الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب الإمام الحافظ العلامة أبو الفرج بن الجوزي

الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب1 إبن الجوزي
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الحافظ العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الله بن حماد الجوزي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن الفطر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: (اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه رأيته رجلاً كبير القدر في العلوم، قد بالغ رحمة الله عليه في النظر في علوم الفقه ومذهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه على طريق السلف، فلم يصنف إلا المنقول، فرأيت مذهبه
خالياً من التصانيف التي كثر جنسها عند الخصوم.
فصنفت تفاسير مطولة منها (المغنى مجلدات) و(زاد المسير)، و(تذكرة الأديب)، وغير ذلك.
وفي الحديث: كتباً منها (جامع المسانيد)، و(الحدائق)، و(نفي النقل)، وكتباً كثيرة في الجرح والتعديل، وما رأيت لهم (تعليقه) في الخلاف إلا أن القاضي أبا يعلى قال: كنت أقول ما لأهل المذاهب يذكرون الخلاف مع خصومهم ولا يذكرون أحمد؟ ثم عذرتهم، إذ ليس لنا
تعليقة في الفقه.
قال: فصنفت لهم تعليقة
قلت: وتعليقته لم يحقق فيها بيان الصحة والطعن في المردود، وذكر فيها أقيسة طردية. ورأيت من يلقي الدرس من أصحابنا من يفزع إلى تعليقة الاصطلام أو تعليقة أسعد، أو تعليقة العالمي، أو تعليقة الشريفة استعارات. فصنفت لهم تعاليق منها (كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف) ومنها (جنة النظر وجنة الفطر) ومنها (عمد الدلائل في مشهور المسائل)، ثم رأيت جمع أحاديث التعليق التي يحتج بها أهل المذهب، وبينت تصحيح الصحيح، وطعن المطعون فيه وعملت كتاباً في المذاهب أدخلتها فيه، وسميته (الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب) وصنفت في الفروع كتاب (المذهب في المذهب) وكتاب (سبوك الذهب) وكتاب (البلغة) وكتاب (منهاج الوصول إلى علم الأصول) وقد بلغت مصنفاتي مائتين
وخمسين مصنفاً
ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد. وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس. فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين.
وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس.
وقالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته.
وقال بعضهم: ويتنفس
وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف، وساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل على حقيقته إذا أمكن وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلاً منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام.
فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وأتباع وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: (كيف أقول ما لم يقل).
فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلتم في الأحاديث، تحمل على ظاهرها.
وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى ان الله صفة هي روح ولجت في مريم، ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل. وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئاً قبيحاً حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة.
فصل
قلت وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه:أحدها: أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: (وَنَفَختُ فيهِ مِن رَوحي).
وليس لله صفة تسمى روحاً، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة.
الثاني: أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا: نحملها على ظواهرها، فواعجباً ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له..؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال..
الثالث: أنهم أثبتوا الله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية. (وقال ابن حام: من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ على وجهين، وقال: غالب أصحابنا على تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وإن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم.
قلت: هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل.
الرابع: أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله: (ينزل إلى السماء الدنيا) وبين حديث لا يصح كقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة.
الخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ماأثبتوا بهذا.
السادس: أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).قالوا: هذا ضرب مثل للأنعام.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي) فقالوا: نحمله على ظاهره فواعجباً من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز.
السابع: أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لا كما يعقل. فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث على الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازماً لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل على الدليل، وخصوصاً في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد.
فصل
فإن قال قائل: ما الذي دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بألفاظ موهمة
للتشبيه؟ قلنا: إن الخلق غلب عليهم الحس فلا يكادون يعرفون غيره، وسببه المجانسة لهم في الحديث، فعبد قوم النجوم وأضافوا إليها المنافع والمضار، وعبد قوم النور وأضافوا إليه الخير، وأضافوا الشر إلى الظلمة، وعبد قوم البقر والأكثرون الأصنام فآنست نفوسهم بالحس المقطوع بوجوده ولذلك قال قوم لموسى: (إِجعَل لَنا إِلَهاً) فلو جاءت الشرائع بالتنزيه المحض جاءت بما يطابق النفي فلما قالوا: (صف لنا ربك) نزلت: (قُل هُوَ اللَهُ أَحد) ولو قال لهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا يشغل الأمكنة ولا يحويه مكان ولا جهة من الجهات الست وليس بمتحرك ولا ساكن ولا تدركه الإحساس لو قالوا حد لنا النفي بأن تميز ما تدعونا إلى عبادته عن النفي وإلا فأنت تدعو إلى عدم. فلما علم الحق سبحانه ذلك جاءهم بأسماء يعقلونها من السمع والبصر والحلم والغضب، وبنى البيت وجعل الحجر بمثابة اليمين المصافحة، وجاء بذكر الوجه واليدين والقدم والاستواء والنزول لأن المقصود الإثبات فهو أهم عند الشرع من التنزيه، وإن كان التنزيه منها، ولهذا قال للجارية: أين الله، وقيل له: أيضحك ربنا؟ قال: نعم، فلما أثبت وجوده بذكر صور الحسيان نفى الخيال التشبيه بقوله (لَيسَ كَمثلِهِ شَيء)، ثم لم يذكر الرسول الأحاديث جملة وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان فقد غلط من ألفها أبواباً على ترتيب صورة غلطاً قبيحاً، ثم هي مجموعها يسيرة، والصحيح منها يسير: ثم هو عربي وله التجوز، أليس هو القائل: (تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صاف، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح.
فإن قيل لما سكت السلف عن تفسير الأحاديث وقالوا: أمروها كما جاءت؟ قلت لثلاثة
أوجه:أحدها: أنها ذكرت للايناس بموجود فإذا فسرت لم يحصل الإيناس مع أن فيها ما لا بد من تأويله كقوله تعالى (وَجاءَ رَبُكَ) أي جاء أمره. وقال أحمد بن حنبل: وإنما صرفه إلى ذلك أدلة العقل فإنه لا يجوز عليه الانتقال.
والوجه الثاني: أنه لو تأولت اليد بمعنى القدرة جز أن يتناول معنى القوة فيحصل الخطر بالصرف عما يحتمل.
والثالث: أنهم لو أطلقوا في التأويل اتسع الخرق فخلط المتأول، فإذا سئل العامي عن قوله تعالى: (ثُمَ اِستَوى عَلى العَرش) قيل له: الإستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وإنما فعلنا هذا لأن العوام لا يدركون الغوامض.
فصل
وكان الإمام أحمد يقول: أمروا الأحاديث كما جاءت وعلى هذا من كبار أصحابه كإبراهيم الحربي، وأبي داود الأشرم، ومن كبار أصحابنا أبو الحسن التميمي، وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب، وأبو الوفاء ابن عقيل فنبغ الثلاثة الذين ذكرناهم ابن حامد، والقاضي، والزاغوني.
وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فأفتى فيها فقيل هذا لا يقول به ابن المبارك فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: استخرت الله تعالى في الرد على الإمام مالك. ولما صنف هؤلاء الثلاث كتباً، وانفرد القاضي فصنف الأحاديث التي ذكرتها على ترتيبه، وقدمت عليها الآيات التي وردت في ذلك.
باب ما جاء في القرآن من ذلك
قال الله تعالى: (وَيَبقى وَجهُ رَبِّكَ ذو الجَلالِ وَالإِكرام) قال المفسرون: يبقى ربك، وكذا قالوا في قوله: (يَريدونَ وَجهِهِ). أي يريدونه.
وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله: (كُلُ شَيءٍ هالِك إِلّا وَجهِهِ) أي إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن… صفة تختص باسم زائد على الذات.
قلت: فمن أين قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيان..؟ وذلك يوجب التبعيض، ولو كان كما قالوا: كان المعنى: أن ذاته تهلك إلا وجهه. وقال ابن حامد: أثبتنا لله وجهاً ولا نجوز إثبات رأس. قلت: ولقد اقشعر بدني من جراءته على ذكر هذا فما أعوزه في التشبيه غير الرأس.
قلت: ومن ذلك قوله: (وَلِتَصنع عَلى عَيني).
(وَأصنَع الفَلَك بِأَعيُنِنا)
قال المفسرون: بأمرنا، أي بمرأى منا، قال أبو بكر بن الأنباري: أما جمع العين على مذهب العرب في ايقاعها الجمع على الواحد يقول: خرجنا في السفر إلى البصرة. وإنما جمع لأن عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا. وقد ذهب القاضي إلى أن العين صفة زائدة على الذات وقد سبقه أبو بكر بن خزيمة فقال في الآية: (لِرَبِنا عَينان يُنظر بِهُما).
وقال ابن حامد: يجب الإيمان أن له عينين.
قلت: وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام: وان الله ليس بأعور).
وإنما أراد نفي النقص عنه، ومتى ثبت أنه لا يتجزأ، لم يكن لما يتخيل من الصفات وجه، ومنها قوله تعالى: (لَمّا خَلَقتُ بِيَدي).
اليد في اللغة: بمعنى النعمة والإحسان.
قال الشاعر:
مَتى ما تَناخي عِندَ بابِ بَني هاشم تَريحي فَتَلقى من فَواضِلَهُ يَداً
ومعنى قول اليهود: (يَدُ اللهِ مَغلولَةٌ).أي محبوسة عن النفقة، واليد القوة، يقولون: ما لنا بهذا الأمر من يد، وقوله تعالى: (بَل يَداهُ مَبسوطَتانِ).أي نعمته وقدرته.
وقوله: (لما خلقت بيدي) أي بقدرتي ونعمتي، وقال الحسن في قوله تعالى: (يَدُ اللَهِ فَوقَ أَيديهُم).أي منته وإحسانه. قلت: هذا كلام المحققين.
وقال القاضي: اليدان صفتان ذاتيتان تسميان باليدين، وهذا تصرف بالرأي لا دليل عليه. وقال ابن عقيل: معنى الآية لما خلقت أنا فهو كقوله: (ذَلِكَ بِما قَدَمَت يَداك) أي بما قدمت أنت وقد قال بعض البله: الإضافات إلى الله تعالى: لو لم يكن لآدم مزية على سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال (بِيَدي). ولو كانت القدرة لما كانت له مزية، فإن قالوا القدرة لا تثن. وقد قال بيدي.
قلنا: بلى قال العىبي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة، وقال عروة بن حزام في شعره.
فَقالا شَفاكَ اللَهُ وَاللَهُ مالَنا بِما ضَمَت مِنكَ الضُلوعُ يَدانِ
وقولهم: ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل: (خَلَقنا لَهُم مِما عَمِلَت أَيدينا أَنعاماً).
ولم يدل هذا على تمييز الأنعام على بقية الحيوان قال الله تعالى: (وَالسَماءُ بَنَيناها وَإِنا لَمُوَسِعون) أي بقوة.
ثم قد أخبر أنه نفخ فيه من روحه، ولم يرد إلا الوضع بالفعل والتكوين والمعنى: نفخت أنا، ويكفي شرف الإضافة؛ إذ لا يليق بالخالق سوى ذلك لأنه لا يحتاج أن يفعل بواسطة، فلا له أعضاء وجوارح يفعل بها، لأنه الغني بذاته، فلا ينبغي أن يتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباري سبحانه من التعظيم ينفي الأبعاض والعادات في الأفعال، لأن هذه الأشياء صفة الأجسام، وقد ظن بعض البله أن الله يمس، حتى توهموا أنه مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، وما فطنوا أنه من جملة مخلوقاته جسماً يقابل جسماً فيتحد به ويفعل فيه (ومن السحر من يعقد عقداً فيتغير به حالاً وصفة) أفتراه سبحانه جعل أفعال الأشخاص والأجسام تتعدى إلى الأجسام بعيدة، ثم يحتاج هو في أفعاله إلى معاناة الطين، وقد رد قول من قال هذا بقوله تعالى: (إِن مِثلَ عيسى عِندَ اللَهِ كَمَثَلِ آدم خَلَقَه مِن تُراب ثُمَ قالَ لَهُ كُن فَيَكون)، ومنها قوله تعالى: (وَيُحَذِرَكُم اللَهُ نَفسَهُ).
وقوله تعالى على لسان عيسى: (تَعَلَم ما في نَفسي وَلا أَعلَمُ ما في نَفسك).
قال المفسرون: ويحذركم الله إياه
وقالوا: (تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك).
قال المحققون: المراد بالنفس هاهنا الذات ونفس الشيء ذاته وقد ذهب القاضي إلى أن لله نفساًن وهي صفة زائدة على ذاته. قلت: وهذا قوله لا يستند إلا إلى التشبيه، لأنه يوجب أن الذات شيء والنفس غيرها وحكى ابن حامد أعظم من هذا فقال: ذهبت طائفة في قوله تعالى: (وَنَفِخَت فيهِ مِن رَوحي) إن تلك الروح صفة من ذاته وإنها إذا خرجت رجعت إلى الله تعالى قلت: وهذا أقبح من كلام النصارى فما أبقى هذا من التشبيه بقية. ومنها قوله تعالى: (لَيسَ كَمثلِهِ شَيء).
ظاهر الكلام أن له مثل، فليس كمثله شيء، وليس كذلك، وإنما معناه عند أهل اللغة: أن يقام المثل مقام الشيء نفسه.
يقول الرجل: مثلي لا يكلم مثلك، وإنما المعنى: ليس كهو شيء، ومنها قوله تعالى: (يَومَ يَكشِفُ عِن ساق).
قال (ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة) وجمهور العلماء: يكشف عن شدة، وأنشدوا:
(وقامت الحرب بنا على ساق).
وقال آخرون:
إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا.
قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة الجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
وبهذا قال الفراء وأبو عبيد، وثعلب واللغويون، وروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يكشف عن ساقه).
هذه إضافة إليه معناها: يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعنى يكشف عنها (يزيلها).
وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير. غضب وقال: يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد وقد ذكر أبو عمر الزاهد ان الساق بمعنى (النفس) وقال: ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة: لا حكم إلا لله فقال: لا بد من محاربتهم ولو بلغت ساقي.. فعلى هذا يكون المعنى يتجلى لهم، وفي حديث أبي موسى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (يكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون سجداً، ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون).
فذلك قوله تعالى: (يَومَ يَكشِفُ عَن ساقِ ويَدعونَ إِلى السُجودِ فَلا يَستَطيعون) وقد ذهب القاضي إلى أن الساق صِفة ذاتية. وقال في مثله في (يضع قدمه في النار): وحكى عن ابن مسعود: ويكشف عن ساقه اليمنى فتضيء من نور ساقه الأرض.
قلت: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض وما ذكر عن ابن مسعود محال ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات، ولا يوصف ذاته بنور شعاع نضيء به الأمكنة، واحتجاجه بالإضافة ليس بشيء لأنه إذا كشف عن شدته، فقد كشف عن ساقه، وهؤلاء وقع لهم أن معنى يكشف (يظهر) وإنما المعنى (يزيل ويرفع).
قال ابن حامد: يجب الإيمان بأن لله تعالى ساقاً صفة لذاته، فمن جحد ذلك كفر.
قلت: ولو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحاً، فكيف بمن ينسب إلى العلم؟ فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم ردوا الأمر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقاً للذات، وقدماً حتى يتحقق التجسيم والصورة، ومنها قوله تعالى: (ثُمَ اِستَوى عَلى العَرش).
قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير، فكل سرير ملك يسمى عرشاً، والعرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال الله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَويهِ عَلى العَرش).وقال تعالى: (أَيَكُم يَأتيني بِعَرشِها).
واعلم أن الاستواء في اللغة على وجوه منها: الاعتدال. قال بعض بني تميم فاستوى ظالم العشيرة والمظلوم. أي اعتدلا، والاستواء: تمام الشيء قال الله تعالى: (وَلَما بَلَغَ أَشَدَهُ وَاِستَوى)، أي تم.
والاستواء: القصد إلى الشيء قال تعالى: (ثُمَ اِستَوى إِلى السماءِ).
أي قصد خلقها، والاستواء في الاستيلاء على الشيء قال الشاعر:
قَد اِستَوى بَشَرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيرِ سَيفٍ وَدَم مِهراق
وقال الآخر:
إِذا ما غَزى قَوماً أَباحَ حَريمَهُم وَأَضحى عَلى ما مَلَكوهُ قَد اِستَوى
وروى إسماعيل بن أبي خالد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء.
قلت: وجميع السلف على إمرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل.
قال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله (الرَحمَنُ عَلى العَرشِ اِستَوى) كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع راسه فقال: الرحمن على الرعش استوى كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج.
وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة على مقتضى الحس فقالوا: (استوى على العرض بذاته)، وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من إحساسهم، وهو ان المستوي على الشيء إنما تستوي عليه ذاته، قال أبو حامد: الاستواء مماسته وصف لذاته، والمراد به القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله سبحانه وتعالى على عرشه ما ملأه، وانه يقعد فيه، ويقعد نبيه صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
قال أبو حامد: والنزول انتقال.
قلت: وعلى ما حكى تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة..؟؟
وقيل لابن الزاغوني: هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش..؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدى الذاتين صفة التحت تثبت للأخرى صفة استحقاق الفوق قال: وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا بد من شيء يحصل به الفصل، فلما قال: (ثُمَ اِستوى) علمنا اختصاصه بتلك الجهة.
قال ابن الزاغوي: ولا بد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها.
قلت: وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلاً بين الخالق والمخلوق فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه: إنه ليس بجوهر، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكاناً يتحيز فيه.
قلت: وهنا كلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، ما يستحيل عليه. فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحاذي، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذي أو أصغر أو مثله، وان هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة. فإذا أجازوا هذا عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرنا مستغنياً عن المحل والحيز ومحتاجاً إلى الحيز، ثم قلنا، إما أن يكون مجاورين ومتباين، كان ذلك محالاً.
فإن المتجاور والمتباين من لوازم المتحيز في المتحيزات، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزاً لم يخل إما أن يكون ساكناً في حيازته متحركاً عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين، فقد تناهى ذاتاً، والمتناهي إذا —– بمقدار، استدعى مخصصاً، وكذا ينبغي أن لا يقال، ليس بداخل العالم، وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام. وأما قولهم داخل الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها.
قلنا: ذاته تعالى لا تقبل أن يخلق منها شيء، ولا أن يحل فيها شيء، (والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب على الجواهر ومعنى الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد، وكلام — مبني على الحس، وقد حملهم الحسم على التشبيه والتخليط حتى قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه جهل أيضاً. لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم، (وقال بعضهم: جهة العرش تحاذي ما يقابله من الذات ولا تحاذي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض)، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلى مذهبنا؟ واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: (إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلَمُ الطَيب وَالعَمَل الصالح).
وبقوله: (وَهُوَ القاهر فَوقَ عِبادِهِ).
وجعلوا ذلك فوقية حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال: (فوق عباده) قال: (وهو معكم).
فمن حملهما على العلم، حمل خصمه الاستواء على القهر: أخبرنا علي بن محمد بن عمر الدباس، قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: كان أحمد بن حنبل يقول: الاستواء صفة مسلمة وليست بمعنى القصد ولا الاستعلاء. قال: وكان أحمد لا يقول بالجهة للباري لأن الجهات تخلي عما سواها. وقال ابن حامد: الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته على عرشه وقال: وذهبت طائفة إلى أن الاستواء على عرشه قد ملأه، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه.
قلت: المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقى هذا في التجسيم بقية..؟؟
فصل
(واعلم أن كل من يتصور وجود الحق سبحانه وجوداً مكانياً طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده زمانياً طلب له مدة في تقدمه على العالم بأزمنة وكلا التخييلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوى بالإضافة إلى القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعنى زائداً على ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات. ثم ان كل من هو في جهة يكون مقدراً محدوداً وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة.
فإن قيل: (فقد أخرج في الصحيحين عن شريك عن أبي نمر أنس بن مالك رضي الله عنهم: أنه ذكر المعراج فقال فيه: (فعلا به إلى الجبار تعالى) فقال: (وهو في مكانه يا رب خفف عنا).
فالجواب: ان أبا سليمان الخطابي قال: هذه لفظة تفرد بها شريك، ولم يذكرها غيره وهو كثير التفرد بمناكير الألفاظ، والمكان لا يضاف إلى الله عز وجل، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: مقامه الأول الذي أقيم فيه).
قال الخطابي: وفي هذا الحديث (فاستأذنت على ربي وهو في داره).
توهم مكاناً، وإنما المعنى، في داره التي دورها لأوليائه، وقد قال القاضي: أبو يعلي في كتابه (المعتمد) إن الله عز وجل لا يوصف بالمكان.
فإن قيل: نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا: إن كان الموجود يقبل الاتصال
والانفصال فقد صدقت، فأما إذا لم يقبلهما فليس خلوه من طرق النقيض بمحال.
فإن قيل: أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم.
قلنا: إن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك غلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيئاً إلا على وفق ما رآه لأن الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لان العقل مضطر إلى التصديق بموجب الدليل.
واعلم أنك لما لم تجد إلا حساً أو عرضاً وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزاً أو متحركاً أو متنقلاً، ولما كان مثل هذا الكلام لا يفهمه العامي قلنا: لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه بل يسروه أن لا يساكن الجبال، ويقال إن الله تعالى استوى على عرشه كما يليق به.
ومن الأيات قوله تعالى: (أَءَمَنتُم مَن في السَماء).
قلت: وقد ثبت قطعاً أنها ليست على ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وغذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ومنها قوله تعالى: (يا حَسرَتي عَلى ما فَرَطتُ في جَنبِ اللَه).
أي في طاعته وأمره، أي لأن التفرط لا يقع إلا في ذلك، وأما الجنب المعهود من ذي الجوارح، فلا يقع فيه تفريط، وقال ابن حامد: (نُؤمِنُ بِأَنَ لِلَهُ جَنباً بِهَذِهِ الآية).
قلت: (وآعجباً من عدم العقول، إذا لم يتهيأ التفريط في جنب مخلوق كيف يتهيأ في صفة الخالق وأنشد ثعلب وفسره: (خليلي كفا فاذكر الله في جنبي) أي في أمري..
ومنها قوله تعالى: (فَنَفخنا فيهِ مِن رَوحِنا).
قال المفسرون: أي من رحمتنا.
وإنما نسب الروح إليه، لأنه بأمره كانز ومنها قوله تعالى: (يُؤذونَ اللَه).
قلت: أي يؤذون أولياءه، كقوله تعالى: (وَاَسأَل القَريَةَ) أي أهلها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أحد جبل يحبنا ونحبه).
قال الشاعر:
أَنبَئتَ أَنَّ النارَ بَعدَكَ أَوقَدَت وَاِستَبَ بَعدَكَ يا كُليبَ المَجلِسِ
ومنها قوله تعالى: (هَل يَنظُرونَ إِلا أَن يَأتيهُمُ اللَهُ في ظَللٍ من الغَمامِ) أي بظل.
وكذلك قوله تعالى: (وَجاءَ رَبُكَ).
قلت: قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قال: في قوله تعالى: (يَأَتيهُمُ) قال المراد به: قدرته وأمره، قال: وقد بينه في قوله تعالى: (أَو يَأتي أَمرُ رَبِكَ)، ومثل هذا في التوراة: (وَجاءَ رَبُكَ) قال: إنما هو قدرته.
قال ابن حامد: هذا خطأ، إنما ينزل بذاته بانتقال.
قلت: وهذا الكلام في ذاته تعالى بمقتضى الحس، كما يتكلم في الأجسام، قال ابن عقيل في قوله تعالى: (قُل الروحُ مِن أَمرِ رَبي).
قال: من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق، فكفهم عن الخالق وصفاته أولى. وأنشده:
كَيفيةِ النَفسِ لَيسَ المَرءُ يُدرِكُها فَكَيفَ كَيفيةِ الجَبارِ في القَدَمِ
ذكر الأحاديث التي سموها أخبار الصفات
اعلم أن للأحاديث دقائق وآفات لا يعرفهما إلا العلماء الفقهاء، تارة في نظمها، وتارة في كشف معناها، وسنوضح إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته).
قلت: للناس في هذا مذهبان أحدهما: السكوت عن تفسيره، والثاني: الكلام في معناه، واختلف أرباب هذا المذهب في الهاء على من تعود..؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: تعود على بعض بني آدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يضرب رجلاً وهو يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك. فقال: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته).
قالوا: وإنما اقتصر بعض الرواة على بعض الحديث فيحمل المقتصر على المفسر قالوا: فوجه من أشبه وجهك يتضمن سب الأنبياء والمؤمنين.
إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتدأت خلقته ووجهه على هذه الصورة التي احتذى عليها من بعده، وكأنه نبه على أنك سببت آدم وأنت من أولاده وذلك مبالغة في زجره، فعلى هذا تكون الهاء كناية عن المضروب، ومن الخطأ أن ترجع إلى الله عز وجل بقوله: ووجه من أشبه وجهك فإنه إذا نسب إليه شبه سبحانه وتعالى كان تشبيهاً صريحاً.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته).
القول الثاني: (إن الهاء كناية عن إسمين ظاهرين، فلا يصح أن يضاف إلى الله عز وجل لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة، فعادت إلى آدم، ومعنى الحديث: إن الله خلق آدم على صورته التي خلقها عليها تاماً لم ينقله من نطفة إلى علقة هذا مذهب أبي سليمان الخطابي، وقد ذكره ثعلب في أماليه.
القول الثالث: (إنها تعود إلى الله تعالى) وفي معنى ذلك قولان: أحدهما: أن تكون صورة ملك، لأنها فعله وخلقه، فتكون إضافتها إليه من وجهين: أحدهما: التشريف بالإضافة كقوله تعالى: (وَطَهَرا بَيتي لِلطائِفين).
والثاني: لأنه ابتدعها على غير مثال سابق وقد روي هذا الحديث من طريق ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقبح الوجه فإن آدم خُلق على صورة الرحمن).
قلت: هذا الحديث فيه ثلاثة علل، أحدها: ان الثوري والأعمش اختلفا فيه فأرسله الثوري ورفعه الأعمش.
الثانية: أن الأعمش كان يدلس فلم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة: أن حبيباً كان يدلس فلم يعلم أنه سمعه من عطاء.
قلت: وهذه أدلة توجب وهناً في الحديث ثم هو محمول على إضافة الصورة إليه ملكاً.
والقول الثاني: أن تكون صورة بمعنى الصفة. تقول: هذا صورة هذا الأمر: أي صفته ويكون المعنى خلق آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام فميزه بذلك على جميع الحيوانات، ثم ميزه عن الملائكة بصفة التعالي حين أسجدهم له. وقال ابن عقيل إنما خص آدم بإضافة صورته إليه لتخصيصه وهي السلطنة التي تشاكلها الربوبية استعباداً وسجوداً وأمراً نافذاً وسياسات تعمر بها البلاد ويصلح به العباد وليس في الملائكة والجن من تجمع على طاعته نوعه وقبيله سوى الآدمي.
وإن الصورة هاهنا معنوية لا صورة تخاطيط، وقد ذهب أبو محمد بن قتيبة في هذا الحديث إلى مذهب قبيح فقال: لله صورة لا كالصور فخلق آدم عليها..؟؟ وهذا تخليط وتهافت لأن معنى كلامه: إن صورة آدم كصورة الحق.
وقال القاضي: يطلق على الحق تسمية الصورة لا كالصور، نقض لما قاله، وصار بمثابة من يقول: جسم لا كالأجسام، فإن الجسم ما كان مؤلفاً، فإذا قال: لا كالأجسام نقض ما قال.
الحديث الثاني
روى عبد الرحمن بن عياش – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت: أنت أعلم يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين السموات والأرض).
قال أحمد رضي الله عنه: أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة يرويه معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح، ورواه قتادة عن أنس واختلف على قتادة فرواه يوسف بن عطية عن قتادة ووهم فيه، ورواه هشام عن قتادة عن ابن قلابة عن خالد بن الحلاج عن ابن عباس ووهم في قوله عن ابن عباس وإنما رواه خالد عن عبد الرحمن بن عياش وعبد الرحمن لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما رواه عن مالك بن يخامر عن معاذ. قلت: قد ذكرنا أنه لا يصح، وقال أبو بكر البيهقي: فقد روي عن أوجه كلها ضعيفة وأحسن طرقه تدل على أن ذلك كان في النوم.
وقد روي من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (أتاني آت في أحسن صورة).
فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى..؟ فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعرفت كل شيء يسألني عنه.
وروي من حديث ثوبان قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح، فقال: (إن ربي أتاني اليلة في أحسن صورة فقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري، فتجلى لي ما بين السماء والأرض).
وروي عن أبي عبيد بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما كنت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة).
قلت: وهذه أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت وفي بعضها أتاني آت وذلك يرفع الأشكال، وإن قلنا إنه رآه في اليقظة فالصورة إن قلنا ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى رأيته على أحسن صفاته في الإقبال عليّ والرضى عني، وإن قلنا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى رأيته وأنا على أحسن صورة.
قلت: والعجب مع اضطراب هذه الأحاديث وكون مثلها لا يثبت به حكم في الوضوء وروي ابن حامد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (ولما أسري بي رأيت الرحمن تعالى في صورة شاب أمرد، له نور يتلألأ، وقد نهيت عن وصفه لكم، فسألت ربي أن يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنه عروس حين كشف عن حجابه مستوٍ على عرشه).
قلت: هذا الحديث كذب قبيح. ما روي قط في صحيح ولا في كذب مشهور. فأبعد الله من عمله فقد كنا نقول ذلك في المنام، فذكر هذا في ليلة الإسراء كافأهم الله وجزاهم النار، يشبهون الله بعروس..؟ ما قال هذا مسلم..؟؟ وأما ذكر البرد في الحديث الماضي، فإن البرد عرض، لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وقد ذكر القاضي في كتاب الكفاية عن أحمد: رأيت ربي في أحسن صورة، أي في أحسن موضع.
الحديث الثالث
روت أم طفيل امرأة أبي رضي الله عنهما، أنها سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يذكر، أنه رأى ربه عز وجل في المنام في أحسن صورة، شاباً موقراً، رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب.
قلت: هذا الحديث يرويه نعيم بن حماد بن معاوية قال ابن عدي: كان يضع الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس نعيم بشيء في الحديث. وفي إسناده مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر، قال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله عز وجل؟ وقال مهنى بن يحيى، سئلت أحمد عن هذا الحديث، فأعرض بوجهه وقال: هذا حديث منكر مجهول يعني مروان بن عثمان قال ولا يعرف أيضاً عمارة، وقد روى عبيد الله بن أبي سلمة قال: بعث ابن عمر إلى عبد الله بن عباس هل رأى محمد ربه فأرسل إليه أن نعم قد رآه فرد الرسول إليه كيف رآه؟ قال: رآه على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة في صورة رجل.
قلت: وهذا الحديث تفرد به إسحاق وكذبه جماعة من العلماء وفي رواية عن ابن عباس (رآه كان قدميه على خضرة دونه ستر من لؤلؤ).
قلت: وهذا يرويه أبو إبراهيم بن الحكم بن ابان وقد ضعفه يحيى بن معين وغيره وفي رواية ابن عباس – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي أجعد أمرد عليه حلة خضراء).
قلت: وهذا يروى عن طريق حماد بن سلمة وكان ابن أبي العوجاء لزنديق ربيب حماد، وكان يدس في كتبه هذه الأحاديث، على أن هذا كان مناماً والمنام خيال.
ومثل هذه الأحاديث لا ثبوت لها، ولا يحسن أن يحتج بمثلها في الوضوء، فقد أثبت بها القاضي صفات الله تعالى فقال: قوله: شاب، وأمرد، وجعد، وقطط، والفراش والنعلان والتاج. قال: ثبت ذلك تسميد لا يعقل معناها، وليس في إثباتها أكثر من تقريب المحدث من القديم وذلك جائز كما روي (يدني عبده إليه) يعني يقربه إلى ذاته.
ومن يثبت بالمنام، وبما لا يصح نقله صفات، وقد عرفنا معنى الشاب والأمرد ما هو.
ثم يقول: ما هو كما نعلم، كمن يقول: قام فلان وما هو قائم، وقعد وليس بقاعد.
قال ابن عقيل: هذا الحديث مقطوع فإنه كذب، ثم لا تنفع ثقة الرواة إذا كان المتن مستحيلاً، وصار هذا كما لو أخبرنا جماعة من المعدلين: بأن جمل بالبزاز دخل في خرم إبرة الخياط. فإنه لا حكم لصدق الرواة مع استحالة خبرهم.
الحديث الرابع
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (انتهيت ليلة أسري بي إلى السماء فرأيت ربي، فرايت كل شيء من ربي، حتى لقد رأيت تاجاً مخوصاً من لؤلؤ).
قلت: هذا يرويه أبو القاسم عبد الله بن محمد بن اليسع عن القاسم بن إبراهيمز قال الأزهري: كنت أقعد مع ابن اليسع ساعة فيقول: (قد ختمت الختمة منذ قعدت وقاسم ليس شيء).
قال الدارقطني: هو كذاب.
قلت: كافأ الله عن عمل مثل هذا الحديث.
الحديث الخامس
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتهم الله عز وجل في غير الصورة التي كانو يعرفون فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: أنت ربنا…؟ وفي الصحيحين من حديث ابن سعيد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: فيأتيهم الجبار في غير صورة رأوه فيها أول مرة.
فيقول أنا ربكم، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقال: هل بينكم وبينه آية تعرفونها..؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن).
قلت: إعلم أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله سبحانه وتعالى، لا تجوز عليه الصورة التي هي هيئة وتأليف.
قال أبو سليمان الخطابي: معنى (فيأتيهم الله) أي يكشف الحجاب لهم حتى يرونه عياناً كما كانوا عرفوه في الدنيا استدلالاً.
وأما الصورة فتتأول على وجهين أحدهما: أنها بمعنى الصفة، يقال صورة الأمر كذا.
والثاني: أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور يخرج الكلام على نوعين من المطابقة، وقوله (في غير صورة رأوه فيها) دليل على أن المراد بالصورة الصفة لأنهم ما رأوه قبلها فعلمت أن المراد الصفة التي عرفوه فيها.
وقال غيره من العلماء: يأتيهم بأهوال القيامة، وصور الملائكة، ما لم يعهدوا مثله في الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربناه عرفناه، أي أتى بما يعرفونه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون فيكشف عن ساق: أي عن شدة كأنه يرفع تلك الشدائد المهولة، فيسجدون شكراً، وقال بعضهم: صورة يمتحن إيمانهم بها، كما يبعث الدجال فيقولون: نعوذ بالله منك.
وفي حديث أبي موسى عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن الناس يقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا فيقال: وتعرفونه إذا رأيتموه…؟ فيقولون: نعم فيقال: كيف تعرفونه ولم تروه…؟ فيقولون: إنه لا شبيه له، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله عز وجل فيخرون سجداً، قال ابن عقيل: الصورة على الحقيقة تقع على الأشكال والتخاطيط، وذلك من صفات الأجسام، والذي صرفنا عن كونه جسماً. الأدلة القطعية كقوله: (لَيسَ كَمَثَلِهِ شَيء).
ومن الأدلة العقلية: أنه لو كان جسماً لكان صورة وعرضاً، ولو كان حاملاً الأعراض، جاز عليه ما يجوز على الأجسام، وافتقر إلى صانع، ولو كان جسماً مع قدمه، جاز عليه ما يجوز على الأجسام، وافتقر إلى صانع، ولو كان جسماً مع قدمه، جاز قدم أحدنا، فاحوجتنا الأدلة إلى تأويل صورة تليق أضافتها إليه، وما ذلك إلا الحال الذي يوقع عليه أهل اللغة اسم صورة فيقولون كيف صورتك مع فلان؟ وفلان… على صورة من الفقر. والحال التي أنكروها العنف، والتي يعرفونها اللطف. فيكشف عن الشدة، والتغيرات أليق بفعله، فإما ذاته، فتعالى عن التغيير. نعوذ بالله أن يحمل الحديث على ما قالته المجسمة إن الصورة ترجع إلى ذاته، فإن في ذلك تجويز التغير على صفاته. فخرجوه في صورة إن كانت حقيقة، فذلك استحالة. وإن كانت تخيلاً فليس ذلك هو، إنما يريهم غيره.
الحديث السادس
روى مسلم في صحيحه من حديث المغيرة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ولا شخص أحب إليه المدحة من ال
قلت: لفظة الشخص يرويها بعض الرواة، ويروي بعضهم (لا شيء أغير من الله).
والرواة يروون بما يظنون به المعنى فيكون ذلك الشخص من تغيير الرواة، (والشخص لا يكون إلا جسماً مؤلفاً، وسمي شخصاً فإن له شخوصاً وارتفاعاً والصواب أنه يرجع ذكر الشخص إلى المخلوقين لا أن الخالق يقال له شخص، ويكون المعنى (ليس منكم أيها الأشخاص أغير من الله)، لأنه لما اجتمع الكل بالذكر، سمي بأسمائهم، ومثل هذا قول ابن مسعود: (ما خلق الله من جنة ولا نار أعظم من آية الكرسي).
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الخلق يرجع إلى الجنة، والنار إلى المخلوق لا إلى القرآن ومن هذا الجنس قوله تعالى (الجَنةَ يَومَئذ خَيرَ مُستَقراً وَأَحسنَ مَقيلاً) ومعلوم أن أهل النار لا مستقر لهم ولا مقيل. ويمكن أن يكون هذا من باب المستثنى من غير الجنس كقوله تعالى: (ما لَهُم بِهِ مِن عِلم إِلا اِتباع الظَن). وقد أجاز بعضهم إطلاق الشخص على الله تعالى وذلك غلط لما بيناه.
وأما الغيرة: فقد قال العلماء: كل من غلب من شيء اشتدت كراهيته له، فلما حرم الفواحش وتوعد عليها وصفه رسوله بالغيرة.
الحديث السابع
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض). المعنى مقدار قبضته وليست على ما يتصور من قبضات المخلوقين فإن الحق منزه عن ذلك.
وإنما أضيفت القبضة إليه لأن أفعال المملوك نسب إلى المالك، وذلك أنه بعث من قبض كقوله تعالى: (فَطَمَسنا أَعيُنُهُم).
وقد روي محمد بن سعد في كتاب الطبقات: أن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض فخلق من آدم فمن ثم قال (أَأَسجُد لِمَن خَلَقتُ طيناً).
قال القاضي لا يمتنع إطلاق اسم القبض إليه وإضافة القبضة لا على معنى الجارحة ولا على المعالجة والممارسة.
قلت: فيقال له: أطلقت وما تدري.
قال أبو عمر الزاهد: الجبار ها هنا الطويل، يقال: نخلة جبارة.
قال ابن قتيبة: الجبار ههنا الملك، والجبابرة الملوك.
قال القاضي: نحمله على ظاهره. وان الجبار هو الله تعالى، لانا لا نثبت ذراعاً هو جارحة.
قلت: واعجباً اذ ذهبت العقول على هذا الحد؟ قال: ويجوز ان يقال: إن الذراع إثنان وأربعون مرة، حتى يبلغ جلد الكافر، ويضاف إلى الذات القديم، ثم قال: ليس بجارحة، فإذا لم يكن جارحة كيف ينشئ أربعين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الحديث الثامن
روى القاضي عن مجاهد أنه قال: إذا كان يوم القيامة يذكر داود سعيد، فقرصها قرصة شديدة فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن آدم أوجعتني.
فقال: ذلك أردت ان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن الله لما قضى خلقه، استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى، ثم قال: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا).
قال أبو سعيد: لا جرم لا أفعله هذا).
قال أبو سعيد: لا جرم لا أفعله أبداً.
قلت: وقد رواه عبد الله بن أحمد عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصاغاني قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن سعيد بن الحارث عن عبيد الله بن حنين قلت:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وما رأيت هذا في الحديث في ديوان من دواوين الشريعة المعتمد عليها. وكان أحمد بن حنبل يذم إبراهيم بن المنذر ويتكلم فيه، وقال زكريا الساجي عنده مناكير، وقال يحيى بن معين: فليح ليس حديثه بالجائز. وقال مرة: هو ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي.
وأما عبيد بن حنين فقال البخاري، لا يصح حديثه في أهل المدينة، وقال أبو بكر البيهقي: إذا كان فليح مختلف في جواز الاحتجاج عند الحفاظ لم يثبت بروايته مثل هذا الأمر العظيم قال: وفي الحديث علة أخرى، وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة. وله خمس وسبعون سنة، في قول الواقدي، فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة. وقول الراوي: فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد لا يرجع إلى عبيد بن حنين وإنما يرجع إلى من أرسله عنه ونحن لا نعرفه قال: ولا نقبل المراسيل في الأحكام فكيف هذا الأمر العظيم.
فقال أحمد: ثم لو صح طريقه احتمل أن يكون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حدث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم، فلم يفهم قتادة إنكاره عليهم.
قلت: ومن هذا الفن حديث رويناه، أن الزبير سمع رجلاً يحدث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاستمع له الزبير حتى إذا قضى الرجل حديثه، قال له الزبير: (أنت سمعت هذا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -..؟ قال: نعم، قال: هذا وأشباهه يمنعنا أن نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: لعمري سمعت هذا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ابتدأ بهذا الحديث. فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت يومئذ بعد انقضاء صدر الحديث، وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت به أنه من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
قلت: وغالب الظن أن الإشارة في حديث الزبير إلى حديث قتادة، فإن أهل الكتاب قالوا: إن الله تعالى لما خلق السموات والأرض استراح فنزل قوله تعالى: (وَما مَسَنا مِن لَغوب).
فيمكن أن يكون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حكى ذلك عنهم، ولم يسمع قتادة أول الكلام.
وقد روى عبد الرحمن بن أحمد في كتاب السنة عن أبي سفيان قال: (رأيت الحسن قد وضع رجله اليمنى على شماله وهو قاعد، فقلت: يا أبا سعيد تكره هذه العقدة.؟ فقال: قاتل الله اليهود ثم قرأ: (وَلَقَد خلَقنا السَمواتِ وَالأرض وَما بَينَهُما في سِتَةِ أَيام وَما مَسَنا من لَغوب) فعرفت ما عنى فامسكت.
قلت: وإنما أشار الحسن إلى ما ذكرنا عن اليهود.
قلت: إنما أشار الحسن إلى ما ذكرناه عن اليهود. وروينا عن العوام بن حوشب قال: سألت أبا مجلز عن رجل يجلس فوضع إحدى رجليه على الأخرى قال: لا بأس وانما ذكره ذاك اليهود زعموا ان الله عز وجل خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
قلت: وقد تأول بعض العلماء الحديث الذي نحن فيه على تقدير الصحة فقال: معنى استلقى أتم خلقه، وفرغ يقال فلان بنى لفلان داره واستلقى على ظهره أي لم يبق له فيها عمل. وقوله: وضع رجلاً على رجل أي وضع بعض المخلوقات على بعض، وذهب القاضي إلى جعل الاستلقاء صفة وان وضع رجلاً على رجل ثم قال: لا على وجه يعقل معناه. قال: ويفيد الحديث إثبات رجلين.
قلت: ولو لم يعقله ما أثبت رجلين ولم نثبت بمثل هذا الحديث المعلول، ولو لم يكن معلولاً لم نثبت صفة باخبار احاد ولم لم يعقل معناه ما قال لا يصلح للبشر ولا كان يقع هي وانما النهي أشبه ما بين الفعلين.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، أنهم كانوا يستلقون ويضعون رجلاً على رجل وإنما يكره هذا لمن لا سراويل له.
الحديث التاسع
روى القاضي عن ابن عطية ان رجلاً من المشركين سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمل عليه رجل من المسلمين فقاتله وقتل الرجل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تعجبون من نصر الله ورسوله لقي الله متكئاً فقعد له).
قلت: هذا حديث مقطوع بعيد الصحة، ولو كان له وجه كان المعنى: فاقبل عليه وأنعم.
الحديث العاشر
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لا تزال جهنم يلقي فيها وتقول: هل من مزيد..؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتمتلئ).
قلت: الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا تتبعض ولا يحويها مكان ولا توصف بالتغير ولا بالانتقال.
وقد حكى أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري أنه قال: القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها، وقال الأمام ابن الأعرابي: القدم المتقدم، وروى أبو بكر البيهقي عن النضر بن شميل أنه قال: القدم ههنا الكفار الذين سبق في علم الله أنهم
من أهل النار.
وقال: أبو منصور الأزهري، القدم هم الذين قدم الله بتخليدهم في النار فعلى هذا يكون في المعنى وجهين أحدهما: كل شيء قدمه.
يقال: لما قدم، ولما هدم هدم ويؤيد هذا قوله في تمام الحديث (وأما الجنة فينشئ لها خلقاً).
ووجه ثان: إن لكل قادم عليها سمي قادماً، فالقدم جمع قادم.
فبعض الرواة رواه بما يظنه المعنى من ان المقدم الرجل، وقد رواه الطبراني من طرق، فقال: قدمه ورجله قلت: وهذا دليل على تغير الرواة بما يظنونه على أن الرجل في اللغة جماعة.
ومن يرويه بلفظ الرجل فإنه يقول: رجل من جراد. فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم رجل الجراد، فيسرعون التهافت فيها.
قال القاضي: القدم صفة ذاتية. وقال ابن الزاغوني: نقول إنما وضع قدمه في النار ليخبرهم أن أصنافهم تحترق وأنا لا أحرق. قلت: وهذا اثبات تبعيض، وهو من أقبح الاعتقادات.
قلت: ورأيت أبا بكر بن خزيمة قد جمع كتاباً في الصفات وبوبه فقال: باب إثبات اليد،
باب امساك السموات على أصابعه، باب إثبات الرجل وإن رغمت انوف المعتزلة ثم قال: قال الله تعالى: (أَلَهُم أَرجُلٌ يَمشونَ بِها أَم لَهُم أَيدٍ يَبطُشونَ بِها).
فأعلمنا أن من لا يد له ولا رجل فهو كالأنعام.
قلت: واني لأعجب من هذا الرجل مع علو قدره في علم النقل، يقول هذا ويثبت الله ما ذم الأصنام بعدمه من اليد الباطشة والرجل الماشية، ويلزمه أن يثبت الأذن، ولو رزق الفهم ما تكلم بهذا، وأفهم ان الله تعالى عاب الأصنام عند عابديها، والمعنى: لكم أيد وارجل فكيف عبدتم ناقصاً ولا يد له يبطش ولا رجل يمشي بها.
قال ابن عقيل: تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة، هذا عين التجسيم، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها، ثم أنه لا يعمل في النار أمره وتكوينه حتى يستعين بشيء من ذاته ويعالجها بصفة من صفاته وهو القائل.
(كوني بَرداً وَسَلاماً).
فما أسخف هذا الاعتقاد وأبعده عن مكون الأملاك والأفلاك فقد نطق بتكذيبهم فقال تعالى: (لَو كانَ هَؤُلاء آلهة ما وردوها).
فكيف يظن بالخالق أنه يردها..؟ تعالى الله عن تجاهل المجسمة.
الحديث الحادي عشر
روى أبو هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ضرس الكافر مثل أحد، وكثافة جلده إثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار).الحديث الثاني عشر
روى سليمان قال: إن الله تعالى لما خمر طينة آدم ضرب بيده فيه، فخرج كل طيب في يمينه، وكل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، فمن ثم يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي).
قلت: وهذا مرسل وقد ثبت بالدليل أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بمس شيء، فإن صح فضرب مثل لما جرت به الأقدار.
وقال القاضي: تخمير الطين وخلط بعضه ببعض مضاف إلى اليد التي خلق بها آدم.
قلت: وهذا التشبيه المحض..؟
الحديث الثالث عشر
روى عبيد بن حنين قال: بينما أنا جالس في المسجد، إذ جاء قتادة بن النعمان فجلس يتحدث ثم قال: (انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أخبرت أنه قد اشتكى، فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد فوجدناه مستلقياً واضعاً رجله اليمنى على اليسرى، فسلمنا عليه وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رجل أبي ذنبه فيقول الله: (كن أمامي، فيقول: يا رب ذنبي، فيقول: كن خلفي، فيقول: يا رب ذنبين فيقول: خذ بقدمي).
قال: وفي لفظ عن ابن سيرين قال الله تعالى: (ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه).
قلت: والعجب من إثبات صفات الحق سبحانه وتعالى بأقوال التابعين، وما تصح عنهم ولو صحت فإنما يذكرونها عن أهل الكتاب، كما يذكر وهب بن منبه.
قال القاضي: نحمله على ظاهره، لأنا لا نثبت قدماً ولا فخذاً هو جارحة وكذلك لا نثبت الإمام. قلت: واعجباً لقد كملوا هيئة البدن باثبات فخذ وساق، وقدم، ووجه، ويدين وأصابع، وخنصر وابهام وجنب، وحقو وصعود ونزول، ويقولون تحمل على ظاهرها وليست جوارح، وهل يجوز لعاقل ان يثبت لله تعالى خلفاً وإماماً وفخذاً..؟ ما ينبغي أن يحدث هؤلاء.
ولا نا قد عرفنا الفخذ فيقال: ليس بفخذ، والخلف ليس بخلف، ومثل هؤلاء لا يحدثون، فإنهم يكابرون العقول، وكأنهم يحدثون الأطفال.
الحديث الرابع عشر
روى البخاري ومسل في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يضحك الله من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة).
وفي إفراد مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آخر من يدخل الجنة وضحك، فقيل: مم تضحك..؟ فقال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئي بي..).
قلت: اعلم ان الضحك له معان ترجع إلى معنى البيان والظهور، وكل من أبدى من أمر كان مستوراً قيل قد ضحك. يقال: ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر ما فيها، وانفتحت عن زهره، كما يقال: بكت السماء.
قال الشاعر:
كُلُ يَومٍ بِالاقحُوانِ جَديد تَضحَكُ الأَرضَ مِن بَكاء السَماء
وكذلك الضحك الذي يعتري البشر إنما هو انفتاح الفم عن الإنسان، وهذا يستحيل
على الله تعالى فوجب حمله على ابداء الله كرمه، وإبانة فضله. ومعنى: ضحكت لضحك ربي، أبديت عن أسناني بفتح فمي، لإظهار فضله وكرمه وقول الآخر: لن نعدم من رب يضحك خيراً، أي يكشف الكرب، فرقاً بينه وبين الأجسام التي لا يرجى خيرها.
قلت: وهذا تأويل جماعة من العلماء، وقال الخطابي: معنى ضحك الجبار عز وجل عن الرضى وحسن المجازاة.
وقد روي في حديث موقوف: (فضحك حتى بدت لهواته وأضراسه) ذكره الخلال في كتاب السنة. وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في هذا الحديث..؟ قال: هذا بشع.
قال: ثم على تقدير الصحة يحتمل امرين: أحدها: أن يكون ذلك راجعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه ضحك حين أخبر بضحك الرب، حتى بدت لهواته وأضراسه، كما روي أنه ضحك حتى بدت نواجذه، وهذا هو الصحيح لو ثبت الحديث. وإنما هو مقطوع.
الثاني: أن يكون تجوزاً من كثرة الكرم وسعة الرضا، كما جوز بقوله: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).
قال القاضي: لا يمتنع الأخذ بظاهر الأحاديث في امرارها على ظواهرها من غير تأويل. لأنا لا نثبت ضحكاً هو فتح الفم ولا أضراساً ولهوات وجوارح وأبعاضاً.
قلت: واعجباً قد أثبت الله صفات بأحاديث وألفاظ لا تصح.
قال أحدهم وإذا لم يثبته ضحكاً معقولاً فقد تأول ولا يدري، وواعجباً قد عرف ان الضحك يشار به إلى الفضل والإنعام. فالأضراس ما وجهها؟ والله لو رويت في الصحيحين وجب ردها، فكيف وما ثبتت أصلاً، وقد روى أحمد لو ان الناس اعتزلوهم يعني الأمراء فقال: اضرب على هذا وهذا الحديث في الصحيحين فكيف بحديث لا يثبت يخالف المنقول والمعقول. ومن أثبت الأضراس صفة فما عنده من الإسلام خبر.
الحديث الخامس عشر
روى القاضي أبو يعلى: عن عبد الله بن عمر موقوفاً أنه قال: لما خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر.
قلت: وقد أثبت به القاضي ذاراعين وصدراً لله عز وجل.. وقال: ليس بجوراح، وهذا قبيح، لأنه حديث ليس بمرفوع ولا يصح، وهل يجوز ان يخلق مخلوق من ذات الله القديم..؟ هذا أقبح مما ادعاه النصار..؟؟
الحديث السادس عشر
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله يدني عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه ويقول: أتعرف ذنب كذا).
قال العلماء: يدينه من رحمته ولطفه. وقال ابن الأنباري وكنفه: حياطته وستره، يقال: قد كنف فلان فلاناً: إذا أحاطه وستره، وكل شيء ستر شيئاً فقد كنفه، ويقال
للترس كنيف لأنه يستر صاحبه، قال القاضي: يدينه من ذاته، وهذا قول من لم يعرف الله عز وجل، ولا يعلم أنه لا يجوز عليه الدنو الذي هو مساحة. وكذلك قوله: أنه ليدنو به يوم عرفة: أي يقرب بلطفه وعفوه.
الحديث السابع عشر
روى مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية ترعى غنماً لي، فانطلقت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي. فقلت: ألا أعتقها..؟ قال: ائتي بها.
فأتيته بها، فقال لها: أين الله..؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا: قالت: أنت رسول الله.
قال: اعتقها فإنها مؤمنة.
قلت: قد ثبت عند العلماء ان الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها.
الحديث الثامن عشر
رواه أبو رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق..؟
قال: كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
قلت: هذا حديث تفرد به علي بن عطاء عن وكيع بن عدس (حدس)، وليس لوكيع راو غير يعلى والعماء السحاب.
اعلم أن الفوق والتحت يرجعان إلى السحاب لا إلى الله تعالى، وفي معنى فوق، فالمعنى: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر، ولما كان القوم يأنسون بالمخلوقات، سألوا عنها، والسحاب من جملة خلقه، ولو سئل عما قبل السحاب، لأخبر ان الله تعالى كان ولا شيء معه، كذلك روى عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كان الله ولا شيء معه). وقال أبو الحسن ابن المنادي ونقلته من خطه: وصف الهواء بالفوقية والتحتيو مكروه عن أهل العلم لما في ذلك من الجعل كالوعاء لمن ليس كالأشياء جل وتعالى، قال: ولسنا نختلف أن الجبار لا يعلوه شيء من خلقه بحال، وأنه لا يحل بالأشياء بنفسه، ولا يزول عنها، لأنه لو حل بها لكان منها، ولو زال عنها لنأي عنها فاتفاقنا على هذا أكثر من هذا الخبر على المعنى المكروه، والتأويل المألوف.
الحديث التاسع عشر
روى البخاى ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: (من يدعوني فاستجيب له).
قلت: وقد روى حديث النزول عز وجل الحركة والنقلة والتغيير. فيبقى الناس
رجلين، أحدهما المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته. وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: (وَأنَزَلنا الحَديد فيهِ بَأسٌ شَديد).
وإن كان معدنه بالأرض وقال: (وَأَنزَلنا لَكُم مِن الأَنعام ثَمانية أَزواج).
ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل..؟ والثاني: الساكت عن الكلام في ذلك. روى أبو عيسى الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت: وواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلى أسفل، وهذا لا يجوز على الله تعالى قطعاً.
فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول؟ قيل: أراد به معنى يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا: قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقتنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام.
قال ابن حامد: هو على العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل.
قلت: وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله تعالى: وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال. قلت: وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز على الخالق. وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة.
الحديث العشرون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني مجهود. فقال من يضيف هذا هذه الليلة..؟).
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به فقال لامرأته: هل عندك شيء..؟
قالت: لا إلا قوت صبياني
قال: فعلليهم بشيء إذا أرادوا الصبية العشاء فنوميهم. فإذا دخل ضيفنا فأطفيء السراج، وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح إذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال:(لقد عدب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة).
وفي أفراد البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: عجب ربك من قوم جيء بهم في السلاسل حتى يدخلهم الجنة.
قال العلماء: العجب إنما يكون من شيء يدهم الإنسان فيستعظمه مما لا يعلمه وهذا لا يليق بالخالق سبحانه، لكن معناه: عظم قدر ذلك الشيء عنده لأن المتعجب من شيء يعظم قدره عنده، ومعنى في السلاسل: أكرهوا على الطاعة التي بها يدخلون الجنة. وقال ابن الأنباري: معنى عجب ربك: زادهم إنعاماً وإحساناً، فعبر بعجب عن هذا.
وقال ابن عقيل: العجب في الأصل استغراب الشيء وذلك يكون من علم ما لم يعلم، وإلا فكل شيء أنس به لا يتصور العجب منه، فإن الإنسان إذا رأى حجر المغناطيس يجذب الحديد ولم يكن رآه قبل ذلك عجب، والباري سبحانه لا يعزب عن علمه شيء، فأين العجب منه؟ فلم يبق للحديث معنى إلا أن يكون فعل شيء أعجبه فعله وكذلك الضحك لا يصدر إلا عن راضٍ ولذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لله أفرح بتوبة عبده) أي رضى، ومنه قوله تعالى: (كُلُ حِزبٍ بِما لَدَيهُم فَرِحون). أي راضون.
وقال القاضي: لا نثبت عجباً هو تعظيم الأمر بل نثبت ذلك صفة، وهذا ليس بشيء.
الحديث الحادي والعشرون
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب، من أحدكم براحلته إذا وجدها).
قال المصنف: لما كان سروراً بشيء راضياً به قيل له فرح، والمراد الرضا بتوبة التائب، ولا يجوز أن يعتقد في الله تعالى من التأثر الذي يوجد في المخلوقين، فإن صفات الحق قديمة لا يحدث لها صفة.
الحديث الثاني والعشرون
روى مسلم في إفراده من حديث أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه إلى قوله:، إلى قوله: حجابه النور).
وفي رواية: النار ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
قلت: معنى يخفض القسط ويرفعه: أي يخفض بعدل ويرفع بعدل، وقوله: حجابه النور.
ينبغي أن يعلم أن هذا الحجاب للخلق عنه، لأنه لا يجوز أن يكون محجوباً لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره، ويستحيل أن يكون جسماً أو جوهراً أو متناهياً محاذياً أذ جميع ذلك من امارات الحدث، وإنما عرف الناس حدوث الأجسام من حديث وجودها متناهية محدودة محلاً للحوادث.
وكما أنه لا يجوز أن يكون لوجوده ابتداء ولا انتهاء لا يصح أن يكون لذاته انتهاء، وإنما المراد: أن الخلق محجوبون عنه كما قال سبحانه وتعالى: (كَلا إِنَهُم عَن رَبِهُم يَومَئذٍ لَمَحجوبون).
وقد روى سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة.
قلت: وهذا حديث لا يصح ولو كان صحيحاً كانت الحجب للخلق لا للحق. واما السبحات فجمع سبحة، قال أبو عبيدة لم نسمع هذا إلا في هذا الحديث، قال: ويقول أن السبحة جلال وجهه. ومنه قوله: سبحان الله وإنما هو تعظيم له وتنزيه. وقال ابن خزيمة: باب صفة وجه ربنا ثم ذكر حديث السبحات متوهماً النور المعروف، والخالق منزه عن النور الجسماني. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال: سئلت أحمد بن يحيى عن قوله: لأحرقت سبحات وجهه فقال: السبحات الموضع الذي يسجد عليه. قلت: فعلى هذا يكون الخطاب بما يعرفون كما قال: (قلوب العباد بين أصبعين).
وقال القاضي: لا يمنع اطلاق حجاب من دون الله تعالى، لا على وجه الحد والمحاذاة.
قلت: وهذا كلام مختلط لا ترضى به العوام.
الحديث الثالث والعشرون
روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (هل الجنة يرون
ربهم تعالى في كل جمعة، في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلساً أسرعهم إليه يوم الجمعة).
قوله: في رمال الكافور: إشارة إلى الحاضرين. ثم في رمال الكافور وأقربهم منه أي أحظاهم عنده.
وفي حديث آخر: (المقسطون يوم القيامة عن منابر من نور على يمين الرحمن).
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: وكلتا يديه يمين مباركة.
وهذا يوهن ذكر الشمال. وقال أبو بكر البيهقي: وكان الذي ذكر الشمال رواه على العادة في أن الشمال يقابل اليمين. قال القاضي: غير مستحيل إضافة القبض والبسط إلى ذاته وقد سبق إنكار هذا.
الحديث السادس والعشرون
روى أحمد في مسنده من حديث أنس – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (فَلَما تَجَلى رَبِهِ لِلجَبل).
قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، فقال حميد الطويل لثابت: ما تريد إلى هذا يا ابا محمد، قال فضرب صدره ضربة شديدة فقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد. فحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: فأومئ بخنصره فساخ الجبل وخر موسى صعقاً).
وروى ابن حامد، فلما تجلى ربه للجبل قال: خرج منه أول مفصل من خنصره.
قلت: هذا الحديث تكلم فيه علماء الحديث وقالوا: لم يروه عن ثابت غير حماد بن سلمة وكان ابن أبي العوجاء الزنديق قد أدخل على حماد أشياء، فرواها في آخر عمره ولذلك تجافى أصحاب الصحيح الإخراج عنه، ومخرج الحديث سهل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرب إلى الأفهام بذكر الحسيات، فوضع يده على خنصره إشارة إلى أن الله تعالى أظهر اليسير من آياته.
قال ابن عقيل: كشف من أنواره التي يملكها بقدر طرف الخنصر وهذا تقدير لنا بحسب ما نفهم من القلة لا نحكم أنه يتقدر. فإن قيل: كيف أنكر حميد على ثابت؟ قلنا: يحتمل أن يكون توهم ان هذا يرجع إلى الصفات وقد أثبت القاضي لله سبحانه خنصراً بهذا الحديث المعلول.
الحديث السابع والعشرون
روى القاضي عن عكرمة أنه قال: (إذا أراد الله عز وجل أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تتزلزل، وإذا أراد أن يدمدم على قوم تجلى لها).
قال القاضي: أبدى عن بعضه، هو على ظاهره، وهو راجع إلى الذات على وجه لا يفضي إلى التبعيض.
قلت: ومن يقول أبدى عن بعض ذاته، وما هو بعض لا يكلم. ثم إثبات البعض بكلام تابعي لو صح يخالف اجماع المسلمين فإنهم اجمعوا ان الخالق لا يتبعض وإنما المراد أبدى عن آياته.
الحديث الثامن والعشرون
روى أبو الأحوص الجشمي رضي الله الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
له: لعلك تأخذ موساك فتقطع أذن بعضها فيقول هذه نحر، وتشق الأذن الأخرى وتقول: صرم..؟ قال: نعم. قال: فلا تفعل، فإن موسى الله أحد من موساك، وساعد الله أشد من ساعدك.
قال القاضي: لا يمتنع حمل الخبر على ظاهرة في إثبات الساعد صفة لذاته.
وان المراد بالساعد القوة، لأن قوة الإنسان في ساعده غفلة عامية وخروج عن مقتضى الفهم. وكان ينبغي أن يثبت الموسى…؟ قلت: إثبات صفة الله بهذا الخبر الذي لا يكاد يثبت مع الأعراض عن فهم خطاب العرب وإنها تريد تمثل هذا التجوز والاستعارة.
الحديث التاسع والعشرون
روى أبو هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن).
قلت: قد ذكرنا صفة العين في الآيات المذكورة قبل الأحاديث والمراد بالحديث ان الله تعالى يشاهد المصلي فليتأدب. وكذلك قوله: (فإن الله قبل وجهه) أي أنه يراه.
الحديث الثلاثون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. دخل عليها وعندها امرأة سعيد. فقال: من هذه..؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها.
فقال: مه عليكم ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا).
وفي لفظ: لا يسأم الله حتى تسأموا.
قال العلماء: أبداً وان مللتم. لا يمل الله وهو قول ابن قتيبة والخطابي ولا يختلف في أهل اللغة.
قال الشاعر:
صَلَيتُ مِنى هُذَيلٌ بِخَرِقٍ لا يَملُ المُشيرَ حَتّى يَمل
المعنى: لا يمل وإن ملوا، لم يكن له فضل عليهم، وقال قوم: من مل من شيء تركه. والمعنى. لا يترك الثواب ما لم يتركوا العمل، وأما الملل الذي هو كراهة الشيء والاستثقال له، ونفور النفس عنه والسآمة منه، فمحال في حقه تعالى، لأنه يقتضي تفسيره، لأنه تغير وحلول الحوادث في حقه.
وقال القاضي: لا يمتنع إطلاق الملل عليه لا معنى السأمة.
قلت: وهذا بعيد عن معرفة اللغة وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، ومن لفظ السأمة التي منع بها.
الحديث الحادي والثلاثون
روت خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آخر وطأة وطئها الرحمن بوج؛ ووج (واد بالطائف) وهي آخر وقعة أوقعها الله بالمشركين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنه قوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر).
ومأخوذ من القدم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره، وقال سفيان بن عيينة في تفسير هذا الحديث: آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف.
وقال القاضي: غير ممتنع على أصولنا، حمل هذا الخبر على ظاهره، وإن ذلك المعنى بالذات دون الفعل، لأنا حملنا قوله: (ينزل ويضع قدمه في النار) على الذات.
قلت: وهذا الرجل يشير بأصولهم إلى ما يوجب التجسيم والانتقال والحركة، وهذا مع التشبيه بعيد عن اللغة ومعرفة التواريخ وأدلة العقول، وإنما اغتر بحديث روي عن كعب إنه قال: (ووج مقدس، منه عرج الرب إلى السماء، ثم قضى خلق الأرض).
وهذا لو صح عن كعب احتمل أن يكون حاكياً عن أهل الكتاب، وكان يحكي عنهم كثيراً، ولو قدرناه من قوله كان معناه: ان ذلك المكان آخر ما استوى من الأرض لما خلقت، ثم عرج الرب، أي عمد إلى خلق السماء وهو قوله: (ثُمَ اِستَوى إِلى السَماءِ وَهِيَ دُخان).
ويروى عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما اسرى بي؛ مر بي جبريل – عليه السلام – حتى أتى بي إلى الصخرة، فقال: يا محمد من ها هنا عرج ربك إلى السماء).
قلت: وهذا يرويه بكر بن زياد، وكان يضع الحديث عن الثقات، فإن قيل: قال ابن عباس: استوى إلى السماء: صعد قلنا: صعد أمره، إذ لا يجوز عليه الانتقال والتغيير.
واعلم أن الناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب: أحدها: إمرارها على ماجاءت من غير تفسير ولا تأويل، إلا أن تقع ضرورة كقوله: (جاءَ رَبُكَ) أي جاء أمره وهذا مذهب السلف.
المرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضى الحس، وقد عم جهلة الناقلين، إذ ليس لهم حظ من
علوم المعقولات التي بها يعرف ما يجوز على الله وما يستحيل فإن علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فإذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس. وإليه أشار القاضي بقوله: (لا يمتنع أن تحمل الوطأة التي وطئها الحق على أصولنا وإنه معنى يتعلق بالذات). وأصولهم على زعمه ترجع إلى الحس، ولو فهموا أن الله تعالى لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا تغير، ما بنوا على الحسيات.
والعجب ان يقر بهذا القول ثم يقول: (من غير نقلة ولا حركة) فينقض ما يبني.
ومن أعجب ما رأيت لهم ما أنبأنا عبد العزيز بن كادس، قال: أنبأنا أبو طالب العشاري قال: أنبأنا البنا، قال: انبأنا أبو الفتح ابن أبي الفوارس قال: انبأنا أبو علي بن الصواف، قال: انبأنا أبو جعفر بن عثمان بن أبي شيبة أنه قال في كتاب (العرش) إن الله تعالى قد أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى العرض فاستوى على العرش.
قلت: ونحن نحمد الله إذ لم يبخس حظنا من المنقولات، ولا من المعقولات ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعاب الناس كلامهم.
الحديث الثاني والثلاثون
روى أبو إمامة – رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما تقرب العباد آل الله تعالى، بمثل ما خرج منه وهو القرآن).
وفي حديث عثمان – رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال (فضيلة القرآن على سائى الكلام كفضل الله على خلقه إن القرآن منه خرج وإليه يعود).
قلت: والمعنى إنه وصل إلينا من عنده وإليه يعود فيرفع.
الحديث الثالث والثلاثون روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا).
وهذا حديث موضوع يرويه إبراهيم بن مهاجر عن عمر بن حفص، وأما عمر بن حفص فقال أحمد بن حنبل: صرفنا حديثه، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم بن حبان الحافظ: وهذا متن موضوع.
الحديث الرابع والثلاثون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة.
قلت: وهذه أمثال كلها ترجع إلى ما بينا، ومعنى تعلقها بحقو الرحمن: الاستجارة والاعتصام.
وفي الصحيحين من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله).
قال أبو بكر البيهقي: الحقو الإزار، والمعنى: يتعلق بعزه.
قال ابن حامد: يجب التصديق بأن الله تعالى حقواً، فتأخذ الرحم بحقوه.قال: وكذلك نؤمن
بأن الله جنباً لقوله تعالى: (عَلى ما فَرَطتَ في جَنبِ اللَه).
قلت: وهذا لا فهم له أصلاً، كيف يقع التفريط في جنب الذات..؟ قال: والمراد بالتعلق القرب والمماسة بالحقو كما روي أن الله تعالى يدني إليه داود حتى يمس بعضه.
قلت: قد طم القاضي على هذا فقال: لا على وجه الجارحة والتبعيض، والرحم أخذه بها لا على وجه الجارحة والتبعيض، والرحم أخذه بها لا على وجه الاتصال والمماسة، ثم نقض هذا التخليط وقال: في الخبر اضمار تقديره ذو الرحم يأخذ بحقو الرحمن فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، قال: لأن الرحم لا يصح عليها التعلق فالمراد ذو الرحم يتعلق بالحقو.
قلت: فقد زاد على التشبيه والتجسيم، والكلام مع هؤلاء ضائع كما يقال لا عقل ولا قران، وإذا تعلق ذو الرحم وهو جسم فبماذا يتعلق؟.
نعوذ بالله من سوء الفهم.
الحديث الخامس والثلاثون
روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: (الكبرياء ردائي والعظمة ازاري فمن ناز عني في شيء منهما عذبته).
قال أبو سليمان الخطابي معنى الكلام: أن الكبرياء والعظمة صفتان لله تعالى: اختص بهما لا يشاركه فيهما أحد، ولا ينبغي لمخلوق ان يتعاطاهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل وضرب الازار والرداء. مثلاً يقول – والله اعلم – كما لا يشارك الإنسان في إزاره وردائه أحد، كذلك لا يشاركني في الكبرياء والعظمة مخلوق.
الحديث السادس والثلاثون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
قلت: ذهب القاضي إلى أن الله نفساً هي صفة زائدة على الذات.
وهذا قول مبتدع بنوع التشبيه لأنه لا يفرق بين الذات والنفس، وما المانع أن يكون المعنى ذكرته أنا وقد سبق هذا في الكلام على الآيات، والتقرب والهرولة، توسع في الكلام كقوله تعالى: (سَعوا في آياتِنا).
لا يراد به المشي.
الحديث السابع والثلاثون
روى أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله جميل يحب الجمال).
قال العلماء: الجميل المجمل بتحسين الصور والأخلاق والإحسان، والذي أراه أن الجميل الذي أوصافه تامة مستحسنة.
وقد فسره القاضي بما لا يليق بالحق سبحانه فقال: غير ممتنع وصفه بالجمال وإن ذلك
صفة راجعة إلى الذات، لأن الجمال في معنى الحسن.
قال: وقد تقدم قوله… (رأيت ربي في أحسن صورة).وهذا تشبيه محض.
الحديث الثامن والثلاثون
روى القاضي عن عمر بن عبد العزيز: (إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل يمشي في ئلل من الغمام والملائكة فيقف على أول درجة فيسلم عليهم، فيردون عليه السلام فيقول:
سلوني.فيقولون: وماذا نسألك..؟ وعزتك وجلالك وارتفاعك في مكانك لو إنك قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم وأسقيناهم ولم ينقص ما عندنا.
فيقولون: بلى سلوني.فيقولون: نسألك رضاك. فيقول: رضاي، أحللكم دار كرامتي، فيفعل هذا بأهل كل درجة حتى ينتهي إلى مجلسه).
قلت: هذا حديث مكذوب به على عمر. وبعد كيف يثبت لله صفة بقول عمر. قال ابن حامد: يأتي يوم القيامة إلى المحشر لقوله: (يأتي ربك على وقت نزوله إلى السماء) وقال: الحديث يشهد لحديث عمر يعني قوله تعالى: (يَأتيهُم اللَهَ في ظَلَلٍ مِنَ الغَمامِ).
قلت: ولا يدري أن المعني يأتيهم الله بظلل قال: ولا يمتنع إمراره على ظاهره لأنه لا بد من مشيه وانتهائه إلى مجلسه عن انتقال.
قلت: من يقول يحمل هذا على ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا انتقال.
قلت: من يقول يحمل هذا على ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا إنتقال.
الحديث التاسع والثلاثون
روي عن عائشة – رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود قال: (وعدني ربي بالعقود على العرش).
قلت: هذا حديث مكذوب لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن حامد: يجب الإيمان بما ورد من المماسة والقرب من الحق لنبيه في اقعاده على العرش: قال: وقال ابن عمر: (وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لِزُلفى).
قال: ذكر الله الدنو منه حتى يمس بعضه.
قلت: وهذا كذب على ابن عمر ومن ذكر تبعيض الذات كفر بالاجماع.
قال القاضي: يقعد نبيه على عرشه بمعنى يدنيه من ذاته ويقربه منها ويشهد له قوله (فَكانَ قابَ قَوسَينِ أَو أَدنى). وقال ابن عباس: كان بينه وبينه مقدار قوسين.
قلت: هذا عن جبريل لا عن الله سبحانه ومن أجاز القرب من الذات اجاز الملاصقة وما ذهب إليه القاضي صريح في التجسيم.
الحديث الأربعون
روى الدارقطني من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر: أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب عز وجل فقال: (إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله).
هذا حديث مختلف جداً، فتارة يروي عن عبد الله بن خليفة عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة عن عمر موقوفاً عليه. وقد رواه أبو إسحاق عن ابن خليفة عن ابن عمر قال: (إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل.). ورواه ابن جرير عن عبد الله بن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ثم قال بأصبعه فجمعها.. وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا ركب من ثقله).
ورواه أبو بكر المرورزي إن ابن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكرسي الذي يجلس عليه الرب ما يفضل منه إلا مقدار أربعة أصابع).
قلت: هذا على ضد اللفظ الأول، وكل ذلك من تخليط الرواة وسوء الحفظ، والأليق فما يفضل منه مقدار أربع أصابع: والمعنى أنه قد ملأه بهيبته وعظمته، ويكون هذا ضرب مثل يقرب عظمة الخالق، وقول الرواة: إذ قعد وإذا جلس من تغييرهم أو من تعبيرهم بما ظنونه المعنى، كما قال القائل: ثم استوى على العرش قعد، وإنما قلنا هذا لأن الخالق سبحانه وتعالى لا يجوز أن يوصف بالجلوس على شيء فيفضل من ذلك الشيء، لأن هذه صفة الأجسام.
وقال الزاغوني: معنى الحديث خرج عن صفة الاستواء أربعة أصابع.
قلت: وهذا قد قصد به مغالطة العوام وهل لما قاله معنى إلا أن يقال إن هذه الأربعة لم تحاذ ولم تماس وكل هذا صريح في التشبيه ظاهر في التجسيم ثم هو اثبات صفات بما لا يحسن اثباته من الأحاديث المعلولة.
وقد روينا عن أبي بكر بن مسلم العائدي قال: هذا الموضع الذي يفضل لمحمد ليجلس عليه قال: وقد كان الأليق بهذا المتعبد ان يتشاغل بعبادته عن الكلام في هذا الفن.
وقد روي القاضي عن الشعبي أنه قال: ان الله تعالى قد ملأ العرش حتى أن له اطيطاً كأطيط الرحل.
قلت: هذا كذب على الشعبي. قال القاضي: وغير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في أن ذاته تملأ العرش ثم قال: لا على شغل مكان.
قلت: ومن يخلط هذا التخليط لا يكلم واعجباً ما يملأ مكانه يشغله. روى القاضي عن خالد بن معدان أنه قال: إن الرحمن ليثقل على حملة العرش، وقال غيره: ممتنع حمل هذا على ظاهره وإن ثقله يحصل على وجه المماسة.
الحديث الحادي والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: أن
يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار).
قلت: إنفرد بلفظ الصوت حفص بن غياث وخالفه وكيع وجرير وغيرهما، من أصحاب الأعمش، فلم يذكروا الصوت.
وسئل أحمد عن حفص قال: كان يخلط في حديثه. وفي الحديث الصحيح: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على الصفا). فرواه بعضهم بالمعنى الذي يظنه فقال: سمع صوته أهل السماء.
وفي حديث ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا).وهذا مع اللفظ الأول أليق وليس في الصحيح: سمع صوته أهل السماء.
الحديث الثاني والأربعون
روى جابر – رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما كلم الله موسى
عليه السلام يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي به ناداه، فقال له: يا موسى إني كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك فلما سمع رجع إلى بني إسرائيل قالوا: صف لنا كلام الرحمن..؟ قال: لا أستطيع قالوا: قربه لنا قال: ألم تسمعوا صوت الصواعق التي تقبل بأجلى كلام سمعتموه قط.
قلت: هذا حديث لا يصح يرويه علي بن عاصم عن الفضل بن عيس قال يحيى: ليس بشيء.
وقال النسائي: علي بن عاصم متروك الحديث. وقال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب واما الفضل بن عيسى فقال أبو السختياني: لو خلق أخرس كان خيراً له، وقال ابن عيينة: الفضل بن عيسى لا شيء، وقال يحيى: هو رجل سوء.
الحديث الثالث والأربعون
روى القاضي عن حسان بن عطية أنه قال: (الساجد يسجد على قدم الرحمن).
قلت: هذا قول تابعي، وهو مثل المقرب من فضل الله تعالى، وأثبت القاضي بهذا وصف قدم، وأنه يسجد على قدم حقيقة لا على وجه المماسة.
الحديث الرابع والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن الرائي في جنة عدن لا المرئي لأنه لا تحيط به الأمكنة.
وقال القاضي: ظاهر الحديث أنه المرئي في جنة عدن.
قلت: وهذا هو التجسيم المحض، ورداء الكبرياء ما له من الكبرياء والعظمة، فكأنه له أن يمنعهم فلعظمته، وإن شاء كشف لهم.
وقد تكلمنا على الوجه في الآيات وقلنا المراد بالوجه هو.
الحديث الخامس والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت).
قال القاضي: ظاهر قوله عنده القرب من الذات. واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالى: (مَسومَةً عِندَ رَبِكَ).
الحديث السادس والأربعون
روي عن بعض التابعين أنه قال: (خلق الله آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده).قلت: هذا حديث لا يثبت عن قائله وقد تكلمنا على قوله تعالى (لَمّا خَلَقتَ بِيَدي).
الحديث السابع والأربعون
روى ابن عباس – رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (وَسِعَ كُرسيهِ السَمواتِ وَالأَرض)، قال: كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره).
قلت: رواه جماعة من الأثبات فوقفوه على ابن عباس، ورفعه منهم شجاع بن مخلد فعلم بمخالفته الكبار المتقنين أنه قد غلط.
ومعنى الحديث: أن الكرسي صغير بالإضافة إلى العرش كمقدار كرسي يكون عنده سرير قد وضع لقدمي القاعد على السرير.
قال الضحاك: الكرسي الذي تجعل الملوك أرجلهم عليه وقال القاضي: القدم قدم الذات، وهي التي يضعها في النار.
الحديث الثامن والأربعون
حديث العباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك).
هذا حديث لا يصح تفرد به يحيى بن العلاء.
قال أحمد: هو كذاب يضع الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعة وقد تكلمنا في الفوقية في قوله تعالى (وَهُوَ القاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ).
قال القاضي: المراد من الفوقية: استواء الذات على العرش، وقال: هو على العرش ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وما عدا الجهة المحاذية للعرش وهو الفوق والخلف والأمام واليسرة لا يحد.
قلت: هذا الكلام أصل التجسيم لأن المحاذي يكون أكبر أو أصغر والمقادير لا تكون إلا في الأجسام.قال القاضي: إذا ثبت أنه مستو على العرش فهل يجوز أن نطلق عليه الجلوس والقيام، ما وجدت عن إمامنا في هذا شيئاً.
قلت: وكلا الشيئين لا يصح. أما لفظة القعود فقد رواها عن ابن عباس ولا يصح، وأما القيام فيرويها عيسى عن جابر عن عمر بن الصبح.
قال البخاري: قال عمر بن الصبح أنا وضعت خطبة رسول الله. وقال ابن حبان: وكان يضع الحديث على الثقات لا يصح كتب حديثه إلا على التعجب، وقال الدارقطني: متروك. وقال الأزدي: كذاب ذاهل.
قلت: وبمثل هذه يثبت لله صفة اين العقول؟ تعالى الحق ان يوصف بقيام وهو انتصاب القامة إنما هو قائم بالقسط، ولا يوصف بقعود ولأنها حالة الجسماني.
الحديث التاسع والأربعون
روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً؛ فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يريبها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل..
وفي لفظ أخرجه مسلم: (فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل).
قال العلماء هذا خطاب الناس بما يعلمونه ويفهمونه من الأخذ والتربية والنمو لما كان التناول باليد والقبض بالكف، خاطبهم بما يعقلون، وإنما جرى ذكر اليمين لأنها مرصدة لما عز من الأمور، ومعنى التربية: المضاعفة.
الحديث الحادي والخمسون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم – أنه ذكر الدجال فقال: ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور).
قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، والعور نقص ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة.
قال ابن عقيل: بحسب بعض الجهلة أنه لما نفى العور عن الله عز وجل اثبت من دليل الخطاب أنه ذو عينين وهذا بعيد من الفهم إنما نفى عنه العور من حديث نفي النقائص كأنه قال: ربكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزئ، ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة، لم يكن في ذلك دليل على الألوهية ولا القدم، فإن الكامل في الصورة كثير. قال: ومن قال بدليل الخطاب فاثبت عينين قيل له: دليل الخطاب مختلف في كونه دليلاً في أحكام الفقه وفروع الدين، فكيف بأصوله ثم هو عند من اعتقده جحد يقضي عليه معنى النطق وهو القياس المظنون فكيف يكون له حكم الدليل وقد قضى عليه دليل العقل بالرد.
الحديث الحادي والخمسون
روى البخاري ومسلم في إفراده من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته).
قلت: قوله: كنت سمعه وبصره فهو مثل وله ثلاثة أوجه: أحدها: كنت كسمعه وبصره فهو يحب طاعتي. كما يحب هذه الجوارح.
والثاني: أن جوارحه مشغولة بي، فلا يصغي إلى ما لا يرضيني إلا عن أمري.
والثالث: أني أحصل له مقاصده كما ينالها بسمعه وبصره ويديه اللواتي تعينه على عدوه.
والحق منزه عن حقيقته فهو كقوله: (ومن أتاني يمشي اتيته هرولة). وقال بعض العلماء: لما كان المؤمن يمرض فيسئل العافية فيعافي كان ذلك كالتردد في إماتتهز وأما التردد فخطاب لنا بما نعقل.
الحديث الثاني والخمسون
روى جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله: جهدت الأنفس وجاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا، فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك: أتدري ما تقول.؟؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجه أصحابه فقال: إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه).
شأن الله أعظم من ذلك: ويحك أتدري ما الله..؟ إن عرشه على سمواته هكذا، وقال باصابعه
مثل القبة، فإنه ليئط الرحل بالراكب قلت: هذا الحديث تفرد بروايته وقال محمد بن إسحق عن يعقوب عن عتبة وكلاهما لا يحتج به أرباب الصحاح، قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث إذ أجرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، وهي عن الله وصفاته منفية، فعلم أنه كلام تقربت أريد به تقرير عظمة الله من حيث يدركه فهم السامع إذا كان إعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام ومعنى قوله: أتدري ما الله – أتدري ما عظمة الله وجلاله..؟ ومعنى يأط به: أي يعجز عن جلاله وعظمته، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب معلوماً لقوة ما فوقه، أو لعجزه عن احتماله، فقرب بهذا النوع من التمثيل عنده، معنى عظمة الله وجلاله ليعلمه أن الموصوف بعلو الشأن لا يجعل شفيعاً لمن هو دونه في القدر… وقد ذكرنا فيما تقدم عن القاضي أنه قال: (يأط من ثقل الذات). وهذا صريح في التجسيم.
الحديث الثالث والخمسون
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: (إِنَّ اللَهَ كانَ سَميعاً بَصيراً).
فوضع اصبع الدعاء وإبهامه على عينيه وأذنيه.
قال العلماء: أراد بهذا تحقيق السمع والبصر لله تعالى، فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل السمع والبصر، لا أن لله سبحانه جارحة.
الحديث الرابع والخمسون
روى أبو الدرداء – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الله عز وجل ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر في الساعة الأولى، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن وهي داره التي لم يسكنها غيره، وهي مسكنه، ثم يقول طوبى لمن يسكنك ثم ينزل في الساعة الثالث إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته ثم ينتفض فيقول: قومي بعزتي.
قلت: هذا الحديث يرويه زيادة الأنصاري، قال البخاري، هو منكر الحديث وذكر له أهل الحديث هذا الحديث وقال أبو حاتم بن حبان يروي المناكير عن المشاهير، واستحق الترك وقد رواه أبو جعفر بن ابي شيبة فقال فيه: زائدة: وهو غلط إنما هو زيادة ونقول على تقدير الصحة أنها مضافة إليه كما أضيف البيت إليه يقال: هذا بيته وهذا مسكنه، وإنما قلنا هذا لأن السكنى مستحيلة في حقه.
الحديث الخامس والخمسون
روى أبو إمامة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثياته).د
قلت: الحثية ملئ الكف. والمراد التقريب بما يعقل لا حقيقة الحثية.
الحديث السادس والخمسون
روى أبو إمامة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إن الله يجلس يوم لقيامة على القنطرة الوسطى بين الجنة والنار).
يرويه عثمان بن أبي عاتكة وقال يحيى: ليس بشيء.
الحديث السابع والخمسون
روى القاضي عن محمد بن كعب القرظي قال: (كان الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن كأنهم لم يسمعوه قط).
قال القاضي: ولا يمتنع أن يطلق ألفي عليه.
قلت: واعجباً يعني في الرحمن فمه، فيثبت لله صفة بقول تابعي لا تصح الرواية عنه. هذا من أقبح الأشياء، فإما الحديث الذي سبق عن أبي إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تقرب إلي بمثل ما خرج مني.
فالمعنى: خرج عنه، ولا يجوز أن يظن أنه كخروج جسم من جسم لأن الله عز وجل ليس بجسم ولا كلامه جسم.
الحديث الثامن والخمسون
روينا عن سهل بن سعد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة وما تسمع من نفس شيئاً من حس تلك الحجب إلا زهقت).
قلت: هذا حديث لا أصل له. يرويه موسى بن عبيدة، قال أحمد: لا يحل عندي الرواية عنهن قال يحيى: ليس شيء، وموسى يرويه عن عمر بن الحكم قال البخاري: عمر ذاهب الحديث.
الحديث التاسع والخمسون
رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال (إن لله لوحاً، أحد وجهيه درة والآخر ياقوتة، قلمه النور، فيه يخلق وبه يرزق وبه يحيى وبه يميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء في يوم وليلة) قلت: هذا الحديث موضوع، يرويه محمد بن عثمان وهو متروك.
الحديث الستون
روى جابر رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إذا رأيتهم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فاسألوا الله خيرها واستعيذوا
من شرها).
قلت: النفس بمعنى التنفيس عن المكروب، ومثله ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن).
يعني تنفيسه عن المكروب بنصرة أهل المدينة إياي والمدينة من جانب اليمن، وهذا شيء لا يختلف فيه المسلمونز وقال ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفاً في ذاته بأنه يتنفس. قال: وقالوا الرياح الهفافة مثل الرياح العاصفة، والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة، إلا ريحاً من صفاته هي ذات نسيم حياتي، وهي من نفس الرحمن.
قلت: على من يعتقد هذا اللعنة، لأنه يثبت جسداً مخلوقاً وما هؤلاء بمسلمين.

Advertisements

The URI to TrackBack this entry is: https://ahlalsonnah.wordpress.com/2009/07/26/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b4%d9%87%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d9%82%d8%b6-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d8%ae%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b0%d9%87%d8%a8/trackback/

RSS feed for comments on this post.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: