الكتاب : القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع المؤلف : أبو الفضل الشيخ الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري

الكتاب : القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع
المؤلف : أبو الفضل الشيخ الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري
القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع
لأبي الفضل الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري

[ 1 ]
(1/1)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الأكرمين . وبعد : فمنذ ثلاثين سنة ، طبعت رسالة (بداية السول في تفضيل الرسول) بتعليقاتي . ثم طبعت مرة ثانية بتلك التعليقات ، وطبعت مرة ثالثة بتعليقات الشيخ محمد ناصر الألباني ، وقد تعرض لي في مقدمة تعليقاته ، وتهجم علي ، وهو هجام ، مع اعترافه بأنه استفاد من النسخة التى صححتها تصحيح بعض الأخطاء في المخطوطة التى علق عليها . وأبى أن يترك اعترافه ، دون أن يشفعه بما يكدر صفوه ، فلمزني بأشياء حصلت في تلك الرسالة ، أذكرها وأجيب عنها بحول الله . قال : أولا ، لقد جرى الشيخ في تخريج الأحاديث ، على سنن جمهور المخرجين ، فهو لا يعنى إلا نادرا ببيان مرتبة الأسانيد من الصحه والضعف ، بل ولا الأحاديث . وأقول : لم أبين الأسانيد ، لأن الرسالة في الفضائل النبوية ، ولتلك الأحاديث ما يؤيدها من القرأن والسنة الصحيحة . على أن مما قرره العلماء من المحد ثين والفقهاء وغيرهم جواز العمل بالحد يث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا ، ونص على هذا الامام أحمد وابن المبارك والسفيانان وغيرهم من الائمة ، واستمر العمل على هذا في جميع الأعصار ، إلا أن ابن العربي المعافرى شذ عن الجمهور ، فقال : لا يجوز العمل بالضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب ، وتبعه القنوجي في نزل الأبرار ، وقلدهما الألباني ، لولوعه باتباع الشواذ . على أن
(1/1)
________________________________________
——————————————————————————–
[ 2 ]
ابن العربي خالف الجمهور قولا ونظرا فقط . أما في العمل فقد عمل بالضعيف في الفضائل في كتابه سراج المريدين وهو من نفائس كتبه ، وفي شرح الترمذي وشرح الموطأ ، وفي الاحكام أيضا . والجمهور الذين أجازوا العمل بالضعيف في الفضائل ونحوها ، اقتدوا بصنيع الشارع ، حيث تجاوز في الفضائل ، ما لم يتجاوز في الفرائض والأحكام . وإليك أمثلة من ذ لك : صلاة النافلة أجاز أن تصلي من قعود مع القدرة على القيام ويجوز أن تصلي ركعة قياما وركعة قعودا ، ففي صحيح مسلم والسنن ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي ليلا طويلا قائما ، وليلا طويلا قاعدا ، وفي الصحيحين عنها أنها لم تر النبي صلي الله عليه واله وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا حتى أسن ، وكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلا ثين أو أربعين آية ثم ركع ، ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك . مثال ثان : روى الشيخان عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوتر على بعيره . يفيد جواز صلاة النافلة على الدا بة . مثال ثالث : روى الشيخان عن ابن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في السفر ، على راحلته حيث توجهت به ، وفى الصحيحين ايضا عن عامر بن ربيعه ، رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته ، وهذا لا يجوز في صلاة الفريضة . مثال رابع : صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الليل صفات منها عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذ كر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ، رواه مسلم في صحيحه . ومنها عن عائشة أيضا قالت : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كبر وضعف أوتر
(1/2)
________________________________________
بسبع ركعات لا يقعد إلا في الساد سة ، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي السابعة ثم يسلم تسليمة ، رواه النسائي .
——————————————————————————–
[ 3 ]
ومنها عن عائشة أيضا قالت : لما أسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ اللحم صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ثم يصلي ركعتين بعد أن يسلم رواه النسائي . ومنها عن عائشة : أن النبي صلى الله وآله وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن ، رواه النسائي . هذه صفات كلها صحيحة ، ولا يجوز شئ منها في صلاة الفريضة . مثال خامس : تبييت النية قبل الفجر في صيام الفريضة واجب لا يصح الصوم إلا به ، وفي صوم التطوع ليس بواجب ، روى مسلم والأربعة عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ، فقال : ” هل عندكم من شئ ؟ ” فقلنا : لا ، فقال ” فاني إذن صائم ” اثم أتانا يوما آخر ، فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيس ، فقال ” أرينيه ، فلقد أصبحت صائما ، فأكل . زاد النساني : قال ” يا عائشة إن منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع ، بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فاعطاه وبخل منها بما شاء فأمسكه ” . يستفاد من الحديت مثال سادس ، وهو : من صام تطوعا يجوز له أن يفطر ولا يتم صومه ، ولا إثم عليه ولا قضاء . مثال سابع : الترتيب بين المناسك في الحج مندوب ، وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عكسه ، فقال : ” لا حرج “) . روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه رجل يوم النحر ، وهو واقف عند الجمرة ، فقال يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي ؟ قال : ” ارم ولا حرج ، ” وأتاه آخر ، فقال : إني ذ بحت قبل أن أرمي ؟ قال : ” ارم ولا حرج ” ، وأتاه آخر ، ففال : إني أفضت الى البيت قبل أن أرمي ؟ قال : ” ارم ولا حرج ” فما سئل يومئذ عن شئ إلا قال ” افعل ولا حرج ” . هذا
(1/3)
________________________________________
مدرك الذين أجازا العمل بالضعيف في الفضانل ونحوها ، غير أنهم احتاطوا مع ذلك ، فاشترطوا للعمل به ثلاثه شروط :
——————————————————————————–
[ 4 ]
أحدها : أن يكون معناه مندرجا تحت أصل عام مثل آية ، أو حديث صحيح ، أو قاعدة من قواعد الشريعة . ثانيها : ألا يكون ضعفه شديدا كالواهي ونحوه . ثالثها : ألا يعتقد ثبوته عن النبي صلى اللة عليه وآله وسلم . على أن قولهم : لا يجوز العمل بالضعيف في الأحكام ، ليس على عمومه ، لأن الأئمة عملوا بالحديث الضعيف في كثير من الأحكام ، وللحافظ ابن الملقن كتاب جمع فيه الاحاديث الضعيفة التي عمل بها الأئمة مجتمعين أو منفردين ، ورتبه على الأبواب الفقهية وهو جدير بأن يطبع ، وفي تدريسي لنيل الأوطار بزاويتنا الصديقية ألفت أنظار الطلبة الى الأحاديث التي عمل بها الأئمة أو الجمهور ، وهى ضعيفة ، مع علمهم بضعفها . قال الألباني : وثانيا رأيته يعتمد على تحسين التومذي ، وظني به أنه يعلم أنه متساهل كما صرح بذلك الذهبي وغيره من الحفاظ النقاد . وأقول : لم أعتمد على تحسين الترمذي في تلك الرسالة إلا مرة أو مرتين على الأكثر ، ولم يكن تقليدا بل إقرار له ، لأنه صواب . ذكر الذهبي في الميزان ، في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف تضعيف الأئمة له وأن بعضهم نسبه إلى الكذ ب ، ثم قال : وأما الترمذي فروى من حديثه ” الصلح جائز بين المسلمين ” وصححه ، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي اه‍ وتعقبه الحافظ العراقي في شرح الترمذي ، فقال : لا يقبل هذا الطعن منه في حق الترمذي وإنما جهل الترمذي من لا يعرفه ، كابن حزم ، وإلا فهو إمام يعتمد عليه ، ولا يمتنع أن يخالف اجتهاده اجتهاد غيره في بعض الرجال ، وكأنه رأى ما رآه البخاري ، فإنه روى عنه أنه قال . حديث كثير عن أبيه عن جده في العيدين إنه حديث حسن اه‍ فهذا الحافظ العراقي وهو من
(1/4)
________________________________________
الحفاظ النقاد ، يصرح أن الترمذي إمام معتمد عليه ، وأن ما اعتبره الذهبي تساهلا منه ، هو في الحقيقة اختلاف في الاجتهاد ، فإطلاق التساهل على الترمذي ، مما لا ينبغي ، نعم قد تعقبته في تحسينه أو تصحيحه ، في كثير من مؤلفاتي وتعليقاتي . والألباني يعتمد على المناوي وعلى القاري ، وأين درجتهما من الترمذي .
