الاجوبه الازهرية على الشبه الشيعية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:
فإن بعض المغرضين يحاولون النيل من صحيح الإمام البخاري ، ونشر الشبه بين أهل السنة وإليك البيان :

الشبهة الأولى : اجتناب الشئ قبل الإسلام

اقتباس:
• الشبه الأولى: أورد المعترض هذا الحديث:
ما رواه الإمام البخاري في صحيحه وقال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قبل أن ينزل عليه الوحي قدَمَ إلى زيد بن عمرو بن نفيل سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال : إني لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه . (*)
وجه الاعتراض:
إذاً فان زيدا كان في الجاهلية أفضل من رسول الله يتجنب من أمر الجاهلية مالا يتجنبه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
—————————-
(*) البخاري كتاب الذبائح ، باب ما ذبح على النصب والاصنام ج 3 / 207 ومسند احمد 2 / 69 و 86 . وزيد بن عمرو بن نفيل كان ابن عم الخليفة عمرو والد زوجته ، ورد ذكره في ترجمة ابنه سعيد في الاستيعاب 2 / 4 .

أجاب الشيخ الأزهري – حفظه الله – عن هذا الاعتراض :

• أن اجتناب الشيء قبل ورود الشريعة رأي محض ، واختيار خاص ، لا يفضل اختيارا آخر، ولهذا قال تعالى: ((وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ )) صدق الله العظيم .
فسمى الله التحليل والتحريم دون إذن شرعي سماه كذبا وافتراء، فليس من حق أحد أن يحلل أو يحرم دون ورود الشرع بذلك.

• ومن المعلوم أن زيد بن عمرو بن نفيل لما اجتنب ما ذبح للأصنام إنما اجتنبه برأيه لا اتباعا للقرآن الكريم، لأن القرآن لم ينزل بعد بتحريم الأكل مما ذبح على النصب، ولهذا فالأكل مما ذبح على النصب وغيره قبل ورود الشريعة موصوف بالحل على قاعدة الأصل في الأشياء الحل حتى يرد المنع، أو الأصل في غير المضار الحل حتى يرد المنع، فأين ورد المنع الذي يستند إليه زيد؟؟ لم يرد .

• فهو رأي منه واختيار محض مثله مثل يعقوب في قوله تعالى: ((كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) .

• ففي هذه الآية دليل على أنه ما من شيء من الطعام كان محرما على بني إسرائيل إلا ما حرمه يعقوب على نفسه لما نذر إن شفاه الله أن يحرم على نفسه أطيب الطعام والشراب إليه وهو لحم الإبل وألبانها، فهذا اختيار منه، وإلا فما من شيء من الطعام حرمه الله، ومنه ما يذبحه الجهال للأصنام فنحن أولى به من الأصنام ـ هكذا يقول العقل ـ حتى ورد الشرع بتحريم أكله .

• وبلغنا أن العقلاء من المسلمين في بلاد البوذيين يأخذون الطعام الذي يرمى لأصنام بوذا فيأكلونه خلسة، وهذا من كمال إيمانهم لأنهم يعلمون أن الأصنام لن تضرهم إذا سلبوها الطعام .

• ولولا ورود الشرع لقسنا الذبائح على سائر الأطعمة التي تقدم للأصنام من فاكهة وعسل ونحوها فإنه لا يحرم أكلها باتفاق، بينما الوهابية اليوم هم الذين يتشددون هذا التشدد حتى يعدون ما يذبحه الشيعة في عاشورا بمنزلة ما ذبح على النصب ويعدون ما يذبحه محبو البدوي في ثوابه أو فقراء محلته مما ذبح لغير الله فيحرمونه مع أنه حلال لأنهم ذبحوه باسم الله في ثواب الميت أو للفقراء المجاورين للميت فالتنطع والتشدد فيما لا معنى له لا يجوز .

• فزيد لا يكون أفضل من عمرو من الناس إذا اجتنب شيئا باختياره لا بأمر شرعي وإنما يكون أفضل منه إذا ورد الشرع بالتحريم فأقدم عمرو وانتهى زيد فهنا الكلام لا قبل ورود الشرع.

الشبهة الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم تعلم الشرع من ورقة بن نوفل

اقتباس:
• الشبهة الثانية: أورد المعترض هذا الحديث الشريف:
روى البخاري ومسلم : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما جاءه جبرائيل بآيات ” اقرأ باسم ربك الذي خلق – إلى قوله – علم بالقلم ” رجع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى بيته ترجف بوادره وقال لخديجة اني خشيت على نفسي فقالت له خديجة : ابشر ، كلا فوالله لا يخزيك الله أبدا وانطلقت به إلى ورقة بن نوفل وكان امرءا تنصر في الجاهلية فاخبره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خبر ما رآه . فقال ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى . . . الحديث (*).
وجه الاعتراض:
إذا فان ورقة النصراني كان أدرى بالوحي وجبرائيل من رسول الله الذي خوطب بالوحي ومن كلام ورقة اطمأن النبي بمصيره . وإلا فانه كان يريد أن يلقي بنفسه من حالق جبل . حسب ما رواه ابن سعد في طبقاته وقال أيضا إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدا.
———————–
(*) صحيح البخاري : باب بدء الوحي ، الجزء 1 / 3 وتفسير سورة اقرأ وصحيح مسلم : كتاب الإيمان باب بدء الوحي الحديث 252 ، ومسند احمد 6 / 223 و 233 . والبوادر : اللحمة بين المنكب والعنق تضطرب عند الفزع . وقد لخصنا الخبر . وناقشنا روايات بعثة النبي الواردة في كتب الحديث والسيرة والتفسير وذكرنا عللها في الجزء الرابع من ” نقش أئمة ” وهو سلسلة دراسات عن أثر أئمة أهل البيت ( ع ) في إحياء الإسلام نشر منها سبعة أجزاء باللغة الفارسية وأوردنا الخبر الصحيح في ذلك ، والحمد لله .

إشكالا آخر يورده المعترض:
• هذا الكلام الذي اعترض به على أنه رأي أهل السنة يعني أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعلم الشرع من القسيس ورقة بن نوفل وهذا يجعل النصارى يقولون أن ديننا الإسلام ما هو إلا دين مقتبس من ورقة بن نوفل.
فأجاب فضيلته :
• أتساءل أين الخلاف بين الشيعة والسنة هنا ؟؟؟ هل الشيعة يخالفون أهل السنة في أن النبي أمي ويدعون أنه معلم قرأ الكتب ؟؟؟
أم يزعمون أن النبي قبل ورود الوحي كان يحلل ويحرم على هواه ؟؟؟ هل يخالفنا الشيعة هنا؟؟؟
أم أن المقصود أن بعضهم كذب هذه الأحاديث لما جهل تأويلها ؟؟؟ الظاهر هذا والله أعلم فقد كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجواب العي السؤال، والله الموفق للصواب.

أولا: لا يلزم ما ذكرت ولك في قصة الخضر مع موسى عبرة وليس الخضر بأفضل من موسى.

ثانيا: حتى يعلم النبي أسرار الوحي وماهيته يحتاج أن يتعلمه، وهو لا يتعلمه إلا من كتاب أو معلم فاسمع قوله تعالى: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) .

ففي هذه الآية دليل على أن نبينا لم يقرأ كتابا قط، ولم يكن يكتب، فهو أمي، فهو لم يطلع على أخبار الأمم السابقة والأنبياء قبله ـ بخلاف ورقة ـ ولا عرف الوحي ولا كيفية مجيئه الأنبياء ـ بخلاف ورقة ـ ولا قرأ عن جبريل ولا غيره ـ بخلاف ورقة ـ فكيف يعرف جبريل والوحي وهو أمي لا يقرأ ؟؟

ثم اقرأ قوله تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) ففي هذه الآية دليل على أن النبي لم يعلمه معلم بهذه الأمور ـ بخلاف ورقة وزيد ـ فإذا لم يكن علمه معلم ولا قرأ في كتاب ولا جبريل أخبره بعد بتفاصيل الأمور فكيف يعرف ؟؟؟

فهذا إذن من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، لأنه الأمي الذي لم يعلمه بشر ومع هذا جاء بكل هذا الهدى والنور، فهذا مدح فيه وليس بقدح ولا منقصة، فعلم النبي وحي لدني لا علاقة له بالكتب وتعليم الرجال، ثم تعلم صلى الله عليه وسلم كل شيء من جبريل عليه السلام، وفي حادثة الغار لم يعتن جبريل عليه السلام بتعليم النبي كل شيء وليس في سورة القلم ما يدل على أن جبريل شرح للنبي كل شيء ووضحه له تدرجا معه، فافهم والله أعلم.

اقتباس:
[ أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم الشرع من القسيس ورقة بن نوفل ]

وزاد الشيخ: محمود بن سالم الأزهري قائلاً : وهذه مسألة لم تثبت فلا نعلم أن ورقة كان قسيسا لكن ما نعرفه أنه كان على علم بكتب أهل الكتاب .
وأجاب الشيخ الأزهري – حفظه الله -:
• وليس من قول أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم من أحد، فهو مردود بلا شك، فمرة يقول الملحدون تعلم من بحيرا ومرة من ورقة بن نوفل، وهذا الكلام كله باطل، فهم لم يروا النبي جاثيا بين يدي بحيرا ولا بين يدي ورقة وإنما مقصودهم التشكيك فقط.
• وأين ما يفيد أن النبي لازم ورقة أو بحيرا وتلقى منهم العلم تلقيا بحيث يصلح أن يقال بأنه تلمذ عليهما؟؟
• وأما اللقاءات العابرة والمعلومات القليلة التي ذكرها ورقة للنبي فهذه لا تسمى تعليما ولا يمكن أن يقال بأنها تمثل شريعة الإسلام، ولا ترتفع بها الأمية عن النبي الكريم، ولا يحصل له بها أنه عالم كما يعلم أهل الكتاب، لأن مثل هذه الكلمات القليلة قد يستفيدها الناس بمجرد اللقاء العابر .
• ولا شك أن العوام من العرب كان عندهم بعض خبر عن المسيح وموسى مما يسمعونه من أهل الكتاب فقد كانوا يخالطونهم ويسمعون منهم أشياء قليلة في وزن ما سمعه النبي من ورقة وأكثر، يسمعونهم في المدينة والشام واليمن .
• فهذا عمرو بن العاص لما أرسلته قريش إلى النجاشي ليرد المسلمين قال للنجاشي إن المسلمين يقولون في المسيح قولا لا يرضيك، فعمرو كان يعرف بحكم مخالطته للنصارى واليهود بعض ما يعتقدون، وهذا قد يستفيده الإنسان بقليل المخالطة ويسير المجالسة، فلا يسمى هذا علما وإلا لقلنا بأن جميع العرب في ذلك الوقت تتلمذوا على أهل الكتاب، وليس هذا بالمسلك المعقول .
• وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور والشرائع لا يمكن أن يطيقه ورقة ولا غيره.. وفاقد الشيء لا يعطيه.
اقتباس:
وهذا يجعل النصارى يقولون أن ديننا الإسلام ما هو إلا دين مقتبس من ورقة بن نوفل

• لا يمكننا أن ننكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تاجر في الشام واليمن ولقي من اليهود والنصارى كما يلقى سائر الناس وسمع كلام بعضهم وسمع أجراس كنائسهم وعنده خبر عن دينهم وما يفعلون، وهذا بحكم المخالطة، وهذا القدر حاصل لأكثر الناس من العرب في ذلك الوقت، فهل هذا القدر من الأخبار والمعلومات ينتج نبيا من طراز سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ؟

• إن هذا القدر مشترك بينه وبين سائر العرب من الأميين فلماذا وجد الناس عنده من العلم ما لم يجدوه عند قساوسة العرب والعجم ؟؟
• ولو كان النبي تعلم كل هذا من ورقة لما عجزت العرب وقريش خاصة عن اكتشاف ذلك ونشره وإعلانه بين الناس .

• ولعل اليهود أسعد أيضا بمثل هذه الأوهام إذ لهم أن يقولوا للنصارى بأن المسيح أيضا لم يأت بما جاء به من وحي ولا غيره وإنما هو مخالط لأحبار اليهود متعلم منهم فعلمه مقتبس من علمهم فلا فضل له ولا نبوة ولا شريعة .. ولا شك أن ما جاء به المسيح لم يكن في طاقة أحد من أحبار اليهود آنذاك تماما كالذي جاء به النبي المصطفى فلم يكن في طاقة ورقة ولا غيره.

الشبهة الثالثة: دسائس بني أمية

اقتباس:
يعترض الشيعة على الروايات التي عندنا أهل السنة بأنها ( من دسائس بني أمية )

الجواب عن هذه الشبهة:

أولا: بالنسبة لكلمة (دساس بني أمية) هذا القائل لعله لا يفهم أن كل كتب الحديث التي بين أيدينا الآن ومنها الموطأ وهو أقدمها لم تكتب وتصنف وتدون في أيام بني أمية بل في دولة بني العباس وكان شعار التشيع فيها ظاهرا، خصوصا في عهد المأمون الذي ابتلي بتشيع مذموم، فلو قلبنا الأمر وقلنا دسائس بني العباس لكان أولى .

فلو كان أئمة الحديث المصنفين أرادوا مجاملة أحد لجاملوا بني العباس لا بني أمية، ولوجدنا في كتب الحديث الكثير من فضائل بني العباس، ولكن الواقع أنها خلو من ذلك، فافهم هذه.

وأئمتنا بحمد الله من التقوى والورع بحيث لا يخافون في الله لومة لائم، فأبو حنيفة سجن وأوذي في دولة بني العباس وكذلك مالك جلدوه لأنه لا يفتيهم بمرادهم، والشافعي كاد أن يقتل وأحمد معروف موقفه وسجنه في عهد المأمون والمعتصم والواثق، والإمام النسائي ضربه نواصب الشام فمات من ذلك .. فهؤلاء لا يدارون ولا يجاملون أحدا في الحق.

فالذين دونوا وصنفوا الكتب كانوا في دولة بني العباس كما قلت لك، وكان التشيع ظاهرا في دولتهم، فالمصنف إذا أراد أن يصنف لن يجد أي ضغوط عليه تجبره بأن يحذف فضائل آل البيت مثلا، كما لن يجد أي ضغوط عليه في أن يضمن كتابه الطعون والمثالب في الصحابة لو أراد ذلك .

ففي دولة بني العباس دونت الكتب الكبار فلم تكن هناك أي ضغوط يمكن أن تمارس على المصنفين كما قلت لك، بالإضافة إلى أنهم كانوا أهل ورع وتقوى شديدين يواجهون السلاطين بالحق ولا يهابون، فإذا أراد المصنف منهم أن يجمع كتابا في الحديث وضع له خطة وانتقى من المرويات ما يناسب خطته، فقد يروي أحدهم وفي السند إباضي أو قدري أو زيدي أو شيعي أو ناصبي .. وقد يتشدد أحدهم فلا يروي عن هؤلاء وهذا قليل جدا، لأن في هذه الطوائف من أهل الصدق من روى عنه الناس لصدقه ووثاقته فأخذوا صدقه وتركوا بدعته .

والرواة أيام بني أمية كانوا كذلك أيضا ففيهم من مال إلى شيء من الأهواء وفيهم أهل الصدق والثقة وفيهم الكذابون وهكذا في كل طبقة عصر ستجد هذه الأصناف من الرواة وليس في أيام بني أمية .

وإنما الكلام على أئمة الحديث المصنفين أنهم صنفوا في جو بعيد كل البعد عن شبهة السياسة وضغوطاتها .. وهم في ذواتهم أرفع قدرا من أن يميلوا مع حاكم أو سلطان في هواه، فهؤلاء ثلاثة من خلفاء بني العباس أرادوا كلمة واحدة من أحمد بن حنبل فأبى عليهم فسجن في عهد ثلاثة منهم وهو لا يتراجع فهذا وأمثاله لا يمكن أن يضحك عليهم سلطان.. ومن المعلوم أن هؤلاء المصنفين ضمنوا كتبهم فضائل آل البيت فلو كان لبني أمية عليهم يد لما وجدت فضائل آل البيت في هذه الكتب بل لوجدت فضائل بني أمية ولكن هذا لا وجود له فهذا هو الحق لمن كان له عقل.

اقتباس:
ثم ذكر المعترض مثالاً ـ حسب ادعائه ـ على دسائس بني أمية فقال:
مثال على ذلك الشهاب الزهري ( له ألفي حديث مروية من طريقه في صحيحي البخاري ومسلم) وأقوال علماء أهل السنة مثل الإمام الشافعي أنه ليس بثقة وانه كان رئيس الشرطة عند بني أمية.

الجواب :
• الإمام محمد بن مسلم الزهري إمام جليل القدر محدث المدينة أيام التابعين، وهو محب لآل البيت قريب منهم قد روى عن الإمام السجاد وأخذ عنه ، وهو شيخ الإمام مالك وشيخ ابن عيينة الذين هما شيخا الشافعي، فما قاله هذا الرجل في الزهري باطل كذب عليه .

• وهذا الإمام هو الذي انتخبه والي المدينة وعلماؤها لتدوين الحديث بإشارة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، والشافعي يجل الزهري ويروي عنه في كتبه فهذا كذب على الزهري والشافعي، ولم يطعن إمام أو عالم معتبر في الزهري رحمه الله .

• ولعلمك أني رأيت في بعض كتب الشيعة الرجالية ذكر الزهري هذا في قسم الثقاة من كتبهم وهو مذكور في رجال الطوسي معدود في أصحاب السجاد والباقر، وله روايات مذكورة في كتب الشيعة كالكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه وغيرها.

• والطعن على الراوي يجب أن يكون موجها إلى ذمته وأمانته إلى وظيفته وكونه يدخل على السلطان أو نحو ذلك من الأسباب التافهة فإن كثيرا من آل البيت كانوا يدخلون على السلطان ، وهذا الحسن بن علي تنازل لمعاوية وكان هو والحسين يدخلان عليه ويقبلان جوائزه فالطعن بمثل هذا حرورية وتواقح.

الشبهة الرابعة: أنه ( صلى الله عليه وسلم) يسب – وحاشاه –

اقتباس:
أورد المعترض هذا الحديث:
روى البخاري ومسلم : أن رسول الله كان يغضب فيلعن ويسب ويؤذى من لا يستحقها ودعا الله ان يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة وطهورا . (*)

وجه الاعتراض هو:
أن هذه الرواية تسيء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمفهوم منها أنه صلى الله عليه وسلم وحاشاه يشتم ويلعن وقد يهذي وهذا يناقض القرآن قال تعالى: { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى} .
=====================================
(*)) صحيح البخاري كتاب الدعوات ، باب قول النبي( صلى الله عليه وسلم) من آذيته . وصحيح مسلم كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وليس له أهلا.

الجواب:
• في البدء ننوه إلى أن روايتكم للحديث إنما هي بالمعنى دون اللفظ، والمعنى قريب من هذا، وأما أن النبي كان يقول ذلك لمن لا يستحق فخطأ، بل يقول ذلك لمن يستحق في الظاهر، لا في الباطن، والحكم يكون للباطن .
مثلا : إذا ظن النبي أن فلانا يعادي الإسلام فهذا يلعنه النبي في الظاهر، فإذا أسلم وحسن إسلامه تبين أنه لم يكن عدوا للإسلام في علم الله وفي باطن الأمر فلا يلحقه اللعن .
ولهذا يحكى أن المحي بن عربي الشيخ الأكبر كان برفقة جمع فسبه إنسان وتناوله بسوء فلم يلتفت له، فلاموه، فقال هو ظن في أوصافا فسبني من أجلها وهي ليست في فلا يكون في الحقيقة سابا ولا قادحا في، فعلى هذا فقس، وهذا التأويل ـ إلى تأويلات أخرى ـ أولى من الطعن في صحة الحديث .

• و القرآن الكريم قد سب [ الوليد بن المغيرة ] ووصفه بعشر صفات منها (عتل، زنيم) فسب ولعن من يستحق لا بأس به .

• والأحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن كذا وكذا كثيرة متواترة موجودة في كتب الفريقين فلا يجوز إنكار صدور ذلك أبدا لأنه بلغ مبلغ التواتر القطعي فلا يجوز إنكار حصوله، ومن المعلوم أن النبي لعن شارب الخمر، ومع هذا فإن شارب الخمر إذا تاب تاب الله عليه وارتفع عنه اللعن.

• وزاد الشيخ العويني بقوله : ومما يؤيد ما ذهب إليه سيدي الأزهري ما رواه أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار – وفي رواية – فليحملها أو يذرها)
فلا يؤخذ من هذا أنه عليه الصلاة والسلام ظالم في أحكامه معاذ الله تعالى .
ومن هنا يعلم أن هذا الحكم وذلك اللعن خاص بذلك الشخص في ذاته لا يتعداه إلى غيره ، فلا يؤخذ منه حكم عام . والله أعلم.

الشبهة الخامسة: حديث سحر اليهود للنبي ( صلى الله عليه وسلم)

اقتباس:
روى الإمامان البخاري ومسلم : أن بعض اليهود سحر رسول الله حتى يخيل إليه انه يفعل الشئ وما فعله . (*)
الاعتراض:
الإشكال أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون محصناً من الشياطين ، وهو صاحب أعظم رسالة، وأنه ينافي العصمة.
=======================
(*) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده وكتاب الطب باب هل يستخرج السحر وباب السحر وكتاب الأدب باب إن الله يأمر بالعدل وكتاب الدعوات باب تكرير الدعاء وصحيح مسلم باب السحر .

الجواب عن هذا الاعتراض:
• فهل نرد القرآن أيضا ؟ فقد قال تعالى عن موسى : {{ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}} صدق الله العظيم.
• وموسى كان يومئذ نبيا مرسلا، وهو من أولي العزم من الرسل، وهأنت ذا ترى أنه صار يتخيل الحبال والعصي تسعى، حتى أحس في نفسه بالخوف ، ولكن ذلك الخيال والإفك سرعان ما انتهى بأمر الله لما ألقى موسى عصاه .

• فكذلك نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه هو نبي مثل موسى يجوز عليه ما يجوز على موسى، وسرعان ما زال ذلك ببركة المعوذات .

• ولو وجب رد ما ورد به الخبر فما نصنع بالآيات الكريمة ؟؟

• وموسى لما أخذه الغضب ألقى ألواح التوراة التي هي بمنزلة القرآن من شدة الغضب وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ومع هذا لم تنتف نبوته بمثل هذا .

• ومثل هذا الصنيع لو ورد به خبر عن مثل سيدنا علي بن أبي طالب لربما سارع الشيعة إلى تكذيبه، فاحذر أن ترى خبرا فيه مثل ذلك عن نبي أو صحابي فتسارع إلى تكذيبه، أرى أن من يلقي بهذه الشبه يكاد يكذب القرآن وهو لا يشعر، فعليه بالتوبة وترك الكلام فيما لا يحسنه.

الشبهة السادسة:
أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) غفل واستمع للحرام – وحاشاه –

اقتباس:
أورد المعترض هذه الأحاديث :
(1). روى الإمامان البخاري ومسلم: أن رسول الله استمع إلى غناء جوار من الأنصار فنهرهن أبو بكر. (1)
(2). روى الإمام مسلم: أن رسول الله رفع عائشة على منكبه لتنظر إلى الحبشة الذين يلعبون في المسجد فنهرهم عمر. (2)
(3). وفي رواية الترمذي : إذ طلع عمر فانفض الناس فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر . (3)
(4). وفي رواية : (( أن جارية سوداء ضربت بالدف وغنت بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد رجوعه من إحدى غزواته فدخل عمر فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليها فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الشيطان ليخاف منك يا عمر. (4)
وجه الاعتراض:
الرواية تعني أن سيدنا النبي غفل وانتهك الحرام، وأبو بكر وعمر ذكراه بأنه حرام فانتبه. ـ وحاشاه صلى الله عليه وسلم ـ
=================================
(1). صحيح البخاري: كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مقدم النبي وأصحابه المدينة وكتاب العيدين باب سنة العيدين لأهل الإسلام وصحيح مسلم كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في لعب يوم العيد.
(2). صحيح مسلم : كتاب صلاة العيدين ، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد .الحديث 18 و 19 و 20 و 21 و 22 .
(3). سنن الترمذي أبواب المناقب ، باب مناقب عمر .
(4). سنن الترمذي : أبواب المناقب ، باب مناقب عمر . ومسند احمد ج 5 / 353 .

فأجاب الشيخ الأزهري – حفظه الله -:

لا إشكال في ذلك أبدا لأمور:
الأول: أن هذا الغناء الحاصل من الجاريتين، والزفن الحاصل من الحبشة، وكذلك ضرب المرأة بالدف كله لهو مباح لا بأس به، وله أسبابه الوجيهة، لأنها أيام عيد كما ورد مصرحا به، فلا يرد أبدا أنه حرام أصلا.

الثاني: أن هذا اللهو في أصله مكروه، وهذا ما عرفه أبو بكر وعمر من النبي نفسه فمشيا عليه، فحملوا كراهته على العموم لعدم ورود المخصص، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم خص أيام العيد ونحوها .
ولهذا لما دخل أبو بكر على الجاريتين مشى على الأصل فلما خصص النبي ذلك اليوم وقال دعهما علم أبو بكر أن هذا مخصوص فسكت، وكذا عمر لما رأى الحبشة نهاهم على الأصل إذ لم يعلم التخصيص، لكن لما خصص النبي وقال له دعهم علم عمر أن هذا مخصوص فتركهم، ولهذا نحن نتعلم من هذه الأخبار حل مثل هذا لا حرمته، ونحتج بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان النبي غافلا وإنما نبهه أبو بكر وعمر فمعنى هذا أن هذا اللهو بقي ممنوعا ! وليس كذلك فإنه لم يبق مكروها بعد هذا.

الثالث: أن سكوت النبي في البدء لا يصلح تقريرا يمنع أبا بكر أو عمر من النهي عن هذا اللهو لاحتمال ألا يكون هناك تقرير، فإن أبا بكر لما دخل على الجاريتين كان النبي قد ولاهما ظهره مضطجعا فمن أين لأبي بكر أن يعلم أن النبي رأى فأقر؟

بل جائز عنده أن يكون النبي نائما لم ينتبه بعد، وجائز أن يكون قد نهاهما النهي عن المكروه فاستمرتا، ولهذا احتاج أبو بكر إلى التأكد من التقرير فنهاهن حسب الأصل فجاءه التقرير فسكت وامتثل، وكذلك عمر لما جاء إلى الحبشة لم ير النبي معهم لأنه كان في بيت عائشة فمن أين لعمر أن يعلم أن النبي أقر هذا؟
بل يجوز عقلا أن يكون النبي غائبا في بعض أموره أو يكون نهاهم نهي كراهة فاستمروا فلما نهاهم عمر وجاءه التقرير سكت وامتثل.

ومن المعلوم أن أهل الجاهلية كانوا يلهون ويعلبون بمثل هذا وأكثر فمن أين تعلم أبو بكر وعمر كراهة مثل هذا أصلا إلا من رسول الله؟ وهما وزيراه فمن المفروض أن ينهيا عما نهى عنه ويأمرا بما أمر به، والواجب عليهما تطبيق الحكم والقاعدة على العموم حتى يرد المخصص والمقيد وههنا قد مشيا على العموم قبل العلم بالتخصيص فلما جاءهما التخصيص امتثلا .. فهذه الرواية فيها دلالة على أن التلاميذ ينوبون عن الأستاذ في النهي عما نهى عنه.

فقول القائل :
اقتباس:
الرواية تعني أن سيدنا النبي غفل وانتهك الحرام وأبو بكر وعمر ذكراه بأنه حرام فانتبه

خطأ وتحكم واضح، فالرواية لا تعني هذا أبدا، بل تعني أن أبا بكر وعمر قد مشيا على ما علمهما رسول الله من عموم كراهية اللهو، لكن في هذه الحوادث خصص لهما النبي هنا هذا العموم بأن مثل هذا اللهو [ مباح ] وإن كان مكروها في الأصل .

وقد أحسنتما بالنهي عنه إلا أننا نخصص ونستثني أيام العيد من هذا العموم والأعراس كذلك فنسمح باللهو بلا كراهة، فتعلم أبو بكر وعمر هنا التخصيص إلى جانب ما كانا تعلماه من العموم .

ونحن الآن بعد قرون نتعلم مثلهما أيضا نفس الحكم ونعلمه للناس. فهذا ما تعنيه الرواية ولا تعني أنه غفل فنبهه أبو بكر وعمر، وإنما يقال نبهاه لو قال لهما : صحيح قد نسيت وأقرهما على نهي الجاريتين والحبشة ولكنه لم يقرهما بل خصص لهما العموم وهما امتثلا لهذا وسكتا بعد أن عرفا التخصيص، فهذه الرواية لا تدل على غفلة النبي عن الحكم بل على أنه كان موجودا مقرا مخصصا، وأن أبا بكر وعمر كانا يمشيان على العموم غير عالمين بالتخصيص والاستثناء ففعلا ما فعلا للتأكد فجاءهما الجواب بالتخصيص.

الشبهة السابعة: حول نسيان النبي ( صلى الله عليه وسلم )

اقتباس:
أورد المعترض هذا الحديث الشريف:
روى البخاري ومسلم في تصحيحيهما : عن عائشة أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال : رحمه الله أذكرني كذا و كذا آية أسقطتها من سورة كذا ( * ) .
—————————————–
(*)صحيح البخاري ، باب قول الله ” وصل عليهم ” ، وكتاب الشهادات باب شهادة الأعمى ونكاحه ، وصحيح مسلم ، كتاب فضائل القرآن ، باب الأمر بتعهد القرآن

فأجاب فضيلته:
نعم الإشكال قد يحصل لمن ضعفت ملكاته في العربية.. ومع هذا نقول:
هذا الخبر ورد عند البخاري في أبواب عدة، بروايات وألفاظ مختلفة، وأولاها بالذكر عن ما جاء في باب : ( نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى{ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } ) .
والخبر ورد في هذا الباب بلفظ: ( لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ) فزال الإشكال وتبين أن المقصود بالإسقاط هو الإسقاط سهوا وهو والنسيان سواء.
وأهل السنة والجماعة مع كثير من الشيعة الإمامية المتقدمين مجمعون على جواز حصول النسيان من الأنبياء لحكم ربانية، ومن الإمامية ابن بابويه القمي الذي اشتد نكيره على الغلاة الزاعمين أن السهو والنسيان محال على الأنبياء، فاشتد نكيره عليهم حتى نفاهم من مذهبه وتبرأ منهم.
ولا يقال هنا بأن الإسقاط محمول على نسخ التلاوة لأن الرجل كان يقرأ بها وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له وترحم عليه، فلا مجال للقول بأن الإسقاط يحمل معنى غير النسيان، والله أعلم.
الشبهة الثامنة: بخصوص حديث الثقلين
اقتباس:
أورد المعترض حديث الثقلين وتحديداً بهذه الرواية:
ما أخرجه الطبراني بإسناده عن زيد بن أرقم قال: ( نزل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم الجحفة، ثم أقبل على الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني لا أجد لنبي إلاّ نصف عمر الذي قبله، وإني أوشك أن ادعى فأجيب، فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نصحت. قال: أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن البعث بعد الموت حق ؟ قالوا: نشهد، قال: فرفع يديه فوضعهما على صدره، ثم قال: وأنا أشهد معكم. ثم قال : ألا تسمعون ! قالوا: نعم. قال: فإني فرطكم على الحوض وأنتم واردون عليَّ الحوض، وإنّ عرضه أبعد ما بين صنعاء وبصرى، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تحلفوني في الثقلين فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال: كتاب الله، طرف بيد عزّوجل، وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلّوا، والآخر: عترتي. وإنّ اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربي ، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ثم أخذ بيد علي ـ رضي الله عنه ـ فقال: من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . (*) ــ وجه الاعتراض:
(1). ما هو حظ أهل السنة من هذا الحديث في إتباع أهل البيت ؟
(2). بالإضافة إلى اعتبارهم (الشيعة) أن من عادى سيدنا علي ابن أبي طالب مشمول بالحديث (… وعادِ من عاداه) فما قولنا نحن أهل السنة في من ثبت إيذائه وشتمه لسيدنا علي ؟
——————————-
(*). المعجم الكبير 5/186ـ 187.
أجاب فضيلته:
هذه الرواية أخي الكريم قد رواها الإمام مسلم في صحيحه، وهو أصح من معجم الطبراني وأوثق، فتخريجها من المعجم الكبير للطبراني ـ والذي لا يزال ناقصا لم يعثر على بقيته ـ إبعاد للنجعة، والأولى تخريجها من مسلم، ولعل من ناقشكم حاد عن رواية مسلم لأنها لا تسند مراده من حصر أهل البيت في علي وفاطمة والحسنين، وهاك لفظ مسلم:
)) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَبُو حَيَّانَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ثُمَّ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ قَالَ وَمَنْ هُمْ قَالَ هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ قَالَ نَعَمْ)) ا. هـ.
فهذا رسول الله أوصى بأمرين، أما الأول فهو كتاب الله فبين أن فيه الهدى والنور وأمر بالأخذ به والتمسك بهديه ورغب فيه، ثم ذكر الناس بأهل بيته وأوصاهم بهم، وههنا مسائل:
الأولى: قد عرفنا الوصية بكتاب الله أن المقصود بها العمل به وتطبيقه، فما معنى الوصية بأهل البيت؟ المعنى الذي اتضح لنا من خلال هذه الرواية هو رعايتهم وحياطتهم بالصلة والبر وتعاهد من احتاج منهم وافتقر لأنهم تحرم عليهم الصدقة فتكون حاجتهم إلى من يتعاهدهم أكثر من غيرهم، فهذا هو المعنى الظاهر، فالوصية بكتاب الله وصية بالعمل به، والوصية بأهل بيته وصية برعايتهم وتعاهدهم من أجل أنهم لا تحل لهم الصدقات التي يستغني بها الفقراء، فالوصية تحمل في كل طرف على ما يليق به، كما لو قال قائل لولده أوصيك بأمك وأختك وعبيدي وزرعي ودوابي. فهذه الوصية يختلف معناها باختلاف الموصى به فالوصية بالأم أي معناها البر بها وطاعة أمرها، والوصية بالأخت هي البر بها وتزويجها من كفء، والوصية بالعبيد هي عدم ظلمهم بمنع قوتهم ونحوه، والوصية بالزرع تعاهد سقيه وإصلاحه، والوصية بالدوام بتعاهد الماء والعلف وإصلاح الحظيرة .. إلخ وهكذا .

فكذلك لما أوصه بكتاب الله كان معنى الوصية به العمل به، ولما أوصى بأهل بيته كان معنى ذلك برهم وتعاهدهم لا سيما زوجاته اللاتي يدعهن بعده فإن المرأة إذا مات زوجها ذهب معينها ومن يتعاهد شؤونها لا سيما مع فقد الأب والأخ وخاصة مع فقد الولد كما في كل زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من تحرم عليهم الصدقة من باقي أهل بيته.

الثانية : أن رواي الخبر قد ذكر أهل البيت الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ .. وهؤلاء ليسوا كلهم أهل البيت عند الشيعة الإمامية، وأما أهل السنة فهؤلاء كلهم من أهل البيت عندنا لقرابتهم، وقد بين الراوي أنهم كلهم تحرم عليهم الصدقة.

الثالثة: أن راوي الخبر قد ذكر نساء النبي من أهل البيت وهذا موافق لمذهب أهل السنة مباين لمذهب الشيعة.
فأهل السنة أسعد وأولى بهؤلاء من الشيعة لأن الشيعة قد أخرجوا من أهل البيت كل من عدا الأربعة بخلاف أهل السنة، كما أن الشيعة لم يعتنوا إلا بروايات الصادق والباقر من متأخري أهل البيت بخلاف أهل السنة الذين اعتنوا بروايات كل من هو من أهل البيت، ولم ينبذ أهل السنة فقه ابن عباس ولم يخرجوا آل العباس من أهل البيت بينما ناصبهم الشيعة العداء .

فهم يأخذون بحديث الكساء وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم، ومن عنده مسكة من عقل لا يشك إن هو قرأ الآيات من سورة الأحزاب والتي تبدأ بيا نساء النبي إلى آخرها والتي جاء في ضمنها آية التطهير لا يشك أن نساءه هن المخاطبات بهذا لا شك ولا ريب .. ولكن أعماهم التعصب، وحديث الكساء جاء بعد نزول الآيات لا معارضة للآيات ونسخا لها وردا على الله تعالى ما قضى وقدر، ولكن رجاء في توسيع دائرة هذا الفضل ليشمل الأربعة وكذلك فعل مع آل العباس صلى الله عليه وسلم، فأخذ الشيعة بحديث الكساء مقابل بردهم لواضح القرآن، أما أهل السنة فآخذون بهما معا ولا يضربون أحدهما بالآخر.

اقتباس:
فما قولنا نحن أهل السنة في من ثبت إيذائه وشتمه لسيدنا علي ؟

ثبت الشتم والسب من العباس لعلي رضي الله عنهما، فما عسانا نقول؟ لا يجوز التعرض لأحدهما بشيء فكلاهما من أكابر أهل البيت بنص الحديث السابق .

والسب والشتم إذا حصل بين الأقارب والأصهار وأبناء العمومة والطبقة الواحدة لم يلتفت إليه ولا يعد شيئا، ولا ننتقص به من قدر أحد، ولا نعده جرحة في واحد منهما، لأن هذا شأن الأقران غالبا .

وأما إن كان الساب لعلي ومن في مقامه ليس من أصهاره ولا أقرانه وطبقته كأن يكون من التابعين فمن بعدهم فهذا جرحة فيه وفسق، ليس لنا إلا هذا السبيل وإلا لفسقنا مثل العباس لتعرضه لعلي أو عليا لتعرضه للعباس وهذا محال، والله أعلم.

اقتباس:
ذكر الشيخ في معرض جوابه: وأما إن كان الساب لعلي ومن في مقامه ليس من أصهاره ولا أقرانه وطبقته كأن يكون من التابعين فمن بعدهم فهذا جرحة فيه وفسق … إلخ .

فأورد المعترض هذه الشبهة:

اقتباس:
فمعاوية بن أبي سفيان : المشهور عنه أنه اتخذ من سيدنا الإمام علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» عدواً ، وهو من سن سنة سب سيدنا الإمام علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» على المنابر وانتشرت من بعده في عهد الأمويين.

(1) . فما قولكم يا أهل السنة في هذه المسألة ؟
(2) . وما قولكم في جيش معاوية ، بهذا الحديث :
مسند أحمد : عن أبي سعيد الخدري قال : كنا نحمل في بناء المسجد لِبنة لِبنة وعمار بن ياسر يحمل لِبنتين لِبنتين ، قال : فرآه رسول الله « صلى الله عليه وسلم » فجل يَنفض التراب عنه ويقول : يا عمار ألاتحمل لِبنة كما يحمل اصحابك ؟ قال : اني أريد الأجر من الله . قال : فجعل يَنفض التراب عنه ويقول : ويحَ عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار . (1)
البخاري : وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمرّ به النبي « صلى الله عليه وسلم » ومسح عن رأسه الغبار وقال : ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية ، عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. (2)
السيرة النبوية : فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللِبن ، فقال : يا رسول الله « صلى الله عليه وسلم » قتلوني ، يحملون عليّ ما لايحملون ، قالت أم سلمة زوج النبي « صلى الله عليه وسلم » : فرأيت رسول الله « صلى الله عليه وسلم » ينفض وفرته بيده ـ وكان رجلا جعدا ـ . وهو يقول : ويحّ ابن سمية . ليسوا بالذين يقتلونك ، إنما تقتلك الفئة الباغية . (3)
ويقول : فغضب رسول الله « صلى الله عليه وسلم » ثم قال : ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عينيّ وأنفي. (4)
سنن الترمذي : عن أبي هريرة عن النبي « صلى الله عليه وسلم » قال : أبشر يا عمار تقتلك الفئة الباغية . (5)
خصائص النسائي : بأسناد مختلفة كما في الترمذي. (6)
*****************************
1 ـ مسند أحمد ج 3 ص 91 .
2 ـ البخاري ج 2 ص 87 .
3 ـ السيرة النبوية ج 2 ص 142.
4 ـ نفس المصدر ص 143 .
. 5 ـ سنن الترمذي ص 542 .
6 ـ خصائص النسائي ص 29 .

أجاب فضيلته:
انتبه هنا لأمور:
• إن كنت استنبطت العداوة من خلال السب فالعباس عدو على مذهبك، وإن كان من خلال القتال فعائشة وطلحة والزبير أعداؤك، وهذا هو حقيقة قول الشيعة فلا تكن معهم في باطلهم، وما يكون بين هؤلاء الأقران لا يقاس على ما يكون بين غيرهم.

• وأما أن معاوية هو من سن سب علي فهذا لا دليل عليه البتة وهو من أكاذيب الشيعة على جملة الصحابة، وفعل جهال بني أمية ، لايجوز أن يتحمل تبعته معاوية، ولا شك أن القتال أشد من السب فعلى هذا لعلك تتأهب لمعاداة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومن معهما.

• وأحب لك وأنت تتكلم عن معاوية ألا تنسى أنه صهر رسول الله أخو زوج رسول الله أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان، وهو ابن عم علي أيضا وما يكون بين هذه الطبقة من مشاحنات لا يجوز أن نتدخل نحن فيه، ومن يمت إلى رسول الله بقرابة نسب ومصاهرة لا يليق أن نتحدث عنه وكأنه كسائر الناس، وما كان بينه وبين علي فكالذي كان بين عائشة وطلحة والزبير وأقرانهم مع علي فالحذر الحذر.

• والترقيع الذي ذكرته له مسمى آخر هو التأويل الحسن وحسن الظن الذي أمرنا به في حق الأكابر، ومن حرمه الله هذا (الترقيع) اتخذ العباس عدوا واتخذ أم المؤمنين ومن معها أعداء، بل من لم يرقع لقول علي ردا على رسول الله إن أنفسنا بيد الله إن شاء بعثناء حتى قال رسول الله وكان الإنسان أكثر شيء جدلا كما في الصحيح فمن لم يرقع هذه فهو رقيع ولا شك فالترقيع الذي عبته على أهل السنة هو من فضائلهم وهو واجب في حق الأكابر وفرض ومن حرمه الله منه لم يسلم من الوقوع للأكابر.

• وينبغي ألا يخفى عليك أن معاوية لم يصر أمير المؤمنين إلا بتنازل الحسن بن علي بن أبي طالب له ولفرقته الباغية، فهل نعود على الحسن باللائمة لذلك مع أن النبي مدحه لهذا ولقبه سيدا؟

• وإن ذكرت حديث عمار فلا تنس حديث يصلح الله به بين فئتين من المؤمنين فإن ذكرت البغي فلا تنس الإيمان، والبغي لم يكن صفة معاوية وحده بل صفة عائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من أكابر الصحابة وهي أيضا صفة زيد بن علي بن الحسين في خروجه على هشام، وهذه من زلات الأكابر المغفورة لما لها من تأويل، فهذه فرقة مؤمنة باغية على إمامها يغفر الله لها لسابقتها وحسن بلائها في الإسلام، وأما معادة معاوية وحده من بين سائر هؤلاء فلا المنطق يؤيدها ولا قواعد الشريعة ولهذا فإن الشيعة امتدت عداوتهم إلى هؤلاء جميعا وإلى الشيخين أيضا وسائر العشرة نسأل الله السلامة.
******************

اقتباس:
(2). وما قولكم في جيش معاوية ، بهذا الحديث: ….. ؟؟

هذا الحديث صحيح وهو دال على أمرين:

الأول : أن الفئة التي تقتل عمارا هي فئة يصدق عليها وصف البغي على ولي الأمر.
الثاني: أن الفئة الباغية تدعوا عمارا إلى النار.

مناقشة الأمر الأول من عدة جوانب:
الجانب الأول :
أن أهل السنة جميعا يقرون أن جيش معاوية يصدق عليه وصف البغي بل وجيش الجمل أيضا، ولكن يجب ألا ينسى المستدل بهذا الحديث الأدلة الأخرى، كقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) صدق الله العظيم.
وهذه الآية دالة بوضوح على أن وصف البغي لا ينفي وصف الإيمان ـ بخلاف دعوى الرافضة ـ ودعت الآية إلى الإصلاح بين الفئتين المؤمنتين، ومن المعلوم أن أولى من يصدق عليهم هذا الوصف هم من اقتتلوا من أصحاب رسول الله وهذا لم يحدث إلا في الجمل وصفين فإذا لم تكن هذه الفئة الباغية هي الفئة المؤمنة التي تحدث القرآن عنها فمن تكون إذن؟ ومن أولى منها بوصف الإيمان؟

الجانب الثاني:
أنه كذلك يجب ألا ينسى المستدل بحديث عمار أن يستدل بحديث : (إن ابني سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين) وهذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عما سيكون على يدي الحسن بن علي من الإصلاح بين المؤمنين وهذا قد تحقق وشهد عليه التاريخ عندما اصطلح الحسن ومعاوية وتنازل الحسن طواعية عن الخلافة لمعاوية .. فانظر كيف أثنى النبي على الإصلاح بين الفئتين ووصفهما بالإيمان، ذلكم الإصلاح الذي استحق الحسن به السيادة بجدارة، وما كان الحسن ليتنازل لمعاوية لو ظن أن معاوية خال من وصف الإيمان كما تدعي الرافضة وأذنابهم، لأن تسليم أمور المسلمين للدعاة إلى النار والمنافقين الكفار الفجار من أعظم الذنوب بل من الكفر ومن المحال أن يستحق الحسن المدح والثناء والسيادة من أجل كفر ومن المحال أن يتنازل عن ولاية أمور المسلمين لعدو داعية إلى النار، فإن من يولي دعاة النار يكون هو أيضا داعية إلى النار بالتسبب كما لا يخفى.

الجانب الثالث:
أن البغي كما أنه لا ينافي وصف الإيمان فكذلك قد يكون الباغي صاحب حق، كمن بغى على سلطان جائر آخذ للحقوق، فإن الشريعة أمرتنا أن نقف مع السلطان وإن جار وظلم ولا نخرج عليه، وإن كان الباغي صاحب حق وله تأويل سائغ، من أجل أن الخروج مفسدته أعظم وأكبر .. ومعاوية لم يخرج على أمر علي إلا من باب أنه صاحب حق ـ فهو ولي دم عثمان المقتول ظلما ـ ومن حقه المطالبة بقتلة عثمان لقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) إلا أن معاوية لم يسلك السبيل المتعين عليه في ذلك من تفويض أمر القصاص لولي الأمر علي بن أبي طالب الموصوف بالعدل والقضاء وظن أنه يعجز عن ذلك، ولذا فمعاوية وإن كان باغيا إلا أنه باغ مؤمن صاحب حق، ومن هنا توقع ابن عباس أن يؤول الأمر إلى معاوية.

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ((وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة، وأنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلومًا، رضي الله عنه، وكان معاوية يطالب عليًا، رضي الله عنه، أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم؛ لأنه أموي، وكان علي، رضي الله عنه، يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه كما تفاءل ابن عباس واستنبط من هذه الآية الكريمة. وهذا من الأمر العجب وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال:
حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضَمْرَةُ بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن زَهْدَم الجَرْمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم حديثا ليس بسر ولا علانية؛ إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان -يعني عثمان -قلت لعلي: اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج، فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله تعالى يقول : { { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ }} الآية. ولتحملنكم قريش على سنة فارس والروم وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يُعْرَف نجا، ومن ترك وأنتم تاركون، كنتم كقرن من القرون، هلك فيمن هلك.))ا هـ.
قلت ولهذا الخبر طرق هذا أحدها، وروي نحوه عن الحسن بن علي، وفيه أن معاوية صاحب حق، لكن مع هذا يجب قتاله مع ولي الأمر إذا أمر ولي الأمر بذلك، لأنه باغ، والباغي مستحق للقتال بمجرد وصف البغي وإن كان مؤمنا صاحب حق فافهم.
مناقشة الأمر الثاني :
وهو أن حزب معاوية يدعون عمارا إلى النار .. وهذا الكلام يجب تأويله لأمور:
الأول: أننا نعلم بالضرورة أن جيش الجمل وصفين لم تتوجه منهم الدعوة إلى جيش علي بدخول النار على الحقيقة، ولا صاحوا فيهم أن هلموا إلى النار لفظا ونطقا، ولا كتبوا إليهم بذلك، ومن المعلوم أن الطائفتين تخافان من النار وتستعيذان بالله منها وتحذرانها لأنها طائفة مؤمنة كما تقرر، فوجب أن لا تكون دعوتهم عمارا إلى النار على الحقيقة وإنما هذه دعوة مجازية فكأنهم لما دعوه إلى الخروج على السلطان المفروض الطاعة وهو علي وذلك من أسباب دخول النار كانوا كمن يدعوا إلى النار، فالدعوة إلى أسباب دخول النار دعوة إلى النار، وهذا لا يتنافى مع وصف الإيمان ولا أنهم طلاب حق كما تقدم ولكنهم لم يسلكوا الصراط القويم في المطالبة بالحق.

الثاني : أن الأخذ بظواهر هذه الأخبار يوجب تكفير طائفة معاوية لأن من دعا إلى النار على الحقيقة فهو كافر، وكفر معاوية ومن معه محال لأن القرآن سماهم مؤمنين ولأن النبي سماهم كذلك ولأن الحسن اصطلح معه وتنازل له والتنازل عن ولاية أمر المسلمين لكافر كفر محقق وقد أجمعت الناس على ولايته عام الجماعة ولا يجمع الله الأمة على ضلالة فكيف على ولاية كافر!! فوجب أن لا يكون معاوية داعية إلى النار على الحقيقة بل مجازا وإن كان مؤمنا صاحب حق.

الثالث: أنه لو وجب أخذ هذا الخبر على ظاهره بلا تأويل لوجب أخذ حديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) فيؤول الأمر إلى أن الكل في النار! وهذا باطل بالضرورة.
والحاصل أن أهل السنة يأخذون بحديث عمار وبغيره من الأدلة فيضمونها إلى بعضها البعض ويفقهون معناها ويعرفون مجازها وبلاغتها وأما الرافضة فيأخذون منها ما يشتهون فقط. ومذهب الرافضة نتيجته أن الحسن بن علي الذي يدعون عصمته هو من ولى الداعية إلى النار رأس المنافقين على المسلمين فانظر على من عاد طعنهم في معاوية ؟؟ !!والله أعلم .
الشبهة التاسعة: الأئمة الاثنى عشر
اقتباس:
أورد المعترض هذا الحديث:
عن جابر بن سمرة قال دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : ( إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة قال ثم تكلم بكلام خفي علي قال فقلت لأبي ما قال قال كلهم من قريش ) . رواه مسلم
*صحيح مسلم ، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
——————————-
الإشكال : مذهب الشيعة هو الاعتقاد بإثني عشر إماماً وهم:
1. الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه) .
2. الإمام الحسن بن علي ( رضي الله عنهما) .
3. الإمام الحسين بن علي ( رضي الله عنهما ).
4. الإمام علي بن الحسين زين العابدين ( رضي الله عنه ).
5. الإمام محمد بن علي الباقر ( رضي الله عنه ).
6. الإمام جعفر بن محمد الصادق ( رضي الله عنه).
7. الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( رضي الله عنه ).
8. الإمام علي بن موسى الرضا ( رضي الله عنه ).
9. الإمام محمد بن علي الجواد ( رضي الله عنه ).
10. الإمام علي بن محمد الهادي ( رضي الله عنه ).
11. الإمام الحسن بن علي العسكري ( رضي الله عنه ).
12. الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر ( الغائب ).
السؤال: فما هو المعتمد عند أهل السنة في تحديد الأئمة المذكورين ؟؟

أجاب فضيلته:
هذا الخبر صحيح مروي في البخاري ومسلم وغيرهما، والاستدلال به على النص على أئمة الشيعة الاثني عشر باطل بطلانا ظاهرا، لأن معناه الصحيح أن النبي بشر أصحابه أن هذا الدين الإسلامي العظيم الذي منَّ الله به عليكم ستبقى نعمته ويبقى ظاهرا ويبقى أهله أعزة وسادة بين الأمم إلى أمد بعيد حتى أنه ليتولى عليكم اثنا عشر خليفة قرشي ولا يزال الدين بخير، فكأن النبي طمأن أصحابه وبشرهم إلى أكثر من 12 سنة على تقدير أن يلي كل خليفة مدة سنة واحدة فقط وعلى تقدير أن يكون بعضهم في إثر بعض، فإذا زادت زادت سنوات الأمن والاستقرار فهذا هو معنى الحديث وفيه بشارة سر لها الناس حتى ضجوا وقاموا وقعدوا من الفرح، وأما المعنى الذي يرمي إليه الإمامية فهو باطل لا يستفاد من هذا الخبر بحال ، وبيان ذلك في مباحث:

الأول : أن النبي قال: [ هذا الأمر ]
وهو لفظ مبهم لأمر عظيم، فلا بد وأن يكون شأنا عظيما لأن ما شأنه عظيم سمي أمرا، ولكنه يبقى مبهما، أما الشيعة فتمسكوا بلفظه المبهم وتركوا المبين، وتأولوه على غير تأويله الذي بينه رسول الله فجعلوه في أئمتهم، ودليل بطلان قولهم ألفاظ الحديث نفسه، فإنها جاءت مبينة مزيلة للإبهام فهو في مسلم وغيره بهذه الألفاظ :

[ هذا الأمر ـ أمر الناس ـ الإسلام ـ هذا الدين ] وكلها صحيحة، فدل مجموع الروايات أن النبي أراد بالأمر الإسلام الذي ارتضاه الله للناس دينا، وأنه لن يزال عزيزا ظاهرا إلى أمد بعيد، ولم يرد به ما أشارت إليه الشيعة من أمر الإمامة بدليل قوله في رواية ]: فَكَبَّرَ النَّاسُ وَضَجُّوا [ وفي أخرى : [ فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ ] وهذا من آثار الفرح والسرور، وهو مناسب لما عرفوه من بقاء عزة الإسلام وظهوره أمدا طويلا لا غير.

الثاني : أن مجموع الروايات نصت على أن هذا الإسلام لن يزال: [ في قريش ـ مواتى مقاربا ـ لا ينقضي ـ ماضيا ـ عزيزا ـ منيعا ـ ظاهرا ـ قائما ]

وهذا كما ترى شأن الإسلام والدين الحنيف أنه لن يزال كذلك، فيستفاد من هذه الروايات المجموعة أن الإسلام لن يزال بهذه الصفة، وأنه لن يخرج من قريش دينا وحكما إلى غاية محدودة سيأتي ذكرها، ولا شك أن ذكر المضي والعزة والمنعة والظهور والقيام وعدم الانقضاء والمواتاة والمقاربة مع ذكر قريش لا يمكن أن يراد به إلا الإسلام والدين الحنيف، وأما إمامة الشيعة فمعلوم أنها لم تحظ بوصف من هذه الأوصاف، فلم تسعد إمامتهم بتأييد قريش لا دينيا ولا سلطانا ولم يمض أمرها ولا كان عزيزا منيعا ظاهرا قائما قط، بل شأنهم في أغلب أحيانهم الاختفاء والاستتار والتقية والخوف والانقياد لغيرهم والوقوع تحت سيطرة قريش من بني أمية والعباس.

وكذلك لو كان المقصود إمامة الاثني عشر لتعارض هذا الخبر مع قول الشيعة، لأن من قولهم أن الدين والحكم معا لم يزل غير قائم ولا ظاهر ولا بعزيز منذ السقيفة ولم يزل الحق مغلوبا والباطل ظاهرا وركن الإمامة والولاية مكفورا به، وأن الأمر استمر كذلك ولا يزال إلى أن يقوم قائمهم وهو المهدي المنتظر ليعيد العدل إلى نصابه ويقوم الدين، فهذا هو قولهم وهو لا يتفق مع ظاهر هذا الحديث والذي ينص صراحة على أن الأمر والدين لن يزال قائما ظاهرا حتى تمضي ولاية اثنا عشر خليفة، بينما دعوى الشيعة أن الأمر لم يكن قائما قط ولن يزال كذلك غير قائم حتى يلي الثاني عشر منهم وأن القيام والمنعة والظهور لم يحصل قط في وقت أي إمام من أئمتهم.

وفي رواية: [ لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ شَكَّ أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً ] وعند الشيعة أن الناس لم تزل بشر منذ السقيفة.

الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: [ يكون بعدي ـ حتى يقوم ـ حتى يمضي ـ ما وليهم ـ يكون عليكم ـ حتى يمضي من أمتي]
فمن تدبر هذه الألفاظ مجتمعة لم يساوره شك أن المقصود الحكم والسلطان والإمامة الكبرى وولاية أمور المسلمين العظمى، فقوله (يقوم) و(وليهم) و(عليكم) خلاف مدعى الشيعة فإن أئمتهم لم يلوا أمر المسلمين إلا عليا والحسن قليلا، والباقون من الاثنى عشر لا ينطبق عليهم شيء من ذلك.

الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: [ اثنا عشر خليفة ـ اثنا عشر رجلا ـ اثنا عشر أميرا ] هذه الألفاظ فيها دلالة على أن هؤلاء الحكام أمرهم الناس واستخلفوهم، وهذا ينطبق على خلفاء الإسلام الذين اجتمعت عليهم الناس ولم ينازعهم أحد في مدة خلافتهم وهؤلاء الخلفاء بهذا العدد يمتدون إلى آخر عهد بني أمية حيث ضعفت دولتهم وكثرت الثورات عليهم وسقطت وقام بنو العباس فلم تصف لهم بلاد الإسلام كما صفت لبني أمية بل صارت دولة بني أمية تنافسهم في الأندلس حيث ادعوا الخلافة معهم قرونا، فهذا المقصود ، لا أئمة الشيعة فإن أئمة الشيعة لم يستخلفوا ولم يؤمرهم أحد عدا عليا والحسن، والشيعة لا تعتقد أن هؤلاء مؤمرون أو مستخلفون من الناس، والشيعة اليوم تقول الخليفة الأول الخليفة الثاني الخليفة الثالث يعنون أبا بكر وعمر وعثمان.

الخامس: قوله عليه الصلاة والسلام: [ كلهم تجتمع عليه الأمة ]
فهذا الوصف لم يحصل لأحد من أئمة الشيعة قط فإن الخلافة لم تصف لعلي ولا للحسن ولم يجتمع الشيعة على واحد منهم ولا بعدهم فضلا عن غير الشيعة، فالاجتماع بأي معنى كان فهو لم يحصل بعد الحسن بن علي قط لمن بعده من الاثني عشر، ومن المعلوم أن الأمة اجتمعت على خلفاء كثر طوعا أو كرها أولهم أبو بكر وعمر، ولم يحصل اجتماع الناس على خليفة واحد بعد بني أمية، واستمر الحال إلى أن صارت الخلافة صورية في عهد السلاطين.

السادس:قوله: [ كلهم من قريش ]
وهذا دليل على أنهم من قبائل شتى من قريش لا من بيت واحد، ولهذا كانوا من تيم وعدي وهاشم وأمية، ولو كان المقصود أئمة الشيعة لنص عليهم لأنه لا يصلح فيهم شي يقال غير النص فلو أنه قال من بني هاشم لما نفع وكذا لو قال كلهم من علي أو كلهم من نسل فاطمة لما صح أيضا لأن من نسل فاطمة من ليس من أئمة الشيعة كأبناء الحسن وأبناء زيد بن علي وأبناء إسماعيل بن جعفر .. إلخ .
فكيف قال كلهم من قريش موهما تعدد قبائلهم ملغزا مبعدا النجعة عن بيت القصيد إذا كان يقصد الاثني عشر دون غيرهم؟؟ كما أنه ليس من البلاغة في شيء أن يدع الوصف الأقرب إلى المقصود ويستعمل الأبعد فلو أنه أراد الاثني عشر ـ وكلهم من نسل علي ـ لكان الأولى أن يقول كلهم من ولدي أو من ولد فاطمة أو من ولد علي فهذا وإن كان لا يفيد الشيعة لما ذكرناه ولكنه أقرب من حيث الواقع من إطلاق قريش إذا كان إنما يريد الاثني عشر، ولكنه لا يريدهم فالحديث على بلاغته.

السابع :قوله في رواية : [ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ ] .
وهذا واضح أنه أراد الحكم والسلطان، وأن قريشا ستتولى الزعامة في جانب التوحيد وجانب الكفر، فلو أنه أراد الإمامة بالمعنى الشيعي فكيف قال وكافرهم لكافرهم وهذا الطرف غير مطروح ولا معقول في معنى الإمامة الدينية ؟

وكذلك قوله في رواية أخرى: [ لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ اثْنَانِ ]
إنما أراد الحكم والسلطان فلا يزال منهم من يلي الأمر ولو ولاية صغرى وأنه لن يخرج عنهم بالكلية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Advertisements

الكتاب : البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف تأليف : السيد حسن بن علي السقاف

الكتاب : البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف
تأليف : السيد حسن بن علي السقاف
الناشر : مكتبة الإمام النووي – عمَّان

البشارة والإتحاف
حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 1 ]
البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف أو النقول الواضحة الجلية في عرض إنكار الألباني في العقيدة على ابن تيمية عرض الخلاف الواقع بين أدعياء السلفية في العقيدة وبعض الفروع كأمثال ابن تيمية وابن القيم و الشوكاني والألباني وبعض أتباع هذه الطائفة الحرانية بقلم حسن بن علي السقاف عفا الله عنه
________________________________________
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
________________________________________
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون . يا ايها الناس اتقوا ربكم ، الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ، ان الله كان عليكم رقيبا . يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .
________________________________________
[ 4 ]
________________________________________
اما بعد : فهذه رسمالتنا المسماة ب‍ ” النقول الواضحة الجلية في عرض انكار الالباني في العقيدة على ابن تيمية ” عرض فيها بعض ما وقفت عليه من مسائل عقائدية في التوحيد وقع الخلاف فيها بين ابن تيمية والالباني بشكل خاص وغيرهما من باقي اصحابهما بشكل عام . كما اعرض فيها بعض مسائل الفروغ التي وقع الخلاف فيها بين من ذكرنا وهي قليلة هنا . وكان السبب في تأليفها انني التقيت بشاب الباني المشرب فقال لي : لماذا تخالف الامام ابن تيمية في بعض مسائل العقيدة وتشنع عليه ؟ ! فقلت له : هذا السؤال يجب ان توجهه إلى شيخك لم الالباني قبل ان توجهه لي فإنه هومن جملة المشنعين والرافضين لبعض عقائد ابن تيمية في مسائل عديدة ربما لو جمعها الانسان زادت على مائتي مسألة ! فقال : معقول ؟ ! يا ليتي لم قف عليها . فقلت له انا اكتب لك رسالة في بعضها ثم اتفرغ بإذن الله تعالى لتجميعها كلها ووضعها في كتاب كبير أعرض لك فيه جميع
________________________________________
[ 5 ]
________________________________________
المسائل العقائدية التي وقع الخلاف فيها بين مثل ابن تيمية وابن القيم والشوكاني ومن يقلدهم أو كان على مشربهم كالالباني وبعض من يدعي السلفية ! ! هداهم الله تعالى الى الحق والى الطريق المستقيم فشرعت في هذه الرسالة الموجزة والله تعالى الموفق . وانني اوجه اولا سؤالين لهذا الشاب وامثاله هداه الله تعالى ارجو ان يجيب نفسه عليهما ان خلا بنفسه إذا كان لا يريد ان يجيبنا على الملا فاقول له : ما هو رايك في كل مسالة من هذه المسائل التي سأعرضها وخصوصا مسائل اصول الاعتقاد ! من الذي اصاب العقيدة الصحيحة فيها – ابن تيمية أو الالباني – ومن الذي يستحق بذلك دخول الجنة ! ومن الذي اخطا العقيدة الصحيحة منهما ولا يستحق دخول الجنة ؟ ! ! فإذا قلت : ان المخطئ منهما في هذه المسائل العقائدية ماجور – مع ان هذا عند اهل الحق وعلماء اهل السنة مرفوض لان اصول العقائد لا اجتهاد فيها – فاقول لك : لماذا لا تقول بان مخالفك – كما تزعم – في العقيدة وهم السادة
________________________________________
[ 6 ]
الاشاعرة وهم جمهور اهل السنة ماجورون ايضا ؟ ! ! ام انها حلال لكم حرام على غيركم ؟ ! !
________________________________________
[ 7 ]
– 1 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية والالباني في قضية قدم العالم بالنوع وحوادث لا اول لها وهي من مسائل اصول الاعتقاد ذكر ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه بان الحوادث لا اول لها مع كونها مخلوقة لله تعالى ! ! من تلك المواضع الكثيرة قوله : 1 – في (موافقة صحيح منقوله لصريح معقوله) على هامش (منهاج سنته) (1 / 245) ما نصه : (قلت : هذا من نمط الذي قبله ، فان الازلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث) اه‍ . 2 – وفي كتابه (شرح حديث عمران بن حصين) صحيفه (193) ما نصه : (وان قدر ان نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله) اه‍ .
________________________________________
________________________________________
[ 8 ]
3 – وقال ابن تيمية ايضا في (موافقة صحيح منقوله لصريح معقوله) (2 / 75) ما نصه : (واما اكثر اهل الحديث ومن وافقهم فانهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما) اه‍ . قلت : وقد اثبت العلماء ذلك على ابن تيمية (1) ومنهم الحافظ ابن حجر في (شرح صحيح البخاري) (13 / 410) إذ قال عند ذكره لحديث (كان الله ولا شئ معه) ما نصه) ما نصه : (وهو اصرح في الرد على من اثبت حوادث لا اول لها من رواية الباب ، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية ، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس ، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق) . انتهى من (الفتح) فتأمل .
________________________________________
(1) ولا يمكن التفلت من هذا الامر أو انكاره وقد بسطناه بسطا موسعا في رسالتنا (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فارجع إليها فانها مهمة جدا .
________________________________________
[ 9 ]
وقال في هذه المسالة الحافظ ابن دقيق العيد ايضا كما في (الفتح) (12 / 202) ما نصه : (وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل الى الفلسفة (2) فطن ان المخالف في حدوث العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع ، وتمسك بقولنا ان منكر الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع ، قال : وهو تمسك ساقط اما عن عمى في البصيرة أو تعام ، لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر بالنقل) اه‍ من الفتح فتأمل . وقد انكر ابن تيمية في (نقد مراتب الاجماع) ص (168) ان
________________________________________
________________________________________
(2) ينبغي التنبيه هنا الى ان ابن تيمية كان معاصرا للحافظ ابن دقيق العيد قائل هذه العبارة ، لا سيما والحافظ الذهبي يقول في رسالته (زغل العلم) ص (23) عند الكلام على المنطق والفلسفة وما اشبه ذلك : (فما اظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها وقد رايت ما آل امره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل ان يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكسوفا . . .) اه‍
________________________________________
[ 10 ]
يكون هناك اجماع على (ان الله لم يزل وحده ولا شئ معه غيره) وقد رد كلام ابن تيمية هذا الامام المحدث العلامة الكوثري رحمه الله تعالى هناك بما يليق به . رد الالباني لعقيدة ابن تيمية هذه واعلانه رفضها : قال الالباني في (صحيحته) (1 / 208) عن حديث : (ان اول شئ خلقه الله تعالى القلم ما نصه : (وفيه رد ايضا على من يقول بحوادث لا اول لها ، وانه ما من مخلوق الا ومسبوق بمخلوق قبله ، وهكذا الى ما لا بداية له ، بحيث لا يمكن ان يقال : هذا اول مخلوق ، فالحديث يبطل هذا القول ويعين ان القلم هو اول مخلوق ، فليس قبله قطعا اي مخلوق ، ولقد اطال ابن تيمية . . . الكلام في رده على الفلاسفة محاولا اثبات حوادث لا اول لها ، وجاء في اثناء ذلك بما تحار فيه العقول ، ولا تقبله اكثر القلوب) . ثم قال الالباني بعد ثلاثة اسطر : (فذلك القول منه غير مقبول ، بل هو مرفوض بهذا الحديث ، وكم
________________________________________
[ 11 ]
________________________________________
كنا نود ان لا يلج ابن تيمية . . . هذا المولج ، لان الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام . . . .) انتهى . فتأمل ! ! وقال الالباني في (شرحه المختصر) للعقيدة الطحاوية (طبع المكتب الاسلامي الطبعة الاولى (1398 ه‍ – 1978 م) ص (35) ما نصه : (فاني اقول الان : سواء كان الراجح هذا ام ذلك ، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على ان العلماء اتفقوا على ان هناك اول مخلوق ، والقائلون بحوادث لا اول لها مخالفون لهذا الاتفاق ، لانهم يصرحون بان ما من مخلوق الا وقبله مخلوق ، وهكذا الى ما لا اول له ، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه ، فان قالوا العرش اول مخلوق ، كما هو ظاهر كلام الشارح ، نقضوا قولهم بحوادث لا اول لها . وان لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق : فتأمل هذا فانه مهم ، والله الموفق) اه‍ . فالان لم نصغي في تصحيح هذه المسالة العقائدية التي هي
________________________________________
[ 12 ]
من اصول الدين لابن تيمية ام للالباني ؟ ! ! ومن الذي اخطا منهما ؟ وهل ادركتم الخلاف الواقع بينهما في هذه المسالة التوحيدية ؟
________________________________________
[ 13 ]
– 2 – ابن تيمية يقول (ان النار تفنى) والالباني يخطئه فيها ويقول انها لا تفنى وهي مسالة عقائدية خطيرة ثبت ان ابن تيمية يقول بفناء النار ويدعي ان في المسالة نزاعا معروفا عن التابعين ومن بعدهم فيها ، والكل منا يعرف ان هذه المسالة من مسائل العقيدة ، لانها لا تذكر في باب الوضوء من كتب الفقه ولا في باب الحيض والنفاس ولا في غير ذلك من الابواب كالاجارة والنكاح وغيرها ! ! فاذن هي من مسائل اصول الاعتقاد ومع ذلك جرى الخلاف فيها بين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من جهة وبين الالباني من جهة اخرى . واليك ذلك باختصار : 1 – قال الالباني في مقدمة كتاب (رفع الاستار لابطال ادلة القائلين
________________________________________
[ 14 ]
________________________________________
بفناء النار) لمحمد بن اسماعيل الامير الصنعاني (3) ص (7) ما نصه : [ فاخذت في البطاقات نظرا وتقليبا ، عما قد يكون فيها من الكنوز بحثا وتفتيشا ، حتى وقعت عيني على رسالة للامام الصنعاني ، تحت اسم (رفع الاستار لابطال ادلة القائلين بفناء النار) . في مجموع رقم الرسالة فيه (2619) ، فطلبته ، فإذا فيه عدة رسائل ، هذه الثالثة منها . فدرستها دراسة دقيقة واعية ، لان مؤلفها الامام الصنعاني رحمه الله تعالى رد فيها على شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ميلهما الى القول بفناء النار ، باسلوب علمي رصين دقيق ، (من غير عصبية مذهبية . ولا متابعة اشعرية ولا معتزلية) كما قال هو نفسه رحمه الله تعالى في آخرها . وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ اكثر من عشرين سنة بايجاز في (سلسلة الاحاديث الضعيفة) في المجلد الثاني منه (ص 71 – 75) بمناسبة تخريجي فيه بعض الاحاديث المرفوعة ، والاثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا إليه من القول بفناء النار ، وبينت هناك وهاءها وضعفها ، وان لابن القيم قولا آخر ، وهو ان النار لا تفنى ابدا ،
________________________________________
(3) طبع المكتب الاسلامي الطبعة الاولى 1405 ه‍ . (*)
________________________________________
[ 15 ]
________________________________________
وان لابن بيمية قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار . وكنت توهمت يومئذ انه يلتقي فيها مع ابن القيم في قوله الاخر ، فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم ، ان الرد المشار إليه ، انما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون من قال بفناء النار ! وانه هو نفسه – اعني ابن تيمية – يقول : بفنائها ، وليس هذا فقط بل وان اهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ! وذلك واضح كل الوضوح في الفصول الثلاثة التي عقدها ابن القيم لهذه المسالة الخطيرة في كتابه (حادي الارواح الى بلاد الافراح) (2 / 167 – 228) ، وقد حشد فيها (من خيل الادلة ورجلها ، وكثيرها وقلها ، ودقها وجلها ، واجري فيها قلمه ، ونشر فيها علمه واتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل ، واستنفر كل قبيل وجيل) كما قال المؤلف رحمه الله ، ولكنه اضفى بهذا الوصف على ابن تيمية ، وابن القيم اولى به واحرى لاننا من طريقه عرفنا راي ابن تيمية ، في هذه المسالة ، وبعض اقواله فيها ، واما حشد الادلة المزعومة وتكثيرها ، فهي من ابن القيم وصياغته ، وان كان ذلك لا ينفي انه
________________________________________
[ 16 ]
________________________________________
تلقى ذلك كله أو جله من شيخه في بعض مجالسه ] اه‍ . فتأملوا ! ! وقال الالباني ايضا في مقدمة (رفع الاستار) ص (25) ما نصه : [ فكيف يقول ابن تيمية : (ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة) ! فكان الرحمة عنده لا تتحقق الا بشمولها للكفار المعاندين الطاغين ! اليس هذا من اكبر الادلة على خطا ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسالة الخطيرة ؟ ! . ] انتهى كلام الالباني . قلت : ومن رجع الى كتاب (حادي الارواح) لابن القيم ، وما كتبه الالباني في مقدمة (رفع الاستار) يتحقق ان الالباني مخالف لابن تيمية وابن القيم ومن تبعهما في هذه المسالة العقائدية التي وصفها بانها خطيرة ، لا سيما وقد صرح بقوله كما تقدم : (اليس هذا من اكبر الادلة على خطا ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسالة الخطيرة ؟ !) . ومن العجيب الغريب اننا رأينا في هذه الايام كتابا لرجل معاصر مقلد لابن تيمية وهو يرد فيه على الالباني تعديه بزعمه ! ! على
________________________________________
[ 17 ]
________________________________________
ابن القيم وابن تيمية سماه (القول المختار لبيان فناء النار) واسم مؤلفه : عبد الكريم صالح الحميد (طبع مطبعة السفير – الرياض الطبعة الاولى 1412 ه‍) ويمكننا ان نجمل ما في الكتاب بنقل خلاصته المهمة وهي من ص (13 – 14) : قال عبد الكريم صالح الحميد – مقلد ابن تيمية – في رده على الالباني ما نصه : [ فصل : الباعث لكلامنا في هذه المسالة : كنت اسمع من يقول : في كتب ابن القيم اشياء ما تصلح مثل حادي الارواح وغيره ، والبعض يقول : لعل ذلك قبل اتصاله بشيخه أو انه دخل عليه من ابن عربي ولا ادري ما المراد ولكني انفي ان يكون في كتب ابن القيم شئ ما يصلح ! حتى وصلت الى نسخة (رفع الاستار) للصنعاني وفيها مقدمة الالباني وتعليقه ، فلما قرات المقدمة عرفت السر الذي من اجله تكلم من تكلم بكتب ابن القيم فقد رايت تهجما عنيفا من الالباني على الشيخ وتلميذه لاصبر عليه حيث قال : – سقطا بما سقط به اهل البدع والاهواء من الغلو في التأويل وان
________________________________________
[ 18 ]
ابن القيم انتصر لشيخه في ذلك . – وان ابن تيمية يحتج لهذا القول بكل دليل يتوهمه ويتكلف في الرد على الادلة المخالفة له تكلفا ظاهرا . وقال : – حتى بلغ بهما الامر الى تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه كما يفعل المعتزلة تماما . حتى زعم ان تأويل المعتزلة والاشاعرة لايات واحاديث الصفات كاستواء الله على عرشه ونزوله الى السماء ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من التأويل ايسر من تأويل ابن القيم النصوص من اجل القول بفناء النار . وقال : فهذا شيخ الاسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولا لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه . وغير ذلك من طعن الالباني وقدحه على الشيخ وتلميذه في مقدمة (رفع الاستار) . فلذلك كتبت في المسالة دفاعا عنهما وبيانا بان الحق معهما (4) وانا على بصيرة من ذلك حيث دعوت للمباهلة من اول المسالة .
________________________________________
________________________________________
(4) اي ان هذا المؤلف يقول بفناء النار ايضا ! ! فما حكم الالباني عليه ! ! (*)
________________________________________
[ 19 ]
ولو غلط الشيخ وتلميذه في هذه المسالة لم يوجب ذلك ولا بعض ما قاله الالباني كيف والحق والصواب معهما في ذلك ، وقد تكلما فيه دفاعا عن الاسلام كما تقدم فرضي الله عنهما وجزاهما خير الجزاء . فانا اهيب بمن تعجل في الانكار ان يراجع الصواب ويدع الاصرار ] . انتهى كلام خصم الالباني عبد الكريم الحميد فتأملوا ! ! وهناك خصم آخر لعبد الكريم صالح الحميد يدرس في جامعة ام القرى بمكة صنف رسالة سماها (كشف الاستار لابطال ادعاء فناء النار) حاول ان ينفي فيها القول بفناء النار عن ابن تيمية ، مع انه ثابت عنه كالشمس كما قال الالباني حفظه الله ! ! ومنه يتبين انهم يموجون في العقيدة ويضطربون كاضطراب الريح ! ! وهم متنازعون في هذه المسالة الاعتقادية ! ! فنقول الان اين الحق في هذه المسالة العقائدية هل هو عند ابن تيمية وابن القيم القائلين بفناء النار ام عند الالباني القائل ببقائها ؟ ! ! ولماذا يختلف هؤلاء في اصول العقيدة فيما بينهم وينعون على
________________________________________
[ 20 ]
غيرهم الاختلاف والمباينة عنهم في اصول عقيدتهم ؟ ! ! [ تنبيه مهم ] : ينبغي ان نعلم ان القول بفناء النار هو راي الجهم بن صفوان كما تجد ذلك في (لسان الميزان) (2 / 334 السطر الرابع من اسفل الطبعة الهندية) في ترجمة ابي مطيع البلخي ، فالجهم بن صفوان هو سلف من يقول بفناء النار ! !
________________________________________
[ 21 ]
________________________________________
– 3 – فصل ابن تيمية يثبت استقرار الله على العرش ويجوز استقراره على ظهر بعوضة والالباني يخالف عقيدة الاستقرار هذه ويعتبرها بدعة اعلم ان ابن تيمية يقول باستقرار الله – سبحانه وتعالى عما يقول على العرش ، والالباني يخالف ذلك فيقول بانه لا يجوز اعتقاد الاستقرار واليك ذلك مختصرا : قال ابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية) (1 / 568) : (ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم اكبر من السموات والارض ، فكيف على عرش عظيم اكبر من السموات والارض ، فكيف تنكر ايها النفاج ان عرشه يقله . . . .) (5) .
________________________________________
لايستطيع اي انسان عاقل ان ينكر ذلك ، ولا ان يقول ليس هذا كلام ابن تيمية انما هو نقل ، وذلك لان ابن تيمية مقر مقرر لهذا الكلام لم ينكره بل هو حاض عليه ! ! فقد ذكر ابن القيم في كتابه (اجتماع الجيوش الاسلامية) ص (88) طبعة = (*)
________________________________________
[ 22 ]
وكذلك صرح بلفظة الاستقرار التي لم ترد في كتاب ولا في سنة ابن عثيمين حيث قال في (شرح لمعة الاعتقاد) ص (41) : (وهو استواء حقيقي معناه العلو والاستقرار . . .) اه‍ . رد الالباني على ذلك : قلت : وقد رد الالباني عقيدة الاستقرار هذه التي يقول بها ابن تيمية ومقلدوه بكل صراحة في مقدمة (مختصر العلو) ص (17 الطبعة الاولى) 1401 ه‍ حيث قال : [ ولست ادري ما الذي منع المصنف – عفا الله عنه – من الاستقرار على هذه القول ، وعلى جزمه بان هذه الاثر منكر كما تقدم
________________________________________
________________________________________
= هندية ما نصه : (كتابا الدارمي – النقض على بشر المريسي والرد على الجهمية – من اجل الكتب المصنفة في السنة وانفعها ، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والائمة ان يقرا كتابيه ، وكان شيخ الاسلام ابن تيمية . . . يوصى بهما اشد الوصية ويعظمهما جدا ، وفيهما من تقرير التوحيد والاسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما) اه‍ . وقد اثبت هذه الفقرة حامد الفقي على خلف صفحة الغلاف الداخلي لكتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) فتنبه . (*)
________________________________________
[ 23 ]
عنه ، فانه يتضمن نسبة القعود على العرش لله عزوجل ، وهذا يستلزم نسبة الاستقرار عليه لله تعالى وهذا مما لم يرد ، فلا يجوز اعتقاده ونسبته الى الله عزوجل ] اه‍ . فتأملوا جيدا ! ! فهل الحق في هذه المسالة والصواب مع ابن تيمية الذي يثبت الاستقرار ام مع الالباني الذي ينفيه ؟ ! ! ولماذا يختلفان في هذا الاصل العقائدي الخطير ؟ ! ! ومن منهما الذي اصابه في توحيد الاسماء والصفات والاختلال ؟ ! !
________________________________________
[ 24 ]
– 4 – فصل ابن تيمية وابن القيم يقولان بقعود الله على العرش والالباني ينكر عقيدة القعود قال الحافظ أبو حيان في تفسيره (النهر الماد) (6) (1 / 254) ما نصه : [ وقرات في كتاب لاحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش : ان الله تعالى يجلس على الكرسي وقد اخلي منه مكانا يقعد فيه معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحيل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري وكان اظهر انه داعية له حتى اخذه منه وقرانا ذلك فيه ] . اه‍ فتأمل ! ! قلت : كتاب العرش هذا غير الرسالة العرشية المطبوعة .
________________________________________
(6) طبع دار الفكر / معتمد الطباعة والنشر والتوزيع : دار الجنان ومؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الاولى 1407 ه‍ 1987 م . (*)
________________________________________
________________________________________
[ 25 ]
وقد اثبت هذه العقيدة ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) (4 / 39) حيث قال : [ فائدة : قال القاضي : صنف المروزي كتابا في فضيلة النبي (صلى الله عليه وسلم) وذكر فيه اقعاده على العرش . . . ] ثم قال ابن القيم بعد : قلت : وهو قول ابن جرير الطبري وامام هؤلاء كلهم مجاهد امام التفسير وهو قول ابي الحسن الدارقطني ، ومن شعره فيه : حديث الشفاعة عن احمد * الى احمد المصطفى مسنده وجاء حديث باقعاده * على العرش ايضا فلا نجحده امروا الحديث على وجهه * ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروه انه قاعد * ولا تنكروا انه يقعده (7) ] انتهى كلام ابن القيم من كتابه (بدائع الفوائد) .
________________________________________
(7) ما شاء الله على هذه العقيدة ! ! وهنيئا لك يا ابن القيم بها ! ! الا يعتبر هذا من الاطراء المذموم الذي ينهى من يدعي السلفية غيرهم عنه ؟ ! ! والذي نهانا عنه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ؟ ! ! والذي فيه التشبيه بعقيدة النصارى القائلين ان لله ولد ! ! = (*)
________________________________________
[ 26 ]
انكار الالباني لذلك ورده عليه : اعلم ان الالباني رد هذه العقيدة في مقدمة (مختصر العلو) ص (20) حيث قال : [ قلت : وقد عرفت ان ذلك لم يثبت عن مجاهد ، بل صح عنه ما يخالفه كما تقدم . وما عزاه للدارقطني لا يصح اسناده كما بيناه في (الاحاديث الضعيفة) (870) (8) واشرت الى ذلك تحت ترجمة الدارقطني الاتية . وجعل ذلك قولا لابن جرير فيه نظر ] .
________________________________________
________________________________________
= ورحم الله البوصيري حيث قال : دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ومن المؤسف له جدا ! ! ان بعض المعاصرين الذين لا يميزون بين النقير والفتيل ! ! يذكر هذا عن ابن القيم ويعتبرها خصوصية عجيبة وغريبة ! ! في اللغرابة ويا للعجب ! ! ولاحول ولا قوة الا بالله ! ! (8) قلت : الصواب برقم (865) من الطبعة الثانية سنة (1404 ه‍) والنظر التعليقات على كتاب (البرهان في رد البهتان والعدوان) [ الذي نشره المكتب الاسلامي / زهير الشاويش / باشراف اعضاء قسم التصحيح في المكتب الاسلامي / الطبعة الاولى 1413 ه‍ ] ص (37) وتامل . (*)
________________________________________
[ 27 ]
ثم قال الالباني في آخر تلك الصحفية : [ وخلاصة القول : ان قول مجاهد هذا – وان صح عنه – لا يجوز ان يتخذ دينا وعقيدة ، ما دام انه ليس له شاهد من الكتاب والسنة ، فياليت المصنف إذ ذكره عنه جزم برده وعدم صلاحيته للاحتجاج به ، ولم يتردد فيه ] . انتهى كلام الالباني فتأمل ! ! فالان من هو المحق ابن تيمية وابن القيم اللذان يثبتان قعود الله على العرش واقعاد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة بجنبه ام الالباني النافي لذلك الذي يقول : (لا يجوز ان يتخذ هذا – دينا وعقيدة) ؟ ! ! تفكروا في الامر جيدا ! ! وافيدونا يرحمكم الله ؟ ! !
________________________________________
[ 28 ]
________________________________________
– 5 – فصل الالباني يصف ابن تيمية بانه جرئ على تكذيب الحديث الصحيح اورد ابن تيمية حديثا في (منهاج سنته) (4 / 86) فيه فضل سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه وارضاه ، فادعى بانه لم يصح اعتمادا على ابن حزم حيث قال ابن تيمية : [ واما قوله : (من كنت مولاه فعلي مولاه) فليس هو في الصحاح ، لكن هو مما رواه العلماء ، وتنازع الناس في صحته . . . ] ثم قال نقلا عن ابن حزم بزعمه ! ! : [ قال : واما (من كنت مولاه فعلي مولاه) فلا يصح من طريق الثقات اصلا ] . اه‍ قلت : هذا الحديث متواتر نص الذهبي على ذلك في (سير اعلام النبلاء) (8 / 335) .
________________________________________
[ 29 ]
رد الالباني على ابن تيمية في هذه المسالة : قال الالباني في (صحيحته) (5 / 263) : [ فمن العجيب حقا ان يتجرا شيخ الاسلام ابن تيمية على انكار هذا الحديث وتكذيبه في (منهاج السنة) (4 / 104) كما فعل بالحديث المتقدم هناك ] . ثم قال في الاخير : [ فلا ادري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ، الا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة . . . ] . انتهى كلام الالباني فتأمل ! ! [ تنبيه مهم جدا ] : الالباني لا يعول على تصحيح ابن تيمية ولا على تضعيفه للاحاديث بل ينصح طلاب العلم ان لا يعولوا عليه ايضا ويؤكد الالباني عليهم ذلك ومن امثلته : قوله في (صحيح الكلم الطيب) لابن تيمية (صحيفة (4) الطبعة الرابعة 1400 ه‍) ما نصه :
________________________________________
[ 30 ]
________________________________________
(انصح لكل من وقف على هذا الكتاب أو غيره ن لا يبادر الى العمل بما فيه من الاحاديث الا بعد التاكد من ثبوتها ، وقد سهلنا له السبيل الى ذلك بما علقناه عليها ، فما كان ثابتا منها عمل به وعض عليه النواجذ والا فاتركه . . .) انتهى فتأمل ! ! فالالباني يقول بصراحة : ارجعوا لي في الحديث ولا ترجعوا الى شيخ الاسلام ! ! ! ابن تيمية ! ! فيا للعجب ! ! فعلى من ينبغي ان يعول طلاب العلم على تصحيحات وتضعيفات ابن تيمية ام الالباني ؟ ! !
________________________________________
[ 31 ]
– 6 – ابن تيمية ينكر المجاز وبعض المتعصبين له يبالغون فينكرون المجاز في القرآن والالباني يثبته اعلم يرحمك الله تعالى ان ابن تيمية انكر المجاز وبين بطلان تقسيم اللفظ الى حقيقة ومجاز كما اثبت بطلان قول من قال (ان اللفظ إذا لم يكن معه قرينة دل على انه حقيقة وان لم يدل الا معها فهو مجاز) وله في ذلك نصوص كثيرة منها قوله في كتاب (الايمان) ص (109) (9) : (وقولهم : اللفظ ان دل بلا قرينة فهو حقيقة ، وان لم يدل الا معها فهو مجاز ، فقد تبين بطلانه) اه‍ . وتلميذ ابن تيمية وهو ابن القيم يعتبر المجاز في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة طاغوتا فيقول (كما في
________________________________________
(9) طبع المكتب الاسلامي الطبعة الثالثة (1408 ه‍ – 1988) . (*)
________________________________________
[ 32 ]
________________________________________
مختصر الصواعق المرسلة اول الجزء الثاني ص 2) ما نصه . (فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الاسماء والصفات وهو طاغوت المجاز) ! ! مع ان اسم كتاب ابن القيم مجازي لان كتابه ليس صواعق ومن راجع قواميس اللغة لن يجد ان معنى صواعق هو كتاب أو مصنف لابن القيم ! ! مع ان ابن القيم متناقض ! ! في هذه المسالة لانه اثبت المجاز في القرآن وجاء له بامثلة وكذا في لغة العرب بكل توسع في كتابه (الفوائد المشوقة الى علوم القرآن وعلم البيان) . انظر (الفوائد المشوقة) من ص (10 – 12) وما بعدها ! ! وتامل ! ! فيا للعجب ! ! مخالفة الالباني لابن تيمية في هذا : قال الالباني في مقدمة (مختصر العلو) ص (23) في الحاشية ما نصه :
________________________________________
[ 33 ]
[ قرائن المجاز الموجبة للعدول إليه عن الحقيقة ثلاث : العقلية كقوله تعالى (واسال القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) اي اهلهما . ومنه : (واخفض لهما جناح الذل) الثانية : الفوقية مثل (يا هامان ابن لي صرحا) اي مر من يبني ، لان مثله مما يعرف انه لا يبني . الثالثة : نحو (مثل نوره) فانها دليل على ان الله غير النور . قال اهل العلم : وامارة الدعوة الباطلة تجردها عن احد القرائن ، انظر (ايثار الحق على الخلق) (ص 166 – 167) للعلامة المرتضى اليماني ] . انتهى فتأمل ! !
________________________________________
[ 34 ]
________________________________________
– 7 – فصل في عرض اختلافهم في اثبات الصورة في حديث (خلق الله آدم على صورة الرحمن) اعلم يرحمك الله تعالى ان ابن تيمية يقول بثبوت حديث (ان الله خلق آدم على صورة الرحمن) بهذا اللفظ في كتابه (التأسيس في رد اساس التقديس) وهذا الذي يتبناه اتباعه أو مقلدوه الان حتى الف احدهم وهو حمود التويجري كتابا في اثبات ذلك سماه : (عقيدة اهل الايمان في خلق آدم على صورة الرحمن) (10) ! ! وقرظه له عبد العزيز بن باز كما يجده مطالع الكتاب في الصفحات الاولى
________________________________________
(10) ولا اتصور ان هناك منزه أو موحد يتخيل ان سيدنا آدم عليه السلام وبالتالي ذريته التي تشبهه مخلوقة على صورة الرحمن سبحانه وتعالى ! ! وإذا لم تكن هذه العقيدة هي التشبيه والتجسيم بعينه فما ادري ما هو التشبيه والتجسيم بعد ذلك ! ! نسال الله تعالى الهداية . (*)
________________________________________
[ 35 ]
منه ! ! وعلى كل حال فالذي ينبغي علمه هنا ان حمود التويجري رد على الالباني تضعيفه لهذا اللفظ الوارد في الحديث الذي فيه (على صورة الرحمن) واثبته حيث قال ص (21) من الكتاب الانف الذكر : (وقد ادعى الالباني في تعليقه على كتاب السنة لابن ابي عاصم ان هذا المرسل اصح من الموصول ، وهذه دعوى لا دليل عليها فلا تقبل) . اه‍ وقال التويجري ص (22) ايضا : (والجواب عن هذ التعليل من وجوه احدها ان يقال : ان العلل التي ذكرها ابن خزيمة والالباني واهية جدا) . [ وقد نقل شيخ الاسلام أبو العباس ابن تيمية في كتابه الذي سماه (نقض اساس التقديس) ما رواه الخلال عن اسحاق بن راهوية ثم قال فقد صحح اسحاق حديث ابن عمر مسندا خلاف ما ذكره ابن خزيمة ] اه‍ . ثم قال ص (25) :
________________________________________
[ 36 ]
________________________________________
(فلا ينبغي ان يلتفت الى تضعيف ابن خزيمة له فضلا عن تضعيف الالباني له تقليدا لابن خزيمة . . .) اه‍ رد الالباني على ذلك صريحا : قلت : اورد هذا الحديث الالباني في (ضعيفته) المجلد (3) برقم (1175) و (1176) وحكم على الاول بانه منكر وعلى الثاني بانه ضعيف ثم ختم بحثه في الحديث الثاني بقوله : (وهو ضعيف من طريقيه ، ومتنه منكر لمخالفته للاحاديث الصحيحة) اه‍ . فتأملوا ! !
________________________________________
[ 37 ]
– 8 – فصل في عرض الخلاف بينهم في معية الله تعالى فبعضهم يقول هو مع خلقه حقيقة وبعضهم ينفي ذلك ويراه بدعة اثبت ابن تيمية ومن تبعه بان صفة العلو أو الفوقية فوقية حقيقية وان معية الله تعالى لخلقه بالعلم ، فقال في كتابه (الرد على اساس التقديس) (1 / 111) : (والباري سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة) اه‍ . وقد اختلف في ذلك اثنان من اتباع ابن تيمية أو مقلديه واليك ذلك : قال ابن عثيمين في كتابه الذي سماه : (عقيدة اهل السنة
________________________________________
[ 38 ]
والجماعة) (11) ص (9) ما نصه : (ومن كان هذا شانه كان مع خلقه حقيقة وان كان فوقهم على عرشه حقيقة (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير)) اه‍ . وقال في فتوى له – ابن عثيمين – بتاريخ 24 / 6 / 1403 ما نصه : (فعقيدتنا ان لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي احاطته بكل شئ علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا . . .) الخ . ثم قال : (قال مقررا له ومعتقدا له منشرحا له صدره ولله الحمد محمد الصالح العثيمين في 24 / 6 / 1403 ه‍) . وقد رد عليه المدعو علي بن عبد الله الحواس في رسالة سماها : (النقول الصحيحة الواضحة الجلية – عن السلف الصالح في معنى المعية الالهية الحقيقية) وهو مطبوع في الرياض مطابع الخالد ! ! وكذلك رد عليه عبد الله بن ابراهيم القرعاوي في رسالته
________________________________________
________________________________________
(11) طبع مكتبة المعارف / الرياض توزيع : دار الكتب السلفية بالازهر القاهرة . وفي مقدمتها تقريظ لابن باز وقد بلغنا ان مؤلف كتاب (عقيدة اهل الايمان) له كتاب في تحريم الاكل بالملاعق ! ! فسبحان قاسم العقول ! ! (*)
________________________________________
[ 39 ]
(الاقوال السلفية النقية ترد على من قال ان معية الله ذاتية) مطبوعة في (مطابع الخالد للاوفست) الرياض . فتأملوا ! ! رد الالباني على ذلك : قال الالباني في (شرحه وتعليقة) ! ! على العقيدة الطحاوية ص (28) ما نصه : (المعطلة الذين ينفون علوه تعالى على خلقه ، وانه بائن من خلقه . بل يصرح بعضهم بانه موجود بذاته في كل الوجود !) اه‍ قلت : فتأملوا الان كيف يثبت بعضهم لله تعالى معية ذاتية لخلقه وبعضهم ينفيها ويرد على من يقول بها ! ! فسبحان الله تعالى وبحمده ! !
________________________________________
[ 40 ]
– 9 – فصل في عرض اختلافهم في سماع الاموات ابن القيم يثبت ذلك تبعا لشيخه ابن تيمية والالباني ينفي ذلك ذكر ابن القيم في كتابه (الروح) في المسالة الاولى منه ان الميت يسمع سلام من يسلم عليه واحتج له باحاديث منها الحديث الصحيح المشهور الذي فيه : (ان الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه) (12) ثم قال : (فان السلام على من لايشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد علم النبي (صلى الله عليه وسلم) امته إذا زواروا القبور ان يقولوا : سلام عليكم اهل
________________________________________
(12) وهو في صحيحي البخاري ومسلم . (*)
________________________________________
[ 41 ]
________________________________________
الديار من المؤمنين والمسلمين ، وانا ان شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستاخرين ، نسال الله لنا ولكم العافية . وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع ، ويخاطب ، ويعقل ، ويرد ، وان لم يسمع المسلم الرد ، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه ، وعلموا صلاته ، وغبطوه على ذلك) انتهى كلام ابن القيم . رد الالباني على هذا الامر وانتلافه مع ابن القيم وابن تيمية فيه : قال الالباني في مقدمة كتاب نعمان الالوسي (الايات البينات في عدم سماع الاموات) الذي حققه ! وقدم له ! ص (أ) مانصه : [ اما بعد فهذه هي الطبعة الثالثة من كتاب (الايات البينات) للشيخ نعمان الالوسي . . . بتحقيقي وتخريجي ، في ثوب جديد ، زاه مشيب ، قام عليها الاخ الفاضل الاستاذ زهير الشاويش ، جزاه الله خيرا (13) ، رغبة منا في توسيع دائرة نشره وتوزيعه في البلاد
________________________________________
(13) هذا الثناء من الالباني عن الشاويش تراجع عنه وعاد ذاما له ! ! راجع الملحق الخاص آخر هذه الرسالة الذي فيه بعض ما يجري بينهما وكيف يكيد كل منهما للاخر ! ! (*)
________________________________________
[ 42 ]
الاسلامية ، بعدما تبين للعديد من اهل الفضل والعلم اهمية موضوعه ، واحتياج الجماهير الى الاطلاع عليه ، لا سيما من كان منهم لا يزال يعيش في أو حال الجاهلية الاولى ، من الاستغاثة بغير الله والاستعانة بالانبياء والصالحين الاموات وغيره من عباد الله ، متوهمين انهم يسمعونهم حين ينادون . . . . .) ! ! انتهى كلام الالباني . فهل يا استاد الباني تعتبر وتعد ابن القيم ايضا ممن كان يعيش في أو حال الجاهلية الاولى ؟ ! ! وهل كان الحق مع ابن القيم حينما اثبت سماع الاموات بالاحاديث الصحيحة ام الحق معك حينما نفيت سماع الاموات واولت تلك الاحاديث ؟ ! ! راجعوا رسالة (الاغاثة بادلة الاستغاثة) ! !
________________________________________
________________________________________
[ 43 ]
– 10 – فصل ابن تيمية يدعي بان المشبهة طائفة غير مذمومة والالباني يتظاهر بذم هذه الطائفة من اعجب ما قرانا قول ابن تيمية في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) أو (نقض اساس التقديس) ! ! (1 / 109) ما نصه : (وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام احد من الصحابة والتابعين . . .) اه‍ . وقال قبل ذلك ص (100 – 101) ناقلا مقرا : (والموصوف بهذه الصفات لا يكون الا جسما فالله تعالى جسم لا كالاجسام) . وقال ص (101) : (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول احد من سلف الامة وائمتها انه ليس بجسم ، وان صفاته ليست اجساما واعراضا ، فنفي المعاني الثابتة بالشرع بنفي الفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال) انتهى .
________________________________________
[ 44 ]
تظاهر الالباني بمخالفة ابن تيمية في هذه العقيدة : قلت : خالف الالباني ابن تيمية في هذه العقيدة فقال في (شرحه وتعليقه) ! ! على العقيدة الطحاوية ص (28) ذاما المشبهة والمجسمة ما نصه : (والمشبهة انما زلوا لغلوهم في اثبات الصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى (14) ، والحق بين هؤلاء وهؤلاء اثبات بدون تشبيه ، وتنزيه بدون تعطيل . وما احسن ما قيل : المعطل يعبد عدما ، والمجسم يعبد صنما) اه‍ وله عبارات غير ذلك يجدها من يبحث عنها ! ! فهل اصاب ابن تيمية حينما نفى ذم السلف للمجسمة ام اصاب الالباني عندما قال والمجسم يعبد صنما ؟ ! ! فاللهم هداك ! !
________________________________________
(14) كقولهم ان صورة آدم على أو مثل صورة الرحمن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) . (*)
________________________________________
[ 45 ]
________________________________________
– 11 – فصل ابن تيمية يثبت الحركة لله تعالى والالباني ينفيها مدعيا عدم ثبوتها قال ابن تيمية في كتابه (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (2 / 4) – المطبوع على هامش سنته – ما نصه : (وائمة السنة والحديث على اثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما ، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة ، وان ذلك هو مذهب ائمة السنة والحديث من المتقدمين والمتاخرين . . . .) . ثم قال : (وقال عثمان بن سعيد وغيره ان الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك ، وجعلوا نفي هذا من اقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف والائمة على تضليلهم وتبديعهم) اه‍ .
________________________________________
[ 46 ]
اقول : فهذا كلام صريح بسبك وترتيب غريب يبرهن على ان ابن تيمية يقول بعقيدة الحركة وان ذلك مذهب اهل السنة وان كل من نفاها فهو ضال مبتدع جهمي ! ! ! ويا هل ترى ما موقف الالباني من عقيدة الحركة هذه ؟ ! ! تصريح الالباني بعدم ثبوت الحركة ورده لهذه العقيدة : قال الالباني في مقدمة كتاب (مختصر العلو) ص (16) ناقلا كلام العلامة المحدث الكوثري مقرا له ما نصه : [ (ويقولون في الله ما لا يجوزه الشرع ولا العقل من اثبات الحركة له (تعالى) والنقلة (ويعني بهما النزول) والحد والجهة (يعني العلو) والقعود والاقعاد) فيعني هذا الذي نحن في صدد بيان عدم ثبوته . ] اه‍ فتدبروا ! ! فهل يعتقد احد ثبوت لفظ الحركة صفة لله تعالى ؟ ! ! والسلف يقولون : (لا نصف الله الا بما وصف به نفسه) ؟ ! واين لفظة (الحركة) في القرآن الكريم أو السنة المطهرة ؟ ! ! اللهم هداك ! !
________________________________________
[ 47 ]
________________________________________
– 12 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية والذهبي والالباني في مسالة الحد كان الذهبي في اول حياته ايام شبابه في سن (العشرينات) قد تأثر بابن تيمية فصنف بعض التصانيف التي فيها ما يؤيد فكر ابن تيمية ، ثم رجع عن اكثر ذلك في كتبه المتأخرة وخاصة (سير اعلام النبلاء) اما كتابه (العلو) فقد الفه وهو ابن خمس وعشرين سنة اي قبل وفاته بنحو خمسين سنة ، ولذلك نجده يخالف ما فيه كما يخالف ايضا ابن تيمية بل يرد عليه ويخطئه في كثير من المواضع في (سير اعلام النبلاء) ، وما رسالة (زغل العلم والطلب) و (النصيحة الذهبية) (15) عنا ببعيد .
________________________________________
(15) وهذه الرسالة ثابتة رغم انف من يحاول نفيها ! ! ورغم انف من يقول بانها ليست من تصانيف الذهبي ! ! وهي تقع في ورقة واحدة وهي مشهورة باسم القبان . ذكرها الحافظ السخاوي في كتابه (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) طبعة دار الكتب العلمية ص (307) . (*)
________________________________________
[ 48 ]
________________________________________
ومن تلك المسائل التي وقع الخلاف اخيرا فيها بين ابن تيمية ومقلده الالباني وبين الذهبي مسالة اثبات الحد لله سبحانه وتعالى عما يقولون ويصفون ، فابن تيمية يثبتها ويكفر منكر الحد لله تعالى والذهبي ينكرها في آخر حياته بل ويعتبر اثارتها قبل ذلك بدعة واليك ذلك موضحا : قال ابن تيمية في (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (2 / 29) المطبوع على هامش (منهاج سنته) ما نصه : (فهذا كله وما اشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله) . فهذا نص صريح من ابن تيمية فيه تكفير كل من لم يعترف أو يؤمن بالحد ، ومقابل هذا نجد الحافظ الناقد الذهبي يقول في (سير اعلام النبلاء) (16 / 97) ما نصه : (وتعالى الله ان نحد أو يوصف الا بما وصف به نفسه ، أو علمه رسله بالمعنى الذي اراد بلا مثل ولا كيف (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) . اه‍ فتأملوا ! !
________________________________________
[ 49 ]
وتحايد الالباني المسالة لانه لم يفهمها جيدا فمر بها في تخريجه (لشرح الطحاوية) فلم يعلق بشئ ! ! والمنقول لنا عنه من طرق عن بعض مريديه ! ! انه ينكر الحد كالحافظ الذهبي فالله تعالى اعلم ! !
________________________________________
[ 50 ]
– 13 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين هذه الطائفة في التوسل ابن تيمية اختلف قوله فيه ، والشوكاني يجيزه والالباني يحرمه اما مسالة التوسل فقد اختلف آراء دعاة السلفية فيه بشكل ملحوظ مع ان الموجودين في الساحة منهم اليوم يقولون بان هذه المسالة من مسائل العقائد ! ! وليست كذلك قطعا . اما ابن تيمية فقد انكر في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) التوسل – ومرادنا التوسل بالذوات – ثم رجع عن ذلك كما نقل تلميذه ابن كثير في (البداية والنهاية) (14 / 45) حيث قال : (قال البرزالي (16) : وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على
________________________________________
________________________________________
(16) هو الحافظ أبو محمد القاسم بن البهاء محمد الدمشقي البرزالي ترجم في (طبقات الحفاظ) للسيوطي ص (256) . (*)
________________________________________
[ 51 ]
الشيخ تقي الدين وكلموه في ابن عربي وغيره الى الدولة ، فردوا الامر في ذلك الى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء باشياء فلم يثبت عليه منها شئ ، لكنه قال : لا يستغاث الا بالله ، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة – ولعلها العبادة – ، ولكن يتوسل به ويتشفع به الى الله ، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ ، وراى القاضي بدر الدين بن جماعة ان هذا فيه قلة ادب) انتهى فتأمل ! ! واما الشوكاني فقد اجاز التوسل في كتابه (تحفة الذاكرين) كما يعلم ذلك القاصي والداني . ففي صحيفة (37) من كتاب الشوكاني (تحفة الذاكرين) (طبع دار الكتب العلمية) عقد بابا سماه : (وجه التوسل بالانبياء وبالصالحين) ثم قال : [ (قوله ويتوسل الى الله سبحانه بانبيائه والصالحين) . اقول : ومن التوسل بالانبياء ما اخرجه الترمذي . . . ] اه‍ واصرح من هذا ما ذكره الشوكاني ص (138) في (باب صلاة
________________________________________
[ 52 ]
الضر والحاجة) حيث قال ما نصه : (وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى الله عزوجل مع اعتقاد ان الفاعل هو الله سبحانه وتعالى . . .) اه‍ وقد نص الشوكاني ايضا على جواز التوسل ورد على ابن تيمية في كتابه (الدر النضيد في اخلاص كلمة التوحيد) فليرجع إليه من شاء . واما الالباني فمنع ذلك واعتبره من الضلال في كتابه (التوسل انواعه واحكامه) كما هو مشهور ومعلوم مع انه قال في مقدمة (شرح الطحاوية) ص (60 الطبعة 8) ان مسالة التوسل ليست من مسائل العقيدة وهذا خلاف ما يقوله كثير من ادعياء السلفية . فتأملوا يا ذوي الابصار ! !
________________________________________
[ 53 ]
________________________________________
– 14 – فصل ابن تيمية يمنع زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذهبي يخالف ذلك في (السير) ويرد عليه ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) (3 / 66) عند الكلام على حديث (لا تشد الرحال . . .) : ان ابن تيمية يقول بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ! ! وذكر ابن حجر انه انكر ذلك على ابن تيمية وان ذلك من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ، واليك نصه بحروفه من الموضع المشار إليه آنفا : (والحاصل انهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وانكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ! ! ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الاجماع
________________________________________
[ 54 ]
________________________________________
على مشروعية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ما نقل عن مالك انه كره ان يقول زرت قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ! ! وقد اجاب عنه المحققون من اصحابه بانه كره اللفظ ادبا لا اصل الزيارة ، فانها من افضل الاعمال واجل القربات الموصلة الى ذي الجلال وان مشروعيتها محل اجماع بلا نزاع والله الهادي الى الصواب) انتهى . وقال الحافظ الذهبي في (سير اعلام النبلاء) 4 / 484) رادا على ابن تيمية ما نصه : [ فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلا مسلما ، مصليا على نبيه ، فيا طوبى له فقد احسن الزيارة واجمل في التذليل والحب ، وقد اتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في ارضه أو في صلاته ، إذ الزائر له اجر الزيارة واجر الصلاة عليه ، والمصلي عليه في سائر البلاد له اجر الصلاة فقط . فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا ، ولكن من زاره – صلوات الله عليه – واساء ادب الزيارة ، أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع ، فهذا فعل حسنا وسيئا فيعلم برفق والله غفور رحيم ، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم ، والصياح وتقبيل الجدران ، وكثرة
________________________________________
[ 55 ]
________________________________________
البكاء ، إلا وهو محب لله ولرسوله ، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار . فزيارة قبره من أفضل القرب ، وشد الرحال إلى قبور الانبياء والاولياء ، لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه : (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فشد الرحال إلى نبينا (صلى الله عليه وسلم) مستلزم لشد الرحل الى مسجده ، وذلك مشروع بلا نزاع ، إذ لا وصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده ، فليبدأ بتحية المسجد ، ثم بتحية صاحب المسجد ، رزقنا الله وإياكم ذلك آمين ] انتهى . قال الشيخ شعيب الارناؤوط معلقا على كلمة الذهبي هذه في (سير أعلام النبلاء) (4 / 485) ما نصه : (قصد المؤلف رحمه الله بهذا الاستطراد الرد على شيخه ابن تيمية الذي يقول بعدم جواز شد الرحل لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ويرى أن على الحاج أن ينوي زيارة المسجد النبوي كما هو مبين في محله) انتهى . فتأملوا ! !
________________________________________
[ 56 ]
– 15 – فصل عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية في استعمال السبحة ونصه على انها حسنة وبين الالباني التي يراها بدعة ضلالة هذه المسالة من الفرعيات وليست من الاصول احببت ان اوردها في هذه الرسالة الصغيرة المتواضعة ، لكي الفت انظار طلاب العلم الى انه كما اختلف راي ابن تيمية والالباني وغيرهما من دعاة السلفية في اصول الاعتقاد كذلك اختلفوا في فروع المسائل الفقهية فلا ندري بعد ذلك لماذا يحارب الالباني ! ! ويعادي ! ! ويشتم ! ! ويضلل ! ! كل من يخالفه في اي مسالة سواء كانت صغيرة أو كبيرة ويتناسى الخلاف العقائدي القائم بينه وبين ابن تيمية في الراي ! ! وما الذي اسكته عن تضليل ابن تيمية كما يضلل بافي خصومه ولا يتلطف معهم تلطفه مع ابن تيمية وامثاله اهو الدرهم والدينار العائد من العمليات التجارية في البلدان التي تعشق ابن
________________________________________
[ 57 ]
________________________________________
تيمية وتعتبره امام الائمة ام ماذا ؟ ! ! نامل ان يجيب الالباني المسلمين عن هذا الاشكال الذي يقول لسان حاله فيه (دارهم ما دام كتابك يشترى في دارهم) ! ! وهل فقد الالباني الشجاعة العلمية والادبية لان يصرح في حق ابن تيمية ما يصرح في حق خصومه الاخرين ؟ ! ! مسالة السبحة : قال ابن تيمية في (فتاواه) (22 / 506) ما نصه : [ (وعد التسبيح بالاصابع سنة ، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) للنساء : (سبحن ، واعقدن بالاصابع فانهن مسؤولات مستنطقات) واما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن ، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك ، وقد راى النبي (صلى الله عليه وسلم) ام المؤمنين تسبح بالحصى ، واقرها على ذلك ، وروى ان ابا هريرة كان يسبح به . واما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه ، فقال فيه هو حسن غير مكروه) ] انتهى كلام ابن تيمية .
________________________________________
[ 58 ]
وقال الشوكاني في كتابه (نيل الاوطار) (2 / 353) ما نصه : (والحديثان الاخران – اي حديث السيدة صفية وسيدنا سعد – يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى ، وكذا بالسبحة ، لعدم الفارق ، لتقريره (صلى الله عليه وسلم) للمراتين على ذلك وعدم انكاره ، والارشاد الى ما هو افضل لا ينافي الجواز) اه‍ . انكار الالباني للسبحة اشد الانكار : لقد اعتبر الالباني السبحة بدعة منكرة ووصف من الف في بيان سنيتها بانه من اهل الاهواء ! ! كما تجد ذلك اثناء كلامه وتخريجه ! ! لحديث (نعم المذكر السبحة . . .) في المجلد الاول من (ضعيفته) (1 / 110 – 117) من الطبعة القديمة . و (1 / 184 – 193) من الطبعة الجديدة ! ! فتأملوا كيف لا يعد ابن تيمية والشوكاني من اهل الاهواء ويعد العلماء المعاصرين الذين يقولون بسنيتها اليوم من اهل البدع والاهواء ! ! ! فلماذا المحاباة ؟ ! !
________________________________________
[ 59 ]
عافى الله الالباني من هذه المحاباة (17) ! !
________________________________________
________________________________________
ومن رجع الى مقدمته الجديدة للجزء الاول من (ضعيفته) ص (35) وراى كيف عاب على الشيخ اسماعيل الانصاري محاباته كما يدعي ! ! لابن عمه حماد الانصاري وتامل في باقي اعمال هذا اللوذعي ! ! عرف من هو المحابي حقا ! ولله في خلقه شؤون . (*)
________________________________________
[ 60 ]
– 16 – فصل في (فائدة مهمة) تضليل الالباني لسيد قطب بعدما اثنى عليه كان الالباني قد اثنى على سيد قطب في مقدمة (مختصر العلو) ص (60) (الطبعة الاولى / المكتب الاسلامي) فقال عنه هناك ما نصه : [ (ولقد تنبه لهذا اخيرا بعض الدعاة الاسلاميين ، فهذا هو الاستاذ الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى فانه بعد ان قرر تحت عنوان (جيل قرآني جديد) . . . ] انتهى وهذا الكلام كتبه الالباني في دمشق / 8 جمادى الاولى سنة 1392 ه‍ ويوافق ذلك سنة 1972 م تقريبا كما تجد ذلك في صحيفة رقم (78) من مقدمة (مختصر العلو) ! ! ثم عاد ذاما له بل مضللا ! ! ونسخ كلامه السابق الانف
________________________________________
[ 61 ]
________________________________________
الذكر (18) حيث رمى (سيد قطب) بالحول والاتحاد وب‍ (وحدة الوجود) وذلك انه نشرت مقابلة مع الالباني في (مجلة المجتمع) العدد (520) المؤرخ في 11 / جمادى الاولى سنة 1401 ه‍ يقول فيها : ان قول سيد قطب في تفسيره سورة الاخلاص واول سورة الحديد (هو عين قول القائلين بوحدة الوجود . . . حيث قال ما نصه كما في ص (23) (مجلة المجتمع) : (ظاهر كلامه تماما انه لا وجود الحق ، وهذا هو عين القائلين بوحدة الوجود ، كل ما تراه بعينك فهو الله ، وهذه المخلوقات التي يسميها اهل الظاهر مخلوقات ليست شيئا غير الله ، وعلى هذا تاتي بعض الروايات التي تفصل هذه الضلالات الكبرى بما يرى بعض الصوفيين . . .) اه‍ فتأملوا ! ! وهذا الكلام حصل من الالباني بعد الثناء على (سيد قطب) بعشر سنوات تقريبا ، فيكون تضليله لسيد قطب وطعنه فيه ناسخا لثنائه
________________________________________
(18) كما نسخ كلامه في الثناء عن الشاويش بذمه في كتبه الجديدة المبينة تواريخها ! ! فتأملوا ! ! (*)
________________________________________
[ 62 ]
عليه حسب التاريخ وحسبما تقتضيه قواعد علم اصول الفقه في (باب الناسخ والمنسوخ) ! ! وقد رد على الالباني الشيخ عبد الله عزام في مجلة المجتمع في ثلاثة اعداد وهي (256 و 527 و 528) وافتتح مقاله الاول في العدد (526) بقوله : [ هزني من اعماقي : ولقد هزني في اعماقي ان تنشر المجتمع على صفحاتها هذا الكلام لقرائها في العالم . والمجتمع بالهيئة المشرفة عليها تدرك ان قراءها هم تلاميذ الاستاذ سيد قطب . ولقد حز في النفوس ان ينسب هذا الكلام (القول بوحدة الوجود) الى الاستاذ سيد قطب الذي جلى حقيقة التوحيد من كل غبش . . .) اه‍ وقال الشيخ عبد الله عزام في العدد التالي (للمجتمع) رقم (527) صحيفة 23 – 24 : [ (اهذه العبارات تشبه عبارة سيد قطب التي حملوها فوق ما تحمل ، وفسروها تفسيرا يفضي الى الكفر ، كما يقول الالباني (نحن
________________________________________
________________________________________
[ 63 ]
لانحابي في دين الله احدا نقول هذا الكلام كفر) . . . ] اه‍ فتأملوا (19) ! !
________________________________________
(19) فمن تأمل هذا جيدا وقرأ تلك الاعداد المشار إليها من مجلة المجتمع عرف يقينا ان ما املاه الالباني على بعض غلمانه في الرد علينا في كتاب اسماه (بالايقاف) لا قيمة له وفيه تدليس وتغرير لا يخفى ! ! والله المستعان ! وعلى نفسها جنت براقش ! ! (*)
________________________________________
[ 64 ]
– 17 – فصل الالباني يقول بان امهات المؤمنين وزوجات الانبياء غير محفوظات من الزنا والفاحشة وتلميذه القديم الشيخ محمد نسيب الرفاعي ينكر ذلك ويرد عليه في كتاب مستقل زعم الالباني ان امهات المؤمنين وزوجات الانبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهن الزنا والعياذ بالله تعالى (20) ! ! وقد استغربنا صدور ذلك منه جدا وتعجبنا من اثارته هذه المسالة حيث ان زوجات النبي عليه افضل الصلاة والتسليم توفاهن الله تعالى قبل نحو (1400) سنة تقريبا فما فائدة اثارة هذا الموضوع الان مع انهن مبرآت بنص القرآن الكريم ومنه قوله تعالى : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ومن اهل بيته (صلى الله عليه وسلم)
________________________________________
(20) وقد وقفت على كلام له في ذلك في احد كتبه الا انني نسيت الموضع الان وإذا لقيته اثبته باذنه تعالى . (*)
________________________________________
[ 65 ]
________________________________________
زوجاته بلا شك ولا ريب . ولما اثار الالباني هذه المسالة سنة (1387 ه‍ – 1967 م) تصدى له الشيخ محمد نسيب الرفاعي جزاه الله تعالى خير الجزاء وناقشه بدفاعه عن زوجات الانبياء وامهات المؤمنين فرد عليه فيها . ثم فارقه وصنف كتابا في الرد عليه في هذه المسالة سماه (نوال المنى في اثبات عصمة امهات وازواج الانبياء من الزنا) (21) . يقول في آخره بعد ان اورد الادلة من الكتاب والسنة واقوال اهل العلم في الرد على الالباني ما نصه : (واننى لاذكر ان الاخ الكبير الشيخ ناصر الالباني فارق بعض اخوانه لاسباب شخصية بحتة ، فلماذا يرى نفسه محقا في مفارقة اخوانه لاسباب شخصية ولا يراني محقا في مفارقته هو ومن معه لاسباب يعلم الله انها مفارفة في الله وغضبا له وغضبا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وان الشيخ الالباني ليعلم ذلك تماما ولا ينكره . فاين من يقر بالحق ولو على نفسه ؟ ؟ ! ! !) اه‍
________________________________________
(21) ويقع الكتاب في (198) صفحة وهو مكتوب بخط الشيخ محمد نسيب ولدي نسخة منه . (*)
________________________________________
[ 66 ]
وهذه صورة بعض صفحات الكتاب فليتأملها طالب الحق وهي من 184 – 188 بخط مؤلفه . الالباني يقول في تخريج حديث ان كلام ابن تيمية فيه لا ينبغي ان يلتفت إليه قال الالباني في (ارواء غليله) (3 / 13) اثناء تخريج حديث رقم (564) ما نصه : (واما انكار شيخ الاسلام ابن تيمية اللفظ الثاني في اول (كتاب الايمان) . فمما لا يلتفت إليه بعد وروده من عدة طرق بعضها صحيح كما سلف ] . اه‍ فتأملوا ! !
________________________________________
[ 67 ]
________________________________________
الخاتمة فعلى العاقل ان يكون منصفا وان لا يتعصب ممقوتا في الباطل يجره الى الاغضاء عن مخالفه من اهل نحلته من اصحابه ومحبيه الذين يخالفونه في بعض المسائل الاعتقادية فلا يصفهم بالضلال في حين انه يضلل مخالفه من غير اصحابه ومحبيه ولو في مسالة فرعية جدا ويشنع عليه ! ! وهذه الرسالة لا تدع مجالا للشك في ان الالباني يخالف الشيخ ابن تيمية في مسائل اصلية في العقائد والتوحيد فما هو جواب المتعصبين لذلك ؟ ! !
________________________________________
[ 69 ]
ملحق مهم ما بين الشيخ الالباني والشاويش
________________________________________
[ 71 ]
بسم الله الرحمن الرحيم جاء في الحديث الصحيح (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . . .) (البخاري 11 / 340 فتح) . وقد قام الالباني والشاويش بطبع كتاب مستقل وهو كتاب (التنكيل) الذي فيه اعتداء اثيم على علم من اعلام الامة الا وهو الامام المحدث محمد زاهد الكوثري الحنفي رحمة الله عليه ورضوانه ، كما انهما سعيا معا الى الطعن في كثير من العلماء العاملين – اولياء الله تعالى – ك‍ (سيدي) عبد الله بن الصديق والمحدث (حبيب الرحمن الاعظمي) وغيرهم كما تجد بعض ذلك مبسوطا في رسالتنا (قاموس شتائم الالباني والفاظه المنكرة في حق علماء الامة وفضلائها) ! ! وهما يقومان بذلك – كما انكشف جليا الان لكل عاقل – لتحقيق الفائدة المادية البحتة من بيع الكتب التي يكتبها أو يخرجها الالباني والمتاجرة باسم السنة والتي ظهر بكل وضوح جليا الان والحمد لله وحده وهاؤها وتناقضها وتخابط معلومات مؤلفها . فلترويج تلك الكتب التي كان يؤلفها الالباني وينشرها الشاويش
________________________________________
[ 72 ]
________________________________________
سعى كل منهما بالاغارة على الكتب العلمية التي ألفها جماعة من العلماء الاولياء حيث قاما بازدراء كثير من مصنفات العلماء والنيل والتسفيه لمؤلفيها والحط من أقدارهم لتلك الغاية النبيلة ! ! ! ولو نظر أي إنسان بعين البصيرة وتأمل وتفكر بقلبه إلى ما آل إليه أمر الالباني والشاويش من التنازع والتخاصم والسباب المقذع (1) هذا بالاضافة إلى إقامة الدعاوى على بعضهما في المحاكم النظامية وتوجيهات الانذارات العدلية التي سمع بقصصها القاصي والداني بل صار بعضها من جملة المنشورات المدونة المحفوظة في تاريخ دعاة السلفية ! ! المجيد ! ! لعرف وتحقق بأن الله تعالى نكل بهما إذ أظهر كرامة أحد من سعيا بكل قوتهما في النيل منه والحط عليه وتسفيهه من العلماء الاولياء ألا وهو العلامة المحدث الكوثري رحمه الله تعالى ، فأظهر سبحانه هذه الكرامة – وهو الذي يقتص للمظلوم ممن ظلمه ويأخذ له حقه – فجعلها نزاعا بينهما (اشتهر أمره ! ! وذاع صيته ! ! وأظهر الله سبحانه مقصد كل من المتنازعين ! ! وأنهما كانا يركضان وراء العائد المادي ويغض كل منهما عن عورات أخيه
________________________________________
(1) ومن ذلك ما رويناه من طرق بأن الشيخ المربي ! ! قال للمريد ! ! النابه المطيع ! ! عض بهن أبيك ! ! تطبيقا للسنة بزعمه ! !
________________________________________
[ 73 ]
________________________________________
لذلك ! ! (على طبع وعائد ذلك الكتاب الذي يتعلق بذم ذلك العالم الولي ! ! والذي فيه رد عليه بباطل من القول ! ! وزور من البهتان ! ! فبدل ان يؤيداه في دفاعه عن امام من ائمة المسلمين من اصحاب المذاهب الاربعة ، وبدل ان يعيناه في الذب عنه وتفنيد تلك الكلمات التي قالها بعض المتعصبين المخطئين فيه مما لا يقبله المنطق السليم من انه (استتيب من الكفر مرتين) و (ما ولد في الاسلام اشام نه) ! ! سارعا في السعي الى نشر مثالبه ومحاربة من اظهر بطلانها ! ! ففي سعيهما – الاول باكتابة والتخريج والثاني بالنشر – في نشر هذا الكتاب وتحقيقه ! ! يقول لسان حالهما بكل صراحة : (ان ما قيل في ذلك الامام الذي يدافع عنه الكوثري حق وصواب) ! ! وانني في هذا الملحق اعرض بعض ما يتعلق بتلك الكرامة الذي اظهرها الله تعالى للعلامة الكوثري الذي سعيا في النيل منه ببيان جزء يسير جدا فيما جرى بينهما ! ! وما يوجه ويضرب كل منهما الاخر الان ! ! بعدما كان احدهما يتظاهر بانه تلميذ للاخر ومريد من مريديه ! ! تغييرا للشكل من اجل الاكل في سبيل تحقيق
________________________________________
[ 74 ]
________________________________________
امتلاء الجيوب ! ! فاقول : ثناء الالباني على مريده القديم ! ! زهير الشاويش تراجع عنه وهو منسوخ بكلامه الجديد في مقدماته الجديدة الصادرة بعد اختلافاته المالية المادية البحتة مع ذلك المريد ! ! وإذا رجع المحدث ! ! من قول له قديم في رجل الى قول جديد اخذنا بالجديد لاسيما إذا كان جرحا مفسرا فيه بيان ما كان بينهما واسباب سكوت وثناء كل منهما على الاخر ! ! فعبارات المحدث ! ! الالباني الجديدة التي يراها اصح الاقوال في زهير مريده ! ! القديم بعد تربية اربعين عاما تقريبا هي : 1 – قوله عن الشاويش في مقدمته الجديدة للطبعة الجديدة المنقحة ! والمهذبة ! ! من (سلسلة احاديثه الضعيفة) 1992 م متهما له بالسرقة ! وعدم تقوى الله ! ! وبالتلاعب بحقوق العباد ! ! ما نصه ص (7) في الحاشية : (هذه الطبعة هي الشرعية ، واما طبعة المكتب الاسلامي الجديدة ، فهي غير شرعية لانها مسروقة عن الاولى ، وحق الطبع للمؤلف يعطيه من يشاء ، ويمنعه من لا يتقي الله ، ويتلاعب بحقوق العباد ، كما ان في هذه الطبعة المسروقة تصرفا بزيادة
________________________________________
[ 75 ]
________________________________________
ونقص ، والله المستعان ، واليه المشتكى من فساد اهل هذا الزمان) اه‍ . 2 – وقال الالباني ايضا في المصدر السابق ص (166) ما نصه : (ثم تفضل الله علي ، فيسر لي ذلك ، فجعلت من (الجامع الصغير) كتابين : (صحيح الجامع) ، و (ضعيف الجامع) وهو مطبوعان ، ولكننا نحذر القراء من دسائس الشاويش في طبعته الجديدة المكثفة للتجارة بهما ، في تعليقاته عليهما ، وفي تقديمه لهما والله المستعان) اه‍ . وقول الالباني (وهو مطبوعان) مما يدل على مهارته ! وبراعته ! ! وبلاغته وفصاحته في اللغة العربية ! ! وكذا مما يدل على انه فقد اولئك المصححين الذين كانوا يصححون كبته في المكتب الاسلامي من ناحية العربية ! ! 3 – وقال فضيلة ! ! الشيخ ! ! الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ! ! [ ص (3) الطبعة بالجديدة (دار المعارف 1991 م) ] عن الشاويش ما نصه : (فذهبت فائدتها – الطبعات السابقة لصفة صلاته – لقلة أو
________________________________________
[ 76 ]
________________________________________
جهل من يشرف على تصحيح التجارب في المكتب الاسلامي ، فانه الان ليس كما كنا نعهده قبل عشر سنوات !) اه‍ . قلت : وقد حاول الشاويش الان في هذه الايام ان يتنصل ويتفلت من هذه التهمة فقام بطريقة ملتوية جدا حيث طبع كتابا لا قيمة له سماه (البرهان في رد البهتان والعدوان) وضع في ص (3) منه صورة الشيخ ! ! الالباني وهو يعرف ان الشيخ ! ! لا يرضى بذلك ! ! ووضع معه صورتين اخرتين لتغطية طريقته العرجاء ! ! لاملتوية ! التي قصد منها – والله اعلم بالنيات والقلوب لكن لنا الظاهر – النيل من شيخه القديم ! ! ومربيه ! ! فقال ص (35) من (البرهان) المبين ! ! في الحاشية معلقا : (ان في هذا القول – من اشيخ ناصر الالباني – لفتة مناسبة نافعة ، تحدد تبعية (الاخطاء المطبعية) بالمؤلف دون سواه ، وان على المؤلف المتقن لعمله ، المتقي لربه ، الحريص على نفع الناس ، الصادق في النصح لهم . . . . ان لا يترك (الغلط المطبعي) أو (الغلط الطبعي) في كتابه ليشيع في الناس ، من غير المبادرة الى استدراكه . . .) اه‍ . وهدد شيخه تهديدا مبطنا قبل ذلك بصحيفة في الحاشية بانه يملك صورة خط الشيخ ! ! ناصر ليثبت ان الاخطاء الواردة في كتبه
________________________________________
[ 77 ]
________________________________________
هي اخطاء الشيخ ! ناصر وليس – الشاويش – المشرف على التصحيح في المكتب الاسلامي . وانظر ايضا حاشية ص (38 و 39) من (البرهان) المبين ! ! لترى العجب العجاب ! ! وعلى كل حال فما اورده الشاويش في برهانه لا يقدم ولا يؤخر في تفلته وتنصله مما وصفه به شيخه ! ! ولو كان لديه بعض الصور الخطية لكتابة شيخه القديم ! ! 4 – وقال الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ص (4) واصفا الشاويش بالاوصاف التالية : – (وما ذلك الا لغلبة الجشع التجاري على الناشر) . – (لا يعفيه من المسؤولية لظهور اصابع تلاعبه ببعض كتبي وتحقيقاتي التي جدد طبعها في غياتي عنها ، فتصرف فيها كما لو كانت من تأليفه أو تحقيقاته ! يعلم ذلك كل من تتبع ما جد منها وقابلها بما قبلها من المطبوعات منها) اه‍ ! ! وقال الالباني ايضا : – (فقد استغل صاحبنا القديم هجرتي الى عمان (1) . . . فحشر في
________________________________________
(1) وقد استقبل رضي الله عنه ب‍ (طلع البدر علينا . . .) ! ! (*)
________________________________________
[ 78 ]
________________________________________
التعليق عليها دون علمي واذني طبعا – ما شاء له هواه النفسي ، وجشعه التجاري مع استحلاله الكذب والتزوير) اه‍ . ف‍ (محدث الديار الشامية) و (حافظ الوقت) ! ! قد صرح بكل وضوح بان الشاويش وضاع ! ! يستحل الكذب والتزوير ! ! وارجو ان لا يكون هذا تكفيرا من الالباني للشاويش لان مستحل التزوير والكذب المصرح بتحريمه في القرآن كافر بلا ريب ! ! ومن هذا الكلام الذي قاله الشيخ ! ! الالباني يصح لاي شخص ان يتمسك بقول محدث الديار الشامية ! ! بعدم تصديق الشاويش في اي امر يقوله ويدعية حتى لو حلف عليه لانه يرى استحلال الكذب ! ! فاللهم هداك ! ! 5 – ووصف الشيخ ! ! الالباني الشاويش ص (7 و 8 و 9) من مقدمة (صفة صلاته) بالاوصاف التالية : – (السطو) و (المسخ) و (الحذف) و (الاصرار على الباطل) و (تحشية الكتب بالزور والمين) و (التلاعب بتواريخ طبعات الكتب والمقدمات) ! !
________________________________________
[ 79 ]
وقال هناك ان هذا التصرف من الشاويش : – (لا يصدر من متق لربه ، مخلص في عمله) اه‍ . وان الشاويش : – (وقع في طامة) . وان اعمال الشاويش : – (لا فقه فيها ولا علم ، وانما هي المصالح المادية والاهواء الشخصية ، وفي الكثير – من مطبوعاته – دعاية لمطبوعاته ومنشوراته . وبعضها زور وتدليس لا يصدر ممن يخشى الله) اه‍ . وقوله ص (10) انه تصرف : (تصرفا سيئا جدا لا يقدم عليه من عنده ادنى شعور بالامانة العلمية والالتزامات الادبية) . وقوله ص (11) عنه انه : (مسكين) و (مضلل) وان طبعته الجديدة : (مشوهة) . . . الخ وقوله ص (11) عنه انه : (ظالم لشيخه) (وباغي) . . . الخ وقوله عنه ص (12) بانه : (كذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اه‍ ! !
________________________________________
[ 80 ]
________________________________________
وقوله هناك ص (9) عن الشاويش : (ومن آخر ما طلع به علينا من افاعيله وتجبره وتجنيه وتدخله في شؤوني الخاسة انه قدم الي انذارا عدليا بواسطة كاتب عدل عمان المحترم بتاريخ 21 / 9 / 1409 ه‍ – 28 / 4 / 1989 . . . واتبعه بانذار ثان بتاريخ 13 / 5 / 1989 . . . وقد ضمن انذاره هذا عجائب من الادعاءات الباطلة التي لا مناسبة الان لذكرها ، راجيا ان لا يضطرنا استمراره على تجبره وتجنيه ان نكشف القناع عنها للناس . . .) اه‍ . فتأملوا يا ذوي الابصار ! ! قلت : ونحن نلاحظ ان كلا منهما يتوعد الاخر بان لديه كلام يهدد الاخر بنشره بطرق مختلفة ونحن نعرف هذا الكلام جيدا وقد نقل الينا بطريق التواتر المعنوي فإذا قارنت بين قول الالباني هنا : (وقد ضمن انذاره هذا عجائب من الادعاءات الباطلة التي لا مناسبة الان لذكرها راجيا ان لا يضطرنا استمراره . . . ان نكشف عنها للناس . . .) . وبين قول الشاويش في حاشية (برهانه) المبين ! ! ص (34) في حق الالباني : (هنا كلام رأينا تأخير نشره ، لانه من الامور الخاصة . . .) اه‍ . تدرك ما هو اللغز الدائر بينهما ! !
________________________________________
[ 81 ]
الالباني ينص صراحة على ان الشاويش ليس من اهل العلم نص الالباني على ان الشاويش (ليس من اهل العلم) على انه يحشر اسمه في بعض غلافات الكتب على انه محقق أو من ضمن المحققين ليروج بين الناس انه من اهل العلم والتحقيق ! ! والناس جميعا يدركون انه ليس محقق ولا هو من اهل العلم كما قال شيخه حقا وصدقا ! واليكم ذلك : 1 – قال الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ص (11) : (ومن اعتدائه على العلم وفن التخريج لانه ليس من اهله) اه‍ . 2 – وقال عنه في مقدمة (التنكيل) ص (ب وج) من طبعة دار المعارف بعد ان ذكر انه زاد ضغثا على اباله ! ما نصه : (وذكر الناشر اسمه بينهما ! فكأنه يتبارى مع السارق الاول في تغيير شكل الواجهة) لكتاب التنكيل .
________________________________________
________________________________________
[ 82 ]
وقال الالباني هناك ص (ج) عن الشاويش ايضا : [ حشر نفسه بين المحقق الفعلي والمحقق الفعلي والمحقق المدعي ، زاعما ان له فيها تخريجات وتعليقات ليصبغ بذلك على طبعته صبغة الشرعية ، وهو يعلم انه ليس له فيها اي تخريج علمي يذكر ، ولو فرض العكس فهو مما لا يسوغ له فعلته كما لا يخفى ، ولا سيما وانه قد اضاف الى الكتاب : (التنكيل) رسالتين لغير المؤلف ، تأكيدا لما رمى إليه من اضفاء الصبغة الشرعية عليه ! فذكرني هذا وذاك بما يروى عن احد المتصوفة انه رئي يوما غير من شكل لباسه ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : تغيير الشكل من اجل الاكل ! ] اه‍ . وبالمقابل ماذا فعل زهير الشاويش بالالباني واضر به : (اولا) : قام زهير الشاويش بنشر رسالة محمود مهدي الاستنبولي التي اسماها (خطاب مفتوح للشيخ ناصر الالباني) الذي فيه انواعا واشكالا من السب والشتم الموجه من الاستنبولي لشيخه الالباني الموقر ! ! وقد تستر الشاويش ولم يذكر بانه هو ناشر الرسالة وكتب على غلافها نشر فئة من الجامعيين ، فضرب شيخه واستاذه من وراء
________________________________________
[ 83 ]
________________________________________
(الكواليس) واساء إليه غاية الاساءة مع انه يتظاهر بالبراءة من هذا الامر لجبنه وفقد انه الشجاعة العلمية والادبية ! ! وقد اثبت اذيال ادعياء السلفية ان الشاويش هو ناشر هذا (الكتاب المفتوح) ! ! وكذلك الاستانبولي . ففي كتاب (الايقاف) لغلام الالباني المنهزم من الناظرة (الخواف) ص (58) مانصه – وما تحته خط مهم جدا فانتبهوا له – : (لقد هاتفنا الاخ الاستاذ محمود مهدي استانبولي نزيل جدة لنخبره بهذا الذي وصل الى (البعض) بالبريد عن طريق (بيروت) وانه مطبوع باسمه ، منسوب إليه ، وان فيه الفاظا لا يتصور صدورها من مثل الاخ الاستاذ محمود مهدي الذي علم تبجيله لشيخنا الالباني . . . ففوجئ الاستاذ محمود . . . . . . بذلك مفاجاة كبرى ، واستنكر طبع تلك النشرة ، وذكر انه لم يعرف بذلك ، ثم اشار الى ان نشرها انما هو من كيد بعض (الناشرين) للسوء بين المسلمين ، الذين خالفوا جادة الحق المبين ، وجانبوا نهج الصواب المستبين . . .) الخ هرائه . ثم ذكر صاحب (الايقاف) ص (59) بان الاستانبولي ارسل
________________________________________
[ 84 ]
________________________________________
لهم رسالة خطية يقول فيها : (اني اعترف – آسفا – باني كنت حررت هذا الكتاب (1) منذ سنوات بعيدة اثر نزعة عاطفية بريئة (2) ، ولم اطلع عليه احدا كما اذكر ، وقد قدمته للمفتري ناشره – عليه من الله ما يستحق – زهير الشاويش . . . وإذا بهذا الشخص يخفى هذا الكتاب سنين طويلة من اجل استثماره في الكيد لشيخنا ، ليأكل حقوق الناس بالباطل ! عليه من الله ما يستحق . . . بل ليسئ الى سمعة هذا الشيخ المحدث الكبير ، وهو لولاه ، لكان (ابا جهل) حي الميدان ، أو اجيرا في المكتبة الهاشمية بدمشق التي كان يعمل فيها ! ! سائلا الله سبحانه انه يجازيه بما هو اهله ! . . . ولا يضير شيخنا الالباني . . . ما فعله الشاويش . . . المفتري . . . وهو لم يدفع لي حقوقي منذ عشرة اعوام باعترافه المسجل ، ثم ارسل الي كتابا آخر بانه دفع لي جميع
________________________________________
اذن يتصور صدور هذه الكلمات من الاستانبولي بصريح اعترافه ! ! وامثاله يتصور منهم اكثر من ذلك واطول واعرض واوقح وافحش ! ! لان السنتهم درجت وانذلقت بذلك ! ! (2) يا حرام ! ! كيف لو كانت هذه النزعة غير بريئة ؟ ! ! وما هي اشكال والوان السباب التي ستقع بها لو لم تكن بريئة ؟ ! ! (*)
________________________________________
[ 85 ]
________________________________________
حقوقي كاملة ! ! وهو ان يفرض علي ان يدفع لي بالمئة عشرة عليها (1) وفي مقدمتها تحفة العروس . . . بينما يدفع لي الشرفاء والامناء بالمئة (15) على كتبي العادية ! ! (2) . وانني لامل ان تكشف الايام عن بعض اسراره في معاملته لبعض موظفيه المحققين الذين يفرض على بعضهم ان يسجلوا اسمه الى جانب اسمهم ! . . . . . ومن المضحك والمبكي معا ان ينتهز هذا الشاويش فرصة اختلافه مع شيخه بشان الكتب التي طبعها ويطبعها من جديد في غير مكتبه ، فسارع للاساءة إليه – بزعمه – بنشر هذا الكتاب ليسئ الى سمعته – بظنه وزعمه – فعليه من الله ما يستحق) اه‍ . فتأملوا يا اولى الالباب ! !
________________________________________
(1) انظروا كيف يحقدون على انفسهم لاسباب مادية بحته ! ! (2) فميزان الشرف والامانة بنظر الاستانبولي والالبانيين هو اكبر واكثر نسبة دفع بالمئة على حقوق الطبع ! ! وعلى هذا فلو دفع ابليس اكثر للاستانبولي لكان اكثر شرفا وامانة ! ! (*)
________________________________________
[ 86 ]
(ثانيا) : قام الشاويش بطبع كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن ليس الثياب) واهداه لشيخه فقال في مقدمته : (الاهداء . . . واخص الذي آتاه الله العلم فانسلخ منه ! ! (بلعام) ذاك الزمان ، ومن سار على دربه ، واقتفى آثاره من (بلاعيم) هذه الايام تبكيتا . والى صاحب ابليس ، من هو بادس والاحتيال معروف ! ! والى المذمم الكريه . والى من هو بالشؤم في الغرب والشرق موصوف . والى من زاد على الابالة ضغثا ، وفاق كل ما سبقه ، وخالف كل مظنون . حتى كدنا نتوهم الحديث الموضوع صحيحا (ابت النفوس اللئيمة ان تغادر الدنيا حتى تسئ الى من احسن إليها) وكان من فعله ان اخرجت هذا الكتاب من محبسه الذي طال اكثر من عشر سنوات . الى هؤلاء وامثالهم ، ممن اظلت الزرقاء واقلت ، البلقاء جزاء وفاقا) اه‍ .
________________________________________
[ 87 ]
________________________________________
وقد عاتبه شيخه وعاب عليه هذه العبارات ، والغريب ان الشاويش يجادل ويماري في انه لا يقصد به شيخه (1) ! ! حتى ذكر في (برهانه) المبين ! ! موريا ايضا – لجبنه وفقد انه الشجاعة العلمية ! ! – بان شيخه ظن ان الكلام موجه إليه فقال في حاشية ص (4) من (برهانه) المبين ! ! على لسان انسان آخر : (ولم يقصد – الشاويش – شخصا معينا ، كما ظن احدهم حيث تذكر ذاته ، مقرا على انه فيمن عناهم ابن المرزبان والمرء حيث يضع نفسه !) اه‍ . فتأملوا في هذه الصفاقة ! ! وهل هؤلاء جميعا يصلح ان يكونوا دعاء للسنة ؟ ! ! وناشرين لها ؟ ! ! وكاشفين لصحيحها من ضعيفها ؟ ! وائمة للمسلمين ؟ ! ! ودعاة لاخلاق سيد المرسلين ؟ ! ! تفكروا جيدا ايها الناس ! ! وقال الشاويش معلقا على كتاب (تفضيل الكلاب على كثير
________________________________________
(1) مع ان الاحمق يفهم ذلك ، الا انها المراوغة والثعلبية ! ! عافانا الله تعالى ! ! من طينة هؤلاء المعروفة ! ! (*)
________________________________________
[ 88 ]
ممن ليس الثياب) ص (72) ما نصه : (ومن العجائب اننا رأينا من بعض المشايخ اشد من ذلك . فقد بلغني ان احدهم يقول لمن لهم عليه حقوق مادية : عليكم بالتسليم لما اقول . ولا تناقشوا ولا تجادلوا . واقبلوا ما اعترف لكم به فقط . . . لانني لا اكذب . . . الخ . وغفل هذا المغرور بانه – لو كان عندهم لا يكذب – فقد يهم أو ينسى . وفي طلبه هذا منهم عند وجبروت ، لان الله سبحانه يوم القيامة يسمح لكل نفس ان تجادل عن نفسها . بل اكاد اقول : انه بهذا ممن يسمى نفسه طاغوتا نعوذ بالله من الجهل والجبروت) اه‍ . فتأملوا ! ! واقول : ما هي فائدة هذا التعليق وما هي مناسبته في ذلك الكتاب يا زهير هداك الله تعالى ؟ ! ! لا سيما وانت تقول كما نقلنا آنفا في (البرهان) المبين ! ! الذي طبعته (ولم تقصد شخصا معينا كما ظن احدهم حيث تذكر
________________________________________
________________________________________
[ 89 ]
ذاته . . .) ! ! ويكفيك تلاعب ومراوغة ! ! (ثالثا) : ومن طالع مقدمات (صحيح السنن) الاربعة وضعيفها و (صحيح الجامع وزيادته) و (ضعيفه) طبع المكتب الاسلامي يرى بوضوح المشاكسة الكبيرة الواقعة بين الشاويش وشيخه ! ! ولله في خلقه شؤون ! !
________________________________________
[ 90 ]
فرع في ذكر بعض تلاعبات صاحب المكتب الاسلامي بالكتب والتراجم قام ناشر شرح الطحاوية – الشاويش – بالتلاعب هنا لك وذلك في ص (5) من الطبعة الثامنة في الحاشية حيث لم ينقل كلام الامام الحافظ السبكي بتمامه وبحروفة بل حرفه وحذف منه ما سيكون وبالا عليه عند الله تعالى ، ولننقل ما ذكره الناشر هناك ، ثم نردفه بكلام الامام السبكي من كتابه معيد النعم : قال الناشر (1) : كلمة العلامة السبكي في كتابه (معيد النعم) هي : (وهذه المذاهب الاربعة – ولله تعالى الحمد – في العقائد واحدة ، الا من لحق منها باهل الاعتزال والتجسيم ، والا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة ابي جعفر الطحاوي التي تلقاها
________________________________________
(1) وبصراحة لا يحمل اثم هذا العمل الناشر فحسب انما يحمل اثم ذلك شيخه المتناقض ! الذي كان يملي عليه هذه الافكار . (*)
________________________________________
[ 91 ]
________________________________________
العلماء سلفا وخلفا بالقبول) اه‍ . والامام السبكي يقول حقيقة في كتابه (معيد النعم) ص (62) من طبعة مؤسسه الكتب الثقافية الطبعة الاولى (1986) ما نصه : (وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة – ولله الحمد – في العقائد يد واحدة كلهم على راي اهل السنة والجماعة ، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة ابي الحسن الاشعري رحمه الله ، لا يحيد عنها الا رعاع من الحنفية والشافعية ، لحقوا باهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا باهل التجسيم ، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا الا اشعريا عقيدة ، وبالجملة عقيدة الاشعري هي ما تضمنته عقيدة ابي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة . . .) اه‍ . فتأمل بالله عليك كلام الناشر الذي زور كلام الامام الحافظ السبكي وحرفه ! ! ثم انظر وتامل كلام الامام السبكي الحقيقي الذي نقلته لك من كتابه (معيد النعم) لتدرك بان الشاويش محرف محترف يعيث في كتب التراث وعبارات علماء الاسلام فسادا وافسادا (!) .
________________________________________
[ 92 ]
________________________________________
والذي يؤكد انه محرف محترف انه حقق بزعمه كتاب (الرد الوافر) لابن ناصر الدين الدمشقي الذي رد فيه على الامام العلامة العلاء البخاري رحمه الله تعالى ، ونقل الشاويش في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور ترجمة العلاء البخاري وافرط في ذمه ! ونقل جزءا من ترجمته من كتاب (الضوء اللامع) للحافظ السخاوي فحرف في النقل حيث قال واصفا العلامة العلاء البخاري بقوله : (وكان شديد الالتصاق بالحكام) ! ! ! علما بان الكلام الاصلي في كتاب (الضوء اللامع) (9 / 291) للسخاوي هو : (وإذا حضر عنده اعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو اشد في الاغلاظ ويحضه على ازالة اشياء من المظالم) اه‍ . فتأمل كيف قلب الشاويش (وكان شديد الاغلاظ على الحكام) 180 درجة راسا على عقب فقال : (وكان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان ! ! . وقد راجعت الشاويش بهذه المسالة واثبت له ان هذا العمل
________________________________________
[ 93 ]
________________________________________
دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع بعد ان قطع شوطا من المجادلة بالباطل ! ! معي ثم وعد بتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة وانتظرنا ذلك ! ! وقد خرجت الان الطبعة الجديدة ولم نر فيها تراجعا الى الحق الذي وعد به ! ! مما يدل على اصرار اهل هذه النحلة على الباطل ! ! ولا املك اخيرا الا ان انصح الشاويش بان يتوب الى الله ويرجع عما يقترفه ، وان يحترم شيخه وان كنا نخالفهما ولا نرتضي طريقتهما ، فان التمرد على الشيخ وشن الغارات عليه ومعاداته بهذه الصورة لا يليق ابدا من اي عاقل ، فيجب عليه الرضوخ لشيخه للسخاوي هو : (وإذا حضر عنده اعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو اشد في الاغلاظ ويحضه على ازالة اشياء من المظالم) اه‍ . فتأمل كيف قلب الشاويش (وكان شديد الاغلاظ على الحكام) 180 درجة راسا على عقب فقال : (وكان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان ! ! . وقد راجعت الشاويش بهذه المسالة واثبت له ان هذا العمل
________________________________________
[ 93 ]
دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع بعد ان قطع شوطا من المجادلة بالباطل ! ! معي ثم وعد بتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة وانتظرنا ذلك ! ! وقد خرجت الان الطبعة الجديدة ولم نر فيها تراجعا الى الحق الذي وعد به ! ! مما يدل على اصرار اهل هذه النحلة على الباطل ! ! ولا املك اخيرا الا ان انصح الشاويش بان يتوب الى الله ويرجع عما يقترفه ، وان يحترم شيخه وان كنا نخالفهما ولا نرتضي طريقتهما ، فان التمرد على الشيخ وشن الغارات عليه ومعاداته بهذه الصورة لا يليق ابدا من اي عاقل ، فيجب عليه الرضوخ لشيخه واحترامه ومسامحته وان اخطا معه ، والتنازل عن حقوقه وايثار الشيخ بكل خير يراه ، والله يتولى هدانا وهداه ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
________________________________________

لإغاثة بأدلة الاستغاثة تأليف حسن بن علي السقاف

الإغاثة بأدلة الاستغاثة

تأليف

حسن بن علي السقاف

________________________________________
[ 1 ]
الإغاثة بأدلة الاستغاثة بسم الله الرحمن الرحيم الإغاثة بأدلة الاستغاثة بقلم حسن بن علي السقاف القرشي الهاشمي الحسيني الشافعي مكتبة الإمام النووي عمان
________________________________________
[ 1 ]
(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله وكفى، والصلاة على عباده الذين اصطفى، وعلى آلهم وصحبهم ومن لهم اقتفى، وبعد: فقد ضمني مجلس ببعض الأساتذة الفضلاء، والإخوان النجباء فوجه إلي أحد الأساتذة سؤالا، فقال: بلغنا عنك أنك تجيز الاستغاثة – أي بغير الله تعالى – فهل هذا صحيح؟! فأجبت – نعم أجيزها ومستندي في ذلك أحاديث صحيحات، مع أقوال جماعات من العلماء من السلف والخلف وأهل الحديث المرجوع إليهم في المشكلات. فقال ذاك الأستاذ: وما دليلك في ذلك؟ فقلت ما رواه البخاري في صحيحه مرفوعا: (تدنو الشمس يوم القيامة من رؤوس العباد فبينا هم كذلك إذ استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد (صلى الله عليه وآله) فيشفع ليقضي بين الخلق). فأحال أحد الأساتذة الجواب إلى أحد الأساتذة المشتغلين بعلم الحديث ليجيبني على ذلك، فقال ما ملخصه: إنه لا يوجد دليل في الكتاب ولا في السنة يفيد جواز ذلك، ولا في أقوال من يرجع إليه بن السلف بل لم ينقل ذلك عن أحد من المعتبرين وطلب مني ذاك الأستاذ أن أعيد نص الحديث، وأن أعيد نص حديث الأعمى، وأن أتاكد من سند حديث آخر حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح، وأضاع البحث في أساس القضية منكرا أن يكون هناك دليل في الاستغاثة والتوسل البتة. وقد قبل باقي الأساتذة الفضلاء بكلامه باعتباره متخصص في علم الحديث، ولم أقبل ما قاله البتة، وقد تعجبت منه لأني أعرف أنه مطلع تماما على كثير من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الاستغاثة والتوسل، وخصوصا أنه حاول ختم البحث بقوله:
________________________________________
[ 2 ]
منذ أربعين سنة وأنا أبحث في هذه المسألة وقد تحققت أنه لا دليل ثم ذكر أستاذ آخر: أن نداء الأموات هو دعاء لهم، وأن الدعاء عبادة، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (الدعاء هو العبادة) وجاء: (الدعاء مخ العبادة) وكلمة (يا) أداة نداء ودعاء فهي عبادة. فأجبت الأستاذ: بأن الدعاء له عدة معان منها العبادة والحديث لا يحصر الدعاء بالعبادة باتفاق العلماء، وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لما رأى ولده إبراهيم عليه السلام يجود بنفسه: وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون وكان يأمر من زار المقابر أن يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. نسال الله العافية لنا ولكم. وعن أبي مويهبة مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأهل البقيع: (السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنكم ما أصبحتم فيه) … الحديث رواه الإمام أحمد (3/489) والطبراني قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) بإسنادين ورجال أحدهما ثقات. وفي مصنف الإمام عبد الرزاق (3/576/حديث 6724 بتحقيق المحدث الأعظمي) بسند صحيح عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. أه‍. ولم يكن هذا من النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه عبادة للمنادى مع أنه نداء باتفاق العقلاء. وكذلك قول سيدنا أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موته بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين. (الفتح 3/13) رواه البخاري وغيره. فقال الأستاذ: لكنه لم يطلب منه شئ فقلت: نحن نريد أن نثبت نقطتين:
________________________________________
[ 3 ]
الأولى: جواز نداء الأموات وقد فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، كما تقدم في الأحاديث والآثار مع أقوال العلماء التي قدمتها وثبت في نداء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحاب قليب بدر كما هو ثابت في الصحيحين، فإذا ثبت أن ذلك جائز انتقلنا إلى النقطة: الثانية وهي: هل يجوز طلب شئ من النبي بعد وفاته أو أحد من صالحي أمته؟ ونحن نقول بأن من اعتقد أن المدعو وهو من استغثنا به سواء كان حيا أو ميتا في الدنيا والآخرة له صفة من صفات الربوبية كفر لا محالة وهذا مقرر مشهورة في علم التوحيد. ومن طلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يستغفر له بعد مماته لم يعتقد أنه رب محي مميت خالق رازق حقيقة، والنبي لا يعلم أمته ما يؤدي إلى الكفر والشرك، وقد علم الأعمى أن يقول في دعائه: “يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي”. والمستغيث يقول كذلك، وأما قول من قال: إن ذلك ذريعة إلى الشرك والأفضل تركه. فنقول له: ليس كذلك، لأن النبي لا يعلم الأمة ما يؤدي للشرك، وفي ذلك تعطيل العمل بالأحاديث الصحيحة بحجة أنها ذريعة للشرك وهو كلام خطير جدا. والأئمة من المحدثين والفقهاء ما يزالون يذكرون في أبواب صلاة الحاجة حديث الأعمى حاثين الأمة أن تقول في ذاك الدعاء: يا رسول الله إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي … فليس في ذلك ما يتعلق في العقيدة ولا في التوحيد البتة، إلا عند من يقول أن هناك توحيدان: توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وأنه من وحد توحيد ربوبية ولم يوحد توحيد ألوهية فهو كافر. وهذه مسألة اخترعها ابن تيمية ليكفر بها عباد الله تعالى وتبعه عليها محمد ابن عبد الوهاب، ونصوص الكتاب والسنة تنقض ذلك نقضا مبرما كما أوضحت ذلك مفصلا في رسالة (التنديد بمن عدد التوحيد) وأجبت عن جميع الآيات التي توهم منها بعض الناس أنها تدل على ذلك كقوله سبحانه (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله).
________________________________________
[ 4 ]
وبينت معانيها الثابتة بنصوص القرآن من سياقاتها وأقوال الأئمة الفحول في ذلك فلتراجع. فقد وجب الآن أن نكتب في بيان مشروعية الاستغاثة بسرد أدلتها الثابتة وأقوال السلف وأهل الحديث فيها، ليعلم الأساتذة الثلاثة الذين اجتمعت معهم خاصة وباقي الناس عامة أدلة جواز الاستغاثة، وهذا ما أدين الله به وأراه حقا وصوابا وتمسكا بالسنة فأن كان حقا أسأل الله تعالى أن يثبتني عليه وأن يلهم من أنكر ذلك أن يرجع إليه، كما أسأله تعالى إن كان باطلا أن يجنبنا إياه (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين). (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه به.
(فصل): في تعريف الاستغاثة وما يتعلق بذلك: الاستغاثة عندي هي: الطلب من النبي قبل وفاته أو بعد وفاته – لأنه بعد وفاته حي كما أخبر يسمع وتعرض عليه أعمال أمته – أن يدعو الله تعالى في تلبية حاجة لصاحب الحاجة، فقد طلب الناس منه (صلى الله عيه وسلم) الاستسقاء في حياته وبعد مماته كما سيأتي إن شاء الله في أدلة الاستغاثة، مع كون المطر بيد الله ليس بيد النبي كما هو معلوم ومشهور فقد جاء الرجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا – أي يمطرنا -.. الحديث وكان الرجل مسلما كما في الفتح (2/502) والصحابة كانوا يعرفون قول الله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) والنبي لم يقل لذلك الرجل إذا نزل بك قحط أو بلاء فلا تأتيني وتطلب مني الدعاء بل! عليك أن تدعو الله وحدك للآية. فاتضح أن هذه الآية لا تنفي الاستغاثة لان ذكر الشيء لا ينفي ما عداه كما هو مقرر في الأصول.
________________________________________
[ 5 ]
فلا بد من عقد فرع لإثبات حياة الأنبياء في قبورهم فإذا اتضح ذلك تبين جواز خطابهم ومناداتهم لأنهم يسمعون. (فرع): إثبات حياة النبي في قبره: 1) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي في حياة الأنبياء وغيرهم. قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/211): رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات. وفي فيض القدير (3/84): رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك وهو حديث صحيح أه‍. قلت: وصححه الألباني، علما بأني لا أعتد بتصحيحه ولا بتضعيفه وأقول أنه ليس أهلا لذلك كما سأبين في عدة مواضع، وإنما أذكر كلامه هو وابن تيمية وأمثالهما ليتنبه بذلك مقلدوهم وعاشقوهم. انظر صحيحته حديث (621). قال المحدث الكتاني في نظم المتناثر 135 (حديث رقم 115): قال السيوطي في مرقاة الصعود: تواترت – بحياة الأنبياء في قبورهم – الأخبار، وقال – الحافظ السيوطي – في أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء ما نصه: حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا، لما قام عندنا من الأدلة في ذلك، وتواترت بها الأخبار الدالة على ذلك، وقد ألف الأمام البيهقي رحمه الله تعالى جزءا في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم أه‍. وقال ابن القيم في كتاب الروح: صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء خصوصا بموسى، وقد أخبر بأنه: ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام. إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم ا ه‍…. انتهى من نظم المتناثر للمحدث الكتاني.
________________________________________
[ 6 ]
وهذا الكلام لابن القيم موجود في كتاب الروح ص (53 – 54) طبعة دار الفكر الطبعة الثانية سنة 1986). وهذا الكلام المتقدم نص عليه الإمام المناوي في فيض القدير (3/184) فراجعه. 2) وهناك أدلة عدة في حياة الأنبياء ستأتي أثناء عرض أدلة الاستغاثة فلا نريد التكرار والإطالة. (فرع): في إثبات أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يسمع بعد موته وكذا سائر الأموات اعلم يرحمك الله تعالى أن بعض من توهم أن الأموات لا يسمعون ظنوا أن قول الله تعالى (وما أنت بمسمع من في القبور) دليلا على ذلك، وليس كذلك، بل هذه الآية دليل على أن الكفار المصرين على الباطل لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة كما أن الأموات الذين صاروا إلى قبورهم لن ينتفعوا بما يسمعونه من التذكير والموعظة بعد أن خرجوا من الدنيا على كفرهم، فشبه الله تعالى هؤلاء الكفار المصرين بالأموات من هذا الوجه، ونص على ذلك أهل التفسير فراجعه، واني أنقل لك قول واحد منهم: جاء في مختصر تفسير ابن كثير رحمه الله للشيخ الصابوني حفظه الله تعالى (3/45) في تفسير آية (وما أنت بمسمع من في القبور) إن المعنى: أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم (إن أنت إلا نذير). أه‍ واعلم أن الله تعالى قال (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) النمل/80، وأنت تعلم أن الأموات لا يولون مدبرين بعد العظة والتذكير وإنما المراد بذلك الكفار ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (مثل الذي يذكر الله تعالى والذي لا يذكره مثل الحي والميت) (1). فتأمل. (1) الضمير في قوله سبحانه: (إذا ولوا مدبرين) عائد على الموتى وعلى الصم، لأن المراد بكل منهما الكفار، وهذا ظاهر بداهة، فالموتى والصم هم الكفار لا الأجساد،
________________________________________
[ 7 ]
ونص على ذلك أئمة محققو المفسرين، بالإضافة إلى الأدلة التي أوردتها في هذه الرسالة في إثبات سماع الأموات بلا شك، أما قول أئمة التفسير: فقال الطبري في تفسيره (مجلد 11 جز 25 صحيفة 12): وقوله (إنك لا تسمع الموتى) يقول: إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه (ولا يسمع الصم الدعاء) يقول: ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله عن سماعه سمعه (إذا ولوا مدبرين) يقول: إذا هم أدبروا معرضين عنه لا يسمعون له، لغلبة دين الكفر على قلوبهم ولا يصغون للحق ولا يتدبرون ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه وينكرون القول به والاستماع له. انتهى من. الطبري. وهذا يثبت بلا شك أن الضمير في قوله (ولوا) يعود على الأموات وعلى الصم. وكذا قال الإمام الحافظ أبو حيان في تفسيره النهر الماد (مطبوع مستقل دار الجنان 1407 صحيفة 2/632) فليراجع. وأما حديث: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) فحديث ثابت في الصحيحين، انظر الفتح (11/208) وقال الحافظ صفحة 210: وقع في مسلم عن أبي كريب بلفظ: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر فيه مثل الحي والميت) ثم قال: الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السكن، وإن إطلاق الحي والميت في وصف البيت إنما يراد به سكن البيت، فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره تزين بنور الحياة…. الخ كلامه أه‍ فتبين بهذا التحقيق أن تشدق الألباني فيما ادعى فيه التحقيق في تعليقه على سنه ابن أبي عاصم (414) المسمى عنده بظلال الجنة: غلط محض بل باطل. وكذا سيظهر في هذه الرسالة أن صاحب الكراسة المتهافتة التي رد بها على (الميداني) بنقل الرد من كتاب (التوصل إلى حقيقة التوسل) غلط، لأن الأصل وهو التوصل متهافت ملئ بالأغلاط وقد دنس فيه مؤلفه ثم: ضعف ما يشا من الحديث برأيه المستهجن الرثيث فلا يعول على كلامه كما سيتجلى أثناء هذه الرسالة، وخصوصا في حديث عائشة رضي الله عنها عند الدارمي كما ستراه إن شاء الله تعالى، فكيف بمن نقل عنه ونسخ من كتابه وهو لا يميز بين الغث والسمين، فظن نفسه أنه رد الحق بشيء هو في الحقيقة مل غيره لكنه نسبه إلى نفسه، ثم تبجح به، وقد رددت أيضا على أحد خريجي مانشستر ممن يقول بقريب من ذلك من نفس فصيلة هذه الطائفة وكما قيل: والقوم إخوان وشتى في الشيم وقيل في شأنهم اشتدي زيم
________________________________________
[ 8 ]
إذا فهمت ذلك فتدبر الآن في أدلة سماع الأموات: 1) روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول….. وفي رواية في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. أه‍ ولا أدري أيصحح الألباني هذا الحديث أم يضعفه؟! ومن رد هذا الكلام الصريح بكلام السيدة عائشة قلنا له: ذكر العلامة حبيب الله الشنقيطي في كتابه زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم (4/4 – 5) نقلا عن الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: ومن الغريب أن في المغازي لابن اسحق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة – يعني أنها أثبتت أن الأموات يسمعون – وفيه ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. وأخرجه أحمد بإسناد حسن فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة. اه‍ قلت: لا حجة بمعارضتها رضي الله عنها، وقد ثبت أنها رجعت، وكلام من شهد القصة مقدم على كلامها بلا ريب وهم رجال عدة. والحمد لله تعالى. 2) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) رواه الحاكم في المستدرك (2/421) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
________________________________________
[ 9 ]
وأقره الحافظ الذهبي، وفي فيض القدير (2/479): رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ العراقي: الحديث متفق عليه دون قوله سياحين أه‍ قلت: فليراجع. 3) قال الحافظ السيوطي في اللمعة في أجوبة الأسئلة السبعة (الحاوي 2/175): روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق. قلت: والحافظ بن عبد الحق إمام في العلل ومعرفة الحديث كما في تذكرة الحفاظ للذهبي وكذا أشار إلى صحة الحديث صاحب عون المعبود فيه (3/370). وسيأتي الكلام على هذا الحديث إن شاء الله في تنبيه آخر هذه الرسالة وبيان كيف ضعفه الألباني بلا حجة. 4) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام) رواه أبو داود وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير. قال الإمام الحافظ السيوطي في رسالته: (أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء) المطبوعة ضمن الحاوي (2/147): قوله (رد الله) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدرت (قد)، كقوله تعالى: (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) أي: قد حصرت، وكذا تقدر هنا والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد، و (حتى) ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث: (ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه).
________________________________________
[ 10 ]
وإنما – جاء الإشكال على من ظن أن جملة (رد الله علي) بمعنى الحال، أو الاستقبال، وظن أن (حتى) تعليلية، وليس كذلك، وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله وأيده من حيث المعنى: أن الرد لو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرر سلام المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة، وتكرر المفارقة يلزم عليه محذوران: أحدهما: تأليم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه، أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم. والآخر: مخالفة سائر الشهداء وغيرهم، فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة. انتهى كلام الحافظ السيوطي. 5) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلن عيسى بن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا، فليكسرن الصليب ويقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد، ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته). قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/211): قلت: هو في الصحيح باختصار رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. أه‍ قلت: وفي قوله (لأجبته) دلالة ظاهرة في سماعه إياه. 6) وجاء في الصحيحين البخاري (الفتح 3/205) ومسلم وكذا عند أحمد والسدي والبزار وابن حبان مرفوعا: (إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم). 7) جاء في حديث أبي هريرة والسيدة عائشة وبريدة واللفظ له عند مسلم وغيره كما في تلخيص الحبير (2/137): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية).
________________________________________
[ 11 ]
قلت: وهذا نداء ودعاء للأموات صريح من النبي صلى الله عليه واله وسلم وتعليم للأمة فليس ذلك عبادة لهم، وليس لأحد أن يقول هنا (الدعاء هو العبادة) كما أنه ليس لأحد أن يقول: وجب تغيير نداء النبي في الصلاة بعد وفاته بإبدال (السلام عليك أيها النبي) بلفظة (السلام على النبي)، فتنبه، ولها جواب في كتاب (القول المقنع) لشيخنا المحدث الغماري حفظه الله تعالى، وأظن أن هذه الأدلة يعضد بعضها بعضا وهي كافية في إثبات السمع للأموات، وإنما أوردتها وأوردت قبلها الدليل على حياة النبي في قبره، وأثبت أثناء ذلك أن النداء ليس عبادة إلا إن كان دعاء لمن اعتقدنا فيه صفات الربوبية، وهذا هو الصواب الذي تثبته أدلة النقل الشرعية والعقل المنطقية، وقد فصلته في (التنديد بمن عدد التوحيد) وقد أوردت كل فا تقدم ليكون مقدمة لأدلة الاستغاثة بالأنبياء الموصوفين بأنهم أحياء في قبورهم يسمعون وتعرض عليهم أعمال أممهم، ومن أثبت التوسل والاستغاثة بذات الأنبياء والصالحين حال حياتهم فقط أثبت لهم تأثيرا، كما أنه جردهم من منزلتهم بعد موتهم وهنا يكمن الخطر الجسيم. وإني أذكر حديث عرض الأعمال فيما يلي بين يدي أدلة الاستغاثة فأقول: (فصل:): في تحقيق: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم… روي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم). قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) رجاله رجال الصحيح أه‍ قلت: وسأفصل ذلك إن شاء الله تعالى بعد قليل – أعني صحة إسناده والرد على من يحاول أن يوهم أن الحديث ضعيف.
________________________________________
[ 12 ]
فأقول: ضعف هذا الحديث بعض من لم يوافق الحديث مشربه بلا حجة، فلبس بذلك على بعض الطلبة البسطاء، وذهب هذا المضعف يحتج بأن هذا الحديث يعارض حديثا ثابتا في الصحيح وهو: (حديث الحوض) وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم القيامة داعيا أمته إلى الحوض: هلموا، فتضرب الملائكة بعض من أراد الورود على الحوض، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لماذا تذودوهم؟! فتقول الملائكة: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: سحقا، سحقا. انتهى الحديث بمعناه. قال مضعف حديث عرض الأعمال: فكيف تقول الملائكة في الحديث الصحيح إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك يا رسول الله؟! فلو كانت الأعمال تعرض عليه لعرف ما صنعوا بعده. فالجواب على هذا الإشكال هو ما أجاب به الحافظ في فتح الباري (11/385) جامعا بين الحديثين ناقلا ذلك عن أربع من أكابر حفاظ الأمة وهم: النووي وابن التين والقرطبي والقاضي عياض وهو خامسهم حيث قال ما معناه ملخصا: هؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم المنافقون والذين ارتدوا عن الإسلام، فهؤلاء لا تعرض أعمالهم عليه في الدنيا لخروجهم من أمته حقيقة، وان كانوا في الصورة يصلون ويتوضأون فيحشرون بالغرة والتحجيل، فإذا أبعدتهم الملائكة وقال لهم سحقا سحقا أطفا الله تعالى غرتهم وتحجيلهم وأذهبه ساعتئذ. أه‍ من الفتح. وحديث (حياتي خير لكم….) رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (1/397) بإسناد رجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ نور الدين الهيثمي في المجمع (9/24) وقال الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى (2/281) سنده صحيح، وقال الحافظان العراقيان – الزين وابنه ولي الدين – في طرح التثريب (3/297): إسناد جيد، وطرح الثريب من آخر مؤلفات الحافظ الزين العراقي. وروى الحديث ابن سعد بإسناد حسن
________________________________________
[ 13 ]
مرسل كما في فيض القدير (3/401) وصنف في هذا الحديث مولانا محدث العصر سيدي عبد الله بن الصديق الغماري جزءا حديثيا خاصا سماه (نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال) قرظه له شقيقه الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري الحسني. فمما قدمناه بان أن الذين صححوا الحديث من أهل الحديث: 1) الحافظ النووي. 2) والحافظ ابن التين. 3) والحافظ القرطبي. 4) والحافظ القاضي عياض. 5) والحافظ ابن حجر العسقلاني كما نقل ذلك عمن تقدم ذكرهم في الجمع بينه وبين حديث الشفاعة كما في الفتح (11/385). 6) والحافظ زين الدين العراقي إمام زمانه. 7) وولده الحافظ ولي الدين العراقي أبو زرعة. 8) والإمام الحافظ السيوطي. 9) والحافظ الهيثمي كما في مجمع الزوائد. 10) وكذا المحدث المناوي في فيض القدير. 11) وكذا الحافظ المحدث السيد أحمد الغماري. 12) وكذا مولانا محدث العصر المحقق سيدي عبد الله بن الصديق. وهؤلاء الأئمة النقاد بلا شك ولا ريب مقدم تصحيحهم عند كل عاقل كما نظن على تضيف الألباني له في سلسلته الضعيفة (2/404). ولا أشك أن الألباني ضعف الحديث لا لضعف سنده وإنما لمخالفته لمشربه فقط. وأعجب منه كيف أنه يصحح أحاديث ضعيفة بشواهد شبه موضوعة كما فعل مثلا بحديث (لحوم البقر) الذي ذكرته في رسالة رد التصحيح الواهن لحديث العاجن، ثم يضعف هذا الحديث برجل من رجال مسلم والأربعة ووثقه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وروى عنه أئمة من كبار المصنفين كالشافعي والحميدي وأمثالهم.
________________________________________
[ 14 ]
والطعن في هذا الرجل (ابن أبي رواد) مردود رده الذهبي في سير أعلام النبلاء فلينظر. ومن كان مؤهلا للمناقشة في علم الرجال واعترض على ما قررناه مما تبعنا فيه أهل الشأن فليناظرنا وليباحثنا في ذلك، مع أني لم أر إلى الآن أحدا من أهل العلم المعتبرين ضعف حديث (عرض الأعمال). والله الموفق للصواب. ومن المؤسف جدا أن: صاحبي كتيب (أوهابية أم كتاب وسنة) الذي كان مطبوعا قبلا باسم الإسلام والغلو في الدين ص 23 من أوهابية وص 15 من الغلو يقولان عن حديث عرض الأعمال ما نصه: قال في الصارم المنكي: هذا حديث مرسل ضعيف لا يحتج به. أه‍ والصحيح: أن صاحب الصارم المنكي لم يقل ذلك وإنما قال: حديث مرسل صحيح الإسناد. أه‍ فقد حرف صاحبا كتاب (أوهابية) في النقل على عادة هذه الطائفة، وهما ممن لا يعرف في علم الحديث لا قليلا ولا كثيرا. ولم يطلع ابن عبد الهادي الحافظ صاحب الصارم المنكي على إسناد البزار، ولو اطلع لقال حديث متصل صحيح الإسناد. ولنتناقش في شأن ابن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي مناقشة موضوعية هادئة بعيدة عن التعصب بتروي وتدبر وذلك على ضوء الكتاب والسنة فنقول: قال الإمام المحدث الكتاني في فهرس الفهارس والاثبات (1/277) كاشفا حال ابن عبد الهادي وكتابه الصارم المنكي ما نصه: وتصدى للرد على ابن السبكي: ابن عبد الهادي الحنبلي، ولكنه ينقل الجرح ويغفل عن التعديل (2)، وسلك سبيل العنف والتشديد، وقد رد عليه (2) أي في رد ابن عبد الهادي في الصارم المنكي على كتاب الإمام السبكي في كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) وهو مطبوع مشهور متداول أعني شفاء السقام.
________________________________________
[ 15 ]
وانتصر للسبكي جماعة (3) منهم الإمام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر الشمس محمد علي بن علان الصديقي المكي له – كتاب – (المبرد المبكي في رد الصارم المنكي) ومن أهل عصرنا البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري سماه (نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي) وكذا الحافظ ابن حجز له (الإنارة بطرق حديث الزيارة) وانظر مبحثا من فتح الباري والمواهب اللدنية وشروحها. أه‍ قلت: وابن عبد الهادي من شدة تعصبه لابن تيمية وملازمته له اغتر بكثير من أخطائه المشهورة، لا سيما أن ابن تيمية كان يحثه على قراءة مصنفات المجسمة والمشبهة وخصوصا أن ابن تيمية يرى أن التشبيه والتجسيم لم يأت لهما ذم في كتاب أو في سنة أو في قول أحد من السلف، كما يقول في كتابه التأسيس في نقد أساس التقديس (1/1 00): ولم يذم أحد من السلف أحدا بأنه مجسم ولا ذم للمجسمة. أه‍. وقال في التأسيس أيضا (1/109): وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين. أه‍ وكان ابن تيمية – شيخ ابن عبد الهادي – هنا يتناسى أن الإسلام جاء لهدم الوثنية المبنية على تجسيم الإله وتشبيهه بخلقه… إلى غير ذلك مما لا يحتاج لدليل ولا برهان كما قيل: وليس يصح في الأذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل كما يظهر أنه نسي ما يقوله هو وأصحابه: (المشبه يعبد صنما) وإثبات ابن تيمية في التأسيس (1/568) عقيدة تجويز جلوس معبوده على ظهر بعوضة فضلا عن العرش مما تشمئز منه نفوس أهل الإيمان حيث يقول ما نصه هناك: (3) ونحن الآن إن شاء الله تعالى على أتم الاستعداد للانتصار للسبكي في هذا الزمان، وكذا في كل مسألة يثيرها المغرضون مما نرى الحق على خلافها، والله تعالى يهيئ في كل مكان وأوان من يزهق الباطل ويدافع عن الحق كما قال الكوثري عليه الرحمة والرضوان.
________________________________________
[ 16 ]
(ولو قد شاء – الله – لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم). ويشير في منهاج السنة (1/260) إلى تقوية حديث: جلوس الله على العرش وبقاء فراغ بمقدار أربع أصابع إلى غير ذلك من طامات ورثها عنه الإمام الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي الذي كان يسمع أهله وخاصته كتاب (إثبات الحد لله عز وجل وأنه قاعد وجالس على عرشه) للمجسم المحترق ابن سفنديار الدشتي الحنبلي كما تجد ذلك بخط ابن عبد الهادي على جزء الدشتي المذكور، مع أن المعروف عند كل مؤمن عاقل أن الأهل من زوجة وأولاد وكذا خاصة الرجل ممن ينبغي صونهم من الكفر البواح، وتسميعهم ما فيه تنزيه للباري تبارك وتعالى، وعناوين هذه الكتب تنبئ العاقل المتبصر بحال مصنفيها والمشتغلين بتسميعها لأهلهم وخاصتهم. ومن تعصب ابن عبد الهادي لابن تيمية وتصنيفه للانتصار لذلك عاب عليه كبار العلماء كالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره من الأكابر، ففي الفتح (3/66) مثلا ما نصه: قال الكرماني: وقع في هذه المسألة – مسألة الزيارة – في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة وصنف فيها رسائل من الطرفين، قلت: يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وما انتصر به الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي وغيره لابن تيمية وهي مشهورة في بلادنا، والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنكرنا صورة ذلك (4)…. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية. أه‍ [تنبيه]: لمسألة تتعلق باستحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي: أنه قد تلاعب أحد أتباع ابن تيمية بكلام الإمام النووي في الأذكار فحرفه إقتداء بمن قال الله فيهم (يحرفون الكلم عن مواضعه) وإني أسوق كلام الإمام النووي الأصلي الآن إن شاء الله تعالى ثم أردفه بالكلام المبدل لنتبين حقيقة الأمر، وليعشق من يعشق سلفية العصر على بينة فأقول:
________________________________________
[ 17 ]
كلام الإمام النووي الأصلي غير المحرف: في كتاب الحج من الأذكار (ص 306 طبع دار الفكر دمشق) وكذا في المخطوط وباقي الطبعات وفي شرح الأذكار لابن علان ما نصه: (فصل في زيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأذكارها): اعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن فان زيارته (صلى الله عليه وسلم) من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات فإذا توجه للزيارة أكثر من الصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وسلم) في طريقه. فإذا وقع بصره على أشجار المدينة… أه‍ كلام الإمام النووي الأصلي. كلام الإمام النووي المحرف الذي حرفه (عبد القادر الأرناؤوط) المتمسلف بأمر من سادته طمعا في المادة: في كتاب الأذكار للإمام النووي (طبع دار الهدى الرياض 1409 د بإشراف وموافقة مراقبة المطبوعات برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء ص 295) ما نصه: فصل في زيارة مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اعلم أنه يستحب من أراد زيارة مسجد رسول (صلى الله عليه وسلم) أن يكثر من الصلاة عليه (صلى الله عليه وسلم) في طريقه فإذا وقع بصره على أشجار المدينة…. فتأمل هذا التحريف ولا أدري كيف حصل هذا تحت أنظار رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة (!) علما بأن الكتاب إذا كان فيه كلمة توسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أو بيت من الشعر فيه مدح له (صلى الله عليه وسلم) فإن عين رئاسة البحوث تضبطه وتصادر الكتاب وتمنع دخوله. فهل أصاب عين رئاسة البحوث العمى فلم تر هذا التحريف لأنه يوافق مشربها؟!! ثم تمادى المحقق المتمسلف المذكور فاسقط بعد صحيفة من كتاب الأذكار قصة العتبي التي ذكرها الإمام النووي لأنها تخالف ذاك المشرب العكر، فهل هذه هي الأمانة العلمية؟! وكان بإمكانه أن يعلق عليها بالإنكار كما فعل بعض إخوانه في طبعات أخرى دون أن يقترف هذا التحريف والتلاعب المشين الذي يؤدي إلى تشكيك المسلمين بما يطبع ويطرح بين أيدي عامة الناس من أمهات المراجع وكتب التراث. سبب هذا التحريف فيما نرى: أقول: والذي دعا المحقق والمشرف إلى أن يحرف عبارة الإمام النووي ويحذف منها هو التعصب لرأي ابن تيمية الحراني والذي أنكره عليه فحول علماء أهل السنة، وإليك بيان ذلك: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (3/66): والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنكرنا صورة ذلك…. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية أه‍
________________________________________
[ 18 ]
قلت: فهذا الإنكار لا شك يشمل كتاب الصارم المنكي (5)، الذي كان مؤلفه يحيد عن الصواب بتضعيف الأحاديث بعرض رجالها وذكر الجرح فيهم دون التعديل كما قال ذلك الأئمة المختصون في هذا الفن ورأيناه أيضا بأعيننا، وسلك أيضا مثل هذه الطريق الشاذة البعيدة عن التمحيص العلمي (السهسواني) وأمثاله ممن لا يعبأ بقولهم البتة. هذا مع ملاحظة أن ابن عبد الهادي قال عن حديث (حياتي خير لكم…. الحديث): مرسل صحيح، فحرف ذ لك صاحبا (أوهابية أم كتاب سنة) فقالا: قال ابن عبد الهادي ضعيف لا يحتج به. أه لأنه يخالف مشربهما، ولا شك أن هذا من الغلو في الدين!! فلا حول ولا قوة إلا بالله. قلت: وهذا التحريف اعتاد عليه الحشوية المجسمة في كل عصر كما أثبتت ذلك وقائع التاريخ وعندي على ذلك أمثلة تزيد على الثلاثمائة سأصدرها قريبا في رسالة أسردها فيها سردا، وانظر إلى ما يقوله الإمام الحافظ التاج السبكي في كتابه (قاعدة في الجرح والتعديل ص 48 من الطبعة الخامسة): وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا إلى أن كتب شرح ” صحيح مسلم ” للشيخ محي الدين النووي، وحذف من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات، فإن النووي أشعري العقيدة فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفه. وهذا عندي من كبائر الذنوب، فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات فقبح الله فاعله وأخزاه… الخ انتهى كلام الإمام الحافظ السبكي. (5) قال المحدث يوسف النبهاني في شواهد الحق ص (287): (الصارم المنكي) غير صحيح، لان أنكى الرباعي غير وارد ولا وجود له في كتب اللغة… فلا يقال أنكاه وأنكاه حتى يصبح منكي كما في اللسان والقاموس والمصباح…. (والظاهر أن الله طمس على بصيرته في تسمية الكتاب كما طمس على بصيرته في مسماه ليحصل الخطأ في الاسم والمسمى جميعا. أه‍.
________________________________________
[ 19 ]
(فصل): في أدلة الاستغاثة الصحيحة وآثار السلف أيضا: 1) ثبت في صحيح البخاري في كتاب الزكاة باب رقم (52) أنظر فتح الباري (3/338) الطبعة السلفية ما نصه: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):. (إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق…). أقول: وهذا تصريح بالاستغاثة بغير الله تعالى في أمر لا يملك تفريجه يومئذ إلا الله تعالى وحده، وكلنا يعتقد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عبد من عبيد الله ليس له الملك يومئذ لأن (الملك اليوم لله الواحد القهار)، واستغاثة الناس بعد اتضاح الشرك من الإيمان يومئذ وخصوصا بسيدنا آدم الذي يعترف بأنه لا يستطيع ذلك ثم بمن بعده من أكابر الأدلة وأنصعها وأصحها على أن الاستغاثة بغير الله تعالى ولو لم يكن المستغيث يملك النفع ليس شركا ولا كفرا كما يظن البعض بل هو حق في موقف يشهده الخلق جميعا بين يدي رب العالمين النافع الضار سبحانه، وذكر لفظة الاستغاثة في هذا الحديث نص صريح على حقية ذلك، فليس لأي إنسان أن يقول: هذا حديث الشفاعة ونحن نعرفه، لأن قوله هذا لا ينفي الاستغاثة، بل يثبت هذا عليه أن التوسل والاستغاثة والاستعانة والشفاعة كلها بمعنى واحد وهو توسيط النبي أو غيره بين صاحب الحاجة وبين الله تعالى وهو يعتقد أن الأمر بيد الله. ولذلك قال الحافظ ابن حجر معلقا على نحو هذا الحديث في الفتح (11/441) وفية أن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدنيا من التوسل إلى الله في حوائجهم بأنبيائهم أه‍. قلت: وهؤلاء الناس منهم من أدرك الأنبياء في حياتهم الدنيوية قبل وفاتهم ومنهم من أدركهم بعد الوفاة، والجميع مستغيثون بالأنبياء.
________________________________________
[ 20 ]
2) وروى البخاري في صحيحه في كتاب الاستسقاء باب (6) الفتح (2/501): عن أنس بن مالك: (أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب، فاستقبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا – أي يمطرنا – قال: فرفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس ثم انتشرت، ثم أمطرت….). قلت: هذا الرجل أصيب ماله بالهلاك وجاء مستغيثا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الله في أن يمطرهم، وهو يخطب على المنبر، فلم يقل له صلى الله عليه وآله وسلم: عليك أن تدعو الله أنت لأن الله يقول: (إذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) وكذا لم يقل له (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) لأن هاتين الآيتين لا تنفيان سؤال الغير والاستغاثة بالأنبياء، وذكر الشيء لا ينفي ما عداه كما هو مقرر في الأصول، ومن هذا الباب جاء في الحديث الصحيح: أن الأعمى استغاث برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الله له في رد بصره، فلم يدع به وإنما علمه التوسل والاستغاثة بجاهه (صلى الله عليه وسلم) في الدعاء المسنون المشهور الذي فيه (اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة – وهذا توسل – يا محمد إني أتوجه بك الله في حاجتي لتقضى – وهذه استغاثة صريحة -) وخصوصا أن النبي لم يخص هذا الدعاء بحياته فقط مع أنه حي في قبره كما أخبر وجاءنا في الحديث الصحيح، وعلماء الأمة ذكروا هذا الحديث في أبواب صلاة الحاجة من مصنفاتهم ولم يقل أحد منهم إياكم أن تدعو به فانه شرك،
________________________________________
[ 21 ]
بل حثوا الأمة على الدعاء به تطبيقا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمستغيث منا الآن برسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعرف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حي في قبره يسمع سلام المسلمين عليه ويرد عليهم وتعرض عليه أعمال أمته، فإذا وقف الإنسان منا على قبره صلى الله عليه واله وسلم فقال: يا رسول الله جئتك مستغفرا من ذنبي مستغيثا بك إلى ربي فاعف عني وأدع الله أن يغفر لي ذنوبي وإسرافي في أمري. لم يكن ذلك شركا ولا كفرا باتفاق غير المتعصبين، وخصوصا إن علمت أن الإمام النووي حض على مثل هذه الصيغة كما في المجموع (8/274) ونقله عن علماء الشافعية، وأن ابن حجر العسقلاني يقول كما في ديوانه بخط القلم: نبي الله يا خير البرايا بجاهك أتقي فصل القضاء وأرجو يا كريم العفو عما جنته يداي يا رب الحباء فكعب الجود لا يرضى فداء لنعلك وهو رأس في السخاء وسن بمدحك ابن زهير كعب لمثلي منك جائزة الثناء فقل يا أحمد بن علي اذهب إلى دار النعيم بلا شقاء فإن أحزن فمدحك لي سروري وإن اقنط فحمدك لي رجائي (6) وديوان الحافظ مطبوع قديما في الهند وهناك نسخة منه في مكتبة الجامعة الأردنية فلتنظر وليبحث عن مخطوطه أيضا بخطه للتأكد. فان قال قائل في هذين الدليلين هذه الاستغاثة جائزة في حياته فقط، قلنا: أنت لا تجيز الاستغاثة بغير الله مطلقا، وتصف المستغيث بالشرك في أمر أقل ما يقال فيه: أمر مختلف فيه، وتدعي أن هذا من صلب العقيدة، (6) وعلى أولئك الذين ينتقدون أبيات البردة للإمام البوصيري رحمه الله تعالى أن ينتقدوا بعد اليوم أبيات الحافظ ابن حجر وغيره من الحفاظ الذين يقولون مثل ما يقول البوصيري بل أكثر من ذلك ومنه نعلم سقوط كلام ذلك المسكين الذي علق على كتاب (هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين) وشطحه ص 71 – 74 وعدم تذوقه لعلوم العربية، وأكله الزنجبيل.
________________________________________
[ 22 ]
وليس كذلك، وستأتي إن شاء الله تعالى أدلة واضحة في إثبات الاستغاثة بعد الوفاة، فتأمل وأنصف. 3) روى الطبراني وأبو يعلى في مسنده وابن السني في عمل اليوم والليلة عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا علي، يا عباد الله احبسوا علي، فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم). وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (إذا ضل أحدكم شيئا، أو أراد أحدكم غوثا، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فان لله عبادا لا نراهم). رواها الطبراني في الكبير وقال بعد ذلك: وقد جرب ذلك. ورواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: (إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني). وحديث البزار هذا حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار كما في شرح ابن علان على الأذكار (5/151). وقال الحافظ الهيثمي عنه في المجمع (10/32) رجاله ثقات. وزاد الحافظ الهيثمي مؤكدا على رواية الطبراني مقرا قوله: وقد جرب ذلك. ولو فرضنا جدلا أن هذا الحديث الحسن موضوع فكيف يجوز علماء الأمة وأهل الحديث هذا الأمر ويقولون: وجد جرب ذلك، وسيمر بنا إن شاء الله تعالى ذكر من عمل بذلك وحسنه من الحفاظ. (تنبيه): والعجب العجاب أن الألباني اعترف بحسن حديث البزار هذا في ضعيفته (2/111) فقال: وبعد كتابة ما سبق وقفت على إسناد البزار في زوائده ص 303…. قلت: وهذا إسناد حسن كما قالوا…. الخ. أه‍
________________________________________
[ 23 ]
قلت: ثم قبل ذلك جوز في نفس الصحيفة الاستغاثة بالملائكة وبالجن لهذا الحديث ثم جنح إلى اقتصار ذلك على الملائكة، وهو يعلم أن الأنبياء أحياء في قبورهم…. إلى آخر ما تقدم. وليعلم أيضا: أن ابن تيمية ذكر الحديث في (الكلم الطيب) لأنه يرى ذلك من الكلم الطيب لا من الكلم الخبيث. وقد علق الألباني (7) في صحيح الكلم الطيب على هذا الحديث بأنه: ضعيف كما خرجه في ضعيفته، مع أنه يرى حسن إسناده واختار أن الأصح أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما بغير أدلة علمية مقبولة، وتكهن أن ابن عباس ربما أخذ ذلك من أهل الكتاب، واني أعجب من الألباني! هل يجوز على ابن عباس أن يأخذ الشرك من أهل الكتاب ثم يرويه للأمة ثم يتلقاه علماء الأمة بالقبول ويعملوا به وعلى رأسهم أحمد بن حنبل أحد أئمة السنة من السلف المشهورين؟! انظر صحيح الكلم الطيب ص (98) حديث (177) وتأمل في كلام ابن تيمية وتعليق الألباني عليه، ثم تأمل في صحيفة (111) من المجلد الثاني من ضعيفة الألباني لتدرك التناقض في أعرض صوره. 4) الدليل الرابع للاستغاثة: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (8/578 – 579): أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسن عن الحارث بن حسان البكري قال: (خرجت أنا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحديث – وفيه – فقلت: أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، قال: وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث ولكنه يستطعمه…..) أه‍ من فتح الباري. قلت: وهذه استغاثة صريحة. 5) الدليل الخامس للاستغاثة: من استغاثات الصحابة به وإقرارهم لمن (7) واعلم بأنني لا أذكر كلام ابن تيمية والألباني لأنني أعتمد على كلاهما، ولكن ليكون حجة على من يقلدهما لأن في أقوال علماء أهل السنة ما يغني.
________________________________________
[ 24 ]
فعل ذلك بعد موته (صلى الله عليه وسلم): قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/495): روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار – وكان خازن عمر – قال: (أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال؟ يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا….).، قلت: ومالك الدار ثقة بالإجماع عدله ووثقه سيدنا عمر وسيدنا عثمان فولياه بيت المال والقسم ولا يوليان إلا ثقة ضابطا عدلا كما نص الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته، ونقل ذلك عن إمام المحدثين علي بن المديني، وكذا وثقه جميع الصحابة الذين كانوا في زمن عمر وعثمان رضي الله عن الجميع، بل نص الحافظ أن لمالك إدراك، فهو صحابي صغير وهذا يجعله ثقة اتفاقا، ثم روى عنه أربعة من الثقات، ونص على أنه معروف البخاري في تاريخه وساق هذه القصة، وابن سعد في طبقاته (5/12) وقد فصلت ذلك تفصيلا في (الباهر) وبينت أن تضعيف المعاصرين لمالك وقوله: (غير معروف العدالة) خطأ بل جهل وتدليس بالغ. فهذا الحديث يثبت بلا شك ولا ريب إجماع من حضر من الصحابة في زمن سيدنا عمر مع سيدنا عمر رضي الله عنهم على جواز الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موته، ونحن مقتدون بالصحابة في ذلك. 6) الدليل السادس للاستغاثة: حديث الدارمي في سننه أو مسنده (1/43) حيث قال: حدثنا أبو النعمان (8)، ثنا سعيد بن زيد (9)، ثنا عمرو بن مالك (8) أبو النعمان هو: عارم: واسمه محمد بن الفضل السدوسي: من رجال البخاري ومسلم والأربعة أيضا. وهو ثقة ثبت. تغير في آخر عمره. وما ظهر له بعد تغيره حديث منكر كما نص على ذلك أكابر الحفاظ كالدارقطني وأقره الحافظ الذهبي في الميزان (4/8). فمن حاول أن يطعن فيه بالاختلاط فقد حاول الطعن في البخاري ومسلم، وسجل على نفسه بأنه لا يعرف في هذا العلم كثيرا ولا قليلا، وليس لكلامه قيمة أصلا. (9) سعيد بن زيد: هو من رجال مسلم في الصحيح. وثقه يحمص بن معين إمام الجرح والتعديل، وقال الإمام البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا سعيد بن زيد أبو
________________________________________
[ 25 ]
النكري (1)، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله (11) قال: (قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة فقالت: أنظروا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يبقى بينه وبين السماء سقف. قال: ففعلوا فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق). قلت: وهذا صريح أيضا بإسناد صحيح بأن السيدة عائشة رضي الله عنها استغاثت بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موته وكذا جميع الصحابة الذين كانوا هناك وافقوها وفعلوا ما أرشدتهم إليه. وكأنها أيضا تقول إذا جعلتم كوا إلى السماء فأنتم تسألون النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو الله تعالى أن يمطرنا من السماء، كما كان النبي أحيانا يخرج بهم عند الاستسقاء إلى الصحراء وأحيانا على منبره (صلى الله عليه وسلم). 7) الدليل السابع للاستغاثة: فعل علماء الأمة من السلف الصالح ومن بعدهم من المحدثين دون نكير أحد من المعتبرين حتى جاء ابن عبد الوهاب فسقى غير اتباعه مشركين (انظر كشف الشبهات له ترى العجب العجاب). وإنما اعتبرت فعل السلف وأئمة الحديث من الخلف لذلك دليلا لما الحسن الصدوق الحافظ. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة. وقد طعن فيه بعض الناس ولم يضره ذلك. انظر تهذيب التهذيب: (4/29) وكثير من الثقات وخصوصا من رجال الصحيحين تكلم بعض الناس فيهم فلم يضرهم شيئا. (10) قال الإمام الذهبي في الكاشف الذي يعطي فيه خلاصة ما قيل في الرجل (2/342 ترجمة رقم 4287/1773): عمر بن مالك النكري: وثق. أه‍ وقال الإمام الحافظ الذهبي في الميزان (3/286) عنه: ثقة. أه‍ وقد صحح الحفاظ حديثه. فتشدق بعضهم في الطعن في سند حديث لا يوافق مشربهم لنيل دراهم معدودة بالنكري ما هو إلا أمر منكر لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله، فخوف بعضهم من أن يشاع عنه أنه يجوز التوسل ما هو إلا من أكبر البراهين على خوف تضييع الدراهم التي باع بها دينه، واشترى بها الدنيا بالآخرة فاللهم هداك! (11) هو من رجال البخاري ومسلم، وهو ثقة كما في الكاشف والتقريب. فالسند متصل ورجاله رجال الصحيح إلا عمرو بن مالك وهو ثقة، والحمد له تعالى.
________________________________________
[ 26 ]
أوردته من الأدلة في رسالة (احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الإجماع فهو كاذب) ومن تلك الأدلة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث الصحيح: (عليكم باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ثم جاء عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال كما في النسائي (8/235): فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فليقض بما قضى به الصالحون. أه‍ كما في ص 27 من (احتجاج الخائب). وعلى كل حال فاعلم: أ) أن ابن عباس روى حديث الاستغاثة الذي عند البزار مرفوعا، وهو بإسناد حسن وقد اعترف الألباني بحسنه ثم رجح وقفه على ابن عباس كما في ضعيفته (2/112) فعلى هذا يكون ابن عباس ممن أجاز الاستغاثة وروى حديثها لمن بعده ولم يعتبرها شركا علما بأننا لا نقيم وزنا لما يقوله الألباني أصلا ورأسا، وإنما نجلب مثل هذا له ولأتباعه من باب الإلزام. ب) وكذلك ورد في أثر السيدة عائشة الذي ذكرنا أن الدارمي رواه مع من وافقها من المسلمين ساعتئذ، ومن رد هذا بحجج منطقية سمجة فليبقها لنفسه فإنها لا وزن لها عندنا، لأنه يريد دفع النصوص الصحيحة التي لا تنفيها الآيات المباركات التي يحاول أن يبطل بها تلك الأحاديث باتفاق العقلاء. ج‍) استغاثة الإمام أحمد: روى البيهقي في الشعب وابن عساكر من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد، وكذا عبد الله بن الإمام أحمد في المسائل (217) بإسناد صحيح اعترف بصحته الألباني (ضعيفه 2/111): سمعت أبي يقول: حججت خمس حجج منها ثنتين راكبا وثلاثة ماشيا، أو ثنتين ماشيا وثلاثة راكبا، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشيا فجعلت أقول: (يا عباد الله دلونا على الطريق) فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق…. أه‍ وذكر هذه القصة أيضا ابن مفلح الحنبلي تلميذ ابن تيمية في كتاب (الآداب الشرعية).
________________________________________
[ 27 ]
د، ه‍) ذكر ابن مفلح لذلك يدل على أن ذلك جائز عنده ليس بشرك كما يدعي الغلاة اليوم، فذكر القصة في كتابه المذكور يبين أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا عنده إلا أن اعتقد المستغيث أن المستغاث به له قوة النفع والضر بنفسه دون الله وأنه متصرف في الكون دون الله، وانظر كيف ذكر ذلك ابن تيمية في الكلم الطيب ولم يعتبره من الكلم الخبيث صحيفة (98) حديث (177) وكيف علق على ذلك الألباني فذكر أن الحديث ضعيف ولم يقل انه حسن موقوف على ابن عباس، وما أدري ماذا يسمى هذا؟! و) الإمام الحافظ الطبراني: ذكر الطبراني في معجمه الكبير أن حديث: (إذا ضل أحدكم شيئا أو أراد أحدكم غوثا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني….) وأن هذا مجرب، وهذا منه تقوية للحديث وإن كان سنده ضعيفا، ولم ينبه الإمام الحافظ الطبراني السلفي (توفي 360) أن هذا شركا يجب اجتنابه بل حض عليه. نهم الإمام الحافظ النووي رحمه الله تعالى: ذكر الإمام النووي في الأذكار في كتاب أذكار المسافر: باب ما يقول إذا انفلتت دابته: (ص 331 من طبعة دار الفكر دمشق بتحقيق أحمد راتب حموش) ما نصه: روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا يا عباد الله احبسوا فان لله عز وجل حاضرا سيحبسه). قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه انفلتت له دابة أظنها بغلة وكان يعرف هذا الحديث، فقاله، فحبسها الله عليهم في الحال. وكنت أنا مرة مع جماعة فانفلتت منها بهيمة وعجزوا عنها فقلته: فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. انتهى كلام الإمام الحافظ النووي من الأذكار.
________________________________________
[ 28 ]
ولا أدري أيصفوه بالشرك بعد ذلك؟.. وقال الإمام النووي أيضا في المجموع (8/274) مبينا ما يستحب أن يقوله من يزور النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا وقف أمام القبر الشريف مخاطبا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما نصه: ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا – يعني سائر الشافعية – عن العتبي (12) مستحسنين له قال: (كنت جالسا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي…..) أه‍ كلام النووي. فانظر رحمك الله تعالى وهداك كيف أستحسن العلماء هذه الصيغة في نداء النبي (صلى الله عليه وسلم)، وطلب العفو وأن يستغفر الله له، ونحن لا نفعل إلا ذلك ولا نستحب إلا هذا، ولا نريد على ما ورد في الأحاديث المتقدمة أو ما جاء عن العلماء الكبار في العلم ولا نعتقد في المخلوقين أنهم يرزقون بذاتهم أو يحيون ويميتون، فالله تعالى بين لنا في كتابه أن إسناد الفعل لغيره على طريق المجاز ليس شركا ولكن ما نصنع بمن لا يدرك المجاز وينكره أشد الإنكار، قال تعالى في شأن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام: (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وتدخرون في بيوتكم) آل عمران جزء من آية 49. فلو قال شخص أن سيدنا عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ويبرئ (12) والقصة ثابتة تناقلها العلماء وعلى فرض أنها مكذوبة فالعبرة باستحسان النووي وسائر الشافعية لهذه الصيغة المذكورة في قصة العتبي، فهل يستحسنون الشرك؟! ولا يميزون بين الشرك والإيمان ويقتصر على معرفته المرتزقة من المتمسلفين!
________________________________________
[ 29 ]
الأكمه والأبرص، لم يكن كافرا، مع أن الله تعالى هو محيي الموتى حقيقة وهو الذي يبرئ الأكمه والأبرص، وكلنا يعتقد أن التأثير لله لا لسيدنا عيسى، وكذلك إذا استغاث رجل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) راجيا أن يدعو الله له في تفريج مصيبته أو كربه معتقدا أنه حي في قبره يبلغه سلام أمته أينما كانوا وتعرض عليه أعمالهم، لم يكن ذلك شركا عند من تجرد من العصبية واتقى الله تعالى، بل سيتحقق أن ذلك سنة وردت به الأحاديث الصحيحة ونص عليه علماء الأمة الثقات من السلف والمحدثين. فليتق الله من يأكل الدراهم متظاهرا بالدعوة إلى التوحيد والتشديد والتقييد، ممن يركض وراء دعاة التوحيد الذين يقولون بقدم العالم بالنوع وبتجويز استقرار معبودهم على ظهر بعوضة، هداهم الله. ح) وكذا شيخ الإمام النووي الذي حكى عنه النووي القصة في الأذكار وهو الإمام محمد بن أبي اليسر. انظر شرح الأذكار لابن علان (5/151). ط) وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث ذكر حديث ابن أبي شيبة في الفتح (2/495) ولم ينته أن ذلك شرك كما نبه عليه المعلق على الفتح هداه، وكذلك عند تحسين حديث البزار الذي في الاستغاثة، وللحافظ أيضا أبيات في قصائده هي صريح الاستغاثة واني أعرض بعض تلك الأبيات وهي ثابتة عنه ثبوت الشمس في رابعة النهار، ولمثله من الحفاظ أيضا أبيات كثيرة كابن دقيق العيد وابن سيد الناس وغيرهم، فليحارب بعد اليوم المأجورون الحافظ ابن حجر الذي يقول أبياتا أبلغ من أبيات الإمام البوصيري رحمهما الله تعالى. ومهما حاول هؤلاء أن ينفوا ذلك عن الحافظ أو يتهربوا منها أو من الجواب عليها فلن يستطيعوا، وهذه بعض الأبيات: قال الإمام ابن حجر: نبي الله يا خير البرايا بجاهك أتقي فصل القضاء وأرجو يا كريم العفو عما جنته يداي يا رب الحباء فقل يا أحمد بن على اذهب إلى دار النعيم بلا شقاء أنظر ديوان الحافظ ابن حجر (المطبوع بالهند المكتبة العربية/حيدر أباد الدكن سنة 381 أه‍ وهي طبعة مصححة) توجد نسخة من الكتاب بمكتبة
________________________________________
[ 30 ]
الجامعة الأردنية، وقد نقل الأبيات أيضا العلامة يوسف النبهاني من خط الحافظ ابن حجر كما ذكر ذلك في مجموعة القصائد النبهانية (1/166) فانظر ذلك. وهناك أبيات أخرى لا أود إطالة هذه الرسالة بها فليراجعها من شاء. فقد نقلت في هذه العجالة الاستغاثة عن ابن عباس ومالك الدار والسيدة عائشة وبلال بن الحارث المزني صاحب حديث مالك الدار عند ابن أبي شيبة، وكذا يدخل بذلك جميع من حضر من الصحابة والتابعين، وكذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى والطبراني والنووي الذي نقل استحباب ذلك عن الشافعية والحافظ ابن حجر، وأظن أن في ذلك إقناعا لكل لبيب أن يتقي الله تعالى ويعلم أن هذا الأمر جائز شرعا. حجة من يحرم الاستغاثة من السنة: استدل من حرم الاستغاثة بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من هذا المنافق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله تعالى) وهذا حديث ضعيف ذكره محدث. العصر السيد عبد الله الغماري في (الرد المحكم المتين) وقد روى هذا الحديث الطبراني وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، ذكره الهيثمي في المجمع (8/40) قال رواه أحمد وفيه راو لم يسم وابن لهيعة، وذكر في المجمع (10/159) أن ابن لهيعة حسن الحديث، وليس كذلك فقد ضعفه هو وغيره مرارا، مع أن الحديث يخالف الأحاديث الصحيحة وخصوصا حديث الصحيحين الصريح في الاستغاثة، ولو صح هذا الحديث كان حجة على أن الاستغاثة ليست كفرا وإنما تركها هو الأدب والأفضل لأن أبا بكر أعرف الناس وأفقه الناس بالقرآن بعد النبي من أمته فيما يوجب الكفر من غيره، وأيضا لم يأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتشهد ويدخل من جديد في الإسلام.
________________________________________
[ 31 ]
هذه هي حجة مانعي الاستغاثة الذين يكفرون عباد الله جزافا لغير موجب للتكفير، وهي مهلهلة كما رأيت، وذلك مبلغهم من العلم ويرددون آيات لا يدركون معناها سنجيب عنها الآن إن شاء الله تعالى سريعا، مع أننا على استعداد تام لأن نتوسع في شرحها ونبرهن عليه وننقل أقوال العلماء متى احتاج الأمر لذلك. من تلك الآيات التي يحتجون بها: (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي) ومن المعلوم بداهة: أن أشخاصا كثر قد سألوا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الدعاء وغيره ودعا لهم وأعطاهم، ولم يتنافى هذا مع الآية، لأن الآية الكريمة تقرر أنه ليس شرطا في الدعاء اتخاذ الوسائط والوسائل وأيضا ليس فيها ما يمنع ذلك، فهي تقرر أن الإنسان له أن يدعو الله تعالى متى شاء دون واسطة سواء كان في حياة النبي أو بعد وفاته. ومن تلك الآيات التي يوردونها ويضعونها في غير محلها أيضا: قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا). ومعنى ذلك: أي لا تعبدوا غير الله تعالى ولا تعبدوا معه هذه الأوثان التي قال الله عنها: (واتخذوا من دونه آلهة) مع أنه قال أيضا: (أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) فهم لم يكن أحد منهم موحدا لا الرب ولا الإله لأن الرب هو الإله والإله هو الرب، وقد فصلت هذا في رسالة التنديد بمن عدد التوحيد. ومنها قوله تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير). فاطر 13. ومعنى الآية مختصرا: والذين تعبدون من دون الله بسجودكم لهم واعتقادكم فيهم الألوهية كمن يعبد منكم الأصنام أو المسيح أو الكواكب أو يعبد أشخاصا من العظماء في الدنيا من دون الله العظيم حقيقة لا يملكون من قطمير لكم أي لفافة نواة تمر، كأولئك الفرس مثلا الذين كانوا يعبدون كسرى والذين سألهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سبب حلقهم
________________________________________
[ 32 ]
للحاهم فقالوا: أمرنا بذلك ربنا يعنون كسرى، ولأن هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله إذا ادعوا الربوبية أو لم يدعوها لا يستطيعون تخليص عبدتهم من النار والعذاب، وسيتبرئون يوم القيامة ممن عبدهم، وهذا لأن النصارى مثلا اعتقدوا الربوبية والألوهية في المسيح وكذا اليهود في عزير وكذا عبدة الأصنام في أصنامهم، وأما قولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فهو كذب منهم بنص القرآن، لأنهم لا يقولون ذلك إلا عند محاجة النبي لهم وإفحامه إياهم فيضطرون لقول مثل هذا، ولذلك قال الله عقب هذه الآية: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) والذي يؤكد ذلك أنهم يأبون أن يسجدوا لله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) وكذلك لا يقرون بالبعث (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحيها الذي أنشاها أول مرة وهو بكل خلق عليم) والمستغيث بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس كذلك من جميع الوجوه فهو يسجد للرحمن ويدعوه ولا ينكر البعث ولم يعبد غير الله تعالى، وحصر الدعاء بالعبادة غلط ثم غلط ثم جهل مركب، لأن واحدا من معانيه العبادة وله معان أخرى، فتعميم حديث (الدعاء هو العبادة) على كل دعاء من الجهل البالغ إلى الذروة وهو ينبئ أن القائل بذلك ليس له دراسة في علوم اللغة والتفسير وفهم كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم حق الفهم (13)، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم دعا أشخاص أحياء وكذلك دعا الأموات فقال لهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين – للأموات من أهل القبور -، والمستغيث لم يأب السجود للرحمن ولم ينكر (13) وإنما بنى كلامه على التدليس ومن قرأ مثل كتاب التوصل إلى حقيقة التوسل ظهر له ذلك جليا، فان تجريحه للرجال في النصوص التي تخالف هواه بذكر الجرح وإغفال التعديل تحكم بالهوى وتقليد للسهسواني المدلس القاصر في هذا العلم، ومن تدبر ذلك سيقتنع بما أقول ولن يخالفني في حرف مما أقوله، فتبا ثم تبا لمن قدم الباطل لأجل المال على الحق الأبلج، وتبا لمن نقل عن مثل هذه الكتب المزورة وهو لا يعي ما ينقله، وعند الله تجتمع الخصوم.
________________________________________
[ 33 ]
البعث فقياس أولئك على هؤلاء غلط محض. وأعود فأكرر بأن مسألة الاستغاثة لا علاقة لها بالعقيدة البتة. إلا في نظر البسطاء الذين لم يمعنوا النظر في الكتاب والسنة. فجميع الآيات التي فيها اعتراف من الكفار بالله كقولهم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) و (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) ليس فيها أنهم كانوا يقرون بتوحيد لأن الله تعالى أخبر فقال بعد إحدى تلك الآيات كما في الزمر 3 (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار). وكذلك حديث (إذا سالت فاسأل الله) الذي رواه الترمذي والذي عليه كلام لبعض الحفاظ وهو حديث حسن على كل حال. قال النووي في شرحه عليه في الأربعين صحيفة 51: قوله (إذا سألت فاسأل الله): إشارة إلى أن العبد لا ينبغي له أن يعلق سره بغير الله تعالى بل يتوش عليه في سائر أموره، ثم إن كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أبدي خلقه كطلب الهداية والعلم والفهم في القرآن والسمنة وشفاء المرض وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة سأل ربه ذلك وان كانت الحاجة التي يسألها جرت العادة أن الله سبحانه وتعالى يجريها على أيدي خلقه كالحاجات المتعلقة بأصحاب الحرف والصنائع وولاة الأمور سأل الله تعالى أن يعطف عليه قلوبهم فيقول: اللهم حنن علينا قلوب عبادك وإمائك، وما أشبه ذلك ولا يدعو الله تعالى باستغنائه عن الخلق لأنه صلى الله عليه وآله وسلم سمع عليا يقول: اللهم اغننا عن خلقك فقال لا تقل هكذا فإن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض، ولكن قل: اللهم اغننا عن شرار خلقك. وأما سؤال الخلق والاعتماد عليهم فمذموم. انتهى كلام النووي ص 51 (شرح الأربعين طبعة الشمرلي القاهرة الطبعة السادسة). فتبين من ذلك: أن سؤال غير الله تعالى ليس شركا ولا منهيا عنه إلا أن اعتقدنا أن للمسؤول صفة الألوهية، والمسلم مراقب لله تعالى في جميع
________________________________________
[ 34 ]
أحواله، ولا يمتنع عليه أن يسأل غير الله تعالى، والحديث يدل على مراقبة الله تعالى واعتقاد أنه سبحانه هو المؤثر في كل حال وفي كل شئ حقيقة لقوله سبحانه: (والله خلقكم وما تعملون) ولقوله (الله خالق كل شئ) ولذلك أورد النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب المراقبة من رياض الصالحين. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم سال غير الله تعالى أشياء كثيرة، فقد سأل سيدنا عمر رضي الله عنه أن يدعو له عندما استأذنه في الذهاب للعمرة كما رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح. وأقر الصحابة أن يسألوا غير الله تعالى أشياء، ففي سنن أبي داود في كتاب الزكاة: باب عطية من سأل بالله: أي سأل الناس قائلا: بالله عليكم أعطوني، فروى أبو داود والنسائي مرفوعا: (من سألكم بوجه الله تعالى فأعطوه) ولم يقل كفروه، لحديث: (وإذا سألت فاسأل الله)!!. ولا أريد الإطالة بعد هذا البيان بنقل مئات النصوص من مثل هذه الشواهد التي تنسف استدلالات من لم يعرف الاستدلال، ومنه يتبين أن منطق هؤلاء الذين يحرمون الاستغاثة منطق سخيف سطحي جدا، ينبئ عن قلة معرفتهم وضعفهم في علوم الشريعة المختلفة، حيث ضعف فهمهم عن دقائق المسائل الشرعية، أو أن المال المميل فعل بهم ما فعل فجعلهم…. وقد تجتمع هذه الأسباب أيضا، فنسأل الله تعالى الهداية دوما للصواب. (خاتمة): لم نر من حزم الاستغاثة من السلف الصالح رضي الله عنهم وإنما ظهر هذا في القرن الثامن فما بعد، وقد نقلنا في هذه العجالة نصوصا عن بعض السلف في تجويز الاستغاثة وفي الحض عليها، ونقل الإمام الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء نصوصا في ذلك أيضا عن السلف فمثلا: في سير الأعلام (9/343): قال إبراهيم الحربي – وهو من هو -: قبر معروف الترياق المجرب. يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء. أه‍ كلام الذهبي.
________________________________________
[ 35 ]
وفي السير أيضا (10/107) في ترجمة السيدة نفيسة: والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين… الخ أه‍. ونحن ننصح المتمسلفة أن يذهبوا إلى قبر سيدنا أبي عبيدة ويدعوا الله تعالى، متوسلين أو مستغيثين به رضي الله عنه ليدلهم الله على الحق ويلهمهم الصواب وليخلصهم من الميل إلى الدراهم التي يقلبون بها الحق باطلا والباطل حقا. (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)، اللهم أسالك حسن الختام. قال مؤلفها حسن بن علي السقاف فرغت منها 2/ذي القعدة/1409 أه‍ والحمد لله. (تنبيه وإلحاق): طعن الألباني بحديث: (ما من أحد يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام). فضعفه في تعليقه على كتاب الآيات البينات ص (70) الطبعة الرابعة (1405 ه‍) وذكر أنه بين ذلك في ضعيفته (4493) والحقيقة أنه حرف في النقل على عادته فضعف الحديث بحجج أوهى من بيت العنكبوت وقلد نعمان ابن الألوسي في تضعيفه علما بأن نعمان الألوسي لا يرجع إليه في هذا الفن فأقره على نقل غير صحيح عن ابن رجب فأتم ما أراده ولنبين ذلك فنقول: قال ابن رجب الحافظ في كتابه أهوال القبور ص (82) دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 1405 حديث رقم (278) ما نصه:
________________________________________
[ 36 ]
وروى الربيع بن سليمان المؤذن قال حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا يسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) خرجه ابن عبد البر وقال الحافظ عبد الحق الاشبيلي: إسناده صحيح يشير إلى أن رواته كلهم ثقات، وهو كذلك، إلا أنه غريب بل منكر. أه‍ كلام ابن رجب من الأهوال. تعليقاتنا على كلام ابن رجب هذا وما نستفيده منه: 1) قوله (وروى الربيع بن سليمان) يشير إلى أنه ثبت عن الربيع من طرق وهو كذلك، فقد رواه عنه الخطيب في تاريخه (6/37) بإسنادين رجالهما ثقات، وكذا ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/91 1) طبعة خليل الميس حديث 1523، وكذا رواه الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار (1/234) كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فالحديث ثابت عن الربيع بلا ريب. 2) رجاله الذين ذكرهم ابن رجب رجال الصحيح إلا الربيع بن سليمان وهو ثقة متفق عليه انظر تهذيب التهذيب (3/213). 3) الحديث صحح إسناده ومتنه جماعة من الحفاظ منهم: الإمام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار، وذكر ذلك ابن القيم في كتاب الروح لكن محقق كتاب الروح الواقع في أسر تقليد الألباني رد على ابن القيم، كما في طبعة دار الفكر صحيفة (11) حيث قال: معلقا على الحديث: قال الحافظ ابن رجب ضعيف بل منكر ووافقه شيخنا الألباني كما في الآيات البينات ص 28 أه‍. ونجيبه فنقول: إن ابن رجب لم يقل في الأهوال (ضعيف بل منكر، بل قال: صحيح الإسناد إلا أنه غريب بل منكر. أه‍ ومراد ابن رجب الحنبلي بالغريب وبالمنكر أنه ليس له إلا إسناد واحد
________________________________________
[ 37 ]
لكنه لم يصب في ذلك بل له أكثر من إسناد. قال المحدث اللكنوي في الرفع والتكميل (ص 200 من الطبعة الثالثة بتحقيق الأستاذ المحدث عبد الفتاح أبو غدة) ما نصه: ولا تظنن من قولهم: هذا حديث منكر أن راويه غير ثقة، فكثيرا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد. أه‍ وقال الحافظ السيوطي في رسالته (بلوغ المأمول في خدمة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهي في كتابه (الحاوي للفتاوي) (2/13): (وصف – الحافظ – الذهبي في الميزان عدة أحاديث في (مسند أحمد) و (سنن أبي داود) وغيرهما من الكتب المعتمدة، بأنها منكرة، بل وفي (الصحيحين) أيضا، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفاظ، وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية، ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث، فضلا عن بطلانه). أه‍ وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري ص (437 السلفية دار المعرفة): عند ذكر (محمد بن إبراهيم التيمي) وتوثيقه مع قول أحمد فيه: يروي أحاديث مناكير. قلت: المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له فيحمل هذا على ذلك، وقد احتج به الجماعة أه‍ وقال أيضا عند ذكر ترجمة (بريد بن عبد الله) ص (392): أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة. أه‍ أما محقق كتاب الروح طبع دار الفكر فليس ثم هناك. فالحديث صححه الحافظ ابن رجب، وكذلك صححه أيضا الحافظ (المتخصص في علل الحديث) عبد الحق الإشبيلي في كتابه (العاقبة)، كما نقله ابن رجب في الأهوال والزبيدي في الإتحاف (10/365). وكذلك صححه الإمام الحافظ السيوطي في الحاوي للفتاوي (2/302) بإقراره لعبد الحق. وكذلك صححه الحافظ العراقي كما في الإحياء (4/491) وشرح الإحياء للزبيدي (10/365) وكذلك الزبيدي.
________________________________________
[ 38 ]
وأفاد الحافظ العراقي في تخريج الإحياء أن ابن عبد البر روى الحديث في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح، وقال المتقي: سنده جيد أه‍ 4) ابن رجب نقل في الأهوال تصحيح الحافظ عبد الحق وأقره عليه، بقوله: وهو كذلك، والظاهر أنه لم يطلع إلا على هذه الطريق فحكم عليه بأنه غريب وليس كذلك، وعلى كل حال لا تضر الغرابة، فحديث (إنما الأعمال بالنيات) غريب وهو في الصحيحين. 5) وعلى فرض أن ابن رجب عنى بقوله (منكر) كما تخيله الألباني وأراد أن يثبته فلسنا ملزمين به قطعا، وإنني أتسأل متعجبا ما هو سر تعويل الألباني على كلام ابن رجب دون باقي الحفاظ؟! وإنني أخشى أن السبب فقط هو مخالفة الحديث لمشرب الألباني! علما بأنه لا يعول على كلام الحفاظ أصلا وإنما يسعى للاستقلال برأيه ويدعي كما في مقدمته الجديدة لآداب زفافه ص (30) أنه لا يقلد أحدا يعني من الحفاظ وأهل الحديث فلينظر. 6) ويقال له أيضا لم حرفت كلام ابن رجب: (إسناده صحيح… وهو كذلك إلا أنه غريب بل منكر) إلى (ضعيف بل منكر) ووافقت الألوسي على تحريفه أيضا فأين الأمانة العلمية؟! وأين الإنصاف؟! ولا ندري هل سيزيد المذكور في ضعيفته استدراكا جديدا يرد ما زيفناه وأبطلناه، أم سيرجع إلى ما قاله الحفاظ فيصحح الحديث؟! سرد أسانيد الحديث التي وقفنا عليها: 1) روينا بإسنادنا المتصل إلى تاريخ الخطيب البغدادي الحافظ (6/137) في ترجمة إبراهيم بن عمران الكرماني، قال الخطيب: أخبرنا أبو الخطاب عبد الصمد بن محمد وعلي بن المحسن التنوخي، قالا: أنبانا عمر بن محمد الناقد حدثنا إبراهيم الكرماني قال حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن (ح) وأخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن السراج بنيسابور قال: حدثنا أبو العباس الأصم ثنا الربيع ثنا بشر بن بكير ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
________________________________________
[ 39 ]
وفي حديث الكرماني عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما من عبد يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام). 2) وروينا بأسانيد متصلات إلى ابن الجوزي في العلل المتناهية قال: أخبرنا أبو منصور القزاز اخبرنا الخطيب البغدادي به، كما تقدم عن الخطيب في التاريخ. انظر العلل المتناهية بتقديم الميس (2/911) حديث (1523). 3) روينا بالسند المتصل إلى الحافظ ابن عبد البر في استذكاره (1/234): قال: حدثنا أبو عبد الله عبيد بن محمد رحمه الله تعالى قراءة مني عليه قال: أملت علينا فاطمة بنت ريان المخزومي المسلمي في دارها بمصر في شوال سنة اثنتين وأربعون وثلاثمائة قالت: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن….) الحديث. وهذا إسناد نظيف صحيح كما ترى وتصحيح ابن عبد الحق الحافظ للحديث في أحكامه (ص 272/1/ق) توثيق صريح لشيخ ابن عبد البر عبيد بن محمد الذي قال عنه صاحب جذوة المقتبس فيه (ص 227) كان رجلا صالحا يضرب به المثل في الزهد أه‍ ونص في توثيق فاطمة بنت الريان المصرية التي لا يسأل عن حال مثلها. وأما قول المعلق على العلل المتناهية على هذا الحديث: أن عبيد بن عمير مجهول والظاهر أنه مولى ابن عباس كما في التقريب والميزان أه‍ فجهل وخطأ منه، بل عبيد بن عمير هذا من رجال الستة ثقة كما في تهذيب التهذيب فتأمل وراجع أن شئت. وهذا السند الصحيح يشد سند عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيجعله حسنا بلا شك وبدل أن يبين الألباني هذه المتابعة، ويورد شواهد له من الأحاديث الصحيحة – أعني سند عبد الرحمن بن زيد – الضعيف، زاد في نغمة
________________________________________
[ 40 ]
طنبوره في تعليقه على الآيات البينات (ص 70) فأورد حديثا رواه عبد الرزاق بسند تالف ليوهم أنه ليس للحديث شاهد أو متابع سواه، وهذا بلا ريب ولا شك من التلاعب المعروف فليستيقظ المخدوعون وليتنبه الغافلون. وعبد الرحمن بن زيد الذي في أحد أسانيد الحديث ضعيف، له أحاديث حسان إذا تابعه ثقة لا شك أن حديثه يكون صحيحا. وقد قال عنه ابن عدي في الكامل: له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه أه‍. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. كتبت هذا الإلحاق لرسالتي الإغاثة بأدلة الاستغاثة وفرغت من تبييضه ليلة الجمعة 23/محرم/1410 ه‍ والحمد لله.
________________________________________
[ 41 ]
صدر للمؤلف الشيخ حسن بن علي السقاف شك من التلاعب المعروف فليستيقظ المخدوعون وليتنبه الغافلون. وعبد الرحمن بن زيد الذي في أحد أسانيد الحديث ضعيف، له أحاديث حسان إذا تابعه ثقة لا شك أن حديثه يكون صحيحا. وقد قال عنه ابن عدي في الكامل: له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه أه‍. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. كتبت هذا الإلحاق لرسالتي الإغاثة بأدلة الاستغاثة وفرغت من تبييضه ليلة الجمعة 23/محرم/1410 ه‍ والحمد لله.
________________________________________
[ 41 ]
صدر للمؤلف الشيخ حسن بن علي السقاف القرشي الهاشمي الحسيني الشافعي – الإغاثة بأدلة الاستغاثة. – إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر. – إعلام الخائض بتحريم القرآن على الجنب والحائض. – احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الإجماع فهو كاذب. – القول المبتوت في صحة حديث صلاة الصبح بالقنوت. * * * – فتح المعين بنقد كتاب الأربعين ويليه بيني وبين الشيخ بكر. للإمام المحدث عبد الله بن الصديق الغماري. تقديم وتعليق وتحقيق الشيخ حسن بن علي السقاف. مكتبة الإمام النووي/عمان – الأردن
________________________________________

الكتاب : إظهار الحق بوجوب الدفاع عن سيد الخلق تأليف : أبي الفضل أحمد بن منصور بن إسماعيل قرطام الفلسطيني المالكي الأشعري

الكتاب : إظهار الحق بوجوب الدفاع عن سيد الخلق
تأليف : أبي الفضل أحمد بن منصور بن إسماعيل قرطام الفلسطيني المالكي الأشعري
إظهار الحق
بوجوب الدفاع عن
سيد الخلق
بقلم
خادم العلم الشريف أبي الفضل
أحمد بن منصور بن اسماعيل قرطام
الفلسطيني المالكي الأشعري
كان الله له ولوالديه ولعامة المسلمين
بمنه وكرمه
آمين
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفانا للإسلام وجعلنا من أتباع خير الأنام، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، القائل فيما رواه عن ربه في الحديث القدسي:”من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب” أخرجه البخاري في كتاب الرقائق باب (38).
والقائل كذلك:” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب (8).
ومن أَجَلِّ وأَوْكَد مظاهر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفاع عنه وعدم إذايته في أبويه وآله وصحبه؛ لأنَّ في إذايتهم إذاية له صلى الله عليه وسلم، وفي إذايته إذاية لله تعالى.
ومما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمس من شرف نبوته وشرف نسبه القول بدخول أبويه الشريفين جهنم والعياذ بالله قال تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللهَ ,رَسُولَهُ لَعنَهُمُ اللهُ فِى الدُّنيَا ,الأَخِرَةِ ,أَعَدَّ لَهُم عَذَاباً مُّهِيناً ” سورة الأحزاب آية (57) ,لسائل أن يسأل ما الفائدة من طرح هذه المسالة أو التكلم فيها أصلا لما فيها من خطر إفساد عقيدة العوام وإثارة الاختلاف في صفوف المسلمين ؟ في حين أنها مسألة لم يكلفنا الله بها ولم يتعبدنا بها فلا يضرنا جهلها ولا ينفعنا علمها لأنه لو مات أي إنسان وهو لا يعلم هذه المسألة لا ضير عليه قطعا باتفاق من يعتد به من أكابر علماء أهل السنة والجماعة كالإمام أبي حنيفة ونصه في ذلك صريح في كتابه الفقه الأكبر والإمام مالك والشافعي وأحمد رضى الله عنهم أجمعين. أما من خالفهم من الخارجين عن الصف القائلين بعذاب أبوى النبي صلى الله عليه وسلم فيروجون فتنتهم لمرض في قلوبهم قال تعالى:” فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلَهُ ” سورة آل عمران آية (7) وعمدتهم في ذلك حديثين من الآحاد وهما:
حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي”
ما رواه مسلم أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي قال: في النار فلما قضى دعاه فقال:” إن أبي وأباك في النار ”
________________________________________
والمتأمل في هذين الحديثين يستطيع أن يتبين علتهما وذلك لمعارضتهما لصريح القران كقوله تعالى:” وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء آية (15) ولقوله تعالى:” ذَلِكَ أَن لَّم يَكُن رَّبُّكَ مُهلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهلُهَا غَافِلُونَ ” سورة الأنعام آية (131) والقوم الذين بعث فيهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين منهم أبويه لم يأتهم نذير قبله لصريح قوله تعالى:” وَمَا أَرسَلنَا إِلَيهِم قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ ” سورة سبأ آية (44) ولقوله تعالى:” لِتُنذِرَ قَوماً مَّا أَتَهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ ” سورة السجدة آية (3) فمعارضة هذين الحديثين المخالفين لفظاً ومعناً لصريح القرآن الذي هو قطعي الثبوت مع عدم إمكانية الجمع بينهما سقط الاحتجاج بهما وتمسكنا بالقرآن كما هو مقرر وحسب قواعد الشريعة قال الإمام النووي في شرح المهذب ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره والقاعدة عند علماء أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتُريدية بل وجميع العقلاء أن خبر الآحاد متى عارض الكتاب والسنة المتواترة أو الإجماع المعتبر لفظا ومعنى مع عدم امكانية الجمع بحال سقط الاستدلال به، وكذلك اتفقوا على العمل به في العمليات دون الاعتقاديات، بمعنى أن مسائل العقائد مبنية على القطعيات التي تفيد العلم اليقيني والتي يكفر منكرها. بخلاف الآحاد الذي لا يفيد إلا الظن وبالتالي ما ينبني عليه من الاحكام لأن غالبه محل خلاف بين العلماء إلا ما أجمعوا عليه فيرتفع فيه الخلاف لأجل الإجماع وليس لذات الدليل وهذه قاعدة قل من يعلمها ممن ينتسبون للعلم اليوم فمن باب الأولى عامة الناس، وهذا لا يخالف ما قلناه سابقا من أن مسألة نجاة أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينها ليست من المسائل العقائدية. ولكن من العقيدة التي يجب على كل مؤمن أن يعتقدها ولا يجوز له جهلها
________________________________________
فضلاً عن إنكارها هي أن أهل الفترة ناجون وإن بدلوا وغيروا بدليل النصوص القرآنية القطعية السابقة الذكر وأبوي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة بلا خلاف.
فصل
قال مولانا المنعم الفقيه الأصولي المحدث المفسر النحرير واللغوي الكبير علامة المغرب بل الدنيا سيدي عبد الله بن الصديق الغماري عليه من الله رحمة الباري وطيب الله ثراه وجعلنا على خطاه في كتابه الموسم ” بالخواطر الدينية ” أهل الفترة هم الذين عاشوا في زمن لم يكن فيه نبي ولا رسول بعث اليهم، كالعرب الذين عاشوا في الفترة والتي بين سيدنا اسماعيل ونبينا عليهما السلام وكذلك أهل الكتاب الذين عاشوا في الفترة التي بين سيدنا عيسى ونبينا عليهما السلام والحكم فيهم عند الجمهور أنهم ناجون ولو غيروا وبدلوا لقوله تعالى:” وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء آية (15) وغيرها من الأيات والتي مر بعضٌ منها، وأجابوا عن تعذيب بعض أهل الفترة بأنها آحاد لا تقوى على معارضة القرأن زيادة على أنها تحتمل التأويل أما من أشرك من أهل الفترة وغير بابتداع أمور شركية مثل عمرو بن لحي وهو أول من أدخل الأصنام إلى مكة فيعذب لورود نص فيه بعينه، ولا يُعترض علينا بالقاعدة التي تقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لأن ذلك يتعارض مع صريح القرأن فتعين أن يكون حكما خارج على غير قياس. أما بعد البعثة المحمدية التي عمَّت غالب أهل الأرض جميعا فلا يوجد أهل فترة ولكن قد يعترض علينا بوجود من لم تبلغه الدعوة وهو اعتراض قد يكون صحيح فلو افترضنا وجود شخص ما في بعض مجاهل القارة الافريقية أو غابات أمريكا مثلا لم يسمع بالإسلام ولا عرف شيئا عن توحيد الله تعالى ولم يسمع بأن هناك نبي اسمه محمد صلى الله عليه وسلم وعاش بين الغابات فإنه ناج بلا شك حتى ولو اعتنق بعض الديانات كالنصرانية مثلا ذلك لأن بلوغ الدعوة شرط في توجه الخطاب التكليفى للشخص فحيث لم تبلغه
________________________________________
الدعوة بدون تقصير منه لا يكون مكلفا. وأما الذين ولدوا بين أبوين يهوديين أو نصرانيين وبلغتهم دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأي وجه من الوجوه فهم كفار بلا نزاع بحيث لو خير أحدهم بين الإسلام والموت لاختار الموت على الإسلام. انتهى بتصرف.
فصل
أما ما جاء في قوله تعالى ” مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَستَغفِرُواْ لِلمُشرِكِينَ ولَو كَانُواْ أُوْلِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجحِيمِ” سورة التوبة آيه (113).
فلا يحتج به على أهل الفترة وذلك لأن هذه الأية نزلت في أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تتعلق بوالديه لا من قريب ولا من بعيد ولا تصريحا ولا تلويحا لما هو مقرر ومعلوم ومشهور وذلك لأن أبا طالب أدرك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأبى أن يسلم، أما أبواه فلم يدركا البعثة فأين هذا من هذا….؟ ويقوي ذلك ما رواه أبو داود والبيهقي من أن سيدنا على كرم الله وجهه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” إن عمك الشيخ الضال قد مات فقال: إذهب فواره وفي رواية:” إن عمك الشيخ الكافر.
فصل
يجب أن يعلم بأن القاعدة العامة المتفق عليها في كيفية إقرار الحكم الشرعي أنه لا يؤخذ من دليل واحد غالبا بل هو نتيجة لمجموعة من الضوابط المشتركة بين الايات والأحاديث التي تبنى على بعض القواعد الأصولية والحديثية والعقائدية واللغوية التي لا غنى عنها لفهم معاني النصوص التي أُستُقرئت وضُبِطَت الشريعة الغراء من خلالها قبل النظر واصدار الحكم الشرعي ونحن بحمد الله وتوفيقه نبين بعض هذه القواعد التى لا بد منها لفهم هذين الحديثين على وفق ما اتفق عليه كبار أهل الحل والعقد من نقاد علماء أهل السنة والجماعة من حفاظ وأصوليين وغيرهم أن من أسباب رد الحديث:
مخالفته لصريح القرآن لفظاُ ومعنى مع عدم امكانية تأويله ليوافق القرآن بلا تكلف.
________________________________________
مخالفته لصريح العقل السليم لأن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة وإن كنا لا ندركها غالبا ولأن العقل شاهد من شواهد الشرع فالشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول.
أنه لا يستدل في العقائد إلا بالمتواتر أو المشهور خلافا لأبي حنيفة رضى الله عنه الذى يرى أنه يجوز الاستدلال بخبر الأحاد في العقائد بشرط أن لا يكون له معارض من القرآن أو من السنة المتواترة أو المشهورة.
وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لا عنده رضى الله عنه ولا عند غيره من باب الأولى لأن القاعدة عنده أن الظني لا يقوى على معارضة القطعي والقرآن عنده قطعي الثبوت ويمثل له بهذه الأية:” ومَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء أية (15) ويؤيد ذلك ما قاله الأصوليون من أن ” عدم الاستفصال يؤدى إلى تعلق الحكم في عموم المقال ” وهذه الأية تدخل تحت هذه القاعدة ” وكذلك قولهم أيضا ” الأعراض في موضع البيان يفيد الحصر ” وهو يتطابق مع هذه الأية، أن كل من لم يأته رسول لا يعذب إلا ما خرج على غير قياس هذا في كيفية العمل إذا ما عارض الحديث القرأن أما إذا ما عارض الحديث الحديث فكلامهم في هذا الباب كثير ينحصر في ثلاثه قواعد عند الأصوليين والمحدثين:
إذا ما ثبت حديثان صحيحان سنداً ومتناً متعارضان في اللفظ متفقان في المعنى يجب الجمع بينهما عملا بقاعدة ” ما أمكن الجمع جمع ”
إذا كان الحديث الأول صحيح والثاني ضعيف يقدم الصحيح على الضعيف باجماع أهل هذا الفن.
________________________________________
إذا كان الحديثان صحيحان ومختلفان لفظا ومعنى بمعنى لا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه الصحيحة فينظر الى ما هو قديم وما هو جديد فيكون القديم منسوخ والجديد ناسخ لاستحالة الجمع بينهما مع الجزم بثبوتهما والمعلوم أن السنة لا تتعارض فتعين النسخ وكان لزاما معرفة التاريخ فإن لم يعلم القديم من الجديد وجب إسقاط العمل بكلا الحديثين وتعين البحث عن دليل أخر لاجتناب الترجيح بغير مرجح وهو حرام… حرام…. حرام…. بإتفاق الجميع.
فصل
في كيفية نقد هذين الحديثين كل على حده
حديث ” إستأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي “و في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم بكى وأبكى من حوله فإن هذا الحديث لا يصح الاستدلال به على أن والدته صلى الله عليه وسلم في النار لعدة أمور:-
أن هذا الحديث يعارض معارضة صريحة قول الله تعالى:” وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء أية (15) وقوله تعالى:” وَمَا أَرسَلنَا إِلَيهِم قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ ” سورة سبأ آية (44).
أن بكائه صلى الله عليه وسلم على أمه لا يدل على أنها من أهل النار بأي وجه من الوجوه بدليل أنه بكى على إبنه إبراهيم كما في الصحيحين إذ قال:” تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون”.
إن الله تعالى أذن له بزيارة قبرها يدل على أنها مؤمنة وليست كافرة من أهل النار وإلا لتعارض صدر الحديث مع عجزه ناهيك أيضا أن الله تعالى قد نهاه أن يقوم على قبور الكفار والمنافقين بقوله عز من قائل:” ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنهُم مَّاتَ أَبَداً ولا تَقُم عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُم كَفَرُواْ بِاللهِ ورَسُولِهِ ومَاتُواْ وهُم فَاسِقُونَ ” آية (84) من سورة التوبة وحاشى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف أمر الله تعالى ومن يظن ذلك فليس له نصيب من الإيمان في شيء.
________________________________________
حديث أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: في النار ” فلما قفى دعاه فقال:” إن أبي وأباك في النار ” الحديث فمما يجب أن يعلم أن لهذا الحديث ثلاثة طرق:-
السند الأول عن طريق حماد بن سلمة عن ثابت وهي التي جاء فيها: إن أبي وأباك في النار.
السند الثاني عن طريق معمر عن ثابت وهي خالية من ذكر ” إن أبي وأباك في النار”.
السند الثالث عن طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص وهي خالية أيضا من ذكر إن أبي وأباك في النار غير أنها تنتهي بقوله صلى الله عليه وسلم:” حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار” فالطريقه الأولى في سندها ثابت وحماد بن سلمة. أما ثابت فهو عند بعضهم ثقة ولكن ذكره ابن عدي في الضعفاء وعلل الحديث فقال:” إنه وقع في أحاديثه ما ينكر، وهذا الحديث منها وأمَّا حماد فقال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة ” فتح الباري”: حماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات إلا أنه ساء حفظه في الآخر. وقال السيوطي عن حماد بن سلمة في كتابه ” مسالك الحنفا في نجاة والدي المصطفى ” إن حماد تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد في آخر حياته لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا ولا خرَّج له مسلم في اصول الدين إلا من روايته عن ثابت. قال الحاكم في المدخل ” ما خرج مسلم لحماد إلا من حديثه عن ثابت. انتهى.
________________________________________
أما السندان الثاني والثالث ففي سند الرواية الثانية معمر عن ثابت عن أنس عوضاً عن حماد عن ثابت والرواية الثالثة جاءت بالسند الأتي فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:” أين أبي ؟ قال:” في النار” قال:” فأين أبوك” قال:” حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ” ويُلاحظ أن السند الأول ذكر فيه حماد عن ثابت والسند الثاني ذكر فيه معمر عن ثابت ومن المعروف أن معمرا أثبت من حماد بدليل أن حماداً تُكلِّم في حفظه كما سلف ولم يتكلم أحد في معمر. قال السيوطي في نفس المرجع المذكور وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا اسْتُنكر شيءٌ من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت أي فتكون روايته أوثق وأثبت وأقرب الى الصحة. وأما سند الرواية الثالثه فقد قال السيوطي في نفس المرجع ” وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين المصير اليه والاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره ” قلت وذلك لصحة سنده وقوة ودقة متنه وخلوه من الشذوذ والعلة لا سيما عدم معارضته لصريح القرآن.
فصل
________________________________________
لو فرضنا أن الحديث بالطريقة الأولى ثبت وصح فيجب علينا أن نأوله بما يقبل التأويل، وذلك لوجوب التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلزم تخريج الحديث عن ظاهره ولما ذكرناه سابقاً أنه خبر أحاد يقبل الأحتمال والتأويل والقاعدة تقول:” أنَّ ما دخله الإحتمال سقط به الاستدلال”، زيادة على مخالفته لصريح القرآن وكما أشرنا اليه سابقا إلا أن بعض علمائنا لم يذهبوا إلى إسقاطه وأولوه بما يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:” إن أبي وأباك في النار ” قصد بذلك عمه أبو طالب لأنه هو الذي حضر البعثة ولأن في اللغة يطلق الأب ويراد به العم ودليل ذلك من القرأن قوله تعالى:” أَم كُنتُم شُهَدَاءَ إِذ حَضَرَ يَعقُوبَ المَوتُ إِذ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعبُدُونَ مِن بَعدِى قالوا نَعبُدُ إِلَهَكَ وإِلََه ءَابَائِكَ إِبرَاهِيمِ وإِسمَاعِيلَ وإِسحَقَ إِلَهاً وَاحِداً ونَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ ” سورة البقرة أية (133) فإسماعيل ليس أبا ليعقوب فهو عمه وسماه الله أبا له.
قال ابن الجوزي في كتابه:” نزهة الأعين النواظر” وذكر أهل التفسير أن الأب في القران على أربعة أوجه:
أحدهما: الأب الأدنى ومنه قوله تعالى: ” وَأُمِهِ وَأَبِيهِ ” سورة عبس آية (35) وقوله:” ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ ” سورة النساء آيه (11).
ثانيهما: الجد ومنه قوله تعالى:” مِلَّةَ أَبِيكُم إِبرَاهِيم ” سورة الحج آية (78).
والثالث: العم ومنه قوله تعالى:” نَعبُدُ إِلَهَكَ وإِلََه ءَابَائِكَ إِبرَاهِيمِ وإِسمَاعِيلَ ” سورة البقرة آية (133).
و الرابع: الخالة ومنه قوله تعالى:” وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى العَرشِ “سورة يوسف آية (100).
________________________________________
و من الوجه الثالث ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم:” إحفظوني في العباس فإنه بقية أبائي “مع أنه عمه وهذا الحديث ” إن أبي وأباك في النار ” مردود إن قلنا أن قوله فيه أبي ” هو أبوه عبد الله بن عبد المطلب وذلك لأن أباه عبد الله من أهل الفترة لأنه لم يدرك بعثته صلى الله عليه وسلم قطعا ولأنه من قوم لم يأتهم رسول بدليل الأيات السابقه ولأن لفظة الأب في اللغة تحتمل الجد والعم والأب الأدنى وحَملُها على واحد بعينه تحتاج الى قرينة والقرينة الظاهرة في الحديث تدل على العم وحملها على أب النبي صلى الله عليه وسلم فيه تهكم وهو في شرعنا ممنوع وهذا مما فهمه الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم عندما بوب له ” أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين” والمراد بذلك أبو طالب الذي أدرك بعثته صلى الله عليه وسلم وأبى أن ينطق بالشهادة ومات على الكفر كما ذكرنا سابقاً من حديث علي كرَّم الله وجهه والإجماع منعقد على وجوب تكفير الأبي الممتنع وأنه خالد مخلد في نار جهنم قال سيدي أبو عبد الله الفاسى المالكي في كتابه مراصد المعتمد في مقاصد المعتقد:
و من يكن ذا النطق منه ما اتفق فإن يكن عجزا يكن كمن نطق
و إن يكن ذلك عن إباء فحكمه الكفر بلا امتراء
و إن يكن لغفلة فكالإبا وذا لسنةِ عياض نسبا
و قيلَ كالنطقِ وللجمهورِ نسبَ والشيخ أبي منصور
و هذا ينطبق على أبي طالب فقد عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لا اله الا الله فأبى رواه البخاري.
فصل
مما يستدل به على نجاة أبوي المصطفي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة
________________________________________
أولاً: قوله تعالى:” ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الإسراء أية (15) فالآية عامة وصريحة في أن الله تعالى لا يعذِّب أحداً حتى يرسل الرسل قال الألوسي صاحب روح المعاني في تفسيره عند شرح هذه الآية:” وما صح وما استقام بل استحال في السنة الإلهية المبنية على الحكم البالغة أو في قضائنا السابق أن نعذب أحداً بنوع من أنواع التعذيب دنيويا أو أُخروياً على فعل شيء أو ترك شيء أصلياً كان أو فرعياً حتى نبعث إليه رسولاًً يهدي إلى الحق ويبين الشريعة ” أ هـ، مع وجوب العلم انه يجوز عقلاً على الله تعالى أن يعذب من يشاء من عبيده بذنب أو بغير ذنب مصداقاً لقوله تعالى :” لا يُسئَلُ عَمَّا يَفعَلُ وهُم يُسئَلُونَ ” سورة الأنبياء آية (23) إلا أنه سبحانه وتعالى ببالغ حكمته وكمال عدله وبمحض فضله قد منَّ علينا بإبطال هذا الحكم العقلي بحكمٍ شرعي ” ويسمى بالمستحيل العَرَضي ” أى لا يعذب أحد إلا بعد إرسال الرسل.
ثانياً: قوله تعالى:” ولَولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيهِم فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَولا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ ” سورة القصص آية (47) أي أن الحامل على إرسال الرسل تعللهم بهذا القول واحتجاجهم به.
ثالثاً:” ومَا كَانَ رَبُكُّ مُهلِكَ القُرَى حَتَّى يَبعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَاتِنَا ” سورة القصص آية (59) قال ابن جُزَيْ في تفسيره ” التسهيل لعلوم التنزيل ” أُمُّ القرى مكة لأنها أوَّل ما خلق الله من الأرض ولأنَّ فيها بيت الله، والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى بأن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أمِّ القرى فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم وإقامة الحجة عليهم. أ هـ
________________________________________
رابعاً:” قوله تعالى:” ولَو أَنَّا أَهلَكَنهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَولا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَتِكَ مِن قَبلِ أَن نَّذِلَّ ونَخزَى ” سورة طه آية (134).
خامساً: قوله تعالى:” ومَا أَهلَكنَا مِن قَريَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ، ذِكرَى ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ ” سورة الشعراء آية (208،209).
سادساً: قوله تعالى:” وهُم يَصطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخرِجنَا نَعمل صَالِحاً غَيرَ الَّذِى كُنَّا نَعمَلُ أَوَلَم نُعَمِّركُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ” سورة فاطر آية (37).
سابعاً: قوله تعالى:” أَم يَقُولُونَ افتَرَاهُ بَل هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوماً مَّا أَتَهُم مِّن نَّذِيرٍ مّن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ ” سورة السجدة آية(3)
ثامناً: قوله تعالى:” وهَذَا كِتَابَ أَنزلنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُواْ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ، أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِن قَبلِنَا وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِم لَغَافِلينَ، أَو تَقُولُواْ لَو أَنَّا أُنزلَ عَلَينَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهدَى مِنهُم فَقَد جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم وهُدًى ورَحمةٌ ” سورة الأنعام آية (155،156،157) والآيات في هذا الباب كثيرة جداً لمن أراد أن يتبصر فعليه بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أما ما جاء في السنة:
________________________________________
أولاً: ما أخرجه مسلم في كتاب المناقب ما نصه: حدَّثنا محمد بن مهران الرازي ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم جميعاً عن الوليد قال ابن مهران حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شدَّاد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” إنَّ الله عزَّ وجلَّ اصطفى كِنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كِنانة واصطفى من قريشٍ بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ” ووجه الدليل من الحديث أن الإصطفاء يشعر بالنجاة والقرأن يشهد لذلك الإصطفاء بآياتٍ كثيرة إذ أنَّ الله لا يصطفي المشركين الأنجاس، إنما يصطفي الموحدين الطاهرين فعبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم إصطفاه الله.
ثانياً: روى أبو نعيم في دلائل النبوة:” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفَّى مهذَّبا لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما ” فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك قال تعالى يصف المشركين:” إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسُ ” سورة التوبة آية(28).
ثالثاً: أخرج البخاري في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب المناقب حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ” ووجه الدليل من الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القرون التي سبقته وقرنه الذي بعث فيه بالخيرية والمراد بالقرون أهله الذين عاشوا قبله ومعه وهم أصوله وذلك بصريح الحديث.
قال الحافظ زين الدين العراقي في مورده الهني ومولده السني:
حفظ الإله كرامةً لمحمدٍ ءاباءهُ الأمجادُ صوناً لاسمهِ
تركوا السفاح فلم يصيبهم عارهُ من ءادمٍ وإلى أبيهِ وأمهِ
________________________________________
رابعاً: ما ذكره القسطلاني في كتابه المواهب اللدنية قال: “روى الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت:” شهدت آمنة أمَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت بها ومحمد صلى الله عليه وسلم يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه وقالت أبيات شعر ثم قالت كل حيٍّ ميِّت وكل جديد بال وكل كثير يفنى وأنا ميِّتة وذكري باقٍ وقد تركت خيراًَ وولدت طهراً ثم ماتت فكنَّا نسمع نوح الجنِّ عليها، أخرج الإمام أحمد وصححة الحاكم من حديث العرباض ابن سارية السلمى قال ” ورؤيا أمى التى رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك أمهات النبيين يرين ” بمعنى أى يلهمن.
أفمن كان آخر كلامه هذه الحكم الدالة على سلامة فطرته ومن يبشر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كانت الجن تنوح عليه أسفاً على فراقه يُقال فيه أنَّه من أصحاب النَّار.
فصل
روى البيهقي في كتابه دلائل النبوة بسنده المتصل إلى الإمام الشافعي أنه قال: ما من معجزةٍ كانت لنبيٍ من الأنبياء إلا وكان لنبينا مثلها.
________________________________________
قال القرطبي في التذكرة: إنَّ فضائله صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فلا يمتنع أن يكون إحياءُ والديه ممَّا فضَّله به وأكرمه قال: وليس إحياؤهما وإماتتهما ممتنعا عقلاً وشرعاً فقد ورد في الكتاب العزيز إحياءُ قتيل بني اسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيى الله على يديه جماعة من الموتى مثل ما روي عن الحسن بن عليَّ رضي الله عنهما قال: اتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنَّية له في وادي كذا فانطلق معه الى الوادي وناداها باسمها: ” يا فلانة، أجيبي بإذن الله ” فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك: فقال لها:” إنَّ أبويك قد أسلما، فإن أحببت أن أردك عليهما ؟ قالت: لا حاجة لي فيهما وجدت الله خيرا منهما. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر شاةً مصلية سمَّمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم فقال:” ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة ” وروى هذا الحديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما وفيه:” أخبرتني هذه الذراع ” رواه أبو داود فمِمَّا أكرم به الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن وهب على يده الحياة والإدراك حتى للجمادات الخالية من مقومات الحياة، انتهى كلام القرطبي بتصرف.
________________________________________
قلت: وروى مسلم في كتابه الفضائل عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إني لأعرف حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ” وكذلك كلام الشجر رواه الدارمي وحديث الذئب رواه أحمد وحديث العذق رواه أحمد أيضا والترمذي وكلام الجمل رواه أبو نعيم في الدلائل وحنين الجزع رواه البخاري وشهادة الضب رواه أبو نعيم أيضا في الدلائل وشهادة زيد بن خارجة الأنصاري بعد ما مات لنبينا صلى الله عليه وسلم بالرسالة رواه البيهقى وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة أخرجه أبو داود في الدِّيِّات وغير ذلك كثير مما يصعب تتبعه في هذه العجالة مع التنبيه أن كلام الموتى معهود ومعروف أما كلام الشجر والحجر والجمل وغير ذلك فإنه لعمري غير معهودٍ ومألوف ولله در البوصيري حيث يقول:
إن كان موسى سقى الأسباط من حجر
فإن في الكف معنىً ليس في الحجر
إن كان عيسى برا الأعمى بدعوته
فكم براحته قد ردَّ من بصر
فصل
في إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم وإيمانهما به
أولا: ومما لا شك فيه بأن حديث إحيائهما ضعيف عند الحفاظ وعدم حاجتنا له بذاته للإحتجاج به على نجاتهما بعد كل ما بيَّنَّاه آنفاً ولكن لا بأس أن نورده زيادةً للفائدة وطمأنةً للقلوب ولمعرفة طريقة العمل مع مثل هذه الأحاديث قبل الإسراع إلى الاعتراض لأنَّ كل ذلك غير ممدوحٍ عند أهل النظر فقد روى الطبراني بسنده عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل الحجون حزيناً أقام به ما شاء الله ثم رجع مسروراً قال:” سألت ربي عز وجل فأحيى لي أمي فآمنت بي ثم ردَّها ” وروي من حديث عائشة أيضا إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم حتى آمنا به. أورده السهيلي و الخطيب البغدادي وقد مرَّ معنا في الفصل السابق قول القرطبي إن إحياءهما ليس ممتنعا لا شرعا ولا عقلا.
________________________________________
قلت: بل الشواهد التي تواترت في إحياء الأموات وكلام الجمادات معجزة وكرامة له صلى الله عليه وسلم مع خلو الجمادات من مقومات الحياة وما كان من إحياء قتيل بني إسرائيل ونفخ الروح في الطير لسيدنا عيسى عليه السلام وهي من الطين فتصبح طائراً حقيقياً أفبعد هذا يمتنع إحياء أبويه للإيمان به صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك زيادةً في إكرامه وتفضيله ومعجزةً من معجزاته التي أيَّده الله بها وأظهرها على يديه صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ” رواه أبو نعيم في الدلائل وقد قال تعالى:” إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ” سورة التوبة أية (28) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً فكيف بأبائه انتهى كلام الرازي، وقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال:
حبا الله النبي مزيد فضلٍ على فضلٍ وكان به رؤوفا
فأحيى أمَّه وكذا أباه لإيمانٍ به فضلاً لطيفا
فسلم فالقديم بذا قديرٌ وإن كان الحديث به ضعيفا
________________________________________
فاعلم أخي المؤمن إنَّ الله جعل نبيَّه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين حتى لعمَّيه أبي طالب وأبي لهب اللذين سمعا بدعوته وصمَّما على الكفر به حتى ماتا فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر عنده عمه أبو طالب فقال:” لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاحٍ من نار يبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه ” وعن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيءٍ فإنَّه قد كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال: ” نعم، هو في ضحضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار “رواه البخاري في المناقب ومسلم في باب الإيمان وعن العباس أيضا أنه رأى أبا لهب في النوم بعد وفاته فسأله عن حاله فقال:” لم ألقَ خيراً بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة وإنه ليخفف عليَّ في كل يوم اثنين ” رواه البخاري فهذه السنة النبوية جاءت تخبر أن الله تعالى جعل الأول من أهون أهل النار عذابا مع أنه مخلدٌ فيها وأنَّ الثاني يخفَّف عنه العذاب كل يوم اثنين مع أنه مخلد فيها مع أنه هناك كلام عند أهل الأصول على هذا النوع من الأحاديث ولكن ليس هذا محله. فكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم رحمة لوالديه وقد ماتا على الفطرة مع أنهما من أهل الفترة كما يعتقد جمهور الأمة قال الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه العلماء مراتب والأقوال مراتب فلا عبرة بقول القائل بلا بيان ولا أدلة ولا برهان وإلا لصحت دعوة كل مدَّعٍ وأنكر وجود الشمس في رابعةِ النهار، فنرجوا أن نكون وُفِّقنا في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإظهار الحق ودحض الباطل قاطعين الطريق على كل لجَّاج ومحجاج فقد قال الامام السيوطي رحمه الله:
هذه أدلة لو تفرد بعضها لكفى فكيف بها إذا تتألف
و بحسب من لم يرتضيها صمته أدبا ولكن أين من هو منصف
صلى الإله على النبي محمد ما جدد الدين الحنيف محنف
خاتمة
________________________________________
أيها القارئ المنصف الكريم نرجوا أن تقرأ رسالتنا هذه بتمعنٍ وتبصرٍ وإنصافٍ وروحٍ عاليةٍ، فوالله ما كتبناها إلا محبة للخير وعملاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم” رواه الحاكم عن ابن مسعود.
وهل يوجد شيء أهم من الدفاع عن رسولنا الكريم وقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده” رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” رواه مسلم في كتاب الإيمان، ولقد أوصانا علماؤنا ولا يزالون يوصوننا بالتثبت في النقل، لأنَّ العلم أمانة وعدم التثبت فيه غدرٌ وخيانة، وقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بسنده المتصل لابن سيرين أنه قال: “إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم” فلا تغتر أخي المؤمن بمن يروَّجون خبر كفر أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم ويحرمون زيارة قبره الشريف ويعتبرون ذلك شرك، والمنصف منهم يعتبره سفر معصية وعلى قولهم هذا لا يسلم من الشرك أو المعاصي جميع علماء المسلمين زياده على عامتهم، لأن نجاة والدي المصطفى وزيارة قبره الشريف هو ما عليه علماء المسلمين من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة بعيداً عن أي تعصب وتطرفٍ، وذلك بما تناقلوه عن الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح وغيرهم من شموس هذه الأمة وأعلامها الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم شيئا ” رواه احمد والشيخان عن معاوية قال الامام أحمد رضى الله عنه إذا لم يكونوا أهل العلم فلا أدرى من هم فلا تغتر واتبع ما كان من الأثر وما عليه أهل الفهم من أصحاب الحل والعقد وأتقياء البشر وتمسك بأصحاب هذه المدارس واهجر كل من قوله دارس وتثبت بالأساس كما قال الإمام المشهور بالرَّواس:
إتبع أهل الهدى على علم فأهل الهدى مثل النجوم الزواهر
________________________________________
و إن أخا علم به الزيغ كامن أضر على الاسلام من ألف كافر
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام وما لها علينا من الفضل والجود والكرم والإحسان الحمد لله العليم المنَّان الشكر لله العظيم السلطان اللهم اختم لنا بخيرك يا رحمن اللهم اختم لنا ولوالدينا ولجميع المؤمنين بالسعادة والغفران وشفع فينا سيد ولد عدنان لدفاعنا عنه وأمّه وآبائه الكرام.
قاله بلسانه وأعاد صياغته ببنانه العبد الفقير إلى ربه المقصر بحق دينه ووطنه وأشياخه وأهله أبو الفضل أحمد بن منصور قرطام المالكي الحنفي الشافعي الحنبلى الأشعري الماتريدي الأيوبي الأب الحسيني الأم كان الله له ولمشايخه ولوالديه ولجميع المؤمنين بمنه وفضله آمين.
غزة 14 ربيع الثاني على الساعة الثانية بعد الظهر
من يوم الثلاثاء الموافق له 25/6/2002 رومي.
ولله در القائل
وما من كاتب إلا سيفنى
ويبقى الدهرَ ما كتبتْ يداهُ
فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيءٍ
يسركَ في القيامة أن تراهُ
أجلُّ ما كسبتْ يد الفتى قلمُ
وخيرُ ما جمعت يدُ الفتى كُتُبُ
________________________________________

أهل السنة والجماعة وابن تيمية الشيخ سعيد فودة

أهل السنة والجماعة وابن تيمية

أهل السنة والجماعة وابن تيمية1
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم

أهل السنة والجماعة

إن الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
فهذه رسالة أذكر فيها ما يقيد المعنى المراد من مصطلح :
( أهل السنة والجماعة(

وذلك لما لهذا المبحث من أهمية بالغة في هذا الزمان بل وفي كل زمان.
وسوف أوجه الكلام إلى تحقيق معنى خاص ليفهم القارئ أنه هو السبب في تأليف هذه الرسالة .
وهذا الأمر هو هل يمكن أن ندرج العقيدة التي يعتقد بها ابن تيمية
والعقيدة التي يعتقد بها السادة الأشاعرة تحت باب واحد ؟ .
والحقيقة أنني قد كتبت حول هذا المعنى كلاما مفصلا وعددت فيه كثيرا من المسائل التي تبين وجوه الخلاف الحقيقية في كثير من الأصول بين ابن تيمية وأتباعه )ولنسمهم التيميين (من جهة ، وبين سائر الأشاعرة من جهة أخرى ، كائنا من كان منهم مستحقا اسم أهل السنة والجماعة! .
وهذه المسائل الأصول من عرفها وعرف أن الخلاف قائم بين هذين الفريقين فيها ، عرف قطعا أنه يكون من الغباء التام أن يدرج ابن تيمية والأشاعرة تحت اسم واحد، إلا إذا كان لا يعرف ما الذي يقوله، أو عرف وعرف ما يندرج تحته من تناقضات وتخابطات، ومع ذلك أصر على ما يقول، ومثل هذا لا يلتفت إليه في العلوم والمعارف، لأنه ليس منضبطا بموازين العلم الصحيحة وإن حسب نفسه كذلك.
ولن نطيل على القارئ في هذا الكلام العام الذي يمكن أن ينطبق على كثير من الناس، بل سوف نبين مقصدنا ونصرح به ونوضحه قدر ما نستطيع، لكي لا يبقى بعد ذلك واحد حائرا .
أول ما نتكلم عليه باختصار هو مفهوم اسم أهل السنة والجماعة:
فنقول:
إن اسم أهل السنة والجماعة أطلق في التاريخ على طائفة من الناس اشتركوا في أصول معينة، وأجمعوا على أقوال محددة.
وهذا الاسم لا يستطيع أحد أن يقول إنه قد ورد نص من الرسول على أنه يجب أن يطلق على هذه الطائفة، وبالتالي فهو لا يمكن أن يكون إلا اصطلاحا منهم أو من غيرهم على تسميتهم كذلك. وذلك تبعا لما لوحظ عليهم من اشتراكهم على هذه الأقوال.
ولذا فإن انتساب الواحد إلى الطائفة التي يقال عليها أنها أهل السنة والجماعة لا يدخله الجنة لمجرد ذلك، ولا يكون خروج أحد من هذه الفرقة حكما عليه بالدخول قطعا في النار.
هذا الأمر يجب أن يدركه كل واحد من الذين يتصدون للكلام على مثل هذه المباحث.
واعلم أن النزاع والخلاف حول هذا الاسم على من يطلق ، لا يدخل فيه كثير من الفرق، فإن الشيعة مثلا لا يقولون إنهم هم أهل السنة والجماعة، والمعتزلة كذلك لا يقولون إنهم هم أهل السنة والجماعة، وكذلك الزيدية والإباضية وغيرهم من الفرق، إلا فرقتين اثنتين هما الأشاعرة والتيميين.
هاتان هما الفرقتان اللتان تتنازعان هذا الاسم في هذا الزمان خاصة.
وإن كان النزاع محسوما في سائر العصور لصالح السادة الأشاعرة.
فالعلماء قد اتفقوا على أن الأشاعرة هم الممثلون الحقيقيون للسنة والجماعة وأنها الفرقة التي كشفت عن حقائق هذا الدين مما أهلها لن ينضم تحت لوائها جماهير علماء الإسلام.
فانظر إلى ما قاله الإمام تاج الدين السبكي صاحب كتاب جمع الجوامع وغيره من الكتب المفيدة، فقد صرح في كتابه )معيد النعم ومبيد النقم) فقال:
وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة -ولله الحمد- في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية ، لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعريا عقيدة. وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول، ورضوها عقيدة، وقد ختمنا كتابنا جمع الجوامع بعقيدة ذكرنا أن سلف الأمة عليها، وهي وعقيدة الطحاوي وعقيدة أبي القاسم القشيري والعقيدة المسماة بالمرشدة مشتركات في أصول أهل السنة والجماعة.)أهـ
وقال العلامة الزبيدي في شرحه على الإحياء(1/7):
إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية.
قال الخيالي في شرحه على العقائد:
الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار . وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور الماتريدي.
وقال الكستلي في حاشيته عليه:
المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري، أول من خالف أبا علي الجبائي وردع عن مذهبه إلى السنة أي طريق النبي صلى الله عليه وسلم ، والجماعة أي طريقة الصحابة رضي الله عنهم ، وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة . أهـ
وقد ذكر هناك أقوال مفيدة عن الأئمة الأعلام فانظرها لتعرف الحق وتميزه عن الباطل، وأوضح هناك أن أهل الحديث ليسوا مستقلين عن أهل السنة والجماعة، والمقصود بأهل الحديث هنا الذين يعتمدون على الأحاديث ولا يلتفتون إلى النظر العقلي كثيرا في الاستدلال على العقائد الإيمانية، فأكثر أهل الحديث يوافقون الأشاعرة والماتريدية في العقائد ، ولكن طريقة كل منهما تختلف عن الآخر في طرح وشرح هذه العقائد، وهذا كما تعلمون ليس خلافا جوهريا يكفي للقول إن هناك عقيدة خاصة بأهل الحديث.
بل إن اهل الحديث في الحقيقة موافقون للأشاعرة، لا يخالفونهم وإن خالفوهم لم يلتفت إليهم من حيث هم أهل حديث، بل ينظر إليهم على انهم فرقة أخرى .
فأنت تعلم أيها القارئ أن كثيرا من الكرامية قد اشتغلوا بالحديث بل واشتهروا بالزهد ، ولكن مع هذا فقد خالفوا عقائد أهل السنة والجماعة في قولهم إن الله تعالى جسم، وإنه تعالى على العرش إما بمسافة أو بلا مسافة أي بمماسة، كما يجلس الواحد منا على كرسيه، فهؤلاء من الفرق المبتدعة التي لا يلتفت إلى خلافهم من حيث العقائد. وهم ليسوا من أهل السنة والجماعة.
فمن وافقهم من أهل الحديث فهو منهم ليس من أهل السنة والجماعة، وذلك نحو أبي سعيد الدارمي صاحب كتاب الرد على بشر المريسي والذي يعتمد عليه ابن تيمية تمام الاعتماد ويحتج بأقواله وينظر إليه على أنه من أعلم أهل السنة والجماعة في العقائد، وفي الواقع فما هو إلا أحد أكبر زعماء المجسمة.
فليتنبه القارئ الكريم إلى هذه الملاحظة أي التفريق بين من اشتغل بالحديث وكان من الكرامية وغيرهم ، وبين من اشتغل بالحديث وكان من أهل السنة والجماعة، فالذي يعتمد عليهم ويعتد بهم وبأقوالهم هم أهل الحديث الموافقون لأهل السنة والجماعة في العقائد لا المخالفون.
فمن أهل الحديث وهم من أهل السنة والجماعة: الإمام البخاري والإمام مسلم والإمام البيهقي والإمام ابن حبان والإمام الترمذي والإمام أبو داود وغيرهم كثير لا مجال الآن لحصر أسمائهم.
ونحن في الحقيقة وكما قلنا لا نحتج بمجرد الاسم على حقية القول، أي لا نقول إن الفرقة الأولى هي فرقة أهل الحق لمجرد أنهم يتسمون بأهل السنة والجماعة، وكذلك لا نقول إنهم هم الناجون لمجرد إنهم يتسمون بهذا الاسم.
بل إن الحق إنما يعرف بالنظر والبحث والإتيان بالأدلة القوية على كل حكم يدعى صوابه وحقيته. هذا هو المرجع الوحيد عندنا، لا اعتبار للاسم إلا من حيث دلالته على هذا الأمر.
واعلم أن الأصل في التسمية -بأهل السنة والجماعة – أن كل من اندرج فيها فيجب أن يكون متفقا مع صاحبه في الأصول الكلية ، ونحن نقصد هنا الأصول الكلية للعقائد، وإن كان أهل السنة لهم طرقهم المعلومة في الفقه أيضا، ولكن لن يكون هدفنا هنا الكلام على الفقه، بل على العقائد ، فلو قلنا إن كلا من الفرقتين يطلق عليها اسم أهل السنة والجماعة، للزمنا قطعا أن نقول إنهما متفقتان على أصول العقائد، ولكن إذا كانت كل من هاتين الفرقتين قائلة بأصول مخالفة للأخرى، فكيف يصح من عاقل أن يقول إنهما مندرجتان تحت اسم واحد، ويجمعهما حكم واحد ؟!
وبيان هذا كما يلي:
إن أصل الخلاف في العقائد بين هاتين الفرقتين: هي الأمور التي تتعلق بالذات الإلهية، وخصوصا التشبيه والتجسيم، أي هل يجوز نسبة بعض صفات الأجسام إلى الله تعالى أو لا يجوز ، وهذا الأصل الكبير تفترق عليه الفرق كما هو معلوم عند المطلعين .
ونحن هنا سوف نبين أن أصول ابن تيمية مخالفة تمام المخالفة لأصول الأشاعرة، بحيث لا يجوز أن يقال إنهما يندرجان تحت نفس الاسم. أي لا يجوز أن يقال إن ابن تيمية من أهل السنة والجماعة، إذا كان أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة. وكذلك لا يجوز أن يقال إن الأشاعرة من أهل السنة والجماعة إذا كان التيميون هم أهل السنة والجماعة.
هذا الحكم يجب أن لا يخالفه أي عاقل، لأنه إذا خالفه فإنه يسوي بين متضادين ويجمع بين متخالفين.
وهو بهذا يشهد على نفسه بالغـباء والجهل المحض.
أما من لا يعرفون ما الذي يقول به ابن تيمية وما الذي يقول به الأشاعرة، أو يعرفون قول أحدهما ولا يعرفون أن الآخر هل يخالفه أو يوافقه، فإن الكلام معهم سهل، وسوف نورد بعضه هنا، بأن نوضح بعض المقالات التي يقول به كل من هاتين الطائفتين في مسألة من المسائل المتعلقة بالذات الإلهية. ولن نطيل الكلام هنا لأن المقصود الاختصار ما أمكننا . أما التفصيل فله محل آخر.

أولا: بيان رأي الأشاعرة في التجسيم

السادة الأشاعرة ينفون التجسيم قولا واحدا، لا خلاف بينهم في ذلك(1)، وكل من نسب إليهم أنهم قد اختلفوا في أن الله تعالى جسم فهو كاذب عليهم.
والمقصود من التجسيم كما هو معلوم هو القول بأن الله تعالى جسم أو أن له صفات الأجسام كالحيز والمكان والحد والمقدار والجهة والانتقال من مكان إلى مكان او الانتقال من حيز إلى آخر إلى غير ذلك من الصفات الخاصة بالأجسام.
فالأشاعرة ينفون هذه الأمور عن الله تعالى قولا واحدا. وينسبون كل من قال بها أو بواحد منها مجسما، وهم يتبرءون من المجسمة ويذمونهم ، وينفون أن يكون التجسيم عقيدة يتدين بها الإنسان.
وبالتالي فكل من قال بالتجسيم فهم لا يرضون أن يكون منتسبا إليهم ولا يرضون بالتالي أن يكون منتسبا إلى أهل السنة والجماعة.
ويستحيل كما تعلم -أيها القارئ – أن يذم الأشاعرة أنفسهم، وقد تقول كيف يذمون أنفسهم ، فأقول لك:إنهم أي واحد يذم نفسه إذا ذم قولا ثم قال به، أو مدح من هو قائل به.إلا إذا بين أن ذمه السابق كان غلطا وصرح بأن القول الذي ذمه سابقا هو الصحيح.فإنه لا يصدق عليه في هذه الحالة أنه قد ذم نفسه.فتأمل.
ومع أننا لسنا بحاجة إلى التدليل على أن الأشاعرة قد ذموا المجسمة والتجسيم ومن هو قائل به، فإن هذا الأمر معلوم مشهور. إلا إننا سوف نورد هنا بعضا من أقوالهم تثبيتا لقلب القارئ.
_____________________________
(1)حاشية على قوله (لا خلاف بينهم في ذلك)
لاحظ أننا عندما نذكر الأشاعرة فإننا أيضا نريد معهم السادة الماتريدية، لما يعلمه الناس من أنهم لا يختلفون في أصول العقائد مطلقا.
وكلامنا مع ابن تيمية هنا في أصول العقائد.
والذين يمثلون أهل السنة والجماعة أي أهل الحق -عندنا- هم الأشاعرة والماتريدية.
وأما أهل الحديث فلا توجد لهم عقيدة خاصة لهم من حيث هم أهل حديث.
فالمحدث إما أن يكون مجسما أو أشعريا أو معتزليا أو غيرهم.
أما أن يقال إنه توجد عقيدة تسمى عقيدة أهل الحديث فإنه وهم من قائله. إلا إذا قصد أن أهل الحديث يوافقون الأشاعرة والماتريدية في العقائد، ويخالفونهم في طريقتهم الإجمالية في الاستدلال عليها فهو صحيح، ولكن ليس صادقا على جميع المحدثين، فبعضهم مجسمة صرحاء كما هو معلوم.
وبالتالي فإن الاسم المحدد والواضح والذي لا يترتب عليه غلط أو شغب هو ما قلناه.
أهل السنة والجماعة وابن تيمية 2
________________________________________
* قال الإمام أبو سعيد المتولي الشافعي(المتوفى في سنة 478هـ) في كتابه الغنية :
}الباري تعالى ليس بجسم، وذهبت الكرامية إلى أن الله تعالى جسم.
والدليل على فساد قولهم أن الجسم في اللغة بمعنى التأليف واجتماع الأجزاء والدليل عليه أنه نقول عن زيادة الأجزاء وكثرة التأليف جسم وأجسم كما يقال عند زيادة العلم عليم وأعلم، وقال تعالى (وزاده بسطة في العلم والجسم) فلما كان وصف المبالغة كزيادة التأليف دل على أن أصل الاسم للتأليف.
فإذا ثبت ما ذكرنا بطل مذهبهم، لأن الله تعالى لا يجوز عليه التأليف.
فإن قالوا نحن نريد بقولنا جسم أنه موجود ولا نريد به التأليف.
قلنا هذه التسمية في اللغة ليس لها ذكر ثم هي مبنية على المستحيل، فلم أطلقتم ذلك من غير ورود السمع به. وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا ويريد به الموجود ، وإن كان يخالف مقتضى اللغة. فإن قيل أليس يسمى نفسا. قلنا أتبعنا فيه السمع وهو قوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ولم يرد السمع بالجسم.{ أهـ.
• قال العلامة جلال الدين الدواني في شرح العقائد العضدية:
) ليس بجوهر) إذ الجوهر هو الممكن المستغني عن المحل، هو المتحيز بالذات، وهو تعالى منزه عن الامكان والتحيز.
• (ولا عرض( لأن العرض محتاج إلى المحل المقوم له والواجب مستغن عن الغير.
• (ولا جسم( لأن الجسم مركب فيحتاج إلى الجزء فلا يكون واجبا.
• (ولا في حيز وجهة) لأنهما من خواص الأجسام والجسمانيات.
• (ولا يشار إليه بههنا أو هناك ولا يصح عليه الحركة والانتقال) لما سبق، والمشبهة منهم من قال إنه جسم حقيقة،
ثم افترقوا فقال بعضهم إنه مركب من لحم ودم، وقال بعض هو نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء طوله سبعة أشبار بشبر نفسه.
ومنهم من يقول إنه على صورة إنسان فمنهم من قال إنه شاب أمرد أجرد جعد قطط، ومنهم من قال إنه شيخ أشمط الرأس.
ومنهم من قال هو في جهة الفوق، ومماس للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال، وتبدل الجهات ويئط العرش تحته أطيط الرحل الجديد تحت الراكب الثقيل، وهو يفضل على العرش بقدر أربعة أصابع.
•ومنهم من قال هو محاذ للعرش غير مماس له وبعده عنه بمسافة متناهية وقيل بمسافة غير متناهية. ولم يستنكف هذا القائل من جعل غير المتناهي محصورا بين الحاصرين.
•ومنهم من تستر بالبلكفة فقال هو جسم لا كالأجسام، وله حيز لا كالأحياز ونسبته إلى حيزن ليست كنسبة الأجسام إلى أحيازها، وهكذا ينفي جميع خواص الجسم عنه حتى لا يبقى إلا اسم الجسم ، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية .
•وأكثر المجسمة هم الظاهريون المتبعون لظاهر الكتاب والسنة ، وأكثرهم المحدثون، ولابن تيمية أبي العباس أحمد وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة(1) ، ومبالغة في القدح في نفيها. أهـ

واعلم أن نصوص السادة الأشاعرة على نفي كون الله تعالى جسما وتسفيه المجسمة أكثر من أن تحصر وما ذكرناه هنا ما هو إلا كالطرف. وعلى كل حال فليس هذا هو موضع التفصيل في هذه المسألة.
ثانيا : بيان رأي ابن تيمية وأتباعه التيميين

اعلم أن كل ما ذكرناه مما ينفيه السادة الأشاعرة من الجسمية ولوازمها كالجهة والتحيز والحدود والنهايات والغايات، الحركة والحجم المعين وغير ذلك فإن ابن تيمية يثبته ويؤكد في أكبر كتبه أن هذا هو عقيدة الإسلام ، وانه هو ما كان يقول به السلف والصحابة والتابعون وتابعوهم ، بل إن هذا هو ما صرح به الكتاب والسنة، وان مخالف هذا الأمر إنما يخالف نص الكتاب والسنة، ويخالف عقيدة الإسلام الحقيقية، إلى آخر ترهاته ومبالغاته التي يقول بها في هذا المجال.
ومع ان هذا الكلام جميعه عبارة عن تخيلات المجسمة ومبالغات المتعصبة والمبتدعة ، فإن ابن تيمية يتهم مخالفيه في نفس الوقت بأنهم هم المخالفون للكتاب والسنة والمحرفون لنصوصهما، والقائلون بأقوال الفلاسفة والمهدمون لعقيدة الإسلام.
وعلى مثل هذه الترهات نشأ أتباعه المغرقون في الجهالة وجميعهم كذلك في هذا الزمان كما هم في كل زمان. فتراهم لا يتورعون عن تبديع وتفسيق الأشاعرة والماتريدية، وإلصاق سائر التهم التجهم! والتكذيب للنصوص والتحريف لها.
ولنستمع الآن إلى بعض ما يقوله ابن تيمية في هذا الباب:
قال في الرد على أساس التقديس (1/6) ( وكذلك سائر لوازم هذا القول مثل كونه ليس بجسم ولا متحيز ونحو ذلك، لم يقل أحد من العقلاء إن هذا النفي معلوم بالضرورة)
ثم قال في نفس الصفحة( مما يبين أن هذه القضية حق أن جميع الكتب المنزلة من السماء وجميع الأنبياء جاءوا بما يوافقها لا بما يخالفها ، وكذلك جميع سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها لا يخالفونها. ولم يخالف هذه القضية الضرورية من له في الأمة لسان صدق .)أهـ
هذا هو ما يقوله ابن تيمية ، إن كون الله تعالى جسما هو الذي جاءت به الشريعة بل وجميع الأنبياء ولم يخالف في هذا أحد من العقلا المعتد بهم، وكلامه هذا محض كذب على الشريعة وعلى العقلاء في آن واحد.
فليت شعري أين كان عقل ابن تيمية عندما كان يكتب هذا الكلام الفاسد.
هل صار القول بأن الله جسم وأنه في جهة هو كلام أهل الإسلام؟!
وهل كونه تعالى متحيزا ومحدودا ونحو ذلك هو العقيدة التي يجب أن يعتقد بها الناس لكي يكونوا من الناجين في الآخرة؟
إن هذا لعجاب، بل إنني لم أر لأحد من الناس الذين يتكلمون في العقائد الدينية مثل جرأة أبن تيمية في التأكيد والادعاء، لأقوال هي في أصلها فاسدة لا يقول بها إلا الجهلة ومن على قلوبهم غشاوة.
بل إن جرأته قد بلغت الحد الأكبر لها في نسبة مثل هذه العقائد للدين وللأنبياء ، كأنه يحسب أن أحدا من الناس لا يستطيع أن ينقض كلامه ويظهر أنه محض تهافت وتقول.
وتأمل أيها القارئ في قول ابن تيمية في التأسيس(1/93):
(ومعلوم أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات بينة في الفطرة ، بل مقدمات فيها خفاء وطول، وليس مقدمات بينة ولا متفقا عليها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد، وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله، ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وإن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما ، وما لا يكون جسما لا يكون ) إلا ( معدوما، ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول.) أهـ
لاحظ أيها القارئ الكريم أن كلمة إلا التي كتبتها بخط مختلف وبين قوسين هي من زيادتي على النص الأصلي وذلك كي يستقيم الكلام. خصوصا أن ابن تيمية قد كرر هذا المعنى في كثير من المواضع من كتبه، أعني أنه لا يوجد موجود إلا أن يكون جسما،
ويستحيل أن يوجد ما يكون جسما، وأن هذا الكلام صادق في حق المخلوقات وفي حق الخالق.
ففي هذه الفقرة يجزم ابن تيمية إن القول بأن الله جسم هو القريب إلى الفطرة وهو يقصد بالفطرة كل ما يوافق ما يقول به هو من التجسيم.
ولا يوجد في الحقيقة شيء يستند إليه في العلوم والعقائد يسمى بالفطرة، فلم نسمع لا من السلف ولا من الخلف أن الفطرة هي أحد الأدلة الشرعية في العقائد، ولكنها عند ابن تيمية كذلك.
وليست أي فطرة هي التي يعتد بها ابن تيمية، بل الفطرة التي توافق ما يذهب إليه هو من التجسيم والتشبيه المحض لله تعالى عن ما يقوله الجهلاء.
ونحن لا نريد أن نكثر من نقل النصوص على أن ابن تيمية مجسم .
بل هو مجسم من نوع خاص.
لا يجوز نسبته مطلقا إلى الكرامية ولا إلى غيرهم من مجسمة الحنابلة العاديين، مثل القاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وغيرهم.
بل هو له مذهبه الخاص في التجسيم، وهو متناسق في مذهبه هذا.
فأبو يعلى مثلا يقول إن الله تعالى محدود من جهة التحت فقط،
بينما هو ذاهب في الأباعد من سائر الجهات الخمس الأخرى، أي إنه تعالى متناه محدود من جهة العرش فقط، وأما من سائر الجهات فإنه تعالى غير متناهي، بل هو ممتد في الأبعاد.
وأما ابن تيمية فإنه يقول إن كلام القاضي أبي يعلى هذا باطل لا قيمة له إلا من جهة واحدة فقط ، أي من جهة التحت، فالله تعالى عند ابن تيمية متناه من جهة التحت ومحدود وله نهاية، وأيضا هو كذلك من سائر الجهات الخمس الأخرى، فلله تعالى قدر محدود، أي حجم محدود، وليس هو ذاهب في الأبعاد كما يدعي أبو يعلى، وغيره ممن يتبعه.
ويؤكد ابن تيمية على أن هذه القضية هي عقيدة الإسلام الصحيحة والتي قال بها السلف وجاء بها الكتاب والسنة ولم يخالفها إلا المبتدعة الذين يتبعون أهواءهم، ولا يلتفتون إلى الشريعة.
وأنا أقول :
نعم، إن قول ابن تيمية يكون صحيحا فقط إذا سلمنا له أن الله تعالى جسم، لأنه لا يمكن أن يوجد جسم لا نهاية له في الأبعاد، وأما إذا لم نسلم فلا يكون صحيحا بل قبيحا، وكذلك نجزم بأن كل من يقول بها فهو قبيح مخالف لعقيدة الإسلام مبتدع جهول، ومتقول على سلف الأمة وعلى أنبيائها.والله تعالى المستعان.
فصل

نحن في هذه الرسالة لم نكن نقصد إلى الرد على ابن تيمية وبيان تهافته في ما يقول به في باب الاعتقاد.
بل أوردنا هذه النصوص لكي نبين فقط أن ابن تيمية مخالف أشد المخالفة للسادة الأشاعرة والماتريدية، وأن من يقول أن ابن تيمية ينتظم مع هؤلاء في سلك واحد يكون في غاية الجهالة والتناقض.
وأنا استغرب كيف يقول قائل بهذا القول إلا أن يكون له مآرب أخرى غير مطلق النظر الصحيح والبحث الصافي في علم من أهم العلوم حساسية ودقة وخطورة. ومثل هذا لا يعتد بكلامه عند العقلاء من الفريقين.
فإن أصحاب الفريق المؤيد لابن تيمية لا يرضون أيضا بأن يكون موافقا للأشاعرة ومندرجا معهم في اسم واحد.

__________________________
(1) حاشية على قوله (ولابن تيمية أبي العباس أحمد وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة)
علق العلامة المرجاني على هذه العبارة فقال: قد عم هذا الداء المتأخرين من أصحاب أحمد بن حنبل،رحمه الله، سوى طائفة يسيرة منهم الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله ومتابعيه وقليل ما هم.أهـ
أهل السنة والجماعة وابن تيمية 3
________________________________________
رسالة إلى المياديني

لقد جمعني مع الشيخ سنا المسمى (أبو محمود المياديني ) ، مجلس عند بعض الفضلاء من أصحابي، ولم أكن قد التقيت مع هذا المياديني من قبل، ولم أعرفه إلا عندما قال لي أحد الأصحاب هذا هو الشيخ المياديني، وكنا قد بدأنا حديثا معهم يدور حول :
تصرفات ما يسمون بالسلفية وهم المجسمة أتباع ابن تيمية، والأحق أن نسميهم التيميين.
وأيضا حول ما يقال عن الأحباش الهرريين .
فوضحت وقررت أن الهريين في أصولهم الاعتقادية متبعون للسادة الأشاعرة ولم أر لهم لحد الآن مخالفة لمذهب الأشاعرة كليا، نعم قد يحتارون قولا من أقوال المجتهدين في المذهب ، ويتركون الأقوال الأخرى، ولكن هذا لا يعترض به عليهم في جميع الأحوال، إلا أن يعتقدوا أن هذا القول هو الحق الصريح وأن ما خلافه باطل، فحينئذ ينبهون ويوضح لهم بطلان زعمهم.
وأما التيميون فقد بينت في قولي أن عقائد ابن تيمية لا يجوز أن تنسب إلى أهل السنة، كيف وأهل السنة يتبرءون منها، وأن ابن تيمية لا يمثل أهل السنة مطلقا، بل هو قد خالفهم في أصولهم وفي كثير من فروعهم ، فلا يجوز القول أن ابن تيمية من أهل السنة مطلقا ،إلا أن يكون قد وافق لهم قولا في مسألة فيقال إنه وافقهم، ولا يقال إنه منهم فيها. فكم من المعتزلة قد وافقوا أهل السنة في مسائل وكذلك من الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، ومع موافقتهم لنا في هذه المسائل فلا يجوز أن نقول إنهم من أهل السنة هكذا.
وأن هذا الكلام كله مبني على أن أهل السنة والمقصود بأهل السنة هم السادة الأشاعرة والماتريدية، على ما بيناه سابقا.
وأن هذا الاصطلاح أي إطلاق اسم أهل السنة على الأشاعرة والماتريدية هو المعهود عند أهل العلم من سائر الفرق الإسلامية كالشيعة والمعتزلة، وكذلك ينص على ذلك جمهور العلماء كما هو معلوم، وذكرنا أمثلة على ذلك كما مر.
فلما سمع مني المياديني هذا الكلام، تنهد وصاح، وقمت قيامته، وقال ما معناه: سبحان الله أنا أقول إن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة، ولكن لا أخرج ابن تيمية من الدخول معهم في هذا الاسم.
فقلت له: وكيف يكون داخلا معهم وهو مخالف لهم في أصول وفروع؟!
والأصل أن أهل السنة يكونون متوافقين لا متخالفين ، فإما أن يكون هو ممثلا لأهل السنة، دون الأشاعرة، وإما أن يكونوا هم دونه.لا يحتمل أمرا ثالثا. لأنه تناقض.
وكأن المياديني كان مبرمجا لأن يقول بعض الكلمات الخطابية: وكان ينتظر فقط فرصة مناسبة فلم يسأل إن كان جاهلا كيف أن ابن تيمية يخالف الأشاعرة، ولا كيف أن الأشاعرة يخالفونه، وفي أي الأصول يختلفون، على ما المفروض عليه أن يسأله.
ولكن جل ما فعله هو أن قام صارخا ثائرا متهما لي بأنني أسفه علماء الأمة(1)، وأنه لا يجوز لي أن أخرج ابن تيمية من أهل السنة، وصرح بكلمات لا أقدر على ذكرها هنا لقبحها. وكأنه كان يتصور نفسه في خطبة جمعة أو في حرب مع اليهود ، ولم أستطع الرد عليه بكلماته لقبحها كما ذكرت، وأيضا لأنه شيخ كبير بالسن لا أستطيع أن أثور في وجهه بسفاهة كما فعل هو. فما قدرت إلا على أن أمسكت نفسي وكتمت غيظي، ووالله لو كان شابا طائشا لأوقفته عند حده، ولكنه ما كان إلا عجوزا طائشا!
على كل حال، فما كان مني إلا أن انتظرت فترة هدأ هو فيها، وسكت ، فخاطبته قائلا:
يا شيخ، ما هو المعيار الذي تعرف به أهل السنة من غيرهم، حتى نعرف هل ابن تيمية حقا من أهل السنة أو لا؟
فقال: كل من انتسب إلى الكتاب والسنة أخذا ولو خالف الحق في أمور، ولكنه يسلم لهما في الجـمـلة، فهو من أهل السنة، لا يستطيع أحد أن يخرجه من ذلك وينفي عنه هذا الوصف.
فقلت: على ذلك يلزمك أن تقول، إن كل الفرق الإسلامية المعتد بها نظرا مثل المعتزلة والشيعة الجعفرية والإباضية والزيدية، فيجب أن يكونوا من أهل السنة، وذلك لأنهم لا يحتكمون في الظاهر إلا إلى الكتاب والسنة، ولو جئت لهم بآية لترد عليهم في قول لهم، فإنهم ينقضون استدلالك بآية أخرى، ويقابلون حديثك الذي جئت به بحديث آخر، فاحتكامهم في الحاصل إنما هو إلى ما يفهمونه من الكتاب والسنة . فكيف جاز لك أن تقول إن أهل السنة هم فقط الأشاعرة والماتريدية وأتباع ابن تيمية على زعمك؟!
فقال: نعم يمكن أن نقول إن المعتزلة من أهل السنة وأما الشيعة فلا.
فقلت : الحقيقة أن هذا يلزمك في جميعهم لا في بعضهم، ولا وجه للتفريق بين جماعة منهم وأخرى، فقل لي ألا يلزمك هذا.
قال: لا يلزمني جوابك .
قلت بل يلزمك.
قال: هل يجب علي أن أجيبك.
قلت : في الحقيقة لا أستطيع أن أقول إنه واجب عليك لكي لا تشيع عني بعد ذلك أنني ادعيت الألوهية وصرت أوجب وأحرم!!
ثم قلت له: ألم تقل إن أهل السنة عندك هم الأشاعرة والماتريدية وأتباع ابن تيمية.
قال : نعم.
قلت: وأنك قلت أيضا إن المعيار الذي إذا حققه الواحد اندرج في أهل السنة، هو أن يكون معتمدا في أخذه بالأحاديث ومستندا إليها.
قال : نعم.
قلت : ويعتمد في ذلك على فهمه فقط.
قال: نعم.
قلت: ألا يمكن إذن أن ينظر الواحد في الأحاديث والنصوص معتمدا على فهمه ويصل إلى أمر يخالف ويضاد ما توصل إليه آخر.
قال : نعم.
قلت: ويكون الاثنان من أهل السنة.
قال : نعم.
قلت : فكيف يكون اثنان كل منهما يقول بما يخالف الآخر ويضاده ومع ذلك يكون كل واحد منهما من أهل السنة؟؟!
قال: أنا أقول بذلك.
قلت: وأنا لا أقول بذلك لأنه تناقض.
فسكتَ .
فقلت : هذه واحدة.
قال: عدد كما شئت !
(تعليق على قوله عدد ما شئت…..
في الحقيقية، قوله هنا عدد كما شئت لا أفهم منه إلا الاستهتار بالعلم وأصول النظر، ومن هذا شأنه كيف بالله تعالى ينصب نفسه لإرشاد الناس في آخرتهم. فما كنت أتوقع منه أن يقول هذه الكلمة مطلقا، بل الذي كنت أنتظره هو أن يتراجع عن تعريفه هذا لأهل السنة أو يعدل منه على أقل تقدير ، أو يوجه كلامه توجيها حسنا، ولكنه لم يفعل أيا من ذلك!!)
____________________
(1) حاشية على قوله (ولكن جل ما فعله هو أن قام صارخا ثائرا متهما لي بأنني أسفه علماء الأمة )
وهذه التهمة يجيد السلفيون والمتأثرون بهم إطلاقها على كل من يخالفهم، ونحن في الحقيقة لا نسفه علماء الأمة.
ولو نظرنا من الذي فعلا يفعل ذلك لرأينا أنهم هم التيميون فقط.
وبيان ذلك أن علماء الأمة، كثيرون، وأكثر من 80 في المائة منهم منتسبون إلى الإمام الأشعري والماتريدي اعتقادا كما مر بيانه، ونحن عندما نعترض لا نتوجه بالاعتراض على هؤلاء، لأننا نوافقهم في الاعتقاد فكيف نعترض عليهم؟!
والباقي من العلماء ينقسمون بين أن يكونوا شيعة أو معتزلة أو مجسمة،
ولو حسبت نسبة المجسمة إلى غيرهم لرأيت إنهم لا يتجاوزون اثنين في المائة على أكثر تقدير، بل هم حقيقة أقل من ذلك كثيرا.
ونحن عندما نعترض هنا فإننا نعترض على هذه الكمية وعلى هذا المقدار من العلماء الذين لا نسلم لهم بالعلم الصحيح أصلا، فهل نكون عند ذاك معترضين على علماء الأمة.
وهل يعقل أن يكون علماء الأمة هم فقط هذان الإثنان من بين المائة ؟.
وعلى العكس من ذلك فإننا لو عكسنا الكلام على هؤلاء المجسمة لرأينا أنهم يعترضون على جميع علماء الأمة من أشاعرة وزيدية ومعتزلة وغيرهم في مسألة التشبيه والتجسيم لأن هؤلاء جميعهم ينفونها وهم يثبتونها، فهم يباشرون بالاعتراض عليهم وتسفيه أقوالهم والادعاء أنهم قد خالفوا الكتاب والسنة.
هذه هي حقيقة الحال.
فبعد هذا التوضيح من هو الذي يسفه علماء الأمة :
هل هو الذي يقول إن جمهور العلماء أصابوا في تنزيه الله تعالى عن سمات الأجسام وصفاتها؟؟
أو: هو الذي يقول إن جمهور العلماء أخطأوا في نفي الجسمية عنه تعالى؟!
وأنهم ضلوا الطريق لمجرد أنهم خالفوا علم الأعلام ابن تيمية ؟؟؟؟!! في تجسيمه لله رب العالمين.
ويلكم كيف تحكمون.
وفي الحقيقة:
فإن الذين أسفه أنا آراءهم معدودون كما محصورون ولا يتوجه إلي لوم إن سفهت آراءهم، وأما الذين أتبعهم وأحترمهم وأوقر آراءهم فلا يحصرهم العد ولا يحيط بهم الوهم.
فهل يقال والحال هذه أنني أسفه علماء الأمة. خصوصا أن هؤلاء الذين أردُّ أنا أقوالهم قد ردها عليهم علماء الأمة كابرا عن كابر .
والحمد لله رب العالمين.
أهل السنة والجماعة وابن تيمية4
________________________________________
ثم قلت له: أنت قلت أن البحث فيما لم يبحث فيه السلف بدعة وضلالة.
قال: نعم، فلم يكن ليسكت عنه السلف وهو خير.
قلت: هذه حجة ابن تيمية، وهي ضعيفة ، ومع ذلك سلمتها لك ،
(أي سلمتها له تنزلا، كما هو معروف في أصول النظر.وذلك أسلوب لإلزامه بأمر فاسد يلزم عن هذه المقدمة. كما سترى.(
وأسألك. هل تكلم السلف في العقائد خصوصا ذات الله كما تكلم فيها ابن تيمية ، والأشاعرة.
قال : لا.
قلت: إذن كل من الأشاعرة وابن تيمية ابتدعوا أمرا .
قال : نعم.
قلت: إذن ألا يكون عند ذاك كل من الأشاعرة وابن تيمية وأتباعه مبتدعة وضالين على قولك.
فسكت برهة ، ثم قال: نعم !!
قلت : عجبا ، أنت تقول إن أهل السنة هم التيميون والأشاعرة والماتريدية، ومع ذلك تقول الآن إنهم مبتدعة وضالون.
فأي أهل سنة هؤلاء الذي تتكلم عنهم ؟!
أهل سنة مبتدعة وضالون !؟
فسكت .
)وهذا القول الذي التزمه هنا في الحقيقة في غاية الفساد والقبح، وهو يهدم كل ما كان يقول به في أول كلامه من أن الأصل جمع المسلمين وتوحيد كلمتهم، وهو لم يلزمه هذا الأمر إلا لأنه اعتمد على حجة فاسدة تلقفها من كتب ابن تيمية، وهذه الحجة لا يلزم عنها على فسادها إلا تضليل الأمة وجماهير علمائها، وهو ما التزمه هنا هذا الرجل. وهذا في الواقع أي تضليل علماء الأمة مذهب مطرد مع جميع أقوال ابن تيمية أي هو لازم عنها لزوما لا ينفك عنه واحد يقول بأقواله.
ثم انظر إلى هذا السكوت المتكرر من هذا الرجل الشيخ ، ألم يكن الأولى به أن يتبرأ من هذه اللوازم بدلا من أن يلتزمها أو يسكت عن معارضتها الأمر الذي هو في معنى الموافقة عليها، ألا يفض عليه إيمانه بالله تعالى وإخلاصه الذي نفترضه لدينه أن يعارض هذه اللوازم الفاسدة !! ولو أن يطلب مهلة لإعادة النظر، فهذا أمر مشروع في المناقشات والمخاطبات، أما أن يصر على التزامها على قبحها فهو تصرف يلزمه ما يلزمه. فتأمل. (
ثم سأله أحد الأخوة الأفاضل: ما تقول فيمن يدعي أن الله تعالى في جهة ومحدود من جميع الجهات وأنه ينطبق عليه صفات الأجسام وانه في جهة وأنه يجوز عليه أن يلمس النجاسات كما يلمس جميع الخلق، هل جاء بجميع ذلك من الكتاب والسنة؟!
قال: لا هذا كلام باطل.
قال الفاضل: هذا الكلام كله يقول به ابن تيمية.
قلت: ويقول بغيره أيضا، فكيف تقول الآن إن ابن تيمية من أهل السنة . فسكت الرجل لا يستطيع جوابا.
ثم بعد برهة، قال المياديني: ألا ترى معي أن ابن تيمية يقول في كتبه أمورا ثم ينقضها بعد ذلك بصفحات !؟
قلت : نعم فيه ذلك، ووهذا أحد الأسباب التي أطلق عليه العلماء من أجلها أنه مبتدع.
قال: بل ذلك لأنه كتبه قد دس الناس فيها أشياء كثيرة .
قلت : ولكن الذين يطبعون كتبه هم أتباعه وأحبابه من أتباع الوهابيين والذين يسمون أنفسهم بالسلفية وهم المجسمة، فكيف تقول إنهم يدسون في كتبه.
قال : أنا أعرف ذلك من مصادر موثوقة، فأعرف مثلا أن النسخة الأصلية لمجموعة الفتاوى قد أحرقها هؤلاء، فلماذا برأيك؟ إلا لأنهم زادوا فيها وأنقصوا.
قلت: هذا لا يهمني معرفته. ولكن لك أن تثق بمصدر أخبارك هذا.
وأما أنا فالذي أعرفه أن كثيرا من العلماء قد اتهموا ابن تيمية بالتجسيم في زمانه وبعد ذلك، وأخبروا عن أمور وجودوها في كتبه، وهذه الأمور هي نفسها التي قرأتها أنا بأم عيني عندما طبع أتباعه في هذا الزمان كتبه، فلا أعتقد أنه قد تم أي تحريف في كتبه، أو إذا وقع فإنه في بعض المواضع ، ولكن لا بحيث يقلبون الرجل من منزه إلى مجسم كما نراه في كتبه! فهذا بعيد .
)ثم أليس الأولى بهذا الرجل إذا كان يعتقد حقا أن كتب ابن تيمية قد وقع فيها التحريف، حتى صارت لا تمثله ولا تمثل بالتالي العقيدة الصحيحة، ألم يكن الأولى بهذا الرجل أن ينهى الناس عن قراءتها، بسبب أنه قد وقع فيها تحريف كما يعتقد، سواءا من أعدائه أو من أتباعه. فهذا التصرف أقرب إلى التفكير السليم من أن يحض الناس على التمسك بما قال ابن تيمية وادعاء أنه سليم الاعتقاد وأن هذه الأقوال مدسوسة عليه.
فهذا الموقف هو ما فعله بعض علماء الأمة تجاه كتب ابن العربي الصوفي، أقصد العلماء الذين اعتقدوا أن الأمور الباطلة الموجودة فيه يصعب تأويلها وتفسيرها تفسيرا متوافقا مع الشريعة لما يفهم منها القول بوحدة الوجود أو الحلول والاتحاد أو غير ذلك، فهؤلاء حرموا على الناس النظر في كتب ابن عربي مع اعتقادهم نزاهة اعتقاده وسلامته عما نسب إليه على رأيهم. هذا هو الموقف الذي كان يجب على هذا الشيخ أن يقفه.
أما أن يلتزم حث الناس على قراءة كتب ابن تيمية مع ما فيها من المفاسد سواءا دست عليه أو كتبها هو، فهذا موقف قبيح غير مسئول وغير متوافق مع تعاليم الدين. فـتـأمل. (

هذا بعض ما دار بيننا من حديث حذفت منه ما لا يليق أن أذكره من كلام المياديني. واقتصرت على المهم المفيد.
ونحن نجد أن كثيرا من الناس مثل هذا الرجل ، يسارعون في الهجوم على من يقول إن ابن تيمية مجسم، فيحسبون أننا عندما نقول ذلك، فإننا نسب عليه ونشتمه، والحقيقة أننا لا نعني بذلك إلا :
بيان مذهب الرجل
فأنا أعتقد جزما أن هذا الرجل مجسم حقيقي
وأنه يعتقد أن التجسيم هو عقيدة الإسلام، ولذلك هو يدافع عن التجسيم ويحاول بكل ما يطيق من جهد أن يدلل على ذلك، ولكن حججه تافهة كمذهبه، وأدلته ضعيفة سفسطائية .

ومن الأمور التي استفدتها من مناقشتي مع هذا الرجل وإن لم تكن كما ينبغي أن تكون المناقشات هو:
التأكد من صدق العلماء الأعلام الذين ذكروا عن ابن تيمية أنه كان إذا حوقق وألزم امتنع عن الجواب، وادعى أن ذلك لا يلزمه وهو يلزمه حقيقة، فهذا الأمر قد حدث مع المياديني أكثر من مرة حين سألته بعض الأسئلة، فقال: لا يلزمني الجواب. قلت بل يلزمك. قال فهل يجب علي.
قلت له: لا أستطيع أن أقول إن هذا واجب عليك لكي لا تقول إن سعيد فودة يدعي الألوهية ويوجب على الناس أمورا. فإن كنت لا تريد الجواب فهذا لا يمنع أن الإلزام موجه عليك. وذلك كان حين ألزمته على مذهبه وتعريفه لأهل السنة أن يكون المعتزلة من أهل السنة وكذلك سائر الفرق الإسلامية .
وأيضا، تأكدت من أمر آخر ذكروه عن ابن تيمية، وهو: انه كثيرا ما كان يلجأ إلى الأمور العاطفية والخطابة لكي يستثير عواطف الناس، وهكذا فعل هذا الرجل المسمى بالمياديني. مع أن الموقف ما كان يسمح بمثل هذا الأسلوب، لأننا كنا في محل مناظرة ومناقشة هادئة، ولكنه حولها إلى خطابة عنيفة بأسلوب مريض لكي يكسب عطف الناس الموجودين. ولكن ولله الحمد لم يكن الموجودون من العامة فيغترون بكلماته الجوفاء هذه.
ثم إن تحول هذا الرجل عند المناقشة والدفاع عن ابن تيمية إلى القول بأن كتبه قد شوهت وزاد فيها الناس ما شاءوا، هذا الموقف دال على فراغ الرجل علميا، وخلوه من أي معرفة في علم العقائد تؤهله للوقوف في مجلس المناظرة. مع ما يدل عليه هذا الموقف من الانهزام وعدم القدرة على الدفاع عن ابن تيمية في عقائده.
وأقول أخيرا :
قد يكون هذا الرجل قد اتبع هذا الأسلوب لأنه يهمه جدا كما يدعي وحدة المسلمين ووقوفهم صفا واحدا في وجه أعدائهم، ولكن هذا الهم لا يبيح له أن يكيل الاتهامات إلى الناس جزافا كما فعل. وكيف يتفق هذا الفعل مع ادعائه أنه يحب وحدة المسلمين، فهل هذا الفعل يؤدي إلى الوحدة أم إلى الفرق والتباغض، خصوصا عندما أخبرناه أكثر من مرة أننا نؤيد موقفه هذا وأن بحثنا في العقائد ما هو إلا لبيان للحق من الباطل وما أظن هذا الأمر مما يقاوم عليه الناس ويعارضون.خصوصا إذا دعموا أقوالهم بالأدلة. خصوصا أنني والله شهيد على ما أقول لو أنه ذكر لي أدلة قوية توجب رأيه وتدعم قوله لسلمت واتبعته بلا تردد.
وفي نهاية هذه الرسالة العاجلة، أود هنا أن أسجل أمرا: ليفهم الجميع من هم الذين يسمون أنفسهم بالسلفية، وذلك كما يلي:
قبل حوالي عشرة سنوات، كان المنتسبون إلى ابن تيمية يدافعون عنه ضد من يقول إنه يعتقد نسبة الحد لله تعالى، ويعتقد نسبة التجسيم والجهة، وضد من يقول إن ابن تيمية يقول بتسلسل الحوادث في القدم، وضد من ينسب إلى ابن تيمية أي أمر من أمور التشبيه والتجسيم، ودفاعهم عنه كان محاولة نفي هذه التهم!! عنه أو حمل كلامه على محمل حسن.
وأما الآن في هذا الزمان، فكثير منهم إذا خاطبتهم قائلا إن ابن تيمية مجسم ، قالوا وماذا في ذلك ، وما الدليل على انتفاء التجسيم عن الله تعالى، وإذا قلت لهم إن ابن تيمية ينسب الحد إلى الله تعالى فإنهم يقولون لك إن القول بالحد هو قول السلف وبه ورد الكتاب والسنة، وهو قول الأنبياء جميعا!! وما هذا إلا كذب وتلفيق. وإذا قلت لهم إن ابن تيمية قائل بالتسلسل ، يقولون وما الدليل على انتفاء التسلسل. وإذا قلت لهم إن ابن تيمية يقول بقيام الحوادث في الله تعالى، قالوا لك إن هذا هو الحق الصريح، فالكتاب والسنة مصرحان بقيام الحوادث في ذات الله تعالى، وهذا هوقول الأنبياء عليهم وجميع العقلاء.
وهكذا فقد انقلبت جميع التهم التي كان مجرد نسبتها إلى ابن تيمية يعتبر تشنيعا عليه، وإذا ناقش المدافعون عنه ، كان أصل الدفاع محاولة إثبات أن ابن تيمية ليس قائلا بذلك، أو إنه إذا قال به فإنه يقصد به معنى آخر جائز عند المخالف.
وأما في هذا الزمان فانقلب الحال، وصار المنكر لهذه الامور مطالبا بالدليل على نفيها، ولم يعد التجسيم أمرا مسلما نفيه عن الله تعالى، بل تحتاج إلى أدلة قوية لكي تثبت أن الله تعالى ليس بجسم؟؟! فسبحان الله تعالى.
والسبب في هذا:
أن هؤلاء الأغبياء الجهلة عندما كانوا قبل سنوات متبعين لابن تيمية لم يكن يدفعهم إلى ذلك إلا الربح المادي، فلم يكونوا يعتقدون عقيدة الرجل، ولم يكونوا يعرفون ما الذي يقول به ابن تيمية فعلا.
وأما الآن وبعد نشر العديد من كتبه، وبعد أن قرأ البعض منهم هذه الكتب صاروا يعرفون عقيدته، وبالتالي فقد انقسموا إلى أقسام:
خلفهم يدعي أن سلفهم لم يفهم عقيدة ابن تيمية كما ينبغي، وأنه ليس بعالم فيها. وبالتالي فكثير المعاصرين من الشباب منهم يدعي أن من سبقهم لم يكن يفهم حقيقة عقائد ابن تيمية.
وهؤلاء التيميون الجدد صاروا يعتقدون فعلا بما يقول به ابن تيمية من التجسيم والتحديد والجهة الحسية والتركيب من الأعضاء والتحيز والحجم المقدر والحركة الحقيقية التي هي الانتقال من مكان إلى مكان الخ.
هذا هو ما صار إليه حال التيميين.
وأنا أعجب لمن عرف منهم حالهم كيف يسلم لهم قياده في مثل هذه الأمور الخطيرة التي هي لب التوحيد ولبُّ الأديان كلها؟! ولكن ما التوفيق إلا من الله تعالى.
والذي أعتقده أن حال هؤلاء الناس سوف يزداد ميلا إلى عقائد المجسمة وسوف يتوجه كثير منهم إلى التصريح بالتجسيم والتحديد وغير ذلك من صفات الأجسام إلى الله تعالى.
والمتتبع لتاريخهم في الدولة الإسلامية يعلم أن فتنهم سوف تزداد وتشويشاتهم على عقائد الناس سوف تكثر، ولكن كلما اقترب هؤلاء الجهلة من هذه الحالة فإنهم يقتربون في نفس الوقت من هلاكهم، بلغنا الله تعالى ذلك، ومن الله تعالى العون.
وأخيرا :

أرجو من الله العلي القدير اللطيف الخبير الذي يعلم خفايا القلوب ومواقع المقاصد، وأهداف الناس جميعا في أفعالهم وأقوالهم أن يعامل الجميع بعدله.
ويوفق من كانت نيته سليمة ومقصده هو خدمة الدين مجردة عن الأهواء النفسانية والنزعات الشيطانية والمحسوبيات المادية من المصالح الدنيوية والشهوانية الشخصية ،
ومن كان بخلاف ذلك فالله حسيبه في الدنيا والآخرة.

وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مقصد
كتبه
سعيد فودة
الثاني من ربيع الأول سنة 1418هـ
الموافق 6-7-1997م

Published in: on يوليو 26, 2009 at 11:42 ص  اكتب تعليقُا  

الكتاب : موقف السلف الصالح من الصوفية

الكتاب : موقف السلف الصالح من الصوفية

من منشورات منتديات دار الإيمان
موقف السلف الصالح من الصوفية
________________________________________
المحتويات:
مقدمة
إتباع الكتاب والسنة
أدعياء التصوف
افتراء وكذب
كلمة الصوفية وسببها
شهادة علماء الاسلام
اثر الصوفية في المجتمع
أئمة الحركة السلفية
الإمام الذهبي
________________________________________
مقدمة:
======
قد يخطئ كثير من الناس في الحكم على الصوفية ويظن أنهم طائفة خارجة على الإسلام وذلك ربما يكون بحسن نية لما يسمعه ممن لا علم لهم بحقائق الأمور ولذلك لابد من تجلية هذا الأمر في أذهان من التبس عليهم شأنهم فاستعين بالله تعالى وأتبرأ من حولي وقوتي قاصداً وجه الله تعالى متحرياً الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلاً مشيرا إلى بعض الحقائق الثابتة محاولا التقريب بين وجهات النظر ملتمسا العذر للباحثين عن الحقيقة في هذا الموضوع ما دام قصدهم الوصول إلى صراط الله المستقيم لان صادق النية له اجر إذا كان متجردا عن الهوى والتعصب باحثا عن الحقيقة مزعنا لها أينما كانت وان الهدف الأساسي من هذا البحث هو جمع كلمة المسلمين ووحدتهم وإيجاد روح المحبة والتعاون بينهم حتى نتفرغ لأعدائنا ونستجمع قوتنا لتخليص بيت المقدس وأرضنا السليبة ومؤازرة إخواننا المسلمين في أفغانستان وفي كل مكان من ارض الله التي يذكر فيها اسمه لأنه عدونا واحد وإلهنا واحد وديننا واحد وقبلتنا واحدة ونبينا واحد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ولا يريد أعداؤنا منا اكثر من الخلاف وضياع الوقت في الجدال وتمزيق الأمة حتى ننشغل بهذه الأمور الجانبية عن الأمور الكبيرة التي يجب علينا أن نجاهد من اجلها .
وانه من الأمور البديهية والمسلمات الثابتة التى لا اختلاف فيها أن المسلم يجب أن يحمل حالة علي احسن الوجوه وان نلتمس له المعاذير لتبرير وجهة نظره إذا وجدنا إلى ذلك سبيلا وخاص إذا ني عن نفسه الباطل وأعلن ولو بصفة إجمالية انه يريد الحق ويؤمن به وذلك يتجلي فيما قالهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم لأسامة بن زيد : وقد هم يقبل رجل بعد أن نطق بالشهادة : ( أفلا شققت عن قلبه)رواه البخاري
وظل صلَّى الله عليه و آله و سلَّم يعنفه ويلومه علي ذلك مع أن حالة الرجل ونطقه بالشهادة بعد أن تمكن منه أسامه بن زيد توحي بأنه قالها تقيه بعد أن تمكن منه ، وانتصر عليه ولكن الإسلام يضع لنا منهجا ربانيا قويما ولان نخطئ في العفو خير من أن نخطئ في العقوبة وانه يجب علينا أن نكل بواطن الأمور إلى الله ونحكم للمسلم بما أعلنه عن نفسه وجعله شعاره وعنوان عقيدته وليس لنا أن نحمل حالة علي شئ آخر مهما كانت الأسباب وهكذا الأمر ينطبق علي حالة الصوفية و ما يصلنا من أقوالهم وأحوالهم فانك لو سألت أي أحد من هؤلاء القوم أو ممن ينتسب إليهم هل هناك أدنى مخالفة للكتاب والسنة يعتقدها الصوفية لأجابك الجميع بشدة ويقين انه ليس للصوفية أي ابتداع في الدين أو مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم .
________________________________________
اتباع الكتاب والسنة:
======
واليك بعض أقوال أئمتهم : يقول الإمام أبو القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة : الطرق كلها مسدودة علي الخلق إلا علي من اقتفي أثار رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر – أي التصوف – لان علمنا مقيد بالكتاب والسنة .
وقال سهل بن عبد الله : كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء – أي بالمعصوم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم – فهو عيش النفس أي من هوى النفس لا يقبله الله تعالي وهو من كبار الصوفية .
وقال أبو العباس احمد بن أبى الحواري : من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فباطل عمله وقال أبو الحسن النوري : من رأيتموه يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربوا منه وهو من أئمة الصوفية .
وقال ابن عطاء الله السكندري : من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في أوامره وأفعاله وأخلاقه وقال أبو حمزة البغدادي : لا دليل علي الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في أحواله وأقواله وأفعاله وقال أبو القاسم النصر اباذي عالم خرسان : اصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع وترك الرخص والتأويلات .
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي عن الصوفي : إن سالك سبيل الله قليل والمدعي فيه كثير ونحن نعرفك علامتين له الأولى : أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة علي توقيفاته إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها والثانية : لا يصل فيه إلا من واظب علي جملة من النوافل فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض .
وقال الإمام التستي : أصول طريقتنا – أي منهج الصوفية – سبعة : التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة واكل الحلال وكف الأذى وتجنب المعاصي لزوم التوبة وأداء الحقوق وقال أبو حفص أحد كبار الصوفية : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال وقال الشيخ محيي الدين بن عربي : لا يرتجي الوصول من لم يتابع الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ويقول أبو يزيد البسطامي : لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة .
ويقول أبو الحسن الشاذلي : إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف وقل لنفسك إن الله تعالي ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها علي الكتاب والسنة إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التى تبين إن الاستقامة علي الشريعة المطهرة هي افضل من أي كرامة .
________________________________________
أدعياء التصوف:
======
وبناء علي ذلك نري أن كل ما يخالف الإسلام في شئ فلا تصح نسبته إلى الصوفية والتصوف إنما هو من ضلالات المدعين الذين انتسبوا للتصوف زورا وبهتانا أو من الأمور المدسوسة علي كتبهم بقصد الطعن في هؤلاء القوم وتشويه صورتهم ونهجهم كما حدث في كتب التفسير من الإسرائيليات التى تتنافى مع ما عرف عن هؤلاء المفسرين من حرص علي بيان الحق والبعد عن هذه المرويات الملفقة وكذلك ما جاء في كتب الحديث من الأحاديث الموضوعة وقام العلماء الأجلاء ببيانها وذلك فإني أرى إن الهوة بين المعارضين للتصوف نشأت من اقتناعهم بان هذه الأقوال الباطلة هى من صميم آرائهم ولو انهم وضعوا الأمور في نصابها ونظروا نظرة فاحصة مستبصرة لوجب عليهم ألا يلصقوا هذه الأقوال الشنيعة بهؤلاء القوم ويحسنوا الظن بهم وخاصة انهم قد لقوا ربهم واصبحوا بين يدي الله تعالي وأفضوا إلى ما قدموا .
________________________________________
افتراء وكذب:
======
إليك بعض الأمثلة علي ذلك الدس والافتراء علي هؤلاء القوم يقول الشيخ عبد الوهاب الشعرني في كتابه لطائف المنن : ( ومما من الله تبارك وتعالي به علي صبري علي الحسدة والأعداء لما دسوا في كتبي كلاما يخالف ظاهر الشريعة وذلك ما صنفت كتاب : البحر المورودفي المواثيق والعهود وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر وتسارع الناس لكتابته فكتبوا منه نحو أربعين نسخة غار من ذلك الحسدة فاحتالوا علي بعض المغفلين من أصحابي واستعاروا منه نسخته وكتبوا لهم منها بعض كراريس ودسوا فيها عقائد زائفة ومسائل خارقة لإجماع المسلمين وحكايات وسخريات عن جحا وابن الراوندي وسبكوا في ذلك غضون الكتاب في مواضيع كثيرة حتى كأنهم المؤلف ثم اخذوا تلك الكراريس وأرسلوها إلى سوق الكتب في يوم السوق وهو مجمع طلبة العلم فنظروا في تلك الكراريس ورأوا اسمي عليها فاشتراها من لا يخشى الله تعالي ثم دار بها علي علماء الجامع الأزهر فأوقع ذلك فتنة كبيرة ومكث النادي يدورون في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة وانتصر لي الشيخ نصر الدين القاني وشيخ الإسلام الحنبلي والشيخ شهاب الدين بن الحلبي كل ذلك وأنا لا اشعر فأرسل لي شخص من المحبين بالجماع الأزهر واخبرني الخبر فأرسلت نسختي التى عليها خطوط العلماء فنظروا فيها لم يجدوا فيها شيئا مما دسه هؤلاء الحسدة …الخ .
وذلك في كتابه : لطائف المنن والأخلاق ج2 ص 190 وقد ذكر ذلك أيضا المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب ج 8 ص 374 حيث قال : ( وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات تخالف ظاهر الشرع وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع فخذلهم الله وأظهره الله عليهم وكان مواظبا علي السنة ومبالغا في الورع …) الخ .
________________________________________
ومن ذلك يتبين واضحاً جلياً أن كل ما نراه في الكتب منسوباً إليهم وهو مخالف للشرع كما في الطبقات الكبرى للشعراني فهو من وضع الزنادقة وقد جاء في كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبدالقادر عيسي ص 508 وكذلك دسوا علي الشيخ محيي الدين ابن عربي رحمة الله قال الشعراني ” كان رضي الله عنه متقيدا بالكتاب والسنة ويقول : كل من رمي ميزان الشريعة من يده لحظة هلك ” إلى أن قال ” جميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه كما اخبرني بذلك سيدي أبو طاهر المغربي ثم اخرج لي نسخة الفتوحات المكية التى قابلها علي نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونية فلم ير فيها شيئا مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات كما جاء في اليواقيت والجواهر ج 1 ص 9 .
وذكر العلامة ابن عابدين الفقيه الحنفي وصاحب اكبر موسوعة في الفقه الحنيفي أن الراجح عنده بالنسبة لما ورد في كتب الشيخ محيي الدين بن عربي مما يخالف الشرع بأنه مفترى عليه ولذلك تجد نص عبارة صاحب الدر المختار ج 3 ص 303 : ” لكن الذي تيقنته أن بعض اليهود افتراها علي الشيخ قدس الله سره ” بل أن ابن تيميه نفسه يعترف بالدس علي السيدة رابعة العدوية حيث يقول : (وأما ما ذكر عن رابعة عن قولها عن البيت الحرام انه الصنم المعبود في الأرض كذب علي رابعة المؤمنة التقية ..) وذلك في كتاب مجموعة الرسائل والمسائل لا بن تيميه ج1 ص 80 .
________________________________________
كلمة الصوفية وسببها:
======
وأما بالنسبة للتسمية التى كثر حولها الخلاف فنكتفي بما قاله الإمام الشاطبي ناقلا عن أبى القاسم القشيري في كتاب الاعتصام ج1 ص 89 ما يلي : ” انهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البدع فذكر إن المسلمين بعد رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم باسم علم سوي الصحبة إذ لا فضيلة فوقها ثم سمي من يليهم التابعين ورأوا هذا الاسم اشرف الأسماء ثم قيل لمن بعدهم اتباع التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين : الزهاد والعباد قال : ثم ظهرت البدع وادعي كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا فانفر خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف .
وقد ذكر الشيخ مح الحافظ التيجاني في كتابه أهل الحق : ” قال الشيخ ابن تيميه في رسالته الصوفية والفقراء ص18 طبع المنار سنة 1928م عن اصطلاح القوم : وهم يسيرون بالصوفية إلى معنى الصديق وافضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون ولا مشاحة في الاصطلاح فمن جميع بين صفاء العلم في اسمي مرتبه من الشهود الجامع لعلم اليقين وعين اليقين وصفاء العمل في اسمي مرتبة من الإخلاص وصفاء الحال في ذروة الصدق والحب الإلهي والمحبوبية فادعه من الربانيين أو قل من الصديقين أو ادعه صوفيا فلا جناح عليك فالمسمي واحد وان اختلفت الأسماء .
________________________________________
شهادة علماء الإسلام:
======
وهذه شهادة علماء الأمة الإسلامية لمنهج التصوف والصوفية ونبدأهم بالأئمة الأربعة رحمهم الله تعالي فقد نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر المختار : إن أبا علي الدقاق رحمة الله تعالي قال : أنا أخذت هذه الطريقة من أبى القاسم النصر اباذي ، وقال أبو القاسم أنا أخذتها من الشبلي ، وهو من السري السقطي ، وهو من معروف الكرخي ، وهو من داود الطائى ، وهو اخذ العلم والطريقة من أبى حنيفة رضي الله عنه ، وكل منهم اثني عليه واقر بفضله . ثم قال صاحب الدر معلقا : فيا عجبا لك يا أخي ! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟ أكانوا متهمين في هذا الإقرار والافتخار وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ؟ ومن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع ، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع وذلك في كتاب الدر المختار ج 1 ص 43 وعليه حاشية ابن عابدين .
وقال الإمام مالك : ( من تفقه ولم يتصوف فق تفسق من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق ) وذلك في كتاب: ( الشفا للقاضي عياض ) شرح ملا علي القارئ ج5 ص 408 وذكرها أيضا في كتابه عين العلم وزين الحلم ج1 ص 33ونقلها كذلك العلامة العدوي علي شرح الإمام أبى الحسن في الفقه المالكي ج2 ص 195 وجاء عن الإمام الشافعي قوله : حبب إلى من دنياكم ثلاث : ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف والاقتداء بطرق أهل التصوف) وذلك في كتاب : ( كشف الخفايا ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الأحاديث علي السنة الناس ) للعجلوني ج 1 ص 341 .
ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي عن إبراهيم بن عبد الله القلانس أن الإمام احمد بن حنبل قال عن الصوفية : 0 لا اعلم أقواما افضل منهم قيل : انهم يستمعون ويتواجدون ؟ قال : دعوهم يفرحوا مع الله ساعة ) وهذا في كتاب : غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ج 1 ص 10 فهذه أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالي في بيان فضل علم التصوف ومنزلة السادة الصوفية في الإسلام .
________________________________________
نماذج على سبيل المثال:
قال المفسر الكبير فخر الدين الرازي في كتابه : اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ج 2 الباب الثامن في أحوال الصوفية : والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية ويجتهدون إلا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالي في سائر تصرفاتهم وأعمالهم منطبعون علي كمال الأدب مع الله تعالي وهؤلاء هم خير فرق الآدميين والأمام الفخر الرازي هو من تعرف الأمة مكانته العلمية وفقهه ومؤلفاته وعقيدته الإسلامية الصحيحة .
وجاء في كتاب نور التحقيق للشيخ حامد صقر ص 96 : قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالي : قعد القوم من الصوفية علي قواعد الشريعة التى لا تنهدم دنيا وأخرى وقعد غيرهم علي الرسوم .. والعز بين عبد السلام هو العالم العظيم والمجاهد الكبير والفقيه المعروف وقد شهد له كل علماء الإسلام بأنه سلطان العلماء وقال الشيخ تاج الدين السبكي عالم الأصول في كتابه معيد النعم ومبيد النقم ص 119 متحدثا عن الصوفية : والحاصل انهم أهل الله وخاصته الذين ترتجي الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم فرضي الله عنهم وعنا بهم .
والأمام السبكي من كبار الفقهاء وعلماء الأصول المدافعين عن السنة بإجماع كثير من العلماء وقال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه : تأييد الحقيقة العلية ص 57 ك وقد تأملت الأمور التى أنكرها أهل الشرع على الصوفية فلم أرى صوفيا محققا بقول شيء منها وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا انهم صوفية وليسوا منها .
________________________________________
والإمام السيوطي هو المحدث والمفسر وعالم القراءات والحافظ الذي شهد له الجميع ويقول أبو الأعلى المودودي في كتابه مبادئ الإسلام ص 114 فليس التصوف الإسلامي الخالص بشيء مستقل عن الشريعة وإنما هو القيام بأحكامها بغاية من الإخلاص وصفاء النية وطهارة القلب وأبو الأعلى المودودي ليس متهما بالتحيز لهؤلاء الصوفية ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في مجلة لواء الإسلام العدد 12 سنة 1960 م ص 758 وذلك أوجب أن نتجه إلى الصوفية كعلاج أخير لوقاية الشباب من الفساد ولا اعتبر أن هناك علاجا أجدى منها والشيخ أبو زهرة من الفقهاء المعاصرين المشهورين بالحيدة والإنصاف .
________________________________________
هذا وقد جاء في كتاب : العهد الوثيق لمن أراد سلوك احسن طريق للشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية بمصر ص 30 : واعلم أن التصوف المتقدم ذكره عرف أيضاً بتعاريف أُخر منها : أنه الجد في السلوك إلى ملك الملوك مع الأخذ بالأحوط من الأحكام إلى أن قال : ولذا قالوا : الصوفية قعدوا على الدعائم الأصلية ووقف غيرهم على الرسوم ومن هنا فازوا فوزاً عظيماً ، وبلغوا من الكمالات ما لم يصل إليه غيرهم ولكن لا سبيل لك أيها الإنسان إلى ذلك إلا بمجاهدة النفس ليلاً ونهاراً بهمه قوية . والشيخ خطاب السبكي من الذين عرف عنه واشتهر محاربته للبدع والخرافات .
وقال الإمام النووي شارح صحيح مسلم وصاحب كتاب رياض الصالحين : أصول طريق التصوف خمسة تقوي الله في السر والعلن واتباع السنة في الأقوال والأفعال والإعراض عن الخلق في الإقبال والأدبار والرضي عن الله في القليل والكثير والرجوع إلى الله في السراء والضراء وذلك في كتابه (المقاصد في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص 20) والإمام النووي هو علامة عصره وحجة كبرى في الفقه الشافعي وعلم الحديث.
وجاء في كتاب الصوفية والسلفية للشيخ إبراهيم اليوسف : ثم تكلم ابن تيميه رحمة الله تعالى عن المتصوفة فقال في المجلد الحادي عشر من الفتاوى الكبرى 16 : ثم التصوف عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا على حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم: الصوفي من صفاء من الكدر وامتلأ من الفكر و هكذا إلى قال في ص 17 :
________________________________________
فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا : إنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل على طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أولا يتوب ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه وعاصٍ لربه وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولاكن عند المحققين من أهل التصوف ليس منهم وقد تكلم ابن تيميه عن بعض أحوال الصادقين كما جاء في المجلد العاشر من الفتاوى الكبرى ص218 0 الفناء ثلاثة أنواع :
نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين فالأول : فهو الفناء عن إدارة ما سوى الله بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبو يزيد حيث قال : ((أريد أن لا أريد إلا ما يريد))
وأما النوع الثاني فهو الفناء على جهود السوي وهذا يحصل لكثير من السالكين فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد ولا يخطر بقلوبهم غير الله بل ولا يشعرون … إلى أن قال :
وأما النوع الثالث : مما قد يسمي فناء فهوان يشهد أن لا موجود إلا الله وان وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد … وبذلك يتضح موقف ابن تيميه من التصوف وانه يحارب المدعين فقط .
وجاء في كتاب عوارف المعارف للسهر وردي عن الصوفية : ثم أن إيثاري لهدي هؤلاء القوم ومحبتي لهم علما بشرف حالهم وصحة طريقهم المبنية علي الكتاب والسنة ..
وكذلك جاء في رسائل الأخوان المسلمين عن الإمام الشهيد حسن البنا انه كان بقول : دعوتنا دعوة سلفية صوفية اجتماعية وقد عرف عنه انه اخذ الطريقة الشاذلية من الشيخ الحصافي ويظهر ذلك جليا في أوراده ومأثوراته .
________________________________________
أثر الصوفية في المجتمع:
======
ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه : المسلمون في الهند ص 140 : ان هؤلاء الصوفية كانوا يبايعون الناس علي التوحيد والخلاص واتباع السنة … وقال أيضا في كتابه : روائع اقبال ص 7 ولولا وجودهم وجهادهم لابتلعت الهند بحضارتها وفلسفتها الإسلام .
والشيخ أبو الحسن ليس ممن يخدع بزيف من القول بل هو العالم المحقق والمجاهد الكبير وقال الأمير شكيب ارسلان في كتابه : حاضر العالم الإسلامى ج2 ص 393 : إن أسباب هذه النهضة الأخيرة – في إفريقيا راجعة إلى التصوف والاعتقاد بالأولياء – والأمير شكيب ارسلان من المجاهدين والعلماء المعروفين والمشهورين ويقول رشيد رضا في مجلته المنار السنة الأولى ص 726 : لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من أركان الدين لا يطاولهم فيه مطاول وهو التهذيب علما وخلقا وتحققا . والشيخ رشيد رضا لم يكن متحيزا لهؤلاء القوم بل كان منصفا في قوله كلمة الحق التى لا بديل عنها .
ويقول الشيخ محمد عبده : ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له اثر عظيم وكان المقصود مه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس وترويضها بأعمال الدين وجذبها إليه … وهذا ما ذكره الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع في مضار الابتداع – والشيخ محمد عبده لم يكن مبالغا في هذا القول بل قال كلمة حق لما رآه من صدق الصوفية واتباعهم للكتاب والسنة وكذلك الشيخ علي محفوظ كان من المحاربين للبدع ويقول الإمام عبد القاهر البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق ص 189 : في بيان أصناف أهل السنة والجماعة : والصنف السادس منهم الزهاد والصوفية الذي ابصروا فاقصروا واختبروا فاعتبروا دينهم التوحيد ونفي التشبيه إلى أن قال : ( وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) والإمام البغدادي هو من اجل العلماء قدرا وكتابه هذا من أوثق الكتب المعتمدة .
________________________________________
أئمة الحركة السلفية:
======
وقد كتب الشيخ عبد الحفيظ المكي من علماء مكة المكرمة كتاب : موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والصوفية وذكر قول الشيخ محمد عبد الوهاب وابن تيمية وابن القيم وابن رجب الحنبلي وابن كثير والحافظ الذهبي وأخيراً ذكر رأي الإمام أحمد بن حنبل وقد قال في المقدمة
وهكذا نسمع بين حين وآخر من ينادي بأن التصوف كلُّه باطل وأن الصوفية طائفة زائفة لا علاقة لها بالإسلام ، بل إنهم أعداء الدين وإن أصلهم من اليونان أو بوذية الهند … إلى آخر ذلك من الترهات . وهذا كلُّه أيضاً مع الأسف الشديد باسم “السلفية المسكينة ” .
________________________________________
مع أن الواقع بخلاف ذلك ، فان الصوفية عند أئمة الحركة السلفية وسادتهم طائفة إسلامية مثل بقية الطوائف الإسلامية الأخرى كالمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والمجاهدين وغيرهم ، فيهم المصيب والمخطئ ، والصالح والطالح ، والأصلى والمزيف . ولكن إذا أطلق اللفظ فانه يراد به دائما : الصالح والمصيب والصحيح منهم ، فمثلا لو قلنا : “المحدثون” فالمراد به عند الجميع : المحدثون الصالحون الذي حفظوا علي الأمة أحاديث رسول الله ( صلي الله عليه وسلم )وخدموها وبلغوها ونشروها بالطريقة المرضية كالأئمة : البخاري ومسلم والترمذي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والكاندهلوي وغيرهم .
ولا يراد بكلمة المحدثون مطلقا عند أى أحد ، أولئك ” الدجالون والكذابون والوضاعون ” المنتسبون إلى هذه الطائفة الكريمة ، والذين قد بين فسادهم ودجلهم أئمة الجرح والتعديل في كل عصر وزمان هذا كما هو معلوم للجميع .
وهكذا هو الحال في الفقهاء والمتكلمين والمجاهدين والمؤرخين وغيرهم من طوائف المسلمين وهكذا يجب أن يكون الحال في الصوفية أيضا .
فعندما يقال الصوفية فحتما يكون المراد منهم : الفضيل بن عياض ومعروف الكرخي وأبو سليمان الداراني وبشر الحافي وعبد القادر الديلاني والجنيد البغدادي وغيرهم ممن سار علي نهجهم القديم .
ولا يراد بالصوفية البتة أولئك الدجالون المخرفون المخالفون لكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّمالدخلاء علي التصوف وقطاع الطريق إلى الله والدار الآخرة ، فهذا هو قول الحق ومنهج الصدق وسلامة الفكر والإنصاف التام لهؤلاء الذين هم علما الأمة ومجهدوها ولن تجد عالما أو مجاهدا أو تقيا قدم للإنسانية اعظم النفع بعد التابعين إلا وينطبق عليه ذلك الوصف العظيم .
________________________________________
وهذا هو رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التصوف والصوفية وثناؤه عليهم كما جاء في القسم الثالث من مؤلفات الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء ” فتاوى ورسائل ” في الصفحة (31) المسألة الخامسة ، وسئل رحمه الله عن مسائل مفيدة فأجاب : ( اعلم – أرشدك الله – ان الله سبحانه وتعالي بعث محمدا صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بالهدي الذي هو العلم النافع ، ودين الحق الذي هو العمل الصالح .
فإذا كان من ينتسب إلى الدين : منهم من يتعاني بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ، ومنهم من يتعاني العبادة وطلب الآخرة كالصوفية ، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين ” أى الفقه والتصوف ” .
وهكذا يثبت الشيخ محمد عبد الوهاب إن الصوفية سندهم هو رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّمواليه ينتسبون .وجاء أيضا : في (ملحق المصنفات) “هذه مسائل” في صفحة (124) .
ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيرا بمتابعة العلم ، قال بعضهم : ” ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه ” .
وقد نقل العلامة الجليل الشيخ محمد منظور النعماني في رسالته ” دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب طبعة مكتبة الفرقان ، صفحة (76) .
وينهى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رسالته هذه بقوله : (ولا ننكر الطريقة الصوفية وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي المتعلقة بالقلب والجوارح مهما استقام صاحبها علي القانون الشرعي ) .
وهذا هو العلامة ابن القيم من كبار الصوفية كما ذكر الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في الذيل علي طبقات الحنابلة ( الجزء الثاني ) صفحة (448) عن ترجمة ابن القيم بقوله :
( وكان عالماً بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم ، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولي ) .
وجاء في كتاب مدارج السالكين عن تعريف التصوف لابن القيم في الجزء الثاني من صفحة “307” ما نصه :
________________________________________
الدين كله خلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ، وكذلك التصوف قال الكتاني : التصوف : هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف .
وذكر أيضاً في صفحة “366” ما نصه :
قال أو عبد الرحمن السلمي : سمعت محمد بن مخلد يقول سمعت جعفرا يقول سمعت الجنيد يقول : ” المريد الصادق غنى من العلماء ” ، وقال أيضا : سمعت الجنيد يقول : “إذا أراد الله بالمريد خيرا أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء ” قلت : إذا صدق المريد وصح عقد صدقه مع الله ، فتح الله على قلبه ببركة الصدق وحسن المعاملة مع الله ما يغنيه عن العلوم التى هي نتائج أفكار الناس وآرائهم وعن العلوم التى هى فضله ليست من زاد القبر .
وفي الجزء الثالث صفحة (128) ما نصه : قال الشافعي رضي الله عنه : صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون : الوقت سيف فان قطعته وإلا قطعك ، ونفسك أن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل .
قلت : يا لهما من كلمتين ، ما انفعهما واجمعهما وادلهما علي علو همة قائلهما ويقظته ، ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم .
الإمام الذهبي:
وهذا هو الإمام الحافظ الذهبي يذكر في ترجمته للمحدثين كثيرا من الصوفية : ننقل منهم ما جاء في تذكرة الحفاظ الجزء الثالث صفحة (852) عن ( ابن الإعرابى ) الإمام الحافظ الزاهد شيخ الحرم أبو سعيد احمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي صاحب التصانيف وكان ثقة ثبتا عارفا ربانيا كبير القدر بعد الصيت .
وكذلك في صفحة (961) : (غندر) وإما غندر الثالث فهو صوفي محدث جوال ، لقي الجنيد وطبقته وكتب الحديث وسكن مصر .
________________________________________
وفي صفحة (1070) (الماليني) الحافظ العالم الزاهد أبو سعد احمد بن محمد بن احمد ابن عبد الله ابن حفص الأنصارى الهروي المالينى الصوفي ، ويعرف أيضا بطاووس الفقراء .. وجمع وحصل من المسانيد الكبار شيئا كثيرا ، وكان ثقة متقنا صاحب حديث ومن كبار الصوفية .
وفي صفحة (1092) ( أبو نعيم ) الحافظ الكبير محدث العصر احمد بن عبد الله بن احمد ابن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصفهانى الصوفي …
وفي صفحة (1170) : (الكتاني) الإمام المحدث مفيد دمشق ومحدثها أبو محمد عبد العزيز بن احمد بن محمد علي التميمي الدمشقي الصوفي ، سمع الكثير وجمع فأوعى …
وفي الجزء الرابع صفحة (1356) : (الشيرازي) الإمام الحافظ الرحال أبو يعقوب يوسف بن احمد بن إبراهيم الصوفي مفيد بغداد وشيخ الصوفية بالرباط الأرجوانى .
وفي نهاية الجزء الرابع وهو الأخير من تذكرة الحفاظ ما نصه : ولزمت الشيخ الإمام المحدث مفيد الجماعة أبا الحسن علي بن مسعود ابن نفيس الموصلي وسمعت منه جملة ، وكان دينا خيرا متصوفا متعففا .
وسمعت من مفيد الطلبة المحدث الإمام المتقن اللغوي صفي الدين محمود ابن أبى بكر الارموى ثم القرافي الصوفي .
وسمعت من الإمام المحدث الأوحد الأكمل فخر الإسلام صدر الدين إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حمويه الخرساني الجويني شيخ الصوفية .
وقد لاحظت أن أمثال الحافظ الذهبى أيضا له عدة مشائخ من الصوفية بل انه ما ذكر في أحد منهم انه ” لزمه” إلا الذي وصفه منهم انه كان ” دينا خيرا متصوفا متعففا ” واليك أيضا الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته في الذيل علي طبقات الحنابلة وهو يذكر كثيرا منهم بأنه صوفي فقد جاء في الجزء الأول صفحة “211” في ترجمة الإمام أبى محمد عبد الله بن علي البغدادي :
قال الحافظ الضياء المقدسي : اخبرنا أبو الفضل عبد الواحد بن سلطان ببغداد ، اخبرنا محمد المقرئ ، أجاز لهم وأنشدنا لنفسه :
ترك التكلف في التصوف واجب … ومن المحال تكلف الفقراء
قوم إذا امتد الظلام رأيتهم … يتركعون تركع القراء
فإذا رأيت مخالفا لفعالهم … فاحكم عليه بمعظم الإغواء
________________________________________
وذكر أيضاً الجزء الثاني صفحة (329) إبراهيم بن علي بن احمد بن فضل الوسطي الصالحي الفقيه الزاهد العابد شيخ الإسلام بركة الشام قطب الوقت تفي الدين أبو إسحاق .
وفي صفحة “351” علي بن مسعود بن نفيس بن عبد الله الموصلي ثم الحلبي الصوفي المحدث …
وفي صفحة “353” محمد بن عبد الله بن عمر بن أبى القاسم البغدادي المقرئ المحدث الصوفي وكذلك ما ذكره أبو يعلي عن تلاميذ الإمام احمد بن حنبل فكثيرا ما يثني علي بعضهم بأنه صوفي فقد ذكر الإمام الحافظ القاضي أبو الحسين بن أبو يعلي في طبقات الحنابلة الجزء الأول صفحة “36” : ( احمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد ، أبو عبد الله الصوفي سمع علي بن الجعد وأبا نصر التمار ويحيي بن معين من آخرين ، نقل عن إمامنا أشياء .
وكذلك في صفحة (418) يوسف بن الحسن بن علي أبو يعقوب الرازي من مشايخ الصوفية ، كان كثير الأسفار ، وصحب ذالنون المصري وأبا تراب النخشبي وأبا سعيد الخزاز وحكي عن ذى النون ، وسمع إمامنا احمد .
________________________________________
وبذلك يتجلي واضحاً للعيان من هذه القول التى أوردناها من كتب رجال الحديث والفقه أن كلمة صوفي تعنى أن صاحبها بلغ درجة كبيرة في التقوى ولا يمكن أن نتصور أبداً أن هؤلاء الأئمة الذين قبلت الأمة أحكامهم على صحة الأحاديث النبوية كالإمام الذهبي أن تصفوا بها رجال الحديث والفقه على أنها دخيلة علي المنهج الإسلامي كما يدعي بعض الناس ذلك ويقولون : لماذا نسميهم صوفية والله تعالى يقول : (هو سماكم المسلمين من قبل) فهل غاب عن هؤلاء الأجلاء فهم هذه الآية حتى يتركوا العمل بها ويطلقوها بلا تبصر وروية إنهم علموا وتيقنوا أن إطلاق هذه الكلمة لا يتعارض مع الآية الشريفة كما سبق أن شرح الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام عن سبب هذه التسمية وبدء ظهورها وإنها وصف لقوم التزموا بكل مبادئ الإسلام من العبادة والجهاد في سبيل الله والجهر بكلمة الحق كالعز بن عبد السلام الذي شارك في الجهاد وأفتى ببيع المماليك وكذلك أبو الحسن الشاذلي الذي شارك في معركة المنصورة وغيرهم كثير وذلك ليبطل القول انهم يلتزمون بالعبادة والزهد ولا يشاركون في معترك الحياة بل هم في الحقيقة رهبان بالليل سباع بالنهار فإطلاق لفظ الصوفية عليهم كما أطلق علي الصحابة أو التابعين ولم يقتصروا علي كلمة المسلمين .
________________________________________
وأخيراً بعد هذه الحجج الدامغة من أقوال العلماء الأجلاء الدين يعتد بشهادتهم ولا يستغنى باحث عن الاستدلال بآرائهم في شتى العلوم المختلفة كالفقه والأصول والتفسير والحديث هل يشك عاقل في نسبة التصوف والصوفية إلى أهل السنة والجماعة الذين يتمسكون بالكتاب والسنة اللهم إلا إذا كان الهوى والتعصب هو الذي يحول بينه وبين البحث العلمي الصحيح والحقيقة وأنه إذا كنا نسمع أن هناك خصومة بين الصوفية والسلفية فذلك مع أدعياء التصوف وليس مع الصوفية الصادقين لان الصوفية هم كبار العلماء الذين خدموا الأمة بمؤلفاتهم في مختلف فروع علوم الدين الإسلامى الحنيف وإذا أردنا أن ننسب أحدا إلى السلف الصالح فلن نجد غيرهم فالقول بوجود خلاف بين الصوفية والسلفية غير صحيح وإنما الخلاف بين من انتسبوا إلى التصوف كذبا وافتراء وبين غيرهم أو ممن يدعون الانتساب إلى السلفية .
ألا فليتق الله كل مسلم باحث عن الحقيقة والأحرى به أن يراجع تلك النصوص التى أوردتها من الكتب المختلفة ليقف علي حقيقة أمر هؤلاء الرجال ولا يسارع إلى الحكم عليهم إلا بعد التثبت والتمحيص فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها ولا داعي للهجوم عليهم أو التسمية التى كثر حولها الخلاف وهل هي لقب أو نسبة فلا مشاحة في الاصطلاح كما قال الشيخ ابن تيميه والذى يعنينا هو الجوهر والمضمون وما هو عليه هؤلاء القوم من عقائد وآراء .
ونظراً لان الموضوع يشتمل على أدلة كثيرة فأكتفي بهذا القدر لضيق المجال وأدعو الله تعالى أن يرزقنا الصدق في الأقوال والأفعال وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يجنبنا الزلل ويحفظنا من الزيع والضلال إنه سميع مجيب .
وصل الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب
________________________________________

إجابات مؤلفي كتاب أهل السنة الأشاعرة على أسئلة أعضاء الملتقى ملتقى النخبة محمود بن سالم الأزهرى

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا بحث صغير يتضمن ردود من مؤلفى كتاب الأشاعرة اهل السنة
حيث أن هذا محلُّه الرد المفصّل الذي ننوى إظهاره – يسَّر الله تمامه –
وفيه أن الأستاذين شرعا في بيان أغاليط ومغالطات كتاب: “الأشاعرة في ميزان أهل السنة”لفيصل بن قزار الجاسم…نسأل الله سبحانه تحقيق إنهائه عاجلا.

إجابات (مؤلفي كتاب أهل السنة الأشاعرة) على أسئلة أعضاء الملتقى

تحيتى لكم

محمود بن سالم الأزهرى
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وعلى جزيل فضله وجليل امتنانه، والصلاة والسلام على خيرته من خلقه وصفوته من عباده محمد وآله وصحبه.
وبعد…
فإننا قد اطلعنا على ما تفضل به الإخوة الأعضاء في ملتقى النخبة المبارك ، جزاهم الله خيرا من أسئلة تتعلق بالبحث الذي جمعناه وأعددناه ، فكتبنا هذه الإجابات المختصرة التي نرجو أن تكون شافية لا سيما إذا روعي ما فصلناه في البحث من موضوعات أشرنا إليها هنا مجرد إشارة .
والله ولى التوفيق .
لقد قرأنا ما نُشِر ردّاً على بحثنا , ورأيناه لم يأت بجديد سوى تهويل الدعاوى وتطويل المغالطات وشحن الأغاليط ، فحاولنا في ما يأتي أن نشير إلى شيء مما وقع فيه صاحب كتاب ( الأشاعرة في ميزان أهل السنة ) متجاهلين الآخر لأنه دخل فى ضمنه .
وهذا أوان الشروع في المقصود .
أمثلة بسيطة على التخبط والجهل بل والتجاهل الذي كان سمة الكتاب وصاحبه:
المثال الأول:
قال صاحب كتاب ( الأشاعرة في ميزان أهل السنة ) ص 483 :
( المطلب الأول : تقرير أن الله تعالى يتكلم متى شاء وأن كلامه يسمع من ذاته تعالى من كلام أبى الحسن الأشعري .
قال في الإبانة في الباب الرابع : الكلام فى أن القرآن كلام الله غير مخلوق …. دليل آخر : وقد قال الله عز وجل ” وكلّم الله موسى تكليما ” والتكليم المشافهة ) انتهى نقله من الإبانة .
قال بعده : قال الجوهري : المشافهة المخاطبة من فيك إلى فيه . )
ثم قال معلقا : ( وهذا ظاهر في أن أبا الحسن الأشعري يثبت أن الله تعالى شافه موسى عليه السلام ، فخاطبه تعالى من ذاته ، وأن موسى سمع كلام الله تعالى حينئذ بلا واسطة ، ولا يكون هذا إلا إذا كان حرفاً وصوتا مسموعا . ) انتهى كلامه .
والآن لنتأمّل قليلا في كلامه الغريب !!
– الله تعالى كلّم موسى تكليما .
– والتكليم المشافهة ، بدليل نص الإبانة . !
– والمشافهة المخاطبة من الفم ، بدليل تفسير الجوهري للمشافهة ، فيلزم أن يكون لله تعالى فم كي تصح المشافهة والتكليم !!
نستنتج من كل هذا أن الكلام كان بحرف وصوت .
لن نناقش هذا الرجل في كلامه هذا كثيرا ، لتهافت قوله وسقوطه ، لا سيما استشهاده بشرح لفظ المشافهة ، في حين أن الجوهري يشرح المشافهة التي هي من شأن المخلوقين بدليل قوله من فيك إلى فيه .
فهل يقول مثلاً ، إن الهرولة المنسوبة إلى الله تعالى في الحديث هي ضرب من العدو بين المشي والعدو لأن أهل اللغة فسرّوها بهذا ؟ !
أم هل يقول إن الضحك المنسوب إلى الله تعالى هو عبارة عن افترا ر الثغر عن الأسنان ، لأن أهل اللغة فسّروا الضحك بهذا ؟!
لا علينا من هذا ، وإليكم هذه الغريبة :
من المقرِّظين الذين قرظوا كتاب هذا الرجل ، مشهور حسن سلمان ، قال هذا المقرظ في تقريظه :
( فقد أطلعني أخي الباحث الشيخ فيصل بن قزار الجاسم حفظه الله ورعاه وسدده ونفع به على كتابه القيم ” الأشاعرة في ميزان أهل السنة ” فقرأته ، فوجدته نافعاً نصر فيه مذهب السلف الصالح في الأسماء والصفات . ) انتهى
فهو قد قرأه بل وتذوقه ورآه ناصراً لمنهج السلف في الصفات ، ولكنه فاته على ما يبدو أن المشافهة التي أثبتها صاحب الكتاب تناقض ما عليه منهج السلف الصالح في الصفات ، فاته أن يقول لصاحب الكتاب أن وجود شيء من ذلك فيما ينسب إلى السلف من كتب وأقوال يطعن بصحة هذه النسبة .
فانظروا إلى قول هذا المقرظ في كتابه ( كتب حذر منها العلماء ) الجزء 2 / ص 297 عند كلامه على رسالة الإصطخرى المنسوبة للإمام أحمد ، قال هناك :
هذه الرسالة منحولة على الإمام أحمد ….. والدليل على ذلك أمران :
الأول : فيها من العبارات ما يخالف منهج السلف الصالح في الصفات ، وفيها من التفصيلات والإثباتات ما يجعل المنصف يستبعد صدور مثل ذلك من مثل هذا الإمام … ففيها مثلا :” وكلّم الله موسى تكليما من فيه ” ، ” وناوله التوراة من يده إلى يده ” ، وهكذا .. ) .انتهى
فجعل هذا دليلاً على بطلان نسبة هذه الرسالة إلى أحمد – وهذا حق – وجعل هذا المنهج مخالفا لمنهج السلف الصالح.
في الجانب الآخر نرى صاحب الرد يجعل ذات الأمر بعينه من منهج السلف الصالح ، وأن الله كلّم موسى مشافهة أي مخاطبة من فيه إلى فيه أي أن لله تعالى فماً ، ثم يستنتج من هذا كله أن الكلام بحرف وصوت .
ترى أي العقيدتين هي عقيدة السلف الصالح ؟!
وإن تعجب فعجبٌ قول المقرِّظ في تقريظه ( فقرأته فوجدته نافعاً نصر فيه مذهب السلف الصالح في الأسماء والصفات ) !!
فهل قرأه فعلا ؟
إن كان قد فعل ، كيف يكون التوفيق بين ما قاله في نفى رسالة الإصطخرى عن أحمد وبين ما قاله صاحب الكتاب فى المشافهة ؟
وإن كان لم يقرأه ، فهذا لا شك أنه كذب صريح ، وشهادة زور شهد بها لصاحب الكتاب ، ويصدق عليه قول الإخوة المصريين (( شاهد ما شافش حاجة )) .
وقريب مما مرّ ،اعتماد صاحب الرد على كتب اعتبرها – بزعمه – ممثلة لعقيدة السلف الصالح ، ونعيه علينا عدم نقلنا عنها ، مثل كتاب ” الرد على الجهمية ” المكذوب على الإمام أحمد ، و ” السنة ” المنسوب إلى ابنه عبد الله وكتاب ” النقض ” المنسوب إلى عثمان الدارمى ، وفى هذه الكتب من العبارات المستشنعة ما يجعل العبارات الموجودة في رسالة الإصطخرى لا شيء إذا قورنت بها .
وقد وردت نفس العبارات التي استشنعها مشهور من المشافهة ، ووضع اليد باليد في كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، واعتبره صاحب الرد من الكتب المعتمدة في نقل اعتقاد السلف الصالح ، وسكت المقرِّظون ومنهم مشهور مع أنه رجَّح كذب رسالة الإصطخرى وما فيها لا يدانى في التجسيم ما في كتاب السنة !!
وإليك نماذج مما جاء في كتاب السنة، لتعلم قدر التناقض والتطفيف من المقرِّظ، والمقرَّظ، والمقرَّظ له.
قال صاحب كتاب السنة ص 28 : ( عن محمد بن كعب القرظى قال : كأن الناس إذا سمعوا القرآن من فى الرحمن يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك ) ، أثبت للرحمن فماً !!
وهذا دليل لصاحب الرد لعله فاته !!
وفى ص 11 : ( حدثني أحمد بن سعيد أبو جعفر الدارمى ، سمعت أبى سمعت خارجة يقول : …..
” الرحمن على العرش استوي ” فهل يكون الاستواء إلا الجلوس ؟ ) !!
وفى ص 14 : ( عن محمد بن عيسى الطباع ، سمعت ابن إدريس سئل عن قوم يقولون : القرآن مخلوق ، فاستشنع ذلك ، وقال : سبحان الله شيء منه مخلوق ، وأشار بيده إلى فيه )
وفى ص56 : ( ثم يأتينا ربنا بعد ذلك يمشى )
وفى ص 64 : ( كيف كلّم الله موسى ؟ قال : مشافهة ) ، فليضم صاحب الرد هذا إلى أدلته !!
وغير ذلك مما يقشعر منه البدن مثل ( حتى يضع بعضه على بعض )،( حتى يضع يده بيده ) ، رآه على كرسي من ذهب …) ، ( كتب الله التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة … )، (شبهت صوته – تعالى – بصوت الرعد حين لا يرجع ).
فهل هذه الألفاظ والعبارات على مذهب مشهور مقرِّظ الكتاب مما يستشنع ؟
فإن كانت كذلك، كيف يسكت على قول المؤلف وهو يعدِّد الكتب المعتبرة – بزعمه – في اعتقاد السلف:
( و ” السنة ” لابنه عبد الله ) ، كيف يكون ” السنة ” مع وجود هذه المخازي ممثلاً لاعتقاد السلف الصالح ؟ !!
وفيما يلتحق بما ذكرنا عن هذا المقرِّظ ، عدُّه كتاب الفقه الأكبر لأبى حنيفة رحمه الله تعالى ضمن الكتب التي حذر منها العلماء ، فقال في الجزء 2 / ص292 :
( في صحة نسبة الكتاب للإمام أبى حنيفة رحمه الله وقفة ، لأنه متضمن مسائل لم يكن الخوض فيها معروفا في عصره ولا العصر الذي سبقه ، على أن عددا غير قليل من مسائله يؤيدها ما تناثر في كتب الفقه والتراجم من نقول عن الإمام . )
ثم قال عن أبى مطيع راوي الرسالة عن الإمام : ( وأبو مطيع هذا متكَلَّم فيه كما تراه في الميزان .) انتهى
ولكنه يغض الطرف عن النصوص التي أوردها صاحب الرد عن الفقه الأكبر. !!
ولسنا بصدد نقد مضمون تلك النصوص، إذ قد يكون مضمونها صحيحا، وإنما قصدنا هو غرابة المنهج المتبع.
على أنه لنا أن نحتج بما جاء في الفقه الأكبر برواية حماد على أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت ، ولا حدَّ له ، وأنه تعالى خلق الأشياء لا من شيء . الخ .
أم أنه سيعترض علينا بأن الفقه الأكبر غير ثابت للإمام ، وأن هذه المسائل من المسائل التي لم تكن في عصره ؟ !
قال صاحب الرد ص 100 :
( وقال – يعنى أحمد بن حنبل – في كتابه الرد على الجهمية والزنادقة في باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلّم موسى ، قال : ” فلما خنقته الحجج قال : إن الله كلّم موسى إلا أن كلامه غير …. وحديث الزهري قال: ” لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك ؟
قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلّمتُك بقوة عشرة آلاف لسان، ولى قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك …..
فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك ؟ قال : سبحان الله ! وهل أستطيع أن أصفه لكم ؟
قالوا فشبِّهْه
قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها ؟ فكأنه مثله . ”
فقال صاحب الرد معلِّقا: ( وليس أبين من هذا في أن الله يتكلم حقيقة بصوت عظيم لائق به لا يشبه أصوات الخلق ) انتهى.
ونحن نقول: هكذا فليكن البحث العلمي الأمين الدقيق، وإلا فلا !!
– كتاب الرد على الجهمية الموضوع على الإمام أحمد ، قال الذهبي :
( ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبى عبد الله فإن الرجل كان تقياً ورعاً لا يتفوّه بمثل ذلك . ولعلّه قاله).!!
قال الشيخ شعيب الأرناؤوط معلِّقاً في الهامش :
( ومما يؤكِّد أن هذا الكتاب ليس للإمام أحمد أننا لا نجد له ذكراً لدى أقرب الناس إلى الإمام أحمد بن حنبل ممن عاصروه وجالسوه ، أو أتوا بعده مباشرة وكتبوا في الموضوع ذاته … ) انتهى
وعبارة (( ولعله قاله )) بعد الكلام الأول لا معنى لها إذ كيف يكون ( تقياً ورعاً لا يتفوَّه بمثل ذلك ) أي إن ما في هذه الرسالة يَجِلُّ قدر أحمد أن يقوله، فكيف يقال بعد ذلك ( ولعله قاله ) !!
فيكون المعنى : ولعله قاله على الرغم من تقواه وورعه ، وعلى الرغم من أن مضمون الرسالة منافٍ للتقوى والورع .!
وهذا غريب !!
وقال في الهامش مخرجا للخبر : ( الرد على الجهمية والزنادقة …. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه : منها مجموع الفتاوى …. ودرء التعارض ….
وهذا لفظ حديث جابر رضي الله عنه : رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره … والبزار كما في مجمع الزوائد …. وابن بطة في الإبانة …. و أبو نعيم في الحلية ….. والآجرى فى الشريعة …. والبيهقى في الأسماء والصفات ….. وعزاه ابن كثير في تفسيره إلى ابن مردويه …. وفيه الفضل بن عيسى الرقاشى ، قال ابن كثير .. ” ضعيف بمرة ” ) انتهى
فليتأمل المنصف منهج هذا الرجل البعيد عن الأمانة العلمية، انظر كيف عزا الخبر إلى تسعة مصادر بغية التأكيد على حجيته، ولكي لا يقال: تعمّد تجاهل حال الراوي الذي عليه مدار سقوط الخبر، قال: ( قال عنه ابن كثير: ضعيف بمرة ) هكذا !!
واكتفى هنا بقول ابن كثير، والسبب أنه هنا يهمُّه ثبوت الخبر ، لكي يثبت الدعوى المسبقة في الذهن، وهى وصف الله تعالى بما جاء في هذا الخبر الواهي ، بيد أنه في الجانب الآخر هناك ، كردِّه لرواية حبيب عن مالك فأنت تراه يبالغ في نقل الأقوال في جرحه .
وهذا أسلوب سماته واضحة في كتاب الرجل ، وهو بعيد كل البعد عن الأمانة العلمية .
وإليك أيها القارئ الكريم بعض أقوال أئمة الجرح والتعديل في الفضل بن عيسى الرقاشى :
قال سلام بن أبى مطيع عن أيوب : لو أن فضلاً وُلد أخرس لكان خيراً له .
وقال أحمد: ضعيف
وعن يحيى بن معين: لا تسأل عن القدري الخبيث
وعن ابن عيينة قال: لا شيء
وقال أبو زرعة : منكر الحديث
وقال الآجرى : قلت لأبى داود : أكتب حديث الفضل ؟
قال: لا ولا كرامة، وقال مرة: كان هالكا، وقال أيضا: كان من أخبث الناس قولا.
وعن ابن عيينة: كان يرى القدر، وكان أهلاً أن لا يروى عنه.
هذا بعض ما قيل في الرجل، ولكن الكاتب لم يتعرض لذكر أي شيء من هذا ولو من بعيد، واقتصر على قول ابن كثير لأن المقام مقام استشهاد بالنص المطلوب وهو بحاجة إليه !!
ثم قال نفس الهامش: ( وأما حديث الزهري فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره … وابن أبى حاتم في تفسيره … وعبد الله في السنة … وابن جرير …. وابن بطة في الإبانة … والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق …. كلهم من طريق الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن قال : أخبرني جرير بن جابر الخثعمى أنه سمع كعب الأحبار يقول :
” ( لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا، حتى كلمه آخر ذلك بلسانه بمثل صوته
فقال موسى : هذا كلامك يا رب ؟
قال الله تعالى: لو كلمتك كلامي لم تكن شيئا، أو قال لم تستقم له.
قال: أي رب، هل من خلقك شيء يشبه كلامك ؟
قال: لا، وأقرب خلقي شبهاً بكلامي أشد ما يسمع الناس من الصواعق ). انتهى
ثم يعلق: ( قال ابن كثير: هذا موقوف على كعب الأحبار وهو يحكى عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.
قلت: ( القول لصاحب الرد ) وليست الحجة في هذا الحديث الضعيف، وإنما استشهاد الإمام أحمد به وقبوله لما دل عليه من صفة كلام الله تعالى وأنه بصوت مسموع حقيقة ). انتهى
ولنا أن نسأل: هل يحق لأحمد أن يثبت حكماً فقهيا ً- فضلاً عن أن يكون صفة لله تعالى – لا دليل عليه ؟
وعند التحقيق في كلامه هذا نخرج بقاعدة لو سمعها الإمام أحمد ذاته لمات خوفاً من الله تعالى وهى : أن صفات الله تعالى تثبت بقول الله تعالى أو بقول رسوله صلى الله عليه وسلم أو بقول أحمد !!
ولينظر القارئ المنصف إلى المنهج الغريب في نقد الأخبار وإثباتها أو نفيها ، فهناك – مثلاً – في خبر تأويل أحمد للمجيء ، يصحح الخبر الإمام البيهقى ، ويقرُّه ابن كثير ، ويقول به نفر من متقدمي الحنابلة ويعتبرونه رواية عن أحمد
يكفى في نسف هذا كله عند الرجل قول ابن تيمية أنه خلاف المشهور عنه
وهنا :
– كتاب موضوع مكذوب على الإمام أحمد ، وعلى أقل تقدير هو مشكوك في صحة نسبته إليه.
– خبران تالفان سندا، وباطلان ساقطان متنا لمناقضتهما للقطعي من كلام الله تعالى، فالله تعالى يقول مخبرا عن نفسه ( ليس كمثله شيء )
ويجيء هنا تشبيه لكلام الله تعالى بكلام خلقه
( فكأنه – صوت الصواعق – مثله )
و ( أقرب خلقي شبها بكلامي أشد ما يسمع الناس من الصواعق )
هذا كله لا يقدح في القضية التي ساق هذه الأخبار لإثباتها، ثم لا يكتفي بهذا، بل يزيد، ويقول:
( وليس أبين من هذا …. ) انتهى .
أي أنه في غاية البيان حتى أنه لا أبين منه في الدلالة !!
لا تعجب – أيها القارئ الكريم – من هذا ، واعجب من مرور مقرظي هذا الكتاب ، كيف يمرون على هذا الكلام الساقط ثم لا يكون لهم تعليق ، أو تنبيه للكاتب على هذا التلاعب ، ويأبون إلا المبالغة في إضفاء الصفة العلمية والموضوعية على الكاتب وكتابه !!!
ولله في خلقه شؤون .
المثال الثاني:
قال صاحب الكتاب : ( الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت قال رحمه الله في وصيته في التوحيد ” ونقر بأن الله سبحانه وتعالى استوي من غير أن يكون له حاجة، واستقر عليه وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج. فانظر كيف فسر الاستواء على العرش بالاستقرار عليه . ) انتهى من ص172 .
إن الحاجة تدفع صاحبها إلى الرعونة أحيانا حتى قيل ( صاحب الحاجة أرعن )، وهذا الرجل صاحب حاجة، كلف في إدراكها، وهذا جعله يتلقف القول دون تدبر ولا نظر ويطير به فرحا، وهو لا يدرى أن الكلام عليه لا له.
والعجيب منه أنه اكتفى بالنقل من كلام الإمام عند قوله: ( من غير احتياج )، وتمام الكلام كما في وصية الإمام
( من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل العرش أين كان الله ؟ تعالى عن ذلك علواً كبيرا ) انتهى.
وتمام الكلام يهدم ما قاله هذا الرجل من أساسه ، بل إن النقل الذي نقله صريح في الرد عليه لو تدبر ركاكة الكلام المنقول ، وغرّه أن طبعة الكوثرى جاء بها الكلام على النسق الذي نقله .
وتصويب النص حسب المخطوط وما ذكره ملا على قاري في شرحه على الفقه الأكبر يكون هكذا:
( استوي على العرش من غير أن يكون له حاجة واستقرار عليه … ) .
والعبارة على وضوحها التبست على هذا، وما هذا إلا لولعه في إثبات ما يريد ولو على حساب النص.
أما كتاب الوصية والفقه الأكبر وغيرهما من رسائل الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى فزاخرة بالنصوص التي تفند كثيرا من الدعاوى التي ملأ بها هذا الرجل كتابه .
فعلى سبيل المثال ، يقول الإمام أبو حنيفة في الوصية :
( ونقول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق ووحيه وتنزيله ، لا هو ، ولا غيره ، بل صفته على التحقيق مكتوب في المصاحف ، مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور غير حالٍّ فيها ، والحبر والكاغد والكتابة كلها مخلوقة ، لأنها أفعال العباد ، وكلام الله تعالى غير مخلوق ، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن لحاجة العباد إليها ، وكلام الله تعالى قائم بذاته ومعناه مفهوم بهذه الأشياء … )
وقال قبل ذلك : ( الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان …. والإيمان لا يزيد ولا ينقص …. العمل غير الإيمان والإيمان غير العمل ….. والاستطاعة مع الفعل ، لا قبل الفعل ولا بعد الفعل …) انتهى
وفى رسائله الأخرى الكثير من النصوص التي تخالف و تهدم ما جاء به هذا الرجل في كتابه.
ويكفى من العقد ما أحاط بالجيد، والحمد لله تعالى على فضله إنه حميد مجيد.
المثال الثالث:
وقال رادا علينا في إيرادنا تأويل الإمام مالك للنزول: ( فالجواب أن هذا الأثر لا يصح عن الإمام مالك لأمور،
أولها : أنه من رواية حبيب كاتب مالك وهو كذاب …..
والثاني: أن هذا الأثر مخالف للمعروف المستفيض عن الإمام مالك
ثم قال متهكما متعالما: ( ولا أدرى هل يعرف المؤلفان معنى الشهرة المستفيضة أم لا ؟ )
والذي قلناه : ( إلا أن أصحاب المذهب أعرف بأقوال إمامهم من غيره ، لا سيما إذا كان القول مشهورا عندهم شهرة مستفيضة . )
هذا ما قلناه ولم نعد الحقيقة فالخبر كما رواه حبيب فقد رواه غيره كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد فقال:
( وقد قال قوم من أهل الأثر أيضا: أنه ينزل أمره وتنزل رحمته، وروى ذلك حبيب كاتب مالك وغيره …. وقد روى محمد بن على الجبلي وكان من ثقات المسلمين بالقيروان قال ، حدثنا جامع بن سوادة بمصر قال ، حدثنا مطرف عن مالك بن أنس أنه سئل … فقال مالك : يتنزل أمره .
وقد يحتمل أن يكون كما قال مالك رحمه الله على معنى أنه تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة وذلك من أمره أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت …. ) انتهى من التمهيد 7 / 143 .
فابن عبد البر لم يقل هذا لم يصح عن مالك لأن حبيبا فيه كذا ، أو لأن جامع بن سوادة فيه كذا ، كلا ، لم يقل أي شيء من ذلك بل جزم بأن القول لمالك ، وذلك بقوله ( كما قال مالك ) .
وكثير من أئمة المالكية ينقلون هذا عن مالك في كتبهم دون إنكار أو قدح، كأبي عمرو الداني وابن عبد البر، والقاضي عياض و أبى بكر بن العربي ، وغير المالكية كذلك، كالإمام النووي وابن حجر وغيرهم.
إلا أننا لم نسق هذا لإثبات دعوانا، كلا، فهذا محلُّه الرد المفصّل الذي ننوى إظهاره – يسَّر الله تمامه – وإنما ليرى القارئ التناقض الغريب الذي وقع فيه الرجل وسكت عنه مقرظو كتابه.
فهو في الوقت الذي ينتفخ فيه بالتظاهر بالعلم والإحاطة بالرجال فينبري ينقل لنا في حبيب كاتب مالك ومحمد بن على الجبلي وجامع بن سوادة أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم ، يغفل عن رجال أثبت عن طريقهم أقوالا للسلف وعلماء الأمة ، مثل نوح بن جامع وأبى طالب العشارى وابن كادش
قال في ص 397 :
وقال نوح بن الجامع : قلت لأبى حنيفة ، ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام ؟ فقال : مقالات الفلاسفة …)
فلننظر ماذا قال العلماء في نوحٍ هذا
قال أبو حاتم ومسلم والدولابى والدارقطنى : متروك الحديث
وقال النسائي : ليس بثقة
وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث
وقال البخاري : قال ابن المبارك لوكيع ، عندنا شيخ يقال له أبو عصمة – يعنى نوحا – كان يضع كما يضع المعلى بن هلال
وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به بحال ، وقال أيضا : نوح بن جامع جمع كل شيء إلا الصدق .
إلى آخر حاله التي بينها أئمة الشأن
ومع كل هذا ترى الكاتب يحتج به ويثبت عن الإمام أبى حنيفة قولا بروايته، ويسكت كل من قرظ كتابه عن مثل هذا .
هذا يسير من كثير سنحصيه عليه بإذن الله تعالى في بيان أغاليطه ومغالطاته التي شحن رده بها ، منها دعوى الإجماع التي أكثر منها لا سيما على العلو الحسي ، هذه الدعوى التي أخذت جزءا كبيرا من رده ، فهي دعوى ذهبت مشرقة ، وذهبت الأدلة على إثباتها مغربة ، فطاشت سهامه وتبددت أحلامه ، إلى غير ذلك من الدعاوى العريضة التي ملأ بها صفحات كتابه الذي أربى على سبعمائة صفحة .
س : جاء عن الدارمى قوله في الرد على المريسى ” وإلا فمن ادّعى أن الله لم يلِِ خلق شيء ….. وولى خلق آدم بيده مسيساً . ما تعليقكم على هذا ؟
ج : من اعتقد بأن الله يجوز أن يَمس و يُمَس فقد جهل ربه وجعل الله تعالى جسماً يجوز عليه ما يجوز على الأجسام .
نعم نعتقد كما أخبر ربنا أنه تعالى خلق يده بيده ، ونؤمن بأن الله تعالى له يدين كلتاهما يمين ، أما معنى يديه وحقيقتهما فلا نعلمهما ونقف حيث أوقفنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا نتجاوزه .
وكتاب الرد على بشر المريسى المنسوب للدارمى ، والرد على الجهمية المكذوب على أحمد ، والسنة المنسوب لابنه وغيرها طافحة بأقوال يندى لها الجبين وتقشعر منها الأبدان ، فلا عبرة فيها ولا كرامة .
س : سؤالي عن الصلاح والأصلح …. ؟
ج : يرى المعتزلة أنه يجب على الله نعالي في وجود أمرين أحدهما صلاح والآخر فساد أن يفعل الصلاح ، وإذا كان أمران أحدهما صلاح والآخر أصلح أن يفعل الأصلح
ومثال الصلاح والفساد ، الإيمان والكفر ، ومثال الصلاح والأصلح ككون المؤمن في أدنى منازل الجنة في مقابلة الفردوس الأعلى .
ويتضح هذا من المناظرة التي وقعت للإمام أبى الحسن الأشعرى رحمه الله تعالى مع شيخه الجبائى المعتزلى ، حيث افترض الإمام أبو الحسن ثلاثة إخوة ، الأول منهم مات خبيرا طائعا، ومات الثاني كبيراً عاصيا ، ومات الثالث صغيرا ، وسأله شيخه عن مآلهم .
فقال الجبائى : الأول يثاب بالجنة ، والثاني يعاقب بالنار ، والثالث ليس عليه عقاب ولا ثواب .
فقال أبو الحسن: فإن قال الثالث الذي مات صغيرا، لِمَ يا رب أمتّني صغيرا ولم تبقني حتى أبلغ فأطيعك فأدخل الجنة مثل أخي فلان ؟
فقال الجبائى : يقول له ربه : علمت لأنك لو كبرت عصيت فتدخل النار ، فكان الأصلح لك أن تموت صغيرا .
فقال أبو الحسن: فإن قال الثاني الذي مات كبيراً عاصيا: يا رب قد علمت أنني إن كبرت عصيتك فأدخل النار، فلِمَ لم تمتني صغيرا مثل أخي فلان ؟
ماذا يقول الرب ؟
فبهت الجبائى ولم يحر جوابا .
والذي يعتقد أهل السنة أنه لا يجب على الله تعالى شيء البتة ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون .
س : قال صاحب كتاب ” ألأشاعرة في ميزان أهل السنة ….. ولهذا عجز المؤلفان أن ينقلا حرفاً واحداً عن السلف في أن المراد بالصفات أو بعضها المجاز لا الحقيقة “.
ج : الحقيقة والمجاز مصطلحان حادثان بعد قرون السلف الأولى – ونعنى بالقرن الأجيال – شأنهما شأن المصطلحات الأخرى التي طرأت بعد انقراض عصور السلف ، ومطالبتنا بمثل هذا النقل عنهم ،تحكُّمٌ وتعسُّفٌ وحيدةٌ عن الحق .
وكما أنه لم ينقل عنهم رضي لله عنهم أنها مجاز ، لم ينقل عنهم أنها حقيقة ، وإلا فليأت صاحب الكتاب بنقل عن الصحابة أو التابعين أن تابعيهم بما يفيد على حقيقتها وظاهرها اللغوي ؟ !
ويوضُّح ما نقول تلك الآيات الكثيرة التي أطبق العلماء على أنها مجاز واستعارة، كقوله تعالى:
” واخفض لهما جناح الذل ” ، وقوله تعالى : ” واشتعل الرأس شيبا ”
فهذه ونحوها ليست على حقيقتها، فليس ثمة جناح أو اشتعال حقيقيان، ومع ذلك لم ينقل عن السلف أنهما مجاز لا حقيقة.
وآيات الصفات شأنها شأن الآيات التي كان السلف يسمعونها فيفهمون منها ما أفادت، إنْ حقيقة فحقيقة، وإنْ مجازاً فمجاز
يفهمون من آيات الصفات معاني إجمالية لا تفصيلية، أي لا يعلمون ما المراد من كل لفظة من حيث هي مفردة، وإنما يفهمون من عموم النص معنى إجماليا، كمعنى الجود والكرم والعطاء الذي لا ينفد، من قوله تعالى ” بل يداه مبسوطتان ”
ومعنى القهر والسلطان المفهوم من قوله تعالى ” الرحمن على العرس استوي ”
ومعنى النصر والتأييد المفهوم من قوله تعالى ” يد الله فوق أيديهم ”
أما ألفاظ هذه النصوص حال كونها مفردة، كلفظ ( يداه )، ولفظ ( استوي )، ولفظ ( يد الله )، فليس لديهم لها معنى مفهوم.
وما فسر به لفظ الاستواء بأنه العلو والارتفاع لا يجعله مفهوماً إلا إذا ما أُضيف إلى الله تعالى ، أي أننا نفهم الاستواء في اللغة من معانيه العلو والارتفاع ، ولكننا لا نفهم ما معنى ( علو الله ) إلا أنه علو معنوي ، فمن أراد معنى وائدا على ما فهمناه فليُفْهِمْنا مراده !!
الخلاصة: أن السلف الصالح رضوان الله عليهم لم يتكلموا لا بحقيقة ولا مجاز، ومطالبة صاحب الكتاب لنا بنقلٍ عنهم بذلك، يُفهم منها إما جهله لما يقول أو تعنّته بقصد المغالبة والظهور بغير حق.
س1: ما هو الأصل في الصفات التفويض أو التأويل ؟
ج1 : الأصل في نصوص الصفات تلاوتها والإيمان بها وإمرارها كما جاءت وعدم التعرض لها بتفسير أو شرح أو بيان ، وذلك ما لم تدع حاجة إلى البيان كطروء شبهة أو نحو ذلك مما يقتضى البيان والتفسير.
والذي نراه هو الالتزام بالوظائف التي ذكرها حجة الإسلام الغزالي رحمه الله في كتابه إلجام العوام ، فلتراجع لأهميتها .
س2 : هل يصح القول بأن السادة الأشاعرة يقولون : إن القرآن مخلوق ؟ وما حجة هذا القول ؟
ج2 : ليس بصحيح هذا القول .
الأشاعرة طائفة من طوائف أهل السنة والجماعة ، وأهل السنة مطبقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وليس شيء من صفاته تعالى القائمة بذاته مخلوقا .
ولابد من التنبه حين النظر في أقوال العلماء في هذه المسألة إلى أمر هام وأخذه بالاعتبار وهو:
ماذا يراد بـ ( القرآن ) ، إذا كان يراد به الصفة القائمة بذاته تعالى ، فهو قديم ، ومن قال هو مخلوق ، كفر ، لأنه جعل ذات الله تعالى متصفة بالحوادث .
وإذا كان المراد به ما يعبّر به ويدل على المعنى القائم بذات الله تعالى ، كالحرف والصوت والرسوم والرقوم والجلد والمداد ، فهذا لا خلاف في كونه مخلوقا .
على أنه لا يجوز إطلاق القول: بأن القرآن مخلوق.
أولاً: لبشاعة اللفظ الدالة على الجرأة على الله تعالى
وثانياً: لخشية الإيهام والالتباس الذي قد يقع في ذهن من لم يحط خبراً بحقيقة المسألة
س3 : كيف نثبت أن كتاب الإبانة الموجود بين أيدينا محرف ؟
ج3 : أما الإثبات القاطع لكل اعتراض ، فلا سبيل إليه ، غاية ما في الأمر ، هو الاحتمال والشك في الكتاب الموجود الآن ، وذلك لتباين نسخه المخطوطة واضطراب المعلومات فيه ، ومع وجود الاحتمال والشك يسقط الاستدلال به عند العقلاء المنصفين إلا إذا وافق ما تنقله الكافة عن الإمام أبى الحسن ، وقد حاولنا في كتابنا أن نثير هذه القضية ونعرضها بقدر ما استطعنا من الوضوح ، فلتراجع ثمة .
http://almostaneer.com/show_book.aspx?id=108
س4 : كيف يكون الرد على من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت حقيقة الصفة عندما وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه في حديثه عن صفتي السمع والبصر لله سبحانه وتعالى ؟
ج4 : النبي صلى الله عليه وسلم أراد في الحديث إثبات صفة السمع والبصر لله تعالى ، هذا ما نعتقده ، ولم يرد إثبات صفة العين – كما يدّعى الخصم – ولو كان الأمر كما يدّعى ، للزم أن يثبت لله تعالى أذنا كما أثبت عينا ، وهذا لا يقول به الخصم .
نعم نحن نعتقد أن لله تعالى عينا ، ولكن لا نأخذ هذا من الحديث ، بل من القرآن الكريم كما هو ثابت فيه ، ولا نقول إن صفة العين هي صفة البصر ، معاذ الله تعالى ، وهل هذا إلا تشبيه لله تعالى بخلقه ، بل هي صفة جاء بها التوقيف فأثبتناها كما أثبتنا صفة السمع والبصر من صفات ربنا العلية .
ومن يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد إثبات العين في الحديث يلزمه إثبات صفة الأذن، وهذا لم يقل به سني، ولا نطالب بالرد عليه، بل هو المطالب بالإتيان بدليل وبينة على زعمه ودعواه.
س5 : ما الرد على من يقول إن الأشاعرة وخاصة المتأخرون منهم يقررون أن معرفة الله عقلية
( أي تقديمهم العقل على النقل في معرفة الله تعالى ) ؟
ج5 : ليس الأشاعرة أو متأخروهم من يقرر هذا ، بل يقرره كل ذي عقل ، ومن يقول غير هذا لا عقل له ولا يصح أن يخاطب لأنه فاقد لأهلية الخطاب وهى العقل .
وهل يراد منا أن نثبت وجود الله تعالى بالقرآن الذي هو كلام الله، وبالسنة التي هي أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ؟!
وهل الإذعان للقرآن إلا بعد معرفة الله تعالى وأنه متكلم، وأن القرآن كلامه، وهل الإذعان للرسول إلا بعد معرفة الله تعالى وأنه جائز عليه إرسال الرسل وأن المعجزة آية منه مصدقة للرجل الذي يدّعى أنه رسول له ؟!
سبحان الله
فهل يقول هذا العاقل بصحة الاستدلال على الملحد الذي ينكر وجود الله تعالى بالقرآن والسنة الذين هما فرعان عن ثبوت وجود الله تعالى ؟!
س6 : كثير من فضلاء الحنابلة يحاربون من يعتقد مسلك الأشاعرة ، فلماذا هذه المحاربة مع أنهم أهل سنة والخلاف بينهم بسيط ؟
ج6 : لا شك أن للتعصب المذموم أثراً كبيراً فى هذا الخلاف ، فإذا أضفنا إليه الجهل بالحقيقة والاكتفاء بالتسامع ، اتسعت شقة الخلاف ، لهذا فإن الخلاف يكاد يزول أثره عند من اتسع علمه وعقله من الفريقين ،
وقد ذكر العلماء أن كلا الفريقين كان يسود بينهما الوئام قبل فتنة القشيرى والتي كان أوّلها قيام بعض الجهلة بإثارة الفتنة .
لهذا فإن على العقلاء اليوم أن يحاولوا رأب الصدع وردم شقة الخلاف وبيان الحق في الأمر الذي من شأنه أن يقرّب وجهات النظر ويزيل الالتباس.
س7 : هذا السؤال مكرر
س8: ما الرد على من قال بأن كتابكم لم يذكر الأدلة على ما هو معنون به، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال السلف، فقالوا بأنه اسم على غير مسمى ؟
ج8 : عنوان كتابنا ( أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم ) ونحن ندَّعى بأن ما في الكتاب محقق لعنوانه ، فقد نقلنا أقوال طائفة كبيرة من علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين ، وأوردنا شهاداتهم وأدلتهم في ذلك ، كما ندعى أن الحقيق بالنظر في نصوص الكتاب والسنة هم العلماء ، لذا فإننا لم نأل جهداً في نقل أقوالهم .
س9 : كيف تردّون على من قال بأنكم لم تستدلا إلا بأقوال الأشاعرة أنفسهم ، وتركتم غيرهم من العلماء ؟
ج9 : لقد استدللنا بأقوال العشرات من العلماء ، بل أقوال من يشار إليه بالبنان على مدى التاريخ ، فإن كان هؤلاء بإقرار هذا القائل أشاعرة ، فكفى به حجة على ما أردنا .
لعل هذا القائل يريدنا أن نستدل بكلام البربهارى والسجزى والهروى صاحب ذم الكلام وابن تيمية وابن القيم ؟!
س10 : ما الرد على من قال إنكم لم تذكروا أسانيد الآثار والأقوال عن السلف ، ولم تذكروا مراجع النقل عن كتب اللغة ، وأنكم ذكرتم الإجماع بدون ذكر من نقله من المعتبرين في نقل الإجماعات ؟
ج10 : غالب ما نقلناه من أقوال السلف عزوناه إلى الكتب التي ساقت أسانيدها كتفسير الطبري والأسماء والصفات للبيهقى ودفع شبه التشبيه لابن الجوزى .
نعم قد نقلنا بعض الأقوال غير المسندة من بعض كتب التفسير، عسى أن ييسر الله طبعة أخرى للكتاب فنستبعد منه ما لا يصح أو لم يسند.
أما العزو إلى الكتب فلم نورد شيئا لم نعزه إلى قائله البتة .
س11: كيف تردون على من قال إنكم في كتابكم لم تذكروا نصوصا تدل على أن المراد بالصفات أو بعضها المجاز لا الحقيقة ؟
ج11 : إن من يسير على الأصل لا يطالب بالدليل ، من جار عن القصد وترك الأصل طولب بالدليل ، والأصل في كلام العرب وأسلوب التخاطب والتفاهم العربي أن منه حقيقة ومجازا ، والمجاز فيه كثير ، والقرآن والسنة داخلان ضمن الكلام العربي ، فهما زاخران بالمجاز والتشبيهات .
يقول الله تعالى حكاية عن عبده ونبيه زكريا : ” وإني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ”
ويقول عز من قائل : ” واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ”
ويقول سبحانه : ” فأتى الله بنيانهم من القواعد ” ويقول : ” فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ” وغير ذلك كثير .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم ” رفقا بالقوارير ” يريد النساء وذلك لرقتهن شبههن بالقوارير سريعة الكسر.
وعنه صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أثنى على صاحبه ” قطعت عنق صاحبك ” وليس ثمة قطع ، إنما شبّه ثناءه عليه بقطع العنق لما يؤدى إليه الثناء من العجب المهلك للإنسان عند الله تعالى .
فالذي يفهم الكلام العربي كما يفهمه العرب لا يطالب بما يدل على صحة فهمه، إنما يطالب به من يجور عن هذا الفهم فيحمل كل ما يقال على الحقيقة دون المجاز.
ولنا أن نقلب القول على صاحبه الذي يدّعى أن المراد بنصوص الصفات حقائقها اللغوية فنقول:
هلاّ نقلت لنا عن السلف ما ينص على أن المراد بنصوص الصفات الحقيقة لا المجاز ؟
س12: ما الرد على من قال: نقول في نصوص الصفات كما تقولون في الصفات السبع التي تثبتونها ؟
ج12 : أولاً :
إن إثبات الصفات كالوجه والعين واليدين والاستواء والنزول ثم إمرارها دون تفسير بعد تنزيه الله تعالى عن ظواهرها الموهمة لا شيء فيه ، بل هو مذهب جمهور السلف وهو الأّوْلى بالأخذ والإتباع ، ولكن المشكلة في من أثبتها على حقائقها اللغوية المتبادرة من إطلاق اللفظ ، هذا ما يرفضه العلماء ويعدّونه تشبيها .
وقول هذا القائل بالتسوية بين نصوص الصفات الموهمة وصفات المعاني مبنى على الجهل و الغفلة ، فالفرق بينهما كبير جدا ، فحقائق الألفاظ الموهمة ضيقة أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها الجسم وما يتعلق به ولهذا قال العلماء بوجوب صرفها عن ظاهرها بخلاف المعاني التي لا يكون فيها هذا المحظور .
وقد بيّنا بشيء من التفصيل في كتابنا بعض وجوه الفرق بين النوعين.
شكر وتنبيه:
جزاكما الله خيرا على تجشم الإجابة، وتوخي الإصابة…وفي إجابة الأستاذين الفاضلين: إحالة وخبر،
-أما الإحالة ففي قولهما:
اقتباس:
والذي نراه هو الالتزام بالوظائف التي ذكرها حجة الإسلام الغزالي رحمه الله في كتابه إلجام العوام ، فلتراجع لأهميتها .
وهذه هي الوظائف الست:
http://nokhbah.net/vb/showthread.php?t=518&highlight=%C5%E1%CC%C7%E3
-وأما الخبر فقولهما:
اقتباس:
فهذا محلُّه الرد المفصّل الذي ننوى إظهاره – يسَّر الله تمامه –
وفيه أن الأستاذين شرعا في بيان أغاليط ومغالطات كتاب: “الأشاعرة في ميزان أهل السنة”لفيصل بن قزار الجاسم…نسأل الله سبحانه تحقيق إنهائه عاجلا.
والسلام@
تعليق للشيخ احمد درويش تلميذ الحافظ الغمارى – رحمه الله –
الشيخ_أحمد_درويش

“مقالات الأشعري” والإبانة” ليسا من كتب الأشعري
أولا: لاحظ أن الشيخ عبد الله الهرري قال: “مقالات الأشعري” والإبانة” ليسا من كتب الأشعري
فى كتابه إظهار العقيدة السنية بشرح القيدة الطحاوية
ثانيا: رجاء مراجعة مجمع العقيدة ولا سيما الأجوبة الخفيفة التى راجعها الدكتور طه حبيشي رئيس قسم العقيدة بأصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة فهي تغطى من الأمور ككلام الله ليس بحرف ولا ترتيب .. الخ
مقتطفات لعلها تقنعك فتذهب وتحمل مجمع العقيدة من المواقع
——–
س- ما هو الكلام وبأي شيء يتعلق وما الدليل علي ذلك ؟
ج- الكلام صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالي منزهة عن الحروف والصوت والترتيب كالتقدم والتأخر واللحن والإعراب والصحة والإعلال وغير ذلك وتتعلق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق دلالة فإن تعلقت بالأمر كانت أمرا. وإن تعلقت بالنهي كانت نهيا وإن تعلقت بالوعد كانت وعدا وإن تعلقت بالوعيد كانت وعيدا ولها تعلق واحد وهو التنجيزي القديم إلا الأمر والنهي فلهما التنجيزي الحادث عند وجود المكلفين. والدليل علي ذلك قوله تعالي (وكلم الله موسي تكليما) (وكلمه ربه) وأيضاً لو لم يكن متكلما لكان أبكما والبكم مستحيل عليه جل شأنه لما فيه من النقص فما أدي إليه مستحيل فثبت أنه متكلم .
——–
——-
الوحدانية (أي وحدانية الله) صفات تنفى عن الله ما لا يليق به (سلبية) كالآتي:-
1. وحدانية الله: وحدانية عدم التركيب فى الذات
2. وحدانية الله: وحدانية عدم وجود شبيه أو نظير
3. وحدانية الله: وحدانية الصفات أي ليس لغيره صفة أو صفات تشبه صفة أو أكثر من صفاته
4 . وحدانية الله: وحدانية عدم تعدد الصفات أي ليس له صفتان من نوع واحد (مثلا نفى أن له قدرتين)
5. وحدانية الله: وحدانية الأفعال أي ليس لغيره فعل يشبه فعله
——-
——-
س- ما هو المستحيل علي الباري جل شأنه ؟
ح- يستحيل علي الله أضداد الصفات السابقة وهي: العدم والحدوث, وطرو العدم, والمماثلة للحوادث في أنواعها العشرة وهي: الجرم, والعرض, وكونه في جهة, وكونه هو له جهة, والمكان والزمان, وكونه محلا للحوادث, والصغر والكبر, والأغراض في الأفعال والأحكام ـ ويستحيل عليه عدم قيامه بنفسه بأن يقوم بمحل, أو يحتاج إلي مخصص, ويستحيل عليه تعالي عدم كونه واحدا, وذلك يتضمن الكموم (جمع كم) الستة:
1. المتصل ذاتا
2. و المتصل صفاتا
3. و المتصل أفعالا
4. والمنفصل ذاتا
5. والمنفصل صفاتا
6. والمنفصل أفعالا
——-
سكرتير الشيخ
رد باقتباس
حين نستشعر الغضب في نقاشٍ ما، فعندئذٍ نكف عن الكدح في سبيل الحقيقة! ونصبح كادحين في سبيل تأييد الذات!!

لمولد في الإسلام

المولد في الإسلام

في هذا البحث :
معنى الاحتفال بالمولد
أثر الاحتفال بالمولد على الكفار
تبيان النبي صلى الله عليه وسلم على أن ولادته جاءت يوم الاثنين
احتفال النبي صلى الله عليه وسلم بالمناسبات التاريخية الكبرى
قال تعالى: صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم
التكليف بالازدياد في حب النبي صلى الله عليه وسلم وتشريفه
ضرورة معرفة السيرة النبوية والإقتداء بها
قبول النبي صلى الله عليه وسلم للقصائد المنظومة في مدحه
ترتيل وتلاوة القرآن
تحديد النبي صلى الله عليه وسلم لأيام وأماكن ولادة الأنبياء
إجماع العلماء على جواز المولد
تاريخ الاحتفال بالمولد وتكريم موضع ولادة النبي
أول ذكر لاحتفال عام بالمولد
ثلاث روايات للاحتفال بالمولد من القرن العاشر
الاحتفال بالمولد في البلاد الإسلامية المعاصرة
رأي ابن تيمية بالاحتفال بالمولد
ثناء ابن كثير على ليلة المولد
آراء أخرى بالاحتفال بالمولد
فضل الموت يوم الاثنين كما أورده البخاري
إجازة النبي صلى الله عليه وسلم لضرب الدف عند حسن القصد
ليلة المولد أعظم من ليلة القدر
ليلة الإسراء والمعراج أعظم من ليلة القدر
الاحتفال بالمولد أمر مندوب
شفاعة النبي في مفهوم العلماء السلفيين والمدارس الأخرى
أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
رأي ابن القيم في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
رأي ابن القيم في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة العظمى
موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب
الخاتمة: ليس المولد عيداً
ليس لأحد الاعتراض على المولد
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على نبيه ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هناك عيدين في الإسلام: عيد الأضحى وعيد الفطر، أما الاحتفالات الأخرى كالاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم فهي ليست إلزامية ولا ممنوعة. ومع ذلك وصلنا إلى وقت بتنا نسمع فيه الكثير من الانتقادات لهذا الاحتفال. فنحن نعيش في زمن يهدم فيه أعداء الإسلام أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الداخل والخارج بلا رحمة، فيما يوجد القليل فقط من المؤمنين القادرين على مواجهتهم. وقد وصلنا إلى زمن جاهلية جديدة أضحت فيه الحقيقة سلعة، وبات الكذب هو الأصل.
نعيش اليوم في عصر يذبح فيه المسلمون في كل مكان. وقلوب المؤمنين تناجي الله عز وجل طالبة العون ليرسل إليهم من هو مؤيد بنصره وملائكته ليخلصهم من هاوية الجهل والقهر التي وقعوا فيها. وحيثما نظرنا نرى المسلمين يعذبون، ويقتلون ويؤذون لا لشيء إلا لقولهم «ربنا الله». وما يحدث في الشيشان، والبوسنة وأذربيجان وكشمير وتايلندا وطاجكستان والجزائر، كما في كثير من أنحاء المعمورة لشواهد مرعبة على الطرق التي يعامل بها الإسلام والمسلمون.
ومع ذلك نرى، وأكثر من أي مرة سابقة، أن ما يؤلم المسلمين ليس جميعه من تدبير أعدائهم. فمن بين أظهرنا تهاجم الأمة وتصاب إصابات بالغة من أناس معروفين لا نحب أن نسميهم. هم لا يحبذون مقارعة أعداء الدين لكنهم يجدون ضرورة في محاربة المسلمين والجماعات المؤمنة في العالم الإسلامي. لذلك كان لزاماً أن تعد العدة لكي يرد عن المؤمنين كيد هؤلاء الذين لا هم لهم سوى إيجاد العيوب في إيمان المسلمين بينما أعداء الأمة يمزقونها شر ممزق. وهم يجهدون في إيجاد أي نقطة يعتبرها أئمتهم موضع شك كعذر للازدراء والحط من إيمان المسلمين فيكيلوا إليهم نعوتاً من أمثال: مشركين، كافرين، مبتدعين. ولا يجدون أسهل من أن يبدلوا ما اتفق عليه أئمة المسلمين على مدى أربعة عشر قرناً ويسمونه: بدعاً، شركاً أو كفراً.
. وقبل الخوض في الشرح علينا معرفة ثلاثة أمور:
1 – إن الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم جائز، وأن الاجتماع للاستماع إلى السيرة والمدائح النبوية جائز، وإطعام الطعام وإدخال البهجة إلى قلوب الأمة في تلك المناسبة جائز.
2 – إن الاحتفال بالمولد النبوي يجب ألا يكون فقط يوم الثاني عشر من ربيع الأول بل يجب أن يقام في كل يوم من كل شهر وفي كل مسجد، لكي يشعر الناس بنور الإسلام ونور الشريعة تدخل في قلوبهم.
3 – أن هذه التجمعات في المولد مفيدة ومنشطة لجهة دعوة الناس للإسلام وتعليم الأطفال أمور الدين، كما أن فيها فرصة ذهبية لا تعوض لكل الأئمة والدعاة لكي يرشدوا ويذكَروا الآمة المحمدية بأخلاقه وطريقة عبادته ومعاملته للناس. وهذه إحدى السبل لجعل الأطفال يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويذكرونه. عن طريق الحلوى والعصير والهدايا لإدخال البهجة إلى قلوبهم.
معنى الاحتفال بالمولد
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو الاحتفال بالإسلام عينه، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رمز الإسلام.
يقول الإمام متولي الشعراوي في كتابه “مائدة الفكر الإسلامي” ص 295، إذا كان بنو البشر فرحون بمجيئه لهذا العالم، وكذلك المخلوقات الجامدة فرحة لمولده وكل النباتات فرحة لمولده وكل الحيوانات فرحة لمولده وكل الجن فرحة لمولده، فلماذا تمنعونا من الفرح بمولده.

أثر الاحتفال بالمولد على الكفار
إن الابتهاج والاحتفال بيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم يعود بفائدة، بفضل الله ورحمته، حتى على الكافرين. وقد جاء في صحيح البخاري الذي ذكر في حديثه بأنه في كل يوم اثنين يطلق سراح أبي لهب من عذاب القبر لأنه أعتنق جاريته ثويبة عندما بشرته بخبر مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير وهو من أئمة السلف في كتاب “البداية والنهاية” إن أول من أرضعته صلى الله عليه وسلم هي ثويبة مولاة أبي لهب وكان قد أعتقها حين بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا لما رآه أخوه العباس بعد موته في المنام بعدما رآه بشر خيبة، سأله: ما لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم خيراً غير أني سقيت في هذه بعتاقتي لثويبة (وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع). وأصل الحديث في الصحيحين. وقد ذكر السهيلي وغيره أنه قال لأخيه العباس في هذا المنام: وإنه ليخفف عني في كل يوم اثنين.
وهذا الحديث مذكور في صحيح البخاري في «كتاب النكاح». وقد ذكره ابن كثير في كتبه «سيرة النبي» الجزء الأول ص 124، وفي كتاب «مولد النبي» ص 21، وفي كتاب «البداية والنهاية» ص 272 – 273
كما أن الحافظ شمس الدين بن نصر الدين الدمشقي كتب الأبيات التالية في كتابه «مورد الصادي في مولد الهادي».
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه … وتبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً… يُخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره …بأحمد مسروراً ومات موحّدا
تبيان النبي صلى الله عليه وسلم على أن ولادته جاءت يوم الاثنين
وقد روي في صحيح مسلم في «كتاب الصيام» عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين، فقال: هذا يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه رواه مسلم.
ونورد أيضاً من أقوال الشيخ متولي الشعراوي: إن أشياء عجيبة حدثت يوم مولده كما ورد في الحديث والتاريخ، ولم تكن ليلة مولده كأية ليلة من ولادات بني البشر. وقد وردت هذه الأحداث والأحاديث العائدة لها كاهتزاز عرش كسرى، وانطفاء النار بفارس بعد أن دامت ألف عام، وغيرها في كتاب ابن كثير «البداية والنهاية» الجزء الثاني ص 265-268.
ونورد لكم من كتاب ابن الحاج «كتاب المدخل» الجزء الأول ص 261: «يجب علينا في كل يوم اثنين من ربيع الأول أن نكثر من العبادات لنحمد الله على ما أتانا من فضله بأن بعث فينا نبيه الحبيب صلى الله عليه وسلم ليهدينا للإسلام والسلام… فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صوم يوم الاثنين أجاب: هذا يوم ولدت فيه. لذا، فهذا اليوم يشرف ذاك الشهر لأنه يوم النبي صلى الله عليه وسلم … وقد قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر.وقال: آدم ومن جاء بعده تحت لوائي يوم القيامة. رواها الشيخان بخاري ومسلم. وقد أورد في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولدت يوم ذاك الاثنين وفي مثله نزل عليّ أول الوحي. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم اهتماماً ليوم مولده وحمد الله على نعمة خلقه بأن صام في هذا اليوم كما هو وارد في حديث أبي قتادة. ونفيد من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعبر عن فرحه بهذا اليوم بالصوم، وهو نوع من العبادات. وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم أبدى اهتماماً بهذا اليوم بصومه عرفنا أن العبادة في مختلف أشكالها جائزة لبيان مكانة هذا اليوم. وحتى لو تغير الشكل فالمحتوى قائم لذا فالصوم أو إطعام المساكين، أو الاجتماع لمدح النبي صلى الله عليه وسلم أو تبيان مناقبه وخلقه الحسن كلها طرق لتبيان أهمية ذاك اليوم.
وقد جاء الأمر الإلهي بالابتهاج بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى في كتابه العزيز: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } (يونس: 58).
وقد جاء هذا الأمر لأن الفرح يجعل القلب شاكراً لرحمة الله. وأية رحمة إلهية أعظم من النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال الله تعالى فيه: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (الأنبياء: 17).
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين كان لزاماً ليس على المسلمين فقط، بل على كافة البشر أن يفرحوا به. ولكن مع الأسف نجد أن بعض المسلمين هم في طليعة العاصين لأمر الله بالابتهاج بنبيه.
احتفال النبي صلى الله عليه وسلم بالمناسبات التاريخية الكبرى:
كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم الربط بين المناسبات الدينية والأحداث التاريخية، وكلما مرت مناسبة هامة نبَه أصحابه للاحتفال بذلك اليوم والتأكيد على أهميته حتى لو كان الحدث قد تم في زمن سحيق. وهذا البدء يؤكده الحديث التالي من صحيح البخاري في كتاب الصوم باب 69 وكتاب الأنبياء باب 24 وابن ماجد ومالك في الموطأ والإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم إلى المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه قوم فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى فقال: نحن أولى بصوم موسى منكم.

قال تعالى: ((صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً ))
إن في إقامة ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ما يحث على الثناء والصلاة عليه وهو واجب أمرنا الله تعالى بالقيام به:
{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } (الأحزاب:56)
فمجرد الاجتماع وذكر النبي صلى الله عليه وسلم يجعلنا نثني ونصلي عليه، فمن له ان يمنع الالتزام بواجب أمرنا الله به في كتابه العزيز. ولعمري ففي إنفاذ أمر من أمور الله نكتسب نوراً يملأ قلوبنا بفيض لا حد له. والجدير بالذكر أن هذا الأمر أتى بالجمع: إن الله وملائكته يصلون على النبي، كأنهم في اجتماع منعقد، فمن الخطأ الجسيم والحال هذه أن يقال بأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون على انفراد.
التكليف بالازدياد في حب النبي صلى الله عليه وسلم وتشريفه:
يطلب الله من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذكّر أمته بأن على من يدعي حب الله عليه أن يحب نبيه أيضاً:
{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } 0(آل عمران: 31).
فالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف يعد من الالتزام بالتكليف بحب النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته والإقتداء بسنته والفخر به لأن الله سبحانه وتعالى يفخر به في كتابه العزيز:{ وإنك لعلى خلق عظيم } (القلم: 4).
فحب النبي صلى الله عليه وسلم هو ما يميز المؤمنين في كمال إيمانهم. ففي حديث صحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) رواه البخاري ومسلم، فكمال الإيمان يعتمد على حب النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى وملائكته دائمون في تشريفه كما جاء في الآية السابقة: إن الله وملائكته يصلون على النبي. فالأمر الإلهي الذي جاء بعد هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } صحيح وواضح بأن صفة الإيمان تعتمد وتتجلى بالصلاة على النبي. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ضرورة معرفة السيرة النبوية والإقتداء بها:
ومن البديهي أن تكون لنا دراية عن نبينا صلى الله عليه وسلم عن حياته، معجزاته، مولده، أخلاقه، إيمانه، آياته، خلواته وعبادته، وبعد أوليست هذه المعرفة واجبة على كل مسلم؟ فما الذي هو أفضل من الاحتفال وتذكر مولده الذي يمثل أساس حياته كمقدمة لنكتسب المعرفة عن حياته؟ فبتذكرنا لمولده نبدأ بتذكر كل شيء عنه، وبذلك يرضى الله عنا لأننا حينئذ نصبح قادرين على أن نعرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه أفضل، ونصبح أكثر استعداداً لكي نجعله مثالاً لنا نصلح به عثراتنا ونقتدي به. ولهذا كان الاحتفال بالمولد فضلاً عظيماً أرسل ألينا.
قبول النبي صلى الله عليه وسلم للقصائد المنظومة في مدحه
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من المعروف أن الشعراء يأتون بقصائد كثيرة يمدحونه فيها ويذكرون فيها غزواته ومعاركه وصحابته. والبرهان على ذلك واضح من الأشعار الكثيرة الواردة في سيرة ابن هشام، وأعمال الواقدي وغيرهما، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم راضياً عن الشعر الحسن وجاء في «الأدب المفرد» للبخاري قوله: «في الشعر حكمة». كما أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم قد نظم شعراً مدح فيه مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذه الأبيات المذكورة في «حسن المقصد» للسيوطي (صفحة 5) وكتاب المولد لابن كثير (صفحة 30):
وأنت لما ولدت أشرقت ال…أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي … النور وسبل الرشاد نخترق
قال ابن كثير في كتاب المولد: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا إذا اشتدت الحرب اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يوم حنين حين انهزم أصحابه عنه وولوا مدبرين. ولم يبق إلا في نحو من مئة من أصحابه، وحده في مواجهة عدة من الألوف، في العدة الباهرة من الرماح والسيوف، وهو مع ذلك على بغلته يهمزها إلى وجوه أعدائه وينوه باسمه ويقول:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
وقد رضي النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين مدحوه لأن في ذلك امتثالاً لأمر الله وقد أعطاهم مما أعطاه الله. فلو عملنا شيئاً للتقرب من النبي فإنما نكون نعمل للتقرب من الله عز وجل كما أن التقرب من النبي صلى الله عليه وسلم يعود علينا بمرضاة الله تعالى.
وقال ابن القيم في كتاب مدارج السالكين أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة على غناء القينين يوم العيد. وقال لأبي بكر “دعهما. فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا أهل الإسلام”. وبأنه صلى الله عليه وسلم أذن بالغناء في العرس وسماه لهواً. وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحداء (أي الشعر). وأذن فيه. وكان يسمع أنساً والصحابة، وهم يرتجزون بين يديه في حفر الخندق:
نحن الذين بايعوا محمداً … على الجهاد ما بقينا أبدا
ودعا لحسان أن يؤيده الله بروح القدس ما دام ينافح عنه وكان يعجبه شعره وقال له اهجهم وروح القدس معك. وأنشدته عائشة قول أبي بكر الهذلي:
ومبرئ من كل غبّر حيضة … وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلل
وقال عائشة «أنت أحق بهذا البيت يا رسول الله» فسُرَّ بقولها.
وقد ذكر ابن القيم أيضاً قصيدة عبد الله بن رواحة المطولة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة، وبأنه دعا له. كما أنه صلى الله عليه وسلم خلع بردته على كعب بن زهير بعد أن ألقى قصيدته الشهيرة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وطلب النبي صلى الله عليه وسلم من أسود بن سارح بأن يصنع قصائد يثني فيها على الله عز وجل، كما أنه صلى الله عليه وسلم طلب من أحدهم أن ينشد معلقة «أمية بن أبي السلط».

ترتيل وتلاوة القرآن:
يقول ابن القيم في كتابه (ص. 488): أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يرتل القرآن. وفي ذات يوم كان أبو موسى الأشعري يرتل القرآن على مسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ أثنى عليه لترتيله وقال له: إنك لذو صوت حسن، والله لقد أعطيت مزماراً من مزامير داوود. فقال أبو موسى: يا رسول الله لو كنت أعلم بأنك تسمعني لرتلت بصوت لم تسمع مثله قط. وتابع ابن القيم يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» و«من لم يرتل القرآن فليس منا».
ويعلق ابن القيم في الصفحة 490 قائلاً: «الطرب جائز طالما أنه موافق للشرع» وهو كالاستمتاع بمنظر جميل للجبال أو الطبيعة، أو برائحة زكية، أو مأكل طيب، ولو كان الاستماع للصوت الحسن حراماً لكان الاستمتاع بكل هذه الأشياء حراماً أيضاً.
ويختتم ابن القيم بقوله (صفحة 498): والاستماع إلى صوت حسن في احتفالات المولد النبوي أو أية مناسبة دينية أخرى في تاريخنا لهو مما يدخل الطمأنينة إلى القلوب ويعطي السامع نوراً من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلبه ويسقيه مزيداً من العين المحمدية.

تحديد النبي صلى الله عليه وسلم لأيام وأماكن ولادة الأنبياء:
لقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه أيام وأماكن ولادة الأنبياء السابقين. فمن حديثه عن مكانة يوم الجمعة أنه قال: في هذا اليوم خلق الله آدم، وفيه أن أهمية يوم الجمعة تعود لكون آدم ولد فيه وهو نبي وأب لجميع الناس فكيف باليوم الذي خلق فيه أعظم الأنبياء وخير البشر. عن العرباض بن ساريه السلمي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني عند الله لخاتم النبيين وآدم مجندل في طينته رواه ابن كثير في كتاب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه أحمد في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة.
عن شداد بن عويس أمر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة ركعتين ببيت لحم ثم قال له: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى رواه البزار وأبو يعلي والطبراني. وكذلك الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، ورجاله رجال الصحيح ج1 ص47 وقد نقل هذه الرواية الحافظ بن حجر في الفتح ج7 ص199.

إجماع العلماء على جواز المولد:
إن إقامة ذكرى المولد النبوي لعمل تقبّله علماء المسلمين في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أن الله عز وجل يقبله بحسب ما جاء في الحديث عن ابن مسعود بأن ما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح، أخرجه أحمد في المسند.
تاريخ الاحتفال بالمولد وتكريم موضع ولادة النبي:
مكة، أم القرى، زادها الله رفعة وشرفاً، هي رائدة المدن الإسلامية في الاحتفال بالمولد وغيره. وقد ذكر الأزرقي وهو من مؤرخي القرن الثالث الهجري في كتابه أخبار مكة (ص. 160 الجزء الثاني) أنه من بين الأماكن التي تستحب الصلاة فيها المنزل الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أيضاً بأن المنزل قد تم تحويله سابقاً إلى مسجد على يد أم الخليفتين موسى الهادي وهارون الرشيد.
كما ذكر النقاش وهو من علماء القرآن (ص. 266 – 351) بأن موضع ولادة النبي صلى الله عليه وسلم هو مكان يستجاب فيه الدعاء عند الظهر من كل يوم اثنين. ذكره الفاسي في كتاب شفاء الغرام (ص. 199 الجزء الأول)، وغيره .

أول ذكر لاحتفال عام بالمولد:
إن أقدم المصادر التي ذكر فيها إقامة احتفال عام لذكرى المولد هي كتاب رحال (ص. 114 115) لابن جبير (ولد عام 540 وتوفي عام 614 هجرية):
يفتح هذا المكان المبارك أي منزل النبي صلى الله عليه وسلم ويدخله جميع الرجال للتبرّك به في كل يوم اثنين من شهر ربيع الأول ففي هذا اليوم وذاك الشهر ولد النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر أبو العباس العظافي وابنه أبو القاسم العظافي وهما من مؤرخي القرن السابع عشر في كتاب الدر المنظم والذي لم ير سبيله إلى النشر:
كان الحجاج الأتقياء والمسافرون البارزون يشهدون أنه في يوم المولد في مكة لا يتم بيع ولا شراء كما تنعدم النشاطات ما خلا وفادة الناس إلى هذا الموضع الشريف. وفي هذا اليوم أيضاً تفتح الكعبة وتزار.
في اليوم الثاني عشر لربيع الأول من كل عام وبعد صلاة المغرب يخرج قضاة المذاهب الأربعة في مكة مع أعداد غفيرة من الناس بما فيهم الفقهاء والفضلاء والشيوخ ومدرسي الزوايا وتلاميذهم وكذلك الرؤساء والمتعممين من المسجد ويقومون جميعاً بزيارة لموضع ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون ويهللون. أما البيوت التي تقع في طريقهم فتضاء جميعها بالمشاعل والشموع الكبيرة وتتواجد خارجها وحولها جموح غفيرة من الناس حيث يلبس الجميع ثياباً خاصة ويأخذون أولادهم معهم. وعندما يصلون إلى موضع الولادة تلقى خطبة خاصة لذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتم الدعاء للسلطان ولأمير مكة وللقاضي الشافعي ثم يصلي الجميع بخشوع. ثم قبيل صلاة العشاء يعود الجميع إلى المسجد الكبير وهو يعج بالناس فيجلسون في صفوف متراصة عند أعتاب مقام إبراهيم. وفي المسجد يبدأ الخطيب بالحمد والتهليل ثم الدعاء مرة أخرى للسلطان وللأمير وللقاضي الشافعي. بعد ذلك يؤذن لصلاة العشاء ويتفرق الجمع بعد الصلاة. وجاء وصف مطابق لهذا في كتاب تاريخ الخميس للديار بكري المتوفى عام 960 للهجرة.

الاحتفال بالمولد في البلاد الإسلامية المعاصرة:
في كل دولة إسلامية معاصرة تجد الناس يحتفلون بذكرى المولد النبوي الشريف. وهذا ينطبق على مصر، سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، العراق، الكويت، الإمارات، السعودية، (في أكثر البيوت وليس على الصعيد الرسمي)، السودان، اليمن، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، جيبوتي، الصومال، تركيا، باكستان، الهند، سريلانكا، إيران، أفغانستان، أذربيجان، أوزباكستان، التركستان، البوسنة (يوغوسلافيا سابقاً)، إندونيسيا، ماليزيا، بروناي، سنغافورة، ومعظم الدول الإسلامية الأخرى
رأي ابن تيمية بالاحتفال بالمولد:
هذا هو رأي الإمام ابن تيمية في المولد من مجمع فتاوى ابن تيمية الجزء 23 ص. 1634: فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون لهم فيه أجر عظيم لحسن قصدهم وتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونذكر هنا حادثة وقعت للإمام أحمد ابن حنبل شيخ مذهب ابن تيمية. فقد أخبره بعض الناس أن أميراً أنفق ألف دينار على تزيين مصحف فقال لا بأس فهذا خير مكان ينفق فيه الذهب.
ونسأل هل كان ابن تيمية يروّج بدعة عندما أذن بالاحتفال بالمولد؟
فهو لم يكتف بإجازته بل ذكر أن للمحتفلين أجراً عظيماً. نسأل أيضاً هل كان الإمام أحمد يصطنع بدعة عندما أجاز بتزيين المصحف. الجواب على كلا السؤالين هو النفي المطلق.
وهذا هو رأي ابن تيمية في مجالس الذكر ويقع في الجزء 22 ص. 523، طبعة الملك خالد بن عبد العزيز لمجمع فتاوى ابن تيمية:
وسئل رحمه الله عن الفقراء يجتمعون في مسجد يذكرون ويقرأون شيئاً من القرآن ثم يدعون ويكشفون رؤوسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة، بل يفعلونه على وجه التقرب لله تعالى فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، الاجتماع على القراءة والدعاء حسن مستحب.

ثناء ابن كثير على ليلة المولد:
ويذكر الإمام ابن حجر العسقلاني وهو محدث من أتباع ابن تيمية في كتاب الدرر الكامنة في عين الماء الثامنة. عن ابن كثير يقول وفي آخر أيامه دوّن كتاباً عنوانه مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغت شهرته الآفاق. هذا الكتاب يجيز ويحض على الاحتفال بالمولد، وفي ص. 19 يقول: إن ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم كانت ليلة شريفة عظيمة مباركة سعيدة على المؤمنين، طاهرة، ظاهرة الأنوار جليلة المقدار.
آراء أخرى بالاحتفال بالمولد:
وبحسب مفتي مكة أحمد زين المعروف بدحلان في كتابه السيرة النبوية والآثار المحمدية ص. 51: إن الاحتفال بالمولد وتذكر النبي صلى الله عليه وسلم مقبولان عند جميع علماء المسلمين وأكثر الاقتباسات التالية مأخوذة من هذا الكتاب.
قال الإمام السبكي: عندما نحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف يدخل الأنس قلوبنا ونشعر بشيء غير مألوف.
وقال الإمام الشوكاني في كتابه «البدر الطالع»: «إن الاحتفال بالمولد النبوي جائز». ويذكر أن الملاّ علي القاري كان له الرأي نفسه في كتاب اسمه المورد الراوي في المولد النبوي، وقد وضعه خصيصاً ليؤيد الاحتفال بالمولد النبوي.
وقال الإمام أبو شامة، شيخ الإمام النووي: أفضل ذكرى في أيامنا هي ذكرى المولد النبوي. ففي هذا اليوم يكثر الناس من الصدقات ويزيدون في العبادات ويبدون كثيراً من المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم ويحمدون الله تعالى كثيراً بأن أرسل إليهم رسوله ليحفظهم على سنة وشريعة الإسلام.
وقال الإمام السخاوي: بدأ المولد بعد ثلاثة قرون من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واحتفلت به جميع الأمم الإسلامية، كما تقبله جميع العلماء بعبادة الله وحده بالصدقات وتلاوة السيرة النبوية.
وقال الحافظ ابن حجر الهيثمي: كما أن اليهود تحتفل بيوم عاشوراء بالصوم حمداً لله كذلك علينا الاحتفال بيوم المولد.
وأورد الحديث المذكور آنفاً: عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة… فيستفاد منه (أي حديث صوم عاشوراء) فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة. ويعاد هذا في نظير ذلك اليوم من كل سنة. والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وأي نعمة أعظم من نعمة ظهور هذا النبي الذي هو نبي الرحمة في ذلك اليوم.
فضل الموت يوم الاثنين كما أورده البخاري:
قال الإمام القسطلاني: وقد خصّ البخاري في كتابه عن الجنائز باباً خاصاً عن فضل الموت يوم الاثنين وفيه: عن عائشة قالت دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت في ثلاث أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: يوم الاثنين، قال فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل رواه البخاري في باب الجنائز باب موت يوم الاثنين.
ويتابع الإمام القسطلاني فيقول: فلماذا دعا أبو بكر لكي يكون موته يوم اثنين؟ أوليس لكونه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولكي يحوز على بركة ذلك اليوم فهل اعترض أحد على رغبة أبي بكر؟ ولماذا نرى أناساً يعترضون على الاحتفال والاهتمام بيوم المولد بقصد التبرك.

إجازة النبي صلى الله عليه وسلم لضرب الدف عند حسن القصد:
قال الشيخ ابن عباد في رسائله إن للمولد النبوي مستنداً، يمكن أن يستروح منه وهو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند قفوله من بعض غزواته، فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب على رأسك بالدف فقال لها صلى الله عليه وسلم أوفِ بنذرك. الحديث مشهور. رواه أبو داود كتاب الإيمان باب 22، والترمذي في المناقب باب 17، والإمام أحمد ج 5 ص. 353 – 356.
وتابع ابن عباد يقول: وما لا شك فيه أن ضرب الدف نوع من اللهو، حتى ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بإيفاء نذرها فقد فعله لحسن قصدها في تكريمه بعودته سالماً وليس بغرض معصية أو إضاعة الوقت. ويستتبع ذلك أنه لو احتفل أحدهم بالمولد النبوي بطريقة سليمة ونية حسنة بقراءة السيرة والثناء عليه لكان ذلك جائزاً.
ليلة المولد أعظم من ليلة القدر:
قال ابن مرزوق: «قال الشيخ محيي الدين النووي الشافعي، بأن ليلة القدر هي أفضل من ليلة المولد وذلك إقرار من الشيخ بوجود ما يسمى بليلة المولد، لكن في رأيي حتى مع كون الشيخ محيي الدين عالماً ومحدثاً عظيماً فإن ليلة المولد هي أفضل من ليلة القدر ولو لم يكن محمداً لما كان هناك إسلام، والقرآن. ففي تلك الليلة أرسل الله رسوله الحبيب الذي جاء بالإسلام والقرآن ولما عرفنا الإسلام حتى وإن كان محمداً لا يزال في نطاق العبودية والله هو الخالق».

الإسراء والمعراج أعظم من ليلة القدر:
وقد أورد ابن القيم في كتابه البدائع الجزء الثالث ص. 162 ما يلي:
وسئل شيخ الإسلام عن ليلة القدر أيهما أفضل؟ فأجاب بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي وليلة القدر أفضل إلى الأمة الخ…
إذا كان ابن تيمية قد سلّم بأن ليلة الإسراء يمكن اعتبارها أفضل من ليلة القدر لماذا لا تقبلوا منا أن نعتبر ليلة المولد أفضل من ليلة الإسراء بما أن ليلة المولد هي التي ولد فيها من قام بالإسراء والمعراج؟ وهكذا نقول كما قال ابن مرزوق: «ليلة المولد هي أفضل من ليلة القدر».

الاحتفال بالمولد أمر مندوب:
يقول الإمام السيوطي في كتابه حسن المقصد في عمل المولد ص. 54 – 62: «أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربى… وكذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعائر المولد مندوب وقربى… وهذا معنى نية المولد، فهي نية مستحسنة بلا شك، فتأمل.
ويتابع الإمام السيوطي ص. 64 – 65: وظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي، عن أنس، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم عقّ عن نفسه بعد النبوة. مع أنه قد ورد أن عبد المطلب قد عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان إظهاراً للشكر على إيجاد الله تعالى إياه، رحمة للعالمين، وتشريفاً لأمته، كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده باجتماع الإخوان، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجود القربات، وإظهار المسرات.
وهذا الحديث يؤكد الحديث السابق الذي يحدد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يوم الاثنين هو يوم مولده ويوم نبوّته.

شفاعة النبي في مفهوم العلماء السلفيين والمدارس الأخرى:
لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم أمام المؤمنين إذ قال: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } (التوبة: 128).
فالله تعالى أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة لأنه أثنى عليه وباركه وصلى عليه وشرفه كثيراً ولولا ذلك لما أعطاه الشفاعة.
والأحاديث التالية تبين أنه حتى آدم لم يعط الشفاعة وبأن يهود خيبر كانوا يستشفعون به في دعائهم. ونحن في ذلك نفعل ما أمرنا به: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } و { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } .
أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
روى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي بسنده المذكور في مجموعة الفتاوى للعلامة ابن تيمية، ج2 ص.150، عن ميسة رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وخلق العرش، كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى، نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله أنه سيد ولدك فلما أغراهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه.

رأي ابن القيم في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
قال العلامة ابن القيم في الجامع الفريد ص 493: عن ابن عباس رضي الله عنهما كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود خيبر فعانت اليهود بهذا الدعاء فقالت: «اللهم نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم»، قال فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به. فأنزل الله عز وجل: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } يعني بك يا محمد.

رأي ابن القيم في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة العظمى:
وقد صرح ابن القيم الجوزية في كتابه زاد المعاد بقوله:
لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم.
فعلم أن الوسيلة التي تحصل بها السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة هي ذوات الأنبياء والرسل، وأيضاً أن الوسيلة تحصل بها الحوائج، وحصول الحاجة نعمة من الله، الوسيلة تحصل بها النعمة، ومن حصلت به النعمة فهو أيضاً نعمة، لأنه سبب النعمة. فإذا ثبت أن الوسيلة نعمة وإحسان من الله، فمن يكون أكمل نعمة فهو أكمل وسيلة، ولا شك أن ذوات الأنبياء والرسل من أعظم نعمه تعالى فجازت أن تكون وسيلة.
إذا تقرر هذا فاعلم أن النعمة الكبرى والإحسان الأكبر والمن الأعظم من الله عز وجل هو ذات محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه هو الرسول الأعظم ورحمة للعالمين وخاتم النبيين وشفيع المذنبين، إذ قال الله تعالى في إعلاء شأن محمد عليه أفضل السلام وأتم التسليم على العالمين: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } . فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة العظمى وصاحب المرتبة العليا في الدنيا والآخرة، فلا يحصل الفلاح والسعادة لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا به وبواسطته.

موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من التوسل كما نشرتها جامعة محمد بن سعود الإسلامية في المملكة العربية السعودية في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ينسب كثير من الناس اليوم إلى محمد بن عبد الوهاب أموراً تناقض ما درّس في زمانه من تعاليم. وقد حصل هذا أيضاً في أثناء حياته كما تبين الرسائل التي كتبها إلى قادة المسلمين وعلمائهم في العراق و القصيم والتي يبين فيها أنه لم يكن في يوم من الأيام ضد التوسل ولا ضد الثناء على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ولا ضد دلائل الخيرات ولا ضد ابن عربي وابن الفارض ولا ضد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بل إنه يقبل بجميع هذه الأمور ولم يقل قط بأنها شرك أو ضلال.
وقد وقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الميدان موقفاً عظيماً، قد يستنكره كثير ممن يدعي أنه منسوب إليه ومحسوب عليه، ثم يكيل الحكم بالتكفير جزافاً لكل من خالف طريقته ونبذ فكرته، وها هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ينكر كل ما ينسب إليه من هذه التفاهات والسفاهات والافتراءات فيقول ضمن عقيدته في رسالته الموجهة لأهل القصيم قال:
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي.
فمنها: قوله: أني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وأني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء وأني أدعي الاجتهاد، وأني خارج من التقليد، وأني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، وأني أكفر من توسل بالصالحين، وأني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق وأني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وأني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وأني أكفر من حلف بغير الله، وأني أكفر ابن الفارض وابن عربي، وأني أحرق دلائل الخيرات، وروض الرياحين، وأسميه روض الشياطين.
جوابي عن هذه المسائل: أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بهت صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى ابن مريم، ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب، وقول الزور.
(أنظر مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس: الرسائل الشخصية، طبعة 1980، ص11 – 12، ص61، ص 64، وهو في الدرر السنية الجزء الأول، ص 28).

الخاتمة: ليس المولد عيداً
أن الاحتفال بالمولد وكل ما يعود بالثناء والاحترام على نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم كالصلوات وتلاوة السيرة والقصيدة والمدح، وأي صورة من الأذكار ليست فقط جائزة بحسب جميع المرجعيات الواردة، بل إنه وحسب جميع المصادر محمودة ومندوبة طالما لم نجعلها عيداً رسمياً لأنه وكما قلنا في البداية بأن هناك عيدان: عيد الأضحى، وعيد الفطر نقول بأن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم هو مناسبة تجلب الفرح والبركة وليست عيداً.
ليس لأحد الاعتراض على المولد:
يا أهل الإسلام، يا أمة النبي صلى الله عليه وسلم ، احتفلوا بنبيكم بكل فخر وفرح ولا تتنازعوا في أمور تجلب الفتن والفوضى. لا تمنعوا أحداً من الاحتفال واتركوا الناس تفعل ما تمليه قلوبها ولنقف صفاً واحداً بالامتثال لأمر الله في كتابه العزيز (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) ولنبتهل إلى الله تعالى طالبين العون على أعداء الإسلام، ذلك خير من الاختصام والمجادلة.

حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم:
الحمد لله وكفى والصلاة على المصطفى وبعد:
لابدّ قبل الشروع في إصدار الحكم على هذه المسألة من أنْ نوضِّح المقام بالمراد من جملة :”الاحتفال بالمولد النبوي”فنقول وبالله التوفيق:
الاحتفال بالمولد النبوي هو القيام بأعمال وتصرفات تدل على الفرح والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فللحكم على هذا العمل لابد من النظر إلى الوسائل والمقاصد فيه، فإن كانت الوسائل مشروعة في الجملة بأن اندرجت تحت أصول عامة في التشريع، والمقاصد مشروعة بأن كانت تحقق أيضاً أمراً مطلوباً شرعاً الوصول إليه، كان العمل مشروعاً، ولا يشترط لكل عمل دليلاًخاصاً عليه بل يكفي لأن يندرج تحت أدلة عامة من الشرع، وهذا بدهي، وذلك لأن نصوص التشريع محدودة وحوادث الدهر ممدودة، فلا يمكن أن تستوعب نصوص الشرع أفعال الناس الجزئية إلا بأدلة وقواعد كلية إلا فيما نصّ الشارع على خصوصه وتخصيصه، وإليك توضيحاً للمقام كلام شيخ الإمام النووي العلامة أبي شامة رحمه الله حيث قال مانصّه: “فالبدع الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مُبتدَعٍ موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي، وذلك نحو بناء المنابر والربط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى”اهـ. الباعث على إنكار البدع 1/23.
ما يعمل في يوم الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم:
1-يقرأ بعض المسلمين قصة المولد الشريف، وهي سرد لأحداث السيرة النبوية العطرة منذ ولادته صلى الله عليه وسلّم إلى ذكر خصائصه ومعجزاته الباهرة، ولا أعتقد ان إنساناً لا يجيز هذا العمل الذي يرسِّخ في الناس فهم سيرته صلى الله عليه وسلم.
2- يذكر فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا أظن أن أحداً يناقش في فضل الصلاة على رسول الله إلا مكابر أو معاند، فهي ثابت بصريح القرآن الكريم بقوله تعالى” صلّوا عليه وسلّموا تسليماً”وهو دليل عام ومعلوم في علم الأصول أن العام يبقى على عمومه ما لم يرد مخصص، ولا مخصص هنا في أخراج استحباب الصلاة على النبي في هذا اليوم، فيبقى العمل بالعموم.
3- الإطعام وغيره من أعمال البر المرغوب فيها شرعاً، قال في روح السير/للعلامة إبراهيم الحلبي :وقد سئل الإمام ولي الدين العراقي عن عمل المولد فأجاب: بأن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت، فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور لنور النبوة في هذا الشهر الشريف، ولا نعلم غير ذلك عن السلف، ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهاً، فكم من بدعة مستحبة بل واجبةاهـ.وانظر أيضا النبهاني/جواهر البحار3/1121، والباعث لأبي شامة 1/23.
فهذه جملة وسائل كلها مشروعة بأصلها كما ترى، وأما ما يعمل عند بعض الجهلة من اختلاط محرم للرجال والنساء في مثل هذه الأعمال فهو حرام، ولكن هذا لا يعني أن عمل المولد نفسه حرام ، وعليه لا يجوز أن نبطل الحق لأن أناساً يخلطونه بالباطل ، بل القاعدة أن تقييد الحق خير من إلغائه.
وأما الأمر الثاني: بعدما نظرنا في الوسائل بقي لنا أن ننظر في المقصد من عمل المولد، هل هو مشروع مرغوب إليه أم لا؟
لا يشك أحدٌ أن محبة النبي صلى الله عليه وسلّم مقصد وغاية أوجبها الشرع الحنيف، كيف لا وهو النعمة الكبرى على العالمين، وللإمام ابن حجر الهيتمي كتاباً في المولد النبوي الشريف سماه (النعمة الكبرى بمولد سيّد ولد آدم)، واختصره، وقد شرح المختصر الإمام أحمد ابن عابدين فسماه(نثر الدرر على مختصر ابن حجر)،وكذا للإمام السيوطي رسالة في حكم الاحتفال بالمولد سمّاها (حسن المقصد في عمل المولد)، وعمل المولد هو مظهر ووسيلة من وسائل إظهار هذه المحبة للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وللتعبير عن شكر المنعم على ما جاد به وأنعم، والفرح والتذكير بأيام الله التي أنعم بها على عباده.
وقد ورد ” أنه رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك فقال في النار إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين وذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي، قال ابن الجزري إذا كان هذا الكافر الذي نزل ذمه في القرآن يخفف عنه لفرحه ليلة مولده الشريف صلى الله عليه وسلم، فما حال الموحد من أمته الذي يسر بمولده ويقدم القربات والطاعات فرحاً بمولده الشريف؟!.انظر البيهقي،شعب الإيمان1/261، مصنف عبد الرزاق7/478،ابن حجر، فتح الباري9/145، القسطلاني/ المواهب اللدنية 1/27.
وقد أورد في ذلك الإمام السيوطي في حسن المقصد:
إذا كان هذا جاء ذمّه وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره بأحمد مسروراً ومات موحدا.
وإظهار الشكر بأنواع العبادات ثابت في الشرع، قال تعالى : { وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء [ عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوارء فقال : ما هذا اليوم الذي تصومون ؟ قالوا : هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه ] وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم، وفي هذا الحديث دلالة واضحة على جواز تخصيص يوم معين لشكر الله على نعمة حصلت، وأي نعمة أعظم من ظهور نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالصيام والصدقة والتلاة والذكر بأنواعه وغير ذلك من أعمال البر والخير، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال” ذاك يوم ولدت فيه”رواه مسلم برقم(1162).وهذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم على القيام بالعبادات شكراً على النعم.
وإليك ما قاله الإمام ابن عاشور بعدما ذكر تعظم الله لليلة القدر لأنه أنزل فيها القرآن، وأمرنا بالاجتهاد فيها فجعلها الله عيداً قال: ” وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم الله عليهم وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى ( وذكرهم بأيام الله )”. التحرير والتنوير1/4873.
وبعد هذا الذي ذكرنا من بيان أن الوسائل التي تعمل في المولد مشروعة في أصلها من تلاوة قصة المولد الشريف وكثرة الذكر والصلاة على النبي الكريم، وتقديم الطعام وغيره، والمقاصد أيضاً مشروعة فيه وهي محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وشكر المنعم على إرساله لنبينا العظيم ليكون رحمة للعالمين، وغير ذلك كلها مقاصد مشروعة بنصوص صريحة من القرآن والسنة الشريفة، قال الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثيّة ” المولد والأذكار التي تفعل أكثرها مشتمل على خير، كصدقة، وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدحه…” ص202.
وعلى هذا فلا يعول على قول من خالف في مشروعية عمل المولد،فقد دأب العلماء والصالحون على عمل المولد الشريف من قرون بعيدة حيث بدأ العمل لمولد النبي الكريم من القرن الثالث الهجري وهي قرون الخيرية التي شهد لها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان الملك المظفر حاكم إربل التقي النقي الورع كما جاء في ترجمته يقوم بعمل المولد النبوي في كل سنة ويجمع له العلماء الصالحين انظر الوافي في الوفيات1/3139، قال السخاوي :” إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم”انظر فيض الوهاب/ قيلوبي5/137.انظر محمد رسول الله 1/31.
وقال الإمام أبو شامة شيخ النووي :” ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور . فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين” الباعث 1/23.وانظر أيضاً مولد خير خلق الله/ البناني ص152، المواهب اللدنية/ القسطلاني1/27.
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وآله وأصحابه أجمعين.
محمد العايدي

المقتطف في نقد مواضع من كتاب التحف في مذاهب السلف تأليف سعيد فودة

المقتطف في نقد مواضع من كتاب
التحف في مذاهب السلف

تأليف
سعيد فودة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله والصلاة، والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومَن والاه واتبعه بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد
فهذه تعليقات كتبتها على عجل على الرسالة الموسومة برسالة التحف في مذاهب السلف للشيخ محمد بن علي الشوكاني. علقت فيها على بعض المواضع في هذه الرسالة بيانا للحق، وإرشادا لمن ينظر فيها، كي لا يغتر ببعض التهويلات الموجودة فيها، ولا يتابع بعض كلمات تخلو من دقة، ولا ينجرف وراء إنسان من دون تحقيق.

إشكالية طريق السلف والخلف
قال الشوكاني:”ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم. فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا هنيئا للعامة.” انتهى كلامه.
وذكر بعد ذلك كلاما طويلا مبنيا على هذه الجملة، فلم نحتج إلى إيراده لعدم وجود زيادة فائدة فيه. وأما الجملة السابقة فالكلام فيها على أمرين الأول على معنى العبارة الشائعة “طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم”. والثاني على ما ذكره من أن بعض المحققين تمنوا الموت على عقيدة العجائز، فنبدأ بالكلام على القسم الأول.
قال العلامة المحقق جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع( [1]):”(وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهر المعنى)منه(وننزه عند سماع المشكل) منه كما في قوله تعالى [الرحمن على العرش استوى]،[ويبقى وجه ربك]،[ولتصنع على عيني]،[يد الله فوق أيديهم]، وقوله صلى الله عليه وسلم[إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء]،[إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] رواهما مسلم. (ثم اختلف أئمتنا أنؤول) المشكل ( أم نفوِّض) معناه المراد إليه تعالى (منزهين) له عن ظاهره (مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح) في اعتقادنا المراد منه مجملا، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم، والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم، أي أحوج إلى مزيد علمٍ.”اهـ.
قال العطار في حاشيته عليه( [2]):”قوله أي أحوج:وليس المراد أن الخلف أعلم من السلف”.اهـ
هذا هو أحد المعاني المرادة من هذه العبارة، وذكر الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي في حاشيته على شرح الرسالة معنى آخر فقال نقلا عن العلامة ابن أبي
__________________________________________
( [1] ) حاشية العلامة عطار على شرح المحقق جلال الدين المحلي على جمع الجوامع في أصول الفقه للإمام تاج الدين السبكي (2/461).
( [2] ) حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (2/461).

شريف( [3]):”ومذهب السلف أسلم فهو أولى بالاتباع كما قال بعض المحققين، ويكفيك على أنه أولى بالاتباع ذهاب الأئمة الأربعة إليه، وأما طريقة الخلف فهي أحكم بمعنى أكثر إحكاما أي إتقانا لما فيها من إزالة الشبه عن الأفهام. وبعضٌ عبَّر بأعلم بدل أحكم بمعنى أن معها زيادة علم لبيان المعنى التفصيلي.”اهـ
ولي هنا تعليق على هذا الكلام: فعندما يقول العلماء إن التفويض هو مذهب السلف والتأويل هو مذهب الخلف، فلا يعني ذلك أنه لم يوجد واحد من أهل القرون الثلاثة أوَّلَ، بل يعني إنهم كانوا على الإجمال يتبعون طريقة التفويض لا بالكلية، بدليل ما ورد عن بعضهم أنه أول بعض الآيات والنصوص. وكذا فيما يتعلق بالخلف فلا يلزم من القول بأن مذهبهم التأويل أنهم كلهم أولوا، بل كانت سمتهم الغالبة أو الظاهرة هي التأويل، مع وجود من لا يستهان به اتخذ طريق التفويض. هكذا يجب أن نفهم هذه الكلمة.
أما ما ذكره الشوكاني من كلامه فأوهم القارئ بأن الخلف يدعون أنهم أعلم من السلف على العموم، وهذا لا يدعيه عاقل، فالمعلوم أن السلف وهم الصحابة والتابعون برزوا في فهم الشريعة، وأنهم هم الذين فتحوا أبواب العلوم لمن بعدهم، وكما قال بعض العلماء عن الإمام مسلم:لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. فكذلك نقول عن السلف والخلف. هذا مع ملاحظة إمكان فهم شيء لم يفهمه السلف أو بالأصح لم يهتموا كثيرا بتدقيقه وتنقيحه لعدم احتياجهم إلى ذلك، فلما احتاج الخلف إليه حققوا المعاني وبينوها، وليس في هذا إثبات أن الخلف أعلم من السلف أو أنهم أحكم بل المراد قطعا أن اختلاف الأوقات والأزمان لا ينكر أثره على اختلاف أسلوب العرض مِنَ التفصيل والإجمال تبعا لحاجة القوم لما يواجههم من المشاكل. فزمن الصحابة يختلف من حيث المشاكل التي تحتاج إلى حلٍّ ونظر عن زمان من تبعهم بقرون وهكذا، فلا شك أن تختلف أساليب العلماء في مواجهة المسائل والإشكالات. ومَن ينكر هذا فإنما يخالف الضروريات.
____________________________
( [3] ) حاشية على (كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني)، تأليف الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي. طباعة مصطفى البابي عام 1357هـ-1938م.

وبناءا على هذا نقول: الصحابة والتابعون لم تكن الإستشكالات في زمانهم كثيرة في أمور العقائد والتوحيد، ولذا اعتمدوا الطريق الإجمالي وهو طريق التفويض، ولم يحرموا التأويل، بدليل وروده عنهم، وذلك أنه لم يخلُ ذلك الزمان من ورود إشكال على لسان مشكك أو منحرف أو عامي صعب عليه فَهْمُ أَمْرٍ فاحتاجوا للتفصيل في ذلك، فأوَّلوا. ولما كانت الإيرادات والتشكيكات الواردة عليهم قليلة، كان ما ورد عنهم من التأويل قليلا نسبيا، فلما ازدادت الإشكالات وبرزت الأفهام الفاسدة بعد هذا بأزمان، احتاج العلماء وحفاظا على الشريعة وقياما بواجبهم الذي كلفهم الله تعالى به، إلى الكلام التفصيلي على بعض النصوص الواردة، وذلك ليحفظوا عقائد القوم، وبينوا الحق من الباطل.
وكما رأينا فالخلف عندما أطلقوا هذه الكلمة لم يريدوا إثبات أنهم أعلم من السلف بل أرادوا إن طريقتهم تحتاج إلى مزيد من العلم، أو أنها أضبط في الرد على المشككين والزائغين، وليس في هذا ما يُنْتَقَدون عليه، بل هذا هو الحق الذي عليه البرهان، وحتى لو أنكره معاند بالكلام لقام به فعله بالحال، فكثير من الذين انتقدوا كلمة الخلف هذه وطريقتهم، اضطروا إليها لما نهضوا للرد على المبتدعة في نظرهم ففصلوا كما فصل الخلف، وقاموا بما ذموه أولا.
وههنا ننقل كلاما مفيدا لابن خليفة عليوي، يدور حول هذا المعنى، قال( [4]):
بيان من هم السلف ومن هم الخلف، وهل هم متفقون في الصفات أو مختلفون؟
لندع بادئ ذي بدء الشيخ إبراهيم البيجوري يعطنا فكرة ما عن الخلف والسلف لعلنا بعد ذلك نستطيع الوقوف على حقيقتهم، وذلك من أقوال العلماء شيئا فشيئا، ثم نستمسك بما كانوا عليه، جاء في شرح جوهرة التوحيد البيت التالي
وكلَّ نصٍّ أوْهَمَ التشبيها أوِّلْهُ أو فوِّض ورُمْ تنزيها
___________________________
( [4] ) كتاب هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ص101.

قال الشيخ البيجوري: قوله(وكل نص..) المراد بالنص هنا ما قابل القياس والاستنباط والإجماع وهو الدليل من الكتاب أو السنة، سواء كان صريحا أو ظاهرا، وليس المراد به ما قابل الظاهر وهو ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، إذ لو كان هذا هو المراد لم يمكن تأويله. وقوله(أوهم التشبيها) أي أوقع في الفهم صحة القول به بحسب ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى، على طريق السلف، وهم من كانوا قبل القرون الثلاثة الأولى،الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، ثم قال البيجوري كلمته التي لا يرضى بها السلفيون المعاصرون وهي: وطريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح.
قلت:إنه لا ينبغي للسلفية أن يفهموا أن معنى الأرجحية تفضيل مذهب الخلف على مذهب السلف، إنما الواجب أن يفهموا أن الأرجحية من حيث الرد على الخصوم المجسمة والرافضة والجهمية والكرامية والحشوية والكلابية وغيرها من الفرق الضالة، هذا هو وجه أرجحيتها أو بعبارة أخرى: لولا كثرة المبتدعين في عصورهم لما اختاروا جزما إلا مذهب السلف بدليل قوله (أوله أو فوض ورم تنزيها) أي قدم التأويل، وقال: إنه أرجح لمقارعة المتكلم بالكلام. ثم قال البيجوري:”وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى”.اهـ، ومما لا شك فيه أن في ذلك خطرا عظيما. وقوله ورم تنزيها أي واقصد تنزيها له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المراد . ثم قال” فظهر بما قررناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي، لأنهم يصرفون النص الموهم عن ظاهره المحال لله تعالى”.اهـ. وبهذا يتضح لنا جليا أن الصحابة الكرام قد صرفوا اللفظ الموهم للتجسيم إلى معنى آخر، وأوَّلوا، وعليه يجتمع شمل السلف والخلف على سبيل واحد، وهو التنزيه عن التشبيه. اهـ
وذكر بعد هذا بعض النقول عن السلف يؤولون فيها بعض النصوص، لا حاجة لنا إلى ذكرها لما أنها معلومة.
وبهذا ظهر ما في كلام الشوكاني من أغلاط ومبالغات لا داعي لها خصوصا في هذا الموضوع الذي يلزم المتكلم فيه الدقة والإخبار عن الواقع بلازيادة ولا نقصان، لما يترتب على ذلك من مفاسد في عقول الناس، وما يلزم عنه من تعصبات لغير الحق.
ويظهر مما مضى أن السلف والخلف على منهج واحد، وأنهم على الحق سائرون، ولهدي القرآن متبعون، ولا يجوز لواحد أن يقول إن الخلف ليسوا مقتدين بالسلف، ويتمسك في هذا بأوهام لا أساس لها من الصحة. وأنا أجزم أن كل من يقول بهذا فإنما يقوله لتعصبه أولا لما نشأ عليه، ولجهله ثانيا بحقيقة أقوالهم.
وبهذا انتهى الكلام على ما في الشق الأول من كلام الشوكاني. وأما القسم الثاني فهو ينبني على الشق الأول منه، فهو لم ينطق به إلا لأنه تصور أن الخلف يناقضون السلف، وبالتالي كان عنده أمراً طبيعيا أن يبقى هؤلاء الخلف في حيرتهم التي يزعمها هو وأمثاله، حتى ينطقوا بكلمات يفضلون فيها ما عليه العجائز على ما علموه هم وأفنوا فيه أعمارهم، وكان من الطبيعي أن يتصور هو وأمثاله أن يتبرأ الأذكياء من الخلف مما يقولون، مستنبطا ذلك كله من كلمات لا تدل على ذلك، إلا مَنْ في قلبه وهم أو مرض.
ومن هذه الكلمات ما نقل عن الفخر الرازي:اللهم إيمانا كإيمان العجائز، وغيرها مما ينقلونه عن الأكابر. ويستنبطون منه أنهم يتخلون عما كانوا عليه.
فأقول الجواب على هذا من وجوه:
إذا جاز لك أن تستنبط من هذا الكلام أن الرازي تخلى عن ما يعتقد أو شك فيه فماذا تقول في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:”والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم”. فهل نستنتج من هذا كما قال بعض الجهلة:فهذا الحديث صريح في أنه كان لا يعلم أمر خاتمته في حال حياته. انتهى كلام ذلك الجاهل. وهذا لا يدري أنه إذا صح هذا فيلزمه أن الرسول يشك في صدق الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكيف يكون هذا صحيحا أي كيف يقال أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم أمر خاتمته وقد قال الله تعالى(ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وقوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) وقوله(ولسوف يعطيك ربك فترضى)وقوله(إنا أعطيناك الكوثر). فهل يجوز أن نأخذ بما نتوهمه من الحديث المذكور أم يجب علينا أن نفهمه بما يتناسب وحال الرسول عليه السلام.
ماذا تقول في قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : (لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لما أمنت مكر الله) هل تقول إنه كان يشك في وعد الله تعالى بأنه من أهل الجنة، كما ذكره له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيلزمك نسبة الكفر إليه وهو من هو.
وأيضا فما تقول في عمر لما علم أن الرسول أخبر بعض الصحابة بأسماء المنافقين فجعل عمر يسأل ذلك الصحابي:هل أنا منهم. فهل تقول إن عمر رضي الله عنه كان يشك في إيمانه، فيلزمك تكفيره، أم إنه يشك في وعد الله على لسان الرسول عليه السلام له بأنه من المبشرين بالجنة، فيلزمك أيضا تكفيره.
وغير هذا كثير.
فهل يكون النظر في كلمات هؤلاء القوم هكذا، وبهذه الطريقة الفجَّة، أم يجب علينا أن نفهمها كما يليق بأحوالهم العالية من الإيمان والعلم والخوف من الله تعالى.
فكذلك كلام الإمام الرازي رحمه الله تعالى لا يجوز لك أن تحمله على أنه يشك في ما كان عليه طوال حياته، وكذا غيره، بل الأصل أن نحمل ذلك على ما يليق بحاله وحال أمثاله من شدة الخوف من الله تعالى، لا سيما إذا قلنا إنه نطق بهذه الكلمة عند موته، فالإنسان يكون في غاية الصعوبة في ذلك الموقف، وقد يحس بأمور ينطق عندها بهذا الكلام، وهذا منه غاية التوكل على الله تعالى، فهو رحمه الله لا يريد أن يقول إنني بعلمي وقوتي أنجو من العذاب وذلك لشدة معرفته بالله تعالى، بل قال إنني لا أنجو بشيء من ذلك، بل بما تنجو به عجائز ذلك الزمان من الإيمان الجازم المجرد عن الأدلة والتطويلات والترتيبات وما هذا إلا رحمة الله تعالى، وفي هذا نهاية الخضوع منه لله تعالى، ولا يجوز لنا أن نقول أنه شكٌّ منه بما كان عليه من حال. وذلك أنه أملى عقيدته وهو على فراش الموت على طلابه، وهي لا تختلف عما كان عليه خلال حياته. فالرازي رحمه الله تعالى يجرد نفسه في ذلك الموقف من كل الأسلحة التي اكتسبها خلال حياته، وذلك حتى يكون في حال لا يلتفت فيها إلى شيء إلا إلى الله تعالى، حتى لا تصرفه الوسائل المخلوقة عن خالق هذه الوسائل. وذلك لا يعني أن الإنسان لا يجوز له أن يعتمد على عقله في ذلك الموقف، ودليل هذا إن الرسول عليه السلام لما أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن سؤال القبر وما يلاقي فيه الإنسان من أهوال، قال له عمر: أيكون عقلي معي. قال نعم. فقال إذن أكفيكهما. يقصد الملكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عمر لموقن مصدق. قال الشيخ عليش( [5]): “فانظر إلى وثوقه رضي الله عنه بنظر عقله وعدم اكتراثه بمناظرة مَنْ عِلْمُهُ مُرْتَقٍ من علم اليقين إلى عين اليقين وهم الملائكة، ولم يخف أن يشغل فكره هول منظرهما ولا فظاعة القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة، وهل تصدر هذه المقالة إلا ممن مزجت معرفة الله سبحانه وتعالى بلحمه ودمه حتى تلاشى عنده كل ما سواه، ولم يخف غير الله سبحانه وتعالى”. اهـ
هكذا يجب أن نفهم كلام هؤلاء الأعلام، ولكلامهم هذا معان أخرى تصب في نفس الباب استغنينا عن ذكرها بما مضى. ولا يجوز أن نتصيد منهم كلماتٍ نطقوا بها في أحوال معينة لنحتج بها على ما نريد مما يخالف مرادهم هم، فإن هذا ليس يفعله مَن يريد الحق بل من يريد إثبات أمور هو يرغب بها بأي وسيلة كانت ولو خاطئة.
وهذا الكلام كله على احتمال أن يكون الرازي نطق بهذه الكلمات عند موته، ولكن قد ذكر بعض الأفاضل أن الرازي نطق بها في مقام آخر وذلك أنه في أثناء تدريسه للطلاب قال عندي ألف دليل ودليل على وجود الله، فبلغ هذا الكلام إلى بعض العجائز فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل. فقال الرازي عند ذاك: اللهم إيمانا كإيمان العجائز. وعلى هذا يكون لا حجة للشوكاني وغيره بهذه الكلمة.
____________________________________
( [5] ) شرح الشيخ عليش على عقيدة التوحيد وهي العقائد الكبرى للإمام السنوسي.

وقال الشيخ عليش( [6]):”علما السنة رضي الله سبحانه وتعالى عنهم إنما ألفوا في علم التوحيد ليبينوا للناس ما كان عليه السلف الصالح وصار لشهرته ووضوحه قبل ظهور البدع دينا لعجائزهم ودراساتهم وأهل باديتهم وصبيان مكاتبهم وزادوا بأن حصنوه بالبراهين العقلية التي تنتهي إلى ضرورة العقل بحيث يخرج منكرها عن ديوان العقلاء وبالأدلة النقلية القطعية فيما تقبل فيه منهم رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، فجعلوا على حرز دين الإسلام أسواراًلما قدمت جيوش المبتدعة التي لا تحصى كثرة تريد انسلاب ذلك الدين وأبداله بجهالات يهلك من اتبعها ثم لما قدمت المبتدعة بمعاول الشبهات لتهدم بها أسوار الأدلة وسلالم الأوهام والتخيلات لتتجاوز بها إلى حرز الدين، بالغت العلماءرضي الله سبحانه وتعالى عنهم في الاحتياط للدين ونظرت بعين الرحمة لجميع المسلمين فأفسدت عليهم تلك الشبهات ونسخت لهم تلك الأوهام والتخيلات بأجوبة قاطعة لا يجد العاقل عن الإذعان إليها سبيلا وأنفقوا رضي الله سبحانه وتعالى عنهم في جميع ذلك الذخائر التي حصلت لهم من الكتاب والسنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتجاسر عليه أحد يروم الاختلاس منه وإنما تجاسر من تجاسر من تجاسر عند غيبته صلى الله عليه وسلم لكنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى ورث علماء أمته وأهل سنته من المعارف ما يدفعون به كل عدو يريد الاختلاس من دينهم
أحلَّ أمته في حرز ملته كالليث حلَّ مع الأشبال في أجم
فحين قام الأعداء بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لهدم حصن الدين أنفقوا في تحصينه أعظم تحصين تلك الذخائر التي ورثوها واستعملوا آلات عقولهم في وجوه إنفاقها ولم تزل أرباح تلك الذخائر من زيادة المعارف تتوالى عليهم وينفقونها عند الاحتياج إليها فهذا حال علماء السنة الذين تكلموا في علم التوحيد وألفوا فيه التآليف جزاهم الله سبحانه وتعالى بفضله أفضل جزاء.
_________________________
( [6] ) شرح السنوسية الكبرى، ص11.

فبالله أيها المقلد الذي استدل بما لم يحط به علما من كان يقف لرد أهل البدع حين خاضوا مع كثرتهم وعظيم احتيالهم في شبهاتهم ولهم المنزلة في الدنيا التي يتمكنون بها من سوق الناس إلى أغراضهم، لولا ما نهض لهم رجال الله سبحانه وتعالى من العلماء الراسخين وأي دين يبقى لعجوز أو صبي أو مقلد لاولا بركة أولئك العلماء رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، وأي جهاد يوازي جهاد هؤلاء وأي رباط يماثل رباطهم وعكوفهم على استعمال عقولهم وتحبيسها مدة حياتهم على الجَوَلان فيما يحفظ دين الإسلام، فمهما لاح لهم مختلس يريد شيئا من الدين قابلوه بشهاب من نيران البراهين فردوه خاسئا فلا يتقلب إلا بأعظم فضيحة فضيحة وأين جهاد السيوف ورباط الثغور اللذين غايتهما حفظ النفوس والأموال اللذين لا بد نم فراقهما في الدنيا من هذا الجهاد والرباط لحفظ الدين الذي لو ذهب لهلك الناس في عذاب جهنم أبد الآبدين.”اهـ
وهذا الكلام لا يقدر بالذهب لو عُقِلَ.
وبهذا يبين لك مدى الانحراف في فهم كلام العلماء، ويظهر ما في كلام الشوكاني من ضعف.
حول الصفات
قال الشوكاني: “وبهذا الكلام القليل الذي ذكرنا تعرف أن مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها ولا تأويل متعسف لشيء منها ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل، وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته، فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه ما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه التابعون عن الصحابة وحفظه من بعد التابعين عن التابعين”. اهـ
أقول: كلامه هذا حسن على وجه الإجمال، إلا موضعين من معانيه نتكلم عليهم فيما يلي، وقبل هذا نقدم مقدمة مختصرة في توكيد معنى مذهب السلف، فنقول زيادة على ما ذكرناه في التعليق السابق، كان السلف في الغالب من أحوالهم يكتفون بإيراد هذه النصوص التي يقع الكلام فيها على مواردها، فكانوا يتلونها كما جاءت من دون تفسير تفصيلي لمعانيها، بل يكتفون بالمعنى الإجمالي المفهوم منها لأي إنسان، فكانوا يكتفون من قوله تعالى(يد الله فوق أيديهم)بأن الله معهم ويعينهم بقدرته ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذه الآية دليل على أن لله تعالى يدا. فليس هذا هو الظاهر من المعنى المراد من الآية، بل الظاهر منها أن الله يوفقهم إن هم أطاعوه. فكانوا يمرون على هذا المعنى ولا يتجاوزون وراءه، هذا ما كان عليه السلف، وهذا هو الواجب على كل مسلم. وكذا في باقي الآيات والأحاديث. فَفَرْقٌ بين قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) وبين قولهم لله يدٌ، وهذا ظاهر. ثم كان السلف يمرون على هذه النصوص كما وردت مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة أحد من خلقه في شيء من صفاته.
هذه هي المقدمة، وأما الموضعان اللذان سنتكلم عليهما
فالأول: قوله: إيراد أدلة الصفات على ظاهرها.
فأقول:هذا كلام قد يبدو بيِّنَ المعنى، ولكنه حقيقة لا ينكشف إلا إذا فهمنا المراد من قوله الظاهر، فما معنى كلمة “ظاهرها” في كلامه. قد يُفْهَمُ من كلامه أن المراد هو إمرارها كما جاءت بلا تغيير فيها، فمثلا نحن نعلم أن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) دليل على أمر ما، وعلى حسب كلام الشوكاني فالمفروض أن السلف يُمِرُّون هذا الدليل كما جاء بلا تحريف ولا تأويل إلى آخر ما ذكر. وهذا المعنى إذا كان هو المراد فهو صحيح. فلم يكن السلف يقولون المراد من الاستواء هنا الجلوس ولا غير الجلوس، لم يكونوا يتكلمون بهذا التفصيل( [7])، أو على الأقل لم يَرِد عنهم نحو هذا التفصيل، وهذا ولكننا نقطع أنهم قد نفوا عن الله تعالى جميع صفات التجسيم إجمالا وبشكل كُلِّيٍّ ونزهوه تماما عن أن يكون شبيها بالخلق، ونفي التشبيه ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فكمثل قوله تعالى(ليس كمثله شيء) وقوله تعالى(ولم يكن له كفوا أحد)، وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وسلم (ولم يكن له شبه ولا عدل) وتوجد نصوص كثيرة أيضا في هذا المعنى نقلناه بشيء من التفصيل في شرحنا على العقيدة الطحاوية.
____________________________
( [7] ) نقصد بهذا أنه لم ترد عنهم رضي الله عنهم أي عبارة تفصيلية ينفون فيها الجلوس عن الله تعالى، أو ينفون الجهة كذلك، ولم يرد قول عنهم أيضا يثبت ذلك،

المعنى الذي هو الجلوس باطل، فتنبه، ولكنا أوردناه هنا للتنبيه على مذهب المجسمة والمشبهة، هذا هو المعنى الأول.
أما المعنى المحتمل الثاني، فهو أن أغلب المعاني المرادة لكلمة (استوى على الشيء) فيما بيننا أي المخلوقات تدل على الجلوس، هكذا يزعم بعض الناس وكلامهم فيه نظر بل هو باطل، بينت بطلانه في تعليقي على كلام ابن عبد البر في التمهيد( [8])، قالوا: فلما كنا __________________________________

( [8] ) وقد بينت هناك أن المعنى الحقيقي لكلمة استوى هو (تمَّ)، والشيء التام هو الآتي بعد كلمة استوى وتدل عليه القرائن من خلال السياق والسباق، فإذا قلنا :”جلس الرجل على الكرسي، ثم قام”، علمنا أن المراد هنا هو أن جلوسه على الكرسي تمَّ أي اتخذ الرجل في قعوده أتم هيئة واطمأن فيها، قم بعد ذلك قام ونهض. وإذا سمعنا قوله تعالى(استوى على العرش يدبر الأمر)، فإن المعنى المراد من هذه الآية يكون أن الله تعالى بعد أن خلق السموات والأرض، كما هو مذكور في أول الآية، تم تدبيره لها، فالاستواء هنا أضيف إلى التدبير، فيصير المعنى تمام التدبير، ولا يوجد هنا أو في أي موضع آخر في آيات القرآن الكريم أي قرينة تدل على الجلوس كما يدعي المجسمة والمشبهة، فالاستواء هو التمام، وقد تم تدبير الله تعالى لمخلوقاته بعد خلقها لا قبل ذلك لأنها لم تكن موجودة. ولأن معنى الاستواء هو التمام فإننا نقول: جلس الرجل ثم استوى في جلوسه، وتكون هذه العبارة تامة مفيدة لا تكرار فيها، فالجلوس قد يكون بلا تمام وقد يكون بها، فلذلك لما قيدنا مطلق الجلوس بالاستواء فهمنا هنا إرادة تمام وكمال الجلوس، وعلى هذا المقياس تفهم الآيات الكريمة. وقد بينتُ ذلك بشيء من التفصيل في تعليقاتي على كلام ابن عبد البر في التمهيد.

نستعمله في هذا المعنى أي معنى الجلوس، صار هذا المعنى هو الظاهر من هذا اللفظ إذا نسب أطلق اللفظ في حق الله تعالى فيكون الجلوس والاستقرار على العرش ثابتا لله. فإذا كان المقصود بالظاهر نحو هذا المعنى، فأقول:
هذا المعنى باطل قطعا لأنه يستلزم التشبيه بل هو التشبيه بعينه، فإن المعنى الذي ننسبه إلى أنفسنا إذا كان هو نفس المعنى المنسوب إلى الله تعالى، فهو تعالى وتنزه عن ذلك شبيهنا في هذا المعنى، وكونه كذلك باطل كما هو معلوم بضرورة العقل والشريعة. ويشبه أن يكون هذا المعنى هو ما يريده الشوكاني، فمثلا قد قال في موضع آخر واصفا مذهب السلف على حسب ادعائه:”يقولون نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو وكيفية لا يدري بها سواه، ولا نكلف أنفسنا غير هذا، فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا تحيط به عباده علما”.اهـ فكلامه هذا لا يقوله إلا من بناه على المعنى المتقدم ذكره، وإن قال بعد هذا (فليس كمثله شيء…الخ) لأن قوله إن الله استوى على هيئة لا يعلمها إلا هو، إن هو إلا افتراء مبني على تصور أن الله جالس لكن لا نعرف على أي هيئة جلس، ولو كان الأمر كذلك أي لو كان الأمر أن الله جالس لكن لاندري هيئة جلوسه، لما كان هناك داع لتبديع السائل عن الكيفية، ولكن المشكلة عند السلف هي إثبات نفس الهيئة، لأن إثبات الهيئة التي هي الكيف ذاته، يستلزم التشبيه بل هو مبني على التشبيه كما ذكرنا، ولذا قال الإمام مالك: لا يقال كيف؟ وكيف عنه مرفوع( [9])، وقالت أم سلمة رضي الله عنها: والكيف غير معقول.
_________________________________
( [9] ) الإمام مالك لا يجوز أن يقال على الله تعالى كيف؟ لأن هذا سؤال، والسؤال عن الشيء يستلزم إثباته، والأصل أن الكيف غير ثابت لله تعالى بل هو منفي عنه تعالى، ولذلك قال الإمام مالك في بقية عبارته :”وكيف عنه مرفوع”، ومعنى مرفوع أي منفي، ومسلوب، وهذا هو التنزيه الذي يدعو العلماء إليه، والوقوف إلى هذا الحد هو عين مذهب التفويض، وعبارة الإمام مالك توافق ما نقل عن أم سلمة رضي الله عنها. وهذا المعنى يخالف تماما ما يدعيه ابن تيمية وأنصاره كالشوكاني من القول بأن أصل الكيف ثابت والشوكاني يدعوه هنا بالهيئة أيضا، ولكن صفته وصورته غير معروفة. فهذا فيه عدم رفع الكيف، فالكيف عندهم غير مرفوع بل هو ثابت، والبحث عندهم إنما يكون في تفصيل هذا الكيف، أما الإمام مالك والمتقدمون من علماء السلف فأصل الكيف عندهم منفي قطعا. وهذا ما يقول به علماء السادة الأشاعرة فهم ينفون قولا واحدا الكيف عن الله تعالى، والصورة، والهيئة، خلافا للمجسمة ممن يثبت ذلك كله.

فذات الكيف غير معقول، أي غير معقول إثباته، والشوكاني جعل أصل الكيف معقولا، ولكن وصفه غير مُدْرَكٍ، فليس واقعا تحت الحواس، وهذا هو الباطل بعينه. ثم إن هذا الكلام من الشوكاني الذي هو إثبات الهيئة والقول بعدم معرفتها هو خلاف ما سبق ونسبه إلى منهج السلف من أنهم يُمِرُّون هذه النصوص ولا يتكلمون فيها، فها هو ذا قد تكلم، ثم هو تكلم بكلام فيه تشبيه، ولعمر الله لا أدري إن لم يكن هذا تشبيها فما هو التشبيه.؟!
ثم قال بعد كلامه السابق عن السلف: وهكذا يقولون في مسألة الجهة.اهـ. يقصد إنهم يثبتونها وقال في موضع آخر: فالاستواء على العرش والكون في تلك الجهة قد صرح به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها ويطول نشرها.اهـ ، وهذا فيه إثبات الجهة بكلام صريح، فماذا يكون هذا الكلام إذا لم يكن خوضا في النصوص وتشبيها لله تعالى بخلقه، أقصد إن إثبات كون الله تعالى في جهة، هو عين التشبيه، ثم أين هي تلك النصوص التي يمتلئ بها القرآن الكريم والتي تصرح بالجهة، نحن نتحدى الشوكاني وغيره أن يأتينا بنص واحد فيه إثبات الجهة في الكتاب أو السنة. وكيف لم ترد الجهة في القرآن منسوبة إلى الله تعالى، ولا في السنة كذلك ولا وردت عن صحابي، ثم يجعل المعنى المدلول عليه بهذا اللفظ أصلا من أصول العقيدة؟!
بل الذي ورد إنما هو مطلق الفوقية، بل الفوقية التي هي فوقية قدرة وقهر، وأين هذا من الجهة التي هي صفة الأجسام لا صفة خالق الأجسام، فالعجب من هؤلاء الناس الذين يثبتون شيئا بأوهامهم ثم يتخيلون أنه مصرح به في القرآن.
ويعجب القارئ من الشوكاني بعد ذلك عندما يقول: “فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر، والإذعان بأن الاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف ولا قيل ولا قال.”اهـ فهو نفسه قد خالف هذا الكلام قبل هذا بسطور عندما أثبت الهيئة فأين وردت الهيئة في القرآن، وأين صرح بها الرسول عليه السلام؟ فهل هذا إلا محض افتراء وخيال؟!
ثم تراه بعد ذلك يبالغ في الخطأ عندما يقول في نحو قوله تعالى(إن الله مع الصابرين): “هكذا جاء القرآن، إن الله مع هؤلاء ولا نتكلف تأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذا شعبة من شعب التأويل تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم”.اهـ، ولقد والله حِرتُ وأنا أقرأ كلامه هذا، فعند الاستواء يثبت الهيئة، وعند الفوقية يثبت الجهة، ثم تراه عند المعية يبقيها على ظاهرها، ويثبت ذلك كله وينسبه إلى السلف، وأما غيره ممن ينتمي إلى منهجه فقد تراه يخالفه في هذا ويثبت غيره إلى السلف أو يزيد عليه، ويدعي أن هذا نص القرآن. والحق أنهم كلهم يستقون من نبع واحد، ولذا فهم كلهم يقعون في نوع واحد من الأغلاط، فالسلف والخلف أقصد العلماء الذين يعتد بهم مجمعون على أن المراد بالمعية معية العلم والقدرة والعناية، ومجمعون على امتناع نسبة الجهة إلى الله تعالى, وهذا هو الحق الذي قام عليه الدليل، وأوضحت بعض ذلك في الرد على تعليقات ابن باز التي كتبها على متن العقيدة الطحاوية. وبسطها موجود في كتب العلماء. ونحن عندما نقول إنهم مجمعون على امتناع نسبة الجهة إلى الله تعالى نقصد بالتصريح أحيانا كما في الطحاوية وبالتلميح أحيانا كما في غيرها، والاستناد في هذا إلى قوله تعالى (ليس كمثله شيء) وما يشابهها وإلى أحاديث وأدلة عقلية قطعية.
فانظر أيها العاقل في هذا الكلام وتدبره تعلم حقيقة قول السلف، ولا تغتر بكل من ينتسب إليهم ويدعي أنه بهم يقتدي، بل أمعِن النظر، ثم اتَّبِع ما يدلك عليه الدليل، ولا تنجرف وراء تيار المبالغات والشتائم في هذه المسائل، فإن في هذا الهلاك في الدنيا والآخرة.

بين التنزيه والتشبيه
قوله:”فإن قلت وماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ويتحاشون عنه ولا نصدق معناه ولا يوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار وهم المنكرون للصانع. قلت: يا هذا إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام فإنك لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم ويذكرونه في مؤلفاتهم ويحكونه عن أكابرهم إن الله سبحانه وتعالى تنزه وتقدس لا هو جسم ولا عرَض ولا جوهر، ولا داخل العالم ولا خارجه. فأنشدك الله: أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟ وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي تقوم مقام هذه المبالغة؟
ثم قال: وقد يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين والمتكلفين كلمتان من كتاب الله تعالى وصف بهما نفسه وأنزلهما على رسوله وهما (ولا يحيطون به علما) و(ليس كمثله شيء).اهـ
يبالغ المجسمة دائما في النهي عن الخوض في علم الكلام، ويطلقون النهي في ذلك، ولا يفرقون بين الكلام الباطل والكلام الصحيح، فنحن ننهى عن الخوض في كلام المجسمة والمشبهة، ونفاة الذات الإلهية ونفاة الصفات الثابتة لله تعالى، نعم هذا صحيح، فينهى العامة عن الخوض في مثل هذه الكتب خوفا عليهم من التأثر بمثل هذه الأفكار الفاسدة. ولكننا نحض الناس على التمرس في كلام أهل السنة وخصوصا المتأهلون منهم للتعمق فيه، وأيضا عند انتشار البدع والمذاهب الباطلة. فعلم الكلام في نفسه ليس بمنهي عنه، لأنه علم يبحث فيه عن الذات الإلهية وصفاتها والأحكام اللازم إثباتها لله عز وجل، وما يجب أن ننفيه عنه جل شأنه. وكذلك يبحث في النبوات فيثبت نبوة سيدنا محمد ويرد على المخالفين في ذلك، فهذا العلم كيف يكون منهيا عنه. ولكن قد درج المجسمة على النهي عن ذلك العلم لأن المتمرس فيه يسهل عليه كشف فضائحهم وتبين مفاسد أقوالهم، ولذلك لا ترى مجسما قد برع في علم الكلام، وبقي على تجسيمه إلا أن يكون على قلبه غشاوة عظيمة، ويكون أسلوبه التلبيس على الخلق.
ثم نقول للشوكاني: أما اعتراضك على من ينفي كون الله جسما فلست أدري هل تقول أنت إن الله جسم، فإن قلت كذلك صرْتَ مجسما، ودخلت فيما فررت منه، وإلا فلم تعترض عليهم في استعمال كلمات معينة للدلالة على معنى صحيح وهو نفي الجسمية. أما إذا كان اعتراضك على أسلوبهم الذي يستعملونه وأن في كتاب الله ما يغني عن ذلك، فلا وجه لك في هذا الاعتراض فإن المبتدعة يستعملون ألفاظا للدلالة على معان معينة، ويحتاج حراس الشريعة في الذب عن الدين إلى نفي المعاني الباطلة وعلى وجه التفصيل، كما لو جاء أحدهم وقال: الدين أفيون الشعوب، أفلا يجوز أن نقول له حينئذ، لا، الدين ليس أفيونا. بحجة أن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله فلا نستعمله، أم إن هذه حجة من لا يعرفون للفظ معنى، أو هم يعرفون ولكن يوافقون على هذا المعنى. فإذا جاء رجل وقال الله جسم، أفلا يجوز أن نقول له لا، الله ليس جسما ولا كالأجسام، بحجة أن هذا النفي لم يرد في كتاب الله، بلى نقول له ذلك، ونقول له مع ذلك (ليس كمثله شيء).
وأما هذه الاصطلاحات التي أحدثها العلماء في شتى العلوم فهي لتسهيل التعلم والتعليم، وهذه العلة مطردة في سائر العلوم الشرعية والعقلية والتجريبية، قال الشيخ عليش( [10]):”وإنما أحدث المتأخرون الاصطلاحات لتخفيف مؤنة التعلم والتعليم، لا لتوقف معرفة الحق عليها، وإلى هذا أشار ابن فورك بقوله لو لم يدخل الجنة إلا من عرف الجوهر والعرض لبقيت الجنة خالية، ونحن نقول بموجبه وبأنه لا يدخلها إلا من عرف الله سبحانه وتعالى، عرَفَ الجوهر والعرض أو لا .”اهـ.
أما إذا قصد الشوكاني أن الابتداء بتعليم هذا النفي لعامة الناس هو المذموم أما معناه بذاته فليس غلطا، فقد نساعده في هذا، ولكن نعترض على قوله إن من يمارس هذا الكلام فهو النافي وهذا هو المقصود بالنفي، فهذا قدح منه في علماء الإسلام، بل هو دخول في مضايق
_____________________________
( [10] ) “هداية المريد لعقيدة أهل التوحيد وشرحها عمدة أهل التوفيق والتسديد”، وهو للشيخ عليش، طبعة جامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية، المملكة الليبية 1388هـ-1968م.

الغلط من دون برهان، فلا شك أن هذه المعاني المنفية نفيها صحيح وإثباتها في حق الله غلط. ومن قال بها فقد صرح بانتسابه إلى التجسيم والتشبيه. ولا يضر من نطق بهذا كلامُ الشوكاني شيئا لأنه كلام عارٍ عن الدليل، وكل ما كان كذلك فهو غير لازم الأخذ.
وهل عندما ننفي الجسمية عن من هو ليس بجسم، هل هذا تعطيل لصفته، فكيف وهي ليست صفته؟! إن من يطلق على هذا أنه تعطيل فهو مجسم.
وهل عندما نقول الله ليس عرضا ولا داخل العالم ولا خارج العالم، هل هذا تعطيل؟! فكيف نكون قد عطلنا صفاته، أي نفيناها وأنت أصلا تدعي أنه لا يتصف بها، لأنها من مستلزمات الأجسام فالمتصف بها لا ريب جسم، والذي يستنكر نفيها لا ريب مجسم.
لمحة عن تدرجات الشوكاني في العقائد
قوله: وها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي، فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورمت الرجوع بفائدة والعود بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي قد حببت إليَّ مذهب السلف، على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفا. اهـ
أقول: لو نظرنا إلى هذه الفقرة نظرة تحليلية، أي أعدنا ترتيبها الزمني كما يتلوها الشوكاني لاستطعنا أن نفهمها على حقيقتها، فلو قلت فما الحاجة إلى ما تقول؟ قلنا:لأن الشوكاني يريد أن يستخدمها حجة على ما يريد، ,نحن لا نرى فيها حجة من عدة وجوه نكتفي ببيان بعضها. أهم ما فيها يتضح لنا عندما نعيد ترتيب الفقرة، وملء بعض الفراغات التي فيها لاستكمال المعنى، وأما ملء الفراغات فنستعين فيه ببعض الكلمات المذكورة في الكتاب:
1- من الواضح عند من له إلمامٌ في هذا الموضوع أن الشوكاني لا يعرف مذهب المتكلمين على حقيقته، ولا هو يعرف حقيقة مذهب السلف، وذلك واضح مما مرَّ من تعليقات، وواضح أيضا من كتبه الأخرى وتعليقاته على كلمات العلماء المتناثرة في أثناء كتبه.
2- من المعلوم عند من يعرف شيئا عن الشوكاني أنه كان في الأصل زيدي المذهب أي إن مجتمعه الذي عاش فيه على الأقل كان زيديا، تحول عن هذا المذهب إلى شيء آخر زعم أنه هو الذي أوصله إليه اجتهاده، وهذا نسلمه له، أي من حقه أن يتحول إلى المذهب الذي يختاره، ولكن لا نسلم أنه توصل إلى المذهب الحق من دون باقي المجتهدين، الذين لا يذكر الشوكاني إذا ذكروا، خاصة في علم أصول الدين.
3- لا ريب أن أفكار ابن تيمية قد تأثر بها الشوكاني وأثرت فيما يفهمه إذا أطلق لفظ السلف ومذهب السلف، فلا بد أن يكون معتقدا – ولو على وجه التأثر- أن المذهب الذي يدافع عنه ابن تيمية هو مذهب السلف. وأيضا لا بد أن فهمه لمذاهب علماء التوحيد قد تشوه منذ نعومة أظفاره، لأنه تربى على يد مشايخ وأفكار تتبع في أصولها نظرة ابن تيمية، ولا أقول أنه اتبعه اتباعا تاما، ولكن لا بد أن يكون قد حصل في نفسه انجراف وتأييد لما يدعو إليه ابن تيمية، وكذلك لا بد أن يكون قد تولد في نفسه موقف المعاداة للذين يخالفون ابن تيمية في عقائده. ومعلوم تأثر الشوكاني بالمقبلي وابن الوزير والمعلمي وغيرهم، وهؤلاء معلوم أنهم يميلون إلى كثير من أقوال ابن تيمية، وإن خالفوه في أمور، ومن يقرأ كتبهم تتحفز نفسه تلقائيا – إن لم يكن عارفا بمذهبهم – نحو معاداة المتكلمين المخالفين لابن تيمية.
4- بناءا على هذه المقدمات، نبدأ بترتيب كلام الشوكاني المذكور حتى نفهم هل بحث الشوكاني بحثا حرا أم كان وهو يبحث متأثرا بنظرة تخالف ما يبحث عنه. فإذا كان متأثرا بأمور أخذها وهو صبي عن أساتذته، فلا يمكن أن يكون ما توصل إليه بحثا حرا ولا اجتهادا مطلقا خاصة وهو يقر أنه حتى في أثناء قراءته لكتب الكلام كان ملتزما بما سماه مذهب السلف، الذي عرفنا حقيقة أنه عين مذهب ابن تيمية، وبناءا على ذلا فلا يمكن أن نسمي الفعل الذي قام به الشوكاني إلا اجتهادا -ونضع هذه بين قوسين- مقيَّداً. وهذا لا يجوز الاحتجاج به على المخالفين.
5- في نهاية فقرته يقول عن ما يطلق عليه أنه مذهب السلف”على أني كنت قبل ذلك عليه”، فهو قبل أن يبدأ بالبحث في كتب التوحيد أو أصول الدين، كان متأثرا بما يدعوه مذهب السلف، وقد عرفنا نحن ماذا يعني بمذهب السلف، وعرفنا أصوله في ذلك وما هو مصدر معلوماته، وما علاقته بابن تيمية وما يقوله من اتهامات عن المتكلمين لا أساس لها، وهو يقول أنه كان مقتنعا بمذهب السلف هذا، بالصورة التي حصل عليها وهو في أيام الطلب وعنفوان الشباب، ونحن نعلم إلى أي حد يمكن أن تكون الصورة واضحة عند إنسان هو في عنفوان الشباب وأيام الطلب، وفوق هذا متأثر بآراء مشايخ مثل المقبلي وابن الوزير وابن تيمية الذين يدعون الاجتهاد ومخالفة المشايخ، ويدعون أنهم هم لا غيرهم الذين وصلوا إلى حقيقة مذهب السلف.
6- ثم هو يقول إنه شغل في تلك الأيام بهذا العلم، وأكبَّ على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورام الرجوع بفائدة فلم يظفر بذلك، فإذا سألناه ما هي هذه الفائدة، قال لنا: إنه أراد بقراءة ومطالعة هذا العلم الازدياد بمذهب السلف الذي يعتقده بصيرة وشغفا، أقول: من الطبيعي أن لا يحصل الشوكاني على بغيته هذه في هذه الكتب، لأنه وضع فكرة مسبقة عن صورة مذهب السلف الذي يريد الازدياد به حبا، وكان هذا المذهب الذي تلقاه من مشايخه المتأثرين بنزعتهم والتي تتسم بالتفلت من المذاهب السنية والزيدية، وميلهم نحو عقائد ابن تيمية، وطريقته في مناقشة الخلق. أقول: من الطبيعي أن لا يجد الشوكاني ما يبحث عنه في هذه الكتب، لأنه يعتقد بمذهب ابن تيمية وغيره، ويريد من مثل الجرجاني والتفتازاني والفخر الرازي وغيرهم أن يثبتوا له صحة مذهبه الذي يعتقده وأنى له ذلك؟! والعجب ممن يبحث بهذا الأسلوب، ثم يرجو أن لا يعود بحيرة وخيبة.
7- هذا هو حقيقة ما حصل مع الشوكاني باختصار، استنبطناها من كلامه، وما نعرفه عنه من كتبه. فلا ينبغي أن يقول عاقل بعد هذا: إن الشوكاني هو من قد جرب وعرف وبحث ونظر فوجد المذهب الحق،ويتخذ من تجربة الشوكاني هذه حجةً على الآخرين، فهذا الاستدلال باطل قطعا، وتجربة الشوكاني وبحثه لا يجوز أن يتخذها حجة إلا له وذلك لعدم تسليمنا بصحتها، خاصة مع ما يتخللها من قصور واضطرابات.
8- وأيضا فلم يقل أحد إن علم الكلام مطلوب تعلُّمُه من كل إنسان، بل ممن يغلب عليه الشك ليذهب شكه بما يقرؤه من حجج، أو مَنْ يريد أن يدافع عن الإسلام بالحجج الباهرة أو يدلَّ إنسانا ضلَّ سبيله في هذه الحياة، مغترا بعض الأقوال التي هي ضد الأديان، فلا بد من إنسان يتفرغ للرد على المتشككين الذين يشككون الناس في عقائدهم بالرد عليهم بالأدلة المبطلة لأقوالهم، ويستعمل هذا العلم على قدر الحاجة. وأما المطلوب من عامة الناس فهو القيام على العقائد الحقة الصحيحة ومعرفتها على سبيل الإجمال، أما التوسع في معرفة أدلة الاعتقاد فليس مطلوبا من كل الناس.
كلمة أخيرة لابن السبكي في غاية الأهمية:
قال الإمام تاج الدين السبكي( [11]):
للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات، هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول؟ والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف، وهو اختيار الإمام-أي الجويني- في الرسالة النظامية، وفي مواضع من كلامه فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار في هذا، ولا في مقابله، فإنها مسألة اجتهادية، أعني مسألة التأويل أو التفويض مع اعتقاد التنزيه، إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر، والاعتقاد أنه المراد، وأنه لا يستحيل على الباري، فذلك قول المجسمة عُبَّاد الوثن، الذين في قلوبهم زيغ يحملهم على اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة، عليهم لعائن الله تَتْرى واحدة بعد أخرى، ما أجرأهم على الكذب وأقلَّ فهمهم للحقائق.اهـ
وهذا هو القول الفصل وخاتمة الكلام.

والحمد لله رب العالمين
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا
وليس لنا وراء الله مذهب ولا غاية
__________________________
( [11] ) طبقات الشافعية الكبرى(5/191).

سعيد فودة
الثلاثاء 28/7/1992