأمر فالمولد لا يمكن أن يدعي أحد على مستحبيه أنهم عاندوا البينات؛ لأنهم أئمة ثقات، كالحافظ ابن حجر والسيوطي رحمهما الله، ولكن يزعم منكر الاستحباب أنهم أخطؤوا، فلا يجوز اتباعهم، فيقال له حينئذٍ: أأخطؤوا في البينات التي لا تحتمل الخطأ أم في الاجتهاديات؟ إن كانت الأولى فهو عناد وقد قال الله تعالى عمن يفعل ذلك: { وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:105]، فهل يليق بهم هذا؟ وإن كانت الثانية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فله أجر) والله لا يأجر على البدعة، ولا يحل لك أن تبدعه وتضلله، وإن كنت تراه مخطئاً، بل يمكن أن تكون أنت المخطئ، وقولك إن المولد بدعة لا يصح، إلا إذا عنيت أنه كذلك من حيث وجهة نظرك، أو وجهة نظر العلماء الذين تتبعهم، فأنت لو عملت مولداً تكون مبتدعاً ضالاً؛ لأنك عملت أمراً تراه ـ حسب فهمك للأدلة ـ بدعة ضلالة، أما مخالفك فلا، كما لو أن الإمام أحمد بن حنبل أو من يتبعه قال: “اللهم إني أسألك بنبيك أن تغفر لي” فإنه يكون عاملاً بأمر يراه مستحباً، فهو مأجور أجرين إن أصاب، مأجور أجراً واحداً ـ لو افترضناه مخطئاً ـ بخلاف ما لو قال ذلك ابن تيمية أو من يتبعه، فإنه يكون عاملاً بأمر يراه هو بدعة ضلالة، فيكون عليه إثم ذلك وعقابه، ومثل هذا يقال في كل المسائل الاجتهادية، التي الخلاف فيها دائر بين الاستحباب والتحريم، وليس ضرورياً في مسائل الاجتهاد أن يقتنع المجتهد بأدلة مخالفيه، ولكن من الضروري أن يقتنع الفريقان بأن كل منهما يمكن أن يخطئ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لبعض قادة جيوشه: “فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا” وهذا تصريح بأن المجتهد لا يمكن أن يقطع بأنه على صواب وأن مخالفيه على خطأ”.
________________________________________
والاحتفال بالمولد يرى الحافظ ابن حجر وموافقوه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبه على فضيلته بطريق الاستدلال الأولوي في حديث صوم عاشوراء، حيث ثبتت به مشروعية صوم الذكرى السنوية شكراً لله على نعمة نجاة موسى عليه الصلاة والسلام، قال ابن حجر: فالأولى من ذلك بالمشروعية صيام يوم المولد شكراً لله على إنعامه بإيجاد نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يقول: إن الحديث فيه بيان أن المقصود من الصوم الشكر، فكل عمل يحصل به الشكر فهو مشروع؛ لأن الشكر هو علة الحكم وسببه، فكل عبادة في ذلك مثل الصوم في الحكم باتفاق العلماء، كأنه منصوص عليها عند بعضهم، أو هي مقيسة عليه عند الآخرين، أما غير العبادة من المباحات، التي تعبر عن الفرح فالأصل فيها الإباحة، ولا دليل على منعها.
ويرى ابن تيمية: أن السلف لم يعملوا الاحتفال بالمولد، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فهو بدعة، ويجيب الإمام السيوطي: بأن السلف لم ينقل عنهم فيه قول بمنع ولا مشروعية، فهم ساكتون، والحديث دليل إثبات، وهو مقدم إجماعاً على السكوت وعدم النقل المسمى بالاستصحاب.
والكلام في المسألة ليس بهذا الإيجاز الشديد، إنما هذا إجمال يأتي تفصيله في هذه الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ بنقل كلام الفريقين وحججهما، ومناقشتها دون تطويل، وقد جعلت المسألة في فصلين: أحدهما: في بيان معنى البدعة، وتعلقه بالمسألة، وثانيهما: في بيان مسألة المولد، والحوار فيها، وما توفيقي إلا بالله، ولكل امرئ ما نوى. { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يهتدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } [يونس:108]، { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة:7ـ8].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
________________________________________
الفصل الأول : في بيان معنى البدعة
الاحتفال بالمولد النبوي سنة أم بدعة ؟
إن الإجابة السديدة عن هذا تفرض علينا البدء ببيان معنى البدعة، ثم النظر في انطباق التعريف على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأحب أن أذكر بأنه ليس في تعريف البدعة خلاف حقيقي، كما يأتي في عرض الأقوال.
نوعا البدعة عند الإمام الشافعي:
ومن أقدم ما جاء في تعريفها قول الشافعي ـ رضي الله عنه ـ فيما رواه البيهقي في مناقب الشافعي (1/469): “المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير، لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان : (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى”.
فالشافعي رضي الله عنه يبين ما يعنيه سيدنا عمر بهذه الكلمة، فيشرح أولاً ما يعنيه بلفظ البدعة وهو: “أنها محدثة لم تكن” وهذا معنى عام للبدعة، يشمل كل شيء لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدث بعده، سواء كان له دليل من الكتاب والسنة، أو لم يكن ـ وهذا أقرب إلى المعنى اللغوي للبدعة ـ فلا بد من تقسيمه إلى قسمين:
أحدهما: ما أحدث وهو يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، بسبب مخالفتها لتلك الأدلة الشرعية.
وثانيهما: ما أحدث من الخير لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة؛ لأنها خير في ميزان الشرع، وإذا كانت خيراً في ميزان الشرع فهي حسنة، ولأنها لم تخالف أدلته.
________________________________________
ثم يشرح الشافعي سبب مدح سيدنا عمر واستحسانه لهذا العمل مع أنه سماه بدعة، فقال: “وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى” من الكتاب والسنة والأثر والإجماع، أي لا مخالفة فيها لشيء من ذلك. وقول الشافعي رحمه الله: “ما أحدث من الخير لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة” مبني على قول عمررضي الله عنه وموافقة أبي بكر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما له في أن جمع القرآن ـ وإن لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ مشروع؛ لأنه خير، حيث قال عمر فيما رواه البخاري عن زيد بن ثابت برقم (4402): “إني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري” فأبو بكر رضي الله عنه في بادئ الأمر يحتج بعدم فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر يحتج بأنه وإن كان كذلك فكونه “خيراً” يقتضي أن يكون مشروعاً، ثم وافق أبو بكر على أنه مشروع بدليل أنه خير، وكرر أبو بكر رضي الله عنه جواب عمر حين قال له زيد ـ في هذه الرواية نفسها ـ: “كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال أبو بكر: هو والله خير”، فهذا الجواب من الخليفتين الراشدين هو الجواب لكل من يستنكر اليوم ما أحدث من الخيرات بقوله: (لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة)؛ لأن الخير مأمور به في نص كتاب الله، موعود عليه بالفلاح: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُون } [الحج:77]، ومأمور بالدعوة إليه { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخيرِ} [آل عمران:104]، فالبدعة غير المذمومة ـ كما يظهر من كلام الشافعي رضي الله عنه ـ هي “كل خير لا يخالف أدلة الشرع”.
________________________________________
بيان أنه لا خلاف في الحقيقة على تعريف البدعة:
وهذا لا يختلف مع قول الذين يقولون: لا يوجد في الشرع بدعة حسنة؛ إذ المقصود بذلك عندهم: أن العمل الذي يخالف أدلة الشرع لا يمكن أن يستحسن شرعاً؛ لأن ذلك تناقض، وهذا ما صرح به ابن تيمية وليس المراد من النقل عنه تقديمه على غيره، إنما المراد بنقل كلامه ـ وهو ممن يميل إلى أن عمل المولد بدعة ـ بيان أن كلامه يقتضي ألا يكون الذين خالفوه في المولد مبتدعين حسب القواعد التي ذكرها هو إذ قال في الفتاوى (10/370): “المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كل بدعة ضلالة) متعين، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال: ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) وإما أن يقال: هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح، كما يبقى فيما عداها على مقتضى العموم، كسائر عمومات الكتاب والسنة”.
________________________________________
وهذا صريح في أن المعارض الراجح خصص عموم “كل بدعة ضلالة” وجعل الصورة المستثناة ليست ضلالة، ولا داخلة في هذا العموم، فالمراد بالمحافظة على العموم هنا ما صرح به في قوله: “يبقى فيما عداها على مقتضى العموم” أي ما عدا المسائل التي قام على تخصيصها دليل شرعي خاص راجح على هذا العموم، أي صار الحديث مخصوصاً؛ ولهذا قال: إن من جعل الحديث باقياً على عمومه، ومن جعله مخصوصاً يرجعان إلى مآل واحد، وذلك في الفتاوى (27/152): “البدعة الحسنة ـ عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة ـ لابد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة… فالبدعة عند هؤلاء: ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه(1) ، ومآل القولين واحد”؛ لأن الأول يجعل البدعة هي ما أُحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذ لابد أن يقسم إلى ما وافق الدليل وما خالفه، والثاني يجعل البدعة هي مالا يوافق الدليل، وهذا لا ينقسم إلى قسمين، بل هو الثاني نفسه. أما من يزعم أن كل ما حدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهد السلف بدعة دون تقسيم، فهذا يخالف القولين معاً.
الأدلة التي تنفي الابتداع عما يستثنى:
والدليل الشرعي الذي يثبت به حسن ما يسمى في اللغة بدعة، أو يخص به عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بدعة ضلالة) قد يكون نصاً، وقد يكون استنباطاً، كما بين ذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/587) فقال: “إما أن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع… وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم… ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً”.
__________
(1) وذلك لأن البدعة المنهي عنها إنما هي ما أحدث من العبادات بغير دليل، والعبادة إما واجبة أو مستحبة، أما غير العبادة فهي على عكس ذلك الأصل فيها الإباحة، ولا يحرم شيء منها ولا يكره إلا أن يأتي دليل عليه.
________________________________________
ومن الاستنباط أنه قد زاد سيدنا عثمان رضي الله عنه الأذان الأول يوم الجمعة، كما رواه البخاري برقم (870): عن السائب بن يزيد قال: “كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء”، وهو يعني أن الصحابة استنبطوا مشروعيته من القرآن أو السنة استنباطاً ـ إذ لا يعلم فيه نص خاص به، لكن لا بد من أن يكونوا قد اعتمدوا على نص، وإن لم يذكروا لنا النص الذي استنبطوا منه؛ لأن الإجماع لا بد له من مستند(1) ـ ثم أجمعوا على ذلك واستقر العمل عليه، “وما علم بالأدلة الشرعية” ـ المذكورة وهي الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً ـ “فهو من الدين الذي شرعه الله حتى لو تنازع أولو الأمر(2) في بعض ذلك” كما يصرح به ابن تيمية في الفتاوى (4/107).

__________
(1) لأن الإجماع يتكون من مجموع أقوالهم، أو ما يدل على موافقتهم، وكل واحد منهم لابد أن يكون قوله مبنياً على دليل شرعي، فمسائل الدين لا مصدر لها إلا أدلته.
(2) المراد بأولي الأمر: أهل العلم، أو الأمراء الذين يعملون بعلم، فعلى التفسيرين يكون من الخلاف في فهم الأدلة.
________________________________________
الأدلة وأقوال الأئمة في أن خطأ الاجتهاد ليس بدعة:
وذلك أن اختلاف أهل العلم في الاجتهاد لا يجعل أحد الفريقين مبتدعاً ـ حتى المخطئ منهم ـ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)(1) . والله لا يأجر على البدعة، بل البدعة تجعل صاحبها ضالاً وتجعله في النار (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)(2). وفي مسودة آل تيمية(3) عن الإمام أحمد: “قال: الحق عند الله واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطئ”. وفي حلية الأولياء(4) عن الإمام مالك: “شاورني الرشيد أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه؟ فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب”.
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المجتهد لا يستطيع أن يجزم بأنه على صواب في معرفة مراد الله تعالى، فقال فيما رواه مسلم برقم (1731)، وهو من وصاياه لبعض قادة الجيوش، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟) ومن لم يستطع أن يجزم بأنه على الصواب كيف يجزم بأن مخالفه على الخطأ؟!
__________
(1) البخاري، برقم (6919)، ومسلم، برقم (1716).
(2) النسائي برقم (1576) ومسلم، برقم (2002)، بدون لفظ (وكل ضلالة في النار).
(3) ص (498) لأن المجتهد لا يمكن أن يقطع لنفسه بأنه على الحق، كما صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الآتي قريباً.
(4) حلية الأولياء (6/333).
________________________________________
وجاء في رسالة الإمام الشافعي عند التعليق على حديث الاجتهاد الذي سبق ذكره(1) أنه سئل فأجاب: “ما معنى صواب وخطأ؟ قلت: مثل معنى استقبال الكعبة… يتحراها من غابت عنه… فنفس التوجه يحتمل صواباً وخطأ… فقال: [يعني السائل]: أفرأيت الاجتهاد أيقال له: صواب على غير هذا المعنى؟ قلت: نعم على أنه إنما كلف فيما غاب عنه الاجتهاد، فإذا فعل فقد أصاب بالإتيان بما كلف، وهو صواب عنده على الظاهر، ولا يعلم الباطن إلا الله تعالى”.
ولذلك قال ابن تيمية(2) : “فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل واحد منهم أقر الآخر على اجتهاده… فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك”. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المنكر على مخالفيه ـ إذا كانوا قد اعتمدوا على أدلة قال بها بعض الأئمة ـ فهو مخالف لهذا النهج متعد على مخالفيه.
__________
(1) الرسالة للإمام الشافعي ص (497).
(2) مجموع الفتاوى (20/292).
________________________________________
الفصل الثاني : الاحتفال بالمولد سنة أم بدعة ؟
وللإجابة عن المولد: أهو سنة أم بدعة؟ ينبغي أن يتحول السؤال إلى صياغة أخرى: هل قام دليل شرعي على استحبابه
فيكون سنة؟ أو لم يقم عليه دليل فيكون بدعة؟
وأدلة الشرع هي الكتاب والسنة القولية والعملية والإقرارية وما يستنبط منها، كما صرح به كل الأئمة، وسبق نقله عن ابن تيمية، وليس الدليل محصوراً في السنة الفعلية، كما يقول كثير من المتسرعين في التبديع: هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو بدعة، أو يقولون: لم يفعله السلف فهو بدعة.
وقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته “حسن المقصد في الاحتفال بالمولد” جماعة من العلماء استحبوا الاحتفال بالمولد منهم: ابن دحية، وابن الجزري، وابن ناصر الدمشقي، ومنهم: الحافظ ابن حجر، وكتبوا في ذلك فتاوى، وأقاموا عليها الأدلة، وأيدهم هو على ذلك، وهم أئمة مقتدى بهم، فلا يكون من وافقهم اقتناعاً بأدلتهم مبتدعاً؛ لأنه قصد اتباع الدليل، وكذلك لا يكون مبتدعاً من اتبع فهمهم للدليل ممن لا قدرة علمية له على النظر في الأدلة؛ لأنه بأمر الله اتبعهم، إذ قال تعالى: { فاسْأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل:43] (1).
وفي كثرة هؤلاء الأئمة وجه من الترجيح للمقلد، فقد عقد ابن تيمية في المسودة(2) فصلاً في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حالة الفتوى نقل فيه عن ابن هبيرة كلاماً طويلاً، ولم يعارضه، ومنه قوله: “إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز أن يعمل بقول الواحد”، ثم ذكر أن الأخذ بقول هذا الواحد ينبغي ألا يكون عن هوى وعصبية.

__________
(1) يزعم بعض الناس أن معنى الآية: اسألوهم عن الأدلة لتنظروا فيها، وتفقهوها على الوجه الحق، وتعملوا بها، وليس معناها اسألوهم عما فهموا، وقلدوهم فيه، أي هم يزعمون أن الآية مخصوصة غير عامة، فيقال لهؤلاء الزاعمين: عن أي شيء يسألهم الذي يعرف الدليل، ولا يعرف كيف يفقهه، وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ورب حامل فقه ليس بفقيه”.
(2) ص (538).
________________________________________
القائل بأن المولد بدعة:
وابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/619) قال عن المحتفلين بالمولد: “والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا”.
وقد ذكر السيوطي في رسالته السابقة(1) : أن الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي ـ المشهور بالفاكهاني ـ يرى الاحتفال بالمولد بدعة، وذكر أدلته تفصيلاً، وناقشه ورد عليه وأدلته المردود عليها لا تزيد على ما ذكر ابن تيمية عند التأمل الصحيح.
خلاصة الرد على مانع الاحتفال:
وخلاصة رد السيوطي: هي أن عدم فعل السلف إنما هو سكوت ، ولم يرد عنهم المنع من الاحتفال، والسكوت يحتج به عند عدم الدليل، فإذا وجد دليل إثبات ـ لاسيما الدليل القولي كالذي يأتي ذكره عن ابن حجرـ كان مقدماً على السكوت، فوجوده يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد سبقنا إلى القول بمشروعيته بواسطة ذلك الدليل، وذلك أهم ـ عند الاستدلال ـ من أن يكون السلف سبقونا إليه. أم ينبغي أن يقدم السكوت منهم على دليل الإثبات المأخوذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

__________
(1) حسن المقصد في عمل المولد) ضمن كتاب (الحاوي للفتاوي 1/294)، ط: المكتبة العصرية.
________________________________________
توضيح حول الاستدلال بعدم فعل السلف:
وقد ذكر ابن تيمية أن عدم فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتج به عند وجود دليل شرعي آخر، فقد قال عند كلامه عن دخول الحمام في الفتاوى (21/313): (ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه بكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخلها… إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء، وسائر الأدلة ـ من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى ـ هي أقوى وأكبر… فنفي الحكم بالاستحباب لانتفاء دليل معين من غير تأمل باقي الأدلة خطأ عظيم).
فيقال هنا لابن تيمية وموافقيه: لا يكفي عدم فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمولد في الاستدلال على عدم مشروعيته، بل لابد من تأمل باقي الأدلة، ولا سيما القولية نصاً واستنباطاً، وإذا كان انتفاء فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود قوله لا ينفي المشروعية، فانتفاء فعل السلف ـ مع وجود قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ أولى بأن لا ينفي المشروعية؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم حجة بنفسه لا يتوقف على غيره، وقد تأمل العلماء الآخرون باقي الأدلة، واستدلوا ببعضها، كما يأتي بيانه ـ إن شاء الله تعالى ـ قريباً.
________________________________________
وأما قول ابن تيمية: (إن السلف لم يفعلوه مع قيام المقتضي وعدم المانع) فإن هذا الاعتراض لا يصح إلا إذا كان القائلون بمشروعية المولد يجعلونه واجباً، أما الاستحباب فلا يصح الاعتراض عليه بهذا، فسيدنا عمر رضي الله عنه قال: إن الاجتماع في التراويح على قارئ واحد أمثل ـ أي أفضل ـ وترك ذلك سنتين من خلافته، ولم يطلبه منه أحد من الصحابة، ولم يقولوا: تركه أبو بكر وهو أفضل منك؛ لأن الأفضلية تقتضي الفعل ولا توجبه، وإلا لما كانت أفضلية، بل تكون إلزاماً، وكذلك استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس مع وجود أكثر العشرة المبشرين بالجنة، وهم أفضل، ومثل ذلك أن أهل المدينة في ولاية أبان بن عثمان ـ بين سنتي (76 و 83) ـ قد صلوا التراويح ستاً وثلاثين(1)، مع وجود صغار الصحابة وكبار التابعين، ولم ينكروا ذلك ، ولم يقولوا لهم: إن الخلفاء الراشدين تركوا هذه الزيادة، مع وجود المقتضي وهو التقرب إلى الله، ومع عدم المانع؛ وذلك لأن الترك ـ إذا وجد دليل قولي للاستحباب ـ يدل على عدم الوجوب، ولا يدل على وجوب الترك، سواء كان الذي أحدثوه فاضلاً أو مفضولاً، فالمفضول مشروع، يقابله مشروع أفضل منه وكلاهما حق وهدى، ومثله أيضاً أن الصحابة لم يبنوا مثلاً مستشفى للفقراء وقفاً لله تعالى، مع قيام المقتضي وعدم المانع، وقد فعل ذلك الملوك المتأخرون عنهم، فأقرهم أهل العلم، وقالوا: إنه من أفضل العمل؛ لدخوله ضمن عموم الصدقة الجارية في أقواله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يوجد مثله في أفعاله، فإن مقتضي وجود المستشفى للفقراء هو وجود المرضى والجرحى منهم، والمال المحتاج إليه كان موجوداً، لاسيما بعد الفتوحات العظمى، وذوو الخبرة موجودون، وهم الذين كانوا يعالجون الجرحى قبل وجود المستشفيات، ولا مانع من إقامة المستشفى، وكذا
__________
(1) مصنف ابن شيبة برقم (7689)، والمدونة (1/222ـ223) ط دار صادر، ومختصر المزني الملحق بالأم ص (26) تصوير دار المعرفة.
________________________________________
يقال في كل المستحبات: إن عدم فعلهم لها يدل على عدم الوجوب فقط، ولا يدل على عدم المشروعية، فإذا وجد دليل الاستحباب من أقواله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أي دليل آخر، فيستحب العمل به، ومنع العمل به استناداً إلى عدم فعلهم مخالف للاستدلال الشرعي من جهتين:
الأولى: أن عدم فعل الصحابة هو انتفاء دليل معين، لا يجوز الاعتماد عليه مع وجود دليل آخر هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو دليل إثبات، وعدم الدليل هو المسمى في أصول الفقه دليل الاستصحاب، وهو كما قال ابن تيمية في الفتاوى (23/15): “التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقاً، وأدنى دليل يرجح عليه… فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة… وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب الحال”.
________________________________________
الثانية: أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم دليل أصلي، أما فعل الصحابة ـ وكذا تركهم بالأولى ـ فهو ليس دليلاً أصلياً، وإنما يستدل به على تقدير أنه معتمد على دليل قوله أو فعله صلى الله عليه وآله وسلم، فترك قوله صلى الله عليه وآله وسلم للأخذ بقولهم معاكس لمنهج الاستدلال، كأنك تقول: أترك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عارض قول الصحابة أو فعلهم أو تركهم، وحقيقة الأمر أنه لا تعارض أصلاً، فالتعارض لا يتصور بين دليل الإثبات ودليل العدم ـ فلا يقال مثلاً في مسألة ثبتت بالسنة دون القرآن: قد تعارض فيها القرآن والسنة، وكذا لا يقال تعارض الحديث الدال على فضيلة المولد مع عدم فعل الصحابة، بل يقال: وجد له دليل من السنة، ولم يوجد له دليل من فعل الصحابة، وهذا الدليل كاف في إثبات الفضيلة ـ وإنما يتصور التعارض بين إثباتين، كما لو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً وفعل الصحابة خلافه، فيكون الترجيح من حيث الثبوت حينئذ لا بد منه، ولو كان عدم الفعل راجحاً لكان عدم فعله صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً راجحاً على فعل الصحابة، ولم يكن فعلهم دليلاً حينئذٍ.
ولو كان عدم وجود قول للسلف في المسألة دليلاً على عدم المشروعية لكان لا يحق للتابعين أن يتكلموا في مسألة سكت عنها الصحابة، وكان لا يحق لأتباع التابعين أن يتكلموا في مسألة سكت عنها التابعون، وهذا مخالف لما نص عليه الإمام أحمد، ففي مسودة آل تيمية ص (336): “قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل:… فإذا وجدت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد… فعن الخلفاء الأربعة… فإذا لم أجد فعن أصحابه الأكابر فالأكابر… فإذا لم أجد فعن التابعين وتابع التابعين”، ولو كان عدم الرواية حجة على عدم المشروعية لكان ينبغي للتابعين أن يقولوا لو كان خيراً لسبقنا إليه الصحابة، وكان ينبغي لأتباعهم أن يقولوا: لو كان خير لسبقنا إليه التابعون.
________________________________________
وما قاله الإمام أحمد مستند إلى ما رواه النسائي وجوّده عن ابن مسعود برقم (5397): (فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه…) ولو كان عدم الرواية دليلاً على عدم المشروعية لما صح أن يقول: (فليجتهد رأيه)، بل يقول: لو كان خيراً لسبقه إليه الصالحون قبله، فلا يجوز له أن يجتهد.
ومن قال: لو كان فعل المولد خيراً لسبقونا إليه يقال له: قد سبقنا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدلالة على مشروعيته بطريق الأولى، وإنكار الاستدلال بهذا الطريق خروج عن منهج الكتاب والسنة والسلف الصالح، كما يأتي في كلام ابن تيمية قريباً ـ إن شاء الله تعالى ـ وليس واجباً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغنا بطريق العمل في كل ما هو مشروع، بل السنة القولية دليل مستقل، لا يتوقف العمل به على ثبوت فعله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا فعل غيره؛ لأن القول أقوى من الفعل باتفاق، كما تقدم عن ابن تيمية ص (39) هنا.
________________________________________
دليل مُسْتَحِب عمل المولد:
وقد ذكر السيوطي: أن الحافظ ابن حجر استدل ـ على مشروعية عمل المولد، وتوقيت بعض الأعمال الصالحة وتخصيصها بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم من كل عام ـ بحديث قولي، هو حديث صوم عاشوراء في البخاري برقم (3216) ومسلم برقم (1130 مكرر) واللفظ له: “أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً، يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه” وفي رواية لهما “فنحن نصومه تعظيماً له”(1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فقال ـ كما في الحاوي ـ (1/302): “فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادة… وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم”.

__________
(1) في البخاري برقم (3727)، وفي مسلم برقم (1130).
________________________________________
توضيح استدلال ابن حجر:
وهذا استدلال منه ـ رحمه الله ـ بطريق الأولى، فإذا كانت نجاة موسى عليه السلام تستحق في مناسبتها السنوية شكرنا لله ـ عز وجل ـ فنجاة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يوم هجرته مثلاً أولى؛ لأن النعمة فيها أعظم، وكلما كانت النعمة أعظم كان شكرها أحق؛ ولذا قال الحافظ عن يوم المولد النبوي: “وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم”، فرسالته رحمة، كما قال الله تعالى: { وَمَاْ أَرْسَلْنَاْكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَاْلمَينَ } ، وذاته رحمة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا رحمة مهداة)(1) ، وكما قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهم } [الأنفال:33]، فمع أنهم كانوا كافرين، يتحدون نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان وجود ذاته صلى الله عليه وآله وسلم بينهم دافعاً للعذاب عنهم.
قوة الاحتجاج بطريق الأولى:
والاحتجاج بطريق الأولى من أقوى الأدلة، وتركه مباعدة لمنهج القرآن والسنة، قال عنه ابن تيمية في الفتاوى (21/207): “ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر… بل وكذلك قياس الأولى ـ وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق ـ فإنكاره من بدع الظاهرية، التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا”.
وفي الفتاوى (12/349): “الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل في العلوم الإلهية قياس الأولى”.

__________
(1) المستدرك (1/35) وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي.
________________________________________
شبهة موافقة أهل الكتاب:
وإذا ثبت بالدليل الشرعي استحباب إحياء ذكرى المولد سنوياً، أو ذكرى الهجرة سنوياً، لم يمنع من ذلك أن فيه موافقة لليهود أو النصارى، فإن موافقة اليهود في صوم عاشوراء أقوى، ومع ذلك لم يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وموافقتهم إنما تمنع فيما ليس له دليل شرعي.
فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بصوم تاسع المحرم ليخالفهم، فالجواب من وجهين:
أولهما: أنه لم يأمر به أمر إلزام، حتى يكون المقتصر على يوم عاشوراء آثماً، إنما التاسع زيادة فضيلة، فالموافقة حاصلة.
ثانيهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخالفهم، بل وافقهم في اليوم، لكن أضاف إليه يوماً آخر، واكتفى بهذا القدر من مخالفتهم، واحتفال المسلمين بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم فيه وجوه عدة من مخالفة اليهود في يوم عاشوراء بإضافة أعمالٍ غير الصوم، مأخوذة من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا فيه وجوه عدة من مخالفة النصارى في ميلاد نبيهم عليه الصلاة والسلام، فمع اختلاف الكيفية هناك مخالفتهم فيما يعملون من الشعارات الشركية، وشرب الخمور، وغير ذلك.
وخلاصة الأمر: أن أي عمل له دليل شرعي لا ينبغي تركه لأجل مخالفتهم، ومن تركه كان معترضاً على الأدلة.
أعمال المولد :
قال الحافظ ابن حجر في تمام كلامه السابق المنقول عن الحاوي (1/302): “وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى… من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية… وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك، فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحاً، بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه، وما كان محرماً أو مكروهاً فيمنع”. كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى.
________________________________________
الدليل على أعمال الشكر الأخرى :
ولم يقيد الحافظ الشكر بالصوم، وإن كان المذكور في هذا الحديث وفي حديث صوم كل يوم اثنين(1) هو الصوم؛ وذلك لأن حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما قال في فتح الباري (5/799): “يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب، وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى عليه السلام”. وعلماء الأصول يقولون: إذا نص الشارع على حكم ، ونص على علته ـ أي على السبب المقصود من مشروعيته ـ فكل عمل يحصل به ذلك المقصود فهو مراد لله بنص الشرع، وفي مسودة آل تيمية (2/736): “الحكم المتعدي إلى الفرع بعلة منصوص عليها مراد بالنص”. فكل ما يحصل به الشكر مشروع بدلالة الحديث كأنه مذكور في الحديث نصاً(2).

__________
(1) “سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه)” كما في صحيح مسلم برقم (1162)، ومعناه أنه يوم أنعم الله فيه علينا بهاتين النعمتين اللتين كانتا فيه، فاستحق أن نصوم فيه.
(2) هذا مذهب الإمام أحمد وأصحابه كما في (شرح الكوكب المنير4/221)، وقال الشوكاني في (إرشاد الفحول 2/882): “واعلم أنه لا خلاف في الأخذ بالعلة إذا كانت منصوصة، وإنما اختلفوا هل الأخذ بها من باب القياس أم من العمل بالنص، فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني النافون للقياس”. ونفي القياس مشهور عن الظاهرية.
وقال الزركشي في (البحر المحيط4/199): “هل عم بالصيغة أو بالقياس؟ على قولين محكيين عن الشافعي، والصحيح أنه بالقياس” ونحوه في (تيسير التحرير 1/259) ومؤلفه حنفي.
________________________________________
عمل المولد صورة من مجالس شكر الله تعالى:
والاجتماع لشكر الله على هدايته سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عمل بها أصحابه، فأثنى عليهم أعظم الثناء، كما جاء في صحيح مسلم برقم (2701) عن معاوية رضي الله عنه، وفيه قوله: (وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)، فالاجتماع على حمد الله تعالى على نعمة الإسلام والتفضل به سنة، والاجتماع لشكر الله تعالى على نعمة إيجاد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جملة ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم دعانا إليه، وهو الصورة العملية لكتاب الله تعالى، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لمن سألها عن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم: (ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان القرآن)كما رواه مسلم برقم (746).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر بعض تفصيلات العبادة التي تؤدى شكراً في كلامه السابق “من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية”.
أما التلاوة شكراً فمأخوذة من قوله تعالى: { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } [البقرة:198]، والقرآن أفضل الذكر، مع أن الذكر يحصل بالتهليل والتسبيح والدعاء، وكل ما يسمى في الشرع ذكراً كالتكبير، قال الله تعالى: { و اشكروا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [البقرة:185].
والإطعام شكراً ذكر في قوله تعالى: { إِنَّا أعطيناك الكوثر (1) فَصَلِّ لرَبِّك و انْحَرْ } [الكوثر:1ـ2]، والنحر مراد منه أن يطعمه الفقراء، وإطعامهم صدقة، وباب الشكر بالصدقة واسع.
________________________________________
هل يحصل الشكر بعمل المباحات؟
وأما حصول الشكر بالمباحات ـ التي تعمل في المولد ـ فقد جاء ما يدل عليه في مسند الإمام أحمد برقم (22989) وبرقم (230011)(1) : “أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: (أوف بنذرك)”. قال الخطابي في معالم السنن(2) : “ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي تتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم… صار فعله كبعض القرب، التي هي من نوافل الطاعات؛ ولهذا أبيح واستحب في النكاح… ومما يشبه هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحسان لما استنشده وقال له: كأنما ينضح به وجوه القوم، وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهما”(3)، وكذلك الفرح بمولده وبذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلم، وضرب الدف في ذلك صار فعله كبعض القرب، مثلما كان إعلان الفرح بعودته سالماً كبعض القرب، حتى علق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله على النذر، وكان وفاء به بأمره صلى الله عليه وآله وسلم.
الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم أمر إلهي:
على أن الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم داخل تحت امتثال قوله تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ و بِرَحْمَتِهِ فبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } [يونس:58]، وهو صلى الله عليه وآله وسلم “رحمة” كما جاء في الحديث (إنما أنا رحمة مهداة).
__________
(1) والترمذي في سننه برقم (3690) وقال: “حسن غريب”، وابن حبان في صحيحه برقم (4386) وسنن أبي داود برقم (3312) ط: المكتبة العصرية.
(2) 4/382) ط: دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.
(3) أما الشعر الذي عده الخطابي من المباحات التي صارت كبعض العبادات، فهو ما كان فيه أغراض شعرية أخرى.
________________________________________
وما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره من أعمال المولد إنما هو مظهر لهذا الفرح، مع كونه مقصوداً به شكر الله تعالى على هذه النعمة العظمى،
فضائل مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
ثم إن إظهار السرور في المدائح النبوية أقوى وأظهر من ضرب الدف، وقد عده الحافظ ابن حجر في كلامه عن المولد قبل المباحات، وعطفه على أنواع العبادات، وقد ذكر في فتح الباري(1) (13/566): أن المدح “ربما كان مستحباً”، وسبقه إلى تفصيل ذلك النووي في شرح صحيح مسلم(2) فقال: “إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد فيه، والدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحباً” ولا ريب أن مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحصل به الحث على الاقتداء به وعلى حبه صلى الله عليه وآله وسلم؛ وجاءت روايات كثيرة أنه كان الصحابة يمدحون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشعر، كما روى البخاري برقم (1104) عن أبي هريرة مديح عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله:
وفينا رسول الله يتلو كتابه … إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وفي صحيح مسلم برقم (2490): عن عائشة قول حسان يرد على من هجا النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
هجوت محمد براً تقياً … رسول الله شيمته الوفاء
وفي صحيح مسلم برقم (2489) عنها أيضاً قول حسان يمدح بعض بني هاشم، ويرد على من هجا منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
وإن سنام المجد من آل هاشم … بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
وبرقم (2488) عن مسروق قول حسان في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
__________
(1) ط: دار أبي حيان.
(2) ط: دار المعرفة، تحقيق: خليل مأمون شيحا.
________________________________________
ثم إن في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم شكراً لله عز وجل على إرساله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفاناً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجميل، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو داود(1) برقم (4814): (من أبلي بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره)، وفي سننه أيضاً برقم (4779) ورجاله رجال الصحيحين “أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: (لا، ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم)” والثناء عليهم هو ذكرهم بالخير، وهو مديح، وقد بين الحديث أن ذلك الثناء يجعلهم شركاء في الأجر هم والأنصار، الذين آووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو أجر عظيم غاية العظم، والأجر لا يكون إلا على طاعة لله.
وفي مدحه صلى الله عليه وآله وسلم شهادة له بما شهد الله له به من البلاغ وحسن الخلق، وكونه قدوة الخير، وفي ذلك أجر عظيم أيضاً.
ردٌ على منكري مدحه صلى الله عليه وآله وسلم:
وبهذا يعرف أن الذين يستنكرون مدحه صلى الله عليه وآله وسلم، ويستدلون بحديث “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم” البخاري برقم (3261) يعرف أنهم استدلوا بالحديث في غير موضعه، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: “والإطراء المدح بالباطل”(2) ، وحتى لو كان الإطراء بمعنى المدح مطلقاً فإن تتمة الحديث توضحه وتقيد النهي بأن يكون عن المدح المجاوز للحد كما فعلت النصارى، فإنه لم يقل لا تطروني، ولكن قال: “لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم” .
__________
(1) ط: دار الفكر، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير.
(2) فتح الباري (8/327) ط: دار أبي حيان.
________________________________________
وفعل الصحابة في حضوره صلى الله عليه وآله وسلم، وإقراره لهم على مدحه، وحثه للمهاجرين على أن يثنوا على الأنصار يوضح حديث النهي عن الإطراء تمام الإيضاح، ويدفع كل الشبهات التي يتمسك بها الناهون عن مديحه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الإمام الطبري في تفسيره (1/482): “معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله”.
وأما الذين يقولون إنه صلى الله عليه وآله وسلم غني بمدح ربه له في القرآن عن كل مديح فهم مغالطون؛ لأن محبي مدحه لا يمدحونه لأنه محتاج إلى المدح، بل لينالوا بمدحه العمل بالفضائل التي تقدم ذكرها، فنعوذ بالله من التحايل على أدلة الشرع، وضرب بعضها ببعض، ونسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا حباً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وآله وصحبه وورثته، وأن يملأها سروراً به وبمدحه صلى الله عليه وآله وسلم.
وإنشاد الشعر في هذه المناسبة ـ وفيه ذكر شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو من باب التذكير بنعمة إيجاده وإرساله وجعله أسوة للمؤمنين، قال الله تعالى فيه: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران:164]، وكان الذين ينشدون في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم يريدون ذلك التذكير، كما صرح في رواية البخاري برقم (5972) عن سلمة بن الأكوع قال: “خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فقال رجل من القوم: أي عامر لو أسمعتنا من هناتك، فنزل يحدو بهم يذكر: تالله لولا الله ما اهتدينا”، فقوله: “يحدوا بهم يذكر” نص على قصده من إنشاد ذلك الشعر، وقد روى البخاري تمام هذا الشعر في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (3960) وهو:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا… ولا تصدقنا ولا صلينا
________________________________________
فاغفر فداء لك ما أبقينا …وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا … إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
والتذكير معناه: الحث على الذكر بمعناه الواسع، وهو هنا بمعناه الخاص، وهو شكر الله عز وجل على هدايته وعلى إرساله سيد المرسلين إلى هذه الأمة؛ لأن هداية الله به كانت، وقد جعله الله واسطة الهداية، بل سماه هادياً فقال:
{ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [الشورى:52]، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من لم يشكر الناس لم يشكر الله”(1) .
استحباب عمل المولد كل يوم اثنين:
وإذا كان الاحتفال السنوي وتوقيته يستند في المشروعية إلى حديث صوم عاشوراء؛ لأن كلاً منهما شكر لله على نعمة عظيمة، فإن الاحتفال الأسبوعي في يوم الاثنين أظهر وأقوى دليلاً؛ لأن صوم يوم الاثنين عبادة شرعت خصوصاً بمناسبة مولده صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في الحديث في صحيح مسلم برقم (1162): “سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه)” وهذا بيان منه صلى الله عليه وآله وسلم لعلة استحباب صومه، وهذه العلة تتحق بكل عبادة يقصد بها شكر الله تعالى على مولده صلى الله عليه وآله وسلم، كما تقدم تفصيل ذلك في التعليق على كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله، والعادات المباحة التي تقترن بذلك لا تحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل فيها الإباحة، فإذا أضيف إلى ذلك قصد الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم كان أقرب إلى المشروعية، كما سبق في حديث أبي داود ـ عن الدف ـ وتعليق المحدثين عليه، والله تعالى أعلم.

__________
(1) مسند أحمد برقم (7504) ط: مؤسسة الرسالة، وسنن الترمذي برقم (1954)، وقال: حسن صحيح، ط: موسوعة السنة، دار الدعوة وسحنون.
________________________________________
استحباب الاحتفال بيوم الهجرة:
وفي ختام هذه الرسالة لا بد من التذكير بأن الاحتفال بيوم هجرته صلى الله عليه وآله وسلم هو مثل الاحتفال بيوم مولده في المشروعية، بل هو أقوى؛ مشابهة ليوم عاشوراء في أنه يوم نجى الله فيه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من مكر الذين كفروا، كما قال سبحانه: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يخرجوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خيرُ المَاكِرِينَ} [الأنفال:30]، فإذا كان مشروعاً لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تشكر الله تعالى على نجاة كليم الله موسى عليه الصلاة والسلام، فشكر الله على نجاة نبيها محمد سيد الأنبياء والمرسلين في يوم هجرته أحق من جهة زيادة فضله، ومن جهة خصوصيته بهذه الأمة، والشكر كما يحصل بالصوم يحصل بأنواع العبادة ـ كما تقدم تفصيله ـ و ما يقترن بذلك من العادات المباحة، كضرب الدفوف والإنشاد، فالعادات الأصل فيها الإباحة، فلا تحتاج إلى دليل إذا فعلت في أي وقت، وفعلها سروراً بنجاته صلى الله عليه وآله وسلم يجعلها في معنى ضرب الدف عنده صلى الله عليه وآله وسلم يوم عودته سالماً، كما سبق في حديث أبي داود، وشرح أئمة الحديث له .
________________________________________
الخاتمة
وليست هذه العجالة لعرض تفصيلات الأدلة، فهي أوسع كثيراً من هذه العجالة، ومن أراد معرفة الأدلة فلينظر رسالة السيوطي وأمثالها، إنما المراد هنا أن يتبين المسلم أن الاحتفال بالمولد استحبه بعض الأئمة المقتدى بهم، ولهم على ذلك أدلة شرعية، وهذا كاف في دفع تهمة الابتداع، كما سبق في كلام ابن تيمية نفسه، فإن كان يريد بقوله عن عمل الذين يعملون المولد: إنه بدعة بحسب فهمه واجتهاده، فهذا رأيه، والله لا يحاسبهم على هذا الرأي؛ لأنهم عملوا بفتوى غيره، وإن كان يريد أنهم مبتدعون عند الله، فقواعده التي تقدم ذكرها ترد عليه، وليس ضرورياً لأهل العلم في المسائل الخلافية وأدلتها أن يقتنع بها مخالفوهم فيها، وإلا لم تكن من المسائل الخلافية، والله يحاسب العلماء حسب علمهم، لا حسب علم مخالفيهم، ولو حاسبهم حسب علم مخالفيهم لم يبق عالم غير مبتدع، حتى من الصحابة، وميزان الله في محاسبة العلماء قد بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، والله تعالى لا يأجر على البدعة.
ومعنى هذا أن الله لا يجعل من خالف باجتهاده صواب الدليل الذي يعلمه ربه سبحانه، أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مبتدعاً، فكيف يحق لعالم مهما اتسع علمه وتحقيقه أن يجعل المبتدع هو من خالف علمه من الدليل؟! ألا يكون ـ لو فعل ذلك ـ قد جعل لنفسه من الحق ما لم يجعله رب العالمين لنفسه؟! وادعى لنفسه أمراً لم يكن يدعيه الخلفاء الراشدون، الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)(1).
__________
(1) سنن ابن ماجه برقم (42) ط: دار الفكر، وسنن الترمذي برقم (2676)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ط: موسوعة السنة، والمستدرك (1/97) ط: دار الفكر.
________________________________________
وإذا كان الذين ينكرون الاحتفال بالمولد يدعوننا إلى اتباع الدليل بحسب فهمهم، لا بحسب فهمنا، ولا فهم الأئمة الذين استحبوا الاحتفال بالمولد، فهذه دعوة إلى التقليد، لا إلى اتباع الدليل من الكتاب والسنة النبوية، فهم ينكرون تقليد الأئمة، إلا أئمة فئتهم، فتقليدهم واجب، والخروج عنه بدعة، أما الأئمة الذين خالفوهم، فلا يجوز اتباعهم تقليداً، ولا الاتفاق معهم في فهم الأدلة؛ لأنهم مبتدعة خارجون عن مذهب السلف، رغم أن السلف لم يكن أحد منهم يبدع مخالفيه في فهم الدليل.
وإذا وجدنا في كلام بعض السلف أنه قال عن عمل يستحبه غيره: “إنه بدعة” فمعنى ذلك أنه بدعة بحسب علمه وفقهه للدليل، ولا يمكن أن يقصد بذلك أن الله يحاسب من خالفوا فقهه للدليل على أنهم مبتدعة؛ لأن هذا ـ لو قصده ـ خلاف صريح لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، أما إذا كان الصواب مع مخالفيه، فحينئذ يكون ما قصده خلافاً صريحاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران).
أخيراً أحب أن أقول كلمة للإخوة الذين ظنوا أن عنوان الفصل الثاني من هذه الرسالة يجعل المحتفلين بالمولد والمبدعين لهم سواء في الموقف، أقول لهم: إن العبرة بالأدلة، وهي تجعل المحتفلين أقوى وأقوم موقفاً، وأما مجيء العنوان على هذا الوجه فهو على نهج قوله تعالى: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24]، والآية تخاطب الكافرين، فمخاطبة المؤمن الذي يجعلنا مبتدعين بقولنا له: (أنحن المبتدعون أم أنت؟!) جائز من باب الأولى، والله الموفق للصواب بفضله.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
________________________________________
فهرس الموضوعات
1ـ الافتتاحية
2ـ المقدمة
3ـ الفصل الأول: في بيان معنى البدعة
4ـ الاحتفال بالمولد النبوي سنة أم بدعة؟
5ـ نوعا البدعة عند الإمام الشافعي
6ـ بيان أنه لا خلاف في الحقيقة على تعريف البدعة
7ـ الأدلة التي تنفي الابتداع عما يستثنى
8 ـ الأدلة وأقوال الأئمة في أن خطأ الاجتهاد
ليس بدعة
9ـ الفصل الثاني: الاحتفال بالمولد سنة أم بدعة
10ـ القائل بأن المولد بدعة
11ـ خلاصة الرد على مانع الاحتفال
12ـ توضيح حول الاستدلال بعدم فعل السلف
13ـ دليل مُسْتَحِب عمل المولد
14ـ توضيح استدلال ابن حجر
15ـ قوة الاحتجاج بطريق الأولى
16ـ شبهة موافقة أهل الكتاب
17ـ أعمال المولد
18ـ الدليل على أعمال الشكر الأخرى
19ـ عمل المولد صورة من مجالس شكر الله تعالى
20ـ هل يحصل الشكر بعمل المباحات؟
21ـ الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم أمر إلهي
22ـ فضائل مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم
23ـ ردٌ على منكري مدحه صلى الله عليه وسلم
24ـ استحباب عمل المولد كل يوم اثنين
25ـ استحباب الاحتفال بيوم الهجرة
26ـ الخاتمة
________________________________________

الكتاب : الحياة البرزخية المؤلف : الدكتور عمر عبدالله كامل

الكتاب : الحياة البرزخية
المؤلف : الدكتور عمر عبدالله كامل
(سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح)
الحياة البرزخية
للدكتور
عمر عبدالله كامل
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي جعل محمدًا رحمة للعالمين، وأغاث برحمته عموم المخلوقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الكمال، خير من تضرب له أكباد المطي وتشد إليه الرحال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل.
وبعد:
فهذه سلسلة «مفاهيم يجب أن تصحح» ، والتي فاز بقدم السبق فيها المرحوم السيد الأستاذ الدكتور محمد علوي المالكي رحمه الله، وجمعنا به في جنات النعيم.
وكم كان مصيبًا حينما نادى منذ أمد بعيد بتصحيح هذه المفاهيم، فالسكوت عن مجازفة البعض -والتي وصلت إلى حد التكفير والاتهام بالشرك بسبب المغالاة في هذه المفاهيم، وجَعْل بعضها من العقائد وهي من الفروع- أحدث كثيرا من الفتن التي نحصد اليوم نتائجها.
والمفهوم الذي بين يدينا هو الثاني هذه المفاهيم بعد المقدمة العامة للسلسة، وهو مفهوم « الحياة البرزخية » .
بَينت في هذه الرسالة ما يكون في الحياة البرزخية، وكيف أن الأنبياء والصالحين أحياء في قبورهم بما لا يبقي موضعا للشك، { لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } .
واللهَ أرجو القبول والتوفيق إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
د. عمر عبدالله كامل
في محرم 1426هـ
القاهرة – مصر
________________________________________
معنى الحياة البرزخية
الحياة البرزخية هي: مرحلة بين الحياة الدنيا والآخرة مختصة بالأرواح، دون الأجساد تتطلع فيها الأرواح على الحياة الدنيا وتبلغهم عنها أخبارها.
وقد يجرون فيها تصرفات بأمر الله من عون ودعاء ونصر على حسب مكانة العبد بعد انتقاله شهيدًا أو نبيًا أو وليًا أو من الصالحين ومنها الظهور في الرؤيا والمنامات وغيرها كما أنها تشاهد ملاذ الجنة للمؤمنين أما الكافرون فيشاهدون منها عذاب النار.
وقد ورد في الحديث:
«… فينادي مناد من السماء أن صدق فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة والبسوه من الجنة وأروه منزله من الجنة قال ويمر له في قبره ويأتيه روح الجنة وريحها قال فيفعل ذلك به ويمثل له رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك وجه الخير ويبشر بالخير قال فيقول أنا عملك الصالح قال فهو يقول رب أقم الساعة أرجع إلى أهلي ومالي ثم قرأ { يثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } وأما الفاجر…. فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وأروه منزله من النار قال فيضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه قال ويأتيه ريحها وحرها قال فيفعل به ذلك ويمثل له رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد قال فيقول من أنت فوجهك الوجه يبشر بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث، قال وهو يقول: رب لا تقم الساعة»(1).
إن الحياة البرزخية هي: الشعور التام والإدراك الكامل والمعرفة الصادقة فإنها حياة طيبة صالحة دعاء وتسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وذكر، فإن الموت ليس بعَدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد موتهم وقتلهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وهذه صفة الأحياء في الدنيا.

__________
(1) المستدرك للحاكم (1/94) ح (107). وعبدالرزاق في مصنفه (3/582 (6737).
________________________________________
[ حياة الأنبياء والشهداء ]
وثبت بنصوص السنة وإجماع الأمة حياة الأنبياء في قبورهم بأكمل وجوهها وليس هذا بمستغرب فالله قد أخبرنا عن الشهداء – وهم أقل درجة من الأنبياء- فقال: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } (1).
فإذا كانت الحياة معناها هو بقاء الروح فلا تفنى ولا تبلى فلا مزية للشهيد يستحق أن تذكر وتشهر إذ أرواح جميع بني أدم باقية لا تفنى ولا تبلى وهو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم كما حققه الشيخ ابن القيم في كتاب الروح.
فلابد من وجود مزية ظاهرية يزيد بها الشهداء على من سواهم وإلا كان ذكر حياتهم عبثا لا فائدة منه خصوصا وأن الله تعالى نهى أن نقول عنهم أموات فقال: { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ } (2). حينئذ نقول أنه لابد من أن تكون حياتهم أكمل من غيرهم وأشرف وهذا ما يؤيده ظاهر النصوص فأرواحهم مرزوقة ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها كما قال تعالى: { عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ثم إحساسهم بذلك الطعام والشراب والنعيم إحساس كامل بشعور تام وتلذذ وتمتع حقيقي كما جاء في الحديث: «فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا» (قال ابن كثير رواه أحمد).
وأرواحهم لها تصرف أكبر من غيرها وأوسع فهي تتجول وتسرح في الجنة حيث تشاء ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش (كذا في الصحيح). وهم يسمعون الكلام ويفهمون الخطاب.
وإذا ثبت هذا في حق الشهداء ثبت في حق الأنبياء من وجهين:
__________
(1) آل عمران:169.
(2) البقرة:154.
________________________________________
أولا: أن هذه رتبة شريفة أعطيت للشهيد كرامة له ولا رتبة أعلى من رتبة الأنبياء ولا شك أن حال الأنبياء أعلى وأكمل من حال جميع الشهداء فيستحيل أن يحصل كمال للشهداء ولا يحصل للأنبياء لا سيما هذا الكمال الذي يوجب زيادة القربى والزلفى والنعيم والأنس بالعلي الأعلى.
الثاني: أن هذه الرتبة حصلت للشهداء أجرًا على جهادهم وبذلهم أنفسهم لله تعالى والنبي – صلى الله عليه وسلم – هو الذي سن لنا ذلك ودعانا إليه وهدانا له بإذن الله تعالى وتوفيقه وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: « من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة فكل أجر حصل للشهيد من أتباع النبي – صلى الله عليه وسلم – حصل للنبي – صلى الله عليه وسلم – مثله والحياة أجر فيحصل للنبي – صلى الله عليه وسلم – مثلها.
وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى.
وذكر القرطبي أن أجساد الشهداء لا تبلي، وقد صح عن جابر أن أباه وعمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنهم وهما ممن استشهدا بأحد ودفنا في قبر واحد فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة، ولما أجرى معاوية العين التي استنبعها بالمدينة وذلك بعد أحد بنحو من خمسين سنة، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة – رضي الله عنه – فسال منه الدم ووجد عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس، وروى كافة أهل المدينة أن جدار النبي – صلى الله عليه وسلم – لما انهدم أيام الوليد بدت لهم قدم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وكان قد قتل شهيدا.
وقد ذكر ابن تيمية: أنه لما حصل الهدم بدت لهم قدم بساق وركبة ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة، فقال: هذه ساق عمر وركبته فسري عن عمر بن عبد العزيز. (1) اهـ
__________
(1) اقتضاء الصراط المستقيم 365.
________________________________________
وقد ألف في هذا الموضوع الإمام الحجة أبو بكر بن الحسين البيهقي رسالة خاصة جمع فيها جملة من الأحاديث التي تدل على حياة الأنبياء وبقاء أجسادهم، وكذلك ألف الحافظ جلال الدين السيوطي رسالة خاصة بذلك.
وثبت صلاة الأنبياء في قبورهم كما في حديث مسلم والبيهقي.
عن انس – رضي الله عنه – أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – « … قد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي … »(1) الحديث.
وقال أيضًا: «أتيت على موسى ليلة أسرى بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره»(2).
وصلاة نبي الله موسى في قبره تدل على أن الأموات يعملون وإن كانوا غير مكلفين ولا ينتفعون بهذه العبادة ولكن حبًا في هذه العادة وكل منهم في العبادة التي كان أشد حبا لها ومنهم من كان يقرأ القرآن ومنهم من يصلي ومنهم من يذكر وغيره.
[ حياة سيد الأنبياء والرسل خير من خلق الله سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – ]
ورد أن صلاتنا معروضة عليه – صلى الله عليه وسلم – وأن سلامنا يبلغه فعنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: « أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت- يقولون بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء » (3).
وعن عمار بن ياسر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وكل بقبري ملكا أعطاه الله أسماء الخلائق فلا يصلي عليّ أحد إلى يوم القيامة إلا بلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك».
__________
(1) مسلم (ح172)
(2) مسلم (ح2375)
(3) أخرجه النسائي (ح رقم1374- ترقيم الشيخ أبو غدة) وأبو داود (ح 1047 -ترقيم محي الدين عبدالحميد (حديث صحيح)، وابن ماجة في موضعين (ح 1636) و (1085) عبدالباقي ، وكذلك الدارمي (ح1526).
________________________________________
رواه البزار وأبو الشيخ وابن حبان ولفظه: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تبارك وتعالى وكل ملكا أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت فليس أحد يصلي علىّ صلاة إلا قال: يا محمد صلى عليك فلان ابن فلان قال: فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشرا»(1).
ومنها عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة وإن أحدا لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها» قال: قلت: وبعد الموت؟ قال «وبعد الموت إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق»(2) قلت: مثله مثل الشهادة فكما هم أحياء يرزقون فهو أكمل منهم – صلى الله عليه وسلم – وهو حي ويرزق.
ونقل ابن القيم في كتاب الروح نقلا عن أبي عبد الله القرطبي: «صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه – صلى الله عليه وسلم – اجتمع مع الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء خصوصا موسى وقد أخبر: «ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».
إلى غير ذلك ما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم»(3)أهـ.
ورد أن أعمالنا تعرض عليه فيدعو للمحسن ويستغفر للمسيء كما في حديث عرض الأعمال.
__________
(1) رواه الطبراني في الكبير بنحو من الترغيب (2/500).
(2) أخرجه ابن ماجه (ح1637) عن أبي الدرداء وله شواهد تقويه فهو حسن لغيره.
(3) كتاب الروح ابن القيم ص43.
________________________________________
أخرج البزار في مسنده عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم » (1).
واستنبط سعيد بن المسيب عرض الأعمال عليه من القرآن فروى ابن المبارك عنه أنه قال: ليس من يوم إلا ويعرض فيه على النبي – صلى الله عليه وسلم – عمل أمته غدوة وعشيا ولذلك يشهد عليهم قال تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً } (2).
[عودة إلى حياة الشهداء ومن في حكمهم من الصالحين واهتمامهم بذويهم في دار الدنيا ]
وروى مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل فأطلع عليهم ربهم إطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا»(3).
__________
(1) حديث صحيح، صححه جمع كبير من الحفاظ، وهو في مجمع الزوائد (9/24) وقال البزار رجاله رجال الصحيح.
(2) النساء:41).
(3) مسلم (ح 1887).
________________________________________
وروى البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذات يوم فقال «يا جابر مالي أراك مهتما؟» قال: قلت يا رسول الله استشهد أبي وترك دينا وعيالا قال: فقال «ألا أخبرك ما كلم الله أحد قط إلا من وراء حجاب وأنه كلم أباك كفاحا»(1).
قال علي: والكفاح المواجهة «قال سلني أعطك قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب عز وجل أنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون قال أي رب فأبلغ من ورائي فأنزل الله { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } (2) الآية..»أ.هـ كلام الحافظ ابن كثير(3).
وفي هذه الأحاديث أنه سبحانه وتعالى أكد عليهم أن يسألوه حتى يجيبهم وأن الآية الكريمة { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا } نزلت بعد أن طلب عبد الله أبو جابر أن يبلغ الله سبحانه من في الدنيا عنهم وشهداء بئر معونة طلبوا من الله أن يبلغ قومهم عن حالهم.
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقونهم من خلفهم وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم عند ربهم يرزقون وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون.
الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم.
الثالث: أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضا مثل يتباشرون. وقد تواترت المرائي بذلك. فمنها:
ما ذكره صالح بن بشير قال: رأيت عطاء السلمي في النوم بعد موته فقلت له: يرحمك الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا.
فقال: أما والله لقد أعقبتني ذلك فرحا طويلا وسرورا دائمًا.
فقلت في أي الدرجات أنت؟ .
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (3/224)
(2) آل عمران:169)
(3) انظر تفسير ابن كثير عند الآية 169 سورة آل عمران.
________________________________________
قال: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. أهـ(1).
كل هذا عن دعائهم وهو مستجاب قال تعالى: { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ } فهل يقتصر تصرف هذه الأرواح العلوية الطاهرة على الدعاء؟
وذكر ابن أبي الدنيا في كتابه (أهوال القبور) عن تماضر بنت سهل امرأة أيوب بن عيينة قالت: رأيتُ سفيان بن عيينة في النوم، فقال: جزى الله أخي أيوب عني خيرًا، فإنه يزورني كثيرًا وقد كان عندي اليوم. فقال أيوب: نعم حضرت الجَبَّانة اليوم فذهبت إلى قبره.
وهذه القصة تثبت كغيرها علم الأرواح بمن يزورهم يقول ابن القيم: «وصحَّ عن حماد بن سلمة، عن ثابت ، عن شهر بن حوشب، أن الصعب بن جثامة، وعوف بن مالك، كانا متآخيين، قال صعب لعوف، أي أخي، أيُّنا مات قبل صاحبه فليتراء له. قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم. فمات صعب فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه قد أتاه، قال: قلت: أي أخي، قال: نعم، قلت: ما فُعَل بكم؟ قال: غُقر لنا بعد المشاق.
قال: ورأيتُ لمعةً سوداء في عنقه، قلت: أي أخي؛ ما هذا؟ قال: عشرة دنانير استلفتُها من فلان اليهودي فهن في قَرَني فأعطوه إياها، واعلم أخي؛ أنه لم يحدثْ في أهلي حَدَثٌ بعد موتي، إلا قد لحقَ بي خبرهُ ، حتى هرّة لنا ماتت منذ أيام، واعلم أنَّ بنتي تموتُ إلى ستة أيام فاستوصوا بها معروفًا.
__________
(1) كتاب الروح لابن القيم ص24.
________________________________________
فلما أصبحت قلت: إنَّ في هذا لمعلمًا. فأتيتُ أهله فقالوا: مرحبًا بعوف، أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم، لم تقربْنا منذ مات صعب. قال: فاعتللتُ بما يعتلُّ به الناس، فنظرت إلى القَرَنِ فأنزلته، فانتثلت ما فيه فوجدتُ الصرّة التي فيها الدنانير، فبعثتُ بها إلى اليهودي، فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال: رحم الله صعبًا كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي له. قلت: لتخبرني. قال: نعم، أسلفتُه عشرة دنانير، فنبذتها إليه، قال: هي والله بأعيانها، قال: قلت هذه واحدة.
قال: فقلت: هل حَدَثَ فيكم حَدَثُ بعد موت صعب؟ قالوا: نعم، حدث فينا كذا حدث، قال: قلت: اذكروا، قالوا: نعم! هِرّة ماتت منذ أيام، فقلت: هاتان اثنتان.
قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب، فأتيت بها فمسستُها فإذا هي محمومة، فقلت: استوصوا بها معروفًا، فماتت لستة أيام.
وهذا من فقه عوف رحمه الله، وكان [ من ] الصحابة، حيث نفذ وصية الصعب بن جثامة بعد موته، وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبرهم بها من أن الدنانير عشرة وهي في القرن، ثم سأل اليهودي فطابق [ قوله ] لما في الرؤيا، فجزم عوف بصحة الأمر، فأعطى اليهودي الدنانير. وهذا فِقْهٌ إنما يليقُ بأفقه الناس وأعلمهم، وهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولعلَّ أكثرَ المتأخرين ينكر ذلك، ويقول: كيف جاز لعوف أن ينقلَ الدنانير من تركة صعب، وهي لأيتامه وورثته إلى يهودي بمنام؟! » أ.هـ من كتاب الروح.
قلت: ويستفاد من هذا الحديث أن روح صعب بن جثامة قد أتى صاحبه في النوم وأمكنه من رؤيته بإرادته واختياره وكان عازما على ذلك قبل مفارقة الدنيا كما يستفاد أن الله سبحانه وتعالى يُعْلم بعض من في البرزخ بما يحدث لذويهم وغيرهم ممن هم موضع اهتمامهم في دار الدنيا.
كما يستفاد إمكان تصرف الأرواح في الدنيا بعد انتقالها إلى البرزخ بإنجازها بعض الأعمال بطريق أو بآخر وكما سيأتي في قصة ثابت بن قيس.
________________________________________
روى أبو نعيم في الدلائل والطبراني (مجمع 9/322 والبغوي والحاكم في المستدرك (3/325) وله شواهد عند عطاء الخراساني قصة استشهاد ثابت بن قيس في معركة اليمامة وفيه:
«… وثبت ثابت وسالم فقاتلا فقتلا وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين فانتزعها منه فرأي رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني موصيك بوصية، إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع درعي ومنزله في أقصى العسكر، وعند خبائه فرس يستن في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلا، فائت خالد بن الوليد، فمره فليبعث إلى درعي فيأخذها فإذا قدم على خليفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقل له: أن علي من الدين كذا وكذا، ولي من الدين كذا وكذا، وفلان رقيقي عتيق… فأتى الرجل خالد بن الوليد فبعث فوجد الدرع كما ذكر ووصف فلما قدم على أبي بكر أخبره فأنفذ وصيته ولا يعلم أحد أٌنفذت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس» صحيح بمجموع طرقه وفي بعض طرق هذا الخبر أن ثابتا قال لهذا الرجل: «إياك أن تقول هذه رؤيا منام»(1).
وهذه كرامة من الله لعبده ثابت بأن جعل روحه تتصرف بنفسها بعد موته.
[ الحياة العامة لأهل البرزخ واهتمام بعضهم بذويهم في دار الدنيا ]
__________
(1) دلائل النبوة (ح519) والطبراني (مجمع 9/322) والبغوي والحاكم في المستدرك (3/325) وله شواهد عند عطاء الخراساني
________________________________________
وقد ثبتت لأهل القبور الحياة ولوازمها، فالأرواح بعد مفارقة أبدانها لا تزال حية حياة لا نعلم كيفيتها لائقة بهم عالمة سامعة مبصرة متكلمة كما ورد في حديث أهل القليب لما وقف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينادي قتلى المشركين بعد دفنهم في القليب في بدر وسأله عمر – رضي الله عنه -: «يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا» وذلك لمرور ثلاثة أيام بعد قتلهم- قال – صلى الله عليه وسلم -: «والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم …»(1).
ولذا خوطبت في الزيارة كما يخاطب الأحياء فتقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»(2).
وأيضًا في مسلم أن النبي علم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: «سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون رحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنالكم والعافية»(3).
وهم يسمعون كلامهم ويردون سلامهم كما ورد في الحديث: قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»(4).
وورد أن الموتى يقرأون القرآن في قبورهم فقد روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن صحابيا ضرب خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها وأن رسول الله قال في ذلك هي المنجية»(5).
__________
(1) صحيح البخاري باب المغازي باب قتل أبي جهل ح (3976)، ومسلم (2875).
(2) مسلم ح كتاب الجنائز ح (975).
(3) مسلم ح كتاب الجنائز ح (974).
(4) حديث ضعيف أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/1523).
(5) سنن الترمذي عن ابن عباس في ثواب القرآن في فضل سورة الملك ح (289).
________________________________________
وأهل القبور بتلك الحياة يحسون بالنعيم والعذاب وبتلك الحياة يسمعون ويبصرون ويتكلمون ويتذاكرون العلم، وفي قصة الإسراء من حديث عبد الله بن مسعود قال: لما أسرى النبي – صلى الله عليه وسلم – لقى إبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ثم بموسى فلم يكن عنده منها علم حتى أجمعوا الحديث إلى عيسى فقال عيسى: عهد الله إلىّ فيما دون وجبتها فذكر خروج الدجال قال: فأهبط فأقتله ويرجع الناس إلى بلادهم فتستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا يمرون بشيء إلا أفسدوه فيجأرون إلىّ فأدعو الله فيميتهم فتجأر الأرض إلى الله من ريحهم ويجأرون إلىّ فأدعو ويرسل الله السماء بالماء فيحمل أجسامهم فيقذفها في البحر ثم ينسف الجبال …»(1) الحديث وهذا نص في تذاكر العلم(2) أ.هـ.
وورد أنهم يتباهون بأكفانهم ويتزاورون كما رواه البيهقي ويتأذون بما يبلغهم عن أعمال الأحياء فقد روى الديلمي أن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته ويدعون لفاعل الخير بالثبات، ولفاعل الشر بالهداية ويعلم الميت من حمله ومن غسله ومن دلاه في قبره كما في حديث أحمد قال:
حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عمن سمع أنسًا يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرًا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمته حتى تهديهم كما هديتنا.
وروى ابن المبارك في الزهد:
__________
(1) المستدرك للحاكم 2/416 ح (3448).
(2) الروح لابن القيم ص23-24.
________________________________________
«إذا قبضت نفس العبد تلقاه أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشر في الدنيا فيقبلون عليه ليسألوه فيقول بعضهم لبعض: أنظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب. فيقبلون عليه فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية.
قال: فيعرض عليهم أعمالهم فإذا رأوا حسنا فرحوا واستبشروا هذه نعمتك على عبدك فأتمها، وإن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع بعبدك»(1).
وقال ابن القيم: وقد جاءت سنة صريحة بتلاقي الأرواح وتعارفها: قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيغ، أخبرني فضيل بن سليمان النميري، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه أم بشر وجدا شديدا، فقالت: يا رسول الله أنه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل تتعارف الموتى؟ فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر» وكان لا يهلك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر، فقالت: يا فلان عليك السلام، فيقول: وعليك فتقول أقرأ على بشر السلام(2). أ.هـ.
__________
(1) كتاب الزهد لابن المبارك ص 149.
(2) كتاب الروح لابن القيم، ص25.
________________________________________
وقال أيضًا: «فتلاقى أرواح الأحياء وقد قال تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون»(1) … وقد دل التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه وربما أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر وربما أخبره عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره وقد ذكرنا قصة الصعب بن جثامة وقوله لعوف بن مالك ما قال له وذكرنا قصة ثابت بن قيس بن شمساس وأخباره لمن رآه بدرعه وما عليه من الدين وقصة صدقة بن سليمان الجعفري وإخباره ابنه له بما عمل من بعده وقصة شبيب بن شيبة وقول أمه له بعد الموت: جزاك الله خيرا حيث لقنها لا إله إلا الله وقصة الفضل بن الموفق مع ابنه وإخباره إياه بعلمه بزيارته.
وقال سعيد بن المسيب: التقي عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي فقال أحدهما للأخر: إن مت قبلي فالقني فأخبرني ما لقيت من ربك وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك فقال الآخر وهل تلتقي الأموات والأحياء؟ قال نعم أرواحهم في الجنة تذهب حيث تشاء(2). أ.هـ.
وذكر ابن كثير عند تفسيره الآية (67) من سورة الزخرف:
__________
(1) آية 42 سورة الزمر.
(2) الروح لابن القيم، ص27-28.
________________________________________
{ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } (1) حديثا أخرجه عبد الرزاق عن علي – رضي الله عنه – { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران فتوفى أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله فقال: اللهم إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وترضى عنه كما رضيت عني فيقال أذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرا وبكيت قليلا.
وإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللهم إنّ خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت عليّ..» الحديث.
ففي هذه الأحاديث الثلاثة وهي عن عوام المؤمنين تظهر نقطتان:
الأولى: أن الأموات يهتمون بأمور ذويهم وأقربائهم في دار الدنيا ويتبعون أخبارهم.
الثانية: أنهم يدعون الله لهم بالهداية وقضاء الحوائج وغير ذلك.
بل روى الإمام الطحاوي في (مشكل الآثار) عن ابن مسعود عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فجلد واحدة…» الحديث وإسناده حسن واستدل الطحاوي على إيمان الرجل بإجابة الله دعاءه(2). وفيها استجابة الله لدعاء الأموات في حق أنفسهم ولغيرهم.
__________
(1) الزخرف:67)
(2) قال تعالى: { وإذا سألم عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } آية 186 من سورة البقرة، فليست إجابة الدعاء مقصورة على من هم في دار الدنيا خارج البرزخ، بل هي في حق الشهداء والصالحين أقوى وأوجب والأحاديث السابقة تشهد لذلك.
________________________________________
ويسمع قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا كما في حديث البخاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا » (1).
وفي هذا الحديث دلالة واضحة على سماع أهل القبور لما يجري على وجه الأرض وهو مؤيد لحديث القليب الذي قال فيه « … والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم »(2).
ويسر بزيارة قبره والجلوس عنده ويرد سلام المسلم عليه كما رواه البيهقي قال: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: « إذا مر الرجل بقبر أخيه يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام » (3).
وهذا يؤيد ما سبق ويؤيد الحياة البررخية وردهم وكلامهم إلا أننا لا نسمعهم وفي هذا من تمام الحياة الكاملة اللائقة بهم.
أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت أليس قدْ متَّ؟ قال: بلى. قلت: فأين أنت؟ قال أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلقى أخباركم. قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعم نام بها عشية الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته » (4).
وفي هذا دلالة على التزاور ما بين الموتى وتلقيهم أخبار أهل الدنيا كما سبق ذكر ذلك في حديث ابن المبارك في الزهد وسؤالهم عن أهليهم وأهل الدنيا.
ذكر ابن القيم في كتابه الروح: والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به.
__________
(1) البخاري كاب الجنائز باب الميت يسمع خفق النعال ح 1338.
(2) مر تخريجه.
(3) شعب الإيمان للبيهقي (7/17).
(4) شعب الإيمان للبيهقي (7/18).
________________________________________
قال ابن القيم في كتاب الروح: فصل: ويدل على هذا أيضًا ما جرى عليه عمل الناس قديما وإلى الآن من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثا وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل.
ويروي فيه: حديث ضعيف ذكره الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره» ثم يقول: «يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة الثانية، فإنه يستوى قاعدا، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكنكم لا تسمعون، فيقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما. فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منها ويقول انطلق بنا، ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته؟ ويكون الله ورسوله حجيجه دونهما».
فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: «ينسبه إلى أمه حواء»(1).
فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل في سائر الأمصار والإعصار من غير إنكار كاف في العمل به وما أجري الله سبحانه العادة قط بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولا وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع ولا يعقل وتستحسن ذلك لا ينكره منها منكر بل سنة الأول للآخر ويقتدي فيه الآخر بالأول فلولا أن المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم وهذا إن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه(2).
__________
(1) المعجم الكبير للطبراني (8/249) ح (7979).
(2) كتاب الروح لابن القيم ص17-18 ط دار التقوى.
________________________________________
كما روى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «عرفت جعفرًا في رفقة من الملائكة يبشرون أهل بيشة بالمطر»(1).
وفي هذا الحديث إشارة إلى حرية أرواح الشهداء والصالحين بل وتصرفاتهم البرزخية وهي أقوى من تصرفاتهم وأرواحهم محبوسة في أجسادهم فروح المؤمن حينما تنطلق من الجسد وخصوصا الصالحين تتحرر وتستجيب بأمر ربها لما يشاء الله لها من أعمال وهي من فضل كرمه وإكرامه لهم.
يقول ابن القيم في كتاب الروح(2): «ومما ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب حال الأرواح من القوة والضعف، والكبر والصغر، فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن هو دونها وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم تفاوت بحسب تفارق الأرواح في كيفياتها وقواها، وإبطائها وإسراعها والمعاونة لها.
فللروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه من التصرف، والقوة، والنفاذ، والهمة، وسرعة الصعود إلى الله تعالى والتعلق بالله، ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه، فإذا كان هذا وهي محبوسة في بدنها، فكيف إذا تجردت، وفارقته، واجتمعت فيها قواها، وكانت في أصل شأنها روحا علية زكية كبيرة ذات همة عالية، فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر وفعل آخر.
وقد تواترت الرؤيا من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها، ما لا تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك وكم قد رُئى النبي – صلى الله عليه وسلم – ومعه أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- في النوم قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلتهم.
__________
(1) رواه ابن عدي في الكامل وله طريق أخرى تقويه فرواه ابن عساكر من طريق ابن إسحاق وله شاهد صحيح يشهد لصحة معناه رواه الحاكم في مستدركه والطبراني في الكبير والأوسط.
(2) كتاب الروح لابن القيم ص115-116 ط دار التقوى.
________________________________________
ومن العجب أن أرواح المؤمنين المتحابين المتعارفين تتلاقى وبينها أعظم مسافة وأبعدها فتتكلم وتتعارف فيعرف بعضها بعضا كأنه جليسه وعشيره فإذا رآه طابق ذلك ما كان عرفته روحه قبل رؤيته.
قال عبد الله بن عمرو: أن أرواح المؤمنين تتلاقى على مسيرة يوم وما رأى أحدهما صاحبه قط ورفعه بعضهم إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – »(1) أ.هـ.
خاتمة
رأينا: من أفعال الأرواح في دار البرزخ ومتابعتها لما يحدث لذويهم في دار الدنيا.
وتفاوت أفعالهم بين الدعاء لذويهم والاستغفار لهم مرورًا بالترائي لإخوانهم في الدنيا في حال نومهم عن قصد وترتيب وإرشادهم إلى بعض الأعمال (قصتي الصعب بن جثامة، ثابت بن قيس).
وانتهاءً بمشاركة ملائكة الله الكرام بعض أفعالهم بإذن الله تعالى كمرافقة سيدنا جعفر لملائكة يسوقون المطر إلى بلدة باليمن، وعند الحاكم في المستدرك وكذا الطبراني التصريح بأنهم سيدنا جبريل وميكائيل وإسرافيل.
وحسبنا كلمة ابن القيم السابقة فهي كافية شافية في هذا الموضوع.
والله يقول الحق وهو بهدي السبيل.
__________
(1) كتاب الروح لابن القيم.
________________________________________
صدر من هذه السلسلة:
– مقدمة ومدخل عام للمفاهيم.
– كلمة هادئة في الحياة البرزخية للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في التوسل للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في الاستغاثة للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في أحكام القبور للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في التبرك للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في البدعة للدكتور عمر عبدالله كامل
– الترك لا ينتج حكمًا للشريف عبدالله بن فرّاج العبدلي
– كلمة هادئة في الاحتفال بالمولد للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في حديث لا تطروني للدكتور عمر عبدالله كامل
– كلمة هادئة في حديث الجارية للدكتور عمر عبدالله كامل
________________________________________
المحتويات :
الموضوع … الصفحة
مقدمة «مفاهيم يجب أن تصحح»
معنى الحياة البرزخية
حياة الأنبياء والشهداء
حياة سيد الأنبياء والرسل خير من خلق الله سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم –
عودة إلى حياة الشهداء ومن في حكمهم من الصالحين واهتمامهم بذويهم في دار الدنيا
الحياة العامة لأهل البرزخ واهتمام بعضهم بذويهم في دار الدنيا
________________________________________

الكتاب : الانتصار للأشاعرة المؤلف : الشيخ أبو الفداء سعيد بن عبد اللطيف فودة مصدر الكتاب : موقع الإمام الرازي

الكتاب : الانتصار للأشاعرة
المؤلف : الشيخ أبو الفداء سعيد بن عبد اللطيف فودة

مصدر الكتاب : موقع الإمام الرازي
الانتِصَارُ لِلأَشَاعِرَة
وهو ردٌّ على كتاب “جدل الأفكار”
بقلم
الأستاذ الكبير أبي الفداء
سعيد فودة
حفظه الله تعالى ونفعنا به آمين
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
فإن الدفاع عن الدين أو الدفاع عن ما نعتقد أنه من الدين واجب شرعاً وعقلا، أي إن العقل يحكم بحسنه بلا تردد، فكيف إذا كان ما نعتقده هو ما يقول به أهل السنة والجماعة الذين هم جمهور المسلمين.
والكلام في العقائد من أهم الأمور، والجدال في سبيل الحفاظ على الفهم الصحيح للعقائد الإسلامية من أوجب الواجبات، ولا يجوز لأحد أن يغفل أهمية هذا الأمر، ولا يجوز له أن يقدم عليه غيره مع القدرة عليه وتقصير الآخرين في القيام به.
ثم إن بيان أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، والرد على المخالفين من أقوى الوسائل للقيام بذلك الواجب، وهذا لأن عقيدة أهل السنة هي عقيدة جماهير المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، ولا يجوز لأحد أن يسمح لغيره بالتطاول عليها واعتبارها أنها هي أصل الجهل والفساد والإفساد والظلم!!!
وأنا لا أشك أن من يتهاون في هذا الأمر فيسكت على من يدعي مثل هذه الادعاءات فإنه يجب أن يراجع انتماءه إلى أهل الحق، خصوصاً إن كان مَنْ تصدّى للرد على عقائد أهل الحق جاهلاً متجاهلاً لكثير من الحقائق التي يصرح بها علماء المسلمين في كتبهم بوضوح لا لبس فيه، فإن هذا يكون مراده إنما هو التدمير والتخريب ولا يكون مراده الانتقاد بهدف الوصول إلى الحق.
ولا تتردد في تجهيل من يعتبر أن الدور الكامل لخدمة الإسلام قد قامت به فرقة واحدة، ويهمل في نفس الوقت كل الأعمال التي صدرت عن الفرق الأخرى بل ويحاول أن يفسرها تفسيرات باطلة.
________________________________________
ومن هذا الأصل فقد اهتممت أن أكتب ردا على كتاب أمين نايف ذياب الذي يدعي أنه يدعو إلى فكر المعتزلة، ويحارب الأشاعرة بكل ما أوتي من قوة !! ويبالغ في التفسيرات المشوهة لحقيقة فكر الأشاعرة والماتريدية، في كتابه المسمى”جدل الأفكار”، وحتى لا يقال أنه لم يرد عليه أحد ولم يبين وجه الحق في كلامه من الباطل أحدٌ من المنتمين إلى أهل السنة، فقد كان هذا الكتاب.
وأنا لم أتبع أسلوب التهويل والتشنيع في هذا الرد، بل حاولت قدر الجهد أن ألتزم بالمنهج المتوازن مع التقليل قدر المستطاع من التجريح، والتجهيل، الأمر الذي لم أستطع تجنبه تماماً ،وذلك لكثرة ما رأيت من تجريحات وقعت منه في حق أهل السنة.
ومع ذلك فلن يجد القارئ في كتابي عرضاً كاذباً لآراء هذا الكاتب، ولن يجد فيه تفسيراً باطلاً لآرائه، ولن يجد مغالطات في الجدال.
وأنا أجزم أن هذا الرد بالطريقة التي اتبعت فيه لن يكون له مثيل في هذا الزمان، وذلك لأنني أوضحت فيه أخطاء المؤلف وذكرت فيه محاسنه، كل ذلك مع عدم التحامل، وتجنب اتباع الهوى.
وأسأل الله تعالى أن يكون في هذا الرد فائدة للإسلام والمسلمين وخطوة على طريق المعرفة والتعريف بعقائد الإسلام.
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
سعيد فودة
ختم الله تعالى أعمالنا بالحسنات
تم بتوفيق الله تعالى في 18/4/1996
نقد وتعليق
على كتاب جدل الأفكار
كتاب جدل الأفكار كتبه ” أمين نايف ” الذي يدعي أنه يدعو الناس إلى فكر المعتزلة، ويدعي أن التقدم المنشود للأمة الإسلامية لا يكون إلا بالتمسك بفكرهم أو بالفكر الذي يدعو هو إليه !!
وهو في هذا الكتاب ينتقد فكر حزب التحرير، ويرتكز الكتاب في أساسه إلى أن حزب التحرير يستمد أفكاره من أفكار أهل السنة – ويعني بأهل السنة الأشاعرة خصوصاً -، وهم عند المؤلف قائلون بالجبر وبكل أمر قبيح كما سنلاحظ من كلامه.
________________________________________
ومن الأمور التي يحسن أن نعلمها قبل الشروع في هذا التعليق هي أن المؤلف أي أمين نايف كان قد أمضى مع حزب التحرير عدداً لا بأس به من السنين، وكان يدعو إلى أفكارهم ويتبناها، حتى طرأ عليه طارئ لا نعلمه دعاه إلى أن يغير من فكره وينتسب إلى فكر المعتزلة بحجة أنه هو الفكر الوحيد الذي يمكن أن تقوم بناءاً عليه للأمة قائمة.
ونحن في هذا النقد سوف لن يكون الأساس الذي نبني عليه كلامنا هو الدفاع عن حزب التحرير، فإن هذا لسنا نحن المعنيين به!! بل سيكون الأساس هو الرد على المؤلف من حيث أنه أرجع حزب التحرير إلى فكر الأشاعرة الذين هم أهل السنة والجماعة على التحقيق، ثم شرع في نقدهم وتغليطهم في الأفكار التي دعوا إليها.
ومن هنا فإن لردنا محورين: الأول التفريق بين قول حزب التحرير وبين قول الأشاعرة عند وجود فرق، الثاني: الدفاع عن قول الأشاعرة وبيان غلط المؤلف عند نقضه له.
ونحن سوف نسير في الرد على المؤلف بنفس الترتيب الذي رتب هو كتابه عليه، إلا عند الحاجة إلى تجميع كلامه من الأبواب المختلفة، وبالله التوفيق.
الباب الأول
المقدمة الأولى
ينص المؤلف في أول كتابه على أن الهدف الذي قام من أجله حزب التحرير إنما هو التغيير من أجل النهضة، وينقل عنهم “ينهض الإنسان بما عنده من فكر عن الحياة والكون والإنسان وعن علاقتها جميعها بما قبل الحياة وما بعدها، فكان لا بد من تغيير فكر الإنسان الحاضر تغييراً شاملاً وإيجاد فكر آخر له حتى ينهض” ، هذا هو الأساس الذي قام عليه حزب التحرير.
ويعلق المؤلف على ذلك فيقول: “وبالرغم من أن حزب التحرير قام على أساس هذه العبارة إلا أنه لم يستطع إيجاد النهضة مع ما بذل الحزب من جهود سواء على صعيد الأفكار أو في الواقع العملي النضالي أو في تعدد الأساليب خلال مسيرته الحزبية منذ أن أنشأ المرحوم النبهاني الحزب عام 51 إلى أن توفاه الله عام 77”.
________________________________________
ويحدد الهدف من قراءته هذه لأفكار حزب التحرير بأنها “قراءة لإعادة البناء، بناء الإنسان والمجتمع والدولة”.
ثم يقول: “ولإعادة البناء لا بد من هدم، ومن هنا فإن هذه الأبحاث هي هدم لما تركز في عقول المسلمين من أفكار زائفة سار عليها المسلمون قرونهم السالفة، وهي وإن كانت تعالج أفكاراً لحزب التحرير إلا أن أفكار الحزب هذه هي أفكار ما سمي في التاريخ بأفكار أهل السنة والجماعة، وهي أفكار التشبيه والجبر واهتزاز الوعيد، ومنها كانت الكارثة”.
ثم يقول”في صـ62ــفحة” وإذا توصلنا إلى أن خطاب المرحوم تقي الدين النبهاني في موضوع القضاء والقدر هو الخطاب الجبري الأشعري بعبارات جديدة….”.
ويقول في صـ76ـفحة: “النبهاني وهو مشدود بمقولات الأشاعرة عن الجبر والاختيار وما تفرع عن ذلك يحاول أن يعطي تبريرا معاصرا لتلك المقولات”.
ثم يقول في صـ185ـفحة: “لماذا وقعت في هذا التناقض يا أبا إبراهيم،لأنك بقيد الأشعري أسير”.
ويقول في صـ149ـفحة: “فالنبهاني يرفض اسم الكسب ويراه مقالة جبرية ولكنه يقول بأن الهدى والضلال خلق الله تعالى وفعل للإنسان… ولا يفسر لنا أيضا الفرق بين مقالته تلك ومقالة الأشعري”.
ويقول في صـ146ـفحة: “والمرحوم النبهاني مفكر حزب التحرير الرئيسي رباه جده لأمه ودرس في الأزهر الشريف والقائمون على التدريس فيه أشاعرة، فليس غريباً أن يظهر فكره متأثراً بالأشاعرة رغم محاولاته الهروب منهم”.
فهو هنا يعتبر أن أفكار أهل السنة والجماعة هي كانت الكارثة في تاريخ الأمة الإسلامية، وهي التي أدخلت الجبر والتشبيه وغير ذلك مما ذكر؟؟!!
________________________________________
وهذه الاتهامات سوف نعالجها في نقدنا هذا، مع أن مجرد سماعها هنا من قبل عارف لآراء أهل السنة والجماعة يدفعه إلى الضحك والتعجب من قائلها حتى من دون البحث عن تبريراته وحججه، فكيف لو عرفها ؟؟! وعرف عند ذلك مدى سخافتها وضحالتها، نعم سخافة هذه الأفكار التي سوف يعيد بناء فكر الأمة عليها ؟؟ كما يدعي! هذا المعتزلي .
فهذه هي بعض النصوص التي يقرر فيها المؤلف أن حزب التحرير قد تأثر مؤسسه بأقوال الأشاعرة في كثير من المواضع، وهو يقرر في مواضع أخرى أن النبهاني حين يحاول أن يهرب من آراء الأشاعرة فإنه يهرب إما إلى رأي المعتزلة أو إلى رأي خاص به.
وأنا أتعجب من إقراره بأن هذه المباحث إنما هدفها الأكبر هو هدم الأفكار التي تركزت في عقول المسلمين وداموا عليها دهوراً كثيرة، وهذه الأفكار هي أفكار الأشاعرة، وهم أهل السنة والجماعة باعترافه واعتراف مؤسس حزب التحرير، حين أقر بأنه يخالف الأشاعرة في بعض المباحث مع اعترافه في كلامه في “الشخصية” بأن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.
فصار الحاصل أن المؤلف قد اشترك مع النبهاني في هدم أفكار أهل السنة والجماعة بنص كلاميهما!! وهذا في غاية العجب، ونحن سوف نركز على الدفاع عن آراء أهل السنة والجماعة في هذا الرد ونبين وجه كلامهم وحقيقة معناه وتفاهة من يرده.
توضيح موقف المؤلف من أهل السنة والجماعة
ونحن سوف نزيد في بيان موقف المؤلف من أهل السنة والجماعة – الأشاعرة والماتريدية – كما ينص عليه هو في مواضع متفرقة من كتابه وذلك بالإضافة إلى ما مضى:
• يقول في صـ25ـفحة: “نعم إن إجابات المعتزلة في موضوع التوحيد والعدل هي إجابات تحتاج إلى مجاهدة ومواصلة بحث وإعادة القراءة المرة تلو المرة لفهمها، ولكنها كلها إجابات لسؤالات أقامها بعض المعقدين من أهل السنة والجماعة الذين رفضوا آيات محكمات ثلاث”.
________________________________________
• ويقول في صـ61ـفحة عن رأي الحزب في موضوع القضاء والقدر: “إنه الخطاب السفياني الأشعري الجبري، يعيد نفسه بقوالب كلامية جديدة”.
• وفي صـ78ــفحة يقول: ” ومن أخطر المقولات التي قالها المفكرون الإسلاميون قولهم: إن الرزق قضاء قضاه الله تعالى، فوصفوه بالظلم مع أنه العدل” ، ومعلوم أن الأشاعرة هم الذين قالوا هذه المقولة.
• وفي صـ135ـفحة يقول: ” يقفز النبهاني عن السؤال الكبير المطروح منذ الوجود الجبري أو الكسبي في الفكر السني”. ويقول:”النبهاني وهو أسير لتيار أهل السنة والجماعة تيار أتباع معاوية لم يسأل نفسه هذه السؤالات ولهذا بقيت الحقائق غائبة رغم ما بذل النبهاني من جهد لإضفاء صفة الفكر الحق على فكر أهل السنة والجماعة، ومع هذا بقيت جماعة حزب التحرير تقول:”بأن الرزق من الله وتفعل خلاف ذلك”.
• ويصف المؤلف أهل السنة والجماعة (وهم الأشاعرة) في صـ141ـفحة بأنهم قالوا بفكرة الكسب بحكم الولاء للحكام الظلمة من بني أمية وبني العباس وأمراء الدويلات.
• ثم في صـ145ـفحة يشركهم هم والوهابيين؟؟!! في كونهم فكرين جبريين يخدمان الظلم والتأخر.
• ويكرر في صـ176ـفحة القول بأن أهل السنة والجماعة ينادون بآرائهم ليخدموا سلاطين الأمويين والعباسيين ليبقوهم في الحكم، ويدعي أنهم في قولهم بعدم خلود فاعل المعصية في النار لا يستندون إلى أي دليل مطلقا!!!
هذا الكلام الذي نسمعه الآن من واحدٍ يدعي أنه يتبع المعتزلة في طريقتهم وعقائدهم، وهذه الاتهامات التي يلصقها هذا الرجل بأهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية ويبالغ في التأكيد عليها من حين لآخر، لا تختلف كثيراً عن الاتهامات التي يلصقها الوهابيون بالأشاعرة أيضاً، والعامل المشترك بين هؤلاء وأؤلئك واحد وهو مخالفة أهل الحق، وعدم معرفة كثير من أقوالهم وحقيقة معانيها.
________________________________________
وكم كنت أتمنى أن يظهر الخلاف بين الأسلوب الذي يتبعه من يدعي اتباع المعتزلة والأسلوب الذي يتبعه الوهابيون في هذا الاتجاه، خصوصاً أنه ينبغي أن يظهر هذا الاختلاف بين المنهجين للاختلاف الحقيقي بين فكر المعتزلة وفكر الوهابية الذين هم المجسمة على التحقيق، ولكن ربما كان الباعث الأكبر على الاشتراك هو اتصاف كثير من أتباع كل من هذين المذهبين في هذا الزمان بالجهل الكبير والغباء المدقع.
وإنني أُسَرُّ فعلا عندما أجد من يتصدى للرد على الأشاعرة لا يتصف أكثر ما يتصف إلا بمثل هذه الصفات؟!
وبعد، فهذه هي بعض الاتهامات التي يكثر المؤلف من إلصاقها بأهل السنة والجماعة فليس يوجد عنده من مبرر لوجود هذا الفكر- أي فكر أهل السنة- إلا خدمة أهواء الأمراء والسلاطين، وفكرهم هذا يخدم التأخر والتخلف والجهل، وربما يظن البعض أنه كان من المفروض عليَّ عندما رأيته يضع أهل السنة والجماعة في مثل هذا الموضع أن أشنع عليه تشنيعاً في غاية العنف، وأن أظهر رأيه هذا وأؤلب عليه الناس ليرتدع، ولكني لم أرَ أن هذا السبيل صحيح لمجادلة المخالفين لأهل السنة بل الأصل أن أبين خطأ قولهم، وأوضح جهلهم بكثير مما يقوله أهل السنة عسى أن يكون هذا رادعاً لهم عن غيهم الذي سقطوا فيه، ومُعيناً لهم على معرفة الحق وأهله لينصروهم، وهذا هو الجدال بالتي هي أحسن، وإن لم يرتدعوا فإنه عندئذ يسلك معهم مسلك آخر، والله المستعان.
وسوف نبدأ الآن في تعقب كلامه والتعليق عليه وبيان ما فيه من مفاسد باختصار كاف .
المقدمة الثانية
هل الكفر يمكن أن يكون هينا من ناحية دينية بجانب ذنب من الذنوب؟؟!
إن معنى أن يكون الكفر أهون من ذنبٍ أنه يكون أخف وأقل مفسدة وأقرب إلى القبول في ميزان العقول من الذنب.
________________________________________
إن أي إنسان يفترض أن الكفر يمكن أن يكون أخف من أي ذنب يفترضه إنما هو إنسان غاب عن ذهنه كثير من حقائق الدين، فكيف يكون الكفر الذي يشمل نفي وجود الإله والإشراك به تعالى عن ذلك علواً كبيراً أهون من الذنب ؟! أي أهون من المعصية !!
أليس هذا قلباً للأمور وعكساً للميزان الذي وضعه الدين بنص القرآن الكريم: ? إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ? (النساء: من الآية48)، هذا نص واضح على أن الكفر هو أشد ضرراً من أي ذنب يفترض.
إن كون الكفر هو أخطر الذنوب إنما هو أمر مقرر في تعاليم الشريعة الغراء، لا يخالف في هذا إلا الجاهل الحقود.
وقد تجرأ المؤلف هنا فقال بهذا الهراء التافه في سبيل معارضة قول أهل السنة بعدم خلود أهل المعاصي في جهنم، وأنهم مهما مكثوا فيها فهم لا بد خارجون.
فقد قال في صـ33ـفحة :”وأحاديث عدم الخلود بالنار للعصاة الذين فعلوا أفعالاً يهون الكفر إلى جانبها”، أي إن هناك أحاديث تنص على عدم خلود أهل المعاصي في جهنم مع أنهم يفعلون أفعالاً أشد من الكفر، وأن هذه الأحاديث تهدم نظرية الالتزام بالاسلام!؟
وكرر المؤلف هذا المعنى في الصفحة 173 أيضا فقال :”…ودون أن يشير إلى اختلاف المسلمين في قضية إيمان أو عدم إيمان صاحب الشهادتين الذي يقوم بأفعال يهون الكفر المجرد إلى جانبها لما يلحقه من ضرر بالمسلمين…” اهـ .
هذه هي نظرة هذا الذي يدعي الانتماء إلى الاعتزال، وهذه هي طريقته في استنباط المعاني والقواعد !!
فهل فعلاً تؤدي هذه القاعدة التي يقول بها أهل السنة إلى هدم الإسلام كما قال هذا المدعي ؟!
________________________________________
ويوجد باب خاص عقده المؤلف لمناقشة أهل السنة في قولهم بأن أهل المعاصي يخرجون من جهنم مهما بقوا فيها، وسنرجئ نقاشه في حيثيات هذا الموضوع إلى ذلك المحل، ولكن هنا اكتفينا بالإشارة إلى هذه الملاحظة، ليتعجب القارئ من هذا الرجل الذي يدعي الانتماء إلى المعتزلة !!
الباب الثاني
طريق الإيمان بين إثبات الخالقية والألوهية
هذا الباب عقده المؤلف ليتناول فيه الطريق الذي سلكه حزب التحرير في إثبات وجود الله تعالى، ونحن لن يكون كلامنا منصبا على الدفاع عن حزب التحرير في مسلكه هذا لأن هذه وظيفة للمنتمين إلى هذا الحزب إن ارتأوا ذلك، بل إننا سوف نهتم ببيان تهافت المؤلف الذي نصب نفسه عدواً للأشاعرة ببيان عدم تمكنه من الاستدلال العقلي وصحة الاستنباط، وسوف نثبت أن هذا الرجل ليس بأهل للنظر في مثل هذه المباحث لعدم توفر أمور كثيرة فيه، والتي هي من الشروط الواجب توفرها فيمن ينظر في هذه المسائل !!
قال في صـ41ـفحة في مناقشة النبهاني في الدليل الذي أتى به لإثبات وجود الله تعالى: ” إن الوصول إلى محدودية الكون والإنسان والحياة من المظاهر الفردية أمر لا يعقل، لأن مجموع المحدودات لا يكون محدوداً، إلا إذا كان عدد المحدودات معلوماً أما إذا كان العدد مجهولاً ومفتوحاً زماناً ومكاناً فإن القول بأنه محدود هو نوع من التجاوزات والمجازفات العاجزة عن تكوين القناعات، فكيف الإيمان ؟” .
كذا قال، وسوف نناقشه نحن هنا مناقشة خفيفة في بعض المفاهيم التي استعملها في هذه الفقرة.
– إن قوله بأنه لا يمكن الوصول إلى محدودية الكون من المظاهر الفردية إلخ كلامه،هو كلام ضعيف، لأننا نعلم أن سائر المتكلمين أشاعرة ومعتزلة استدلوا على وجود الله تعالى وعلى عدم محدودية صفاته ووجوده من مجرد النظر في الكون ؟؟!
فقد استدلوا بالنظر في الكون على محدوديته ومن ثم استدلوا على وجود الله تعالى وعدم محدوديته .
________________________________________
فكيف يقول هذا الرجل بأن ذلك لا يمكن ؟ فنحن نعرف أن دليل الحدوث الذي استعمله الأشاعرة بل المتكلمين كلهم في سبيل إثبات وجود الله تعالى يعتمدون فيه فقط على النظر في الكون المشاهد، ولهذا اشتهر هذا الدليل من بين جميع الأدلة التي ابتكروها لهذه الغاية، أي لسهولته لاعتماده على المحسوس، وقد صرح بهذا كثير من الكتاب المعاصرين بالإضافة إلى القدماء الفحول.
فإن النظر في الكون يدل الناظر على محدوديته،وذلك لأن الدلائل قائمة فيه على النقص، والنقص دليل المحدودية، والمراد بالنقص هو الحاجة أي عدم القيام بالذات.
نحن نسلم أن الطريقة التي استخدمها تقي الدين النبهاني لإثبات محدودية الكون فيها نظر أو إنها تحتاج إلى توضيح وتقعيد، ولسوء الحظ لم يفعل ذلك أحد من الحزب !! ربما لقلة المعرفة والاطلاع.
ومع أننا لا نوافق النبهاني في كل ما يقول، إلا أن ما يطرحه أمين نايف هنا لا يمكن قبوله مع ما فيه من مفاسد.
– وقوله بعد ذلك: إن العدد إذا كان مجهولاً ومفتوحاً … إلخ كلامه.
العدد الذي يقصد الاستناد إليه في مناقشته هنا هو المسمى في الرياضيات بالمالانهاية، فهذا هو المفتوح من الطرفين، ولكن ربما نسي أو لم يعرف المؤلف بأن المالانهاية لا يمكن أن تكون عدداً، ولذلك لا يجوز أن يقسم أي عدد عليها، أو أن تقسم هي إلى أي عدد أيضاً، وكذلك فباقي العمليات الرياضية التي تصلح لباقي الأعداد ربما لا تصلح هنا، ونفس الشيء يقال فيما يتعلق بالصفر فلا يمكن أن يعتبر عدداً كباقي الأعداد، وبالتالي لا يمكن أن يوجد عدد مفتوح من الطرفين كما عبر هو عنه.
وأيضاً فالمالانهاية لا يقال عنها إنها مجهولة بالمفهوم الذي قال هو به، فإن الفاهم للرياضيات يعلم أن مفهوم العدد المجهول أمر ومفهوم المالانهاية أمر آخر، ولو كانت المالانهاية مجرد عدد مجهول لما كانت مالانهاية !!
وعلى كل حال فهذا مبحث رياضي لا أظن أن المؤلف سوف يتناوله باستمتاع !!
________________________________________
ولا بأس هنا من ذكر ما قال العلامة التفتازاني في معنى الأزل كما ذكره في شرح العقائد النسفية: ” هو عبارة عن عدم الأولية أو عن استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي “. وقال: ” ليس هو حالة مخصوصة “.
والإمام التفتازاني يوضح في كلامه هذا أن المالانهاية ليست عدداً بل هي مفهوم وحالة معينة، لأنها لو كانت عدداً لكانت محدودة وهذا تناقض .
وقال المؤلف في نفس الصفحة السابقة: ” إن الزمان والمكان في فكر النبهاني زمان ومكان مطلقان لا حد لهما-نظرية نيوتن في الزمان والمكان-ولإثبات ذلك يكفي لفت النظر إلى استعماله كلمة الأزل لذات الله أو لعلمه، وكلمة اللامحدود لذات الله كصفة وجودية، والكلمتان “الأزل واللامحدود” لا يدرك العقل مفهوماً لهما إلا بالصيرورة إلى الزمان والمكان المطلقين” اهـ .
هذا هو ما زعمه هذا الناقد الفحل!!
فهو قد وضع في هذه الفقرة علامات مميزة للفكر وضوابط للحكم نوع الفكر ومعرفة أساسه، فقال: إن استعمال الأزل واللامحدود علامة على الزمان والمكان المطلقين، وهذا إستنادٌ إلى إسحق نيوتن الذي قال – متبعاً في ذلك من قبله – بالزمان والمكان المطلقين، ولا أظن أن المؤلف يعرف أن نيوتن كان مقلداً في قوله هذا ومتبعاً لغيره من الفلاسفة الذين سبقوه ؟؟
على كل حال، فالذي يهمنا هنا هو أن كل من قال بأن الله تعالى أزلي ولامحدود فإنه قائل لا محالة بالزمان والمكان المطلقين؟؟ فهذا هو خلاصة قول المؤلف الفذّ.
ونقول نحن له بكل ثقة: إنك لا تعرف ما هي موازين العلماء في كلامهم، فإننا لو سلمنا معك أن كل من قال بالأزل واللامحدودية من الغربيين فيلزم أنه قائل بما قلتَ، فلا نسلم ذلك في حق الإسلاميين وعلى الأخص لا نسلمه في حق الأشاعرة .
________________________________________
فالمعلوم عند المطلعين أن المسلمين هم أول من حقق نظرية كاملة في مقابل نظرية الفلاسفة اليونان في مفهوم الزمان والمكان، فإن المكان والزمان عند الفلاسفة إما حركة الفلك أو مقدار حركة الفلك، واخلتفوا فيه، فقال بعضهم: هو عرض، وبعضهم: هو جوهر، وحركة الفلك عندهم قديمة لقدمه أو لقدم نوعه، وله تعريفات أخرى تجدها في كتاب المسائل لنا وحاشيتنا على لقطة العجلان للزركشي وتهذيب المقولات وغيره من كتبنا.
وأما المكان عندهم وعند غيرهم فهو الحيز الموجود الذي يحل فيه الجسم، أو هو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، فهو وجودي عندهم.
فالزمان قديم ووجودي عندهم، وأما المكان فهو وجودي على القول الثاني والأول، ولكن أصحاب القول الأول قد يقولون إن المكان لا متناه، أي يمكن لهم أن يقولوا يعدم تناهي الأبعاد، لأن البعد هو جزء من المكان في الحاصل، أما أصحاب القول الثاني فلا يمكن أن يقولوا بذلك وهم لا يقولون به فعلا، لأن الأجسام عندهم محدودة في وجودها، أي إنه يوجد لها نهاية وحد.
أما معنى الزمان عند المتكلمين من الأشاعرة ومن غيرهم أيضا فهو كما ذكرته في الجزء الثاني من كتاب المسائل وهو الذي اختاره العلامة العطار: الزمان هو مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم، إزالةًً للإيهام من الأول بمقارنته بالثاني.
فالزمان عند التحقيق بمعنى مذهب المتكلمين إنما هو اعتباري كما صرحنا بذلك أيضا في بداية الكلام على معنى الزمان في كتاب المسائل فقلنا: أنكره المتكلمون وجعلوه أمرا اعتباريا، وأثبته الحكماء والمحققون منهم جعلوه من مقولة الكم اهـ .
وكذلك المكان عند المتكلمين فهو عبارة عن بعد موهوم يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده، أي إنه ليس أمراً موجوداًَ بل هو موهوم .
ومعنى قولهم عن الزمان إنه اعتباري أي أنه لا توجد له حقيقة في الخارج.
________________________________________
وكذلك معنى قولهم عن المكان إنه موهوم أي إنه كذلك لا حقيقة له في الخارج، بل هو من تجريدات الذهن وتقديراته، وذلك لتهوين النظر والتعامل مع الأمور الجسمانية، وهذا هو التحقيق في معنى المكان والزمان.
ولذلك قال بعض العارفين:إذا أردت أن تفهم التوحيد فجرد نفسك عن المكان والزمان، وذلك لأنه لا يوجد تقادير في حق الإله ولا يمكن أن تتصور متغيرات .
ولنعد إلى مناقشة هذا المؤلف الناقد، فهو يقول: إن كل من نسب الأزل واللامحدودية إلى الله تعالى، بل كل من نطق بهاتين الكلمتين فهو لا بد قائل بنظرية نيوتن في الزمان والمكان.
ونحن قد عرفنا أن نيوتن قائل بالزمان والمكان الوجوديين، ومع أننا نعرف أن كثيراً من المتكلمين يستعملون هاتين الكلمتين في حق الله تعالى، إلا أننا عرفنا أيضا أنهم لا يقولون بما يقول به نيوتن من مفهوم للزمان والمكان.
وذلك لأن الأزل عندما يستعمله المتكلمون في حق الله تعالى لا يقصدون منه الزمان مطلقا، بل يقصدون منه عدم الأولية في الوجود التي هي بلا زمان، ولا متحركات ولا مكان، ولهذا فقد نبهنا نحن في شرحنا لعقيدة ابن الحاجب إلى هذا المعنى وحذرنا من أن يفهم البعض هذه الكلمة على غير ما يريد بها المتكلمون، فقلنا في صـ16ـفحة من بيان القدر الواجب من معاني عقيدة ابن الحاجب:
________________________________________
“ولا معنى للقدم إلا إنه ليس بحاجة في الوجود إلى من يوجده، وهذه الصفة لا يتصف بها إلا الخالق عز وجل، ولهذا يقال: إن الله تعالى قد قدر فيما لم يزل أن يخلق العالم فيما لا يزال، وهذا لا يستدعي حدوث شيء إلا العالم، فلا يستدعي حدوث أمر في الخالق، والعالم لا يمكن أن يوجد إلا فيما لا يزال، لأن ذاته لا تقبل الوجود فيما لم يزل، وتنبه إلى أن عبارتَيْ (فيما لم يزل وفيما لا يزال) لا تعنيان الزمان لأنه لا وجود له في ذاته على ما هو التحقيق بل وجوده تقديري ومفروض، ولا معنى لهما إلا الإشارة إلى الاستقلال بالوجود وعدم الاستقلال به، فلا تغفل، والزمان لا يكون قديماً لئلا لزم وجود الحوادث في الأزل.” اهـ .
ومع وضوح هذه الفكرة عند سائر المتكلمين إلا إنها ليست واضحة عند هذا المدعي المتعالي “أمين نايف” الذي تصدى لبيان تهافت الفكر الأشعري على حد زعمه، وللرد على حزب التحرير ذي الأصول الأشعرية كما يزعم أيضاً !!
ومن هذا كله نفهم أنه ليس كل من قال بالأزل فيلزم أن يكون قائلاً بنظرية نيوتن في الزمان والمكان، ولا يكون قائلا أيضا بقدمهما.
فبان بذلك أن رده على النبهاني وعلى كل من يقول بقوله إنما هو رد متهافت سخيف، وليس سوى تحذلق لا حاصل تحته من علم أو تحقيق كما يحاول هو أن يُظهِرَ .
ولا أرغب من هذا البيان السريع لهذه المفاهيم إلا أن ألفت نظر هذا الكاتب إلى أن الأشاعرة ليسوا عبارة عن متسكعين في علم المعقولات ولا هم عابري سبيل في تاريخ الحضارة الإسلامية بل إن مكانهم في ذلك أكبر وأعظم ولا يعرفه من عمي قلبه ببغضهم والتنقيص من حقهم.
________________________________________
وإن أردت أن أمثل حال هذا المؤلف بمثل لتقريب ما يفعله في نقاشه مع الأشاعرة، فإنني لست أرى مثلا أقرب من ابن تيمية حين ادعى أن الأشاعرة قد عطلوا الله تعالى حين قالوا إن العالم حادث وليس قديماً ولا يوجد في الأزل إلا الله تعالى، فقال لهم: إن هذا القول يعني أن الله تعالى قد مرَّ عليه أزمان طويلة لم يكن فيها خالقاً ثم خلق!! وذلك بناءاً منه على اعتبار الزمان والمكان قديمين!! ومعلوم عند العارف أن هذا الكلام ما هو إلا محض تحكم وتأويل فاسد لكلامهم. وهو بالضبط ما يفعله هذا الناقد هنا، مع اختلاف الزمان، وقد بينت أنا خطأ ابن تيمية وألفت رسالة خاصة في نقض كلامه في هذه المسألة.
– ثم قال هذا الناقد في صـ42ـفحة: إن تركز البحث بالخالقية عند حزب التحرير هو سبب إشكاليته وهي إشكالية الإيمان الإسلامي منذ قرون.
وعلل ذلك قائلاً: لأن الإيمان أو التسليم بالخالقية ليس له أدنى تأثير في النهضة.
ثم قال في مكان آخر:لقد وقع حزب التحرير أسيراً والناس عموماً حين بحثوا عن الخالقية لا غير،وجعل ما عدا ذلك أمراً لا يهم الإنسان معرفته.” اهـ .
إننا نسلم مع المؤلف أن الإيمان بمجرد الخالق لا يؤدي بمجرده إلى الإيمان بالإله الذي يستحق العبادة، وذلك لأنه قد يتصور بعض الناس الخلق على معنى معين يجوز معه تصور الخالق غير فاعل إلا لحظة الخلق الأولى كما قال به بعض الفلاسفة اليونان وكما هو مقتضى فلسفة الغرب البراجماتية في هذه العصور على التسليم بأنهم يؤمنون بوجوده.
________________________________________
وهذا الفريق يقول: إن الخالق هو كالشرط لوجود المخلوق، لا كالعلة الفاعلة، والشرط بعد وجود المشروط لا يعود هناك حاجة لوجوده، فمن قال من الناس: إن الخالق كالشرط فإنه يلزم منه أن يكون الإيمان بأنه خالق غير كاف للإيمان التام، وأما من قال إن الله تعالى بصفاته أو بتعلقاتها كالعلة لوجود العالم، فلا يمكن أن يقول إن الإيمان بأنه تعالى خالق لا يكفي للإيمان التام، وذلك لأن الخلق عنده يكون بمعنى التدبير، والمدبر هو الرب والإيمان بالرب يستلزم الانقياد له، أو على الأقل التسليم بوجوب الانقياد له.
والمسلمون يقولون إن تعلق القدرة الإلهية لزم عنه وجود العالم وتغيراته، ولم يتخلف العالم عن التعلق المذكور، فالتعلق إنما هو علة لوجود العالم.
ولهذا التوضيح لا يجوز أن يقال: إن مجرد القول بالخالق لا ينتج عنه الإيمان التام الكامل المعتبر شرعاً والمنتج للعمل، بل يجب الاحتراز والتفصيل.
هذا إن قصد المؤلف بكلامه السابق أن من قصر أبحاثه أو ركز في بحثه وأدلته على إثبات الخالق فلا يمكن أن يكون هذا أساساً كافيا للإيمان المعتبر، أما إن قصد أن الوقوف في البحث عند مجرد إثبات الخالق دون الاهتمام بإثبات صفاته وما يثبت له من أحكام،فكلامه صحيح ولا خلاف، مع أن ظاهر كلامه إنما يدل على الأول، وذلك لأنه شمل بحكمه الناسَ جميعاً، ونحن نعلم أن معظم المسلمين كما اهتموا بالكلام على إثبات الذات اهتموا أيضا بالكلام على إثبات الصفات، وهم جميع المتكلمين. ولم يقف من المسلمين عند الإيمان بالذات إلا الذين منعوا النظر أصلاً. بل حتى المجسمة من الذين ينتمون إلى الوهابية ومُدَّعِيْ السلفية لم يقتصروا في كلامهم على الذات فقط بل تكلموا أيضا على الصفات وبتفصيل أكثر من باقي المتكلمين، وإن أخطأوا فيه.
فائدة جليلة:
________________________________________
ذكر الجلال الدواني في شرحه على العقائد العضدية كلاماً جيداً عن التوحيد فقال: “واعلم أن التوحيد إما بحصر وجوب الوجود أو بحصر الخالقية أو بحصر المعبودية” ثم تكلم عن الأول والثاني .. وقال: “والثالث وهو حصر المعبودية فيه وهو أن لا يشرك بعبادة ربه أحداً، فقد دلت عليه الدلائل السمعية، وانعقد عليه إجماع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ كلهم قد دعوا المكلفين أولاً إلى التوحيد، ونهوهم عن الإشراك في العبادة، قال الله تعالى: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) اهـ .
وهذا الكلام فيه فوائد ليس هنا مجال بيانها، فتأمل فيه تجد ما يرضيك.
الباب الثالث
القضاء والقدر وأفعال العباد
لا يكون كلامنا خطأ إذا قلنا: إن معظم كلام صاحب الكتاب موضوع النقد يدور حول مفهوم القضاء والقدر، فكل من مفهوم الرزق والأجل والمال والنصر إنما هي فروع عن هذه المسألة، وهي تشكل القسم الأكبر من الكتاب.
ولذلك لا ضرر في أن نفصل في نقض كلامه في مسألة القضاء والقدر بعض التفصيل، لأن ذلك سيكون قاعدة للكلام الذي يليه.
نعم إن الكلام في القضاء والقدر إنما هو بحث في الحرية والمسؤولية والنتيجة، وهو بحث في العدل. ولكن لا يعني مجرد الابتداء بهذه الجملة أن كل ما قاله مؤلف الكتاب بعد ذلك هو وصف صحيح لحقيقة الواقع الخارجي فعلاً، بل قد يكون مخالفاً له تمام المخالفة.
ومع أن المؤلف يدعي أنه هو الذي يوضح المذهب الحق في العدل واحترام الإنسان ووضعه في موضعه الذي يستحق، ويجاهر بهذا الكلام ويبالغ فيه مبالغة تامة، إلا أن هذا الكلام منه قد لا يكون أكثر من ادعاء لا واقع تحته، والذين ينخدعون به لا يكونون إلا قصيري النظر وضعيفي التحصيل.
________________________________________
وأيضاً فإن مجرد تهويلاته في الحط من مذهب الأشاعرة لا يعني أنه فعلاً قد فهم مذهبهم، وعرف بالأدلة التامة أنه يخالف الواقع، بل إن الواقع الفكري واستقراء أساليب الكتاب يدل في معظم الأحيان على أن من يجاهر بفكرته ويستسخف أفكار الآخرين ويوهم قراءه أن مخالفيه في منتهى الانحطاط الفكري فإن حاله غالباً يكون الجهل بحقيقة حال من يرد عليهم، بل الجهل أيضاً بحقيقة المذهب الذي ينتمي هو إليه.
هذا كله في حال عدم وصول الكاتب إلى التحقيق التام والعلم الواسع على الأقل في موضوع كتابته، كحال صاحبنا هذا.
وقبل أن نشرع في نقد ما في كلام المصنف مما يتعلق بهذا الموضوع أي القضاء والقدر، لا بأس أن نوضح آراء الفرق الإسلامية وأقوالها فيه، لأن هذا يساعد في فهمه وفهم الكلام الذي سوف نقوله، مع ملاحظة أن المؤلف قد أشار باختصار – وبما لا يتعدى السطور – إلى ذلك.
مفهوم القضاء والقدر:
القضاء والقدر هو في النهاية بحث في أفعال الإنسان، وبحث في إرادته، بل هذا البحث أولًا ينبني عند أهل السنة على النظر في أفعال الله تعالى، وقدرته، وإرادته، وذلك قبل انبنائه على أفعال الإنسان.
هذا هو الأساس الحقيقي للمسألة، وذلك لأن وجود الإنسان وأفعاله في الحاصل إنما هو نتيجة لأفعال الله تعالى إما مباشرة أو بالوساطة على اختلاف مذاهب الناس، فأهل السنة قبل تقعيد القواعد في أفعال الإنسان يحققون الحق في أفعال الله تعال، بخلاف غيرهم، حيث كثيراً ما يعكسون الأمر.
ولهذا سوف نوضح أقوال الإسلاميين في هذا الأمر، ونركز بعض التركيز على توضيح قول أهل السنة حتى نبني أساساً قوياً نناقش عليه هذا الكاتب الذي يكثر من الخلط في الأمور.
الذي يهمنا بيانه من المذاهب هو في النهاية مذهب أهل السنة، ولذلك سيكون اهتمامنا ببيان غيره من المذاهب من حيث يساعد في بيان قول أهل السنة، كما يقولون: “وبضدها تتميز الأشياء”.
________________________________________
المذاهب التي سوف نوضحها هنا أربعة: وهي مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة ومذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة، وربما نشير إلى مذهب الفلاسفة في أفعال العبد والقضاء والقدر لزيادة التوضيح.
أولا:مذهب الجبرية في الأفعال:
أوضح الإمام السعد التفتازاني مذهب الجبرية في شرح العقائد النسفية بقوله: “زعمت الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة للعبد عليها ولا قصد ولا اختيار” .
وخلاصة رأي الجبرية أنهم يقولون أن العبد لا استطاعة له على فعله لا كسباً ولا خلقاً.
وقد لخص الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح في كتابه”دراسات في الفكر العربي الإسلامي” صـ268-269ـفحة أصول مذهب الجبرية بكلام جيد نذكره هنا، قال:
تؤكد الشواهد التاريخية أن الجهم بن صفوان الراسبي كان رأس مدرسة الجبرية الخالصة ومؤسسها والمدافع عن آرائها، وأنه كان يرى أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات،كما يقال: أثمرت الشجرة وجرى الماء وترك الحجر وطلعت الشمس وغربت وتغيمت السماء وأمطرت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك..
وبالعودة إلى القواعد الكلية الضابطة التي أشرنا إليها فيما تقدم يتبين لنا أن مذهب الجهم ينطوي على جملة أمور متداخلة ومتضايفة هي:
أ) أن الإنسان غير فاعل على الحقيقة ونفي الفعل عنه حقيقة بإضافته إلى الرب تعالى، يعني: إنكاره للقدرة الحادثة وتأثيرها، سواء باستقلال عن القدرة الإلهية أو في اقتران معها.
________________________________________
ب) إن إضافة الفاعلية والتأثير إلى القدرة الحادثة ليست إلا مجازاً كما ينسب الإحراق إلى النار، فالأفعال الإنسانية كفعل الجمادات طبع واضطرار لا اختيار فيه، انتهى كلامه .
هذا هو خلاصة قول الجبرية، وهم الجبرية الخالصة أتباع الجهم بن صفوان.
وقد ادعى بعض المستشرقين- كما أشار الدكتور عرفان في كتابه-، مثل فون كريمر وماكس هورتن ودوي بور وجوزيف شاخت ووليم طومسون إلى أن مذهب الجبرية ولد في الدولة الإسلامية نتيجةً لتأثره بالثقافات الأجنبية كالهندية واليونانية واليهودية والمسيحية، وهذا القول باطل فإننا لا ننسى أن كثيراً من المستشرقين ادعوا في علم الكلام كله بكافة اتجاهاته أنه ما كان إلا نتيجة لتأثر المسلمين بالثقافات الأجنبية وتقليدهم لها، وهذا هو شأن المستشرقين في محاولة عزو كل ناحية من نواحي الثقافة الإسلامية إلى الثقافات الأجنبية ليؤكدوا أن المسلمين لا يوجد لهم شخصية مستقلة تنبعث منها أفكارهم، باستقلال.
وقسم من المستشرقين ادعى أن القول بالجبر جاء بإيحاء من الأمويين وتشجيع منهم حيث اتخذوا المذهب وسيلة لتبرير سلطانهم القائم على الكبت ومصادرة الحريات والدعوة إلى نزعة جبرية صارمة ترى الأمور مقدرة مسبقا وأزلاً، وأن ليس للإنسان تجاه الأوضاع والأحداث المقدرة له حول ولا سلطان إلا الاستسلام لها والانقياد لأحكامهاالعقيدة والشريعة في الإسلام-الترجمة العربية ص97وما بعدها>.
قال الدكتور عرفان: وهذا الرأي مردود أيضاً على أصحابه ذلك أن الجهم بن صفوان رأس المدرسة الجبرية ومؤسسها قد خاض غمار ثورة مسلحة وعنيفة ضد السلطة الأموية في أخريات أيامها، فقتل على يد مسلم بن أحوز المازني وبأمر من والي الأمويين على خراسان سنة128هـ.
________________________________________
وقد قال بهذا الرأي في أصل منشأ الجبريةِ المعتزلةُ ونصوا عليه في كتبهم، ومن ذلك ما قاله القاضي عبد الجبار في كتاب “طبقات المعتزلة” الذي حققه فؤاد سيد، فقد نقل القاضي في هذا الكتاب عن الشيخ أبي علي الجبائي قوله: “قال أبو علي: ثم حدث رأي المجبرة من معاوية لما استولى على الأمر ورآهم يأتمرون بأمره فجعل لا يمكنه حجة عليهم، وأوهم أن المُنكِرَ لفعله قد ظلمه، فقال:لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه، ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره. وكان إذا ذكر فيمن حاربه الغلبة يقول:كيف رأيتم صنع الله؟ يضيف ذلك إلى الله تعالى وإرادته، يستدعي بذلك إلى تقوية باطله، وكان يقول أنا خازن من خزان الله تعالى، أعطي من أعطاه الله تعالى وأمنع من منعه الله تعالى ولو كره الله أمراً لغيره. قال أبو علي:وحدث من ملوك بني أمية مثل هذا القول وذكر غيرُهُ عن معاوية أنه قال: يا أهل العراق أتروني قاتلتكم على الصيام والصلاة والزكاة، وأنا أعلم أنكم تقومون بذلك، وإنما قاتلتكم على أن أتأمر عليكم، وقد أمَّرَني الله عليكم”.
ثم قال القاضي عبدالجبار:”فهذا الأمر الذي هو الجبر نشأ في بني أمية وملوكهم وظهر في أهل الشام ثم بقي في العامة وعظمت الفتنة فيه” اهـ.
ونحن لا ننكر أن لبني أمية أثر ملحوظ في نشر تيار الجبرية، ولكن هذا لا يعني أن أصل هذا التيار جاء منهم، فقد يكون الجبر له أصول في المسلمين ورأى الأمويون أنه يمكن أن يخدمهم، فاستغلوه كما شاؤوا بعد ذلك.
________________________________________
ثم أوضح الدكتور عرفان رأيه في أصل منشأ الجبرية فقال: والحق فإن القول بالجبر حالة تتولد في العادة عن نزعة روحية ورعة من شأنها أن تخلق في الغاية والنهاية حالة نفسية سامية تتراجع معها الإرادة الإنسانية لتفنى في عظمة الخالق تعالى وجبروته وكماله، وهكذا يأتي القول بالجبر تعبيراً عن حالة نفسية لروح متديِّنة تذوب إرادتها في إرادة الله تعالى، فلا تعود تشعر معها باستقلالية في الفعل والتدبير وترى الكمال الإنساني في استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد، وفي مثل هذه الحالة النفسية المعاشة والتجربة الروحية العميقة لا تقيم النفس الإنسانية للعقل ومنطقه ولوازمه وزناً، وتسقط من الاعتبار ما يراه العقل العملي أو النظري من رابطة علية بين القول بالجبر وما يترتب عليه من إسقاط للمسؤولية الخلقية وتسوية بين العقاب والثواب وانتفاء للفائدة من بعثة الأنبياء ورفع للتكاليف، فهذه كلها شأن العقل الاستدلالي المحكوم بمنطقه القائم على الربط بين المقدمات والنتائج، أما الروح الفانية في إرادة الله تعالى فإنها وقد أرسلت نفسها مع الله على ما يريد لا تقيم لمثل هذه العلية قدراً ووزناً، وعلى هذا الفهم الذي أسماه الصوفية بالتوحيد الإرادي، ينبغي أن تحمل أيضا جملة الآيات القرآنية التي تدل في ظواهرها على فناء الإرادة الإنسانية في الإرادة الإلهية السامية، انتهى كلامه .
فهذه هي النظرات الثلاثة أو الأربعة- منها آراء مقبولة ومنها آراء مردودة.
وقد ناقش أهل السنة رأي الجبرية الخالصة وأوردوا الأدلة على أنه بصورته التي تنفي أيَّ إرادة للبشر فهو مذهب مردود، مخالف لأصل التكليف، وأثبتوا بطلانه بهذه الصورة بالضرورة.
ثانيا:مذهب المعتزلة في الأفعال:
________________________________________
ربما يجب في البداية أن ننبه إلى أن النقيض التام للجبرية ليسوا هم المعتزلة بل القدرية، والقدرية فرقة أخرى غير المعتزلة وكانوا قبلهم في الزمان، وهم أصحاب معبد الجهني (ت 80هـ)، وغيلان الدمشقي ( ت99 )، وقد قالوا بالقدر الخالص وأنكروا علم الله تعالى الأزلي بأفعال العباد، وقالوا مقولتهم المشهورة المعروفة: “لا قدر والأمر أُنُف”، أي إن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد حصولها، وبالتالي يستحيل أن يكون قد قدرها منذ الأزل .
وهذا المذهب مذهب مرذول مردود من قبل سائر الفرق الإسلامية، لأنه يعارض أموراً معلومة من الدين بالضرورة، كظاهر مذهب الجبرية كما نبهنا .
قلنا: إن مذهب المعتزلة ليس هو مذهب القدرية، ويجب على الباحث المخلص التفريق بينهما، وسوف نشرع الآن في توضيح مذهب المعتزلة.
حاصل مذهب المعتزلة أن العبد يفعل فعله بقدرته التي أودعها الله تعالى فيه باختياره، ومعنى فعل العبد هو أنه يخلق فعله ويوجده من العدم بإرادته الحرة، فالفعل ناتج فقط عن قدرة العبد وبلا تدخل من قدرة الله تعالى.
مع إقرارهم أن الله تعالى يعلم ما سوف يكون منذ الأزل، ومع هذا فإن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى بل هي مخلوقة للناس.
وهم يعللون هذا بأن الأفعال لو كانت مخلوقة لله تعالى للزم على هذا أن يكون العبد مجبوراً، لأنهم لم يتصوروا أمراً بين الخلق والجبر، فقرروا أنه إن لم يكن مخلوقاً للعبد فإن العبد يكون لا محالة مجبوراً عليه، وكل مقصدهم هو أن يفروا من كون العبد مجبوراً.
ففروا بهذا القول من المحظور الذي وقع فيه الجبرية ومن المحظور الذي وقع فيه القدرية، فكانوا وسطاً بينهما، ومع هذا فإننا نقول: إن مذهبهم أغفل أمراً مهما وهو أنه قد ثبت بالدليل القاطع أن الله تعالى هو الخالق ولا يوجد خالق غيره، وما دام هذا ثابتاً فكيف يكون العبد خالقاً لأفعاله ؟‍‍!
________________________________________
وحاصل مذهبهم على هذا التوضيح أن بعض الموجودات يخلقها العبد والبعض الآخر يخلقه الله تعالى، نعم لا خلاف أن مخلوقات الله تعال أكثر وأكمل، ولكن هذا ليس موضع النقاش، بل المهم هو أن بعض الموجودات صادرة عن قدرة المخلوق التي نتجت عن قدرة الخالق، وقد يقولون: إن هذا راجع إلى أن الله تعالى خالق للجميع ولكن بالواسطة، أي إنه ليس خالقاً مباشراً لبعض الموجودات.
وهذه النقطة هي إحدى نقاط الخلاف مع مذهب الأشاعرة ومع الفلاسفة أيضاً، الذين يقولون بصدور الجميع عن الله تعالى بلا واسطة على التحقيق من مذهبهم كما قرره كثير من المحققين.
وقد نقل الدواني في شرح العقائد العضدية أن حاصل مذهب الفلاسفة لا يختلف عن مذهب الأشاعرة من أنه لا فاعل في الوجود إلا الله تعالى، وأن جميع الحوادث صادرة عن الله تعالى بلا واسطة، وأن هذا هو التحقيق عندهم.
وعلى مذهبهم إشكالات أولها أنه يخالف دليل التوحيد الذي ينتج عنه أن كل ما في الوجود فإنما هو بخلق الله تعالى.
وادعى بعض المعتزلة أن كون الفعل واقع بقدرة العباد إنما هو أمر ضروري مركوز في الطباع وما يذكر من الأدلة إنما هو تنبيه على هذا الأمر المعروف بالضرورة.
ومن حججهم أن الجميع يعرف الفرق بين الحركات الصادرة بالاختيار كالمشي على الأرض وبين الحركات الصادرة من العباد بالضرورة وبلا اختيار كالسقوط،وما هذا الفرق إلا لأنه يدرك أن الأولى بإرادته وقدرته، ويدرك أن الثانية بخلافها.
ولكن الحق أن هذا الدليل لا يفيد ما يريدون إثباته، أي من أن للعبد قدرة يخلق بها، بل أقصى ما يفيده هو أن للعبد قدرة تعلقت بهذا الفعل على حسب قصده واختياره ولا تفيد أن الفعل مخلوق له.
وأهل السنة لا ينكرون وجود قدرة للعبد على وفاق فعله ولا ينكرون وجود إرادة له كذلك، ولكن الذي ينكرونه هو أن تكون قدرة العبد الحادثة لها تأثير في خلق الأفعال أي في إيجادها من العدم.
________________________________________
فيتضح أن الحاصل أن أدلة هؤلاء لا تنتج إثبات ما يريدون إثباته.
وقال البعض الآخر أن الحكم بهذا الحكم أي إن للعبد قدرة يخلق بها ليس ضروريا بل هو نظري أي يحتاج إلى استدلال.واستدل هؤلاء على قولهم بأنه لو لم يكن للعبد قدرة يخلق بها لبطل التكليف والتأديب وارتفع المدح والذم والعقاب والثواب وبطلت فائدة البعثة.
والجواب على هذا سهل، وهو أن كلامهم هذا يلزم لو لم يكن للعبد قدرة أصلاً، كما يقول به الجبرية، أما بالقول بقدرة تتعلق بالفعل تعلقاً ليس هو الإيجاد بل هو الكسب كما يقول به أهل السنة، فلا يرد.
وأيضا فأهل السنة والجماعة يقولون أيضا بوجود القصد والاختيار للعبد، ولكن لا يقولون إن القدرة هي التي توجد الفعل، بل يتعلق بها تعلقاً هو كسب لا تعلقاً هو إيجاد.
وأيضاً فإن الذم والمدح يتصور ليس فقط بكون الممدوح هو خالق الشيء أو بكون المذموم هو خالق الشيء أيضاً، بل يكفي لكي يصح توجه المدح والذم إلى المرء أن يكون المرء مكتسباً له أي راغباً به وبقيامه بنفسه، مع أنه ليس فاعلاه له، فالمدح والذم إنما يتوجه على المرء من حيث هو محل للحسن والقبيح لا من حيث هو فاعل له، وهذا هو معنى قولهم، إن المدح والذم يتعلقان باعتبار المحلية لا ياعتبار الفاعلية.
وأما لزوم الثواب والعقاب فهو ليس لزوماً عقلياً بل هو لزوم عادي، وهذه المسألة قد فُصِّلت في علم أصول الفقه.
واتفق المعتزلة مع أهل السنة على أن الله تعالى عالم لكل ما سيكون من أفعال العبد منذ الأزل، وأن العلم بذاته ليس مؤثراً في الشيء، فعلمه تعالى بأن فلاناً سوف يفعل كذا لا يعني أن فلاناً قد صار مجبوراً على هذا الفعل، وفي نفس الوقت فإنه يعني أنه يجب أن يفعل الفعل الذي تعلق علم الله تعالى به، لأنه لو لم يفعله للزم الجهل عليه تعالى، وهذا مستحيل في حقه تعالى.
________________________________________
هذا هو حاصل مذهب المعتزلة، فهم كانوا يريدون أن يصححوا نزول الشرائع أي صحة التكليف، وكانوا يريدون أن ينزهوا الله تعالى عن العبث والظلم، ولكنهم لجأوا إلى أمر باطل في ذاته لا تسوغه لهم الأدلة العقلية ولا العمومات النقلية، ومن هنا فإننا نقول: إن مذهب أهل السنة هو أقرب إلى الحق من مذهب المعتزلة، ولكن القول بمذهب المعتزلة لا يؤدي إلى الكفر لأنه لم يخالف أمراً مقطوعاً به ولم يبطل أصلاً من أصول الشرائع.
ثالثا:مذهب الماتريدية في الأفعال
قال الإمام البزدوي الماتريدي الحنفي في كتاب”أصول الدين”: قال أهل السنة- أي الماتريدية -: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعولة، والله تعالى هو موجدها ومحدثها ومنشئها، والعبد فاعل على الحقيقة، وهو ما يحصل منه باختيار وقدرة حادثين، هذا هو فعل العبد، وفعله غير فعل الله تعالى، وفعل الله تعالى هو الإيجاد والإحداث،كإيجاد العين، وللعبد فعل وليس منه إيجاد” .
فأثبت للعبد فعلاً غير فعل الله تعالى، وهذه هي أول نقطة يختلف فيها السادة الماتريدية من أهل السنة مع السادة الأشاعرة من أهل السنة أيضاً، فالأشاعرة يقولون إن فعل العبد هو نفس فعل الله تعالى.
________________________________________
ثم قال:”إن الله تعالى قال: ? خلقكم وما تعملون ? جعل عملنا مخلوق الله تعالى فحقق عملنا وحقق خلق الله تعالى، وكذلك قال: ? وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق ? أضاف القول إلينا ثم جعله مخلوق الله تعالى، وكذلك قال: ? ومن آياته خلق السماوت والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ? أضاف اختلاف الألسن إلينا وجعل ذلك مخلوق الله تعالى، فقد جعل فعلنا مخلوق الله تعالى، فدلتنا هذه النصوص أن الأفعال منا بقدرة حديثة منا، وهي مخلوقة الله تعالى، فكانت هذه النصوص حجة على الخصوم أجمع، ولأن الله تعالى أضاف الأفعال إلينا في كتابه في مواضع كثيرة، قال تعالى: ? جزاءا بما كانوا يعملون ?، وقال: ? وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها ?، وقال: ? إذا قمتم إلى الصلاة ?، وكذلك نهانا عن أفعال كثيرة، وأمرنا بأفعال كثيرة فلا بد من أن يكون لنا فعل، ويجب أن يكون ذلك بهداية الله تعالى ومشيئته وإرادته، فإيجاد الجلوس فعل الله تعالى والجلوس فعل العبد، على معنى أنه حادث بقدرة حادثة حصلت منه فصار ذلك الفعل موجوداً بإيجاد الله تعالى، ففعل الله تعالى هو الإيجاد وهو إيجاد الجلوس والجلوس فعل العبد” اهـ .
هذه هي الطريقة التي يستدل بها الماتريدية على رأيهم في المسألة بناءا على النصوص التي ذكرناها، وعلى غيرها مما لم نذكره.
________________________________________
ثم قالوا بعد ذلك: بما أن فعل العبد مقدور لله تعالى فيجب إذن أن يدخل تحت القدرة الإلهية، أي يجب أن يكون الله تعالى هو خالقه، وبما أنه ينسب إلى العبد فيجب أن يكون العبد هو فاعله، وبما أنه لا مخالف في أن الفعل يدخل تحت قدرة العباد فيجب التسليم أيضا أنه يدخل تحت قدرة الله، لأنه يستحيل أن يدخل شيء تحت قدرة العبد ولا يدخل تحت قدرة الله، فللّه تعالى قدرة وللعبد أيضا قدرة، والفعل داخل تحت القدرتين معاً، من غير أن يؤدي ذلك إلى تناقض واستحالة، فالفعل يكون بإيجاد الله تعالى، وإيجاده تعالى قديم، وقدرته تعالى قديمة، والعبد يفعله بقدرة حادثة، فكان فعل العبد غير فعل الله تعالى، وكل واحد من القدرتين متعلق بهذا الفعل على معنى أنه يظهر آثار قدرتهما في هذا الفعل.
وبقيت هنا مسألة وهي لو قال أحدهم رداً على مذهب الماتريدية بأنه يلزم عليه أن العباد يجوز لهم أن يحتجوا على تركهم للطاعات وفعلهم للمعاصي بأن أفعالهم ليست بخلقهم بل بخلق الله تعالى، ولم يكن لهم قدرة على فعلها ولا تركها.
فالجواب بناءا على مذهبهم أن يقال:إن الله تعالى لا يأمر العبد بفعل إلا أن يكون للعبد آلة صالحة لأداء ذلك الفعل، ثم إن الله تعالى لا يخلق الفعل إلا لمن له تلك الآلة الصالحة للفعل وتوفر منه العزم عليه.
ولا بد من التفريق بين نوعين من الأفعال التي يتصف بها العباد، النوع الأول الضرورية التي سبق وصفها وهي التي توجد في العباد بلا قدرة منهم ولا اختيار ولا إرادة، النوع الثاني الأفعال التي توجد فيهم باختيار منهم وقدرة منهم عليها كما سبق.
ومع أن الله تعالى هو خالق هذين النوعين من الأفعال، إلا إنه يوجد فرق ضروري بينهما وهو أن أحدهما يوجد باختيار العبد وهو الذي يكون به التكليف، والنوع الآخر يوجد فيه بلا اختيار منه ولا يكون بهذا النوع تكليف. فلا يصح بعد هذا الاحتجاج بما قيل.
________________________________________
ولا أكاد أجد فرقاً حقيقيا بين مذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة على ما قرره الإمام البزدوي هنا.
وقد ذكر الإمام نور الدين الصابوني في كتاب البداية معاني ما نص عليه البزدوي ثم قال: ” فالحاصل أن فعل العبد يسمى كسباً لا خلقاً وفعل الله تعالى يسمى خلقاً لا كسباً، واسم الفعل يشملهما، وهذا عندنا. وعند الأشعرية الفعل عبارة عن الإيجاد حقيقة إلا أن الكسب يسمى فعلا مجازاً “.
فأظهر الإمام الصابوني أن الخلاف بين المذهبين يكاد ينحصر في التسمية ولا أساس له في المعنى والحقيقة.
ولكن الشيخ المحقق محمد الحسيني الظواهري في كتابه “التحقيق التام في علم الكلام” قرر وجود فرق معنوي بين المذهبين على ما سيأتي، وهذا هو المشهور عند المتأخرين من المتكلمي،.كما أشار إليه الإمام ابن الهمام في المسامرة.
– فقد ذكر انهم قالوا: إن الأشاعرة التجأوا إلى القول بخلق الله تعالى لكل شيء من الأفعال ومنها الأفعال الإنسانية كلها، لأنهم قالوا: إن الأدلة النقلية ملجئة إلى القول بذلك لعمومها، ولكن الواقع ليس كذلك فإن الأدلة تكون ملجئة إن لم تتعارض مع غيرها ولم تحتمل التخصيص، أماهذه الأدلة التي استندوا إليها فإنها تحتمل التخصيص، فإن ظاهر قول الأشاعرة يلجئ إلى القول بالجبر، لأنهم يقولون: إن كل الأفعال فالله تعالى هو خالقها، ولكننا نقول إن الله تعالى إن أعطى القدرة لعبيده على بعض الأفعال فإن ذلك لا يؤثر على شيء من المقام العالي له تعالى، ولا ينقص من خصائص الألوهية.
________________________________________
ونفي الجبر المحض وتصحيح التكليف لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم كما تقوله المعتزلة بالإيجاد، بل يكفي لنفيه أن يقال جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات إنما يوجد بخلق الله تعالى وكذلك التروك التي هي أفعال النفس لأن الترك كف النفس عن الميل إلى الشيء وعن الداعية التي تدعو إليه وعن الاختيار له إنما يوجد الجميع بخلق الله تعالى لا تأثير لقدرة العبد فيه، وإنما محل قدرة العبد عزمه عقيب خلق الله تعالى فيه هذه الأمور في باطنه عزماً مصمماً بلا تردد وتوجهه توجهاً صادقاً للفعل طالباً إياه توجهاً لا يلابسه شوب توقف، فإذا أوجد العبد ذلك العزم المصمم خلق الله تعالى له الفعل عقيبه فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حركة.
ثم علق الشيخ الحسيني الظواهري على هذا الرأي فقال:
“وهذا الرأي يصحح التكليف بمثل ما صححه به المعتزلة إلا أنهم قصروا المسافة فجعلوا التأثير للعبد في العزم فقط”.
ثم زاد معارضا له فقال: وهو كلام إلى الخطابة أقرب ونقول لهم الجبر ينتفي بمدخلية العبد بغير التأثير لأن الجبر عند عدم المدخلية للعبد بالمرة، فقول البعض إن العبد مجبور في الباطن مختار في الظاهر فهما منه أن المنافي للجبر هو المدخلية على وجه التأثير مخالفٌ للواقع، لأن الجبر بعدم المدخلية أصلا.
وهذا الكلام منه في غاية التحقيق.
وبهذا نكون قد مهدنا السبيل إلى ذكر قول الأشاعرة المحققين من أهل السنة.
رابعاً: مذهب الأشاعرة في الأفعال:
قال الإمام العلامة السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية:” وللعباد أفعال اختيارية يثابون بها إن كانت طاعة ويعاقبون عليها إن كانت معصية ” اهـ.
وقوله: إن للعباد أفعالاً اختيارية أي يكتسبونها كسباً، فتنسب إليهم لذلك.
________________________________________
وقال العلامة صاحب التحقيق التام في علم الكلام: ” أفعال العباد من جملة أفعاله تعالى، فهو تعالى خالق لأفعال العباد الاختيارية وغير الاختيارية، بل هو خالق لسائر أفعال الأحياء وخصوا الكلام بالعباد لأن بعض الأدلة خاص بهم كالإيمان والشكر، واتفقوا على أنها تسند إليهم لا له لأن القائم والآكل والجالس هو زيد مثلاً وإن كان الفعل مخلوقاً لله تعالى فإن الفعل إنما يسند لمن قام به لا لمن أوجده، فالأبيض مثلاً هو الجسم لا الموجد” اهـ .
فالشيء ينسب إلى من قام به ذلك الشيء قيام اكتساب أو اتصاف، لا أي نوع من أنواع القيام، فاللوح المحفوظ قد قام به كلام الله تعالى أو بعضه، ولكن لا يقال إن الكلام الموجود فيه هو كلام للوح المحفوظ بل يقال: إنه كلام الله تعالى، وتحقيق هذه المسألة في علم الكلام.
هذا هو الأصل الذي استند إليه أهل السنة والجماعة في تحقيق هذه المسألة، فالأفعال مخلوقة لله تبارك وتعالى، وتسند إلى العباد لا على أنها مخلوقة لهم بل على أنها مكتسبة منهم، بالقدرة الحادثة.
قال بعض الفضلاء يخلص المذاهب ويبينها من بعضها:
” اعلم أن المؤثر في فعل العبد بالخلق والإيجاد إما قدرة الله تعالى فقط من غير دخل لقدرة العبد وهو مذهب الجبرية أو مع دخلها بالكسب وهو مذهب الأشعري، أو قدرة العبد فقط بلا إيجاب وهو مذهب جمهور المعتزلة أو بالإيجاب وهو مذهب الحكماء والمشهور فيما بين القوم عن إمام الحرمين، لكن صرح في الإرشاد وغيرها بخلافه، أو مجموع القدرتين على أن يؤثرا في أصل الفعل وهو مذهب الأستاذ منا والنجار من المعتزلة، أو على أن تؤثر قدرة الله تعالى في أصله وقدرة العبد في وصفه بأن يجعله موصوفاً بمثل كونه طاعة أو معصية وهو مذهب القاضي أبي بكر .
________________________________________
ثم الأستاذ إن أراد أن قدرة العبد غير مستقلة بالتأثير وإذا انضمت إليها قدرة الله تعالى صارت مستقلة بتوسط هذه الإعانة على ما قدره البعض فقريب من الحق، وإن أراد أن كلا من القدرتين مستقلة بالتأثير فباطلة لامتناع مؤثرين لأثر واحد.
والحق في هذه المسألة مذهب الأشعري وهو أن لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، أي إن للعبد اختياراً في نفسه، لكنه ليس منه، لأنه لا يُوجِد شيئاً بل من الله تعالى ويسمى هذا جبرا متوسطاً ” اهـ كلام الفاضل، وهو في غاية الإفادة.
وأما قوله أن مذهب الأشعري يسمى جبراً متوسطاً فقد سبق التعليق عليه من كلام المحقق الحسيني وتبيين المراد منه والتحذير من فهمه فهماً غلطاً.
فالأصل الذي يبني عليه أهل السنة كلامهم أن الله تعالى عالم بجميع أفعال العباد وقادر عليها ومريد لها، وأن هذا لا ينافي الاختيار للعباد، ولا يعني الجبر كما أشرنا وكما سوف يتضح أكثر فيما يأتي.
قال العلامة التفتازاني:” فإن قيل: بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته فالجبر لازم قطعا، لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع ” .
هذا هو الإيراد الذي افترضه السعد، وأجاب عنه بما يلي، قال:” قلنا: يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره فلا إشكال “.
وهذا الجواب صحيح قطعاً ويبين الحق لمن يتمعن فيه.
ثم قال: ” فإن قيل: فيكون فعله الاختياري واجباً أو ممتنعاً وهذا ينافي الاختيار.
قلنا: ممنوع، فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف له. وأيضا منقوض بأفعال الباري جل ذكره لأن علمه وإرادته متعلقان بأفعاله فيلزم أن يكون فعله واجباً عليه ” .
ومعنى هذا أن الله تعالى يريد أفعاله ويعلمها، ويلزم من هذا أنها لا بد أن تقع، وهذا لا يعني أنه تعالى مجبور على أفعاله.
________________________________________
وقد بين الحسيني المعنى الإجمالي للكسب فقال: ” إنا نعلم بالبرهان أنه لا خالق سوى الله ولا تأثير إلا للقدرة القديمة، ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله كالصعود دون البعض كالهبوط، فيسمى أثر القدرة الحادثة كسباً وإن لم نعرف حقيقته، وهذا الإجمال في معرفته مرجعه إلى ما نجده في أنفسنا … وتوضيح المقام أنه لما بطل الجبر المحض بالضرورة وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل وجب التوسط في العقيدة، وهو أن أفعال العباد بقدرة الله اختراعاً وبقدرة العبد بوجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب، نجده من أنفسنا، ولا نعرف حقيقته، وليس بواجب أن يكون تعلق القدرة على وجه الاختراع دائماً، إذ قدرة الله تعالى في الأزل متعلقة بالأشياء من غير اختراع، ثم تتعلق به نوعا آخر من التعلق، فالفعل خلق لله ووصف للعبد، وقدرة العبد خلق للرب ووصف للعبد، وليست كسباً له، هكذا يجب تحرير المقام قبل الاستدلال” اهـ .
ويجب على القارئ التمعن في هذه الفقرة قبل المضي في هذا الرد، بل التمعن في جميع هذه المذاهب المذكورة، ليوقن بعد ذلك إن كانت نفسه صافية بأن مذهب الأشاعرة من أهل السنة هو المذهب الحق لا غيره.
وقد أبان الإمام السعد عن وجه الحق في هذه المسألة في شرح العقائد النسفية أيضاً كما نبهنا من قبل،
فقال:” فإن قيل :لا معنى لكون العبد فاعلاً بالاختيار إلا كونه موجداً لأفعاله بالقصد والإرادة، وقد سبق أن الله تعالى مستقل بخلق الأفعال وإيجادها، ومعلوم أن المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين.
قلنا: لا كلام في قوة هذا الكلام ومتانته، إلا أنه لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله تعالى، وبالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في لعض الأفعال،كحركة البطش دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق كل شيء والعبد كاسب.
________________________________________
وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسبٌ، وإيجاد الله تعالى الفعلَ عقيب ذلك خلقٌ، والمقدور الواحد دخل تحت القدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب.
وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى وإيجاده مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار ” اهـ .
واستند الأشاعرة إلى العمومات النقلية كما سبقت الإشارة إليه نحو قوله تعالى: ? لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ?، ? قل الله خالق كل شيء ?، ? خلق كل شيء فقدره تقديراً ?، ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ?، ? والله خلقكم وما تعملون ?، ? هل من خالق غير الله ?، وغير ذلك .
ونحن هنا لا نريد استقصاء ذكر الأدلة التي استند إليها أهل السنة في هذه المسألة، وذكر وجه دلالتها، فإن هذا الأمر يحوجنا إلى كلام كثير وقد أوفى العلماء هذا المبحث حقه في كتب علم الكلام المطولة والمختصرة، ولكنا هنا نذكر هذه المعاني لأننا متأكدون أن القاريء بل وأيضا المردود عليه لا يعرف الكثير منها على هذا الوجه، ولم يفهم كلام أئمة علماء الإسلام عندما كتب الكلام الذي كتبه وهو موضع النقد والرد، بل إن بعض العلماء المحققين أفردوا لهذه المسألة كتباً خاصة فصلوا فيها الكلام تفصيلاً.
والحاصل في توضيح رأي الأشاعرة وهو هنا ما نريده “لا ننفي قدرة العبد ولا تعلقها وإنما ننفي تعلقها على جهة التأثير”.
قال الشيخ الظواهري في توضيح أصول هذه المسألة وتلخيص المذاهب فيها:
________________________________________
“مسألة خلق الأفعال نشأ فيها الخلاف بسبب أن أدلتها تتدافع، فالجبرية مرجعهم إلى أن ترجيح الفعل لا بد له من مرجح ليس من العبد، ومرجع المعتزلة إلى أن العبد قادر على فعله وهذان الأمران متعارضان، واعتمد الجبرية أيضاً على أن تفاصيل أحوال الأفعال لا تعلمها العباد، واعتماد المعتزلة على أن أفعال العباد واقعة تبعاً لمقصودهم، وهما متعارضان.
والدلائل السمعية مملوءة بما يوهم الأمرين، ومذهبنا وسط بينهما لأن المبادئ القريبة لأفعال العباد على القدرة والاختيار، والمبادئ البعيدة لها على العجز والاضطرار، لأن أفعال العباد متعلقة بمشيئتهم، ومشيئتهم ليست إلا بمشيئة الله تعالى، فلا ننفي القدرة للعبد أصلاً حتى نكون كالجبرية، ولا نثبت تأثيرها حتى نكون كالمعتزلة. فهو مختار كما نجده في أنفسنا ومجبور لقيام الأدلة العقلية والنقلية على أن الأفعال كلها لله ” اهـ .
فهذا تلخيص كاف وبيان واف بمذاهب القوم، ذكرناها هنا لا كما ذكرها المؤلف بل كما يجب أن تذكر في الكتب، وهذا بيانٌ للباحث عن الحق والمريد معرفة حقائق معاني الأقوال المتعددة والمختلفة، ذكرنا المقبول منها والمرذول كلاً على وجهه، لم نغير حقيقته ليسهل الرد عليه والتقليل من قدرها، بل ذكرناها منا أرادها أصحابها بل ربما أفضل مما فعلوا هم، ولا نريد بهذا إلا وجه الله تعالى ورضاه، وأما الدخول في الأدلة والمناقشات فليس هنا محل ذلك كما أشرنا في غير محل.
فرع في بيان معنى القضاء والقدر عند الناس
ويتضمن هذا الباب بيان كيف أن الاحتجاج بالقضاء والقدر على نفي العقاب والثواب غير صحيح.
________________________________________
وقبل أن نبدأ بذلك لا بد أن نبين ما هو معنى القضاء والقدر عند أهل الحق من أهل السنة، ليتسنى لنا بعد ذلك كيف أن احتجاج الناس بالقضاء والقدر لا يصح، وكيف أن اتهام البعض لأهل السنة بأنهم جبريون يسقط عندهم العمل وأن مذهبهم يبطل أصل التكليف والثواب والعقاب إن هو إلا اتهام ساقط لا أساس له، فنقول:
القضاء عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال.
والقدر هو إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها.
ومعلوم أن الإرادة كما هو مقرر عند الأشاعرة تتعلق على حسب العلم الأزلي القديم، والعلم لا يتعلق بالأشياء تعلق تأثير بل تعلق كشف للحقائق.
وهذا المعنى للقضاء والقدر لا ينبغي أن يدعي أحد أنه يؤدي إلى الجبر وأنه تبطل التكاليف بناءا عليه، لأن الأساس الذي ينبني عليه هو في حاصله العلم.
ومن الآيات التي استدل بها الأشاعرة على أن الكل يكون بقضاء الله تعالى وقدره،قوله تعالى في سوررة القمر: ? إنا كلَّ شيء خلقناه بقدر ? .
________________________________________
قال صاحب التبصير في الدين ص92:”ومن عرف معنى هذه الآية وما ورد في معانيها من السلف علم في الحقيقة أن القدري من يجعل لنفسه شيئاً من القدر وينفيه عن ربه، تعالى الله عن قولهم، وتحقق له أنه ليس بقدري من أثبت القدرة لله ونفاها عن نفسه كما بينه الله تعالى في هذه الآية، وتقرر عنده أن من قال بالتسليم الكلي وفوض الأمر إلى الرب القوي فهو من أهل السنة والجماعة، فمن اعتقد أن شيئا من أفعاله لا يكون ظلماً ولا باطلاً وأنه لا اعتراض عليه في شيء مما يأتيه أو يذره ولا يقول كما يقول القدرية إن له أن يفعل كذا وليس له أن يفعل كذا، وبنى عقائده على قوله تعالى: ? لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ?، لم يكن قدرياً وكان من المقاتلة والخصومة بَرِيَّا، وأي تسليم وبراءة من الخصومة أكبر من قول أهل السنة:إن كل ما جرى على العبد من المعاصي فهو خلق الله تعالى، وهو عدل منه سبحانه ومعصية من العبد، وكل ما جرى من العبد من الطاعات فهو خلق من الله تعالى وهو من الله فضل، فهما من العبد طاعة ومعصية ومن الرب فضل وعدل ” اهـ .
وأشار بعد ذلك العلامة الإسفراييني أن العمدة في الإيمان بالقضاء والقدر عند أهل السنة هو قول الرسول في جواب جبريل عليه السلام :”الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره حلوه ومره من الله” اهـ .
وهذا الحديث رواه مسلم وغيره.
وقوله عليه الصلاة والسلام:”اعملوا فكل ميسر لما خلق له” رواه البخاري.
وما رواه الإمام علي رضي الله عنه قال: قال الرسول عليه الصلاة والسلام:” إن الله قدر التقادير ودبر التدابير قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام ” أخرجه مسلم.
وبعد بيان معنى القضاء نذكر الآن الكلام الذي يدعيه من يحتج بالقضاء والقدر على إبطال التكاليف والثواب والعقاب.
________________________________________
يدعي هؤلاء أن التكليف بترك الإشراك لا يصح لأن الأفعال كائنة بإرادة الله تعالى وتقديره، فلا اختيار للمشرك في إشراكه ولا للمؤمن في إيمانه !!
وكلامهم هذا باطل، لأن كون الفعل بمشيئة الله تعالى وتقديره لا يخرجه عن اختيار العبد إلا على طريقة الجبر المحض، وأما على طريقة أهل الحق القائلين بالاكتساب فلا يخرجه ذلك عن مكانة العبد واختياره.
فلا يصح الاحتجاج بالقضاء والقدر لفسق الفساق إذ ليس القضاء والقدر بالمعنى الذي قدمناه جبراً صرفاً، كما قال الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه للسائل حين سأله بعد انصرافه من صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره ؟
فقال:والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء الله تعالى وقدره.
فقال السائل: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً .
فقال: مه أيها السائل، عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين.
فقال السائل: كيف والقضاء والقدر ساقانا ؟
فقال: ويحك، لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن … إلى أن قال: إن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً.
فقال السائل: وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما ؟
قال:هو الأمر من الله والحكم، ثم تلا قوله تعالى: ? وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ?، انتهت الرواية كما ذكرها العلامة الحسيني الظواهري في كتابه.
ثم قال: من هذا تعرف أن علياً رضي الله عنه وكرم وجهه جعل القضاء قسمين حتميا وغيرَ حتمي، وهو يؤيد ما قلنا، والتكليف صحيح مع القضاء والقدر لأن التكليف يصح عند وجود الاختيار ولا شك في وجوده، والاختيار لا ينافي القضاء والقدر بالمعنى الذي قدمناه اهـ .
________________________________________
ثم قال في محل آخر: وتفسير الإمام على للقضاء والقدر بالأمر والحكم يرجع إما أن يرجع إلى صفة الكلام أو إلى صفة العلم وهو أحد المعاني اهـ .
فائدة:
نذكر هنا مذهب الفلاسفة في القضاء والقدر ليشتد تمييز القارئ للمذاهب ويعرف الفروق بينها .
قالت الفلاسفة: القضاء عبارة عن العلم بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها.
والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء.
فالفلاسفة يجعلون خروج الكون على هذه الصورة واجباً على الله تعالى، وذلك لأنهم يقولون إن الله تعالى فاعل على سبيل العلة ولذلك لا يمكن إلا أن يحدث ما يلزم عن العلة التي هي عندهم ذات الباري تعالى.
وقد أوضح بعض المحققين أن مذهب الفلاسفة في الحاصل يرجع إلى أن الله تعالى هو الفاعل على الحقيقة لجميع الأفعال بلا واسطة، كما هو مذهب أهل السنة، ويبقى الفرق أن الفلاسفة يقولون بالوجوب وأهل السنة يقولون بالاختيار.
فمذهب الفلاسفة في أفعال العباد أن العبد يخلق أفعاله الاختيارية بقدرة خلقها الله تعالى فيه بطريق الإيجاب لتمام الاستعداد، وأما عند المعتزلة فإن العبد يخلق أفعاله بقدرة خلقها الله تعالى فيه بطريق الاختيار، وكل هذا لتصحيح التكليف ونفي الجبر المحض.
خاتمة لهذا المبحث:
نختم هذا البحث بكلام للعلامة محمد الحسيني الظواهري في غاية الحكمة والإتقان، فقد قال في خاتمة مبحث أفعال العباد في كتابه المفيد المسمى بالتحقيق التام في علم الكلام: ” وبعد إحاطتك خبراً بالمذاهب وأدلتها، وبمناقشة الأدلة تعلم أن مذهب الحكماء يتنافى مع النصوص القطعية فمثل قدم العالم يتنافى مع وجوب فنائه الذي هو في ذاته ممكن وأخبر به الصادق، فوجب التصديق به ووقوعه.
________________________________________
ووجه المنافاة أن قدم العالم بقدم علته فوجب بقاؤه ببقاء علته، وعلته واجبة البقاء، كيف والنصوص القاطعة دالة بالنص على أنه لا بد من فناء هذا العالم ؟!
ومذهب المعتزلة ظاهره صحة التكليف ولكن أدلته لم تنتج مدعاه وقريب منه مذهب الماتريدية، ويزيد على ذلك أن في بعض نواحي الاستدلال كلاماً خطابياً.
والمذهب المعقول مذهب الأشاعرة وقد بسطنا الكلام فخذه بحمد الله سائغا نسأل الله الهداية للسبيل المستقيم فمن اعتقد واحداً من المذاهب الثلاثة غير الحكماء فاعتقاده صحيح لا يضره شيء وهي ترمي إلى تصحيح التكليف، ولا تتنافى مع النصوص القطعية، وأما مذهب الحكماء فهو وإن صحح التكليف إلا أنه يتنافى مع النصوص القطعية فلا يجوز اعتقاده اهـ .
ونحن وإن كنا قد أطلنا في بيان المذاهب في القضاء والقدر وما يتعلق بهما فإن ذلك كان ضرورياً ليكون مستندا لنا في تفهيم صاحب الكتاب موضوع الرد خطأ كلامه الذي ذكره في هذا المبحث، وكثرة تجنياته على أهل السنة وتحامله عليهم، فأردنا إظهار خطئه بما يليق-من تفصيل- في هذا المحل ليتسنى لنا إقامة الحجة عليه، وليتسنى لنا بعد ذلك أيضاً الحفاظ على فهم القراء وتعريفهم بالحقيقة الخالصة لا على وجه التحامل-كما فعل هو- بل على وجه التحقيق، لا سيما وإن هذا الأصل هو الذي بنى عليه المؤلف كتابه كما أشرنا في بداية هذا المبحث، وهو أصل مهم في عقائد أهل السنة بل عند كل الفرق الإسلامية، كما أنه مسألة هامة في مذاهب الفلاسفة أيضاً.
ونرجع الآن إلى متابعة نقاش المؤلف في بقية كلامه.
الباب الرابع
تكملة الرد على المؤلف
إننا بما سبق أن أوردناه من معاني حول القضاء والقدر وأفعال الإنسان، نكون قد أجبنا على أكثر تساؤلات المؤلف ورددنا عليها.
وزيادة في بيان تهافته سوف نخصص الكلام فيما يلي على كلامه الجزئي بألفاظه كما كانت البداية، وليس فقط الأفكار العامة التي اعتمد عليها.
________________________________________
في صـ54ـفحة يستغرب المؤلف من النبهاني عندما يأتي بتعريف القدر ثم يقرر أن هذا المعنى لا يقتضي كون الإنسان مجبراً، وتعريفه لا يختلف عن تعريف أهل السنة الذي ذكرناه سابقاً.
ويقول المؤلف إن النبهاني لم يجب عن السؤال التالي : إذا كان الدليل القطعي قد دلَّ على أن ما قدره الله تعالى وعلمه وكتبه في اللوح المحفوظ لا محالة كائن، فكيف للإنسان أن يفعل غيره؟؟!
ونحن بدورنا يحق لنا أن نستغرب من استغرابه، لأن الإجابة على سؤاله لم يخالف فيها حتى كبار المعتزلة الذين سلموا أن علم الله تعالى غير مؤثر في أفعال عباده ومع أنهم يقولون أن الله تعالى خالق أفعال عباده إلا أنهم لم يجعلوا من هذا السؤال حجر عثرة في طريقهم، وذلك لأن الجواب عليه معلوم للجميع.
وقد أشرنا في بحثنا السبق إلى الجواب، وعلى سبيل القطع أن العلم بما سيكون من الأفعال ليس معارضاً لاختيار العباد على الإطلاق، وبالتالي لا داعي لاستغراب المؤلف، ويبقى وجه استغرابنا قائماً.
وربما يحق لنا أن نتساءل هنا: هل يعني المؤلف بذلك أن الله تعالى لم يعلم كل شيء منذ الأزل؟؟! وهل يريد أن يقول أن الله تعالى لا يعلم الأمور إلا بعد حدوثها ؟
إنه لا يوجد معنى لذلك إلا ما ذكرناه ،لأنه إن كان يعتبر كون الله تعالى عالما بكل شيء منذ الأزل يلزم عنه أمر باطل وهو كون العباد مجبورين؟ فلا بد له أن ينفك عن أحد الأمرين ،فإما أن يقول إن العباد مجبورون، وهذا الأمر لا يقول به المؤلف قطعا كما لا نقول نحن به، وإما أن يقول إن الله تعالى لا يعلم جميع الأشياء منذ الأزل، ولا سبيل إلى غير هذه الاحتمالات.
________________________________________
والحق أن هذا الأمر يلزمه لزوماً حقيقياً بناءاً على قوله الذي ذكرناه هنا، وإذا قال به فإنه يصير تابعا للقدرية وليس تابعاً للمعتزلة كما تعرفه من تفريقنا بين أقوال الفرقتين كما سبق، ولا قائلا بمذهبهم!! ويكفينا الوصول إلى هذا الأمر لنعلم أن كلام المؤلف في كتابه متهافت لا قيمة له في الغالب.
ثم ذكر المؤلف بعد ذلك بعض الروايات التي يحتج بها على أن الصحابة قائلون بخلق العباد لأفعالهم؟؟!
إنه يحتج على ذلك بقول أبي بكر رضي الله عنه للناس: “إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”، وبقول كثير من الصحابة: “أقول في المسألة برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان”.
ثم ذكر قصة الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجه مع السائل وهي ذكرناها وذكرنا تفسيرها ومعانيها في بحثنا السابق في القضاء والقدر.
أما احتجاجه على خلق الأفعال بقول أبي بكر فهو أغرب استدلال رأيته وأضعفه ؟؟ فكيف يحتج على هذا المعنى بتلك السذاجة ،إن قول أبي بكر رضي الله عنه لا يدل إلا على أن الأفعال تنسب إليه ولا تدل مطلقا على أنه خالق لأفعاله!!
أين وجه الدلالة عليها من كلام أبي بكر المذكور؟!
إن كون هذه الكلمات دالة على ما أشار إليه المؤلف إن هو إلا محض توهم وخيال.
ثم ونحن لا ننكر أن الأفعال تنسب إلى الإنسان وذلك لأنه هو الذي اكتسبها، وهي قائمة فيه قيام اكتساب، فلا بد أن تنسب إليه، ولكن أن يكون مجرد نسبة الفعل إلى العبد معناه أن العبد هو خالق الفعل، هذا خلط كبير، واختلال واضطراب في التفكير.
وأما قول الصحابة وغيرهم أنهم إن أخطأوا فمن أنفسهم ومن الشيطان، وإن أصابوا فمن الله، فقد فسره المؤلف أن معنى من أنفسهم أي من خلقهم وإيجادهم، ومعنى قولهم من الشيطان أي فمن تزيين الشيطان، وأما معنى قولهم من الله، أي بإلطاف الله تعالى وتوفيقه لا بإيجاده وخلقه.
________________________________________
والحق أنه من الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين يمكن لنا بكل سهولة أن نتحقق من أنهم قائلون بمذهب أهل السنة –الأشاعرة – من أن الله تعالى خالق لأفعال الناس كما هو خالق لغيرها، وأن الناس كاسبون لها ويحاسبون عليها وذلك كما حققنا من مذهب أهل السنة، وسوف نورد بعض الروايات التي تدل على ما نقول:
قال الإمام الطبري في تفسيره[ج27ص65] لسورة القمر عند آية ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ?: ” يقول تعالى ذكره إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه، وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به”.
ثم ذكر رحمه الله تعالى أن هذه الآية قد أنزلت لما جاء مشركو قريش يخاصمون النبي عليه الصلاة والسلام في القدر، ولما عرفنا نحن أن الله تعالى قال لهم في الآية ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ?، علمنا أنهم كانوا ينفون القدر، فيتضح أن المشركين ينفون القدر وأن المؤمنين يثبتون القدر.
ويبقى الأمر إلى هنا غامضاً في معنى القدر المثبت، ولكننا نستطيع أن نستدل عليه من الروايات التي ذكرها الطبري في تفسيره، ومنها ما رواه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما نزلت هذه الآية إنا كل شيء خلقنه بقدر، قال رجل: يا رسول الله: ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه أو في شيء قد فرغ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى “.
ونفهم نحن من هذه الرواية أن الرجل قد فهم أن معنى أن كون كل شيء قد خلق بقدر يستلزم أن العمل لا فائدة منه، لأن المقصود من العمل إن كان ما سيحدث فلا قيمة لهذا العمل لأن الله تعالى قد قدره، وإن كان في شيء قد فرغ منه فظاهر عدم الفائدة منه.
________________________________________
هذا هو حاصل سؤال الرجل، أما جواب الرسول عليه السلام، فنفهم منه إقراره لما فهمه الرجل من أن معنى كل شيء بقدر أن كل شيء معلوم ومكتوب منذ الأزل، وأنه سيخلق بناءاً على ما هذا العلم وهذا هو ما يقول به أهل السنة، ولكنه عليه السلام قد خالف الرجل في أن هذا يستلزم عدم فائدة العمل؟ فقال له: اعمل فإن عملك لا ينتفي إذا قلنا إن كل شيء بقدر، لأن كونك سوف تعمل هذا الأمر إنما هو من هذا القدر، وأن كونك لن تعمل هذا الأمر بإرادتك أيضاً هو من القدر، .فالقدر لا ينفي العمل.
وهذا هو قول أهل السنة كما بينا نحن فيما سبق، فتفكر بهذا ولا تغفل عنه.
ثم روى الطبري عن ابن عباس قوله:” ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ? قال:خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق لهم الخير والشر بقدر”.
وكلام ابن عباسٍ هذا في غاية الأهمية، فهو يبين أن الله تعالى هو الذي خلق للبشر كلهم الخير والشر، ولكنه تعالى لم يخلقه عبثا بل خلقه بقدر، والقدر هو العلم الأزلي والإرادة المتعلقة على وفق العلم الأزلي كما أشرنا من قبل.
وهذا التفسير لا يطرد ولا يصح إلا على قول أهل السنة من أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه تعالى خالق أفعال العباد على حسب علمه الأزلي، وأنهم عاملون وفقا لإرادتهم الحادثة، وهذا هو حاصل القول بالكسب، فافهم.
ولو أردنا أن نستقصي كل ما ورد عن السلف في القضاء والقدر لطال الكتاب، وما ذكرناه يكفي العاقل.
ثم يقع المؤلف في مغالطة كبيرة جداً بل في جهل عظيم أتعجب كيف يقع فيه من يدعي في نفسه أنه متأهل للبحث في هذه القضايا العقائدية الدقيقة، إنه يقول في صـ58ـفحة وما بعدها: فالاغتصاب للفتاة قضاء قضاه الله تعالى، ودور المغتصب تحقيق قضاء الله فيها، وإظهاره ومسؤوليته ليست في الاغتصاب بل بكونه يقوم بفعل الاغتصاب، ومثل هذا الجواب هو وجه آخر للجبرية الأشعرية (الكسب)، فالأشعري يقول: يخلق الله الفعل حين إرادة الإنسان (الكسب).
________________________________________
ثم يقول في الصفحة التي تليها: فالقضاء الإلهي هو الذي أوقع السجن على المسجون والقضاء هو الذي أوقع الاغتصاب على الفتاة التي لها مغتصب، وكسر الأيدي الحاصل على شباب من الضفة الغربية من قبل جيش اليهود هو قضاء الله فيهم!!
ثم يقول مستنتجا من هذا الكلام: فلا مسؤولية لهؤلاء الفاعلين عن نتائج أفعالهم بل المسؤولية هي عن قيامهم بالفعل، أي على الأمر بالسجن وعلى القيام بفعل الاغتصاب وعلى القيام بكسر الأيدي، وهكذا فك الارتباط بين الفعل والنتائج المتولدة من الفعل اهـ .
ثم يؤكد قائلاً: إن هذا الفهم هو وجه آخر لمقولة الأشعري النافية للسبب الكافي…..إنه الخطاب السفياني الأشعري الجبري يعيد إنتاج نفسه بقوالب كلامية جديدة اهـ .
لأنه يصرُّ في كل موضع على وضع المذهب الأشعري في موقع العداء ويصر بكل ما وسعه الجهد على التنقيص من قيمة هذا المذهب بصورة عجيبة، ويصر أيضاً على تفسير مقولات المذهب الأشعري بمعاني لم تخطر من قبل على ذهن أحد من الأشاعرة، ويخالط كل هذا جهل عظيم بالمذهب كما هو واضح، وتلفيق وخلط عجيب من جهة الاستدلال، وسوف نوضح كل هذا فيما يلي:
توجد عدة قضايا لا بد من تمييزها وبحثها،هنا قبل الشروع في مناقشة هذا المؤلف؟! في كلامه المنثور والمشار اليه سابقاً.
________________________________________
الأولى: أن الأشاعرة وأهل السنة عموماً قد صرحوا أن ما يجب الإيمان به هو القضاء لا المقضي، فالقضاء يجب الرضى به على كل الأحوال، ويجب الإيمان به، وأما المقضي فقد يجب الرضا به وقد يحرم الرضا به، وبالجملة فهو يتعرض للأحكام الشرعية الخمسة، أي إن المقضي في كلامهم إنما هو من مسؤولية الإنسان وليسن من مسؤولية الله تعالى، ونحن هنا عندما نقول إنه من مسؤولية الإنسان إنما نقصد أنه من مسؤولية الإنسان التكليفية لا التخليقية والإيجادية، فإن هذه قد سبق القول فيها إنها لا تثبت إلا لله تعالى، فيوجد عند الأشاعرة فرق عظيم بين القضاء والمقضي، وإنما يجب الإيمان بالقضاء لا المقضي، وبيان عبارتهم هذه بيناها فيما سبق.
قال العلامة الظواهري الحسيني: ” وجوب الرضا إنما هو بالقضاء دون المقضي ” اهـ .
فالرضا المطلوب بالأشياء ومنها سائر الأفعال لا يكون من حيث حسنها أو قبحها بل من حيث كونها مقضية من قبل الله تعالى.
ولهذا قال الإمام العلامة السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: “لا يقال: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب الرضاء به، لأن الرضاء بالقضاء واجب، واللازم باطل لأن الرضاء بالكفر كفر” اهـ.
وقد أجاب الإمام المحقق السعد عن هذا الإيراد فقال:لا يقال هذا الكلام: ” لأنا نقول الكفر مقضي لا قضاء، والرضاء إنما يجب بالقضاء دون المقضي ” اهـ .
هذا هو جواب أهل السنة عن مثل ما يقوله هؤلاء الذين لا أجد تسمية لهم سوى أنه عابثون بالمفاهيم وعابثون بأقوال العلماء، بل هم عابثون بالتراث الإسلامي الضخم الذي خلفه هؤلاء، ولا يدعونا لقول هذا إلا تساهلهم في تخطئة العلماء ومن دون تكليف أنفسهم حتى النظر في كلام الشراح، بل إنني أجزم أنهم حتى لا يدرون كثيراً من كلام الأئمة.
________________________________________
وقد أوضح المحقق مكمِّلُ حاشية العلامة الجندي كلام السعد فقال: “اعترضه الأصفهاني- أي اعترض الأصفهاني على جواب السعد – بأن قال: القائل رضيت بقضاء الله لا يريد أنه رضي بصفة من صفات الله بل إنه راض بمقتضى تلك الصفة وهو المقضي، قال والجواب الصحيح أن يقال:الرضاء بالكفر-مثلاً- لا من حيث ذاته بل من حيث إنه من قضاء الله سبحانه ليس بكفر” اهـ .
ثم أوضح المحشي هذا الكلام فقال: ” إن للكفر نسبة إلى الله سبحانه باعتبار فاعليته له وإيجاده له ونسبة أخرى إلى العبد باعتبار محليته له واتصافه به، وإنكاره – أي إنكار الكفر وعدم الرضا به- إنما هو باعتبار النسبة الثانية دون الأولى، والرضاء بالعكس … ثم قال: ومن الواضح أن رضاء القلب بفعل الله تعالى بل بتعلق صفته واضح الصحة لا خفاء فيه، ثم إن الرضاء بكل منهما يستلزم الرضاء بالمتعلق من حيث انه متعلق مقضي لا من حيث ذاته ولا من حيث سائر الحيثيات كما لا يخفى اهـ .
وهذا الذي قاله المحشي من أنه لا يخفى، أي إنه لا يخفى على العاقل الذكي الفؤاد الذي يحسن فهم كلام العلماء ولا يستسخف آراءهم، ولا يظن بنفسه أنه بلغ الغاية في العلم، بينما حاله أنه لا يتعدى رتبة التلاميذ بل لا يترقى إلى فهم كلام الشراح فضلا عن العلماء الأعلام، فكيف بمن حاله كحال صاحبنا المؤلف؟! وغيره ممن هم على شاكلته كثيرون!!
من كل هذا الكلام نتبين أن مسؤولية العبد لا تنتفي لمجرد كون الأعمال من خلق الله تعالى، وإلا لكان مذهب أهل السنة نافياً للتكاليف، ومعنى كونه نافياً للتكاليف أي أنه ينفي الشرائع، وهذا أكبر الكفر أو يكون مبنياً على أضعف الأدلة، ومعاذ الله أن يكون مذهب أهل السنة يؤدي إلى هذا الأمر، وكل من يتهمهم بهذه التهمة فهو إنسان جاهل حقود وفيه من الغباء قدر عظيم.
________________________________________
وقد كنا لنكتفي بما ذكرناه من كلام في مبحث القضاء والقدر لأنه يوجد فيه رد على هذا التهافت الذي صدر من بين شفتي هذا الكاتب، إلا أننا أردنا أن نزيد هذا المعنى بيانا ولهذا زدنا المذهب شرحاً هنا.
الثانية: لما تبين لنا بالأدلة القوية أن مذهب أهل السنة لا يؤدي إلى نفي التكاليف ولا نفي المسؤولية الواقعة على العبد كأثر من آثار اختياره واكتسابه لأفعاله القبيحة أو الحسنة، كان لا بد لنا من أن نظهر فساد نقطة أخرى اعتمد عليها المؤلف في تلفيقه لكلامه الذي سود به صفحات كتابه، نقصد بها محاولة اعتماده على رأي أهل السنة في عدم وجود الرابطة العلية الخارجية بين الأشياء، أي قولهم بأن تعاقب الأسباب والمسببات إنما هو من قبيل عادة الله تعالى في خلقه للمخلوقات، وهذا الجانب هو الجانب الذي اعتمدوا عليه في إثباتهم نبوة النبي، أي هو أصلهم الذي بنوا عليه مفهوم المعجزة.
وحاصل ما نريد أن نقوله هو أنه لا علاقة عند المحققين بين انتفاء العلية والتأثير بين أفراد العالم الخارجي، وبين عدم مسؤولية العبد عن فعله.
بل إن العلاقة والمسؤولية موجودة وثابتة سواء قلنا برأي المعتزلة من التولد ووجود الأسباب والعلل الخارجية الحقيقية، أو قلنا برأي أهل السنة من أنه لا يوجد إلا مؤثر واحد في الكون وهو الله تعالى، أي إنه لا يوجد إلا خالق واحد في الكون وهو الله تعالى.
________________________________________
وهذا الكلام سبق الإشارة إليه في أثناء بيان معنى القضاء والقدر عند فرق الإسلام، وبينا هناك أن التكليف يصح على أي رأي من آراء الفرق الإسلامية (المعتزلة،والماتريدية،والأشاعرة)، ومع ثبوت التكليف فإن المسؤولية عن الفعل أيضاً ثابتة، وإن لم يكن أساس ثبوت هذه المسؤولية هو أن العبد خالق لأفعاله، بل هو كون العبد مكتسب لأفعاله، ومكتسب لكل ما من شأنه أن يكون نتيجة عادية لأفعاله، فالعبد مسؤول عن كل هذا، ولهذا فالقتل غير العمد صاحبه مسؤول عنه عند جميع المذاهب الفقهية السنية، ولم يدع أحد أن هذا يخالف الأصل العقائدي وهو القول بالكسب أو القول بأن العباد غير خالقين لأفعالهم.
بل إننا لم نسمع بهذا إلا من بعض الصعاليك في عالم الفكر سواء في الماضي أو في هذه العصور.
فهل سمع أحد أن الأشاعرة يقولون أن الاغتصاب ونتيجة الاغتصاب ليس من مسؤولية المغتصب، إن هذا الأمر لم يقل به أحد من أهل السنة ولا أحد من العلماء العرفين بمعاني الكلام.
وهل فعلاً يلزم على مذهب الأشاعرة أن الحاكم الظالم إذا أمر بسجن واحد من الناس، هل يلزم المذهب فعلا أن هذا الحاكم ليس مسؤولاً عن ما يصيب هذا المظلوم في الآخرة، ألا يقر الجميع أن الحاكم الظالم سوف يعاقب عن كل ما تسبب فيه للمظلوم إن لم يكن في الدنيا ففي يوم القيامة؟!
وهل قال أحد من الأشاعرة فعلا أو التزم أن اليهود الذين كسروا أيدي الشباب ليسوا مسؤولين إلا عن فعلهم للتكسير، وأما ما نتج عنه كالانكسار مثلا فهم غير مسؤولين عنه؟!
إن هذه ما هي إلا اتهامات تصدر عن غافل!!
فحاصل الكلام أن كل الاتهامات التي رددها المؤلف في هذه الفقرة بل في كل فقرات كتابه ما هي إلا أكاذيب ومحض توهمات أراد الكاتب أن يلصقها بالأشاعرة وبمن اتبع الأشاعرة في هذا الأمر.
________________________________________
إن المسؤولية عند أهل السنة مترتبة على أعمال العباد وإن لم يكونوا هم الخالقين، وتلك المسؤولية أن الفعل لم يكن ليوجد لولا أن العبد قد اختاره، والأساس الذي يبنى عليه هذا الفهم هو مفهوم العادة، أي عادة الله تعالى في خلقه، فالله تعالى قد خلق العالم على أن العبد إن أراد الفعل المعين فإنه تعالى يخلقه له، وهذا هو المراد بالكسب، فلم ينسب الفعل إلى العبد على سبيل الخلق بل على سبيل الكسب، وذلك يشبه كما لو أن العبد طلب من الله تعالى أن يخلق له الفعل المعين مع تضمن العبد لكامل المسؤولية العادية المترتبة على الفعل.
والعاقل يعلم تمام العلم أن المسؤولية يمكن أن تترتب على الفعل ليس فقط بكون الفاعل خالقاً بل مجرد مختار ومكتسب، كما لو أمر آمرٌ بقتل أحد الناس ووظف رجلاً لذلك، فإن مسؤولية القتل تكون على القاتل بالفعل وعلى الذي استخدمه.
مفهوم القضاء والقدر عند المؤلف
عرَّفَ المؤلف القضاءَ والقدر كما يلي: إن القضاء والقدر يعني الوجود الكوني وخاصياته وهو قيومية الله تعالى على خلقه سنناً وخاصيات وقابليات، أي هي من أفعال الربوبية والتدبير التي عليها الأشياء والنظم والمخلوقات.
وهي أمور موجودة على الدوام إلى حين الفناء وسواء نتج عنها أفعال كالمطر والعواصف وتلبد الغيوم واشتداد وسرعة الريح وتآكل المعادن وفساد الأطعمة وتحلل الأنسجة الحية والمركبات العضوية أو لم ينتج، فالكون محكوم بالقضاء “الخلق والنظام” والقدر “الخاصيات والقابليات كامنة أو ظاهرة” اهـ .
هذا هو مفهوم القضاء والقدر عند المؤلف، فهو عبارة عن خاصيات الكون المادي الذي يقال عنه إنه ليس عاقلاً، ولا حياة فيه، أما أفعال الإنسان فهل تقع ضمن القضاء والقدر عنده ؟
________________________________________
إنه يجيب على ذلك قائلاً: ” إن الأفعال مثل “سلب المال وموت المقتول واغتصاب الحقوق والاعتداء على حرية إنسان بتقييده أو سجنه والأذى الذي يلحق به في معنوياته ……إن كل هذه المتولدات إنما هي فعل الإنسان الفاعل ونتجت عن الفعل الإنساني على وجه التلازم…فالقضاء ليس فاعلاً لهذه المتولدات مطلقاً….
وقال في محل آخر : “إن التسبب فعل إنساني محض وليس فعلاً للقضاء والقدر”.
فالحاصل أن الذي يخرج من القضاء والقدر عند المؤلف إنما هو فقط فعل الإنسان ولوازمه أي ما يتولد عنه، فالقضاء والقدر شمل كل شيء إلا أفعال الإنسان.
ولا بد أن يتنبه القارئ إلى أن هذا القول في القضاء والقدر لا يختلف كثيراً عن رأي الفلاسفة كما أوضحناه.
وأساس هذا القول عند المؤلف هو أن الذي يتحمل مسؤولية الفعل إنما هو الخالق للفعل، فهو قد أخرج الفعل الإنساني من أن يكون داخلاً في القضاء والقدر لئلا يلزم أن يخرج من المسؤولية عنده.
ونحن نقول كما ذكرناه أكثر من مرة سابقاً: إن المسؤولية لا تترتب فقط على الخلق، بل إنها تترتب أيضاً على الكسب بالمفهوم السابق، ولذا لا يلزم أن نقول: إن الإنسان لا يكون مختاراً إلا بالقول بأنه خالق لأعماله!! هذه هي أساس المشكلة، وقد أوضحناها نحن في كلامنا السابق عن القضاء والقدر وأفعال الإنسان، وتفريقنا بين الخلق والكسب.
لذا فقد كان عليه أن يقول بدخول الأفعال الإنسانية في القضاء والقدر كما تدخل غيرها، ويفرق بينهما بالفرق الذي بيناه.
أما المعنى الذي أتى به المؤلف للقضاء والقدر، فسوف نتكلم عليه فيما يلي وذلك بعد تقديم مقدمة تمهيداً، فنقول:
لو نظرنا إلى الأمور التي جعلها الله تعالى أركانا من الإيمان، وهي الإيمان بالله تعالى وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، لوجدنا أن كلاً من الستة عدا القدر موضع الكلام، تشترك مع الأخرى في معنى كلي، نبينه فيما يلي:
________________________________________
إن الأصل في الإيمان هو الإيمان بالله تعالى، وكل من الأمور الأخرى إنما كانت ركناً لأن لها مدخلية بالأصل، وهو الإيمان بالله تعالى، فالملائكة هم الذين يوصلون الشرائع إلى الرسل، والرسل هم الذين يوصلون الشرائع إلى بقية البشر، والكتب هي نفس الشرائع أي التي تحتوي على الشريعة، وأما اليوم الآخر فمدخليته من حيث إن فيه يتم الحساب، فالأركان الأربعة كلها لها علاقة بالأصل وهو الإيمان بالله تعالى، فمعنى القضاء والقدر يجب أن يكون له مدخلية من هذه الناحية، فكل هذه الأركان لها علاقة بالتكليف.
أما المعنى الذي ذكره المؤلف للقدر” الخاصيات والقابليات كامنة أو ظاهرة “، وللقضاء ” الخلق والنظام “، فلا أرى له مدخلية في التكليف مطلقاً، فما دمنا قد بينا أن التكليف يصح حتى لو لم يكن للموجودات الحادثة خاصيات ولا قابليات كامنة، ما دام هذا قد ثبت، فلا تصبح هناك علاقة بين المعنى الذي ذكره وبين التكليف أصلاً، بل يكون الإيمان بالقضاء والقدر ليس أكثر من بيان لطبيعة هذا الوجود، ومجرد هذا البيان لا علاقة له بالتكليف من وجه من الوجوه.
وقد فهم الأعرابي الذي سأل الإمام علياً رضي الله عنه وكرم وجهه أن الأصل أن تدخل أفعال الإنسان في مفهوم القضاء والقدر وأن هذه النقطة لم تكن محل اسفهام له، لكنه أخطأ في الجهة التي أدخل بها الأفعال تحت القضاء والقدر، فأوضح له الإمام علي ذلك،كما مر معنا.
وهذا المؤلف يذكر كلامه هذا مخالفاً أصل هذه الرواية التي أوردها هو في كتابه وهو غافل عن ذلك ؟!
فمن هنا فقد حل بنا التعجب منه كيف يخرج الآن الأفعال الإنسانية من الدخول تحت القضاء!
القدر يجب أن يكون متعلقا بالتكليف من وجه قريب، ويجب أن يكون بحيث يكون محتملا لأن يحتوي على الخير والشر.
________________________________________
وإذا علم الإنسان أن أفعاله التي تشتمل على الخير والشر إنما توجد بإرادة الله تعالى وبقدرته،ومع ذلك فهو مكلف بها ومحاسب عليها، فقد يعترض البعض على ذلك لما يتوهم في ظاهره من التعارض، ولذلك فقد كُلِّفَ المسلم بأن يرضى بهذا الأمر كعلامة على انقياده لله تعالى وإيمانه بأنه لا يظلم أحدا.ً
وهذا المعنى يمكن القول به بناءا على قول أهل السنة فقط ولا يمكن القول به بناءاً على قول المؤلف، فتأمل.
إن المأمور به المسلم هو أن يؤمن أن كل ما يصيبه من خير أو شرٍّ فهو من الله تعالى،ومع ذلك فهو غير خارج من التكليف ومسؤول عن أفعاله.
ولا شك أنك تعلم أن الخاصيات والنظام – وهما اللذان اعتبرهما المؤلف القضاء والقدر – ما هما إلا المقضي على التفرقة التي بيناها سابقاً، ومعلوم أن الرضا لا يكون متعلقا بالمقضي وإنما يكون متعلقا بالقضاء.
فما وجه الإيمان بالقضاء والقدر بناءا على هذا التفسير الذي ذكره المؤلف ؟‍!
إن الإيمان بالقضاء والقدر بناءا على هذا لا يصبح ذا معنى مقبول، فما معنى أن ترضى بالمخلوقات خيرها وشرها، وهل هذه أصلاً مشكلة من المشاكل القوية التي تواجه بني الإنسان حتى يؤمر بالإيمان بها ؟! وهل يقوم عليها أصل من أصول التكليف أيضا ؟!
إن كل الناس عندما تصيبهم الزلازل مثلا فإنهم يعلمون علما مطلقا أن هذا الأمر لا يمكنهم فيه إلا مواجهته بدون يأس لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا تجاهه شيئا حتى الآن.
وأما الأمر الذي يضعهم على المحك وفي موقع الاختبار وهو أن يعلموا ويؤمنوا أن أفعالهم أيضا مخلوقة بقدرة الله تعالى، كغيرها من المخلوقات، وأنهم كاسبون لهذه الأفعال فقط، ومسؤولون عنها أيضاً.
________________________________________
ولا بد أن أقول في نهاية هذا الأمر أن المعنى الذي بنى عليه المؤلف معنى القضاء والقدر بعيد جداً عن الأصل الذي يجب أن يكون، فإن كل الروايات الواردة كما مرت الإشارة إلى بعضها ولها علاقة بهذا المبحث تشير إلى أن القضاء والقدر يجب أن يكون مبنياً على نفس الأصل الذي أشرنا إليه في بحثنا المتقدم في القضاء والقدر.
وبهذا يكون المؤلف قد ابتعد كثيراً عن الحق كما ابتعد عنه الشيخ تقي الدين النبهاني أيضاً، فإن تعريف المؤلف للقضاء والقدر ما هو إلا تكرار لتعريف النبهاني.
الباب الخامس
الآجال
سوف نوضح أولا كيف يفهم المؤلف رأي الأشاعرة في الأجل، ثم نشرح قولهم من كتبهم، ثم نذكر تعليقنا على كلام المؤلف.
ذكر المؤلف إن الأشاعرة يقولون: إن الأجل هو سبب الموت، وحتى لو ذبحت حيواناً فإنّ سبب الموت عند الأشاعرة كما يدعي هو إنما هو الأجل وليس شيئا آخر(ص67) .
ثم ناقش النبهاني في فهمه لمعنى الأجل، وسوف نشير إلى هذا في محله .
ثم أورد بعض الأسئلة الغبية كاعتراض على ما فهمه من مذهب الأشاعرة، فقال: الانتحار حرام والمنتحر من أهل النار فإذا كان قد مات بأجله فعلى أي شيء يعذب؟! (ص76) .
ثم يصر في صـ76ـفحة على أن النبهاني في قوله هذا ما هو إلا متبع لمذهب الأشاعرة، ويشنع عليهم.
هذا هو ما يفهمه المؤلف من مذهب الأشاعرة، وهو يدعي أن هذا هو حقيقة معناه.
وسوف نشرح نحن حقيقة مذهبهم فيما يلي من كتبهم قبل نقد ما قاله هذا المدعي.
قال الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه المفيد غاية الوصول: ” (ولا يموت أحد إلا بأجله) وهو الوقت الذي كتب الله في الأزل انتهاء حياته فيه بقتل أو غيره، وذلك بأن الله حكم بآجال العباد بلا تردد وبأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.”أهـ
________________________________________
هذا هو مذهب الأشاعرة كما يوضحه الشيخ زكرياء لا كما يدعيه أمين نايف، الذي يدعي أنه معتزلي، ويذم الأشاعرة بكل مذمة يتخيلها، بل إنه يحملهم مسؤولية كل مصيبة أصابت المسلمين كما هو واضح من مقتضى كلامه .
الشيخ زكرياء يصرح أن الأجل ليس هو السبب الذي به يموت الميت، بل ما هو إلا الظرف الذي يموت عنده الإنسان، وفرق كبير بين السبب والظرف، وقول الشيخ زكرياء: “بقتل أو غيره” الباء هنا سببية أي بسبب القتل أو بسبب غيره، أي إن السبب عند الأشاعرة ليس هو الأجل بل هو غيره، وما الأجل إلا الظرف الذي يموت فيه أو عنده، ولا أظن المؤلف يريد أن يفهم هذا الفرق، وحتى إن فهمه فلا أظنه يريد أن يقتنع أن هذا هو ما يريده الأشاعرة، وليس الأشاعرة وحدهم، فقد شاركهم في ذلك سائر أهل السنة، أقصد السادة الماتريدية،كما سوف نظهره، وأما أمين نايف فلا يريد أن يقرَّ بأي أمر يقول به الأشاعرة أنه صحيح.
وزيادة في توضيح مفهوم الأجل عند الأشاعرة أهل الحق، نقول:
حاصل المعنى الذي يقولون به هو أن الله تعالى قد علم منذ الأزل أن فلاناً سوف يعيش كما تقتضيه طبيعة وجوده وقابليته وتأهله للوجود الحادث على ما يليق به وعلى حسب الظروف التي تحيط به، لأنه يوجد انفعال مكتسب بين الحادث من سائر الأمور التي تؤثر في طبيعته مما يحيط به، وقد قال السادة الأشاعرة أن الله تعالى قد علم ما سوف يؤول إليه كل عبد من العبيد، وعلم متى سوف يموت، فكتب ذلك لا لحاجة لكتابته بل لحكمة يستفيد منها العباد أنفسهم وذلك من حيث هم مكلفون، فالأجل إما هو المدة أو هو نهايتها، أي هو الظرف الزماني- على القول الأول – الذي يعيش فيه العبد، ولا يمكن أن يتجاوزه فيمتد عمره أكثر من ذلك ولا أن ينقص عنه.
وأما الموت فقد أوضح شيخ الإسلام زكرياء أن سببه إما القتل أو غيره، فأبان بذلك أن الأجل ليس هو السبب بل هو الظرف، هذا هو حاصل قول الأشاعرة بلا تطويل.
________________________________________
فيظهر من ذلك الفرق الكبير بين ما يدعيه المؤلف من أنه هو مذهبهم، وبين حقيقة مذهبهم كما نجده من كتبهم المعتمدة، فلا يكون قول المؤلف إلا جهلاً بقولهم وهو الأمر الذي نصر نحن عليه في كل موضع نناقشه فيه، أو أنه يعرفه ولكن يلبس عليهم ليمعن في التنديد بهم لهدف يريده هو ويعرفه، وهذا الاحتمال لا نريد أن نخرج بنتيجة في نهاية بحثنا هذا ترجحه، بل إن الأمر الأول عندنا -كما له- أهون في الدنيا وفي الآخرة، وهو الذي نميل إليه في حال هذا الرجل، وفي حال غيره ممن يشابهه.
وزيادة في التعريف بمذهب الأشاعرة ولإظهار عقلانيتهم التي لا يعرفها الكثير خصوصاً من الباحثين في هذا العصر، بل يظنون أن العقل والمنهج العقلي لا يتصف به إلا المعتزلة ومن مشى على نسقهم، بل إن كثيراً من الكتاب يفضل الإسماعيلية من حيث الالتزام بالعقل والمنطق على الأشاعرة، وهذا يظهر الجهل العظيم الذي يتصف به هؤلاء حتى أصبح صفة لازمة لذاتهم إذا انفكوا عنها فكأنهم يعدمون أنفسهم، وأنى لهم ذلك.
والحق أن إعدام الذات أهون مصاباً من الوقوع في كل هذا الأغاليط والجهالات.
قال العلامة المحقق السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: ” (والمقتول ميت بأجله) أي بالوقت المقدر لموته” اهـ .
وعلق المحشي على كلامه فقال: “قوله بأجله الباء للظرفية، أي موته كائن في الوقت الذي علم الله في الأزل” اهـ .
فظهر هنا أن الأجل عند السادة الأشاعرة والماتريدية ليس إلا ظرفاً يحدث فيه الموت.
وورد هنا السؤال التالي :”إذا حاول إنسان قتل إنسان آخر، فلم يمت المغدور، فهل يبقى المغدور حياً أو إنه يموت؟؟”
هذا السؤال يوضح الجواب عليه أصلاً وقدراً كبيراً من معنى الأجل عند الأشاعرة، وقد أجابوا عليه كما قرره المحشي على الشرح بقوله:”ولو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل” اهـ.
وهذا هو الجواب الصحيح الظاهر على غيره.
________________________________________
وقال السعد التفتازاني بيانا لقول أهل السنة في هذه المسألة: “لكنهم لم يقطعوا بالموت إن لم يقتل كما سبق عنهم لأن عدم قتل المقتول سيما مع تعلق علم الله تعالى بأنه يقتل أمر مستحيل” اهـ ..
وقد أشرت إلى معنى قول السادة الأشاعرة في مسألة الأجل في متن التحصيل الذي ألفته قبل أكثر من ثماني سنوات، فقلت: ” فصلٌ: الله تعالى مقدِّرُ الآجال، والأجل هو المدة المقدرة التي يموت الحيوان عقبها، أو اللحظة التي علم الله تعالى حصول الموت فيها سواءاً بسبب ظاهر كالقتل أو لا. ولو لم يقتل لجاز أن يموت وأن يبقى حياً ” اهـ .
فالأشاعرة لا يلغون الأسباب مطلقاً، ومن يدعي هذا من الناس ما هو إلا كاذب عليهم، ولكن الذي ينفونه هو تأثير الأسباب، أي كون السبب موجداً لنتيجته، وأما الترتب الحاصل بين السبب والنتيجة فلا ينكرونه مطلقاً، بل يقولون به ويصرحون أن هذا الترتب اسمه الترتب العادي، وأن العادة تفيد القطع والعلم الأكيد.
وبذلك تنتفي أيضاً عنهم تهمة أخرى يلصقها بعض الحمقى بهم وهي أن حاصل مذهبهم يؤول إلى مذهب الشك؟؟!!
وهذه أعجب تهمة سمعتها توجه إلى الأشاعرة، والتحقيق عندي أن مقولة العادة هي من أبدع الأفكار التي جاء بها السادة الأشاعرة، وكثير من أفكارهم بل أكثر أفكارهم ومقولاتهم تحتوي على التحقيق، ولكن كثير من الناس لا يعلمون.
إن الترتب بين القتل والموت ما هو إلا ترتب عادي على ما وضحناه في مسألة القضاء والقدر، والترتب العادي يستتبع ترتب المسؤولية على المكتسب ولا يستلزم نسبة القبيح إلى الله تعالى، بل إلى مكتسبه، فافهم.
________________________________________
واعلم انه لا يبعد في العقل ولا يستحيل فيه أن يكون الله تعالى قد أراد إرادة محضة منذ الأزل لبعض الناس أن يموتوا في وقت معين لانتهاء قابليتهم للحياة وهذا الذي يقال عنه إنه مات بلا سبب أي بلا سبب ظاهر لنا، وإن كان في الحقيقة له سبب أكيد، ويمكن أن تتعلق إرادة الله تعالى بموت إنسان حتى ولو كان يمكن أن يعيش زيادة لحكمة يريدها هو تعالى.
ومن فهم هذا الكلام انحلت عنه إشكالات كثيرة يوجهها الناس على مذهب أهل السنة، فهذا هو قول أهل السنة ظاهر في كتبهم،فما بال هذا الرجل يتهمهم بأقوال فاسدة ويلصق بهم كل أمر قبيح؟؟!
الباب السادس
الرزق
تلخيص ما قاله المؤلف في هذا الباب:
ابتدأ كلامه قائلاً: إن من أخطر المقولات التي قالها المفكرون الإسلاميون قولهم: “إن الرزق قضاء قضاه الله”.
ثم شرع في سرد الآيات التي ورد فيها ذكر كلمة الرزق أو أحد مشتقاتها، وكذلك الآيات التي ورد فيها أحد مشتقات المال وغير ذلك، وملأ بهذا الكلام الصفحات من ص81 إلى ص 130 ، أي إنه أنفق خمسين صفحة من صفحات الكتاب في أمر هو عبارة عن سرد، وقسم كل عدد من الآيات إلى مجموعة وعلق على كل مجموعة بكلام مقتضب لا يفيد وليس فيه جنس التحقيق.
وهذا الاستقراء كان قد أغناه عنه المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لأن ما فعله المؤلف هو عبارة عن نسخة من هذا المعجم، ونقلٍ لبعض صفحاته لا غير.
والحقيقة أنه أتعب نفسه في هذا الأمر ولم تترتب عليه الفائدة المرجوة منه وذلك لضعف التعليقات التي وضعها المصنف كعادته!!
ولم يتبع في هذه التعليقات أسلوب الاستنباط الحقيقي أو الاستدلال الأصولي المعتبر، بل كان ما فعله ما هو إلا عبارة عن كلام خطابي أو فهم عام لا يسلم له في كثير من المواضع، وبالتالي كان أكثر هذه الصفحات في حكم العدم.
ثم بعد ذلك تكلم في الصفحات 131-145 عن الرزق في فهم حزب التحرير، وسوف نعرض فيما يلي خلاصة ما قاله.
________________________________________
قال: إن إسناد الرزق إلى الله تعالى دلالة على خلقه الرزق وليس توزيعه، وأنه من الجحود أن نسند فقر الفقراء وسوء التوزيع إلى الله تعالى، ومن الظلم أن نسند إليه أنه يرزق الحرام ثم يعاقب عليه.
ثم ادعى أن الناس يعانون حالة فصامية بين القول والممارسة إذ ورثوا مقولة فكر أهل السنة والجماعة من أن الرازق هو الله ولكنهم يباشرون أعمال طلب الرزق والتعامل مع الرزق وقد أداروا ظهورهم لأقوالهم.
ويدعي أن أهل السنة يقولون أن إسناد الرزق إلى الله تعالى إنما هو إسناد توزيع لا إسناد خلق.
ويقول: إن النبهاني يقر أن خلق الرزق إنما هو من عمل الله تعالى، ولكن الحصول عليه إنما هو من عمل الإنسان.
ويعارضه في ذلك، ويخالفه في قوله: إن السعي للرزق ليس سبباً للرزق لأن السبب ينتج عنه المسبب وجوباً، بينما نرى أن كثيراً من الناس يسعون إلى الرزق ولا يحصلون عليه، علماً أن النبهاني يقصد بالسبب أي الذي يوجد نتيجته حتماً، ويقصد بالسعي السعي المتعارف عليه.
ويقول المؤلف: إن في هذا تفريقاً بين السبب ونتيجته، وأن هذا كله من النبهاني تقليد للأشاعرة.
وسوف نعلق فيما يلي على الأفكار التي ذكرها المؤلف،كما يليق بالمقام.
إن الأساس الذي يبني عليه المؤلف جميع كلامه هنا هو نفس الأساس الخاطئ الذي بنى عليه جميع المباحث المتقدمة وهو الذي أشرنا إليه سابقاً أكثر من مرة، إن أساس اعتراضه على الأشاعرة إنما هو نتيجة فهمه الخاطئ أو عدمه فهمه على الإطلاق لمعنى كلامهم في الكسب والخلق، وعدم تفريقه بين مفهوم الخلق والكسب.
إن الأشاعرة بهذا التفريق قد حفظوا للألوهية مقامها، فلم ينسبوا الخلق أي الإيجاد من العدم إلى المخلوقات، وحفظوا أساس التكليف الذي لا يقوم أصلاً إلا على الاختيار، فقولهم بالكسب هو قول فريد وبالعناية حقيق.
________________________________________
وهو أيضا لا يزال يظن أن القول بأن الله تعالى هو خالق جميع ما في الكون من أعراض وجواهر، يلزم عنه الجبر المطلق، وهو نفس الإشكال الذي وقع فيه كبار المعتزلة سابقاً، وخالفهم فيه أكثر الطوائف الإسلامية.
إن القول بالكسب لا يلغي عند الأشاعرة الاختيار وبالتالي لا يبطل التكليف.
وكذلك هو قولهم بالرزق وأن الله تعالى هو الرازق فهو مبني على نفس الأساس، فالقول أن الله تعالى هو الرازق يعني أن الله تعالى هو خالق الرزق، وهذا لا يبطل أن العبد باكتسابه هو الذي يمكنه أن يتحكم برزقه إلى حد كبير وعلى ما يحيط به علمه وقدرته.
وشَرْحُ هذا الكلام كما يلي:
إن العالم الذي نعيش فيه مبني على قوانين معينة وهي إرادة الله تعالى بأن يكون على ما كائن عليه، وإرادة الله تعالى لا جبر فيها مطلقاً، ولا من ناحية من النواحي، كما أشرنا إلى ذلك في مبحثنا في القضاء والقدر.
فعلى مذهب الأشاعرة إذا قلنا: ( قوانين ) فإننا نقصد إرادة الله تعالى وما يلزم عنها من عادة مطردة خلق الله تعالى عليها الكون، وإنما إطلاقنا لهذا اللفظ عليها هو من قبيل المجاز الإنسانية واللغة البشرية، ولا حرج في هذا من ناحية دينية، فقد ثبت عندنا أنه يجوز إطلاق الأوصاف على الله تعالى ما دام لا يوجد فيها أي إشارة إلى النقص.
وقد تعهد لنا الله تعالى أن الكون سيبقى على هذه الصورة إلى يوم القيامة وهو موعد الحياة الآخرة، وبالتالي فلا يوجد معجزات ستوجد ولا يوجد خرق للعادة إلا بالقوانين الإلهية أي على سبيل الكرامة والكرامة عند أهل السنة لا تعطى هكذا لأي أحد، بل لها علامات وأسس كما ذكروها في كتب العقائد.
وقد أخبرنا الله تعالى أنه مع أنه هو تعالى خالق الكون بما فيه من جواهر وأعراض، إلا أنه سيوجد لنا الأعمال التي نريد اكتسابها وعلى حسب القدرة الإنسانية والقابلية العادية.
________________________________________
فأفهمنا أننا إذا توجهنا إلى اكتساب شيء ما فإنه تعالى سيوجده لنا على حسب ما تتعلق به إرادتنا وعزمنا وقابليتنا، فإن إمكاناتنا الوجودية يبرزها الله تعالى إلى غاياتها.
ونحن بناءاً على هذا يمكننا أن نكتسب بعض الأمور باتخاذ بعض التدابير، هذا مع إيماننا بأن الله تعالى هو خالق الجميع.
فقدرتنا إنما هي على الكسب وقدرة الله تعالى على الخلق لا الكسب.
وإذا علمنا القوانين التي خلق الله تعالى الكون عليها،أي إذا علمنا عادة الله تعالى في خلقه،فإنه يمكننا أن نستفيد من هذه العادة في اكتساب ما نريد من أمور، وهذا هو أساس التكليف عندنا.
هذا الكلام عام في كل أمر من أمور التكليف.
وأما ما يتعلق بالرزق خاصة، فإن النظرة الواعية إلى الكون والى عادة الله تعالى في خلقه، تعلمنا أن الله تعالى قد خلق في بعض البلاد من الموارد اللازمة للأعمال البشرية ما لم يخلقه في بلد آخر.
مثلاً الحديد يوجد بكميات كبيرة في بعض البلاد ولا يوجد في بعض البلاد الأخرى، وكذلك الكربون، وكذلك البترول الذي هو أساس كبير ومصدر عظيم من مصادر الطاقة، وكذلك القول في سائر المعادن والمواد.
فالرزق [ لا نريد هنا التفريق بين الرزق والمال مع وجود الفرق بينهما، ولكننا نتكلم بإدراج المعنييين تحت كلمة الرزق ] هنا قد تفاوت بدون مدخلية لقدرة الإنسان.
________________________________________
فهذا ما يتعلق بالكون من غير ملاحظة أثر قدرة الإنسان، وأما بملاحظتها، فإن الإنسان يمكنه أن يصور ويشكل المعادن بأشكال عديدة وكثيرة، وهذا باكتسابه وباتباعه الطرق العادية التي خلق عليها الكون، مثلاً إذا علمنا أن نهراً معيناًَ يسير باتجاه معين لنفرضه من الشمال إلى الجنوب، وأردنا نحن أن نحوله إلى الشرق أو إلى الغرب، فما علينا إلا أن نحفر له ممراً أقل انخفاضا من الممر الذي يسير فيه عادة إلى الاتجاه المطلوب، فينتج أن المياه تسير في المجرى المصنوع، وبذلك نحصل على الأمر الذي نريده، ونحن نعلم أننا لسنا من خلق المياه ولا من جعلها تسير من المكان المرتفع إلى المكان المنخفض، وكل ما فعلناه هو أننا استغللنا هذه الصفة الذي أوجد الله عليها المياه لتحقيق ما نريده من أمور، فالحاصل أن النهر قد تحول مجراه من اتجاه معين إلى اتجاه آخر مطلوب لفائدة الناس في هذا الموضع المعين، وبهذا فإننا نكون قد حصلنا على رزقنا من المياه، بلا خلق منا، بل باكتساب لهذا الرزق، فهل يجوز أن يقال بعد ذلك أننا نحن من أوجد ميلان المياه عن هذه الجهة إلى تلك، أو أننا من جعل الماء فعلا يسير في الجهة الثانية ؟‍!
وكذلك إذا علمنا أن فلانا من الناس يملك مبلغا من المال، ويريد تنفيذ عمل معين، ولا يقدر هو على تنفيذه، ونحن في المقابل نريد قدراً من المال ولا نملكه، فإذا علمنا أننا إذا قمنا لهذا الرجل بالعمل الذي يريده، فإنه سوف يعطينا بعض المال الذي يملكه، فإننا نعرض بناءاً على هذا العلم على الرجل أن نقوم له بالعمل الذي يريده مقابل أن يعطينا مبلغا نتفق عليه من المال.
وهكذا فإننا نكون قد حصلنا على رزقنا بأسلوب آخر، ولا نكون قد خلقنا هذا المال خلقا، ولم نوجده من عدم، بل اكتسبنا صيرورته في أيدينا بعد أن كان بيد غيرنا.
________________________________________
إن المواد التي يمكن أن نستعملها في غذائنا وشرابنا، هي في الأصل غير مخلوقة لنا، بل كل ما نقوم به نحن هو أن نستغل طبيعة الكون التي خلقه الله تعالى عادة عليها، لتحقيق بعض ما نريده، وهو بالضبط المقصود بالاكتساب عند الأشاعرة.
إن الاكتساب في حاصله هو اكتساب النسبة أي نسبة أمر معين إلينا سواءاً بأسلوب التملك أو بأسلوب الاغتصاب أو القهر أي قهر الغير عليه، فالاكتساب ترد عليه سائر الأحكام الشرعية الخمسة، أما أننا نُوجد نحن أصل هذا المملوك فلا يحصل هذا إلا في خيال بعض الجهلة أما في الواقع فلا يحصل مطلقاً.
مثلاً إن تسخين الحديد، أي إيجاد الحرارة في الحديد، وهي في حاصلها لا تعني أكثر من تمليك الإلكترونات في مادة الحديد طاقة أكثر مما كانت تملكها، هذا الأمر هل نحن حقيقة من يوجده ؟
إن العقل السليم يقول لا بكل ثقة، أما العقل المختل فإنه يصرح بكل جراءة بأننا فعلا من يوجد هذه الحرارة في إلكترونات الحديد.
وحقيقة الأمر أننا لا نفعل شيئا أكثر من تعريض الحديد للنار، والنار تتسرب إلى إلكترونات الحديد بفعل الله تعالى، لا بفعل نفسها، إن ما يحصل عندما نقرب النار إلى الحديد هو أمر لا نعرفه على الحقيقة حتى الآن، وهو ما عبرنا عنه سابقا بأنه اكتساب.
وحتى لو طبقنا ذلك على جوارحنا فإننا سوف نجد أننا في الحقيقة لا ندري كيف تتحرك اليد تفصيلا، وكل ما ندريه هو أننا نريد نقل اليد من موضع إلى آخر، وبمجرد عزمنا على ذلك فإن اليد تتحرك.
فهذا هو ما يحدث، فهل هذا هو المراد بالخلق، إن الخلق وهو الإيجاد من العدم ليس كذلك، ومن يتوهم أن هذا فعلا هو معناه فقد اشتد في ضلاله، فإن أول شروطه هو العلم بالمخلوق، فكيف يقال بعد ذلك أننا نخلق حركة اليد ونحن لا ندري كيف تتحرك على الحقيقة؟؟! أي لا ندري تفاصيل حركة اليد وأسبابها الحقيقية الواقعية تفصيلا؟ إن من يقول ذلك يتجاهل أموراً كثيرة، ويكون كلامه مصادرة على المطلوب.
________________________________________
فالحاصل أن ما يحدث حقيقة في جميع أفعالنا ما هو إلا اكتساب، أي سعي في تحصيل نسبة الفعل بل النتيجة إلى أنفسنا، أما ما عدا ذلك فلا دخل لنا فيه.
وينطبق نفس الكلام على المواهب الخلقية، من الذكاء والقوة وغيرها، فهذه في أصلها لا تكتسب بل إنها من خلق الله تعالى، ولا تلتفت إلى من قال إن الذكاء يكتسب، بل إن الذي يكتسب هو الإلف والعادة والخبرة والممارسة وليس أصل الذكاء.
وكذلك المال الذي ترثه من الميت لك فهل فعلا أنت من اكتسبه أو أوجده؟! ألا تسميه رزقا قد ساقه الله تعالى لك، إن مجرد تمكنك من رفض هذا المال لا يعني أنك أنت من أوجده، أو أنك قد اكتسبته بالعمل، لأن هذا ليس هو العمل المقصود، كما هو ظاهر، وإلا لانتفى أصل الخلاف بين المؤلف وبين الحزب.فتأمل !
قال الله تعالى: ? والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ?، وفيه نص على أن الرزق من عند الله، ثم قال تعالى: ?ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ?، وقال: ? ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومَن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ?.
فما الذي يقدر أن يقوله المؤلف في هذه الآيات التي تبين أن الرزق منه ما هو من عند الله تعالى وأن التوزيع فيه من عند الله تعالى، وغير ذلك من الآيات التي أهملها المؤلف.
إن الذي ذكرناه هنا ما هو إلا أمر بسيط في تحقيق معنى الكسب، ولكنا أردنا ذكره هنا لنبين وجود فرق كبير بين الخلق والكسب، لأن هذا يخدمنا في جميع مسائل الكتاب، ومنها مسألة الرزق التي نحن بصددها هنا.
فحاصل الأمر أن الحصول على الرزق بعضه يكون بالكسب، وبعضه يكون بلا كسب، وامتلاك المال وحيازته لا يكون إلا النية.
وأما حقيقة الرزق أي الشيء المرزوق فإنه يكون بخلق الله تعالى له، وهذا إشارة إلى شيء مما يحتوي عليه مذهب أهل السنة.
________________________________________
قال الله تعالى: ? الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ?.
قال العلامة الكفوي في الكليات: “والرزق الحاصل للعباد باختيارهم كحصوله بالتجارات وقبول الهبات والصدقات والغصوب والسرقات وغير ذلك، أو بغير اختيارهم كحصوله بالإرث، فهذه الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى، فكان الحاصل بها مخلوقا لله تعالى”.
فهذا فيه دليل على ما قلنا من أن أهل السنة يقسمون الرزق إلى القسمين المذكورين.
“والرزاق لا يقال إلا لله تعالى، والرزاق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى ويقال للإنسان الذي يصير سبباً في وصول الرزق، رازق له”.
وهذا الكلام يبين على أي وجه يمكن أن يطلق الرازق على غير الله تعالى.
ثم قال الكفوي: “ويقول البعض: لو لم أكتسب لما وجدت الرزق، وبعضهم يقول:لو تركت الكسب لوجدت ما وجدت بالرزق، وبعضهم يقول: هذا من الله ومن كسبي. فالأول مشعر بالاعتزال، ولا يدل على الاتكال بالكسب، والثاني مشعر بالجبر وإنكار السبب، والثالث هو الصواب، لأنه لم ينكر السبب ولم ينكر تأثير الله تعالى في الأسباب، فمن ترك الكسب فليس بمتوكل، ومن اتكل بالكسب دون الله تعالى فليس بموحِّدٍ “.
وهذا النص عظيم المعنى وفيه يلخص المحقق الكفوي جميع ما قلناه في معنى الرزق وما يجب أن يعتقده فيه المؤمن، وهو قد وضع فيه معياراً يزن فيه الإنسان نفسه من أي طائفة هو، فافهمه وتمسك به والله تعالى هو الموفق.
ولهذا أجمع كل علماء أهل الحق على أن السعي واجب على العبد، ولم يقل أحد منهم أن الرزق بجميع أنواعه يمكن أن يحصل عليه العبد بلا اكتساب أصلاً، فالسعي والحركة واجبان بلا خلاف، لأنهما عند أهل السنة سببان عاديان جعل الله تعالى خلق الرزق عند اكتسابهما.
ونختم هذا الكلام بذكر بعض كلام العلماء في معنى الرزق.
________________________________________
قال شيخ الإسلام زكرياء في كتابه الفذ غاية الوصول: “(والرزق) بمعنى المرزوق عندنا – أي عند الأشاعرة – (ما يُنتفع به) في التغذي وغيره (ولو) كان (حراما) ” اهـ.
وقد يقول قائل: كيف يكون الرزق حراما وهو مستند إلى الله تعالى في الجملة ؟
قلنا: إن وصفه بأنه حرام في الحقيقة ما هو إلا وصف لكسب الإنسان، أي ما هو إلا وصف لطريقة الإنسان المكلف التي اتبعها في الحصول على هذا الرزق، ففعل الإنسان هو الموصوف في الحقيقة بالحلال والحرام، وأما الشيء في ذاته فلا يوصف بالحل والحرمة، وذلك لما تقرر في علم الأصول من أن الأحكام التكليفية إنما تتعلق بأفعال العباد ولا تتعلق بالأشياء في ذاتها.
وقد قررنا أن فعل الإنسان الذي هو كسبه مضاف اليه أولاً وأخيراً، ولا يضاف إلى الله تعالى، وهذا الكسب هو الموصوف بالحل والحرمة، ففي الحقيقة لا ينسب الحرام إلى الله تعالى، لأنه فعل العبد لما أنه كسبه، وأما الشيء الذي اكتسبه الإنسان فيوصف بالحل والحرمة.
فقول الشيخ زكريا وقول غيره من أهل السنة: ( ولو كان حراماً )، المقصود منها ولو كان كسب العبد له حراما، أي إن المرزوق ينسب إلى الله تعالى ولو كان كسب العبد له حراماً، فافهم.
وقد تقرر في علم الأصول أن الأحكام الشرعية ليست أموراً وجودية، أي لا يوجد لها وجود وتحقق في الخارج، بل هي أمور اعتبارية، وهي مربوطة بهذا الوجود الحادث المتحقق، ولهذا صرح الجمهور بأن الملائكة ليسوا مكلفين بالشرائع التي قد كلفنا نحن بها، بل أجمعوا على أننا في اليوم الآخر وفي الحياة الأخرى لا نتعرض إلى التكاليف ولا يجب علينا صوم ولا صلاة، وما ذلك إلا لأن الشريعة بل الشرائع كلها إنما جاءت بالنسبة إلى الوجود المعين المتحقق وليست هي أموراً مطلقة لها في ذاتها حقيقة، فتفكر.
وقال الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد: “الرزق اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان فيأكله” اهـ .
________________________________________
والمراد من قوله: ( فيأكله ) أي تناوله فيعم المأكول والمشروب، هذا تعريفه عند الماتريدية، وأما عند السادة الأشاعرة فالرزق أعم من ذلك كما مرَّ عن الشيخ زكريا الأنصاري، وقد نقل المحشي على الشرح أن الآمديَّ قد اعتمد أن الرزق هو اسم لما ساقه الله تعالى إلى الحيوان فانتفع به للتغذي وغيره، وهو ما اعتمده الإمام السعد في المقاصد، فيدخل في هذا سائر الأمور التي يستفيد منها الإنسان، وعلى هذا التعريف فما ساقه الله تعالى إلى الإنسان حسب كسبه أو بلا كسب منه ولم يحصل الانتفاع منه فليس برزق له وإن كان في أصله مما يساق للانتفاع ومما يقصد اكتسابه للانتفاع.
وعلى كل من التعريفين فإن الإنسان لا يأخذ إلا رزق نفسه لأنه ما دام قد انتفع به أو تغذى به فلا يمكن لأحد أن ينتفع به حال انتفاعه هو به، ومجرد الانتفاع هو الرزق المقصود أصالة، فافهم.
وبذلك يفهم معنى قول أهل السنة كيف أن كل أحد يستوفي رزق نفسه، أي يستوفي الرزق الذي كتبه الله تعالى له، وليس في هذا جبر له ولا ظلم له، لأنه تعالى لا يكتب إلا ما قد علمه بعلمه الأزلي، ولهذا قال الإمام السعد: ” (وكل يستوفي رزق نفسه حلالا كان أو حراما) لحصول التغذي بهما جميعا ” اهـ .
وعلى قول السادة الأشاعرة : وكل يستوفي رزق نفسه حلالاً كان أو حراماً لحصول الانتفاع به، كما أشرنا إليه عند الكلام على عبارة الشيخ زكرياء.
وبهذا الشرح والتوضيح ينهدم كل ما جاء به المؤلف الذي يدعي الاعتزال من كلام ومن مفاهيم عن الرزق، وينهدم أيضا كل ما قاله من رد وهجوم وانتقاد لمذهب الأشاعرة.
ويتبين أن كل ما قاله ما هو إلا تخرصات كما سبق له ذلك في المواضع التي نقدناه فيها.
تعقيب سبق الإشارة إليه …
________________________________________
وهذا التعقيب في أن كون الله تعالى هو الخالق لا يعني الانفكاك التام بين فعل الإنسان وبين نتيجة فعل الإنسان، بل إن الترابط ما زال قائماً، ولكن هذه الرابطة ليست قائمة على أساس الخلق، بل على أساس رابطة أخرى هي رابطة العادة التي يستند إليها الكسب. وبالتالي يمكن أن يعلم الإنسان أنه عندما يأخذ أجرة قليلة فهو مظلوم وظالمه هو صاحب العمل، وليس الله تعالى، مع أنه بعلم في نفس الوقت أن الله تعالى هو خالق هذه الأجرة، وذلك لأنه يعلم أن من أكسبه هذه الأجرة هو صاحب العمل، وأن الله تعالى قد خلق الأجرة على ما أراد صاحب العمل. ونحن نعلم أن صاحب العمل سوف يعاقب في الآخرة لأنه خالف أوامر الله تعالى في إعطاء الأجير حقه التام، وفي إنقاصه مما يستحق. ولا يلزم من هذا مطلقا أن الله تعالى هو الظالم كما هو ظاهر، وهذا هو معنى قول أهل السنة على سبيل الاختصار.
وبهذا التوضيح تبطل جميع الأسئلة التافهة التي وجهها المؤلف على مذهب الأشاعرة، ويزداد وضوحاً لدى القارئ أنه غارق في جهالاته وتجنياته على أهل السنة ؟!
الباب السابع
الهدى والضلال
ذكر المؤلف أن الأشاعرة قد صرحوا أن الله تعالى هو خالق كل شيء، ولم يستثنوا من ذلك شيئاً، ويدعي أن مقولة الأشاعرة والماتريدية بالكسب تؤدي إلى الجبر، مع أنه لم يبين في أي موضع من كتابه كيف أن القول بالكسب يؤدي إلى القول بالجبر، كما لم يستطع أن يبين ذلك أحد من قبله، وذلك أن حقيقة الأمر أنه لا يؤدي إلى الجبر مطلقاً.
ويكرر سؤاله الساذج دائماً وهو أنه إذا كان الإنسان هو الذي يهتدي وهو الذي يضل، فكيف يقال بعد ذلك أن الهدى والضلال خلق الله تعالى؟! أليس معنى أن الإنسان يهتدي أي يخلق الهدى في نفسه عقلا وفعلا؟ وكذلك بالنسبة إلى الضلال؟!
________________________________________
إن المؤلف ما يزال يعاني من نفس المشكلة التي سبق أن نبهنا عليها، وهي عدم تفريقه بين الكسب والخلق، وعدم إدراكه أن الكسب لا يعارض ولا ينافي التكليف، ومعنى أن الله تعالى يخلق الهدى والضلال في العبد، فمعنى هذا أنه يخلقه عندما يريد العبد اكتساب الضلال أو اكتساب الهدى، ولا نريد أن نكرر ما كنا قد ذكرناه سابقاً في معنى الخلق والكسب مع أنها نفس الإشكالية التي تتكرر عند المؤلف.
قال في شرح العقائد النسفية: ” (والله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء) بمعنى خلق الضلالة والاهتداء لأنه الخالق وحده” اهـ .
وأما اكتساب الهداية واكتساب الضلال فإنما هو بيد العبد وحده، كما سبق بيانه في معنى الكسب.
وأما قول المؤلف في صـ152ـفحة: “وينبغي أن يعلم أن الفعل لا يكون بين فاعلين، بل له فاعل واحد، والمقدور لا يكون بين قادرين، فالعجب كل العجب من قول من يقول عن الهدى أنه خلق له تعالى وفعل للإنسان بل هو للإنسان وحده” اهـ .
وقد كان ينبغي أن لا يتعجب من هذا القول، لأننا قد بينا أن الله تعالى قادر وفعله الخلق، والعبد أيضاً قادر وفعله الكسب لا الخلق، وبالتالي فإن الفعل عندما يكون لله تخليقاً وللعبد اكتساباً، لا يكون بين فاعلين لفعل من نفس النوع، لأن معنى الكسب يختلف اختلافاً كبيراً عن معنى الخلق، وليسا هما من نفس الجنس حتى يقال ما قاله المؤلف الذي لا يصدر منه إلا كل قول عجيب غريب لا يستوي مع مقاييس العقول ولا مع ما ورد عن العلماء من النقول.
وأما قوله في صـ154ـفحة :”فإسناد الهدى إلى الله حقيقة هو إسناد الثواب، وإسناد الضلال إلى الله حقيقة هو إسناد العقاب” اهـ .
________________________________________
فلا ريب في أنه قاله لما رآه في آيات القرآن من إسناد الهداية والإضلال إلى الله تعالى نحو قوله تعالى: ? ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ?، وقوله تعالى: ? يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النوربإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ?، وقوله تعالى: ? يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس،إن الله لا يهدي القوم الكافرين ?، وقوله تعالى: ? ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ?، وقوله: ? من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ?، فأراد أن يبرر ورود مثل هذه الآيات ففسر الهدى والضلال بهذا التفسير الغريب، مع أن ظاهر هذه الآيات وغيرها كثير أن الله تعالى هو الذي يخلق الهدى والضلالة في العبد.
واعلم أن المؤلف لم يشر مطلقاً إلى هذه الآيات مع أن البحث الحقيقي يوجب عليه أن يشير إليها ويذكر ما يفهمه منها، وذلك لأن ظاهرها يعارض ما يذهب هو إليه، فتأمل.
الباب الثامن
النصر
هل مفهوم الأشاعرة للنصر والهزيمة يخالف أصول العقل أو أصول الإسلام كما يدعي هذا المدعي ؟!!
لكي يتسنى لنا الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعرف كيف يفهم الأشاعرة النصر والهزيمة.
ولكن ينبغي أن نقول قبل ذلك أن أساس المشكلة عند المؤلف هو نفس الأساس الذي أشرنا إليه فيما سبق من المباحث، وهو عدم معرفته للفرق بين السبب العادي والسبب العقلي، وبالتالي عدم تمكنه من معرفة الفرق بين الكسب والخلق.
إن النصر في حاصله ما هو إلا إجبار خصمك على الانقياد لإرادتك أو كسر إرادة الخصم وإجباره على عدم تنفيذها.
والخصم عادة يحاول باكتساب الأسباب العادية أن يهزمك وأنت تحاول بنفس الأسباب ولكن من جهتك أن تهزمه، أي إن كلاً منكما يحاول أن يمتلك أسباب القوة التي بها يتمكن من القضاء عليك أو جعلك تخدمه وتسير بنفسك تجاه هدفه هو لا هدفك أنت.
________________________________________
وما دام الكلام قائماً على الأسباب العادية فلا خفاء في أن الغلبة إنما تكون لمن يتمكن من هذه الأسباب، وأما خرق العادات والتدخل المباشر من الله تعالى- وإن كان جائزاً عند أهل السنة – فليس هو من الأسباب العادية بل هو من الأسباب الخارقة للعادة.
فالنصر عند أهل السنة لا يكون إلا بتجهيز الأسباب العادية مع الدعاء لله تعالى بتوفيقهم وبهدايتهم إلى ما قد يغفلون عنه عادة.
هذا هو حاصل معنى النصر عند أهل السنة، بل هذه هو الأساس الذي يقوم عليه مفهوم النصر عند أهل السنة.
وهذا الكلام لا ينتج عنه ما يوهم بالجبر أو يلزم عنه الاتكال بله التواكل وعدم العمل، بل إن أهل السنة هم ضد هذا الفهم السقيم لمفهوم النصر.
أما من يفهم منه غير ما قلناه ويلزمهم بما لا يلزمهم فهو من لم يفهم معنى الكسب ولم يفهم معنى السبب العادي الذي هو الأساس الحقيقي عند أهل السنة وخصوصاً الأشاعرة، وبالتالي فإن من لم يحصل هذا الفهم فإنه يباشر ويسارع إلى تخطئتهم وتبديعهم بل ربما يدعي أنهم وقعوا في الأمور الكفرية !!
وقول الله تعالى صريح في وجوب الأخذ بالأسباب العادية للنصر ? وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ?، فالخيول والأسلحة من سيوف وبنادق وقنابل بكافة أنواعها وكافة أنواع القوة يجب على المسلمين أن يسعوا إلى امتلاكها بكل قوة، لأنها هي التي يخاف منها الأعداء ولا يمكنهم أن يواجهوا قوة الأعداء إلا بما يوازي قوتهم بل يتفوق عليها.
وإننا نقول ونكرر، إن مفهوم العادة عند أهل السنة من أهم المفاهيم التي يجدر بالمسلم أن يفهمها ويحصلها في ذهنه تحصيلاً جيداً لأن كثيراً من الأمور التي تميز بها الأشاعرة إنما يعتمد في الأساس على مفهوم العادة.
________________________________________
والرابطة العادية عند أهل السنة ليست رابطة احتمالية أي إننا إذا عرفنا أن السبب العادي للنصر هو امتلاك سلاح معين، ومن ثم استعماله بصورة جيدة وبإتقان، فإننا يجب أن نوقن أننا عندما نؤدي هذا الأمر، فإن هذا لا محالة سوف يؤدي إلى النصر وإلى انهزام العدو، ولا يجوز لنا أن نشك في هذا الأمر.
وهذا الكلام يتأكد تمام التأكد عندما يلاحظ الإنسان أن الله تعالى قد وعد المسلمين بالنصر وشرط هذا بأن ينصروه هم، ولم يعلق نصره لهم على غير هذا الشرط، فمعنى هذا أنه تعالى سوف يخلق النصر مباشرة عندما يكتسبون هم أسبابه من الأمور العادية المؤدية إليه، وهي التي ترشد إليها العقول والنصوص الشرعية الصريحة الموجودة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، مثل قوله تعالى: ?إن تنصروا الله ينصركم ?، وقوله تعالى: ? ولينصرن الله من ينصره، إن اله لقوي عزيز ?، وقوله تعالى: ? إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ?، وقوله تعالى: ? وكان حقا علينا نصر المؤمنين ?، وقوله تعالى: ? وما النصر إلا من عند الله ?، وقوله تعالى: ? إن ينصركم الله فلا غالب لكم ?.
هذا هو تلخيص لقول أهل السنة في مفهوم النصر وكيف يتأتى الحصول عليه.
وبعد هذا التوضيح لمفهوم الكسب ومنه كسب النصر، يصبح كل كلام يوجه نقدا لمذهب أهل السنة ويتهمهم فيه بالجبر وإسقاط التكاليف وانتهاء المذهب إلى القعود عن العمل، كل كلام يكون هذا حاصله أو معناه ما هو إلا كلام ساقط تافه لا يؤخذ بعين الاعتبار بل يرمى في المكان اللائق به ويوضع في حيز الإهمال.
________________________________________
وفي نهاية هذا المبحث العاجل لا بد أن نعيد ونكرر القول بأن كل ما ذكرناه عن مفهوم العادة لا يعني أن الله تعالى لا يجوز له أو أنه يمتنع أن يتدخل في شؤون الخلق، بل إنه تعالى فاعل مختار وعدم تدخله ما هو إلا وعد منه تعالى بناءاً على ترك الناس في مجرى الاختبار والتكليف بالحصول على رضاه تعالى وذلك بالامتثال بأوامره والانتهاء عن نواهيه، فيجوز له تعالى أن يتدخل وذلك على سبيل الكرامة أو على سبيل المعجزة كما سيحدث في آخر الزمان، والله تعالى هو الموفق على الحقيقة.
الباب التاسع
الجزاء
بحث المؤلف موضوع الجزاء ويقصد به الجزاء في يوم الآخرة، ويورد فيه بعض الأفكار التي سوف نذكرها فيما يلي ونعلق عليها بما يتيسر.
أولاً: المقولة الأولى التي يذكرها المؤلف في هذا المجال هي أن أحدا من الصحابة لم يذكر أن هناك انتقال من النار إلى الجنة، وادعى أنه لا قيمة للأحاديث المزورة الواردة في الخروج من جهنم، وزعم أن هذه الأحاديث هي في محل التعارض مع القرآن، ولهذا يجب أن ترد، وتعارض العدل الثابت لله تعالى (راجع الصفحتين 168-169).
ثانياً:ذكر أن أهل السنة يقولون أن عصاة أمة محمد لا يُخَلَّدون في العذاب، وادعى أنهم لا يملكون دليلاً واحداً على ذلك!! (راجع كلامه في صفحة176).
وهذا الموضوع هو آخر موضوع سنخصص له محلاً مستقلاً للنقاش، ومع أن تهافت كلام هذا المدعي بيِّنٌ عند من له أقل اطلاع على أحكام الدين، إلا أننا سوف نذكر بعض الأدلة التي تدل القارئ الكريم والباحث على الحق وتبين له اختلال كلام هذا المدعي!!
سوف نورد فيما يلي بعض الآيات والأحاديث التي تدل على خلاف ما ادعاه هذا الرجل.
________________________________________
إن الأحاديث التي وردت وتدل على إخراج أهل المعاصي من النار بعد أن يعذبوا ما شاء الله تعالى، قد بلغت حد التواتر المعنوى، ومنها الأحاديث التي أوردها البخاري في أول كتابه، ومنها “يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن مثقال شعيرة،وما يزن خردلة وما يزن ذرة”، ومنها ما أخرجه ابن اسحق وابن جرير وابن عساكر عن عبادة بن الصامت “كنا أحد عشر رجلا في العقبة الأولى فبايعنا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة النساء قبل أن يفرض علينا الحرب، بايعناه على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نقتل أولادنا ولا نعي في معروف فمن وفى فله الجنة ومن غش شيئا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له” وأخرجه أيضا البخاري ومسلم بنحو ذلك.
فهذا الحديث مع قوله تعالى: ? إن الله لا يفغر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ? وهذه الآية فيمن لم يتب، نص على أن الله تعالى يمكن أن يعذب العاصي وكل من أخطأ ويمكن أن يغفر له، والأصل أن يعذب، وأما المشرك بالله تعالى فلا يغفر الله له، وما دام الله تعالى قد وضع أمر العاصي بفعل إحدى الكبائر بين يدي مشيئته فإن هذا العاصي يستحيل أن يخلد في النار، وما دام يستحيل أن يخلد في النار ويمكن أن يعذب، فإنه يلزم حتما أنه إن عُذِّبَ فإنه لا محالة خارج من النار.
وفي هذا دلالة على أن من دخل في النار يمكن أن يخرج منها وبهذا يكون دليلاً على ضد دعوى قول المؤلف أنه لم يرد دليل على أنه يمكن أن يخرج من النار من دخل فيها، فتأمل.
________________________________________
وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها،رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال عملت يوم كذا وكذا وكذا وكذا؟ فيقول نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول ربِّ، قد عملت أشياء لا أراها ههنا. فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.” وهو موجود في مسند الإمام أحمد، وهذا الحديث نصٌّ آخر في أن هناك من يخرج من النار؟؟!
وفي رواية ابن أبي حاتم قال: ذكر عن عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ? لا يموت فيها ولا يحيى ?، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل”.
وقد ثبت في الصحيحين حديث أبي ذر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل:”من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر على رغم أنف أبي ذر”.
وثبت عنه قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:” أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان، مثقال حبة من إيمان، مثقال ذرة من إيمان “.
فهذه النصوص جميعاً تدل على خلاف ما ادعاه هذا المدعي من أنه لم يرد عن أحد من الصحابة أنه يخرج بعض أهل النار منها، ومن أنه لا دليل لأهل السنة على خروج أهل المعاصي من النار سواء بعد العذاب أو بعد المغفرة أو بعد الشفاعة والمغفرة.
________________________________________
والحق أن الأدلة على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار وإن دخلوها كثيرة جداً، والحق أيضا أن هذه المسألة من أضعف أصول المعتزلة التي تمسكوا فيها،وهم لا يملكون دليلاً عليه.
وبذلك نكون قد أتينا ببعض الأدلة الكافية لإسكات الخصم.
وأما ما ادعاه من أن هذه الأحاديث تعارض ما ورد في القرآن الكريم فهو من أعجب الأمور، وعلى كل حال فقد أجاب عليها العلماء في كتبهم أحسن الأجوبة وذكرنا نحن هذا المبحث في غير هذا المحل، بتفصيلاته في غير هذا المحل.
الباب العاشر
كلام حول حزب التحرير
سوف نقسم هذا الباب إلى قسمين:
الأول نذكر فيه بعض المواضع- ولن نذكرها جميعها لكثرتها – التي لم نتطرق إليها ونرى أن المؤلف قد أخطأ فيها بما يستحق التنبيه وإن كانت أصلاً تعود إلى المباحث التي نقضنا كلامه فيها من المواضيع السابقة.
الثاني:سوف نورد ما نرى أن المؤلف قد أصاب فيه من رده على الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير، وربما نضيف لها بعض ما لم يذكره هو من ذلك، وسوف نجعل هذا القسم مختصراً لأننا سوف نخصص للشيخ تقي الدين النبهاني كتاباًَ كاملاً نوضح فيه ما نراه أنه متوجه عليه، كما يليق بمقامه.
القسم الأول
سوف نسير في هذا القسم بترتيب المؤلف في كتابه ليسهل على القارئ متابعتنا.
1- قال في صـ27ـفحة : ليس من وظيفة السنة الإخبار فكل خبر يدعي أهل الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله إنما هو كذب على الرسول.
وقال في صـ202ـفحة:”وكون هذا الفعل مطلوبا فعله أو غير مطلوب فعله …..فإنها للبيان المقطوع به أنه من الله تعالى، أما بيان كيفيات الفعل التفصيلية فهو من بيان الرسول لمجملات الكتاب وهذا البيان لا يتعلق إلا بالأعمال ولا يتعلق أبداً بالأخبار فالرسول مبين لما أجمله الله في كتابه وليس مخبراً لأن كل خبر في ذاته قابل إلى ما لا نهاية من الأخبار بخلاف الأفعال فإنها يمكن أن تتوقف إلى حد ما “.
________________________________________
هذا الكلام منه الذي يصر عليه يهدم كثيراً من الأركان التي اعتمد عليها أهل الإسلام في فهم الدين، ولست أدري من أين جاء بهذا الأصل ؟‍‍‍!!!
وأما الاستدلال التافه الذي جاء به بعد ذلك فلا يلتفت إليه إلا غافل، حتى المعتزلة لم يقولوا بهذا الكلام، فالعجب كل العجب من معتزلي يخالف المعتزلة في الأصول.
ثم يدعي أنه يدعو إلى فكر المعتزلة، أي معتزلة هؤلاء هم المعاصرون ؟ وكيف يدعون بالمعتزلة وهم يخالفون القدماء ببعض أو قُلْ كثيرٍ من أصولهم ؟
إن الكلام الذي أتى به لتعليل كيف أن السنة لا تكون إلا للبيان وأنه لا يجوز أن يؤخذ الخبر من الأحاديث إنما هو تعليل متهافت.
وقد اتفق أهل السنة ولا أعلم خلافاً لهم من غيرهم على أن الأحاديث التي وردت عن الرسول تكون حجة سواءاً كانت إنشاءاً أو أخباراً فإنها مقبولة مطلقاً إذا صح سندها.
وما الفرق في العقل بين أن يصدر خبر عن الرسول وبين أن يصدر أمر ونهي عنه عليه السلام، أليس حاصل الأمرين واحداً، فإن الأمر فيه إخبار للناس بأن حكم الله تعالى في الأمر الفلاني هو كذا وكذا، فحاصل الأمر والنهي هو إخبار عن حكم الله تعالى، ونحن نصدق النبي في هذا لا لأن ما أخبر عنه بيان أو خبر أو نهي أو أمر بل لأن الرسول في ذاته صادق بدليل المعجزة التي أتى بها، والتي ينتج عنها صدقه في كل ما أخبر عنه.
إن كل ما أتى به الرسول وكان من أمور الدين فهو مقبول، وقد اختلف العلماء في التعبد بما كان منه عليه السلام على سبيل العادة والجبلة، ولم يكن على سبيل التبليغ وأداء الرسالة، فبعض قال يجب الاقتداء به فيه وبعض قال لا، على التفصيل المعروف في علم الأصول.
________________________________________
2- في صـ28ـفحة أدرج المؤلف الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والطحاوي والبخاري ومسلم وغيرهم مع الوهابية مثل التويجري وابن باز وابن عبد الوهاب وأتباعهم من المدعين الانتماء إلى السلف مثل الألباني ومحمد أحمد شاكر وابن قيم الجوزية، وهؤلاء جميعاً على اختلافهم فيما بينهم في بعض الأمور يشتركون في أنهم يتبعون ابن تيمية أصل التشبيه والتجسيم والذي يرتكز في أصوله إلى المذهب الكرامي المعروف، ومنهم من يعلن أنه لا يقلد ابن تيمية ومنهم من يعلن أنه يوافقه في كل صغيرة وكبيرة أو حاله كذلك.
والعجب أن الإمام السيوطي والإمام ابن حجر العسقلاني معروف لدى العامة من طلبة العلم أنهم ينتمون إلى المذهب الأشعري، وأما الإمام البخاري ومسلم فعلم لدى القدماء والمحدثين أنهم ينتمون إلى مدرسة ابن كُلاب وهو يعتبر أساساً من الأسس القوية التي اعتمد عليها الإمام الأشعري في مقاومته للمعتزلة وفي تأسيس مذهبه المنسوب إليه، ومعلوم أن كثيراً من الأشاعرة عندما يذكرون ابن كلاب فهم يقولون عنه إنه من أصحابنا المتقدمين ومعنى المتقدمين عندهم أنه متقدم على الإمام الأشعري، ومعنى أنه من أصحابنا مع أن الصاحب في عرف العلماء هو الموافق أو المتبع، وهذا ينبغي أن يكون متأخراً في الزمان عن المتبوع لا متقدما، أي إنه من الموافقين لنا في الأصول التي نقول بها، ومن الناس الذين اعتمدنا نحن عليهم في بناء مذهبنا وتشييد أركانه.
فيكون المؤلف بعد هذا التوضيح قد خلط بين الفرق مما يبين أنه ليس أهلا للكلام في مثل هذه المباحث، أو إذا أجزنا له الكلام فإنما يجوز له إلى حد معين ولا يسمح له بعد ذلك بالخوض أكثر.
3- يقول في صـ131ـفحة عن موضوع الرزق: ” بل إن الاختلاف قد تسرب إلى الواحد من المسلمين، فبينما تراه يسند الرزق إليه تعالى، إذ تراه من أكثر الناس اجتهاداً في الحصول عليه والتكاثر فيه والحرص عليه “..
________________________________________
إن المؤلف يصر على فهم الأمور كما يريد هو أن يفهمها لا كما ينبغي أن تفهم، فلم لا يقول إن الناس فعلاً ينسبون الرزق إلى الله تعالى، على سبيل الخلق أحياناً وعلى سبيل توزيعه أحياناً أخرى، كما هو مذهب أهل السنة، ولهذا نراهم يجدون في طلب الرزق لأنهم يعتقدون أن الكسب لا ينتفي وإن قالوا بكون الله تعالى خالقاً لأرزاقهم.وذلك كما بيناه فيما سبق.
ونحن لا ننفي أن يكون كثير من العامة يفهمون الرزق فهما غلطاً، ولا ننفي كذلك أن كثيراً منهم يفهمها فهما صحيحا، وكل هذه الأمور يكابر فيها المؤلف ولا يريد أن يعترف بما هو متقرر.
4- في صفـ140ـفحة يقول المؤلف: ” إن النبهاني لا يفرق بين السبب الكافي والسبب الضروري، فالسعي للرزق هو سبب كاف ولا يسد غيره مكانه، وتتحقق فاعليته من خلال السبب الضروري فالتاجر الذي يعرض بضاعة وقت الكساد، أحدث السبب الكافي والذي تأخر السبب الضروري، وهو عدم وجود الطلب، فالسبب الكافي لا يشتغل في الفراغ وإنما يشتغل وفق حالة المجتمع ” اهـ .
إن المؤلف يقع هنا في أخطاء هي عبارة عن أمثلة لما قلناه سابقاً وفي أكثر من محل من أن المؤلف لا يملك مقومات النظر في هذه المباحث، وبيان ذلك كما يلي:
لا يوجد أمرٌ اسمُه سبب كافي وسبب غير كاف سماه ضرورياً، لأن السبب لا يكون إلا ضرورياً في إنتاج المسبب، أي لا يكون إلا كافياً لإنتاج المسبب، وإن افتُرِضَ أمرٌ ما أنه سببٌ ثم قيل عنه إنه غير كاف فإن هذا يناقض كونه سبباً، فالسبب لا يكون إلا كافيا كما قلنا.
وأما المعروف بين العلماء فهو الشرط الكافي والشرط غير الكافي، وأنا متأكد أن المؤلف خلط بين الأمرين أي أن ما ذكرناه نحن عن الشرط توهمه هو عن السبب.
وهو يبني نقضه لرأي الأشاعرة على ما فهمه هو عنهم ورأي النبهاني كما يقول به على التفرقة الخاطئة هذه بين السبب وبين الشرط الكافي والشرط غير الكافي، فيلزم عن هذا أن يتهافت في جميع ما قاله عن ذلك.
________________________________________
ثم من قال: إن الطلب هو السبب الضروري للبيع، أليس السبب للبيع هو وجود المبيع مع العرض مع وجود الطلب وتوفر الأثمان والتراضي عليها ؟ أليس هذا كله بمجموعه يسمى سبباً، وهو إن وجد فإن البيع لا بد أن يوجد، أما أن يقال إن السبب الضروري هو وجود الطلب، فهذا قول قاصر باطل.
5- قال في صـ143ـفحة :”كيف يتأتى إقناع من يعمل عند الآخرين بأجر شهري يبذل في العمل الجهد وكثيراً ما يتحمل معاناة نفسية وقد يتحمل ما لا يطيقه مجبراً نفسه على ذلك، وبصورة أخرى يعلم أن مستأجره ظالم يزيد المعاناة ويقلل الأجر ويسيء المعاملة، ويقال له هذا رزق الله لك ؟! ” اهـ .
هذا الكلام من المؤلف إنما هو مغالطة مكشوفة وتهافت بيِّنٌ، لأن الذي يقال حقيقة عن الرزق الموصوفة حالته: هذا هو الرزق الذي اكتسبتَه أنت؟ وما اكتسبه الإنسان لا يجب عليه أن يرضى به بمعنى أن لا يطلب المزيد منه، وإلا لانتفى وجوب السعي.
وفي الوقت نفسه أيضاً يقال عن الرزق الموصوف بأنه خلقه الله تعالى لمن اكتسبه وعلى حسب اكتسابه المحكوم بالقوانين العادية، أي بالأحكام العادية.
وما أكثر المغالطات التي ذكرها المؤلف في كتابه هذا وما نذكره نحن هنا ما هو إلا عينات على ذلك.
6- أورد المصنف مثالا في رأيه عن التناقضات التي يقع فيها حزب التحرير، وذلك في ص172 فقال: “يؤكد حزب التحرير عدم جواز تكفير المسلمين الشاهدين الشهادتين بل الشهادة الواحدة، كما هي في حديث أبي هريرة ويتناسى حزب التحرير تكفيره لبعض حكام المسلمين لأن أعمالهم وتصرفاته تنم عن اعتقادهم ” اهـ .
إن ما قال المؤلف هنا ينطوي على غلطين:
الأول:لا يوجد في كلام الحزب ما يدل على أنه يقول بإيمان من شهد بالشهادة الواحدة فقط، بل كل كلامه يدل على خلاف ذلك، وما ادعاه المؤلف عبارة عن اتهام محض.
________________________________________
الثاني:ما ذكره الحزب أولاً من عدم تكفير من نطق بالشهادتين ثم تكفيره لبعض حكام المسلمين لا ينطوي على تناقض، لأن عدم التكفير المذكور مشروط بعدم مناقضة الشهادتين بالفعل أو بالقول أو الاعتقاد، وهذا هو الأصل، وأما تكفيره لبعض الحكام فلأن هؤلاء الحكام قد فعلوا بما يخالف مدلول الشهادتين، إما بالعمل أو بالقول أو بالاعتقاد، وهذا الحال لا تناقض فيه، بل فيه عدم فهم من المؤلف لما قاله الحزب أو تحريف لكلامهم وتشنيع عليهم.
القسم الثاني
في هذا القسم سوف نذكر بعض النقاط التي أوردها المؤلف معترضاً على حزب التحرير ونوافقه فيها نحن، وقد نزيد على ذلك بذكر بعض المسائل التي يقول بها الحزب ونعارضه فيها:
1- صار الكثير من الأحزاب والجماعات الإسلامية يميلون نحو الفكر السلفي، وصاروا يبنون أصولهم على مفاهيم من يأخذونها من السلفيين.
وأما حزب التحرير فقد تأثر الكثير من أفراده بهذه المفاهيم واتجه نحوها دون أن يشعر أنها مخالفة لكثير من الأصول التي يبني عليها الحزب أصوله.
ولكن انفعال وتأثر الحزب بهذا الأمر أقل بكثير من تأثر غيره من الأحزاب لأنه يملك عدداً من الأصول التي يمكنها أن تصمد أمام الحملة السلفية على الفكر الحديث بكامله، وقد لاحظ المؤلف هذا الأمر فقال في صـ30ـفحة:”بل إن الحزب تراجع وتحول من أشعري الأصول إلى سلفي الأصول، إذ لا فرق بين عضو حزب التحرير والألباني من ناحية أصولية” اهـ، إلا أن كلام المؤلف بهذا الصدد مبالغ فيه كالعادة.
ونحن عندما نقول إن الحزب تأثر بمقولات السلفية إلى حد ما، إنما نعني تأثر كثير أفراده بشكل أساسي، ولا ننسى تأثر بعض القياديين بهم أيضاً.
وقد صار لا يخفى علينا الأسلوب المبالغ فيه الذي ينتهجه المؤلف سواءاً في مناقشة الأشاعرة أو مناقشة غيرهم من أصحاب الأفكار، وبالتالي لا يجوز أن ينخدع القارئ بهذا الكلام كثيراً.
________________________________________
2- لقد منع الحزب من التفكير في الأمور العقائدية باستخدام أسلوب التفكير الذي استخدمه المتكلمون وادعى أن هذا الأسلوب لم يعرفه المسلمون إلا بتقليد الفلسفة اليونانية، ولهذا لا يجوز استخدامه!!
وبالتالي فقد ترتب على هذا الموقف عدة آراء تتعلق بمسائل من العقيدة الإسلامية منها الكلام في القضاء والقدر حين ادعى أن البحث في هذه المسألة لم يأت إلا من تأثر المسلمين باليونان، وكذلك بالنسبة لبعض المسائل الأخرى.
ومن هذه المسائل الكلام في الصفات التي يجب أن يثبتها المسلم لله تعال، .فإن الحزب لم يتكلم في هذه المسألة لا باعتبار أن التبني لا يجوز فيها، ولكن باعتبار أن نفس هذه الأساليب ليست صحيحة ؟! وهو بهذا الموقف يكون قد حرم نفسه من كثير من الأمور التي أبدع فيها المتكلمون في مجالات شتى.
وقد أجاد المؤلف في الإشارة إلى هذا الغلط الذي وقع فيه الشيخ تقي الدين النبهاني وهو الادعاء بأن المتكلمين قد قلدوا الفلاسفة اليونان في علم الكلام، وذكر في أكثر من صفحة أن تقي الدين النبهاني يصر على أن المتكلمين مقلدون لليونان في مناهجهم وفي كثير من أقوالهم،كما قال في صـ47ـفحة:”يصر النبهاني على أن أبحاث المتكلمين الإسلاميين هي أبحاث متأثرة بالفلسفة اليونانية دون أن يقدم دليلا واحدا يؤكد مقالته والمغالطة واضحة في القول” اهـ، وفي صـ48ـفحة يقول المؤلف أيضا: “خرافة تأثير الفلسفة في فكر الاعتزال أو علم الكلام قبلها النبهاني دون إعادة نظر ودون بحث وتمحيص” اهـ . .
________________________________________
وقد نص المؤلف على هذا المعنى في أماكن عديدة، وكلام المؤلف في هذه المسألة صحيح تماماً، فإن القول بأن علماء الكلام قد تأثروا تماماً بالفلسفة كلام ساقط لا يلتفت إليه، وهذه الفكرة روج لها في هذا العصر وفي العصور السابقة فريقان، الأول هم ذوو الأفكار المتحجرة من المجسمة ومن الذين ينتسبون إلى أهل الحديث، وبعض المنتسبين إلى أهل السنة من دون وعي لما يقولون، ومخالفين للمحققين من أهل السنة في هذا القول.
الفريق الثاني:كثير من الباحثين المعاصرين الذين ادعوا أن المتكلمين لم يأتوا في أبحاثهم بشيء يذكر ويستحق الالتفات إليه، بل كانوا في أكثر مباحثهم مقلدين لليونان، وأنهم لم يخدموا الفكر الإنساني بشيء يستحق الذكر، وهؤلاء قد تبعوا الكثير من المستشرقين في قولهم هذا.
ومن ضعف الفكرة أن يقول أحد المفكرين المسلمين بهذه المقولة دون أن يعي خطورتها، وقد ردَّ الكثير من المفكرين المعاصرين والقدماء على هذا الادعاء ونقضوه نقضاً لا تقوم له قائمة عند من تدبره.
3- مما ترتب على الفكرة السابقة – أي أن المتكلمين قد تأثروا بالفلاسفة – نهي تقي الدين النبهاني عن الخوض في الكلام على صفات الله تعالى وإتهامه للمتكلمين بأنهم قد خاضوا في ذات الله تعالى عندما تكلموا على بعض أحكام الصفات.
وقد شنع الشيخ تقي على المتكلمين وادعى أنهم قد تجاوزا الحد المسموح به شرعاً عندما خاضوا في تلك المباحث.
وأما المؤلف فقد عارض النبهاني في ذلك، وقال في صـ44ـفحة: ” إن البحث في الصفات ليس بحثا في الذات لأن هذه الصفات من مستلزمات الوجود والكمال وهو بحث في استحقاق الذات ” اهـ .
________________________________________
وهذا الكلام من المؤلف صحيح، وقد أشرنا نحن إليه في أكثر من محل وفي أكثر من كتاب لنا، وقد نص عليه كبار المتكلمين، أي إن البحث في الصفات ليس بحثا في الذات، وبالتالي فإنه لا يحرم شرعاً الخوض فيها، والحق أن هذا الموقف الذي تبناه حزب التحرير أو على الأقل الذي قال به الشيخ تقي واتبعه فيه سائر أفراد الحزب على حد علمي، قد أفقد الحزب الكثير من الفوائد العلمية التي كان يمكن أن يستفيدها من العلماء الأوائل، فهو بهذا الموقف قد وضع حاجزاً بينه وبينهم منعه من هذه الفوائد.
4- إن النبهاني لما نقد المتكلمين في موضوع القضاء والقدر من حيث أنهم بنوا أصوله على أساس أن الله تعالى هل هو الخالق للأفعال أو العباد، وقد عارضهم في ذلك وادعى أن هذا التأسيس غلط، وعارضه في ذلك المؤلف ومجرد معارضته له في ذلك أمر صحيح وأما أن الأساس الذي بنى المؤلف عليه البحث هل هو صحيح أو لا فهذا أمر آخر بيناه في موضعه أثناء ردنا عليه.
5- رد المؤلف الذي وجهه على الأشاعرة كما ادعى في موضوع الآجال كان الأحرى به أن يقول إنه متوجه على الحزب فقط، لا عليه وعلى الأشاعرة، وبيان هذا يتضح في مناقشتنا للمؤلف فيما سبق.
وعلى كل الأحوال فهذا لا يعني أن طريقة مناقشته للحزب صحيحة، بل فيها أغلاطٌ كثيرة أيضاً.
6- كما أن معارضة المؤلف للحزب في قضية الرزق هي صحيحة، كما لا يخفى على أحد، ولكنه قد أدخل في ضمن كلامه الصحيح هذا أموراً كثيرة فيها أغلاط واضحة يتضح بعضها من مناقشتنا للمؤلف، من أهمها أنه نفى أن يكون قسم من الرزق من عند الله تعالى مباشرة بلا كسب من العبد كما أشرنا إليه في الرد، وهذه النقطة كبيرة الخطر كما لا يخفى وتجاهلها متسبب عن سوء النظر والقصد.
________________________________________
وجلُّ اعتراضنا على المؤلف في هذه المسألة إنما هو اتهامه للأشاعرة وإلصاقه بهم الفهم الغالط وذلك كما أشرنا في ردنا عليه، وأيضا في التلبيس على الحزب في بعض النقاط، وإن كان قد تهافت هو كثيراً في هذا الموضوع كما اتضح للقارئ الكريم.
7- ونفس الكلام يقال في مسألة النصر، فإن الحزب فرق بأسلوب كبير بين السبب والنتيجة ولم يلتفت إلى مفهوم السبب العادي كما وضحناه نحن في ردنا على المؤلف، ومن هنا توجه عليه كثير مما أورده المؤلف، وهذا مع مغالاة المؤلف في كثير من المواضع من غير وجه حق.
8- وأما موقف النبهاني من الهدى والضلال وقوله: إن رأي أهل السنة والجماعة ورأي الجبرية واحد فهو كلام باطل بلا ريب، فالفرق كبير بين رأي الجبرية ورأي أهل السنة كما بيناه في أول هذا الرد.
خاتمة
________________________________________
لقد ذكر المؤلف لهذا الكتاب، المتهافت كما رأينا، في نهايته بعض الكلام يريد منهم أن يثبت أن المعتزلة هم الوحيدون في التاريخ الإسلامي الذين يستحقون أن يمدحوا، وهذا منه يستدعي غاية العجب والاستغراب، فإن أحداً من العقلاء لا ينكر أن للمعتزلة أفضالهم في التاريخ لما قدموه للإسلام من خدمات وإن خالفناهم نحن في مقولاتهم التي يتشبثون بها، ويكفي أن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي وهو من هو في العلم والتقوى والورع قد شهد له بالعلم أعداؤه وأحباؤه قد قال في بداية رده على ابن زفيل وهو المجسم المشهور بابن قيم الجوزية: ” وهاتان الفرقتان المعتزلة والأشاعرة هما فحولتا أهل الإسلام “، ولو كنت في حال أستطيع فيها أن أذكر نصه كما هو لفعلت ولكني قد كتبت هذا الكتاب ولا يتوفر عندي إلا أقل المراجع في سائر العلوم، وكثيراً ما اعتمدت على الملاحظات التي كتبتها في دفاتري الخاصة والكتب التي سطرتها للرد عل هذا الكتاب، ولو كان الظرف غير ما ذكرت لأوردت في هذا الرد من النقول ما تتحير منه العقول ومن التحقيقات المستقيمة ما يطرب له طالب الحق، مع أن ما ذكرته هنا يكفي للرد على ادعاءات صاحب الكتاب، وفيه من التنبيهات ما تعين القارئ على التنبه إلى ما لم أتعرض له بالرد والنقض على التفصيل بل إن فيه مع هذا من التحقيقات ما يعزُّ وجوده في كتاب آخر، وما التوفيق إلا من عند الله.
انتهى الكتاب
والحمد لله رب العالمين
والله هو الموفق على الحقيقة
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
________________________________________

التيسير والظفَر في التفضيل بين الملَك والبشر – عبد الكبير الإدريسي الكتاني

كتاب
التيسير والظفَر
في التفضيل بين الملَك والبشر

للطود الراسخ. والشهم الشامخ. الإمام الأشهر. الشيخ الأكبر
أبي الفيض سيدي محمد محيي الدين ابن الإمام أبي المكارم
الشيخ سيدي عبد الكبير. الإدريسي الكتاني الأثري
رضوان الله عليهما في الدارين…آمين

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

سئل كاتبه محمد بن عبد الكبير الكتاني عن مسألة؛ وهي: هل البشر أفضل من الملائكة أم الملائكة أفضل؟. فأجاب:

[تمهيد]
اعلم أنه قد اضطربت نقول العلماء فيمن هو أفضل بعد نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من المرسلين والملائكة. فتكلم كل بما ظهر له، وتشجع كل بما سنح وأُوضح له، وكل أخذ ذلك من قرائن الأحوال، ظواهر الكتاب والسنة الذي عليهما الاعتقاد وهم الكمال والإكمال. وسبب ذلك: عد نص صريح، أو قول من الأقوال اعتمد عليه بلا ترجيح.
فإذا علمت هذا وتقرر في ذهنك، وفهمته على ما هو عليه وخرج وراء عقلك؛ فلنصور الجواب بكلام أهل الأصول؛ إذ هم الأيمة الأعلام والعلماء الفحول، ثم بكلام أهل العلم والتحقيق، الذي ليس بع تحقيقهم تحقيق ولا تدقيق، ثم بكلام أهل الله وهم الصوفية، الذي عليهم التويل وهم الأجلة الأيمة.

[تحرير المسألة عند الأصوليين]
فنقول: قال الإمام صفي الدين ابن أبي منصور: “الذي نعتقده: أن جميع الرسل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة بأسرها، على خلاف بيننا وبين المعتزلة، وأن خواص الملائكة أفضل من عمم النبيين، وأن عموم النبيئين أفضل من جملة الملائكة، وأن عموم الملائكة أفضل من عموم المؤمنين؛ كل نوع يُتبَر فضله بما يقابله من النوع الآخر”.
“وأن النبوءات فاضلة بالمقام فضلا يشمل واسعهم وضيقهم؛ فليس لأحد عهم مشاركة بالمقام النبوي إلا بحكم الإرث التبعي”.
وقال كمال [2] الدين ابن أبي شريف في حاشيته على شرح “جمع الجوامع”: “الأفضل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: الأنبياء ثم الملائكة العلوية”. انتهى.
وقال صاحب “المواقف”: “لا نزاع في أن الأنبياء أفضل من الملائكة السُفلية الأرضية، وإنما النزاع في الملائكة العُلْوية السماوية”. انتهى.
وقال العلامة البرماوي رحمه الله: “الأنبياء من بني آدم كالرسل وغيرهم: أفضل من الملائكة، وخواصهم كالأنبياء أفضل من خواصهم، وعوامهم أفضل من عوامهم، وبنات آدم أفضل من الحور العين”. انتهى.
قال شيخ السنة الإمام البيهقي رحمه الله: “والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة، وعوام البشر أفضل من عوام الملائكة”. يعني: الصلحاء من البشر أفضل من الصلحاء من الملائكة.
وقال الإمام النسفي في عقيدته مانصه: “ورسل البشر أفضل من رسل الملائكة، ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة”. انتهى.
وقال القَسْطَلّاني في “المواهب اللدُنِّيَّة” مع شارحه الزرقاني: “واختلف: هل البشر أفضل من الملائكة أم الملائكة أفضل؟…ثالثها: الوقف. واختارخه الكيا الهرّاسي فقال: جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم – وهم: الأنبياء – أفضل من خواص الملائكة. واختاره الإمام فخر الدين في “الأربعين”. وفي “المحصِّل” قال ابن المنير: وفضلهم باعتبار الرسالة والنبوءة، لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية بمجردها، وإلا لكان كل البشر أفضل من الملائكة. معاذ الله”[3].
“وذكر الإمام فخر الدين أن: الخلاف في التفضيل بمعنى: أيهما أكثر ثوابا على الطاعات، ورد بذلك احتجاج الفلاسفة على تفضيل الملائكة بأنها نورانية عُلوية، والجسمانية ظلمانية سفلية، وقال: هذا لم يلاق محل النزاع. وبهذا يزول الإشكال في المسألة. وخواص الملائكة هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وحملة العرش، والمقرَّبون والكَروبيون والروحانيون. وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. أي: الصلحاء. قال التفتازاني: بالإجماع، بل بالضرورة؛ لعصمتهم جميعهم”.
“قال السيوطي: لكن رأيت لطائفة من الحنابلة أنهم فضلوا أولياء البشر على خواص الملائكة، وخالفهم ابن عقيل من أيمتهم، وقال: إن ذلك شناعة عظيمة عليهم، وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة، وجزم به الصفار والنسفي كلاهما من الحنفية. وذكر البلقيني أنه: المختار عند الحنفية، ومال إلى بعضه؛ وهو: أنه قد يوجد من أولياء البشر من هو أفضل من غير الخواص من الملائكة، وذهب الأكثرون إلى تفضيل جميع الملائكة على أولياء البشر، وجزم به ابن السُبكي في “جمع الجوامع” وفي منظومته”.
“والمراد بعوام بني آدم هنا: الصلحاء، لا ما اشتهر أنهم: مقابل العلماء، ولا ما في الأصول أنهم: خلاف المجتهدين لا الفسقة، كما نبه عليه العلامة كمال الدين ابن أبي شريف المقدسي. قال: ونص عليه البيهقي في “الشعب”، وعبارته: قد تكلم الناس قديما وحديثا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب الذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة [4]، والأولياء من البشر – قال السيوطي: وهم من عدا الأنبياء – أفضل من الأولياء من الملائكة – وهم: من عدى خواصهم كما أفاده السيوطي – انتهى كلام البيهقي”.
قال الزرقاني: “وإنما يوافق دعواهبتأويل أولياء البشر بالصلحاء الذين لا كبيرة لهم، ولا إصرار على صغيرة، لا بما عرفه التفتازاني أنه: العارف بالله وصفاته حسبما يمكنه، المواظب على الطاعات، المجتنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات”…انتهى.
قال القسطلاني: “وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة – أي: أهل السنة – كأبي إسحاق الإسفرائني والحاكم أبي عبد الله إلى تفضيل الملائكة، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله الحليمي، واختاره أيضا: الإمام فخر الدين في “المعالم”، وأبو شامة. قال البيهقي: وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول، والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به”. انتهى.

[أدلة من فضلوا الملائكة والجواب عنها]:
وتمسكوا بوجوه:
الأول: أن الملائكة أن الملائكة أرواح مجردة. قال الأموي: “هذا غير مُسلَّم، بل أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذا المفهوم ليس بمُسَلَّم”. انتهى.
كاملة بالعقل، مبرأة عن مباديء الشرور والآفات؛ كالشهوة والغضب والخيال والوهم، وعن ظلمات الهيولى والصورة. قوية على الأفعال العجيبة، لا تستثقل محل الأثقال، ولا تستصعب نقل الجبال، والرياح تهب بتحريكها، والسحاب تعرض وتزول بتصرفاتها، والزلازل تطوى بقوتها، عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط؛ لأنهم ناظرون إلى اللوح المحفوظ أبدا؛ فيعلمون ما وجد في الماضي وما سيوجد في المستقبل.
والجواب: أن مبنى ذلك الذي احتجوا به علا الأصول الفلسفية [5]؛ إذ هم القائلون بأنهم أرواح مجردة دون الأصول الإسلامية.
الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر؛ يتعلمون ويستفيدون منهم، بدليل قوله تعالى: {علمه شديد القوى}. [**/ **]، في جبريل، وقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين. على قلبك..}. [**/ **]، ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم.
والجواب: أن التعليم إنما هو من الله، والملائكة إنما هم مبلغون.
الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على الأنبياء؛ كقوله: {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}. [**/ **]، {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}. [**/ **]، وما ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة، لأن العرف شاهد بفضيلة المتقدم في الذكر، والأصل: تنزيل الشرع عليه، ويدل عليه: قول عمر القائل: “كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا، لو قمت الإسلام لأعطيتك!”.
والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوفود، أو لأن وجودهم أخفى، فالإيمان بهم أقوى، وبالتقديم أولى.
الرابع: قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون}. [**/ **]، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة من عيسى، إذ القياس في مثله: الترقي من الأدنى إلى الأعلى. يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا كذلك، فدل على فضل الملائكة على الأنبياء. ثم لا قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام.
لكن قد اعترض الفخر هذا الإشكال بوجوه: “بأن محمدا أفضل من المسيح، ولا يلزم من فضل الملائكة عليه فضلهم على محمد صلى الله عليه وسلم”.
“وبأن قوله: {ولا الملائكة المقربون}، صيغة جمع تتناول الكل، فتفيد أن مجموعهم أفضل من المسيح [6] لا أن كل واحد أفضل منه”.
“ولأن الواو حرف عطف؛ فتفيد الجمع المطلق لا الترتيب…”. انتهى باختصار.
قال القسطلاني: “والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له؛ لأنه مجرد لا أب له، وكان يبريء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بخلاف سائر العباد من بني آدم. فرد الله عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى؛ وهم: الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله تعالى، فالترقي والعلو إنما هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة في الاية على أفضلية الملائكة”. انتهى.
قال الزرقاني في شرح “المواهب”: “والقول الثالث: الوقف. حكاه الكلاباذي عن جمهور الصوفية. قال شارحه القونوي: وهو أسلم الأقوال، والسلامة لا يعدلها شيء، كيف وأدلة الجانبين متجاذبة وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها؟”.
“فالصواب: تفويض علمها إلى الله، واعتقاد أن الفضل لمن فضله الله ليس بشرف الجوهر؛ ليقال: الملائكة أفضل لأن جوهرهم أشرف؛ فإنهم خلقوا من نور وخلق البشر من طين وأصل إبليس وجوهره – وهو: النار – أشرف وأصفى من جوهر البشر، وما أفاده ذلك فضلا، ولا بالعمل؛ ليقال: عمل الملائكة :ثر، لأن إبليس أكثر عملا أيضا”.
“وقال في “منع الموانع” عن والده: ليست المسألة مما يجب اعتقاده ويضر الجهل به، ولو لقي الله سادجا منها بالكلية؛ لم يأثم”.
“قال القاضي تاج الدين: فالناس ثلاثة [7]:
رجل عرف أن الأنبياء أفضل، واعتقده بدليل.
وآخر جهل المسألة ولم يشتغل بها. وهذان لا ضرر عليهما.
وثالث قضى بأن الملائكة أضل، وهذا على خطر”.
“وهل من فضل الأنبياء على خطر؟. فالساذج أسلم منه، أو لأنه لاصابة الحق – إن شاء الله – ناج من الخطر، هذا موضع نظر، والذي كنت أفهمه عن الوالد: أن السلامة في السكوت، وأن الدخول في التفضيل بين هذين الصنفين الكريمين كذب على الله بلا دليل قاطع، ودخول في خطر عظيم، وحكم في مكان لسنا أهلا للحكم فيه، وجاءت أحاديث مشيرة إلى عدم الدخول في ذلك؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوني على يونس بن متّى. ونحوه، ولا خلاف أنه أفضل منه، فلعله إشارة إلى أنكم لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وما للسوقة والدخول بين الملوك. أعني بالسوقة: أمثالنا، وبالملوك: الأنبياء والملائكة. انتهى. وقد بسط في “الحبائك” المسألة”. انتهى من الزرقاني مع مصنفه بلفظهما.
وقال الشعراني في “اليواقيت والجواهر” ما نصه: “وأما عبارة الشيخ محيي الدين؛ فقال في الباب الثالث والسبعين من “الفتوحات”: اعلم أن المختار: عدم التفاضل بين المرسلين على التعيين بالعقل، مع إيماننا بأن بعضهم أفضل من بعض عند الله تعالى. إذ الخوض في مقام المرسلين غير محمد صلى الله عليه وسلم من الفضول. فعُلم أنا نعتقد تفاضلهم على الإبهام ولا بد؛ لقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}. [**/ **]، ولم يعين لنا من هو الأفضل. ومعلوم أنه: لا ذوق لنا في مقامات الأنبياء حتى نتكلم عليها، وغاية أمرنا: أن نتكلم بحسب الإرث المناسب لمقامنا. وأين المقام من [8] المقام؟!”.
“فلا ينبغي أن يتكلم في مقام الرسول إلا الرسول، ولا في مقام الأنبياء إلا نب، ولا في مقام الوارثين إلا رسول أو نبي أو ولي، أو من هو منهم، هذا هو الأدب الإلهي، ولولا أن محمدا أخبرنا أنه سيدي ولد آدم؛ لما ساغ لنا أن نفضله بعقولنا…”.
“وقال في الكلام على صلاة الجمعة من “الفتوحات”: لقد أطلعني الله تعالى على من الأفضل بعد محمد صلى الله عليه وسلم من الرسل على الترتيب، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تفضلوا بين الأنبياء. لعينت ذلك، ولكن تركته لما يؤدي إليه من تشويش بعض القلوب التي لا كشف عند أصحابها. ولكن من وجد نصا صريحا أو كشفا محققا قال به. انتهى”.
“وقال في الباب الثاني والستين وأربعمائة: لا تعرف مراتب الرسل والأنبياء إلا من الخام العام الذي يختم الله به الولاية المحمدية في آخر الزمان؛ وهو: عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. فهو الذي يترجم عن مقام الرسل على التحقيق؛ لكونه منهم. وأما نحن؛ فلا سبيل لنا إلى ذلك. انتهى”.
“وقال في شرحه لــ: “ترجمان الأشواق”: لا ذوق لنا في مقام الأنبياء حتى نتكلم عليه، إنما نراه كما نرى النجوم في الماء. انتهى”.
“وسمعت سيدي عليا الخوّاص رحمه الله يقول: الخوض في تفاضل الأنبياء على التعيين من غير كشف فضول، فإن نحو قوله: {منهم من كلم الله}. [**/ **]، وقوله: {اتخذ الله إبراهيم خليلا}. [**/ **] لا يؤخذ منه تفضيل أحدهما على الآخر على القطع؛ للجهل بأي المقامين أفضل: الخُلة أو الكلام. انتهى”.
“وسمعته – أيضا – يقول: من فاضل بين الرسل بعقله؛ فقد صدق عليه أنه فرق بين الرسل، وقد قال تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله}. [**/ **]، وإن كان المراد بالتفريق عند المفسرين: افيمان ببعض والكفر ببعض. فافهم [انتهى]. وذكر نحو الشيخ محيي الدين في [9] الباب الثالث والسبعين من “الفتوحات””. انتهى.
وقال الشعراني أيضا بعد كلام: “وأما التفاضل والخلاف المنسوب بين الأشعرية والمعتزلة من قولهم: الملك أفضل من خواص البشر، وعكسه؛ فقد قال الشيخ محيي الدين في كتابه: “لواقح الأنوار”: لم يظهر لي وجه الخلاف في التفاضل بين خواص البشر والملائكة؛ لأن من شرط التفاضل: أن يكون بين جنس واحد، والبشر والملك جنسان، فلا يقال مثلا: الحمار أفضل من الفرس، وإنما يقال: هذا الفرس أشرف من هذا الحمار!. اللهم إلا أن يقال: إن التفاضل حقيقة إنما هو في الحقائق التي هي: الأرواح، وارواح البشر ملائكة، فالملك إذا جزء من الإنسان، فالكل من الجزء، والجزء من الكل. هــ. فليتأمل هذا وما قبله من كلامه وليحرر”. هــ.
وقال في الباب السابع والأربعين من “الفتوحات”: “مما غلط فيه جماعة: قولهم: إنما كان ابن آدم أفضل من الملك؛ لكون ابن آدم له الترقي في العلم، والملك لا ترقي له. ولم يقيدوا صنفا ولا مرتبة من المراتب التي يقع بها التفاضل إلا كون ابن آدم يترقى بخلاف الملك…”.
“قال: وسبب غلطهم: عدم الكشف، ولو كشف لهم؛ لرأوا الترقي في العلم لازما لكل حيوان من الإنس والجن والملائكة…وغيرهم ممن اتصف بالموت دنيا وبرزخا وآخرة. ولو أن الملائكة لم يكن لها ترق في العلم، وحرمت المزيد فيه؛ ما قبلت الزيادة من آدم حين علمها الأسماء كلها، فإنه زادهم علما إلهيا بالأسماء لم تكن عندهم، فسبحوه تعالى وقدسوه”.
“فإن قلت: فإذًا؛ الملائكة مساوون لنا في الترقي في العلم”.
“فالجواب: نعم؛ بخلاف الترقي بالعمل، فلا أعمال لهم يترقون بها، كما لا نترقى نحن في الجنة بالأعمال التي نفعلها هناك؛ لزوال التكليف. فنحن وإياهم في ذلك سواء”. انتهى.
قال ابن العربي بعد كلام طويل [10]:
وليس يدرك ما قلنا سوى رجل قد جاوز الملأ العـــلوي والرسلا
ذاك الرســـول رسول الله أحمدنا رب الوســـيلة في أوصـــافه كملا
فإياك أن تنسب للشيخ القول بتفضيل الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم”. انتهى من “اليواقيت” باختصار جدا. وبقي كلام آخر طويل نقله الشعراني عن الشيخ أفضل الدين في “الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر” فانظره إن شئت.
قلت: وهذا الخلاف في غير نبينا سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال الزرقاني في شرح “المواهب اللدنية”: “أما هو؛ فأفضل الخلق إجماعا، لا يفضل عليه ملك مقرب ولا غيره، كما ذكره الرازي وابن السبكي والسراج البلقيني والزركشي…”. انتهى. وكذا حكى الأبّي وغيره الإجماع عليه.
وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، بحيث من أنكره فهو كافر؛ لقول ابن السُّبْكي: “خاتمة: جاحد المجمع عليه، المعلوم من الدين بالضرورة؛ كافر قطعا”. انتهى منه باختصار.
وقال النسَفي في عقائده: “وأفضل الأنبياء: محمد صلى الله عليه وسلم”. انتهى. منه بلفظه. وقال المقَّري رضي الله عنه وأرضاه، ونفعنا به:
نبينا أفضــــــــــــل بالإطباق من كل مخلوق على الإطلاق
وقال اللقاني في “الجوهرة”:
وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا؛ فمـــــل عن الشقــاق
قال شارحه عبد السلام: “المراد منه: العموم الشامل للعلوية والسفلية من البشر والجن والملك، في الدنيا والآخرة، في سائل خصال الخير ونعوت الكمال”. انتهى منه بلفظه.
قال العلامة عبد السلام: “وأفضليته صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقات مما أجمع المسلمون عليه، وهو مستثنى من الخلاف في التفضيل بين الملك [والبشر]؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: [أنا] أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر. وأن أمته أفضل الأمم؛ لقوله تعالى: {كنتم خير أمة [11] أخرجت للناس}. [**/ **]، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}. [*/ **]، أي: عدولا وخيارا. ولا شك أن أخيَريَّة الأمة إنما هي بحسب كمالها في الدين، وذلك تابع لكمال نبيها الذي تتبعه، فتفضيلها تفضيل له”.
“وأما قوله عليه الصلاة والسلام: لا تخيروني على موسى، ولا تفضلا بين الأنبياء. ونحوه؛ فمعناه: لا تخيروني تخيير مفاضلة في تفضيل يقتضي نقص المفضَّل عليه ولا يحتاج إلى أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل؛ لأنه مجرد احتمال كما قاله ابن اقْبرَسٍ، ويحتمل أنه قاله تأدبا وتواضعا”.
“فالواجب على كل مكلف اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الجميع؛ فيعصي منكره ويؤدب. إذا عرفت هذا الحكم المجمع عليه؛ فمل عن الشقاق – أي: المنازعة – فيه، واجزم به معتقدا صحته؛ لأنه لا يجوز الإقدام على خرق الإجماع”. انتهى منه بلفظه.
قلت: والخارق للإجماع هو: صاحب “الكشّاف” حيث قال بتفضيل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا التفات إليه. قال الزرقاني في شرح “المواهب”: “وما في “الكشّاف” من تفضيل جبريل؛ قال بعض المغاربة: جهل الزمخشري مذهبه؛ فإن المعتزلة مجمعون على تفضيل المصطفى. نعم؛ قيل: إن طائفة منهم خرقوا الإجماع – كالرمّاني – فتبعهم”. انتهى منه بلفظه.
قلت: وبما قدمناه عن الأبي من نقل الإجماع على تفضيل المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال: “إنه معلوم من الدين بالضرورة”، وأيدناه بكلام السبكي: “إن منكر المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعا”؛ يعلم قول العلامة عبد السلام: “فيعصي منكره ويؤدَّب”. هـ.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تفضلوني على يونس بن متّى”؛ فقال العلامة ابن سلطان في “شرح الشفا” ما نصه: “وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأجوبة؛ منها: أنه قاله تأدبا وتواضعا، ومنها: أنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضلهم؛ فلما [12] علم؛ قال: أنا سيد ولد آدم. وفي البخاري: أنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر. ومنها: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة كما ثبت سببه في “الصحيح” بورود: لا تفضلوني على موسى. كما سيجيء”.
“ومنها: أنه نهى عن تفضيل إلى نقص، لا عن كل؛ لثبوته في الجملة كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات}. [**/ **]. ومنها: أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوءة لا في ذوات الأنبياء وعموم رسالتهم، وزيادة خصائصهم ومزية حالاتهم، وهو معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه الشيخان: لا تفضلوا بين الأنبياء”. انتهى منه بلفظه.
وقال ابن جزي في تفسيره عند قوله تعالى: {تلك الرسل…}، ما نصه: “نص في التفضيل في الجملة من غير تعيين مفضول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء، ولا تفضلوني على يونس بن متى؛ فإن معناه: النهي عن تعيين المفضول لأنه تنقيصه، وذلك غيبة ممنوعة”. انتهى منه باختصار.
وقال العلامة العارف ابن عجيبة بعد كلام: “ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء، ولا تفضلوني على يونس بن متّى. فإن معناه: النهي عن تعيين المفضول؛ لأنه غيبة وتنقيص”. انتهى منه بلفظه في تفسيره.
وقال الزرقاني في شرح “المواهب” نقلا عن القاضي تاج الدين السبكي: “إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوني على يونس بن متى. أن المراد به: لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وإلا؛ فنحن قاطعون بأنه أفضل من يونس عليهما الصلاة والسلام. بالمعنى. ونقله عبد السلام في شرح “الجوهرة””. انتهى.
هذا حاصل ما لهم، وما فيهم، وما منهم، وما لهم. وكتبه عبد ربه: محمد بن عبد الكبير الكتاني، منحه الله دار التهاني بمنه…آمين.

قال ناسخه الإمام الباقر الكتاني رضي الله عنه: “قال شقيقي الشيخ محمد المهدي الكتاني عقبه: وألفه وهو ابن ست عشرة سنة بفضل من الله، والحمد لله وله المنة. انتهى”.
“قلت: قرأت في “شذرات الذهب” في ترجمة الإمام العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791، نقلا عن بعضهم: أن السعد المذكور فرغ من تأليف شرح الزنجاني حين بلغ ست عشرة سنة. انتهى من ص320 ج6″.

الكتاب : الدر الثمين ، مختصر الرد المحكم المتين المؤلف : المحدث العلامة السيد عبد الله الغُماريّ اختصار وتقريب : الأستاذ العلامة سعيد فودة

الكتاب : الدر الثمين ، مختصر الرد المحكم المتين
المؤلف : المحدث العلامة السيد عبد الله الغُماريّ
اختصار وتقريب : الأستاذ العلامة سعيد فودة
الدُّرُّ الثَّمِينُ
وهو اختصار لكتاب
“الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين”
تأليف المحدث العلامة السيد عبد الله الغُماريّ
اختصار وتقريب
الأستاذ العلامة سعيد فودة
حفظه الله تعالى
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعه بإحسان إلى يوم الدين:_
وبعدُ …
فلمَّا نظرتُ في كتاب العلامة المحدِّث السيد عبد الله الغماري غمره الله تعالى بإحسانه، وعرفتُ ما فيه من فرائد وفوائد، أحببتُ أن أكتب له مختصراً محرراً، أقرِّبه به إلى طلبة العلم المخلصين، لتعم فائدته الناس، فجردته مما فيه من تعقبات لذاك الذي وُضِعَ الكتاب أصلاً رَّداً عليه، وقد أشرتُ إليه في أول هذا المختصر.
وحذفتُ منه ما لا يؤثر على قوة الدِّلالة، كل هذا مع الاختصار غير المخل.
وأدعو الله تعالى أنْ ينفع به وبأصله، والحمد لله رب العالمين، وما توفيقنا إلا بالله.
سعيد فودة
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه فوائد اقتطفتها من كتاب “الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين” للسيد العلامة: عبد الله الغماري.
وقد ذكر المحدث الغماري كتابه هذا في ترجمته الذاتية التي سماها “سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق”؛ في عدة مواضع، فقال مثلاً في ص 92:
” واطّلعتُ على كتاب يسمى القول المبين في حكم دعاء ونداء الموتى من الأنبياء والصالحين، لواعظ اسمه الشيخ محمد مخيمر، فوجدتُ فيه أغلاطاً كثيرة، وتحريفاً في النقول، وجرأة على الكلام في التفسير بغير علم، فكتبت رداً عليه سميته “الردّ المحكم المتين على كتاب القول المبين” طبع ورآه المردود عليه، ولم يستطع أن ينقضه، ولما رآه صديقي الشيخ عبد الوهاب اللطيف، قال: هذا كتاب ممتلئ بالقواعد والفوائد، وهكذا أعجب به كل من رآه” انتهى.
وقال العلامة المحدث الأصولي الغماري في ص94:
“وكان الشيخ محمد مخيمر زعم في كتابه أن حديث “حياتي خير لكم” لا أصل له، فكتبتُ جزءاً في تصحيحه، سميته “نهاية الآمال في صحة حديث عرض الأعمال” طبع وأرسلته لأخي، فأثنى عليه كثيراً. ورأيت الألباني ذكره في الأحاديث الضعيفة، وأخطأ وانحرف عن القواعد التي استعملها في تصحيح أحاديث توافق هواه، وهو صاحب هوى” انتهى.
فصل
[بيان مختصر لحال المجسمة المنتسبين إلى السلف في هذا الزمان]
بعض الطوائف من المتنطعين أكثروا الصراخ والضجيج، وزعموا أن مَنْ زار قبراً من قبور الأنبياء أو الأولياء وتوسل بصاحبه إلى الله، أو استشفع به لديه خرجَ من زمرة الموحدين، ودخل في عداد المشركين !!
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً، فرقوا بين جماعة المسلمين، واتخذوا من ضعفاء العقول أنصاراً لنحلتهم يروجونها بأساليب تشبه الحق وليست بحق، فلبسوا على العامة أمور دينهم، فعظمت بهم الفتنة وجسمت المحنة.
فصلٌ
أجمع علماءُ الحديث وغيرهم على أن الحديث إذا استوفى شروط القبول وجب العمل به سواءً كان في الكتب الستة أو في غيرها، ولو كان في سيرة البكري مثلاً.
فصل
[لزوم تسويد وتوقير الرسول صلى الله عليه وسلم]
لا يجوز أن يقول قائلُ: “قال محمد” أو “فعل محمد” من غير سيادة أو صلاة.
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر)، والصحابة كانوا لا يذكرونه باسمه المجرد لقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)، ومنهم مَنْ كان يسوِّده مبالغة في تعظيمه كما جاء في المستدرك من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم حدثني جدتي الرباب قالت: سمعتُ سهل بن حنيف يقول:
مررنا بسيل فدخلتُ فاغتسلتُ فيه فخرجت محموماً، فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “مروا أبا ثابت يتعوذ” قال فقلتُ: يا سيدي، والرُّقى صالحة؟! فقال: “لا رقى إلا في نفس أو حمة أو لدغة”.
________________________________________
قال الحاكم: صحيح، وأقرَّه الذهبي ورواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى.
وصح أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له من حديث: “ومَنْ ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين”.
فصلٌ
[أصلٌ مهم في الحكم على الناس]
الأصل إحسان الظن بالمسلمين، وحديث أبي ذر في البخاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك”.
ورواه مسلم أيضاً ولفظه: “ومَنْ دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه”، ومع أن ظواهر هذه الأحاديث غير مراد، إلا أنها تفيد زجر المسلم عن ذلك.
ولا يفيد الرجل أن يقول: تأولتُ ذلك؛ لأن الأصل الاحتياط كما سبق.
والقاعدة المقررة: “أن المسلم لا يحكم بكفره أو ضلاله حتى يفعل أو يقول ما يقتضي ذلك، غير متأول فيه تأويلاً مقبولاً على قواعد الشريعة ولا له عليه دليل وإن كان مخطئاً فيه إن كان ميله يقبل منه مثل ذلك الخطأ”.
فصل
[قاعدة مهمة في الاجتهاد والتقليد وتبليغ العلم]
العالمُ المجتهد إذا اجتهد في أمرٍ ظنيٍ فأخطأ فله أجرٌ، لأن أصل الاجتهاد مطلوب منه، لأنه يستحق ذلك.
وأمّا العاميُّ الجاهل الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد، إذا اجتهد فأخطأ فإنه غير معذور ويعاقب على هذا ولا أجرَ لَهُ، لمخالفته أمْرَ الله تعالى له بسؤال أهل الذكر.
عن النعمان بن بشير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه” الحديث.
________________________________________
وعن أبي قرصافة نحوه بلفظ: “نضر الله امرأَ سمع مقالتي وحفظها فرب حامل علم إلى مَنْ هو أعلم منه” وذكر الحديث، وفي رواية أنس “نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ثم ذهب بها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه”، وللحديث طرق بلغت حدّّ التواتر.
فتبليغ العلم له أنواع، ولكل نوع شروط، فلا يحق لأي أحد أن يدَّعي أنه يجوز له نشر العلم.
ولا عذر لأحد في الاغترار بمن يسمَّى دكتور، فهذا ليس فيها دلالة الاجتهاد، بل ربما تكون علامة الجهل والغباء.
فصلٌ
[إشارات تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
يجب على المسلم الاهتمام بكل المنكرات والتنبه إليها، ولا يجوز له أن يقتصر على مسألة واحدة ويهمل غيرها مما هو أهمُّ وأخطر منها، فلا يجوز الاهتمام بزيارة القبور والتوسل والصراخ كذباً بأنهما شرك وبدعة، وترك انتشار الربا والزنا وبيوت الدعارة وانتشار الخمور، وإهمال المحاكم الأهلية التي تحكم بقانون وضعي بدلاً عن القانون السماوي الشرعي فتنفذ أحكاماً لم ينزل الله بها من سلطان، وتعطل إزاء ذلك أحكام الله وتلزم الناس أشياء ما ألزمهم الله ورسوله إياها، وهذا غاية ما يكون من الضلال والخذلان.
أفكان للمتنطع يد في إنكار هذه المحاكم التي وصف الله منفذ أحكامها بالكفر والفسوق والظلم ؟ كلا ثم كلا.
وما له ولهذا الإنكار الذي يكون سبب ذهاب مرتبه وربما يؤول به إلى السجن والحبس، فالمتنطع يتعامى عن هذا الحق كأنه ليس بموجود في البلد و لا يرى أن عليه التبليغ في هذا لأنه يؤدي إلى ذهاب الأموال وربما إلى السجن أيضاً.
ولكنه يبرق ويرعد ويشتم ويسب ويجهل ويسفه إذا ذكر التوسل والزيارة، لأنَّ هذا الكلام فيه مع حفظ المرتب تقبيل اليد من العوام الجالسين حوله والتشييع إلى البيت بكل إجلال واحترام !! فهؤلاء هم الذين يبيعون الدين بثمن قليل !!
فصلٌ
________________________________________
مبحث سماع الموتى، وحياتهم في قبورهم ووصول قراءة القرآن إليهم، وهذه المباحث لو جهلها المسلم طول حياته لما لزمه ضرر في دينه؛ لأنها ليست من المسائل الضرورية في الدين بحيث تجب معرفتها على كل مسلم.
والتوسل له اتصال ما بالعقائد، لكن الكلام فيه من حيث الجواز والحرمة هو مبحث فقهي، وكذا أحكام القبور وزيارتها وقراءة القرآن للموتى.
ولا يصح تنزيل ما جاء في مشتركي العرب وعباد الأصنام على غيرهم ممن آمن وصلى وصام.
فصلٌ
[بيان ناحية مهمة في معنى الشرك في الجاهلية]
مشركو العرب بجميع فرقهم كانوا يتخذون من يدعونه إلهاً من دون الله كما صرح به القرآن، فالتوسل غير الشرك؛ فدعاء المشركين دعاء ألوهية وتعبد، ودعاء المسلمين توسل واستشفاع، وفرقٌ كبير بين مَنْ يقول: يا رب أعطني كذا بحق فلان، وبين من يقول: أعل هبل !! خذلني اللات !!
فصل
[مسألة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما فيها من تفصيل]
قال علماء الأصول:
خطاب الشارع: إما واردٌ ابتداءً فهو على حاله من عموم أو خصوص.
وإما واردٌ عقب سبب مخصوص كسؤال مثلاً، وهو: إما مستقل أوْ لا ، فإن لم يستقل بالإفادة بحيث لا يحصل الابتداء به فهو تابع للسبب في عمومه و خصوصه، وإن استقل بنفسه بحيث لو وردَ ابتداءً لكان كلاماً مفيداً فهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون أخص من السبب وهذا لا يجوز، إذ يلزم عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ممنوع، إلا إذا أمكنت معرفة المسكوت منه كأن كان في المذكور تنبيه عليه فيجوز حينئذ كما لو سئل الشارع عن حكم مَن أفطر في نهار رمضان فأجاب: مَن جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالظهار، فاقتصاره على الجماع يفيد بطريق المفهوم أن الإفطار بغيره لا كفارة فيه.
الثاني: أن يكون مساوياً للسبب في عمومه أو خصوصه، وهذا واضح.
الثالث: أن يكون أعمَّ من السبب، وهما قسمان:
________________________________________
أحدهما: أن يكون أعم منه في حكم المسؤول عنه وغيره، كما جاء في حديث الترمذي وغيره عن أبي هريرة أن أناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال: “هو الطهور ماؤه، الحل ميتته”.
سألوه عن الوضوء بماء البحر في حالة الضرورة، فأجابهم بجواب عام يشملها وغيرها، وزاد على ذلك حكم ميتته، فهذا القسم يبقى على عمومه بلا خلاف، وإن كان كلام أبي الطيب الطبري وابن بَرْهان يقتضي جريان الخلاف الآتي في القسم الثاني فيه.
ثانيهما: أن يكون أعمَّ من السبب في الحكم الذي وقع السؤال عنه مثلاً كما جاء في حديث الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: “إن الماء الطهور لا ينجسه شيء” وهذا القسم محل خلاف بين العلماء وفيه مذاهب:
1- يجب قصره على صورة السبب فلا يتناول غيرها، نقله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن السمعاني وابن بَرْهان عن الإمام مالك، وقال به من أصحابه أبو الفرج كما حكاه القاضي عبد الوهاب والباجي، وقال به أيضاً أبو ثور والمربي والقفَّال والدَّقَّاق، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي الحسن الأشعري، وحكي عن الشافعي ولم يصح عنه.
2- يجب حمله على العموم وهو مذهب الشافعي والجمهور، وهو الراجح.
3- الوقف، أي لا يحمل على العموم ولا الخصوص حتى يتبين أحدهما بالقرائن والأدلة، حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب.
4- التفصيل: وهو أنه إذا كان السبب سؤال سائل فيختص به، وإذا كان السبب وقوع حادثة ورد الخطاب عقبها فلا يختص بها، حكاه عبد العزيز في شرح البزدوي.
________________________________________
5- تفصيل آخر: وهو أنه إن عارض هذا العام الوارد على سبب عام آخر ورد ابتداء بلا سبب فإنه يقصر على سببه، وإن لم يعارضه فالعبرة بعمومه، وصححه الأستاذ أبو منصور، قال الشوكاني: وهذا لا يصلح أن يكون مذهباً مستقلاً فإن هذا العام الوارد ابتداءً من غير سبب إذا صلح للدلالة فهو دليل خارجي يوجب القصر أي قصر العام ذي السبب على سببه، ولا خلاف في ذلك بين ذلك المذاهب كلها أو فكأن هذا تقييد لمحل الخلاف المذكور.
وعلى مذهب الجمهور: الراجح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فمعنى ذلك هنا أن تلك الآيات التي نزلت في مشركي العرب لا تختص بهم؛ لكونها وردت بسببهم، بل تعمُّ كلَّ مَنْ عبد شيئاً من دون الله واتخذه إلهاً، سواء كان هذا المشرك من العرب أم من العجم.
فصل
[الفرق بين الشرك وبين التوسل]
الإشراك في اللغة معناه اعتقاد شريك مع الله في الألوهية وهو كفرٌ بالله تعالى.
وأمّا التوسل فهو التقرب إلى الغير، يقال: توسل إلى فلان بكذا إذا تقرب إليه بشيء، والوسيلة ما يتقرب به ومنه قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة”. والاستغاثة معناه طلب الغوث والنجدة، والدعاء معناه النداء وطلب الإقبال.
فصل
[معنى الإشراك الذي وقع فيه العرب في الجاهلية]
الإشراك الذي حصل من المشركين الذين ذمهم القرآن هو عبادتهم للأنبياء والملائكة والأولياء بناءً على اعتقادهم فيهم أنهم شاركوا الله في الألوهية وأن لهم تأثيراً في الأشياء.
________________________________________
والمشركون كانوا يعبدون آلهتهم ويعتقدون أنها تستطيع أن تقربهم إلى الله، وهذا بنص القرآن، فاعترفوا على أنفسهم بأمرين عظيمين: أنهم يعبدون آلهتهم التي يعتقدون أنها تؤثر في الكون مع الله تعالى، وهذا كفر، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم “لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك”، وقد علم في علم التوحيد أنه لا فعل إلا لله، وأنه من أثبت لغير الله فعلاً كفعله ولو لم يرد الله فإنه كافر بالله تعالى، وإن زعم أنه مؤمن.
فصل
[بيان أهمية الدليل وأن الاعتماد عليه]
المدار في ثبوت الحكم على وجودُ الدليل، فحيث وجد ثبت الحكم سواء عمل به كل الصحابة أو بعضهم، وسواءً عمل به الأئمة المجتهدون أو لا.
ولا يوجد أحدٌ من العلماء اشترط في الدليل أن يعمل به الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان والأئمة المجتهدون، بل صرحوا بأن الدليل متى استوفى الشروط المقررة لقبوله وجبَ الأخذ به.
فصل
[جواز الاستعانة بالملائكة مع عدم رؤيتنا لهم]
روى الطبري بإسناد رجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله”.
في هذا الحديث جواز استغاثة المخلوق والاستعانة به، وذلك لا يكون بالضرورة إلا فيما يقدر عليه ويليق به، أما الاستغاثة المطلقة والإعانة المطلقة فهما مختصان بالله تعالى لا يطلبان إلا منه، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
فصلٌ
[دليل من القرآن على التوسل]
قال الله تعالى: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً”.
فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة، وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل وهو مفقود هنا.
فإن قيل: من أين أتى العموم للآية حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة يحتاج إلى دليل؟
________________________________________
قلنا: من وقوع الفعل في سياق الشرط، والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عامَّاً؛ لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً منكراً، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعاً.
فإن قيل: طلب الدعاء والشفاعة من الحي معقولٌ، أما من الميت فلا، لأنه قد انقطع عن هذه الدنيا فلا يدري ما يقع فيها!!
قلنا: ليس كذلك، بل ثبت التواتر والإجماع أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وثبت أن نبينا محمد صلى اله عليه وآله وسلم يستغفر لسيئات أعمالنا، كما في حديث عرض الأعمال، بل ثبت لمطلق موتى المؤمنين أنهم يشعرون بمن يسلِّم عليهم ويردون عليه السلام ويستأنسون به ما دام جالساً عندهم إذا كانوا يعرفونه في الدنيا، فكيف يمتنع الدعاء منهم في هذه الحالة بل هو ممكن عقلاً وشرعاً ؟
فصل في
[بيان أصل مهم في معنى الترك
وهل يصح اعتماده دليلاً مستقلاً ؟]
عدم فعل الصحابة لشيءٍ يحتمل أن يكون أمراً اتِّفاقياً، ويحتمل أن يكون ذلك عندهم غير جائز أو يكون جائزاً وغيره أفضل منه فتركوه إلى الأفضل، ويحتمل أن يكون تركوه لئلا يتخذ عادةً متبعة ويترك ما سواه من أنواع الأدعية ويحتمل غير هذه الاحتمالات، والقاعدة أن ما دخلَه الاحتمال سقط به الاستدلال.
ثم إن هذا تركٌ، وهو وحده إن لم يصحبه نصٌّ على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع.
واعلم أن الجمعة لم تتعدد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا في عهد الصحابة وإنما حدث تعددها بعد ذلك بكثير، ومع هذا فليس ذلك دليلاً على تحريم تعدد الجمعة.
ثم لو كان تركُهم طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم حجةً في منعه، فصحة ذلك ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد عارضه عموم قوله تعالى: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم”، فلا يحل ترك العموم الذي هو دليل اتفاقاً، إلى ما ليس بدليل على الصحيح، من عمل الصحابة أو بعضهم.
________________________________________
ومن العجب الاحتجاج بعمل عمر رضي الله عنه حين استسقى بالعباس، وترك عمل عمر وقوله الذي وافقه عليه الصحابة في أن الطلاق الثلاث يقع بكلمة واحدة، واعتبار هذا ليس بحجة، مع أن الاستسقاء بالعباس ليس فيه منع التوسل بالميت، بل ليس هو من هذا الباب على الإطلاق!!
ثم إن بعض الصحابة قد استسقى بالنبي، فقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة قال: أنبأنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي، قالا: أخبرنا أبو عمر ابن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي، ثنا يحيى، أبنائنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن مالك الدار وكان خازن عمر قال:
أصاب الناسَ قحطٌ في زمن عمر رضي الله عنه، فجاء رجلٌ إلى قبر النبي صلى اله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: أئت عمر، فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر رضي الله عنه، ثم قال: يا رب، ما آلو إلا ما عجزت عنه.
إسناد هذا الأثر صحيح، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح وعزاه إلى ابن أبي شيبة من طريق أبي صالح عن مالك الدار باللفظ المذكور، وقال: سنده صحيح.
والرجل هو بلال بن الحرث المزني أحد الصحابة كما رواه سيف في الفتوح، فهذا صحابي فعل ذلك كما تراه، وإن لم تصح رواية سيف فالرجل تابعي جزماً، ثم إن الحجة في إقرار عمر له حيث لم ينهه عما فعل.
وقد صحَّ عن عثمان بن حنيف أنه أمر الرجل الذي كانت له إلى عثمان بن عفان حاجة أن يدعو بهذا الدعاء الآتي، فدعا به فقضيت حاجته، وعثمان بن حنيف صحابي معروف، والرجل الذي دعا إما أن يكون صحابياً أو تابعياً.
________________________________________
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن محمد بن كثير ابن رفاعة قال: جاء رجل إلى عبد الملك بن أبجر، فجس بطنه فقال: بل داء لا يبرأ قال: ما هو ؟ قال: الدبيلة، قال: فتحول الرجل فقال: الله الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، اللهم أني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني بما بي، قال فجس بطنه فقال: قد برئت مما بك من علة.
وقد كان ابن أبجر حافظاً ثقةً، وكان مع ذلك طبيباً ماهراً يداوي الناس مجاناً، وهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
فصلٌ
[بيان معنى كلام منسوب إلى العز بن عبد السلام]
أمّا ما ينسب إلى الإمام العز بن عبد السلام من منع التوسل فهو تحريفٌ، بيانُه كما يلي.
فنص الفتوى للإمام العزِّ كما في الفتاوى الموصلية:
” الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، نسخة أسئلة أجاب عنها الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام بن أبي القاسم بن مهذب السلمي رضي الله عنه وأعاد علينا وعلى الكافة من بركاته.
مسألة: ما يقول وفقه الله تعالى في الداعي يقسم على الله تعالى بعظيم من خلقه في دعائه، كالنبي صلى الله عليه وسلم والولي والملك هل يكره له ذلك أم لا ؟ ثم ذكر عدة أسئلة، ثم قال:
أجاب الشيخ رضي الله عنه: أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بعضَ الناس الدعاء، فقال في أوله: “قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة”، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصوراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به نبينا على علو درجته ومرتبته” انتهى.
________________________________________
هذا كلام عز الدين بحروفه نقلناه من الفتاوى الموصلية، وهكذا نقله أصحاب الخصائص كالحافظ السيوطي والقسطلاني وغيرهما، مستدلين به على أن الإقسام على الله بالنبي صلى الله عليه وسلم من خصوصياته، وهذا غير ما نحن فيه وهو سؤال الله بجاه فلان من غير إقسامٍ عليه، وبين المسألتين بونٌ كبير كما لا يخفى.
فصل
[دليل من السنة التوسل]
أخرج الترمذي وابن ماجة في سننهما، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والطبراني، والحاكم، والبيهقي وغيرهم، عن عثمان بن حنيف:
أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني قال: “إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك” قال: فادعه قال: “فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعوا بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه فيّ”.
قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضرٌّ قط.
وقد يقول قائل: ليس في هذا الحديث جواز التوسل به في مغيبه وبعد مماته، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره.
نقول: هذه مغالطة وقلة إنصاف، فقد تقرر في علم الأصول أن الحديث إذا ورد في جواز شيء أو غيره كان شرعاً ثابتاً مستقِّراً لا يخص بحالة دون أخرى، بل يجب استمراره إلى قيام الساعة، إلا أن يخصصه الشارع بحالة من الأحوال أو ينسخه بالنسبة لبعض الأزمان.
ثم إذا فرضنا أن هذا صائب، فكيف أمر عثمان بن حنيف وهو راوي الحديث ومشاهد لسبب وروده ذلك الرجل الذي كانت له إلى عثمان بن عفان حاجة أن يدعو به؟ أترى عثمان بن حنيف كان أقل فهماً من المعترض ؟!!
فصل
[فائدة عظيمة]
قوله تعالى: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا”.
________________________________________
هذه الآية وإن كانت عامة، فهي بالضرورة العقلية مخصوصة بالعلماء من الأمة، للقطع بأنَّ من ليس له قدرة الاستنباط من الكتاب والسنة إنما سبيله أن يرجع إلى العلماء ويسأله عن حكم الله، وليس له أن يتكلم في شيء من التفسير والأحكام إلا ناقلاً عن العلماء غير متصرفٍ في ذلك، لأنَّه ليس أهلاً للتصرف في نقول العلماء.
هذا لا خلاف بين العلماء فيه، والدليل من القرآن على تخصيص هذه الآية قوله تعالى في السورة نفسها: “أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”.
فصل
[بيان أن نسب الرسول عليه السلام له وجاهةٌ وميزةٌ عن غيره]
روى الطبراني والدارقطني عن جابر أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول للناس حين تزوج ابنة علي رضي الله عنها: ألا تهنوني ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
“ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي”.
قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن ابن سهل وهو ثقة.
وروى الطبراني بإسنادٍ رجاله ثقات -كما قال الحافظ الهيثمي- عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كلُّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي”.
ورواه أحمد والحاكم والبيهقي عن المسور بن محزمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فاطمة مضغة مني ما يقبضني يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري”.
وصحح الحديثَ التاجُ السبكي في أول الطبقات، والحديث يدل دلالة صريحة على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ينفع أهله وأقاربه في الآخرة بالشفاعة.
________________________________________
وحديث الشفاعة الطويل وفيه: “فأستأذن على ربي فإذا رأيتُه وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله ثم يقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه وقل يسمع واشفع تشفع، فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعوذ فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن”، قال قتادة: أي وجب عليه الخلود.
وجاء عن أنس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي”، وهو صحيح، وأحاديث الشفاعة متواترة.
وأما حديث الصحيحين أنه لما نزَلَ عليه “وأنذر عشيرتك الأقربين”، صعد الصفا ونادى بطون قريش، فلما اجتمعوا ناداهم بطناً بطناً فقال: “يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني مرة بن كعب …”، إلى أن قال: “يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئاً”.
فمنطوق هذا الحديث يخالف ما ذكرناه أولاً، وأما مفهومه فيخالفه أحاديث الشفاعة المذكورة ثانياً.
وطريق الجمع بينها من وجوه ثلاثة:
1- هذا يخبر بالحقيقة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك من دون الله شيئاً، وهذا لا ينافي أن يملكه الله نفع أقاربه وجميع أمته.
2- أن يكون هذا الحديث قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه يشفع وينبع بالانتساب إليه دون غيره في يوم القيامة.
3- أن يكون المقصود من هذا الحديث تحذيرهم من الشرك، وأنه لا يملك لهم من الله إذا أشركوا شيئاً.
________________________________________
ويدل لهذا أن أغلب أقاربه كانوا إذ ذاك مشركين، وأنه لم يوجه الخطاب إلى المؤمنين منهم فقط، بل عمهم والمشركين، ولِمَا ثبت في الصحيح في قصة وفاة أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: “أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله”، وفي رواية للمحب الطبري: “أجادل عنك بها”.
فصل
[بيان حال كلام منسوب إلى الإمام الأعظم]
وأما قول أبي حنيفة: أكره أن يقول العبد: أسألك بأنبيائك ورسلك وبمعاقد العزِّ من عرشك وبالبيت الحرام والمشعر الحرام.
فهذه العبارة تدل على الكراهية عنده لا التحريم، والمكروه يجوز فعله مع رجحان تركه، فتكون هذه دليلاً على الجواز للتوسل.
وليست مسلَّمة، بل الذي كرهه أبو حنيفة أن يقول الرجل اللهم إني أسألك بمقعد العز من عرشك-بتقديم العين-، وعن أبي يوسف: لا بأس به، وبأن يقول: بحق فلان وبحق أنبيائك وبحق البيت والمشعر الحرام، لأنه لا حق للخلق على الخالق.
فيعلم من هذا أن المسألة أصلاً ليست في التوسل، بل هي في الإقسام.
فصل
[رد شبهة في نفي مطلق الشعور عن الأموات]
قال تعالى: “والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون”.
هذه الآية واردة في الأصنام والأوثان كما قال قتادة وأهل التفسير.
وقوله تعالى: “أموات غير أحياء” مجازٌ عن كونها جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل.
وقوله تعالى: “وما يشعرون أيان يبعثون” في تفسيره ثلاثة أقوال:
1- المراد به الأصنام، وفيه دليل على أنها تبعث وتجعل فيها الحياة فتبرأ من عابديها، وهذا جائز.
2- المراد به الأصنام على سبيل المجاز، وأن الأصنام لا تدري متى الساعة فكيف يرجى منها نفعٌ.
3- المراد به الكفار، أي لا يشعرون هؤلاء الذين يعبدون الأصنام متى يبعثون.
فصل
[رد شبهة على التوسل]
قال تعالى: “إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين”.
________________________________________
هذه الآية واردة فيمن يعبدُ غير الله تعالى، ولا يجوز الاستدلال بها للرد على المتوسلين إلى الله بخلقه، ثم إن المراد بالآية هو الأصنام لا الموتى من الأنبياء والأولياء والصالحين.
فصل
[بيان تقسيم البدعة وأساسه مع فوائد عظيمة]
قسَّم عز الدين بن عبد السلام في قواعده الكبرى البدعة باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أو خلوها عنها إلى أقسام الحكم الخمسة: الوجوب والندب والحرمة والكراهية والإباحة.
ومثَّل لكل قسمٍ منها، وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة.
وكلامه في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبراً بالقواعد الفقهية وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها، ومَنْ مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك ؟
فجاء تقسيمه للبدعة مؤسَّساً على أساس من الفقه وقواعده متين، ولذا وافقه عليه الإمام النووي والحافظ ابن حجر وجمهور العلماء، وتلقوا كلامه بالقبول ورأوا أن العمل به متعيِّن في النوازل والوقائع التي تحدث مع تطور الزمان وأهله.
حتى جاء صاحب الاعتصام فخرج عن جمهرة العلماء وشذَّ بإنكار هذا التقسيم، فبرهن بهذا الإنكار على أنه بعيد عن معرفة الفقه بعيد عن فهم قواعده المبينة على المصالح والمفاسد، لا يعرف ما فيه مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله، ولا يدري ما فيه من مفسدة فيطلب اجتنابها بتركه، ولا ما خلا عنهما فيجوز فعله وتركه على السواء.
وأخيراً برهن على أنه لم يتذوق علم الأصول تذوقاً يمكنه من معرفة وجوه الاستنباط وكيفية استعمالها والتصرف فيها بما يناسب الوقائع، وإن كان له في الأصول كتاب الموافقات فهو كتاب قليلُ الجدوى عديم الفائدة، وإنما هو بارع في النحو، له فيه شرح على ألفية ابن مالك في أربعة مجلدات دلَّ على مقدرته في العربية.
على أنَّا وإن كنا نعلم أن للشاطبي دراية بعلم أصول الفقه على سبيل المشاركة فلا شك في أن سلطان العلماء فيه أمكن وعلمه بقواعده أتم، وقواعده الكبرى خيرُ شاهدٍ على ذلك.
________________________________________
وإني لأعجب من الشاطبي كيف أنكر على سلطان العلماء ذلك التقسيم مع أنه بناه كما قلنا على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها؛ ولم ينكر على المالكية القول بالاستصلاح الذي لم يعتبره الشارع ولا قَبِله جمهور العلماء، بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكاماً كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له ؟!
ما القول بهذا مع إنكار ذاك إلا تعصب مذهبي ظاهر، ولا يمكنه أن يتمسك لإنكاره بحديث “كل بدعة ضلالة”؛ لأنَّ البدعة التي هي ضلالة من غير استثناء هي البدعة الاعتقادية كالمعتقدات التي أحدثها المعتزلة والقدرية والمرجئة ونحوهم، على خلاف ما كان يعتقده السلف الصالح، فهذه هي البدعة التي هي ضلالة، لأنها مفسدة لا مصلحة فيها، أما البدعة العملية بمعنى حدوث عمل له تعلق بالعبادة أو غيرها لم يكن في الزمن الأول، فهذا لا بد فيه من التقسيم الذي ذكره عز الدين بن عبد السلام، ولا يتأتى فيه القول بأنه ضلالة على الإطلاق، لأنه من باب الوقائع التي تحدث على ممر الأزمان والأجيال، وكل واقعة لا تخلو عن حكم لله تعالى، إما منصوص عليه أو مستنبط بوجه من وجوه الاستنباط، والشريعة إنما صلحت لكل زمان ومكان وكانت خاتمة الشرائع الإلهية وأكملها بما حوته من قواعد عامة وضوابط كلية، مع ما أتى به علماؤها من قوة الفهم في نصوصها ومعرفة بالقياس والاستصحاب وأنواعها لما غير ذلك مما حضت به شريعتنا الغراء.
ولو اتبعنا طريقة الشاطبي وقياساتها لأدى ذلك إلى تضييق دائرتها الواسعة، وفي ذلك ما لا يخفى، فظهر بهذا البيان الوجيز خطأ إنكار الشاطبي رحمه الله تعالى، وصواب ما ذهب إليه عز الدين بن عبد السلام ووافقه عليه جمهور العلماء كما قلنا.
فصل
[أدلة على مكانة قرابة
النبي صلى الله عليه وسلم]
________________________________________
حديث زيد بين أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يوماً خطيباً فينا بماء يدعى خمَّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال:
“أما بعد أيها الناس إنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله -ورغَّب فيه- وقال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي”، رواه أحمد ومسلم والنسائي من طرق.
ورواه الترمذي ولفظه: “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به له تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي، أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما”. قال الترمذي:هذا حديث حسن غريب.
ورواه الترمذي أيضاً عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: “أيها الناس، أني تركتُ فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي”، قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وله طرق عن زيد بن ثابت عند أحمد بإسناد جيد كما قال الحافظ الهيثمي، وعن أبي هريرة عند البزار بإسناد ضعيف، وعن عليٍّ عند البزار بإسناد ضعيف أيضاً، وعن أبي سعيد الخدري عن الطبراني في الأوسط بإسناد مختلف فيه، وعن حذيفة بن أسيد عند الطبري بإسناد ضعيف، وعن غيرهم.
ومنها حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
“والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئٍ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي” رواهما أحمد، وإسناد الرواتين جيد. ورواه الترمذي باللفط الثاني وصححه.
ومنها حديث ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي”، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.
________________________________________
ومنها حديث ابن عمر قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اخلفوني في أهل بيتي”، رواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار”، رواه أحمد وابن حبان والحاكم.
وفي صحيح البخاري أيضاً أن أبا بكر قال لعلي رضي الله عنه قال: “ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته”.
وفي صحيح البخاري أيضاً أن أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما: “والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي؛ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.
وقال الحافظ ابن كثير: فحال الشيخين رضي الله عنهما هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين. اهـ.
فهذه الأحاديث وغيرها مما لم نذكره وهو بالغ حد التواتر، أصرح في المقصود وأوضح في الدلالة على منزلة أهل البيت.
وقد صح أن عمر استسقى بالعباس، وفي ذلك كما قال العلماء إشارة إلى الاستشفاع بآل البيت والتبرك بهم.
فصل
[فائدة حديثية: الفرق بين خرَّج وأخرج]
الفرق بين أخرج وخرَّج في اصطلاح المحدثين أن الأول يستعمل فيمن يسند، واللفظ الثاني فيمن يعزو الحديث إلى مَنْ أسنده، فيقولون: أخرج الطبراني والديلمي حديث كذا، وأخرَّجه ابن حجر أو السيوطي أي عَزَاه إلى من أخرجه، وقد يستعمل بعض المحدثين خرج بمعنى أخرج وهو اصطلاح الحافظ ابن رجب في كتبه، أما استعمال أخرج مكان خرج فلم يستعمله أحد منهم بل هو جهل صريح.
فصل
[بيان دليل للتوسل،
توسل آدم عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم]
________________________________________
عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما اقترف آدم عليه السلام الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي؛ فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه، قال: يا رب، لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، فعرفتُ أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليَّ إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمَّد ما خلقتك، وهو آخر الأنبياء من ذريتك”.
أخرجه الحاكم في المستدرك بإسناده قال: حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد العدل، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر رضي الله عنه وذكره … إلى قوله” ما خلقتك”.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
فكتب الحافظ الذهبي على قوله صحيح ما نعته: قلتُ: بل هو موضوع، وعبد الرحمن واه.
قال الحاكم: وهو أول حديث ذكرته له في هذا الكتاب، قلتُ: رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا، عن إسماعيل بن مسلمة عنه اهـ. بلفظه.
وقد غالى كلٌّ من هذين الحافظين الجليلين، وحكما على الحديث بما لا يسلم، والإنصاف خلاف قولهما معاً.
أمَّا أنه ليس بصحيح فظاهر؛ لأن عبد الرحمن بن زيد ضعيف.
وأما أنه ليس بموضوع، فلوجوه:-
1- عبد الرحمن ليس بكذاب ولامتهم بل ضعيف فقط، والقاعدة عندهم أن الحديث لا يحكم بوضعه بمجرد كونه من رواية ضعيف أو ضعيفين، بل لا بد أن توجد فيه قرائن تدل على الوضع، كنكارة المعنى، أو مخالفة لحديث مجزوم بصحته بحيث لا جمع بينهما، ونحو ذلك.
________________________________________
2- عبد الرحمن روى له الإمام أحمد في المسند، وهذا دليل على أنه لم يصل في الضعف إلى حدٍّ يكون حديثه موضوعاً، لأنَّ أحمد لم يرو في المسند على كبره حديثاً موضوعاً، وإن كان ابن الجوزي قد ذكر في كتاب الموضوعات أحاديث منه ذوات عدد، فقد ردَّ عليه الحافظ وانتدب للدفاع عنه في كتاب “القول المسدَّد”، وقال فيه: لا يوجد فيه حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً، قال: والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهواً، أو ضرب وكتب من تحت الضرب اهـ.
ولكن قد ذكر في القول المسدد شواهد لحديث عبد الرحمن بن عوف بعضها قوى الإسناد، وذكر الحافظ المنذري في الترغيب أن له طرقاً عن جماعة من الصحابة لا يخلو أجودها من مقال.
3- حديث توسل آدم عليه السلام رواه البيهقي في دلائل النبوة، وهو ملتزم أن لا يخرج في كتابه حديثاً يعلم أنه موضوع، كما نص عليه الحافظ السيوطي في كتاب التوحيد من اللآلي المصنوعة رداً على ابن الجوزي، حيث حكم بوضع حديث أورده من طريق ابن شاهين وهو عند البيهقي في الأسماء والصفات.
وقد ذكر البيهقي في مقدمة الدلائل ما يفيد ذلك فقال: ويعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه وجعلت الاعتماد على غيره إلخ ما ذكره. وذكر في باب ما يستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً بعينه ما نصه: وقد شرطت في أول الكتاب أن لا أخرج في هذا الكتاب حديثاً أعمله موضوعاً اهـ، وقد اقتصر البيهقي على تضعيف الحديث.
________________________________________
4- حديث توسل آدم عليه السلام له شاهدٌ يؤيده، فقد أخرج ابن المنذر في تفسيره عن محمد بن علي بن حسين بن علي عليهم السلام قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه واشتد ندمه، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: “يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه، قال بلى يا جبريل، قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده وامدح فليس أحب إلى الله من المدح، قال: فأقول ماذا يا جبريل؟ قال: فقل لا إله إلا الله وحده لا إله لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ثم تبوء بخطيئتك، فتقول:-
“سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إني أسألك بحماه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي”.
قال: ففعل آدم فقال الله يا آدم من عملك هذا، فقال يا رب إنك لما نفخت في الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر، رأيت على ساق عرشك مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، فلما لم أرَ على أثر اسمك ملك مقرب ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك. قال: صدقت، وقد تبتُ عليك وغفرت لك.
________________________________________
وله شاهد آخر، فقد روى ابن الجوزي في كتاب الوفا بفضائل المصطفى من طريق أبي الحسين ابن بشران، حدثنا أبو جعفر محمد بن سنان العوفي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن مسير، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة قال: قال: قلت يا رسول الله متى كنتَ نبياً قال: لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى أسمى فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرَّهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه”.
إسناد هذا الحديث قوي كما قال الحافظ في الفتح وغيره، وهو أقوى شاهد وقفت عليه لحديث عبد الرحمن بن زيد.
وفي الباب ما رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة قال: حدثنا هارون بن يوسف التاجر، ثنا أبو مروان العثماني، حدثني أبو عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك قال الله تعالى وما يدريك ما محمد، قال: يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوباً على عرشك لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك.
فانضمام هذا الأثر إلى حديث عبد الرحمن بن زيد يفيده قوة كما لا يخفي.
________________________________________
أما قوله في الحديث “لولاه يا آدم ما خلقتك”، فقد أخرج الحاكم نفسه شاهداً له عن ابن عباس فقال: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا هارون ابن العباس الهاشمي، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عمرو ابن أوس الأنصاري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى عليه السلام يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمنك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولاه ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن.
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، فكتب عليه الذهبي ما نصه: أظنُّه موضوعاً على سعيد اهـ.
ولا يخفى أن هذا الظن من الذهبي لم يقم عليه دليل فلا اعتداد به، فكيف وقد ورد من طريق آخر عن ابن عباس مرفوعاً، قال الديلمي في مسند الفردوس: أخبرنا أبي، ثنا أبو طالب بن علي بن الحسين، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا عبيد الله بن موسى القرشي، ثنا الفضل بن جعفر بن سليمان، عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعاً: “أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار”.
وعبد الصمد ضعَّفه العقيلي، وقال: حديثه غير محفوظ.
والمقصود أن حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة توسل آدم عليه السلام ليس بموضوع، ولا تسمح القواعد الحديثية أن تكون موضوعاً للوجوه التي ذكرناها، خلافاً للذهبي رحمه الله تعالى، فإنه تشدد كثيراً كما أن الحاكم تساهل فيه كثيراً، والصواب أن الحديث ضعيف منجبر بحديث ميسرة الفجر، وهو حديث قوي كما سبق آنفاً، وبأثر الباقر وغيره رضي الله عنهم، وبذلك يكون حديث توسل آدم حسناً لغيره، فيحتج به بلا نزاع.
فصل
[بيان مفصل لحديث الأعمى الذي رواه عثمان بن حنيف]
________________________________________
قال الترمذي في أبواب الدعاء من جامعه: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا شعبة، عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف، أنَّ رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: “إن شئتَ دعوتُ وإن شئت صبرت فهو خير لك”، قال: فادعه. قال: “فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في”.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي.
قلت: كذا في نسختي المطبوعة في الهند من جامع الترمذي، ولعل زيادة لفظ “غير” سهو من الترمذي رحمه الله، وإلا فأبو جعفر هو الخطمي كما صرح به ابن أبي خيثمة والطبراني وغيرهما، وسيأتي كلامهم.
ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر بالسند المذكور.
ورواه أيضاً عن محمد بن معمر عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة عن عثمان ابن حنيف.
ورواه أيضاً عن زكريا بن يحيى عن ابن مثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، نحوه.
ورواه ابن ماجه في الصلاة عن أحمد بن منصور بن سيار عن عثمان بن عمر بسنده السابق وقال عقبه: قال أبو اسحق: هذا حديث صحيح.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، ثنا شعبة عن أبي جعفر المديني، سمعتُ عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدِّث عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله: ادع الله أن يعافيني قال: “إن شئت أخَّرتُ ذلك فهو لآخرتك وإن شئت دعوت لك”، قال: لا بل ادع الله لي. فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء، ثم ذكر الدعاء نحو رواية الترمذي، قال ففعل الرجل فبرئ.
________________________________________
ورواه الحاكم من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي.
ورواه أيضاً من طريق عون بن عمارة البصري ومن طريق شبيب بن سعيد الحبطي كلاهما عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين وقل: فذكر الدعاء المتقدم.
قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط.
ثم قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وأقرّه الذهبي أيضاً.
وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه: حدثنا مسلم ابن إبراهيم، ثنا حماد بن سلمة، أنا أبو جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: “اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك” فرد عليه الله بصره.
قال ابن أبي خيثمة: أبو جعفر هذا الذي حدث عنه شعبة ثم روى الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر.
وقال البيهقي في دلائل النبوة: ما جاء في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه حين لم يبصر، وما ظهر في