——————————————————————————–
[ 5 ]
قال الألباني رابعا : يعزو الحديث لغير المسثاهير من أصحاب السنن وغيرهم ممن ألف في الصحيح ، فهو لما خرج الحديث الأول ” أنا سيد ولد آدم ولا فخر ” عزاه لابن أبي عاصم في الأدب ، الخ كلامه . وأقول : هذا التعقب غفلة منه كبيرة ، ذ لك أن مؤلف الرسالة قال في الخصله الأولى : أنه ساد الكل ، فقال : ” أنا سيد ولد أدم ولا فخر ” ، فعزوت الحديث لمن رواه بهذا اللفظ ، وقال في الخصلة 18 : أنه كما ذكر السؤدد مطلقا فقد قيده بيوم القيامة . فعزوت الحدبث مقيدا الى كتب الصحاح والسنن والمسانيد المشهورة ، ولم أخالف القاعدة في العزو ، لكن الألباني غفل وذهل . وقولي في حديث ابن مسعود ” الخلق عيال الله ” . سنده جيد ، سهو لا أدري كيف حصل لي ؟ بل أوقعني فيه صنيع الحافظ السخاوي قال : ونحو هذا أنه ذكر حديث عائشة في المستدرك بلفظ ” أنا سيد ولد أدم وعلي سيد العرب ” فقال : وهو حديت ضعيف ، خلافا لقول الذهبي أنه موضوع ، وهذا تبجح بارد ، وتطاول على الحافظ الذهبي بدون مبرر (1) ، لأن مدار الحديث على حسين بن علوان ، وعمر الوجيهي وغيرهما من الوضا عين ، وقد أقر الحافظ العسقلاني الذهبي على وضعه فانظر لسان الميزان ، 4 – 289 – 290 وفي ظني أن ابن تيمية أيضا قال بوضعه في كتابه الحجة منهاج السنة اه‍ وأقول : أولا : حديت ” أنا سيد ولد أدم وعلي سيد العرب ” ضعيف كما قلت في تعليقاتي على بداية السول . وقول الذهبي : موضوع ، غلو غير مقبول . ذلك أن الحديث
(1/5)
________________________________________
ورد من غير طريق ابن علوان وعمر الوجيهي ، فرواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ” من سيد العرب ؟ ” قالوا : أنت يا رسول الله ، فقال : ” أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ” ، قال الحافظ الهيثمي : فيه خاقان بن عبد الله بن الاهتم ضعفه أبو داود . قلت : خاقان ذكره ابن أبى حاتم في الجرح ولم يجرحه ، وعبارته : خاقان بن عبد الله بن الأهتم أخو يحيى بن أبي الحجاج المنقري روى عن
——————————————————————————–
(1) هذا التعبير خطا لا وجه له وان استعمله بعض من يدعي الأدب والصواب ان يقال : بدون مسوغ . (*)
——————————————————————————–
[ 6 ]
(1/6)
________________________________________
الحكم بن عتيبة وعلي بن زيد بن جدعان ، روى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث ومسدد وهشام بن الكلبي . سمعت أبي يقول بعض ذلك ، وبعضه من قبلى اه‍ وهو بصري ، والبصريون أبعد الناس عن التشيع . طريق آخر ، روى الحاكم في المستدرك من طريق عمر بن الحسن الراسبي ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب ” . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد ، وفيه عمر بن الحسن وأرجو أنه صدوق ولولا ذلك لحكمت بصحته على شرط الشيخين اه‍ قلت : إسناد الحديث نظيف ليس فيه كذاب ولا متهم ، وعمر بن الحسن هو الراسبي ، ذكرد ابن أبي حاتم في الجر ح والتعديل ، فقال ما نصه : عمر بن الحسن الراسبي البصري ، روى عن القاسم بن الفضل الحداني وديلم بن غزوان وسكين بن عبد العزيز ، روى عنه محمد بن موسى الحرشي اه‍ ولم يجرحه بشئ ، وبمقتضى القاعدة المقررة يكون تعديل الحاكم له مقبولا ، لكن الذهبي يعقب قول الحاكم : أرجو أنه صدوق ، فقال : أظن أنه هو الذي وضع هذا ، وهو تعنت شديد وقول بالظن ، والظن أكذب الحديث . والعجب من الحافظ كيف وافق الذهبي على هذا الحكم المتعنت ، وغفل عما تقتضيه القاعدة في هذا المقام ؟ ! والكمال لله تعالى . فالحديث بهذين الطريقين طريق انس ، وطريق عائشة لا يبعد ان يكون من قبيل الحسن لغيره . ثانيا : الحامل للذهبي على الحكم بوضع الحديث ، فهمه أن الحديث يقتضي تفضيل علي على الشيخين رض الله تعالى عنهم . وعلى أساس هذا الفهم ، رد هو وغيره كثيرا من الأحاديث في فضل علي عليه السلام . وحكموا بوضعها أو نكارتها . ولم يسلم من نقدهم بهذا الفهم إلا قليل وأيد ذلك عندهم ان المبتدع إذا روى حديثا يؤيد بدعته ، ترد روايته ، ونفذوا هذه القاعدة بدقة فيما يرويه الشيعة من فضائل علي عليه السلام . بل يستنكرون الحديث الوارد في فضله ، ولو لم يكن في سنده شيعي . روى
(1/7)
________________________________________
الحاكم من طريق عامر بن السمط عن أ بي الجحاف داود بن ابي عوف عن معاوية بن ثعلبه عن أبي ذ ر قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني ” قال الحاكم : صحيح الاسناد . ووافقه الذهبي وزاد : بل منكر ، والحديث رواه البزاز ، وقال الهيثمي : رجاله ثقات . وإنما استنكره الذهبي لأمرين : أن هذا اللفظ لم يرد في حق أحد الشيخين ، وأنه يفيد الطعن في معاوية وفرقته .
——————————————————————————–
[ 7 ]
(1/8)
________________________________________
وقد يدعون بطلان حديث صحيح في فضل علي عليه السلام ويستدلون بما هو أشد بطلانا من الدعوى . مثال ذلك ما رواه أحمد في فضائل الصحابة والحاكم في المستدرك والخطيب في تاريخ بغداد من طريق أحمد بن الأزهر ثنا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي بن أبى طالب ، فقال ” أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله والويل لمن أبغضك بعدي . قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، وأبو الأزهر باجماعهم ثقة ، وإذا انفرد الثقه بحديت فهو على أصلهم صحيح ، سمعت أبا عبد الله القرشي يقول : سمعت أحمد بن يحيى الحلواني يقول : لما ورد أبو الأزهر من صنعاء ، وذاكر أهل بغداد بهذا الحديت ، أنكره يحيى بن معين ، فلما كان يوم مجلسه ، قال في آخر المجلس : أين هذا الكذاب النيسابوري الذي يذكر عن عبد الرزاق هذا الحديث ؟ فقام أبو الأزهر ، فقال : هو ذا أنا ، فضحك يحيى بن معين من قوله وقيامه في المجلس ، فقربه وأدناه ، ثم قال له : كيف حدثك عبد الرزاق بهذا ولم يحدث به غيرك ؟ فقال : اعلم يا أبا زكريا أني قدمت صنعاء ، وعبد الرزاق غائب في قرية له بعيدة ، فخرجت إليه وأنا عليل ، فلما وصلت إليه سألني عن خراسان ، فحدثته بها وكتبت عنه وانصرفت معه إلى صنعاء فلما ودعته قال لي قد وجب حقك علي فأنا أحدثك بحديث لم يسمعه مني غيرك فحدثني والله بهذا الحديث لفظا فصدقه يحيى بن معين واعتذر إليه اه‍ كلام الحاكم . وكتب الذهبي على قوله صحيح على شرط الشيخين ، ما نصه : هذا وإن كان رواته ثقات ، فهو منكر ، وليس ببعيد من الوضع ، وإلا لأ ي شئ حد ث به عبد الرزاق سرا ولم يجسر أن يتفوه به لأحمد وابن معين والخلق الذين رحلوا إليه اه‍ ثم وافق على الحكاية التي رواها الحاكم ، وفيها بيان سبب تخصيص أبي الأزهر بهذا الحديث ، وتصديق
(1/9)
________________________________________
يحيى بن معين له . فلم يبق لاستنكاره حجه إلا التعنت . وقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7 – 356 وقال : رواه غير واحد عن ابي الازهر ، وما ضعفه ولا استنكره . وقال الخطيب في التاريخ : وقد روته محمد بن الازهر من عهدته إذ قد تربع على ورايته اه‍ .
——————————————————————————–
[ 8 ]
وبعد هذا فاسمع ما قيل في الحكم ببطلانه ووضعه : روى الخطيب عن ابي حامد بن الشرقي : انه سئل عن حديث الي الازهر عن عبد الرزاق عن معمر في فضائل علي ؟ . فقال : هذا حديث باطل ، والسبب فيه : ان معمرا كان له ابن أخ رافضي ، وكان معمر يمكنه من كتبه ، فادخل عليه هذا الحديث ، وكان معمر رجلا مهيبا لا يقدر عليه احد في السؤال والمراجعة ، فسمعه عبد الرزاق من كتاب ابن اخي معمر اه‍ قلت : هذا كلام باصل جدا ، وبيان ذلك : ان ابن أخي معمر ، شخص وهمي لا وجود له ، ولا يعرف أخ لمعمر . وكيف يوجد ابن بدون اب غير عيسى عليه السلام ؟ وعلى فرض وجود هذا الابن المزعوم ، فلم يكن معمر ليمكنه من كتبه يعبث فيها . كيف وهو ثقة إمام ولو فرض إدخال شئ في كتبه من الابن المزعوم ، فيكون في غير رواية عبد الرزاق ولابد ، لان روايته عن معمر متقنة . قال احمد : حديث عبد الرزاق عن معمر احب الي من حديث هؤلاء البصريين ، كان معمر يتعهد كتبه وينظر فيها باليمن ، وكان يحدثهم حفطا بالبصرة ، فكيف يتعهد كتبه ويحدث بها عبد الرزاق وفيها دخيل لابن أخيه المزعوم ، ولم يشعر به ؟ هل حدث بها وهو نائم . ؟ أو مغلوب على عقله ؟ ثم إن معمرا كان ثبتا في الزهري بصفة خاصة ، قال ابن معين : أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ، وقال ابن معنى ايضا : معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة ، وقال عثمان الدارمي : قلت لابن معين : معمر أحب اليك في الزهري أو ابن عيينة أو صالح بن كيسان أو يونس ؟ فقال في كل ذلك ، معمر . وقال الغلابي : ابن معين
(1/10)
________________________________________
يقدم مالك بن انس على اصحاب الزهري ثم معمرا . فهلا كان ابن اخيه المزعوم ادخل عليه الحديث في غير روايته عن الزهري ! ! ومن هنا يعلم ان الذي اختلق حكاية اتن اخي معمر ، ليبطل بها الحديث لم يوفق في حبكها وصياغتها ، فكانت تحمل بطلانها في تضاعيفها ، ويأبى الله إلا أن يظهر الحق ويخذل الباطل . ثالثا : اتخذ النواصب وتبعهم كثير من أهل السنة انخداعا بهم ، مسألة احتمال الحديث تفضيل علي على الشيخين تكأة يستندون إليها في رد أحاديث كثيرة في فضل علي عليه السلام ، كما سبق . وابن تيمية أكثر الطعن في أحاديث فضل علي عليه السلام ، تجد ذلك في منهاجه واضحا ، فلا يعتمد عليه فيما يطعن فيه من تلك الاحاديث ، لان فيه انحرافا عن علي عليه السلام ، كما نبه عليه الحافظ في ترجمته من الدرر الكامنة . وقال في لسان الميزان : لكن وجدته – يعنى ابن تيمية – كثير التحامل الى الغاية في در الاحاديث التي يوردها بن المطهر وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنه در في رده
——————————————————————————–
[ 9 ]
(1/11)
________________________________________
– يعني المنهاج – كثيرا من الاحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها لانه كان لا تساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره ، والانسان عرضة للنسيان وكم من مبالغة لتوهين كلام الزافضي أدته أحيانا الى تنقيص علي رضي الله عنه اه‍ ج 6 ص 319 / 320 ولالبانى حريص كل الحرص على تلقيب ابن تيمية بشيخ الاسلام ، مع أنه لقب مبتدع ، لا أصل له عن السلف إلا ما جاء باسناد واه عن عبد الله بن ابي رأس المنافقين : أنه رأى أبا بكر رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ، فقال لاصحابه : انظرو كيف أصرف هؤلاء السفهاء فتقدم الى أبي بكر ، فصافحه وسماه شيخ الاسلام نفاقا ومداهنة ، ثم إن الاسلام دين الله أنزله على رسوله . فكيف يكون أحد شيخا له ؟ ! . والعجيب في أمر هذا الالباني أنه يحرص على تلقيب ابن تيمية بهذا اللقب المتبتدع ، ويعيب على الذين يسودون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عليه ويعتبر لفظ اسيادة بدعة ؟ ! ويعتبر الذين يذكرونها متبدعة ! مع أن سيادته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالتواتر ، ومعلومة بالضرورة لكل مسلم . رابعا : قال الفيومي في المصباح : وساد يسود سيادة ، والاسلام السؤدد وهو المجد ولاشرف ، فهو سيد والانثى سيدة قلت : فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام ” علي سيد العرب ” أنه ذو الشرف والمجد فيهم ، لانه من أهل البيت فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع علينا وفاطمة والجسن والحسين رضي الله عنهم ، ثم أدخلهم تحت ثوبه وجللهم بكساء كان عليه ، ثم قال : ” هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فسر قول الله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ، ولهذا الحديث طرق عن أم سلمة وعائشة وواثلة بن الاسقع وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فهو حديث مستفيض . فعلي عليه السلام سيد العرب لكونه من أهل البيت النبوي ، وهذه خصوصية له ، خصه الله بها . وأهل المشرق
(1/12)
________________________________________
يطلقون لفظ السيد على الرجل من أهل البيت . وخصوصية أخرى لعلي رضي الله عنه ، وهي أنه يقال له : عليه السلام ، لان هذه الكلمة تقال لاهل البيت ، ولا يقال لغيرهم ، وإن كان أفضل منهم كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . ولعلي عليه السلام خصوصية ثالثة ، وهي أنه إذا صلى شخص على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، صلى على آله معه ، دخل علي دخولا أوليا . وننبه هنا
——————————————————————————–
[ 10 ]
(1/13)
________________________________________
على خطأ وقع من جماهير المسلمين ، قلد فيه بعضهم بعضا ولم يتفطن له إلا الشيعة . ذلك أن الناس حين يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكرون معه أصحابه ، مع ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ساله الصحابة فقالوا : كيف نصلي عليك ؟ أجابهم بقوله : ” قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد ” وفي رواية ” اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ” ولم يأت في شئ من طرق الحديث ذكر أصحابه ، مع كثرة الطرق وبلوغها حد التواتر ، فذكر الصحابة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، زيادة على ما علمه الشارع ، واستدرك عليه ، وهو لا يجوز . وأيضا فان الصلاة حق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولاله ، لا دخل للصحابة فيها ، لكن يترضى عنهم . للصحابة فيها ، لكن يترضى عنهم . وروى مالك حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يارسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال : ” قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم ” . قال ابن عبد البر في التمهيد : استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي غير حديث مالك ” اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ” . وفي هذا الحديث ” اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ” ، قالوا : فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن ذريته : صلى الله عليك ، إذا واجهه ، وصلى الله عليه ، إذا غاب عنه ، ولايجوز ذلك في غيرهم اه‍ وأهل الكساء هم أساس الذرية وأصلها .
——————————————————————————–
[ 11 ]
(1/14)
________________________________________
فائدة حصل خلاف كبير في توجيه التشبيه في الصلاة الابراهيمية ، وذكروا وجوها كثيرة ، وألف العلامة محمد موسى الروحاني البازي كتابا سماه ” فتح العليم لحل أشكال التشبيه العظيم في حديث كما صليت على ابراهيم ” . ذكر فيه سبعة وثمانين ومائة جواب ، وألهمني الله جوابا رافعا للاشكال ، ذكرته في كتاب فضائل النبي في القرآن . وحاصله : أن التشبيه نوعان : الاول : الحاق مفضول بفاضل ، نحو زيد كالبدر ، وأبو يوسف كأبي حنيفة ، والشجاع كالاسد . والاخر : الحاق متاخر ، بمتقدم من غير نظر الى المفاضلة بينهما ، بل قد يكون المتأخر أفضل من المتقدم . نحو قول الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم) شبه استخلاف المسلمين باستخلاف اليهود ، لكونه سابقا في الوجود ، مع أن استخلاف المسلمين أعم وأقوى . والتشبيه في الصلاة الابراهيمية من هذا النوع ، والمعنى : اللهم صل على محمد كما سبقت الصلاة منك على ابراهيم من غير اعتبار مفاضلة بينهما . وإن كانت الصلاة على محمد في الواقع أفضل منها على ابراهيم وبهذا زال الاشكال ، ولم يبق محل لكثرة القيل والقال . وهذه الفائدة ذكرناها استطرادا ، متممة لبحث الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . خامسا : عاب الالباني مخالفتي للذهبي ، واعتبرها تبجحا باردا وتطاولا على مقامه بدون مسوغ . وأقول : هنا يصح ذكر الحديث ” يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه ” فالالباني أكثر الناس تطاولا على مقام أئمة كبار ، مع تبجح أبراد من الثلج ، وسفه سمج ، ويكفيه ذما وعابا انه تطاول على مقام الامام مسلم بن الحجاج الحافظ العلم وضعف احاديثه في صحيحه الذي هو أحد الصحيحين اللذين تلقتهما الامامة بالقبول ، ولهما عند الحفاظ جلالة ومهابة ، وليته ضعف تلك الاحاديث بعلم ومعرفة ، ولكن بجهل ووقاحة . وقد تتبع تلميذنا الاستاذ المحقق الفاضل محمود
(1/15)
________________________________________
سعيد : الاحاديث التي ضعفها ، بالنقد والتزييف حديثا حديثا في كتاب سماه ” تنبيه المسلم الى تعدي الالباني على صحيح مسلم ” . وبين سقوط تضعيفه
——————————————————————————–
[ 12 ]
بالقواعد الحديثية ، من قرأ هذا الكتاب ، تبين له أن الالباني ضعيف في علم الحديث متنا ورجالا ، بخلاف ما يدعيه لنفسه . وميزة أخرى لهذا الكتاب : أن صاحبه عف اللسان ، ينتقد بلطف ، ويناقش بأدب ، لاتجد فيه لفظا نابيا ، ولا دعوى عريضة ، بخلاف الالباني ، فانه كثير الدعوى ، سفيه اللسان شتام هجام فيه زعارة ، وعرامة قبيحة ، كانه لم يقرأ الاحاديث الذامة لسوء الخلق ، والناهية عن السب والشتم . ومن معيبه – وما أكثرها – لمزه لمن يخالفه بالابتداع ، فهو عند نفسه : قسيم النار ، من كان معه فهو سني يستحق الجنة ، ومن خالفه فهو مبتدع ، يستحق النار ، ومن تبجحه السخيف ، قوله في تعليقاته على كتاب السنة لابن ابي عاصم ج 1 / 76 . وقد خرجت اسماء هؤلاء الائمة – يعني الذين ضعفوا ابا حنيفة رضي الله عنه ، في الاحاديث الضعيفة ، بما لا تراه في كتاب آخر ، ولدينا مزيد اه‍ وفي هذه الجملة سخافات : منها : تطاوله على مقام الامام أبي حنيفة احد أئمة المسلمين وهو ثقة عدل . ومنها تبجحه بأن ما جاء به لا يوجد عند غيره ونقول له : مادح نفسه يقرنك السلام . ومنها وهو أشدها سخافة وقبحا : تمثلة بالاية الكريمة . وإذا قال الله تعالى (ولدينا مزيد) فهو حق لان عطاءه ليس له حد ، ونعمه ليس لها عد . لكن ماذا عند الالباني من المزيد غير الجهل والوقاحة ؟ ! . وذكر في مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ص : 67 طبعة رابعة ، عبارة : العصمة لله وحده . وهذه العبارة لا تجوز في جانب الله ، ولا يصح إضافة العصمة وصفا تعالى . ذلك أن العصمة ملكة تقوم بشخص النبي تحول دون وقوع المعصية منه ، وهي خاصة بالانبياء والملائكة ، فيقال : النبي
(1/16)
________________________________________
معصوم ، والملك معصوم ، وعند الاشعرية : أن الملك ليس بمعصوم ، وهذا خطأ . ولعلهم استندوا الى حديث هاروت وماروت وقصتهما مع الزهرة ، وهو حديث باطل ، وأن صححه ابن حبان ، والكمال لله . ومما يدل على تقليد الالباني في الرجال ، وقلة اطلاعه ، أنه في تعليقه على كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لما ذكر مؤلف الكتاب حديث ” من أفتى الناس بغير علم ، لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض ” . كتب عليه الالباني : اسناده ضعيف ، فيه عبد الله ابن بشر عن علي بن موسى الرضا . الاول لم أجد من ترجم له
——————————————————————————–
[ 13 ]
(1/17)
________________________________________
والاخرة ، قال ابن حبان يروي عن ابيه العجائب كانه كان يهم ويخطئ اه‍ . فاقتصار الالباني على كلام ابن حبان في تضعيف على الرضا ، قصور ينبئ عن قلة اطلاع وكثرة جهل ، فقد نقل أبو سعد ابن السمعاني كلام بان حبان كما نقله الالباني ، مع احاديث منكرة رويت من طريقة ، وقال : والخلل في رواياته من رواته فانه ما روى عنه الا متروك اه . ونقل الذهبي في ترجمته من الميزان ، قول ابن طاهر : ياتي عن آبائه بعجائب ، وقال عقبه : إنما الشأن في ثبوت السند إليه ، وإلا فالرجل قد كذب عليه ووضع عليه نسخة سائرها كذب على جده جعفر الصادق اه‍ . وقال في المغني : علي بن موسى بن جعفر الرضا ، عن آبائه . قال ابن طاهر ، ياتي عن آبائه بعجائب . قلت الشأن في صحة الاسناد إليه : فانه كذب عليه وعلى جده اه‍ واظن الالباني اطلع على بعض هذه النقول أو جميعها ، لكنه اثر كلام ابن حبان ، لنصب عنده . والتشيع الذي شم رائحته منا ، خير من النصب الذي شممنا رائحته منه . وما أحسن قول الامام الشافعي رضي الله عنه : يا راكبا قف بالمحصب من مني * * واهتف بقاعد خيفها والناهض ان كان رفضا حب آل محمد * * فليشهد الثقلان انى رافضي ومن أخطائه الدالة على قلة فهمه ، وضعفه في قواعد الاستنباط : أنه اختار للمصلي أن يقول في تشهده : السلام على النبي ، ولا يقول : السلام عليك أيها النبي ، مع أن الاحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت فيها التشهد بلفظ الخطاب . ففي الصحيحين عن أبو مسعود قال : أخذ رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم بيدي ، وعلمني التشهد كما يعلمني سورة من القران . قال ” قل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد ألا إله ألا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ” . ورواه بقية الستة كذلك . وفي صحيح مسلم والاربعة عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله
(1/18)
________________________________________
وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن . فذكر مثل تشهد ابن مسعود .
——————————————————————————–
[ 14 ]
ورواه مسلم والاربعة إلا الترمذي عن أبي موسى قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبين لنا سنتنا ، وعلمنا صلاتنا فقال ” إذا صليتم وكان عند القعدة فليكن من اول قول أحدكم : التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ” الحديث . وهكذا ثبت التشهد بخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلام عليه ، من حديث ابن عمر وجابر وسلمان الفارسي وابن الزبير وعائشة وأبي يعيد الخدري وغيرهم وهو تواتر ، وواظب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو سنة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله . وأخذ به الشافعية ، فقالوا بوجوب الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . لكن ثبت في صحيح البخاري بعد روايته للحديث عن ابن مسعود قوله : بين ظهر انينا فلما قبض ، قلنا : السلام يعني على النبي . قال الحافظ في فتح الباري : كذا وقع في البخاري ، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الاصبهاني والبيهقي من طرق متعددة الى أبي نعيم شيخ البخاري فيه ، بلفظ : فلما قبض قلنا السلام على النبي ، بحذف لفظ يعني . وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم . قال السبكي في شرح المنهاج ، بعد أن ذكر هذه الرواية عن أبي عوانة : وحده : إن صح هذا عن الصحابة ، دل على أن الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير واجب ، فيقال : السلام عى النبي : قلت : قد صح بلا ريب ، وقد وجدت له متابعا قويا ، قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء : أن الصحابة كانوا يقولون – النبي صلى الله عليه وآله وسلم حي : السلام عليك ايها النبي ، فلما مات قالوا : السلام على النبي ، وهذا إسناد صحيح اه‍ كلام الحافظ . قلت
(1/19)
________________________________________
: كلام عطاء هذا ، عنعنه ابن جريح كما في مصنف عبد الرزاق ج 2 ص 204 وابن جريح مدلس ، فلا يقبل ما عنعنه . قال الالباني : وقول ابن مسعود : فقلنا السلام على النبي . يعني ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون السلام عليك ايها النبي في التشهد . والنبي حي بينهم ، فلما مات عدلوا عن ذلك وقالوا : السلام على النبي ، ولابد أن يكون بتوقيف منه ، ويؤيده إن عائشة رضي الله عنها كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة ، السلام على النبي ، رواه السراج في مسنده والمخلص في في فوائده بسندين صحيحن عنها اه‍
——————————————————————————–
[ 15 ]
(1/20)
________________________________________
وهذا الكلام يدل على جهل عريض . وقد إغرب بعزو أثر عائشة الى السراج والمخلص خلص الله الالباني من جهله ، مع انه في مصنف ابن ابي شيبة ومصنف عبد الرزاق ، وجهل الالباني فيما قاله يتبين بوجوه : الاول : أن قول ابن مسعود : فلما قبض قلنا السلام على النبي ، ليس عن توقيف بل هو اجتهاد منه وممن وافقه ، استنادا منهم الى ان الوفاة تناسبها الغيبة ، وهو خطأ ، لما سيأتي : الثاني : لو كان عند ابن مسعود توقيف بذلك ، لصرح به بأن يقول : فلما قبض قلنا بامره أو بارشاد ، فلما لم يقل دل على أنه رأي له محض . الثالث : أن التشهد يتعلق بالصلاة التي هي أهم أركان الاسلام بعد الشهادتين ، وكان الصحابة يتعلمونه ، كما يتعلمون السورة من القرآن ، فلو كان عندهم توقيف ، لنقلوه إلينا كما نقلوا ألفاظ التشهد ، لانه قيد متمم لها ، وهم يعرفون إن نقل المقيد بدون قيد لا يجوز . الرابع : أنه ثبت بالاسانيد الصحيحة في الموطأ ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وغيرها عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر رضي الله عنه يعلم الناس التشهد على المنبر ، وهو يقول : قولوا : التحيات لله الزاكيات لله الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . الخ . هكذا علم عمر التشهد على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحضرة المهاجرين والانصار ، ولو كان توقيف بتغيير صيغة السلام ، لما خفي على عمر ، ولو خفي عليه ، لنبهه بعض الصحابة الذين سمعوا تعليمه . ومثل هذا ما رواه الطحاوي في معاني الاثار عن الن عمر رضي الله عنهما قال : كان أبو بكر رضى الله عنه يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبينان الكتاب ، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود رضي الله عنه ، لكن في سنده زيد العمي . ومثله ما رواه الطبراني من طريق اسماعيل بن عياش عن حريز بن عثمان عن راشد بن سعد عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر : التحيات لله والصلوات
(1/21)
________________________________________
والطيبات فذكر مثل تشهد ابن مسعود . الخامس : روى الطبراني باسناد صحيح عن الشعبي قال : كان ابن مسعود يقول بعد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته : السلام علينا من ربنا : فهذه
——————————————————————————–
[ 16 ]
الجملة زادها ابن مسعود اجتهادا منه ، فكذلك تغيير صيغة السلام من الخطاب الى الغيبة ، اجتهادا منه إيضا . السادس : أن البيهقي روى في سننه عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت : هذا تشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : التحيات لله الى آخره ، مثل تشهد ابن مسعود . قال النووي في الخلاصة : إسناده جيد : وهو يفيد أن تشهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل تشهدنا ، وهي فائده حسنة اه‍ . السابع : روى أبو عاصم قال اخبرنا ابن جريح قال : سئل وأنا اسمع عن التشهد ؟ فقال ، التحيات لله ، وذكر تشهد ابن عباس ، ثم قال : لقد سمعت عبد الله بن الزبير يقولهن على المنبر ، يعلمهن الناس ، ولقد سمعت عبد الله ابن عباس يقول مثل ما سمعت ابن الزبير يقول ، قلت : فلم يختلف ابن الزبير وابن عباس ؟ فقال : لا ، أخرجه الطحاوي . ووقع هذا الاثر في مصنف عبد الرزاق بصيغة الغيبة وما هنا أرجح ، لانه أحال على تشهد ابن عباس ، والسلام فيه بصيغة الخطاب . الثامن : أن المسلمين المقيمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة واليمن وأطراف الجزيرة العربية ، كانوا يسلمونت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تشهد الصلاة بصيغة الخطاب ولم يأمرهم بتغيير صيغة السلام ، لكونهم غائبين عنه . التاسع : أن وفاته صلى الله عليه وآله وسلم لا تستوجب تغيير السلام من الخطاب الى الغيبة ، لان سلامنا عليه يبلغه حيث كنا ، روى احمد والنسائي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” إن لله في الارض ملائكة سياحين يبلغوني عن امتي السلام ” صححه ابن حبان . وللحديث طرق كثيرة .
(1/22)
________________________________________
العاشر : قال ابن حزم أثناء الرد على من زعم أن رسالة النبي تنتهي بانتقاله ، ما نصه : وكذلك ما أجمع الناس عليه ، وجاء به النص ، من قول كل مصل فرضا أو نافلة : السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته اه‍ من كتاب الفصل ج 1 ص 89 ، لابن القيم قريب من هذا المعنى في كتاب الروح . وقال ابن تيمية في الجواب الباهر : والسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم قد شرع للمسلمين في كل صلاة ، وشرع للمسليمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد
——————————————————————————–
[ 17 ]
(1/23)
________________________________________
كان ، فالنوع الاول كل مصل صلاة يقول المصلي : السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته اه‍ . وقال في موضع آخر من هذا الكتاب : وهم يقولون في الصلاة : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، كما كانوا يقولون ذلك في حياته اه‍ . الحادي عشر : أن قول ابن مسعود : فلما قبض قلنا السلام على النبي ، لا يجوز أن يكون نسخا لما علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التشهد للصحابة كما كان يعلمهم السورة من القرآن ، لان النسخ لا يثبت إلا بوحي ، ولا وحي بعده صلى الله عليه وآله وسلم . ولا يثبت بقول الصحابي كما بقرر في الاصول . بل غاية ما يفيد قول ابن مسعود أن يكون قرينة على إن الخطاب غير واجب ، فلو قال مصل في بعض الاحيان : السلام على النبي ، صحت صلاته . وقال الشافعية : تبطل لان الخطاب عندهم واحب . وهم اسعد بالدليل ، وأحق بموافقة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” وعهدنا بالالباني ، يظهر الحرص على التمسك بالوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما بالنا نراه في هذه المسالة يحيد عن اللفظ النبوي المتواتر والمتوارث بين الامة جيلا عن جيل . ثم يختار لفظا يزعم أنه عن توقيف ؟ ! . ولا غرابة في ذلك ، فإنه يتكلم على فقه الحديث وهو لا يعرف الاصول ، ولا يحسن قواعد الاستنباط ، فحخبط خبط عشواء ويتيه في ضلالة عمياء ، يجعل المحكم منسوخا والمخصوص عاما ، والموقوف مرفوعا كما هنا . ولو أنه اقتصر على الكلام في سند الحديث – على تخليط له فيه – لكان خيرا له وأفضل ، وأستر لحاله وأجمل ، على أنه كثيرا ما يضعف الحديث بالهوى والعصبية ، متعاميا عن المتابعات والشواهد ، ويريد إحياء أقول ميتة كقول ابن العربي لا يجوز العمل باضعيف في فضائل الاعمال ويزعم أن إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمر يفيد استحبابه ، وعلى هذا فالسلام على المصلي يستحب ، وكل الضب مستحب . وتارة يرمي بقاعدة أصولية في
(1/24)
________________________________________
غير موضعها ، فيؤكد بذلك جهله بعلم الاصول ، فقد استعمل في كتاب الجنائز قول الاصوليين : تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فضحكنا من حسن استعماله لهذه القاعدة ! ! وتارة يتحمس للتغليظ في حكم ، فيؤدي به الحماس
——————————————————————————–
[ 18 ]
الى الزيادة على الشارع . ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اعفوا للحي خالفوا المجوس – اشتمل الحديث على الامر بإعفاء اللحي وتعليله بمخالفة المجوس ، لانهم يحلقون لحاهم . فلم يقف الالباني عند هذا التعليل واعتبره غير كاف في الزجر عن حلق اللحي ، فعلله بعلتين أخريين ذكرهما في رسالة أدب الزفاف ، وهما تغيير خلق الله والتشبيه بالنساء وزيادة هاتين العلتين تعتبر استدراكا على الشارع ، والاستدراك على الشارع لا يجوز ، لانه لا ينسى فيذكر ولا يغفل فينبه . وبالجملة فلالباني في استنباطه وغيرها سقطات عظيمة يتحمل وزرها ووزر من يقلده فيها ، لاقدامه على الخوض في ما لا يحينه ، وقد أخطأ من زعمه وهابيا بل هو أعمق من الوهابيين تعصبا وأشد منهم تعنتا ، وأجمد على بعض النصوص بغير فهم وأكثر ظاهرية من ابن حزم ، مع سلاطة في اللسان وصلابة في العناد لاتخطر بخلد أنسان ، وهذا شعار أدعياء السنة والسلفية في هذا الزمان . وبلغنا عنه أنه أفتى بمنع إعطاء الزكاة للمجاهدين الافغانيين ، نصرهم الله ، فخالف نص القرآن في قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) وأجمع العلماء على أن سبيل الله ، هو الجهاد ، ولا دليل للالباني على مخالفة النص والاجماع إلا عقيدة . وهو في الحقيقة الضال المضل ، يسعى في التفريق بين المسلمين ، ويعمل على خذلان المجاهدين الذين أوجب الله نصرهم وإمدادهم بالمال والسلاح والعتاد ، والله تعالى يقول : (إنما
(1/25)
________________________________________
المؤمنون إخوة) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ” المسلم أخو المسلم ” وتواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم تواترا قطعيا معلوما بالضرورة أنه كان يكتفي في إسلام المرء بالشهادتين ولم يشترط سيئا آخر غيرهما ، وجرى على هذا صحابته الكرام ، وتابعوهم بإحسان . فما بال هذا الالباني المبتدع ، يفرق بين المسلمين ويضلل جمهورهم كالاشعرية الذين منهم المالكية والشافعية ، وبعض الحنابلة ، وكالماتريدية الذين هم الحنفية . ولم يبق من المسلمين سني إلا هو ومن على شاكلته من الحشوية والمجسمة الذين ينسبون الى الله تعالى ما لا يليق بجلاله . وآية فساد عقيدبه أن العلماء عابوا على ابن تيمية قوله بإثبات حوادث لا أول لها ، ورجح حديث ” كان الله ولم يكن شئ قبله ” على حديث ” كان الله ولم يكن شئ غيره ” وكلاهما في صحيح البخاري ، ليوافق الحديث قوله المخالف لقول الله تعالى
——————————————————————————–
[ 19 ]
(1/26)
________________________________________
(الله خالق كل شئ . . . وخلق كل شئ فقدره تقديرا) ، (إنا كل شئ خلقناه بقدر) ولاجماع المسلمين على أن الله كان وحده لا شئ معه ، ثم أوجد العالم ، وابن تيمية لم يفهم الحديثين ، فلجأ الى الترجيح بينهما فأخطأ . والصواب الذي لم يوفق إليه أن حديث كان الله ولم يكن شئ قبله ، أو كان الله قبل كل شئ ، يبين معن اسمه تعالى الاول . وحديث كان الله ولم يكن شئ غيره ، يبين معنى اسمه الواحد الاحد . ثم أخطأ خطأ آخر حيث زعم أن مع الله تعالى في الازل حوادث لا اول لها بالنوع لا بالعين والنوع لا وجود له إلا في جزئي من جزئياته كما تقرر في علم المنطق ، وزغم أن الناس اشتبه عليهم الفرق بين النوع والعين ، لا بل هو الذي اشتبه عليه الحال . والعين هو الجزئي الذي لا يتحقق وجود النوع إلا به والمقصود أن ابن تيمية انفرد بهذه المقالة الشنعاء ، وعابها العلماء عليه ، واطلع عليها الالباني ، فكان تعقيبه عليها : أن قال : وليته لم يقلها . ولم يزد على ذلك ، كانه خالف في فرع من فروع الطهارة ، وكان الواجب عليه أن يشتد في إنكار هذه المقالة وبيان فسادها ومخالفتها للقرآن والاجماع ، لانها تتعلق بالعقيدة ، لكنه يشتد فقط ويبالغ في إنكار السبحة وقراءة القرآن على الميت ونحو هذا من المسائل التي لاتعد من الضروريات في الدين . فأيهما صلى الله عليه وآله في الازل ؟ ! معارضا قوله تعالى (الله خالق كل شئ) وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” كان الله ولم يكن شئ غيره ” ؟ ! ! . وهكذا شأن هذا الالباني وإخوانه الزائغين يتشددون في مسائل هينة ، ويحابون بعضهم البعض على حساب الدين والعقيدة ! . ولو أن تلك المقالة صدرت عن أشعري أو صوفي ، لوفع الالباني عقيرته بإنكارها وإكفار قائلها ، لكن حيث صدرت عن شيخ الاسلام ابن تيمنية ، اكتفى بقوله : ليته لم يقله ! ! .
——————————————————————————–
[ 20 ]
(1/27)
________________________________________
سلف ابن تيمية في مقالته تلك ، عبد الله بن ميمون الاسرائيلي صاحب كتاب دلالة الحائرين ، وأنعم به سلفا ! ! . ومن أخطائه في الرجال : أنه يعزو في الضعيفة الى فوائد أبي عثمان البجيرمي بالباء الموحدة ، وهذا الخطأ تكرر منه بتكرر العزو الى الفوائد ، والصواب : النجرمي بالنون ، وهي نسبة الى نجيرم ، بفتح النون وكسر الجيم ، بليدة قرب البصرة نسب إليها قوم من أهل الادب واللغة والحديث . ومن قبيح تعنته – وكل تعنت قبيح – ما كتبه على صلاة ابن مسعود التي رواها إسماعيل القاضي وابن ماجه ، بلفظ : اللهم اجعل صلوتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة ، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الاولون والاخرون ، وذكر الصلاة الابراهيمية . فعلق عليه الالباني بقوله : قال الحافظ ابن حجر : إسناده ضعيف ، ذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة ضعيف ، ذكر ذلك في فتوى له في عدم مشروعية وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيادة في الصلاة عليه صلى الله عليه واله وسلم ، وهي فتوى مهمة ، جرى الحافظ فيها على طريقة السلف في الاتباع وترك الابتداع اه‍ وهذا جمود شديد ، وتزمت ممقوت ، يشبه نكتة تحكى عن فلاح ، ذهب الى فقيه القرية ، يساله عن يمين اوقعها صهره على بنته التي تسمى فاطمة ، فأخبره الفقيه بحكم اليمين ، وقرأ عليه نس الحكم في كتاب الفقه الموجود فيه ، فقال له الفلاح : لكن لم يذكر اسم بنتي فاطمة ! ! وهذا المبتدع ، يريد أن يثبت فزيادة السيادة بدعة ، والناطق بها مبتدع ، فلقد حظر واسعا ، ونطق هجرا . وما أتى إلا من قبل جهله بقواعد علم الاصول التي كيف يكون جمع الادلة ، والتوفيق بينها ، حتى تصير في خط مستقيم ، لا تناقض بينها ولا تعارض . فنحن حين نذكر السيادة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لم نزدها من قبل أنفسنا ، ولكن من
(1/28)
________________________________________
قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتواتر ” أنا سيد ولد آدم ” . فضممنا هذا الحديث الى حديث الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، وعملنا بالدليلين ، وهذا مستند ابن مسعود في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسيد المرسلين .
——————————————————————————–
[ 21 ]
وكثير من الاحكام بل غالبها لم تستفد من دليل واحد بل من دليلين أو أكثر ، فالصلاة عرفت أركانها وشروطها وسننها ومبطلاتها ، من عدة أدلة . وكذلك الصيام والزكاة والحج ، وهي أركان الاسلام . وهذا من الوضوح بحيث لا يحتاج الى بيان ولكن المتزمتين لا يفهمون . والمبتدع الالباني ، وقع في البدعة التي ينعاها علينا ، وهو لايشعر ، لضعف فهمه ، وقلة إدراكه . فهو حين يصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته كتبه ، يصلي على أصحابه معه ، وزيادة الصحابة بدعة (لما تقدم بيانه) . أرأيت كيف وقع في البدعة وهو ينعاها على غيره ؟ ! ! . نسأل السلامة والتوفيق . ومن جهله بعلم الاصول ، وهو جهل فاضح : أنه جعل القراءة خلف الامام في الصلاة الجهرية منسوخة ، بزيادة مدرجة في الحديث . قال في صف صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص 80 ثم نهاهم عن القراءة كلها في الجهرية ، وذلك حينما انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ، وفي رواية أنها صلاة الصبح ، فقال ” إني أقول ما لي أنازع ” قال أبو هريرة : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جهر فيه بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرؤا في أنفسهم سرا فيما لا يجهر فيه الامام اه‍ . كتب هذا تحت ترجمة : نسخ القراءة وراء الامام في الجهرية . وهذا جهل كبير ، يتبين بالوجوه الاتية : الاول ليس في الحديث نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القراءة خلف الامام ، روى مسلم والنسائي عن عمران بن حصين : أن النبي صلى الله عليه
(1/29)
________________________________________
وآله وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه (سبح اسم ربك الاعلى) فلما انصرف قال :
——————————————————————————–
[ 22 ]
” أيكم قرأ ؟ ” فقال الرجل : أنا ، فقال : ” لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها ” . قال شعبة : قلت لقتادة : كأنه كرهه ، قال : لو كرهه لنهى عنه وحيث لم يوجد نهي ، فلا نسخ يصح . الثاني قال البيهقي في المعرفة قوله : فانتهى الناس عن القراءة ، من كلام الزهري ، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات ، ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود ، واستدلوا على ذلك برواية الاوزارعي حيث ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الامام فيما جهر به وفيما خافت اه‍ . وكذا قال الترمذي في السنن ، ولو صح عن أبي هريرة لم يكن فيه دليل نسخ ، لان النسخ لا يثبت إلا بقول الشارع كما هو مقرر في الاصول ، ولا يثبت بقول صحابي فضلا عن تابعي . الثالث أنه لم يثبت نهي عن القراءة مع الامام إلا مقيدا باستثناء الفاتحة . ففي صحيح ابن حبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه ، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال : ” أتقرؤن في صلاتكم خلف الامام والامام يقرأ ؟ ! ” . فسكتوا ، قالها ثلاثا ، فقال قائل : إنا لنفعل قال : ” فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ” . ورواه أبو يعلي والطبراني في الاوسط ، وقال الحافظ الهيثمي : رجاله ثقات . وروى أحمد عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” تقرأون خلفي ؟ ! ” قالوا نعم ، قال : ” فلا تفعلوا إلا بأم القرآن ” . وروى إحمد إيضا بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” لعلكم تقرأون والامام يقرأ ؟ ! ” قالها ثلاثا ، قالوا : أنا لنفعل ذلك ، قال : ” فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ” . وروى أبو
(1/30)
________________________________________
داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله
——————————————————————————–
[ 23 ]
وسلم في صلاة الفجر ، فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال ” لعلكم تقرأون خلف إمامكم ؟ ! ” . قلنا نعم ، هذا (2) . يا رسول الله . قال : ” لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ” حسنه الترمذي وصححه البخاري في جزء القراءة وابن حبان والحاكم وغيرهم ، وما أعل به من عنعنة ابن إسحاق مردود بقول البيهقي . وقد رواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق فذكر سماعه فيه من مكحول ، فصار الحديث بذلك موصولا صحيحا اه‍ . وقال الخطائي : إسناده جيد لا طعن فيه ، وقال الحافظ في التلخيص الحبير وتخريج أحاديث الاذكار : إسناده حسن ، وروى الدار قطني عن عبادة بن الصامت إيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” لا يقرأن أحدكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن ” . قال الدار قطني : رواته كلهم ثقات . أما النهي عن القراءة مطلقا فلم يثبت أبدا ، فكيف يدعي الالباني نسخ قراءة الفاتحة ؟ ! أليس هذا جهلا واضحا ؟ . الرابع تقرر في علم الاصول : أن الجمع بين الادلة واجب ، لا يجوز العدول عنه إذا كان ممكنا بوجه من الوجوه . والجمع هنا ممكن بوضوح ، والاحاديث نفسها بشير إليه . فالذين قرأوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهروا بالقراءة ، فلذلك قال : ” ظننت أن أحدكم خالجنيها . . . ما لي أنازع ؟ ” . وكانوا يقرأون السورة مثل سبح حرصا على حفظها منه صلى الله عليه وآله وسلم فأرشدهم إلى الانصات وترك الجهر لئلا يحصل تشويش وأمرهم مع ذلك بقراءة الفاتحة في أنفسهم . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ” وإذا قرأ فأنصتوا ” . معناه لا تجهروا بالقراة ، وهم مأمورون بقراءة الامام له قراءة ” . حديث ضعيف بجميع طرقه ، ولو فرضنا أنه يتقوى بتلك الطرق الضعيفة ، لا
(1/31)
________________________________________
يتجاوز أن يكون له أصل فلا يرقى إلى معارضة حديث الفاتحة المتواتر كما قال البخاري .
——————————————————————————–
(2) بتشديد الذال المعجمة : أي سريعا . (*) له أصل فلا يرقى إلى معارضة حديث الفاتحة المتواتر كما قال البخاري .
——————————————————————————–
(2) بتشديد الذال المعجمة : أي سريعا . (*)
——————————————————————————–
[ 24 ]
ثم حمل القراءة فيه على قراءة الفاتحة غلط لا مسوغ له . بل المراد قراءة السورة وأدعية الركوع والسجود ، والمعنى : أن الامام يكفي المأموم عن قراءة السورة . وعن قراءة الادعية الوارادة في الركوع والسجود وفي القيام من الركوع وفي الجلوس بين السجدتين . أما الفاتحة فهي مخصوصة من عموم القراءة لانها ركن في الصلاة والامام يتحمل المندوبات فقط ، ولا يتحمل الاركان كما هو معلوم بالضرورة من كتب الشريعة الاسلامية . الخامس علم مما ذكرنا أن دعوى النسخ باطلة ، نشأت عن ضيق أفق وضعف في الفهم ، والالباني يتحمل إثمها وإثم من قلده فيها وعليه ينطبق حديث : ” ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شئ ” . وهل أسوأ من إبطال حديث صحيح وإلغائه من درجة الحجية والعمل بدعوى خاطئة جريئة لا مخطئة ، ولا لصاحبها عذر مقبول . وغلطاته كثيرة متنوعة في الرجال ، وفي التصحيح والتضعيف ، وفي فهم الحديث ، وفي الاستنباط منه ، وفي الجرأة على الائمة الاعلام ، وفي لمز كل من خالفه بالابتداع ، أما الانصاف وعفة اللسان فيسمع عنهما ولا يحسهما من نفسه ، نسأل الله الهداية والتوفيق . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الاكرمين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين . أبو الفضل عبد الله بن محمد ابن الصديق عفي عنه
(1/32)
________________________________________

Advertisements

The URI to TrackBack this entry is: https://ahlalsonnah.wordpress.com/2009/07/26/%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d9%86%d8%b9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d8%a8%d8%a7/trackback/

RSS feed for comments on this post.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: