الكتاب : أدلة أهل السنة والجماعة المسمَّى ( الرد المحكم المنيع ) المؤلف : السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي

الكتاب : أدلة أهل السنة والجماعة المسمَّى ( الرد المحكم المنيع )
المؤلف : السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي
( الطبعة السابعة ) (الكويت ) 1410ه – 1990م
أدلة أهل السنة والجماعة
المسمى (الرد المحكم المنيع)
تأليف
الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي
( الطبعة السابعة )
(الكويت )
1410ه – 1990م
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله وحبيبه وعلى آله ومن والاه وبعد:
فبفضله تعالى ومنه وكرمه قد طبع هذا الكتاب (أ دلة أهل السنة والجماعة أو الرد المحكم المنيع على شهبات ابن منيع ) عدة طبعات في عدة دول إسلامية منذ صدور ( الطبعة الأولى ) فى الكويت سنة 1404ه الموافق سنة 1984 م . كانت الطبعة الثانية في ( إندونيسيا) والثالثة في ( المغرب) سنة 1405ه –1985م بواسطة ( دار الطباعة الحديثة بالدار البيضاء ) والرابعة في ( جمهورية مصر العربية ) بواسطة ( مطبعة السعادة بالقاهرة ) والخامسة فى ( جمهورية اليمن الشمالي ) بواسطة ( جمعية العلماء في الحديدة) سنة 1406ه –1986م , وهذه – ولله الحمد وحده- الطبعة السادسة … وهذا يدل على أن هذا الكتاب المتواضع كان مطلوب ومقصود الجماهير الكثيرة الصامتة من أهل السنة والجماعة التي كانت عقائدها وشعائرها الإسلامية الحنيفة ولازالت , هدفا لحملة ظالمة شرسة لا تخشى الله تعالى ولا تتورع عن توزيع أوصاف الكفر والبدعة على من يخالفها من السواد الأعظم من المسلمين .
________________________________________
كذلك فإن مما تجدر الإشارة إلية أن هذا الكتاب المتواضع كان السبب والحافز والمشجع لصدور ردود تناولت نفس الموضوع فى أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي الفسيح من أهمها كتاب ( التخدير من الاغترار مما جاء في كتاب الحوار) للعالمين المغربيين عبد الحي العمروي وعبد الكريم مراد , وكتاب ( رفع الأستار عن شبهات وضالات صاحب الحوار) للعالم البحريني الشيخ راشد بن إبراهيم المريخي , وكتاب ( السنة والبدعة )للعلامة الشيخ السيد عبد الله بن محفوظ الحداد باعلوي الحسنى الحضرمي . وبفضله تعالى وصلتني رسائل وقصائد كثيرة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي تمدح وتبارك هذا الجهد الضئيل وتطلب تزويدها بنسخ منه ……… ولقد رأيت أن أكتفي عند إصدار هذه الطبعة الثانية التي تصدر من الكويت والسادسة على مستوى معتذرا للباقين وشاكرا عواطفهم الكريمة وغيرتهم على دينهم الحنيف . والله تعالى أسأل أن يرزقني مزيد العافية والتوفيق والإخلاص للقيام بما يجب ويلزم مما يحبه الله تعالى برضاه , وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى أله وسلم والحمد لله رب العالمين .
العبد الفقير إلى مولاه تعالى
يوسف السيد هاشم الرفاعي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلي الله تعالي على سيدنا محمد وأله وسلم . وبعد
لقد اطلعت على الكتاب الذي أصدرته الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض بعنوان ((حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته )) للشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع .
________________________________________
وقد آلمني فيه انقضاضه علي السيد المالكي انقضاض السبع الكاسر على فريسته تهجما على شخصه وعلمه ونسبه الشريف قبل أن يطلب منه الدليل الشرعي على آرائه وأفكاره المنتقدة كشأن العلماء من السلف الصالح رحمهم الله تعالى فجعل من نفسه الخصم والحكم منطلقا من مركز القوه الذي يمثله لا من الدليل والحجة والرهان .. وقد كأن الأجدر به أن يدعو خصمه إلي ندوه تلفزيونية أو إذاعية تتقارع فيها الحجج والبراهين وليته أعطاه الفرصة الشرعية المتكافئة للدفاع عن نفسه – وقد أصدر عليه أحكام الكفر والشرك والبدعة والضلال – وقد هاجمه بمطبوعة شبه رسميه ومطبوعة بالأموال العامة لا يملك الخصم أن يرد عليها بنفس القدرة والإمكانية في النشر والتوزيع والتمويل .. ورحم الله خصوم الشيخ ابن تيميه فإنهم لما خرج على الإجماع في بعض آرائه أقاموا له المناظرات الكثيرة المفتوحة في مصر ودمشق وبحضور العلماء والوزراء وطلبه العلم ولم يحكموا عليه من طرف واحد كما فعل الشيخ ابن منيع في القرن العشرين .
________________________________________
وكنت قد التقيت بالشيخ عبد الله بن منيع – مؤلف هذا الكتيب – في أحد المؤتمرات الإسلامية في الهند منذ بضع سنوات , فرأيته لطيفا رقيقا ذا دعابة ينسيك طول الطريق بحكايته المسلية .. فلما طالعت مؤلفه الهجومي هذا ضد السيد العلوي وضد أراء عموم أهل السنة والجماعة فوجئت بارتدائه ( جلد النمر) وامتشاقه سيف التكفير والتضليل والتشريك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأسأل الله لي وله العافية والسداد في القول والعمل وتذكر قولة صلي الله عليه وأله وسلم ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) رواه الشيخان ونذكره موقف القصاص يوم القيامة بين الظالم والمظلوم والباغي والمبغي عليه وما رواه الإمام البخاري وغيره .. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة – آي ظلامه – لأخيه فليتحلل منه اليوم ليس ثم- أي ليس في الآخرة – دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته إن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه ))
فقد بين النبي صلي الله عليه وسلم طريقه المقاصة بين العباد يوم القيامة وذلك بأن يؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات طرح من سيئات المظلوم فطرحت على ظالمة .
هذا وقد علمنا الله تعالى في كتابه كيفيه الحوار وآدابه مع الكفار والمشركين .. فهلا اقتبسناه لتعاملنا مع إخواننا المسلمين الذين نخالفهم الرأي .. فقد قال تعالى في معرض الجدال والحوار معهم ( والله يعلم المفسد من المصلح ) مفوضا الأمر لعلم الله تعالى في أمر معلوم حقيقته وهو صريح الكفر والإيمان فكيف بالمتشابهات والفرعيات بين العلماء وطلبه العلم المسلمين .. وقال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وأله وسلم مخاطبا مشركي قريش بكل أدب وتواضع ( وأنا أو إياكم لعلى هدى أو ضلال مبين ) فهلا تأدبنا آداب القران ونحن ندعى أننا حملته ودعاته وأهل الغيرة على القرآن والتوحيد ؟
________________________________________
وهلا تذكر المؤلف أن حقوق الأعراض وهو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان فى نفسه أو سلفه يجب أن تصان عن الانتهاك . وهو تناولها بغير حق . ويدخل تحت انتهاك الأعراض أمور كثيرة منها القذف والشتم والبهتان والغيبة وإشاعات الكلمات حول من هو برئ منها فإن ذلك يجرى فيه القصاص يوم القيامة .
روى مسلم وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( أتدرون ما المفلس قالوا . المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .
فقال صلي الله عليه وسلم : أن المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقه ويأتي وقد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا حسناته وهذا من حسناته , فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه اخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) ورواه الطبرانى في الأوسط .
وعن أبى أمامه رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله وسلم : يجئ الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون ( أي يقتصون ) من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما فى أيديهم من الحسنات فان لم تكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم – أي سيئات أصحاب الحقوق – حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار )(1)(فال فى مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا.اهـ .
وروى ابن ماجة عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ))
ورواه الاصبهانى وذاد . قال سفيان بن عبينة : هو أن يقول : اق . يعنى لا يتم كلمة اقتل .أه وروى البيهقي نحوه من حديث أن عمر .
________________________________________
وأنه من واجبي الشرعي ومما أتقرب به إلى الله تعالى ثم رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم أن أتقدم للدفاع عن السيد الشيخ محمد علوي المالكي فالسيد المالكي منى وأنا منه يؤذيني ما يؤذيه ويسرني ما يسره كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن بضعته الطاهرة البتول وسبطه الحسين رضى الله عنهما وعليهما السلام .. وأنا مع السيد المالكي أناصره في الحق وبالحق .. بالدليل الشرعي المسند لا بالحمية الجاهلية والهوى .. فكلنا ولله الحمد وقاف عند حدود الله تعالي خائف له تعالى راج لرحمته .. لا نتناصر إلا بالحق ويرد بعضنا بعضا عن الهوى والباطل .. وأنا وإياه أغير على سنة إمامنا ونبينا وجدنا رسول الله صلي الله عليه واله وسلم من الشيخ ابن منيع أو الشيخ الجزائري أو الشيخ التويجرى الذين تناصروا على السيد المالكي أشرأ وبطرأ ومرجعنا جميعا إلى الله تعالى هو الحكم العدل يوم القيامة (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) ) سوره غافر الآية /17 .
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من ذكر امرءآ بشيء ليس ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه )) . رواه الطبراني بإسناد جيد وفي رواية
له: (( أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمه وهو منها برئ يشينه بها في الدنيا كان حقآ على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال ))
وروى أبو داود عن عمر رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول .( من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال) . وفي رواية الطبراني .( وليس بخارج) وقد رأيت من واجبي نصره الظلوم وهو السيد العلوي لأن الذي يعاب عنده أخوه المسلم أو يغتاب وهو ساكت علي ذلك فهو أثم في الدنيا والآخرة .
________________________________________
ولأن في حماية المؤمن المظلوم المستضعف المقهور من ظالمة الباغي المتسلط عليه أجرأ وثوابا عظيما فقد روى أبو داود عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضى الله عنه عن النبي صلي الله وسلم قال: (من حمي مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم , ومن رمي مسلما يريد به شينه حبسه الله علي جسر جهنم حتى يخرج مما قال ).
وروى أبو داود وابن أبى الدنيا وغيرهما عن جابر بن أبي طلحه الأنصارى رضى الله عنهم قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم .( ما من امرئ مسلم ينصر مسلما يخذل امرءأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته . وينتقض فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته . وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقض فيه من عرضه . وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
وعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال . من اغتيب عنده اخوة المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة .
رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ والاصبهاني كما في ترهيب المنذرى .
كيف وأن في الانتصار للمظلوم المفترى عليه السيد الشيخ محمد بن المرحوم السيد الشيخ علوي المالكي . انتصارا لعموم مذهب أهل السنة والجماعة من اتباع السلف الصالح الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم لذلك أسميت هذا الكتاب ( أدله أهل السنة والجماعة ) أو الرد المحكم المنيع على منكرات وشبهات ابن منيع.
وما توفيقي إلإ بالله عليه توكلت وإليه أنيب،
يوسف السيد هاشم الرفاعي
(( الفصل الأول ))
استعداء السلطة على الخصم بدل المحاججة
والمناظرة ليس من سنة وشيم السلف من العلماء
________________________________________
المعلوم والواضح للجميع أن الشيخ ابن منيع واعوانة من المشايخ في ( الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والارشاد )) من خصوم الشيخ السيد محمد علوى المالكي المهاجم في ( الحوار) هم في المركز القوي إذ يملكون الهيمنة المطلقة علي شئون المسلمين في البلاد ويملكون فرض آرائهم ومعتقداتهم علي خصومهم ولديهم كذلك الأموال الموضوعة تحت تصرفهم لطبع ونشر ما يريدون وما يحبون . فلماذا إذن ترك سلاح الحجة والمناظرة مع السيد العلوي واللجوء إلى السلاح (استعداء السلطة والسلطان عليه) كما بين ذلك الشيخ ابن منيع نفسه عندما نشر مقررات ومكاتبات الرئاسة العامة وشكاواها ضد السيد العلوي الذي استفرد به خصومة وضايقوه في دينه ورزقة والذي لا يملك إلا رأيه وحجته من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم . ولقد كانت الحكومة السعودية برموزها الكبيرة في موقف الشرع والحكمة والعدالة والحق عندما لم تستجب استجابة كاملة لكل ما طالب به خصوم السيد المالكي فقمعت الفتنة وأثرت التروي والحكمة وكأنها وهي خادمة ( الحرمين الشريفين) مهوى ومهبط قلوب المسلمين جميعا وكأنها وهي تحمل شعار ( العلم والإيمان ) في العالم الإسلامي كله بما فيه من أراء ومذاهب إسلامية متعددة , وكأنها وهي بلد ( الجامعات السبع ) أثبتت مصداقية التزامها بشعاراتها ومواقفها المعلنة لأن المسائل المثارة بين الشيخ السيد محمد علوي المالكي ومخالفيه من المسائل الخلافية التي طالما ثار حولها الجدل في تاريخ المسلمين منذ القرن السابع الهجري عندما خالف الشيخ ابن تيميه رحمه الله جمهور العلماء في بعض المسائل التي يتبناها حاليا الشيخ ابن منيع وجماعته .. وإذا كان البعض من محبي الشيخ ابن تيميه رأوا في حجر جمهور العلماء آنذاك علي أراء شيخ الإسلام واستعداد السلطة عليه آنذاك ومحاكمته من أجلها انتهاء بتقييد حريته وسجنه رضى الله عنه .استبداد أ وإرهابا فكريا لا يليق
________________________________________
بالعلماء ولا ينسجم مع ( حرية الفكر والتفكير والاجتهاد ) في الإسلام وهو الحنفية السمحاء فإننا نربأ بأتباعة ومحبية من أمثال الشيخ ابن منيع وشيوخه أن يسلكو هذا المسلك مع زميل لهم في العصر الحاضر يقف من حيث قلته وضعفه المادي لا العلمي .موقف الامام الشيخ ابن تيمية بالأمس ويقف خصومه منه موقف خصوم شيخ الاسلام رحمه الله بالأمس وقديما قيل
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
علما بأن الحق في الميزان الشرعي مع الشيخ السيد العلوى لأنه يعبرعن مذهب وأراء علما المسلمين وعامتهم وسوادهم الأعظم خارج المملكة وداخلها آي أتباع مذهب ( أهل السنة والجماعة ) وهم أغلبية المسلمين وقد يتعرض الشيخ ابن منيع قائلا : إن العبرة ليست بالكثرة لأن الله تعالى يقول ( إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ونحن نرد عليه قائلين : هذه الآية في حق الكثرة من (أمه الدعوة) من البشر أما بالنسبة ( لأمه الإجابة ) وهي أمه محمد صلى الله عليه وسلم فإن كثرتها مع الحق مع الجمهور من علماء المسلمين وعامتهم سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه الترمذى ورواه عن أنس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال( إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمه محمد صلي الله عليه وسلم علي ضلاله ويد الله مع الجماعة )
________________________________________
(1) هذا الحديث اخرجة الترمذي بهذا اللفظ وقال هذا الحديث غريب من هذا الوجه انظر طبعه القاهرة الحديث رقم 2256 والترمذي بشرح ابن العربي (9/11) لكن الجزء الأول من هذا الحديث وهو لا يجمع الله أمتي على ضلاله قال الحافظ العراقي رواه البيهقي في المخل من حديث ابن عباس بلفظ لا تجتمع أمتي على ضلاله ولابن ماجه من حديث أنس بلفظ أن أمتي لا تجتمع على ضلاله رقم 3950 وروى من حديث أبى ذر وابى مالك الاشعرى وابن عمر وأبى نصره وقدامه وفى كلها نظر وحسنه الترمذي أنظر تخرج أحاديث منهاج البيضاوي وللحافظ العراقي مخطوط . واما جملة يد الله مع الجماعة فقد رواه الترمذي عن ابن عباس وقال : حسن رقم الحديث 2255 ورواه الطبراني في الكبير بلفظ يد الله على يد الجماعة وعلى كل فللحديث طرق
موقف الشيخ الجزائري
اعتمد الشيخ ابن منيع في حواره على كتيب للشيخ ( أبوبكر الجزائرى ) سماه ( الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف ) في معرض تهجمه على السيد العلوي , وخاصة علماء المسلمين وعامتهم من سواد هذه الأمة , بسبب احتفالهم بالمولد النبوي الشريف واعتقاد مشروعيته , وحقيق بهذا الكتيب أن يسمي ( الاعتساف فيما قيل في المولد النبوي من الغلو والإجحاف من قبل الجفاة وأرباب الخلاف) ولا أدري هل الشيخ الجزائرى لا يزال جزائريا ام انه اصبح مواطنا سعوديا يصول ويجول كما يشاء لأنه أصدر بعد كتيبه الصغير ذلك رسالة صغيره أخرى سماها ( من وسائل الدعوة . كمال الأمة في صلاح عقيدتها – شرح أيه – وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) مؤرخة قي 29/8/1403 ه سار فيها علي منوال الشيخ ابن منيع في التهجم والهجوم علي السيد المالكي إلا أنه لم يسمه – لسبب لا أعرفه حتى الأن – وإن كان قد أشار إليه باعتباره ( مؤلف كتاب – الذخائر المحمدية – الذي نشر الاعتقادات الفاسدة الباطلة والبدع المفسقة والكفرة)
________________________________________
لقد ادعي الشيخ الجزائرى في مقدمه رسالته تلك أن هدفه النصيحة إلا أنه في ختامها لبس جلد النمور والأسود وبعد أن أسرف في مهاجمه خصومه الفكريين بعبارات قاسية , التفت الي رجالات الحكومة السعودية ورموزها فشملهم بهجومه الكاسح متهما إياهم بالفتور في دعوة التوحيد معللا ذلك بما نصه ( لانشغالهم بمهام حكمهم وتغير الظروف والأحوال عليهم) كما ورد في الصفحة ( 25) كم رسالته التي طبعت ووزعت ثلاث مرات في داخل وأمام المسجد النبوي في المدينة المنورة ولا تزال . فاتق الله أيها الشيخ فقد بقي من العمر القليل .
وموقف أخر للشيخ التويجرى
وبينما أنا أتهيأ لاختتام ردى هذا علي الشيخ ابن منيع , اصدر المدعو ( حمود بن عبدالله بن حمود التويجرى ) ولعله من طلبه العلم وشيخ المشايخ في المملكة , لأني لم اعرفه أو اسمع عنه من قبل , كما أنه لم يعرف بنفسه في مقدمه كتابه ولم يعرف به أحد كتابا سماه ( الرد القوي على الرفاعي وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي ) والكتاب كما يبدو لي من تصفح كتابه لا يخلو من إلمام بعلم الحديث الشريف كما أنه كان أكثر ورعآ وخوفا من الله تعالي من الشيخ ابن منيع فلم يطلق علي السيد المالكي أو على شخصي الضعيف ألقاب ( الشرك والكفر والضلال ) كما فعل الشيخ ابن منيع واخوانه في كتابه ( الحوار) حيث صبوا على السيد المالكي أفزع الصفات حتى اتهموه بارتكاب ( الكفر البواح ) كما ورد في مقدمه الكتاب في الصفحة (5) منه مما يعني ( إذا خاصم فجر ) ونسأله تعالي تحري الحق والعافية وأن نكون ممن ( وهدوا إلي الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) وأعود إلى كتاب الشيخ (التويجرى) لأقول إن لدي عليه الملاحظات التالية
________________________________________
1- أنه يستهل رده على كل دليل من الأدلة التي سقتها في مقالي المنشورين في جريده ( السياسة) الكويتية بتاريخ 12و23 ربيع الأول سنه 1402ه بالحديثين الكريمين ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وقوله صلي الله وعليه وآله وسلم .( كل بدعه ضلاله) وأنا لا اختلف معه في صحة هذين الحديثين الشريفين ولكني اخلف معه في فهم معناهما ومدلولهما ومفهوم البد عه والسنة . وهذا محله ( بحث البد عه والسنة) من كتابي هذا فليراجعه الشيخ التويجري .
2- أنه ركز رده وقصره على مهاجمه ( الاحتفال بالمولد النبوي الشريف) مدعيا عدم مشروعيته وحتى لا يكون هذا ( الرد) طويلا ومملا للقارئ الكريم فإني سوف أخص مشروعيه ( المولد النبوي الشريف ) برسالة خاصة تصدر قريبا بأذنه تعالي , مكتفيا بأن أنشر الآن في نهاية هذا ( الرد) مقالا قصير للدكتور الشيخ محمد سعيد بن الملا رمضان البوطي – من علماء أهل السنة والجماعة في بلاد الشام المعاصرين – حول هذا الموضوع وبيان مشروعيته وفيه الإفادة لمن يريد الحق ويهجر العناد .
3- أن مستنده الأخير تكراره وترديده أ، معظم الأدلة مستقاة ومأخوذة من كتب السيد محمد علوي المالكي . مثل كتابه ( حول الاحتفال بالمولد النبوي ) وكتابه الآخر ( الذخائر المحمدية ) مما جعل رده ركيكا ومملا ومضيعا لوقت قارئه وفيما عدا هاتين النقطتين لا نجد جديدا قدمه الشيخ التويجري في هذا الكتاب الضخم ( والرد القوي ) الذي أتعب نفسه فيه إلا تخريجه لمعظم الأحاديث النبوية التي سقتها أنا أو ساقها السيد المالكي أو ساقها هو نفسه وهذا جهد يشكر عليه ويدل على اهتمامه بعلم الحديث الشريف مما يفوق به الآخرين من أقرانه
________________________________________
وبالنسبة لاتهامه لي بالاعتماد على كتب السيد المالكي والاستعانة بأدلته على مشروعيه المولد النبوي الشريف وما سماه هو ( سرقه ) فهذا شرف لا أنكره ولم يكشف الشيخ التويجرى جديدا أو أمرا مطلسما مخيفا لو أنه رجع فيما كتبته أنا ونقله هو حرفيا في كتابه إلي ما يلي.
أنني ذكرت في مقالي – كما نقله الشيخ التويجرى عني في صفحه 67 من كتابه – بعد أن بينت أن الاحتفال بالمولد النبوي جائز شرعا قياسا على صيام النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه يوم عاشوراء الذي نجا الله تعالي فيه موسى من فرعون والغرق . بينت أن مرجعي في ذلك ( مقدمة المورد الروي في المولد النبوي لعلي القاري ) ولأن الشيخ التويجرى لم يقرأ هذه المقدمة ولم يعرف صاحبها – وهو السيد العلوي المالكي نفسه , جازف باتهامي بسرقة أدلته دون الإشارة إلي صاحبها .. وهذا مرده العجلة وسوء الظن وعدم الوقوف عند قوله تعالي (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6))
أنني ذكرت اسم السيد محمد علوي المالكي صريحا وكاملا في ذلك المقال مطالبا برفع ( الإرهاب الفكري ) ضده من قبل مخالفيه من العلماء .. وكان عنوان وموضوع مقالي ( الرد علي الشيخ عبد العزيز بن باز ) عندما هاجم الاحتفال بالمولد النبوي واعتبره شركا وبدعة . ومعروف أن السيد المالكي من أوائل الذين سوف يطلعون علي هذا المقال لورود اسمه فيه صريحا
أن الموقف الضيق الحرج بالنسبة للسيد المالكي كان يقتضي نشر أدلته الشرعية وتبينها والدفاع عنها من قبل الآخرين باعتبارها أدله عامة مشتركة لجميع مشا ركية في الرأي من أهل السنة والجماعة الذين هم السواد الأعظم للآمة الإسلامية في عالم المسلمين . وهذا ما فعله العبد الفقير متحريا به وجه الله تبارك وتعالي في بيان الحق ونصره المظلوم.
وأخيرا .. هل تقبل شهادة ابن منيع علي السيد المالكي ؟
________________________________________
الجلي البين في كتاب الشيخ ابن منيع الذي كرسه للهجوم علي الشيخ السيد محمد علوي المالكي .أنه يتبرأ من عقيدته وآرائه وأفكاره . فهو إذن مخالف له في العقيدة علما بأن كل من اطلع علي الكتاب الخير للسيد المالكي ( قل هذه سبيلي) وخاصة في فصل الإيمان والعقيدة . علم وتيقن صفاء وسلامه عقيد ته وتوحيده وكذب وافتراء مخالفيه عليه مما سيحاسبون عليه يوم القيامة حسابا عسيرا وبمناسبة الحديث عن هذه المسألة الهامة وهي ( المخالفة في العقائد) بين الاثنين . أود أن أورد كلاما نفيسا للأمام العلامة المحقق ( تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنه 702 ه) والذي قال عنه الذهبي في تذكره الحفاظ ج4 ص 1481( الإمام , الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة . شيخ الإسلام) .
وقد ذكره في ( باب معرفة الضعفاء ) وهو الباب الثامن من كتابه ( الاقتراح في بيان الاصطلاح) تحقيق قحطان الدوري – طبع مطبعة الإرشاد في بغداد سنة 1402ه – 1982 م . حيث قال ما نصه وهذا الباب تدخل فيه الآفة من وجود أحدها وهو شرها الكلام بسبب الهوي والغرض والتحامل.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ ( صاحب الاستيعاب) أمورا كثيرة عن أقوام من المتقدمين وغيرهم . حكم بأنه لا يلتقت إليها وحمل بعضها على أنها خرجت عن غضب وحرج من قائلها . ومن رأيه أن من اشتهر بحمل العلم فلا يقبل فيه جرح إلا بيان هذا أومعناه ،
وثانيا المخالفة في العقائد فأنها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبد يعهم وأوجبت عصبيه اعتقدها دينا يتدينون به ويتقربون به الي الله تعالي ونشأ من ذلك الطعن بالتفكير أو التبديع وهذا موجود كثيرا في الطبقة المتوسطة من المتقدمين ,
________________________________________
ثم ختم الامام ابن دقيق العيد كلامه النفيس هذا بقوله ( والذي تقرر عند نا أنه لا تعبير المذاهب في الروايةإذ لا نكفر احدا من أهل القبلة ) وفي الحاشية ذكر محقق الكتاب ان نصر الامام ابن دقيق العيد ورد في شرح ( العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 355) ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب , ما لم يستحله ) . وبهذا الكلام النفيس نتحصل علي جواب السؤال عن مدي صحة قبول شهادة ابن منيع علي السيد المالكي للمخالفة في العقائد من جهة ولكون الشيخ ابن منيع خالف رأي العلماء من السلف الصالح كالامام ابن دقيق العيد الذين لا يبحون أبدا تكفير احد من اهل القبله والاسلام خاصة إذا انعدم الدليل والبرهان الساطع البين الصريح ,
الطعن والتشكيك في الأنساب من الكبائر
المعلوم لطلبه العلم والعامة فكيف للعلماء قوله صلي الله عليه وآله وسلم ( الناس مؤتمنون علي أنسابهم ) وأن ( الطعن في الإنسان من الكبائر ) فكيف بعد هذا يتحمل الشيخ ابن منيع ويوافقه المشايخ المراجعون لكتابه والرئاسة العامة التي صدر الكتاب في ( ثلاث طبعات) حتى الآن علي حسابها من أموال ( بيت مال المسلمين ) علي المساس بالأنساب غمزا ولمزا حيث ورد في ( الحوار) بحق السيد المالكي قول المؤلف( ص 42 ) :
لقد نشرنا أملنا في أن تكون شهادته نبرا سا له في طريق الدعوة إلي بما يرضيه جده صلي الله عليه وسلم على افتراض صحة نسبته إليه . وقوله في الصفحة (191) وكم أتمني أن يكون المالكي وهو يذكر أنه أحد أسباط رسول الله صلي الله عليه وسلم . وهذه صيغه تمريض كان يجب أن يتبرأ منها ويتورع عنها من أقل علما من المؤلف وانتسابا للعلم الشريف . اللهم ألبسنا ثوب الورع العميم وأعدنا بحولك وقوتك من العذاب الأليم فليس المؤمن بسباب ولا فاحش ولا بذئ
________________________________________
واجعلنا اللهم من أحباب أهل بيتك الكريم الذين قلت فيهم ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربي) وقال فيهم صلي الله عليه وآله وسلم ( احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي) أخرجه الترمذي وحسنه الطبراني عن ابن عباس . ورحم الله القائل.
كانت مودة سلمان لهم رحم * ولم يكن بين نوخ وابنه رحم ،
*( الرد على الحوار ) *
قال الشيخ ابن منيع ( إن المالكي بما قرأنا له في كتابه – الذخائر المحمدية – من أن الخلق خلقوا لأجل محمد وأن محمدا له علم شامل , ويعلم الروح والأمور الخمسة التي اختص الله تعالي بعلمها وأن له مقاليد السموات والأرض ) إلي أخر ما قاله في حواره ص 186 ولي علي ما سبق الردود التالية مستعينا بحوله تعالي وقوته القوية فأنه لا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم ..
الفصل الثاني
ولأجله خلقتك
يذكر بعض العلماء في كتب المناقب أن من جمله خصائصه صلي الله عليه وسلم أن الكون خلق لأجله وممن ذكر هذه الخصوصية الحافظ جلال الدين السيو طي والحافظ القسطلانى والشيخ الزرقاني وصحح أحاديث هذه الخصوصية الحافظ الحاكم والسبكي والبلقيني ، فقد أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني في الصغير وأبو نعيم وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( لما اقترف أدم الخطية قال : يارب بحق محمد لما غفرت لي قال وكيف عرفت محمدا ؟ قال لانك خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعملت أنك تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك قال صدقت يا أدم ولولا محمد ما خلقتك . قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد وقال الذهبي بل هو موضوع
( المستدرك وتلخيصه ج2/651) ( والمواهب اللد نية وشرحها ح1ص 62)
________________________________________
قلت وقول الذهبي أنه موضوع تعنت منه وهذا ليس بغريب لأنه معروف في ميزان الجرح والتعديل بأنه من المتشددين وقد ذكر هذا الحديث البيهقي في كتابه المشهور دلائل النيوه وهو ملتزم أن يخرج حديثا في كتابه يعلم انه موضوع كما نص عليه الحافظ السيوطى في كتابه التوحيد من اللالي المصنوعه ةقد ذكر في هذا الكتاب وهي ضعيفه وأنه يكتفي بالصحيح ( ص 5 دلائل النبوه ) وقد قال الذهبي عن هذا الكتاب أي ( دلائل النبوه ) عليك به فإنه كله هدي ونور اه من شرح المواهب ح1ص 62 وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في كتابه دلائل النبوه في باب ماجاء في تحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم بنعمه ربه عز وجل ولقوله تعالي (وأما بنعمه ربك فحدث ) ثم قال بعد أن ساقه تفرد به عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف ا ه وأيدك ذلك الحافظ عماد الدين ابن كثير حيث نقل هذا الحديث في كتابه البدايه والنهايه ولم يتعرض عليه بشئ ( البداية 1/180 ) وأخرج الحاكم وصححه وأقره السبكى والبلقينى عن ابن عباس رضىالله عنهما قال أوحي الله إلي عيسى أمن بمحمد وبمن أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت أدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش علي الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله الا الله محمد رسول الله فسكن . قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (2/615) وقال الذهبي قلت أظنه موضوعا علي سعيد قلت وذكر هذا الحديث الإمام محمد بن يوسف الشامي في كتابه المعروف بالسيرة الشامية وقال رواه ابو الشيخ في طبقات الاصفهانيين والحاكم وصححه وأقره السبكى وشيخ الاسلام البلقيني في فتاويه وقال الذهبيى في سنده عمرو بن أوس لايدرى من هو . وروي الديلمي في مسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال أتاني جبريل فقال يامحمد إن الله يقول لولاك ماخلقت الجنه ولولاك ماخلقت النار ( السيره الشاميه وذكر الحيث أيضا السبكى في شفاء السقام وصححه ص
________________________________________
163) كما ذكر الحديث الشيخ ابن تيميه في فتاويه الكبرى ج2/151 وقال روى أبو النعيم الحافظ في كتابه دلائل النبوه ومن طريق الشيخ أبي الفرج بسنده إلي عمر بن الخطاب قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لما أصاب أدم الخطيئة رفع رأسه فقال يا رب بحق محمد إلا عفرت لي فأوحي إليه وما محمد ومن محمد ؟ فقال يا رب إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلي عرشك لفاذا عليه مكتوب لاإله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع سمك فقال نعم قد غفرت لك وهو أخر الانبياء من ذريتك ولولاه ماخلقتك قال ابن تيميه . فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للاحاديث الصحيحه قلت فهذا يدل علي أن الحديث عند ابن تيميه صالح للاستشهاد والاعتبار لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين وأنت تري أن الشيخ استشهد به هنا على التفسير وبهذا ظهر أن الحديث هذا صححه جماعه من العلماء لا يستهان بهم كالحاكم والسبكى والبلقينى والبيهقي إذ أخرجه في كتابه الذي شرط فيه أن لايخرج الموضوعات وكذلك ابن كثير والقسظلاني والزرقاني وكون الذهبي رده أو حكم بأنه موضوع لا يؤثر شيئا وليس رأي الذهبيى بأولى من رأي الحاكم والبيهقي فمن رد الحديث من أجل فساد المعني فهذا إجتهاد منه في الفهم ونحن نقبله من اجل حكم الحاكم والبيهقي ومن قال ان الحاكم بالوضع وقد حكم كثير من العلماء على أحاديث بالوضع فلم يسلم قولهم كابن الجوزى فأنه أورد في كتابه ( الموضوعات الكبرى ) الضعيف بل الحسن بل الصحيح مما هو في سنن أبى داود وجامع الترمزي وسنن ابن ماجه ومسترك الحاكم وغيرها من الكتب المعتمده بل فيه حديث في صحيح مسلم حتي قال بعض العلماء ومن عجيب نايرى للمسلم * فيه حديث من صحيح مسلم . والحديث يدل علي مزيد التكريم لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم ولا يعارض شيئا منأصول التوحيد وليس فيه انتزاع لحق من حقوق الربوبيه أوصفات الألوهيه بل إنه تشهد له كثير من
________________________________________
الحقائق المعتبره فمن ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه العزيز النبي صلي الله عليه وسلم رحمه للعالمين قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين ) فثبت أنه صليى الله عليه وسلم رحمه وأن هذه الرحمه للعالمين ولا بد لتحقيق هذه الرحمه من وجود العالمين فهم مظهر تحقق تلك الرحمه فلا حرج أن يقال إن العالم خلق من أجل تلك الرحمه المتعلقه به ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالي قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ) وهذا يفيد أن من الحكم الالهيه لايجاد الخلق هو العباده له سبحانه وتعالي وهذه العباده التي من أجلها خلف الخلق لاتكون إلافي الدنيا فهي مظهر تلك العباده ومحلها ومشهدها فمن لازم القضيه أن نقول أن الكون كله خلق من أجل إقامه العباده لله سبحانه وتعالي فلا حرج لوقال قائل ان الله سبحانه وتعالي خلق الكون من اجل عباده الخالصين والمخلصين العابدين الطائعين . ومحمد صلي الله عليه وسلم
نظائر لهذا التكريم الإلهي
________________________________________
وقد وقع من نوع هذا التكريم لأفراد من هذه الأمة وغيرهم من اتباع الرسل فيغفر الله سبحانه وتعالي لهذا من اجل هذا ويسامح هذا من اجل هذا ويشفع هذا في هذا كما جاء في أحاديث عرفه أن الله تعالي يقول للملائكة في حق الواقفين بعرفه الداعين إني أجبت دعاءهم ووهبت مسيئيهم لمحسنيهم ( رواه أبوعلي ) وفي رواية الطبراني عن النبي صلي الله عليه قال ( إن الله وهب مسيئكم لمحسنكم وأعطي امحسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله ) فلما كان ( بجمع ) قال إن الله عز وجل قد غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في كالحيكم . وفي رواية للبيهقى أن الله تعالي يقول ( إني قد غفرت له وشفعته في نفسه ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف) . وهذه الأحاديث ذكرها الحافظ المنذرى في الترغيب والترهيب في كتاب الحج ج3ص 323 وهي صالحة للاحتجاج وبمجموعها يصير الخبر صحيحا . وقد جاء أن عباد الله الصالحين من يرزق الله الكون لأجلهم فبهم يسقى العباد وينصرهم ويغيثهم ويدفع البلاء عنهم ويجلب الخير لهم ويرحم بهم أهل الأرض جميعا . عن على رضي الله عنه قال أني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ( البدلاء بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات جل أبدله الله رجلا مكانه يستسقي بهم الغيث وينصر بهم علي الأعداء ويصرف عن أهل الشام العذاب ) . رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد وهو ثقه وقد سمع من المقداد وهو أقدم من علي . وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : ( الإبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل خليل الرحمن عز وجل كلمات مات رجل أبدل الله تعالي مكانه رجلا) رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الواحد بن قيس وقد وثقه العجلي وأبو زرعه وضعفه غيرهما . وعن عباده بن الصامت قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يزال في أمتي ثلاثون بهم يقوم الأرض وبهم تمطرون وبهم تنصرون قال قتاده إني أرجو أن يكون الحسن منهم . رواه الطبراني من طريق عمر , والبراز
________________________________________
عن عنبسة الخواص وكلاهما لهم أعرفه وبقيه رجاله رجال الصحيح . وعن أنس قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم تسقون وبهم تنصرون مامات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه أخر قال سعيد سمعت قتادة يقول لسنا نشك أن الحسن منهم , رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن( مجمع الزوائد 10/ص 62) عن أبى ألد رداء قال : قال رسول الله صلي الله وسلم : من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرون مره كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض رواه الطبراني وهو حسن كذا في الجامع . بل إن الله سبحانه وتعالي أكرم بأسرها ومعها نبيها لأجل نمله حقيرة فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال عنه قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقي فإذا هو بنمله رافعه بعض قوائمها إلي السماء فقال : ارجعوا فقد أستجيب لكم من أجل هذه النمله رواه الدار قطني ( مشكاة المصابيح ج1ص 478) فإذا صح أن يقال أن الله لأجل نمله سقي أمة بأسرها وفيها نبيها وصالحوها وأولياؤها فما المانع أن يقال ان الله خلق أدم لأجل محمد صلي الله عليه وسلم ومعلوم أن المقصود بمحمد هو ذاته وشريعته ورسالته الخاتمة الكاملة العامة فا لله خلق أدم والكون من أجل محمد للأيمان به ونصرته وتأييده والإقرار برسالته التي ختم بها الرسالات واكمل بها الدين وتمم بها مكارم الأخلاق . وقد جاء أن الله تعالي أخذ العهد والميثاق عل جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا بمحمد صلي الله عليه وسلم إذا أدركوه وأن ينصروه ويؤيدوه ويكونوا من أتباعه وأن يأخذو مثل هذا العهد علي أممهم قال تعالي (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
________________________________________
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) قال علي وابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق , لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق علي أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . قال ابن كثير فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائما إلي يوم الدين , هو الإمام الأعظم الذي لووجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم علي الأنبياء كلهم ولهذا كان إمامهم ليله الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس .وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل حلاله لفصل القضاء بين عباده وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتي تنتهي النبوة إليه فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه .
استشاره الحق سبحانه وتعالي نبيه محمدا
________________________________________
ومن نظائر هذا التكريم ما جاء في الحديث أن الله سبحانه وتعالي استشار نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم في شأن الأمة . عن حذيقه قال : غاب عنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج فلما خرج سجد سجده حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها فلما رفع رأسه قال إن ربي عز وجل استشارني أمتي ماذا – أفعل بهم قلت ما شئت ربي هم خلفك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك فقال لا نخزيك في أمتك يا محمد وأخبرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم وحساب ثم أريل إلي فقال ادع تجب وسل تعط فقلت لرسوله أو معطي ربي عز وجل سؤلي قال ما أرسلني إليك الا ليعطيك ولقد اعطاني ربي عز وجل ولا فخر وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخروانا أمشي حيا صحيحا وأعطاني ان تجوع أمتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر من الجنه يسيل في حوضي وأعطاني العز والنصر والرعب يسير بين يدي أمتي شهرا وأعطاني أني أول الأنبياء ادخل الجنه وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأجل لنا كثيرا مما شدد علي من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج . رواه احمد . قال الهيثمى إسناده حسن (ج10ص 68 مجمع الزوائد) . وبهذا ظهر أن من قال بهذه الخصوصية وأثبتها للنبي صلي الله عليه وسلم هم رجال لا يستهان بهم من أئمة هذه الأمة وحفاظها كالحاكم والبيهقي والسبكى السيوطى وابن الجوزي والزرقاني والقسطلاني لهم دليل يستمسكون به وأصل يرجعون إليه لا من هواهم أو تعصبهم وبقي بعد ذلك البحث في صحة هذا الأصل أو عدم صحته وللمنكر أن يقول إن الأصل بيس بصحيح مثلا فينبني عليه عند من يعرف أصول البحث والنظر أن يقال للمستمسك به إنه مخطئ ولا يصل به الحال إلي أن يقال عنه إنه مشرك أوصال ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) إن هذه المسألة ل صله لها بالشرك والكفر , وإنما يدور البحث فيها بين الصواب والخطأ والبطلان .
الفصل الثالث
النبي صلي الله عليه وسلم وعلم الغيب
________________________________________
العلم بالغيب علمان . علم اتي مطلق تفصيلي محيط بجميع المعلومات الالهيه بالاستغراق الحقيقي وهذا خاص بالله جل جلاله لا يشاركه فيه أحد ومن أثبت شيئا منه ولو ادني من ذره لاحد من العالمين فقد كفر وأشرك وبار وهلك , وعلم عطائي مكتسب من الله تعالي لبعض عباده مثل الأنبياء عليهم السلام قال تعالي : 1-( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)
2-وقال تعالي (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)
3- وقال : (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ)
4- وقال : (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا )
5- وقال : (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)
إلي غير ذلك من آيات كثيره . وهذا ما وفق إليه العلماء الإثبات في آيات النفي والإثبات –كما قال الإمام أبو ذكريا النووي في فتاواه والإمام ابن حجر المكي في ( الفتاوى الحيثيه ) وغيرهما أن معناها ( لا يعلم ذلك استقلالا وعلم أحاطه بكل المعلومات إلا الله تعالي . ولا يمكن أن تخطر شبه مساواة علم المخلوقين طرأ أجمعين بعلم رب العالمين لأنه علمه تعالي ذاتي وعلم الخلق عطائي علم الله واجب لذاته وعلم الخلق ممكن له علم الله أزلي سرمدى قديم حقيقي الخلق – ومنهم الأنبياء حادث لأن الخلق كله حادث والصفه لا تتقدم الموصوف علم الله غير مخلوق وعلم الخلق مخلوق علم الله غير مقدور وعلم الخلق مقدور ومقهور علم الله تعالي واجب البقاء وعلم الخلق جائز الفناء علم الله ممتنع التغير وعلم الخلق ممكن التبدل ( الدوله المكية بالماده الغيبية : للشيخ العلامة احمد رضا خان رحمه الله .
المنهج السليم للاستدلال بآيات القرآن الكريم
________________________________________
إن ملاك الأمر ومناط النجاة الإيمان بالكتاب كله , وما ضل أكثر من ضل إلا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كالقدرية آمنوا بقوله تعالي ( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) وكفروا بقوله تعالي ( والله خلقكم وما تعلمون ) والجبرية أمنوا بقوله تعالي ( وما تشآون إلا أن شاء الله رب العالمين ) وكفروا بقوله تعالي ( ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) , والخرواج أمنوا بقوله تعالي ( وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين ) وكفروا بقوله تعالي ( إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) والمرجئة أمنوا بقوله تعالي ( لاتقطنوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا أنه هو الغفور الرحيم) وكفروا بقوله تعالي ( من يعمل سوءا يجز به ) وأمثال ذلك كثير , دليل علمه الغيب ( صلي الله عليه وسلم) من القرآن الكريم . والقرآن الكريم الذي نص أنه ( لايعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) نص أيضا أنه ( لا يظهر علي غيبه أحدا إلا من ارتضي من رسول الله ) وقال ( وما كان الله ليطلعكم علي الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) وقال ( وما هو علي الغيب بضنين) وقال ( وعلمك ما تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقال تعالي ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) وقال تعالي ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كانت لديهم إذ يختصمون ) وقال تعالي ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ) إلي غير ذلك من الآيات , فهذا ربنا تبارك قد نفي نفيا لا مرد له أنه ( لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فالكل حق والكل إيمان ومن أنكر شيئا منهما فقد كفر بالقرآن . فمن نفي مطلقا ولم يثبت بوجه فقد كفر بآيات الإثبات ومن أثبت مطلقا ولم ينف بوجه فقد كفر بالآيات النافيات والمؤمن يؤمن بالكل ولا تتفرق به السبل . نعم قال النبي صلي الله عليه وسلم (
________________________________________
خمس لا يعلمهن إلا الله ) وقال الله عز وجل ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فخصص الرسول وعمم الآلة وآنا بكل مؤمنون .. فإن الخصوص لا ينفي العموم فلا يعلم الخمس إلا الله ولا يعلم غيرها من الغيوب التي هي أعلي وأشرف وأدق وألطف منها إلا الله بل لا يعلم أحد شيئا إلا الله بل لا وجود حقيقيا إلا الله وقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم أصدق كلمه قالتها العرب قول لبيد ( ألا كل شئ ما خلا الله باطل ) ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه صلي الله عليه وسلم قد أحاط بجميع معلومات الله سبحانه وتعالي فإنه محال للمخلوق ذلك .
دليل علمه الغيب صلي الله عليه وسلم من الأحاديث الشريفة :
________________________________________
قال الله تعالي ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) حسبنا حديث البخاري عن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه قال ( قام فينا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنه منازلهم وأهل النار منازلهم ) وحديث مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه في خطبته صلي الله عليه وسلم من الفجر إلي الغروب وفيه ( فأخبرنا بما كان وبما هو كائن , فأعلمنا أحفظنا ) وحدي الصحيحين عن حذ يفه رضي الله تعالي عنه قال ( قام فينا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا سيكون في مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدث به ) وحديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وفيه قوله صلي الله عليه وسلم ( فرأيته عز وجل وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثدي فتحلي لي كل شئ وعرفت) صححه البخاري الترمذي وابن خزيمه والآئمه بعدهم وحديثه عن ابن عباس رضي الله تعالي عنهما وفيه قوله صلي الله عليه وسلم ( فعلمت ما في السموات والأرض ) وفي أخري ( فعلمت ما بين المشرق والمغرب ) وحديث مسند الامام احمد لرضي الله عنه وطبقات ابن سعد وكبير الطبراني بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري وحديث أبي يعلي وابن منيع والكبراني عن أبي الدر داء رضي الله تعالي عنهما قالا ( لقد تركنا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما) وفي الصحيحين في حديث الكسوف( مامن شئ لم أكن أريته إلا إلا أريته في مقامي هذا) أوكما قال صلي الله عليه وسلم , الطبراني في كبيره وتعيم ابن حماد في ( كتاب الفتن ) وأبي نعيم في ( الحليه) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( إن الله رفع لي الدنيا فأنا انظر إليها والي ما هو كائن فيها آلي يوم القيامة كأنما انظر إلي كفي هذا) جليانا من الله تعالي جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين من قبله ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات
________________________________________
والأرض وليكون من الموقنين ) صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
إقراره صلي الله عليه وسلم وعدم إنكاره لمن نسب إليه علم الغيب من الله تعالي .
وقد أنشد سواد بن قارب رض الله تعالي عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قائلا . فأشهد أن الله لا شئ غيره* وأنك مأمون علي كل غائب وأنك ادني المرسلين شفاعة * إلي الله يا ابن الأكرمين الأطايب فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب , هكذا رواه في المسند وإن كانت الرواية الأخرى ( لا رب غيره) بدلا من ( لاشيء غيره) فسيدنا سواد بن قارب في مديحه ,
نفي الوجود عن كل شئ سوي الله تعالي لأن ( كل شئ هالك الا وجهه) أو نفي ربوبيه من سواه
أثبت علم المغيبات لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم حيث جعله أمينا عل جميع الغيوب والجاهل بالشيء لا يكون أمينا عليه ,
أمن بأن نبينا صلي الله عليه وسلم قد أعطي الشفاعة كما قال صلي الله عليه وسلم ( واعطيت الشفاعة )
( توضيح وبيان )
علي أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أن علمه صلي الله عليه وسلم مماثل ومسا ولعلم الغيب أو لعلم أي واحد من أمته لأن الله تعالي عندما علمه أن يقول ( إنما أنا بسر مثلكم) علمه آن يضيف إليها ( يوحي إلي) وأينا يوحي إليه ؟ وقد عاب الله تعالي في محكم كتابه علي المشركين ( ادعاء المثلية ) مع الأنبياء وزعمهم إياها لقولهم ( ما انتم إلا بشر مثلنا) , إن النبي صلي الله عليه وسلم علم الغيب المكتسب الحادث من علم الله تعالي الذاتي القديم بدليل ما سبق من قوله تعالي ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113) فقد امتن سبحانه وتعالي في هذه الآية علي حبيبه صلي الله عليه وسلم بتعليمه ما لم يكن يعلم وختم الامتنان بما دل علي عظمه تلك آلمنه العظمي وفخامة النعمة الكبرى فقال ( وكان فضل الله عليك عظيما) ,
علم اللوح والقلم
________________________________________
وعلي ضوء ما سبق نستطيع أن تفهم ونتأول معني قول الأمام البوصيرى رضي الله عنه ( ومن علومك علم اللوح والقلم) فقد قال العلامة علي القاري في ( الزبده) شرح البرده تحت البيت المذكور توضيحه ( أن المراد بعلوم اللوح ما أثبت فيه من النقوش القدسية والصور الغيبيه وبعلم القلم ما أثبت فيه كما شاء تعالي وما في اللوح المحفوظ إلا الدنيا فإن الآخرة بعد اليوم الآخر ووراء ها ذات الله سبحانه وتعالي وصفاته التي لا يسعها لوح ولا قلم وقد قال الله تعالي في الدنيا ( قل متاع الدنيا قليل) فأني يقع ما استقله الله تعالي مما استعظمه وكبر شأنه مع آن علمه صلي الله عليه وسلم قد تعدي حسب مامر بنا من أحاديث شريفة صحيحه علم ما كان وما سيكون في الدنيا آلي ما بعد اليوم الأخر من الحشر والنشر والحساب والكتاب ومشاهد ومواقف يوم القيامة مما بينه صلي الله عليه وسلم لأمته من تفاصيل ما هنالك من الثواب والعقاب إلى نزول الناس منازلهم من الجنه والنار إلى ما بعد ذلك مما شاء الله تعالي إعلامه له كما أنه صلي الله عليه وسلم علم من ذاته عز وجل وصفاته ليه الإسراء والمعراج وقبلها وبعدها ما لا يحصي قدره الا الله المانع تلك العطايا لمصطفاة وهكذا يمكن فهم وتأويل ما ذكره . البوصيرى من أن ( علم ما كان وما سيكون المثبت في اللوح المحفوظ ) بعض من علوم نبينا صلي الله عليه وسلم التي اطلعه الله عليها والحاصل ان الشيخ ابن منيع اقام الدنيا واقعدها علي السيد المالكي عند نقله ماقاله البوصيرى ( ص 126 وغيرها ) ولم يتأمل ويتأول بل سارع الي القول بما اخفه عبارة ان خصمه ولم يكن الا ناقل عباره ( ضال مضل متنكب عن صراط الله المستقيم) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كيف نفهم الآية الكريمة وحديث ( خمس لا يعلمهن إلا الله )
________________________________________
نعم قال الله تعالي ( أن الله عنده علم الساعه وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تجرى نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي ارض تموت إن الله عليم خبير) فهل في هذه الآية دليل علي اختصاص الخمس بمولانا وربنا تبارك وتعالي شأنه وهل هي تدل علي الحصر والقصر أجاب علي هذا السؤال والتساؤل أحد العلماء المحققين فقال ( إنه ليس في هذه الآيات دلاله اختصاص فضلا عن خصوصيته الاختصاص ( العلامة الشيخ احمد رضا خان( الدولة المكية ) ـ فإنه تعالي عندما يقول ( ينزل الغيث) ويقول ( يعلم ما في الأرحام) فمجرد الذكر في مقام الحمد لا يوجب الاختصاص مطلقا فقد مدح الله سبحاه وتعالي نفسه بالسمع والبصر والعلم ( بأنه السميع البصير العليم) ووصف بها عباده أيضا ( جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ومن ذلك قوله تعالي علي لسان موسى عليه السلام ( لا يضل ربي ولا ينسي) والأنبياء أيضا منزهون عن الضلال ( يا قومي ليس بي ضلالة ) وقال تعالي ( إن الله لا يظلم مثقال ذره ) والأنبياء أيضا مبرؤون عن الظلم ( قال لا ينال عهدي الظالمين) وفي إرشاد الساري شرح صحيح البخاري من تفسير ( سوره الرعد) ما نصه ( ذكر خمسا وإن كان الغيب لا يتناهي لأن العدد لا ينفي الزياده ) أ ه
وذكر البدر العيني في ( عمده القاري شرح صحيح البخاري ) ما نصه( قال القرطبي لا مطمع لاحد في هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث وقد فسر النبي صلي الله عليه وسلم قوله تعالي ( وعنده مفاتح الغيب) بهذه الخمس ثم قال ( فمن ادعي علم شئ منها غير مسند الي رسول الله صلي الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه ) فانظر كيف قصر ( التكذيب ) علي من لم يسند له صلي الله عليه وسلم
الله تعالي اطلع نبيه صلي الله عليه وسلم علي علم هذه الخمس
أ – أعلامه تعالي له بما في الأرحام
________________________________________
فقد أخرج الطبراني في الكبير وابن عساكر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم دخل علي أم إبراهيم ( ماريه) القبطية وهي حامل منه بإبراهيم ( فذكر الحديث وفيه أن جبريل أتاني فبشرني أن في بطنها غلاما وهو أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم ) قال الأمام السيوطى في الجامع الكبير سنده حسن ,
اخرج الخطيب وأبو نعيم في ( الدلائل ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثتني أم الفضل قالت ( مررت بالنبي صلي الله عليه وسلم فقال إنك حامل بغلام فإذا ولدته فأتيني به قالت يا رسوال الله أني لي ذلك وقد تحالف قريش أن لا يأتوا النساء قال هو ما أخبرتك قالت فلما ولدته أتيته فأذن في أذنه اليمني وأقام في اليسرى وألها من ريقه وسماه عبد الله وقال . أذهبي بأني الخلفاء حتي يكون منهم السفاح حتي يكون منهم المهدي فقد علم صلي الله عليه وسلم من علم ربه تعالي ما في الأرحام كما مر في هذين الحديتين ،
بل روي الأمام مالك رضي الله عنه ورواه الأمام البخاري مختصرا عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر رضي الله عنه نحلها جدا د عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاه قال يابنيه واله ما من الناس أحد احب إلي غني منك ولا أعز علي فقرا بعد لي منك وإني كنت نحليك جدا د عشرين وسقا فلو كنت جدد ته وأحرزته كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه علي كتاب الله فقالت ياأبت والله لو كان كذا وكذا لاركته إنما هي أسماء فمن الأخري فقال – ذو بطن بنت خارجه أراها جارية – ولابن سعد في الطبقات .قال رضي الله عنه( ذات بطن ابنه خارجه قد ألقي في روعي أنها جاريه فاستوصي بها خيرأ فولدت أم كلثوم)
________________________________________
وقد صح وثبت في أحاديث كثيره صحيحه أن بالرحم ملكا موكلا يصور الولد ذكرا أو أنثي وحسنا وقبيحا ويكتب أجله ورزقه وشقي أم سعيد فهو يعلم ما في الرحم ويعلم ما من الله مايجرى عليه
ب – إعلامة تعالي له بنزول الغيث والمطر
قال الأمام السيوطي في ( الخصائص الكبرى ) باب إخباره صلي الله عليه وسلم عن السحابة التي أمطرت باليمن.
1-أخرج البيهقي عن ابن عباس قال – أصابتنا سحابه فخرج علينا النبي صلي الله عليه وسلم فقال إن ملكا موكلا بالسحاب دخل علي أنفا فسلم علي وأخبرني أنه يسوق السماء إلي واد باليمن يقال له ( ضريح) فجاءنا راكب بعد ذلك فسألناه عن السحابة فأخبر انهم مطروا في ذلك اليوم .فقال البيهقي وله شاهد مرسل عن بكر بن عبد الله المزني أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبرنا عن مالك السحاب أنه يجئ من بلد كذا وأنهم مطروا يوم كذا وأنه صلي الله عليه وسلم سأله متي تمطر بلدنا – فقال يوم كذا وعنده ناس من المنافقين فخفظوه ثم سألوا عن ذلك فوجدوا تصديقه فأمنوا وذكروا ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فقال لهم( زادكم الله تعالي إيمانا )
2-وهذا نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام يقول لأهل مصر( تزرعون سبع سنين دأبا) ويقول يأتي من بعد ذلك سبع شداد – وثم يقول ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)
ج- شواهد غيبية أخرى له صلي الله عليه وسلم
وقد كان صلي الله عليه وسلم يعلم عن ربه أن وفاته بالمدينة فقد قال للأنصار الكرام ( المحيا محياكم والممات مماتكم) رواه مسلم عن أبي هريرة .
4-وقال لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه الي اليمن ( يامعاذ انك عسي أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري ) رواه الأمام احمد في مسنده
________________________________________
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه ( ندب رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتي نزلوا بدر فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا مصرع فلان ويضع يده علي الأرض ها هنا وها هنا قال فما ماط أي نازال وما تجاوز أحدهم عن موضوع يد رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي خديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه تعالي عنه ( والذي بعثه بالحق ماأخطاوا الحدود التي حدها رسول الله صلي الله عليه وسلم ) رواه الأمام مسلم ( أه)
إخباره صلي الله عليه وسلم بشئ من المغيبات
________________________________________
المعلوم أن اسم النبي مشتق من ( النبوة ) أو ( النبوءه) وهي التنبؤ بالعلم الغيبي الغائب عن غيره من البشر نقلا عن ربه تعالي الذي زوده بها( حجه له علي قومه) . ومن معجزاته صلي الله تعالي عليه وسلم اطلاعه علي المغيبات وإخباره عنها فكان يظهر ذلك كفلق الصبح وقد وصلت أخبارها الينا بالتواتر القطعي الذي لا يقبل الجحود ولا يمكن فيه شئ من الحمحمة وتلك الاخبار السعيدة كثيره لا تعد . وقد مر بنا منها أنه روي عن حذ يفه رضي الله تعالي عنه أنه قال . قال فينا رسول الله صلي الله عليه تعالي وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامة ذلك إلي قيام الساعه إلا حدث به حفظه ونسبه من نسيه قد علمه ( أي هذا الخبر ) أصحابي هؤلاء من الصحابة الحاضرين . وإنه ليكون منه الشئ قد نسيته فأعرفه وأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل اذا غاب عنه ثم اذا أراد عرفه . ثم قال حذ يفه ماأدري أنسي أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم من قائد فتنه إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائه فصاعدا إلا قد سماه لنا إسمه واسم أبيه وقبيلته رواه الشيخان. وعن أبي ذر رضي الله تعالي عنه انه قال لقد تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا من علما( أي أفهمنا من ذلك الطائر أ, تحريكه شيئا من الأحكام إجمالا أو تفضيلا) لرواه احمد بن حنبل والطبراني بسند صحيح وأبو يعلي وابن منيع عن أبي الدرداء وهو عن أبي ذر رض الله تعالي عنهم . وفيما أخرجه أهل الصحيح كالشيخين وابن حبان وابن خزيمه والحاكم والإمام مالك احمد بن حنبل أن رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم أعلم أصحابه أمور كثيره من الغيوب ووعد بظهورها فأخبر عن ظهورهم وغلبتهم علي اعدائهم فظهروا وغلبوا وفق إعلامه وإخباره عليه من الله أتم الصلاه والسلام كما رواه الشيخان بلفظ تخريجهما . وأخبر عليه السلام أيضا عن فتح مكة فوقع فتحها غي حياته الشريفة
________________________________________
عليه اجل وأذكي السلام , وهذا معروف عند المفسرين والمحدثين وأصحاب التواريخ ورواه الشيخان ايضا بلفظهما . وأخبر عليه الصلاه والسلام ايضا عن فتح بيت المقدس فوقع الفتح كما أخبره رواه البخاري بلفظه عن عوف بن مالك . وأخبر عن فتح اليمن والشام والعراق فوقع الفتح في كل مكان منها وفق إخباره عليه من الله السلام كما رواه الشيخان ايضا تخريجهما وأخبره عليه الصلاه والسلام ايضا عن ظهور الأمن حتي تظعن المرأه ( أي ترحل وتسير) من الحيرة بكسر المهلمه ومدها ( مدينه بقرب الكوفه ) الي مكه لا تخاف إلا الله رواه البخاري بلفظه . وأخبر عليه السلام أيضا لأن المدينة ستغزي ( أي ستحارب وتقاتل ) رواه الشيخان بلفظهما. وهنا يقتضي التوفيق بين كلام الإمام النووي والإمام التلمساني لأن الأول ذهب الي أن تلك المحاربة تقع قرب الساعة وذهب الثاني الي أنها وقعت في زمن يزيد بن معاوية فإنه قد أرسل عسكره من الشام الي المدينه فنهبوها وحاربوا أهلها وتلك المحاربة معروفة قد وقعت في الحرة بفتح الحاء المهملة أرض ذات حجاره سود في ظاهر المدينة قتل فيها كثير من ابناء المهاجرين والانصار وكانت تلك الوقعة في ذي الحجة سنه ثلاث وستين بعد الهجرة وعقيبها هلك يزيد فالتوفيق بين كلاميهما بأن المحاربه التي اخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام مطلقة إ1 لم يتعين زمان وقوعها في إجباره عليه الصلاة والسلام فيمكن وقوع المحاريه مرتين مره في قرب الساعه كما ذهب اليه الإمام النووي ومرة في زمن يزيد بن معاوية علي ماذهب اليه الإمام التلمساني ( طي السجل – السيد محمد مهدى الرفاعي الشهير بالرواس-) (1) وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن فنح خيبر علي يد علي رضى الله عنه وكرم الله وجهه وعليه السلام في غد يومه كما رواه الشيخان عن سهل بن سعد انه عليه الصلاة والسلام قال لأعطين الراية إذا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله علي يدية فدعا عليا وكان
________________________________________
أرمد فبصق في عينيه فبرأ وفتح الله علي يديه . وأخبر عليه الصلاة والسلام عما يفتحه الله علي أمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها ( أي يطعون من بهجتها ورونقها من كثره المال وسعه الجاه ويقسمون كنوز كسرى وقيصر) كما رواه الشيخان بلفظهما. فوقع كل ماذكر وفق مأ أخبربه عليه الصلاة والسلام عن الغيب بطريق خرق العاده والمعجزة , وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عما يحدث بين أمته من الفتن والأختلاف والآهواء وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم علي ثلاث وسبعين فرقة والناجية منها واحدة فظهر صدق إخباره عليه الصلاة والسلام. وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا بأن أمته سيكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حله ويروح في أخرى ويوضع بين يديه صحفه( أي قصعة طعام) وترفع اخري وسترون بيوتهم كما تستر الكعبة وأنتم اليوم خير منهم يؤمئذ , والأنماط بفتح الهمزة جمع نمط نوع فراش ويغشي به الهدوج وهنا معجزه جليلة فأنه أخبرها كما يري عليه الصلاة والسلام وظهر لنا الذي رأه عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام بعد حين فإن الكثير من الأمة المحمدية في الأقطار السائرة يسترون بيوتهم بأنواع الأقمشة ويرفعون فوق روازنها وأبوابها الأستار ويجعلون الأنماط علي الأسرة المعدة لمنامهم تغشي بها كما يغشي الهدوج وقد سري هذا في المالك الأسلامية بين أولي الرفاهية من الأجناس المختلفه من العرب والعجم فالحمد لله الذي صدف نبيه صلي الله تعالي عليه وسلم ماوعده .واخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بأن أمته اذا مشوا المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم وسلط بينهم شرارهم علي خيارهم. والمطيطاء بضم الميم وفتح طائين مهملتين بينهما ياء ساكنه والكلمه ممدوده وهي مشيه بالتخبخير والخيلاء . وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن قتال أمته الترك والخرز والروم وعن ذهاب كسري وفارس وقيصر حتي لا كسري ولا فارس ولا قيصر بعد ذهابهم رواه الشيخان بلفظ الحديث بدون فارس , وأخبر عليه
________________________________________
الصلاة والسلام عن وقوع قريب للعرب حيث قال ويل العرب من شر قد قترب رواه الشيخان عن أم المؤمنين زينب رضي الله تعالي عنها, وهذا وقع للعرب في شهاده سيدنا عمر وفي فتنه سيدنا عثمان وفي واقعه سيدنا علي المرتضي رضي الله تعالي عنهم اجمعين وتبع هذا واقعه الأمام الحسين سلام الله ورضوانه عليه ولعله استكمل في واقعه التتار وهجموهم علي بغداد وإزاله الخلافه الإسلاميه حتي بقي المسلمون ثلاثه اعوام بلا خليفه والعياذ بالله تعالي له الحكم واليه ترجعون وقد ظهر ظهور الشمس الطالعه صدق إخباره عليه من ربه أكمل الصلاه وأتم السلام , وأخبر عليه الصلاة والسلام عن بلوغ ملك أمته إلي مشارق الأرض ومغاربها لي ما رواه مسلم عن ثوبان أن النبي عليه السلام قال إن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها, والمنعي زويت لي جمله الأرض مره واحده وستفتحها أمتي جزء فجزء حتي تملك جميع اجزائها فبلغ ملك هذه الأمة إلي مشارق الأرض ومغاربها ولم يمتد ملك هذه الأمة في الجنوب والشمال مثل امتداده في المشارق والمغرب أذ لم يقتض هذا الحديث ذلك الأمتداد فظهر ها هنا ايضا صدق إجباره علي الصلاة والسلام, وأخبر عليه السلام أيضا عما ينال أهل بيته ( أي يصيبهم من المحن) كقصة الحسن والحسين وبقية أهل البيت وتقتيلهم وتشريدهم علي مارواه الحاكم بلفظ الحديث و×بر عليه الصلاة والسلام أيضا عن نباح كلاب والحوأب علي بعض أزواجه وكان فإن عائشه رضي الله تعالي عنهما توجهت للصلح بين لي ومعاويه فلم تقدر علي إصلاح مابينهما فنبحت كلاب الحوأب عليها كما رواه احمد بن حنبل والبيهقي بلفظ الحيث فظهر ها هنا أيضا صدق إخباره عليه السلام. واخبر عليه الصلاة والسلام عن القتلي الكثيرة حول بعض أزواجه وهي عائشه وأخبر عن نجاتها كما رواه البزار بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالي عنهما, وقد ذكر بعض أهل الحيث أن القتلي يؤمئذ حول عائشه صارت مقدار
________________________________________
ثلاثين الفا من الناس فنجت ونبحت كلاب الحوأب عليها . وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن قتل سيدنا علي رضي لله تعالي عنه وأخبر عن الأشقي الذي يخضب لحيه علي بدم رأسه رواه احمد بن حنبل والطبراني بلفظ الحديث ,وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن ملك بني أمية كما رواه الأمام الترمذي والحاكم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما وايضا رواه البيهقي عن سعيد بن المسيب وأبي هريرة رضي الله تعالي عنهما وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن خروج بني العباس بن عبدالمطلب بالرايات السود وعن ملكهم اضعاف ما ملكوا فظهر صدق أخباره عليه الصلاة والسلام . وأخبر عليه اكمل السلام عن قتل عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه قال يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف وإن الله عسي ان يلبسه قميصا وإنهم يريدون خلعه وإن سيقطر دمه علي قوله تعالي ( فسيكفيكهم الله ) فوقع كل ذلك . وأخبر عليه أتم السلام ايضا بأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيأ فلم تظهر الفتن في حياته , وأخبر بأن عمارا تقتله الفئه الباغية فقتله اصحاب معاوية وأخبر عليه أشرف السلام لجماعه فيهم ابو هريرة وح1يفه وسمره ابن جندب بأ، أخركم موتا في النار فكان بعضهم يسأل عن بعض فكان سمره اخرهم موتا هرم وضهف حتي أصابه ضرر في بدنه وخلل في عقله فاصطلي بالنار فاحترق فيها فظهر أيضا صدق إخباره عليه الصلاة والسلام.وأخبر عليه أجل السلام بانه يكون في ثقيف كذاب مبير فظهر في قبيله المختار بن عبيد كذابا والحجاج كليب بن يوسف مبيرا ( أي مهلكا قاتلا ظااما ) . وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن مسيلمه الكذاب يعقره الله ( أي يقتله ) فقتل في خلافه أبي بكر الصديق رضي الله تعالي عنه. وأخبر عليه أجزل السلام بأن فاطمه بنته عليه السلام أول اهله لحوقا به فكان الأمر كذلك فأنها لحقته بالموت بعد سته أشهر ولم يسبق موتها احد من أهله , وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بأن الخلافه بعدي ثلاثون سنه ثم تكون ملكا ( أي سلطنه)
________________________________________
فكانت وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بشأن أويس القرني فظهر شأنه وفق ماأخبر به عليه السلام, وأخبر عليه الصلاة والسلام في غزوه المصطلق بموت منافق في المدينه حين هاجت الريح فلما رحعوا الي المدينه وجدوا الأمر كذ لك وأخبر عليه الصلاة والسلام لقوم من جلسائة بان ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد قال أبوهريرة فذهب القوم ( يعني ماتوا) وبقيت أنا ورجل وارتد فقتل مرتدا يوم اليمامة والعياذ بالله تعالي , وأخبر عليه الصلاة والسلام بالرجل الذي غل خرزا من خرز يهود فوجد الخرز ف حله , وأخبر عليه الصلاة والسلام بالرجل الذي غل الشمله وأخبر بمكانها فوجدت تلك الشمله حيث أخبر به عليه السلام وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بمكان ناقته التي ضلت وغابت وأخبر كيف تعلقت بالشجرة بخطامها فوجدها علي وفق ما أخبر عليه السلام, وأخبرعليه الصلاة والسلام أيضا بقضيه عمير مع صفوان وهي أنه كان صفوان يقول في خلوته سرا ياعمير إن قتلت محمد ا فأنا اعطيك شيئا كثيرا فلما جاء عمير الي النبي عليه السلام قاصدا لقتله أخبره بجميع ماجرى بينه وبين صفوان من الأسرار التي وقعت بينهما فأسلم في حضوره الكريم من الله أكمل السلام, وأخبر عليه الصلاة والسلام بالمال الذي تركه عمه العباس عند أم الفضل بعد أن كتمه فقال العابس ما علمه غيري وغيرها فأسلم رواه احمد بن حنبل والحاكم والبيهقي بلفظ تخريجهم. وأخبر عليه الصلاة والسلام بأنه سيقتل بيده الشريفه أبي بن خلف فكان الأمر كذلك ( أي قتله النبي عليه أجل السلام بيده الشريفه) , واخبر عليه الصلاة والسلام عن مصارع كفار قريش في غزوة بدر يقوله عليه السلام هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان أي مقتله فذكر عليه الصلاة والسلام المقتولين بأسمائهم ومواضع قتلهم قبل الوقوع فوقع قتل كل منهم في الموضع الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام , واخبرعليه أتم السلام عن واقعه الإمام الحسن بن الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله تعالي
________________________________________
عنهما فقال عليع الصلاة والسلام إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين رواه الشيخان فظهر. وأخبر عليه اكمل السلام ايضا عن تأخير الموت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالي عنه حين مرض بمكه فقال في حال مرضه يارسول الله أأخلف عن أصحابي فقال رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم لعلك تخلف حتي ينتفع بك اقوام ( أي من الأبرار) ويستضربك أخرون ( أي من الفجار) رواه الشيخان بلفظ تخريجهما فأخر عنه الموت مثل ماأخبر عليه الصلاة والسلام, واخبر عليه الصلاة والسلام عن موت أمراء الميلمين في غزوه مؤته يوم موتهم بأسمائهم وهو عليه أعم السلام ف المدينة وهم قتلوا في مؤته بينها وبين المدينة مسافه شهر تقريبا لأن مؤته بلده من بلاد الشام في أخر حوران فقال عليه السلام في المدينه يوم ماتوا أخذ الراية زيد بن حارثه فأصيب ثم خالد بن الوليد من غير إمره ( أي بلا ولاية ولا إمارة يومئذ) واخبر عليه اكمل السلام عن موت النجاشي يوم مات بأرض الحبشة وبينها وبين المدينة مسيره شهر تقريبا رواه الشيخان بفظ تخريجهما, واخبر عليه الصلاة والسلام عن موت كسري يوم مات وهو عليه اتم السلام في المدينة وكسري في العراق وبينهما مسيرة اربعين يوما تقريبا رواه البيهقي بلفظ تخريجه , واخبر عليه الصلاة والسلام عن لبس سراقه بن مالك سواري كسري فقال عليه السلام له كيف بك إذا لبست سواري كسري رواه البيهى وقد جئ بسواري كسري إلي أير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه في زمن خلافته فألبسهما سراقه بن مالك فقال الحمد لله الذي سلبهما عن كسري وألبسهما سراقه وفي إلباس عمر ابن الخطاب رضي الله تعالي عنه سواري كسري لسراقه إيذان منه إلي كمال شرف الإيمان بحيث إن واحدا من بدو العرب يستحق بسبب إيمانه لبس ما يلبسه ملوك العجم للافتخار به, واخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن عيش أبي ذر رضي الله تعالي عنه فريدا في آخر عمره وعن موته فريدا بفلاة من الأرض
________________________________________
وحضور عصابه ( أي جماعه) علي جنازته فوقع كل ذلك وها مضمون حديث رواه احمد بن حنبل والبيهقي وابن راهويه وابن أبي أسامه, واخبر عليه الصلاة والسلام بأن عضوا من زيد بن صوحان يسبقه إلي الجنه فقطعت يده في الجهاد رواه البيهقي . واخبر عليه الصلاة والسلام بأن اسرع أزواجه لحوقا ( أي وصولا اليه ) بعد موته أطولهن يدا فكانت زينب بنت جحش أسرعهن لحوقا به عليه الصلاة والسلام لطول يدها بالصدقه رواه مسلم بلفظ تخريجه, واخبرعليه الصلاة والسلام ايضا عن قتل سيدنا الحسين بن سيدنا علي ابن ابي طالب رضي الله تعالي عنهما بالطف وأخراج عليه السلام بيده تربه ) أي قبضه من التراب) وقال فيها مضجعه ( أي مقتله أو مدفنه) رواه البيهقي ولفظ حديثه ان جبريل كان عند النبي عليه السلام فدخل حسين رضي الله تعالي عنه فقال جبريل من هذا يعني استخبر عنه لبيان أمر سيكون لا لعدم هلمه فقال عليه السلام إبني فقال جبريل ستقتله أمتك وان شئت اخبرتك بالأرض التي يقتل فيها فأشار جبريل بيده إلي الطف من العراق أخذ تربه حمراء فاراه إياها فسبحان الذي أظهر لرسوله المكرم اسرارملكه وعجائب جبروته وصرفه في عوالم ملكوته وجعله أعظم أياته وسيد مخلوقاته , وقد عد أناس من أهل العلم الوسيع بلأخبار النبوية للحضره المحمديه الفريدة السعيدة اكثر من سته آلأف معجزه) اه ,
خلاصه ومختصر ( الرسول صلي الله عليه وسلم وعلم الغيب):
________________________________________
قال تعالي ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب الا الله) وقال حكايه عن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم ( ولا أعلم الغيب) وقال ايضا( ولوكنت إعلم الغيب لاستكثرت من الخير) اننا نعتقد إعتقادا جازما لا شك فيه ولاريب أن علم الغيب يختص بالله تعالي وما وقع منه علي لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم وغيره فمن الله تعالي إما بوحي أو إلهام فكل ماورد عنه صلي الله عليه وسلم من الآنباء بالغيوب ليس إلا من إعلام الله له به للدلالة علي ثبوت نبوته وصحه رسالته صلي الله عليه وسلم وقد اشتهر وانتشر امره صلي الله عليه وسلم بالإطلاع عل الغيب حتي كان يقول بعضهم لبعض (أسكت فوالله لو لم يكن عندنا من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء) . وروي الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الله قد رفع لي الدنيا فأنا أنظر اليها والي ما هو كائن فيها إلي يوم القيامة كأني إلي كفي هذه) قال عبدالله بن رواحه رضي الله عنه, وفينا رسول الله يتلو كتابه اذا انشق معروف من الصبح ساطع ارانا الهدي بعد العمي فقلوبا به موقنات أن ماقال واقع وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه,
نبي يري مالا يري الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد
فان قال في يوم مقاله غائب فتصديقها في صحوة اليوم أو غد
واخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( كنا نتقي الكلام والانبساط إلي نسائنا مخافة ان ينزل فيها شئ فلما مات النبي صلي الله عليه وسلم تكلمنا) وأخرج البيهقي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال . تالله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيهم شئ من القرآن) ومعجزات هذا الباب لا يمكن استقصاؤها لكثرتها ووقوعها منه صلي الله عليه وسلم في اكثر حالاته عن سؤال وغير سؤال لمناسبات كانت تقتضيها وهي اكثر أنواع معجزاته صلي الله عليه وسلم عددا .
________________________________________
فال القاضي عياض في الشفاء : ( وعلمه الغيب صلي الله عليه وسلم من جملة معجزاته المعلومة علي طرق القطع الواصل إلينا خبرها علي التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها ا.هـ
وروي الامام احمد والطبراني عن ابي ذر رضي الله عنه قال ( تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه إلا ذكر لنا منع علما ) 0
وروي مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال :- قال ( صلي بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتي حضرت الظهر فنزل فصلي ثم صعد المنبر فخطبنا حتي حضرت العصر فنزل فصلي ثم صعد المنبر فخطبنا حتي غربت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلي يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا )
وروي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( قام فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدثه , حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وقد علمه أصحابي هؤلاء وانه ليكون منه الشيء قد نسيته فاراه فأذكر كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه إذا راه عرفه ) 0
روري مسلم عن حذيفة أيضا قال : ( أخبرني رسول الله صلي الله عليه وسلم بما هو كائن إلي يوم القيامة فما منه شيء إلا وقد سألته عنه إلا أني لم اسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة ) 0
وروي أبو داود عن حذيفة أيضا قال ( والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا والله ما ترك رسول الله صلي الله عليه وسلم من قائد فتنية إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته )0
وأخرج أبو يعلي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو غضبان فخطب الناس فقال ( لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ) ونحن نري أن جبريل معه فقال عمر : (يارسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فلا تبد علينا سوآتنا فاعف عنا عفا الله عنك )
________________________________________
وأخرج أبو يعلي بسند لا بأس به عن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : ( لا يزال هذا الحي من قريش آمنين حتى يردوهم عن دينهم كفارا ) فقام إليه رجل فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار ؟قال في النار ثم قال : ( اسكتوا عني ما سكت عنكم فلولا أن لا تدافنوا لأخبرتكم بملأ من أهل النار حتي تعرفوهم ولو أمرت ان أفعل لفعلت )
مفاتح الغيب والخمس في قوله تعالي ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ )
قال الله تعالي : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)
قال القرطبي في تفسيره : فالله تعالي عنده علم الغيب , وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو , فمن شاء اطلاعه عليها اطلعه 0 ومن شاء حجبه عنها حجبه , ولا يكون ذلك من إفاضة إلا علي رسله بدليل قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) وقوله تعالي (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)
قال علماؤنا : أضاف سبحانه عالم الغيب إلي نفسه في غير ما اية من كتابه إلا من اصطفي من عباده
وقد قال بعض العلماء ان الله سبحانه وتعالي اطلع نبيه علي هذه الخمس أيضا وأنه لم يخرج من هذه الدنيا حتي عرفها كما نقل ذلك الحافظ السيوطي إذ قال : ( ذهب بعضهم إلي انه صلي الله عليه وسلم : أوتي علم الخمس أيضا وعلم وقت الساعة والروح وأنه أمر بكتم ذلك ) 0 ( الخصائص الكبري ج3/ص160 )
وكذلك أيضا قال الشيخ ابراهيم الباجوري في حاشيته علي البردة ص810
وكذلك أيضا قال الشيخ احمد بن محمد الصاوي في حاشيته علي تفسير الجلالين قال ما نصه :
والحق انه لم يخرج نبينا من الدنيا حتي اطلعه علي تلك الخمس ولكنه أمر بكتمها ( ج3ص244)
________________________________________
وذكرالامام فخرالدين الرازي في تفسيره كلاما محصله أن نفي العلم بهذه الامور الخمسة عن غير الله سبحانه وتعالي ليس مقصودا ولا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر لأن هذا جاء في سياق خاص لاثبات معني خاص ( تفسير 25/164 )
وفصل هذا المعني الامام العالمة محمود الالوسي في ( روح المعاني )(21/112) بقوله : والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس المغيبات محصورة بهذه الخمس وانما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيرا ماتشتاق النفوس الي العلم بها , وقال القسطلاني : ذكر صلي الله عليه وسلم خمسا وان كان الغيب – لا يتناهي لأن العدد لا ينفي زائدا عليه ولأن هذه الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها 0 ا هـ0
وفي شرع المناوي الكبير للجامع الصغير في الكلام علي حديث بريدة : خمس لا يعلمهن إلا الله أي وجه الاحاطه والشمول كليا وجزئيا فلا ينافيه اطلاع الله تعالي بعض خواصه علي بعض المغيبات حتي من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة وانكار المعتزلة لذلك مكابرة اهـ
________________________________________
وذكر القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلي ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل وكذا إذا أراد تبارك وتعالي خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :” إن الله تعالي وكل بالرحم ملكا يقول : يارب نطفة يارب علقة يارب مضغة فاذا أراد الله تعالي أن يقضي خلقه قال : أذكر أم أنثي شقي أم سعيد فما الرزق والأجل ؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالي من خلقه عز وجل ” وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء ان المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل شيء علي التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة , وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر انه ليس بعلم يقيني
وقد نقل العسقلاني في فتح الباري ( ج1ص123 ) عن القرطبي أنه قال من ادعى علم شيء من الخمس غير مسنده إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه
( الساعة )
قال الشيخ الآلوسي : ويجوز ان يكون الله تعالي قد اطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام علي وقت قيامها علي وجه كامل لكن لا علي وجه يحاكي علمه تعالي به إلا أنه سبحانه أوجب عليه صلي الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة والسلام وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك
( الروح )
قال الله تعالي 😦 وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)
قال الحافظ في الفتح , قال بعضهم : ليس في الآية دلالة علي أن الله لم يطلع نبيه علي حقيقة الروح , بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أنه يطلعهم وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا 0
________________________________________
( فتح الباري شرح صحيح البخاري في كتاب التفسير ج8/ص403 )
( وكذا إرشاد الساري شرح البخاري ج7ص213 ).
وعليه فلامانع من القول بأن الله تعالي اطلع نبيه صلي الله عليه وسلم علي حقيقة الروح واذا كان بعض علماء لسلف تكلم عن الروح مما يدل علي أن مع القائل علما أو بعض علم عنها فكيف به هو صلي الله عليه وسلم 0 فهذه كتب التفاسير تنقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وقتادة والسهيلي أوالا متعددة في الروح , فقيل الروح جبريل وقيل ملك عظيم وقيل ملائكة علي صور بني آدم وقيل ملائكة لكن لا تراهم الملائكة 0
(انظر ابن كثير ج 3 ص 61 وغيره من التفاسير )
فهل هؤلاء العلماء تكلموا في الروح بما تستحيل معرفته علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ؟؟
ومن هنا نقل الامام الحافظ جلال الدين السيوطي ( في الخصائص الكبري ج 3 ص 160 ) ان الله سبحانه وتعالي اطلع نبيه علي حقيقة الروح 0
وبهذا ظهر أن القائل بأن الله تعالي اطلع نبيه حتي علي هذه الخمس معه دليل مستنبط أو شبهة دليل فان كان ذلك الدليل صحيحا وموصلا إلي المطلوب فيوصف القائل بأنه مصيب وإن كان ذلك الدليل فاسدا لا يتوصل به إلي المطلوب فغاية ما يوسف به قائله بأنه مخطيء ولا يصل به الحال إلي الكفر والعياذ بالله 0
ورضي الله عن الامام الشافعي فإنه قال : ( إن الله لا يعذب علي فعل اختلف فيه العلماء) 0
” الفصل الرابع ”
مكانة ورفعة قدر سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم
إن أول من يجوز الصراط بأمته ويشرفه بنظرته , وينوره للمؤمنين ليسيروا في ضيائه وعلي محجته – هو سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالي عليه وعليهم أجمعين الذي جمع الله تعالي له فضائل الأوليات الجامعة لأكمل المراتب وأعلي الدرجات 0
فهو صلي الله عليه وسلم أول الأنبياء في الخلق في عالم الأرواح وأخرهم في البعث في عالم الأشباح
________________________________________
والدليل علي أن أول الأرواح البشرية خلقا هو روح السيد العظيم صلي الله عليه وسلم أنه أخبر علي ذلك بقوله :” كنت أول الناس في الخلق وأخرهم في البعث ” رواه ابن سعد مرسلا بإسناد صحيح , ورواه أبو نعيم وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والدليمى كلهم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ” كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث ” 0 وهذه الرواية تفسر رواية ابن سعد وأن المراد من الناس الأنبياء , فهو صلي الله عليه وسلم أولهم في عالم الأرواح وخاتمهم في عالم الأشباح صلي الله عليه وسلم , وقد نبأه الله تعالي في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم 0 فيه فتحت النبوة في عالم الأرواح وبه ختمت في عالم الأشباح صلي الله عليه وسلم 0 فهو الفاتح وهو الخاتم 0
روي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا : يارسول الله , متي وجبت لك النبوة ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد 0 وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو نعيم والبيهقي والحاكم وصححه , ورواه البزار والطبراني وأبو نعيم أيضا من رواية أبن عباس رضي الله عنهما 0
وعن ميسرة الفجر قل : قلت : يارسول الله متي كنت نبيا ؟ قال :” كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ” رواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني والحاكم وصححه وقال الحافظ الهيثمى في رجال أحمد والطبراني : رجالهما رجال الصحيح ا هـ
وهو صلي الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض كما روي مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة , وأنا أول من ينشق عنه القبر , وأنا أول شافع وأول مشفع ”
وهو صلي الله عليه وسلم أول شافع وأول مشفع :
________________________________________
روي الترمذي وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر . وبيدى لواء الحمد ولا فخر , وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر , وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ” قال الزرقاني عنه حسن صحيح وكذا رواه أحمد وابن ماجة 0
وهو صلي الله عليه وسلم – أول من نبأه الله تعالي في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم كما جاء في سنن الترمذي وغيرها أن النبي صلي الله عليه وسلم قيل له يارسول الله متي وجبت لك النبوة , وفي رواية متي استنبئت , وفي رواية متي كنت نبيا , فقال صلي الله عليه وسلم : ” كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ”
وهو صلي الله عليه وسلم أول من يؤذن له حين يستأذن علي ربه وهو أول من يسجد لربه
روي الامام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ” أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود وأول من يرفع رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم ومن خلفي مثل ذلك وعن يمينى مثل ذلك وعن شمالي مثل ذلك – فقال رجل 0 يارسول الله : كيف تعرف أمتك ن بين الأمم فقال صلي الله عليه وسلم : هم غر محجلون من أثر الوضوء ليس أحد كذلك غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم تسعي ذريتهم بين أيديهم “الحديث0( قال الحافظ المنذري : رواه احمد وفي إسناده ابن لهيعة وهو حديث حسن في المتابعات 0 ا هـ 0 وقال في مجمع الزوائد : رواه أحمد والبراز باختصار إلا انه قال : وذراريهم نور بين أيديهم 0 قال : ورجال احمد رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو ضعيف قد وثق0اهـ 0 قلت رواه ابن ابي حام ومحمد بن نصر المرزوي كما في تفسير الحافظ ابن كثير سورة الحديد وسورة التحريم )
وهوصلي الله عليه وسلم أول من يفتح له باب الجنة وهو أول من يدخلها والكل يدخلونها من ورائه صلي الله عليه وسلم
________________________________________
روي مسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أتي باب الجنة فاستفتح فيقول الخازن : من ؟ فأقول : محمد , فيقول : بك أمرت أن لا افتح لأحد قبلك ”
تعظيمه صلوات الله عليه عند ذكر اسمه الشريف
كتب فضيلة الأخ الشيخ محمد سليمان فرج رسالة بعنوان ( دلائل المحبة وتعظيم المقام في الصلاة والسلام علي سيد الانام ) جاء فيها ان ذكر لفظ السيادة عند ذكر اسمه الشريف امر واجب علي كل مسلم محب لسيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم لأن ذلك من رفعة ذكره وتعظيم قدره وقد امر الله تعالي المؤمنين ان يعلوا قدره ويلَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًاوقروا شأنه ولا ينادوه باسمه الشريف مجردا من التكريم والتبجيل
قال الله تعالي :” لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا” سورة النور
قال الصاوي في تفسيره : لا تجعلوا دعاء الرسول أي نداءه بمعني لا تنادوه باسمه فتقولوا يامحمد ولا بكنيته فتقولوا يا ابا القاسم بل نادوه وخاطبوه بالتعظيم والتكريم والتوقير ونستفيد من الآية انه لا يجوز نداء النبي صلي الله عليه وسلم بغير ما يفيد التعظيم لا في حياته ولا بعد وفاته فبهذا يعلم ان من استخف بجنابه صلي الله عليه واله وسلم فهو كافر ملعون في الدنيا والآخرة
وروي ابن جرير عن قتادة في هذه الآية الشريفة ان الله امرهم ان يفخموه , ويشرفوه
وقال السيوطي في الاكليل في استنباط التنزيل عند ذكر هذه الآية الكريمة : تحريم ندائه باسمه بل يقال يارسول الله يا نبي الله والظاهر استمرار ذلك بعد وفاته
________________________________________
وجاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري : انه صلي الله عليه وسلم وأن كان ذا أسماء وكني لكن لا ينبغي ان ينادي بشيء من تلك فيحرم نداؤه بها لقوله تعالي ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) مثل يا محمد ويا أحمد ويؤيده قول الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما انهم كانوا يقولون يا احمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز وجل إعظاما لنبيه صلي الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله يا رسول الله ( صلي الله عليه وسلم )
وقد اتفق ائمة الاسلام وفقهاء المذاهب ونصوا علي تحريم ندائه صلي الله عليه وسلم باسمه اخذ من هذه الآية الشريفة
وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تشير لذلك المعني قال الله تعالي :
” فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ” فهذا الثناء بالفلاح من الله تعالي للذين يعزرونه أي يعظمونه ويبجلونه بكل ما يرفع قدره ويعبر عن شرف مكانته العالية وان ذكر اسمه الشريف مجردا من لفظ السيادة لا يتفق مع التعظيم اللائق بجنابه الكريم وقال الله تعالي ايضا :
” لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ” سورة الفتح
وقرىء وتعززوه من التعزيز والتقدير ادبا وتخلقا بأخلاق القرآن حيث ناداه الله تعالي بقوله : ” يا ايها النبي “و ” يا ايها الرسول ” ولم يوجه له النداء باسمه صلوات الله وسلامه عليه وبين انه سبحانه رفع ذكره بين العالمين 0
قال الله تعالي : ” وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ” سورة الشرح
استحقاقه للسيادة صلي الله عليه وسلم :
ورفعة الذكر تكون بألفاظ التعظيم وألقاب التكريم ومنها السيادة التي جري العرف بها بين الناس وبذلك نكون مأمورين بها عند ذكره ومنهيين عن ضدها وهو ذكر الاسم الشريف مجردا عنها لانه بدونها غير مرفوع 0
________________________________________
وان ذكر السيادة يجب من باب سد الذرائع حتي لا يتوصل به الملاحدة الي اهانته وقد نص الامام الشافعي رضي الله عنه علي كراهة قول المرء قال الرسول –بالألف والام – وان الاولى والمستحب والمرغوب هو ان يقال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم بالاضافة التي هي غاية التشريف ونهاية الفخر والتعظيم لأن في اللفظ المقطوع عن هذه الأضافة ايهاما للنقص لاحتمال ان يراد به رسول غير الله تعالي فيتوصل به الملاحدة والزنادقة الي ذكره بغير الرسالة يوهمون انهم يقصدون رسول الله تعالي 0 والواقع انهم يقصدون غير ذلك فسدا لهذه الذريعة مع ما فيها من سوء الادب بعدم ذكره بالاضافه المشرفة رأي الامام الشافعي ذلك وإن ذكر اسمه الشريف صوات الله وسلامه عليه مجردا عن السيادة هو اليوم في عرفنا مثل ذلك بل اشد ولذلك تري المستشرقين وممن لا خلاق لهم هم الذين يذكرون الاسم الشريف مجردا
وعلي ذلك فلا يجوز ذكره عليه الصلاة والسلام من غير السيادة للتشبه بالكفار واتباعهم في اهوائهم لأنهم يذكرون النبي صلي الله عليه وسلم باسمه مجردا علي سبيل الاستهانة به قال الله تعالي :
” وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ” سورة التوبة
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابي سعيد بن المعلي قال : كنت اصلي بالمسجد فدعاني رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم اجبه ثم اتيته فقلت يارسول الله : اني كنت اصلي فقال عليه الصلاة والسلام :” الم يقل الله تعالي ” اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ” سورة الانفال
________________________________________
فاذا كانت اجابته مفروضة علينا ونحن بين يدي الله تعالي وما ذلك الا مراعاة للادب معه صلي الله عليه وسلم ومراعاة حرمته فذكره بالسيادة مطلوب من باب اولي , وقد قال بعض المفسرين عند قوله تعالي : ” وقولوا للناس حسنا ” المراد بالناس رسول الله صلي الله عليه وسلم والمراد بالحسن الحسن كما قرئ به ومن الحسن الذي نقوله للناس سيدي ومولاي فثبت من الآية الكريمة مطلوبية قول ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم بطريق الأولي
وأما ما يتعلل به الذين لم يتذوقوا قطرة من صافي شراب محبته صلوات الله وسلامه عليه علي عدم إطلاق السيادة له صلي الله عليه وسلم فهو الحديث الشريف ” السيد الله ” وقد أجاب عنه العارف بالله ابن عجيبة في حاشيته علي الجامع الصغير بان الحديث يبين ان الله هو الذي يحق له السيادة المطلقة اذ الخلق كلهم عبيده وأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قاله لما خوطب بما يخاطب به رؤساء القبائل من قولهم انت سيدنا ومولانا وكانوا قريبي عهد بالاسلام واراد الرسول صلي الله عليه وسلم ان يمكن العقيدة في نفوسهم بأن الخضوع التام للمالك الحقيقي وهو الله سبحانه وقد نقل عن الامام مالك رضي الله عنه امتناع اطلاق السيد علي الله اذا اريد بيان هذا المعني الذي قصده صلي الله عليه وسلم , ومما لا شك فيه ان هذه الشبهة ليس فيها أي احتمال للاستدلال علي اطلاق السيادة لأن الله تعالي مدح سيدنا يحيي عليه السلام بقوله سبحانه :
” وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ ” سورة آل عمران
فان ثبت لسيدنا يحيي كان لسيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من باب اولي وكنا مأمورين بطريق الاشارة الواضحة بل ان القرآن الكريم عبر عن لفظ السيد في غير ذلك الموضع في حق من لا يملكون الرفعة
________________________________________
قال تعالي : ” وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ” سورة يوسف ” إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا ” سورة الأحزاب وكذلك لفظ المولي قال تعالي : ” يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ” سورة الدخان
وكذلك تواترت السنة النبوية الشريفة في هذا المضمار وجاءت الأحاديث الكثيرة التي تطلق لفظ السيد علي غير الله تعالي قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :
” كل بني أدم سيد والرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها ” قال الذهبي رواته ثقات وكذلك مارواه البخاري في صحيحه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :
” وليقل المملوك سيدي وسيدتي فانهم المملوكون والرب الله عز وجل ” وفي رواية ابي داود ايضا :” وليقل سيدى ومولاي ” فاذا كان هذا بالنسبة للعبد مع سيده فكيف لا يكون لرسول الله صلي الله عليه وسلم وصدق الله العظيم : ” فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ” سورة الحج
وقد جاء في صحيح مسلم عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الله يقول للعبد يوم القيامة : ” الم اكرمك واسودك ” أي اجعلك سيدا فهذا الامتنان من الله تعالي بنعمة السيادة يدلنا علي انها شرف للانسان فكيف لانشرف بها افضل الخلق عليه الصلاة والسلام
وبذلك يتجلي لنا ان من يقول ان السيادة لا تطلق ال علي الله سبحانه وتعالي فقط فلا يعتد بقوله لأنه مخالف لمنهج القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الشريفة
________________________________________
وكذلك ايضا ما يظنه بعض الناس حديثا نبويا وهو قولهم لا تسيدوني في الصلاة فهو لا يصح نسبته لرسول الله صلي الله عليه وسلم لأنه لحن فاحش وخطأ لغوي لا تجوز نسبته لا فصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه لأن الفعل سيد لم يرد في لغة العرب وانما سود ولذلك ادرك بعض الناس هذا المعني فقالوا ان الحديث بلفظ لا تسودوني في الصلاة ولكن هذا أيضا اشد البطلان وكذب وافتراء علي سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد اورده كثير من المحدثين في الموضوعات التي وضعت كذبا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وسئل عنه الامام جلال الدين السيوطي فأجاب بأنه لم يرد وانه باطل كما نص علي ذلك في الحاوي للسيوطي وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة انه لا اصل له وكذلك الامام جلال الدين المحلي والشمس الرملي وابن حجر الهيثمى وبعض فقهاء الشافعية والمالكية ونص عليه القاري في موضوعاته علي بطلانه وكذلك قولهم لا تعظموني ف المسجد فأنه باطل أيضا وقد جاء في كتاب كشف الخفا للحافظ العجلوني ما نصه :” قال في المقاصد – أي السخاوي – لا اصل له وقال الياجي في اوائل مولده المسمى بكنز العفاة فكذب مولد مفتري جـ2 ص 494 بل انه لو فرضانا مجرد احتمال وروده – مع ان هذا بعيد اشد البعد – ومع ان الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال فانه يمكن تأويله بما يناسب المقام كما اول العلماء حديث :” السيد الله ” لأن التزام الأدب معه صلي الله عليه وسلم مقدم علي امتثال الاوامر كما فعل سيدنا ابوبكر الصديق رضي الله عنه لما جاء سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يؤم الناس فتأخر ابوبكر فأمره ان يثبت مكانه فلم يمتثل ثم سأله بعد الفراغ من الصلاة عن ذلك فأبدي له انه انما فعل ذلك تأدبا معه صلي الله عليه وسلم قائلا : ما كان ينبغي لابن ابي قحافة ان يتقدم بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم ينكر عليه الرسول صلي الله عليه
________________________________________
وسلم ذلك وكذلك التزام سيدنا علي بن ابي طالب الادب دون امتثال الامر حين كتب الكتاب للمصالحة في الحديبية وكان فيه لفظ رسول الله فقال سهيل : والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبدالله فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ان رسول الله وان كذبتموني امحه – أي لفظ رسول الله – فقال سيدنا علي : والله لا أمحوه ومحاه النبي صلي الله عليه وسلم بيده الشريفة ولم ينكر علي الامام علي حسن ادبه قال العلماء المحققون وهذا من الادب المستحب فكذلك زيادة لفظ السيد عند ذكر اسمائه صلي الله عليه وسلم من الادب المستحب
ومن التزام الادب ايضا ان سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه اخر الطواف لما دخل مكة في قضية صلح الحديبية مع علمه بوجوبه علي من دخلها ادبا معه صلي الله عليه وآله وسلم ان يطوف قبله وقال : ما كنت لافعل حتي يطوف رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم ينكر عليه سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد علمه بذلك 0
وبذلك تكون هذه الشبهة واهية لا اساس لها من الصحه وعلي فرض احتمال ورودها فانه يجب التزام الادب عند ذكر سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم
وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم قوله صلوات الله وسلامه عليه :
” انا سيد ولد آدم ولا فخر ”
والسيد هو الذي يسود علي قومه أي يتقدم عليهم بما فيه من خصال الكمال والشرف التام وقيل هو الكامل الذي يحتاج اليه غيره وقال ابن عباس رضي الله عنهما : السيد الكريم علي ربه عز وجل وقال قتادة : السيد الذي لا يغلبه غضبه وفي رواية للامام احمد وابن ماجة والترمذي قوله عليه الصلاة والسلام :
” انا سيد ولد آدم يوم القيامة ”
وفي رواية اخري ” انا سيد الناس يوم القيامة ” للامام احمد والبخاري ومسلم , وذلك شامل لسيدنا آدم عليه السلام لقوله صلي الله عليه وسلم :
” أدم فمن دونه من الانبياء يوم القيامة تحت لوائي ”
________________________________________
بل ان هناك رواية صريحة في ذلك وهي قوله صلي الله عليه وسلم :
” انا سيد العالمين ” وفي رواية ابن نعيم في الدلائل قول سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم :” انا سيد المؤمنين اذا بعثوا ”
ومما رواه الخطيب قوله صلي الله عليه وسلم : ” انا امام المسلمين وسيد المتقين ” فهذه الاحاديث الصحيحة التي بلغت حد التواتر وانه صلي الله عليه وسلم ولد أدم وسيد المؤمنين وسيد العالمين تدل دلالة لا لبس فيها علي ان لفظ السيادة واجب علي كل مسلم محب لرسول الله عليه الصلاة والسلام
وان هناك حديثا صريحا في طلب لفظ السيادة من المؤمنين رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح فعن جابر بن عبدالله قال : صعد رسول الله صلي الله عليه وسلم علي المنبر فحمد الله واثني عليه ثم قال من انا ؟ قلنا رسول الله قال : نعم ولكن من أنا ؟ قلنا : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بم عبد مناف قال : ” انا سيد ولد أدم ولافخر فهذا الحديث الشريف يوضح لنا ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحب من اصحابه ان يجيبوه بلفظ السيادة الذي يبين فضله علي سائر العالمين من المرسلين وغيرهم وكذلك لفظ المولي ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الامام احمد في مسنده والترمذي والنسائي وابن ماجة قال صلي الله عليه وسلم : ” من كنت مولاه فعلي مولاه ” فرسول الله هو سيدنا ومولانا صلي الله عليه وسلم بنص الأحاديث الصحيحة المقطوع بها وكذلك الصحابة الاجلاء وآل بيته الكرام الاطهار هم سادتنا فقد روي البخاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال للسيدة فاطمة رضي الله عنها : ” يا فاطمة الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنات او سيدة نساء هذه الامة ” وفي صحيح مسلم :” يا فاطمة اما ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الامة ” 0
________________________________________
وفي رواية ابن سعد في الطبقات : ” اما ترضين ان تكوني سيدة نساء هذه الامة او نساء العالمين ” فيجب علينا ان نذكر سيدتنا ومولاتنا فاطمة بلفظ السيادة عند ذكرها وكذلك سيدنا ومولانا الحسن فقد روي البخاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال عندما رأي السيد الحسن” ان ابني هذا سيد ” وأيضا سيدنا ومولانا الحسين فقد اخرج الترمذي بسند صحيح ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة ”
وكذلك ورد في حق سيدنا ومولانا ابي بكر الصديق رضي الله عنه وسيدنا ومولانا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه ابن ماجة ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
” ابوبكر وعمر سيدا كهول اهل الجنة من الاولين والآخرين الا النبيين والمرسلين ” 0 بل ان رسول الله صلي الله عليه وسلم علم اصحابه ذلك المعني بأجلي وضوح فقد روي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
ان اهل قريظة لما نزلوا علي حكم سعد بن معاذ ارسل اليه سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فجاء علي حمار فقال سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم :
” قوموا الي سيدكم او الي خيركم ”
________________________________________
فهل بعد هذا البيان النبوي الكريم حجة لمن لا يطلق لفظ السيادة علي سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ومع ان النبي صلي الله عليه وسلم نهي اصحابه عن القيام له وكره ذلك ولكنه امر القيام لسعد رضي الله عنه فيجب ان ندرك ذلك المعني الذي اراده رسول الله صلي الله عليه ونبه اصحابه له ووصف به سعد بن معاذ وان الادب الاسلامي الكريم يدعو المؤمن للادب مع والده واستاذه بأن لا ينادي الابن اباه ومعلمه باسمه فقد ذكر الامام النووي في كتابه – الأذكار – في باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ ان ينادي اباه ومعلمه وشيخه باسمه , مارواه ابن السني ان رسول الله صلي الله عليه وسلم رأي رجلا ومعه غلام فقال : ياغلام من هذا ؟ قال : ابي قال ” فلا تمش امامه ولاتستسبه ولا تجلس قبله ولا تدعه بأسمه ”
فاذا كانت هذه اخلاق الاسلام في معاملة اصحاب الفضل والعلم فكيف تكون المعاملة مع احب الخلق الي الله تعالي وهو الاب الحقيقي للمؤمنين قال الله تعالي :
” النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ” سورة الاحزاب
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : ” النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم وهو اب لهم ” وبذلك يظهر لكل من له قلب او ألقي السمع وهو شيهد ان ذكر رسول الله صلي الله عليه وسلم باسمه مجردا ينافي التعظيم المطلوب لجنايه العالي ومقامه الرفيع وأما ما يقوله بعض الناس بأنه لم يرد عن الصحابه ذكر لفظ السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم فهو ناشئ عن جهل مطبق وقصور محقق وهوي متبع فقد روي الامام احمد في مسنده عن سهل بن حنيف يقول : مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت منه فخرجت محموما فنمي ذلك الي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال :
” مروا ابا ثابت فليتعوذ ” قلت ياسيدي والرقي الصالحة قال : ” لارقية الا في نفس او حمة او لدغة”0
________________________________________
فهذا الحديث الشريف صريح اشد الصراحة في قول سهل بن حنيف لسيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم : ياسيدي وقد رواه النسائي أيضا بسند قوي وكذلك ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه :” اذا صليتم علي النبي صلي الله عليه وسلم فاحسنوا الصلاة عليه فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه وقولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك علي سيد المرسلين وامام المتقين
وكان الصحابة ينادون بعضهم بعضا بهذا اللفظ الذي يشعر بالتكريم والاجلال فقد روي الحاكم في المستدرك بسند صحيح ان ابا هريرة رضي الله عنه لما رد السلام علي سيدنا ومولانا الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : وعليك السلام ياسيدي ثم قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول انه سيد
وماقاله الفاروق رضي الله عنه : ابوبكر سيدنا واعتق سيدنا – أي سيدنا ومولانا بلال رضي الله عنه
وكتب اليسرة النوبية مليئة بهذا المعني فمن اعماه التعصب الممقوت واتباع الآراء الضالة فلا نلتفت اليه ولا نعيره أي اهتمام لآنه محروم من محبته صلي الله عليه وسلم
فهذه الدلائل الساطعة والبراهين الدامغة من كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم لاتدع مجالا للشك في اطلاق السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم بل وللمؤمنين غير الفاسقين فقد اخرج البخاري في الادب المفرد وابو داود عن رسول الله صلي الله عليه وسلم انه قال : ” لا تقولوا للمنافق سيدا فانه ان يك سيدكم فقد اسخطتم ربكم عز وجل ” وان النهي عن قوله للمنافق دليل علي جوازه للمؤمن
وان السيادة تتفاوت مراتبها بحسب تفاضل الاعمال الصالحة والمنزلة عند الله تعالي فقد روي الحاكم بسند صحيح ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
” سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام الي امام جائز فأمره ونهاه فقتله ”
________________________________________
فهذه السيادة لسيدنا حمزة رضي الله عنه بالنسبة للشهداء وهكذا نجد كل سيادة مقيدة بعمل معين او زمن معين ولكن السيادة الكاملة التامة لا تكون الا لسيد الخلائق جميعا ورحمة الكائنات كلها صلوات الله وسلامه عليه
وقد قال الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة النبوية :
ولا يحل الرفع فوق صوته * ولا ينادي باسمه بل نعمته
وقال ابن ذكري في همزيته :
لحرمة قدركم حرمت دعوتكم * باسمكم وذم النداء
وقال ابن عطاء الله في كتاب مفتاح الفلاح في كلامه عن الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم : وإياك ان تترك لفظ السيادة ففيها سر يظهر لمن لازم هذه العبادة
وقال ابوالعباس ابوني في أداب الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم : ومنها اذا امر في صلاته عليه صلي الله عليه وسلم علي اسم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم في بعض الكيفيات مجردا عن السيادة فليردد لفظ السيادة بلسانه فقط فذلك هو الأدب مع النبي صلي الله عليه وسلم واما الكتابة فانها تابعة للرواية من غير زيادة ولا نقصان اتفق الصالحون علي ذلك في القرن الثالث ووافقهم العلماء المجتهدون وقالوا يختص النبي صلي الله عليه وسلم بذلك لقوله صلي الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين : ” انا سيد ولد أدم ”
وقال الامام محمد بن جعفر الكتاني في جواب له في هذه المسألة : ان ذكر الاسم الشريف بالسيادة ونحوها مما يدل علي التعظيم والتشريف امر متفق علي طلبه واستحبابه في الجملة امتثالا لقول الله تعالي :
” لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ”
وقوله جل شأنه ” لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ”
وقد نقل كلام ابن حجر م الدر المنضود ثم قال وفي عمدة المريد للشيخ ابراهيم اللقاني علي الجوهرة له في التوحيد قال استاذنا : ولا خلاف في استعمال السيد فيه عليه الصلاة والسلام وانما الخلاف في استعماله في الصلاة فكرهه قوم واجازه اخرون
________________________________________
واما الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم بالصيغ الواردة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال المحققون يزاد فيها لفظ السيادة سواء في الصلاة أو خارجها مستدلين بعمل سيدنا ابي بكر الصديق حيث تأخر عن المحراب مع قول النبي صلي الله عليه وسلم له مكانك وامتناع سيدنا علي بن ابي طالب عن محو اسمه من الصحيفة لأن الالتزام الادب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم اولي من امتثال الامر
واجابوا عن الاعتراض القائل بانه يجب الا يزاد في كلام النبي صلي الله عليه وسلم كما لا يزاد في القرآن الكريم بانه لا تصح التسوية بين القرآن والحديث في هذا المعني لامور منها : ان رواية الحديث تجوز فيها الحكاية بالمعني للعارف بالالفاظ ومدلولاتها كما هو مذهب جمهور المحدثين ولا يجوز ذلك في القرآن قطعا
ومنها ان الرواية يجوز فيها الادراج بتفسير غريب الحديث كما هو منصوص عليه لغير واحد وفعله ابن شهاب الزهرى ولا يجوز في القرآن
وأما الحديث الشريف : ” من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” أي ماليس من امره وما لم يسنه ولم يشهد الشرع باعتباره واما ما شهد الشرع باعتبار اصله فهو جائز اصله فهو جائز شرعا وهو من امره كالبدع المستحسنة كالاجتماع علي قيام رمضان , وذكر الصحابة في الخطبة وذلك لأن القربة اذا شهد الشرع باعتبار جنسها فهي مشروعة . وان لم يرد لها دليل خاص كما هو مقرر في قواعد الفقه واصوله , وذكر السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم قربة قد شهد الشرع باعتبار جنسها وهو توقير النبي صلي الله عليه وسلم وتعظيمه فضلا عن النصوص الصريحة التي ذكرت قبل ذلك بل ان ما اختلفت في مشروعيته ففعله اولي كما نص عليه الامام العز بن ابن عبدالسلام ورجحه القرافي كما ذكره المواق في كتاب ( سنن المهتدين )
صيغ الصلاة عليه صلي الله عليه وسلم
________________________________________
المعلوم أن الصلاة علي الحبيب صلي الله عليه وآله وسلم وردت مرورية بصيغ كثيرة مختلفة مأثورة كما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم صيغ كثيرة اجتهدوا فيها بمزيد الثناء واستمطار صلاة الله تعالي ورحمته وبركاته علي خير خلقه صلي الله عليه وسلم مما يدل علي جواز تعدد هذه الصيغ وعدم التقيد بالمأثور. وقد ورد في كتاب ( نور الاسلام ) للشيخ عبدالكريم المدرس رواية عن سلامة الكندي : كان علي رضي الله تعالي عنه يعلمنا الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ( اللهم داحي المدحورات وبارئ المسموكات , اجعل شرائف صلواتك , ونواحي بركاتك و ورأف تحننك علي محمد عبدك , والدامغ لجيشات الاباطيل كما حمل , فأضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك واعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا علي نفاذ أمرك . حتي اوري قبسا لقابس آلاء الله تصل بأهله اسبابه , به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والاثم , وابهج موضحات الاعلام , ونائرات الاحكام , ومنيرات الاسلام , فهو أمينك المأمون , وخازن علمك المخزون , وشهيدك يوم الدين , وبعيثك نعمة , ورسولك بالحق رحمة , اللهم افسح له في عدنك , واجزه مضاعفات الخير من فضلك مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول , وجزيل عطائك المعلول , اللهم أعل علي بناء الناس بناءه , واكرم مثواه لديك ونزله , وأتمم له نوره وأجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة , ومرضي المقاله , ذا منطق عدل , وخطة فصل وبرهان عظيم )
________________________________________
وعنه أيضا في الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ( ان الله وملائكته يصلون علي النبي , لبيك اللهم وسعديك , صلوات الله البر الرحيم , والملائكة المقربين , والنبيين , والصديقين , والشهداء , والصالحين , وما سبح لك من شيئ يارب العالمين علي محمد بن عبدالله خاتم النبيين , وسيد المرسلين , وامام المتقين , وخاتم النبيين , وسيد المرسلين , وامام المتقين , ورسول رب العالمين الشاهد البشير الداعي اليك باذنك السراج المنير وعليه السلام )
وعن عبدالله بن مسعود ( اللهم اجعل صلواتك , وبركاتك , ورحمتك علي سيد المرسلين , وامام لمتقين , وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك امام الخير ورسول الرحمة , اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الاولون والأخرون , اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي ابراهيم انك حميد مجيد , وبارك علي محمد وعلي آل محمد كما باركت علي ابرهيم وعلي آل ابراهيم ان حميد مجيد )
وكان الحسن البصري يقول من أراد ان يشرب بالكأس الاوفي من حوض المصطفي فليقل( اللهم صل علي محمد وعلي آله واصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته واصهاره وانصاره وأشياعه ومحبيه وأمته وعلينا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين )
وعن طاوس عن ابن عباس انه كا يقول : ( اللهم تقبل شفاعة محمد الكبري , وأرفع درجته العليا , وآته سؤله في الآخرة والأولي كما اتيت ابراهيم وموسي ) وعن وهيب بن الورد انه كان يقول في دعائه ( اللهم أعط محمدا أفضل ما سألك لنفسه , واعط محمد أفضل ما سألك له أحد من خلقك , واعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له الي يوم القيامة )
وعن ابن مسعود رضي الله عنه انه كان يقول : ( اذا صليتم علي النبي صلي الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ( رواه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة علي النبي )
عودة الي أدلة تسويده صلي الله عليه وسلم
________________________________________
وفي كتاب ( المهمات ) أن الإمام العز بن عبدالسلام سئل ايضا في الصلاى علي النبي صلي الله عليه وسلم هل الافضل ذكر السيادة فأجاب بان سلوك الادب هو المستحب كما فعل سيدنا ابوبكر عندما كان في المحراب وتأخر اجلالا لمقام رسول الله صلي الله عليه وسلم وكما فعل سيدنا علي عندما امتنع عن محو لفظ رسول الله صلي الله عليه وسلم
فاذا علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم كيف نصلي عليه وقال : ” قولوا اللهم صلي علي محمد ..” وجب علينا ان نقول اللهم صلي علي سيدنا محمد وقد افتي امام الحرمين من فقهاء الشافعية بذكر لفظ السيادة في التشهد في كل صلاة
وسئل ايضا الامام جلال الدين المحلي عن قوله صلي الله عليه وسلم : ” صوا كما رأيتموني أصلي ” وكيف يصح ان نخالف رسول الله صلي الله عليه وسلم ونزيد لفظ السيادة فأجاب بان هناك قاعدتين امتثال الامر والتزام الادب والارجح التزام الادب وبهذا افتي الامام عز الدين بن عبدالسلام وجماعه من فقهاء الشافعية وابن عبدالسلام من فقهاء المالكية
وقد نص كثير من الفقهاء بان من قال باسقاط لفظ السيادة من اسمه الشريف يؤدب الادب الشديد كما ذكره العلمي في نواز له ولذلك افتي الامام ابن عبدالسلام في قضية الطالب الذي قال لا يزاد في الصلاة عليه صلي الله عليه وسلم ذكر سيدنا بأن يؤدب وامر بسجنه فاختفي حتي شفع فيه فخلي سبيله كما جاء في كتاب اكمال الاكمال او صاحب المعيار
وروي عن الامام مالك – كما في كتاب بدائع الفوائد – لما سئل عن السيادة انه قال : كيف وهو صلي الله عليه وسلم قال عن الحسن ان ابني هذا سيد وقال للانصار لما اقبل سعد بن معاذ : قومو لسيدكم فهو سيد السادة وخير البشر صلوات الله وسلامه عليه
________________________________________
وقال الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته علي شرح الشمس الرملي علي المنهاج في فقه الشافعية عند قوله والافضل الاتيان بلفظ السيادة كما قاله ابن ظهيرة والمحلي , وهو يقتضي العموم في جميع المواضع التي يذكر فيها اسمه عليه الصلاة والسلام وأن الادب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم عند ذكره في حياته وبعد مماته وقد ناظر الامام مالك ابا جعفر المنصور – الخليفة العباسي – وقال له : أن حرمته صلي الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا
وذكر التقي السبكي في ( كتاب تنزيل السكينة علي نادل المدينة ) ان سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان يمنع رفع الصوت في المسجد النبوي الشريف ولم يكن يفعل ذلك في المسجد الحرام وما ذلك الا للادب مع رسول الله صليي الله عليه وسلم وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تسمع الوتد يوتد والمسمار يضرب في البيوت القريبة فتقول : لا تؤذوا رسول الله صلي الله عليه وسلم
بل ان الرسول صلي الله عليه وسلم امرنا ان نكرم من تسمي باسمه الشريف فقد روي الحافظ السيوطي في الجامع الصغير ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” اذا سميتم الولد محمد فأكرموه , واوسعو له في المجلس ولا تقبحوا له وجها ”
وكذلك روي الحاكم والبزاز روايات اخري باسانيد قوية
فاذا كان الامر النبوي الكريم باكرام من تسمي باسمه فما بالك بصاحب الاسم ونبي الرحمة وشفيع الخلق وحبيب الحق صلوات الله وسلامه عليه
(( الفصل الخامس))
شبهات تتعلق بقدره الشريف صلى الله عليه وسلم
صلاة الفاتح
قد مر بنا مبحث صيغ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قول سيدنا الامام علي بن ابي طالب في الصيغة المأثورة عنه ( اجعل شرائف صلواتك ونواحي بركاتك ، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ، والمعلن الحق بالحق والدافع لجيشات الأباطيل).
________________________________________
وفي الصفحة (19) من حواره تهجم الشيخ ابن منيع على شرح السيد العلوى ( لصلاة الفاتح ) كما كرر تهجمه عليها في نهاية الصفحة (29) وسماها ( صلاة الفاتح المغلق ) معتبرا إياها من الشركيات والمكفرات والمنكرات والضلالات التي اقترفها السيد العلوي .. فهل يتجاهل الشيخ ابن منيع أوفلعله يجهل أنه صلى الله عليه واله وسلم أول الأنبياء في الخلق في عالم الأرواح وأخرهم في البعث في عالم الأشباح فهو ( الفاتح المغلق ) كما تهكم . ( والفاتح الخاتم ) كما يسميه أحبابه وجمهور أمته لما جاء في سنن الترمذي وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ( يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ، وفي رواية متى استنبئت ، وفي رواية متى كنت نبيا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ).
ولعله لم يطلع على نسبتها لسيدنا علي أولعله من الذين لايرون الأخذ ( بعمل الصحابي ) ولا يعتبرونه حجة .. وعلى كل حال فقد ذكر الشيخ يوسف النبهانيهذه الصيغة في كتابه (افضل الصلوات ) ص 137 كاملة كما يلي :
________________________________________
( اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه حق قدره ومقداره العظيم ) وللسدة التيجانية الصوفية تعلق خاص بهذه الصيغة وهي جزء هام من أورادهم المشهورة ، وقد نسبها الشيخ النبهاني للشيخ محمد شمس الدين البكري الذي يرجع نسبه لجده الخليفة الأول سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال إنه وجدها في ( كتاب مسالك الحنفا في الصلأة على النبي المصطفى ) للشهاب القسطلاني ومكتوب قلبها هذه العبارة (هذه أنفاس رحمانية وعوارف صمدانية لقطب دائرة الوجود وبدر أساتذة الشهود تاج العارفين سيدنا وأستاذنا ومولانا الشيخ محمد بن أبي الحسن البكري روح الله روحهما ونور ضريحهما وأعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاتهما في الدنيا والآخرة . أمين ) ا. ه ص 141 من ( أفضل الصلوات ) وقد تهجم ابن منيع على الشيخ البكري في صفحة 81 من حواره .
فماذا يقول الشيخ ابن منيع في قول القسطلاني (1) هل تغير الاسلام أم تغير القسطلاني أم تغير ( فهم ) ابن منيع والرئاسة لمعايير الاسلام والمسلمين ؟ وقديما قيل ( من قال هلك الناس فهو أهلكم) .
كل شيء به منوط
________________________________________
جاء في الصلاة المعروفة بالصلاة المشيشية قوله : في حق النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا شئ إلا هو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ) وقد أشكلت هذه الجملة على بعض الناس كما فعل الشيخ ابن منيع في ( حواره صفحة 17 منه ) وفهم منها أموراً غير مقصودة ولا مراده ولا يتصور أبداً أن تقع في ذهن مسلم يؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك جل جلاله وعظم شأنه ولو تدبرت معنى هذه الجملة لسهل عليك الخطب وهان عليك الأمر وعملت أن المسألة لم تخرج عن دائرة التوحيد لأن معناها أن حقائق الأشياء التي لا يتم الوصول إلى الله إلا بها لا تقبل ولا تعتبر إلا إذا جاءت من طريق المشرع وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقد قرر العلماء واتفقوا على أن أي عمل لا يكون مقبولاً إلا إذا كان صواباً مع الإخلاص ولا يكون صواباً إلا إذا كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما قال صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ . رواه مسلم .
فإذا كانت الأعمال جميعها لا تصح إلا إذا جاءت من طريقة ورضى عنها فهل هناك شئ له قيمه أو اعتبار أعلى من هذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (( الدنيا ملعونة ما فيها إلا ذكر الله وما وإلاه وعالما ومتعلماً )) رواه الترمذي وأبن ماجه والبيهقي وقال الترمذي : حديث حسن .
فذكر الله لا يصح إلا إذا كان عن طريقة فهو منوطاً به والعلم لا يصح إلا عن طريقة فهو منوط به فصار كل شئ به منوط .
وأما قوله : (إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ) فأن العاقل لو تدبر معناها بإمعان لعلم أنها تدل على حقيقة من حقائق التوحيد التي لم يختلف فيها أحد من المسلمين والتي هي أصل الشريعة التي من أجلها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل .
________________________________________
فالواسطه هم الرسل والموسوط هم الأمم ولولاهم لهلكنا وضللنا وسقطنا وهذا معنى قوله ( لذهب) أي لتلف وهو معنى قوله تعالى ( وكنتم على شفا حفره من النار فأنقذكم منها ) وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبوني تقحمون فيها ) رواه البخاري .
تنحل به العقد وتنفرج به الكرب
( اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضي به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتم ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى اله وصحبه في كل لمحة ونفس بعدد كل كل معلوم لك ) .
هذه الصيغة من الصيغ المشهورة عند الناس قديماً وحديثاً وهي مجربة لقضاء كثير من المقاصد وتحقيق المطالب وقد أشكل على بعضهم وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه تتنحل به العقد وتنفرج به الكرب من حيث أن الكرب إنما تنفرج بالله فهو الذي يفرج الهم ويكشف الغم وكذلك قضاء الحوائج ، وأقل الناس علما يعرف جواب هذه المشكلة
________________________________________
وهو أن قضاء الحوائج وتفريج الكربات إنما هو بالله سبحانه وتعالى فهو الفاعل حقيقة لا يشك في ذلك إلا كافر أو جاهل ، ونسبة هذه الأفعال للنبي صلى الله عليه وسلم أنما هي نسبة مجازيه . وهذا أمر ظاهر لا إشكال فيه جرت عليه عادة عامة الناس بل وجهلتهم أو جهالهم ، مع علمهم بهذه الحقيقة وإقرارهم بهذا الواقع مع اليقين الكامل والاعتقاد الجازم فان الواحد منا يقول فلان فرج كربتي ، وفلان أقال عثرتي ، وفلان أزال محنتي وقضى حاجتي ولا يخطر في بال أجهل واحد من هؤلاء ، أدنى اعتقاد يفيد استقلال الفاعل بفعل هذه الأمور دون الله ، فإذا كنا نجيز أمثال هذه التعبيرات والإطلاقات في عامة كلامنا وتعاملنا مع البشر فلم لا يجوز ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأولياء والصالحين ؟ وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يستعينون به ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز وهؤلاء الصحابة الكرام يفزعون إليه صلى الله عليه وسلم عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه .
فهذا أعمى يطلب رد بصره
وهذا قتاده يطلب رد عينه
وهؤلاء يطلبون الغيث .
وهذا حسان بن ثابت يقول له أنت يارسول الله ركن المعتمدين وأنت عصمة اللائذين وجار المستجيرين وملاذ القاصدين في قصيدته المشهورة :-
يا ركن معتمد وعصمة لائذ وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيره الإله لحقه فحباه بالخلق الزكيّ الطاهر
________________________________________
وقد جاء في الأحاديث النبوية عن رسول الله صلى الله عليه أحاديث كثيرة تفيد أن الله سبحانه وتعالى يدفع العذاب عن أهل الأرض بالمستغفرين وعمار المساجد وان الله يرزق بهم أهل الأرض وينصرهم ويصرف عنهم البلاء والغرق . وأن من عباد الله من يرزق الله تعالى به الكون ويحفظ به الأرض ويمطر به الناس وأنهم أمان وحصن يفزع الناس إليهم في حوائجهم ويطلبون منهم المعروف والإحسان لأنهم أهل الإحسان ( كل هذا مع العلم الكامل أن الرزق والنصر والمطر والدفع والرفع والضر والنفع بيد الله سبحانه وتعالى .
روى البيهقي في الشعب عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله تعالى يقول : أني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في والمستغفرين بالأسحار صرفت عذابي عنهم ) .
وعن أبي الدراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرين مره كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض ) رواه الطبراني وهو حسن . كذا في الجامع .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن ، فبهم تسقون ، وبهم تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه أخر .)
( رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن . كذا في مجمع الزوائد ج 10 ص 62) .
فهل جهل ذلك الشيخ ابن منيع ؟
قبل أن يبادر للتكفير والتشريك !
________________________________________
كذلك من المعلوم أن أوّ الأرواح البشرية خلقاً هو روح السيّد الأعظم صلى الله عليه وسلم كما أخبر عن ذلك بقوله : (( كنت أول الناس في الخلق وأخرهم في البعث )) رواه أبو نعيم وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والديلمي كلهم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ((كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث)) . وهذه الرواية تفسر رواية ابن سعد وأن المراد من الناس الأنبياء ، فهو صلى الله عليه وسلم أولهم في عالم الأرواح وخاتمهم في عالم الأشباح صلى الله عليه وسلم ، وقد نبأه الله تعالى في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم ،فيه فتحت النبوة في عالم الأرواح وبه ختمت في عالم الأشباح صلى الله عليه وسلم . فهو الفاتح وهو الخاتم .
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( قالوا : يارسول الله ، متى وجبت لك النبوة ؟ قال : وادم بين الروح والجسد )) وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو نعيم والبيهقي والحاكم وصححه ، ورواه البزار والطبراني أبو نعيم أيضا من رواية ابن عباس رضي الله عنهما .
وعن ميسرة الفجر قال : قلت : يارسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: (( كنت نبيا وادم بين الروح والجسد )) رواه الامام أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني والحاكم وصححه وقال الحأفظ الهيثمي في رجال احمد والطبراني : رجالهما رجال الصحيح . ا.هـ .
(( الوحدة والتوحيد ))
________________________________________
مرت بنا آنفا صيغة الصلاة المروية عن سيدنا علي ومن بعده رضى الله تعالى عنه ، اجتهد ولده وحفيده شيخ الإسلام عبد السلام بن بشيش الإدريسي من ولد سيدنا إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فنظم صيغة جديدة ضمنها قوله : ( اللهم أقذف بي على الباطل فأدمغه ، وزج بي في بحار الأحدية ، انشلني من أوحال التوحيد ) فتسارع سوء الظن السيئ لألي النفوس التي همها الانتقاد لا حسن الاعتقاد ، فلم تتأن في طلب المعنى والتأويل ، بل سارعت ، كشأنها دائماً – إلى التبديع والتكفير والتضليل ، وإذا كنا نرجح رأي الأمام السيد أحمد الرفاعي عندما قال في كتابه الشهير ( البرهان المؤيد) معلقاً على بعض النصوص التي يلزمها التأويل : ( إياكم والقول ببعض هذه الأقاويل ، حسن الظن يلزمنا بسيدنا الشيخ ، ولكن أدبنا مع الدين ألزم ) ص 85 . إلا أننا نذكر – المشايخ والعلماء – بقوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) وقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ( التمس لأخيك سبعين عذراً ) فنقول لشرح معنى هذه العبارة التي التبست عليهم ( وزج بي في بحار الأحدية ، وانشلني من أوحال التوحيد ) : أن ( التوحيد) لغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد و ( التوحيد ) شرعاً أفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاده وحدانيته والتصديق بها ذاتاً وصفات وأفعالاً ، و (التوحيد) في اصطلاح أهل الحقيقة من الصوفية : تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الإفهام ويخيل في الأذهان والأوهام وقد هاجم ابن منيع هذه العبارة في صفحة (17) من حواره .
________________________________________
والمعروف أن الله تعالى أوضح لنا سورة (الإخلاص) أنه ( أحد) أي لا أحد معه ولا أحد بعده ولا أحد مثله ( ولم يكن له كفواً أحد ) وصاحب الورد والدعاء يسأل الله تبارك وتعالي أن يرزقه حقيقة التحقق بمعرفة كمال وجمال وجلال ( الأحدية ) وهي التوحيد وفي الوقت نفسه يسأله تعالى أن يحفظه ويحميه وينفذه من مخاطر وشحطات الإغراق والاستغراق والمغالاة في شهود آثار أحدية ذاته ووحدانيته تعالى ( كالقول بالوحدة والاتحاد) وغيره مما هلك فيه من هلك أو ضل وشطح من شحط لذلك قال الأمام السيد أحمد الرفاعي في كتابه الشهير ( البرهان المؤيد ) : ( التوحيد وجدان تعظيم في القلب يمنع من التعطيل والتشبيه ) . فصاحب الورد والدعاء أذن يستعيذ بالله تعالى من أن يتيه في ( أوحال ) التائهين والشاطحين والمنحرفين في ( التوحيد ) إذ كما قال الأمام الرفاعي في ( البرهان ) : (ما ثم اتصال ولا انفصال ، ولا حلول ولا انتقال ، ولا حركة ولا زوال ، ولا ممارسة ولا مجاوره ،ولا محاذاة ولا مقابلة ، ولا مماثلة ولا مجانسة ولا مشاكله ، ولا تجسد ولا تصور ولا انفعال ، ولا مماثلة لا مجانسة ولا تغير ) وكما ذكر في كتابه المذكور رضى الله عنه أنه ( سأل رجل الأمام مالكاً بن أنس رضى الله عنه عن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعاً ، وأمر به أن يخرج .
________________________________________
وقال إمامنا الشافعي رضى الله عنه لما سئل عن ذلك : آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك ، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك وقال الأمام أبو حنيفة رضى الله عنه : من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر .. لأن هذا القول يوهم أن للحق تعالى مكاناً ، ومن توهم أن للحق مكاناً فهو مشبه . سئل الأمام جعفر الصادق بن محمد الباقر رضى الله عنهما : من زعم أن الله في شيء ، أو من شيء ، أو على شيء ، فقد أشرك إذ لو كان على شيء لكان محمولاً ولو كان في شيء لكان محصوراً ولو كان من شيء لكان محدثاً ) ا . هـ .
(( الفصل السادس ))
التبرك ليس شركاً ولا بدعه:
شجرة بيعة الرضوان
في الصفحة (23) من حواره أخذ الشيخ أبن منيع على الشيخ السيد المالكي ( رأيه في أن شجرة بيعة الرضوان لم يقطعها عمر إلا لأن الناس اختلفوا في تعيينها فقطعها لئلا تنسب لبيعة الرضوان والحال أنها ليست كذلك ) .
سبب قطع شجرة البيعة
ولا بد هنا من ملاحظة أن قطع عمر لشجرة البيعة ونحوه : أنما كان لمنع الشرك الذي كان لا يزال متمكناً أو قريباً من النفوس ، ولم يكن أبداً لمنع التبرك وفرق هائل بين الإشراك والتبرك الذي هو من تأكيد الإيمان بالله وقدرته ، وهو من أدلة استمرار آثار العمل الصالح ، وهذه الفعلة من عمر كانت مجرد اجتهاد في حكم سد الذريعه ، فليس هو بشريعة نبوية حاسمة ومن العجب أن هؤلاء الذين يستشهدون بفعل عمر هنا ، هم الذين يخالفون فعل عمر بصلاة التراويح عشرين ويصلونها ثمانية ، فليس الأمر هنا دينا وانما هو شهوة المخالفة .
قصد المعالم المباركة
________________________________________
وقصد الأماكن والمعالم المباركة التي يرجى فيها استجابة الدعاء والتوسل كالمساجد والبقاع التي لها خصوصية ، شرع منصوص ، وقد بينت كتب الحديث في أبواب الدعاء أن هناك أمكنه وأزمنة يكون الدعاء فيها أرجى من غيرها لقد آستها وطهارتها ونزاهتها عن الدنس والخطيئة كما حدث في ليل الإسراء لسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث – وهو في طريقة إلى المسجد الأقصى – نزل عن براقه ، فصلى في عدة أمكنه معينه ، في كتب الحديث والسيرة ومنها : طور سيناء ، ومولد عيسى ، ثم أن في مشاهد الحج واختيار أماكن معينة فيه للدعاء والتعبد ونحوه ، أكبر دليل على ذلك ويؤيده حديث شد الرحال إلى المساجد الثلاثة ، فقصد الأماكن والمعالم المباركة للزيارة والدعاء عمل مندوب إليه . وقد صح عن عمر رضي الله عنه قوله : لو كان مسجد قباء في كذا لذهبنا إليه ) .
التبرك بآثار الصالحين
والتبرك بآثار الصالحين جائز ، وقد نقل الحافظ العراقي في ( فتح المتعال ) بسنده أن الأمام أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره تبركاً ، قال : عندما رأى ذلك الشيخ ابن تيميه عجب ، قال : وأي عجب في ذلك وقد روينا أن الأمام أحمد تبرك بالشرب من ماء غسيل قميص الأمام الشافعي بل قد روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بأثار الشافعي .
وفي ( الحكاية المنثورة ) للأمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أصيب بدمل أعجزه علاجه ، فمسح به قبر الأمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ .
وفي تاريخ الخطيب : أن الأمام الشافعي كان يتبرك بزيارة قبر الأمام أبي حنيفة مدة أقامته بالعراق ، كما صح عنه أنه كان يتبرك بغسالة قميص الأمام أحمد ، (فكان يأخذ منها ما يسمح به وجهه وأعضاءه ، كما ذكره أصحاب ( الطبقات) وغيرهم
________________________________________
وفي صحيح السيرة : أنه كان مع خالد بن الوليد شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم يتبرك بها ، وما شهد بها مشهداً لا نصره الله كما رواه البيهقي وابو يعلي وآخرون .
وفي صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن أسماء بنت أبي بكر أنها اخرجت جبة طيالسية وقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فتحن نغلسها للمرضي فتستشفى بها .
وفي طبقات ابن سعد عن ابن قسيط والعتبي : (كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا رمانه المنبر التي تلي القبر بميامنهم (أي) تبركا وتوسلاً ثم استقبلوا القبله يدعون ) .
وروى ابن سعد كذلك عن عبد الرحمن بن عبد القادر ، أنه رأى ابن عمر رضى الله عنه واضعا يده عل مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه (أي تبركا..) كما ورى عنه أنه كان يضع يده على رمانه المنبر مكان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمسح بها وجهه .
كذلك ثبت أن بلالا مرغ خدع على عتبات الحجرة النبوية باكياً بين الصحابه رضى الله عنهم يوم عاد من الشام إلىالمدينه ثم علم يرد أن أحدا من الصحابه أنكر عليه ولا على فاطمة فيما ورد عنها من التبرك بتربه القبر الشريف .
ولعل الأصل : ثبوت تبرك المسلمين بشعر النبي ووضوئه وسؤره وملابسه وبردته وإقراره صلى الله عليه وسلك لذلك .
تبرك السلفي الأول الصديق والسلفي الثاني الفاروق به
صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
________________________________________
ولا شك أن من أبرز الدلائل الدالة على مشروعية وندب واستحباب التبرك به صلى الله عليه وسلم وبآثاره الشريفة بعد وفاته فضلاً عن حياته ما فعله الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله عنه فانه طلب عند وفاته أن يدفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم ( بل عند قدميه الشريفين وكذلك طلب وألح الخليفة الثاني عمر الفاروق رضى الله عنه فانه كما ورد في صحيح البخاري استأذن أمنا عائشه رضى الله عنها مرتين أن طعن أن يدفن بجوار المصطفى صلى الله عليه وسلم فمرة أرسل ابنه عبد الله قائلاً لها يستأذنك أمير المؤمنين عمر ثم قال له : إذا أنا مت فاذهبوا بجنازتي إلى بيت عائشة وقفوا بي على الباب ثم قولوا : يستأذن عمر فإني عندها لم أعد أمير المؤمنين فإن أذنت وإلا فادفنوني في مقابر المسلمين ( فهل يدلنا المخالفون النافون للتبرك والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عن سر إصرار هذين الطودين الشامخين من أطواد الاسلام والخليفتين الراشدين اللذين قال عنها الصادق والمصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) رواه الامام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفه بن اليمان وحديث العرباض بن ساريه ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) رواه الأمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه .. فهل يجوز بعد بيان ما سلف أن نتهم بالشرك ونضرب بالعصا وننظر شزراً وحنقاً إى من يريد أن يتبرك بأي أثار من أثار النبي صلى الله عليه وسلم سواء في مسجده الشريف ومنبره ومحرابه وشباك قبره المنيف أم في خارجه .. ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (.
(( الفصل السابع ))
التوسل
________________________________________
هذا وأود أن أنقل فيما يلي رأي أهل السنة والجماعة المستند إلى الأدله الشرعية المحكمة في موضوع التوسل فأقول وبالله التوفيق نقلا عن كتاب ( قضايا الوسيلة ) للشيخ محمد زكي أبراهيم :
أنواع التوسل :
من حيث أن أصل التوصل مشروع لا خلاف عليه كان الكلام في فروعه من الخلاقيات التي لا تتعلق بإيمان ولا كفر ولا توحيد ولا شرك وإنما محلها الجواز والمنع فحكمها الحلال والحرام أنه لا خلاف بين طوائف المسلمين إجماعا على ثلاثة أنواع من التوسل:-
النوع الأول :-
التوسل بالحي الصالح إلى الله تعالى كما في الحديث الضرير مع النبي صلى الله عليه وسلم الذي سوف يأتي بيانه .
النوع الثاني : –
توسل الحي بالعمل الصالح إلى الله تعالى كما في ( حديث الثلاثة أصحاب الغار والصخره) الذي أورده الأمام البخاري في صحيحه .
النوع الثالث :-
التوسل إلى الله بذاته تعالى وبأسمائه وصفاته ونحوها وبما أن هذه الأنواع متفق على مشروعيتها فلا داعي لسرد الأدله عليها
وأنما الخلاف هو على التوسل بالميت الصالح .. وقد أجازه جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعه ولديهم عليه الأدله النقلية المتعاضدة نكتفي هنا منها ( بحديث الأعمى ) من حيث أنه المحور الأكبر فيهذا الباب وعليه يدور النقاش .
حديث الأعمى في التوسل وقضاء الحاجه :
روى الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف أن رجلا أعمى اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أني أصبت في بصري فادع الله لي قال أذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم أني أٍألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمه يا محمد أني استشفع بك على ربي في رد بصري وفي روايه ( في حاجتي لتقضي لي اللهم شفعه في ) ( ثم قال صلى الله عليه وسلم ) وأن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ( وفي بعض روايات الحديث خلاف يسير في الألفاظ ليس بذى بال ) .
________________________________________
من هذا الحديث أخذ الفقهاء مندوبيه صلاة الحاجة فمن كانت له إلى الله حاجة صلى هذه الصلاة توجه إلى الله بهذا الدعاء مع ما يناسبة من الدعاء الأثور وغير المأثور مما تمس إليه الحاجة وما يشعر به صاحبها .
ومنطوق الحديث حجه في صحه التوسل بالحي ومفهومه حجه على صحه التوسل بالميت من أن يتوسل بالحي أو الميت ليس توسلا بالجسم ولا الحياة ولا بالموت ولكن بالمعنى الطيب الملازم للأنسان في الموت والحياة وماالجسم إلا حقيقة لصيانه هذا المعنى فاستوجب بهذا تكريمه حياً كان أو ميتا على أن قوله ( يا محمد) نداء للغائب الذي يستوي فيه الحي والميت فهو موجه إلى المعنى الكريم على الله والملازم للروح والذي هو موضع التوسل بالحي أو الميت على حد سواء .
حديث الأعمى والتوسل بالموتى :-
ومع هذا فقد أخرج الطبراني في معجمه الصغير عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقى ابن حنيف فشكا اليه ذلك ( أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد خلافه أبي بكر وعمر )
فقال له عثمان بن حنيف ( وهو الصحابي المحدث العالم بين يدين الله ) أيت الميضأة فتوضأ ثم أيت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل (( اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمه يا محمد : أني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي قال : وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك ) .
فانطلق الرجل يضع ماقال له ثم اتى باب عثمان بن عفان رضى الله عنه فجأه البواب حتى أخذ بيده فأدخله علي عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة ( الوسادة) فقال : ما حاجتك ؟!! فكر حاجته وقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة !!
وقال : ما كانت لك من حاجة فاذكرها !!
________________________________________
ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته ( يريد أن أبن حنيف كلمه ، أي توسط له عند عثمان بن عفان ) .
فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير . فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر !؟ فقال : يا رسول الله أنه ليس لي قائد ، وقد شق علي :
فقال صلى الله عليه وسلم : أيت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ثم ادع هذه الدعوات
قال ابن حنيف : فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط
وهذا نص صحابي قطعي صريح في صحة التوسل بالموتى وقد صحح هذه القصة ( البيهقي ، والمنذري ، والهيثمي ) كما سيأتي .
تحقيق صحة حديث الضرير : –
قال الطبراني : أنه حديث صحيح وذكر أن عثمان بن عمر تفرد به عن شعبه .
قال الشيخ ابن تيمية ( تأمل ) : أن الطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم يبلغه روايه روح بن عباد عن شعبه ، وذلك اسناد صحيح يبن أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر ( أ هـ)
نقول : ولو سلمنا بانفراده به عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة فهما ثقتان باجماع علماء الحديث وبهذا ينتفي تغريب الحديث عند الترمذي وكم من حديث صحيح ولكنه غريب كحديث ( انما الأعمال بالنيات) مثلاً .
قلنا : وبهذا يتحقق علمياً أن الحديث صحيح على شرط الشيخين ( البخاري ومسلم ) ومع هذا فبعض من في صدورهم غرض معين يضعف حديث الأعمى هذا من روايه الترمذي بحجة أن في سنده رجلا غير معروف والقاعدة عند علماء الحديث أن المجهول عند واحد إذا كان معلوماً عند غيره فالحجة للعالم به والمثبت مقدم على النافي عند جميع أهل العلم ، خصوصا أهل الحديث .
________________________________________
وقد قال الترمذي عنه ( حديث حسن صحيح غريب لا يعرف الا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر قال وهو غير الخطمي ( بفتح الخاء) ومعنى هذا : أن رواه هذا الحديث مع مجهولة أبي جعفر عند الترمذي : مقبولون بدرجة الحسن والصحة على الوجهين .
وعلماء الحديث الذين سبقوا الترمذي حققوا أن أبا جعفر ( هذا المجهول عند الترمذي ) هو الخطمي بعينه قال ابن أبي خيثمة : أبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمه : اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبه ثم روى الحديث من طريق عثمان عن شعبة عن أبي جعفر .
قال ابن تيمية : بعد أن روى حديث الترمذي : (( وسائر العلماء قالوا هو جعفر الخطمي وهو الصواب )) فتأمل
قلنا : وفي (تعريف التهذيب) للحافظ أبن حجر : أنه الخطمي وأنه صدوق ( من السادسة) وفي ( الاستيعاب) لابن عبد البر : أنه الخطمي كذلك ثم أن الحديث كذلك رواه البيهقي من طريق الحاكم وأقر تصحيحه وقد رواه الحاكم بسند على شرط الشيخين واقره الحافظ الذهبي واستشهد به الشوكاني وهما !! من هما !!
ومعنى هذا : أن جميع رجال السند معروفون لكبار أئمة الحديث كالذهبي ( وهو من هو تشددا) وابن حجر ( وهو من هو ضبطا، وحفظا ، وتحقيقا ) والحاكم ، والبيهقي والطبراني وابن عبد البر والشوكاني وحتى ابن تيمية .. الخ .
ثم ان هذا الحديث اخرجه البخاري في ( التاريخ الكبير) وابن ماجه في ( السنن ) ونص على صحته والنسائي في ( عمل اليوم واليله ) وأبو نعيم في ( معرفة الصحابه) والبيهقي في ( دلائل النبوه ) والمنذري في (الترغيب) والهيثمي في ( المجمع) والطبراني في ( الكبير) وابن خزيمه في صحيح وآخرون .
وقد نص على صحته نخو خمسة عشر حافظا وهكذا جاء الحديث كما قدمنا على شرط الصحيحين : البخاري ومسلم فلم يبق بعد هذا مطعن لطاعن أو مغمز لمغتمز في صحة الحديث .
________________________________________
وبالتالي في جواز التوسل بالحي والميت جميعا من طريق : العقل والعلم والعاطفة وفي الأمر سعة من شاء توسل ومن شاء ترك بلا فتنه ولا تأثيم بعد كل هذا التحقيق الدقيق.
موضوع توسل الصحابة بالعباس :-
ثم أن توسل الصحابة بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي أبداً صحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره إذ لا تنافي بين الأمرين بدليل أنه : بينما كانت طائفة تتوسل بالعباس لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم ( ومعنى هذا أنهم يتوسلون بالنبي نفسه ) كان بعضهم يتوسل إلى الله مستسقياً بالرسول في قبره فقد أخرج ابن أبي شبيه عن (مالك الدار) بسند صحيح ( كما في فتح الباري ) وأخرجه البخاري في ( التاريخ ) وابن أبي خيثمة والبيهقي في ( الدلائل ) : أن بلال بن الحارث المزني الصحابي أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الرمادة ( القحط) في عمر وقال : (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا ) … الخ .
وهو نص من فعل الصحابه في صحة التوسل بالميت وبما أنه لم ينكره عليه أحد فقد أخذ بالتتالي قوه الاجماع .
وقد روى ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) سبب توسل الصحابه بالعباس وهو لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره بل هو هو قلنا : لأن علة توسلهم به رضى الله عنه هي قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد وغلا فلماذا اختاروا العباس بالذات مع وجود غيره ؟
________________________________________
وكلام الحافظ في ( الفتح) يؤيد هذا الجانب شأن جمهور علماء المسلمين وهو معتضد بخبر فتح الكوي في سقف الحجرة المشرفة بأذن عائشة توسلا إلى الله في اللطف بالعباد كما روى عن أبي الجوزاء وأخرجه الدارمي في ( سننه ) وعلق عليه ( القاري) في شرح ( المشكاه) تأكيدا فالتوسل بالعباس بعد كل هذا فرع لا يتنافى مع الأصل – وهو التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم – لا عقلا ولا نقلا .
علماء الأصول والتوسل بالموتى :
وعلماء ( أصول الدين ) هم أهل الاختصاص في هذا المجال وليس لمنكر من بعد مقالهم مقال فقد اجازوا التوسل بصالحي الموتى وفي مقدمتهم : علامة الدنيا الأمام فخر الدين الرازي في ( المطالب لعاليه ) وأمام البيان العلامة سعد الدين التفتازاني في ( شرح المقاصد ) وأمام الأعجاز العلامة الشريف الجرجاني في حاشية ( المطالع ) ولهم في ذلك توجيهات وتفاصيل ونقول : فلسفات تؤكد ما يكون بين الزائر والمزور من المدد والافاضه والصلة الروحانية على نسبة منزلة كل منهما في الحياتين .
وفي ( مناسك) الأمام أحمد رواية أبي بكر المروزي ، في التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره وهناك صيغة طويله للتوسل به صلى الله عليه وسلم عند الحنابله ذكرها أبو الوفاء بن عقيل في ( التذكره ) فلا خلاف عند كبار الحنابله على ذلك .
وتوسل الأمام الشافعي بالأمام أبي حنيفه ( وهو ميت) مذكور في أوائل ( تاريخ الخطيب ) بسند صحيح . أ . هـ
( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ) ؟!
التوسل واستمداد المغفرة من الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
سخر الشيخ ابن منيع من قول السيد المالكي : (فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية ، وإمدادات محمدية ) وتساءل متهكماً : (وأما الإمدادات المحمدية فلا ندري ماهو مقصود المالكي بها ؟) كذلك هاجم ما أورده السيد المالكي في ( الذخائر) من صيغة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها : (( وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك يا رسول الله إلى ربي عز وجل )) راجع صفحه (75) من حواره .
ونحن نورد له فيما يلي قصه الأعرابي الذي وجد نفسه مذنبا فذهب يستمد مغفرة الله تعالى وغفوه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى وذلك فيما أخرجه أبن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست بحذائه فجاء أعرابي وذكر نحو ما سيأتي بل روى أبو سعيد السمعاني عن علي رضي الله عنه قال قد علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله سبحانه وتعالى ووعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ) الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر أنه قد غفر لك انتهى … ( فبأي حديث بعد يؤمنون ) ؟!!
عقيدتنا في التوسل :
________________________________________
نحن نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة لهم ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا ولو كان هذا التوسل شركا وتوجها إلى غير اله كما يزعمه المنكر فينبيغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حال الحياة أيضا وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب ومستحسن شائع في الدين ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا فما الدليل عليه ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كلياً ولا ليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة غايته أنه لم تكن هذه المسأله كليه .
________________________________________
نعم إن كان الزائر يعتقد أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والإلتجاء إليه كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون وكما يفعلون أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير فذلك مما يمنع ويحذ منه وفعل العوام لا يعتبر قط وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل هذا وإلى هذا التوسل أشار الأمام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني العباس وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم سأل الأمام مالكاً وهو بالمسجد النبوي وقال له :- يا أب عبد الله استقبل القبله وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال مالك :- ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) النساء – وقد ذكره القاضي عياض في ( الشفاء) وساقه بإسناد صحيح وذكره السبكي في ( شفاء السقام ) والسمهودي في ( خلاصة الوفاء ) والعلامة القسطلاني في ( المواهب اللدنيه ) والعلامة ابن حجر في ( تحفة الزوار والجوهر المنظم ) وذكره كثير من أصحاب المناسك في آداب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ( راجع كتاب – طي السجل – للسيد محمد مهدي الرواس الرفاعي ) .
فهل الشيخ ابن منيع والمشايخ في الرئاسة لا يزالون مصرين على ما ورد في الحوار بصفحة (16) من ( أن الاستشفاع والاستجارة به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من أنواع الشرك الأكبر ) نسأل الله السداد في القول ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم .
________________________________________
والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحه التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين كما دلت الأحاديث السابقة لأنا لا نعتقد تأثيرا ولا خلقا ولا إيجادا ولا إعداما ولا نفعا ولا ضرا إلا لله وحده لا شريك له فلا نعتقد تأثيراً ولا نفعا ولا ضرا للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الخلق والإيجاد والتأثير ولا لغيره من الأحياء والأموات فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وكذا بالأولياء والصالحين لا فرق بين كونهم أحياءا أو أمواتا لأنهم لا يخلفون شيئا وليس لهم تأثير في شئ وأنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى والخلق والإيجاد والتأثير لله وحده لا شريك له ( ولأنه تسري بركه المكان على الداعي ) كما ذكر الأمام الشوكاني في كتابه ( تحفه الذاكرين ) بعده الحصن الحصين .
وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات حيث جوزوا بعض التوسلات بالأحياء لا للأموات فهم القريبون من الزلل لأنهم اعتبروا أن الأحياء لهم التأثير دون الأموات مع أنه لا تأثير أيجاد يا لغير الله سبحانه وتعالى على الإطلاق وأما الإفادة وفيض البركات والاستفادة من أرواحهم استفادة اعتيادية وتوجه أرواحهم إلى الله سبحانه وتعالى طالبين فيض الرحمه على ذلك المتوسل فهو شئ جائز وواقع وخال عن كل خلل بدون الفرق بين الأحياء والأموات .
________________________________________
فشبهه المانعين أن كانت من جهة إن الأموات أجساد هامدة جامدة ولا روح ولا أدراك ولا مجال للخطاب معهم فتلك ساقطة من الاعتبار بأن أجساد الأنبياء والرسل لا تبلى وأن حرم على الأرض أن تأكل لحومهم وأن أرواحهم باقية ثابتة، ولها أدراك بأذن الله تعالى ، وهو تعالى يعلمها بصلوات المسلمين وبتوسلات المتةسلين وحسبك في الموضوع خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في كلا صلاة عن التشهد بقولك : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أ . هـ . من ( نور الإسلام ) .
هذا وقد أجاد سماحة الشيخ عبد الكريم المدرس رئيس جمعية علماء بغداد نفع الله تعالى بحياته عندما ذكر في كتاب القيم ( نور الإسلام ) السالف :-
( أنه هناك أمور ينبغي التعرض لها بالزيادة بصيرة المسلمين :-
الأول – أنه هل للأموات أدراك وإطلاع على الزائر وشخصيته وفهم لأحواله ؟
الثاني – هل هناك فائدة تعود على الميت أولاً وعلى الزائر ثانياً ؟
الثالث – أنه هل يجوز للزائر التوسل بهم إلى الله سبحانه لحصول خير أو دفع شر ؟
فنقول أما الأول – فان كان الميت نبيا من الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) فلهم أدراك فقد ثبت أن الانبياء أحياء في قبورهم وان الأرض لا تأكل أجسادهم لما روى النسائي عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء )) عليهم الصلاة والسلام واخرجه بن ماجه في سننه أيضا وروى البيهقي في كتاب الانبياء وصححه من حديث أنس رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال (( الانبياء أحياء في قبورهم يصلون )) وكذلك رواه أبو يعلي والبزار وابن عدي واخرج مسلم في باب فضائل موسى عليه السلام من روايه أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( مررت على موسى ليلة أسرى بي عيد لمزيد البحث والبيهقي في ( حياة الانبياء ).
________________________________________
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض على أعمالكم فان رأيت شرا استغفر لكم )) وذلك العرض كل يوم وقد عد من خصائصه صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من حياة الواردة في هذا الباب مما يدل مجموعها دلالة لا مريه فيها على حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رواه الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد 9/23) .
وكذلك الشهداء فقد ثبت أيضا أنهم أحياء في قبورهم وان كانت حياتهم دون حياة الأنبياء قال تعالى ((وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) سورة البقرة – أية (154) .
والصحيح الذي عليه أكثر الأئمة أن الثواب والعذاب على مجموع الروح والجسد لكن الجسد البرزخي ، لا هذا الجسد المادي المرئي المشهود لأنه ربما يحرق الإنسان فيصير بدنه هباء منبثاً أو يتفتت في القبر ومعنى الجسد البرزخي أنه يخلق الله تعالى لروح المتنعم أو المعذب جداً لطيفاً كجسد الملائكة التي لا فرق فيه بين المحل الكبير والصغير ولا يمنعه مانع من قبوله التنعيم والتعذب وتصور ذلك سهل لمن له المام بالوحي والرسالة ومن تأمل عجائب الملك والملكوت وغرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذه الأشياء فأن للنفس نشأت وهي في كل نشأة منها تشاهد صوراً تقضيها تلك النشأة فكما أنا نشاهد في المنام صوراً لا نشاهدها في اليقظة كذلك نشاهد في حال انخلاعنا عن البدن أموراً لم نكن نشاهدها في الحياة وإلى ذلك يشير قول من قال الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .
فأنا نصدق بأن القبر يوسع على الميت من أهل السعادة بمقدار ما يعلمه الله تعالى وأنه يبقى في النعيم إلى ما شاء الله .
________________________________________
وكذلك نصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت ولكننا لا نشاهد ذلك فان هذه اللعين لا تصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتيه وكل ما يتعلق بالأخره فهو من عالم الملكوت .
قال في موضع آخر من الكتاب :-
وهذا ولا ينافي ذلك قوله تعالى : ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) لقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) فإنه لولا خلق الله للإسماع لم يكن إسماع لأي شخص من أي شخص حتى في لدنيا وفي حال اليقظة ولكن الله يسمعهم وإلا فكيف كان يتكلم صلى الله عليه وسلم مع قتلى بدر الواقعين في القليب وكيف يقول صلى الله عليه وسلم أن الموتى يسمعون قرع نعال المشيعين لهم وكيف كان مجال لتلقين الموتى بعد الدفن ؟
وان كانت شبهتهم من جهة أنه تأثير لما سوى الله تعالى فهي مدفوعة بأن المتوسلين لا يريدون منهم التأثير والإيجاد معاذ الله أن يتصور المسلم صحة شئ مخالف لقواعد الإيمان والإسلام والتوحيد .
وأن كانت الشبهة وقوع بعض ألفاظ غير سليمة من الخلل فهي مدفوعة بتداركها بأدنى عناية حول تربية المسلمين لترك الألفاظ غير السليمة واستعمال ما يناسب مقام العبودية .
وأما منع التوسل مطلقا فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة ومع صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمه وخلفها وجعل التوسل شركا وكفرا معارضة صريحة لقواعد الإسلام فان من قواعده عدم تكفير أي مسلم إلا بعد ثبوت مكفر منه لا يقبل التأويل واضلال للأمه المعصومة من الخطأ فضلا عن الكفر بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) الحديث المعروف المشهور الجلي الذي أدعي بعض المحدثين أنه متواتر ومخاصمة مع قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) إذ كيف تجتمع كلها أو أكثرها على ضلالة ؟ وهي خير أمة أخرجت للناس .
________________________________________
فإذا وقفنا وتوجهنا إلى الضريح الأنور وخاطبناه صلى الله وعليه وسلم فخطابنا معه له أصل في الدين وهو الخطاب معه في تشهدنا لكل صلاة ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم له روح عاليه الدرجات موهوبة من الله سبحانه بفضائل لا يعلمها بصلاة المصلين وخطاب الحاضرين والغائبين .
وإذا توسلنا به صلى الله عليه وسلم على معنى طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم فطلب الدعاء مشروع وروحانيته المنورة لا فرق بين عالم علاقتها المادية الدنيوية وعلاقتها البرزخيه بل والأرواح في البرزخ أصفى منها في عالم الدنيا .
وإذا توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم أي توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم أي حق رعايته للعبودية الخالصة عند الله تعالى بمحض إحسانه ولطفه أو فضل طاعته وأعماله وجهاده في تبليغ الدين المبين فكل ذلك واقع في الروايات الصحيحة كما سمعت منا في أوجه التوسل به صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان القصد الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه الشفيع الأكرم المشفع وشفاعته ثابته لا شك فيها وقبول شفاعته ثابت بفضل الله وهو من خالص كرمه ورحمته تعالى لا حق لأحد في منعه وحجره أو إنكاره .
وما توهم الناس به من أنه اشتراك فهو توهم من تعامي عن حقيقة معنى الإشراك فانه عبارة عن أن يجعل العبد أحدا سوى الله تعالى شريكاً له في الألوهية والربوبية والخلق أي أن ذلك الشريك له نصيب من الصفات المذكورة وأين ذلك من التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم بصفة أنه عبد الله ونبيه ورسوله أكرمه بفضله وجعل له الشفاعة والوسيلة والمقام المحمود ؟
________________________________________
وقياس المسلمين على عباد الأصنام في ما حكاه الله تعالى عنهم من قولهم ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ونحوه ناشئ عن إغماض عن الحق وانحراف عن الواقع ، وتسوية بين الأمة الوثنية والجاهلة الضالة العمياء وبين الأمة المسلمة المؤمنة بالله وحدة لا شريك له ، الناشئة عن الملة الإسلامية الحنيفة المهتدية البيضاء ، التي تمرنت على الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين وخالق كل شئ ومعبود المكلفين . وكيف يتصور بمن أسلم وقرأ القرآن وفهم تعاليمه أن يظن تلك الظنون الفاسدة التى ظنها عباد الأصنام الجاهليون ؟ وكيف يتصور ذلك من العلماء الأعلام الدارسين لمعنى قوله تعالى ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم آله واحد ) ولإنذارات الرسول الكريم لعشيرته بعد نزول قوله تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ؟. ا . هـ .
هذا وقد يكون من المفيد كثيرا أقوال هؤلاء الأعلام : –
قال الإمام أبن الحاج المكي في ( المدخل ) والإمام القسطلاني في المواهب قد قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : ( لا فرق بين موته وحياته صلى الله عليه وسلم في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك جلي عنده لاخفاء به ) ا . هـ .
وقال القاضي ثم القاري ثم المناوي في التيسيير شرح الجامع الصغير الصغير للأمام السيوطي رحمهم الله تعالى : ( النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية أتصلت بالملأ الأعلى ولم يبقى لها حجاب فترى وتسمع الكل كالمشاهد ) . ا هـ .
وفي ,, المنقذ من الضلال ’’ للإمام الغزالي رحمه الله : ( أن أرباب القلوب في يقظتهم قد يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم منهم فوائد ) . ا . هـ .
وقد قال تلميذه الأمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي : ( رؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة ) ( أهل الحق – للمحدث محمد حافظ التيجاني ) .
________________________________________
وقد قرر الأمام الشيخ أبن القيم في كتابه ( الروح ) : أن للأرواح قوة وطاقة وقدرة لا يتصورها البشر ، حتى أن روحاً واحدة عظيمة تؤثر في جيش كامل ) .
الروح بعد مفارقتها للجسد :
والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت ، وتبقى هي مدركة تسمع من يزورها ، وتعرفه ، وترد عليه السلام ، وتحس لذة النعيم ، وألم الجحيم .
قال أبن تيمية رحمه الله تعالى : – (( وقد إستفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا ، وأن ذلك يعرض عليه ، وأنه يرى ويدري ما يفعل عنده ، ويسر بما كان حسناً ، ويتألم بما كان قبيحا )) ؟
وروي عن عائشة رضي الله عنها : بعد أن دفن عمر رضي الله عنه . كانت تستتر وتقول : ,, كان أبي وزوجي ، فأما عمر فأجبي ’’ .. تعني أنه يراها .
((وروى أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم ، فيعرفهم أحوالهم وأنه ولد لفلان ولد وتزوجت فلانة )) أهـ . (العقائد الإسلامية لسيد سابق صفحة 230 ) .
السؤال في القبر :
اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته قبر أم لم يقبر . فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رماداً ، ونسف في الهواء ، أو غرق في البحر لسئل عن أعماله ، وجوزي بالخير خيراً ، وبالشر شراً . وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معاً . وقال أبن القيم رحمه الله تعالى : ـ ( مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه ، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة ، وأنها تتصل بالبدن أحياناً ، ويحصل له معها النعيم أو العذاب ، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد ، وقاموا من قبورهم لرب العالمين ، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى . ) ا . هـ . ( المصدر السابق صفحة 231 )
________________________________________
وفي مسند الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وصحيح أبي حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : ـ أن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم ، حين يولون عنه ، فأن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه ، والصيام عن يمينه والزكاة عن شماله ، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه ، فيؤتي من قبل رأسه فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتي عن يمينه ، فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ثم يؤتي عن يساره ، فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل . ثم يؤتي من قبل رجليه ، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان : ما قبلي مدخل ، فيقال له : اجلس فيجلس ، قد مثلت له الشمس ، وقد أخذت للغروب . فيقال له : هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول دعوني أصلي ، فيقولان : أنك ستصلي ، أخبرنا عما نسألك عنه ؟ أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ وما تشهد عليه ؟ فيقول : محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشهد أنه رسول الله جاء بالحق من عند الله . فيقال له : على ذلك حييت ، وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له هذا مقعدك . وما أعد الله لك فيها ، فيزداد غبطة وسروراً ثم يسح له في قبره سبعون زراعاً . وينور له فيه . ويعاد الجسد لما بدىء منه . وتجعل نسمته في النسم الطيب ، وهي طير معلق في شجر الجنة ، قال : فذلك قول الله تعالى :(( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) نسأل الله سبحانه وتعلى أن يهدي المسلمين بنور العلم السليم إلى الصراط المستقيم بمنه وفضله أنه أرحم الراحمين .
________________________________________
وقلوبنا مملوءة بأمل أن ينتبه المسلم الزكي الزكي المنصف لملاحظة الحقائق ، وتنوير الأمة على ضوئها ، وإرشاد العامة وتأييد الخواص ، فالدين نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وليس من النصيحة اثارة الشكوك والأوهام وتضليل المسلمين من لدن القرون الأولى إلى يومنا . فأنه قد مضت قرون والمسلمون والرشد في قرن كما أنه لا ينبغي ولا يجوز بل يحرم الأقتداء بالحروروية المكفرين فإن رأينا نحن المسلمين أن لا نكفر أحد من أهل القبلة ، إلا بحجة قاطعة على كفره ، كما يجب الاجتناب كل الاجتناب عن الإنحراف ، ويجب علينا الاعتدال والوقوف وسط الطريق بلا إفراط وتفريط ، وإيتاء كل ذي حق حقه ، وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من الرسل وصحابته واتباعه واتباع التابعين صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وعنا ببركاتهم أجمعين . اللهم ارزقنا التصديق والتسليم ولا تجعلنا اللهم من الذين ذممتهم فقلت فيهم ( قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) الممتحنة ـ 13 .
(( الفصل الثامن ))
شبهات صغيرة والرد عليها
سعادة من راه صلى الله علية وسلم
كان الشيخ ابن منيع في ردها لمتهافت على الشيخ السيد محمد علوي المالكي يخبط عشواء ، فبالإضافة إلى تسرعه في السباب والشتيمة وتزيع صفات البدعة والكفر والشرك على خصمه ، غالى في إنكار وجحود جميع ما كتبه السيد وذكره حتى ما كان منه مؤيدا بأحاديث شريفة صحيحة فنراه يهاجم مانقله السيد المالكي في صفحة (54) من الهمزية من قول المحب البوصيري رحمه الله :
ليته خصني برؤية وجه زال عن كل من رآه العناء قائلا ( في صفحة 16 من حواره ):
________________________________________
(( وهذا كذب وباطل وقد رآه في حياته عليه الصلاة والسلام أقوام كثيرون فما زال عنهم عناؤهم ولا كفرهم ) .ا . هـ . والمتتبع لردود الشيخ ابن منيع ومن ساعده من المشايخ في الرئاسة العامة ممن شكرهم في خاتمة كتابه وأثنى عليهم ودعا الله تعالى لهم بالأجر في سبيل الدفاع عن العقيدة في صفحة 199 ـ أنهم ليسوا من ذوي الاطلاع الحسن على السنة وكتب الحديث النبوي الشريف التي هي المصدر الثاني بعد كتاب الله تعالى ، والا فكيف نفسر هذا الحكم القاطع من الشيخ ابن منيع واقرار زملائه واعوانه له فيه مع أن هناك حديثا صحيحا رواه الترمذي في سننه عن سيدنا جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :ـ ( لاتمس النار مسلما راني أو رأى من رأني ) الحديث رقم 3957 من سنن الترمذي ( طبعة القاهرة ) .
ولقد التبس على بعضهم كما التبس على الشيخ ابن منيع كيف يكون ذلك صحيحا مع أن هناك ( أقوام كثيرون رأوه صلى الله عليه وسلم فما زال عناؤهم وكفرهم ) كأبي لهب وأبي جهل والوليد وأبي ابن خلفوغيرهم .. فكان رفع الالتباس عن غشاوة أذهانهم في حقيقة ( أن أولئك إنما نظروا إلى النبي صلى الله علية وسلم في صورة ( يتيم أبي طالب ) لابصورة نبي الله ورسوله وحبيبه ورحمته للعالمين ) وصدق الله تعالى وكفى بقوله تعالى قولا إذ يقول :ـ (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) الأعراف ـ أية 197.
فمن المطالب الآنبالتوبة عن رأيه والاستغفار السيد المالكي أم الشيخ ابن منيع ( اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعة وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله علينا تشابها فنتبع الهوى ) أمين .
أين الاجماع ؟ !
قال الشيخ ابن منيع في حواره : ( لاشك أن علماء التفسير واللغة وأهل العلم مجمعون على أن النور في الآية الكريمة ـ كمشكاة فيها مصباح ـ إلى اخر الآية من سورة النور ـ نور الله تعالى وأن التشبيه تشبيه لنوره تعالىوتقدس ) ص 20.
________________________________________
وقد أوغل في الخطأ وأصدر حكما قاطعا دون الاستناد إلى مايجب من الأدلة الشرعية ونسب لعلماء التفسير واللغة وأهل العلم ما لم يصدر عنهم . والحق أن العلماء والمفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى : ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) سورة النور أية 35.
ففي هذه الآية الكريمة ذكر سبحانه النور ال1ي أظهر به وجود الأكوان والنور الذي أضاء به القلوب بالايمان :
فالأول أشار إليه بقوله تعالى : ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ))
فهو سبحانه الذي أفاض على السموات والأرض وما فيهن نور الوجود فأظهرها من ظلمة العدم الامكاني فإن النور هو ما كان ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره ، وما من ظاهر في الوجود إلا والذي أظهر وجوده هو أظهر وجودا منه ، ولا من نير إلا والذي نوره هو أقوى نورا منه فسبحان من أظهر الظاهرات بعد ماكانت في خفايا الظلمات ، وسبحان
من نور النيرات فأشرق نورها على الكائنات ، وسبحان من تجلى بنور الايجار على الظلمات العدمية فاشرقت بنور الوجود .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يتهجد في الليل قال : (( اللهم ربنا لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت مالك السموات والأرض ومن فيهن )) الحديث.
________________________________________
وجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم : (( أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض واشراقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ـ أن يحل بي سخطك أو أن ينزل علي غضبك ولك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بك )) .
وأما النور الذي أضاء القلوب بالايمان والمعرفة فهو المذكور في قوله تعالى : ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ )) فقد قال أبي بن كعب وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين : إن المعنى مثل نور الله تعالى في قلب عبده المؤمن .
وهذا هو نور الايمان والهداية المذكور في قوله تعالى : ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )) وقال تعالى : (( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ )) الاية . روى ابن أبي حاتم وغيره انه قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : (( نور يقذف في القلب ))
وروى الترمذي وأحمد وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل )) .
فلم يترك سبحانه عباده في ظلمة بل ألقى عليهم من نوره ليعرفوه وليهتدوا بنوره إليه فمن تعرض لذلك النور أصابه فاهتدى ، ومن أعرض عن ذلك النور ضل وتركهم الله في ظلمات لا يبصرون لأنهم أعرضوا وتولوا . ومن البديهي في المحسوسات أن من توجه الى النور أضاء وجهه واستنار ومن أعرض عنه أظلم وجهه وحار .
قال الله تعالى : ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا )). الآية فالكافر يتخبط في الظلمات وأما المؤمن فهو على نور من ربه ويقول الشيخ عبد الله سراج الدين في ( الايمان بعوالم الآخرة ) :ـ
________________________________________
(( وهذا النور الايماني هو المذكور في الحديث الذي رواه أبو يعلي من حديث الفرات بن سليمان قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا يقوم أحدكم فيصلي أربع ركعات ويقول فيهن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( تم نورك فهديت فلك الحمد ، عظم حلمك فغفرت فلك الحمد بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد ))
الحديث كما في الحصن الحصين وشرح المواهب .
وإن أول القلوب وأعظم القلوب إضاءة بهذا النور وأوسع القلوب إشراقا بهذا النور وأكثرها نصيبا من هذا النور هو قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أفاض النور على سائر القلوب والذي أشرق على مرايا القلوب فانعكس فيها ذلك النور الايماني على حسب استعداد ذلك القلب وقابليته .
وقد قال كثير من المفسرين المحققين في قوله تعالى : ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ )) :
إن المراد بالمشكاة هو صدر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة هي قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم والمصباح هو النور الايماني المحمدي صلى الله عليه وسلم السراج المنير للقلوب والعقول والأسماع والابصار والافكار والوجوه والمدارك والأفهام .
وقد سماه الله تعالى بما سمى به شمس الضياء في علياء السماء ولكن وصفه بوصف أكمل وأجمل وأعلى وأسمى من وصف شمس السماء .
قال تعالى في وصف الشمس السمائية (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) . وقال تعالى في وصف الشمس المحمدية ( وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ) وشتان بين الشمس الوهاجة التي يضر وهجها وبين الشمس المنيرة )) ا. هـ .
نعاله صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
في رده على الشيخ السيد محمد علوي المالكي انزلق الشيخ عبد الله بن منيع شطحات واسعة ، دلت على عدم ترويه والتماسه العذر لأخيه فقد هاجم السيد العلوي لأنه أورد شعرا لشاعر محب للنبي صلى الله عليه وسلم يمدح نعله الشريفة ( ص16) ولا أدري هل يجهل المعترض أن سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ـ الذي كثيرا ما تترس ببعض أقواله في مهاجمة البدعة ـ يحمل في كتب الصحاح والسنة للشريفة أنه ( كان صاحب النعال والمشط والمكحلة والادواة ) وهو ابريق وضوئه صلى الله عليه وسلم كما أورد ذلك الامام البخاري وغيره ، إذ كان يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعليه إذا أراد الخروج ، ويخلعها من قدميه إذا هم بالدخول ويحمل له عصاه وسواكه وقد قال المرحوم الشيخ يوسف النبهاني شعرا :
ونعل خضعنا هيبة لوقارها * فإنا متى نخضع لهيبتها نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنها * حقيقتها تاج وصورتها نعل
رحمك الله يا ابن أم عبد فقد علمتنا درسا في أن الاتباع وحده ليس كل شيء بل لابد معه من المحبة لأنه قد يتعبك من لا يحبك ويهواك خوفا أو طعما اللهم فاجعلنا من المحبين المتبعين فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) متفق عليه .
________________________________________
وقد حفلت كتب الصحاح والسيرة بالأحاديث الصحيحة المتواترة عن تبرك الصابة والتابعين رضوان الله عليهم بآثاره الشريفة صلى الله عليه وسلم من شعره ووضوئه خير بصاقه الشريف كما نقل ذلك الأمام ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد في هدي خير العباد ) وغيره . فهل بعد ذلك يهاجم السيد العلوي ويعاب هو أو غيره من المحبين إذا تشبهوا بالسلف الصالح ؟ وهل كان الشيخ ابن منيع يستنكف لو أتيح له ما شرف به الصحابي الجليل ابن مسعود من حمل نعله الشريفة صلى الله عليه واله وسلم حتى روي أنه كان ( يضعها في كمه ) وإذا كان الحنابلة وغيرهم من فقهاء أهل السنة والجماعة أجازوا تقبيل غلاف المصحف لأنه تشرف بمجاورة المصحف الشريف فهل يعد ( شركا وكفرا ) أم ( محبة وتبركا ) أن يقبل المحب شباك قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الشباك تشرف بمجاورة الضريح الشريف الطاهر ؟
هذا والملاحظ أن الشيخ ابن منيع ومن شاركه في أعداد وطبع هجومه وتهجمه على السيد الشيخ المالكي ، قليلو البضاعة العلمية وقليلو المطالعة فى كتب التراث الإسلامي الواسع العميم عدا مطالعتهم فقط لكتب الشيخين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى ، والا لعلموا أن الكثير من العلماء قد اهتموا وألفوا في موضوع نعله الشريف صلى الله عليه وسلم ، لأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم اعتناء العلماء بنعله واهتمامهم بالبحث الدقيق والدراسة العميقة عن صفتها ومثالها ولونها وجنسها وعددها وحاملها ومدحها والثناء عليها والتفنن في ذلك شعرا ونثرا .
وقد اجتهد في تحقيق مثال نعله صلى الله عليه وسلم بالبحث في كتب السير أئمة فحول من الحفاظ وكبار المحدثين . فمنهم ابن العربي وابن عساكر وابن مرزوق والفارقي والسيوطي والسخاوي والتتائي والعراقي .
________________________________________
وامتدح النعل كثير من الأدباء المجيجين . فمنهم أبو الحسن ابن سعد البلانسي وأبو أمية إسماعيل بن سعد السعود بن عفير وشرف الدين عيسى بن سليمان الطنوبي المصري وأبو الحكم بن المرحل السبتي والحافظ أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي البلانسي والحافظ أبو الربيع سليمان الطلاعي وعلي أبو الحسن الرعيني وعلي أبو الحسن بن أحمد الخزرجي والامام أبو الخير محمد بن محمد الجزري والحافظ أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري السبتي والعلامة أحمد المقري ولهم في ذلك القصائد الطويلة المشتملة على عظيم الثناء والتوسل والتبرك بمثال نعله صلى الله عليه وسلم وليس المقصود النعال وإنما مقصود هم بذلك من لبس النعال وما المثال المكرم إلا وسيلة للقدم التي خص الله بأكمل الأوصاف صاحبها صلى الله عليه وسلم .
وما حب النعال شغفن قلبي * ولكن حب من لبس النعال
ويرحم الله الشيخ الفاكهاني الاسكندري المالكي إذ قال حين أبصر مثال النعل النبوي:
ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد ؟ أم الدنيا وما في زواياها ؟
لقال : غبار من تراب نعالها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها
________________________________________
هذا وقد ألف بعضهم رسائل خاصة في هذا الموضوع 000 ومنهم الأمام العلامة الشهاب أحمد المقري الذي ألف رسالة في ذلك وسماها ( فتح المتعال في مدح النعال ) وليس آخرهم علامة الهند الشهير الشيخ أشرف علي التهانوي الملقب بـ ( حكيم الأمة ) من كبار علماء ( جامعة ديوبند ) الإسلامية الشهيرة في الهند حيث ألف رسالة سماها ( نيل الشفا بنعل المصطفى ) وقد نقل القسطلاني والمقري عن العلماء تجارب في حصول كثير من البركة من جراء مسك وحمل مثال نعاله الشريف ( يراجع شرح المواهب للزرقاني على المواهب للقسطلاني ـ الجزء الخامس صفحة 48 طبع دار المعرفة ببيروت ) 000وقد أطنب العلامة المقري في كتابه ( فتح المتعال ) المشار إليه سابقا في تحديد الصفة المعتمدة والمثال المرجح لنعال الحبيب صلى الله تعالى علية واله وسلم وقال عن المثال الذي رجحه ( وهو معتمد ابن العربى وابن عساكر وابن نرزوق والفارقي والسيوطي والسخاوي والتتائي وغير واحد من الشيوخ ) وذكر اسانيدهم واسانيده ( في ان نعله صلى الله عليه وسلم كانت عند السيدة عائشة رضي الله عنها ثم لم تزل تنتقل وتحدى عليها نعال وعلى ما حذي عليها من النعال نعال اخرى ثم وثم الى ان رسم مثالها الشيوخ على الورق ونقلوه بالاسانيد حتى ألف فيه جماعة منهم ابو اليمن بن عساكر ورسمه في كتابه ا . هـ . ثم روي كتابه بالاسانيد وقري بالضبط حتى وصل الى المقري فرسمه في فتح المتعال من نسخة ابن عساكر المعتمدة التي عليها خطوط العلماء والحفاظ كالسيوطي والسخاوي الديلمي رحمهم الله . وممن اهتم بذلك وكتب عنه من المتأخرين العلامة الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله تعالى وأورد فيما كتب ( قال المناوي والقاري في شرح الشمائل قال ابن العربي والنعل لباس الأنبياء وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين . كما ذكر أن من أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة ( صاحب النعلين ) لأن لباس النعال عادة العرب .
________________________________________
وقد صح أن نعله صلى الله عليه وسلم كانت مخصوفه أي طاقاً على طاق ليس فيها شعر ولها قبالان والقبال زمام النعل فكان صلى الله عليه وسلم يضع أحد الزمامين بين إبهام رجله والتي تليها والأخر بين الوسطى والتي تليها ويجمعها إلى السير الذي بظهر قدمه وهو الشراك وكان مثنى من سيرين وكانت من جلود البقره مخصره أي لها خصر ملسنه أي على هيئة اللسان معقبه أي لها عقب من سيور تضم به الرجل وقال بعض الحفاظ كانت صفراء ولبس الخفين ومسح عليهما صلى الله عليه وسلم ) أ . هـ .
وبعد ذلك فليقل الشيخ ابن منيع ما يشاء
ليلة المولد وليلة القدر
ذكر الحافظ الشيخ القسطلاني في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم مسألة المقارنه بين ليلة القدر وليلة المولد وقد أخطأ بعض الناس في فهم المراد من ذلك فظن أن هذا معناه المقارنة بين ليلة القدر وليلة المولد النبوي المتكررة في كل عام كما فعل الشيخ ابن منيع في الصفحة (15) من حواره وهجومه على السيد المالكي وهذا الفهم غير وارد أصلا … لأن المقصود بذلك ( هو ليلة المولد النبوي الحقيقة ) التي كانت قبل ليلة القدر بعشرات السنني وهي قد مضت وانقضت وانتهت … وهذا القول مبني على أن ليلة القدر كانت بطلب من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى قصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار الأمم السابقة فأكرمه الله تعالى بهذه الليلة وتفضل عليه وعلى الأمة بها بطلبه ومراجعته فصارت ليلة مولده هي أم الليالي وبسببها كان كل خير وفضل .
قال الشيخ الأمام القسطلاني في كتابه المواهب فان قلت :
إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلاً فأيهما أفضل ليلة القدر أو ليلة مولده صلى الله عليه وسلم .
أجيب بأن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:-
________________________________________
أحدها : أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم وليلة القدر معطاه له وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه ولا نزاع في ذلك فكانت ليلة المولد بهذا الاعتبار أفضل .
الثاني : أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم فيها ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليله القدر على الأصح المرتضى فتكون ليلة المولد أفضل .
الثالث : أن ليلة القدر وقع التفضل فيها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين فعمت به النعمه على جميع الخلائق فكانت ليلة المولد أعم نفعاً ( أ . هـ ) وهذا اجتهاد من القائل منسوب إليه ومحسوب عليه لم يقل فيه قال الله ولا قال رسول الله وإنما اجتهد برأيه وعلل ذلك بحيثيات متعددة وأستند فيه إلى ما يبرر رأيه وهذا يحتمل الخطأ والصواب والصحه والبطلان ولا أكثر من ذلك ونحن نعتقد اعتقاداً جازما لا شك فيه ولا ريب أن ليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق لقوله تعالى : ( ” إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ” ) .
إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم أرض الجنة لمن يستحق ذلك
ذكر بعض أهل العلم في خصائص النبي صلى اله عليه وسلم أنه له أن يقطع أرض الجنة لمن يستحقها من أهل التوحيد وممن ذكر ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي والقسطلاني والزرقاني .
________________________________________
قال المواهب وشرحه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع الأراضي قبل فتحها ولد أفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأرض بالشام وقال أنه صلى الله عليه وسلم يقطع أرض الجنة ما شاء منها لمن شاء فأرض الدنيا أولى ونقله عن الغزالي ابن العربي في القانون وأقره وأفتى به السبكي أيضا كذا في المواهب للقسطلاني وشرحه للزرقاني ( ج – 5 – ص 242) .
(أقول) هذا الأقطاع لأرض الجنة في الحقيقة لا يخرج عن حد معنى البشاره بالجنه فلا فرق بين البشارة بالجنه لشخص معين وبين البشارة بشيء معين كأرض أو قصر أو غرقه أو خيمه لشخص معين بل قد جاءت شواد كثيرة في هذا السنة فقد بشر صلى الله عليه وسلم كثيراً بالمغفرة وبشر كثيراً بدخول وببيت في الجنه وشجر في الجنة أما من غير تعيين الأشخاص فقد جاءت البشارات بذلك في كثير من الأحاديث بأن من فعل كذا بني الله له قصرا في الجنه ومن فعل كذا كان له كذا في الجنه ومن فعل كذا كان له من الحور العين كذا إلى آخر تلك البشارات التي وراها العلماء في الترغيب والترهيب للمنذري ورياض الصالحين للنووي وحادي الأرواح لابن القيم وحادي الأنام للملا .
ومعلوم أن أي شيء من هذا النوع أنما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التكريم والتقدير لبيان فضله ومقامه عند ربه وإلا فإنه مبلغ عن الله ومخبر عن مولاه بما كتبه وقضاه ومبشر بذلك الذي أذن بأرض فيها أو يقصر فيها أو ببيت فيها وهو المسمى ( بالإقطاع ) فانما يخبر عن حق ويتكلم عن صدق ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) .
________________________________________
فلو قال قائل صلى الله عليه وسلم له أن يبشر بالمغفرة أو بالجنة أو بقصر فيها فهل يشك مسلم في أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدم على هذا الأمر إلا بعلم يقتني عن وحي أو الهام أو رؤيا ؟ وهو يتصور أن يكون المقصود من هذا الأمر هو التصرف الذاتي المشارك لتصرف الله سبحانه وتعالى في المنع والإعطاء والنفع والضر ؟ حاشا وكلا أنه لا يوجد بين جهلة المسلمين من يعتقد ذلك ونحن نبرأ إلى الله منه خصوصاً أن قائل ذلك الكلام ( أعني الإقطاع في الجنة ) مؤمن موحد بالله يعرف أن محمد رسول الله بشر وأنه عبد الله ورسوله وأنه لا يملك من خصائص الربوبيه شيئاً وأنه لا يتصرف إلا بأذن الله ( أنما أنا قاسم والله معط ) .
هذا وقد جاء في الحديث الشريف ما يدل على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بهذه الضمانه في الإقطاع بقوله ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنه لمن ترك المراء وأن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وان كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) رواه أبو داود في باب حسن الخلق .
وقد جاء في الحديث أن الربيع – عمه أنس بن مالك كسرت ثنيه جاريه من الانصار فأتوا النبي الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أنس ! كتاب القصاص ) فرضى القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) متفق عليه ( مشكاة المصابيح ج 2 ص 1030) .
________________________________________
فهذا الصحابي الجليل أقسم على ما لا يدري وما حق له فيه وما لا علم له فيه والله سبحانه وتعالى أكرمه فحقق ظنه وبلغه أمله ولم يحنثه ولم يخيبه وأبر قسمه فيما حلف عليه . فهل ترى أن ذلك لا يكون لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيما لو أقدم علىشيء من أمور الدنيا أو الأخرة اعتمادا على عظيم رجائه في الله وكبير ظنه في مولاه … خصوصا وأن الله يقول (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) إن هذا ليس بكبير ولا كثير على صاحب المقام المحمود الذي يقول الله سبحانه وتعالى له : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) والذي يقول له كما جاء في صحيح مسلم ( أنا لن نخزيك في أمتك أبداً ) .
وفي الحديث : ( أنما أنا قاسم والله معط ) فبين صلى الله عليه وسلم أنه يقسم بين عباد الله والله تعالى يجيز تقسيمه ذلك ويوافق على عطائه ولا يخزنه فيما فعل ولا يخيبه لكرامته عنده لأنه لا يتحرك ولا يخطر على باله وهواه إلا ما يرضي مولاه وإذا كان الإيمان لا يكون كاملاً في المؤمن إلا إذا كان هواه تابعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بهواه هو صلى الله عليه وسلم ونحن نرى أن الكلام في هذه المسألة يدور بين الصواب والخطأ للاختلاف في ثبوت النص بعينه على المسألة ولا صله للإيمان والكفر بهذا البحث وأمثاله .
نسأل الله أن يعرفنا مقام هذا النبي الكريم …
مقاليد السموات والأرض
وهي من الخصائص التي اشتبهت على بعض الناس فنظر إليها من زاوية الألوهية فقط دون ملاحظة لمعانيها المتعددة كما فعل الشيخ أبن منيع في صفحة (9) وصفحة (19) وصفحة (22) من الحوار ) .
________________________________________
وأننا نعتقد اعتقاداً جازما لا شك فيه ولا ريب بأن مقاليد السموات والأرض هي سبحانه وتعالى والآية صريحة في ذلك بقوله ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فالضمير في قوله (( له )) يعود إلى الله سبحانه وتعالى لا شك فيه ولا ريب .فمقاليد السموات والأرض أن كانت بمعنى ( نه تعالى خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وهي كلها تحت تدبيره وقهره وكلاءته ) أقول : أن كانت المقاليد بهذا المعنى ( فهي خاصة بالله سبحانه وتعالى لا شريك له في ذلك ) وإن كانت بمعنى المفاتيح أي مفاتيح الخزائن فلا مانع أن يتفضل بها الله على من يشاء من عباده ويكرمه بها … وقد جاء تفسيرها بهذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن كما ذكره الطبري والقرطبي في التفسير .
ويشهد لهذا ما جاء في الحديث الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أوتيت مفاتيح خزائن الأرض ) وما جاء أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان والضياء المقدسي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بمقاليد الدنيا ) ورجاله رجال الصحيح وبذلك يسقط توهين ( ابن منيع ) عن ( ابن الجوزي) له فإن الأخير أورد في ( الموضوعات ) الضعيف بل الحسن والصحيح .
ويشهد له أيضا ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني رأيت في غداتي هذه كأني أوتيت بالمقاليد والموازين ) رواه ابن مردويه عن ابن عمر وذكر السيوطي في الدر المنثور .
وقد جاء عن عثمان رضى الله عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال : ( هي : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ) أخرجه بو يعلي ويوسف القاضي وأبو الحسن القطان وابن سني في عمل اليوم والليلة وذكره ابن كثير وحكم بغرابته ونكارته .
________________________________________
وجاء عن علي أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليه فقال : ( يا علي ، لقد سألت عن عظيم المقاليد أن يقول عشرا إذا أصبحت وعشراً إذا أمسيت : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ) ( تفسير القوطي ج 15/275والدر المنثور للسيوطي ج 5/333 وتفسيره ابن كثير سوره الشورى ) .
فمقاليد السموات والأرض بهذا المعنى قد أعطاها الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بل وأمثالها معها كما جاءت النصوص الداله على ذلك ومهما كانت درجاته فالقضية لا تنازع الربوبية في شئ والله سبحانه تعالى أكبر من ذلك وأجل وأعلى وأعز .. والمر واضح .
وقد جاء في الحديث ( أن مواضيع سوط في الجنه هو خير من الدنيا وما فيها ) وهذا يشمل السموات والأرض فإذا كان هذا سوط واحد من أتباع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكيف به عليه الصلاة وماذا تكون مقاليد السموات والأرض في جانب ماله من الفضل والمقام ؟!!
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن آخر أهل النار دخولاً الجنه ( أن الله يعطيه مثل الدنيا وعشرة أمثالها ومثله ومثله ) ثم يقول صلى الله عليه وسلم : ( ذلك أدنى أهل الجنة منزله ) .
فلماذا إذن سوء الظن واعتبار الأمر جداخلاً في البدع والخرافات والدعوه إلى الضلال والوثنية ) وأنه من الشركيات والضالات والمنكرات ) كما جاء في الكثير من صفحات الهجوم على السيد المالكي ؟
( القبر الشريف والكعبه المشرفة )
هاجم الشيخ ابن منيع السيد الشيخ المالكي لأنه قال (( إن زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم من كمال الحج وأنه ذكر عشر كرامات لزائر قبره الشريف )) ولنا على المهاجم التعقيب التالي :-
ذكر القاضي عياض في كتاب الشفاء أفضليه قبره صلى الله عليه وسلم على سائر بقاع الأرض .
________________________________________
فقال ( ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ) أ هـ الشفا ووافق على ذلك شارح الشفا الشيخ الخفاجي فقال : (بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله ) أ هـ من نسيم الرياض ج (3) ص (531) ) ونقل عن ابن عبد السلام مثل ذلك
رأي ابن تيميه :
أما الشيخ ابن تيميه فانه لم يوافق على هذا التفضيل ولكنه نقل ذلك عن عيا ولم يرد عليه بأكثر من أن قال أنه لم يوافقه أحد عليه وهذا نص كلامه في الفتاوي .
وسئل أيضا ( الفتاوي ج (27) ص (38) ) .
عن رجلين تجادلا فقال أحدهما : أن تربة محمد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من السموات والأرض وقال الخر الكعبة أفضل فمع من الصواب ؟
فأجاب : ( الحمد لله أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم فما خلق الله خلقاً أكرم عليه منه وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام بل الكعبه أفضل منه ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد عليه … والله أعلم ) .
رأي ابن القيم :
أما الشيخ الأمام ابن القيم فقد فتوى عن ابن عقيل من كبار أئمة الحنابله ولم يعلق عليها بشئ ولم يرددها فدل على أنه موافق عليها … وهذا نص كلامه :
( فائدة : قال ابن عقيل سألني سائل أيهما حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة أفضل وان أردت وهو فيها فلا والله لا العرش وحملته ولا جنه عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسد لو وزن بالكونين لرجح ) أ هـ بدائع الفوائد ج (3) ص (135) .
ابن القيم وفضل آل البيت
________________________________________
في كتابه ( الذخائر النبوية ) نقل السيد الشيخ محمد علوي المالكي عن الشيخ ابن القيم كلامه عن خصائص آل البيت النبوي ولم يقل أبدا أن مراده بذلك آل البيت المحمدي الذين هم ذريه نبيا محمد صلى الله عليه وسلم ومن زعم أن في ذلك إيهاما فقد أخطأ لأن الكلام الذي نقله يتضمن كلمات تدل بصراحة على المراد وتنفي الإيهام المزعوم والدليل على ذلك قوله في صفحة (286) : –
( وهذه الخصائص واضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت فلهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطلب له من الله أن يبارك عليه وعلى آله كما بارك على هذا البيت المعظم صلوات الله عليهم أجمعين ..
ومن بركاته أن الله أعطاهم من الخصائص ما لم يعط غيرهم فمنهم من اتخذه خليلاً ) (انتهى) .
فان أجهل طالب علم عندنا إذا قرأ هذه الجملة يعرف من هم آل البيت الذين أراد وأورد كلام ابن القيم في حقهم .
ويكفي في فضل آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحديث الذي أورده الشيخ ابن القيم في جلاء الإفهام ( ص 138) عن الأمام مسلم صاحب الصحيح بسنده إلى زيد بن أرقم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( وانا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله في أهل بيتي ) إلى أخر الحديث ( أ . هـ ) والحديث الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم عن زيد بن أرقم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أني تارك فيكم ماأن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) .
ثم قال ابن القيم : ( فأله صلى الله صلى عليه وآله وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقه ومنها أنهم لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة وإسحاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه صلى الله عليه وآله وسلم . فكذلك الصلاة على آله ) أ . هـ
________________________________________
ثم قال ابن القيم : ( فآله صلى الله عليه وآله وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقة ومنها أنهم لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض اقاربه صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك الصلاة على آله ) أ . هـ
وقد قال الشيخ ابن تيتميه في ((رسالة العقيدة الواسطية )) وهو يذكر عقيده أهل السنة ويتبرأ من طريقه الروافض الذين يبغصون الصحابه ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقوله أو عمل :-
قال : (( ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال في يوم غدير خم اذكركم الله في أهل بيتي وقال أيضا للعباس عمه وقد شكا إليه أن بعض قريش تجفو بني هاشم فقال والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي ……
وقال أن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانه واصطفى من بني قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) أ . هـ
وقال في كتابه (( الإقتضاء )) صفحة (71) :-
( أن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم ورومهم وفرسهم وغيرهم وان قريشا أفضل العرب وان بني هاشم أفضل قريش وان بني هاشم أفضل قريش وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا ونسبا) أ . هـ
وقال في (( الاقتضاء )) صفحة (73) :-
( روى الترمذي عن المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله مغضبا وانا عنده فقال : ما أغضبك ؟ فقال : يا رسول الله مالنا ولقريش إذا تلاقوا بوجوه مبشرة وإذا لقونا بغير ذلك قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحمر وجهه ثم قال : والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله الخ …..
________________________________________
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال وروى أحمد في المسند مثل هذا عن المطلب بن ربيعه قال : دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم فقال : يارسول الله أنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ ايمان حتى يحبكم لله ولقرابتي قال ابن تيميه والحجه قائمة بالحديث ) أ . هـ
فليعلم ذلك الشيخ ابن منيع الذي أوهم قراءه في صفحة (17) من حواره أن تمجيد ومحبة آل البيت الكرام ( هو مذهب الرافضه الأثنى عشريه ) وليتق الله ثم يستغفره ويتوب إليه هو وكل من رضى بقوله … وكل من أراد أن يوهم الناس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أهل له ولا آل فعلق على قبره الشريف مدلسا قوله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) وقد نزلت هذه الآيه كما يعلمون في نفي التبني ولم تنزل لتنفي أن له صلى الله عليه وسلم آل بيت كرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم .
عرض الأعمال على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
في صفحه (15) من حواره أنكر الشيخ ابن منيع على الشيخ السيد المالكي أنه صلى الله عليه وسلم ( تعرض عليه الأعمال ) أي أعمال أمته ولدينا في الرد عليه الأدلة الشرعية الآتيه :
قال الله تعالى : ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )) .
________________________________________
وجاء في الأحاديث النبوية ما يدل على أن أعمال المؤمنين تعرض على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم )) وقد قال الشيخ عبد الله سراج الدين في شرح هذا الحديث في كتابه ( الأيمان بعوالم الأخرة )
فأعمال المؤمنين تعرض عليه صلى الله عليه وسلم والحكمة في ذلك كما بين صلى الله عليه وسلم هي أن ما كان من أعمالهم خيرا حمد الله تعالى وفرح بها وباهي بها في ذلك العالم وما كان غير ذلك من هنات وسيئات استغفر الله لهم ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما جاء في حديث الحوض حيث قال صلى الله عليه وسلم ( وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني فأقول : أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي )) كما في الصحيحين فإن هذا محمول على المرتدين الذين ارتدوا بعده صلى الله عليه وسلم عن دينهم بدليل قوله : (( سحقاً لمن بدل من بعدي ) وذلك أنهم كفروا بعده صلى الله عليه وسلم واعمال الكفار من أمته لا تعرض عليه إذ لا فائدة لعرضها لأن الحكمة في هذا العرض فرحه ومباهاته بأعمالهم الصالحه واستغفاره لأعمالهم السيئة ويدلك على هذا قول عائشة رضى الله عنها كما في البخاري : (( إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم )) فقل : (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .
ومن جمله ما يعرض عليه صلى الله عليه وسلم ويسر ويفرح به صلوات المصلين عليه صلى الله عليه وسلم .
ومن جمله ما يعرض عليه صلى الله عليه وسلم ويسر ويفرح به صلوات المصلين عليه صلى الله عليه وسلم
________________________________________
روى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أكثروا على من الصلاة كل يوم جمعه فأنه مشهود تشهد الملائكة وإن أحداً لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها )) قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )) قال الحافظ المنذري رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه وابن حبان في صحيحة والحاكم وصححه .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( حيثما كنتم فصلوا على فإن صلاتكم تبلغني )) (( 1 قال المنذري رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن أ . هـ) وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من صلى علي بلغتني صلاته وصليت عليه وكتب له سوى ذلك عشر حسنات )) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به (2 راجع ( الترعيب ) للمنذري ) .
وقد أخرج البراز في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض على أعمالكم فما وجدت من خير حمدت الله وان وجدت شراً استغفرت الله لكم ) صححه الحافظ العراقي في (( طرح التثريب )) وصححه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وصححه الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى ونص الزرقاني في شرح المواهب اللدنية على أن إسناده جيد ونص كل من الشهاب الخفاجي وملا على قاري في شرح الشفا على أن إسناده صحيح ولا يعارضه حديث الحوض فأن أعمال أمته الإسلامية هي التي تعرض عليه أما من حيل بينهم وبين الشرب وأخذوا إلى جهة النار فهم من المرتدين أو المنافقين أو المصرين على الكبائر .
________________________________________
وهذا الحديث متواتر تواترا معنوياً لورود معناه من حديث جماعة من الصحابة يبلغ عددهم حد التواتر وهم : (1) عبد الله بن مسعود ولحديثه طرق تزيد على الخمسة (2) وأنس بن مالك ولحديثة طرق تزيد على الستة . (3) وأبو هريرة ولحديثة طرق تزيد على العشرة . (4) وعمار أبن ياسر . (5) وأبو أمامه . (6) وعلي بن أبي طالب . (7) وأبنه الحسن . (8) وابن عباس . (9) وأبو بكر الصديق . (10) وأوس بن أوس الثقفي . (11) وأبو الدرداء . (12) وأبو مسعود البدري الأنصاري . (13) وعمر بن الخطاب . (14) وابنه عبد الله بن عمر .
وروى كذلك مرسلا عن جماعة من التابعين منهم (1) بكر أبن عبد الله المزني . (2) والحسن البصري . (3) وخالد ابن معدان . (4) وابن شهاب الزهري . (5) ويزيد الرقاشي . (6) وأيوب السختياني .
وفي الباب آخرون كثيرون غير المذكورين من الصحابة والتابعين وهذا القدر كاف في أثبات التوتر المعنوي على الأقل خصوصا على رأي من يثبت التواتر الفعلي بسبعة أو عشرة وهو الذي رجحه الحافظ السيوطي وغيره .
وبذلك ثبت أن حديث عرض الأعمال هذا متواتر على جميع الاصطلاحات لوجود ما يزيد على العشرين في كل طبقة من طبقات رواته وقد تقرر في كتب الأصول والفقه والكلام أن منكر التواتر بعد قيام الحجه عليه يكفر .
وروى إسماعيل القاضي في ( فضل الصلاة على النبي ) عن ابن مسعود رضى الله عنه قوله ? إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ) .
يقول المتنطعون كذبا وزورا : هذا الحديث وان اشتهر على السنة كبار الناس وصغارهم فقد خلت منه جميع كتب السنة
ويقولون : ومع هذا فان الذي رواه وقفه على ( بكر ابن عبد الله المزني ) وهو تابعي مشهور ومع ذلك لم يذكر فيه الصحابي أحد من رواه السنة لا في صحيح الكتب ولا في ضعيفها وهو منقطع لا يصلح للاحتجاج به .
________________________________________
وقد كتب المحدث الثبت الشيخ عبد الله الصديق ما ملخصه : ( في كتاب قضايا الوسيلة ) :
أقول : والحديث المذكور حديث صحيح ولا مطعن فيه ولا مغمز ورد من حديث ابن مسعود وأنس بن مالك ومن مرسل بكر بن عبد الله المزني .
أما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فخرجه البزار في مسنده قال حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي دؤاد عن سفيان عن عبد الله ابن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن آمتي السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ففففما فففرأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) قال البزار لا نعلي عن عبد الله إلا بهذا الإسناد ( أ . هـ ) .
قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من ( كطرح التثريب في شرح التقريب اناد جيد وقال الحافظ الهيثم في (( مجمع الزوائد )) والمحدث القسطلاني في ((شرح البخاري )) رجال اسناده رجال الصحيح وقال الحافظ السيوطي في كتاب المعجزات والخصائص )) اسناده صحيح وكذا قال علي القاري والشهاب الخفاجي وفي أول شرحيهما على ((الشفا )) .
واما حديث أنس فرواه الحرث بن أبي أسامه في مسنده وابن عدي في (( الكامل )) من طريق خراش عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فأن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت غير ذلك استغفرت لكم )
________________________________________
قال الحافظ العراقي في (( المغني )) إسناده ضعيف لضعف خراش أهقلت لكن له طريق آخر قال الحافظ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم اليورنارتي الأصبهاني في معجمه سمعت الشريف واضح بن أبي تمام الزينبي يقول : سمعت أبا علي بن تومه يقول اجتمع قوم يقول اجتمع قوم من الغرباء عند أبي حفص بن شاهين فسألوه أن يحدثهم أعلى حديث عنده فقال لأحدثنكم حديثا من عوالي ما عندي حدثنا عبد الله ابن محمد البغوي حدثنا شيبان بن فروخ الأيلي حدثنا نافع أبو هرمز السجساني سمعت أنس بن مالك يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (حياتي خير لكم ) الحديث .
وأخرجه ابن النجار في تاريخ بغداد عن معمر بن محمد الأصبهاني عن الحافظ أبي نصر اليونارتي به وهذا إسناد ضعيف أيضا لا تفاقهم على ضعيف أبي هرمز ( ولكنه مجبور )
وعن أنس حديث أخر أخرجه أبو نعيم في (( الحلية )) قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أحمد بن عيسى ابن ماهان الرازي حدثنا محمد بن مصفي حدثنا عباد كثير عن عمران وهو القصير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن أعمال أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة واشتد غضب الله على الزناة ) .
وأما مرسل بكر بن عبد الله المزني فأخرجه الحرث ابن أبي أسامة في مسندة قال حدثنا الحسن بن قتيبه حدثنا جسر بن فرقد عن بكر بن عبد الله المزني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله وما كان من سيء استغفرت الله لكم ) إسناده ضعيف ، لضعف الحسن بن قتيبه ( وهو مجبور بالمتابعات والشواهد وغيرها ) .
________________________________________
لكن خرجه إسماعيل القاضي المالكي من طريق آخر فقال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح صححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وقال أيضا حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سلمه عن كثير أبي الفضل عن بكر بن عبد الله به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح أيضاً .
وفي الباب عن سعيد الشامي والد عبد العزيز قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله وتعرض على الأنبياء وعلى الأباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوهم بياضا وإشراقا فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم ) رواه الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) من طريق عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد الشامي عن أبيه عن جده وكانت له صحبه وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الغفور وعن مجتهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنكم تعرضون على بأسمائكم ومسماكم فأحنوا الصلاة علي ) أخرجه عبد الرزاق .
________________________________________
وبالجملة فالحديث صحيح لا مطعن فيه ( 1 وذلك أنه كلما وجد سند ضعيف وجد بجواره سند صحيح وجاء الضعيف من طريق أخر يرفعه إلى رتبه الحسن المأخوذ عند العلماء أجمعين خصوصاً بعد ثبوت اعتضاده بما بابه ومعناه وبهذا ذهب ضعف الباب مرفوعا ومرسلا ومعتضدا ) وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من شيء وقبيح وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم قال ابن المبارك أخبرنا رجل الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ( ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي صلى اله عليه وسلم أمته غدوة وعشيا فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ويقول الله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أ . هـ
وقال القرطبي في التذكرة ( باب ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ) ثم أورد أثر سعيد بن المسيب السابق ثم قال : قد تقدم الأعمال تعرض على الله كل يوم أثنين وخميس وأنها تعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة قال ولا تعارض فأنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . ( أ . هـ)
وروى الطبراني باسناد ضعيف عن ابن عباس قال لما نزلت ( يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهدا) وقد كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن فقال : (انطلقا فبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا ) فأنه قد أنزل علي : ( يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهداً على أمتك ومبشرا بالجنة ونذيرا من النار وداعيا إلى شهادة إلا إله إلا الله بأذنه وسراجا منيرا بالقرآن ) فالقرآن كما ترى يؤيد حديث عرض الأعمال ويعضده .
________________________________________
فأن قيل قد أخبر الله تعالى عن هذه الأمة أنها تشهد على غيرها ولم يرد في حديث ولا أثر أن أعمال الأمم تعرض عليها فالجواب من وجهين :-
الأول : أن عرض الأعمال مما خص به نبينا عليه الصلاة والسلام كما خص في قبره بحياة أكمل من حياة الشهداء وبأن جسده لا يبلي .
الثاني : أنه ورد في الصحيحين أن هذه الأمة تشهد على أخبار نبيها وكلامه وذلك أنها إذا شهدت بأن الأنبياء بلغوا اممهم فيقال وما عليكم ؟ فتقول أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه وهكذا صح في الحديث وهو واضح لا خفاء به .
فان قيل : فما تقول فيما رواه الطبراني وغيره عن محمد ابن فضالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قارئاً يقرأ ، فلما بلغ قوله تعالى : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) الآية بكى حتى اضطرب لحياه وقال : (أي رب شهدت على من أنا بين ظهر أنيه فكيف بمن لم أر ) فربما يفهم بعض الجهلة من هذا أنه ينفي عرض الأعمال قلت هذا الحديث مؤيد لعرض الأعمال لا ناف له بل هو أحد الأسباب التي لأجلها أكرم الله نبيه بهذه الخصوصية حتى تكون شهادة على أمته عن مشاهدة وعيان كما أكرمه بعرض أمته مع الأمم الأخرى عليه وهو في المدينة كما ثبت في الصحيحين .
أما أن الحديث خلت منه جميع كتب السنة كطبقات ابن سعد ومسند البزار ومسند الحارث وتاريخ ابن النجار وطرح التثريب للحارث العراقي وبغية الباحث بزوائد مستند الحار ومجمع الزوائد كلاهما للحافظ الهيثمي والجامع الصغير الكبير ، والخصائص الكبرى الثلاثة للحافظ السيوطي وشرح البخاري للقسطلاني وكنز العمال للمتقي الهندي وغيرها .
أما عن راويه وقفة على بكر بن عبد الله المزني فهذا خطأ ناشئ عن جهل فان مثل هذا لا يسمى موقوفا ولا يمكن أن تنطبق عليه حقيقة الموقوف بحال من الأحوال وانما تنطبق عليه حقيقة المرسل لا غير .
________________________________________
أما أنه لم يذكر فيه الصحابي أحد من رواة السنة لا في صحيح الكتب ولا في ضعيفها فكذب مبنى جهل فان الحديث وارد من طريق ابن مسعود وأنس
وورد معناه من طريق سعيد الشامي ومجاهد كما تتقدم كل ذلك بل وصلت طرقه إلى عشرين طريقا فأنتقي القول بضعفه فهو صحيح من كل وجه ( أ . هـ) فهل يجوز بعد ذلك لعالم أو طالب على إنكار هذه الحقيقة الشرعية ؟!!
عرض الأعمال على الأقارب والعشيرة في البرزخ
قال الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عند أية : ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) الآية . قال : وقد ورد أن أعمال الإحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ ثم أورد حديث أبي داوود الطيالسي بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك )) ثم أورد حديث الإمام أحمد بإسناده عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا )) .
وروى الأمام ابن المبارك بإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول : إن أعمالكم تعرض على أمواتكم فيسرون ويساءون ثم يقول : اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند خالي عبد الله بن رواحه .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وأشراقا فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم )) أورده في الجامع الصغير وقال رواه الحكيم الترمذي عن والد عبد العزيز رامزا الحسنة.
________________________________________
وأورد أبو عبد الله القرطبي بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه قال : ليس يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ( أ . هـ )
قال أبو عبد الله ولا تعارض – أي بين ما جاء عن سعيد وبين ما تقدم فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ( أ . هـ ) من تفسير ابن كثير .
ومن خير ما نختم به ردنا علىانكار الشيخ ابن منيع وشيعته لهذه الحقيقة الشرعية قول الحافظ زين الدين بن رجب الحنبلي المتوفي سنة (795هـ) في كتابه المشهور ( لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ) في صفحة (91) من طبعه ( دار الجيل – بيروت ) (( أعمال الأمة تعرض على نبيها في البرزخ فليستح عبد أن يعرض على نبيه من عمله ما نهاه عنه ) .
( فبأي حديث بعده يؤمنون ) ؟!!
(( الفصل التاسع ))
المفهوم الصحيح
للسنة والبدعة
سبق أن وعدت في مقدمة هذا الكتاب بإفراد فصل خاص للحديث عن ( السنة والبدعة ) لأنه بسبب الفهم الخاطئ للسنة والبدعة والأحاديث النبوية الشريفة يثور كل هذا الغبار الذي يلبس ثوب التبديع والتشريك والتكفير لأهل القبله وأهل التوحيد من مخالفي بعض المشايخ وشيوخهم كما حصل من كل من الشيخين ابن منيع والتويجري بخاصة ومن معهم بعامة ولذلك رأيت أن أضمن كتابي هذا بحثا قيما في هذا الموضوع الخطير المختلف فيه وجدته وتسلمته من يد مؤلفه السيد عبد الله بن محفوظ باعلوي الحسيني الحضرمي رئيس القضاء الشرعي بحضر موت سابقا مخطوطا وأسأل الله تعالى أن يوقفه لنشره كاملا وقد اختصرت منه قبسات وفقرات فيها الفائدة والنفع إن شاء الله تعالى لمن كان له قلب أو ألقى السميع وهو شهيد .
(( السنة والبدعة ))
________________________________________
السنة والبدعة أمران متقابلان في كلام صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتحدد أحدهما إلا بتحديد الآخر بمعنى أنهما ضدان ( وبضدها تتبين الأشياء ) وقد جرى كثير من المؤلفين إلى تحديد البدعة دون أن يقوموا بتحديد السنة أولا لأنها الأصل فوقعوا في ضيق لم يستطعوا الخروج عنه واصطدموا بادلة تناقض تحديدهم للبدعة ولو أنهم سبقوا إلى تحدي السنة لخرجوا بضابط لا يتخلف والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حث على السنة أولا ثم حذر من مقابلها البدعة كما ترى في الأحاديث الأتية :-
حديث جابر عند مسلم ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته : ويقول أما بعد فأن خير الحديث كتاب الله خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة ) وقد اخرجه البخاري موقوفا على ابن مسعود .
يوضحه حديث العرباض عند أبي داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وغيره : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب ودرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظه مودع فأوصنا فقال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع وان تأمر عليكم عبد حبشي فأنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ) .
________________________________________
يوضحه أيضا حديث جرير عند مسلم ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سن في الإسلام سنه سيئة كان عليه وزرها ووز من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من اوزارهم شئ ) ومثل هذه الأحاديث أحاديث أخرى تدور حولها منها حديث ابن مسعود عند مسلم ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) وحديث أبي هريرة عند مسلم ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شئ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الآثم …) ألج فأنت ترى في الحديث الأول مقابلة المحدثة والبدعة بالهدى النبوي وأن هدى الرسول هو خير الهدى والشر في المحدث المناقض لهدية فهو البدعة .
وفي الحديث مقابلة واضحة – عليكم بسنتي وسنة الخلفاء … الخ واياكم ومحدثان الأمور فأن كل محدثة بدعة وفي الحديث الثالث السنة الحسنة مقابل بالسنة السيئة – من سن سنة حسنة ومن سن سنة الحسنة مقابل بالسنة السيئة من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة إذا فالسنة أولا وهي الأصل وما خرج عنها فهو البدعة فما هي السنة التي جاءت في حديث العرباض التي قابلها في الحديث بالبدعة .
________________________________________
السنة في لغة العرب والشرع هي الطريقة وهي هدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جابر ومنه قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتتبعن سنن من قبلكم – أي طريقتهم – وهو حديث صحيح مشهور كقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة إلى قوله ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة كما سبق .فطريقة الرسول صلى الله علية وآله في هدية وقبوله ورده هى السنة وهى أيضا مفسرة بذلك في حديث جرير . سنة حسنة وسنة سيئة يعني طريقة حسنة أو طريقة سيئة ولا يحتمل غير ذلك فليس المراد إذا ما يفهمه عامة الطلاب فضلا عن العوام أنها الحديث النبوي أو ما يقابل الفريضة فان الأول مصطلح المحدثين والثاني مصطلح الفقهاء والأصوليين وكلاهما محدث ليس مرادا هنا فسنة الرسول هي طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد وهى طريقة خلفائه الذين سلكوا طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد
إذا فما أحدث لابد من عرضة على سنة الرسول وطريقته في القبول والرد قال الراغب الاصفهاني في مفردات القرآن في مادة سنن صفحة 245 ما نصه فالسنن جمع سنة وسنة الوجه طريقته وسنة النبي صلى الله علية وسلم طريقته التي كان يتحراها وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته نحو 😦 سنة الله التي قد خلت من قبل ) ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، فتبيينه أن فروع الشرائع وان اختلفت صورها فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله وجواره ( أ. هـ) بحروفه وقال الحافظ ابن تيميه في كتاب الاقتضاء ما نصه : ( وسنة الجاهلية : كل عادة كانوا عليها فان السنة هي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أولا يعدونه عبادة ) ((أ.هـ ص 76 )).
________________________________________
وقال الحافظ في الفتح عند تفسير الفطرة في خصال الفطرة قال : والتعبير في بعض روايات الحديث بالنسبة بدل الفطرة يراد بها الطريقة لا التي تقابل الواجب وقد جزم بذلك أبو حامد والماوردي وغيرهما وقالوا هو كالحديث الآخر ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)..الخ ) . فإذا تأكدنا من مجموع هذه النصوص والنقول أن المراد بالنسبة التي قابلها الرسول بالبدعة هي ( الطريقة ) فعلينا أن نتعرف سنة الرسول صلى الله علية وآله وسلم فيما أحدث في زمنه صلى الله علية وآله وسلم مما لم يكن فعله قولا ولا أمر به أمرا خاصا ولكن فهمة من أجتهد وعملوه وعلينا أن نتتبع ذلك لنعرف طريقة الرسول صلى الله علية وآله وسلم في القبول والرد وهذا التتبع سيعطينا حكما يقينا لسنته فيما يحدث من أمور الخير بعده فما وافق فهو من السنة وما خالف سنته وهديه فهو من البدعة ومنها سنعرف ما يريد الرسول صلى الله علية وآله وسلم في قولة ( من دعا إلى هدى ومن دعا إلى خير ومن دعى إلى ضلاله ) في الأحاديث الصحيحة التي سبق وإن سقناها من الصحيح ، ونعرف ما يجب إن يقبل وما يجب أن يرد وسوف يتميز عندنا ما كان من السنة وما كان من البدعة ثم نتتبع بعد ذلك الأنواع التي حدثت في عهد الخلفاء لنعرف طريقتهم كذلك صورا من الأنواع التي ردها الرسول صلى الله علية وآله وسلم .. قد يقول قائل أن ما أقره الرسول صلى الله علية وآله وسلم يكون سنة باقراره له ونقول نعم هو كذلك ولا شك ولكنه ايضا دليل هاد إلى تعرف سنة الرسول وطريقته في القبول إذ كثير مما اقره لم يصبح سنة ولم يقل احد بإنه سنة لأن عمل الرسول صلى الله علية وآله وسلم هو الأفضل والأحرى بالاتباع ولكنة يعطينا صورة واضحة في إنه صلى الله علية وآله وسلم لا يرد شيئا من الخير الذي جاء به إذا لم يصادمه نصا ولم تترتب علية مفسده ولا يعارض هدية صلى الله علية وآله وسلم لكنه من الخير الذي جاء به وهذا معنى قول العلماء إن لم يكن الرسول صلى
________________________________________
الله علية وآله وسلم فعلة بخصوصه أو امر به امرا خاصا فهذه طريقة الرسول صلى الله علية وآله وسلم كما سنراها في عشرات من الأحاديث الصحيحة والحسنة ، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون وصحابته الكرام الهداة المهديون وسنورد أدلة كثيرة من أفعالهم وهي سنة نبيهم صلى الله علية وآله وسلم ومن مجموع الأدلة لأنواع التي قبلها صلى الله علية وآله وسلم لأنها في جنس المشروع وما رده صلى الله علية وآله وسلم لأنه ليس من جنس المشروع أو فيه تشدد ورهبانية لم يرد الرسول صلى الله علية وآله وسلم لأمته الأخذ بها رفقا بهم أو لأنه يخالف نصا في الشريعة ليتضح تماما ما هي السنة وما هي البدعة فإليك أولا إنواعا كثيرة مما قبلة الرسول صلى الله علية وآله وسلم من صحابته ولم يكن فعله هو بل ربما يرى إن فيه مخالفة لما كان علية الرسول صلى الله علية وعلى آله وسلم ولكنه من المشروع.
(( الادلة التي توضح سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم فيما يحدث ))
________________________________________
اعلم يا أخي هدانا الله وإياك إلى الحق والصراط المستقيم أن هناك احاديث جمة جلها في الصحيح او من الصحيح تثبت ان عددا من الصحابة احدثوا اعمالا واذكارا وادعية ونحو ذلك لم يسبق للرسول صلى الله عليه واله وسلم فعلها او الامر بها ولكنهم فعلوها استنباطا واعتقادا انها من الخير الذي جاء به الاسلام ورسول الاسلام صلى الله عليه واله وسلم وحث على مثله عموما تحت مظلة قوله تعالى (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) . وقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم ( من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء ) كما سبق . وهذا الحديث وان ورد في الصدقة فان القاعدة الاصولية المجمع عليها ( ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) وليس معنى ذلك ان لكل أحد أن يشرع فان الاسلام محدود القواعد والضوابط فلا بد ان يكون ما يسنه محفوظا بقواعده وضوابطه وشواهده . من هذا المنطلق . فعل ثير من الصحابة باجتهاداتهم امورا فكانت سنة الرسول وطريقته قبول ماكان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفه ورد ماكان مخالفا لذلك . فهذه سنته وطريقته التي سار عليها خلفاؤه وصحابته واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم ان ما يحدث يجب ان يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة المذمومة . وقد يسمون الأول ( بدعة حسنة ) من حيث اللغة باعتباره محدثا والافهوفي الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو ( سنة مستنبطة ) ما دامت شواهد الشريعة تشهد لها بالقبول . وعلى هذه البدعة اللغوية يحمل قول سيدنا عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح ( نعمت البدعة ) وانما انكر من انكر البدعة الحسنة لاخذه بظاهر الحديث وظاهر لفظ البدعة حتى لقد تجرأ بعضهم في الرد على الخليفة الراشد عمر فقال عند قوله ( نعمت البدعة ). قال ليس في
________________________________________
البدعة حسن . ولنترك هذا الآن لنورد الشواهد التي اشرنا اليها من عمل الصحابة وتصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم معهم فمن شواهد القبول وهذا الفصل معقود لها : ـ
1ـ الحديث الأول : ما رواه البخاري ومسلم والامام احمد عن ابي هريرة رضي الله عنه ان نبيا لله صلى الله عليه واله وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر يابلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام . فاني سمعت دف نعليك في الجنة ، قال ما عملت عملا ارجى عندي من اني لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل او نهار الاصليت بذلك الطهور ما كتب لي . وفي حديث الترمذي وقال حسن صحيح قاله لبلال بم سبقتني الى الجنة ؟ قال ما أذنت قط الاصليت ركعتين ، وما اصابني حدث قط الا توضأت ورأيت ان لله علي ركعتين . فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم بها نلت ـ أي تلك المنزلة ـ ورواه الحاكم ، وقال صحيح على شرطهما واقره الذهبي .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح . يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل الى ما ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول صلى الله غليه واله وسلم (1 انظر فتح الباري ص 276 جـ 3 ) ومثل هذا حديث خباب في البخاري وفيه وهو اول من سن الصلاة لكل مقتول صبرا ركعتين ( 2 ص ـ 313ح8) فهذه الاحاديث صريحة في ان بلالا وخبابا اجتهدا في توقيت العبادة ولم يسبق من الرسول صلى الله عليه واله وسلم امرا ولا فعلا الا الطلب العام . وان الصلاة خير موضوع فاقلل منها أو استكثر كما في الحديث فلو ان احدا اراد ايقاعها في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها لكانت بدعة عند من يرى عموم النهي وغير بدعة عند من يرى تخصيص النهي بالنفل المطلق ومع ان الشافعية رحمهم الله يرون تخصيص النهي بغير المؤقت وذي السبب فانهم اختلفوا في سنة الوضوء فالإسلام الغزالي يمنع فعلهافيه ويقول يتوضأ ليصلي وليس يصلي لأنه توضأ فليست بذات سبب ولكل نهجه وفهمه واستدراكه رضوان الله عليهم اجمعين .
________________________________________
2ـ الحديث الثاني : ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الصلاة في باب ربنا لك الحمد . عن رفاعة بن رافع قال كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه واله وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه : فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها . قال الحافظ في الفتح يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش . ومثله ما رواه الصنعائي عبد الرزاق في المصنف عن ابن عمر قال : أن رجلا والناس في الصلاة . فقال حين وصل إلى الصف الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا . فلما قضى النبي صلى الله غليه واله وسلم صلاته قال من صاحب الكلمات قال الرجل أنا يا رسول الله . والله ما أردت بهن إلا الخير . قال : لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن . قال ابن عمر فما تركتهن منذ سمعتهن . ورواه النسائي في باب القول الذي يفتتح به الصلاة إلا انه قال لقد ابتدرها اثنا عشر ملكا . وفي رواية أخرى فيه قال عجبت لها وذكر كلمة معناها فتحت لها أبواب السماء وفيه قال ابن عمر ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقوله . والحديث في صحيح مسلم (1 والحديث في مسلم وانسائي وابو داود عن انس وحيث رافع الدرقي عند ابي داؤود ايضا وفي ابي داؤود عن عبد الله بن عامر وعن ابيه قال عطس شاب من الانصار خلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو في الصلاة . فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا من امر الدنيا والاخرة فلما انصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم . قال من القائل الكلمة وفيه فقال صلى الله عليه واله وسلم فما تناهت دون عرش الرحمن تبارك وتعالى .) فانظر وفقنا الله وإياك إلى الحق ـ كيف اقر الرسول صلى الله عليه واله وسلم زيادة
________________________________________
ذكر لم يؤثر عنه في الاعتدال وزيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء ذلك لأن الموضعين ، من مواضع الثناء على الله في الصلاة . انظر هذا مع قول بعض المتحذلقين أن القنوات في صلاة الفجر بدعة مع أن اصله مأثور عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وان شغبوا في حديث انس ومأثور عن بعض الصحابة . وروى عبد الرظاق عن ابن جريح عن عطاء قال قلت له القنوت في ركعتي الجمعة قال لم اسمع بالقنوت في المكتوبة إلا في الصبح وليس من غرضنا بحث موضوع القنوت وسنيته بل لنرى تشددهم في البدعة حتى في الدعاء في مواضع الدعاء في الصلاة فان هذه الأحاديث التي أشرنا إليها تبين أن ما كان من دعاء في موضع الدعاء في الصلاة من السنة وليس من البدعة في شيء لإقرار الرسول صلى الله عليه واله وسلم للصحابة يذلك فهو من جنس المأثور وما كان كذلك فهو من السنة وان كان غير وارد بلفظه فكيف لو كان لفظه مأثورا عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم ومحله ايضا مأثورا في الصلاة . وما يقال في القنوت يقال في الجهر بالبسملة مع ثبوته فان المشاغبة فيه لا تزال من هؤلاء التحذلقين (1 أحاديث أنس في القنوت قالوا إنها مضطربة وابن القيم يقول إنها كلها ثابتة وقد اخذ الأمام الشافعي بحدث أنس ( أما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ) ومثل حديث أنس في القنوت حديث في البسملة فيها نفس الاضطراب بل أشد لأنه في الطريق الواحد كما ذكر ابن عبد البر . والتباس إثباتها واجهر بها في البسملة كالجهر بها في بقية السور والفعل مقدم على الترك والإثبات مقدم على النفي وهذا معلوم ومقرر في الأصول وراجع تنوير الحوالك نقلا عن التمهيد ص ( 78و 79)) مع أن الواحد منهم يقرأ الفاتحة ولا يقرا البسملة أو على الأقل لا يجهر بها فإذا قرأ بعدها سورة جهر بالبسملة في أولها ياللعجب أليست الفاتحة سورة من سور القرآن مصدره بالبسملة في أولها وليتهم يعملون في
________________________________________
أنفسهم ولا ينكرون . والمقصود أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم اقر الصحابيين على أحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه وهذا موضع الاستدلال كما سبق وانه كان اجتهادا واستنباطا منهما .
3ـ الحديث الثالث : ما رواه البخاري في باب الجمع بين السورتين في الركعة . من كتاب الصلاة عن انس رضي الله عنه قال كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله احد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا انك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ باخرى فقال ما انا بتاركها أن أحببتم ان اؤمكم فعلت وان كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من افضلهم وكهوا ان يؤمهم غيره فلما اتاهم النبي صلى الله غليه واله وسلم اخبروه الخبر فقال : يا فلان ما يمعنك أن تفعل ما يأمرك بها أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال اني احبها فقال النبي (( صلى الله عليه واله وسلم )) حبك إياها ادخلك الجنة ـ صلى الله عليك يارسول الله . وأين من هديك هؤلاء المبدعة ؟
________________________________________
قال الحافظ في الفتح . قوله ما يمنعك وما يحملك سأله عن امرين فاجابه بقوله اني احبها وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزم للاول بانضمام شيء اخر اليه وهو اقامة السنة المعهودة في الصلاة . فالمانع مركب في المحبة والأمر المعهود والحامل له على الفعل المحبة وحدها ويوحي إلى أن في فعله زيادة على فعل النبي صلى الله عليه واله وسلم . فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث . (( أن المقاصد تغير أحكام الفعل لأن الرجل لو قال : (( أن الحامل له على أعادتها انه لم يحفظ غيرها مثلا لامكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهر صحة قصده فصوبه )) قال : وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس أية والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ومع هذا التقرير من الرسول صلى الله عليه واله وسلم وتبشير الرسول صلى الله عليه واله وسلم له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بان فعله هذا سنة ثابتة ذلك لأن ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه واله وسلم هو الذي تنبغي المحافظة عليه ولكنه يعطينا الدليل على أن مثل هذا وان كان في صورته مخالفة لفعل الرسول في الجملة فان الأمر واسع لا كما يظن المتفيقهون وما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب .
________________________________________
4ـ الحديث الرابع : روى البخاري من كتاب التوحيد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لاصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله احد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه و آله وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن و أنا احب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخبروه أن لله يحبه . ومثله في مسلم فالحديث متفق عليه .قال الحافظ في الفتح :((قال ابن دقيق العيد هذا يدل على انه كان يقرأ بغيرها في كل ركعة وهذا هو الظاهرة . ويحتمل أن يكون المراد انه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الاخيرة ( أ .هـ.) أي وكلا الامرين لم يعهد فعله من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم و مع ذال اقره باعلا درجات الاقرار و هو التبشير بمحبة الله له ( 1 أنظر فتح الباري ص 125 جـ 17) ( أ . هـ) ومع كل هذا فلم نعلم أن أحداً من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحا كالحديث السابق ولا اختتاما كما هنا لن ما كان واظب عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الأفضل ولكن إقراره لمثل هذا يوضح سنته صلى الله عليه وآله وسلم في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات ولا يعتبر مثله حدثا مذموما كما يتسابق المتشددون إلى التبديع والتضليل في أفعاله . هذا وظاهر من سياق الحديثين ( هذا والذي قبله) أنهما قضيتان فحديث أنس الأول فيه الفاعل لتخصيص هذه السورة أمام قومه في مسجد قباء وفي حديث عائشة كان أمير سريه وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد وذاك كان يفتتح بها وهذا بشرة الرسول صلى الله عليه آله وسلم بحب الله له ذاك بشره بالجنة فالتعدد فيها واضح لا يحتما الجمع ولا التأويل .. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول صلى الله عليه آله وسلم (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ومع ذلك قبل هذه الاجتهادات لأنها لا تخرج عن
________________________________________
الهيئة التي حددها الشارع فكل حد لابد من الالتزام به وما عدى ذلك فالأمر متسع مادام داخلا في الأصل المطلوب هذه هي سنة الرسول وطريقته وهذا في غاية الوضوح ويؤخذ منها ما أصله العلماء أن كل عمل يشهد له الشرع من الطلب ولم يصادم نصا ولا يترتب عليه مفسده فليس داخلا في حدود البدعة بل هو من السنة وان كان غيره أفضل فالعبادات فيها الفضول وفيها الفاضل ولا يعاب ولا يبدع من استروح شيئا منها مادام الأصل عبادة والآن نأتي علي شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غير الصلاة لترى كيف أقرها الرسول صلى الله عليه وأله وسلم هو ؟ .
________________________________________
5- الحديث الخامس : حديث الرقيه وقد رواه البخاري في أكثر من موضع من صحيحه وهذا نصه في باب النفث في الرقيه ( عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رهطا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا في سفره سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفون فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط أن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء فهل عند أحد منكم شيء ؟ فقال بعضهم نعم والله أني لراق ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق فجعل سفل ويقرأ الحمد لله رب العالمين حتى لكأنما نشيط من عقال فأنطلق يمشي ما به قلبه فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم أقسموا وقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننتظر ما يأمرنا به فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له فقال : وما يدريك أنها رقيه أصبتم اقسموا وأضربوا لي معكم بسهم قال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة قول وما يدريك الخ هي كلمه تقال عند التعجب من الشيء وتستعمل في تعظيم الشيء أيضا وهو لائق هنا زاد شعبه في روايته ولم يذكر نهيا أي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزاد سليمان بن قند في روايته بعد قوله وما يدريك أنها رقيه ؟ فقلت يا رسول الله بشيء ألقي في روعى ( أ . هـ) وهذا صريح في أصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعيه الرقي بالفاتحة ولكنه شيء فعله باجتهاده ولما لم يكن فيه مخالفة للمشروع اقره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتب عليه مفسده وأن لم يكن من عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصا – وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أصبتم اقسموا واضربوا
________________________________________
لي معكم بسهم كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ .
6 – الحديث السادس : وقد وقعت للصحابه قصه أخرى في رجل مصاب في عقله فقرأ عليه بعضهم فاتحه الكتاب فبرأ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق خارجه بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد فقالوا أنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل فرقاه بها ذكر ذلك الحافظ في الفتح .
7 – الحديث السابع : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على مبتلي في أذنه فأفاق فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما قرأت قال : افحسبتم أنما خلقناكم عبثا إلى أخر السورة فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو أن رجلا مؤمنا قرأ بها على جبل لزال قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أبو يعلي وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن ومثله في المطالب العاليه للحافظ ابن حجر ( 1 صفحة 129 انظر ص 349 جـ 2 من المطالب ) وفي الحديث تقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن مسعود في قراءته الآيات من أخر سوره المؤمنون على المبتلي ولم يكن قد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانما هو شيء استنبطه باجتهاده ولما كان من الخير الذي يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية بالفاتحة عند البخاري والتي عند أصحاب السنن وهم قضيتان إحداهما لأبي سعيد والثانية لعمه خارجه ابن عبد الصلت وهذه الثاله لبن مسعود وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة ابن حجار وهي الحديث الثامن .
________________________________________
8 – الحديث الثامن : أخرج ابن حبان في صحيحه عن علاقة بن حجار السليطي التميمي أنه أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل راجعا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد فقال أهله أنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شيء ترقية ؟ فرقيته بفاتحه الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق ( أ . هـ ) من موارد الظمآن من زوائد ابن حبان للهيثمي ( 1 صفحة 130 انظر ص 276) .
9 – الحديث التاسع : في البخاري في فضائل قل هو الله أحد عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له ذلك وكان الرجل يتقالها فقال صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده أنها لتعدل ثلث القرآن .
قال الحافظ في الفتح القاري هو قتاده بن النعمان أخرجه أحمد بن طريف ابن الهيثم عن أبي سعيد قال بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله قل هو الله أحد لا يزيد عليها والذي سمعه لعله أخوه لأمه أبو سعيد وكانا متجاورين وبذلك جزم ابن عبد البر وقد خرج الدار قطني من طريق اسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ أن لي جارا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد ( أ . هـ) .
________________________________________
وفي الحديث إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم له على هذا التخصيص والاقتصار على هذه السورة في قيام الليل مع ما فيه من التخصيص الذي لم يكن من عمله ( صلى الله عليه وآله وسلم )) وفيه ما في سابقيه برقم (3 و 4 ) من الدلالة على جوازه تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ومع كل هذا فلم نجد من العلماء من قال بافضلية قيام الليل بها وحدها لأن ما كان عليه عمل الرسول من القراءة بالقرآن كله أفضل من ذلك ولكن عمله وما يشبهه داخل في نطاق السنة ولبس فيه ما يذم بل هو محمود على كل حال وفيه رد على المبدعين كالأحاديث السابقة والتي ستأتي .
10- الحديث العاشر : روى أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في صحيحة عن أبي بريده عن أبيه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد فإذا رجل يصلي يدعو (( اللهم أني أسألك باني اشهد أنك أنت الله لا أله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب ( أ.هـ) وهذا دعا أنشأه الصحابي فيما يظهر ولما كان مطابقا للمطلوب أقره صلى الله عليه وآله وسلم باعلا درجات الإقرار والرضاء ولم يعلم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علمه إياه فنصوص الشريعة فيها العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص وفيها الحقيقة والمجاز وما يجب أن يصار إليه عند التعارض إلى غير ذلك من القواعد الأصولية حتى قالوا : ( ما من عام إلا وخصص ) ولا يمنع وجود (كل ) من التخصيص كما سنراه في آيات الكتاب الكريم .
________________________________________
هذه القواعد : لو عرفها المبدعون لما أطلقوا ألسنتهم بالتبديع على أي من أنواع الخير ولما أطلقوا لأقلامهم العنان في اتهام الأئمة الأعلام مما يقبل أقل منه من الجهابذه فضلا عن الأقزام المتطفلين على موائد العلم المتعاملين وهم بالجهل موصوفون أنظر كيف يقولون عن الأئمة : (أنهم بتقسيم البدعة فتحوا للبدع والمحدثات الأبواب على مصاريعها ) ص (58) وحاشاهم لأنهم أفهم بكلام الله ورسوله من غيرهم وأخشى لله وأطوع له ومع هذا الاتهام الخطير فالمنقول عن الأمام الشافعي أنه ( البدعة بدعتان محمودة ومذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفا فهو مذموم ) فهل الشافعي معنى بهذه التهمة الشنيعة وهذا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضى الله عنه بقوله ( نعمت البدعة ) ويؤثر مثل ذلك ابن عمر فهل مشاقان لله ورسوله لأنه يلزم من قولهما أن في البدعه محمودا ومذموماً وهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم منهم النووي وابن عبد السلام والقرا في وابن العربي وخاتمة الحافظ ابن حجر فهل هؤلاء كلهم لا يفهمون كلام الله كلام الرسول ؟ استغفر الله العظيم من هذا الافك لماذا كل هذا لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال ( وكل بدعة ضلالة ) وهذه الكليه تقتضي عندهم شموله الضلالة لكل محدث والمؤلف لا يعرف قواعد الأصول وان في كلام الله وكلام رسوله كثير من الكليات والعمومات من العام المخصوص أو العام الذي اريد يه المخصوص ومع كل هذا فان لهم تقسيما أخر : البدعة المكفرة والبدعة المحرمة والبدعه المكروهة تحريما والبدعة المكروهه تنزيها لم يدخل الحكم الخامس وهو البدعة المباحة لأنهم يرون أن البدع مخصوصه بالعبادة فهم يقسمونها إلى دينية ودنيويه وكان المباح ليس من أحكام الدين وكأن البدع التي تكون في غير العبادات لا يشملها الحديث – وهذا أيضا تخصيص منهم لهذه الكليه التي يرفضون أن يقبل فيها تخصيص – والنبي صلى الله عليه وآله سلم يقول ( من أحدث في أمرنا
________________________________________
ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية في ديننا وشرع الله ودينه شامل لكل تصرفات المسلم عباداته ومعاملاته وأحكامه واقضيته وانكحته ومواريثه وكل أعماله وكلها تدخلها البدع المحرمة ومن أخطر هذه البدع العقائد التي خرجت بها طوائف من الدين .. وبدع الحكم وأخطرها الخروج عن شريعة الله وهذه البدعة التي تؤول إلى الكفر قد شملت معظم البلاد الإسلامية التي عمل لها أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم حتى اخرجوا المسلمين عن شريعتهم وعقيدتهم واضطروهم إلى التحاكم إلى الطاغوت الذي يسمونه القانون .. والعجيب والغريب أن الذين يعلمون على آثاره الخلافات في المسائل الفرعية ويبدعون فيها من يخالفهم لا نجد لهم صوتا ولا حرفا في المسائل الكبرى التي وقع فيها المسلمون في كل بلد مع أن العمل فيها فرض عين في هذه الأزمان مما يضع عليهم علامة استفهام ذلك لأن أثاره المسائل الخلافية في الفروع وفي هذا الزمن بالذات وهي المسائل التي وسعت المسلمين وأصحاب المذاهب من ذ القدم فأن أثارتها في هذا الزمن يفرق ولا يجمع مما يساعد على التناحر والتنافر والتراشق بالتهم والتبديع والتضليل ولا مصلحة للمسلمين في ذلك والعمومات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص أو كانت أو كانت من العام الذي أريد به الخصوص كقوله تعالى ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا )) وبالتأكيد فهي لم تدمر الأرض كلها ولا الكواكب وكقوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعا الملائكة كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه وذكر أكثر من عشرين موضعا بدلائلها أولها صلاة الجنازة والصدقة عن الميت ثم دعا المؤمنين وفي العموم الذي أريد به الخصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ) والحديث في البخاري وقد أجمع الشرح أنه ليس على عمومه
________________________________________
مع أن فيه الكلية ( كل )
ومن ذلك حديث مسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) وهو من صيغ العموم قطعا ليس على عمومه فان من صلى هاتين الصلاتين الفجر والعصر وترك ما عداهما من الصلوات والواجبات ليس مرادا قطعا فهو من العام الذي أريد به الخصوص أو من العام المخصوص بالنصوص ( قال الطيبي كما نقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره : أن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض فأنها في حكم الحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها : ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى : ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) فأن المراد بالناس في الأول المخبرين وهم لا شك عدد محدود والناس (الثاني) هم أبو سفيان وجماعته من مشركي مكه الذين قاتلوا الرسول والمسلمين في أحد وليس هم كل الناس كذلك قوله تعالى : ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)) – واسم الموصول من صيغ العموم ولكن مما لا شك فيه أن عيسى عليه السلام وأمة والملائكة وكلهم عبدوا من دون الله غير مرادين في الآية فهو من العام الذي أريد به الخصوص وكقوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) مع أن أبواب الرحمة لم تفتح عليهم . ومن ذلك قوله تعالى لتبيه : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) . فمن المعلوم أنه لا يشاورهم في التشريع والاحكام فعن ابن عباس رضي الله عنهما ( وشاورهم في الامر ) أي في بعض الامر وهو تفسير لا تلاوة فأذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر لم يكن لبشر ان يتقدم على الله ورسوله (1 انظر فتح الباري ص 103 جـ /17 كذلك قوله تعالى : ((لِتُجْزَى
________________________________________
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)) (2 فكل نفس وفي امثاله مخصوص بما لا يغفر الله واما ما يغفره فغير داخل في الكلية ) وفي الكتاب العزيز والسنة النبوية من هذه العمومات المخصوصة او التي يراد بها الخصوص شيء كثير يتسع لها مجلد كامل للمتتبع فكيف ينكر على جمهور من العلماء الراسخين قولهم في هذا الحديث (( كل بدعة ضلالة )) انه من العام المخصوص او الذي اريد به الخصوص واعتبرهم المؤلف ـ سامحه الله لذلك من المشاقين لله ورسوله والحادين لهما . وحاشاهم . قال النووي (3 راجع حاشية السيوطي على سنن النسائي ص 234جـ2) على قوله صلى الله عليه واله وسلم (( وكل بدعة ضلالة )) هذا عام مخصوص المراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها لا لصحة فهي المرادة بالبدع . وقال الحافظ ابو بكر ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي :ـ ( السابعة قوله : واياكم ومحدثات الامور .اعلموا علمكم الله ان المحدث على قسمين : محدث ليس له اصل الا الشهوة والعمل بمقتصى الارادة فهذا باطل قطعا ( أي ) وهو البدعة الضلالة . ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والائمة الفضلاء . قال وليس المحدث والبدعة مذمومان للنظر ( محدث وبدعة ) ولا لمعناهما فقد قال الله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) وقال عمر ( نعمت البدعة ) وانما يذم من البدعة ماخالف السنة ويذم من المحدث ما دعا الى ضلالة . وهذا هو عين ما سبق اليه الامام الشافعي رحمه الله وقرره في تقسيم المحدث الى محمود ومذموم وهكذا نجد الأئمة الذين جاؤوا بعد الشافعي مثل سلطان العلماء العز ابن عبد السلام من الشافعية والامام النووي وابن الأثير من الشافعية وابن العربي والقرا في من المالكية وغيرهم كثير اخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني كلهم اقروا تقسيم المحدث الى محمود ومذموم وانه قد تعتريه الاحكام الخمسة بحسب الاصل الذي يبنى عليه والشواهد التي تشهد له او عليه او لما يترتب عليه من المصالح
________________________________________
او المفاسد او مصادمة الشرع او موافقته وهذا لا محيص من القول به لمن عرف السنة وقواعدها من الاصول والفقة وهذا لا يتم الا لمن كان له الباع الطولي والفقه الصحيح والفهم العميق للشريعة ومقاصدها . وليس ذلك لكل مدع متطاول لا يعرف الا طرفا من العلم اذا وجد نصا تمسك به ضاربا عرض الحائط بكل ما عداه من نصوص وقواعد ومفاهيم وتقريرات أولى العلم وما اثر عن الصحابة ومن بعدهم اما جهلا او تجاهلا ظانا ان ذلك هو الصواب وكل ماعداه خطأ محاده لله ورسوله كالمؤلف رده الله الى الصواب ( حديث صفحة 135 روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال قال ابن مسعود ان الرجل ليحدث بالحديث فيسمعه من لا يبلغا عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليه فتنة وصدق ابن مسعود راجع ص 286جـ 11 المصنف ) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذ يقول ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ومفهوم الحديث واضح أن من لم يرد به خيرا لم يفقهه في الين فيقع في الجهل المركب فيجهل العلماء ومعلوم ان الفقه في الدين يسوق إلى النظر الفاحص وتتبع النصوص وحمل بعضها على بعض وأعمال كلام الله وكلام رسوله ما امكن وحمل أعمال علماء المسلمين واقوالهم على الخير ما وجد لذلك محملا إذ هو من باب حسن الظن بالمسلمين المأمور به بل هو من اوثق عرى الايمان كما في الحديث ثم مع تتبع الادله عليه ان يتعرف كلام العلماء الراسخين وهم الاكثرون علما والذين هم اعظم فهما وورعا وتعليقهم على هذه الادلة وما لهم فيها من جمع أو تأويل ثم ما جاء عن الصحابة الكرام قولا او عملا بما يفسر مراد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأنهم اعرف بمراده وقصده ممن جاء بعدهم هكذا كان علماء الدين رضي الله عنهم اجمعين ولهذا لن تجد فيما قرروه او استحبوه استنباطا ما يخالف نصا الا لمعارض ولا ظاهرا الا بتأويل ؟ مقبول ولا تجد بينهم من يبدع مخالفيه او يضلله لعلمه بان له متمسكا ومستدلا بما
________________________________________
يصلح له ترجيحه وان عارض ترجيح غيره ولهذا لا تجد عندهم اطلاق التبديع الا على الفرق المنحرفة في العقائد دون تكفير لهم ما داموا يشهدون ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة الا من جحد معلوما من الدين ضرورة فهذا الذي اعلنوا كفره اذ لا سبيل الى التأويل . وأما التبديع والتضليل للفرق المنحرفة في العقائد ( كالباطنية والقدرية والخوارج ) فهم الذين اجمع اهل السنة على تبديعهم وتضليلهم لتوافر النصوص وتظاهرها عليهم فالخوارج أول الفرق التي ظهرت بدعتها وتشددوا في مسلكهم حتى كفروا أمير المؤمنين عليا والصحابه الذين معه أخذ بالظواهر والعمومات التي نزلت في المشركين واشاعوا القول بالتفكير للمخالفين لهم في العقيدة واستباحوا دماءهم وأموالهم … أخرج ابن مردوية عن مصعب أبن سعد قال نظر رجل من الخوارج إلى سعد يعني ابن أبي وقاص رضي الله عنه فقال هذا من أئمة الكفر فقال سعد كذبت أنا قاتلت أئمة الكفر فقال آخر منهم هذا من الأخسرين أعمالا فقال سعد كذبت أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه الآية . ذكر الحافظ في الفت ( 1صفحة 136 راجع ص (40) جـ(10) فتح الباري) وروى الطبراني في الكبير والأوسط قال غزا عمارة بن قرض غزاه فممكث فيها ما شاء الله ثم رجع حتى إذا كان قريبا من الأهواز سمع صوت أذان أن فقال والله ما لي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث وقصد نحو الآذان يريد الصلاة فإذا هو بالازارفة ( قوم من الخوارج ) فقالوا ما جاء بك ياعدو الله فقال : ما أنتم أخواني ؟ قالوا أنت أخو الشيطان لنقتلك قال أما ترضون مني بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا أي شيء رضى به منك قال أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إلا الله وأنه رسول الله عليه وعلى آله وسلم فخلى عني قال فاخذوه فقتلوه قال في مجمع الزوائد رجال إسناده رجال الصحيح ( 2 صفحة 136 انظر مجمع الزوائد ص (126) جـ1) هذه البدعة الضلاله
________________________________________
وهذا ما وقع ويقع من اتباعهم في كل عصر وهو انما أتوا م حيث اغترارهم بأنفسهم أخذهم بظواهر الآيات والأحاديث فهم لا يرون الحق إلا معهم وكل من خالفهم فهو ضال مبتدع أو كافر كشرك بل لا يستمعون إلا من كان منهم وعلى شاكلتهم وينظرون إلى جمهور الأمة بالمنظار الأسود فأما مبتدعه أو مشركون خارجون عن الإسلام والمقصود أن واجب المسلم أن يحسن الظن بالمسلمين فضلا عن علماء الأمة لأن أثاره المسائل الفرعية التي اختلف العلماء فيها بطريقة تسيء الظن بهؤلاء المجتهدين أو تشي بشيء من ذلك فيه هدم للدين وتفرقة للأمة التي وسعها أختلاف الأئمة في الفروع منذ عصورها الأولى دون أن يفرق بينهم في العقيدة والاحترام والتضامن والتعاطف وكلهم متدينون غيورون على الدين لا كما يظن المتيفقهون في هذا العصر الذين يدعون الاجتهاد في مسائل الدين وهم أجهل الناس به وليس لديهم من أدوات الاجتهاد شيء إلا مجرد الدعوى بل هم مقلدون لأناس مشبوهين طلعوا على الأمة بالعلم والفقة والورع في الدين وكان لهم في الأمة كما يقول العلامة شيخ بن تيميه رحمة لسان صدق .
________________________________________
أنظر كلامه في كتاب ( جواب أهل العلم ) في معرض الرد على بعض المبتدعة في بعض الأقوال التي بنتحلها قال رحمه الله ( والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منها عن أحد من السلف اعني الصحابه والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والورع في الدين الذي لهم في الأمة لسان صدق في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم ) ( 1 صفحة 137 ( انظر ص (23) في كتاب جواب أهل العلم ) ( أ . هـ) وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا يقلدن أحدكم دينه رجلا فأن آمن أمن وأن كفر كفروا وأن كنتم ولا بد مقتدين فاقتدوا بالميت دون الحي فأن الحي لا يؤمن عليه الفتنه ( 2 صفحة 137(رواه الطبراني في الكبير وقال في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح انظر المجمع ص (180) جـ1 ) ( أ . هـ) والمقصود تحذير الشاب المسلم من القول على الله ورسوله بما لا يبلغ فيه درجة الفهم التام والإحاطة حتى لا يسلك مسالك الخوارج الذين ضللو خيار الأمة بآرائهم وأهوائهم واعتمادهم على عمومات الكتاب ولم يكن عندهم من العلم غير هذه الظواهر التي كثيراً ما يقع صاحبها في الخطأ فأن كان ولا بد فلنفسه فلا يجوز أن يطلق لسانه بالتبديع والتضليل لعلماء الأمة ولا لا تباعهم مالم تكن المسألة متفقا عليها بين العلماء لأن مسالك العلماء في فهم البدعة مختلفة اختلافاً كثيراً فمنهم من يعمم والتعميم فيه خطر لأنه قد يوقع الصحابة وخيار الأمة من التابعين ومن بعدهم فيه ومنهم من قسم وخصص تحرجاً من الوقوع في مثل ذلك وبعض المقسمين قالوا بدعة حقيقة وبدعة إضافية إلى آخر التقسيمات التي قد نشير إلى شيء منها فيما بعد وكل له مآخذه فعند الاختلاف لا يسع العاقل الحريص على دينه إلا أن يحكي أقوال العلماء والوقوف عند الحد الذي حده له الشارع وليعتبر بالخوارج واضرابهم فقد ضلوا بنص الأحاديث الصحيحة لاعتقادهم الحق فيما يعتقدونه ولم يكتفوا
________________________________________
بذلك بل ضللوا من خالفهم من الصحابه ومن بعدهم ممن لا يرى رأيهم ولهذا ذمم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحكم بأنهم مارقون من الدين مع أنهم أكثر الناس تمسكا بالدين ظاهرا وتشددا في العبادة ولكنهم أتوا من حيث غرورهم بأنفسهم ورميهم مخالفيهم بالضلال روى الأمامان البخاري ومسلم عن بي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أن بعدي م أمتي قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الدين كما السهم من الرمية لئن أدركتهم لا قتلنهم قتل عاد ) . وقال البخاري كان ابن عمر يراهم شر خلق الله وقال أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين علقه البخاري وقال الحافظ في الفتح وصله الطبري في تهذيب الآثار بإسناد صحيح ( أ . هـ) وأخرج أبو يعلي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أخافه عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام انفسخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك قال قلت يابني الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي ) قال : لبرامي الحافظ أبن كثير إسناده جيد . وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ( من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما فان كان كما قال وإلا رجعت عليه ) واخرجا عن ابي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله ليس كذلك إلا حار عليه – أي رجع عليه ) ( 1 صفحة 138 ( هذه الأحاديث منقوله من كتاب مخطوط للعلامة المحدث الأصولي علي بن محمد بن يحيا علوي الخضرمي ) .
وقد روى الطبراني في ( الكبير) عن عبد الله بن عمر بإسناده حسن : ( كفوا عن أأهل لا إله إلا الله ) لا تكفرهم بذنب ( وفي رواية ) ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل .
________________________________________
ومثل الكفر والشرك وعدو الله ( اللعن) كما في الحديث وكذلك التبديغ والتضليل فأنهما قرينا الكفر والشرك والسبب الأعم في جميع ما سبق في الخوارج ومن نحا نحوهم في التبديغ والتضليل هو الغلو في الدين وعدم الفقه والتفقه في مقاصد الشريعة مع الإعجاب بالنفس ودعوى الإحاطة بالشريعة حتى لا ترى الحق إلا فيما تعتقده هي ولا تعتد بآراء العلماء وافهامهم ولا تعبا بمخالفتهم وهذه هي الروح الخارجية الممقوتة التي ركز الشارع عليها ذمهم وهي إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم من عداهم حتى أداهم ذلك إلى إطلاق التكفير والتضليل ثم استحلال دمائهم المعصومة فهي لا تحاول مطلقاً فرض المخارج الحسنة الممكنة التي هي من روح الإسلام والتي ربى الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها صحابته الكرام في تحمل الخلاف في الرأي دون أن يفرق كلمتهم أو يسيء بعضهم إلى بعض رضي الله عنهم وآخذ العلماء عنهم هذا الخلق الحسن فكانوا يحترمون الفهم في الكتاب والنة وأن خالف أفهامهم فيحكونه أمانة أخرج أبو القاسم الأصبهاني في ( الترغيب والترهيب) والخطيب في ( المتفق والمفترق) عن سعيد بن المسبب قال أن عمر رضي الله عنه وضع عشر كلمات حكم منها أن تضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منع ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سواء وأنت تجد لها في الخير محملا ( أ. هـ) فنسأل الله العلي القدير أن يجنب شبابنا وطلاب العلم منهم بالخصوص هذه الروح الخبيثة ويهديهم سواء السبيل حتى يعرفوا دينهم ويعتزوا برجالهم وعلماء الأمة الذين نقلوا إلينا هذا الدين واجهدوا أنفسهم وأعمارهم ليصل إلينا ثروة عظيمة تعتز بها الأمة الإسلامية وتراثا ضخماً لا يوجد في الدنيا له مثيل فقهاً ونقلاً ونقداً وتمحيصا وتقعيداً وحسبنا الله ونعم والوكيل وهنا نعود لما بدأناه من تحقيق السنة والبدعة لنرى أن تقسيم العلماء رضوان الله عليهم لم يكن من فراغ ولم يكن لمجرد الهوى والشهوة فضلاً عن المشاقة
________________________________________
لله ورسوله وحاشاهم … وقد كان الأمام حسن البنا رحمة الله يحذر اتباعه من الانشغال بمحاربة البدع الإضافية لأن في محاربة البدع الحقيقة شغلا ويريد بالبدع الحقيقة ما خالف الدين من المنكرات التي لا خلاف بين العلماء في حد منها وضررها على الدين وما أكثرها أخطرها بين المسلمين ومراده بالبدع الإضافية ما اندرج تحت أصل عام في الطلب ولكن صورته غير المأثورة كسائر المسائل المستنبطة والمختلف فيها بين الفقهاء وهذا منه إدراك لخطورة البدع الحقيقة وخطورة السكوت عنها والانشغال بغيرها أما الخلافات المذهبية فهي أمر ضروري والإجماع على أمر فرعي متعذر : ( فعلينا أن نعتقد الحق فيما بلغنا ونلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات ولا يكون حائلا بين ترابط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير ) وكلامه هذا من جملة التقسيمات التي الجأت اليها النصوص كما سترى ولما كان الكتاب الذي اشرت اليه ليس فيه تقعيد فاني اثرت قبل تتبع الرد على مواضع الخطأ ان اقدم بحثا عن السنة والبدعة فاذا عرفت السنة عرفت البدعة المضادة لها وان اتي في القسم الاول بالادلة التي تثبت أن سنة الرسول هي طريقته وأن طريقته الواضحة بالنصوص المتكاثرة هي قبول كل ما كان من الخير الذي جاء به ولم يصادم نصا ولم يخالف هدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم فهو من السنة وأن لم يسبق أن الرسول فعله بذاته أو أمر به وأن البدعة هي ما صادم نصا او خالف هدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم أو ترتبت عليه مفسده وهذا هو معنى قول علمائنا أن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر الشرع والتي ليست هي مما طلبه الشرع بدليل خاص او عام كل ما كان كأن من الشرع وشهد له بالطلب دليل خاص او عام فليس هو بالبدعة الشرعية المرادة في الحديث وأن سمي بدعة باعتباره اللغوي الشاملة للحسن والقبيح . ولقد تتبعت ماكتبه المخالفون عن البدعة . فإذا علمهم كله محصور في حديث
________________________________________
واحد وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ورمي كل أحاديث الرسول صلوات الله عليه واله ـ الدالة على حيازة كل خير ـ والتي يستفاد منها حكم جميع الحوادث فعند هؤلاء كل شيء حدث بعد عهد الرسول وأن كان من الخير ومن الأمور الدينية الموافقة لدين الله وتشملها أوامر الله . ( فالاستكثار من الخير خير ) . فعند هؤلاء هو بدعة ضلالة . وهذا علم لا يحتاج إلى جهد كبير ، ولكنه تضخم في نفوسهم . وأن هذا الحديث يجب أن يعرض على نصوص الأدلة الأخرى لأنه عام وقد عارضه في عمومة أدلة خاصة وعامة فاقول :
أولا : أن هذا الحديث عام أريد ( حديث صفحة 140 العام الذي أريد به الخصوص يكون من أول الأمر مستعملا في الخصوص أي يكون لفظ العام مجازا في الخصوص ) به الخصوص لأنه يخالف حوافز النصوص التي تدل على النظر في حكم الحادثة واستنباط الأحكام واستخراجها من الكتاب والسنة وهما يستوعبان كل أحكام الحوادث بواسطة دخولها في مضامين الكلام منطوقا أو مفهوما أو عموما أو خصوصا أو نصا أو ظاهرا أو غير ذلك .
ثانيا: وقد عهد العموم الذي أريد به الخصوص في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ألا ترى الى قوله تعالى : ((فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)) ولم يفتح لهم أبواب الرحمة . وقوله تعالى : ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ)) ولم تدمر الجبال والسموات والأرض . وقوله تعالى : ((وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)) ولم تؤت عرش سليمان . قال الامام القرطبي في تفسيره في الكلام على الفطرة التي فطر الله الناس عليها من سورة الروم قال ( والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب ) ثم ذكر ما قدمناه .
________________________________________
وقد أرسل النبي سرية بأمارة بعض أصحابه وامر أصحابه بالسمع والطاعة له فغضب فأجج نارا وأمرهم بدخولها بما أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم لهم بالسمع والطاعة ، فقالوا إنما أمنا وجاهدنا خوفا من النار فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم اخبروه فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وقد اخرج هذه القصة مسلم في صحيحه فلينظر لفظه . ومنه يعلم أن بعض العام يراد به الخصوص بحسب المعروف المعلوم بالعقل او الشرع وفي هذا الحديث نبه النبي صلى الله عليه واله وسلم أن عموم طاعته في هذا غير مراد . وفي البخاري والموطأ . ( كل بني أدم يأكله التراب الأعجب الذنب ) قال ابن عبد البر في التمهيد . ظاهر هذا الحديث وعمومة يوجب أن بنو أدم كلهم في ذلك سواء ألا انه قد روي أن أجساد الأنبياء والشهداء لا تأكلها . وهذا يدل على أن هذا اللفظ عموم يدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرناها فكأنه قال كل ما تأكله الأرض فأنها لا تأكل أجساد الأنبياء والشهداء . وحرم ( حديث صفحة 141 ذلك في قوله ( صلى الله عليه واله وسلم ) لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث رواه مالك والبخاري والترمذي وآبو داود وانسائي عن انس ) النبي صلى الله عليه واله وسلم الهجر فوق ثلاثة أيام مع انه صلى الله عليه واله وسلم هجر الثلاثة الذين تأخروا عن تبوك وأمر المؤمنين باعتزالهم وكذلك بعض الصحابة هجروا أناسا كما كان من علي مع أسامة رضي الله عنهما فالحديث مخصص . وقد جاء تخصيص العموم في عشرات الآيات ( أية صفحة 142 منها قوله تعالى ( من يعمل سوءا يجز به ) مخصوص بقوله تعالى : ( أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وهذه الآية تخصص آيات أخرى فيها هذا العموم. ويخصص قوله تعالى ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) بقوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) وقوله تعالى ( أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) بقوله
________________________________________
تعالى : ( فيكشف ما تدعون إليه أن شاء ) وهذا كثير وأنما هذه أمثله ) في كتاب الله حتى قيل ( ما من عام ألا خصص ) وقال جماعة من العلماء ( لا يعمل بالعام آلا بعد البحث عما يخصصه ) .
ثالثا : أ، النبي صلى الله عليه واله وسلم يؤيد فيما يحدث ما يوافق شريعته وينكر ما ليس موافقا لها فهذا عمر يقترح أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى وان يحجب أمهات المؤمنين قائلا : انه يدخل عليك البر والفاجر فانزل الله في موافقته القران لأنه اقترح ما هو اعظم المصالح الدينية . انظر هذا فقد اقره لما فيه من الخير . ولكن معاذا لما جاء من الشام سجد للنبي صلى الله عليه واله وسلم . ظانا أن ذلك من الخير اقتداء بما راه في الشام من تعظيم آهل الكتاب لرهبانهم وقديسيهم فان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اعظم لكن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى أن يسجد لاحد غير الله . وذلك لأن السجود غير موافق لشريعته الحنيفية فأنها مباينة لغلو أهل الكتاب في تقديسهم لأحبارهم ورهبانهم بالسجود لهم وجعل قبورهم مساجد فحرم رسول الله صلى عليه واله وسلم سلوك طريقتهم . واجاز اقتراح عمر لما فيه من المصلحة وعدم الفساد وانظر الأذان فانه ألفاظ معدودة لا تزيد ولا تنقص ومع ذلك لما جاءت الحاجة بسبب المطر إلى النداء فيه أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالنداء ( ألا صلوا في رحالكم ) وهذا يدل على أن الحكم يدور مع المصلحة والحاجة . واحكام الشريعة تارة تنقل مع العلة وتارة مع عدمها وقد يعرف العلة الصحابي منها في بساط الكلام مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم ولهذا قالوا أن فهم راوي الحديث يقدم على غيره كما يقدم تفسير الصحابي على غيره .
________________________________________
رابعا : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه بارك فعل أشياء كثيرة من الخير ليس فيها مفسدة ولا تخالف طريقة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في نظام شريعته ثم تبت عن الصحابة ما يقرب من التواتر المعنوي ( حديث صفحة 143 التواتر المعنوي هو أن يتفق جماعة كثيرة يؤمن تواطؤهم على الكذب على نقل حوادث مختلفة تتفق كلها على أمر عام وهذا الأمر العام هو الذي يقع فيه التواتر فقد عرف كرم حاتم وعدل عمر وعدل وعلم علي وشجاعته فأن التواتر في ذلك معنوي ) ذلك كثيرا من الخيرات بعد عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . مما تدخل تحت ارشاده وهديه وإن لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم تفعل في عهده . فهذا يدل على أنهم يخصون الدعة الضلالة بالبدعة المخالفة للشرع عقيدة أو عملا فمن أخذ بعمومات الشريعة في فعل الخير وإن لم يرد بعينة كقوله تعالى ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)). ولعموم الحث على الأعمال الصالحة وقول النبي صلى الله علية وآله وسلم (الصلاة خير موضوع ) ثم لم يخالف نظام الشريعة في أداء هذا الخير فقد قام بأعظم القرب.
________________________________________
وقد اخطأ بعض المتخذ لقين في إنكاره على الأمام زين العابدين على بن الحسين سبط الرسول صلى الله علية وآله وسلم لأن هذا الأمام كان له أوراد كبيرة من فعل الصلوات قال هذا المنكران هذا لم يفعله الرسول صلى الله علية وآله وسلم وكان عمله ماشيا على ما كان علية السلف و في مقدمتهم أصحاب رسول الله صلى الله علية وآله وسلم من الاستكثار من عمل الطاعات ففي البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله علية وآله وسلم ( من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بشيء احب مما افترضت علية وما يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببتة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذتي لاعيذنه ) ا هـ .وفي حديث آخر ( عليك بكثرة السجود فانك لن تسجد الله سجدة ألا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ) .نقله في رياض الصالحين . فكيف ينكر علية ذلك .
وهذا معاذ بن جبل ..قال هلال بن الأسود : كنا نمشي مع معاذ قال :اجلسوا نؤمن ساعة .وقد أخرجه ابن أبي شيبة (حديث صفحة 143 )(2) قال ابن أبي شيبة في كتاب الأيمان حدثنا وكيع نا الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال عن معاذ واخرجه أبو عبيد في الأيمان حدثني ابن مهدي عن سفيان عن جامع عن الأسود وعن معاذ واخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو عن علقمة وإسناد ابن عبيد ثقات كالذي قبله .
من طريق جامع بن شداد عن الأسود بن هلال بإسنادين رجالهما ثقات أئمة وأخرجه عن عمرو عن علقمة التابعي .
________________________________________
وهذا معاذ أعرف الناس بالحلال والحرام بشهادة رسول الله صلى الله علية وآله وسلم وعمر الخليفة الراشد وهما يفعلان هذا الخير ولم يرد عن النبي صلى الله علية وآله وسلم ألا أن الأمام احمد روى بإسناد حسن قال كان ابن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب النبي صلى الله علية وآله وسلم ، يقول : ( تعالى نؤمن ساعة فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله علية وآله وسلم . قال .يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي صلى الله علية وآله وسلم يرحم الله ابن رواحة أنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة )وقد علقه البخاري (1 صفحة 144 (كذا في كشف الخفا). وهذا عمر حكم في سواد العراق بعدم قسمته وابقاه لجميع المسلمين اولهم وآخرهم فإن قيل هذا في غير العبادات . قلنا قد خصصتم عموم هذا الحديث اعني ( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وهؤلاء الأنصار الذين تبوؤا الدار والأيمان كانوا يجتمعون لقراءة القرآن . ولكن اخذوا ذلك من عموم قوله صلى الله عليه واله وسلم ( ما اجتمع قوم يذكرون الله ألا حفتهم الملائكة ) الحديث وهو في صحيح مسلم .
________________________________________
خامسا : وقد أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم بالتمسك بما هو عليه واصحابه أي ومن اتبعهم على طريقتهم يدل عليه الحديث الذي يشيد بالعمل على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعدهم ( 2حديث صفحة 144 هو حديث ابي داؤود والترمذي عن العرباض وفيه فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) أي طريقتهم وهي طريقة الخلفاء الراشدين وهم ابو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وعمر بن عبد العزيز وكل خليفة راشد اخرهم المهدي ويمكن أن يشمل خلفاءه في الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء الذين يسيرون على نهجه بحديث ( العلماء ورثة الانبياء ) وبتفسير اولى الامر بالعلماء الذين يستنبطون الاحكام كما في الاية (3صفحة 144وهي اية النساء (83) ( ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) قال ابن مسعود : ( أن الله اختار محمدا واختار له اصحابه فما راه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) اخرجه احمد في مسنده . وقد اخطأ من نفى ذلك وهو حديث حسن وهذا ما يجعل لاقوالهم جلالة واحتراما فلا يقال فيما يفعلونه من الخبر الذي له اندراج تحت اصل عام انه بدعة ضلالة الا أن ما فعله النبي صلى الله عليه واله وسلم هو السنة .
سادسا : قد يفهم مما تقدم أن كل من احدث عبادة في غير محلها الثابت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم يكون ذلك جائزا وليس كذلك بل هو بدعة سيئة . فقد احدث بنو أمية بالهوى ولأغراض سياسية تقديم خطبة العيد على صلاتها فخالفوا النظام الذي رتبه النبي صلى الله عليه واله وسلم فهذا العمل وامثاله لا يدخل في الخير والأعمال الصالحة بخلاف الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها وأن لم يفعلها النبي صلى الله عليه واله وسلم لكنه في أصل عام ( والصلاة خير موضوع ) في أي وقت لا الصلاة فيه مكروهة ألا أن السنة أن لا يصلي قبلها ولا بعدها والعمل بالسنة أولى .ا.هـ من مخطوط السيد عبد الله الحداد نفع الله تعالى به .
________________________________________
رأي وجيه في شذوذ ( الشاطبي ) عن الجمهور في تقسيم البدعة :
( أقول) : وحيث أنه طالما تذرع المخالفون لجمهور أهل السنة والجماعة في مفهوم وتقسيم البدعة بآراء الشاطبي صاحب ( الاعتصام ) وتترسوا بها لرد آراء الجمهور في هذه المسألة ، أحببت أن أورد رأيا وجيها للمحدث الشيخ عبد الله محمد الصديق حيث يقول في رده على كتاب ( القول المبين ) :
قسم عز الذين ابن عبد السلام في قواعده الكبرى البدعة باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أو خلوها عنهما إلى أقسام الحكم الخمسة الوجوب والندب والحرمة والكراهة والاباحة ومثل لكل قسم منها وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة وكلامه في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبرا بالقواعد الفقيهة وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها . ومن مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك ؟ فجأة تقسيمه للبدعة مؤسسا على أساس من الفقه وقواعده متين ، ولذا وافقه عليه الإمام النووي والحافظ ابن حجر وجمهور العلماء وتلقوا كلامه بالقبول ورأوا أن العمل بع متعين في النوازل والوقائع التي تحدث مع تطور الزمان وأهله ، حتى جاء صاحب (الاعتصام ) فخرج عن جمهره العلماء وشذ بإنكار هذا التقسيم فبرهن بهذا الإنكار على أنه بعيد عن معرفة الفقه ، بعيد عن فهم قواعده المبينه على المصالح والمفاسد لا يعرف ما فيه مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله ولا يدري ما فيه مفسده فيطلب احتنابها بتركه ولا ما خلا عنها فيجوز فعله وتركة على السواء وأخيرا برهن عل أنه لم يتذوق علم الأصول تذوقا يمكنه من معرفة وجوه الاسنباط وكيفية استعمالها والتصرف فيها بما يناسب الوقائع وأن كان له في الأصول كتاب ( الموافقات ) فهو كتاب قليل الجدوى عديم الفائدة وأنما هو بارع في النحو له في شرح على ألفية ابن مالك في أربعة مجلدات دل على مقدرته في علم العربية على أنا وأن كنا نعلم أن للشاطبي دراية بعلم أصول الفقه على سبيل المشاركة فلا نشك في
________________________________________
أن سلطان العلماء فيه أمكن وعلمه بقواعده أتم وقواعده الكبرى خير شاهد على ذلك وأني لأعجب من الشاطبي كيف أنكر على سلطان العلماء ذلك التقسيم مع أنه بناءه كما قلنا على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها . ولم ينكر على المالكية القول ( بالاستصلاح ) الذي لم يعتبره الشارع ولا قبله جمهور العلماء بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكاماً كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له ؟! ما القول بهذا مع إنكار ذاك إلا تعصب مذهبي ظاهر ولا يمكنه أن يتمسك لإنكاره بحديث (( كل بدعه ضلالة )) لأن البدعة التي هي ضلالة من غير استثناء هي البدعة الاعتقاديه كالمعتقدات التي أحدثها المعتزله والقدرية والمرجئة ونحوهم على خلاف ما كان يعتقده السلف الصالح فهذه هي البدعة التي هي ضلالة لأنها مفسدة لا مصلحة فيها أما البدعة العملية بمعنى حدوث عمل له تعلق بالعبادة أو غيرها ولم يكن في الزمن الأول فهذا لا بد فيه من التقسيم الذي ذكره عز الدين أبن عبد السلام ولا يتأتى فيه القول بأنه ضلالة الإطلاق لأنه من باب الوقائع التي تحدث على ممر الزمان والأجيال من وجوه الاستنباط والشريعة إنما صلحت لكل زمان ومكان وكانت خاتمة التشريع الإلهية وأكملها بما حوته من قواعد عامة وضوابط كليه ، مع ما اوتية علماؤها من قوه الفهم في نصوصها ومعرفة بالقياس والاستصحاب وأنواعها إلى غير ذلك مما خلصت به شريعتنا الغراء ولو اتبعنا طريقة الشاطبي وحكمنا على كل عمل حدث بعد العصر الأول بأنه بدعة ضلالة من غير أن نعتبر ما فيه من مصلحة أو مفسدة لزم على ذلك إهدار جانب كبير من قواعده الشريعة وقياساتها وتضيق لدائرتها الواسعة وفي ذلك ما لا يخفي فظهر بهذا البيان الوجيز خطأ إنكار الشاطبي رحمة الله تعالى وصواب ما ذهب إليه عز الدين ابن عبد السلام ووافقه عليه جمهور العلماء ( أ . هـ) .
المولد النبوي الشريف :-
________________________________________
في بحث ( البدعة والسنة ) في هذا الكتاب ما يكفي لإثبات مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وحيث خصص كل من الشيخ ابن منيع في ( حواره ) والشيخ التويجري في ( رده القوى ) صفحات كثيرة لمهاجمة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وإثبات بدعيته فأني سوف إصدار بأذنه تعالى كتابا خاصا منفصلا حول هذا الموضوع وعلى قاعدة ( ما لا يدرك كله لا يترك جله ) أحببت أن لا يخلو كتابي هذا من رد مختصر مفيد يوضح مشروعية المولد النبوي الشريف بقلم فضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد ملا رمضان البوطي من علماء الشام المعروفين وعميد كلية الشريعة بجامعة دمشق
(( الفصل العاشر ))
ردا على الذين ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي
ليس كل جديد بدعه
بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
البدعة ، بمعناها الاصطلاحي الشرعي ، ضلالة يجب الابتعاد عنها ، وينبغي التحذير من الوقوع فيها . ما في ذلك ريب ولا خلاف . وأصل ذلك قول رسول الله صلى الله علية وسلم فيما اتفق علية الشيخان (( من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد )) وقوله فيما رواه مسلم : (( إن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )).
ولكن ما هو المعنى المراد من كلمة (( بدعة )) هذه ؟
هل المراد بها معناها اللغوي الذي تعارف علية الناس فيكون المقصود بها إذن ، كل جديد طارئ على حياة المسلم ، مما لم يفعله رسول الله صلى الله علية وسلم ولا أحد من أصحابه ، ولم يكن معروفا لديهم ؟..
________________________________________
إن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال ألي حال ، وتنقلهم من طور إلى آخر .. ولا مطمع في إمكان التغلب على قانونها هذا ، وربطه بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة ، على مر الأزمنة والعصور . وحتى الفترة القصيرة التي عاشها النبي صلى الله علية وسلم مع أصحابه ، لم تجمد الحياة خلالها على نسق مطرد ثابت ، بل استقبل النبي واصحابه منها اطوارا اثر اطوارا .. ولكن ( لحسن حظ ذلك الرعيل الأول ) كان المصطفى صلى الله علية وسلم بين ظهر انيهم ، فكان يرحب بسنة الحياة هذه ، دون أي مقاومة لها أو ثورة عليها . فكم من عرف جديد أيده ،وكم من كشف طارئ على حياة الصحابة والعرب رحب به ودعا إليه ، بعد إن تأمل فرآه لا يخالف من أصول الدين واحكامه شيئا . بل ربما يسر سبيل أحيائه والأخذ به على خير وجه . حتى استظهر علماء الشريعة الإسلامية من ذلك ، القاعدة القائلة : الأصل في الأشياء الإباحة ، واستنبط من ذلك علماء الحنفية وآخرون .. إن العرف _ بقيود معينة _ مصدر لا يستهان به من مصادر الشريعة واحكامها .
لا يعقل _ إذن _ أن يكون المقصود بالدعة هذا المعنى اللغوي العام . بل ما رأينا واحدا من علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسير البدعة وتعريفها هذا المذهب العجيب . وانما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص ، فما هو ؟
البدعة والدين
أمامي تعريفات كثيرة للبدعة ، كلها يدور في فلك معنى اصطلاحي واحد ، وإن تخالفت من حيث الصياغة والأسلوب . ولكني اختار منها تعريفين عرفها بهما الأمام الشاطبي في كتابة الاعتصام وذلك لسببين : أحدهما _ إن الشاطبي يعد في مقدمة من خدم هذا البحث وتناوله بالشرح والتحليل من جوانبه . ثانيهما _ إنه يعد من اكثر العلماء المتقدمين محاربة للبدعة وتشددا في الابتعاد عنها .
________________________________________
التعريف الأول ، أنها (( طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل ((والتعريف الثاني إنها )) طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشريعة)).
وانما رددها الشاطبي رحمه الله بين هذين التعريفين ، نظرا لرأي من حصر البدعة في العبادات ، ولرأي من عممها في سائر أنواع السلوك والتصرفات . على إنه مال فيما بعد إلى إن البدعة إنما تختص بالعبادات سواء منها القلبية وهي العقائد أو السلوكية وهي سائر أنواع العبادات الأخرى . ولا يعنينا الآن أن نقف عند هذا الترديد باي نظر أو تمحيص . إنما الذي يعنينا أن نلاحظ قولهم في التعريف : (( طريقة في الدين مخترعة )) أذن ، فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها ، يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين وأنه جزء لا يتجزأ منه ، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك 00 وتلك هي روح البدعة وسر تحذير الشارع منها ، وذلك هو الملاحظ في تسميتها : (( بدعة )) . والمستند الذي يشكل الدليل القطعي على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه 00)) إذ المقصود بـ (( أمرنا هذا )) الدين ، كما واضح ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما اخرجه الطحاوي : (( ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب : الزائد في دين الله والمكذب بقدر الله ، والمسلط بالجبروت يذل من أعز الله ويعز به من أذل الله ، والتارك لسنتي ، والمستحل لحرم الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله )) ويتضح من ذلك أن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها ، أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه . ولما كان المشرع هو الله عز وجل ، لم يبق مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه . أما سائر الأفعال والتصرفات الأخرى ، التي قد تصدر من الإنسان ، دون أن يتصور أنها جزء من جوهر الدين أو مصلحة له ، دينية كانت أو دنيوية : فهي أبعد ما تكون عن احتمال
________________________________________
تسميتها بدعة ، وان كانت مستحدثة في حياة المسلمين غير معروفة لهم من قبل ، بل مالها أن تصنف إما تحت ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنة حسنة ، أو تحت ما سماه : سنة سيئة . وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه مسلم وغيره (( من سن في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها واجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) .
ما هو المعيار
ويحتاج بيان هذا الأمر إلى تفصيل طويل ولكننا نقتصر منه على الموجز التالي :
ـ أن كانت الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان ( مما لا يدخل في معنى البدعة التي تم بيانها ) تتعارض مع أوامر أو نواه ثابتة في الشرع ، لا فرق بين أن تكون هذه المخالفات مستحدثة أو تكون قديمة معروفة كالمباذل الأخلاقية والأندية التي فيها المنكرات . وأمرها واضح لا يحتاج إلى بحث .
________________________________________
ـ وان كانت مرسلة ، أي غير معارضة ولا موافقة لشيء من احكام الشرع وادابه التفصيلية . فهي تصبغ ، من حيث احكامها ، بلون الآثار والنتائج التي تحققها . أي فما كان منها مؤديا الى تحقيق واحدة من سلم المصالح الخمسة التي جاء الدين لرعايتها ( الدين والحياة والعقل والنسل والمال) فهو من قبيل السنة الحسنة ، ثم أنه يتفاوت ما بين الندب والوجوب ، حسب شدة الحاجة اليه لتحقيق تلك المصلحة ، اذ قد يكون من ضرورياتها الذاتية وقد يكون من حاجياتهم الاساسية ، وقد يكون من تحسيناتها المفيدة 000 وما كان منها متسببا إلى هدم واحدة من تلك المصالح أو الأضرار بها ، فهو من نوع السنة السيئة ، ثم إن درجة سوئه تتفاوت حسب مدى الضرر الذي قد يلحقه بتلك المصلحة ، فقد يكون مكروها وقد يصبح محرما . إما ما كان منه بعيدا عن أي تأثير ضار أو من قبيل العفو ، كما يعبر بعضهم . وإذا استوعبنا هذه الحقيقة أدركنا أنه ليس ثمة ما يسمى بالبدعة الحسنة ، كما توهم ذلك بعض الباحثين . بل البدعة لا تكون ألا ضلالة قبيحة ، وذلك لضرورة أنها تعني التزيد على الدين والإضافة اليه . وهو لا يمكن أن يكون حسنا بحال من الأحوال . وانما يدخل هذا الذي توهموه ( بدعة حسنة ) فيما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة الحسنة ، وهو ما اصطلح الأصوليون على تسميته فيما بعد بالمصالح المرسلة .
ومن أمثلة هذه السنة الحسنة تلك الاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة ، كبدء العام الهجري ، ومولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وعند ذكرى الإسراء والمعراج ، وذكرى فتح مكة وغزوة بدر ، ونحوها ، مما يتوخى من تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين ، سواء على مستوى الضرورات أو الحاجيات أو التحسينات .
ومن المفزوع منه أن ذلك كله مشروط بالا تستتبع هذه الأعمال آثارا ضارة تودي بجدوى ما حققته من المصالح أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها .
((المولد )) ليس بدعة
________________________________________
هذا ما نعتقد أنه المنهج العلمي الذي لا بديل عنه ؛ عند الخوض في ذكر البدع ومحاربتها وجذب الناس عنها . ولا ريب أن أتباع المنهج العلمي يوصلنا إلى هذا القرار:
إن احتفالات المسلمين بذكرى مولده عليه الصلاة والسلام والمناسبات المشابهة ،لا تسمي بدعة قبل كل شيء . لأن أحدا من القائمين على أمرها لا يعتقد أنها جزء من جوهر لدين وأنها داخلة في قوامة وصلبه ،بحيث إذا أهملت أرتكب المهملون على ذلك وزرا. وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخي منها تحقيق خير ديني .
ثم أنها لا تدخل تحت ما يسمى بالسنة السيئة أيضاً ، أن روعي في أقامتها أن تخلو من الموبقات وأن تهذب عن كل ما قد يعود على الخير المرجو منها بالنقض أو الإفساد .
وإذا رأينا من يخلطها بما يسيء إلى نتائجها ، فأن التنبيه يجب أن يتجه إلى هذا الخلط ، لا إلى جوهر العمل بحد ذاته وإلا فكم من عبادة صحيحه مشروعة يؤديها أناس على غير وجهها فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوه منها أفيكون ذلك مبررا للتحذير من أدائها والقيام بها ؟
نعم أن اجتماع الناس على سماع قصة المولد النبوي الشريف ، أمر استحدث بعد عصره النبوه بل ما ظهر إلا في الأوائل القرن السادس الهجري ولكن أفيكون ذلك وحده كافيا لتسميته بدعة والحاقه بما قال عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام : كل من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ؟ أذن فليجردوا حياتهم من كل ما استحداث بعد عهده عليه الصلاة والسلام – أن كانوا يستطيعون – فأن كل ذلك من البدع !! .
أقول بعد هذا كله : فلنفرض أننا مخطئون في فهم (( البدعة )) على هذا النحو وأن الصواب ما يقوله الآخرون من أن كل ما استحداثه الناس حتى مما لا يدخلونه في جوهر الدين وأحكامه ، بدعة محرمه ، فان المسألة تغدو عندئذ من المسائل المختلف المتخلف في شأنها والخاضعة للاجتهاد .
________________________________________
ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن القائم بهذا الشأن ينبغي ( كلما وقف في موقف عام ) أن ينهي عن المنكرات المجمع على أنها كذلك ، ولا ينصرف عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية التي لا يكلف المجتهدون فيها بأكثر من الوقوف عندما قضت به اجتهاداتهم وفهومهم إذ الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يمكن أن ينتهي إلا إلى أثره أسباب الشقاق وتصديع وحده المسلمين وبث عوامل البغضاء فيما بينهم .
وأن في حياتنا ومن حولنا من المنكرات الشنيعة والمفاسد الخطيرة التي لا خلاف في مدى جسامتها وسوء آثارها ما يكفي الصف للقضاء عليها فلماذا نتشاغل عن هذا الذي اجمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت ثم نشتغل بالانتصار لاجتهاداتنا الشخصية ومحاربة ما يقابلها ويكافئها من الاجتهادات الأخرى ؟ ( أ . هـ) مقال الدكتور البوطي .
( خاتمه )
________________________________________
بحمده تعالى وفضله ومعونته وتوفيقه تم هذا الكتاب وأسأله تعالى أن يتقبله ويجعله فيه النفع وتقريب قلوب أمة حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وكلمتهم على الحق الذي أرسله تعالى به وهداه إليه ، لأنني حرصت فيه على تلمس وتقديم الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال وأعمال السلف الصالح رضوان الله عليهم كما حرصت على التزام أداب الأسلام وأحكامه فيما يتصل بأسلوب وطريقة الرد على المخالفين ومحاورتهم بالتي هي أحسن موقناً بأن ( الحكمة ضألة المؤمن ) وأنهم سوف يفيئون إلى الحق ويقبلونه متى عرفوه وأهتدوا أليه بأدلته الجليه الواضحة – فقد أن الأوان لهؤلاء الأخوان أن يرفعوا ( الحاجز النفسي ) الكثيف بينهم وبين جمهور المسلمين م نأهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي الرحيب وقد أن الأوان لأن يحج المسلم ويزور قبر نبيه صلى الله عليه وسلم ومسجده الشريف تحيطه عيون المودة والمحبة والأخاء وكيف ننتظر أن ننتصر على أعدائنا من اليهود والنصاري والمجوس وأعوانهم ونحن تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتى يبدع ويشرك ويكفر بعضنا بعضا والله سبحانه وتعالى يقول ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
والله تعالى من وراء القصد وهو ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به وهو المستعان وعليه التكلان وله الحمد في الأولي والآخرة صلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
أعده وكتبه ( الفقير إليه تعالى )
يوسف السيد هاشم الرفاعي
ص . ب (420) الصفاة
المنصورية – الكويت
موقع الطريقة القادرية – زاوية المكتبة الصوفية القادرية
________________________________________

Advertisements

The URI to TrackBack this entry is: https://ahlalsonnah.wordpress.com/2009/07/26/%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a3%d8%af%d9%84%d8%a9-%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%85%d9%91/trackback/

RSS feed for comments on this post.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: