الكتاب : مسائل كثر حولها النقاش والجدل تأليف : السيد زين بن إبراهيم بن سميط العلوي الحسيني الشافعي

الكتاب : مسائل كثر حولها النقاش والجدل
تأليف : السيد زين بن إبراهيم بن سميط العلوي الحسيني الشافعي
مسائل كثر حولها النقاش والجدل
تأليف
السيد زين بن إبراهيم بن سميط العلوي الحسيني الشافعي
________________________________________
المحتويات:
مقدمة الناشر
التوسل
الاستغاثة
نفع الأموات
حياة الأنبياء في قبورهم
التبرك بآثار الصالحين
زيارة القبور
هل الأموات يشعرون؟
قراءة القرآن على قبر الميت
التمسح بالقبور وتقبيلها
تجصيص القبور والبناء عليها
تلقين الميت
الذبح بأبواب الأولياء والنذور
الحلف بغير الله عز وجل
كرامات الأولياء
رؤية الرسول في اليقظة
هل الخضر عليه السلام حي؟
الاستشفاء بالقرآن والأسماء الإلهية
ما حكم كتابة التمائم وتعليقها؟
المولد والبدعة
الاجتماع على حلقات الذكر والحضرات
محبة أهل البيت
فضائل أهل البيت
نفع الانتساب إليه
خاتمة
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
أحمده تعالى وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وحبيبه سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وأوليائه آمين.
وبعد، فإني لما أطلعت علي المخطوطة التي كتبها الأخ الحبيب العلامة الشيخ زين بن سميط آل باعلوي الحسيني الشافعي، سرتني كثيرا، ووجدتها مفيدة ونافعة، وفيها الإجابة السديدة مع الأدلة الشرعية الموثوقة من الكتاب والسنة لكثير من المسائل الخلافية التي يدور فيها النقاش بين السواد الأعظم من أهل السنة والجماعة وبين الأقلية من المخالفين.
لذلك استعنت بالله تعالي علي نشرها باسم ( مسائل كثر حولها النقاش والجدل) سائلا المولى تعالى أن يتقبل جهد المؤلف بها القلوب والعقول علي كلمة سواء بين المسلمين إنه تعالى خير مسئول وأكرم مأمول والحمد لله رب العالمين.
يوسف السيد هاشم الرفاعي
________________________________________
في التوسل
*ما حكم التوسل بالأنبياء والأولياء؟
ج- حكم التوسل والاستغاثة والاستعانة بهم في قضاء الحوائج الدنيوية والأخروية جائز شرعا بإجماع أهل السنة والجماعة وهم السواد الأعظم والجمهور من المسلمين وإجماعهم حجة لعصمتهم من الخطأ. فقد أخرج أحمد والطبراني عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: سألت ربي أن لا تجتمع أمتي علي ضلالة فأعطانيها. وروي الحاكم عن ابن عباس مرفوعا: لا يجمع الله أمتي علي الضلالة أبدا… وورد : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
• ما معنى التوسل؟
ج- معناه التبرك بذكر أحباء الله تعالي لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم فمعني التوسل بهم أن يتخذهم وسيلة أي واسطة إلي الله جل وعلا في قضاء الحوائج وحصول المطالب لكونهم أقرب إلي الله منا فهو يجيب دعاؤهم ويقبل شفاعتهم ففي الحديث القدسي عن الله تعالي قال (من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء احب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذ نه) رواه البخاري في صحيحه.
________________________________________
• ما الدليل علي جواز التوسل؟
ج- الدليل علي ذلك أحاديث كثيرة صحيحة صريحة منها: ما رواه الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني بإسناد صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا أعمي جاء إلي النبي(صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله أدع الله أن يكشف عن بصري فقال أن شئت دعوت وأن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه: فأمره (صلى الله عليه وسلم) أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلي ربي في حاجتي هذه لتقضي لي. اللهم شفعه في. فذهب ثم رجع وقد كشف الله عن بصره وفي رواية البيهيقي فقام وقد أبصر، قال العلماء ففي هذا الحديث التوسل والنداء به (صلى الله عليه وسلم). وهذا الدعاء أستعمله الصحابة والتابعين والسلف والخلف لقضاء حوائجهم. والله اعلم.
ومنها ما رواه البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا أستسقي بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم آنا كنا نتوسل إليك بنبينا (صلى الله عليه وسلم) فتسقينا وآنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون. قال العلماء هذا صريح في التوسل بالذوات الفاضلة فان الناس جعلوا العباس رضي الله عنه وسيلتهم إلي الله تعالي فانزل الغيث.
• هل يجوز التوسل بالأموات؟
ج- قال العلماء رحمهم الله لا فرق في جواز التوسل بأحباب الله تعالي سواء كانوا في حياتهم الدنيوية أو بعد انتقالهم إلي الحياة البرزخية فان أهل البرزخ منهم في حضرة الله ومن توجه إليهم توجهوا إليه أي في حصول مطلوبة.
________________________________________
• ما الدليل علي جواز التوسل بالأموات؟
ج- الدليل علي ذلك ما ذكره ابن القيم في ذاد المعاد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من خرج رجل من بيته إلي الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة وإنما خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته. ورواه أيضا ابن ماجه.
وروي البيهيقي وابن السني والحافظ أبو نعيم أن من دعائه (صلى الله عليه وسلم) عند خروجه للصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك الخ.
قال العلماء فهذا توسل صريح بكل عبد مؤمن حيا أو ميتا وعلم (صلى الله عليه وسلم) أصحابه هذا الدعاء وأمرهم بالإتيان به وما من أحد من السلف والخلف إلا كان يدعو بهذا الدعاء عند خروجه للصلاة. وثبت أيضا انه (صلى الله عليه وسلم) لما توفيت والدة سيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه قال الهم أغفر لامي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي. وهو حديث طويل رواه ابن حيان والحاكم والطبراني وصححوه. وانظر قوله (صلى الله عليه وسلم) والأنبياء من قبلي فان ذلك صريح في جواز التوسل بالأموات فافهم ذلك تسلم من المهالك.
________________________________________
(تنبيه)
قال العلماء نفع الله بهم : وأما توسل سيدنا عمر بالعباس رضي الله عنه فليس فيه دليل علي عدم جواز التوسل بغير الأحياء وإنما توسل عمر بالعباس دون النبي (صلى الله عليه وسلم) ليبين للناس أن التوسل بغير النبي جائز لا حرج فيه وإنما خص العباس من سائر الصحابة لإظهار شرف أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) والدليل علي ذلك أنه قد ثبت توسل الصحابة به (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته، من ذلك ما رواه البيهيقي وابن أبي شيبه بإسناد صحيح أن الناس قحطوا في خلافة عمر رضي الله عنه فجاء بلال ابن الحارث رضي الله عنه إلي قبر النبي(صلى الله عليه وسلم) وقال: يا رسول الله استسق لأمتك فلأنهم هلكوا فأتاه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في المنام وقال: ائت عمر ابن الخطاب وأقرئه السلام وأخبره انهم يسقون فاتاه واخبره فبكي عمر رضي الله عنه وسقوا: أ ه ومحل الاستدلال فعل بلال وهو صحابي ولم ينكر عليه عمر ذلك ولا غيره من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنهم.
________________________________________
في الاستغاثة
• معني الاستغاثة؟
ج- الاستغاثة هي طلب العبد الإغاثة والمعونة ممن يسعفه ويدفع عنه عند الوقوع في شدة ونحوها.
• هل يجوز طلب الاستغاثة من غير الله؟
ج- نعم يجوز طلبها من غيره تعالي باعتبار أنه سبب واوسطة فان الإغاثة وأن كانت هي من الله عز وجل علي الحقيقة، فلا ينافي أن الله تعالي جعل لذلك أسبابا ووسائط لأعد له والدليل علي ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. رواه مسلم. وقوله(صلى الله عليه وسلم) في حقوق الطريق: وأن تغيثوا الملهوف وتهدوا الضال. رواه لأبو داود. فنسب الإغاثة إلي العبد وأضافها إليه وندب العباد أن يعين بعضهم بعضا.
• ما الدليل علي مشروعية الاستغاثة؟
ج- لذلك أدلة كثيرة: منها ما رواه البخاري في كتاب الزكاة أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال: أن الشمس تعدو يوم القيامة حتي يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد (صلى الله عليه وسلم) الحديث. فقد أجمع أهل الموقف كلهم علي جواز الاستغاثة بالأنبياء عليم السلام وذلك بإلهام من الله تعالي لهم وفي ذلك أدل دليل علي ندب التوسل والاستغاثة بهم في الدنيا والآخرة. ومن الأدلة علي ذلك أيضا ما رواة الطبراني أنه (صلى الله عليه وسلم) قال لإذا ظل أحدكم (أي عن الطريق) أو أراد عونا وهو بأرض ليس فيها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني وفي رواية أعينوني فإن لله عبادا لا ترونهم. فهذا الحديث صريح في جواز الاستغاثة والنداء بالغائبين من الأحياء والأموات والله أعلم.
(خاتمة) قال السيد الإمام أحمد بن زيني دحلان رحمه الله والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة جواز التوسل والاستغاثة بالأحياء والأموات لأنا لا نعتقد تأثيرا ولا نفعا ولا ضرا إلا لله وحده لا شريك له والأنبياء لا تأثير لهم في شئ وإنما يتبرك بهم ويستغاث بمقامهم لكونهم أحباء الله تعالي. والذين يفرقون بين الأحياء والأموات هم الذين يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات ونحن نقول الله خالق كل شئ. والله خلقكم وما تعلمون . من كتابه خلاصة الكلام.
________________________________________
هل تحصل لنا نفاعة من الأموات في الدنيا أم لا؟
ج- نعم الميت ينفع الحي فقد ثبت أنهم يدعون للأحياء ويشفعون لهم. قال سيدنا الشيخ الإمام عبد الله بن علوي الحداد رضي الله عنه ونفعنا به أن الأموات أكثر نفعا للأحياء منهم لهم لأن الأحياء مشغولون عنهم بهم الرزق والأموات قد تجردوا عنه ولاهم لهم هم إلا فيما قدموه من الأعمال الصالحة لاتعلق لهم إلا بذلك كالملائكة .
• ما الدليل علي حصول النفع للأحياء من الأموات؟
ج- الدليل علي ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن أعمالكم تعرض علي أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا. وروي البزار بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت لكم. قال العلماء. وأي منفعة أعظم من استغفاره (صلى الله عليه وسلم) حين يعرض عليه عمل المسيء من أمته.
قال بعض العلماء، وأدل دليل علي أن الميت ينفع الحي أيضا ما وقع لسيدنا الرسول(صلى الله عليه وسلم) ليلة أسري به حين فرض الله عليه وعلي أمته خمسين صلاة فأشار عليه سيدنا موسى عليه السلام بأن يراجع ربه ويسأله التخفيف كما ورد في الصحيح فسيدنا موسى قد مات وقتئذ ونحن وسائر الأمة المحمدية إلي يوم القيامة في بركته عليه السلام وقد وقع عنهم التخفيف بواسطته وتلك من أعظم المنافع.
________________________________________
هل الأنبياء أحياء في قبورهم؟
ج- نعم فقد ثبت أنهم يحجون ويصلون في قبورهم قال العلماء قد تحصل الأعمال من غير تكليف علي سبيل التلذذ بها فلا ينافي ذلك كون الآخرة ليست بدار عمل.
• ما الدليل علي حياتهم؟
ج- ورد في صحيح مسلم عن أنس قال(قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أتيت لية أسري بي علي موسى قائما يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر) وروي البيهيقي وأبو يعلي عن أنس قال :قال (رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) قال المناوي هو حديث صحيح.
قال العلماء: وقد نص الله تعالي في القرآن علي حياة الشهداء في قوله”وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” فالأنبياء والصديقون من باب أولي لأنهم أرفع درجة منهم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله وأبي وأضع ثوبي وأقول إنما زوجي وأبي فلما دفن عمر معهم فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر. رواه الإمام أحمد وهذا يدل أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها لا تشكك أن سيدنا عمر يراها ولهذا تحفظت بالتستر إذا أرادت الدخول عليه بعد دفنه في بيتها.
________________________________________
هل يجوز التبرك بآثار الصالحين؟
ج- نعم يجوز ذلك بل يستحب باتفاق علماء الإسلام.
ما الدليل علي ذلك؟
ج- لذلك أدلة كثيرة منها ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال رأيت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فيما يريدون أن تقع شعره إلا في يد رجل. فكان الصحابة رضي الله عنهم يحتفظون بشعره (صلى الله عليه وسلم) للتبرك والاستشفاء. وقد ثبت أن خالد ابن الوليد رضي الله عنه كان يضع في قلنسوته من شعرات النبي (صلى الله عليه وسلم) فسقطت قلنسوته في بعض حروبه فشد عليها يبحث عنها حتى أنكر عليه بعض الصحابة من كثرة من قتل بسببها من الأعداء فقال خالد لم أفعل ذلك بسبب القلنسوة بل لما تضمنته من شعره(صلى الله عليه وسلم) لئلا أسلب بركتها وتقع في أيدي المشركين. وفي صحيح البخاري عن أبى جحيفة قال أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالا أخذ وضوء النبي (صلى الله عليه وسلم) والناس يبتدرون الوضوء فمن أصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل صاحبه يعني للبركة والاستشفاء.
وفي مسند الإمام أحمد عن جعفر بن محمد قال(كان الماء يستنقع في جفون النبي(صلى الله عليه وسلم) حين غسلوه بعد موته فكان علي رضي الله عنه يحسوه) أي يحسو ذلك من الماء من بركاته (صلى الله عليه وسلم).
وفي صحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنه أخرجت جبة طيالسة وقالت كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفي بها.
________________________________________
ما حكم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم؟
ج-زيارة قبورهم قربة مستحبة وكذا الرحلة إليها قال العلماء رحمهم الله، كانت زيارة القبور منهيا عنها في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله وفعله (صلى الله عليه وسلم).
• ما الدليل علي مشروعية الزيارة؟
ج- الدليل علي ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أنه (صلى الله عليه وسلم) قال”كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها”
وفي رواية للبيهيقي : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها ترق القلوب وتدمع العين وتذكر الآخرة وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يخرج من آخر الليل إلي البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدن غدا مؤجلون وآنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد. رواه مسلم.
• ما حكم زيارة القبور للنساء.
ج- ذكر العلماء رحمهم الله أن زيارة القبور تسن للرجال وتكره للنساء إلا إذا كان للتبرك كزيارة الأنبياء والأولياء والعلماء فإنها تسن لهم أيضا كالرجال. وقال بعضهم إن زيارة القبور تباح للنساء مطلقا لما رواه البخاري ومسلم انه (صلى الله عليه وسلم) رأي امرأة بمقبرة تبكي علي قبر أبنها فأمرها بالصبر ولم ينكر عليها. وروي مسلم أنه (صلى الله عليه وسلم) علم سيدتنا عائشة رضي الله عنها الدعاء لزيارة القبور لما قالت له كيف أقول لهم فقال: قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وآنا إن شاء الله بكم لاحقون.
• ما معني قوله (صلى الله عليه وسلم) :لعن الله زوارات القبور؟
ج- قال العلماء: هذا الحديث محمول علي ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكاء والنياحة علي ما جرت به عادتهن فإن مثل هذه الزيارة حرام بخلاف إذا سلمت من ذلك.
• ما معني قوله(صلى الله عليه وسلم) : لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد بالحديث؟
________________________________________
ج- قال أهل العلم معني الحديث لا تشد الرحال إلي مسجد من المساجد لفضيلته إلا إلي الثلاثة المساجد التي تضاعف فيها الصلاة وإلا لزم أن لا تشد الرحال إلي عرفات ومني وزيارة الوالدين والأرحام ولطلب العلم والتجارة والجهاد وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
هل الأموات يشعرون ويسمعون ما يقال عندهم؟
ج- نعم ولهذا شرع النبي (صلى الله عليه وسلم) زيارة الأموات والتسليم عليهم بصيغة الخطاب وكثير ما كان (صلى الله عليه وسلم) يزور أهل البقيع ويسلم عليهم وحاشاه (صلى الله عليه وسلم) أن يسلم علي قوم لا يسمعون ولا يعقلون.
• ما الدليل علي ذلك؟
ج- الدليل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا أستأنس به ورد عليه حتى يقوم. وعن أبي هريرة. قال إذا مر الرجل بقبر أخيه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام.
• ما معني قوله تعالي” وما أنت بمسمع من في القبور”؟
ج- ما قاله ابن القيم في كتاب الروح: إن سياق الآية يدل علي أن المراد أن الكافر الميت القلب لا تقدر علي إسماعه إسماعا ينتفع به كما أن من في القبور لا تقدر علي إسماعهم إسماعا ينتفعون به. ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا ألبته كيف وقد اخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أنهم يسمعون خفق نعال المشيعين وأخبر أن قتلي بدر سمعوا كلامه وخطابه. وشرع السلام عليهم أي الأموات بصيغة الخطاب الذي يسمع وأخبر أن من سلم علي أخيه المؤمن رد علي السلام.وهذه الآية نظير قوله تعالي “إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ “.
ما حكم قراءة القرآن علي القبور وإهداء ثوابها للأموات؟
________________________________________
ج- اعلم أن عمل المسلمين من القراءة والتهليل علي أمواتهم هو الحق والصواب وإن ثواب ذلك يصل إلي موتاهم باتفاق علماء الإسلام لأنهم يدعو بعد القراءة والتهليل بقولهم: اللهم أوصل ثواب ما قرأنا أو هللنا إلي فلان وإنما الخلاف إذا لم يدع بذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل واعتمد علماء الشافعية المتأخرين وصول ثواب القراءة والذكر إلي الميت كمذهب الأئمة الثلاثة وعليه عمل الناس وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن قال سيدنا الإمام الحجة قطب الإرشاد الإمام عبد الله بن علوي الحداد نفع الله به ون أعظم ما يهدي إلي الموتى بركته وأكثره نفعا قراءة القرآن وإهداء ثوابةإليهم وقد أطبق علي العمل بذلك المسلمون في الإعصار والأمصار وقال به الجماهير من العلماء والصالحين سلفا وخلفا الخ ما قال رضي الله عنه(في كتابه سبيل الأذكار).
• ما الدليل علي جواز قراءة القرآن للأموات؟
ج- الدليل ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن معقل بن يسار أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: اقرؤوا علي موتاكم سورة يس.
قال العلماء: وهذا الحديث مطلق فيشمل القراءة حال الاحتضار وبعد الوفاة.
وأخرج الطبراني والبيهيقي في شعب الإيمان عن أبن عمر مرفوعا إذا مات أحدكم فلا تحسبوه وأسرعوا به إلي قبره. وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة. وعند رجليه بخاتمة البقرة. ذكره الإمام السيوطي في جمع الجوامع.
________________________________________
وذكر ابن القيم في كتاب الروح مايقتضي سن الدرس علي القبر واستدل لذلك بأن جماعة من السلف أوصوا أن يقرأ عند قبورهم منهم ابن عمر أوصي أن يقرأ عند قبره سورة البقرة. وأن الأنصار كانت إذا مات الميت اختلفوا إلي قبره يقرؤون القرآن عنده. انتهي. وذكر العلماء أنه يجوز للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كانت أو قراءة أو غيرهما ويدل لذلك ما أخرجه الدراقطني من حديث جاء أن رجلا قال يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما. فقال (صلى الله عليه وسلم): إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك. وأن تصوم لهما مع صيامك.
• ما معني قوله تعالي(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وقوله (صلى الله عليه وسلم) : إذا مات ابن آدم انقطع عمله.الخ؟
ج- قال ابن القيم في كتاب الروح: إن القرآن لم ينفي انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما أخبر أنه لا يملك إلا سعيه وأما سعي غيره فهو ملك لساعية فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه وهو سبحانه لم يقل أنه لا ينتفع إلا بما سعي.
وقوله (صلى الله عليه وسلم) انقطع عمله ولم يقل انتفاعه وإنما اخبر عن انقطاع عمله. وأما عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لاثواب عمله هو فالمنقطع شئ والواصل شئ آخر. ملخصا.فأفهم ذلك.
________________________________________
وذكر أهل التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالي وأن ليس للإنسان إلا ما سعي. منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالي(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وقال عكرمة إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا ومايسعي لهم غيرهم لما روي أن امرأة دفعت صبيا لها وقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر. وقال آخر للنبي (صلى الله عليه وسلم) إن أمي أفتلتت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم. والله أعلم.
ما حكم التمسح بالقبور وتقبيلها؟
ج- الحكم في ذلك عند أكثر العلماء مكروه فقط وقال بعضهم أنه مباح وجائز للتبرك ولم يقل أحد بتحريمها.
ما الدليل علي جواز ذلك؟
ج- لأنه لم يرد فيها نهي من الشارع ولاقام الدليل علي المنع وقد روي أن بلالا رضي الله عنه لما زار المصطفي(صلى الله عليه وسلم) جعل يبكي ويمرغ خديه علي القبر الشريف. وأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يضع يده اليمني عليه. ذكر ذلك الخطيب ابن جمله وثبت عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه سئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وسلم) ومنبره فقال لابأس بذلك.
ما حكم تجصيص القبور والبناء عليها؟
ج- أما تجصيص القبر فهو مكروه عند أكثر العلماء وقال أبو حنيفه لا يكره ذلك ولم يرد في الشرع ما يدل علي التحريم وأما حديث النهي أن يجصص القبر وأن يبني عليه وأن يقعد عليه فقد اتفق جمهور العلماء علي أن النهي للتنزيه لا للتحريم.
هل ما يفعله الناس في كثير من البلدان من تجصيص القبور لمجرد العبث؟
________________________________________
ج- لم يفعلوا ذلك لمجرد العبث والزينة بل لأغراض حسنه ومصالح منها أن تعرف كونها قبور فتحيا بالزيارة وتحترم من الإهانة ومنها أن يمتنع الناس من نبشها قبل البلاء فإن ذلك محرم في الشريعة ومنها أن يجمع إليها الأقارب كما هو السنة. فقد ثبت أنه (صلى الله عليه وسلم) وضع علي قبر عثمان بن مظعون صخرة وقال أعلم علي قبر أخي لأدفن إليه من مات من أقاربي. رواه أبو داود والبيهيقي.
وأما البناء علي القبور فقد ذكر العلماء في ذلك تفصيلا: إن كان في أرض مملوكة لنفسه أو لغيره بأذنه فهو مكروه ولا يحرم سواء كان البناء قبة أو غيرها وإن كان في مقبرة موقوفة أو مسبلة فهو حرام وعلة التحريم التحوز عن الدفن والتضييق للمقبرة لاغير، نعم استثنوا قبور الصالحين وأئمة المسلمين فيجوز البناء عليها ولو في مسبلة لما في ذلك من إحياء الزيارة المأمور بها في الشرع وللتبرك بها وينتفع الحي والميت بالقراءة عندها واستدلوا علي ذلك بعمل لمسلمين سلفا وخلفا وذلك حجة عند العلماء.
• ما معني الحديث: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؟
ج- ذكر العلماء أن معني الحديث السجود لها والصلاة إليها علي قصد التعظيم كما يفعله اليهود والنصارى من السجود لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة لهم يتوجهون بصلاتهم إليها تعظيما لها وهذا حرام قطعا فالنهي إما هو عن التشبه بهم بأ يفعل كفعلهم من السجود للقبور والصلاة إليها وهذا لا يصح من مسلم ولا يوجد في الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم رواه مسلم والترمذي والإمام أحمد.
ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟
________________________________________
ج- تلقين الميت البالغ بعد الدفن مستحب عند كثير من العلماء لقوله تعالي(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) حيث استحبه الشافعية والأكثر من الحنابلة والمحققون من الحنفية والمالكية. وأحوج ما يكون العبد إلي التذكير في هذه الحالة وقد ذكر ابن تيميه في فتاويه أن التلقين المذكور قد ثبت عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به وقال الإمام أحمد لا بأس به واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، قال وقد ثبت أن المقبور يسأل ويؤمر بالدعاء له فلهذا قيل أن التلقين ينفعه فإن الميت يسمع النداء كما في الصحيح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال إنه يسمع قرع نعالهم وقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم – ملخصا.
• هل ورد في الحديث عن كيفية التلقين المذكور؟
ج- نعم فقد روي الطبراني مرفوعا إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب علي قبره فليقم أحدكم علي رأس قبره ثم ليقل يافلان ابن فلانه فإنه يسمعه ثم يقول يافلان ابن فلانه فإنه يستوي قاعدا ثم يقول يا فلان ابن فلانه فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وانك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقران إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول أنطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته. وقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال فينسبه إلي أمه حواء يقول يافلان ابن حواء.
ما حكم الذبح بأبواب الأولياء
________________________________________
ج- ذكر العلماء رحمهم الله تعالي أن في ذلك تفصيلا. وهو أنه إن فعل الإنسان ذلك بأسم الولي أو لكي يتقرب به إليه فهو كمن ذبح لغير الله فالمذبوح ميتة والفاعل آثم ولا يكفر إلا أن قصد به التعظيم والعبادة كما لو سجد له لذلك. ,أما من قصد الذبح لله تعالي وتصدق باللحم علي الفقراء والمساكين ناويا بثواب تلك الصدقة إلي روح الولي فهذا جائز بل مندوب إليه باتفاق الأئمة لأنه من باب الصدقة علي الميت والإحسان إليه الذي ندبنا إليه الشارع وحثنا عليه. فأفهم ذلك.
ما حكم تقديم النذور إلي الأولياء
ج- ذكر العلماء نفع الله بهم: أن النذر لمشاهد الأولياء والعلماء جائز صحيح إن قصد الناذر أهل ذلك المحل من أولادهم أو الفقراء الذين عند قبورهم أو قصد صرفه في عمارة ضرائحهم لما في ذلك من لإحياء الزيارة المشروعة. وكذا يصح إن أطلق الناذر ولم يقصد شيئا من ذلك ويصرف فيما تقدم من المصالح بخلاف ما لو قصد تعظيم القبر والتقرب إلي صاحبه أو قصد النذر لنفس الميت فإنه لا ينعقد لأنه حرام ومن المعلوم أن ذلك لا يقصده أحد من الناذرين.
• ما الذي يقصده المسلمون بذبائحهم ونذورهم للميتين؟
ج- أعلم أن المسلمين لا يقصدون بذلك إلا الصدقة عنهم وجعل ثوابها إلي أرواحهم. فكل مسلم ذبح للنبي أو الولي أو نذر الشيء له فهو لا يقصد إلا أن يتصدق بذلك عنه ويجعل ثوابه إليه فيكون من هدايا الأحياء للأموات المأمور بها شرعا. وقد أجمع أهل السنة وعلماء الأمة أن صدقة الأحياء نافعة للأموات وواصلة إليهم.
• ما الدليل علي وصول ثواب الصدقات إلي الأموات؟
ج- دلت علي ذلك أحاديث صحيحة منا ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) إن أبي مات ولم يوص أفينفعه أن أتصدق عنه قال نعم.
________________________________________
وعن سعد رضي الله عنه أنه سأل النبي(صلى الله عليه وسلم) وقال يا نبي الله إن أمي قد افتلتت وأعلم أنها لو عاشت لتصدقت أفأن تصدقت عنها ينفعها ذلك قال نعم فسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) أي الصدقة أنفع يا رسول الله قال الماء فحفر بئرا وقال هذه لأم سعد.
ما حكم الحلف بغير الله عز وجل؟
ج- اختلف أهل العلم في الحلف بمن له حرمة كنبي وولي ونحوهما فقال بعضهم أنه مكروه. وقال آخرون أنه حرام.
المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل جواز اليمين برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ولزوم الحنث بمخالفته. لأن ذلك أحد ركني الشهادة ولم يقل أحد من العلماء أن الحلف بغير الله تعالي كفر غلا إذا قصد الحالف تعظيم المحلوف به كتعظيم الله. ولايتعاطي ذلك أحد من أهل الإسلام قالوا: وعلي ذلك حمل ماورد في الخير من حلف بغير الله فقد أشرك.
• ما كان قصد بعض الناس من الحلف بالقبور أو بأصحابها؟
ج- فاعلم أنهم لا يقصدون بذلك حقيقة الحلف الذي هو اليمين وإنما ذلك من باب التوسل والتشفع إلي الله بمن له منزلة عنده والكرامة لديه في حياتهم وبعد وفاتهم لأن الله تعالي قد جعلهم أسبابا لقضاء حوائج عباده بشفاعتهم ودعائهم.كأن يقول أحدهم أقسمت عليك أو أقسم عليك بفلان أو بصاحب هذا القبر. ونحو ذلك من الألفاظ التي لا تؤدي إلي الحرام فضلا عن الكفر والشرك. فأعلم ذلك وأحذر من الوقوع في المهالك بتكفير وتشريك المسلمين ونسأل الله أن يعصمنا وجميع المسلمين من الشرك ويغفر لنا ولهم ما دون ذلك.
هل لأولياء الله كرامات في الحياة وبعد الممات؟
ج- نعم يجب أن نعتقد أن كرامات الأولياء حق، أي جائزة وواقعة في حياتهم وبعد وفاتهم. ولا ينكر ذلك إلا من عميت بصيرته وفسدت سريرته.
ما الدليل؟
________________________________________
ج-الدليل أمران أحدهما ما حكاه الله في كتابه العزيز كقصة مريم. قال الله تعاليكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” قال أهل التفسير كان يوجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وكان يجيئها ذلك من طريق غير مألوف وذلك هو الكرامة أكرمها الله تعالي بها. وقال تعالي في حقها أيضا” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا”.
ومن ذلك قصة أهل الكهف فقد ذكرها الله تعالي في كتابه أنهم ناموا ثلاثمائة عام وتسعة أعوام دون أن يتناولوا فيها طعاما ولا شرابا وأنه تعالي تولي تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال بدون أي سبب لئلا تتألم جنوبهم وأنه تعالي جعل الشمس إذا طلعت وإذا غربت لا تصيب المكان الي هم فيه حفظا لهم من حرارة الشمس أن تؤذيهم. ومما ذكر الله في القرآن أيضا كرامة الخضر وكرامة ذي القرنين وكرامة آصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب.
• ما هو الأمر الثاني من الدليل علي ثبوت الكرامات؟
ج- الأمر الثاني: ما تواتر معناه من كرامات الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلي وقتنا مما ملأ الآفاق وسارت به الرفاق. فقد روي البخاري في صحيحه أن سيدنا خبيبا رضي الله عنه كان يأكل الفاكهة في غير أوانها وهو أسير بمكة موثق بالحديد ولم يكن بمكة يومئذ ثمرة وما هو إلا رزق رزقه الله إياه فهي كرامة له وروي البخاري أيضا أن سيدنا عاصما لما قتل أراد المشركون أن يأخذوا قطعة من جسده فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر وهي جماعة النحل أو الدبابير فحمته منهم فلم يقدروا منه علي شئ وهذه كرامته لعاصم رضي الله عنه بعد موته.
________________________________________
وعن أنس رضي الله عنه قال كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في ليلة ظلماء فتحدثا عنده حتى إذا خرجا أضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوئها فلما تفرق بهم الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشي في ضوئها. أخرجه البخاري. وكرامات الأولياء كثيرة لا تدخل تحت الحصر وكلها معزات للرسول (صلى الله عليه وسلم) وإخوانه الأنبياء عليهم السلام(لأنه ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي) فمنهم من دخل النار فلم تؤثر فيه ومنهم من وقع علي يديه إحياء الموتى ومنهم أهل الخطوة ومنهم من يمشي في الهواء والماء ومنهم من أطاعته الجن وغير ذلك.
(تنبيه) ذكر العلماء رحمهم الله: أن خوارق العادات إن كانت علي يد كافر أو فاسق فهو سحر وإن كانت علي يد ولي وهو المؤمن المستقيم فهي كرامة.
هل يمكن رؤيته (صلى الله عليه وسلم) يقظة؟
ج- رؤيته (صلى الله عليه وسلم) في اليقظة ممكنة وواقعة فقد ذكر العلماء نفع الله بهم أن كثيرا من أئمة الصوفية رأوه في المنام ثم رأوه في اليقظة وسألوه عن أشياء من مصالحهم ومآربهم.
ما الدليل علي إمكان ذلك؟
ج- الدليل علي ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي.
________________________________________
قال العلماء معني هذا الحديث التبشير بأن من فاز من أمته برؤيته في المنام لابد إن شاء الله تعالي أن يراه في اليقظة ولو قبيل الموت بهنيهة، ولا يصح أن تفسر هذا الحديث علي رؤيته(صلى الله عليه وسلم) في الآخرة أو البرزخ لأن سائر الأمم تراه يومئذ ففي الحديث أدل دليل علي أنه (صلى الله عليه وسلم) مل الأكوان لأنه شامل لمل من رآه في المشرقين والمغربين، قال اإمام السيوطي رحمه الله: قد تحصل من مجموع الأحاديث: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حي بجسده وروحه وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته وأنه يغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة. فإذا أراد الله تعالي رفع الحجاب عمن أراد كرامته برؤيته رآه علي هيئته.
هل سيدنا الخضر عليه السلام حي أم لا؟
ج- أجمع جمهور العلماء الأعلام علي حياة الخضر عليه السلام واشتهر ذلك عند الخاص والعام قال ابن عطاء الله في لطائفه قد تواتر عن أولياء كل عصر لقاؤه والأخذ عنه واشتهر ذلك إلي أن بلغ حد التواتر الذي لايمكن جحده.
وذكر ابن القيم في كتابه مثير الغرام السكن أربع روايات صحيحة في حياته. وروي البيهيقي في كتاب دلائل النبوة أنه لما توفي (صلى الله عليه وسلم) سمعوا صوتا من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإنما المصاب من حرم الثواب،فقال علي كرم الله وجهه أتدرون من هذا هو الخضر عليه السلام.
الاستشفاء بالقرآن والأسماء الإلهية
وأعلم أن الله تعالي لم ينزل من السماء شفاء قط أنفع من القرآن فهو للداء شفاء ولصدأ القلوب جلاء. قال تعالي “وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ” وقال (صلى الله عليه وسلم) : من لم يشف بالقرآن فلا شفاه الله.
________________________________________
• ما حكم الرقي للأمراض؟
ج- أجمع العلماء علي جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالي أو بأسمائه وصفاته. وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. وأن يعتقد أن الرقية لاتأثير لها بذاتها بل بتقدير الله تعالي.
• ما الدليل علي جواز الرقي بما ذكر؟
ج- الدليل ما رواه مسلم من حديث عوف بن مالك قال كنا نرقي في الجاهلية. فقلنا يا رسول الله كيف تري في ذلك؟ فقال أعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقي إذا لم يكن فيه شرك.
• ما هو الرقي المنهي عنه؟
ج- المنهي عنه من الرقي هو ما كان بغير لسان العرب فلم يدر ما هو.. ولعله قد يدخله سحر أو كفر. وأما إذا كان مفهوم المعني من ذكر الله تعالي أو أسمائه وصفاته فهو جائز بل مستحب متبرك به.
• ما حكم كتابة التمائم وتعليقها؟.
ج- يجوز كتب التمائم التي ليس فيها شئ من الأسماء التي لا يعرف معناها وكذلك يجوز تعليقها علي الآدميين والدواب علي المذهب الصحيح الذي عليه المحققون من علماء الأمة المحمدية. وذكر ابن القيم في زاد المعاد عن ابن حبان قال سألت جعفر بن محمد بن علي رضي الله عنهم عن تعليق التعويذ فقال إن كتاب الله أو كلام عن نبي الله فعلقه واستشف به.
وذكر أيضا أن الإمام أحمد سئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء قال أرجو أن لا يكون به بأس وقال عبد الله بن الإمام أحمد رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع وللحمي بعد نزول البلاء . وقال ابن تميمة في فتاويه نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقي لمن به داء. وهذا يقضي أن لذلك بركة ونص الإمام أحمد علي جوازه.
ما المنهي عنه من التمائم في حديث من علق تميمة فقد أشرك؟
________________________________________
ج- قال العلماء المراد بالتميمة في هذا الحديث هي خرزة أو قلادة تعلق علي الإنسان كانت الجاهلية يعتقدون أنها تدفع الآفات وأنما كان ذلك شركا لأنهم أرادوا به دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله تعالي وكلامه.
ما حكم عمل المولد والاجتماع له؟
ج- عمل المولد والذي هو ذكر الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وما وقع في مولده من الآيات والمعجزات من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدره (صلى الله عليه وسلم) وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
• إلى كم تنقسم البدعة؟
ج- قسم العلماء رحمهم الله البدعة إلي قسمين حسنة وقبيحة.
• ماهي البدعة الحسنة؟
ج- هي ما رآه أئمة الهدي مما يوافق الكتاب والسنة من حيث إيثار الأصلح والأحسن وذلك كجمع القرآن في مصحف وصلاة التراويح وإحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول: وفي الحديث( من سن سنة حسنة في الإسلام فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ) رواه مسلم
• ما هي البدعة المذمومة؟
ج- هي ما خالف نصوص الكتاب والسنة أو خرق إجماع الأمة وعليها حمل قولة (صلى الله عليه وسلم) وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فالمراد بذلك المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.
• هل لعمل المولد أصل من السنة النبوية؟
________________________________________
ج- نعم وقد استخرج له أمام الحفاظ أحمد بن حجر العسقلاني أصلا ثابتا من السنة وهو ما ثبت في الصحيحين أم النبي(صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجي موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالي فصامه (صلى الله عليه وسلم) وأمر المسلمين بصومه “قال فيستفاد منه فعل الشكر لله علي ما من به من إسداء نعمة أو دفع نقمة في يوم معين والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة.ملخصا.
نقله الإمام السيوطي في فتاويه فعلم مما تتقدم أن الاجتماع لسماع قصة مولده (صلى الله عليه وسلم) من أعظم القربات لما في ذلك من إظهار الشكر لله بظهور صاحب المعجزات ولما يشتمل عليه من إطعام الطعام والصلات وكثرة الصلاة والتحيات وغير ذلك من وجوه القربات.
وقد صرح العلماء الأعلام بأن عمل المولد أمان في ذلك العام وبشري عاجلة لنيل البغية والمرام وإنما الأعمال بالنيات والله سبحانه أعلم والسلام.
(فائدة) قال الحافظ شمس الدين ابن الجرزي في كتابه عرف التعريف بالمولد الشريف ما نصه: قد رؤى أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك فقال في النار ‘لا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين وأمص من بين إصبعي ماء بقدر هذا وأشار لرأس إصبعه وإن ذلك بإعتاقي لثويبه عندما بشرتني بولادة النبي(صلى الله عليه وسلم) وبإرضاعها له: فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحة ليلة مولد النبي(صلى الله عليه وسلم) فما حال المسلم الموحد من أمة (صلى الله عليه وسلم) يستر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته (صلى الله عليه وسلم)؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم.
ما حكم الاجتماع على الذكر والحضرات التي يفعلها كثير من الناس؟
________________________________________
ج-الاجتماع علي ذلك سنة مطلوبة وقربة مندوبة إذا لم يحتو علي شئ من المحرمات كاختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات.
• ما الدليل علي استحباب ذلك مع رفع الصوت؟
ج- قد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) أحاديث كثيرة في فضل الاجتماع علي الذكر ورفع الصوت به منها قوله(صلى الله عليه وسلم)( لا يقعد قوم يذكرون الله تعالي إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
وأخرج مسلم والترمذي “أن النبي(صلى الله عليه وسلم) خرج علي حلقة من أصحابه فقال ما يجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده فقال إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة” وأخرج أحمد والطبراني مرفوعا ” ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله تعالي لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالي إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات”.
وفي الأحاديث المذكورة أوضح دليل علي فضل الاجتماع علي الذكر والخير والجلوس لذلك وأن الله يباهي بهم الملائكة. ويدل علي استحباب رفع الصوت بالذكر ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال(قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول الله أنا عند ظني عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) والذكر الملأ لا يكون إلا عن جهر. وروي البيهيقي مرفوعا (أكثر واذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراءون) وفي رواية حتى يقولوا مجنون ومن المعلوم أن ذلك إنما يقال عند الجهر دون الإسرار والله أعلم.
________________________________________
(فائدة) قال العلماء العارفون نفعنا الله بهم قد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فليكن الذاكر مع ما يراه منهما أصلح لقلبه وأجمع لهمه. وذكروا أيضا أن الأسرار بالذكر أفضل لمن يخشى الرياء أو اخشي التشويش بجهره علي مصل ونحوه. فإن أمن ذلك كان الجهر أفضل لأن العمل فيه أكثرويتعدي نفعه إلي الغير وهو أقوي في تأثر القلب وجمعيته ولكل امرئ ما نوي والمطلع علي السرائر هو الله سبحانه وتعالي.
في الحث على محبة أهل
البيت والتحذير من بغضهم
أعلم أنه من المشهور المعلوم عند الخاص والعام أن محبة أهل بيته وذريته (صلى الله عليه وسلم) فرض علي كافة أهل الإسلام وقد ثبت في الآيات القرآنية والسنة النبوية الحث علي محبتهم والأمر بمودتهم ودرج علي لك أعلام الصحابة والتتابعين وأئمة السلف المهتدين.
فمن الآيات الدالة علي وجوب محبتهم قوله تعالي لنبيه (صلى الله عليه وسلم) “ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى “.
وأخرج الإمام أحمد والطبراني والحاكم أنه نزلت هذه الآية” قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال علي وفاطمة وأبناهما. وعن سعيد بن جبير رحمه الله في قوله تعالي” إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى “. قال قربي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالي” وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا “. قال الحسنة مودة آل محمد.
وأما الأحاديث فقد أخرج ابن ماجه عن العباس بن عبد المطلب أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم والذي نفسي بيدي ما يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتي” وفي رواية”لا يؤمن عبد بي حتى يحبني ولا يحبني حتى يحب أهل بيتي”.
________________________________________
وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي”. وأخرج الديلمي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال ” أدبوا أولادكم علي ثلاث خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وعلي قراءة القرآن” وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال آخر ما تكلم به النبي (صلى الله عليه وسلم) ” اخلفوني في أهل بيتي” وأخرج الطبراني وأبو الشيخ أنه (صلى الله عليه وسلم) قال ” إن لله عز وجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دينه ولا دنياه قيل ما هن قال حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي”. وأخرج البيهيقي والديلمي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال “لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من عترته ويكون أهلي أحب غليه من أهله” .
وروي البخاري في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال” يا أيها الناس ارقبوا محمدا(صلى الله عليه وسلم) في أهل بيته واحفظوه فيهم فلا تؤذوهم” وكان رضي الله عنه يقول( والذي نفسي بيديه لقرابة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أحب إلي أن أصل من قرابتي).
وفي الشفاء للقاضي عياض عن النبي(صلى الله عليه وسلم) أنه قال” معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز علي الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب”.
في التحذير من بغضهم والتعرض لأذيتهم
وأما ما ورد من الوعيد في بغضهم وعداوتهم فكثير فليحذر المسلم المشفق علي دينه من بغض أحد من أهل بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإن ذلك يضره في دينه وأخرته ويعد به مسيئا إلي نبيه ومؤذيا له (صلى الله عليه وسلم).
________________________________________
وقد ذكر العلماء رحمهم الله الأحاديث الواردة في أن من آذى أهل البيت فقد آذى النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن آذاه (صلى الله عليه وسلم) فقد آذى الله واستحق اللعن والعذاب ودخل في خطر الوعيد الوارد في قوله تعالي”إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا” وقوله تعالي” وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ “
وأخرج الطبراني والبيهيقي أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال وهو علي المنبر”ما بال أقوام يؤذنني في نسبي وذوي رحمي ألا من آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالي”.
وأخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال” أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم”، يعني أهل بيته (صلى الله عليه وسلم) وأخرج الملا في سيرته مرفوعا ” لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي” . وأخرج الطبراني والحاكم أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال: “لو أن رجلا صفد بين الركن والمقام وصلي وصام ثم مات وهو مبغض لأهل بيت محمد(صلى الله عليه وسلم) دخل النار”. وقال عليه الصلاة والسلام”اشتد غضب الله علي من آذاني في عترتي” أخرجه الديلمي.
فضائل أهل بيت الرسول(صلى الله عليه وسلم)
________________________________________
وأعلم أن الاتصال به (صلى الله عليه وسلم) والانتساب من أعظم المفاخر وأشرف المآثر عند ذوي العقول والبصائر. وأن أصوله وفروعه(صلى الله عليه وسلم) أشرف أصول وفروع لاتصال نسبهم بنسبه وارتباط حسبهم بحسبه. وقد اتفق العلماء رحمهم الله علي أن السادة الأشراف أحسن الناس عنصرا من جهة الآباء والجدود وأنهم متساوون مع غيرهم في الأحكام الشرعية والحدود. وقد جاء في كثير من الآيات والأحاديث التصريح بفضائل أهل البيت وصحة انتسابهم لجدهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ومن ذلك قوله تعالي” إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ” الآية…
قال العلماء قوله أهل البيت يشمل بيت السكني وأقاربه أهل بيت النسب وقد جاءت أحاديث تدل علي ذلك منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال إن هذه الآية نزلت في النبي(صلى الله عليه وسلم9 وعلي فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم. وصح أنه (صلى الله عليه وسلم) جعل علي هؤلاء كساء وقال” اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وتطهرهم تطهيرا”. وفي رواية ” ألقي عليهم كساء ووضع يده عليهم” وقال ” اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك علي آل محمد إنك حميد مجيد”.
________________________________________
ومن الآيات الدالة علي فضلهم قوله تعالي فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ” قال أهل التفسير لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فأحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما وقال اللهم هؤلاء أهلي. وفي هذه الآبه دليل صريح علي أن أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه (صلى الله عليه وسلم) وينسبون إليه صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة.
حكي أن هارون الرشيد سأل الإمام موسى الكاظم رضي الله عنه فقال له كيف قلتم نحن ذرية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنتم بنو علي وإنما ينسب الرجل إلي جده لأبيه دون جده لأمه فقال الكاظم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم” ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيي وعيسي وإلياس” وليس لعيسي أب وإنما الحق بذرية الأنبياء من قبل أمه. وكذلك ألحقنا بذرية نبينا (صلى الله عليه وسلم) من قبل أمنا فاطمة رضي الله عنها. وزيادة أخري يا أمير المؤمنين نزول آية المباهلة. ولم يدع النبي (صلى الله عليه وسلم) غير علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالي عنهم. ذكرها في مجمع الأحباب.
وأما الأحاديث الواردة في فضائل أهل البيت ومزاياهم فهي كثيرة أخرج أبويعلي عن سلامة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال “النجوم أمان أهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف”.
________________________________________
وفي رواية للإمام أحمد”فإذ أهلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون”. وأخرج الحاكم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال” وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم لله تعالي بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم”.
وأخرج الترمذي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال” إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله عز وجل ممدود من السماء إلي الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما” وصح أنه (صلى الله عليه وسلم) قال” إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وفي رواية هلك. ومثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له” وأخرج الديلمي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: “الدعاء محجوب حتى يصلي علي محمد وآل بيته”.
وللإمام الشافعي رضي الله عنه:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
________________________________________
قال بعض العلماء المحققين نفع الله بهم: من أمعن النظر في الواقع والمشاهد وجد أهل البيت إلا من ندرهم القائمون بوظائف الدين والدعوات إلي شريعة سيد المرسلين المتقون لربهم والمقتفون لجدهم يضعون القدم علي القدم ومن يشابه أباه فما ظلم وعلماؤهم هم قادة الأمم والشموس التي تنجاب بها الظلم فهم بركة هذه الأمة الكاشفون عنها في غياهب الكون كل غمة فلابد وأن يوجد في كل عصر طائفة منهم يدفع الله بها عن الناس البلاء فإنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ألم يقل النبي(صلى الله عليه وسلم)” تعلموا منهم ولا تعلموهم وإنكم حزب أبليس إذا خالفتموهم” أما جاء عنه أن المتمسك بهم لا يضل أبدا وأنهم لن يدخلوكم باب ضلالة ولن يخرجوكم عن باب هدي ألم يخبر أنهم أمان هذه الأمة وأن الله قد جعل فيهم الحكمة وأن من ناوأهم فهو عن دين الله مارق ومن ابغضهم فهو بالنص منافق وأخبر انهم لن يفارقوا كتاب الله حتى يجمعهم شاطئ الحوض وإياه.
ما معني ما ورد في الحديث الصحيح انه (صلى الله عليه وسلم) قال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يابني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فأنى لاأملك لكم من الله شيئا؟ ونحو ذلك من الأحاديث؟
________________________________________
ج- قال العلماء نفع الله بهم لاتعارض بين الحديث المذكور وبين الأحاديث الواردة في فضل أهل بيته(صلى الله عليه وسلم) لأن معني الحديث أنه (صلى الله عليه وسلم) لا يملك لأحد من الله شيئا لا ضرا ولا نفعا لكن الله يملكه نفع أقاربه بل جميع أمته بالشفاعة العام والخاصة فهو لا يملك إلا ما يملكه له مولاه عز وجل. وكذا قوله(صلى الله عليه وسلم) في رواية(لا أغني عنكم من الله شيئا) أي بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله به من شفاعة أو مغفرة من أجلي ونحو ذلك. وقد أشار (صلى الله عليه وسلم) إلي حق رحمه لقوله في الحديث المذكور(غير أن لكم رحما سأبلها ببلاها) رواه مسلم. ومعناه سأصلها بصلتها. فأقتضي مقام التخويف إلي خطابهم بذلك مع الإيماء إلي الحق رحمه وقد صحت الأحاديث النبوية في أن نسبة أهل بيته إليه (صلى الله عليه وسلم)، نافعة لهم في الدنيا والآخرة. فمن ذلك ما أخرجه أحمد والحاكم أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)قال فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها وأن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وحسبي وصهري. وأخرج الحاكم عن أنس أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم لله تعالي بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم.
________________________________________
وفي فتاوى الإمام العلامة خاتمة المحققين أحمد بن حجر رحمه الله وقد سئل هل الشريف الجاهل أم العالم أفضل؟ وأيهما أحق بالتوقير إذا اجتمعا وأريد تفريق نحو قهوة عليهما فأيهما أولي بالبداة أو أراد شخص التقبيل فأيهما يبدأ به؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله في كل منهما فضل عظيم أما الشريف فلما فيه من البضعة الكريمة التي لا يعادلها شئ ومن ثم قال بعض العلماء لا أعادل بضعته (صلى الله عليه وسلم) أحدا وأما العالم العامل فلما فيه من نفع المسلمين وهداية الضالين فهم خلفاء الرسل ووارثو علومهم ومعارفهم. فيقين علي الموفق أن يري للكل من الأشراف والعلماء حقهم من التوقير والتعظيم. والمبدأ به إذا اجتمعا الشريف لقوله (صلى الله عليه وسلم) قدموا قريشا ولما فيه من البضعة الشريفة والمراد بالشريف المنسوب إلي الحسن والحسين رضي الله عنهما وآل بيتهما السلام والله سبحانه وتعالي أعلم.
نفع الانتساب إليه (صلى الله عليه وسلم)
قد صحت الأحاديث في أن النسب إليه (صلى الله عليه وسلم) نافعة في الدنيا والآخرة.فمن ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري. رواه ابن عساكر عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فهذا الحديث ونحوها يدل علي عظيم نفع الإنتساب إليه (صلى الله عليه وسلم).
قال العلماء ولا يعارض ذلك ما في أخبار أخر من حثه (صلى الله عليه وسلم) لأهل بيته على خشية الله واتقائه وطاعته وأنه لا يغني عنهم من الله شيئا لأنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا ولكن الله تعالي يملكه نفع أقاربه فقوله(صلى الله عليه وسلم) لا أغني عنكم شيئا أي بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله به من نحو شفاعة ومغفرة فخاطبهم بذلك رعاية لمقام التخويف به.
________________________________________
كما أخرج البزار والطبراني وغيرهم من حديث طويل: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع. أن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وأم رحمي موصولة في الدنيا والآخرة.
وروي الإمام أحمد والحاكم والبيهيقي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول علي المنبر :ما بال رجال يقولون أن رحم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لانتفع قومه يوم القيامة بلي والله أن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة وأني أيها الناس فرط لكم علي الحوض.
________________________________________
خاتمة
هذا ما جرى تدوينه من المؤلف جزاه الله تعالى الأجر والثواب ، وتحقيقه ونشره مني .
والحمد لله الكريم الذي بفضله تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم .
وكتبه الفقير إلي مولاه
يوسف بن السيد هاشم الرفاعي
(عفى الله تعالى عنه)
في 27 من المحرم سنة 1415هـ
الموافق 6/7/1994
بمدينة الكويت حرسها الله تعالى
________________________________________

Published in: on يوليو 24, 2009 at 6:34 ص  اكتب تعليقُا  

الكتاب : مفاهيم يجب أن تصحح المؤلف : الدكتور محمد علوي المالكي الحسني

الكتاب : مفاهيم يجب أن تصحح
المؤلف : الدكتور محمد علوي المالكي الحسني
مفاهيم يجب أن تصحح
لسليل بيت العلم والتقى
الدكتور محمد علوي المالكي الحسني
خادم العلم الشريف بالبلد الحرام
الناشر: دار جوامع الكلم للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة
تليفون : 5898029
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .
في بلد الله الحرام مكة المكرمة وفي حرم بيت الله الحرام التقيت مع فضيلة الإمام الداعية الشيخ محمد بن علوي المالكي صلة لرحم الصداقة والمودة والعلم مع والدي الشيخ صالح الجعفري إمام الجامع الأزهر وفي جلسة أمتعنا فيها من غزير علمه وحسن بيانه وقوة حجته فاستأذنته في طباعة كتابه (مفاهيم يجب أن تصحح) لما في الكتاب من عظيم الفائدة خاصة في الرد على المنكرين والجاحدين بما وهبه الله من علم أوقفه للدعوة لله والزود عن نبيه وأهل بيته والأولياء والصالحين والعلماء العاملين بدعوة كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما فتح الله به عليه من صدق الكلمة وأصالة الحجة ومنطق الحق – فوافق الشيخ مشكوراً على طباعته مدداً لرسالته ودعوته وإنه لشرف عظيم أن تحظى – دار جوامع الكلم – بموافقة الشيخ وتكريمه لها بطباعة هذه الحجة البالغة النادرة.
والدعاء إلى الله عز وجل أن يديم على الشيخ الداعية ثوب الصحة ويكرمه بالتوفيق والنصر والتأييد إن شاء الله تعالى.
عبد الغني صالح الجعفري
صاحب دار جوامع الكلم
للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة
17 شارع الشيخ صالح الجعفري
– الدراسة – القاهرة
ملاحظة:
نظراً للأهمية البالغة لهذا الكتاب الذي بين أيدينا وتعطش الكثير من طلبة العلم وعشاق الحقيقة للاطلاع على محتوى هذا الكتاب فقد قام العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى بطباعة هذا الكتاب باستخدام تقنية الحاسب الآلي ساعياً لنشره عبر الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) مبتغياً وجه الله تعالى راجياً عفوه ومغفرته ورحمته وثوابه واجتناب عقابه وراجياً من الله تعالى أن ينال القبول وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله في ميزان حسناته وفي ميزان حسنات كل من يساهم في نشره.
ولي حق على قارئي هذا الكتاب ألا ينسوني من دعائهم وأن يغفروا لي ما قد يكون وقع في طباعته من سهو أو خطأ في النقل والله من وراء القصد.
تنبيه:
لمعرفة المزيد عن مؤلف الكتاب الشيخ الدكتور محمد بن علوي المالكي الحسني سليل بيت النبوة وللاطلاع على مؤلفاته وبعض من كتاباته يمكنكم زيارة الموقع الخاص بالشيخ على العنوان التالي:
http://www.mohamadalawi.com
________________________________________
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
تمهيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد …
فإن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعم كثيرة ، أجلها وأعظمها نعمة الإسلام ، أكرم بها من نعمة ، ومنها نعمة الأمن التي نتمتع فيها بالأمان والسكينة والاطمئنان في ربوع هذه البلاد ، ومنها نعمة تطبيق الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود والتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – ، وذلك بفضل الله ثم بفضل الحكام الذين جعلهم الله حماة لهذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين ، والذين وفقهم الله لخدمة هذين الحرمين وشرفهم بالقيام بأمانة الحراسة والرعاية والحفظ لهما فبذلوا جهدهم في سبيل ذلك.

ووجدوا بحمد الله العون في أبناء هذا الشعب المخلص الوفي الذي أعطى البيعة بصدق ، وحفظ العهد بحق ورعى الذمة في الحضور والغيبة ، فنحن على ذلك العهد قائمون وبتلك الذمة موفون انطلاقاً من إيماننا الصافي ، وعقيدتنا السلفية ومنهجنا النبوي ، لأن هذه البلاد بفضل الله طاهرة من كل رجس سالمة من كل شرك بإخبار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ قال:
(( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب )) ..
وقال:
(( إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم )) – جزيرة العرب ..
وقال:
(( اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد )) ..
( ودعاؤه مستجاب ) .. وقال:
(( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله .. أما أني لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية )) ..
رواه ابن ماجه في كتاب الزهد.
خصوصاً وقد أخبر أن هذه البلاد معقل الإيمان ومرجع أهله وملاذ حملته إذ قال: (( أن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها )) .. وفي رواية إن الإيمان ليأرز إلى الحجاز.
________________________________________
ولقد عمل أئمة هذه البلاد وحكامها منذ بداية عهدهم على ترسيخ هذه المعاني وتثبيت ذلك في قلوب الناس ابتداء من جلالة المرحوم الملك عبد العزيز الذي وحد الجزيرة وجمع الكلمة وأزال الفوارق العصبية وهدم الحواجز العنصرية فعاش الناس متحابين يجمعهم مبدأ واحد وتلم شعثهم راية واحدة ، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. عاشوا على هذا المبدأ وإن اختلفت آراؤهم أو تنوعت مشاربهم. فالأصل واحد والولاء واحد ، والعهد صادق ، والوفاء لازم ، ولكن بعض المتطفلين من الدخلاء والعملاء الأجانب يحبون أن يصيدوا في الماء العكر فيشوهون الصورة ويشيعون الفتنة ويلبسون البرآء الذين لا يعرفون النفاق ثوب السوء وإرادة الشر وهم بهذا يفتحون باباً آخر نحن في غنى عنه ويوجهون الأنظار إلى ما هي غافلة عنه ، ولكن لا بأس ؛ فإن الثقة في الله وحسن الظن في حكامنا أهل العقل والنظر يبعث الطمأنينة في النفوس بأن لا يأخذوا بأقوال الوشاة ودعاة الفتنة من الذين لا هم لهم إلا تفريق كلمة المسلمين.
________________________________________
خصوصاً وأننا في ظل هذه الدولة السنية التي تحمي العقيدة الصحيحة الصافية وتبذل جهدها لنشرها والدعوة إليها في ظل دولة التوحيد التي تنصر العلم وحملته والدعاة إليه وتشجع على البحث العلمي النزيه النظيف في أي مجال كان وعلى أي ميدان ومن أي جهة ، وتكرم في سبيل ذلك أهله ، وتقدم لهم الجوائز السخية ، والأوسمة الرفيعة ، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ، سعوديين أم غير سعوديين على حد سواء في مجال الدعوة الإسلامية أو البحوث العلمية والتطبيقية لأن المقياس هو العلم والعلم وحده ، والبحث وحده ، وهي بهذا الموقف تعمل على صقل العقول ، وتنوير البصائر ، وتلاقي الأفكار المعبرة عن المفاهيم التي تجيش في خواطر العلماء والباحثين وتفيض على قلوبهم ، وتتواجد في نفوسهم ، فيجدون السبيل ميسراً للتعبير بالكلمة، ولا شك أن هذا أقوى سبيل لإظهار الحق وإثباته لأن الوضوح والجلاء هو الأساس في بناء المجتمع ، وتلاحم أبنائه ، ولا يتم هذا إلا بالتعبير عن المفاهيم التي يحس بها الإنسان ويراها بالنسبة لأي قضية إسلامية واجتماعية.
وهذه القاعدة هي من أجل الأصول التي ينبغي أن تتبع في الدعوة إلى الإسلام ، لقد أعطى الإسلام الفرصة لأعدائه للنظر والتبصر فقال :
{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ } .
وأعطى الفرصة لإبداء أي اعتراض أو مفهوم أو برهان في نفس المعارض المعاند فقال :
{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
وطلب من المشركين أن ينظروا ويتفكروا في أمر الدين تارة منفردين وتارة مجتمعين ، وذلك بعقد المجالس والندوات للتشاور في حقيقة الدين وحقيقة الداعي محمد – صلى الله عليه وسلم – فقال: { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } .
________________________________________
بل وأعظم من هذا وذلك أنه أعطى الثقة للمعاند ليتقدم ويتكلم ويحس بنفسه وبموقعه وبأنه كائن حي له عقله فلابد أن يعقل وله فهمه فلابد أن يفهم ، وبعد هذا التعقل والتفهم لابد أن نسمع منه ثمرة عقله وثمرة فهمه فقال تعالى: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } .
هكذا أمر الله تعالى نبيه محمداً – صلى الله عليه وسلم – أن يقول للمشركين المبطلين الضالين الذين لا دين لهم صحيح ولا عقيدة معتبرة عند الجدال والمناقشة ، إما أن أكون أنا على هدى أو أنتم ، وإما أن أكون أنا على ضلال أو أنتم.
ومن هذا المنطلق أقدم هذه المفاهيم عن بعض القضايا الإسلامية المختلف فيها بين العلماء والتي لا يستطيع أحد أن يقول إنه اتفقت آراء العلماء فيها على كلمة واحدة.
ولابد من إظهارها ووضعها بين يدي العلماء والباحثين للدراسة والنظر ، فإن كانت صواباً فالحمد لله وذلك من توفيق الله وتسديده وإن كانت خطأ فإنه مني وباجتهادي. وذلك لبيان الحقيقة وتصحيح المفاهيم العامة وليس لنا من وراء ذلك إلا الإصلاح وتوخي الصواب لأننا بشر نصيب ونخطئ وكل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا السيد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وكل كتاب قابل للزيادة والنقصان والتغيير والتبديل والإصلاح والتهذيب إلا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومن ادعى سوى ذلك فهو مفتر ممتر.
ونحن نعوذ بالله من أن نكون ممن يتعلم العلم للمماراة أو للمجادلة كما قال – صلى الله عليه وسلم – : ( من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكابر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار ). رواه الترمذي.
________________________________________
وكتابنا هذا كغيره من الكتب ، قابل للإصلاح والمراجعة ، وأنا بفضل الله أعترف في كل كتاب أؤلفه بذلك ، وأقول في آخر ما أكتب : إني أسأل الله التوفيق والسداد فيما كتبته فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان خطأ فمن نفسي واجتهادي. وأرجو ممن يطلع عليه أن يرشدني وأن يدلني على أخطائي.
والعلماء لا يزالون يراجع بعضهم بعضاً فيما يكتبون ، فإذا حصل الإقناع والرضا لا يتوقف عن الأخذ به إلا مستكبر ، إلا إذا كان له في ذلك تأويل أو وجهة نظر أو دليل أو شبهة دليل ، فإنه إن لم يلتمس له العذر فأقل ما في الأمر أن يسكت عنه ، والحوار بين العلماء بصورة خاصة يتميز بالموضوعية وروح التفاهم والورع وتقوى الله عز وجل لأن رائدهم جميعاً التوعية والتوجيه والذود عن محارم الله عز وجل والأخذ بيد الناس لكل ما فيه الخير ، فهم ورثة الأنبياء. وإني أسأل الله عز وجل أن يجنبنا مصادر الزلل وأن يهدينا سواء السبيل.
إنه سميع مجيب وبالله التوفيق ..
محمد بن علوي المالكي الحسني
منهج الكتاب
هذا وقد جعلنا هذا الكتاب على ثلاثة أبواب كالآتي:
الباب الأول:
مباحث في العقيدة وفيها بيان فساد مقاييس التفكير والتضليل اليوم.
الباب الثاني:
مباحث نبوية . وفيها خصائص النبي – صلى الله عليه وسلم – وحقيقة النبوة وحقيقة البشرية ومفهوم التبرك بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وآثاره .
الباب الثالث:
مباحث مختلفة وفيها بيان الحياة البرزخية ومشروعية الزيارة النبوية وما يتعلق بها من الآثار والمشاهد والمناسبات الدينية .
XXX
الباب الأول
مباحث في العقيدة
وفيها بيان فساد مقاييس التكفير والتضليل اليوم
التحذير من المجازفة بالتكفير
________________________________________
يخطئ كثير من الناس – أصلحهم الله – في فهم حقيقة الأسباب التي تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام وتوجب عليه الحكم بالكفر ، فتراهم يسارعون إلى الحكم على المسلم بالكفر لمجرد المخالفة حتى لم يبق من المسلمين على وجه الأرض إلا القليل ، ونحن نلتمس لهؤلاء العذر تحسيناً للظن ، ونقول لعل نيتهم حسنة من دافع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن فاتهم أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد في أدائه من الحكمة والموعظة الحسنة وإذ اقتضى الأمر المجادلة يجب أن تكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى : { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .. وذلك أدعى إلى القبول وأقرب للحصول على المأمول ومخالفته خطأ وحماقة .
فإذا دعوت مسلماً يصلي ، ويؤدي فرائض الله ، ويجتنب محارمه وينشر دعوته ، ويشيد مساجده ، ويقيم معاهده ، إلى أمر تراه حقاً ويراه هو على خلافك والرأي فيه بين العلماء مختلف قديماً إقراراً وإنكاراً فلم يطاوعك في رأيك فرميته بالكفر لمجرد مخالفته لرأيك فقد قارفت عظيمة نكراء ، وأتيت أمراً إدّاً نهاك عنه الله ودعاك إلى الأخذ فيه بالحكمة والحسنى.
قال العلامة الإمام السيد أحمد مشهور الحداد : وقد انعقد الإجماع على منع تكفير أحد من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القادر جل وعلا أو شرك جلي لا يحتمل التأويل أو إنكار النبوة أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أو إنكار متواتر أو مجمع عليه ضرورة من الدين .
والمعلوم من الدين ضرورة كالتوحيد والنبوات وختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم والبعث في اليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار يكفر جاحده ، ولا يعذر أحد من المسلمين بالجهل به إلا من كان حديث عهد في الإسلام فإنه يعذر إلى أن يتعلمه فإنه لا يعذر بعده.
________________________________________
والمتواتر الخبر الذي يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إما من حيث الإسناد كحديث :
(( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )) ..
وإما من حيث الطبقة كتواتر القرآن فإنه تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً درساً وتلاوة وحفظاً وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة فلا يحتاج إلى إسناد.
وقد يكون تواتر عمل وتوارث كتواتر العمل على شيء من عصر النبوة إلى الآن ، أو تواتر علم كتواتر المعجزات فإن مفرداتها وإن كان بعضها آحاداً لكن القدر المشترك منها متواتر قطعاً في علم كل إنسان مسلم .
وإن الحكم على المسلم بالكفر في غير هذه المواطن التي بيناها أمر خطير ، وفي الحديث (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) .
رواه البخاري عن أبي هريرة .
ولا يصح صدوره إلا ممن عرف بنور الشريعة مداخل الكفر ومخارجه والحدود الفاصلة بين الكفر والإيمان في حكم الشريعة الغراء .
فلا يجوز لأي إنسان الركض في هذا الميدان والتكفير بالأوهام والمظان دون تثبت ويقين وعلم متين وإلا اختلط سيلها بالأبطح ولم يبق مسلم على وجه الأرض إلا القليل .
كما لا يجوز التكفير بارتكاب المعاصي مع الإيمان والإقرار بالشهادتين ، وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم :
(( ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال : لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بالعمل ، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار )) .. (أخرجه أبو داود) ..
وكان إمام الحرمين يقول : لو قيل لنا : فصِّلُوا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا يقتضي ، لقلنا : هذا طمع في غير مطمع فإن هذا بعيد المدرك وعر المسلك يستمد من أصول التوحيد ومن لم يحظ بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق .
________________________________________
لذلك نحذر كل التحذير من المجازفة بالتكفير في غير المواطن السابق بيانها لأنه جد خطير والله الهادي إلى سواء السبيل وإليه المصير .
موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وقد وقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الميدان موقفاً عظيماً ، قد يستنكره كثير ممن يدعي أنه منسوب إليه ومحسوب عليه ، ثم يكيل الحكم بالتكفير جزافاً لكل من خالف طريقته ونبذ فكرته ، وها هو الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ينكر كل ما ينسب إليه من هذه التفاهات والسفاهات والافتراءات فيقول ضمن عقيدته في رسالته الموجهة لأهل القصيم قال :
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم ، والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي .
فمنها : قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة ، وإني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وإني أدعي الاجتهاد ، وإني خارج عن التقليد ، وإني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وإني أحرم زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما ، وإني أكفر من حلف بغير الله ، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين ، وأسميه روض الشياطين .
________________________________________
جوابي عن هذه المسائل : أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ، وقبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ، ويسب الصالحين ، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب ، وقول زور . قال تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ } الآية ، بهتوه صلى الله عليه وسلم بأنه يقول : إن الملائكة وعيسى وعزيراً في النار ، فأنزل الله في ذلك : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } .
أنظر الرسالة الأولى من الرسائل الشخصية ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المنشورة باهتمام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
(القسم الخامس ص )
رسالة مهمة أخرى للشيخ في الموضع
هذه رسالة أرسلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى السويدي عالم من أهل العراق ، وكان قد أرسل له كتاباً وسأله عما يقول الناس فيه ، فأجابه بهذه الرسالة : قال فيها :
إن إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه مما قلتم : أنني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل ، وهل يقول هذا مسلم ؟ .
وما قلتم : لو أنني أقدر على هدم قبة النبي – صلى الله عليه وسلم – لهدمتها ، وفي دلائل الخيرات وحرمته ، وأنهى عن الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – بأي النظم كان ، فهذا من البهتان ، والمسلم لا يظن من قلبه أجلّ من كتاب الله .
وفي صحيفة 64 من نفس الكتاب قال رحمه الله : وما قلتم : أنني أكفر من توسل بالصالحين ، وأكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وأنكر زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وأنكر زيارة قبور الوالدين وغيرهم ، وأكفر من حلف بغير الله .
جوابي على ذلك أقول : سبحانك هذا بهتان عظيم .
أنظر القسم الخامس – الرسائل الشخصية ص37 من مجموعة مؤلفات الشيخ -.
سباب المسلم فسوق وقتاله كفر
________________________________________
إعلم أنّ كراهة المسلمين ومقاطعتهم ومدابرتهم محرّمة وكان سباب المسلم فسوقاً وقتاله كفراً إذا استحل .
وكفى رادعاً في هذا الباب حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه في سريته إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام ، فلما انتهى إليهم تلقوه ، فقال لهم : أسلموا ، فقالوا : نحن قوم مسلمون ، قال : فألقوا سلاحكم وانزلوا ، قالوا : لا والله ما بعد وضع السلاح إلا القتل ما نحن بآمنين لك ولا لمن معك ، قال خالد فلا أمان لكم إلا أن تنزلوا فنزلت فرقة منهم وتفرقت بقية القوم .
وفي رواية انتهى خالد إلى القوم فتلقوه ، فقال لهم ما أنتم أي : أمسلمون ؟ أم كفار ؟ قالوا : مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنينا المساجد في ساحتنا وأذنا فيها ، وفي لفظه لم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فقالوا: صبأنا صبأنا ، قال فما بال السلاح عليكم ؟ قالوا : إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح ، قال : فضعوا السلاح فوضعوا ، فقال : استأسروا فأمر بعضهم فكتف بعضاً وفرقهم في أصحابه فلما كان السحر نادى منادي خالد : من كان معه أسير فليقتله ، فقتل بنو سليم من كان معهم وامتنع المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم ، وأرسلوا أسراهم فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل خالد ، قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، قال ذلك مرتين .
وقد يقال أن خالداً فهم أنهم قالوا ذلك على سبيل الأنفة وعدم الانقياد إلى الإسلام وإنما أنكر عليه صلى الله عليه وآله وسلم العجلة وعدم التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا ، وقد قال عليه الصلاة والسلام نعم عبد الله أخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكافرين والمنافقين .
________________________________________
وكذلك قصة أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه فيما رواه عنه البخاري عن أبي ظبيان قال : سمعت أسامة بن زيد يقول : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة ، فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكف الأنصاري عنه وطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا أسامة ! أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله ، قلت : كان متعوذاً ، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت ذلك اليوم ، وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ألا شققت على قلبه ، فتعلم أصادق أم كاذب قال أسامة : لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله .
وقد سئل علي – رضي الله عنه – عن المخالفين له من الفرق أكفار هم ؟ قال : لا ، إنهم من الكفر فروا ، فقيل : أمنافقون هم ؟ فقال : لا ، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً ، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً ، فقيل : أي شيء هم ؟ قال : قوم أصابتهم الفتنة فعموا وصمُّوا .
c c c
مقام الخالق ومقام المخلوق
إن الفرق بين مقام الخالق والمخلوق هو الحد الفاصل بين الكفر والإيمان ، ونعتقد أن من خلط بين المقامين فقد كفر والعياذ بالله .
ولكل مقام حقوقه الخاصة ، ولكن هناك أموراً ترد في هذا الباب وخصوصاً فيما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه التي تميزه عن غيره من البشر وترفعه عليهم هذه الأمور قد تشتبه على بعض الناس لقصر عقولهم وضعف تفكيرهم وضيق نظرهم وسوء فهمهم ، فيبادرون إلى الحكم بالكفر على أصحابها وإخراجهم عن دائرة الإسلام ظناً منهم أن في ذلك تخليطاً بين مقام الخالق والمخلوق ، ورفعاً لمقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقام الألوهية ، وإننا نبرأ إلى الله سبحانه وتعالى من ذلك .
________________________________________
وإننا بفضل الله تعالى نعرف ما يجب لله تعالى ، وما يجب لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ونعرف ما هو محض حق لله تعالى وما هو محض حق لرسوله صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا إطراء يصل إلى حد وصفه بخصائص الربوبية والألوهية في المنع والعطاء والنفع والضر الاستقلالي [دون الله تعالى] والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والخلق والملك والتدبير والتفرد بالكمال ، والجلال والتقديس والتفرد بالعبادة بمختلف أنواعها وأحوالها ومراتبها .
أما الغلو الذي يعني التغالي في محبته وطاعته والتعلق به ، فهذا محبوب ومطلوب كما جاء في الحديث :
((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)) ..
والمعنى أن إطراءه والتغالي فيه والثناء عليه بما سوى ذلك هو محمود ، ولو كان معناه غير ذلك لكان المراد هو النهي عن إطرائه ومدحه أصلاً ومعلوم أن هذا لا يقوله أجهل جاهل في المسلمين ، فإن الله تعالى عظم النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن بأعلى أنواع التعظيم ، فيجب علينا أن نعظم من عظمه الله تعالى وأمر بتعظيمه .. نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية ورحم الله القائل حيث قال :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم :: واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فليس في تعظيمه صلى الله عليه وسلم بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك ، بل ذلك من أعظم الطاعات والقربات ، وهكذا كل من عظمهم الله تعالى كالأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وكالملائكة والصديقين والشهداء والصالحين ، قال الله تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } ، وقال تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } .
________________________________________
ومن ذلك الكعبة المعظمة والحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام ، فإنها أحجار وأمرنا الله تعالى بتعظيمها بالطواف بالبيت ومس الركن اليماني وتقبيل الحجر الأسود وبالصلاة خلف المقام ، وبالوقوف للدعاء عند المستجار وباب الكعبة والملتزم ، ونحن في ذلك كله لم نعبد إلا الله تعالى ، ولم نعتقد تأثيراً لغيره ولا نفعاً ولا ضراً فلا يثبت شيء من ذلك لأحد سوى الله تعالى .
] ] ]
مقام المخلوق
أما هو صلى الله عليه وسلم فإننا نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم بشر يجوز عليه ما يجوز على غيره من البشر من حصول الأعراض والأمراض التي لا توجب النقص والتنفير كما قال صاحب العقيدة :
وجائز في حقهم من عرض :: بغير نقص كخفيف المرض
وأنه صلى الله عليه وسلم عبد لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً إلا ما شاء الله ، قال تعالى : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 188.
وأنه صلى الله عليه وسلم قد أدى الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الأمة
وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ، فانتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً كما قال تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } .
وقال : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } .
________________________________________
والعبودية هي أشرف صفاته صلى الله عليه وسلم ، ولذلك فإنه يفتخر بها ويقول : [ إنما أنا عبد ] ووصفه الله بها في أعلى مقام { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ، وقال : { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } . والبشرية هي عين إعجازه فهو بشر من جنس البشر لكنه متميز عنهم بما لا يلحقه به أحد منهم أو يساويه كما قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه في الحديث الصحيح : ((إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني))..
وبهذا ظهر أن وصفه صلى الله عليه وسلم بالبشرية يجب أن يقترن بما يميزه عن عامة البشر من ذكر خصائصه الفريدة ومناقبه الحميدة ، وهذا ليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم ، بل هو عام في حق جميع رسل الله سبحانه وتعالى لتكون نظرتنا إليهم لائقة بمقامهم ، وذلك لأن ملاحظة البشرية العادية المجردة فيهم دون غيرها هي نظرة جاهلية شركية ، وفي القرآن شواهد كثيرة على ذلك ، فمن ذلك قول قوم نوح في حقه فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا } سورة هود : 27 .
ومن ذلك قول قوم موسى وهارون في حقهما فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } المؤمنون : 47 .
ومن ذلك قول ثمود لنبيهم صالح فيما حكاه الله عنهم بقوله : { مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } سورة الشعراء : 154 .
ومن ذلك قول أصحاب الأيكة لنبيهم شعيب فيما حكاه الله عنهم بقوله : { قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } سورة الشعراء : 186 .
ومن ذلك قول المشركين في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد رأوه
________________________________________
بعين البشرية المجردة فيما حكاه الله عنهم بقوله : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ، ولقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه حديث الصدق بما أكرمه الله تعالى به من عظيم الصفات وخوارق العادات التي تميز بها عن سائر أنواع البشر ([1]).
فمن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح أنه قال :
(( تنام عيناي ولا ينام قلبي )) .
وجاء في الصحيح أنه قال :
(( إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي )) ..
وجاء في الصحيح أنه قال :
(( أوتيت مفاتيح خزائن الأرض )) .
وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مات إلا أنه حي حياة برزخية كاملة يسمع الكلام ويرد السلام وتبلغه صلاة من يصلي عليه وتعرض عليه أعمال الأمة فيفرح بعمل المحسنين ويستغفر للمسيئين وأن الله حرم على الأرض أن تأكل جسده فهو محفوظ من الآفات والعوارض الأرضية .
وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال :
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ)) . قالوا : يا رسول الله ! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يعني بليت ؟ فقال : ((إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ..
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه.
وفي ذلك رسالة خاصة للحافظ جلال الدين السيوطي أسماها ((إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء)) .
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض عليَّ أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وإن رأيت شراً استغفرت لكم)) .
قال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
________________________________________
((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)) .
رواه أحمد وأبو داود . قال بعض العلماء : رد عليَّ روحي أي نطقي ، وعن عمار بن يسار رضي الله عنه قال :
((قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : إن الله وكّل بقبري ملكاً أعطاه الله أسماء الخلائق ، فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه ، هذا فلان بن فلان قد صلى عليك)) .
رواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان ولفظه : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إن لله تبارك وتعالى ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت ، فليس أحد يصلي عليَّ إلا قال : يا محمد ! صلى عليك فلان بن فلان ، قال : فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً)) ..
رواه الطبراني في الكبير بنحوه ([2]) .
وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مات إلا أن فضله ومقامه وجاهه عند ربه باق لا شك في ذلك ولا ريب عند أهل الإيمان ، ولذلك فإن التوسل به إلى الله سبحانه وتعالى إنما يرجع في الحقيقة إلى اعتقاد وجود تلك المعاني واعتقاد محبته وكرامته عند ربه وإلى الإيمان به وبرسالته ، وليس هو عبادة له ، بل إنه مهما عظمت درجته وعلت رتبته فهو مخلوق لا يضر ولا ينفع من دون الله إلا بإذنه .
قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } .
] ] ]
أمور مشتركة بين المقامين
لا تنافي التنزيه
وقد أخطأ كثير من الناس في فهم بعض الأمور المشتركة بين المقامين ( مقام الخالق ومقام المخلوق ) فظن أن نسبتها إلى مقام المخلوق شرك بالله تعالى .
________________________________________
ومن ذلك بعض الخصائص النبوية مثلاً ([3]) ، التي يخطئ بعضهم في فهمها فيقيسونها بمقياس البشرية ، ولذلك يستكثرونها ويستعظمونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرون أن وصفه بها معناه وصفه ببعض صفات الألوهية ، وهذا جهل محض لأنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء وكما يشاء بلا موجب ملزم وإنما هو تفضل على من أراد إكرامه ورفع مقامه وإظهار فضله على غيره من البشر وليس في ذلك انتزاع لحقوق الربوبية وصفات الألوهية ، فهي محفوظة بما يناسب مقام الحق سبحانه وتعالى : وإذا اتصف المخلوق بشيء منها فيكون بما يناسب البشرية من كونها محدودة مكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا تدبيره ولا أمره إذ هو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، وكم من أمور جاء ما يدل على أنها حق لله سبحانه وتعالى ، ولكنه سبحانه وتعالى منَّ بها على نبيه صلى الله عليه وسلم وغيره .
وحينئذ فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية أو يجعله شريكاً لله سبحانه وتعالى.
فمنها : الشفاعة ، فهي لله ، قال الله تعالى : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ } ، وهي ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره من الشفعاء بإذن الله كما جاء في الحديث : ((أوتيت الشفاعة)) ..
وحديث : ((أنا أول شافع ومشفع)) ..
ومنها : علم الغيب ، فهو لله سبحانه وتعالى : { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } ، وقد ثبت أن الله تعالى علّم نبيه من الغيب ما علّمه وأعطاه ما أعطاه { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً {26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .
________________________________________
ومنها : الهداية فهي خاصة بالله تعالى ، قال الله تعالى : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ } ، وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم له شيء من ذلك فقال : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، والهداية الأولى غير الهداية الثانية ، وهذا إنما يفهمه العقلاء من المؤمنين الذين يعلمون الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول : وإنك لتهدي هداية إرشاد ، أو أن يقول وإنك لتهدي هداية غير هدايتنا ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل أثبت له هداية مطلقة بلا قيد ولا شرط ، لأن الموحد منا معشر المخاطبين من أهل الإسلام يفهم معاني الألفاظ ويدرك اختلاف مدلولاتها بالنسبة لما أضيف إلى الله ، وبالنسبة لما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظير هذا ما جاء في القرآن من وصف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالرأفة والرحمة إذ يقول : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بذلك أيضاً في أكثر من موضع ، فهو سبحانه وتعالى { رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم أن الرأفة والرحمة الثانية غير الأولى ، ولما وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك الوصف وصفه به بالإطلاق بلا قيد ولا شرط ، لأن المخاطب وهو موحد مؤمن بالله يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول في وصفه صلى الله عليه وسلم : رؤوف برأفة غير رأفتنا ، ورحيم برحمة غير رحمتنا أو أن يقول : رؤوف برأفة خاصة أو رحيم برحمة خاصة ، أو أن يقول : رؤوف برأفة بشرية ورحيم برحمة بشرية ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل أثبت له رأفة مطلقة ورحمة مطلقة بلا قيد ولا شرط،فقال: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } .
] ] ]
المجاز العقلي واستعماله
________________________________________
ولا شك أن المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة ، فمن ذلك قوله تعالى : { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } ، فإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقلي لأنها سبب في الزيادة ، والذي يزيد حقيقة هو الله تعالى وحده .
وقوله تعالى : { يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً } ، فإسناد الجعل إلى اليوم مجاز عقلي ، لأن اليوم محل جعلهم شيباً فالجعل المذكور واقع في اليوم ، والجاعل حقيقة هو الله تعالى ، وقوله تعالى : { وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً } ، فإن إسناد الإضلال إلى الأصنام مجاز عقلي لأنها سبب في حدوث الإضلال ، والهادي والمضل هو الله تعالى وحده . وقوله تعالى حكاية عن فرعون : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً } ، فإسناد البناء إلى هامان مجاز عقلي لأنه سبب فهو آمر يأمر ولا يبني بنفسه ، والباني إنما هم الفعلة ((من العمال)) .
وأما الأحاديث ففيها شيء كثير يعرفه من وقف عليها ، وكان ممن يعرف الفرق بين الإسناد الحقيقي والمجازي فلا حاجة إلى الإطالة بنقلها ، وقال العلماء : إن صدور ذلك الإسناد من موحد كاف في جعله إسناداً مجازياً لأن الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده فهو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض ، بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك .
] ] ]
ضرورة ملاحظة النسبة المجازية
في مقياس الكفر والإيمان
________________________________________
وقد تمسكت طوائف من أهل الضلالات بذيل شبهة ظواهر الألفاظ دون نظر إلى القرائن والمقاصد وبدون نظر إلى الجمع بما لا يؤدي إلى التعارض بين الوارد كالقائلين بخلق القرآن تمسكوا بنحو قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } ، والقائلين بالقدر تمسكوا بنحو قوله تعالى : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ، و { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } إلى غير ذلك ، والقائلين بالجبر تمسكوا بنحو قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } .
وكشف الغطاء عن ذلك أن جميع الأمة غير القدرية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، وقوله تعالى : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } ، وإن كان يجوز أن يوصف بها العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب كما في قوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } ، وقوله تعالى : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } إلى غير ذلك من الآيات المصرحة بإضافة الكسب إلى العبد ، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط لأن قدرة الله تعالى في الأزل كانت متعلقة بالعالم قبل اختراعه تعالى لوجوده ، وهي عند اختراعه متعلقة به بنوع آخر من التعلق .
حقيقة نسبة الأفعال للعباد :
________________________________________
ومن هذا يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها . وأفعال العباد نسبتها إليهم على طريق الكسب لا الاختراع لأن الله تعالى هو المخترع لها ، والمقدر لها ، والمريد لها ، ولا يرد أنه كيف يريد ما نهى عنه ، لأن الأمر يغاير الإرادة بدليل أمره جميع الناس بالإيمان ، ولم يرده من أكثرهم لقوله تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، فنسبة الأفعال إلى العباد من نسبة المسبب إلى السبب أو الواسطة ، وهذا لا منافاة فيه ، لأن مسبب الأسباب هو الذي خلق الواسطة وخلق فيها معنى الوساطة ولولا ذلك الذي أودع الله تعالى فيها لم تصلح أن تكون واسطة وسواء كانت مما لم يودع العقل كالجماد والأفلاك والمطر والنار ، أو كانت عاقلة نم ملك أو إنسي أو جني .
اختلاف المعنى باختلاف النسبة اللفظية :
ولعلك تقول : لا تعقل نسبة الفعل الواحد إلى فاعلين لاستحالة اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، فنقول : نعم ، هو كما قلتم لكن محله إذا لم يكن الفاعل إلا معنى واحد في الاستعمال .
________________________________________
أما إذا كان له معنيان فيكون الاسم مجملاً متردداً بينهما في الاستعمال ، وحينئذ لا يمتنع إطلاقه على كل منهما كما هو المعلوم من الاستعمال في الأسماء المشتركة أو في الحقيقة والمجاز كما يقال : قتل الأمير فلاناً ، ويقال : قتله السياف ، فإطلاق القتل على الأمير بمعنى غير المعنى الذي أطلق به على السياف ، فقولنا : إن الله تعالى فاعل بمعنى أنه المخترع الموجد ، وقولنا : إن المخلوق فاعل فمعناه أنه المحل الذي خلق الله تعالى فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم ، فارتباط القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط المعلول بالعلة وارتباط المخترع بالمخترع هذا إذا كان المحل عاقلاً وإلا فهو من ترتيب المسببات على أسبابها ، فصح أن يسمى كل ما له ارتباط بقدرة فاعلاً كيفما كان الارتباط ، كما يسمى السياف قاتلاً باعتبار ، والأمير قاتلاً باعتبار ، لأن القتل ارتبط بكليهما ، وإن كان ارتباطه على وجهين مختلفين ساغ تسمية كل منهما فاعلاً ، فمثل ذلك اعتبار المقدورات بالقدرتين ، والدليل على جواز هذه النسبة وتطابقها نسبة الله تعالى الأفعال إلى الملائكة تارة وتارة إلى غيرهم من العباد ، ومرة أخرى نسبها بعينها إلى نفسه ، فقال تعالى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } ، وقال تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } ، وقال تعالى : { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } بالإضافة إلينا ، ثم قال تعالى : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً } الآيات ، وقال تعالى : { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } ، ثم قال تعالى : { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } ، والنافخ جبريل عليه السلام ، وقال تعالى : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } ، والقارئ الذي يسمع النبي قراءته
________________________________________
جبريل ، وقال تعالى : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ } .. { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } ، فنفى عنهم القتل وأثبته لنفسه ، ونفى عنه الرمي وأثبته لنفسه ، وليس المراد نفي الحس من قتلهم الكفار ورميه لهم عليه السلام بالحصباء ولكن المعنى أنهم ما قتلوهم ولا رموهم بالمعنى الذي يكون الرب به قتلهم ورماهم وهو الاختراع والتقدير إذ هما معنيان مختلفان ، وتارة ينسب الفعل إليهما معاً كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } .
وروت عائشة – رضي الله عنها – : أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق الجنين يبعث ملكاً فيدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده ثم يصورها جسداً ، فيقول : يا رب ! أذكر أم أنثى ؟ أسوي أم معوج ؟ فيقول تعالى ما شاء ، ويخلق الملك ، وفي لفظ آخر : فيصور الملك ثم ينفخ فيه الروح بالسعادة أو بالشقاوة .
فإذا فهمت هذا اتضح لك أن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة ولا تناقض بينهما ، ولذلك الفعل ينسب تارة للجماد كما في قوله تعالى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } ، فالشجرة لا يتأتى منها الإتيان بثمرها ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم للذي ناوله تمرة : خذها لو لم تأتها لأتتك .. كما في الطبراني وابن حبان ، فإضافة الإتيان تختلف إلى الرجل وإلى التمرة ، فمعنى إتيان التمرة غير معنى إتيان الرجل ، فالإتيان منهما مجازان مختلفان في الاعتبار ، فمجاز إطلاق الإتيان على الرجل بمعنى أن الله خلق فيه القدرة والإرادة للإتيان بها .
________________________________________
وإتيان التمرة بمعنى أن الله يسبب من يأتي بها ، والحقيقة إنما هي إضافة الإتيان إلى الله تعالى في كل منهما ، ولأجل اختلاف الاعتبار في الوسائط تارة تكون ملاحظة الوسائط في الأفعال كفراً كما في جواب قارون لموسى عليه السلام بقوله : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } ، وكما في حديث : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ، وهذا الكفر باعتبار أن الواسطة مؤثرة ومخترعة ، قال النووي : اختلف العلماء في كفر من قال : مطرنا بنوء كذا على قولين :
أحدهما
هو كفر بالله تعالى سالب لأصل الإيمان مخرج من ملة الإسلام ، قالوا : وهذا فيمن قال ذلك معتقداً أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم ، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره ، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء ، والشافعي منهم وهو ظاهر في الحديث ، قالوا : وعلى هذا لو قال : مطرنا بنوء كذا معتقداً أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له
وعلامة اعتباراً بالعادة ، فكأنه قال : مطرنا في وقت كذا ، فهذا لا يكفر .
واختلفوا في كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها ، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره ، فيساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ، ومن سلك مسلكهم .
والقول الثاني :
في أصل تأويل الحديث : أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب ، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب ، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب : أصبح من الناس شاكر وكافر ، وفي الرواية الأخرى : ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين . فقوله : بها يدل على أنه كفر النعمة ، والله أعلم اهـ .
________________________________________
فأنت تراه قال باتفاق العلماء على أن من نسب الفعل إلى الواسطة لا يكفر إلا إذا اعتقد أنها هي الفاعلة المدبرة المخترعة ، وإذا لم تكن ملاحظة الواسطة بهذا الاعتبار بحيث أن الواسطة علامة أو ظرف الخلق المقدور فيها فلا كفر ، بل تارة يندب الشرع إلى ملاحظتها كقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه )) .
وقوله صلى الله عليه وسلم :
((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) ..
وذلك لأن ملاحظة الواسطة بهذا الاعتبار لا ينافي رؤية المنة لله سبحانه وتعالى ، وقد أثنى الله عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم بل وأثابهم عليها وهو الباعث لإرادتهم لها . والخالق لقدرتهم عليها كقوله تعالى : { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } ، وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } الآية .
وإذا ظهر لك أن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت الفهم الصحيح السليم .
________________________________________
فالمعاني أوسع من العبارات ، والصدور أوسع من الكتب المؤلفات ، ولو وقفنا مع حقيقة اللفظ دون المجاز ، لم نجد إلى الجمع بين النصوص أو التفرقة من جواز ، ألا ترى إلى ما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله : { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ } ، أترى أن إبراهيم يشرك مع الله تعالى الجماد وهو القائل : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ، والأمر الجامع في ذلك أن من أشرك مع الله جل جلاله غيره في الاختراع والتأثير فهو مشرك سواء كان الملحوظ معه جماداً أو آدمياً نبياً أو غيره ، ومن اعتقد السببية في شيء من ذلك اطردت أو لم تطرد ، فجعل الله تعالى لها سبباً لحصول مسبباتها ، وأن الفاعل هو الله وحده لا شريك له فهو مؤمن ، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسبب سبباً لأن خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر جل جلاله وعظم شأنه .
] ] ]
التعظيم بين العبادة والأدب
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التعظيم وحقيقة العبادة ، فيخلطون بينهما خلطاً بيناً ويعتبرون أن أي نوع من أنواع التعظيم هو عبادة للمعظم فالقيام وتقبيل اليد وتعظيم النبي – صلى الله عليه وسلم – بسيدنا ومولانا ، والوقوف أمامه في الزيارة بأدب ووقار وخضوع ، كل ذلك غلو عندهم يؤدي إلى العبادة لغير الله تعالى ، وهذا في الحقيقة جهل وتعنت لا يرضاه الله ولا رسوله وتكلف تأباه روح الشريعة الإسلامية .
________________________________________
فهذا آدم أول الجنس الإنساني ، وأول عباد الله الصالحين من هذا الجنس أمر الله تعالى الملائكة بالسجود له إكراماً وتعظيماً لما آتاه من علمه وإعلاماً لهم باصطفائه من بين سائر مخلوقاته ، قال تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } إلى آخر الآية . وفي آية أخرى قال : { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } .. وفي آية أخرى : { فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } .. فالملائكة عليهم السلام عظموا من عظمه الله ، وإبليس تكبر أن يسجد لمن خلق من طين ، فهو أول من قاس الدين برأيه وقال : أنا خير منه ، وعلل ذلك بعلة خلقه من نار وخلق آدم من طين وأنف من تكرمته عليه واستنكف من السجود له ، فهو أول المتكبرين ولم يعظم من عظمه الله ، فطرد من رحمة الله لتكبره على هذا العبد الصالح وهو عين التكبر على الله لأن السجود إنما هو لله إذ هو بأمره ، وإنما جعل السجود له تشريفاً وتكريماً له عليهم وكان من الموحدين فلم ينفعه توحيده.
ومما جاء في تعظيم الصالحين قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً } تحية وتكريماً وتشريفاً وتعظيماً له عليهم، والسجود من إخوته له إلى الأرض يدل عليه قوله تعالى : وخروا . ولعله كان جائزاً في شرعهم ، أو كسجود الملائكة لآدم عليه السلام تشريفاً وتعظيماً وامتثالاً لأمر الله تأويلاً لرؤيا يوسف إذ رؤيا الأنبياء وحي .
________________________________________
أما نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – فقد قال الله تعالى في حقه : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } ، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } ، وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } الآيات الثلاث . وقال تعالى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً } ، ونهى عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام ، قال سهل بن عبد الله : لا تقولوا قبل أن يقول ، أي لا تتكلموا قبله ، وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا ، ونهوا عن التقدم والتعجل بقضاء أمر قبل قضائه فيه ، وأن يفتوا بشيء في ذلك من قتال أو غيره من أمر دينهم إلا بأمره ، ولا يسبقوه به ، ثم وعظهم وحذرهم من مخالفة ذلك فقال : { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ، قال السلمي : اتقوا الله في إهمال حقه وتضييع حرمته ، إنه سميع لقولكم ، عليم بفعلكم ، ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته والجهر له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته ،وقيل: كما ينادي بعضهم بعضاً باسمه ، قال أبو محمد مكي : أي لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له بالخطاب ولا تنادوه باسمه نداء بعضكم لبعض ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى به يا رسول الله ، يا نبي الله ، وهذا كقوله في الآية الأخرى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً } ، وقال غيره : لا تخاطبوه إلا مستفهمين ، ثم خوفهم الله تعالى بحبوط أعمالهم إن هم فعلوا ذلك وحذرهم منه .. والآية نزلت في جماعة أتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فنادوه يا محمد أخرج إلينا ، فذمهم الله تعالى بالجهل ووصفهم بأن أكثرهم لا يعقلون .
________________________________________
يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه . رواه مسلم في الصحيح ، كتاب الإيمان ، (باب كون الإسلام يهدم ما قبله) .
وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس ، فيهم أبو بكر وعمر ، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ، ويبتسمان إليه ويبتسم لهما .
وروى أسامة بن شريك قال : أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ، وفي صفته إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وقال عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكانوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقاً ، ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ، ولا تسقط منه شعره إلا ابتدروها وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، وفي رواية : إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمداً أصحابه ، وقد رأيت قوماً لا يسلمونه أبداً.
وأخرج الطبراني وابن حبان في صحيحه عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال:
________________________________________
((كنا جلوساً عند النبي – صلى الله عليه وسلم – كأنما على رؤوسنا الطير ، ما يتكلم منا متكلم ، إذ جاءه أناس فقالوا : من أحب عباد الله إلى الله تعالى ؟ قال : أحسنهم خلقاً)) .. كذا في الترغيب (ج4 ص187) ، وقال : رواه الطبراني برجال محتج بهم في الصحيح .
وأخرج أبو يعلى وصححه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :
((لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الأمر ، فأؤخره سنتين من هيبته)) .. وأخرج البيهقي عن الزهري قال :
((حدثني من لا أتهم من الأنصار أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا توضأ أو تنخم ابتدروا نخامته فمسحوا بها وجوههم وجلودهم،فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : لم تفعلون هذا ؟ قالوا : نلتمس به البركة ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : من أحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره)) ..
كذا في الكنز (ج8 ص228).
والحاصل أن هنا أمرين عظيمين لابد من ملاحظتهما ، أحدهما : وجوب تعظيم النبي – صلى الله عليه وسلم – ورفع رتبته عن سائر الخلق ، والثاني إفراد الربوبية واعتقاد أن الله تبارك وتعالى منفرد بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه ، فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الباري سبحانه وتعالى في شيء من ذلك فقد أشرك – كالمشركين الذين كانوا يعتقدون الألوهية للأصنام واستحقاقها العبادة ، ومن قصر بالرسول – صلى الله عليه وسلم – عن شيء من مرتبته فقد عصى أو كفر .
وأما من بالغ في تعظيمه – صلى الله عليه وسلم – بأنواع التعظيم ، ولم يصفه بشيء من صفات الباري عز وجل فقد أصاب الحق وحافظ على جناب الربوبية والرسالة جميعاً ، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط .
وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي ، ولا سبيل إلى تكفيرهم ، إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة .
] ] ]
الواسطة الشركية
________________________________________
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة الواسطة فيطلقون الحكم هكذا جزافاً بأن الواسطة شرك ، وأن من اتخذ واسطة بأي كيفية كانت فقد أشرك بالله ، وأن شأنه في هذا شأن المشركين القائلين : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، وهذا كلام مردود ، والاستدلال بالآية في غير محله ، وذلك لأن هذه الآية الكريمة صريحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله زلفى ، فكفرهم وإشراكهم من حيث عبادتهم لها ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الله .
وهنا مهمة لابد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فإنهم لو كانوا صادقين في ذلك لكان الله أجل عندهم من تلك الأصنام ، فلم يعبدوا غيره ، وقد نهى الله المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى : { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
________________________________________
روى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه أنه قال : (( كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فيسب الكفار الله عز وجل ، فأنزل الله : { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، هذا سبب نزول هذه الآية . فهي إذن تنهى المؤمنين نهي تحريم شديد أن يقولوا كلمة نقص في الحجارة التي كان يعبدها الوثنيون بمكة المشرفة ، لأن قول تلك الكلمة يتسبب عنه غضب أولئك الوثنيين غيرة على تلك الأحجار التي كانوا يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة تنفع وتضر ، وإذا غضبوا قابلوا المسلمين بالمثل فيسبون ربهم الذي يعبدونه ، وهو رب العالمين ، ويرمونه بالنقائص وهو المنزه عن كل نقص ، ولو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترؤا أن يسبوه انتقاماً ممن يسبون آلهتهم فإن ذلك واضح جداً في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة .
________________________________________
وقل ذلك أيضاً في قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } ، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقاً أن الله تعالى الخالق وحده وأن أصنامهم لا تخلق ، لكانت عبادتهم لله وحده دونها أو لكان على الأقل احترامهم له تعالى فوق احترامهم لتلك الحجارة ، وهل هذا يتفق مع شتمهم له عز وجل غيرة على حجارتهم وانتقاماً لها منه سبحانه وتعالى ؟ إن البداهة تحكم أنه لا يتفق أبداً ، وليست الآية التي معنا وحدها تدل على أن الله تعالى أقل عند أولئك المشركين من حجارتهم بل لها أمثال ! منها قوله تعالى: { وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } ، فلولا أن الله تعالى أقل في نفوسهم من تلك الحجارة ما رجحوها عليه هذا الترجيح الذي تحكيه هذه الآية واستحقوا عليه حكم الله عليهم بقوله : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } .
ومن هذا القبيل قول أبي سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه : ((أعْلُ هُبل)) كما رواه البخاري ينادي صنمهم المسمى بهُبل أن يعلو في تلك الشدة رب السماوات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم ، هذا مقدار ما كان عليه أولئك المشركون مع تلك الأوثان ومع الله رب العالمين .
فليعرف هذا حق المعرفة فإن كثيراً من الناس لا يفهمونه ويبنون عليه ما يبنون .
ألا ترى أن الله لما أمر المسلمين باستقبال الكعبة في صلاتهم توجهوا بعبادتهم إليها واتخذوها قبلة ؟ وليست العبادة لها وتقبيل الحجر الأسود إنما هو عبودية لله تعالى ، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، ولو أن أحداً من المسلمين نوى العبادة لهما لكان مشركاً كعبدة الأوثان .
________________________________________
فالواسطة لابد منها وهي ليست شركاً وليس كل من اتخذ بينه وبين الله
واسطة يعتبر مشركاً وإلا لكان البشر كلهم مشركين بالله لأن أمورهم جميعاً تنبني على الواسطة ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – تلقى القرآن بواسطة جبريل ، فجبريل واسطة للنبي – صلى الله عليه وسلم – وهو – صلى الله عليه وسلم – الواسطة العظمى للصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فقد كانوا يفزعون إليه في الشدائد فيشكون إليه حالهم ويتوسلون به إلى الله ويطلبون منه الدعاء فما كان يقول لهم أشركتم وكفرتم فإنه لا يجوز الشكوى إليَّ ولا الطلب مني بل عليكم أن تذهبوا وتدعوا وتسألوا بأنفسكم فإن الله أقرب إليكم مني ، لا بل يقف ويسأل مع أنهم يعلمون كل العلم أن المعطي حقيقة هو الله وأن المانع والباسط والرازق هو الله ، وأنه – صلى الله عليه وسلم – يعطي بإذن الله وفضله ، وهو الذي يقول : ((إنما أنا قاسم والله معط)) ، وبذلك يظهر أنه يجوز وصف أي بشر عادي بأنه فرج الكربة وقضى الحاجة أي كان واسطة فيها فكيف بالسيد الكريم والنبي العظيم أشرف الكونين وسيد الثقلين وأفضل خلق الله على الإطلاق ؟ ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم – كما جاء في الصحيح :
((من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)) الخ ؟
فالمؤمن مفرج الكربات .
ألم يقل صلى الله عليه وسلم :
((من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت له))؟
فالمؤمن قاض للحاجات .
ألم يقل في الصحيح :
((من ستر مسلماً)) .. الحديث ؟
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :
((أن لله عز وجل خلقاً يفزع إليهم في الحوائج)) ؟.
ألم يقل في الصحيح :
((والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) ؟.
ألم يقل في الحديث :
((من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وتسعين حسنة)) ؟ رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي .
________________________________________
فالمؤمن هنا فرج وأعان وأغاث وقضى وستر وفزع إليه مع أن المفرج والقاضي والستار والمعين حقيقة هو الله عز وجل ، لكنه لما كان واسطة في ذلك صح نسبة الفعل إليه .
وقد جاء في الأحاديث النبوية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة تفيد أن الله سبحانه وتعالى يدفع العذاب عن أهل الأرض بالمستغفرين وعمار المساجد وأن الله سبحانه وتعالى يرزق بهم أهل الأرض وينصرهم ويصرف عنهم البلاء والغرق .
روى الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن مانع الديلمي رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((لولا عباد لله ركع وصبية رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً ثم رضّ رضا)) ..
وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) ..
وروى الترمذي وصححه والحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((لعلك ترزق به)) ..
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال :
((إن لله عز وجل خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع إليهم الناس في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله تعالى)) ..
رواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم والقضاعي وهو حسن .
وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم)) .
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه بلاء)) ..
ثم قرأ ابن عمر : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } رواه الطبراني . وعن ثوبان رفع الحديث قال :
((لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله)) ..
________________________________________
وعن عبادة بن الصامت قال : قال – صلى الله عليه وسلم – :
((الأبدال في أمتي ثلاثون ، بهم ترزقون وبهم تمطرون وبهم تنصرون)) . قال قتادة : إني لأرجو أن يكون الحسن منهم .. رواه الطبراني .
ذكر هذه الأحاديث الأربعة الحافظ ابن كثير في التفسير عند قوله تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ } – في سورة البقرة – وهي صالحة للاحتجاج ، ومن مجموعها يصير الخبر صحيحاً .
وعن أنس قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن ، فبهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر)) .. رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن . (كذا في مجمع الزوائد ج10/62) .
الواسطة العظمى :
وفي يوم المحشر الأعظم الذي هو يوم التوحيد ويوم الإيمان يوم يبرز العرش ، يظهر فضل الواسطة العظمى صاحب اللواء المعقود والمقام المحمود والحوض المورود الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا تضيع ضمانته عند من وعده بأن لا يخيب ظنه ولا يخزيه أبداً ولا يحزنه ولا يسوؤه في أمته حيث يتوجه الخلق إليه ويستشفعون به فيقوم فلا يرجع إلا بخلعة الإحسان وتاج الكرامة المتمثل في قول الله له : يا محمد إرفع رأسك واشفع تشفع وسل تعط .
] ] ]
ثوب الزور
الأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثيرون ، والحقيقة بريئة منهم ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها .
وكل يدعي وصلاً بليلى :: وليلى لا تقر لهم بذاكا
هذا بالإضافة إلى أنهم يشوهون الصورة ويسيئون السمعة وهؤلاء الأدعياء يصدق عليهم الوصف النبوي الدقيق الذي يقول :
((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) ..
ولقد بلينا معشر المسلمين بكثر من هؤلاء ، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين الجماعات ويورثون العداوة بين الأخ وأخيه والولد وأبيه .
________________________________________
ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق ويسلكون في التمسك بآثار السلف سبيل الجحود ويستبدلون الحكمة والموعظة الحسنة والرأفة والرحمة بالغلظة والجفوة وسوء الأدب وقلة الذوق . إن من الأدعياء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى التصوف وهم أبعد الناس عن حقيقته وجوهره فشوهوا صورته ودنسوا كرامته وأفسدوا سيرته وجروا إليه وإلى أئمته من السادة العارفين والأساتذة المربين الانتقاد اللاذع .
إننا لا نعرف التصوف خرافات وأباطيل ودجلاً وشعوذة .
إننا لا نعرف التصوف نظريات فلسفية أو أفكاراً أجنبية أو عقائد شركية حلولية أو اتحادية .
إننا نبرأ إلى الله من هذا كله ونعتبر أن كل ما يخالف الكتاب والسنة ولا يقبل التأويل هو مكذوب دخيل وملصق بأيد آثمة ونفوس ضعيفة .
إننا نعرف التصوف مدارس علمية ومعارف فكرية وهي كلها بمناهجها وبرامجها وطرقها تمثل الأفق الأعلى للفكرة الإسلامية والوجه الأكمل لآدابنا ومثالياتنا ، تمثل الكمال في الإيمان والكمال في كل شأن من شؤون الحياة ، تمثل الخلاصة الزكية لكل دعوة ربانية إنه الصدق والأمانة والوفاء والإيثار والنجدة والكرم ونصرة الضعيف وإغاثة الملهوف والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر
والتسابق إلى فعل الخير التي تمثل الخلق القويم الصحيح .
وبهذه السيرة العاطرة والخلق الزكي ظهرت بطولات الصدر الأول ورجاله وأئمته وأبطاله فبرزت لنا الشخصية الإسلامية في أبهى حلة وأكمل صفة وأعلى وأطهر نموذج ، وروى لنا عنها التاريخ حديث المجد والفخر والسيادة والعزة والجهاد والنضال ودروس الحضارة الإسلامية .
ومن هنا ندرك بيقين أن النهضات الكبرى لا تنبني إلا على رسالات الروح وإلهامات الإيمان ، ولا تقوم إلا على الأخلاق الصاعدة القوية التي تستمد مثلها من العقائد المقدسة .
________________________________________
إن الصفات الخلقية والنفسية والروحية هي رأس مال الشعوب وهي المدخرات العظمى التي تصنع الأمم وتدفع بالركب البشري إلى غاياته العليا ، والناظر في سير السلف الصالحين والسادات العارفين من القوم يرى كيف أن هذه المثل والمبادئ كانت سبباً مباشراً لانتفاضات صريحة مشهودة مشهورة في التاريخ الإسلامي ، ولم يكن لهم من النفوذ والقوة إلا إيمان هو أعلى صور الإيمان ، إيمان حار متقد حي يرتكز على الشوق والمحبة ، إنه إيمان يطلق في قلوب أتباعه الشعلة المتوهجة المتطلعة دائماً إلى الله ، ويرى كيف أن الرجل منهم يعيش دائماً في مقام الإحسان يرى الله في كل شيء ، ويراقبه في كل حركة من حركاته ، بل يراقبه مع كل نفس من أنفاسه من غير حلول ولا اتحاد ولا إلحاد إنه إيمان يبعث اليقظة الشاملة في الحياة ، ويضفي عليها الإحساس العميق بالربانية السارية في الكون ، والتي تعيش في أعماقها وتعلم خواطر القلب وهمسات النجوى وخائنة العين وما تخفي الصدور .
بين نعمت البدعة وبئست البدعة
وإن من الأدعياء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح فقاموا يدعون إلى السلفية في همجية جهلاء وعصبية عمياء وبعقول عقيمة وأفهام سقيمة وصدور ضيقة تحارب كل جديد وتنكر كل مخترع مفيد بدعوى أنه بدعة وأن كل بدعة ضلالة دون التفريق بين أنواع البدعة مع أن روح الشريعة الإسلامية توجب علينا أن نميز بين أنواع البدعة وأن نقول : إن منها البدعة الحسنة ومنها البدعة السيئة ، وهذا ما يقتضيه العقل النير والنظر الثاقب .
وهذا ما حققه علماء الأصول من سلف هذه الأمة رضي الله عنهم كالإمام العز ابن عبد السلام والنووي والسيوطي والمحلى وابن حجر .
والأحاديث النبوية يفسر بعضها بعضاً ويكمل بعضها بعضاً ، ولابد من النظر إليها نظرة واحدة متكاملة ، ولابد من تفسيرها بروح الشريعة ومفهومها المتفق عليه بين أهل النظر .
________________________________________
ولذا نجد كثيراً من الأحاديث الشريفة تحتاج في تفسيرها إلى عقل عاقل وفكر ثاقب وفهم لائق وقلب ذائق يستمد من بحر الشريعة الغراء ويراعي أحوال الأمة وحاجتها ويسايرها في حدود القواعد الشرعية والنصوص القرآنية النبوية التي لا يجوز الخروج عنها .
ومن أمثلة ذلك هذا الحديث : كل بدعة ضلالة – فلابد من القول : أن المراد بذلك البدعة السيئة التي لا تدخل تحت أصل شرعي .
وهذا التقييد وارد في غير هذا الحديث كحديث :
((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) ..
فهذا الحديث مع أنه يفيد الحصر في نفي صلاة جار المسجد إلا أن عمومات الأحاديث تفيد تقييده بأن لا صلاة كاملة .
وكحديث :
((لا صلاة بحضرة الطعام)) .. قالوا : أي صلاة كاملة .
وكحديث :
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ..
قالوا : أي إيماناً كاملاً .
وكحديث :
((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من لم يأمن جاره بوائقه)) .
وكحديث :
((لا يدخل الجنة قتات)) .. ((ولا يدخل الجنة قاطع رحم)) ..
((وعاق لوالديه)) ..
فالعلماء قالوا : إنه لا يدخل دخولاً أولياً أو لا يدخل إذا كان مستحلاً لذلك الفعل .
الحاصل أنهم لم يجروه على ظاهره وإنما أولوه بأنواع التأويل .
وحديث البدعة هذا من هذا الباب فعمومات الأحاديث وأحوال الصحابة تفيد أن المقصود به البدعة السيئة التي لا تندرج تحت أصل كلي .
وفي الحديث :
((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .
وفي الحديث :
((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) ..
ويقول عمر في صلاة التراويح : نعمت البدعة هذه .
هذا وبالله التوفيق ..
تفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية
________________________________________
ينتقد بعضهم تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، وينكر على من يقول ذلك أشد الإنكار ، بل ومنهم من يرميه بالفسق والضلال ، وذلك لمخالفة صريح قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : [كل بدعة ضلالة] . وهذا اللفظ صريح في العموم وصريح في وصف البدعة بالضلالة ، ومن هنا تراه يقول : فهل يصح بعد قول المشرع صاحب الرسالة : أن كل بدعة ضلالة يأتي مجتهد أو فقيه مهما كانت رتبته فيقول : لا – لا – ليست كل بدعة ضلالة ، بل بعضها ضلالة وبعضها حسنة وبعضها سيئة ، وبهذا المدخل يغترّ كثير من الناس فيصيح مع الصائحين وينكر مع المنكرين ويكثّر سواد هؤلاء الذين لم يفهموا مقاصد الشريعة ، ولم يذوقوا روح الدّين الإسلامي .
ثم لا يلبث إلا يسيراً حتى يضطر إلى إيجاد مخرج يحل له المشاكل التي تصادمه ، ويفسر له الواقع الذي يعيشه ، إنه يضطر إلى اللجوء إلى اختراع وسيلة أخرى ، لولاها لما يستطيع أن يأكل ولا يشرب ولا يسكن ، بل ولا يلبس ولا يتنفس ولا يتزوج ولا يتعامل مع نفسه ولا أهله ولا إخوانه ولا مجتمعه ، هذه الوسيلة هي أن يقول باللفظ الصريح : إن البدعة تنقسم إلى بدعة دينية ودنيوية ، يا سبحان الله – لقد أجاز هذا المتلاعب لنفسه أن يخترع هذا التقسيم أو على الأقل أن يخترع هذه التسمية ولو سلّمنا أن هذا المعنى كان موجوداً منذ عهد النبوة لكن هذه التسمية : دينية ودنيوية لم تكن موجودة قطعاً في عهد التشريع النبوي فمن أين جاء هذا التقسيم ؟ ومن أين جاءت هذه التسمية المبتدعة ؟ .
فمن قال : إن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة لم يأت من الشارع نقول له : وكذا تقسيم البدعة إلى دينية غير مقبولة ، ودنيوية مقبولة هو عين الابتداع والاختراع .
فالشارع بقول : (كل بدعة ضلالة)هكذا بالإطلاق ، وهذا يقول : لا – لا ليست كل بدعة ضلالة بالإطلاق ، بل إن البدعة تنقسم إلى قسمين : دينية وهي الضلالة ، ودنيوية وهي التي لا شيء فيها .
________________________________________
ولذا لابد أن نوضح هنا مسألة مهمة وبها ينجلي كثير من الإشكال ، ويزول اللبس إن شاء الله .
وهو أن المتكلم هنا هو الشارع الحكيم ، فلسانه هو لسان الشرع ، فلابد من فهم كلامه على الميزان الشرعي الذي جاء به ، وإذا علمت أن البدعة في الأصل هي : كل ما أحدث واخترع على غير مثال فلا يغيب عن ذهنك أن الزيادة أو الاختراع المذموم هنا هو الزيادة في أمر الدين ليصير من أمر الدين ، والزيادة في الشريعة ليأخذ صبغة الشريعة ، فيصير شريعة متبعة منسوبة لصاحب الشريعة ، وهذا هو الذي حذر منه سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فالحد الفاصل في الموضوع هو قوله : (في أمرنا هذا). ولذلك فإن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة في مفهومنا ليس إلا للبدعة اللغوية التي هي مجرد الاختراع والإحداث ، ولا نشك جميعاً في أن البدعة بالمعنى الشرعي ليست إلا ضلالة وفتنة مذمومة مردودة مبغوضة ، ولو فهم أولئك المنكرون هذا المعنى لظهر لهم أن محل الاجتماع قريب وموطن النزاع بعيد .
________________________________________
وزيادة في التقريب بين الأفهام أرى أن منكري التقسيم إنما ينكرون تقسيم البدعة الشرعية بدليل تقسيمهم البدعة إلى دينية ودنيوية ، واعتبارهم ذلك ضرورة . وأن القائلين بالتقسيم إلى حسنة وسيئة يرون أن هذا إنما هو بالنسبة للبدعة اللغوية لأنهم يقولون : إن الزيادة في الدين والشريعة ضلالة وسيئة كبيرة ، ولا شك في ذلك عندهم فالخلاف شكلي ، غير أني أرى أن إخواننا المنكرين لتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، والقائلين بتقسيمها إلى دينية ودنيوية لم يحالفهم الحظ في دقة التعبير ، وذلك لأنهم لما حكموا بأن البدعة الدينية ضلالة – وهذا حق – وحكموا بأن البدعة الدنيوية لا شيء فيها قد أساءوا الحكم لأنهم بهذا قد حكموا على كل بدعة دنيوية بالإباحة ، وفي هذا خطر عظيم ، وتقع به فتنة ومصيبة ، ولا بد حينئذ من تفصيل واجب وضروري للقضية ، وهو أن يقولوا : إن هذه البدعة الدنيوية منها ما هو خير ومنها ما هو شر كما هو الواقع المشاهد الذي لا ينكره إلا أعمى جاهل ، وهذه الزيادة لابد منها ، ويكفي في تحقيق هذا المعنى بدقة قول من قال : بأن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة ، ومعلوم أن المراد بها اللغوية كما تقدم ، وهي التي عبر عنها المنكرون بالدنيوية ، وهذا القول في غاية الدقة والاحتياط ، وهو ينادي على كل جديد بالانضباط والانصياع لحكم الشرع وقواعد الدين ، ويلزم المسلمين أن يعرضوا كل ما جد لهم وأحدث من أمورهم الدنيوية العامة والخاصة على الشريعة الإسلامية ليرى حكم الإسلام فيها مهما كانت تلك البدعة ، وهذه لا يتحقق إلا بالتقسيم الرائع المعتبر عن أئمة الأصول ، فرضي الله عن أئمة الأصول وعن تحريرهم للألفاظ الصحيحة المجزئة المؤدية إلى المعاني السليمة دون نقص أو تحريف أو تأويل .
دعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشريعة
________________________________________
التصوف ذلك المظلوم المتهم ، قليل من ينصفه بل بلغت الجراءة والوقاحة ببعضهم إنه جعله من صفات الذم والقدح التي تسقط بها الشهادة وتزول بها العدالة فيقول : فلان ليس بثقة ولا يقبل خبره لماذا ؟ لأنه صوفي .
والعجيب الغريب أننا نرى بعض هؤلاء الذين يذمون التصوف ويحاربون أهله ويناصبونهم العداء ، نرى بعض هؤلاء المنكرين يفعل ما يفعل ، ويقول ما يقول عن التصوف ، ثم لا يستحي على وجهه حينما ينقل كلام هؤلاء الأئمة من الصوفية في خطبه وكلامه على منابر الجمعة وكراسي الدروس ، فيقول بكل بجاحة ووقاحة : قال الفضيل بن عياض ، وقال الجنيد ، وقال الحسن البصري ، وقال سهل التستري ، وقال المحاسبي ، وقال بشر الحافي .
وهؤلاء هم أئمة التصوف وأقطابه وأركانه وقواعده وبنيانه ، وكتب التصوف مشحونة بأقوالهم وأخبارهم ومناقبهم وشمائلهم ، فلا أدري أهو جهل أم تجاهل ؟ وعمي أو تعامي ؟ .
وقد أحببت أن أنقل كلام أئمة الدين الذين هم أركان التصوف ورجاله ، أردت أن أنقل كلامهم عن الشريعة الإسلامية لنعرف موقفهم الحقيقي ، لأن الواجب أن نعرف الشخص عن الشخص نفسه ، فالإنسان هو خير من يتحدث عن رأيه وأوثق من يظهر ما يضمر .
قال الإمام الجنيد رضي الله عنه : الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واتبع سنته ولزم طريقته ، لأن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه ، وعلى المقتفين أثره والمتابعين .
وجاء أن أبا يزيد البسطامي قدس سره قال ذات يوم لأصحابه : قوموا بنا حتى ننظر إلى ذلك الذي قد شهر نفسه بالولاية ، قال : فمضينا ، فإذا بالرجل قد قصد المسجد فرمى بزاقه نحو القبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه .
وقال : هذا ليس بمأمون على أدب من آداب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه من مقامات الأولياء والصديقين .
________________________________________
قال ذو النون المصري : مدار الكلام أربع : حب الجليل وبغض القليل واتباع التنزيل وخوف التحويل . من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله – صلى الله عليه وسلم – في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه .
قال السري السقطي : التصوف اسم لثلاثة معان : وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله .
قال أبو نصر بشر بن الحارث الحافي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : يا بشر ! أتدري لم رفعك الله بين أقرانك ؟ قلت : لا يا رسول الله ، قال : باتباعك لسنتي وخدمتك للصالحين ، ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي – هذا هو الذي بلغك منازل الأبرار .
قال أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامي : لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل ، ومؤنة النساء ، ثم قلت : كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ، ولم يسأله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إياه ، فلم أسأله ثم إن الله سبحانه وتعالى كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط ، وقال أيضاً : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء ، فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة .
قال سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني : ربما وقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً ، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عادلين : الكتاب والسنة ، وقوله : منه أي من قلبي .
قال أبو الحسن أحمد بن أبي الحوارى : من عمل عملاً بلا اتباع سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فباطل .
قال أبو حفص عمر بن سلمة الحداد : من لم يزن أفعاله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ولم يتهم خواطره ، فلا تعده في ديوان الرجال .
قال أبو القاسم الجنيد بن محمد : نم لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة .
________________________________________
وقال أيضاً : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ، علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
قال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيرى : ولما تغير على أبي عثمان الحال مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه ، وقال : السنة يا بني في الظاهر علامة كمال في الباطن .
وقال أيضاً : الصحبة مع الله بحسن الأدب ، ودوام الهيبة ، والصحبة مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم ، والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة .
والصحبة مع الأهل بحسن الخلق – والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً – والصحبة مع الجهال بالدعاء والرحمة .
قال أيضاً : من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة ، قال تعالى : { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } .
قال أبو الحسن بن محمد النوري : من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حدِّ العلم الشرعي فلا تقربن منه .
قال أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ، وعود نفسه أكل الحلال لم يخطئ له فراسته .
قال أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمى : من ألزم نفسه آداب الشريعة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة ، وأعطى به مقام متابعة الحبيب – صلى الله عليه وسلم – في أوامره ، وأفعاله ، وأخلاقه .
وقال أيضاً : كل ما سئلت عنه فاطلبه في مفزة العلم ، فإن لم تجده ، ففي ميدان الحكمة ، فإن لم تجده فزنه بالتوحيد ، فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان .
قال أبو حمزة البغدادي البزاز : من علم طريق الحق تعالى سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ، في أحواله ، وأفعاله ، وأقواله .
________________________________________
قال أبو إسحاق إبراهيم بن داود الرقي : علامة محبة الله : إيثار طاعته ومتابعة نبيه – صلى الله عليه وسلم – .
قال ممشاد الدينوري : أدب المريد في التزام حرمات المشايخ ، وخدمة الإخوان ، والخروج عن الأسباب وحفظ آداب الشرع على نفسه .
قال أبو محمد عبد الله بن منازل : لم يضيِّع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن ، ولم يبتَل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع .
] ] ]
ــــــــــــــــ
(1) هذا وقد ألف العلامة الفاضل الشيخ عبد الحفيظ المكي رسالة قيمة وهي (موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والصوفية) ، جمع فيها أقوال وآراء الإمام أحمد بن حنبل ، والشيخ ابن تيمية ، وابن القيم ، والذهبي وابن كثير ، وابن رجب ومحمد بن عبد الوهاب ، وموقفهم المؤيّد للتصوف ، ومدحهم وثناءهم على مشايخ السادة الصوفية .
حقيقة الأشاعرة:
يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة ، ولا يعرفون من هم الأشاعرة ولا طريقتهم في أمر العقيدة .. ولا يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلال أو يرميهم بالمروق من الدين والإلحاد في صفات الله .
وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزق وحدة [أهل السنة] وشتت شملهم حتى غدا البعض يسلك [الأشاعرة] ضمن طوائف أهل الضلال ، ولست أدري كيف يقرن بين أهل الإيمان وأهل الضلال ؟ وكيف يساوى بين أهل السنة وبين غلاة المعتزلة وهم الجهمية ؟ .
{ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } ؟ ..
الأشاعرة : هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين .. الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها وأطبق الناس على فضلهم وعلمهم ودينهم هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلام علمائها الأفاضل الذين وقفوا في طغيان المعتزلة .
هم الذين قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية : [والعلماء أنصار علوم الدين والأشاعرة أنصار أصول الدين] الفتاوى الجزء الرابع .
________________________________________
إنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام شيخ الإسلام [أحمد بن حجر العسقلاني] شيخ المحدثين بلا مراء صاحب كتاب [فتح الباري على شرح البخاري] أشعري المذهب وكتابه لا يستغني عنه أحد من العلماء .
وشيخ علماء أهل السنة [الإمام النووي] صاحب شرح صحيح مسلم وصاحب المصنفات الشهيرة أشعري المذهب .
وشيخ المفسرين الإمام القرطبي صاحب تفسير [الجامع لأحكام القرآن] أشعري المذهب .
وشيخ الإسلام [ابن حجر الهيتمي] صاحب كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) أشعري المذهب .
وشيخ الفقه والحديث الإمام الحجة الثبت [ زكريا الأنصاري ] أشعري المذهب .
والإمام [أبو بكر الباقلاني] والإمام العسقلاني والإمام النسفي والإمام الشربيني ، وأبو حيان النحوي صاحب تفسير [البحر المحيط] ، والإمام ابن جزي صاحب (التسهيل في علوم التنزيل) الخ … كل هؤلاء من أئمة الأشاعرة .
ولو أردنا أن نعدد هؤلاء الأعلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء ، من أئمة الأشاعرة لضاق بنا الحال واحتجنا إلى مجلدات في سرد أولئك العلماء الأفاضل الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها .. إن من الواجب أن نرد الجميل لأصحابه وأن نعرف الفضل لأهل العلم والفضل الذين خدموا شريعة سيد المرسلين من العلماء الأعلام .
وأي خير يرجى فينا إن رمينا علماءنا الأعلام وأسلافنا الصالحين بالزيغ والضلال ؟ .
وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف والزيغ عن طريق الإسلام .
إنني أقول : هل يوجد بين علماء العصر من [ الدكاترة ] والعباقرة من يقوم بما قام به شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي ، من خدمة السنة النبوية المطهرة كما فعل هذان الإمامان الجليلان تغمدهما الله بالرحمة والرضوان ؟ فكيف نرميهما – وسائر الأشاعرة –بالضلالة ونحن بحاجة إلى علوم هؤلاء .
________________________________________
وكيف نأخذ العلوم عنهم إذا كانوا على ضلال ، وقد قال الإمام الزهري رحمه الله : [ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ] .
أفما كان يكفي أن يقول المعارض : إنهم رحمهم الله اجتهدوا فأخطأوا في تأويل الصفات ، وكان الأولى أن لا يسلكوا هذا المسلك ، بدل أن نرميهم بالزيغ والضلال ، ونغضب على من عدهم من أهل السنة والجماعة .
وإذا لم يكن الإمام النووي والعسقلاني والقرطبي والباقلاني والفخر الرازي والهيتمي وزكريا الأنصاري وغيرهم من جهابذة العلماء ، وفطاحل النبغاء إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة فمن هم أهل السنة إذن ؟ .
إنني أدعو مخلصاً كل الدعاة وكل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية أن يتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة في أجلة علمائها وأخيار فقهائها ، فأمة محمد بخير إلى قيام الساعة ولا خير فينا إذا لم نعرف لعلمائنا قدرهم وفضلهم([4]) .
] ] ]
حقائق تموت بالبحث
يجري البحث بين العلماء في حقائق كثيرة من مسائل العقيدة مما لم يكلفنا به الله تعالى ، وأنا أرى ذلك البحث يذهب بَهاءَ تلك الحقائق وجلالها ، وذلك مثلاً كاختلاف العلماء في رؤية النبي – صلى الله عليه وسلم – لله سبحانه وتعالى كيف كانت ، والخلاف الطويل العريض الدائر بينهم في ذلك الباب ، فمن قائل رآه بقلبه ومن قائل رآه بعينه ، وكل يورد دليله ويستنصر له بما لا طائل تحته ، والذي أراه أن كل ذلك عبث لا فائدة فيه ، بل ضرره أكبر من نفعه خصوصاً إذا سمع هذا العوام فإنه يُدخل التشكيك في قلوبهم لا محالة ، ولو أننا ألغينا البحث عن هذا واكتفينا بإيراد هذه الحقيقة كما جاءت لبقيت مكرمة معظمة في النفوس بأن نقول إنه – صلى الله عليه وسلم – رأى ربه ونقتصر على هذه الحقيقة ونترك الباقي له هو .
وكلم الله موسى تكليما :
________________________________________
ومن ذلك أيضاً ما يجري بين العلماء من البحث في حقيقة كلام الله تعالى والخلاف الكبير الدائر في هذا الباب ، فمن قائل إن كلامه سبحانه وتعالى كلام نفسي ، ومن قائل إن كلامه سبحانه وتعالى بحرف وصوت ، وأنا أعتقد أن كلا الطرفين يطلب حقيقة التنزيه لله سبحانه وتعالى ويبعد عن الشرك بكل أنواعه.
ومسألة الكلام حقيقة ثابتة لا مجال لإنكارها إذ هو ينافي الكمال الإلهي هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن صفاته سبحانه وتعالى الواردة في القرآن يجب الإيمان بها وإثباتها لأنه لا يعرف الله إلا الله .
والذي أراه وأدعو إليه هو إثبات هذه الحقيقة دون الغوص في كيفيتها وشكلها ، فنثبت لله سبحانه وتعالى الكلام ونقول هذا كلام الله ونقول إنه سبحانه وتعالى متكلم ، ونصرف النظر عما بعد ذلك من الباطل من كونه كلاماً نفسياً وغير نفسي بحرف وصوت أو بلا حرف ولا صوت ، وكل هذا تنطع لم يتكلم فيه الذي جاء بالتوحيد وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم،
فلم الزيادة على ما جاء به ؟ أليس هذا من أقبح البدع ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
هو صلى الله عليه وسلم يحدثنا عنه يوم نجتمع به عند الله سبحانه وتعالى. نحن ندعو إلى أن يكون حديثنا دائماً عن هذه الحقيقة وأمثالها مجرداً عن الغوص في كيفياتها وصورها وأشكالها .
إني أراكم من خلفي :
ومن ذلك أيضاً ما يجري بين العلماء من البحث في حقيقة قوله – صلى الله عليه وسلم – :[ إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي ] . فمن قائل : إن الله تعالى يجعل لنبيه – صلى الله عليه وسلم – عينين من الخلف ، ومن قائل : إن الله سبحانه وتعالى يجعل لعينيه الأماميتين قوة نفاذة ترى بها ما خلفهما ، ومن قائل : إن الله سبحانه وتعالى يعكس له – صلى الله عليه وسلم – ما خلفه حتى تكون صورته أمامه بين عينيه ، وكل هذا تنطع يخرج هذه الحقيقة عن جمالها ورونقها ، ويضعف هيبتها وجلالها في القلوب .
________________________________________
أما كونه – صلى الله عليه وسلم – يرى من خلفه كما يرى من أمامه فهي حقيقة ثابتة أخبر بها بنفسه فيما صح عنه فلا مجال لإنكارها ، ولكن الذي ندعو إليه ونراه هو أن نثبت هذه الحقيقة هكذا مجردة كما وردت دون الدخول في كيفيتها وشكلها يجب علينا أن نعتقد إمكان ذلك وثمرته بأن نشهد بخارق من الخوارق التي تضمحل عندها الأسباب وتتلاشى لتظهر قدرة الواحد القهار ومنقبة النبي المختار – صلى الله عليه وسلم – .
جبريل يتمثل رجلاً :
ومن ذلك أيضاً اختلاف العلماء في كيفية تشكل جبريل عليه السلام إذا جاء بالوحي على صورة رجل مع هول خلقه .
فمن قائل : إن الله يفني الزائد من خلقه ، ومن قائل : إنه ينضم بعضه إلى بعض حتى يصير صغيراً ، والذي أراه أن كل ذلك عبث ، وأن البحث فيه تعب لا فائدة منه فنحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى قادر على ذلك ، وأن هذا واقع ومشاهد ، فقد رآه كثير من الصحابة على تلك الصورة ونحن لا يهمنا معرفة الطريقة التي يتم بها تمثل الملك بصورة رجل ، وندعو إخواننا من طلاب العلم إلى إيراد هذه الحقيقة دون التعرض لما وراءها من خلافات لتبقى جليلة عظيمة في النفوس .
مفهوم التوسل
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التوسل ، ولذا فإننا سنبين مفهوم التوسل الصحيح في نظرنا وقبل ذلك لابد أن نبين هذه الحقائق :
أولاً :
أن التوسل هو أحد طرق الدعاء وباب من أبواب التوجه إلى الله سبحانه وتعالى ، فالمقصود الأصلي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى ، والمتوسَّل به إنما هو واسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ومن اعتقد غير ذلك فقد أشرك .
ثانياً :
أن المتوسل ما توسل بهذه الواسطة إلا لمحبته لها واعتقاده أن الله سبحانه وتعالى يحبها ، ولو ظهر خلاف ذلك لكان أبعد الناس عنها وأشد الناس كراهة لها .
ثالثاً :
أن المتوسل لو اعتقد أن من توسل به إلى الله ينفع ويضر بنفسه مثل الله أو دونه فقد أشرك .
رابعاً :
________________________________________
أن التوسل ليس أمراً لازماً أو ضرورياً وليست الإجابة متوقفة عليه بل الأصل دعاء الله تعالى مطلقاً ، كما قال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } . وكما قال تعالى : { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } .
] ] ]
المتفق عليه من التوسل
لم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة ، فمن صام أو صلى أو قرأ القرآن أو تصدق فإنه يتوسل بصيامه وصلاته وقراءته وصدقته بل هو أرجى في القبول وأعظم في نيل المطلوب لا يختلف في ذلك اثنان ، والدليل على هذا حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسل أحدهم إلى الله ببره لوالديه ، وتوسل الثاني بابتعاده عن الفاحشة بعد تمكنه من أسبابها ، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لمال غيره وأدائه له كاملاً ، وفرج الله عنهم ما هم فيه ، وهذا النوع من التوسل قد فصله وبين أدلته وحقق مسائله الشيخ ابن تيمية رحمه الله في كتبه وخصوصاً في رسالته ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) .
محل الخلاف :
ومحل الخلاف في مسألة التوسل هو التوسل بغير عمل المتوسل ، كالتوسل بالذوات والأشخاص بأن يقول : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – أو أتوسل إليك بأبي بكر الصديق أو بعمر بن الخطاب أو بعثمان أو بعلي رضي الله عنهم ، فهذا هو الممنوع عند بعضهم .
ونحن نرى أن الخلاف شكلي وليس بجوهري ، لأن التوسل بالذات يرجع في الحقيقة إلى توسل الإنسان بعمله وهو المتفق على جوازه ، ولو نظر المانع المتعنت في المسألة بعين البصيرة لانجلى له الأمر وانحل الإشكال وزالت الفتنة التي وقع بسببها من وقع فحكم على المسلمين بالشرك والضلال .
وسأبين كيف أن المتوسل بغيره هو في الحقيقة متوسل بعمله المنسوب إليه والذي هو من كسبه .
________________________________________
فأقول : إعلم أن من توسل بشخص ما فهو لأنه يحبه إذ يعتقد صلاحه وولايته وفضله تحسيناً للظن به ، أو لأنه يعتقد أن هذا الشخص محب لله سبحانه وتعالى يجاهد في سبيله ، أو لأنه يعتقد أن الله تعالى يحبه كما قال تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ، أو لاعتقاد هذه الأمور كلها في الشخص المتوسل به .
وإذا تدبرت الأمر وجدت أن هذه المحبة وذلك الاعتقاد من عمل المتوسل لأنه اعتقاده الذي انعقد عليه قلبه فهو منسوب إليه ومسئول عنه ومثاب عليه،
وكأنه يقول : يا رب إني أحب فلاناً وأعتقد أنه يحبك وهو مخلص لك ويجاهد في سبيلك ، وأعتقد أنك تحبه وأنت راض عنه فأتوسل إليك بمحبتي له وباعتقادي فيه أن تفعل كذا وكذا ، ولكن أكثر المتوسلين يتسامحون في التصريح بهذا الأمر مكتفين بعلم من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
فمن قال : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك . هو ومن قال : اللهم إني أتوسل إليك بمحبتي لنبيك – سواء ، لأن الأول ما أقدم على هذا إلا لمحبته وإيمانه بنبيه ، ولولا المحبة له والإيمان به ما توسل به ، وهكذا يقال في حق غيره من أولياء الأمة .
وبهذا ظهر أن الخلاف في الحقيقة شكلي ولا يقتضي هذا التفرق والعداء بالحكم بالكفر على المتوسلين وإخراجهم عن دائرة الإسلام { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } .
] ] ]
أدلة ما عليه المسلمون من التوسل
قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } . والوسيلة : كل ما جعله الله سبباً في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه .
ولفظ الوسيلة عام في الآية كما ترى فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات وبالإتيان بالأعمال الصالحة على الوجه المأمور به وللتوسل بها بعد وقوعها .
________________________________________
وفيما ستسمع من الأحاديث والآثار ما يجلي لك هذا العموم واضحاً ، فألق السمع وأنت شهيد لترى أنه قد ثبت التوسل به – صلى الله عليه وسلم – قبل وجوده وبعد وجوده في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة .
] ] ]
التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – قبل وجوده
توسل آدم به :
وقد جاء في الحديث أن آدم توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قال الحاكم في المستدرك : حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بم منصور العدل حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري حدثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر – رضي الله عنه – قال :
((قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : لما اقترف آدم الخطيئة قال : يارب ! أسألك بحق محمد لما غفرت لي ، فقال الله: ياآدم ! وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال : يارب ! لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك ، فقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إليَّ ، أدعني بحقه فقد غفرت لك ، ولولا محمد ما خلقتك)) .
أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه [ج2 ص615]([5]) ، ورواه الحافظ السيوطي في الخصائص النبوية وصححه (2) ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة وهو لا يروي الموضوعات ، كما صرح بذلك في مقدمة كتابه (3) ، وصححه أيضاً القسطلاني والزرقاني في المواهب اللدنية [ج1 ص62](4) ، والسبكي في شفاء السقام ، قال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ج8 ص253) .
________________________________________
وجاء من طريق آخر عن ابن عباس بلفظ : فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار . رواه الحاكم في المستدرك ( ج2 ص615 ) وقال : صحيح الإسناد ، وصححه شيخ الإسلام البلقيني في فتاويه ، ورواه أيضاً الشيخ ابن الجوزي في الوفا في أول كتابه ونقله ابن كثير في البداية ( ج1 ص180 ) .
وقد خالف في ذلك بعض العلماء فتكلم في درجة الحديث ورده وحكم بوضعه كالذهبي وغيره ، وبعضهم حكم بضعفه ، وبعضهم حكم بنكارته – وبهذا يظهر أنه لم تتفق كلمتهم على حكم واحد ، وعليه فالمسألة يدور البحث فيها بين الإثبات والنفي والرد والقبول والتوقف بناء على اختلافهم في درجة الحديث(5)[6] وهذا من ناحية السند وثبوت الحديث ، أما من ناحية المعنى فلنترك المجال لشيخ الإسلام ابن تيمية ليحدثنا عنه .
شواهد لحديث توسل آدم
روى ابن تيمية حديثين في هذا الموضوع وأوردهما مستشهداً بهما ، فقال : روى أبو الفرج ابن الجوزي بسنده إلى ميسرة قال : قلت : يا رسول الله ! متى كنتَ نبياً ؟ قال :
((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ، وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام ، وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله إنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .
وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة ومن طريق الشيخ أبي الفرج حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن رشيد حدثنا أحمد بن سعيد الفهري حدثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
________________________________________
((لما أصاب آدم الخطيئة رفع رأسه فقال : يارب ! بحق محمد إلا غفرت لي ، فأوحى إليه : وما محمد ومن محمد ؟ فقال : يا رب ! إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك فإذا عليه مكتوب : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع اسمك ، فقال : نعم ، قد غفرت لك ، وهو آخر الأنبياء من ذريتك ، ولولاه ما خلقتك)) ..
فهذا الحديث يؤيد الذي قبله ، وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة [ اهـ من الفتاوى ج2 ص150 ] .
قلت : فهذا يدل على أن الحديث عند ابن تيمية صالح للاستشهاد والاعتبار لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين ، وأنت ترى أن الشيخ استشهد به هنا على التفسير(6).
تصحيح ابن تيمية لمعنى هذه الخصوصية
تكلم الشيخ ابن تيمية عن هذه المسألة كلاماً جيداً نفيساً يدل على عقل وبصيرة واتزان كبير ، فهو وإن كان قد نفى وجود حديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا المعنى [ وهذا حسب علمه في ذلك الوقت ] إلا أنه رجع فأيد المعنى وفسره تفسيراً معقولاً وأثبت فيه صحة القول وهو بهذا يرد رداً واضحاً على من زعم أن ذلك شرك أو كفر وعلى من زعم أن المعنى فاسد وباطل وعلى من زعم أن فيه قدحاً في مقام التوحيد والتنزيه ، وما هو إلا الهوى والعمى وسوء الفهم وضيق العقل فالله ينور بصائرنا ويرشدنا إلى الحق والصواب وهو الهادي إلى سواء السبيل .
قال الشيخ الإمام ابن تيمية في الفتاوى (ج11 ص96) :
________________________________________
ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال : إن الله خلق من أجله العالم أو أنه لولاه لما خلق عرشاً ولا كرسياً ولا سماء ولا أرضاً ولا شمساً ولا قمراً ، لكن ليس هذا حديثاً عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا صحيحاً ولا ضعيفاً ، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يدرى قائله ، ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله تعالى { سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ، وقوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } ، وأمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبني آدم ، ومعلوم أن لله فيها حكماً عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك ، ولكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ عليهم من النعمة
فإذا قيل : فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى ، وكذلك قول القائل : لولا كذا ما خلق كذا لا يقتضي ألا يكون فيه حكم أخرى عظيمة ، بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم محمد ، وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة بالغة مقصودة [ أعظم ] من غيره صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى الله عليه وسلم . ( اهـ من الفتاوى ) .
تحليل مهم لرأي ابن تيمية غاب عن عقول أتباعه
فانظر هداك الله إلى كلام الشيخ ابن تيمية وبعد نظره ، وسعة فهمه في تفسير هذه الخصوصية التي انتشرت واشتهرت ، وجاء فيها حديث توسل آدم الذي رواه الحاكم ، والذي صححه من صححه ، وحسنه من حسنه ، وقبله من قبله ممن تقدم ذكرهم من أئمة الحديث .
________________________________________
وها هو الشيخ ابن تيمية هنا يقول : إن هذا الكلام له وجه صحيح فأين هذا القول من قول من أقعد الدنيا وأقامها ، وأخرج القائلين بذلك عن دائرة الإسلام ، ووصفهم بالضلال والشرك ، أو بالبدعة والتخريف ، ثم يدعي زوراً وبهتاناً أنه سلفي تيمي ، وهو بعيد كل البعد عن ابن تيمية ، وعن السلفية ، وليس هذا الصنيع منه في هذه المسألة فقط ، بل الملاحظ أنه مع ابن تيمية في كل مسألة إلا فيما فيه تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو تأييد كرامته وعظمته ومكانته ، فإنه يتوقف فيها ويفكر وينظر ، وهنا فقط تظهر عنده حماية مقام التوحيد أو حمية التوحيد ، سبحانك هذا بهتان عظيم .
الشاهد الثالث لحديث توسل آدم :
________________________________________
الشاهد الثالث لحديث توسل آدم هو ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن محمد بن علي بن حسين بن علي عليهم السلام قال : لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه واشتد ندمه فجاءه جبريل عليه السلام فقال : ((يا آدم ! هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه ؟ قال : بلى يا جبريل ، قال : قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده وامدح ، فليس شيء أحب إلى الله من المدح ، قال : فأقول ماذا يا جبريل ؟ قال : فقل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير ، ثم تبوء بخطيئتك فتقول : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي)). قال : ففعل آدم ، فقال الله : يا آدم ! من علّمك هذا ؟ فقال : يا رب ! إنك لما نفخت فيَّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا وحده لا شريك له محمد رسول الله ، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك ، قال : صدقت ، وقد تبت عليك وغفرت لك . (كذا في الدر المنثور للسيوطي ج1 ص146) .
ومحمد بن علي بن الحسين هو أبو جعفر الباقر من ثقات التابعين وساداتهم خرّج له الستة ، روى عن جابر وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم .
الشاهد الرابع لحديث توسل آدم :
________________________________________
الشاهد الرابع ما رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة قال : حدثنا هارون بن يوسف التاجر قال : حدثنا أبو مروان العثماني قال : حدثني أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال : من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال : اللهم إني أسألك بحق محمد عليك ، قال الله تعالى : وما يدريك ما محمد ؟ قال : يارب ! رفعت رأسي فرأيت مكتوباً على عرشك لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك .
فانضمام هذا الأثر إلى حديث عبد الرحمن بن زيد يفيده قوة كما لا يخفى .
الجنة حرام على الأنبياء حتى يدخلها محمد – صلى الله عليه وسلم -
ومن أمثال هذا التفضل الإلهي على حضرة النبي – صلى الله عليه وسلم – ما جاء في الحديث من كون الجنة حراماً على الأنبياء حتى يدخلها نبينا – صلى الله عليه وسلم – ، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال :
((الجنة حرمت على الأنبياء وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي)) .. ( رواه الطبراني في الأوسط ، وقال الهيثمي : إسناده حسن ) .. [مجمع الزوائد ج10 ص69].
ارتباط الكون باسمه صلى الله عليه وسلم
________________________________________
ومن أمثال هذا التفضل الإلهي ما جاء في الآثار من انتشار اسمه محمد في الملأ الأعلى ، قال كعب الأحبار : إن الله أنزل على آدم عصياً بعدد الأنبياء والمرسلين ، ثم أقبل على ابنه شيث فقال : ابني أنت خليفتي من بعدي فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى ، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش وأنا بين الروح والطين ، ثم إني طفت السماوات فلم أر في السماوات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه ، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصراً ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوباً عليه ، ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين وعلى ورق قصب آجام الجنة وعلى ورق شجرة طوبى ، وعلى ورق سدرة المنتهى ، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة ، فأكثروا ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها . اهـ (المواهب اللدنية ج1 ص186) .
قال الزرقاني في شرحه : رواه ابن عساكر .
قلت : وقد ذكر نحو هذا الخبر الشيخ ابن تيمية ، فقال : وقد روى أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وروى في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ .
وفي رواية لابن الجوزي عن ميسرة قال : قلت : يا رسول الله ! متى كنت نبياً ؟
قال :
((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ، وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام ، وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله إنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .
اهـ (الفتاوى ج2 ص150 ) .
فوائد مهمة من حديث توسل آدم :
________________________________________
وفي الحديث التوسل برسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبل أن يتشرف العالم بوجوده فيه وأن المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه عز وجل وأنه لا يشترط كونه حياً في دار الدنيا .
ومنه يعلم أن القول بأن التوسل لا يصح بأحد إلا وقت حياته في دار الدنيا قول من اتبع هواه بغير هدى من الله .
حاصل البحث في درجة الحديث :
والحاصل أن هذا الحديث صححه بشواهده(7)[7]ونقله جماعة من فحول العلماء وأئمة الحديث وحفاظه الذين لهم مقامهم المعروف ومكانتهم العالية وهم الأمناء على السنة النبوية فمنهم الحاكم والسيوطي والسبكي والبلقيني .
ونقله البيهقي في كتابه الذي شرط فيه أن لا يخرج الموضوعات ، والذي قال فيه الذهبي : عليك به فإنه كله هدى ونور . [كذا في شرح المواهب وغيره] .
وذكره ابن كثير في البداية واستشهد به ابن تيمية في الفتاوى ، وكون العلماء اختلفوا فيه فرده بعضهم وقبله البعض ليس بغريب لأن كثيراً من الأحاديث النبوية جرى فيها الخلاف بأكثر من هذا وانتقدها النقاد بأعظم من هذا .
وبسبب ذلك ظهرت هذه المؤلفات العظيمة ، وفيها الاستدلالات والتعقبات والمراجعات والمؤاخذات ، ولم يصل ذلك إلى الرمي بالشرك والكفر والضلال والخروج عن دائرة الإيمان لأجل الاختلافات في درجة حديث من الأحاديث ، وهذا الحديث من جملة تلك الأحاديث(8) .
توسل اليهود به – صلى الله عليه وسلم -
قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } .
________________________________________
قال القرطبي قوله تعالى : ولما جاءهم – يعني اليهود – كتاب – يعني القرآن – من عند الله مصدق – نعت لكتاب ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روى – لما معهم – يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيها – وكانوا من قبل يستفتحون – أي يستنصرون ، والاستفتاح : الاستنصار استفتحت استنصرت ، وفي الحديث كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم . ومنه :
فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ، والنصر فتح شيء مغلق فهو يرجع إلى قولهم : فتحت الباب .
وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)) ..
وروى النسائي أيضاً عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول :
((أبغوني الضعيف فإنكم إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)) ..
قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود فدعت يهود بهذا الدعاء ، وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان أن تنصرنا عليهم ، قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلما بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – كفروا ، فأنزل الله تعالى : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ } أي بك يا محمد إلى قوله : { فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } . تفسير القرطبي (ج2 ص26 و27)(9) .
] ] ]
التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته وبعد وفاته
عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال : يا رسول الله ! ليس لي قائد وقد شق عليَّ ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
________________________________________
((ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قال اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – نبي الرحمة يامحمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي لي عن بصري ، اللهم شفعه فيَّ وشفعني في نفسي ، قال عثمان : فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر)) ..
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وقال الذهبي عن الحديث : أنه صحيح (ج1 ص519) .
وقال الترمذي في أبواب الدعوات آخر السنن : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي .
قلت : والصواب أن أبا جعفر هو الخطمي المدني كما جاء مصرحاً به في روايات الطبراني والحاكم والبيهقي ، وزاد الطبراني في المعجم الصغير أن اسمه عمير ابن يزيد وأنه ثقة ، قال العلامة المحدث الغماري في رسالته ((اتحاف الأذكياء)) : وليس من المعقول أن يجمع الحفاظ على تصحيح حديث في سنده مجهول خصوصاً الذهبي والمنذري والحافظ .
قال المنذري : ورواه أيضاً النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه . (كذا في الترغيب كتاب النوافل باب الترغيب في صلاة الحاجة (ج1 ص438) .
وليس هذا خاصاً بحياته – صلى الله عليه وسلم – بل قد استعمل بعض الصحابة هذه الصيغة من التوسل بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم – فقد روى الطبراني هذا الحديث وذكر في أوله قصة وهي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له ، وكان عثمان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى الرجل عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل :
اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – نبي الرحمة ، يامحمد ! إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي . وتذكر حاجتك ..
________________________________________
فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ثم قال : ما كانت لك حاجة فائتنا ، ثم إن الرجل لما خرج من عنده لقى عثمان بن حنيف وقال له : جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيَّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ، ولكن شهدت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – :
أو تصبر ؟ فقال : يارسول الله ! ليس لي قائد ، وقد شق عليَّ ، فقال له النبي :
((إئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات ، فقال عثمان ابن حنيف : فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط)) ..
قال المنذري : رواه الطبراني ، وقال بعد ذكره : والحديث صحيح . (كذا في الترغيب ، [ج1 ص440 وكذا في مجمع الزوائد ج2 ص279] .
وقال الشيخ ابن تيمية : قال الطبراني روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمر بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة ، قال أبو عبد الله المقدسي : والحديث صحيح .
قلت : قال الشيخ ابن تيمية : ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح ابن عبادة عن شعبة ، وذلك إسناد صحيح يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر (اهـ . التوسل والوسيلة ص 101) .
وبهذا ظهر أن هذه القصة صححها الحافظ الطبراني والحافظ أبو عبد الله المقدسي ، ونقل ذلك التصحيح الحافظ المنذري والحافظ نور الدين الهيثمي والشيخ ابن تيمية(10)[8] .
وحاصل القصة أن عثمان بن حنيف الراوي للحديث المشاهد للقصة
________________________________________
علم من شكا إليه إبطاء الخليفة عن قضاء حاجته هذا الدعاء الذي فيه التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – والنداء له مستغيثاً به بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم – ، ولما ظن الرجل أن حاجته قضيت بسبب كلام عثمان مع الخليفة ، بادر ابن حنيف بنفي ذلك الظن وحدثه بالحديث الذي سمعه وشهده ليثبت له أن حاجته إنما قضيت بتوسله به – صلى الله عليه وسلم – وندائه له واستغاثته به ، وأكد ذلك له بالحلف أنه ما كلم الخليفة في شأنه .
استعمال آخر وتأييد ابن تيميّة له
روى ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء قال : حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول : جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد ابن أبجر فجس بطنه فقال : بك داء لا يبرأ ، قال : ما هو ؟ قال : الدُّبَيْلَة ، وهي خرّاج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالباً ، قال : فتحول الرجل فقال : الله الله ، الله ربي لا أشرك به شيئاً ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبيّ الرحمة – صلى الله عليه وسلم – ، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربك وربّي يرحمني ممّا بي . قال : فجس بطنه فقال : قد برئت ، ما بك علة .
قال الشيخ ابن تيمية : قلت : فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السّلف. اهـ [رواه الشيخ ابن تيمية في قاعدة جليلة ص94] .
ومعلوم أن ابن تيمية أورد هذا الخبر ليبين به مقصوده ويوجهه كما يريد ، ولكن الذي يهمنا هنا هو أنه أثبت استعمال السلف لذلك وحصول الشفاء به ، وهذا القدر من المسألة هو الذي يهمنا ، أما تعليقه عليه فهذا رأيه هو ، ونحن لا يهمنا إلا ثبوت النص فقط لنستدل به على ما نريد ، وهو له أن يستدل به كما يريد .
[ محاولات يائسة ]
________________________________________
وقد طنطن ودندن بعضهم حول حديث توسل آدم وعثمان بن حنيف وغيره ، وبذل جهده في ردّها بكل ما أوتي من قوة ، وحاول وحاور وجادل وقام وقعد وأرغى وأزبد في هذا الموضوع ، وكل ذلك لا فائدة منه لأنه مهما حاول ردّ الأحاديث الواردة في هذا الباب فقد قال ساداته من العلماء الكبار كلمتهم وهم أوفر منه عقلاً وأوسع علماً وأطول باعاً وأعمق فهماً وأكثر نوراً وتقوى وإخلاصاً ، مثل الإمام أحمد بن حنبل ، وهو يقول بالتوسل كما نقله عنه ابن تيمية والعز ابن عبد السلام ، وابن تيمية نفسه في قول له بالتوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – خاصة ، ثم نهاية المطاف عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أنكر على من نسب القول إليه بتكفير المتوسلين ، بل وصرح في فتاواه بأن التوسل من الفروع ، لا من الأصول وكل ذلك سيأتي مفصلاً إن شاء الله في هذا الكتاب .
هذا وقد صنف الشيخ العلامة المحدث عبد الله الغماري رسالة خاصة في الكلام عن هذا الحديث سماها ((مصباح الزجاجة في صلاة الحاجة)) ، أجاد فيها وأفاد وأتى بما يشفي ويكفي ويغني ، جزاه الله خير الجزاء .
التوسل به – صلى الله عليه وسلم – في عرصات يوم القيامة
أما التوسل بع في عرصات يوم القيامة فلا حاجة للإطالة فيه فإن أحاديث الشفاعة بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك فيه النصوص الصريحة التي تفيد بأن أهل الموقف إذا طال عليهم الوقوف واشتد الكرب استغاثوا في تفريج كربتهم بالأنبياء فيستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فيحيلهم على سيد المرسلين حتى إذا استغاثوا به – صلى الله عليه وسلم – ، سارع إلى إغاثتهم وأسعف طلبتهم ، وقال : أنا لها أنا لها ، ثم يخر ساجداً ولا يزال كذلك حتى ينادي أن ارفع رأسك واشفع تشفع .
فهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين وتقرير من رب العالمين بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج ومن موجبات رضى رب العالمين .
________________________________________
مشروعية التوسل على طريقة الشيخ ابن تيمية
يقول الشيخ ابن تيمية في كتابه [ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ] عند الكلام على قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } ، فابتغاء الوسيلة إلى الله سبحانه وتعالى إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه ، وهذا التوسل بالإيمان به وبطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطناً وظاهراً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته في مشهده ومغيبه لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه ولا يعذر من الأعذار ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا بالتوسل به وبطاعته وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق ، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاهاً عند الله ، وقال تعالى عن موسى : { وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً } ، وقال عن المسيح : { وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } ، ومحمد – صلى الله عليه وسلم – أعظم جاهاً من الأنبياء والمرسلين ، ولكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تعالى بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً .
وفي الفتاوى الكبرى : سئل شيخ الإسلام رحمه الله هل يجوز التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله ، أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه فهو مشروع باتفاق المسلمين .
[ الفتاوى الكبرى ج1 ص140 ] .
قلت : فيستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أمران :
الأول :
________________________________________
أن المسلم المطيع المحب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتبع له
المصدق بشفاعته يشرع له أن يتوسل بطاعته ومحبته وتصديقه ذلك .
وإننا إذا توسلنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالله يشهد أننا إنما نتوسل بالإيمان به وبمحبته وبفضله وشرفه فهذا هو المقصود الأصلي من التوسل ولا يتصور أن يتوسل أحد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لغير هذا المعنى ، ولا يمكن أن يكون سوى ذلك من جميع المسلمين المتوسلين ، غير أن المتوسل قد يصرح به وقد لا يصرح اعتماداً على المقصود الأصلي من التوسل الذي هو الإيمان بالنبي ومحبته صلى الله عليه وآله وسلم لا غير .
الثاني :
مما يستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أن من دعا له الرسول – صلى الله عليه وسلم – صح له أن يتوسل إلى الله بدعائه – صلى الله عليه وسلم – له ، وقد جاء أنه – صلى الله عليه وسلم – قد دعا لأمته كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة .
منها : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما رأيت من النبي – صلى الله عليه وسلم – طيب النفس ، قلت : يارسول الله ! أدع الله لي ، فقال :
((اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أسرت وما أعلنت فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك ، فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أيسرك دعائي ، فقالت : وما لي لا يسرني دعاؤك ، فقال – صلى الله عليه وسلم – : إنها لدعائي لأمتي في كل صلاة)) .
________________________________________
رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة ، ( كذا في مجمع الزوائد ) ، لذا فإنه يصح لكل مسلم أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بذلك فيقول : اللهم إن نبيك محمداً – صلى الله عليه وسلم – قد دعا لأمته وأنا من أفراد هذه الأمة فأتوسل إليك بهذا الدعاء أن تغفر لي وأن ترحمني إلى آخر ما يريد ، فإذا قال ذلك لم يخرج عن الأمر المتفق عليه بين كافة علماء المسلمين ، فإن قال : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – فقد فاته التصريح بما ينويه وبيان ما ينعقد عليه قلبه وهو مقصود كل مسلم ومراده لا يخرج عن هذا الحد لأن المتوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – لا يقصد بذلك إلا تلك المعاني المتعلقة بذاته – صلى الله عليه وسلم – من محبة وقربة وجاه ورتبة وفضل ودعاء وشفاعة ، خصوصاً وأنه صلى الله عليه وسلم في برزخه
يسمع الصلاة والسلام ويرد على ذلك بما يليق ويناسب من سلام واستغفار لما قد جاء في الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، تعرض أعمالكم عليَّ فإن وجدتُّ خيراً حمدت الله ، وإن وجدت شراً استغفرت الله لكم)).
رواه الحافظ إسماعيل القاضي في جزء الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وصححه بقوله : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح كما سيأتي.
وهذا صريح بأنه صلى الله عليه وسلم يستغفر للأمة في برزخه والاستغفار دعاء والأمة تنتفع بذلك
وجاء في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد السلام)) ..
رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال النووي : إسناده صحيح . فهذا صريح بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – يرد السلام على المسلم ، والسلام هو الأمان فهو دعاء بالأمان للمسلم وهو ينتفع بذلك .
] ] ]
________________________________________
مشروعية التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – خاصة عند الإمام
أحمد بن حنبل وابن تيمية
على أن الشيخ ابن تيمية في بعض المواضع من كتبه أثبت جواز التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – دون تفريق أو تفصيل بين حياته وموته وحضوره وغيابه ، ونقل عن الإمام أحمد والعز بن عبد السلام جواز ذلك في الفتاوى الكبرى .
قال الشيخ : وكذلك مما يشرع التوسل به صلى الله عليه وسلم في الدعاء
كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه :
((أن النبي – صلى الله عليه وسلم – علم شخصاً أن يقول : اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي حاجتي ليقضيها فشفعه فيَّ)) ..
فهذا التوسل به حسن . اهـ ( الفتاوى ج3 ص276 ) .
وقال أيضاً : والتوسل إلى الله بغير نبينا – صلى الله عليه وسلم – سواء سمي استغاثة أو لم يسم لا نعلم أحداً من السلف فعله ولا روى فيه آثاراً ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع ، وأما التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ففيه حديث في السنن ، رواه النسائي والترمذي وغيرهما : أن أعرابياً أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يارسول الله ! إني أصبت في بصري فادع الله لي ، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((توضأ وصل ركعتين ، ثم قل : اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد يامحمد إني أتشفع بك في رد بصري اللهم شفع نبيك فيَّ ، وقال : فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك . فرد الله بصره)) ..
فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به . اهـ
( الفتاوى ج1 ص105 )
وقال الشيخ ابن تيمية أيضاً في موضع آخر :
ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه : أنه يتوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في دعائه ، ولكن غير أحمد قال : إن هذا إقسام على الله به ، ولا يقسم على الله بمخلوق ، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوَّز القسم به ، فلذلك جوَّز التوسل به .
________________________________________
( ج1 ص140 من الفتاوى )
] ] ]
جواز التوسل عند الإمام الشوكاني
قال الإمام المحدث السلفي الشيخ محمد بن علي الشوكاني في رسالته (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ) : أما التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد من خلقه في مطلب يطلب العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام : إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي – صلى الله عليه وسلم – إن صح الحديث فيه . ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه ابن ماجة وغيرهم أن أعمى أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فذكر الحديث ، قال : وللناس في معنى هذا قولان : أحدهما أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال : كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا هو في صحيح البخاري وغيره ، فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته في الاستسقاء ثم توسل بعمه العباس بعد موته وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم .
والقول الثاني : أن التوسل به – صلى الله عليه وسلم – يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به – صلى الله عليه وسلم – في حياته ، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في توسله بالعباس رضي الله عنه ، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين :
الأول : ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم .
________________________________________
والثاني : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون فاضلاً إلا بأعماله ، فإذا قال القائل : اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركاً كما زعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ، ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي – صلى الله عليه وسلم – عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم ، وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، ونحو قوله تعالى : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } ، ونحو قوله تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ } . ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم ، وكذلك قوله : { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } الآية .
________________________________________
فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعاء غيره معه ، فإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } . فإن هذه الآية الشريفة ليست فيها دلالة إلا أنه تعالى هو المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } ، { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً } فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره ، وليس فيهما منع التوسل به وبغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه ، وقال له : سل تعطه واشفع تشفع ، وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى ، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله – صلى الله عليه وسلم – لما نزل قوله تعالى : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } : يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، فإن هذا ليس فيها إلا التصريح بأنه – صلى الله عليه وسلم – لا يستطيع نفع من
________________________________________
أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم ، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين . انتهى كلام الشوكاني .
] ] ]
الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول بجواز التوسل
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قولهم في الاستسقاء : [ ( لا بأس بالتوسل بالصالحين ) وقول أحمد : ( يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة ) مع قولهم : إنه لا يستغاث بمخلوق ] ؟
فقال: فالفرق ظاهر جداً ، وليس الكلام مما نحن فيه ، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين ، وبعضهم يخصه بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه ، فهذه المسألة من مسائل الفقه ، وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه ، فلا ننكر على من فعله ، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد ، ولكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات ، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه : أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين،
أو يقصد قبراً معروفاً أو غيره يدعو عنده ، لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين فأين هذا مما نحن فيه .
( انتهى من فتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في مجموعة المؤلفات القسم الثالث ص68 التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) .
وهذا يدل على جواز التوسل عنده غاية ما يرى أنه مكروه في رأيه عند الجمهور ، والمكروه ليس بحرام فضلاً عن أن يكون بدعة أو شركاً .
الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتبرأ عمّن يكفر المتوسلين
________________________________________
وقد جاء عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته الموجهة لأهل القصيم الاستنكار الشديد على من نسب إليه تكفير المتوسل بالصالحين ، وقال : إن سليمان بن سحيم افترى عليَّ أموراً لم أقلها ، ولم يأت أكثرها على بالي ، فمنها : أني أكفر من توسل بالصالحين ، وأني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وأني أحرق دلائل الخيرات .
وجوابي عن هذه المسائل : أني أقول سبحانك هذا بهتان عظيم .
وجاء أيضاً تأييد قوله هذا في رسالة أخرى له بعثها إلى أهل المجمعة يقول فيها : إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها ، منها ما هو من البهتان الظاهر ، وهو قوله : أني أكفر من توسل بالصالحين ، وأني أكفر البوصيري إلى آخر ما قال ، ثم قال : وجوابي فيها أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم .
[أنظر الرسالة الأولى والحادية عشرة من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس 12 وص64] .
] ] ]
التوسل بآثاره – صلى الله عليه وسلم -
ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبركون بآثاره – صلى الله عليه وسلم – وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره إلى الله تعالى لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد .
أفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به ؟
هل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل ؟ .
هل يصح أن يتوسل بالأثر الذي ما شرف ولا عظم وكرم إلا بسبب صاحبه محمد – صلى الله عليه وسلم – ، ثم يقول قائل : إنه لا يصح أن يتوسل به ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ! .
________________________________________
والنصوص الواردة في هذا الباب كثيرة جداً نقتصر على أشهرها ، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحرص كل الحرص على أن يدفن بقرب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما حضرته الوفاة فيبعث ولده عبد الله ليستأذن السيدة عائشة في ذلك وإذا بالسيدة عائشة تعلن أنها كانت تريد هذا المكان لنفسها ، فتقول كنت أريده لنفسي ولأوثرنه على نفسي فيذهب عبد الله ويبشر أباه بهذه البشارة العظيمة وإذا بعمر يقول : الحمد لله ما كان شيء أهم إليَّ نم ذلك . وانظر تفصيل القصة في البخاري فما معنى هذا الحرص من عمر ومن عائشة ؟ .
ولماذا كان الدفن بقرب رسول الله أهم شيء وأحب شيء إلى عمر ؟ ليس لذلك تفسير إلا التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – بعد وفاته بالتبرك بالقرب منه .
وهذه أم سليم تقطع فم القربة التي شرب منها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول أنس فهو عندنا .
وهؤلاء الصحابة يتسابقون لأخذ شعرة واحدة من شعر رأسه لما حلقه .
وهذه أسماء بنت ابي بكر تحتفظ بجبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتقول : فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها .
وهذا خاتم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحتفظ به بعده أبو بكر وعمر وعثمان ثم يسقط منه في البئر .
وكل هذه الأحاديث ثابتة وصحيحة كما ذكرناه في مبحث التبرك والذي نريد أن نقوله هو أننا نتساءل لماذا هذه المحافظة منهم رضي الله تعالى عنهم على آثار النبي صلى الله عليه وسلم .
[ فم القربة ، الشعر ، العرق ، الجبة ، الخاتم ، المصلى ] فما مقصودهم من ذلك أهي الذكرى مجرد الذكرى أم هي المحافظة على الآثار التاريخية لوضعها في المتحف ، فإن كانت الأولى فلماذا يعتنون بها عند الدعاء والتوجه إلى الله إذا أصابهم البلاء أو المرض ، وإذا كانت الثانية فأين هذا المتحف ومن أين جاءتهم هذه الفكرة المبتدعة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
________________________________________
لم يبق إلا التبرك بآثاره – صلى الله عليه وسلم – للتوسل بها إلى الله في الدعاء لأن الله هو المعطي وهو المسؤول والكل عبيده وتحت أمره لا يملكون شيئاً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم إلا بإذن الله سبحانه وتعالى .
] ] ]
التوسل بآثار الأنبياء
قال تعالى : { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } الآية من سورة البقرة .
قال الحافظ ابن كثير في التاريخ : قال ابن جرير عن هذا التابوت : وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان كما تقدم ذكره ، فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ، فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم اهـ .
قال ابن كثير : وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه ، وكان فيه طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء اهـ (البداية ج2 ص8) .
وقال ابن كثير في التفسير : كان فيه عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة وثياب هارون ومنهم من قال : العصا والنعلان اهـ .
[تفسير ابن كثير ج1 ص313] .
وقال القرطبي : والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة وسلبوا التابوت منهم . اهـ . (تفسير القرطبي ج3 ص247) .
________________________________________
وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلاً بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك والله سبحانه وتعالى راض عن ذلك بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت ولم ينكر عليهم ذلك الفعل .
] ] ]
توسل النبي – صلى الله عليه وسلم – بحقه وحق الأنبياء والصالحين
جاء في مناقب فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب إنها لما ماتت حفر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لحدها بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاضطجع فيه فقال :
((الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين . وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم)) .. رواه الطبراني في الكبير والأوسط . وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح .
[ كذا بمجمع الزوائد ج9 ص257 ] .
واختلف بعضهم في [روح بن صلاح] أحد رواته ، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات ، وقال الحاكم : ثقة مأمون ، وكلا الحافظين صحح الحديث ، وهكذا الهيثمي في [مجمع الزوائد] ورجاله رجال الصحيح(11)[9].
ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة عن جابر ، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم ، فطرقه يشد بعضه بعضاً بقوة وتحقيق(12) .
قال الشيخ الحافظ الغماري في إتحاف الأذكياء ص20 : وروح هذا ضعفه خفيف عند من ضعفه كما يستفاد من عباراتهم ، ولذا عبر الحافظ الهيثمي بما يفيد خفة الضعف كما لا يخفى على من مارس كتب الفن . فالحديث لا يقل عن رتبة الحسن بل هو على شرط ابن حبان صحيح .
ونلاحظ هنا أيضاً أن الأنبياء الذين توسل النبي – صلى الله عليه وسلم – بحقهم على الله في هذا الحديث وغيره قد ماتوا فثبت جواز التوسل إلى الله [بالحق] وبأهل الحق أحياء وموتى .
________________________________________
توسل النبي – صلى الله عليه وسلم – بحق السائلين
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : من خرج من بيته إلى الصلاة ، فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تعيذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، أقبل الله بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك .
قال المنذري في الترغيب والترهيب ج3 ص119 : رواه ابن ماجه بإسناد فيه مقال ، وحسنه شيخنا الحافظ أبو الحسن .
وقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار ج1 ص272 : هذا حديث حسن ، أخرجه أحمد وابن خزيمة في كتاب التوحيد ، وأبو نعيم وابن السني .
وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ج1 ص323 عن الحديث : بأنه حسن.
وقال الحافظ البوصيري في زوائد ابن ماجه المسمى ((بمصباح الزجاجة)) ج1 ص98 : رواه ابن خزيمة في صحيحه .
وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في المتجر الرابع ص471 : إسناده حسن إن شاء الله .
وذكر العلامة المحقق المحدث السيد علي بن يحي العلوي في رسالته اللطيفة هداية المتخبطين : أن الحافظ عبد الغني المقدسي حسّن الحديث ، وقبله ابن أبي حاتم، وبهذا يتبين لك أن هذا الحديث صححه وحسنه ثمانية من كبار حفاظ الحديث وأئمته ، وهم : ابن خزيمة والمنذري وشيخه أبو الحسن والعراقي والبوصيري وابن حجر وشرف الدين الدمياطي وعبد الغني المقدسي وابن أبي حاتم ، وهؤلاء منهم
فهل يبقى بعد قول هؤلاء كلام المتكلم ، وهل يصح من عاقل أن يترك حكم هؤلاء الفحول من الرجال الحفاظ المتقنين إلى قول المتطفلين على موائد الحديث. { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } . { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } .
________________________________________
التوسل بقبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بإرشاد السيدة عائشة
قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه السنن [باب ما أكرم الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته] : حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة، فقالت : أنظروا قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فاجعلوا منه كوا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال : ففعلوا ، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق ، ومعنى كوا أي نافذة). اهـ سنن الدارمي ج1 ص43 .
فهذا توسل بقبره – صلى الله عليه وسلم – لا من حيث كونه قبراً ، بل من حيث كونه ضم جسد أشرف المخلوقين وحبيب رب العالمين ، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة واستحق بذلك المنقبة الكريمة .
تخريج الحديث :
أما أبو النعمان فهو محمد بن الفضل الملقب بعارم شيخ البخاري ، قال الحافظ في التقريب عنه : – ثقة ثبت – تغير في آخر عمره .
قلت : وهذا لا يضره ولا يقدح في روايته لأن البخاري روى له في صحيحه أكثر من مائة حديث وبعد اختلاطه لم تحمل عنه رواية ، قاله الدارقطني ، ولا ينبّئك مثل خبير .
وقد ردّ الذهبي على ابن حبان قوله: (بأنه وقع له أحاديث منكرة) فقال: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً منكراً فأين ما زعم؟(كذا في ميزان الاعتدال ج4 ص8).
وأما سعيد بن زيد فهو صدوق له أوهام ، وكذلك حال عمرو بن مالك النكرى كما قال الحافظ ابن حجر عنهما في التقريب .
وقد قرر العلماء بأن هذه الصيغة وهي – صدوق يهم – من صيغ التوثيق لا من صيغ التضعيف (كذا في تدريب الراوي) .
وأما أبو الجوزاء فهو أوس بن عبد الله الربعي وهو ثقة من رجال الصحيحين فهذا سند لا بأس به ، بل هو جيّد عندي ، فقد قبل العلماء واستشهدوا بكثير من أمثاله وبمن هم أقل حالاً من رجاله .
________________________________________
السيدة عائشة وموقفها من قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – :
أما قول بعضهم : بأن هذا الأثر موقوف على عائشة وهي صحابية ، وعمل الصحابة ليس بحجة ، فالجواب هو أنه وإن كان رأياً لعائشة إلا أنها رضي الله عنها معروفة بغزارة العلم ، وفعلت ذلك في المدينة بين علماء الصحابة . ويكفينا من هذه القصة أنها دليل على أن عائشة أم المؤمنين تعلم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا زال بعد وفاته رحيماً وشافعاً لأمته وأن من زاره واستشفع به شفع له ، كما فعلت أم المؤمنين ، وليس هو من قبيل الشرك أو من وسائل الشرك كما يلغط به هؤلاء المكفرون المضللون ، فإن عائشة ومن شهدها لم يكونوا ممن يجهلون الشرك ولا ما يمت إليه .
فالقصة تدمغ هؤلاء وتثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يهتم بأمته في قبره حتى بعد وفاته ، وقد ثبت أن أم المؤمنين عائشة قالت : كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأضع ثيابي ، وأقول إنما هو زوجي وأبي ، فلما دفن عمر معهما فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة حياء من عمر . (رواه أحمد) .
قال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ج8 ص26) ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يعترضه الذهبي بشيء (ج4 ص7) .
ولم تعمل عائشة هذا باطلاً بل هي تعلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وصاحبيه يعلمان من هو عند قبورهم .
________________________________________
وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لمعاذ لما أرسله لليمن : فلعلك تمر بقبري ومسجدي . (رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات إلا يزيد لم يسمع من معاذ ((كذا في مجمع الزوائد ج10 ص55)) ) فتوفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وجاء معاذ إلى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – باكياً . وشاهده عمر بن الخطاب على هذا الحال وجرت بينهما هذه المحادثة كما رواها زيد ابن أسلم عن أبيه قال : خرج عمر إلى المسجد فوجد معاذ بن جبل عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يبكي ، قال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ((اليسير من الرياء شرك)) . قال الحاكم : صحيح ولا يعرف له علة ، ووافقه الذهبي فقال : صحيح ولا علة له . (كذا في المستدرك ج1 ص4) .
وقال المنذري في الترغيب والترهيب : رواه ابن ماجه والبيهقي والحاكم وقال : صحيح لا علة له ، وأقره أعني المنذري (ج1 ص32) .
التوسل بقبر النبي – صلى الله عليه وسلم – في خلافة عمر رضي الله عنه
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا : حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المنام فقال :
((ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون ، وقل له : عليك بالكيس الكيس)) ..
فأتى الرجل فأخبر عمر ، فقال : يارب ! ما آلو إلا ما عجزت عنه . وهذا إسناد صحيح .
[كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية (ج1 ص91) في حوادث عام ثمانية عشر] .
________________________________________
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري – وكان خازن عمر – قال : ((أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يارسول الله ! استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر ، الحديث .
وقد روى سيف في الفتوح : أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال ابن الحارث المزني أحد الصحابة . قال ابن حجر : إسناده صحيح اهـ .
(صحيح البخاري كتاب الاستسقاء) ، [ فتح الباري ص415 ج2 ](14) [10].
ولم يقل أحد من الأئمة الذين رووا الحديث ولا من بعدهم ممن مر بتصانيفهم من الأئمة أنه كفر وضلال ولا طعن أحد في متن الحديث به ، وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم ، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل .
توسل المسلمين به يوم اليمامة
ذكر الحافظ ابن كثير إن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان : [ محمداه ] ..
قال ما نصه :
وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم وسار لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز وقال : أنا ابن الوليد العود أنا ابن عامر وزيد ، ثم نادى بشعار المسلمين ، وكان شعارهم يومئذ [يا محمداه](15) [11]..
[ البداية والنهاية ج6 ص324]
التوسل به في المرض والشدائد
عن الهيثم بن خنس قال : كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل : أذكر أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد ، فكأنما نشط من عقال .
وعن مجاهد قال : خدرت رِجْل رَجُل عند ابن عباس رضي الله عنهما ، فقال له ابن عباس : أذكر أحب الناس إليك ، فقال : محمد – صلى الله عليه وسلم – ، فذهب خدره. [ذكره الشيخ ابن تيمية في الكلم الطيب في الفصل السابع والأربعين ص165].
فهذا توسل في صورة النداء .
التوسل بغير النبي – صلى الله عليه وسلم -
________________________________________
عن عتبة بن غزوان عن نبي الله – صلى الله عليه وسلم – قال :
((إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أعينوني ، فإن لله عباداً لا نراهم . وقد جرب ذلك)) ..
رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة .
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
((إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر ، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوني يا عباد الله)) ..
رواه الطبراني ورجاله ثقات .
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا. يا عباد الله احبسوا ، فإن لله حاضراً في الأرض سيحبسه)) ..
رواه أبو يعلى والطبراني وزاد سيحبسه عليكم ، وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف . اهـ . من مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي ابن أبي بكر الهيثمي (ج10 ص132) .
فهذا توسل في صورة النداء أيضاً .
وجاء في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول بعد ركعتي الفجر :
((اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي – صلى الله عليه وسلم – أعوذ بك من النار)) .
قال النووي في الأذكار : رواه ابن السني ، وقال الحافظ بعد تخريجه : هو حديث حسن . (شرح الأذكار لابن علان ج2 ص139) .
وتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم ، فكأنه يقول :
اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل إلخ ..
وقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح ، فقال : التوسل إلى الله بربوبية هذه الأرواح العظيمة . وقد صرح ابن علان في شرح الأذكار ج2 ص29 بمشروعية التوسل فقال معلقاً على حديث ((اللهم إني أسألك بحق السائلين)) : فيه التوسل بحق أرباب الخير على سبيل العموم من السائلين ومثلهم بالأولى الأنبياء والمرسلون .
معنى توسل عمر بالعباس
________________________________________
أخرج البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – كانوا إذا قحطوا – استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : [ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ] .
وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب من طريق غيره هذه القصة بأبسط من هذا
وتلخيصها : عن عبد الله بن عمر قال : استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة [بفتح الراء وتخفيف الميم] سميت بذلك لكثرة تطاير الرماد لاحتباس المطر بالعباس ابن عبد المطلب ، فخطب الناس فقال : ياأيها الناس إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد – فاقتدوا أيها الناس برسول الله – صلى الله عليه وسلم – في عمه العباس ، واتخذوه وسيلة إلى الله : أدع يا عباس فكان من دعائه رضي الله عنه : اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة – وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث واحفظ اللهم نبيك في عمه ، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ، ويقولون له : هنيئاً لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر – رضي الله عنه – ذلك : هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه – وفي ذلك أنشد عباس بن عتبة ابن أخيه أبياتاً منها :
بعمي سقى الله الحجاز وأهله :: عشية يستسقى بشيبته عمر
وقال ابن عبد البر : وفي بعض الروايات فارخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام وأخصبت الأرض وعاش الناس ، فقال عمر رضي الله عنه : هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل ، والمكان منه .
وقال حسان بن ثابت :
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد الياس
وقال الفضل بن عباس بن عتبة :
________________________________________
بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقى بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب راغباً فماكر حتى جاء بالديمة المطر
وفي رواية: وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين. كذا في الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة العباس .
وكان الحق لعمر في أن يؤم الناس مستسقياً لهم لكنه تأخر عن حقه وقدم العباس للاستسقاء تعظيماً لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتفخيماً لأهله وتقديماً لعمه صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه مبالغة في التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما استطاع ، وحث الناس على اتخاذ الناس لعباس وسيلة إلى الله جل شأنه وكذلك اتخذه هو وسيلة بتقديمه ليدعو ليقيمه بذلك مقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين كان حياً فاستسقى لهم بالمصلى ليكون أبلغ في تعظيمه والإشادة بفضل أهل بيته.
وبين عمر ذلك في دعائه حيث قال : [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا] .. يعني كنا نتوسل إليك بخروجه بالناس إلى المصلى ودعائه لهم وصلاته بهم ، وإذ قد تعذر ذلك علينا بوفاته عليه الصلاة والسلام فإني أقدم من هو من أهل بيته ليكون الدعاء أرجى للقبول وأرجى للإجابة .
ولما دعا العباس توسل برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :
وقد تقرب القوم بي لمكاني من نبيك أي لقرابتي منه فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، يعني اقبل دعائي لأجل نبيك .
________________________________________
فالقضية في الاستسقاء ولا صلة لها بالتوسل الذي نحن بصدد الكلام عنه والذي وقع فيه الخلاف وهذا أمر يعرفه كل ذي عينين لأن القصة تدل على هذا بوضوح فقد أصابهم القحط واحتاجوا إلى إقامة الاستغاثة بصلاة الاستسقاء وهذا يحتاج إلى إمام يصلي بهم ويدعو لهم ويقيم هذه الشعيرة الإسلامية التي كان يقيمها النبي – صلى الله عليه وسلم – لما كان في دار التكليف كغيرها من شعائر الدين من إمامة وجمعة وخطبة فهي وظائف تكليفية لا يقوم بها أهل البرزخ لانقطاع التكليف عنهم واشتغالهم بما هو أعظم من ذلك .
ومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس – ولم يتوسل برسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأن العباس حي والنبي ميت – فقد مات فهمه وغلب عليه وهمه ونادى على نفسه بحالة ظاهرة – أو عصبية لرأيه قاهرة ، فإنما عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تلمح ذلك في قوله وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا – وهو بذلك قد توسل برسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أبلغ الوجوه .
وقد بعد عن الصواب كل البعد من رمى المسلمين بالشرك بسبب ذلك مع قوله بجواز التوسل بالحي ، فإن التوسل لو كان شركاً ما جاز بالحي ولا الميت – ألا ترى أن اعتقاد الربوبية واستحقاق العبادة لغير الله من نبي أو ملك أو ولي هو شرك وكفر لا يجوز هنا في حياته الدنيا ولا الآخرة .
فهل سمعت من يقول : إن اعتقاد الربوبية لغير الله جائز إذا كان حياً أما بعد وفاته فشرك .
وقد عرفت أن اتخاذ المعظم وسيلة إلى الله تعالى لا يكون عبادة للوسيلة إلا إذا اعتقد انه رب كما كان ذلك شأن عباد الأوثان مع أوثانهم فإذا لم يعتقد ذلك فيه وكان مأموراً منه عز وجل باتخاذه وسيلة كان ذلك الاتخاذ عبادة للآمر سبحانه .
] ] ]
قصة العتبى في التوسل
قال الإمام الحافظ عماد الدين ابن كثير :
________________________________________
ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل (( الحكاية المشهورة )) عن العتبى قال : كنت جالساً عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فجاء أعرابي فقال السلام عليك يارسول الله سمعت الله يقول : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشد يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه :: فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه :: فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – في النوم فقال : [إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له] .
فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص498 ، ورواها أيضاً الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } .. الآية .
ورواها أيضاً الشيخ أبو محمد ابن قدامة في كتابه المغني (ج3 ص556)، ونقلها أيضاً الشيخ أبو الفرج ابن قدامة في كتابه الشرح الكبير (ج3 ص495)، ونقلها أيضاً الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه المعروف بكشاف القناع من أشهر كتب المذهب الحنبلي (ج5 ص30)(16)[12].
________________________________________
وذكر الإمام القرطبي عمدة المفسرين قصة تشبهها في تفسيره المعروف بالجامع قال: روى أبو صادق عن علي قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنَّا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحثا على رأسه من ترابه فقال : قلت يارسول الله فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } .. الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر : إنه قد غفر لك .[تفسير القرطبي ج5 ص265] .
هذه قصة العتبى وهؤلاء هم الذين نقلوها وسواء أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر فإننا نتساءل ونقول هل نقل هؤلاء الكفر والضلال ؟ .. أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور ؟ .
إذا كان الأمر كذلك فأي ثقة فيهم أو في كتبهم ؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
أبيات العتبي على شباك النبي – صلى الله عليه وسلم -
تقدم ذكر البيتين الذين أنشدهما الأعرابي عند زيارته للنبي – صلى الله عليه وسلم – ، ورواها العتبى وهي :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وهذه الأبيات مكتوبة بفضل الله على المواجهة النبوية الشريفة في العامود الذي بين شباك الحجرة النبوية يراها القاصي والداني منذ مئات السنين حتى في عهد المرحوم الملك عبد العزيز ، فالملك سعود فالملك فيصل فالملك خالد رحمهم الله تعالى ، فالملك فهد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ، وستبقى بإذن الله بناء على توجيهات خادم الحرمين بالمحافظة على كل ما في المسجد النبوي الشريف وعدم إزالة أي أثر قديم .
] ] ]
الخلاصة :
________________________________________
والخلاصة أنه مما لا شك فيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – له عند الله قدر علِيّ ومرتبة رفيعة ، وجاه عظيم ، فأي مانع شرعي أو عقلي يمنع التوسل به فضلاً عن الأدلة التي تثبته في الدنيا والآخرة – ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه فنحن ندعوه بما أحب أياً كان ، تارة نسأله بأعمالنا الصالحة لأنه يحبها وتارة نسأله بمن يحبه من خلقه كما في حديث آدم السابق ، وكما في حديث فاطمة بنت أسد الذي ذكرناه ، وكما في حديث عثمان بن حنيف المتقدم ، وتارة نسأله بأسمائه الحسنى كما في قوله – – صلى الله عليه وسلم — [أسألك بأنك أنت الله] أو بصفته أو فعله كما في قوله في الحديث الآخر : [أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك] ، وليس مقصوراً على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون .
وسر ذلك أن كل ما أحبه الله صح التوسل به ، وكذا كل من أحبه من نبي أو وليّ ، وهو واضح لدى كل ذي فطرة سليمة ولا يمنع منه عقل ولا نقل بل تضافر العقل والنقل على جوازه والمسؤول في ذلك كله الله وحده لا شريك له ، لا النبي ولا الولي ولا الحي ولا الميت ، { قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } .
وإذا جاز السؤال بالأعمال فبالنبي – صلى الله عليه وسلم – أولى لأنه أفضل المخلوقات والأعمال منها والله أعظم حبَّاً له – – صلى الله عليه وسلم – – من الأعمال وغيرها – وليت شعري ما المانع من ذلك ، واللفظ لا يفيد شيئاً أكثر من أن للنبي قدراً عند الله ، والمتوسل لا يريد غير هذا المعنى ، ومن ينكر قدره عند الله فهو كافر كما قلنا .
________________________________________
وبعد : فمسألة التوسل تدل على عظمة المسؤول به ومحبته ، فالسؤال بالنبي إنما هو لعظمته عند الله أو لمحبته إياه وذلك مما لاشك فيه على أن التوسل بالأعمال متفق عليه ، فلماذا لا نقول : إن من يتوسل بالأنبياء أو الصالحين هو متوسل بأعمالهم التي يحبها الله ، وقد ورد حديث أصحاب الغار فيكون من محل الاتفاق ؟ .
ولا شك أن المتوسل بالصالحين إنما يتوسل بهم من حيث أنهم صالحون فيرجع الأمر إلى الأعمال الصالحة المتفق على جواز التوسل بها ، كما قلنا في صدر هذا البحث .
] ] ]
شبهة مردودة
فهذه الأحاديث والآثار كلها تثبت التوسل وتؤيده ، فإن قيل : إن ذلك خاص بحياته – صلى الله عليه وسلم – .
فالجواب : أن هذا التخصيص لا دليل عليه خصوصاً وأن الروح باقية وهي التي يكون بها الإحساس والإدراك والشعور .
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الميت يسمع ويحس ويشعر وأنه ينتفع بالخير ويفرح ويتأذى بالشر ويحزن ، وهذا بالنسبة لكل إنسان ، ولذا نادى – صلى الله عليه وسلم – أهل القليب من كفار قريش يوم بدر فقال: يا عتبة يا شيبة يا ربيعة ، فقيل له: كيف تناديهم وقد جيفوا ؟ فقال : ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون الجواب .
فإذا كان هذا عاماً لكل إنسان فكيف بأفضل البشر وأكرمهم وأجلهم ، لا شك أنه أكمل إحساساً وأتم إدراكاً وأقوى شعوراً على أنه قد جاء التصريح في الأحاديث الكثيرة بأنه يسمع الكلام ويرد السلام وتعرض عليه أعمال الأمة وأنه يستغفر لسيئاتهم ويحمد الله على حسناتهم .
وقيمة الإنسان في الحقيقة إنما هي بمقدار شعوره وإحساسه وإدراكه لا بحياته ، ولذلك نرى كثيراً من الأحياء قد حرمهم الله تعالى الإحساس والشعور الإنساني مع بلادة الطبع وقلة الذوق ولكنهم لا ينتفع بهم بل هم في صفوف الأموات والعياذ بالله .
] ] ]
زعم بعض الجهلة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يسمعنا
ولا يرانا ولا يعرفنا
________________________________________
ومن هؤلاء الموتى من زعم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يسمع ولا يرى ولا يعرف عنا ولا يدعو الله تعالى لنا ، فأي جراءة أعظم من هذا ؟ وأي جهل أقبح من هذا ؟ إضافة إلى سوء الأدب والانتقاص لقدر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، ولقد تضافرت الأحاديث والآثار التي تثبت أن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء أكان مؤمناً أم كافراً .
قال ابن القيم في كتاب الروح : والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم .
وقد سئل الشيخ ابن تيمية عن هذه المسألة فأفتى بما يؤيد ذلك (أنظر الفتاوى ج24 ص331 وص362) .
فإذا كان هذا في حق عامة البشر فما بالك بعامة المؤمنين بل بخاصة عباد الله الصالحين بل بسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – ، وقد فصلنا هذه المسألة في مبحث خاص بها في كتابنا هذا بعنوان : (( الحياة البرزخية حياة حقيقية )) بعنوان (( حياة خاصة بالنبي – صلى الله عليه وسلم – )) .
] ] ]
بيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين(17)[13]
ونذكر هنا أسماء أشهر من يقول بالتوسل ، أو ممن نقل أدلته – من كبار الأئمة وحفاظ السنة .
1 – فمنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في كتابه [المستدرك] على الصحيحين ، فقد ذكر حديث توسل آدم بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وصححه .
2 – ومنهم الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه [دلائل النبوة] ، فقد ذكر حديث آدم وغيره ، وقد التزم أن لا يخرج الموضوعات .
3 – ومنهم الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه [الخصائص الكبرى] فقد ذكر حديث توسل آدم .
4 – ومنهم الإمام الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه (الوفاء) ، فقد ذكر الحديث وغيره .
5 – ومنهم الإمام الحافظ القاضي عياض في كتابه (( الشفا في التعريف بحقوق المصطفى)) ، فقد ذكر في باب الزيارة وباب فضل النبي – صلى الله عليه وسلم – كثيراً من ذلك .
________________________________________
6 – ومنهم الإمام الشيخ نور الدين القاري المعروف بملا علي قاري في شرحه على الشفا في المواطن السابقة .
7 – ومنهم العلامة أحمد شهاب الدين الخفاجي في شرحه على الشفا المسمى ((بنسيم الرياض)) ، في المواطن السابقة .
8 – ومنهم الإمام الحافظ القسطلاني في كتابه [المواهب اللدنية] في المقصد الأول من الكتاب .
9 – ومنهم العلامة الشيخ محمد عبد الباقي الزرقاني في شرحه على المواهب (ج1 ص44).
10 – ومنهم الإمام شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى النووي في كتابه الإيضاح [في الباب السادس ص498] .
11 – ومنهم العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشيته على الإيضاح ص499 ، وله رسالة خاصة في هذا الباب تسمى بـ[الجوهر المنظم] .
12 – ومنهم الحافظ شهاب الدين محمد بن محمد بن الجوزي الدمشقي في كتابه [عدة الحصن الحصين] في فضل آداب الدعاء .
13 – ومنهم العلامة الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه [تحفة الذاكرين] ص161 .
14 – ومنهم العلامة الإمام المحدث علي بن عبد الكافي السبكي في كتابه [شفاء السقام في زيارة خير الأنام] .
15 – ومنهم الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسير قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } .. فقد ذكر قصة العتبي مع الأعرابي الذي جاء زائراً قاصداً مستشفعاً بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ، ولم يعترض عليها بشيئ ، وذكر قصة توسل آدم بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في [البداية والنهاية] ولم يحكم بوضعها (ج1 ص180) .
وذكر قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وتوسل به وقال : إن إسنادها صحيح (ج1 ص91) .
– وذكر أن شعار المسلمين يامحمداه (ج6 ص324) .
16 – ومنهم الإمام الحافظ ابن حجر الذي ذكر قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وتوسل به وصحح سندها في فتح الباري (ج2 ص495) .
________________________________________
17 – ومنهم الإمام المفسر أبو عبد الله القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } (ج5 ص265) .
] ] ]
الصحابة يطلبون من النبي – صلى الله عليه وسلم – الشفاعة
زعم بعضهم أنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من النبي – صلى الله عليه وسلم – في الدنيا بل ذهب البعض الآخر من المتعنتين إلى أن ذلك شرك وضلال ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } وهذا الاستدلال باطل ولا يدل على فهمهم الفاسد وذلك من وجهين .
أولاً :
أنه لم يرد نص لا في الكتاب ولا في السنة ينهى عن طلب الشفاعة من النبي – صلى الله عليه وسلم – في الدنيا .
ثانياً :
________________________________________
أن هذه الآية لا تدل على ذلك بل شأنها شأن غيرها من الآيات التي جاءت لبيان اختصاص الله سبحانه وتعالى بما هو ملك له دون غيره بمعنى أنه هو المتصرف فيه ، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، ونظير هذا قوله عز وجل { لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ } ، ووصف نفسه أنه مالك الملك مع قوله سبحانه وتعالى : { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء } ، وقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } مع قوله عز وجل : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، وكذلك في الشفاعة قال : { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } .. مع قوله تعالى : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً } ، وقوله عز وجل : { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، فكما أنه سبحانه وتعالى أعطى من شاء ما شاء – وجعل من العزة التي هي له ما شاء لرسوله والمؤمنين – كذلك الشفاعة كلها له وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين بل وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً .
وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا
كان المسئول كريماً والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله ، وهل الشفاعة إلا الدعاء والدعاء مأذون فيه ، مقدور عليه ، مقبول لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الوفاة في القبر ويوم القيامة فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهداً ، ومقبولة لديه عز وجل في كل من مات على التوحيد .
وقد ثبت أن بعض الصحابة سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – الشفاعة ، ولم يقل – صلى الله عليه وسلم – : إن طلبك الشفاعة مني شرك فاطلبها من الله ولا تشرك بربك أحداً .
________________________________________
هذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : يا نبي الله اشفع لي يوم القيامة فيقول له – صلى الله عليه وسلم – :
((أنا فاعل إن شاء الله)) ..
رواه الترمذي في السنن وحسنه في باب ما جاء في صفة الصراط ، وكذلك سأل الشفاعة غير أنس .
فهذا سواد بن قارب يقول بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
وأشهد أن الله لا رب غيره :: وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة :: إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
إلى أن يقول :
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة :: سواك مغن عن سواد بن قارب
رواه البيهقي في دلائل النبوة ، ورواه أيضاً ابن عبد البر في الاستيعاب ، وأقره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم ينكر طلب الشفاعة منه .
وطلب الشفاعة منه أيضاً مازن بن العضوب لما جاء مسلماً وأنشد يقول :
إليك رسول الله خبت مطيتي :: تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا :: فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
(رواه أبو نعيم في دلائل النبوة ص77)
وطلب الشفاعة منه عكاشة بن محصن حين ذكر – صلى الله عليه وسلم – السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، فقال عكاشة : أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال مباشرة وبلا مراجعة : (أنت منهم) .
ومعلوم أنه لا ينال أحد كائناً من كان هذه الأسبقية إلا بعد شفاعته الكبرى – صلى الله عليه وسلم – في أهل الموقف كما هو ثابت في الأحاديث المتواترة ، فهذا في معنى طلب الشفاعة .
________________________________________
ونظائر هذا كثيرة في كتب السنة المشرفة وهي كلها تدل على جواز طلب الشفاعة منه – صلى الله عليه وسلم – في الدنيا ، منهم من طلبها بالتعيين بقوله : إشفع لي أو طلب دخول الجنة أو طلب أن يكون من السابقين ، أو طلب أن يكون من أهل الحوض أو طلب مرافقته في الجنة كما حصل من ربيعة الأسلمي إذ قال : أسألك مرافقتك في الجنة فأرشده النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطريق بقوله : أعنّي على نفسك بكثرة السجود ، ولم يقل له ولا لغيره ممن طلب الجنة أو طلب المعية أو تمنى أن يكون من أهل الجنة ، أو أن يكون من أهل الحوض ، أو أن يكون من المغفور لهم : إن هذا حرام ، ولا يجوز أن يطلب الآن ، وأن وقته لم يأت ، وانتظر حتى يأذن الله في الشفاعة ، أو في دخول الجنة ، أو في الشرب من الحوض مع أن هذه الأمور المطلوبة كلها لا تكون إلا بعد الشفاعة العظمى فهي في معنى طلب الشفاعة والنبي – صلى الله عليه وسلم – بشرهم بذلك ووعدهم بما جبر خواطرهم وأقر أعينهم ، وحاشا أن يكون ذلك ممنوعاً ثم لا يبين لهم حكمه مجاملة أو مداراة وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم ، وإنما يجبر الخواطر ويرضي النفوس بما هو دائر في فلك الحق ونابع من أصل الدين وبعيد عن كل باطل أو نفاق .
وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا قبل الآخرة فإن معنى ذلك أنه سينالها حقيقة في محلها يوم القيامة وبعد أن يأذن الله تعالى للشفعاء بالشفاعة ، لا أنه ينالها هنا قبل وقتها .
وهذا في الحقيقة نظير بشارته بالجنة لكثير من المؤمنين فإن معناه أنهم سيدخلون الجنة يوم القيامة وبعد أن يأذن الله تعالى بالدخول في الوقت المعلوم ،
لا أنه سيدخلها هنا في الدنيا أو البرزخ ، ولا أظن أن عاقلاً من عوام المسلمين يعتقد خلاف ذلك .
________________________________________
وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا في حياته فإننا نقول : لا بأس بطلبها منه أيضاً بعد موته بناء على ما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة من حياة الأنبياء الحياة البرزخية ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكملهم وأعظمهم في ذلك إذ يسمع الكلام وتعرض عليه أعمال الأمة ويستغفر الله لهم ويحمد الله ، وتبلغه صلاة من يصلي عليه ولو كان في أقصى المعمورة ، كما جاء في الحديث الذي صححه جمع من الحفاظ وهو : حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ، ومماتي خير لكم تعرض أعمالكم عليَّ فإن وجدت خيراً حمدت الله ، وإن وجدت شراً استغفرت الله لكم .
وهذا الحديث صححه من الحفاظ ، العراقي والهيثمي والقسطلاني والسيوطي وإسماعيل القاضي ، وقد فصلنا تخريجه في غير هذا الموضع .
فلو طلبت منه الشفاعة فإنه قادر على أن يدعو الله ويسأله ، كما كان يفعل في حياته ، ثم ينالها العبد في محلها بعد أن يأذن الله تعالى ، كما تحصل الجنة لمن بشّر بها في الدنيا ، فإنه ينالها في وقتها بعد أن يأذن الله بدخول الجنة ، فهذه وتلك سواء .
هذا ما نعتقده ونعقد عليه قلوبنا .
] ] ]
تفسير ابن تيمية لآيات الشفاعة
ويستفاد منه جواز طلب الشفاعة من النبي – صلى الله عليه وسلم – في الدنيا
ذكر الشيخ ابن تيمية في الفتاوى تحليلاً نفيساً للآيات الواردة في منع الشفاعة وعدم الانتفاع بها والنهي عن طلبها مع أن هذه الآيات هي التي يستدل بها بعضهم على منع طلب الشفاعة من النبي – صلى الله عليه وسلم – في الدنيا .
ويظهر من كلام الشيخ ابن تيمية في معنى تلك الآيات أن الاستدلال بها على ما يزعمون في غير محله وتحريف لها عن مواضعها . قال الشيخ :
________________________________________
واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى : { وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } وبقوله : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ } ، وبقوله : { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } ، وبقوله : { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } .
وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان :
أحدهما :
أنها لا تنفع المشركين ، كما قال تعالى في نعتهم : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ {42} قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ {43} وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ {44} وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ {45} وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ {46} حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ {47} فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا .
والثاني :
أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدعة من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه ، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض ، فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة ، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة .
فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين ، ويصورون تماثيلهم فيتشفعون بها ويقولون : هؤلاء خواص الله .
قلت هذا كلام الشيخ ابن تيمية بلفظه ، ومنه يظهر جلياً حقيقة هذه الآيات التي يستدل بها المنكرون لطلب الشفاعة من النبي – صلى الله عليه وسلم – في الدنيا ، أو القائلون بأنها شرك وضلال .
________________________________________
وخلاصة كلامه هو أن المراد بذلك هو أن الشفاعة لا تنفع المشركين . فالآيات واردة في هذه القضية ، أو أن المراد بذلك هو نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك وهي أن يعتقد أن الشافع يملك ذلك بغير إذن الله سبحانه وتعالى ، وهذا الذي ذكره الشيخ هو ما نعتقده بفضل الله ، ونقول : إن طالب الشفاعة منه – صلى الله عليه وسلم – إن اعتقد أو ظن أنه – صلى الله عليه وسلم – يشفع بغير إذن الله فهذا شرك أو ضلال لا نشك في ذلك ولا نرتاب – ولكنه حاشا وكلا ثم حاشا وكلا ثم حاشا وكلا أن نعتقد ذلك أو نظنه ونبرأ إلى الله من ذلك .
وإننا حين نطلب الشفاعة فإننا نعتقد تمام الاعتقاد أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه سبحانه وتعالى ، ولا يقع شيء إلا برضاه وتأييده .
وإنما هذا كطلب دخول الجنة وطلب الشرب من الحوض المورود وطلب النجاة على الصراط ، فكلها لا تحصل إلا بإذن الله وفي وقتها الذي قدره الله تعالى لها ، وهل يشك في ذلك عاقل أو يخفى على من له أدنى معرفة أو قراءة في كتب السلف من أصغر طلاب العلم الشريف .
اللهم افتح مسامع قلوبنا ونور أبصارنا .
] ] ]
إياك نعبد وإياك نستعين
إننا نعتقد اعتقاداً جازماً لازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء ، والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب .
________________________________________
قال الله تعالى : { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ{106} وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } ، وقال : { فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ } ، وقال : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ } الآيتين ، وقال : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } فالعبادة بجميع أنواعها لابد أن تصرف لله وحده ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله كائناً من كان { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } .
فلا نذر إلا لله ولا دعاء إلا له ولا ذبح إلا له ولا استغاثة ولا استعاذة ولا استعانة ولا حلف إلا بالله ولا توكل إلا عليه سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً .
ونحن نعتقد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا ميت ، وليس لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة ، وليس أحد من الخلق قادراً على الفعل أو الترك بنفسه استقلالاً دون الله أو بالمشاركة مع الله أو أدنى من ذلك .
فالمتصرف في الكون هو الله سبحانه وتعالى ولا يملك أحد شيئاً إلا إذا ملكه الله ذلك وأذن له في التصرف فيه ، ولا يملك أحد لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا نشوراً إلا ما شاء الله بإذن الله فالنفع والضر حينئذ محدود بهذا الحد ومقيد بهذا القيد ونسبته إلى الخلق على سبيل التسبب والتكسب لا على سبيل الخلق أو الإيجاد أو التأثير أو العلة أو القوة والنسبة في الحقيقة مجازية
________________________________________
ليست حقيقية ، ولكن الناس يختلفون في التعبير عن هذه الحقائق([14]) ، فمنهم من يسرف في استعمال المجاز إسرافاً شديداً حتى يقع في شبه لفظية هو منها برئ وقلبه سليم منعقد على كمال التوحيد والتنزيه لله سبحانه وتعالى .
ومنهم من يتمسك بالحقيقة تمسكاً زائداً عن حد الاعتدال فيصل به إلى التعنت والتشدد والإساءة إلى الناس بمعاملتهم على خلاف معتقدهم وحملهم على ما لا يقصدون وإلزامهم بما لا يريدون والحكم عليهم بما هم عنه بريئون والواجب الاعتدال والبعد عن كل ذلك فهو أسلم للدين وأحوط في حماية مقام التوحيد . والله أعلم .
وقد ذكر الشيخ ابن تيمية خلاصة موجزة مفيدة في بيان ما يختص بالحق سبحانه وتعالى وهو عين ما نعتقده وندين الله تعالى به .. لأن عقيدتنا سلفية بفضل الله وطريقتنا محمدية ونقول بهذا الذي يقول به ابن تيمية .
قال الشيخ ابن تيمية والله قد جعل له حقاً لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له ، ولا الدعاء إلا له ، ولا التوكل إلا عليه ، ولا الرغبة إلا إليه ، ولا الرهبة إلا منه ، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يذهب السيئات إلا هو ، ولا حول ولا قوة إلا به ، { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ، { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } .
________________________________________
{ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً {93} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً {94} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً } ،وقال تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده ، وكذلك في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } ،فالإيتاء لله والرسول، وأما التوكل فعلى الله وحده ، والرغبة إلى الله وحده.
(كذا في الفتاوى ج11 ص98 )
] ] ]
الاستعانة والتوجه بالطلب للنبي – صلى الله عليه وسلم -
ذكرنا فيما تقدم أننا نعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب ، يقول الله عز وجل : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } فمن استعان بمخلوق أو استغاث به أو ناداه أو سأله أو طلبه سواء كان حياً أو ميتاً معتقداً أنه ينفع أو يضر بنفسه استقلالاً دون الله فقد أشرك ، لكن الله أجاز للخلق أن يستعين بعضهم ببعض وأن يستغيث بعضهم ببعض ، وأمر من استعين أن يعين ، ومن استغيث أن يغيث ومن نودي أن يجيب ، والأحاديث على هذا كثيرة جداً كلها تدل على إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وتفريج الكربات والنبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم من يستغاث به إلى الله سبحانه وتعالى في كشف الكربات وقضاء الحاجات .
________________________________________
فأي شدة أكبر من شدة يوم القيامة حين تطول الوقفة وتشتد الزحمة ويتضاعف الحر ويلجم العرق من شاء الله ومع عظم هذه الشدة وبلوغها الغاية فإن الناس يستغيثون إلى الله بخيرة خلقه كما قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – : وبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ، الحديث ، وقد عبر فيه – صلى الله عليه وسلم – بلفظ الاستغاثة ، وهو بهذا اللفظ في صحيح البخاري .
وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستعينون به – صلى الله عليه وسلم – ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز ويفزعون إليه عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه معتقدين أنه ليس إلا واسطة وسبباً في النفع والضر والفاعل حقيقة هو ( الله ) .
] ] ]
أبو هريرة يشكو النسيان
أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم النسيان لما يسمعه من حديثه الشريف وهو يريد أن يزول عنه ذلك – فقال رضي الله عنه : يا رسول الله ! [إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه فأحب أن لا أنسى فقال – صلى الله عليه وسلم – :
((ابسط رداءك)) فبسطه فقذف بيده الشريفة من الهواء في الرداء ثم قال : ضمه فضمه ، قال أبو هريرة : فما نسيت شيئاً بعد .
رواه البخاري في كتاب العلم باب حفظ العلم [رقم الحديث 119] .
فها هو أبو هريرة يطلب منه عليه الصلاة والسلام عدم نسيان شيء وهو مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل – فلم ينكره ولم يرمه بشرك ، لما يعلم كل أحد أن الموحد إذا طلب شيئاً من ذوي الجاه عند الله فلا يريد منهم أن يخلقوا شيئاً ولا هو معتقد فيهم شيئاً من ذلك وإنما يريد أن يتسببوا له بما أقدرهم الله عليه من دعاء وما شاء الله من تصرف .
________________________________________
وها أنت ذا ترى أنه عليه الصلاة والسلام أجابه إلى مطلبه ، ولم يرد أنه دعا له في هذه القصة ، وإنما غرف له من الهواء ، وألقاه في الرداء وأمره فضمه إلى صدره فجعل الله ذلك تفضلاً سبباً لقضاء حاجته .
وكذلك لم يقل له عليه الصلاة والسلام : مالك تسألني والله أقرب إليك مني ؟ لما هو معلوم عند كل أحد أن المعول عليه في قضاء الحوائج من بيده مقاليد الأمور إنما هو أقربية الطالب منه عز وجل وكمال مكانته عنده .
قتادة يستغيث به لإصلاح عينه :
وقد ثبت أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها ، فقال : لا حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأمره ، فقال : لا ، ثم وضع راحته على حدقته ثم غمزها فعادت كما كانت فكانت أصح عينيه .
رواه البغوي وأبو يعلى وأخرجه الدارقطني وابن شاهين والبيهقي في الدلائل ، ونقلها الحافظ ابن حجر في الإصابة (ج3 ص225) ، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج4 ص297) ، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى .
وآخر يستعين به في زوال سلعته :
عن محمد بن عقبة بن شرحبيل عن جده عبد الرحمن عن أبيه قال : أتيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبكفي سلعة فقلت : يا نبي الله ! هذه السلعة قد أورمتني لتحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعن عنان الدابة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((أدن مني)) ..
قال : فدنوت ففتحها فنفث في كفي ثم وضع يده على السلعة فما زال يطحنها بكفه حتى رفع عنها وما أرى أثرها .
رواه الطبراني وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج8 ص298) .
والسلعة (دمل) تظهر تحت الجلد .
معاذ يطلب منه إصلاح يده :
وفي يوم بدر ضرب عكرمة بن أبي جهل معاذ بن عمرو بن الجموح على عاتقه أثناء القتال يقول معاذ : فضرب يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها .
________________________________________
قال في المواهب : وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ، وضربه عليها عكرمة ، إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، كما ذكر القاضي عياض عن ابن وهب ، فبصق عليه الصلاة والسلام عليها فلصقت .
ذكر هذه القصة الزرقاني وأسندها إلى ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم .
الاستعانة والاستغاثة به إلى الله في البلاء :
وقد استفاضت النصوص الصحيحة التي تنطق بأنهم كانوا إذا أصابهم القحط وانقطع عنهم المطر فزعوا إليه مستشفعين متوسلين طالبين مستغيثين به إلى الله فيعرضون عليه حالهم ويشكون ما نزل بهم من البلاء والشر .
فهذا أعرابي يناديه وهو صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقول :
(( يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فدعا الله وجاء المطر إلى الجمعة الثانية ، فجاء وقال : يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي .. يعني من كثرة المطر فدعا – صلى الله عليه وسلم – فانجاب السحاب وصار المطر حول المدينة)) ..
(رواه البخاري في كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) .
وروى أبو داود بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر .
رواه أبو داود في كتاب الصلاة أبواب الإستسقاء .
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس ، بسند ليس فيه متهم بالوضع وانظر فتح الباري (ج2 ص495) .
عن أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله ! أتيناك ومالنا بعير يئط ، ولا صبي يغط ، ثم أنشد :
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى استكانة
من الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال :
________________________________________
((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها . قال فما رد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يديه حتى ألقت السماء بأردافها ، وجاء الناس يضجون الغرق ، فقال – صلى الله عليه وسلم – : حوالينا ولا علينا)) ..
فانجاب السحاب عن المدينة .
فانظر كيف أسند – صلى الله عليه وسلم – الإغاثة والنفع ونحوهما – إلى الغيث على سبيل المجاز في الإسناد ، وكيف أقر الشاعر على قوله وليس لنا إلا إليك فرارنا – البيت ولم يعده مشركاً – لأن القصر فيه إضافي ، وهل كان يخفى عليه – صلى الله عليه وسلم – قوله تعالى : { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } ، وقد أنزلت عليه .
والمعنى أن الفرار المرجو نفعه المؤكد – إليك لا إلى من دونك ، وإلى الرسل لا إلى من دونهم – فإن المرسلين أعلى من بهم يتوسل إلى الله عز وجل ، وأعظم من يقضي الله الحوائج على أيديهم للملتجئين إليهم والمستغيثين وتأمل جيداً – تأثره الشديد – صلى الله عليه وسلم – بما أنشده هذا الشاعر ، وشدة سرعته إلى نجدتهم وإغاثتهم حيث قام إلى المنبر يجر رداءه – ولم يتمهل حتى يصلحه استعجالاً لإجابة داعيه ، وإسراعاً إلى إغاثة مناديه ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام .
] ] ]
النبي – صلى الله عليه وسلم – هو ركننا وعصمتنا وملاذنا
ولقد ناداه حسان بن ثابت ووصفه بأنه الركن الذي يعتمد عليه والعصمة الذي يلجأ إليه ، فقال :
يا ركن معتمد وعصمة لائذ
وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيره الإله لخلقه
فحباه بالخلق الزكي الطاهر
أنت النبي وخير عصبة آدم
يا من يجود كفيض بحر زاخر
ميكال معك وجبرئيل كلاهما
مدد لنصرك من عزيز قادر
أنظر الإصابة : (1/264) والروض الأنف : (2/91) .
حمزة فاعل الخيرات وكاشف الكربات
________________________________________
عند ابن شاذان من حديث ابن مسعود : ما رأينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشغ من البكاء يقول : يا حمزة يا عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأسد الله وأسد رسوله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا ذاب عن وجه رسول الله – من المواهب اللدنية (ج1 ص212) .
لا فرق بين الحياة والموت :
فإن قال قائل : إن الاستغاثة به – صلى الله عليه وسلم – وشكوى الحال إليه وطلب الشفاعة والعون منه وكل ما يكون في هذا الباب إنما يصح في حياته ، أما بعد موته فهو كفر وربما تسامح فقال : (غير مشروع) أو قال : (لا يجوز) .
فنقول : إن الاستغاثة والتوسل إن كان المصحح لطلبها هو الحياة كما يقولون فالأنبياء أحياء في قبورهم وغيرهم من عباد الله المرضيين .
ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل والاستغاثة به – صلى الله عليه وسلم – بعد وفاته إلا قياسه على التوسل والاستغاثة به في حياته الدنيا لكفى فإنه حيي الدارين دائم العناية بأمته ، متصرف بإذن الله في شؤونها خبير بأحوالها تعرض عليه صلوات المصلين عليه من أمته ويبلغه سلامهم على كثرتهم .
ومن اتسع علمه بشئون الأرواح وما جعلها الله عليه من الخصائص لا سيما العالية منها اتسع قلبه للإيمان بذلك فكيف بروح الأرواح ونور الأنوار نبينا عليه الصلاة والسلام .
ولو كان طلب الشفاعة أو الاستغاثة أو التوسل به عليه الصلاة والسلام شركاً وكفراً – كما توهموه – لما جاز في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في الحياة الأخرى لا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال .
] ] ]
دعوى باطلة
________________________________________
أما دعوى أن الميت لا يقدر على شيء فهي باطلة لأنه إن كان ذلك لكونهم يعتقدون أن الميت صار تراباً فهذا عين الجهل بما ورد عن نبينا – صلى الله عليه وسلم – بل عن ربنا جل جلاله من ثبوت حياة الأرواح وبقائها بعد مفارقة الأجسام ومناداة النبي – صلى الله عليه وسلم – – لها يوم بدر :
((يا عمرو بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا فلان ابن فلان إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) ..
فقيل له : ما ذلك ؟ فقال :
((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) ..
ومن ذلك تسليمه على أهل القبور ومناداته لهم بقوله :
((السلام عليكم يا أهل الديار)) ..
ومن ذلك عذاب القبر ونعيمه ، وإثبات المجئ والذهاب إلى الأرواح إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي جاء بها الإسلام وأثبتتها الفلسفة قديماً وحديثاً .
ولنقتصر هنا على هذا السؤال :
أيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أم لا ؟ فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } .. { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .
وإن اعتقدوا ذلك فنقول لهم : إن الأنبياء وكثيراً من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداء كأكابر الصحابة أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى على أن حياة الأنبياء مصرح بها في الأحاديث الصحيحة .
فإذن نقول : حيث ثبتت حياة الأرواح بالأدلة القطعية فلا يسعنا بعد
ثبوت الحياة إلا إثبات خصائصها فإن ثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم كما إن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم كما هو معروف .
________________________________________
وأي مانع عقلاً من الاستغاثة إلى الله بها والاستمداد منها كما يستعين الرجل بالملائكة في قضاء حوائجه أو كما يستعين الرجل بالرجل [وأنت بالروح لا بالجسم إنسان] .
وتصرفات الأرواح على نحو تصرفات الملائكة لا تحتاج إلى مماسة ولا آلة ، فليست على نحو ما تعرف من قوانين التصرفات عندنا فإنها من عالم آخر ، { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } ، وماذا يفهمون من تصرف الملائكة أو الجن في هذا العالم ؟
ولا شك أن الأرواح لها من الاطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها وتغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء بل أشد وأعظم .
فإن كانوا لا يعرفون إلا المحسوسات ولا يعترفون إلا بالمشاهدات فهذا هو شأن الطبيعيين لا المؤمنين على أننا نتنزل معهم ونسلم لهم أن الأرواح بعد مفارقة الأجساد لا تستطيع أن تعمل شيئاً ولكن نقول لهم : إذا فرضنا ذلك وسلمنا جدلاً فلنا أن نقرر أنه ليست مساعدة الأنبياء والأولياء للمستغيثين بهم من باب تصرف الأرواح في هذا العالم ، بل مساعدتهم لمن يزورهم أو يستغيث بهم بالدعاء لهم كما يدعو الرجل الصالح لغيره ، فيكون من دعاء الفاضل للمفضول ، أو على الأقل من دعاء الأخ لأخيه ، وقد علمت أنهم أحياء يشعرون ويحسون ويعلمون ، بل الشعور أتم والعلم أعم بعد مفارقة الجسد لزوال الحجب الترابية وعدم منازعات الشهوات البشرية .
وقد جاء في الحديث ([15]) : أن أعمالنا تعرض عليه – – صلى الله عليه وسلم – – فإن وجد خيراً حمد الله وإن وجد غير ذلك استغفر لنا ، ولنا أن نقول : إن المستغاث به والمطلوب منه الإغاثة هو الله تعالى ، ولكن السائل يسأل متوسلاً إلى الله بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في أنه يقضي حاجته ، فالفاعل هو الله ، ولكن أراد السائل أن يسأله تعالى
________________________________________
ببعض المقربين لديه الأكرمين عليه ، فكأنه يقول : أنا من محبيه [أو محسوبيه] فارحمني لأجله وسيرحم الله كثيراً من الناس لأجل النبي – صلى الله عليه وسلم – – وغيره من الأنبياء والأولياء والعلماء .
وبالجملة فإكرام الله لبعض أحباب النبي – صلى الله عليه وسلم – لأجل نبيه بل بعض العباد لبعض ، أمر معروف غير مجهول ، ومن ذلك الذين يصلون على الميت ويطلبون من الله أن يكرمه ويعفو عنه لأجلهم بقولهم : وقد جئناك شفعاء فشفعنا .
] ] ]
هل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟
ومن جملة الدعاوى الباطلة التي يستمسك بها هؤلاء المكفرون لمن يتوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أو يطلب منه هو قولهم: إن الناس يطلبون من الأنبياء والصالحين الميتين ما لا يقدر عليه إلا الله وذلك الطلب شرك .
وجوابه أن هذا سوء فهم لما عليه المسلمون في قديم الدهر وحديثه فإن الناس إنما يطلبون منهم أن يتسببوا عند ربهم في قضاء ما طلبوه من الله عز وجل بأن يخلقه سبحانه بسبب تشفعهم ودعائهم وتوجههم كما صح ذلك في الضرير وغيره ممن جاء طالباً مستغيثاً متوسلاً به إلى الله وقد أجابهم إلى طلبهم وجبر خواطرهم وحقق مرادهم بإذن الله ولم يقل – صلى الله عليه وسلم – لواحد منهم : أشركت ، وهكذا كل ما طلب منه من خوارق العادات كشفاء الداء العضال بلا دواء وإنزال المطر من السماء حين الحاجة إليه ولا سحاب ، وقلب الأعيان ونبع الماء من الأصابع ، وتكثير الطعام وغير ذلك فهو مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة وكان يجيب إليه ولا يقول عليه الصلاة والسلام لهم : إنكم أشركتم فجددوا إسلامكم فإنكم طلبتم مني ما لا يقدر عليه إلا الله .
أفيكون هؤلاء أعلم بالتوحيد وبما يخرج عن التوحيد من رسول الله وأصحابه ، هذا ما لا يتصوره جاهل فضلاً عن عالم .
________________________________________
وحكى القرآن المجيد قول نبي الله سليمان لأهل مجلسه من الجن والإنس : { يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .. فهو يطلب منهم الإتيان بالعرش العظيم من اليمن إلى موضعه بالشام على طريقة خارقة للعادة ليكون ذلك آية لصاحبته داعية إلى إيمانها .
ولما قال عفريت من الجن : { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } ، يعني في ساعات قليلة ، قال نبي الله عليه الصلاة والسلام : أريد أعجل من ذلك ، فقال الذي عنده علم من الكتاب وهو أحد الصديقين من أهل مجلسه من الإنس : { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } يعني قبل أن يرجع إليك طرفك إذا أرسلته ، فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك أريد فدعا الرجل فإذا بالعرش بين يديه .
فالإتيان بالعرش على هذه الطريقة هو مما لا يقدر عليه إلا الله وليس داخلاً تحت مقدور الإنس ولا الجن عادة وقد طلبه سليمان من أهل مجلسه ، وقال ذلك الصديق له : أنا أفعل ذلك ، أفكفر نبي الله سليمان بذلك الطلب وأشرك وليّ الله بهذا الجواب حاشاهما من ذلك ، وإنما إسناد الفعل في الكلامين على طريقة المجاز العقلي ، وهو سائغ بل شائع .
وكشف الخفاء عن هذا اللبس إن كان ثم خفاء هو أن الناس إنما يطلبون منهم التشفع إلى الله في ذلك وهو مما أقدرهم الله عليه ، وملكهم إياهم ، فالقائل يا نبي الله إشفني أو اقض ديني ، فإنما يريد إشفع لي في الشفاء وادع لي بقضاء ديني وتوجه إلى الله في شأني فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من الدعاء والتشفع .
________________________________________
وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك وندين الله على هذا فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به كقوله سبحانه وتعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ } ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم)) ..
وهو في كلام الله ورسوله والخاصة والعامة كثير جداً وليس فيه محذور فإن صدوره من الموحدين قرينة على مرادهم وليس فيه شيء من سوء الأدب ، وقد فصلنا هذه الحقيقة في مبحث خاص بها من هذا الكتاب .
إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله
[هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً] .
وهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه ، إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقاً من كل وجه وبأي طريق إلا بالله ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج من الملة ، وهو بهذا ينفي الأخذ بالأسباب والاستعانة بها ويهدم كثيراً من النصوص الواردة في هذا الباب .
والحق أن هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله كما يفيده ظاهر لفظه ، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن أن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله ، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله ، فالمعنى : وإذا أردت الاستعانة بأحد من المخلوقين ، ولابد لك منها فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب جل جلاله ، ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض ، وهم عن الذي ربط بينها غافلون .
________________________________________
وقد أومأ هذا الحديث نفسه إلى هذا المعنى ، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام عقب هذه الجملة الشريفة : ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)) فأثبت لهم كما نرى نفعاً وضراً بما كتبه الله للعبد أو عليه .
فهذا منه – صلى الله عليه وسلم – يوضح مراده .
وكيف ننكر الاستعانة بغيره ، وقد جاء الأمر بها في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة ، قال تعالى : { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } ، وقال : { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } .
وحكي عن العبد الصالح ذي القرنين قوله : { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } ، وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض ، وكذا في أمره تعالى المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم .
وكذا في ترغيبه عليه الصلاة والسلام للمؤمنين في قضاء حوائج بعضهم بعضاً ، والتيسير على المعسر والتفريج عن المكروب ، وفي ترهيبه من إهمال ذلك ، وهو في السنة كثير ، روى الشيخان : من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته .
وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عنه عليه الصلاة والسلام : ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) . وقال – صلى الله عليه وسلم – :
((إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله)) .
فانظر إلى قوله – صلى الله عليه وسلم – :
((يفزع إليهم في حوائجهم)) ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين ..
وروي أيضاً مرفوعاً :
((إن لله عند أقوام نعما أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم ، فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم)) ..
وروى هو وابن أبي الدنيا عنه – صلى الله عليه وسلم – :
((إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد ، يقرهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم)) ..
________________________________________
قال الحافظ المنذري : ولو قيل بتحسين سنده لكان ممكناً . وقال – صلى الله عليه وسلم – :
((لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته – وأشار باصبعه – أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين)) ..
رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .
] ] ]
وإذا سألت فاسأل الله
أما قوله صلى الله عليه وسلم :
((وإذا سألت فاسأل الله)) ..
فإنه لا مستمسك فيه ولا دليل لمنع السؤال أو التوسل ، ومن فهم من ظاهره منع السؤال من الغير مطلقاً أو منع التوسل بالغير على الإطلاق فقد أخطأ الطريق وغالط نفسه كل المغالطة وذلك لأن من اتخذ الأنبياء والصالحين وسيلة إلى الله ، لجلب خير منه عز وجل أو دفع خير كذلك ، فهو ليس إلا سائلاً الله وحده أن ييسر له ما طلب أو يصرف عنه ما شاء متوسلاً إليه بمن توسل به ، وهو في ذلك آخذ بالسبب الذي وضعه الله لينجح العبيد في قضاء حوائجهم منه عز وجل ، ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه فقول القائل : يا رسول الله أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي ، فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهو كقوله : ادع لي بكذا واشفع لي في كذا ، لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك ، ومثلهما في ذلك أوضح قول المتوسل : اللهم إني أسألك بنبيك تيسير كذا مما ينفع أو دفع كذا من الشر ، فالمتوسل في ذلك كله ما سأل في حاجته إلا الله عز وجل .
وبهذا تعلم أن الاحتجاج على منع التوسل بقوله عليه الصلاة والسلام :
((إذا سألت فاسأل الله)) ..
________________________________________
هو مغالطة في حمل الحديث على ما هو ظاهر الفساد ، من أنه لا يصح لأحد أن يسأل غير الله شيئاً ، فإن من فهم هذا من الحديث فقد أخطأ الخطأ كله ويكفي في بيان الخطأ ، أن الحديث نفسه ، إنما هو جواب منه عليه الصلاة والسلام لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يسأله فإنه قال : يا غلام ! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ، فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا ؟
قال ابن عباس : بلى ، فأجابه عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الذي منه هذه الجملة .
ولو جرينا على هذا الوهم ، ما صح على مقتضاه ، أن يسأل جاهل عالماً ، ولا واقع في مهلكة غوثاً ، ممن تتوقف نجاته على إغاثته ، ولا دائن مديناً قضاء ما عليه ، ولا مستقرض قرضاً ، ولما صح للناس يوم القيامة أن يسألوا النبيين الشفاعة ولا صح لنبي الله عيسى أن يأمرهم بسؤالها سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ، فإن الدليل على هذا الوهم الذي توهموه عام ، يشمل عدم صحة ما ذكرناه وما لم نذكره .
فإن قالوا : إن الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين ، وقد سبق رد هذا الوهم مبسوطاً ، وإجماله : إنهم أحياء قادرون على الشفاعة والدعاء ، وحياتهم حياة برزخية لائقة بمقامهم يصح بها نفعهم بالدعاء والاستغفار ، والمنكر لذلك أخف أحواله أنه جاهل بما كاد يلحق بالتواتر من سنته عليه الصلاة والسلام ، الدال على أن موتى المؤمنين لهم في حياتهم البرزخية العلم والسماع والقدرة على الدعاء وما شاء الله من التصرفات فما الظن بأكابر أهل البرزخ من النبيين وسائر الصالحين .
________________________________________
وفي حديث الإسراء الصحيح بل المشهور – ما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع خيرهم محمد – صلى الله عليه وسلم – من الصلاة خلفه والخطب بين يديه – والدعاء له في السماوات – حتى أن الأمة ما ظفرت بتخفيف خمسين صلاة – إلى خمس في كل يوم وليلة بشفاعته – صلى الله عليه وسلم – المتعددة – إلا بعد إشارة كليم الله موسى بن عمران بها عليه ، صلى الله عليهما وسلم .
وبهذا يتبين أن المقصود من الحديث – ليس ما توهموه فإنه فاسد واضح الفساد كما تبين ، وإنما المقصود منه الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعاً فيها ، والقناعة بما يسر الله ولو كان قليلاً ، والتعفف عما لا تدعو إليه الحاجة مما بأيدي الناس ، وأن يستغني بسؤال الله من فضله فإنه يحب الملحين في الدعاء – والناس على العكس .
الله يغضب إن تركت سؤاله :: وبني آدم حين يسأل يغضب
فالمعنى – إنك إذا رأيت في يد أحد من المال ما أعجبك وطمحت إليه نفسك فلا تسأله ما في يده واستعن بسؤال الله من فضله – عن سؤال عبده فالحديث إرشاد إلى القناعة ، والتنزه عن الطمح ، وأين هذا من سؤال الله بأنبيائه وأوليائه أو سؤال أنبيائه الشفاعة للسائلين فيما جعل الله شفاعتهم فيه الذي هو من أقوى الأسباب في النجاح ، ولكن الإنسان إذا ركب الهوى شط به في مجال الأوهام ، وخرج به عن جادة الأفهام .
} { } { } { } {
} { } { } {
} { } {
} {
?
?
إنه لا يستغاث بي
جاء في الحديث إنه كان في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر الصديق : قوموا بنا لنستغيث برسول الله – صلى الله عليه وسلم – من هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله))..
رواه الطبراني في معجمه الكبير .
________________________________________
وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بمنع الاستغاثة به – صلى الله عليه وسلم – ، وهذا استدلال باطل من أصله وذلك لأنه لو أجراه على ظاهره لكان المقصود به منع الاستغاثة به – صلى الله عليه وسلم – مطلقاً ، كما هو ظاهر اللفظ ، وهذا منقوض بفعل الصحابة معه – صلى الله عليه وسلم – إذ كانوا يستغيثون ويستسقون به ويطلبون منه الدعاء وهو يستجيب لذلك بفرح وسرور وحينئذ فلابد من تأويله بما يناسب عمومات الأحاديث لينتظم شمل النصوص فنقول : إن المراد بقوله ذلك هو إثبات حقيقة التوحيد في أصل الاعتقاد وهو أن المغيث حقيقة هو الله تعالى والعبد ما هو إلا واسطة في ذلك أو أنه أراد أن يعلمهم أنه لا يطلب من العبد ما لا يقدر عليه كالفوز بالجنة والنجاة من النار والهداية التي هي العصمة من الغواية وضمان الختم على السعادة .
والحديث لا يدل على تخصيص الاستعانة والإغاثة بالحي دون الميت ولا يمت بصلة إلى هذا التفريق بل إن ظاهره يمنع الاستغاثة أبداً بما سوى الله دون تفريق بين حي وميت وهذا غير مقصود لما قدمناه .
وقد أشار الشيخ ابن تيمية في الفتاوى إلى نحو هذا المعنى حيث قال : قد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه ، كما روى الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر الصديق : قوموا بنا لنستغيث برسول الله – صلى الله عليه وسلم – من هذا المنافق ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله)) ..
________________________________________
فهذا إنما أراد به النبي – صلى الله عليه وسلم – المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به كما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال : ربما تذكرت الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – يستسقى فما ينزل حتى يجيش له ميزاب :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه :: ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ألفاظ مستعملة وردت في هذا الباب
وقد وردت ألفاظ في مدح النبي – صلى الله عليه وسلم – حصل بسببها اللبس عند بعضهم فحكم بالكفر على قائليها وذلك كقولهم : ليس لنا ملاذ سوى النبي – صلى الله عليه وسلم – .
ولا جاء إلا هو ..
وأنا مستجير به ..
وإليه يفزع في المصائب
وإن توقفت فمن أسأل
ومقصودهم ليس لنا ملاذ أي من الخلق ، ولا رجاء أي من البشر ، وإليه يفزع في المصائب أي من سائر الخلق لكرامته عند مولاه وليقوم هو بالتوجه إلى الله والطلب منه وإن توقفت فمن أسال أي من عباد الله .
ومع أننا في دعائنا وتوسلنا لا نستعمل مثل هذه الألفاظ ولا ندعو إليها ولا نحث عليها دفعاً للإيهام وابتعاداً عن الألفاظ المختلف فيها وتمسكاً بالظاهر الذي لا خلاف فيه إلا أننا نرى أن الحكم على قائليها بالكفر تسرع ليس بمحمود وتصرف لا حكمة فيه وذلك لأنه لابد من أن نأخذ في الاعتبار أن قائليها هم من الموحدين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيمون الصلاة ويصدقون بجميع أركان الدين ويؤمنون بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبذلك صارت لهم ذمة أهل الدين وحرمة الإسلام ، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من صلى صلاتنا وأسلم واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) ..
رواه البخاري .
________________________________________
ومن هنا فإن الواجب علينا أننا إذا وجدنا في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله سبحانه وتعالى فإنه يجب حمله على المجاز العقلي ولا سبيل إلى تكفيرهم إذ المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة فصدور ذلك الإسناد من موحد كاف في جعله إسناداً مجازياً لأن الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الله هو الخالق للعباد وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد بخلاف من اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك وليس في المسلمين إطلاقاً من يعتقد لأحد مع الله فعل أو ترك أو رزق أو إحياء أو إماتة وما جاء من الألفاظ الموهمة فإن مقصود أصحابها هو الاستشفاع إلى الله بتلك الوسيلة فالمقصود هو الله سبحانه وتعالى وليس من المسلمين رجل واحد يعتقد فيمن يطلبه أو يسأله أنه قادر على الفعل والترك دون التفات إلى الله تعالى من قريب أو بعيد أو مع التفات هو أدنى إلى الشرك بالله ونعوذ بالله أن نرمي مسلماً بشرك أو كفر من أجل خطأ أو جهل أو نسيان أو اجتهاد([16]) .
ونحن نقول : إن كان كثير من هؤلاء يخطئون في التعبير بطلب المغفرة والجنة والشفاء والنجاح وسؤالهم ذلك من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مباشرة فإنه لا يخطئهم التوحيد ، لأن المقصود هو الاستشفاع إلى الله بتلك الوسيلة فكأنه يقول : يا رسول الله ! اسأل الله أن يغفر لي وأن يرحمني ، وأنا أتوسل بك إليه في قضاء حاجتي وتفريج كربتي وتحقيق رغبتي .
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستعينون به صلى الله عليه وسلم ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز ، كما ذكرناه .
ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك بنفسه استقلاًلاً بذاته أو بقوته ، وإنما هو بإذن الله وأمره وقدرته وهو عبد مأمور له مقامه وجاهه عند ربه ، وله كرامته التي يدخل بها على الله عامة البشر ممن يؤمنون به ويصدقون برسالته ويعتقدون فضله وكرامته .
________________________________________
ونحن نعتقد أن من اعتقد خلاف هذا فقد أشرك بلا خلاف .
ولذلك تراه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ينبه على هذا إذا ظهر له بطريق الوحي أو الحال أن السائل أو السامع ناقص الاعتقاد ففي موقف يخبر أنه سيد ولد آدم ، وفي موقف آخر ينبههم على أن السيد هو الله ، وفي موقف يستغيثون به ويعلمهم أن يتوسلوا به ، وفي موقف يقول لهم : إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي ، وفي موقف يسألونه ويستغيثون به فيجيبهم إلى طلبهم ، بل ويخيرهم بين أمرين ، الصبر على البلاء مع ضمانة الجنة أو كشف البلاء سريعاً كما خير الأعمى وخير المرأة التي تصرع ، وخير قتادة الذي ذهبت عينه ، وفي موقف يقول : من فرج عن مؤمن كربة .. وفي موقف يقول : لا يأتي بالخيرات إلا الله .
وبهذا يظهر لك أن عقيدتنا بحمد الله أصفى عقيدة وأطهر ، فالعبد لا يفعل شيئاً بنفسه مهما كانت رتبته أو درجته حتى أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم ، إنما يعطي ويمنع ويضر وينفع ويجيب ويعين بالله سبحانه وتعالى .
فإذا استغيث به أو استعين أو طلب فإنما يتوجه إلى المولى جل شأنه سبحانه وتعالى ، فيطلب ويدعو ويسأل ويشفع فيجاب ويشفع .
وما كان يقول لهم : لا تطلبوا مني شيئاً ولا تسألوني ولا تشكوا حالكم إليَّ بل توجهوا إلى الله واسألوه فبابه مفتوح وهو قريب مجيب لا يحتاج إلى أحد ، وليس بينه وبين خلقه حجاب ولا بواب .
] ] ]
موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هذه الألفاظ التي زعموا أنها شرك أو ضلال
________________________________________
وللشيخ محمد بن عبد الوهاب موقف عظيم ورأي حكيم في هذا الباب وخصوصاً بالنسبة لبعض الألفاظ المشتهرة على الألسنة ، والتي زعم من يدعي حماية التوحيد والغيرة عليه أنه شرك ، وإن قائلها مشرك – وها هو إمام التوحيد ورأس الموحدين يقول : كلمته السديدة بحكمته الرشيدة التي بسببها انتشرت دعوته بين الأنام واشتهرت طريقته عند الخاص والعام ، استمع إلى قوله رحمه الله في عقيدته ضمن رسالته رحمه الله إلى عبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة :
إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها : ما هو من البهتان الظاهر ، وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب ، وقوله : إني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وقوله : إني أدعي الاجتهاد ، وقوله إني خارج عن التقليد ، وقوله : إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله : ياأكرم الخلق ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أقول : لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله : إني أنكر زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم ، وإني أكفر من يحلف بغير الله ، فهذه اثنتا عشرة مسألة ، جوابي فيها أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ، ولكن قبله من بهت النبي محمداً – صلى الله عليه وسلم – أنه يسب عيسى ابن مريم ، ويسب الصالحين ، { تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } .
كذا في الرسالة الحادية عشرة من رسائل الشيخ ضمن مجموعة مؤلفاته القسم الخامس ص 61 .
وقد نشرتها جامعة محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب .
الخلاصة
________________________________________
والحاصل أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى ، والتفرقة بين الأحياء والأموات لا معنى لها فإنه من اعتقد الإيجاد لغير الله كفر على خلاف للمعتزلة في خلق الأفعال ، وإن اعتقد التسبب والاكتساب لم يكفر .
وأنت تعلم أن غاية ما يعتقد الناس في الأموات هو أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء لا أنهم خالقون موجدون كالإله إذ لا يعقل أن يعتقد فيهم الناس أكثر من الأحياء وهم لا يعتقدون في الأحياء إلا الكسب والتسبب ، فإذا كان هناك غلط فليكن في اعتقاد التسبب والاكتساب لأن هذا هو غاية ما يعتقده المؤمن في المخلوق وإلا لم يكن مؤمناً والغلط في ذلك ليس كفراً ولا شركاً .
ولا نزال نكرر على مسامعك أنه لا يعقل أن يعتقد في الميت أكثر مما يعتقد في الحي فيثبت الأفعال للحي على سبيل التسبب ، ويثبتها للميت على سبيل التأثير الذاتي والإيجاد الحقيقي فإنه لا شك أن هذا مما لا يعقل .
فغاية أمر هذا المستغيث بالميت – بعد كل تنزل – أن يكون كمن يطلب العون من المقعد غير عالم أنه مقعد ، ومن يستطيع أن يقول : إن ذلك شرك ؟ على أن التسبب مقدور للميت وفي إمكانه أن يكتسبه كالحي بالدعاء لنا فإن الأرواح تدعوا لأقاربهم .
وجاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم إلى ما هديتنا ، أخرجه أحمد وله طرق يشد بعضها بعضاً ، أنظر الفتح الرباني ترتيب المسند ج7 ص89 وشرح الصدور للسيوطي .
وجاء عن ابن المبارك بسنده إلى أبي أيوب ، قال : تعرض أعمال الأحياء على الموتى ، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا ، وإن رأوا سوءاً قالوا : اللهم راجع بهم . (أنظر كتاب الروح لابن القيم) .
الباب الثاني
مبَاحث نبويّة
وفيها بيان خصائص النبيّ صلى الله عليه وسَلم
وحقيقة النبوّة وحقيقة البشرية وحقيقة الحياة البرزخية
________________________________________
الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها
اعتنى العلماء بالخصائص النبوية اعتناء عظيماً بالتأليف والشرح والجمع والإفراد بالبحث وأشهرها وأجمعها ((الخصائص الكبرى)) للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي .
وهذه الخصائص كثيرة جداً منها ما صح سنده ومنها ما لم يصح ومنها ما هو مختلف فيه بين العلماء إذ يرى بعضهم أنه صحيح ويرى الآخرون خلاف ذلك فهي مسائل خلافية .
والكلام فيها دائر بين العلماء من قديم بين الصواب والخطأ والصحة والبطلان ، لا بين الكفر والإيمان ، والعلماء يختلفون في كثير من الأحاديث ويرد بعضهم على بعض في تصحيحها وتضعيفها أو ردها لاختلاف أنظارهم في تقييم أسانيدها ونقد رجالها ، فمن صحح منها الضعيف أو ضعف الصحيح أو أثبت المردود أو رد الثابت بحجة أو تأويل أو شبهة دليل فقد سلك مسلك العلماء في البحث والنظر ، وذلك من حقه كإنسان له عقله وفهمه والمجال مفتوح والميدان فسيح والعلم مشاع بين الجميع .
وقد شجع عليه إمام العقلاء وسيد العلماء النبي الأعظم والرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعل للمجتهد المصيب أجرين وللمجتهد المخطئ أجراً .
________________________________________
ولم يزل العلماء يتسامحون في نقل الخصائص النبوية وينظرون إليها على أنها داخلة في فضائل الأعمال ولا تتعلق بالحلال والحرام وعلى هذا بنى العلماء قاعدتهم في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ما دام أنه ليس موضوعاً ولا باطلاً بشروطهم المعتبرة في هذا الباب ولا يشترطون فيها الصحيح بالمعنى المصطلح عليه ، ولو ذهبنا إلى اشتراط هذا الشرط الشاذ لما أمكن لنا ذكر شيء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعد البعثة مع أنك تجد كتب الحفاظ الذين عليهم العمدة وعلى صنيعهم المعول ، والذين منهم عرفنا ما يجوز وما لا يجوز ذكره من الحديث الضعيف نجد كتبهم مملوءة بالمقطوعات والمراسيل وما أخذ عن الكهان وأشباههم في خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ذلك مما يجوز ذكره في هذا المقام .
كتب السلف والخصائص :
ولو رجعنا إلى كتب السلف لوجدنا كثيراً من علماء الأمة وأئمة الفقه يذكرون في كتبهم جملة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وينقلون من هذه الخصائص عجائب وغرائب ولو توقف الباحث في قبولها على صحة سندها لما صفا له من ذلك إلا نزر يسير بالنسبة لمقدار ما نقوله منها ، وهذا كله اعتماداً على ما هو معروف من قواعد العلماء وأصولهم المقررة في هذا الباب .
] ] ]
ابن تيمية والخصائص النبوية
________________________________________
أما الشيخ ابن تيمية وهو معروف بتشدده فقد نقل في كتبه بعض الأقوال في هذا الموضوع التي لم يصح سندها واستشهد بها في كثير من المسائل واعتبرها معتمدة في بيان أو تأييد ما يفسره من الحديث ، ومن ذلك على سبيل المثال قوله في الفتاوى الكبرى : قد روي أن الله كتب اسمه أي النبي – صلى الله عليه وسلم – على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق ، وروى في ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حين قال : وقد تقدم لفظ الحديث الذي في المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له : متى كنت نبياً ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد ، وقد رواه أبو الحسين بن بشران من طريق الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في الوفا بفضل المصطفى – صلى الله عليه وسلم – : حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو وحدثنا أحمد بن إسحاق ابن صالح حدثنا محمد بن صالح حدثنا محمد بن سنان العوفى حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد الله بن سفيان عن ميسرة قال : قلت : يا رسول الله ! متى كنت نبياً ؟ قال :
((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء ، وخلق الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد ، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله أنه سيد ولدك ، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه)) .. اهـ .
(الفتاوى ج2 ص151)
ابن تيمية والكرامات :
والخصائص والكرامات من جنس واحد من ناحية الحكم عليها ونقلها وعدم التشدد فيها مكا نتشدد في نقل الأحكام من الحلال والحرام فهي كلها تدور في فلك المناقب والفضائل .
ومن هنا كان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من كرامات الأولياء نفس موقفه من خصائص الأنبياء .
وقد نقل في كتبه جملة صالحة من الكرامات وخوارق العادات التي وقعت في الصدر الأول .
________________________________________
ولو بحثنا عن درجاتها وأسانيدها وطريق ثبوتها لوجدنا أن منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود ومنها المنكر ومنها الشاذ .
وكل ذلك في هذا الباب مقبول وعن العلماء محمول ومنقول فمن ذلك قوله في كرامات لبعض الصحابة – رضي الله عنهم :
1- خرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها .
2- وهذا سفينة مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده .
3- وهذا البراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه وكانت الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون : يا براء ! اقسم على ربك ، فيقول : يا رب ! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فهزم العدو ، فلما كان يوم القادسية قال : أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد ، فمنحوا أكتافهم ، وقتل البراء شهيداً.
4- وهذا خالد بن الوليد حاصر حصناً منيعاً فقالوا : لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره .
5- وهذا عمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً يسمى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل ، فقدم رسول الجيش فسأل فقال : يا أمير المؤمنين لقينا عدو فهزمونا فإذا بصائح : يا سارية الجبل ، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله .
________________________________________
6- وهذا العلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على البحرين وكان يقول في دعائه : يا عليم ، يا حليم ، يا علي ، يا عظيم فيستجاب له ، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضوا لما عدموا الماء والاسقاء لما بعدهم فأجيب ، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا على الماء ما ابتلت سروج خيولهم ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات ، فلم يجدوه في اللحد .
7- وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار ، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال : هل تفقدون من متاعكم شيئاً حتى أدعو الله عز وجل فيه ؟ فقال بعضهم : فقدت مخلاة ، فقال : اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع ، قال : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً ، وقدم المدينة بعد موت النبي – صلى الله عليه وسلم – فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما ، وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله ، ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره وخببت([17]) امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت ، وجاءت وتابت فدعا لها الله فرد عليها بصرها .
8- وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أوقات الصلوات ، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره .
9- وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوماً في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم.
________________________________________
10- وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته ، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط . اهـ .
(من الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية ج11 ص281)
الشيخ ابن القيم وجلوس النبي – صلى الله عليه وسلم – على العرش(8[18])
وقد نقل الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن القيم خصوصية عجيبة غريبة وعزاها إلى كثير من أئمة السلف رضي الله عنهم – وهي قوله :
[ فائدة ] قال القاضي صنف المروزي كتاباً في فضيلة النبي – صلى الله عليه وسلم – وذكر فيه إقعاده على العرش قال القاضي : وهو قول أبي داود وأحمد بن أصرم ويحيى ابن أبي طالب وابي بكر بن حماد وأبي جعفر الدمشقي وعياش الدوري وأسحاق ابن راهويه وعبد الوهاب الوراق وإبراهيم الأصبهاني وإبراهيم الحربي وهارون ابن معروف ومحمد بن إسماعيل السلمي ومحمد بن مصعب العابد وأبي بكر بن صدقة ومحمد بن بشر ابن شريك وأبي قلابة وعلي ابن سهل وأبي عبد الله بن عبد النور وأبي عبيد والحسن ابن فضل وهارون بن العباس الهاشمي وإسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد ومحمد بن يونس البصري وعبد الله بن الإمام أحمد المروزي وبشر الحافي ، انتهى ، قال الشيخ ابن القيم : [ قلت ] : وهو قول ابن جرير الطبري وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه :
حديث الشفاعة عن أحمد إلى أحمد المصطفى مسنده
وجاء حديث بإقعاده على العرش أيضاً فلا نجحده
أمرّوا الحديث على وجهه ولا تدخلوا فيه ما يفسده
ولا تنكروا أنه قاعد ولا تنكروا أنه يُقعده
اهـ (بدائع الفوائد للشيخ ابن القيم ج4 ص40).
كشاف القناع وخصائص عجيبة
ذكر الفقيه العلامة الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه ((كشاف القناع)) جملة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم قد يستغربها كثير ممن يقصر عقله عن فهم هذه الأصول واستيعاب تلك القواعد .
________________________________________
فمنها قوله : والنجس منا طاهر منه – صلى الله عليه وسلم – ومن سائر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ، ويجوز أن يستشفى ببوله ودمه لما رواه الدارقطني أن أم أيمن شربت بوله ، فقال : [إذن لا تلج النار بطنك] ، لكنه ضعيف ، ولما رواه ابن حبان في الضعفاء [إن غلاماً حجم النبي – صلى الله عليه وسلم – فلما فرغ من حجامته شرب دمه ، فقال : ويحك ما صنعت بالدم ؟ قال : غيبته في بطني ، قال : [اذهب فقد أحرزت نفسك من النار] . قال الحافظ ابن حجر : وكان السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه .
ومنها قوله : ولم يكن له – صلى الله عليه وسلم – [فيء] أي ظل [في الشمس والقمر لأنه نوراني والظل نوع ظلمة] . ذكره ابن عقيل وغيره ، ويشهد له أنه سأل الله أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نوراً وختم بقوله واجعلني نوراً ، [وكانت الأرض تجتذب أثقاله] للأخبار.
ومنها قوله : المقام المحمود جلوسه – صلى الله عليه وسلم – على العرش ، وعن عبد الله بن سلام على الكرسي ذكرهما البغوي .
وقوله : إنه كان لا يتثاءب .
وأنه عرض عليه الخلق من آدم إلى من بعده كما علم آدم أسماء كل شيء لحديث الديلمي : [مثلت لي الدنيا بالماء والطين فعلمت الأشياء كلها] ، وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم لحديث الطبراني : [عرضت عليَّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها صُوِّروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه] ، وعرض عليه أيضاً ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة لحديث أحمد وغيره [أدريت ما تلقى أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض] .
ومنها قوله : [وزيارة قبره مستحبة للرجال والنساء] لعموم ما روى الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : [من حج وزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي] اهـ (كشاف القناع ج5 ص30) طبع بأمر الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود – رحمه الله .
________________________________________
فهذه الخصائص التي ذكروها ونقلوها منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما لادليل له أصلاً .
فلا أدري ماذا يقول المعترض في هذه الخصائص التي نقلها كبار الأئمة من أهل السنة ولم يعترضوا عليها بشيء وسلموها وتسامحوا في نقلها اعتماداً على قاعدة التسامح في نقل الفضائل مع أن في هذه الخصائص من الأقوال ما لو سمعه المعترض أو المنكر لحكم على قائله بما هو أعظم من الكفر وأين ما نقلناه بجانب من قال : إن سيدنا محمداً – صلى الله عليه وسلم – يجلسه الله يوم القيامة على عرشه كما نقله الإمام الشيخ ابن القيم عن كبار أئمة السلف في كتابه المعروف [ بدائع الفوائد ] بلا برهان ولا دليل صحيح من كتاب ولا سنة ، وأين ما نقلناه من الخصائص بجانب ما جاء في كشاف القناع من أن النبي نور وأنه لا ظل له وأن ما يخرج منه من الغائط تبتلعه الأرض فلا يبقى شيء منه على وجه الأرض ، وأين ما نقلناه من الخصائص بجانب ما نقله الشيخ ابن تيمية من الخصائص كقوله : إن اسمه – صلى الله عليه وسلم – مكتوب على ساق العرش وعلى أوراق الجنة وأشجارها وأبوابها وثمارها وقبابها ، فأين المعلقون والمحققون كيف فاتت عليهم هذه المسائل دون نقد وتمحيص .
] ] ]
الجنة تحت أقدام الأمهات فكيف لا تكون تحت
أمر النبي – صلى الله عليه وسلم -
________________________________________
ومن الخصائص النبوية التي جرى فيها البحث بين أهل العلم ما جاء من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقطع أرض الجنة ، وقد ذكر هذه الخصوصية الحافظ السيوطي والقسطلاني والزرقاني في شرحه على المواهب اللدنيّة ، ومعلوم أن هذا الإقطاع لا يكون إلا لمن يستحقه من أهل التوحيد وبإذن من الله سبحانه وتعالى إما من طريق الوحي أو الإلهام أو التفويض من الله سبحانه وتعالى ، وقد أشار إلى ذلك – صلى الله عليه وسلم – بقوله : إنما أنا قاسم والله معطي . وإذا صح التعبير بأن الجنة تحت أقدام الأمهات ، فكيف لا يصح التعبير أن الجنة تحت أمره – صلى الله عليه وسلم – بل تحت قدمه ، والمعنى واحد ومعروف عند أدنى طلاب العلم معرفة فهو تعبير مجازي المقصود منه أن الوصول إلى الجنة هو من طريق بر الوالدين وخدمتهما وخصوصاً الأم ، وهو بالنسبة للنبي – صلى الله عليه وسلم – من حيث طاعته ومحبته وموالاته .
ولهذه الخصوصية أمثال كثيرة تشهد لصحتها سنذكر أهمها .
النبي – صلى الله عليه وسلم – يضمن الجنة :
ويأتي في معنى إقطاع أرض الجنة ضمانة النبي – صلى الله عليه وسلم – الجنة لبعضهم ، وهذا ما حصل لأهل بيعة العقبة ، فعن عبادة بن الصامت قال : كنت ممن حضر العقبة الأولى وفيه فبايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان عظيم نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، قال : فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. ذكره ابن كثير في باب بدء إسلام الأنصار (السيرة ج2 ص176).
________________________________________
وجاء في الصحيح التصريح بأن تلك البيعة مشروطة بالجنة ، قال عبادة ابن الصامت : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننهب بالجنة إن فعلنا ذلك([19]). رواه البخاري في كتاب ( مناقب الأنصار باب بيعة العقبة ) . وفي رواية : إنه – صلى الله عليه وسلم – قال : فمن وفى فله الجنة . كذا في البداية (ج3 ص150) .
وعن قتادة أنهم قالوا : يا رسول الله ! فما لنا بذلك إن وفينا ؟ قال : الجنة اهـ
(البداية ج3 ص162)
وعن ابن مسعود أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليّ)) ..
رواه الطبراني أنظر (كنز العمال ج1 ص63) ومجمع الزوائد (ج6 ص47).
وعن عتبة بن عمرو الأنصاري أنه – صلى الله عليه وسلم – قال :
((فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليّ)) ..
رواه ابن أبي شيبة وابن عساكر – أنظر كنز العمال (ج1 ص67) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
((إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أعطاه نعليه ، فقال له : اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة)) ..
رواه مسلم في كتاب الإيمان .
صكوك لدخول الجنة بيده – صلى الله عليه وسلم -
وروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال :
________________________________________
((قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : يوضع للأنبياء منابر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه ، أو قال : لا أقعد عليه ، قائماً بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعد ، فأقول : يا رب ! أمتي أمتي ، فيقول الله عز وجل : يا محمد ! ما تريد أن أصنع بأمتك ؟ فأقول : يا رب عجل حسابهم ، فيدعى بهم فيحاسبون ، فمنهم من يدخل الجنة برحمته ، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكاً برجال قد بعث بهم إلى النار حتى إن مالكاً خازن النار ليقول : يا محمد ! ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة)) ..
رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في البعث . قال المنذري : وليس في رواته متروك .
النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الجنة :
جاء في رواية عن جابر رضي الله عنه إنه قال : فقلنا فعلام نبايعك ؟ فقال :
((على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكم الجنة)) .. الحديث .
قال الحافظ ابن حجر : ولأحمد من وجه آخر عن جابر قال : كان العباس آخذاً بيد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلما فرغنا قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((أخذت وأعطيت)) .. اهـ (فتح الباري ج7 ص223) ، رواه أحمد [مجمع الزوائد ج6 ص48] أي أخذت البيعة وأعطيت الجنة .
قلت : وقد جاء في رواية أخرى التصريح بما هو أبلغ من ذلك قال جابر : إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لهم : تبايعوني على السمع والطاعة إلى أن قال : ولكم الجنة ، قال : فقالوا : والله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها أبداً فبايعناه فأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة . قال الهيثمي روى أصحاب السنن طرفاً منه ، رواه أحمد والبزار ، ورجال أحمد رجال الصحيح اهـ . (مجمع الزوائد ج6 ص46) .
النبي – صلى الله عليه وسلم – يبيع الجنة وعثمان يشتريها :
________________________________________
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين بيع الحق حيث حفر بئر معونة وحيث جهز جيش العسرة . رواه الحاكم في مستدركه (ج3 ص107) وصححه .
وكل عاقل يدري أن الجنة لله سبحانه وتعالى لا يملكها أحد ولا يتصرف فيها أحد مهما كانت قيمته ودرجته لا ملك ولا نبي ولا رسول ولكن الله يمن على رسله ويعطيهم من المنح التي تميزهم عن غيرهم وذلك لكرامتهم عنده وعلو مقامهم لديه ، فتنسب إليهم تلك العطايا وتضاف إليهم تلك التصرفات على جهة التكريم والتعظيم والاحترام والتقديم ، ومن هذا المنطلق جاء التعبير في خصائص النبي – صلى الله عليه وسلم – من أنه يقطع أرض الجنة أو يضمن الجنة أو يبيع الجنة أو يبشر بالجنة مع أن الجنة لله سبحانه وتعالى لا يشك في ذلك ولا يرتاب إلا جاهل ليس عنده أدنى معرفة بأبسط مسائل العلم .
اللهم نور بصائرنا وافتح مسامع قلوبنا وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه .
ما هو المقصود بليلة المولد المفضلة :
________________________________________
ذكر بعض العلماء في الخصائص النبوية أن ليلة المولد النبوي أفضل من ليلة القدر وعقد مقارنة في هذا الموضوع بين الليلتين ، والذي نحب أن نذكره هنا هو أن المقصود بهذه الليلة هي الليلة التي وقع فيها الميلاد النبوي حقيقة وهي قد مضت منذ مئات السنين وهي كانت قبل أن تعرف أو تظهر ليلة القدر بلا شك وليس المقصود بذلك ليلة المولد المتكررة كل عام ، والتي هي نظائر ليلة الميلاد الحقيقي ، والحق أن البحث في هذه المسألة ليس بكبير فائدة ولا يترتب على إنكاره أو الإقرار به ضرر أو خطر ولا يعارض ذلك شيئاً من أصول العقيدة ، وقد بحث العلماء في مسائل حقيرة وألفوا فيها رسائل خاصة وهي لا تساوي شيئاً أمام هذه المسألة ، والحاصل أننا نعتقد أن هذه المفاضلة هي بين ليلة المولد الحقيقي ، وبين ليلة القدر ، وأن الليلة التي وقع فيها المولد النبوي والتي جرى فيها بحث المفاضلة والمقارنة قد مضت وانتهت ولا وجود لها اليوم ، أما ليلة القدر فهي موجودة ومتكررة في كل عام ولذلك فهي أفضل الليالي لقوله تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } .
والبحث في هذه المسألة وأمثالها جرى بين أئمة العلم وتكلم فيه كبار السلف ، فهذا الشيخ الإمام ابن تيمية يتكلم عن مسألة المقارنة بين ليلة القدر وليلة الإسراء ويبحث فيها بدقة وإتقان مع أنه لم يثبت أنه بحث فيها أو تكلم عنها أحد قبله من أئمة السلف وأهل القرون الأولى فضلاً عن الصحابة فضلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم .
فتوى ابن تيمية في الموضوع :
________________________________________
قال الإمام الشيخ ابن القيم : سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن رجل قال : ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر ، وقال آخر : بل ليلة القدر أفضل ، فأيهما مصيب ؟ فأجاب الحمد لله ، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر فإن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم – من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين وهو معلوم الفساد بالإطراد من دين الإسلام ، وإن أراد الليلة المعينة التي أسري فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة فهذا صحيح .
(انظر مقدمة زاد المعاد لابن القيم) .
] ] ]
لا تطروني
فهم بعض الناس من قوله – صلى الله عليه وسلم – : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم . النهي عن مدحه – صلى الله عليه وسلم – واعتبار ذلك من الإطراء والغلو المذموم المؤدي إلى الشرك وأن كل من مدحه – صلى الله عليه وسلم – ورفعه عن غيره من عامة البشر وأثنى عليه ووصفه بما يميزه عن غيره فقد ابتدع في الدين وخالف سنة سيد المرسلين .
وهذا فهم سيء ويدل على قصر نظر صاحبه وذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى أن يطرى كما أطرت النصارى ابن مريم إذ قالوا : ابن الله .
ومعنى ذلك أن من أطراه – صلى الله عليه وسلم – ووصفه بما وصف به النصارى نبيهم فقد صار مثلهم .
أما من مدحه ووصفه بما لا يخرجه عن حقيقة البشرية معتقداً أنه عبد الله ورسوله مبتعداً عن معتقد النصارى فإنه ولا شك من أكمل الناس توحيداً .
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم
فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم
________________________________________
لقد تولى الله سبحانه وتعالى بنفسه مدح نبيه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } وأمر بالأدب معه في الخطاب والجواب ، فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } ، ونهانا أن نعامله كما يعامل بعضنا بعضاً ، أو أن نناديه كما ينادي بعضنا بعضاً ، فقال :
{ لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً } ..
وذم الذين يسوّون بينه وبين غيره في المعاملة والأسلوب فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } .
وقد كان الصحابة الكرام يمتدحون النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فهذا حسان بن ثابت يقول :
أغرّ عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً يلوح كما لاح الصقيل المهند
فأنذرنا ناراً وبشر جنة وعلمنا الإسلام فلله نحمد
ويقول أيضاً :
يا ركن معتمد وعصمة لائذ وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيّره الإله لخلقه فحباه بالخلق الزكي الطاهر
أنت النبي وخير عصبة آدم يا من يجود كفيض بحر زاخر
ميكال معك وجبرئيل كلاهما مدد لنصرك من عزيز قادر
وهذه صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا براً ولم تك جافيا
وكنت رحيماً هادياً ومعلماً ليبك عليك اليوم من كان باكيا
صدقت وبلغت الرسالة صادقاً رمت صليب العود أبلج صافيا
فدىً لرسول الله أمي وخالتي وعمي وآبائي ونفسي وماليا
لعمرك ما أبكي النبي لفقده ولكن لما أخشى من الهرج آتيا
كأن على قلبي لذكر محمد وما خفت بعد النبي مطاوياً
________________________________________
فلو أن رب الناس أبقى نبينا سعدنا ولكن أمره كان ماضياً
عليك من الله السلام تحية وادخلت جنات من العدن راضيا
أفاطم صلى الله رب محمد على جدث أمسى بطيبة ثاوياً
وهذا كعب بن زهير يمدح النبي – صلى الله عليه وسلم – بقصيدته المعروفة التي مطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
قال :
أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عود السود التنابيل
وفي رواية أبي بكر ابن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله :
إن الرسول لنور يستضاء به :: مهند من سيوف الله مسلول
رمى – عليه الصلاة والسلام – إليه بردة كانت عليه ، وأن معاوية بذل له فيها عشرة آلاف ، فقال : ما كنت لأوثر برسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحداً ، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً فأخذها منهم .
وها هو – صلى الله عليه وسلم – يمدح نفسه بنفسه قال :
أنا خير أصحاب اليمين .
أنا خير السابقين .
أنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر .
(رواها الطبراني والبيهقي في الدلائل)
وقال : أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر
(رواه الترمذي والدارمي)
وقال : ((لم يلتق أبواي على سفاح قط)) .
(رواه ابن عمر العدني في مسنده)
ويقول جبريل عليه السلام: ((قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم)) .
(رواه البيهقي وأبو نعيم والطبراني عن عائشة رضي الله عنها)
وعن أنس رضي الله عنه :
((أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أتى بالبراق ليلة أسري به فاستصعب عليه ، فقال له جبريل: بمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفضّ عرقاً)) ..
(رواه الشيخان)
وفي حديث أبي سعيد قال :
________________________________________
((قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)) ..
(رواه الترمذي وقال : حسن صحيح)
وعن أنس قال :
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ((أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا ، وأنا شفيعهم إذا حبسوا ، وأنا مبشرهم إذا يئسوا ، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ)) ..
((وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف على ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور)) ..
(رواه الترمذي والدارمي)
وعن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم على يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)) ..
(رواه الترمذي وقال : حسن صحيح)
] ] ]
الأنبياء بشر ولكن ..
يظن بعض الناس أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يساوون غيرهم من البشر في كل أحوالهم وأعراضهم ، وهذا خطأ واضح وجهل فاضح ترده الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة .
وهم وإن كانوا يشتركون مع جميع بني آدم في حقيقة الأصل التي هي البشرية من قوله جل ذكره : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } إلا أنهم يختلفون عنهم في كثير من الصفات والعوارض وإلا فما هي مزيتهم ؟ وكيف تظهر ثمرة اصطفائهم على غيرهم واجتبائهم على من سواهم .
وسنذكر في هذا المبحث شيئاً من صفاتهم في الدنيا وخصائصهم في البرزخ التي ثبتت لهم بنص الكتاب والسنة .
الأنبياء سادة البشر :
________________________________________
الأنبياء هم الصفوة المختارة من عباد الله شرّفهم الله بالنبوة وأعطاهم الحكمة ورزقهم قوة العقل وسداد الرأي واصطفاهم ليكونوا وسطاء بينه وبين خلقه يبلغونهم أوامر الله عز وجل ويحذرونهم غضبه وعقابه ويرشدونهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وقد اقتضت حكمة الله أن يكونوا من البشر ليتمكن الناس من الاجتماع بهم والأخذ عنهم والاتباع لهم في سلوكهم وأخلاقهم ، والبشرية هي عين إعجازهم فهم بشر من جنس البشر لكنهم متميزون عنهم بما لا يلحقهم به أحد ، ومن هنا كانت ملاحظة البشرية العادية المجردة فيهم دون غيرها هي نظرة جاهلية شركية .
فمن ذلك قول قوم نوح في حقه فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا } سورة هود : 27 ، ومن ذلك قول قوم موسى وعيسى في حقهما فيما حكاه الله عنهم إذ قال : { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } المؤمنون : 47 .
ومن ذلك قول أصحاب ثمود له فيما حكاه الله عنه بقووله : { مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } الشعراء : 154 .
ومن ذلك قول أصحاب الأيكة لنبيهم شعيب فيما حكاه الله عنهم بقوله : { قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ{185}وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ }
الشعراء : 185،186.
ومن ذلك قول المشركين في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد رأوه بعين البشرية المجردة فيما حكاه الله عنهم بقوله : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } .
صفات الأنبياء :
________________________________________
والأنبياء صلوات الله عليهم وإن كانوا من البشر يأكلون ويشربون ويصحون ويمرضون وينكحون النساء ويمشون في الأسواق وتعتريهم العوارض التي تمر على البشر من ضعف وشيخوخة وموت إلا أنهم يمتازون بخصائص ويتصفون بأوصاف عظيمة جليلة هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم ومن أهم الضروريات وهذه الصفات نلخصها فيما يلي :
1- الصدق .
2- التبليغ .
3- الأمانة .
4- الفطانة .
5- السلامة من العيوب المنفرة .
6- العصمة .
وليس هذا محل تفصيل هذه الصفات فقد تكفلت بها كتب التوحيد وسنذكر هنا بعض الصفات التي يتميز بها سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم عن عامة البشر .
يرى من خلفه كما يرى من أمامه :
أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
((هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى عليَّ ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم من وراء ظهري)) ..
وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال :
((أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من أمامي ومن خلفي)) ..
وأخرج عبد الرزاق في جامعه والحاكم وأبو نعيم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي)) ..
وأخرج أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إني أراكم من وراء ظهري)) ..
يرى ما لا نرى ويسمع ما لا نسمع :
عن أبي ذر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)) .
قال أبو ذر : يا ليتني كنت شجرة تعضد . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه .
إبطه الشريف صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
أخرج الشيخان عن أنس قال : ((رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه)) .
وأخرج ابن سعد عن جابر قال : ((كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا سجد يرى بياض إبطيه)). وقد ورد ذكر بياض إبطيه – صلى الله عليه وسلم – في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة.
قال المحب الطبري : من خصائصه – صلى الله عليه وسلم – أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره . وذكر القرطبي مثل ذلك وزاد وأنه لا شعر فيه .
حفظه صلى الله عليه وسلم من التثاؤب :
أخرج البخاري في التاريخ وابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد عن يزيد ابن الأصم قال : [ما تثاءب النبي - صلى الله عليه وسلم - قط] .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال : [ما تثاءب نبي قط] .
عرقه الشريف صلى الله عليه وسلم :
أخرج مسلم عن أنس قال : [دخل علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال([20]) عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فاستيقظ النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا أم سليم ! ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : عرق نجعله لطيبنا وهو أطيب الطيب].
وأخرج من وجه آخر عن أنس [أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يأتي أم سليم فيقيل(1) عندها فتبسط له نطعاً فيقيل عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير ، فقال : [يا أم سليم ! ما هذا] ؟ قالت : عرقك أدوف به طيبي].
طوله صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
أخرج ابن خثيمة في تاريخه والبيهقي وابن عساكر عن عائشة قالت : [لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد ، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده ، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما ، فإذا فارقاه نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الربعة – وذكر ابن سبع في الخصائص ذلك وزاد – أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين] .
ظله صلى الله عليه وسلم :
أخرج الحكيم الترمذي عن ذكوان أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يكن له ظل في شمس ولا قمر ، قال ابن سبع : من خصائصه أن الظل كان لا يقع على الأرض ، وأنه كان نوراً إذا مشى في الشمس أو القمر لا ينظر له ظل ، قال بعضهم : ويشهد له حديث قوله – صلى الله عليه وسلم – في دعائه :
((واجعلني نورا)) ..
وذكر القاضي عياض في الشفاء والعزفيُّ في مولده : أن من خصائصه – صلى الله عليه وسلم – أنه كان لا ينزل عليه الذباب ، وذكره ابن سبع في الخصائص بلفظ : أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط ، وزاد أن من خصائصه أن القمل لم يكن يؤذيه .
دمه صلى الله عليه وسلم :
أخرج البزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يحتجم فلما فرغ ، قال : [يا عبد الله ! إذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه ، فلما رجع قال : يا عبد الله ! ما صنعت ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس ، قال : لعلك شربته ؟ قلت : نعم ، قال : [ويل للناس منك وويل لك من الناس ، فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم] .
نومه صلى الله عليه وسلم :
أخرج الشيخان عن عائشة قالت : يا رسول الله ! أتنام قبل أن توتر ؟ قال :
((يا عائشة ! إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي)) ..
________________________________________
وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((تنام عيني ولا ينام قلبي)) ..
وقال – صلى الله عليه وسلم – :
((الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)) ..
جماعه صلى الله عليه وسلم :
أخرج البخاري من طريق قتادة عن أنس قال : [كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة ، قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين] .
حفظه – صلى الله عليه وسلم – من الاحتلام :
أخرج الطبراني من طريق عكرمة عن أنس وابن عباس والدينوري في [المجالسة] من طريق مجاهد عن ابن عباس قال :
((ما احتلم نبي قط وإنما الاحتلام من الشيطان)) ..
بوله صلى الله عليه وسلم :
أخرج الحسن بن سفيان في مسنده وأبو يعلى والحاكم والدارقطني وأبو نعيم عن أم أيمن قالت : قام النبي – صلى الله عليه وسلم – من الليل إلى فخارة في جانب البيت ، فبال فيها ، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها فلما أصبح أخبرته فضحك وقال :
((إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبداً)) ..
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره ، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء ، فقال لامرأة يقال لها : بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح ؟ قالت : شربته ، قال : صحة يا أم يوسف ، وكانت تكنى أم يوسف ، فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه . قال ابن دحية : هذه قضية أخرى غير قضية أم أيمن ، وبركة أم يوسف غير بركة أم أيمن([21]).
خلاصة مفيدة :
وقد نظم بعضهم جملة من الخصائص التي تميز بها صلى الله عليه وسلم عن غيره من جهة الصفات البشرية العادية فقال :
خص نبينا بعشرة خصال لم يحتلم قط وما له ظلال
والأرض ما يخرج منه تبتلع كذلك الذباب عنه ممتنع
________________________________________
تنام عيناه وقلب لا ينام من خلفه يرى كما يرى أمام
لم يتثاءب قط وهي السابعة ولد مختوناً إليها تابعة
تعرفه الدواب حين يركب تأتي إليه سرعة لا تهرب
يعلو جلوسه جلوس الجلسا صلى عليه الله صبحا ومسا
وقد ذكرنا في (مباحث نبوية) من الباب الثاني بعض الخصائص النبوية وخلاصة ما نراه في ذلك ، وهو أن هذه الخصائص كثيرة جداً ، منها ما صح سنده ، ومنها ما لم يصح ، ومنها ما هو مختلف فيه بين العلماء إذ يرى بعضهم أنه صحيح ، ويرى الآخرون خلاف ذلك ، فهي مسائل خلافية .
والكلام فيها دائر بين العلماء من قديم بين الصواب والخطأ ، والصحة والبطلان ، لا بين الكفر والإيمان ، وقد نقلنا جملة نم هذه الخصائص التي منها ما هو صحيح ، ومنها ما هو ليس بصحيح ، ومنها المقبول ، ومنها غير ذلك .
نقلناها لتكون شواهد على ما ذكرناه من تسامح بعض أئمة الحديث في نقل ذلك دون تحقيق أو نقد ، وليس المقصود من ذلك الكلام حول صحتها وعدم صحتها ، أو ثبوتها وعدم ثبوتها . فتدبّر .
] ] ]
مفهوم التبرك
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التبرك بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وآثاره وآل بيته ووراثه من العلماء والأولياء رضي الله عنهم ، فيصفون كل من يسلك ذلك المسلك بالشرك والضلال كما هي عادتهم في كل جديد يضيق عنه نظرهم ويقصر عن إدراكه تفكيرهم .
وقبل أن نبين الأدلة والشواهد الناطقة بجواز ذلك ، بل بمشروعيته ينبغي أن نعلم أن التبرك ليس هو إلا توسلاً إلى الله سبحانه وتعالى بذلك المتبرَّك به سواء أكان أثراً أو مكاناً أو شخصاً .
أما الأعيان فلاعتقاد فضلها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع اعتقاد عجزها عن جلب خير أو دفع شر إلا بإذن الله .
وأما الآثار فلأنها منسوبة إلى تلك الأعيان فهي مشرفة بشرفها ومكرمة ومعظمة ومحبوبة لأجلها .
________________________________________
وأما الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة وإنما لما يحل فيها ويقع من خير وبر كالصلاة والصيام وجميع أنواع العبادات مما يقوم به عباد الله الصالحون ، إذ تتنزل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتغشاها السكينة وهذه هي البركة التي تطلب من الله في الأماكن المقصود لذلك .
وهذه البركة تطلب بالتعرض لها في أماكنها بالتوجه إلى الله تعالى ودعائه واستغفاره وتذكر ما وقع في تلك الأماكن من حوادث عظيمة ومناسبات كريمة تحرك النفوس وتبعث فيها الهمة والنشاط للتشبه بأهلها أهل الفلاح والصلاح ، وإليك هذه النصوص المقتبسة من رسالتنا الخاصة في موضوع البركة .
التبرك بشعره وفضل وضوءه وبصاقه وعرقه :
1- عن جعفر بن عبد الله بن الحكم أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك ، فقال : أطلبوها ، فلم يجدوها – فقال : أطلبوها فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خلقة – أي ليست بجديدة ، فقال خالد : اعتمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره – فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة ، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر .
قال الحافظ الهيثمي : رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ، ورجالهما رجال الصحيح ، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة فلا أدري سمع من خالد أم لا (9/349) ، وذكره ابن حجر في المطالب العالية (ج4 ص90) ، وفيه يقول خالد : (فما وجهت في جهة إلا فتح لي) .
2- وعن مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعدي الخزرجي عن أبيه عن جده أبي أسيد وله بئر بالمدينة يقال لها : بئر بضاعة ، قد بصق فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – فهو يشربها ويتيمن بها . رواه الطبراني ورجاله ثقات .
وصف عروة بن مسعود حال الصحابة مع النبي – صلى الله عليه وسلم – :
________________________________________
3- قال الإمام البخاري بسنده : ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بعينه قال : فوالله ما تنخم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، فرجع عروة إلى أصحابه ، فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت([22]) ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – محمداً ، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له. رواه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد. (فتح الباري ج5 ص330).
تعليق الحافظ ابن حجر على هذه القصة :
وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة
ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة وبالغوا في ذلك إشارة منهم إلى الرد على ما خشيه من فرارهم ، وكأنهم قالوا بلسان الحال : من يحب إمامه هذه المحبة ويعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أنه يفر عنه ويسلمه لعدوه ؟ بل هم أشد اغتباطاً به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضاً بمجرد الرحم ، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ .
(كذا في فتح الباري ج5 ص341)
النبي – صلى الله عليه وسلم – يرشد إلى المحافظة على بقية وضوئه :
________________________________________
4- عن طلق بن علي قال : خرجنا وفداً إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا فاستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ثم صبه لنا في إداوة وأمرنا فقال لنا : [اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجداً] ، قلنا : إن البلد بعيد والحر شديد والماء ينشف ، فقال : [مدّوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً] .
رواه النسائي كذا في المشكاة (رقم 716) . وهذا الحديث من الأصول المعتبرة المشتهرة الدالة على مشروعية التبرك به وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه فإنه – صلى الله عليه وسلم – أخذ وضوءه ثم جعله في إناء ثم أمرهم أن يأخذوه معهم إجابة لطلبهم وتحقيقاً لمرادهم ، فلابد أن هناك سراً قوياً متمكناً في نفوسهم دفعهم إلى طلب هذا الماء بخصوصه ، والمدينة مملوءة بالمياه ، بل وبلادهم مملوءة بالماء فلم هذا التعب والتكلف في حمل قليل من الماء من بلد إلى بلد مع بعد المسافة وطول السفر وحرارة الشمس ؟ .
نعم كل ذلك لم يهمهم لأن المعنى الذي يحمله هذا الماء يهون عليهم كل مشقة ألا وهو التبرك به وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه وهو لا يوجد في بلدهم ولا يتوافر على كل حال عندهم ، بل ويتأكد تأييده لهم – صلى الله عليه وسلم – ورضاه عن فعلهم بجوابه لهم لما قالوا : إن الماء ينشف لشدة الحر إذ قال لهم : [مدوه من الماء] ، فبين لهم أن بركته التي حلت في الماء لا تزال باقية مهما زادوا فيه فهي مستمرة متصلة.
التبرك بشعره – صلى الله عليه وسلم – بعد موته :
5- عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبة قال : فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء . رواه البخاري في كتاب اللباس باب ما يذكر في الشيب .
________________________________________
قال الإمام الحافظ ابن حجر في الفتح : وقد بينه وكيع في مصنفه فقال : كان جلجلاً من فضة صيغ صوانا لشعرات النبي – صلى الله عليه وسلم – التي كانت عند أم سلمة والجلجل – هو شبه الجرس يتخذ من الفضة أو الصفر أو النحاس ، وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيه فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته .
كذا في فتح الباري (ج10 ص353) .
قال الإمام العيني : وبيان ذلك على التحرير : أن أم سلمة كان عندها شعرات من شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – حمر في شيء مثل الجلجل ، وكان الناس عند مرضهم يتبركون بها ، ويستشفون من بركتها ، ويأخذون من شعره ويجعلونه في قدح من الماء ، فيشربون الماء الذي فيه الشعر ، فيحصل لهم الشفاء ، وكان أهل عثمان أخذوا منها شيئاً وجعلوه في قدح من فضة ، فشربوا الماء الذي فيه ، فحصل لهم الشفاء ، ثم أرسلوا عثمان بذلك القدح إلى أم سلمة ، فأخذته أم سلمة ، ووضعته في الجلجل ، فاطلع عثمان في الجلجل ، فرأى فيه شعرات حمراء .
(قوله : وكان إذا أصاب الإنسان إلى آخره) كلام عثمان بن عبد الله بن موهب : أي كان أهلي كذا فسره الكرماني .
وقال بعضهم : وكان أي الناس إذا أصاب الإنسان : أي منهم ، والذي قاله الكرماني أصوب يبين به أن الإنسان إذا أصابه عين أو شيء من الأمراض بعث أهله إليها : أي إلى أم سلمة ، مخضبة – بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة – وهي الإجانة ، ويجعل فيها ماء وشيء من الشعر المبارك ، ويجلس فيها ، فيحصل له الشفاء ، ثم يرد الشعر إلى الجلجل .
(عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج18 ص79) .
النبي – صلى الله عليه وسلم – يقسم شعره بين الناس :
روى مسلم من حديث أنس :
((أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنى ونحر ، وقال للحلاق : خذ ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس)) ..
________________________________________
وروى الترمذي من حديث أنس أيضاً قال : (لما رمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الجمرة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ، فأعطاه أبا طلحة ، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه ، فقال : اقسم بين الناس) .
ثم ظاهر رواية الترمذي : أن الشعر الذي أمر أبا طلحة بقسمته بين الناس هو شعر الشق الأيسر ، وهكذا رواية مسلم من طريق ابن عيينة ، وأما رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى ففيهما : أن الشق الذي قسمه بين الناس هو الأيمن وكلا الروايتين عند مسلم .
توزيع شعره صلى الله عليه وسلم شعرة شعرة :
وقد جاء في رواية حفص عند مسلم أيضاً بلفظ : (فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ، ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك) .
وقال أبو بكر في روايته عن حفص : (قال للحلاق : هاء ، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا ، فقسم شعره بين من يليه ، قال : ثم أشار إشارة إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم) .
الناس يتهافتون على شعره – صلى الله عليه وسلم – :
وفي رواية أحمد في المسند ما يقتضي أنه أرسل شعر الشق الأيمن مع أنس إلى أمه – أم سليم – امرأة أبي طلحة – فإنه قال فيها : (لما حلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأسه بمنى أخذ شق رأسه الأيمن بيده ، فلما فرغ ناولني فقال : ياأنس! انطلق بهذا إلى أم سليم ، قال فلما رأى الناس ما خصنا به تنافسوا في الشق الآخر ، هذا يأخذ الشيء وهذا يأخذ الشيء) .
تحقيق الكلام في الموضوع :
وقد اختلفت الروايات في هذا الموضوع كما ترى ، ففي بعضها أن الذي
أعطاه لأبي طلحة هو الشق الأيمن ، والذي قسمه بين الناس هو الأيسر ، وفي بعضها العكس ، وفي بعضها أنه أعطى الأيسر لأم سليم .
________________________________________
ويجمع بين هذه الروايات بما جاء عن صاحب المفهم إذ قال : [إن قوله : لما حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة] ليس مناقضاً لما في الرواية الثانية : أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم ، وهي امرأة أبي طلحة وهي أم أنس – رضي الله عنها – قال : وحصل من مجموع هذه الروايات : أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس ، ففعله أبو طلحة ، وناول شعر الشق الأيسر ليكون عند أبي طلحة ، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه والله أعلم .
وقد جمع المحب الطبري في موضع إمكان جمعه ، ورجح في مكان تعذره فقال : والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن ، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم ، ولا تضاد بين الروايتين لأن أم سليم امرأة أبي طلحة ، فأعطاه – صلى الله عليه وسلم – لهما فنسب العطية تارة إليه وتارة إليها . انتهى .
وفيه التبرك بشعره – صلى الله عليه وسلم – وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو ، وقد روى أحمد في مسنده إلى ابن سيرين أنه قال : فحدثنيه عبيدة السلماني ، يريد هذا الحديث فقال : لأن يكون عندي شعرة منه أحب إليَّ من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض وفي بطنها ، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد – رضي الله عنه – كان في قلنسوته شعرات من شعره – صلى الله عليه وسلم – ، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلا فتح له ، ويؤيد ذلك ما ذكره الملا في السيرة أن خالداً سأل أبا طلحة حين فرق شعره – صلى الله عليه وسلم – بين الناس أن يعطيه شعر ناصيته ، فأعطاه إياه فكان مقدم ناصيته مناسباً لفتح كل ما أقدم عليه . انتهى عمدة القاري شرح البخاري (ج8 ص230-231) .
التبرك بعرقه :
6- عن عثمان عن أنس أن أم سليم كانت تبسط للنبي – صلى الله عليه وسلم – نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع ، قال : فإذا نام النبي صلى الله عليه وسلم أخذت من عرقه
________________________________________
وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سُكّ وهو نائم ، قال : فلما حضر أنس ابن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل في حنوطه من السك قال : فجعل في حنوطه . رواه البخاري في كتاب الاستئذان باب من زار قوماً فقال عندهم .
7- وفي رواية عند مسلم دخل علينا النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال عندنا فعرق ، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ فقال : يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب .
8- وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة [عرق فاستنقع عرقه على قطعة أديم عتيدة فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها فأفاق ، فقال : ما تصنعين ؟ قالت : نرجو بركته لصبياننا ، فقال : أصبت .
ووفي رواية أبي قلابة [فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير فقال : ما هذا ؟ قالت : عرقك أذوف به طيبي] .
ويستفاد من هذه الروايات إطلاع النبي – صلى الله عليه وسلم – على فعل أم سليم وتصويبه ولا معارضة بين قولها إنها كانت تجمعه لأجل طيبه وبين قولها للبركة ، بل يحمل على أنها كانت تفعل ذلك للأمرين معاً . انتهى. (فتح الباري الجزء الحادي عشر ص72).
التبرك بمس جلده صلى الله عليه وسلم :
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : كان أسيد بن حضير رضي الله عنه رجلاً صالحاً ضاحكاً مليحاً ، فبينما هو عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحدث القوم ويضحكهم ، فطعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في خاصرته ، فقال : أوجعتني قال – صلى الله عليه وسلم – : اقتص قال : يا رسول الله ! إن عليك قميصاً ولم يكن عليَّ قميص ، قال : فرفع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قميصه فاحتضنه ثم جعل يقبل كشحه ، فقال : بأبي أنت وأمي يارسول الله ! أردت هذا .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي فقال : صحيح.
________________________________________
وأخرجه ابن عساكر عن أبي ليلى رضي الله عنه مثله كما في الكنز (ج7 ص701) قلت: والحديث عند أبي داود والطبراني عن أسيد بن حضير نحوه كما في الكنز (ج4 ص43) .
وأخرج ابن إسحاق عن حبان بن واسع عن أشياخ من قومه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد ابن غزية رضي الله عنه – حليف بني عدي بن النجار ، وهو مستنصل من الصف أي خارج – فطعنه في بطنه بالقدح وقال : إستو يا سواد ، فقال : يارسول الله ! أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني ، فكشف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن بدنه ، فقال : استقد ، فاعتنقه ، فقبل بطنه فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يارسول الله ! حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك ، فدعا له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بخير . وقاله كذا في البداية (ج3 ص271) .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لقى رجلاً مختضباً بصفرة وفي يد النبي – صلى الله عليه وسلم – جريدة ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : خط ورس ، فطعن بالجريدة بطن الرجل وقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فأثر في بطنه دماً أدماه ، فقال : القود يارسول الله ! فقال الناس : أمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تقتص ؟ فقال : ما لبشرة أحد فضل على بشرتي ، فكشف النبي – صلى الله عليه وسلم – عن بطنه ثم قال : اقتص ، فقبل الرجل بطن النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال : أدعها لك أن تشفع لي يوم القيامة([23]). كذا في الكنز (ج15 ص91) .
وأخرج ابن سعد (ج3 ص72) عن الحسن أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأى سواد بن عمرو هكذا قال إسماعيل : متلحفاً ، فقال : خط خط ورس ورس ، ثم طعن بعود أو سواك في بطنه فماد في بطنه فأثر في بطنه فذكر نحوه .
________________________________________
وأخرج عبد الرزاق أيضاً كما في الكنز (ج15 ص19) عن الحسن قال : كان رجل من الأنصار يقال له : سوادة بن عمر رضي الله عنه يتخلق كأنه عرجون ، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا رآه نغض له فجاء يوماً وهو متخلق فأهوى له النبي – صلى الله عليه وسلم – بعود كان في يده فجرحه ، فقال له : القصاص يارسول الله ! فأعطاه العود وكان على النبي – صلى الله عليه وسلم – قميصان فجعل يرفعهما فنهره الناس وكف عنه حتى إذا انتهى إلى المكان الذي جرحه رمى بالقضيب وأخذ يقبله وقال : يانبي الله ! بل أدعها لك تشفع لي بها يوم القيامة .
وأخرج البغوي نحوه كما في الإصابة (ج2 ص96) .
] ] ]
((خبر زاهر)) :
وكان – صلى الله عليه وسلم – يقول : زاهر باديتنا ونحن حاضرته وكان – صلى الله عليه وسلم – يحبه فمشى – صلى الله عليه وسلم – يوماً إلى السوق فوجده قائماً فجاء من قبل ظهره وضمه بيده إلى صدره فأحس زاهر بأنه رسول الله .. قال : فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء بركته .
وفي رواية الترمذي في الشمائل : فاحتضنه من خلفه ولا يبصره فقال : أرسلني ، من هذا ؟ فالتفت فعرف النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي – صلى الله عليه وسلم – حين عرفه فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : من يشتري العبد ، فقال له زاهر : يارسول الله ! إذا تجدني كاسداً ، فقال – صلى الله عليه وسلم – : أنت عند الله غال .
وفي رواية للترمذي أيضاً : لكن عند الله لست بكاسد أو قال : أنت عند الله غال . اهـ (المواهب اللدنية ج1 ص297) .
] ] ]
التبرك بدم النبي – صلى الله عليه وسلم -
خبر عبد الله بن الزبير :
عن عامر بن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما – أن أباه حدثه أنه أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يحتجم ، فلما فرغ قال :
________________________________________
((يا عبدالله ! اذهب بهذا الدم فاهرقه حيث لا يراك أحد ، فلما برز عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عدل إلى الدم فشربه ، فلما رجع قال : يا عبد الله ! ما صنعت بالدم ؟ قال : جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن الناس ، قال : لعلك شربته ؟ قال : نعم ، فقال – صلى الله عليه وسلم – : ولم شربت الدم ؟ ويل للناس منك وويل لك من الناس)) ..
قال أبو موسى : قال أبو عاصم : فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم ، كذا في الإصابة (ج2 ص310) . وأخرجه الحاكم (ج3 ص554) والطبراني نحوه ، قال الهيثمي (ج8 ص270): رواه الطبراني والبزار باختصار ، ورجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة انتهى .
وأخرجه أيضاً ابن عساكر نحوه كما في الكنز (ج7 ص57) مع ذكر قول أبي عاصم، وفي رواية : قال أبو سلمة : فيرون أن القوة التي كانت في ابن الزبير – رضي الله عنهما – من قوة دم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
وعند أبي نعيم في الحلية (ج1 ص33) عن كيسان مولى عبد الله ابن الزبير – رضي الله عنهما – قال :
(( دخل سلمان – رضي الله عنه – على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإذا عبد الله ابن الزبير معه طست يشرب ما فيها ، فدخل عبد الله على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال له : فرغت ؟ قال : نعم ، قال سلمان : ما ذاك يا رسول الله ؟ قال : أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها ، قال سلمان : ذاك شربه والذي بعثك بالحق ، قال : شربته ؟ قال : نعم ، قال : لم ؟ قال : أحببت أن يكون دم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في جوفي ، فقام وربت بيده على رأس ابن الزبير ، وقال : ويل لك من الناس وويل للناس منك ، لا تمسك النار إلا قسم اليمين)) ..
وأخرجه ابن عساكر عن سلمان نحوه مختصراً ، ورجاله ثقات ، كذا في الكنز (ج7 ص56) ، وروى نحوه الدارقطني في سننه .
________________________________________
وفي رواية أن ابن الزبير لما شرب دم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال له – صلى الله عليه وسلم – : فما حملك على ذلك ؟ قال : علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك ، فقال : ويل لك من الناس . وعند الدارقطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه وفيه: ولا تمسك النار . وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون أنه لما شرب أي عبد الله بن الزبير دمه تضوع فمه مسكاً وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صلب رضي الله عنه . (كذا في المواهب للحافظ القسطلاني) .
خبر سفينة مولى النبي – صلى الله عليه وسلم – :
وأخرج الطبراني عن سفينة – رضي الله عنه – قال :
((احتجم النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم قال : خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس ، فتغيبت فشربته ، ثم ذكرت ذلك له فضحك)) .
قال الهيثمي (ج8 ص280) : رجال الطبراني ثقات .
خبر مالك بن سنان :
وفي سنن سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب أنه بلغه أن مالك ابن سنان والد أبي سعيد الخدري لما جرح النبي – صلى الله عليه وسلم – في وجهه الشريف يوم أحد مص جرحه حتى أنقاه ولاح – أي ظهر – محل الجرح بعد المص أبيض ، فقال له – صلى الله عليه وسلم – : مجه ، فقال : ولا أمجه أبداً ، ثم ازدرده – أي ابتلعه – فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فاستشهد بأحد)) ..
رواه الطبراني أيضاً ، وفيه :
((قال – صلى الله عليه وسلم – : من خالط دمي دمه لا تمسه النار)) ..
قال الهيثمي : لم أر في إسناده من أجمع على ضعفه اهـ .
وروى سعيد بن منصور أيضاً أنه – صلى الله عليه وسلم – قال :
((من سره أن ينظر إلى رجل خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان)) .
((حجام آخر يشرب دمه – صلى الله عليه وسلم -)) :
________________________________________
روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن عباس قال : حجم النبي – صلى الله عليه وسلم – غلام لبعض قريش فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط فنظر يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فحسا دمه حتى فرغ ثم أقبل فنظر في وجهه فقال : ويحك ما صنعت بالدم ؟ قلت : غيبته من وراء الحائط ، قال : أين غيبته ؟ قلت : يا رسول الله ! نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني ، فقال : اذهب فقد أحرزت نفسك من النار . (ذكره الحافظ القسطلاني في المواهب اللدنية).
((خبر بركة خادم أم حبيبة)) :
قال الحافظ ابن حجر روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : (أخبرت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء ، فقال لامرأة يقال لها : بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة : أين البول الذي كان في القدح ؟ قالت : شربته ، قال : صحة يا أم يوسف ، وكانت تكنى أم يوسف ، فما مرضت قط حتى مرضها الذي ماتت فيه . (كذا في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج1 ص32).
قلت : وقد رواه أبو داود والنسائي مختصراً ، قال الحافظ السيوطي : وقد أتمه ابن عبد البر في الاستيعاب وفيه أنه سألها عن البول الذي كان في القدح ، فقالت : شربته يا رسول الله ، وذكر الحديث . (كذا في شرح السيوطي على سنن النسائي ج1 ص32) .
((خبر أم أيمن)) :
قال الإمام الحافظ القسطلاني في المواهب : أخرج الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت : قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال ، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت
________________________________________
ما فيها وأنا لا أشعر ، فلما أصبح النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : يا أم أيمن ! قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة ، فقلت : قد والله شربت ما فيها ، قالت : فضحك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى بدت نواجذه ، ثم قال : أما والله لا يجعنّ بطنك أبداً .
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص : وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين وهو واضح من اختلاف السياق وواضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته .
( فائدة ) : وقع في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ماء غسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال لها : ((حرم الله بدنك على النار)) . أخرجه الطبراني في الأوسط من حديثها ، وفي السند ضعف – كذا في التلخيص (ج1 ص32).
قال القسطلاني : وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني ، وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه – صلى الله عليه وسلم – .
خبر سرة خادم أم سلمة رضي الله عنها :
وأخرج الطبراني عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت :
((كان للنبي – صلى الله عليه وسلم – قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره ، فقام فطلبه فلم يجده ، فسأل فقال : أين القدح ؟ قالوا : شربته سرة خادم لأم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : لقد احتظرت من النار بحظار)) ..
قال الهيثمي (ج8 ص271) : رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ابن حنبل ، وحكيمة وكلاهما ثقات .
] ] ]
أقوال العلماء في هذا الموضوع
________________________________________
قال الإمام محي الدين النووي في شرح المهذب : واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين أن أبا طيبة الحجام حجمه – صلى الله عليه وسلم – وشرب دمه ولم ينكر عليه ، وأن امرأة شربت بوله – صلى الله عليه وسلم – فلم ينكر عليها . وحديث أبي طيبة ضعيف ، وحديث شرب البول صحيح رواه الدارقطني ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وذلك كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياساً ، ثم قال : إن القاضي حسيناً قال : الأصح القطع بطهارة الجميع . ثم قال في الجواب : عن أنه كان يتنزه منها بأن ذلك على الاستحباب اهـ . (من شرح المهذب ج1 ص233) .
________________________________________
وقال الإمام العلامة بدر الدين العيني شارح البخاري في كتابه المعروف عمدة القاري ج2 ص35 : فأما شعر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو مكرم معظم خارج عن هذا ، قلت : قول الماوردي : وأما شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – فالمذهب الصحيح القطع بطهارته يدل على أن لهم قولاً بغير ذلك ، فنعوذ بالله من ذلك القول ، وقد اخترق بعض الشافعية وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام حيث قال : وفي شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – وجهان : وحاشا شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – من ذلك وكيف قال هذا ، وقد قيل بطهارة فضلاته فضلاً عن شعره الكريم ، ثم قال العيني : وقد وردت أحاديث كثيرة أن جماعة شربوا دم النبي عليه الصلاة والسلام منهم أبو طيبة الحجام وغلام من قريش حجم النبي – صلى الله عليه وسلم – وعبد الله بن الزبير شرب دم النبي – صلى الله عليه وسلم – رواه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية ، ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه شرب دم النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وروى أيضاً أن أم أيمن شربت بول النبي – صلى الله عليه وسلم – رواه الحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم ، وأخرج الطبراني في الأوسط في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ما غسل به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فقال لها : حرم الله بدنك على النار .
قال الحافظ القسطلاني في المواهب تعليقاً على قول النووي عن القاضي حسين : أن الأصح القطع بطهارة جميع الفضلات ، وبهذا قال أبو حنيفة كما قاله
العيني ، وقال شيخ الإسلام ابن حجر : قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته – صلى الله عليه وسلم – ، وعد الأئمة ذلك في خصائصه . انتهى .
التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – :
________________________________________
عن نافع أن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء ، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي ، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك . رواه البخاري .
التبرك بموضع لامسه فم النبي – صلى الله عليه وسلم – :
روى الإمام أحمد وغيره عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دخل على أم سليم وفي البيت قربة معلقة فشرب من فيها – أي من فم القربة – وهو نائم قال أنس : فقطعت أم سليم فم القربة فهو عندنا .
والمعنى : أن أم سليم قطعت فم القربة الذي هو موضع شربه – صلى الله عليه وسلم – واحتفظت به في بيتها للتبرك بأثر النبي – صلى الله عليه وسلم – .
ورواه الطبراني وفيه البراء بن زيد ولم يضعفه أحمد وبقية رجاله رجال الصحيح .
] ] ]
التبرك بتقبيل يد من مس رسول الله – صلى الله عليه وسلم -
عن يحي بن الحارث الذماري قال : لقيت واثلة بن الأسقع رضي الله عنه فقلت : بايعت بيدك هذه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ فقال : نعم قلت : أعطني يدك أقبلها ، فأعطانيها فقبلتها . قال الهيثمي (ج8 ص42) : وفيه عبد الملك القاري ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات . انتهى .
وعند أبي نعيم في الحلية (ج9 ص306) عن يونس بن ميسرة قال : دخلنا على يزيد بن الأسود عائدين فدخل عليه واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، فلما نظر إليه مد يده فأخذ يده فمسح بها وجهه وصدره لأنه بايع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فقال له : يا يزيد ! كيف ظنك بربك ؟ فقال : حسن ، فقال : فأبشر فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : إن الله تعالى يقول : ((أنا عند ظن عبدي بي)) ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .
________________________________________
وأخرج البخاري في الأدب المفرد ص144 عن عبد الرحمن بن رزين قال : مررنا بالرّبذة فقيل لنا : ههنا سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، فأتينا فسلمنا عليه فأخرج يديه فقال : بايعت بهاتين نبي الله – صلى الله عليه وسلم – ، فأخرج له كفاً له ضخمة كأنها كف بعير ، فقمنا إليها فقبلناها .
وأخرج ابن سعد (ج4 ص39) عن عبد الرحمن بن زيد العراقي نحوه .
وأخرج البخاري أيضاً في الأدب ص144 عن ابن جدعان قال ثابت لأنس رضي الله عنه : أمسست النبي – صلى الله عليه وسلم – بيدك ؟ قال : نعم ، فقبلها .
وأخرج البخاري أيضاً في الأدب عن صهيب قال : رأيت علياً رضي الله عنه يقبل يد العباس رضي الله عنه ورجليه .
عن ثابت قال : كنت إذا أتيت أنساً يخبر بمكاني فأدخل عليه وآخذ يديه وأقبلهما وأقول : بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عينيه وأقول : بأبي هاتين (العينين) اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (ج2 ص111)، وقال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة ، وسكت عنه البوصيري . اهـ . (كذا في مجمع الزوائد 9/325) .
] ] ]
التبرك بجبته صلى الله عليه وسلم
عن أسماء بنت أبي بكر : أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة([24]) ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج ، وقالت : هذه جبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كانت عند عائشة فلما قبضت قبضتها ، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يلبسها ، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها . رواه مسلم . (كتاب اللباس والزينة ج3 ص140) .
] ] ]
التبرك بما مسته يده – صلى الله عليه وسلم -
عن صفية بنت مجزأة أن أبا محذورة كانت له قصة في مقدم رأسه إذا قعد أرسلها فتبلغ الأرض فقالوا له : ألا تحلقها ؟ فقال : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مسح عليها بيده فلم أكن لأحلقها حتى أموت .
________________________________________
رواه الطبراني وفيه أيوب بن ثابت المكي ، قال أبو حاتم : لا يُحمد حديثه ، كذا في مجمع الزوائد (ج5 ص165) .
وعن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال : قلت : يا رسول الله ! علمني سنة الأذان ، قال فمسح مقدم رأسي قال :
((تقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ترفع بها صوتك)) الحديث ..
وفي رواية : فكان أبو محذورة لا يجز ناصيته ولا يفرقها لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – مسح عليها . أخرجه البيهقي والدارقطني وأحمد وابن حبان والنسائي بمعناه .
] ] ]
التبرك بقدح النبي – صلى الله عليه وسلم – ومسجد صلى فيه
عن أبي بردة قال : قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام ، فقال لي : انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتصلي في مسجد صلى فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – ، فانطلقت معه فسقاني وأطعمني تمراً وصليت في مسجده . رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة .
] ] ]
التبرك بموضع قدم النبي – صلى الله عليه وسلم -
جاء في الحديث عن أبي مجلز أن أبا موسى كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين ثم قام فصلى ركعة أوتر بها فقرأ فيها بمائة آية من النساء ثم قال : ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – . (رواه النسائي 3/243) .
] ] ]
التبرك بدار مباركة
________________________________________
عن محمد بن سوقة عن أبيه قال : لما بنى عمرو بن حريث داره أتيته لأستأجر منه فقال : ما تصنع به ؟ فقلت : أريد أن أجلس فيه وأشتري وأبيع ، قال : قلت : لأحدثك في هذه الدار بحديث إن هذه الدار مباركة على من سكن فيها مباركة على من باع فيها واشترى ، وذلك أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مال موضوع فتناول بكفه منه دراهم فدفعها إليَّ وقال : هاك يا عمرو هذه الدراهم حتى تنظر في أي شيء تضعها فإنها دراهم أعطانيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخذتها ثم مكثنا ما شاء الله حتى قدمنا الكوفة فأردت شراء دار ، فقالت لي أمي : يا بني ! إذا اشتريت داراً وهيأت مالها فأخبرني ، ففعلت ، ثم جئتها فدعوتها فجاءت والمال موضوع فأخرجت شيئاً معها فطرحته في الدراهم ثم خلطتها بيدها ، فقلت ، فقلت يا أمه أي شيء هذه ؟ قالت : يا بني ! هذه الدراهم التي جئتني بها فزعمت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أعطاكها بيده فأنا أعلم أن هذه الدار مباركة لمن جلس فيها ، مباركة لمن باع فيها واشترى .
رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى (ج4 ص111 مجمع الزوائد) .
] ] ]
التبرك بمنبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -(9[25])
قال القاضي عياض : رؤي ابن عمر رضي الله عنهما واضعاً يده على مقعد النبي – صلى الله عليه وسلم – من المنبر ثم وضعها على وجهه .
وعن أبي قسيط والعتبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خلا المسجد حسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامينهم ثم يستقبلون القبلة يدعون . اهـ (من الشفا للقاضي عياض) .
قال الملا علي قاري شارح الشفا: رواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن عبد القاري (ج3 ص518) .
وروى ذلك الشيخ ابن تيمية أيضاً عن الإمام أحمد أنه رخص في التمسح بالمنبر والرمانة ، وذكر أن ابن عمر وسعيد بن المسيب ويحي بن سعيد من فقهاء المدينة كانوا يفعلون ذلك . اهـ . (اقتضاء الصراط المستقيم ص367) .
] ] ]
التبرك بقبره الشريف
________________________________________
لما حضرت الوفاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لابنه عبد الله : انطلق إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل : أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم بأمير المؤمنين ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، قال : فاستأذن وسلم ، ثم دخل عليها وهي تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فلما أقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، فقال : ارفعوني فأسنده رجل إليه ، فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت ، فقال الحمد لله ما كان شيء أهم إليَّ من ذلك ، فإذا أنا قبضت فاحملوني ، ثم سلم وقل : يستأذن عمر فإن أذنت لي فأدخلوني ، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين .
أخرجه بطوله البخاري في كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وفي كتاب فضائل الصحابة باب قصة البيعة .
] ] ]
التبرك بآثار الصالحين والأنبياء السابقين
عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبرنا أن الناس نزلوا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا للإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة .
رواه مسلم في كتاب الزهد باب النهي عن الدخول على أهل الحجر .
قال النووي في الشرح ج8 ص118 : وفي هذا الحديث من الفوائد التبرك بآثار الصالحين .
] ] ]
التبرك بالتابوت
ذكر الله تعالى في القرآن فضيلة التابوت فقال :
{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ } .
________________________________________
وخلاصة القصة : أن هذا التابوت كان عند بني إسرائيل وكانوا يستنصرون به ويتوسلون إلى الله تعالى بما فيه من آثار وهذا هو التبرك بعينه الذي نريده ونقصده ، وقد بين الله جل جلاله محتويات التابوت فقال :
{ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ } ، وهذه البقية مما تركه آل موسى وهارون هي عصا موسى وشيء من ثيابه وثياب هارون ونعلاه وألواح من التوراة وطست كما ذكره المفسرون والمؤرخون كابن كثير والقرطبي والسيوطي والطبري ، فارجع إليهم ، وهو يدل على معان كثيرة منها التوسل بآثار الصالحين ، ومنها المحافظة عليها ومنها التبرك بها .
التبرك بمسجد العشار
عن صالح بن درهم يقول : انطلقنا حاجين ، فإذا رجل فقال لنا : إلى جنبكم قرية يقال لها : الأبلة ، قلنا : نعم ، قال : من يضمن لي منكم أن يصلي لي في مسجد العشار ركعتين أو أربعاً ، ويقول هذه لأبي هريرة : سمعت خليلي أبا القاسم – صلى الله عليه وسلم – يقول :
((إن الله عز وجل يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء ، لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم)) .. (رواه أبو داود) .
وقال : هذا المسجد مما يلي النهر اهـ (مشكاة المصابيح ج3 ص1496).
قال العلامة المحدث الكبير الشيخ خليل أحمد السهارنفوري في كتابه ((بذل المجهود شرح سنن أبي داود)) : وفي الحديث دلالة على أن الطاعات البدنية توصل إلى الغير أجرها، وأن مآثر الأولياء والمقربين تزار ويتبرك بها. (بذل المجهود ج17 ص225).
وقال العلامة المحدث الشيخ أبو الطيب صاحب عون المعبود : مسجد العشار مسجد مشهور يتبرك بالصلاة فيه (عون المعبود ج11 ص422) .
] ] ]
نحن في بركة الرسول – صلى الله عليه وسلم -
________________________________________
نسمع كثيراً من الناس يقولون : نحن في بركة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ، أو معنا بركته – صلى الله عليه وسلم – وسئل عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال : وأما قول القائل : نحن في بركة فلان أو من وقت حلوله عندنا حلت البركة ، فهذا الكلام صحيح باعتبار ، باطل باعتبار ، فأما الصحيح : فأن يراد به أنه هدانا وعلمنا وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر ، فببركة اتباعه وطاعته حصل لنا من الخير ما حصل ، فهذا كلام صحيح ، كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – في بركته لما آمنوا به وأطاعوه ، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة ، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله .
وأيضاً : إذا أريد بذلك إنه ببركة دعائه وصلاحه دفع الله الشر وحصل لنا رزق ونصر فهذا حق ، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم)).
وقد يدفع العذاب عن الكفار والفجار لئلا يصيب من بينهم من المؤمنين ممن لا يستحق العذاب ، ومنه قوله تعالى : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ – إلى قوله : لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } .
فلولا الضعفاء المؤمنون الذين كانوا بمكة بين ظهراني الكفار لعذب الله الكفار.
وكذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم – :
((لولا ما في البيوت من النساء والذراري لأمرت بالصلاة فتقام ، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم)) ..
________________________________________
وكذلك ترك رجم الحامل حتى تضع جنينها ، وقد قال المسيح عليه السلام : { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } ، فبركات أولياء الله الصالحين باعتبار نفعهم للخلق بدعائهم إلى طاعة الله ، وبدعائهم للخلق وبما ينزل الله من الرحمة ويدفع من العذاب بسببهم حق موجود ، فمن أراد بالبركة هذا ، وكان صادقاً فقوله حق .
وأما ((المعنى الباطل)) فمثل أن يريد الإشراك بالخلق : مثل أن يكون رجل مقبور بمكان فيظن أن الله يتولاهم لأجله ، وإن لم يقوموا بطاعة الله ورسوله ، فهذا جهل ، فقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سيد ولد آدم مدفون بالمدينة عام الحرة ، وقد أصاب أهل المدينة من القتل والنهب والخوف ما لا يعلمه إلا الله ، وكان ذلك لأنهم بعد الخلفاء الراشدين أحدثوا أعمالاً أوجبت ذلك ، وكان على عهد الخلفاء يدفع الله عنهم بإيمانهم وتقواهم ، لأن الخلفاء الراشدين كانوا يدفعونهم إلى ذلك ، وكان ببركة طاعتهم للخلفاء الراشدين ، وببركة عمل الخلفاء معهم ينصرهم الله ويؤيدهم ، وكذلك الخليل – صلى الله عليه وسلم – مدفون بالشام وقد استولى النصارى على تلك البلاد قريباً من مائة سنة ، وكان أهلها في شر ، فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملاً بمعصية الله فهو غالط .
وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله ، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره ، وتقبيل الأرض عنده ، ونحو ذلك يحصل له السعادة ، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله ، وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له ، ويدخله الجنة بمجرد محبته ، وانتسابه إليه ، فهذه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب والسنة ، فهو من أحوال المشركين وأهل البدع باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده .
كذا في الفتاوى (ج11 ص113)
] ] ]
الإمام أحمد يتبرك والحافظ الذهبي يؤيده
________________________________________
قال عبد الله بن أحمد : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – فيضعها على فيه يقبّلها ، وأحسِب أني رأيته يضعها على عينه ، ويغمسها في الماء ويشربه ويستشفي به .
ورأيته أخذ قصعة النبي – صلى الله عليه وسلم – فغسلها في حُبّ الماء ثم شرب فيها ، ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه .
قلت : أين المتنطّع المنكر على أحمد ، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمّن يلمَس رمانة منبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ويمَسّ الحجرة النبوية ، فقال : لا أرى بذلك بأساً . أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع. (سير أعلام النبلاء ج11 ص212).
الخلاصة
والحاصل من هذه الآثار والأحاديث هو أن التبرك به – صلى الله عليه وسلم – وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه سنة مرفوعة وطريقة محمودة مشروعة ، ويكفي في إثبات ذلك فعل خيار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، وتأييد النبي – صلى الله عليه وسلم – لذلك بل وأمره مرة وإشارته أخرى إلى فعل ذلك ، وبالنصوص التي نقلناها يظهر كذب من زعم أن ذلك ما كان يعتني به ويهتم بفعله أحد من الصحابة إلا ابن عمر وأن ابن عمر ما كان يوافقه على ذلك أحد من أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم – .
وهذا جهل أو كذب أو تلبيس ، فقد كان كثير غيره يفعل ذلك ويهتم به ومنهم الخلفاء الراشدون رضي اله عنهم وأم سلمة وخالد بن الوليد وواثلة بن الأسقع وسلمة بن الأكوع وأنس بن مالك وأم سليم وأسيد بن خضير وسواد بن غزية وسواد بن عمرو وعبد الله بن سلام وأبو موسى وعبد الله بن الزبير وسفينة مولى النبي – صلى الله عليه وسلم – وسرة خادم أم سلمة ومالك بن سنان وأسماء بنت أبي بكر وأبو محذورة ومالك بن أنس وأشياخه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب ويحي بن سعيد.
] ] ]
الباب الثالث
مباحث مختلفة
وفيها بيان مشروعية الزيارة النبويّة وما يتعلق
بها مِنَ الآثار والمشاهد والمناسَبات
الحياة البرزخية حياة حقيقية
________________________________________
الحياة البرزخية حياة حقيقية ، وهذا ما دلت عليه الآيات البينات والأحاديث المشهورة الصحيحة .
وهذه الحياة الحقيقية لا تعارض وصفهم بالموت كما جاء ذلك في كتاب الله العزيز إذ يقول : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ } ، ويقول : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } ، إن معنى قولنا عن الحياة البرزخية بأنها حقيقية أي ليست خيالية أو مثالية كما يتصورها بعض الملاحدة ممن لا تتسع عقولهم للإيمان إلا بالمشاهد المحسوس دون الغيب الذي لا يطيق العقل البشري تصوره ولا تسليم كيفيته لقدرة الله جل جلاله . إن وقفة تأمل قصيرة عند قولنا عن الحياة البرزخية بأنها حقيقية لا تبقي من الإشكال أدنى ذرة حتى عند من يقصر فهمه وذوقه عن تعقل المعاني فكلمة [حقيقية] ليست إلا لنفي الباطل وطرد الوهم ونفي الخيال الذي قد يقع في ذهن الإنسان المتشكك المرتاب في أحوال عالم البرزخ وعالم الآخرة وغيرهما من العوالم الأخرى كالنشر والبعث والحشر والحساب .
وهذا المعنى يدركه الإنسان العربي البسيط الذي يعرف أن كلمة [ حقيقية ] تعني حقيقة وهي ما يقابل الوهم والخيال والمثال ، فحقيقية أي ليست بوهمية وهذا هو المقصود بعينه ، وهذا هو مفهومنا وتصورنا لهذه القضية ، ولقد تضافرت الأحاديث والآثار التي تثبت بأن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء كان مؤمنا أم كافرا .
فمنها حديث القليب وهو ثابت في الصحيحين من وجوه متعددة عن أبي طلحة وعمر وابنه عبد الله :
________________________________________
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فألقوا في طوى من اطواء بدر فناداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماهم ((يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا فلان ابن فلان ! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا)) .. فقال عمر : يارسول الله ! ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون)) ..
هكذا رواه الشيخان من حديث ابن عمر والبخاري من حديث أنس عن أبي طلحة ومسلم من حديث أنس عن عمر ، ورواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه وفيه :
قالوا : يارسول الله ! وهل يسمعون ؟ قال : ((يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون)) ..
ومنها ما رواه البزار وصححه ابن حبان من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن أبيه عن أبي هريرة :
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين)) ..
وأخرج ابن حبان أيضا من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – نحوه في حديث طويل .
وقال البخاري في صحيحه : ((باب الميت يسمع خفق النعال)) ، ثم روى عن أنس
عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ((العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه)) ..
وذكر الحديث في سؤال القبر ، ورواه مسلم أيضاً وسماع الميت خفق النعال وارد في عدة أحاديث ، منها الأحاديث الواردة في سؤال القبور وهي كثيرة منتشرة ، وفيها التصريح بسؤال الملكين له وجوابه بما يطابق حاله من سعادة أو شقاء ، ومنها ما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته من السلام على أهل القبور ومخاطبتهم بلفظ : السلام عليكم دار قوم مؤمنين .
________________________________________
قال ابن القيم : وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد ، والسلف مجمعون على هذا ، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به ، ثم ذكر جملة منها في ((كتاب الروح)) .. فليراجع .
قلت : وقد روى عبد الرزاق في هذا الباب حديثاً عن زيد بن أسلم قال : مر أبو هريرة وصاحب له على قبر ، فقال أبو هريرة : سَلِّم ، فقال الرجل :
أسلِّمُ على القبر ؟ فقال أبو هريرة : إن كان رآك في الدنيا يوماً قط إنه ليعرفك الآن.
رواه عبد الرزاق في المصنف (ج3 ص577) .
وهذا الذي نقلناه هو عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وهم أهل السنة والجماعة فلا أدري كيف يغفل هؤلاء الذين يدعون أنهم على مذهب السلف عن هذه الحقيقة .
وقد أفاض الشيخ ابن القيم في كتاب الروح بما يشفي ويكفي وننقل هنا فتوى عظيمة لشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في هذا الموضوع كما جاء في الفتاوى الكبرى.
سئل الشيخ عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم ؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره ؟
فأجاب : الحمد لله ، نعم جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات ، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال :
[إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض : أنظروا أخاكم يستريح فإنه كان في كرب شديد ، قال : فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت] الحديث .
وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) ..
________________________________________
قال ابن المبارك : ثبت ذلك عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وصححه عبد الحق صاحب الأحكام . اهـ . (مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية ج24 ص331) .
وجاء في موضع آخر أيضاً سئل الشيخ ابن تيمية : هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه ؟ وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين ، نعم ! يسمع الميت في الجملة كما ثبت في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال :
((يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه)) ..
ثم ساق أحاديث متعددة في هذا المعنى ، ثم قال : فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب أن يكون السمع له دائماً بل قد يسمع في حال دون حال ، كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه ، وقد لا يسمع لعارض يعرض له ، وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي بقوله : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } ، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال ، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى ، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهي ، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى ، كما قال تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ } ، وأما رؤية الميت فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها .
وأما قول القائل : هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ . فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت كما جاء في الحديث وتعاد أيضاً في غير ذلك .
ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم .
________________________________________
وهذا جاء في عدة آثار أن الأرواح تكون في أفنية القبور ، قال مجاهد : الأرواح تكون في أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه ، فهذا يكون أحياناً وقال مالك بن أنس : بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم . اهـ . مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية (ج24 ص362) .
وقال الشيخ ابن تيمية في موضع آخر : أما ما أخبر الله من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهبت طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم ، والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد ، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة مكا نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق اهـ. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج24 ص332).
لا تؤذ الميت لئلا يؤذيك :
رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له :
((لا تؤذ صاحب القبر)) ..
ذكره المجد ابن تيمية في المنتقى (ج2 ص104) وعزاه لأحمد في المسند وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح (ج3 ص178) وقال : إسناده صحيح .
وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار (ج1 ص296) من حديث ابن عمرو ابن حزم بلفظ : رآني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على قبر ، فقال :
((انزل عن القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك)) .. اهـ .
(مجمع الزوائد ج3 ص61) .
معنى الحياة البرزخية :
وينبغي أن نبين للناس معنى تلك الحياة وأنها حياة برزخية وأنها ليست كحياتنا هذه بل هي حياة خاصة لائقة بهم وبالعالم الذي هم فيه لكن لابد أن نبين لهم أيضاً أنها ليست كحياتنا لأن حياتنا أقل وأحقر وأضيق وأضعف .
________________________________________
فالإنسان فيها بين عبادة وعادة وطاعة ومعصية وواجبات مختلفة لنفسه وأهله ولربه وأنه تارة يكون طاهراً وتارة يكون على ضد ذلك ، وتارة يكون في المسجد وتارة يكون في الحمام وأنه لا يدري بم يختم له ؟؟ فقد يكون بينه وبين الجنة ذراع ثم ينقلب الأمر رأساً على عقب فيصير من أهل النار وبالعكس ، أما في البرزخ فإنه إن كان من أهل الإيمان فإنه قد جاوز قنطرة الامتحان التي لا يثبت عندها إلا أهل السعادة ، ثم إنه قد انقطع عنه التكليف وأصبح روحاً مشرقة طاهرة مفكرة سياحة سباحة جوالة في ملكوت الله وملكه سبحانه وتعالى ، لا هم ولا حزن ولا بأس ولا قلق لأنه لا دنيا ولا عقار ولا ذهب ولا فضة فلا حسد ولا بغي ولا حقد .
وإن كان غير ذلك ففي عكس ذلك .
] ] ]
خصائص الأنبياء البرزخية
وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام في البرزخ خصائص انفردوا بها دون غيرهم من البشر ولو شاركهم غيرهم في بعضها فهو على وجه الإلحاق النسبي وتبقى الخصوصية للأنبياء من جهتين :
الأولى : من جهة الأصالة .
الثانية : من جهة الكمال .
وهذه بعض تلك الخصائص :
كمال حياتهم :
ذكرنا فيما تقدم أن الحياة البرزخية حياة حقيقية وأن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء أكان مؤمناً أم كافراً ، وأن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة ، ومن هنا فإن القول بحياة الأنبياء من فضول القول وهو أمر ظاهر كالشمس لا يحتاج إلى إثبات بل إن الصواب هو أن نقرر بأن حياتهم أكمل وأجل وأتم وأعظم ، وهكذا حياة الناس على ظهر الأرض في الدنيا فإنها درجات ومقامات ومراتب متفاوتة فمنهم أموات في صورة أحياء ، قال فيهم المولى جل شأنه :
________________________________________
{ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } .
ومنهم الذين قال فيهم : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .
ومنهم من قال فيهم : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } إلى قوله: { أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } ، ومنهم من قال فيهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ{16}كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } (سورة الذاريات : 16-18) .
وهكذا الحياة البرزخية درجات ومراتب ومقامات متفاوتة { وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } .
أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن حياتهم ورزقهم ومعرفتهم وسماعهم وإدراكهم وشعورهم وإحساسهم أكمل وأتم وأرفع من غيرهم ، والدليل هو قوله تعالى في حق الشهداء :
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } .
وإذا كانت الحياة معناها هو بقاء الروح فلا تفنى ولا تبلى فلا مزية للشهيد يستحق أن تذكر وتشهر إذ أرواح جميع بني آدم باقية لا تفنى ولا تبلى وهو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم كما حققه الشيخ ابن القيم في كتاب الروح ، فلابد من وجود مزية ظاهرة يزيد بها الشهداء على من سواهم وإلا كان ذكر حياتهم عبثاً لا فائدة منه خصوصاً وأن الله تعالى نهى أن نقول عنهم أموات فقال : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } .
________________________________________
وحينئذ نقول إنه لابد من أن تكون حياتهم أكمل من غيرهم وأشرف ، وهذا ما يؤيده ظاهر النصوص فأرواحهم مرزوقة ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها كما قال تعالى : { عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ، ثم إحساسهم بذلك الطعام والشراب والنعيم إحساس كامل بشعور تام وتلذذ تام وتمتع حقيقي كما جاء في الحديث : فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا . (قال ابن كثير رواه أحمد) .
وأرواحهم لها تصرف أكبر من غيرها وأوسع فهي تتجول وتسرح في الجنة حيث تشاء ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش . (كذا في الصحيح) .
وهم يسمعون الكلام ويفهمون الخطاب ، فقد جاء في الصحيح : أن الله تعالى يقول لهم : ما تشتهون ؟ فيقولون : كذا وكذا ، ويعود السؤال ويعود الجواب، ثم يطلبون أن يعودوا إلى الدنيا للجهاد ، ثم يطلبون أن يبلغ الله عنهم رسالة منهم
إلى إخوانهم بالدنيا فيها بيان ما أكرمهم الله به ، فيقول الله : أنا أبلغ عنكم .
فإذا ثبت هذا في حق الشهداء ثبت في حق الأنبياء من وجهين :
الأول : أن هذه رتبة شريفة أعطيت للشهيد كرامة له ولا رتبة أعلى من رتبة الأنبياء ، ولا شك أن حال الأنبياء أعلى وأكمل من حال جميع الشهداء فيستحيل أن يحصل كمال للشهداء ولا يحصل للأنبياء لا سيما هذا الكمال الذي يوجب زيادة القربى والزلفى والنعيم والأنس بالعلي الأعلى .
الثاني : أن هذه الرتبة حصلت للشهداء أجراً على جهادهم وبذلهم أنفسهم لله تعالى ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – هو الذي سن لنا ذلك ودعانا إليه وهدانا له بإذن الله تعالى وتوفيقه ، وقد قال – صلى الله عليه وسلم – :
((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .
وقال صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقصه ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقصه ذلك من آثامهم شيئاً)) ..
والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة فكل أجر حصل للشهيد حصل للنبي – صلى الله عليه وسلم – لسعيه مثله والحياة أجر فيحصل للنبي – صلى الله عليه وسلم – مثلها .
إن حياة الأنبياء البرزخية الحقيقية وخصوصاً نبينا – صلى الله عليه وسلم – هي أرفع وأكمل من أن يتصور جاهل أو أحمق أننا نعني بها أن يعيشوا كما نعيش فيأكلون ويشربون محتاجين إلى الأكل والشرب ويبولون ويتغوطون مضطرين إلى ذلك ويخرجون من قبورهم لحضور مجالس الذكر ومجامع القرآن ولمشاركة الأمة في أفراحها وأحزانها وأعيادها ومواسمها ثم يرجعون إلى قبورهم تحت الأرض في تلك الحفرة الضيقة وفوقهم التراب ، ليس في هذا أدنى كرامة أو منقبة بل هو عين الإهانة التي لا يرضاها الإنسان لتابع أو خادم له فضلاً عن أن يمن الله تعالى بذلك على خير خلقه وأجل عبيده حاشا وكلا وألف حاشا وكلا .
إن الحياة البرزخية الحقيقية هي الشعور التام والإدراك الكامل والمعرفة الصادقة ، إنها حياة طيبة صالحة دعاء وتسبيح وتهليل وتحميد وصلاة .
صلاة الأنبياء في قبورهم وعبادات أخرى
ومن ثمرات تلك الحياة البرزخية صلاتهم في قبورهم صلاة حقيقية ليست خيالية ولا مثالية ، وقد جاءت أحاديث في هذا الموضوع ، فمنها : عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) ..
رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات ، كذا في مجمع الزوائد (ج8 ص211) ، قال الإمام الحافظ البيهقي في الجزء الخاص بهذه المسألة .
وفي رواية عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ، ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور)) ..
________________________________________
قال البيهقي : إن صح بهذا اللفظ فالمراد به – والله أعلم – لا يتركون لا يصلون إلا هذا المقدار ، ثم يكونون مصلين بين يدي الله تعالى ، قال البيهقي : ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة .
ثم ذكر البيهقي بأسانيده حديث :
((مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره)) ..
وحديث :
((قد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فإذا موسى قائم يصلي وإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي ، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم – يعني نفسه – فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل لي : يا محمد ! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه ، فالتفت إليه فبدأني بالسلام)) .
قلت : أخرجه مسلم عن أنس (ج2 ص268) ، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (ج3 ص577) .
وقوله : ضرب ، أي خفيف اللحم الممشوق المستدق .
وقال البيهقي في دلائل النبوة : وفي الحديث الصحيح عن سليمان التيمي وثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال :
((أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)) ..
قلت : وهو صحيح أخرجه مسلم (ج2 ص268) .
وقد ثبت بما لا يقبل الشك أن السبب في تخفيف الصلاة علينا من خمسين إلى خمس صلوات هو موسى عليه السلام وهو ميت قد أدى رسالة ربه وانتقل إلى جواره في الرفيق الأعلى ولكنه هو السبب في إيصال أعظم خير إلى الأمة المحمدية حينما طلب من نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – مراجعة ربه وقال له : سل ربك التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فهل هذه المراجعة حقيقية أو خيالية وهل في اليقظة أو في المنام وهل هي صحيحة أم مكذوبة وهل موسى مات أم لا يزال حياً حتى وقت تلك المراجعة ؟
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما :
________________________________________
((أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مر على ثنية فقال : ما هذه ؟ قالوا : ثنية كذا وكذا ، قال : كأني أنظر إلى يونس على ناقة خطامها ليف وعليه جبة من صوف وهو يقول : لبيك اللهم لبيك)) .. اهـ . الدر المنثور (ج4 ص334) .
وفي حديث آخر :
((أراني ليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدم كأحسن ما أنت راء من الرجال من آدم الرجال ، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها فهي تقطر ماء متكئاً على رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت من هذا ؟ فقيل : هذا المسيح ابن مريم)) ..
وفي حديث آخر :
((إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مر بوادي الأزرق ، فقال : كأني أنظر إلى موسى هابطاً من الثنية ، وله جؤار إلى الله بالتلبية ثم أتى على ثنية هرشي فقال : كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبي)) ..
وفي حديث آخر :
((كأني أنظر إلى موسى واضعاً اصبعيه في أذنيه)) ..
وهذه الأحاديث كلها في الصحيح وقد تقدم في موسى وعيسى ، وكذلك صلاتهم قياماً وإمامة النبي – صلى الله عليه وسلم – بهم ، ولا يقال : إن ذلك رؤيا منام ، وإن قوله أراني فيه إشارة إلى النوم لأن الإسراء وما اتفق فيه كان يقظة على الصحيح الذي عليه جمهور السلف والخلف ، ولو قيل بأنه نوم فرؤيا الأنبياء حق ، وقوله : أراني لا دلالة فيه على المنام بدليل قوله : رأيتني في الحجر ، وكان ذلك في اليقظة كما يدل عليه بقية الكلام .
بقاء أجسادهم :
جاء في الحديث عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ ، قالوا : وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت – يقولون بليت – فقال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ..
________________________________________
هذا الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في مسنده وابن عاصم في الصلاة له وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم والطبراني في معجمه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم والبيهقي في حياة الأنبياء وشعب الإيمان وغيرهما من تصانيفه .
واعلم بأن حديث: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء . ورد من طرق كثيرة جمعها الحافظ المنذري في جزء مخصوص وقال في الترغيب والترهيب رواه ابن ماجه بإسناد جيد ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه ، وقال ابن القيم في كتاب الروح نقلاً عن أبي عبد الله القرطبي : صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأنه – صلى الله عليه وسلم – اجتمع مع الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس ، وفي السماء خصوصاً موسى وقد أخبر :
((ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)) ..
إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم ، وقد نقل كلام القرطبي وأقره أيضاً الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في شرح عقيدة أهل السنة ونصه : قال أبو عبد الله القرطبي : قال شيخنا أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم : والذي يزيح هذا الإشكال أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد موتهم وقتلهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين .
________________________________________
وهذه صفة الأحياء في الدنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى . وذكر القرطبي أن أجساد الشهداء لا تبلى ، وقد صح عن جابر أن أباه وعمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنهم وهما ممن استشهد بأحد ودفنا في قبر واحد حفر السيل قبرهما فوجدا لم يتغيرا ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك ، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة ، ولما أجرى معاوية العين التي استنبطها بالمدينة وذلك بعد أحد بنحو من خمسين سنة ، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فسال منه الدم ووجد عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس ، وروى كافة أهل المدينة أن جدار النبي – صلى الله عليه وسلم – لما انهدم أيام الوليد بدت لهم قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد قتل شهيداً .
وقد ذكر الشيخ ابن تيمية أنه لما حصل الهدم بدت لهم قدم بساق وركبة ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة ، فقال : هذه ساق عمر وركبته فسرى عن عمر بن عبد العزيز . اهـ (اقتضاء الصراط المستقيم 365) .
وقد ألف في هذا الموضوع الإمام الحجة أبو بكر بن الحسين البيهقي رسالة خاصة جمع فيها جملة من الأحاديث التي تدل على حياة الأنبياء وبقاء أجسادهم ، وكذلك ألف الحافظ جلال الدين السيوطي رسالة خاصة بذلك .
] ] ]
حياة خاصة بنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -
وقد ثبت لنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – حياة برزخية أكمل وأعظم من غيره تحدث عنها بنفسه تثبت اتصاله بالأمة المحمدية ومعرفته بأحوالها واطلاعه على أعمالها وسماعه لكلامهم وردّه لسلامهم ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة .
فمنها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) ..
قال المنذري : رواه النسائي وابن حبان في صحيحه اهـ . من الترغيب والترهيب (ج2 ص498) .
________________________________________
قلت : ورواه إسماعيل القاضي وغيره من طرق مختلفة بأسانيد صحيحة لا ريب فيها إلى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله ابن مسعود وصرَّح الثوري بالسماع فقال : حدثني عبد الله بن السائب . هكذا في كتاب القاضي إسماعيل وعبد الله بن السائب وزاذان روى لهما مسلم . ووثقهما ابن معين فالإسناد إذن صحيح .
ومنها : عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض أعمالكم عليَّ فما رأيت من خير حمدت الله ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم)) ..
قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من طرح التثريب في شرح التقريب : إسناده جيد(20)[26].
وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج9 ص24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وصححه الحافظ السيوطي في المعجزات والخصائص ، وكذا القسطلاني شارح البخاري ، ونص المناوي في فيض القدير (ج3 ص401) :
بأنه صحيح ، وكذا الزرقاني في شرح المواهب للقسطلاني ، وكذا الشهاب الخفاجى في شرح الشفا (ج1 ص102) .
وكذا الملا علي قاري في شرح الشفا (ج1 ص102) وقال : رواه أيضاً الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح .
وذكره ابن حجر في المطالب العالية (ج4 ص22) ، وجاء هذا الحديث من طريق آخر مرسلاً عن بكر بن عبد الله المزني ، ورواه الحافظ إسماعيل القاضي في جزء الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال فيه الشيخ الألباني : مرسل صحيح .
وصححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وتشدده في كتابه الصارم المنكي .
________________________________________
فالحديث صحيح لا مطعن فيه وهو يدل على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيء وقبيح ، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا وهو الشفيع المشفع صلى الله عليه وآله وسلم ، وزاده تشريفاً وتكريماً ، وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم ، قال ابن المبارك : أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته غدوة وعشياً فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ، يقول الله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً } .
ومنها : عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
((إن الله وكل بقبري ملكاً أعطاه الله أسماء الخلائق ، فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك)).
رواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان ولفظه : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((إن الله تبارك وتعالى وكل ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي عليَّ صلاة إلا قال: يا محمد! صلى عليك فلان ابن فلان قال : فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً)) ..
(رواه الطبراني في الكبير بنحوه) اهـ . من الترغيب (ج2 ص500) .
ومنها عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيّ عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
________________________________________
((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة وإن أحداً لن يصلي عليَّ إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها)) .. قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال : ((وبعد الموت ، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق)) ..
رواه ابن ماجه في السنن ، وفي الزوائد هذا الحديث صحيح إلا أنه منقطع في موضعين ، لأن عبادة روايته عن أبي الدرداء مرسلة ، قاله العلاء . وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة قاله البخاري . انتهى من سنن ابن ماجه (ص524) .
ومنها عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ..
رواه أبو داود كذا في الترغيب (ج2 ص499) .
قال الشيخ ابن تيمية : هذا الحديث على شرط مسلم ، وقال : وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((من صلى عليَّ سمعته ، ومن صلى عليَّ نائياً بلغته)) ..
رواه الدارقطني .
وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :
((إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام)) ..
إلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة اهـ . (اقتضاء الصراط المستقيم ص324) .
] ] ]
النبي – صلى الله عليه وسلم – يجيب من ناداه
النبي – صلى الله عليه وسلم – يجيب من ناداه قائلاً : يا محمد ..
في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي يعلى في ذكر عيسى : [ولئن قام على قبري فقال : يا محمد لأجيبنه] ..
ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية 4/ص23 بعنوان حياته – صلى الله عليه وسلم – في قبره .
] ] ]
إرسال السلام بالبريد إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -
عن يزيد المهدي قال : لما ودعت عمر بن عبد العزيز قال : إن لي إليك حاجة ، قلت : يا أمير المؤمنين ! كيف ترى حاجتك عندي ؟ قال : إني أراك إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فاقرئه مني السلام .
________________________________________
وعن حاتم بن وردان قال : كان عمر بن عبد العزيز يوجه البريد قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام .
ذكره القاضي عياض في الشفا في باب الزيارة (ج2 ص83) .
وذكر الخفاجي والملا علي قاري في شرح الشفا أنه رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب ، وقال الخفاجي : كان من دأب السلف أنهم يرسلون السلام إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وكان ابن عمر يفعله ويرسل له عليه الصلاة والسلام ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإن كان يبلغه سلام من سلم عليه وإن كان بعيداً عنه لكن في هذا فضيلة خطابه عنده ورده عليه السلام بنفسه . اهـ .
من نسيم الرياض للخفاجي (ج3 ص516) .
وذكره الفيروز آبادي في الصّلات والبشر ص153 .
صوت وسلام وآذان يسمع من القبر النبوي
روى الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله الدارمي في كتابه السنن الذي يعتبر من كتب الأصول الحديثية الستة ، قال : أخبرنا مروان بن محمد عن سعيد ابن عبد العزيز قال : لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد ، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فذكر معناه . اهـ .
من سنن الدارمي (ج1 ص44) ، ونقله الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحكام تمني الموت من مجموعة مؤلفاته ج3 ص47 .
ونقل هذه الرواية الإمام مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس في الصلات والبشر ص154 . وقال إبراهيم بن شيبان : حججت فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسلمت عليه فسمعت من داخل الحجرة : وعليك السلام .
تأييد ابن تيمية لهذه الوقائع
________________________________________
ذكر الشيخ ابن تيمية هذه الوقائع في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجداً أو وثناً يعبد ، ثم قال : ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوماً سمعوا رد السلام من قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أو قبور غيره من الصالحين ، وأن سعيد ابن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك اهـ .
(اقتضاء الصراط المستقيم ص373)(20).
ثم قال في موضع آخر : وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب الإندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاب بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه ، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته ، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق ، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك . اهـ .
(من اقتضاء الصراط المستقيم ص374)
] ] ]
((ثبوت بعض هذه الكرامات لغير الأنبياء))
وقد روى أهل العلم شيئاً من هذه الكرامات لبعض السلف الصالح رضي الله عنهم حصلت لهم بعد وفاتهم ، ونقلها عنهم الثقات عن الثقات الذين رأوها بأعينهم وسننقل هنا بعض ذلك عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، قال في كتاب أحكام تمني الموت ضمن مجموعة مؤلفاته التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود :
الصلاة في القبر :
ولأحمد عن عفان عن حماد عن ثابت أنه قال : اللهم إن كنت أعطيت أحداً الصلاة في قبره ، فأعطني الصلاة في قبري .
ولأبي نعيم عن جبير قال : أنا – والله الذي لا إله إلا هو – أدخلت ثابتاً البناني في لحده ، ومعي حميد الطويل ، فلما سوينا عليه اللبن ، سقطت لبنة ، فإذا أنا به يصلي في قبره .
قراءة القرآن :
________________________________________
وله ولابن جرير عن إبراهيم بن المهلبي قال : حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار ، قالوا : كنا إذا مررنا بجبانة قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن .
وللترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – خباءه على قبر ، وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها ، فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبره ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : [هي المانعة ، هي المنجية ، تنجيه من عذاب القبر] .
وللنسائي والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : [نمت فرأيتني في الجنة – ولفظ النسائي : دخلت الجنة – فسمعت صوت قارئ يقرأ ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان] ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : [كذاك البر ، كذاك البر ، كذاك البر] وكان أبر الناس بأمه .
ولابن أبي الدنيا عن الحسن قال : بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن أمر حفظته أن يعلّموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله .
وله عن يزيد الرقاشي نحوه ، وروى السلفي معناه من مراسيل عطية العوفي .
تزاور أهل القبور :
ولابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : كان يحب حسن الكفن ، ويقول : إنهم يتزاورون في أكفانهم ، ومعناه في مسند ابن أبي أسامة عن جابر مرفوعاً ، وفيه ويتباهون ويتزاورون في قبورهم .
ولمسلم من حديثه : [إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه] .
وللترمذي وابن ماجه ومحمد بن يحي الهمداني في صحيحه عن أبي قتادة مرفوعاً : [إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ، فإنهم يتزاورون في قبورهم] .
رسالة من الدنيا إلى البرزخ مع ميت :
________________________________________
وأخرج ابن أبي الدنيا بسند لا بأس به عن راشد بن سعد : أن رجلاً توفيت امرأته ، فرأى نساء في المنام ، ولم ير امرأته معهن ، فسألهن عنها ، فقلن : إنكم قصرتم في كفنها ، فهي تستحي أن تخرج معنا ، فأتى الرجل النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبره ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : [أنظر هل إلى ثقة من سبيل ؟] فأتى رجلاً من الأنصار قد حضرته الوفاة ، فأخبره ، فقال الأنصاري : إن كان أحد يبلغ الموتى بلغت ، فتوفي الأنصاري ، فجاء بثوبين مزودين بالزعفران ، فجعلهما في كفن الأنصاري ، فلما كان الليل رأى النسوة ، ومعهن امرأته ، وعليها الثوبان الأصفران.
وروى ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي : قصة المرأة التي رأت أمها في المنام ، تشكو إليها الكفن ، فقصوا على محمد وسألوه ، وفيه : أن أمها قالت لها : اشتروا لي كفناً ، وابعثوه مع فلانة ، قال الفريابي : فذكر الحديث : أنهم يتزاورون في أكفانهم ، فقلت : اشتروا لها كفناً ، فماتت المرأة في اليوم الذي ذكرت ، ووضعوه معها .
النور على القبور :
ولابن أبي الدنيا عن أبي غالب – صاحب أبي أمامة – أن فتى بالشام حضره الموت ، فقال لعمه : أرأيت لو أن الله تعالى دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي ؟ قال : إذاً والله كانت تدخلك الجنة ، قال : فوالله الله أرحم بي من والدتي ، فقبض الفتى ، فدخلت القبر مع عمه ، فقلنا : باللبن ، فسويناه عليه ، فسقطت منها لبنة ، فوثب عمه فتأخر ، فقلت : ما شأنك ؟ فقال : مليء قبره نوراً ، وفسح له مدّ بصره .
ولأبي داود وغيره عن عائشة قالت : لما مات النجاشي ، كنّا نحدث : أنه لا يزال يرى على قبره نور .
وفي تاريخ ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عمارة قال : حضرت جنازة الأحنف بن قيس ، فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته رأيته قد فسح له مدّ بصري ، فأخبرت بذلك أصحابي ، فلم يروا ما رأيت .
________________________________________
وعن إبراهيم الحنفي قال : لما صلب ماهان الحنفي على بابه ، كنا نرى الضوء عنده في الليل .
انظر أحكام تمني الموت المصحح على النسخة المصورة / 771 /86 بالمكتبة السعودية بالرياض تحقيق الشيخ عبد الرحمن السدحان والشيخ عبد الله الجبرين ، مجلد الفقه القسم الثاني .
وقد ذكروا في أول المجموعة توثيق هذه النسخ وتصحيح نسبتها إلى الشيخ ، وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض بنشر هذه المجموعة كاملة بعد تحقيقها تحت إشرافها بمناسبة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب .
لا تشد الرحال
يخطئ كثير من الناس في فهم حديث :
((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)) ..
فيستدلون به على تحريم شد الرحل لزيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – ويعتبرون أن السفر بذلك سفر معصية ، وهذا الاستدلال مردود ، لأنه مبني على فهم باطل ، فالحديث كما سترى في باب ، والاستدلال في باب آخر ، وبيان ذلك هو أن قوله – صلى الله عليه وسلم -: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . جاء على الأسلوب المعروف عند اللغويين بأسلوب الاستثناء ، وهذا يقتضي وجود مستثنى ومستثنى منه ، فالمستثنى هو ما كان بعد إلا ، والمستثنى منه هو ما كان قبلها ، ولابد من الأمرين ، إما وجوداً أو تقديراً ، وهذا مقرر ومعروف في أبسط كتب النحو .
وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله : (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد ((إلا)) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل ((إلا)) فلابد إذن من تقديره .
________________________________________
فإن فرضنا أن المستثنى منه [قبر] كان اللفظ المنسوب لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد . وهذا السياق ظاهر في عدم الانتظام وغير لائق بالبلاغة النبوية ، فالمستثنى غير داخل ضمن المستثنى منه ، والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، ولا يطمئن قلب عالم يتحرج من نسبة كلام للمصطفى – صلى الله عليه وسلم – لم يقله إلى نسبة هذه اللفظة [قبر] وهي لا تتفق مع الأصل في الاستثناء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلا تصلح أن تكون هي المستثنى منه ، فلنفرض أنها لفظ [مكان] فيكون السياق المنسوب لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – على هذا الفرض ، لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد ، ومعنى هذا ألا تسافر إلى تجارة أو علم أو خير ، وهذا ضرب من الهوس ظاهر البطلان .
فالحديث اشتمل على ذكر المستثنى وليس فيه ذكر المستثنى منه ، ولذلك فلابد من تقديره باتفاق أهل اللغة ، وتقديره لا يحتمل إلا ثلاثة وجوه لا رابع لها الوجه الأول : أن يكون تقديره بلفظ [ قبر] فيكون اللفظ المقدر : لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد .
وهذا التقدير مبني على رأي من يستدل بالحديث على منع السفر للزيارة ، وأنت ترى أنه تقدير بارد ممجوج لا يستسيغه من عنده أدنى إلمام بالعربية ، وهو لا تليق نسبته إلى أفصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه ، فحاشا أن يرضى بمثل هذا الأسلوب الساقط .
الوجه الثاني : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ عام وهو لفظ [ مكان ] وهذا باطل كما تقدم بلا خلاف ولا قائل به .
________________________________________
الوجه الثالث : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ [ مسجد ] فيكون سياق الحديث بلفظ : لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد . فنرى أن الكلام قد انتظم وجرى على الأسلوب اللغوي الفصيح ، واختفى التهافت الواضح في الصورتين المتقدمتين وأشرقت فيه روح النبوة . ويطمئن القلب التقي إلى نسبته لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذا بفرض أنه لا توجد رواية أخرى مصرحة بالمستثنى منه فإذا وجدت هذه الرواية فلا يحل لمن له دين أن يعدل عنها إلى محض فرض لا يستند إلى فصيح اللغة .
وقد وجدنا بحمد الله في السنة النبوية من طريق الروايات المعتبرة ما فيه التصريح بالمستثنى منه ، فمنها : ما أخرجه الإمام أحمد من شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة والسلام في الطور فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((لا ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)) ..
قال الحافظ ابن حجر : وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض ضعف .
(فتح الباري ج3 ص65) .
وفي لفظ آخر :
((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..
قال الحافظ الهيثمي : وفيه شهر ، فيه كلام وحديثه حسن .
(مجمع الزوائد ج4 ص3)
ومنها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((أنا خاتم النبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل : المسجد الحرام ومسجدي ، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)) ..
رواه البزار . (مجمع الزوائد ج4 ص3)
________________________________________
فكلامه – صلى الله عليه وسلم – في المساجد ليبين للأمة أن ما عدا هذه المساجد الثلاثة متساو في الفضل ، فلا فائدة في التعب بالسفر إلى غيرها ، أما هي فلها مزيد فضل ، ولا دخل للمقابر في هذا الحديث فإقحامها في هذا الحديث يعتبر ضرباً من الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، هذا مع أن الزيارة مطلوبة بل وكثير من العلماء يذكرونها في كتب المناسك على أنها من المستحبات ، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة ، نذكر جملة منها .
عن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..
رواه البزار وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف ، ونقله الشيخ ابن تيمية ، وقال : إنه ضعيف ولم يحكم بوضعه أو كذبه اهـ . (الفتاوى ج27 ص30) في هذا الموضع ، فإن ثبت غير هذا عنه في موضع آخر فمعناه أنه متردد في الحكم عليه ، أو أنه اختلف رأيه فيه ولم نعلم المتقدم من المتأخر فلا يوثق بواحدة حينئذ .
عن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..
رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف .
(كذا في المجمع ج4 ص2) .
وقال الحافظ العراقي : صححه ابن السكن (المغني ج1 ص265) .
عن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((من حج فزار قبري في مماتي كان مكن زارني في حياتي)) ..
رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه حفص بن أبي داود القارئ وثقه أحمد ، وضعفه جماعة من الأئمة .
عن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) ..
قال الهيثمي : رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه عائشة بنت يونس ، ولم أجد من ترجمها (كذا في مجمع الزوائد 4/2) .
________________________________________
والحاصل أن أحاديث الزيارة لها طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً ، كما نقله المناوي عن الحافظ الذهبي في فيض القدير (ج6 ص140) خصوصاً وإن بعض العلماء صححها أو نقل تصحيحها كالسبكي وابن السكن والعراقي والقاضي عياض في الشفا ، والملا علي قاري شارحه والخفاجي كذلك في نسيم الرياض (ج3 ص511) ، وكلهم من حفاظ الحديث وأئمته المعتمدين ، ويكفي أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وغيرهم من فحول العلماء وأركان الدين قالوا بمشروعية زيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – كما نقله عنهم أصحابهم في كتب فقههم المعتمدة ، وهذا كاف منهم في تصحيح أحاديث الزيارة وقبولها لأن الحديث الضعيف يتأيد بالعمل والفتوى ، كما هو معروف من قواعد الأصوليين والمحدثين .
] ] ]
زيارة القبر هي زيارة المسجد
في اعتبار الشيخ ابن تيمية
للشيخ ابن تيمية رأي نفيس جاء ضمن كلامه عن الزيارة ، فبعد أن تكلم عن بدعية شد الرحل للقبر النبوي المحمدي وحده دون المسجد رجع فقال :
وهذا المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلى قبور الأنبياء نوعاً من القربة ثم لما رأوا ما ذكره العلماء من استحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور يسافر إليها كما يسافر إليه ، فضلوا من وجوه :
أحدهما : أن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده وهو مستحب بالنص والإجماع .
الثاني : أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه وقبل دخول الحجرة وبعد دخول الحجرة فيه ، فهو سفر إلى المسجد سواء كان القبر هناك أو لم يكن ، فلا يجوز أن يشبه به السفر إلى قبر مجرد ……………
ثم قال : السادس : أن السفر إلى مسجده – الذي يسمى السفر لزيارة قبره – هو ما أجمع عليه المسلمون جيلاً بعد جيل ، وأما السفر إلى سائر القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بل ولا عن أتباع التابعين .
________________________________________
ثم قال : والمقصود أن المسلمين ما زالوا يسافرون إلى مسجده ولا يسافرون إلى قبور الأنبياء كقبر موسى وقبر الخليل عليهما السلام ، ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه سافر إلى قبر الخليل مع كثرة مجيئهم إلى الشام وبيت المقدس ، فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلى قبور الأنبياء ؟
فيستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية فائدة مهمة جداً وهي أنه لا يتصور أبداً أن يشد الزائر رحله قاصداً زيارة القبر وحده ، ثم لا يدخل إلى المسجد ويصلي فيه ليستفيد من بركاته ومضاعفة صلاته ، وروضة الجنة التي فيه ويقابله أنه لا يعقل أبداً أن يشد الزائر رحله قاصداً زيارة المسجد وحده ثم لا يتوجه إلى الزيارة ولا يقف بالقبر الشريف للسلام على النبي – صلى الله عليه وسلم – وصاحبيه رضي الله عنهما .
ولذلك ترى الشيخ يشير في عبارته إلى هذا المعنى بقوله مثلاً : (فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة) ؟ .
وبقوله : (إن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده) .
وبقوله : (إن السفر إلى مسجده الذي يسمى السفر لزيارة قبره هو ما أجمع عليه المسلمون) .
فهذا الرأي الجيد النفيس يحل مشكلة كبرى فرقت بيننا معشر المسلمين وبسببها كفر بعضنا بعضاً وأخرجه عن دائرة الإسلام ، ولو سلك من ادعى أنه متبع للسلف مسلك ابن تيمية إمام السلف في عصره والتمس للناس العذر في مقاصدهم وحسن الظن بهم لسلم جمع غفير من دخول النار وفازوا بالجنة دار القرار .
________________________________________
وهذا هو الحق الذي ندين الله به ونعتقده بكل صدق سواء صرحنا به أو لم نصرح ، فلو قال الواحد منا : أنا مسافر لزيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – أو قبره فهو قاصد في الجملة مسجده الشريف ، ولو قال : أنا مسافر لزيارة المسجد ، فهو قاصد في الجملة القبر ، غاية ما في الأمر أنه فاته التصريح بكل ما يقصده وينويه للارتباط الوثيق بين المسجد والقبر الذي هو في الحقيقة عبارة عن قصد النبي ذاته – صلى الله عليه وسلم – ، لأن المسافر لزيارة القبر إنما هو مسافر في الحقيقة إلى النبي نفسه – صلى الله عليه وسلم – .
أما القبر حقيقة فلا يقصده ولا يتوجه إليه مسافر ، ونحن إنما نتوجه إليه – صلى الله عليه وسلم – ونشد رحالنا لزيارته هو ونتقرب إلى الله بتلك الزيارة ، ولذلك فالواجب على المسلمين الزائرين أن يصححوا ألفاظهم ابتعاداً عن الشبهة ، ويقولوا : نحن نزور رسول الله ونشد الرحل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ومن هنا قال مالك : أكره للرجل أن يقول : زرت قبر الرسول .
وفسره العلماء من أئمة المالكية بأن ذلك من الأدب في التعبير اللفظي ،
ولو كان المسافر لزيارة القبر لا يقصد إلا زيارة القبر فقط لما رأيت هذا الازدحام الشديد على الروضة المشرفة .
ولما رأيت الناس يتسابقون ويتدافعون عند فتح أبواب المسجد النبوي حتى ليكاد يقتل بعضهم بعضاً ، وهؤلاء الذين يحرصون على الصلاة في المسجد والمسابقة إلى الروضة هم الذين جاءوا لزيارة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وشدوا رحلهم إليه .
] ] ]
تحقيق مفيد
تحقيق العلامة الشيخ عطية محمد سالم صاحب تكملة أضواء البيان
وقد ذكر هذه المسألة العلامة الشيخ عطية محمد سالم القاضي بالمدينة المنورة في كتابه الذي تمم به التفسير المشهور المسمى بأضواء البيان للعلامة المفسر الشيخ محمد أمين الشنقيطي فقال :
________________________________________
وأعتقد أن هذه المسألة لولا نزاع معاصري شيخ الإسلام معه في غيرها لما كان لها محل ولا مجال .
ولكنهم وجدوها حساسة ولها مساس بالعاطفة ومحبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فأثاروها وحكموا عليه بالالتزام أي بلازم كلامه حينما قال :
لا يكون شد الرحال لمجرد الزيارة ، بل تكون للمسجد من أجل الزيارة عملاً بنص الحديث ، فتقولوا عليه ما لم يقله صراحة ، لو حمل كلامه على النفي بدل من النهي لكان موافقاً أي لا يتأتى ذلك لأنه رحمه الله لم يمنع زيارته – صلى الله عليه وسلم – ولا السلام عليه ، بل يجعلها من الفضائل والقربات ، وإنما يلتزم بنص الحديث في جعل شد الرحال إلى المسجد ولكل شيء ، ومنه السلام على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما صرح بذلك في كتبه . اهـ كلام الشيخ عطية في أضواء البيان (ج8 ص586).
ثم نقل من نصوص كلام ابن تيمية ما نقلناه عنه ثم قال :
فدل كلامه رحمه الله أن زيارة القبر والصلاة في المسجد مرتبطان ، ومن ادعى انفكاكهما عملياً فقد خالف الواقع ، وإذا ثبتت الرابطة بينهما انتفى الخلاف وزال موجب النزاع والحمد لله رب العالمين ، وصرح في موضع آخر ص346 في قصر الصلاة في السفر لزيارة قبور الصالحين عن أصحاب أحمد أربعة أقوال ، الثالث منها : تقصر إلى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام .
(أضواء البيان ج8 ص590) ، ثم قال الشيخ عطية :
وهذا غاية في التصريح منه رحمه الله أنه لا انفكاك من حيث الواقع بين الزيارة والصلاة في المسجد عند عامة العلماء .
ثم قال في حق الجاهل : وأما من لم يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى القبر ، ثم إنه لابد أن يصلي في مسجده فيثاب على ذلك ، وما فعله وهو منهي عنه ولم يعلم أنه منهي عنه لا يعاقب فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر .
(أنظر أضواء البيان ج8 ص590) .
________________________________________
وبه يظهر لك أن قاصد القبر على كل حال ليس بمحروم من الأجر والثواب فهل يقال في حقه : أنه مبتدع أو ضال أو مشرك ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
] ] ]
الإمام مالك والزيارة
الإمام مالك هو من أشد الناس تعظيماً للجناب النبوي وهو الذي كان لا يمشي في المدينة المنورة متنعلاً ولا راكباً ولا يقضي فيها حاجته احتراماً وتعظيماً وتكريماً لتراب المدينة الذي مشى عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وها هو يخاطب أمير المؤمنين المهدي لما جاء إلى المدينة في هذا الموضوع ويقول له : إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ، ولا خير من المدينة . فقال له : ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال : لأنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد – صلى الله عليه وسلم – ، ومن قبر محمد عندهم فينبغي أن يعلم فضلهم .
(كذا في المدارك للقاضي عياض).
ومن شدة تعظيمه للمدينة أنه كره أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأنه أراد أن يقول القائل زرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – مباشرة دون لفظ القبر ، لأن القبر مهجور بدليل قوله – صلى الله عليه وسلم – : صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً .
قال الحافظ ابن حجر : إنه إنما كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع . (فتح الباري شرح صحيح البخاري ج3 ص66) .
وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر : إنما كره مالك أن يقال : طواف الزيارة وزرنا قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – لاستعمال الناس ذلك بعضهم لبعض ، أي فيما بينهم فكره تسوية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع الناس أي عمومهم بهذا اللفظ ، وأحب أن يخص بأن يقال : سلمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – .
________________________________________
وأيضاً فإن الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطي إلى قبره – صلى الله عليه وسلم – يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض ، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وأنه لو قال : زرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكرهه لقوله – صلى الله عليه وسلم – :
((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد بعدي ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ..
فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك قطعاً للذريعة وحسماً للباب .
قلت : ولو كان المقصود كراهية الزيارة لقال مالك : أكره للرجل أن يزور قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، لكن ظاهر قوله : (أكره للرجل أن يقول الخ ..) على أن المقصود هو كراهة التعبير بهذا اللفظ فقط .
] ] ]
استحباب زيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – عند الحنابلة وغيرهم
زيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – مشروعة وقد ذكرها كثير من علماء الأمة وأئمة السلف ، وتخصيص الحنابلة بالذكر المقصود منه رد فرية من زعم أن أئمة الحنابلة لا يقولون بذلك ، فاقتضى الأمر تخصيصهم بالذكر لرد هذه الفرية ، وإلا فإن كتب فقه المذاهب الإسلامية جميعها مشحونة ومملوءة بهذه المسألة فانظر إن شئت كتب الفقه الحنفي ، وانظر إن شئت كتب الفقه المالكي ، وكتب الفقه الشافعي والحنبلي ، وكتب الفقه الزيدي والإباضي والجعفري ، فإنك تجدهم قد عقدوا باباً مخصوصاً في الزيارة بعد أبواب المناسك .
] ] ]
كلام أئمة السلف في مشروعية زيارة
سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وشد الرحل إلى قبره
1 – القاضي عياض :
نذكر هنا كلام القاضي عياض في مشروعية الزيارة النبوية عند السلف ، في شرحه للحديث الذي رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها)) ..
________________________________________
قال القاضي عياض : وقوله – صلى الله عليه وسلم – : وهو يأرز إلى المدينة معناه : أن الإيمان أولاً وآخراً بهذه الصفة ، لأنه في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة إما مهاجراً مستوطناً وإما متشوقاً إلى رؤية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومتعلماً منه ومتقرباً ، ثم بعده هكذا في زمن الخلفاء كذلك ولأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم فيها ، ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقتوأئمة الهدى لأخذ السنن المنتشرة بها عنهم ، فكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – والتبرك بمشاهده وآثار أصحابه الكرام ، فلا يأتيها إلا مؤمن .
هذا كلام القاضي عياض ، والله أعلم بالصواب اهـ . شرح صحيح مسلم للنووي ص177 .
2- الإمام النووي :
عقد الإمام الحافظ شرف الدين النووي صاحب شرح صحيح مسلم في كتابه المعروف في المناسك المسمى بالإيضاح ، عقد فصلاً خاصاً عن الزيارة النبوية ، قال فيه : إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لزيارة تربته – صلى الله عليه وسلم – فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي .
(وانظر كلامه أيضاً في شرح صحيح مسلم عند الكلام على حديث لا تشد الرحال (ج9 ص106) .
3- الإمام ابن حجر الهيثمي :
قال الحافظ ابن حجر الهيثمي في حاشيته على الإيضاح للنووي معلقاً على قوله : (وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..
قال : رواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه وصححه جماعة كعبد الحق والتقي السبكي ، ولا ينافي ذلك قول الذهبي : طرقها كلها لينة ، يقوي بعضها بعضاً.
ورواه الدارقطني أيضاً والطبراني وابن السبكي وصححه بلفظ :
________________________________________
((من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..
وفي رواية :
((كان له حقاً على الله عز وجل أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..
والمراد بقوله : لا تحمله حاجة إلا زيارتي ، اجتناب قصد ما لا تعلق له بالزيارة . أما ما يتعلق بها من نحو قصد الاعتكاف في المسجد النبوي ، وكثرة العبادة فيه ، وزيارة الصحابة وغير ذلك مما يندب للزائر فعله ، فلا يضر قصده في حصول الشفاعة له ، فقد قال أصحابنا وغيرهم : يسن أن ينوي مع التقرب بالزيارة التقرب بشد الرحل للمسجد النبوي والصلاة فيه كما ذكره المصنف .
ثم الحديث يشمل زيارته – صلى الله عليه وسلم – حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى الآتي من قرب أو بعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك ، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم المقاصد .
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح :
((ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردّ الله عليَّ روحي ، حتى أرد عليه السلام)).
فتأمل هذه الفضيلة العظيمة وهي رده – صلى الله عليه وسلم – على المسلم عليه إذ هو – صلى الله عليه وسلم – حي في قبره كسائر الأنبياء لما ورد مرفوعاً : الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ، ومعنى رد روحه الشريفة ، رد القوة النطقية في ذلك الحين للرد عليه . اهـ .
(من الإيضاح ص488)
4- الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني :
________________________________________
قال ابن حجر في شرحه على البخاري عند قوله : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) . قوله : إلا إلى ثلاثة مساجد المستثنى منه محذوف ، فإما أن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا لثلاثة . أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها ، فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين ، والله أعلم .
وقال السبكي الكبير : وقد التبس ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان ، والله أعلم
اهـ . (فتح الباري ج3 ص66) .
5- الإمام الشيخ الكرماني شارح البخاري :
قال الشيخ الكرماني في شرحه على البخاري عند قوله : (إلا إلى ثلاثة مساجد) : ولاستثناء مفرغ ، فإن قلت : فتقدير الكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى ، حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لابد أن يقدر أعم العام .
________________________________________
قلت : المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً ، كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فههنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة ، وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية ، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها . اهـ . شرح الكرماني (ج7 ص12) .
6- الشيخ الإمام بدر الدين العيني :
قال الشيخ العيني في شرح البخاري : وحكى الرافعي عن القاضي ابن كج أنه قال : إذا نذر أن يزور قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فعندي أنه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، قال : ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي . وقال القاضي عياض ، وأبو محمد الجويني من الشافعية : أنه يحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة لمقتضى النهي . وقال النووي : وهو غلط ، والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره . وقال الخطابي : لا تشد لفظه خبر ومعناه الإيجاب فيما نذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك حتى يشد الرحل له ويقطع المسافة إليه غير هذه الثلاثة التي هي مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فأما إذا نذر الصلاة في غيرها من البقاع فإن له الخيار في أن يأتيها أو يصليها في موضعه ولا يرحل إليها .
وقال شيخنا زين الدين : من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه
________________________________________
حكم المساجد فقط وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وفي التجارة والتنزه وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الإخوان ونحو ذلك فليس داخلاً في النهي ، وقد ورد ذلك مصرحاً به في بعض طرق الحديث في مسند أحمد : حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر سمعت أبا الخدري رضي الله عنه وذكر عند صلاة في الطور ، فقال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..
وإسناده حسن ، وشهر بن حوشب وثقه جماعة من الأئمة اهـ . (عمدة القاري ج7 ص254) .
7- الشيخ أبو محمد ابن قدامة إمام الحنابلة صاحب كتاب المغني :
قال الشيخ أبو محمد موفق الدين عبد الله ابن قدامة : ويستحب زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ..
وفي رواية :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..
رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((ما من أحد يسلم عليَّ عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ..
________________________________________
وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا يتشاغل بغيره ، ويروى عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ! سمعت الله يقول : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ، ثم أنشد يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – في النوم فقال : يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له . اهـ
(المغني لابن قدامة ج3 ص556) .
8- الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة وصاحب الشرح الكبير :
قال الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي في كتابه الشرح الكبير :
[ مسألة ] : فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وقبر صاحبيه رضي الله عنهما .
ثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي – صلى الله عليه وسلم – وفيها أن يقول : (اللهم إنك قلت وقولك الحق : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحمين) .
________________________________________
ثم قال : ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا تقبيله ، قال أحمد رحمه الله : ما أعرف هذا ، قال الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، يقومون من ناحية فيسلمون ، قال أبو عبد الله : وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ، قال : أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي – صلى الله عليه وسلم – من المنبر ثم يضعها على وجهه . اهـ . (الشرح الكبير ج3 ص495) .
9- الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي :
قال الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه ((كشاف القناع عن متن الإقناع)) : فصل وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :
((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ..
وفي رواية :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..
رواه باللفظ الأول سعيد .
( تنبيه ) :
قال ابن نصر الله : لازم استحباب زيارة قبره – صلى الله عليه وسلم – استحباب شد الرحال إليها ، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحال ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته – صلى الله عليه وسلم – . اهـ (كشاف القناع ج2 ص598) .
10- شيخ الإسلام محمد تقي الدين الفتوحي الحنبلي :
قال الشيخ الفتوحي : وسن زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما ، فيسلم عليه مستقبلاً له ، ثم يستقبل القبلة ، ويجعل الحجرة عن يساره ، ويدعو ، ويحرم الطواف بها ، ويكره التمسح ورفع الصوت عندها .
11- الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي :
________________________________________
قال الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه دليل الطالب : وسن زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وقبر صاحبيه رضوان الله عليهما ، وتستحب الصلاة في مسجده – صلى الله عليه وسلم – وهي بألف صلاة ، وفي المسجد الحرام بمائة ألف ، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة . اهـ (دليل الطالب ص88) .
12- الإمام شيخ الإسلام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس قال في كتابه : [الصلات والبشر] :
اعلم أن الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – عند قبره آكد فيستحب إعمال المطي لإدراك الفوز بهذا الشرف العظيم والمنصب الكريم ، قال القاضي ابن كج : [هو القاضي يوسف بن أحمد بن كج] فيما حكاه الرافعي : إذا نذر أن يزور قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فعندي أن يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي ، وقد علم أنه لا يلزمه بالنذر إلا العبادات .
ومن صرح باستحبابها وكونها سنة من أصحابنا الرافعي في أواخر باب أعمال الحج ، والغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب والشيخ عز الدين ابن عبد السلام في مناسكه وأبو عمرو بن الصلاح ، وأبو زكريا النووي رحمهم الله تعالى .
ومن الحنابلة : الشيخ موفق الدين ، والإمام أبو الفرج البغدادي وغيرهما .
ومن الحنفية : صاحب الاختيار في شرح المختار له ، عقد لها فصلاً وعدها من أفضل المندوبات المستحبات .
________________________________________
وأما المالكية : فقد حكى القاضي عياض منهم الإجماع على ذلك ، وفي كتاب تهذيب المطالب لعبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران المالكي أن زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – واجبة ، قال عبد الحق : يعني من السنن الواجبة ، وفي كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة : أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب تقتضي السفر للزيارة لأنهم استحبوا للحاج بعد الفراغ من الحج الزيارة ، ومن ضرورتها:السفر،وأما نفس الزيارة فالأدلة عليها كثيرة منها: قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } .
ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم حي ، وأن أعمال أمته معروضة عليه
ثم ذكر الشيخ جملة من أحاديث الزيارة . انتهى من كتاب ((الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر)) تأليف شيخ الإسلام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ص147) .
13- الإمام الشيخ محمد بن علان الصديقي الشافعي شارح الأذكار :
قال معلقاً على قول النووي [فإن زيارته أفضل القربات وأنجح المساعي] : وكيف لا وقد وعد الزائر بوجوب شفاعته – صلى الله عليه وسلم – وهي لا تجب إلا لأهل الإيمان ففي ذلك التبشير بالموت على الإيمان مع ما ينضم إلى ذلك بسماعه – صلى الله عليه وسلم – سلام الزائر من غير واسطة . أخرج أبو الشيخ : من صلى عليَّ عند قبري سمعته ، ومن صلى عليَّ بعيداً أعلمته . قال الحافظ : وينظر في سنده ، وأخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال :
((ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)) ..
________________________________________
قال الحافظ : حديث حسن أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما وأنبئت عن الشيخ السبكي في شفاء السقام قال : اعتمد جماعة من الأئمة على هذا الحديث في استحباب زيارة قبره – صلى الله عليه وسلم – وهو اعتماد صحيح لأن الزائر إذا سلم عليه وقع الرد عليه من قرب وتلك فضيلة مطلوبة اهـ .
أقول ورده عليه كذلك بنفسه ولو لم يكن للزائر من القرى إلا هذا الخطاب لكان فيه الغنى ، كيف وفيه الشفاعة العظمى ومضاعفة الصلاة في ذلك الحرم الأسنى ، وقد أورد جملة من الأحاديث في ذلك التقي السبكي في شفاء السقام ، وابن حجر الهيثمي في الدر المنظم ، وتلميذه الفاكهي في حسن الاستشارة في آداب الزيارة . اهـ من الفتوحات الربانية على الأذكار النووية (ج5 ص31) .
] ] ]
الزيارة النبوية السلفية
ومعلوم أن المقصود بالزيارة هو الزيارة الشرعية وهي التي بينت السنة النبوية آدابها وما ينبغي أن يفعله الزائر .
________________________________________
قال الشيخ ابن تيمية مبينا الفرق بين زيارة أهل التوحيد وبين زيارة أهل الشرك : (فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم ، وهو مثل الصلاة على جنائزهم ، وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ، ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق ، فيكونون قد جعلوه لله نداً وسووه برب العالمين ، وقد نهى الله أن يشرك به الملائكة والأنبياء وغيرهم ، فقال تعالى (آل عمران آيتي : 79،80) : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ {79} وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } . وقال تعالى (الإسراء آيتي : 56،57) : { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } . قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الأنبياء كالمسيح وعزير ويدعون الملائكة فأخبرهم تعالى أن هؤلاء عبيده يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال . اهـ (الجواب الباهر في زوار المقابر لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ص21) .
قلت : وهل زيارتنا لنبينا – صلى الله عليه وسلم – إلا على هذا المنهج وبهذا الطريق السوي والصراط المستقيم ؟ .
________________________________________
فالله يشهد وملائكته وحملة عرشه وأهل السماوات والأرض أننا في زيارتنا لسيدنا ومولانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا نعتقد إلا أنه – صلى الله عليه وسلم – بشر يوحى إليه ، من خيار عبيد الله يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه ويتقرب إليه بالأعمال ، بل هو أشد الناس حرصاً على ذلك ، فهو أتقانا لله وأخوفنا من الله وأعلمنا بالله وأعرفنا به ، لا نشبهه بالخالق ولا ننذر له ولا نسجد له ولا ندعوه ولا نجعله لله نداً ولا نسويه برب العالمين ، ونحبه كما أمر أكثر كم النفس والمال والولد .
] ] ]
الشيخ ابن القيم والزيارة النبوية
وقد ذكر الشيخ ابن القيم في قصيدته المعروفة بالنونية كيف تكون الزيارة وما هي الآداب المطلوبة فيها ، وكيف ينبغي أن يكون شعور الزائر وهو واقف أمام المواجهة الشريفة ، وما ذا ينبغي أن يحس به تجاه صاحب القبر وذكر في آخر تلك الأبيات أن الزيارة بهذا الإحساس والشعور وبتلك الكيفية هي من أفضل الأعمال فقال :
فإذا أتينا المسجد النبوي صلـ ـينا التحية أولاً ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها وحضور قلب فعل ذي الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد الـ ـقبر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان
فكأنه في القبر حي ناطق فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجرت تلك العيون بمائها ولطالما غاضت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفاً بالقبر أسـ ـبوعاً كأن القبر بيت ثان
ثم انثنى بدعائه متوجهاً لله نحو البيت ذي الأركان
هذي زيارة من غدا متماسكاً بشريعة الإسلام والإيمان
من أفضل الأعمال هاتيك الزيا رة وهي يوم الحشر في الميزان
(انظر النونية المشهورة لابن القيم) .
________________________________________
وتدبر قوله رحمه الله : (من أفضل الأعمال هاتيك الزيارة) فقد أعمى الله بصيرة بعض من القراء عن قراءتها فأنكرها .
القبر النبوي الشريف
إن بعض الناس أصلحهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم ينظر إلى القبر النبوي المكرم من الزاوية القبورية فقط ولهذا فإنه لا غرابة في كل ما يقع في ذهنه من تصورات فاسدة ولا غرابة في كل ما يقع في قلبه من ظنون سيئة بالمسلمين والزائرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقاصدين إليه والداعين عند قبره فتراه يقول : لا تشد الرحال إلى قبره – صلى الله عليه وسلم – ، ولا يجوز الدعاء عند قبره ، بل قد يصل به العنت إلى أن يقول : إن الدعاء عند قبره شرك أو كفر ، وإن استقبال القبر بدعة أو ضلال ، وإن إكثار الوقوف والتردد على القبر شرك أو بدعة أو أن من قال : إن القبر أفضل البقاع وبما فيها الكعبة فقد أشرك أو ضل . وهذا التكفير والتضليل هكذا بالكيل الجزاف دون تبصر أو تعقل مخالف لما عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين .
ونحن حينما نتكلم عن القبر أو عن زيارة القبر أو عن تفضيل القبر أو شد الرحال إلى القبر أو دعاء الله وسؤاله أمام القبر فإن المقصود الذي لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان إنما هو ساكن القبر وصاحباه ، ألا وهو سيد المرسلين والآخرين وأفضل مخلوقات الله أجمعين النبي الأعظم والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما هي قيمة القبر بدونه بل ما هي قيمة المسجد بدونه بل ما هي قيمة المدينة المنورة بدونه بل ما هي قيمة المسلمين كلهم بدونه ، فإنهم لولاه ولولا رسالته والإيمان به ومحبته والإقرار بالشهادة التي لا تصح إلا به ما كانوا ولا قاموا ولا فازوا ولا نجوا .
________________________________________
ومن هنا فإن ابن عقيل الحنبلي لما سئل عن المفاضلة بين الحجرة والكعبة فقال : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو – صلى الله عليه وسلم – فيها فلا والله لا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح . (كذا في بدائع الفوائد لابن القيم) .
هذا هو المقصود بالقبر وتفضيله وزيارته وشد الرحال إليه .
ومن هنا أيضاً قال العلماء : إنه لا ينبغي أن يقول : زرت القبر وإنما
زرت النبي – صلى الله عليه وسلم – ([27]) ، وهذا ما قرره العلماء في تفسير قول الإمام مالك رحمه الله : أكره للرجل أن يقول : زرنا قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – وذلك لأنه إنما يزور من يسمعه ويراه ويحس به ويعرفه ويرد عليه ، فالقضية ليست قضية قبر بل هي أكبر من ذلك وأجل وأرفع من أن ينظر إليها من الزاوية القبورية ، فإذا نظرنا إلى القبر فقط دون النظر إلى من فيه وجدنا الأرواح الطاهرة التي تحف به من كل جانب ووجدنا جسراً ملائكياً متصلاً ممتداً من الملأ الأعلى إلى قبر محمد – صلى الله عليه وسلم – مواكب متصلة لا تنقطع أعدادها وأمدادها لا يحصيها إلا الحق جل جلاله .
روى الدارمي في سننه : حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني خالد هو ابن يزيد عن سعيد هو ابن أبي هلال عن نبيه بن وهب : أن كعباً دخل على عائشة فذكروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كعب : ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضربون بأجنحتهم ويصلون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه . كذا في سنن الدارمي ج1 ص44) .
قلت : وروى هذا الأثر أيضاً الحافظ إسماعيل القاضي بسنده وهو جيد في المتابعات والشواهد والمناقب وفضائل الأعمال .
________________________________________
وإذا نظرنا ما حول القبر من الروضة التي هي قطعة من الجنة والمنبر الذي نال الشرف الأعلى بالحبيب – صلى الله عليه وسلم – وسيكون يوم القيامة على حوضه العظيم وإلى الجذع الذي حن إليه حنين الثكلى وسيكون يوم القيامة في جنة الخلد وسط أشجارها ، وقد قيل : إنه دفن في موضعه بالمسجد فلا أظن أن عاقلاً حريصاً على الخير يتوقف عن الدعاء في هذه المواضع .
القبر النبوي – والدعاء
ذكر العلماء رضي الله عنهم : أنه يستحب لمن زار النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف للدعاء فيسأل الله تعالى ما يشاء من الخير والفضل ولا يلزمه أن يتوجه إلى القبلة ولا يكون في وقوفه ذلك مبتدعاً أو ضالاً أو مشركاً ، وقد نص العلماء على هذا الأمر ، بل قد ذهب بعضهم إلى القول بالاستحباب .
والأصل في هذا الباب هو ما جاء عن الإمام مالك بن أنس لما ناظره أبو جعفر المنصور في المسجد النبوي ، فقال له مالك : يا أمير المؤمنين ! لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوماً فقال : { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } الآية . وقد مدح قوماً فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ } الآية . وذم قوماً فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ } الآية . وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً ، فاستكان لها أبو جعفر وقال : يا أبا عبد الله ! أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله ، قال الله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } الآية .
وهذه القصة رواها القاضي عياض بسنده في كتابه المعروف بـ ((الشفا في التعريف بحقوق المصطفى))في باب من أبواب الزيارة ، وقد صرح كثير من العلماء بهذا .
________________________________________
قال الشيخ ابن تيمية : قال ابن وهب فيما يرويه عن مالك : إذا سلم على النبي – صلى الله عليه وسلم – يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده . اهـ (من اقتضاء الصراط المستقيم ص396) .
وصرح النووي رحمه الله في كتابه المعروف بالأذكار في أبواب الزيارة ، وكذلك في الإيضاح في باب الزيارة ، وكذلك في المجموع (ج8 ص272) .
قال الخفاجي شارح الشفا : قال السبكي : صرح أصحابنا بأنه يستحب أن يأتي القبر ويستقبله ويستدبر القبلة ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم على الشيخين ثم يرجع إلى موقفه الأول ويقف فيدعو . اهـ شرح الشفا للخفاجي (ج3 ص398) .
] ] ]
رأي الشيخ ابن تيمية :
قال الشيخ ابن تيمية بعد نقل أقوال العلماء في هذا الموضوع : [فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء ] .
هذه خلاصة ما يراه الشيخ ابن تيمية في هذا الموضوع وهو يدل دلالة واضحة على أن من وقف أمام القبر يدعو الله تعالى ويسأله من فضله كما شرع هو على أساس متين معتبر مؤيد بأقوال أئمة من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ، ولو تأمل المنصف العاقل قول الشيخ ابن تيمية : [وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء] لفهم منها ما يطمئن قلبه ويقر عينه ويبشره بأن هؤلاء الذين يقفون بعد السلام على الرسول – صلى الله عليه وسلم – للدعاء عند قبره ما زالوا على التوحيد ، ومن أهل الإيمان ، ولأن هذه المسألة متنازع فيها بين السلف والكلام مختلف بينهم بين الاستحباب وغيره ، فهل يصل الحال إلى القول بالشرك والضلال ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
] ] ]
تحليل كلام الشيخ ابن تيمية :
________________________________________
والمفهوم من كلام الشيخ ابن تيمية هو أن المنهي عنه حقيقة هو تحري الدعاء عند القبور أو قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك ، أو تستشعر أن الدعاء عند القبر أجوب من غيره ، أما أن يدعو الله تعالى في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور فيدعو عندها أو أن يزور قبراً فيسلم على صاحبه ثم يدعو في مكانه ذلك فلا يلزمه أن يتحول إلى القبلة ولا يقال في حقه : إنه مشرك أو مبتدع. وإليك نصوص كلام الشيخ في هذا الموضوع . قال في اقتضاء الصراط المستقيم في صفحة 336 : فمما يدخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو لها فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين :
أحدهما : أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها ، كمن يدعو الله تعالى في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور أو من يزورها فيسلم عليها
ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس به .
الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره ، فهذا النوع منهي عنه : غما نهي تحريم أو تنزيه وهو إلى التحريم أقرب والفرق بين البابين ظاهر .
ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب أو كنيسة يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة لكان هذا من العظائم بل لو قصد بيتاً أو حانوتاً في السوق ، أو بعض عواميد الطرقات يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها لكان هذا من المنكرات المحرمة إذ ليس للدعاء عندها فضل .
فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب بل هو أشد من بعضه لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن اتخاذها مساجد وعن اتخاذها عيداً وعن الصلاة عندها بخلاف كثير من هذه المواضع .
________________________________________
ثم قال في صفحة 338 : إن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر نم رجائها في غير ذلك الموطن أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ، ولا ذكره أحد من العلماء الصالحين المتقدمين .
ثم قال في صفحة 339 : ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم كما ذكرنا بعضه . اهـ (من اقتضاء الصراط المستقيم ص339) .
] ] ]
رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدعاء عند القبر
الدعاء عند القبر ليس بدعة ولا شركاً
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن قولهم في الاستسقاء : (لا بأس بالتوسل بالصالحين) وقول أحمد: [يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة] مع قولهم: (إنه لا يستغاث بمخلوق) .
فقال : فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام مما نحن فيه ، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه ، فهذه المسألة من مسائل الفقه وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور :
إنه مكروه ، فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد ، لكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإعطاء الرغبات ، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ، ولكن يقول في دعائه : أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين ، أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين ، فأين هذا مما نحن فيه . (انتهى من فتاوى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في مجموع المؤلفات القسم الثالث ص68 التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب) .
] ] ]
________________________________________
القبر النبوي والتبرك بالتمسح به أو الشباك وتقبيله
اعلم أنه ينبغي للزائر أن لا يقبل القبر الشريف ولا يمسحه بيديه ولا يلصق بطنه وظهره بجداره أو بالحاجز المستور بالكسوة أو الشباك فإن كل ذلك مكروه لما فيه من استعمال خلاف الأدب في حضرته – صلى الله عليه وسلم – ، وقصد التبرك لا ينفي الكراهة لأنه جهل بما يليق من الأدب ولا اغترار بما يفعله أكثر العوام فإن الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا على خلافه كما صرح به النووي في إيضاحه .
وأطال ابن حجر في المنح والجوهر في ترجيحه ، قال في الإحياء : مسّ المشاهد وتقبيلها عادة اليهود والنصارى اهـ .
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ما معناه : اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ، ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته ، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وكيف ينبغي الفضل في مخالفة الصواب . اهـ .
(من المجموع ج8 ص275).
رأي الإمام أحمد بن حنبل
وقد جاءت روايات عن الإمام أحمد في هذا الموضوع بعضها يفيد جواز ذلك وبعضها يفيد التوقف في الحكم ، وبعضها يفيد التفريق بين المنبر النبوي وبين القبر ، وذلك بجواز الأول والتوقف في الثاني أو الإباحة ومهما كان ذلك الاختلاف فإنه لا يصل الحال بالحكم على فاعله بالكفر أو الضلال أو الخروج عن الملة أو الابتداع في الدين غاية ما في الأمر أنه فعل ما هو مختلف فيه ، أو ما هو مكروه ، والمقصود هو ألا يتخذ ذلك عادة حتى يغتر به العوام ويظنونه من مستلزمات الزيارة وآدابها ، وإليك كلام الإمام أحمد :
قال في خلاصة الوفا ما نصه : وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله ابن أحمد ابن حنبل قال : سألت أبي عن الرجل يمس قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يتبرك بمسه وتقبيله ويفعل بالمنبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى ، فقال : لا بأس به .
________________________________________
قال أبو بكر الأثرم : قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يمس ويتمسح به ؟ فقال : ما أعرف هذا ، قلت له : فالمنبر ؟ فقال : أما المنبر فنعم ، فقد جاء فيه ، قال أبو عبد الله : شيء يروونه عن ابن فديك عن أبي ذئب عن ابن عمر [ أنه مسح على المنبر ] قال : ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة ، قلت : ويروون عن يحيى بن سعيد : أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه ، ثم قال : لعله عند الضرورة والشيء ، قيل لأبي عبد الله : إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر ، وقلت له : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون ، فقال أبو عبد الله : نعم وهكذا كان ابن عمر يفعل ، ثم قال أبو عبد الله : بأبي هو وأمي – صلى الله عليه وسلم – .
قال الشيخ ابن تيمية :
فقد روى أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي – صلى الله عليه وسلم – ويده ، ولم يرخصوا في التمسح بقبره ، وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له والفرق بين الموضعين ظاهر . اهـ اقتضاء الصراط المستقيم (ص367) ، ونقله ابن مفلح عن الإمام أحمد في الفروع (ج3/ ص524) .
] ] ]
القبر النبوي محفوظ من الشرك والوثنية
وقد حفظ الله تعالى هذا القبر المشرف بالحبيب الأعظم والنبي الأكرم – صلى الله عليه وسلم – فلا يقع عنده شرك ولا شيء من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله ، ولا يقع في ذهن أحد أنه وثن يعبد أو قبلة يتوجه إليها بالعبادة وذلك ببركة دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث دعا بذلك فاستجاب الله دعاءه وحقق مطلوبه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وفي موطأ مالك رضي الله عنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال :
((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ..
________________________________________
وقد استجاب الله دعوته فلم يتخذ – ولله الحمد – وثناً كما اتخذ قبر غيره بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة ، وقبل ذلك ما كانوا يمكنون أحداً من أن يدخل إليه ليدعو عنده ، ولا يصلي عنده ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره ، لكن من الجهال من يصلي إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه ، وهذا إنما يفعل خارجاً عن حجرته لا عند قبره وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط أن يدخل إلى قبره فيصلى عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثناً ، فإنه في حياة عائشة رضي الله عنها ما كان أحد يدخل إلا لأجلها ، ولم تكن تمكن أحداً أن يفعل عند قبره شيئاً مما نهى عنه ، وبعدها كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبنى عليها حائط آخر ، كل ذلك صيانة له أن يتخذ بيته عيداً وقبره وثناً ، وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم مسلمون ولا يأتي إلى ما هناك إلا مسلم وكلهم معظمون للرسول صلى الله عليه وسلم وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة ، فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم ، بل فعلوه لئلا يتخذ وثناً يعبد ، ولا يتخذ بيته عيداً ، ولئلا يفعل به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم ، والقبر المكرم في الحجرة إنما عليه بطحاء وهو الرمل الغليظ ليس عليه حجارة ولا خشب ، ولا هو مطين كما فعل بقبور غيره وهو – صلى الله عليه وسلم – إنما نهى عن ذلك سداً للذريعة ، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لئلا يفضي ذلك إلى الشرك ، ودعا الله عز وجل أن لا يتخذ قبره وثناً يعبد فاستجاب الله دعاءه – صلى الله عليه وسلم – ، فلم يكن مثل الذين اتخذت قبورهم مساجد فإن أحداً لا يدخل عند قبره البتة ، فإن من كان قبله من الأنبياء إذا ابتدع أممهم بدعة بعث الله نبياً ينهى عنها وهو – صلى الله عليه وسلم – خاتم الأنبياء لا نبي بعده فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة وعصم قبره المكرم أن يتخذ
________________________________________
وثناً فإن ذلك والعياذ بالله لو فعل لم يكن بعده نبي ينهى عن ذلك وكان الذين يفعلون ذلك قد غلبوا الأمة وهو – صلى الله عليه وسلم – قد أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة ، فلم يكن لأهل البدع سبيل أن يفعلوا بقبره المكرم كما فعل بقبور غيره – صلى الله عليه وسلم – . اهـ .
(من الجواب الباهر في زوار المقابر ، ص13 للشيخ ابن تيمية) .
] ] ]
التردد على الآثار النبوية والمشاهد الدينية
والتبرك بزيارتها
كتب في هذا الموضوع الشيخ ابن تيمية كلاماً نفيساً جداً ، ونحن ننقل منه هذه الفوائد المهمة .
فأما مقامات الأنبياء والصالحين وهي الأمكنة التي قاموا عليها أو أقاموا أو عبدوا الله سبحانه وتعالى فيها لكنهم لم يتخذوها مساجد .
فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين :
أحدهما : النهي عن ذلك وكراهته ، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع مثل أن يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم وكما كان يتحرى الصلاة عند الاستطوانة.
وكما يقصد المساجد للصلاة ويقصد الصف الأول ونحو ذلك .
والقول الثاني : أنه لا بأس باليسير من ذلك كما نقل عن ابن عمر [أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سلكها اتفاقاً لا قصداً] .
قال سندي الخواتيمي : سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد يذهب إليها ترى ذلك ؟ قال : أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى ، وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي – صلى الله عليه وسلم – وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا وأكثروا فيه .
________________________________________
وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم : أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة المنورة وغيرها يذهب إليها ؟ فقال : أما على حديث ابن أم مكتوم (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً)، أو على ما كان يفعل ابن عمر : كان يتتبع مواضع سير النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى أنه رؤي يصب في موضع ماء ، فسئل عن ذلك ، فقال : (كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصب هاهنا ماء) . قال : أما على هذا فلا بأس . قال : ورخص فيه ثم قال : ولكن قد أفرط الناس جداً وأكثروا في هذا المعنى ، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده .
رواهما الخلال في كتاب الأدب .
قال الشيخ ابن تيمية :
فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً أو الكثير الذي يتخذونه عيداً كما تقدم .
وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة ، فإنه قد روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – يصلي في تلك الأمكنة ، قال موسى : وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة] .
فهذا ما رخص فيه أحمد رضي الله عنه .
وأما ما كرهه فروى سعيد بن منصور في سننه : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه قال : (خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } ، و { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } في الثانية ، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال : ما هذا ؟ قالوا مسجد صلى فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال :
________________________________________
((هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم : اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض)) ..
فقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي – صلى الله عليه وسلم – عيداً ، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا .
قال الشيخ ابن تيمية : قد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان المشاهد .
فقال محمد بن وضاح : كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحداً ، ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ، ولم يتتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها .
فهؤلاء كرهوها مطلقاً لحديث عمر رضي الله عنه هذا ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً وإلى التشبه بأهل الكتاب ، ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة ، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحداً منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي – صلى الله عليه وسلم – ([28]2).
ثم قال : واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها وذكر طائفة من المصنفين من أصحابنا وغيرهم في المناسك استحباب زيارة هذه المشاهد وعدوا منها مواضع وسموها .
وأما أحمد : فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيداً مثل أن تنتاب لذلك ويجتمع عندها في وقت معلوم كما يرخص في صلاة النساء في المساجد جماعات وإن كانت بيوتهن خيراً لهن إلا إذا تبرجن ، وجمع بذلك بين الآثار واحتج بحديث ابن أم مكتوم . اهـ اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم (ص387) .
والحاصل الظاهر من كلام الإمام أحمد أنه يجيز التردد على الآثار والمشاهد والأماكن المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين ويرى أن تتبع ذلك والاعتناء به له أصل في السنة النبوية وهو ليس ببدعة ولا ضلالة فضلاً عن أن يكون شركاً أو كفراً ، لكنه انتقد الإفراط في ذلك والاشتغال به بصورة زائدة .
________________________________________
هذه خلاصة رأيه رضي الله تعالى عنه .
أما الشيخ ابن تيمية فقد فهم نم كلام أحمد التفصيل في هذا الأمر بين القليل والكثير ، وفهم أن الكثير من ذلك هو المكروه عند أحمد وحكم عليه بأنه مكروه فقط ولم يزد على القول بالكراهة شيئاً وقد بين ابن تيمية القدر الكثير الذي يصير به هذا التردد والتتبع للآثار النبوية مكروهاً ، وهو أن تتخذ تلك الأماكن والآثار عيداً يجتمعون عليه عندها ويحتفلون بها في أوقات مخصوصة .
ويفهم من كلام الشيخ ابن تيمية أيضأً أن الآثار التي ثبت أن الأنبياء اتخذوها مسجداً أو صلوا فيها فإنها خارجة عن هذا التفصيل ، وينبني عليه أن الأماكن والآثار التي ثبت أن الأنبياء صلوا فيها لها ميزة على غيرها وأنها تقصد للعبادة والصلاة ، وهذا صريح كلامه حين قال في أول البحث : [لكنهم لم يتخذوها مساجد] ، وحين قال : (فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً والكثير الذي يتخذونه عيداً كما تقدم) . اهـ (من اقتضاء الصراط ص385) .
معنى العيد المنهي عنه في الحديث :
وقد حدد الشيخ ابن تيمية معنى العيد المنهي عنه في الحديث بقوله – صلى الله عليه وسلم – :
((لا تتخذوا قبري عيداً)) ..
فقال :
وفي الجملة هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله :
((لا تتخذوا قبري عيداً)) ..
فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائداً بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد ثم ينهى عن دق ذلك وجله وهذا هو الذي تقدم عن الإمام أحمد إنكاره قال : وقد أفرط الناس في هذا جداً وأكثروا ، وذكر ما يفعل عند قبر الحسين .
________________________________________
وقال في موضع آخر : فأما اتخاذ قبورهم أعياداً فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين والاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيداً كما تقدم ولا أعلم بين المسلمين من أهل العلم في ذلك خلافاً ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة ، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين الذي أخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كائن في هذه الأمة . اهـ اقتضاء الصراط المستقيم (ص377) .
عقيدة المؤلف :
وهذا الذي ذكره الشيخ ابن تيمية هو عين ما نعتقده في هذا الموضوع بفضل الله سبحانه وتعالى وهو ما ندعو إليه ونحث الناس عليه في كل مجال وفي كل مناسبة إننا ننهاهم أن يتخذوا قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أو الآثار والمشاهد عيداً وننهاهم أن يخصوها بشيء من أنواع العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه وتعالى ، وننهاهم أن يخصصوا لها يوماً يجتمعون فيه ويحتفلون به ، هذا ما نعتقده وندين الله به ، لا من اليوم ولا من الأمس بل خلف عن سلف وأبناء عن آباء ، بفضل الله سبحانه وتعالى .
________________________________________
فالواجب علينا أن نلاحظ بعين الاعتبار هذه الأقوال والتحليلات العلمية الدقيقة التي تدل على حسن الفهم في تذوق العلم وأن لا نبادر إلى تكفير المسلمين أو الحكم عليهم بالضلال والبدعة لمجرد تتبعهم للآثار النبوية واهتمامهم بالمقامات والمشاهد والأماكن المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين ، وأن نحسن الظن بهم وأن نعلم أن المقصود الأصلي هو الله سبحانه وتعالى ، وهذه كلها أسباب ووسائل تزيد في النفس الإيمان والاعتبار والادكار والارتباط بأصحابها وتاريخهم ، وهم القدوة الحسنة للبشر مع ما في ذلك من التعرض للنفحات والبركات المتنزلة في أماكن الخير ومواطن الهدى لأن الأماكن التي كانت معمورة بأهل الخير والصلاح لا تزال هي محل الرضا والرضوان ، والأماكن التي كانت معمورة بأهل الشر والفساد هي محل السخط والغضب ، ولذلك أمر – صلى الله عليه وسلم – أصحابه أن لا يدخلوا ديار ثمود إلا وهم باكون ، وأن لا يشربوا من مائها ، بل أمرهم أن يهريقوا ما أخذوه ، وأن لا يأكلوا ما طبخوه بها ، وكذلك أمرهم بالإسراع في المشي إذا دخلوا وادي محسر المعروف بوادي النار .
وقد فصلنا هذا الموضوع بعينه في مبحث خاص : بالتبرك بالآثار النبوية .
الاعتناء بالآثار والمشاهد
المحافظة على الآثار النبوية أصل عظيم وتراث كريم وتاريخ ، إنه تاريخ الأمة الذي تفخر به والذي يظهر به شرفها وشرف رجالها وأئمتها الذين بنوا مجدها وأقاموا عزها وصنعوا منها أمة قائدة رائدة في كل مجال ، ولذلك فإن إهمال هذه الآثار إهدار لشواهد الحضارة الإسلامية الواقعية ومسخ لأصول طبيعية باقية من تراثنا الإسلامي وجناية على أعز ما تملكه الأمة في هذا المجال ، إنه هو وصمة في الجبين وقذاة في العين يعكر صفو الرؤية ويشوه الصورة ويفوت علينا خيراً عظيماً لا يعوض ولا يدرك لأنه ستتغير معالمه وتنطمس رسومه ثم لا يبقى منه شيء ثم لا يبقى من يعرف منه شيئاً .
________________________________________
فإن قيل إن بعض الناس يتخذها عيداً ويشرك بالله عندها بعبادتها دون الله أو بالطواف حولها وربط الحبال وإلقاء الأوراق أو الذبح لها .
فنقول : إن ذلك كله لا نرضاه ولا نوافق عليه بل وننهى عنه ونحذر الناس منه وهو من الجهل الذي يجب محاربته لأن هؤلاء يؤمنون بالله ويقرون له بالتوحيد ويشهدون أنه لا إله إلا هو ولكنهم يخطئون العمل ويجهلون الصواب ، فالواجب تعليمهم وإرشادهم ولكن ذلك كله لا يدعو إلى إهمالها أو إزالتها ومحوها من الوجود والاعتذار بتلك الحجج اعتذار بارد وتعليل عليل ليس بمقبول عند العلماء والعقلاء إذ يمكن إزالة تلك العوارض إذا وجدت بالمنع والمراقبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والخلق الحسن مع بقاء آثارنا والمحافظة عليها والاعتناء بها حفظاً لأصالة الأمة ووفاء للتاريخ وأداء للأمانة التي في أعناقنا والتي هي جزء أصيل من تاريخنا المجيد وتاريخ نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – ، والمفكرون اليوم يحافظون على آثار بائدة لأمم ملعونة مسخوطة معذبة ممن سبقنا كقوم ثمود وعاد ، فهل يصح أن نحافظ على تلك الآثار ونعتني بها ونجاهد في سبيل بقائها ونضيع آثار أشرف خلق الله الذي تشرفت به البلاد والعباد وأعز الله به الأمة ورفعها وجعل لها المكانة العالية والرتبة السامية التي ما نالها نائل ولا وصل إليها واصل إلا بسبب الانتماء إلى الحظ السعيد والمجد التليد محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم -.
اعتناء القرآن بآثار الأنبياء السابقين :
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز قصة تابوت بني إسرائيل الذي جعله علامة صحة ملك طالوت عليهم فقال :
________________________________________
{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .
هذا التابوت شأنه عظيم ومقامه كريم وكان عندهم يقدمونه بين أيديهم في حروبهم فيحصل لهم النصر ببركة التوسل إلى الله تعالى به وبما فيه ، فلا يقاتلون أحداً من أعدائهم إلا ويكون معهم هذا التابوت ، وقد أخبر الله تعالى في الآية عن محتوياته بأنه فيه سكينة إلهية وآثار نبوية وهي التي قال عنها : { وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ } ، وهذه البقية من تركة آل هارون هي عصا موسى وعصا هارون وثيابه والنعلان ولوحان من التوراة . كذا في تفسير ابن كثير (ج1 ص313) ، وفيه أيضاً طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء . انتهى من البداية والنهاية (ج2 ص8) .
وبسبب هذه الآثار العظيمة المنسوبة إلى أولئك المصطفين الأخيار من عباد الله عظم الله قدر هذا التابوت ورفع شأنه وحفظه ورعاه برعايته الخاصة لما غلبوا بسبب معاصيهم ومخالفتهم إذ لم تتحقق أهليتهم للاحتفاظ به فعاقبهم الله تعالى بأخذه وسلبه منهم ثم حفظه الله تعالى ثم رده إليهم ليكون علامة على صحة ملك طالوت عليهم ، وقد رده إليهم بالتعزيز والتكريم والتقدير إذ جاءت به الملائكة تحمله إليهم .
فأي عناية أعظم من هذه العناية بالآثار والاهتمام بها والمحافظة عليها وتنبيه العقول والأفهام إلى أهمية ذلك الأمر وجلالته وقيمته التاريخية والدينية والحضارية .
] ] ]
محافظة الخلفاء الراشدين على خاتم النبي – صلى الله عليه وسلم -
________________________________________
روى الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : اتخذ رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم خاتماً من ورق وكان في يده ثم كان بعد في يد أبي بكر ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه محمد رسول الله .
رواه البخاري في الصحيح في كتاب اللباس باب خاتم الفضة ، قال الحافظ ابن حجر : جاء في رواية النسائي : أنه التمس فلم يوجد ، وجاء في رواية ابن سعد : أنه كان في يد عثمان ست سنين . اهـ (فتح الباري ج10 ص313) .
قال العيني : وبئر أريس حديقة بقرب مسجد قباء . اهـ عمدة القاري (ج22 ص31) . قلت : وهذه البئر صارت معروفة اليوم ببئر الخاتم وهو خاتم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي سقط فيها أيام خلافة عثمان وقد اجتهد ثلاثة أيام في استخراجه بكا ما وجد سبيلاً فلم يلقه . (أنظر المغانم المطابة في معالم طابة للفيروز آبادي ص26) .
] ] ]
محافظة الخلفاء الراشدين على حربة كانت عند النبي – صلى الله عليه وسلم -
روى الإمام البخاري بسنده إلى الزبير رضي الله تعالى عنه قال : لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال : أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات ، قال هشام : فأخبرت أن الزبير قال : لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها ، قال عروة : فسأله إياها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأعطاه ، فلما قبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخذها ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها ، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر ، فأعطاه إياها ، فلما قبض عمر أخذها ، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها ، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله
ابن الزبير ، فكانت عنده حتى قتل .
رواه البخاري في كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدراً ، وقوله فحملت عليه بالعنزة . العنزة بفتح النون هي كالحربة ، وقال بعضهم : هي شبه العكاز .
________________________________________
وحاصل القصة هو أن الزبير قتل عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر طعنه في عينه بالعنزة فمات ، ثم طلب النبي – صلى الله عليه وسلم – منه تلك العنزة عارية فأعطاه ، فلما قبض – صلى الله عليه وسلم – أخذها الزبير ثم طلبها أبو بكر من الزبير عارية فأعطاه وبقيت عنده إلى أن مات ثم رجعت إلى الزبير صاحبها الأول ثم طلبها عمر من الزبير فأعطاه وبقيت عنده مدة حياته ثم رجعت إلى الزبير صاحبها الأول ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها فلما قتل عثمان وقعت عند عليّ فطلبها الزبير صاحبها الأول فكانت عنده حتى قتل. أنظر (الفتح ج7 ص314 ، وعمدة القاري ج17 ص107) .
ونحن نتساءل لماذا هذا الحرص العظيم والاهتمام بهذه الحربة والحراب كثيرة ، ولعل هناك ما هو أحسن منها وأجود وممن هذا الحرص ؟ إنه من الخلفاء الأربعة الراشدين المهتدين أئمة الدين وأركان التوحيد وأمناء الدين .
] ] ]
محافظة عمر بن الخطاب على ميزاب العباس
لأنه وضعه – صلى الله عليه وسلم -
عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال : كان للعباس ميزاب على طريق عمر – رضي الله عنه – فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان ، فلما وافى الميزاب صب فيه من دم الفرخين فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه ثم رجع فطرح ثيابه ولبس غيرها ، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال : والله إنه الموضع الذي وضعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فقال عمر للعباس : عزمت عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ففعل ذلك العباس . كذا في الكنز (ج7 ص66) .
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة في كتابه المغني :
فصل : ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم ولا يجوز إخراجها إلى درب نافذ إلا بإذن أهله .
________________________________________
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : يجوز إخراجها إلى الطريق لأن عمر – رضي الله عنه – اجتاز على دار العباس وقد نصب ميزاباً إلى الطريق فقلعه ، فقال العباس : تقلعه وقد نصبه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده ؟ فقال : والله لا نصبته إلا على ظهري وانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه . اهـ من المغني لابن قدامة (4/554) .
ابن عمر لم يكن وحده مع الآثار
اشتهر ابن عمر رضي الله عنهما بتتبعه للآثار واعتنائه بها ومحافظته عليها ، قال الشيخ ابن تيمية : سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجل يأتي هذه المشاهد ، فأجاب وذكر في جوابه : أن ابن عمر كان يتتبع مواضع سير النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى أنه رؤي يصب في موضع ماء ، فسئل عن ذلك ، فقال : كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصب هاهنا ماء .
وروى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – يصلي في تلك الأمكنة ، قال موسى : وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة اهـ . اقتضاء الصراط المستقيم (ص385) .
ولكن لم ينفرد ابن عمر بهذا الأمر بل شاركه كثير من الصحابة رضي الله عنهم في التتبع للآثار والمحافظة عليها والاهتمام بها ، وقد ذكرنا ما يؤيد هذا من قبل من فعل الخلفاء الراشدين والأئمة المهدين الذين جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – فعلهم سنة متبعة مستمدة من سنته وهديه وأمر بالتمسك بها والرجوع إليها ، ومعلوم أن سنتهم هي سنته لأنهم لا كلام ولا اجتهاد ولا نظر أمام كلامه الذي صح وثبت عنه – صلى الله عليه وسلم – .
________________________________________
وذكرنا في مبحث التبرك بالآثار جملة صالحة من النصوص التي لها اتصال وثيق بهذا المبحث وبها ينجلي ويتضح كيف كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بآثاره وفيهم ابن عمر وغيره ، والحق أن هذا البحث وذاك متصلان ونابعان من أصل واحد لأن التبرك بالآثار هو فرع المحافظة عليها والاعتناء بها إلا أن الثانية ألصق بالتاريخ والحضارة الاجتماعية والأولى أنسب للإيمان والمحبة والتعلق .
ابن عباس والآثار القديمة
لما أراد عبد الله بن الزبير هدم الكعبة جمع الصحابة فاستشارهم في ذلك فاقترح عليه ابن عباس أن لا يهدمها كلها وأن يصلح المواضع التي تحتاج إلى إصلاح فقط ليبقى الصالح على ما هو عليه محافظة على الحجارة القديمة التي كانت في العهد الأول عهد الإسلام عهد البعثة عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – .
عن عطاء قال : لما احترق البيت (زمن يزيد بن معاوية) حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان . تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرّئهم (أو يَحْربهم) على أهل الشام . فلما صدر الناس قال : يا أيها الناس ! أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها ؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتاً أسلم الناس عليه وأحجاراً أسلم الناس عليها وبُعث عليها النبي – صلى الله عليه وسلم – .
(صحيح مسلم كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها شرح النووي ص92/94 ج9).
] ] ]
غيرة عمر على الآثار النبوية
________________________________________
وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه شديد الغيرة على الآثار النبوية عظيم العناية بها والحماية لها ، ولذلك لما رأى الناس مجتمعين على شجرة زعموا أنها شجرة الرضوان التي حصلت عندها بيعة الرضوان وذكرها الله تعالى في كتابه بقوله { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } ، إذ كان رضي الله عنه يعرف حق المعرفة أن الشجرة غير معروفة ولا أحد يعلم مكانها فضلاً عن عينها وأن أصحابها الذين حضروها وشهدوها وبايعوا تحتها هم بأنفسهم لا يعرفونها فكيف بغيرهم بل قد صرحوا بذلك كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما إنه جاء في العام التالي لعام بيعة الرضوان ، قال : فبحثنا عن الشجرة فلم يقع عليها رجلان .
قال المسيب والد سعيد : لقد رأيت الشجرة ثم أنسيتها بعد فلم أعرفها ، وقول طارق بن عبد الرحمن : طلعت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت : ما هذا المسجد ؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته ، فقال : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم . وفي رواية أنه قال : فعميت علينا . أنظر صحيح البخاري كتاب المغازي ، باب غزوة الحديبية ، وصحيح مسلم كتاب الإمارة باب استحباب متابعة الإمام .
أي لم يتفق رأي رجلين على شجرة واحدة بالتعيين ، فإذا كان هذا في خلال سنة واحدة في عهد واحد ومع توافر وجود أصحاب الرضوان الذين حضروا عندها وبايعوا تحتها فما بالك بشجرة ظهرت في زمن عمر بعد سنوات عديدة .
________________________________________
اختلف العهد ومات أكثر من حضر الموقف ، واختلف الناس في تعيين الشجرة المباركة التي تشرفت بالبيعة المحمدية ، وحصل عندها أعظم موقف من مواقف التضحية والجهاد اهتزت له السموات والأرض ، وشهدته الملائكة الكرام وسجله القرآن بقوله : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } الآية .
ثم كان عند هذه الشجرة المباركة الميمونة إعلان منقبة من أعظم مناقب وخصائص النبي الأعظم والرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم – سجّلها القرآن بقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } الآية .
فعمر رضي الله عنه لم يقطعها ليمنع التبرك بالآثار أو لأنه لا يرى ذلك ولم يقع ذلك المعنى في قلبه أصلا ولم يخطر على باله أبداً بدليل أنه رضي الله عنه ثبت عنه التبرك وطلب التبرك بالآثار ونحوها كطلبه من أبي بكر العنزة التي كانت عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومحافظته على خاتم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وغير ذلك ، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد استعار تلك العنزة من الزبير كما في البخاري في باب شهود الملائكة بدراً اهـ من المغازي . وفي نسخة القسطلاني (ج6 ص264) .
] ] ]
الاهتمام بالنعال النبوية والقيام بدراسة علمية لها
ومن الآثار النبوية التي نالت اهتمام العلماء وعنايتهم النعال النبوية ، بل حظيت بدراسة عميقة ودقيقة عن صفتها ومثالها ولونها ، فكتبوا عنها البحوث المتخصصة وألفوا فيها الرسائل المستقلة .
والمقصود من ذلك كله هو صاحب النعال ، ألا وهو النبي الأعظم والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم .
________________________________________
وإذا كنا نهتم بآثار العظماء وملابسهم وثيابهم ومتاعهم ونبذل في حصيلها الغالي والرخيص ونقيم لها المتاحف الخاصة والخبراء المتخصصين فإنه – صلى الله عليه وسلم – نفسي له الفداء أولى وأحق ، فلو بذلت المهج وحر الأموال في سبيل ذلك لكان رخيصاً لأجله صلى الله عليه وسلم .
] ] ]
اهتمام المملكة بالآثار
ولقد وفق الله حكومتنا السنية إلى العناية بالآثار عناية عظيمة ، حرصاً على تراثنا المجيد ، وحفظاً لمعالم الحضارة الإسلامية التاريخية ، فجعلت لها دائرة خاصة تعتني وتهتم بها تسمى ( إدارة الآثار ) وأصدرت لها نظاماً خاصاً معتمداً بالمرسوم الملكي رقم م/26 /وتاريخ 23/1396 هـ([29]).
وأنشأت مجلساً خاصاً للنظر فيما يتعلق بهذا الموضوع يسمى ( المجلس الأعلى للآثار ) وصدر قرار مجلس الوزارة رقم 235 وتاريخ 21/2/1398 هـ ، بتكوين أعضائه برئاسة وزير المعارف وعضوية مندوبين عن الداخلية والمالية والحج والأوقاف والإعلام والآثار .
وبين النظام أن الهدف من إنشاء المجلس الأعلى للآثار هو تجميع أكبر قدر من الخبرات لضمان وصول دائرة الآثار إلى غايتها المرجوة .
المحافظة على الآثار :
جاء في المادة ( 6 ) من النظام : تتولى دائرة الآثار بالتعاون مع الأجهزة الأخرى في الدولة – كل في اختصاصه – المحافظة على الآثار والمواقع الأثرية كما تتولى تقرير أثرية الأشياء والمباني التاريخية والمواقع وما يجب تسجيله من آثار ويعني تسجيل أثر ما إقرار الدولة بأهميته التاريخية أو الفنية وعملها على صيانته ودراسته وإظهاره بالمظهر اللائق وفقاً لأحكام هذا النظام .
] ] ]
المساجد وأماكن العبادة من أهم الآثار
وجاء في المادة ( 7 ) : الآثار نوعان : آثار ثابتة وآثار منقولة :
________________________________________
( أ ) الآثار الثابتة هي الآثار المتصلة بالأرض مثل الكهوف الطبيعية أو المحفورة التي كانت مخصصة لحاجات الإنسان القديم ، والصخور التي رسم أو حفر عليها الإنسان صوراً أو نقوشاً أو كتابات وكذلك أطلال المدن والمنشآت المطمورة في بطون التلال المتراكمة والأبنية التاريخية المنشأة لغايات مختلفة كالمساجد وأماكن العبادة الأخرى والقصور والبيوت في المشافي والقلاع والحصون والأسوار والملاعب والحمامات والمدافن والقنوات المشيدة والسدود وأطلال تلك المباني وما تصل بها كالأبواب والنوافذ والأعمدة والشرفات والسلالم والسقوف والأفاريز والتيجان وما شابه ذلك .
( ب ) الآثار المنقولة هي التي صنعت لتكون بطبيعتها منفصلة عن الأرض أو عن المباني التاريخية والتي يمكن تغيير مكانها كالمنحوتات والمسكوكات والمنقوش والمخطوطات والمنسوجات والمصنوعات مهما كانت مادتها والغرض من صنعها ووجوه استعمالها .
الآثار ومشاريع الهدم والتخطيط :
جاء في النظام : التحذير من تغيير الآثار سواء من الأهالي أم من تخطيط المدن تقول المادة ( 11 ) : يحظر اتلاف الآثار المنقولة أو الثابتة أو تحويرها أو إلحاق الضرر بها أو تشويهها بالكتابة والنقش عليها أو تغيير معالمهما كما يحظر على الأهالي إلصاق الإعلانات أو وضع اللافتات في المناطق الأثرية وعلى الأبنية التاريخية المسجلة .
وتقول المادة ( 12 ) : يتعين عند وضع مشروعات تخطيط المدن والقرى أو توسيعها أو تجميلها المحافظة على المناطق والمعالم الأثرية فيها ، ولا يجوز إقرار مشروعات التخطيط التي يوجد في نطاقها آثار ، إلا بعد اخذ موافقة دائرة الآثار عليها ، وعلى دائرة الآثار تحديد الأماكن التي يوجد فيها معالم أثرية وإحاطة جهاز تخطيط المدن علماً بذلك .
________________________________________
ومعلوم أن الآثار التي نص النظام على أن منها المساجد وأماكن العبادة تشمل بالدرجة الأولى الآثار الدينية المنسوبة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أو أصحابه الكرام بل هذه هي الآثار التي تستحق التكريم والتقديم ، وهي التي يفخر بها المؤمن ويعتز ، وهي التي تذكر الأبناء بالآباء والخلف بالسلف .
الحجرة النبوية والمسجد الشريف
وقد أراد بعض المفتنين تغيير وضع الحجرة النبوية بإخراج القبر الشريف المكرم من المسجد ، فلما سمع بذلك المرحوم الملك خالد بن عبد العزيز غضب غضباً شديداً وثارت فيه الحمية الدينية وتكلم كلاماً رادعاً لصاحب ذلك الاقتراح الأثيم سمعه من كان حاضراً في المجلس ولعل بعضهم لا زال على قيد الحياة ، رحم الله ذلك الملك الصالح وجعل موقفه هذا ذخيرة له عند الله ويداً بيضاء عند رسوله سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – ينال به إن شاء الله شفاعته يوم القيامة .
وبارك في خليفته الملك فهد ونصر به الدين وحفظ به الديار والآثار والعباد والبلاد آمين يا رب العالمين .
] ] ]
فتوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب
في شان الحجرة النبوية
________________________________________
وقد نسب بعض أهل الفتنة والسوء إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب القول بإخراج الحجرة النبوية من المسجد ، فأنكر ذلك وتبرأ منه ، ومن قائله كما جاء في رسالته لأهل المجمعة التي يقول فيها : إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها : ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب ، وقوله : إني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وقوله : إني أدّعي الاجتهاد ، وقوله : إني خارج عن التقليد ، وقوله : إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وقوله : إني أكفر من توسل بالصالحين ، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله : ياأكرم الخلق ، وقوله : إني أقول : لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله : إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم ، وإني أكفر من يحلف بغير الله ، فهذه اثنتا عشرة مسألة ، جوابي فيها أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } . انتهى من الرسائل الشخصية القسم الخامس ص63 ، والدرر السنية ج1 ص52 .
القبة الخضراء في رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب
أما القبة الخضراء فقد نسب بعضهم إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب القول بإزالتها وهدمها ، ولكن الشيخ رحمه الله نفى ذلك بكل قوة وتبرأ منه واستنكر هذا القول أشد الإنكار في عدة مواضع من رسائله الموضع الأول في رسالته لأهل القصيم التي يقول فيها :
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل .
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم ، والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي .
________________________________________
((فمنها)) قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة ، وإني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء ، وإني أدعي الاجتهاد ، وإني خارج عن التقليد ، وإني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب ، وإني أحرم زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما ، وإني أكفر من حلف بغير الله ، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين ، وأسميه روض الشياطين ، جوابي عن هذه المسائل أن أقول : { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } .
[مجموعة مؤلفات الشيخ القسم الخامس الرسالة الأولى من الرسائل الشخصية ص12 ، وهو في الدرر السنية الجزء الأول ص28] .
الموضع الثاني في رسالته إلى أهل العراق وهي رسالة أرسلها إلى السويدي عالم من أهل العراق وكان قد أرسل له كتاباً وسأله عما يقوله الناس فيه ، فأجابه بهذه الرسالة ، وفيها يقول في رد ما نسب إليه وتكذيبه منها : إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون ، وكذلك قولهم : إنه يقول : لو أقدر أهدم قبة النبي – صلى الله عليه وسلم – لهدمتها ، وأما [دلائل الخيرات] فله سبب وذلك أني أشرت على من قبِل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله ويظن أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن ، وأما إحراقه والنهي عن الصّلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – بأي لفظ كان فهذا بهتان .
________________________________________
[مجموعة مؤلفات الشيخ القسم الخامس في الرسائل الشخصية ص37 ، الرسالة الخامسة وهو في الدّرر السنية الجزء الأول ص54] .
هذا الموقف من الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو عين الحكمة والصوّاب ، وهو السّياسة الشرعية التي يجب أن يتحلّى بها العلماء والمرشدون والمشائخ في أمرهم ونهيهم ووعظهم وإرشادهم .
وقد كان الشيخ رحمه الله حريصاً كل الحرص على نفي زعم المفترين وردّ قول المفتنين الذين ألصقوا به هذا القول الشنيع ونسبوا إليه ذلك الرأي الفظيع فتراه أنكرها في عدة مواطن لخطر المسالة ولما ينبني عليها من السوء والفتنة والشر الذي يجرّ إلى مصائب وبلايا ، نحن عنها في غنى فأين هذا ممّن ضاقت العلوم في عينيه ولم يجد مسألة يكتب عنها أو بحثاً يقدمه إلا قضية القبّة الخضراء ، فما أتفه عقلاً هذا منتهاه ، وما أسفه علماً ذلك مؤداه .
ولنا بحث خاص عن هذا الموضوع نسأل الله أن ييسر إتمامه ونشره بعونه وفضله .
المحافظة على الآثار النبوية من رسالة
جلالة الملك فهد بن عبد العزيز
وهنا موقف عظيم يستحق التسجيل للأمانة والتاريخ وهو أن جلالة الملك فهد بن عبد العزيز لما اطلع على المخططات المرسومة لبناء توسعة مسجد قباء ورأى أن معالم المسجد الحالي القديمة ستزول داخل التوسعة الجديدة ، أمر جلالته حفظه الله بإلغاء المخطط الموضوع وإعداد مخطط جديد يبقي على المنبر والمحراب والمعالم القديمة ، بحيث تمتد التوسعة من جانبي المسجد ومن خلفه ليتعرف المسلمون جيلاً بعد جيل على الأماكن الأصلية والآثار النبوية الشريفة ، وقال جلالته : من الخير أن نزيد في مساجد الله ولا نزيل .
وكان لهذه اللفتة السامية الكريمة من جلالته أعمق الأثر في نفوسنا بما فيها من دلالة الحفاظ على معالم التراث الإسلامي وتخليده .
وقد نشرت الجرائد السعودية بالتفصيل هذه المقابلة والحديث في الأعداد الصادرة يوم السبت 17 صفر 1405هـ مثل جريدة ((المدينة)) و ((الندوة)) .
] ] ]
________________________________________
مفهوم الاجتماع
جرت عادتنا أن نجتمع لإحياء جملة من المناسبات التاريخية كالمولد النبوي وذكرى الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان والهجرة النبوية وذكرى نزول القرآن وذكرى غزوة بدر ، وفي اعتبارنا أن هذا الأمر عادي لا صلة له بالدين فلا يوصف بأنه مشروع أو سنة كما أنه ليس معارضاً لأصل من أصول الدين لأن الخطر هو في اعتقاد مشروعية شيء ليس بمشروع ، وعندي أن أمثال هذه الأمور العادية العرفية لا يقال فيها أكثر من أنها محبوبة للشارع أو مبغوضة وأظن أن هذا القدر متفق عليه ، ويدعي البعض أن هذه المناسبات التي يجتمع الناس لإحيائها ينقصها التوقيت المضبوط المتفق عليه ، فيقول : إن الناس تعودوا أن يجتمعوا ليلة السابع والعشرين لإحياء ذكرى الإسراء والمعراج ، وأن يجتمعوا ليلة الاثني عشر من ربيع الأول لإحياء ذكرى المولد النبوي مع أن العلماء اختلفوا في تعيين وقت هاتين الحادثتين بالضبط ، وأنا أقول : إن عدم الاتفاق على تعيين الوقت لا يؤثر لأننا لا نعتقد مشروعية تحديد الاجتماع بوقت مخصوص بل الأمر عادي كما أسلفنا والذي يهمنا هو اغتنام فرصة الاجتماع وكسب ذلك لتوجيهه إلى الخير فهذه الليلة قد اجتمع الناس فيها بشكل فظيع وعظيم وسواء أخطأوا التوقيت أم أصابوا ، فإن مجرد اجتماعهم هذا على ذكر الله ومحبة رسول الله كاف في استجلاب رحمة الله وفضله .
________________________________________
إني أعتقد تمام الاعتقاد أن اجتماع هؤلاء الناس ما دام أنه لله وفي الله فإنه مقبول عند الله ولو أخطأوا في التوقيت ، وأضرب لذلك مثلاً لتقريب القضية للأذهان برجل دعا إلى وليمة في يوم معين فجاء بعض المدعوين في غير وقت الدعوة ظناً منهم أنه هو الوقت فهل ترى أن صاحب الوليمة يطردهم ويردهم بجفوة وغلظة ويصد عنهم ويقول لهم : ارجعوا وانصرفوا عني فليس هذا هو وقت الوليمة الذي دعوتكم إليه وحددته لكم ، أو ترى أنه يقابلهم بالحسنى ويشكرهم على قدومهم ويفتح لهم بابه ويطلب منهم الدخول ثم يطلب منهم الرجوع مرة أخرى في الوقت المحدد ؟ هذا الذي أتصوره وهو اللائق بفضل الله وكرمه .
ونحن إذا اجتمعنا للإسراء والمعراج أو للمولد النبوي ولأي ذكرى من الذكريات التاريخية لا يهمنا تعيين الوقت بالضبط لأنه إن كان موافقاً للصواب في الواقع ونفس الأمر فالحمد لله ، وإن كان غير ذلك فإن الله لا يردنا ولا يغلق بابه عنا .
فاغتنام فرصة الاجتماع بالدعاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والتعرض لنفحاته وخيراته وبركاته هو أجل من فائدة الذكرى نفسها عندي ، واغتنام اجتماع الناس بتذكيرهم وإرشادهم ونصحهم وتوجيههم إلى الخير هو أولى من صدهم وردهم والإنكار على اجتماعهم بما لا طائل تحته إذ المشاهد أن ذلك لا ينفع ولا يفيد وأن الناس يزيد إقبالهم ويعم تمسكهم كلما زاد الإنكار عليهم أو اشتد حتى كان الناهي لهم عن ذلك آمر لهم بفعله من حيث لا يشعر .
إن العقلاء من أرباب الفكر والدعوة يتمنون بكل قلوبهم أن يجدوا مكاناً يجتمع فيه الناس ليبثوا فيهم آراءهم ويكسبوهم إلى صفهم ، ولذلك تراهم يرتادون الحدائق والنوادي والأماكن العامة التي يكثر فيها اجتماع الناس ليصنعوا بهم ما يريدون ، ونحن نرى الأمة تجتمع في مناسبات متعددة برغبة وهمة وحرص فما هو الواجب علينا نحوهم ؟ .
________________________________________
إن الاشتغال بالإنكار والأخذ والرد في حكم اجتماعهم وما إلى ذلك هو عبث بل وحمق وجهالة لأننا نضيع كنزاً عظيماً ونفوت فرصة لا يمكن أن يجود الزمان بها إلا في مثل هذه المناسبات .
فلنغتنم هذه المجامع الكبرى .
] ] ]
مفهوم المولد النبوي
يخطئ كثير من الناس في فهمهم لحقيقة المولد النبوي الذي ندعو إليه ونشجع عليه فيتصورون تصورات فاسدة يبنون عليها مسائل طويلة ومناقشات عريضة يضيعون بها أوقاتهم وأوقات القراء وهي كلها هباء لأنها مبنية على تصورات كما قلنا فاسدة .
وقد كتبنا عن المولد النبوي كثيراً وتحدثنا عنه في الإذاعة والمجامع العامة مراراً بما يظهر معه وضوح مفهومنا عن المولد الشريف .
إننا نقول وقد قلنا من قبل : إن الاجتماع لأجل المولد النبوي الشريف ما هو إلا أمر عادي وليس من العبادة في شيء وهذا ما نعتقده وندين الله تعالى به .
وليتصور من شاء ما يتصور لأن الإنسان هو المصدق فيما يقوله عن نفسه وحقيقة معتقده لا غيره .
ونحن نقول في كل محفل ومجمع ومناسبة : إن هذا الاجتماع بهذه الكيفية أمر عادي ليس من العبادة في شيء فهل يبقى بعد هذا إنكار لمنكر واعتراض لمعترض لكن المصيبة الكبرى في عدم الفهم ولهذا يقول الإمام الشافعي :
________________________________________
ما جادلت عالماً إلا غلبته ولا جادلت جاهلاً إلا غلبني . إن أقل الطلاب علماً يعلم الفرق بين العادة والعبادة وحقيقة هذه وتلك فإذا قال القائل : هذه عبادة مشروعة بكيفيتها نقول له : أين الدليل ؟ وإذا قال : هذه عادة نقول له : إصنع ما تشاء لأن الخطر كل الخطر والبلاء الذي نخشاه كلنا هو أن يلبس ثوب العبادة لفعل مبتدع غير مشرع بل من اجتهاد البشر ، وهذا ما لا نرضاه بل نحاربه ونحذر منه ، والحاصل أن الاجتماع لأجل المولد النبوي أمر عادي ولكنه من العادات الخيرة الصالحة التي تشتمل على منافع كثيرة وفوائد تعود على الناس بفضل وفير لأنها مطلوبة شرعاً بأفرادها ، ومن التصورات الفاسدة التي تقع في أذهان بعض الناس هي أنهم يظنون أننا ندعو إلى الاحتفال بالمولد في ليلة مخصوصة دون سائر العام وما درى هذا المغفل أن الاجتماعات تعقد لأجل المولد النبوي في مكة والمدينة بشكل منقطع النظير في كل أيام العام وفي كل مناسبة تحدث يفرح بها صاحبها ولا يكاد يمر يوم أو ليلة بمكة والمدينة إلا ويحصل فيه اجتماع للمولد النبوي علم هذا من علمه وجهله من جهله ، فمن زعم أننا نذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – في ليلة واحدة فقط ونهجره ونغفل عنه ثلاثمائة وتسعة وخمسين ليلة فقد افترى إثماً عظيماً وكذب كذباً مبيناً ، وهذه مجالس المولد النبوي تنعقد بفضل الله تعالى في جميع ليالي السنة ولا يكاد يمر يوم أو ليلة إلا وهنا مجلس وهناك محفل ، ونحن ننادي بأن تخصيص الاجتماع بليلة واحدة دون غيرها هو الجفوة الكبرى للرسول – صلى الله عليه وسلم – ، ولذلك فإن الناس بحمد الله يستجيبون لهذا النداء بكل إقبال ورغبة .
________________________________________
ومن زعم بأننا نخصص الاحتفال به – صلى الله عليه وسلم – في المدينة المنورة فهو جاهل أو متجاهل عن الحقيقة ، وما لنا إلا أن ندعو الله له بأن ينور بصيرته ويكشف عنه حجاب الجهل ليرى أن ذلك ليس خاصاً بالمدينة المنورة ولا بليلة مخصوصة في شهر مخصوص ، بل هو عام في الزمان والمكان .
وليس يصح في الأذهان شيء :: إذا احتاج النهار إلى دليل
والحاصل أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين لأن ذكره – صلى الله عليه وسلم – والتعلق به يجب أن يكون في كل حين ويجب أن تملأ به النفوس ، فنعم : إن في شهر ولادته يكون الداعي أقوى لإقبال لإقبال الناس واجتماعهم وشعورهم الفياض بارتباط الزمان بعضه ببعض، فيتذكرون بالحاضر الماضي وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .
وإن هذه الاجتماعات ، هي وسيلة كبرى للدعوة إلى الله وهي فرصة ذهبية ينبغي أن لا تفوت ، بل يجب على الدعاة والعلماء أن يذكروا الأمة بالنبي – صلى الله عليه وسلم – بأخلاقه وآدابه وأحواله وسيرته ومعاملته وعباداته ، وأن ينصحوهم ويرشدوهم إلى الخير والفلاح ويحذروهم من البلاء والبدع والشر والفتن .
وإننا دائماً بفضل الله ندعو إلى ذلك ونشارك في ذلك ونقول للناس : ليس المقصود من هذه الاجتماعات مجرد الاجتماعات والمظاهر بل إن هذه وسيلة شريفة إلى غاية شريفة وهي كذا وكذا ومن لم يستفد شيئاً لدينه فهو محروم من خيرات المولد الشريف ، ولا نحب أن نطيل بذكر الأدلة والمسوغات التي استنبطناها في هذا الموضوع ، إذ لنا رسالة خاصة لذلك بعنوان : حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، غير أننا سنخص قصة عتق ثويبة بالذكر لكثرة الكلام حولها :
] ] ]
قصة عتق ثويبة
________________________________________
يذكر العلماء في كتب الحديث والسيرة قصة عتق أبي لهب لجاريته ثويبة لما أخبرته بولادة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأن العباس بن عبد المطلب رأى أبا لهب في النوم بعد وفاته فسأله عن حاله فقال : لم ألق خيراً بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة وإنه ليخفف عليَّ في كل يوم الاثنين .
قلت : هذا الخبر رواه جملة من أئمة الحديث والسير مثل الإمام عبد الرزاق الصنعاني والإمام البخاري والحافظ ابن حجر والحافظ ابن كثير والحافظ البيهقي وابن هشام والسهيلي والحافظ البغوي وابن الديبع والأشخر والعامري ، وسأبين ذلك بالتفصيل .
فأما الإمام عبد الرزاق الصنعاني فقد رواه في المصنف (ج7 ص478) ، وأما الإمام البخاري فقد رواه في صحيحه بإسناده إلى عروة بن الزبير مرسلاً في كتاب النكاح باب { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ } ، وأما ابن حجر فقد ذكره في الفتح وقال : إنه رواه الاسماعيلي من طريق الذهلي عن أبي اليمان ، ورواه عبد الرزاق عن معمر وقال : وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ، لكنه مخالف لظاهر القرآن ، قال الله تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } ، وأجيب أولاً بأن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به ، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه ، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به ، وسلم مخصوصاً من ذلك دليل قصة أبي طالب كما تقدم أنه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح ، وقال البيهقي : ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات .
________________________________________
وأما عياض فقال : انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ، وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض . قلت : وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر ، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه ؟ وقال القرطبي : هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه ، وقال ابن المنير في الحاشية : هنا قضيتان : إحداهما محال وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره ، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح ، وهذا مفقود من الكافر .
الثانية : إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلاً من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل ، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة ، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب ، والمتبع في ذلك التوقيف نفياً وإثباتاً .
قلت : وتتمة هذا أن يقع التفضيل المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك . والله أعلم . اهـ (فتح الباري ج9 ص145) .
وأما الحافظ ابن كثير فقد رواه في البداية والنهاية ، وقال معلقاً : لأنه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله أعتقها من ساعته ، فجوزي بذلك لذلك . اهـ من السيرة النبوية لابن كثير (ج1 ص224) .
وأما الحافظ عبد الرحمن بن الديبع الشيباني صاحب جامع الأصول فقد رواه في سيرته وقال معلقاً : ((قلت : فتخفيف العذاب عنه إنما هو كرامة للنبي – صلى الله عليه وسلم – كما خفف عن أبي طالب لا لأجل العتق ، لقوله تعالى : { وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } . اهـ من حدائق الأنوار في السيرة (ج1 ص134) .
وأما الحافظ البغوي فقد رواه في شرح السنة (ج9 ص76) .
________________________________________
وأما الإمام الأشخر فقد رواه في بهجة المحافل ، وقال شارحه العامري : قيل : هذا خاص به إكراماً له – صلى الله عليه وسلم – كما خفف عن أبي طالب بسببه ، وقيل : لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيراً . اهـ من شرح البهجة (ج1 ص41) .
وأما السهيلي فقد رواه في الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام وقال بعد نقل الخبر : فنفعه ذلك وهو في النار كما نفع أخاه أبا طالب ذبه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو أهون أهل النار عذاباً ، وقد تقدم في باب أبي طالب أن هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب ، وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف أي : لا يجده في ميزانه ولا يدخل به جنة . اهـ الروض الأنف (ج5 ص192) .
] ] ]
حاصل البحث
والحاصل أن هذه القصة مشهورة في كتب الأحاديث وفي كتب السير ، ونقلها حفاظ معتبرون معتمدون ، ويكفي في توثيقها كون البخاري نقلها في صحيحه المتفق على جلالته ومكانته ، وكل ما فيه من المسند صحيح بلا كلام .
حتى المعلقات والمرسلات فإنها لا تخرج عن دائرة المقبول ولا تصل إلى المردود وهذا يعرفه أهل العلم المشتغلون بالحديث والمصطلح والذين يعرفون معنى المعلق والمرسل ويعرفون حكمها إذا جاءت في الصحيح .
فانظر إن شئت ذلك في كتب المصطلح كألفية السيوطي والعراقي وشروحها وتدريب الراوي فإنهم تعرضوا لهذه المسألة وبينوا قيمة ما في الصحيح من المعلق والمرسل وأن ذلك مقبول عند المحققين .
________________________________________
ثم إن هذه المسألة من المناقب والفضائل والكرامات التي يذكرها العلماء في كتب الخصائص والسير ويتساهلون في نقلها ولا يشترطون فيها الصحيح بالمعنى المصطلح عليه ، ولو ذهبنا إلى اشتراط هذا الشرط الشاذ لما أمكن لنا ذكر شيء من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل البعثة وبعد البعثة مع أنك تجد كتب الحفاظ الذين عليهم العمدة وعلى صنيعهم المعول ، والذين منهم عرفنا ما يجوز وما لا يجوز ذكره من الحديث الضعيف نجد كتبهم مملوءة بالمقطوعات والمراسيل وما أخذ عن الكهان وأشباههم في خصائص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأن ذلك مما يجوز ذكره في هذا المقام .
أما قول من قال : إن هذا الخبر يعارض قوله تعالى { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } فهذا قول مردود بما قاله العلماء ونقلناه عنهم سابقاً .
وتحرير الكلام في هذا المقام هو أن الآية تدل على أن أعمال الكفار لا ينظر إليها وليس فيها أنهم سواء في العذاب ، وأنه لا يخفف عن بعضهم العذاب كما هو مقرر عند العلماء .
وكذلك الإجماع الذي حكاه عياض ، فإنه في عموم الكفار وليس فيه أن الله تعالى لا يخفف العذاب عن بعضهم لأجل عمل عملوه ولهذا جعل الله تعالى جهنم دركات ، والمنافقون في الدرك الأسفل منها .
ثم إن هذا الإجماع يرده النص الصحيح ، ولا يصح إجماع مع مخالفة النص كما هو معلوم للطلبة .
وذلك إنه ثبت في الصحيح أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سئل: هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويدافع عنك ؟ فقال : وجدته في غمرات من النار ، فأخرجته إلى ضحضاح منها ، الحديث .
فها هو أبو طالب قد نفعه دفاعه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخرجه النبي – صلى الله عليه وسلم – من أجل ذلك من غمرات النار إلى ضحضاح منها .
________________________________________
فالتخفيف عن أبي لهب من هذا الباب أيضا لا منكر فيه ، والحديث يدل على أن الآية المذكورة فيمن لم يكن لهم عمل يوجب التخفيف . وكذلك الإجماع.
وفي حديث أبي طالب المذكور دلالة وأي دلالة على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يتصرف الآن وقبل يوم القيامة في أمور الآخرة ويشفع لمن تعلق به ودافع عنه .
وأما قول من قال : إن هذا الخبر رؤيا منام لا يثبت بها حكم ، فإن هذا القائل – هداه الله للصواب – لا يفرق بين الأحكام الشرعية وغيرها .
أما الأحكام الشرعية فإن الخلاف واقع بين الفقهاء : هل يجوز أخذ الأحكام وتصحيح الأخبار برؤيا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المنام أم لا ؟ .
وأما غيرها فإن الاعتماد على الرؤيا في هذا الباب لا شيء فيه مطلقاً . وقد اعتمد عليها الحفاظ وذكروا ما جاء في رؤيا أهل الجاهلية قبل بعثة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المنذرة بظهوره ، وأنه سيقضي على الشرك وما هم عليه من فساد . وكتب السنة مملوءة بهذا .
وفي مقدمتها كتاب دلائل النبوة وعدوها من الإرهاصات التي لا مانع من الاستدلال في شأنها بالرؤيا ، ولولا ذلك لما ذكروها .
فقول القائل في شأن رؤيا العباس : إنها ليست بحجة ولا يثبت بها حكم ولا خبر ، خروج عن عمل الأئمة من الحفاظ وغيرهم ، والمراد به التهويل لا غير ، وما هكذا يكون شان الباحث عن الحق والأمر لله .
________________________________________
وأما من قال : إن الرائي والمخبر هو العباس في حال الكفر ، والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم فإن هذا قول مردود ، لا رائحة للعلم فيه ، وهو باطل ، ذلك لأنه لم يقل أحد أن الرؤيا من باب الشهادة مطلقاً ، وإنما هي بشارة لا غير فلا يشترط فيها دين ولا إيمان ، بل ذكر الله تعالى في القرآن معجزة يوسف عليه السلام عن رؤيا ملك مصر وهو وثني لا يعرف ديناً سماوياً مطلقاً ، ومع ذلك جعل الله تعالى رؤيته المنامية من دلائل نبوة يوسف عليه السلام وفضله وقرنها بقصته ، ولو كان ذلك لا يدل على شيء لما ذكرها الله تعالى لأنها رؤيا مشرك وثني لا فائدة فيها لا في التأييد ولا في الإنكار .
ولهذا ذكر العلماء أن الكافر يرى الله تعالى في المنام ويرى في ذلك ما فيه إنذار له وتوبيخ وتقريع .
والعجب كل العجب من قول القائل : إن العباس رأى ذلك في حال كفره ، والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم ، فإن هذا القول يدل على عدم المعرفة بعلم الحديث إذ المقرر في المصطلح أن الصحابي أو غيره إذا تحمل الحديث في حال كفره ثم روى ذلك بعد إسلامه أخذ ذلك عنه ، وعمل به .
وانظر أمثلة ذلك في كتب المصطلح لتعرف بعد صاحب هذا القول عن العلم . وإنما الهوى هو الذي حمل المعترض على الدخول فيما لا يتقنه .
] ] ]
الخاتمة
وبعد فهذا ما تيسر لنا كتابته عن هذه المسائل التي أحببنا أن نبين مفهومنا الذي نراه فيها .
فإن كان ذلك صواباً فالحمد لله ، وإن كان غير ذلك فإنني بشر أصيب وأخطئ ، وكل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا السيد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . وأعوذ بالله من المراء والجدال والخصام ، وأعوذ بالله من علم لا ينفع ودعاء لا يسمع وقلب لا يخشع ، وأعوذ بالله من كل سوء وشر وبلاء وشرك وبدعة ، وأبرأ مما تبرأ منه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، وأقر بما أقر به .
________________________________________
وأسأل الله أن يثبتني عليه حتى أموت عليه مسلماً موحداً مؤمناً بالله في بلاد الله وبين المؤمنين الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله محمد رسول الله منذ أن جاء بها محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – ، وسار على ذلك أصحابه وأتباعه وأتباعهم من أئمة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين ، في ظل أئمة التوحيد ودعاة الخير من حكامنا الأماجد وفقهم الله لنصرة الحق وأخذ بأيديهم إلى خير البلاد والعباد ، والحمد لله رب العالمين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وكتب ذلك بقلمه وقاله بفمه محمد بن علوي بن عباس المالكي مذهباً ، السلفي عقيدة المكي موطناً ، الحسني نسباً عفا الله عنه ، خادم العلم بالحرمين الشريفين . تحريراً بمكة المكرمة في ربيع أول سنة 1404 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
تم بحمد الله تعالى ..
] ] ]
محتوى الكتاب
الموضوع الصفحة
تمهيد….. 5
منهج الكتاب………………….. 11
الباب الأول مباحث في العقيدة……………………… 13
التحذير من المجازفة بالتكفير…. 15
موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب………………….. 17
سباب المسلم فسوق وقتاله كفر……………………… 19
مقام الخالق ومقام المخلوق…… 21
أمور مشتركة بين المقامين لا تنافي التنزيه…………….. 26
المجاز العقلي واستعماله……….. 28
________________________________________
ضرورة ملاحظة النسبة المجازية في مقياس الكفر والإيمان………………… 28
التعظيم بين العبادة والأدب….. 34
الواسطة الشركية…………….. 38
ثوب الزور…………………….. 43
بين نعمت البدعة وبئست البدعة…………………….. 45
تفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية……………….. 47
دعوة أئمة التصوف إلى العمل بالشرعية…………….. 50
حقيقة الأشاعرة……………….. 54
حقائق تموت بالبحث…………. 57
مفهوم التوسل…………………. 59
المتفق عليه من التوسل……….. 59
أدلة ما عليه المسلمون من التوسل……………………. 61
التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – قبل وجوده… 62
شواهد لحديث توسل آدم……. 63
تصحيح ابن تيمية لمعنى هذه الخصوصية…………………….. 64
تحليل مهم لرأي ابن تيمية غاب عن عقول أتباعه………………………. 65
الموضوع الصفحة
________________________________________
توسل اليهود به – صلى الله عليه وسلم -…………… 69
التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته وبعد وفاته………………… 70
التوسل به – صلى الله عليه وسلم – في عرصات يوم القيامة………………… 73
مشروعية التوسل على طريق الشيخ ابن تيمية………………. 74
مشروعية التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – خاصة
عند الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية 76
جواز التوسل عند الإمام الشوكاني…………………… 78
الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول بجواز التوسل………………………. 80
الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتبرأ عمن يكفر المتوسلين………………….. 81
التوسل بآثاره – صلى الله عليه وسلم -………………… 82
التوسل بآثار الأنبياء………….. 84
توسل النبي – صلى الله عليه وسلم – بحقه وحق الأنبياء والصالحين………………… 85
توسل النبي – صلى الله عليه وسلم – بحق السائلين…. 86
التوسل بقبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بإرشاد السيدة عائشة…………….. 87
التوسل بقبر النبي – صلى الله عليه وسلم – في خلافة عمر رضي الله عنه….. 89
________________________________________
توسل المسلمين به – – صلى الله عليه وسلم – – يوم اليمامة 90
معنى توسل عمر بالعباس – رضي الله عنهما . 91
قصة العتبي في التوسل……………. 95
أبيات العتبي على شباك النبي – صلى الله عليه وسلم -………………………. 96
الخلا صة…………………. 97
شبهة مردودة………………….. 98
زعم بعض الجهلة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يسمعنا ولا يرانا ولا يعرفنا……………… 99
بيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين………………… 100
الصحابة يطلبون من النبي – صلى الله عليه وسلم – الشفاعة……………….. 102
تفسير ابن تيمية لآيات الشفاعة الخ………………….. 106
إياك نعبد وإياك نستعين………. 108
الاستعانة والتوجه بالطلب للنبي – صلى الله عليه وسلم -…………………… 110
الموضوع الصفحة
أبو هريرة – رضي الله عنه – يشكو النسيان………. 110
النبي – صلى الله عليه وسلم – هو ركننا وعصمتنا وملاذنا………………….. 114
حمزة فاعل الخيرات وكاشف الكربات……………….. 115
________________________________________
دعوى باطلة…………………… 116
هل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟……………. 118
إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله…….. 120
وإذا سألت فاسأل الله………… 122
إنه لا يستغاث بي……………… 125
ألفاظ مستعملة وردت في هذا الكتاب………………. 126
موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من هذه الألفاظ التي زعموا أنها
شرك أو ضلال………………… 129
الباب الثاني مباحث نبوية وفيها بيان خصائص النبي – صلى الله عليه وسلم – وحقيقة
النبوة وحقيقة البشرية وحقيقة الحياة البرزخية……… 131
الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها……………… 132
ابن تيمية والخصائص النبوية… 134
الشيخ ابن القيم وجلوس النبي – صلى الله عليه وسلم – على العرش……… 137
كشاف القناع وخصائص عجيبة……………………… 138
الجنة تحت أقدام الأمهات فكيف لا تكون تحت أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – ؟ 140
صكوك لدخول الجنة بيده – صلى الله عليه وسلم – . 141
لا تطروني………………………. 145
________________________________________
الأنبياء بشر ولكن .. – عليهم الصلاة والسلام……. 149
مفهوم التبرك………………….. 156
خبر زاهر – رضي الله عنه – . 164
التبرك بدم النبي – صلى الله عليه وسلم -…………… 165
أقوال العلماء في هذا الموضوع 169
التبرك بتقبيل يد من مس رسول الله – صلى الله عليه وسلم -………………. 171
التبرك بجبته – صلى الله عليه وسلم -………………… 172
الموضوع الصفحة
التبرك بما مسته يده – صلى الله عليه وسلم -……….. 172
التبرك بقدح النبي – صلى الله عليه وسلم – ومسجد صلى فيه………………… 173
التبرك بموضع قدم النبي – صلى الله عليه وسلم -…… 173
التبرك بدار مباركة……………. 173
التبرك بمنبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -…….. 174
التبرك بقبره الشريف – – صلى الله عليه وسلم -….. 175
التبرك بآثار الصالحين والأنبياء السابقين……………… 175
نحن في بركة الرسول – صلى الله عليه وسلم -……… 177
________________________________________
الإمام أحمد يتبرك والحافظ الذهبي يؤيده……………… 178
الخلاصة…………………… 179
الباب الثالث مباحث مختلفة وفيها بيان مشروعية الزيارة النبوية الخ….. 180
الحياة البرزخية حياة حقيقية….. 181
خصائص الأنبياء البرزخية……. 187
صلاة الأنبياء في قبورهم وعبادات أخرى……………. 190
حياة خاصة بنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -……. 194
تأييد ابن تيمية لهذه الوقائع….. 198
ثبوت بعض هذه الكرامات لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام………………………. 199
لا تشد الرحال…………….. 202
زيارة القبر هي زيارة المسجد في اعتبار الشيخ ابن تيمية…………………….. 206
تحقيق مفيد ، تحقيق العلامة الشيخ عطية محمد سالم
صاحب تكملة أضواء البيان…. 208
الإمام مالك والزيارة…………. 210
استحباب زيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – عند الحنابلة وغيرهم……….. 212
الزيارة النبوية السلفية……….. 221
الشيخ ابن القيم والزيارة النبوية……………………… 222
القبر النبوي الشريف………… 223
رأي الشيخ ابن تيمية………… 226
________________________________________
الموضوع الصفحة
رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدعاء عند القبر……… 228
رأي الإمام أحمد بن حنبل……. 229
القبر النبوي محفوظ من الشرك والوثنية……………… 230
التردد على الآثار النبوية والمشاهد الدينية والتبرك بزيارتها… 232
اعتناء القرآن بآثار الأنبياء السابقين – عليهم الصلاة والسلام… 238
محافظة الخلفاء الراشدين على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم … 239
محافظة الخلفاء الراشدين على حربة كانت عند النبي – صلى الله عليه وسلم -……. 239
محافظة عمر بن الخطاب على ميزاب العباس لأنه وضعه – صلى الله عليه وسلم -… 240
ابن عمر لم يكن وحده مع الآثار………………………. 241
ابن عباس والآثار القديمة…….. 242
غيرة عمر على الآثار النبوية…. 243
الاهتمام بالنعال النبوية والقيام بدراسة علمية لها……………. 244
اهتمام المملكة بالآثار…………. 245
الآثار ومشاريع الهدم والتخطيط………………………. 246
________________________________________
الحجرة النبوية والمسجد الشريف……………………. 247
فتوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في شأن الحجرة النبوية….. 247
القبة الخضراء في رأي الشيخ محمد بن عبد الوهاب…….. 248
المحافظة على الآثار النبوية من رسالة جلالة الملك فهد بن عبد العزيز………… 250
مفهوم المولد النبوي….. 253
قصة عتق ثويبة…….. 255
حاصل البحث…….. 258
الخاتمة…………………….. 261
محتوى الكتاب.. 263
________________________________________
الهوامش:

([1]) سيأتي بحث خاص في هذا الموضوع بعنوان (( الأنبياء بشر ولكن )) .
([2]) كثير من هذه الأحاديث سيأتي مفصلاً في مباحث أخرى من هذه الرسالة لمناسبة أخرى ، والحديث الواحد يستدل به العلماء على أكثر من مسألة في أكثر من موضع واحد .
([3]) سيأتي في هذه الرسالة بحث خاص عن الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها ، وما نذكره هنا هو من باب التنظير .
([4]) أنظر ما كتبه شيخنا العلامة الشيخ محمد علي الصابوني في مسألة الأشاعرة من بحوث طويلة ومهمة.
([5]-2-3-4) أنظر هذه الأرقام في الملحق بآخر الكتاب .
(5-6) انظر في الملحق بآخر الكتاب تعليقاً مهماً على هذه المسألة .
(7 -8) انظر الملحق آخر الكتاب رقم 7/8 .
[8] أنظر الملحق في آخر الكتاب رقم 10 .
(11 – 12) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 11/12 .
(13) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 13 .
(15) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 15 .
(16) أنظر الملحق رقم 16 آخر الكتاب .
(17) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 17 .
([14]) هذه النقطة مفصلة في مبحث خاص بها بعنوان : (المجاز العقلي واستعماله) .
([15]) ذكرنا هذا الحديث في غير موضع من هذا الكتاب مع تخريجه .
([16]) تكرر إيراد هذه الحقيقة في كتابنا هذا لتعدد المناسبات ، وقد عقدنا لها مبحثاً خاصاً بعنوان : ((المجاز العقلي)) وبه ينجلي كثير من الأشكال وسوء الفهم .
([17]) الخب : الخداع .
([18]) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 18 .
([19]) أي بايعناه بالجنة على فعل ذلك ، يعني اشترطوا عليه ضمانة الجنة لهم ، فأعطاهم .
([20]) من القيلولة
([21]) سيأتي مزيد تفصيل لهذه الوقائع في مفهوم التبرك .
([22]) أي ما رأيت .
([23]) وقوله : أدعها لك أي أترك المقاصة .
([24]) بكسر اللام وسكون الباء : رقعة في جيب القميص .
(9[25]) أنظر الملحق آخر الكتاب رقم 19 .
(20)[26] انظر الملحق آخر الكتاب رقم 20 .
([27]) أنظر الشفا للقاضي عياض .
([28]2) أنظر تعليق رقم 21 في الملحق آخر الكتاب .
([29]) أنظر المذكرة الخاصة بنظام الآثار الصادرة عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني سنة 1399 .
________________________________________

Published in: on يوليو 24, 2009 at 6:02 ص  اكتب تعليقُا  

منهج الإمام الكوثري في محاربة البدع العقدية الدكتور/ دين محمد محمد ميرا صاحب كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

منهج الإمام الكوثري في محاربة البدع العقدية
ورقة مقدمة إلى
المؤتمر الدولي عن الإمام الكوثري
تنظمه كلية الإلهيات بأنقرة – تركيا
وينعقد فيها في 22-23 نوفمبر 2007م
إعداد
الدكتور/ دين محمد محمد ميرا صاحب
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة قطر
منهج الإمام الكوثري في محاربة البدع العقدية
تمهيد:
تعتبر العقيدة الأصل الأصيل، والركن الركين في كل بناء ديني، يقوم عليها كل ما عداها من تشريع ونظم، وأحكام ومواقف، وثقافة وحضارة، وأخلاق وقيم، وأفكار وفلسفات، لأن العقيدة تمثل “الرؤية الكونية” التي يتبناها “المتدين”، ويعتمد عليها، ويستند إلها، ويستقي منها، والتي بدون أن يكون لديه تصور واضح لها، والتزام دقيق بها ومعطياتها، وفهم سليم لأبعادها ونتائجها لا يستطيع أن يحدد مواقفه من المشكلات التي يواجهها، أو التيارات الفكرية والسلوكية التي يعاصرها، أو الرؤى الحياتية المختلفة التي يزامنها.
وإذا كان الإنسان “حيواناً ناطقاً” يتمتع بنعمة العقل الذي وهبه الله له، ويبحث – تبعاً لذلك – عن “المعنى” وراء كل حركة تصدر عنه، وكل سعي ينشط فيه، وكل إنجاز – نظري أو عملي – يحاول أن يقوم به ولا يستريح إلا إذا وجده واقتنع به، فإن الذي يقنعه بهذا المعنى بصورة يستريح له قلبه، وتطمئن به نفسه، وتعطيه دفعةً قوية للتقدم إلى الأمام وتحقيق ما يريد تحقيقه بنجاح هو “انسجام ذلك الإنجاز والسعي، أو تلك الحركة والمحاولة، أو ذلك الموقف والنشاط مع رؤيته الكونية التي آمن بها واطمأن إليها والتي تمثلها “العقيدة” في صفاءها ووحيية مصدرها، وتغذيها فهوم العلماء شرحاً وتوضيحاً. وتجربة الأمة على مدار التاريخ تمكيناً وتثبيتاً.
ومن هنا احتلت الدراسات الخاصة بالعقيدة مكانة أساسية في المنهج التعليمي الإسلامي، وأولوية مطلقة في بناءه حتى عرفت بعلم أصول الدين و”الفقه الأكبر” وأنشئت لأجل تدريسه كليات مستقلة باسم “أصول الدين” أو “الإلهيات” في المؤءسسات التعلمية العالية في العالم الإسلامي بهدف توفير “فهم سليم” للعقيدة، والعمل على المحافظة عليها من الانحرافات الفكرية في فهمها وتناولها، وتمكين المتخصصين فيها من الوقوف أمام هجمات الملحدين، وشبهات المشككين، وتأويلات الجاهلين. ومن هنا جاء تعريف هذا العلم كما عبّر عنه صاحب المواقف بأنه: “علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه”
أو كما جاء في تعبير ابن خلدون: “علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة والمنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السنة”.
فلا غرابة والحالة هذه أن نجد علماء الإسلام – عندما وجدوا فرقاً عقدية تظهر وابتعدت قليلاً أو كثيراً عن صفاء العقيدة التي جاء بها الكتاب والسنة، وعن فهم السلف الصالح الجامع بين الوحي والعقل، والمنطق والواقع وتحاول أن تتمكن من الساحة الفكرية والاجتماعية، ورأوا انحرافات في فهم العقيدة وتفسيرها يتزعمها أفراد يحاولون بمساندة السلطة حيناً, وتقلبات الظروف الإجتماعية أحياناً النفوذ إلى عقول الجماهير والتأثير فيهم- أقولن فلا غرابة – والحالة هذه – أن نجد علماء الإسلام يجمعون صفوفهم والجماهير معهم تحت لواء “المحجة البيضاء” التي ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة عليها بإسم “أهل السنة والجماعة” مستأنسين بجهود من سبقهم من السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن جاء على هداهم من أمثال الإمام أحمد ومن كان معه. وأن يبذلون قصارى جهدهم في التصدي لتلك الإنحرافات, والوقوف في مواجهة تلك الفرق والتيارات, والإنتصار لعقيدة الإسلام كما قررها القرآن الكريم, وبينتها السنة النبوية الشريفة وفهمتها أجيال السلف الصالح.
وتمت هذه المحاولة بنجاح على يدي من عرف بأمامي أهل السنة والجماعة الإمام أبي منصور الماتريدي والإمام أبي الحسن الأشعري في منتصف القرن الرابع الهجري. وانضوت جماهير أمة الإسلام تحت لواءهما, واستقرت عقيدة الإسلام, عقيدة الكتاب والسنة وفق تصورهما وصياغتهما، توجه المسلمين, وتعينهم على مواجهة مستجدات الحياة.
وتتابع علماء هذه المدرسة – التي عرفت بمدرسة أهل السنة والجماعة والتي إذا أطلقت انصرفت إلى الأشعرية والماتريدية – في الظهور(1), وقاموا بجهادهم وجهودهم العظيمة في تبصير الناس بعقيدتهم, وتثقيفهم ضد كل إنحراف في فهمها, واعدادهم ضد كل تيار يحاول الوقوف في وجهها. حتى وجدنا – نتيجة لهذا – كوكبة من العلماء الأجلاء, والأئمة الأعلام يزخر بهم تراث الفكر الإسلامي, وتفخر بهم حضارته. وأصبح بهم للفكر الإسلامي عطاءه الإنساني العالمي, وإسهامه الحضاري والعلمي. فالأئمة العظام مثل البيهقي وإمام الحرمين, والقشيري، والغزالي, والاسفرائيني والبغدادي والشهرستاني, وفخر الدين الرازي, والايجي, والتفتازاني بعض تلك الأسماء التي ازدان بهم تاريخ الإسلام على مر العصور. فقد وقف هؤلاء الأعلام في وجه كل محاولة في عصرهم للإنحراف بالعقيدة, أو الابتعاد عن السنة والجماعة، وأبلوا في تلك الوقفة بلاءً حسناً, وحافظوا على “بيضة الإسلام” تلك المحافظة التي وفقوا فيها بإخلاصهم الذي اتصفوا به، وجهودهم المضنية التي تفانوا فيها، والقوة العلمية التي تميزوا بها، والإيمان العميق الذي احتموا في حضنه والصبر الذي تحلوا به.
لقد ورث هذه الخصائص عنهم من جاء بعدهم حتى وجدنا في القرن الرابع عشر الهجري مجموعة منهم استمروا في نفس ذلك الجهاد الذي نذروا لهم أنفسهم وجعلوها قضية حياتهم لا يبغون منها سوى مرضاة ربهم. ولعل من أهمهم شيخ الإسلام مصطفى صبري، والإمام محمد زاهد الكوثري، والشيخ سلامة العزامي، والشيخ الجليل يوسف الدجوي، والشيخ الإمام محمد بخيت المطيعي والشيخ الجليل عبد الله الصديق الغماري. لقد كان لكل واحد منهم جهود جبارة في محاربة البدع التي ظهرت في باب العقيدة والشريعة أينعت ثمارها، وأتت أكلها فاستطاعت أن تخمد الفتن، وتميت تلك البدع والانحرافات.
وهذه الورقة محاولة متواضعة للتعرف على واحد منهم في جهاده في مواجهة البدع العقدية في عصره، وربما كان من أشدهم قوةً وتأثيراً، وأقواهم استعداد، وأكثرهم تحقيقا، وأكثرهم معاناةً وابتلاءً وأخصبهم عطاء. ألا وهو الإمام الجليل محمد زاهد الكوثري.
ولن يستطرد هذا البحث لتناول حياة هذا العالم الفذ، أو لمناقشة جهوده العلمية المتعددة وجهاده العملي المتنوع في مختلف ميادين الحياة الإسلامية ومجالات العلم الشرعي تفسيراً أو قراءات، حديثاً أو رجالاً، فقهاً أو أصولاً، لغة أو أدباً، تاريخاً، أو سيرةً، ومنطقاً وفلسفة، عقيدة أو أدياناً وغيرها. إنما سيحاول أن يركز وبصورة مباشرة وموجزة على منهجه في محاربة البدع العقدية بمنهج يتفق مع أصول البحث العلمي ومقتضياته.
ما هي البدع العقدية:
أقصد بالبدع العقدية كل انحراف عن مقررات الوحي في مجال أصول الدين المقسم حسب التقليد العلمي لأهل السنة إلى الإلهيات والنبوات والسمعيات، كما فهمها السلف الصالح ومضى عليها جمهور الأمة جيلاً بعد جيل. وهذا الانحراف يأخذ صوراً متعددة، ومظاهر مختلفة وأحكاماً تتفق مع تلك الصور والمظاهر. فهذه البدع إذن لا تقبل القسمة الخمسية التي نعرفها في فروع الشريعة، لأن هذا المجال – مجال العقيدة – ليس محلاً للاجتهاد، ولا هو متغيراً وفق ظروف الزمان والمكان، ولا هو قابلاً للتجديد والتحديث، إنما هو مجال الاتباع والالتزام، والمضي مع الوحي كيف مضى، والسير مع مقرراته حيثما سار، فهو إذن مجال التقليد المطلق لمقررات الكتاب والسنة، ومجال تقليد الأئمة والعلماء في فهمها التزاماً بقوله تعالى: “فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”.
فالبدع العقدية إذن ليس فيها حسنة وسيئة، إنما هي سيئة كلها. وحسب مراتبها تأخذ أحكاما تدور بين الكفر، والضلال وهي البدع التي ينطبق علها قوله صلى الله عليه وسلم “كل بدعة ضلالة” بصورة مطلقة دون تفصيل أو استثناء. فالإخلال بالوحدانية – ذاتا وصفات وأفعالاً – والقول بالتجسيم والتشبيه، والقول بالجهة، أو القول بحلول الحوادث في ذاته تعالى، وإنكار البعث الجسماني أو علم الله بالجزئيات، أو إنكار نزول عيسى عليه السلام قبل الساعة كلها بدع عقدية تشترك جميعها في “الضلال” ثم حسب مراتبها يرتقي بعضها إلى باب الكفر والإلحاد. والمصطلحات العلمية التي نجدها في الكتاب والسنة وفي تراث علمائنا الأجلاء مثل “الكفر” و”الإلحاد” و”الفسق” و”الضلال” و”الشذوذ” تدلنا على هذه المراتب والمستويات في الانحراف والضلال.
لقد بدأ ظهور مثل هذه البدع العقدية في القرن الثاني وفي الثالث أشد، فقد أميتت كلها في حينها بفضل جهود العلماء الغيورين على دينهم، والحريصين على أمتهم. وكلما حاولت هذه البدع أو مثيلاتها في الظهور قام لها رجال من أهل العلم والتقوى وأعادوا للعقيدة أصالتها ونضارتها، وللأمة استقامتها ورشدها(2).
والبدع العقدية في هذه المجالات الثلاثة بما يتفرع عنها، ليس لها صورة نمطية واحدة، إنما تختلف صورها، وتتنوع مظاهرها، وتتعدد لغتها حسب كل عصر ويشترك جميعها في كونه “ضلالا” و”انحرافاً” وفي بعض الأحيان “كفراً” وإن كان الذي يقرأ تاريخ الفكر الإسلامي يدرك أن معظم هذه البدع – في باب العقائد – يكاد يكون نفسه في كل العصور وإن تفاوتت في حدتها وأسلوبها، إنها نفس البدع في كثير من الأحيان تلبس لباساً جديداً، وتحاول النفوذ من خلال لغة جديدة وأسلوب مختلف.
أبرز البدع العقدية في عصر الكوثري
إذا كان لكل عصر بدعه الظاهرة، أو انحرافاته العقدية الملاحظة فإن عصر الكوثري قد اتسم ببعض البدع العقدية القديمة التي أحييت بسبب الجهل المنتشر بين الناس وبين بعض من عد في زمرة العلماء نتيجة التحديث والتطوير اللذين أصابا العلوم الإسلامية في المقتل، وضعف النفوس أمام مفاتن الدنيا وإغراءات المال، وتقاعس بعض العلماء عن القيام بواجبهم.
كان من أبرز هذه البدع:
التجسيم والتشبيه في صورهما المختلفة الفاضحة الجلية.
القول بالجهة.
إحياء القول بحوادث لا أول لها.
تكفير المتوسل بالأنبياء والصالحين واعتباره مشركاً.
تكفير جمهور المسلمين وأئمتهم الذين لا يدينون بالوهابية السلفية.
لقد تولت كبر نشر هذه الضلالات جماعات كان لها من النفوذ المادي، والثراء المالي، ونصرة بعض ولاة الأمور في بعض البلاد وبخاصة في بلاد الحرمين وإمكانات النشر ما استطاعت به أن تجذب إليها بعضا من أهل العلم الذين رضوا شراء دنياهم بآخرتهم، واشباع أجسامهم دون أرواحهم، حتى وصل تأثيرها إلى الأزهر الشريف الذي ظل منذ أن طهره صلاح الدين الأيوبي كعبة أهل السنة العلمية، وأكبر محافظ على عقائدهم. استغلت تلك الجماعات جهل العامة وضعف بعض الخاصة، وهوان بعض من انتسب إلى العلم، وشعار الدعوة إلى الكتاب والسنة – وهم من تعاليهمها الصحيحة في باب العقائد بعيدون – في إغراء العامة وإغواء بعض الخاصة.
وفي هذه الحالة من الفوضى الدعوية العقدية ظهر الإمام الكوثري، الذي اعتبره بحق مجدد الأمة في القرن الرابع عشر الهجري، والذي اعترف الجميع بعلمه وتحقيقه، وحفظه وفضله، والذي جمع المعقول والمنقول، والأصول والفروع بطريقة قل أن نجد له نظيراً في تاريخ علماء الإسلام(3).
منهج الكوثري:
فهو في تصديه لكل بدعة من تلك البدع، محلل لها بكافة جوانبها وأبعادها، ومؤرخ لظهورها وتطورها، ومستقرئ لممثليها وناقد في ضوء القواعد العقلية والمعطيات النصية والدلالات اللغوية، ومستقص للتراث العلمي الخاص بها، ومستوعب لأوجه الضلال والانحراف فيها، ثم في النهاية مقرر للمذهب الحق من خلال جمع بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا بعلوم اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وجاءت بها السنة النبوية المطهرة المبينة له، ومستأنساً ببدهيات العقل وقواعد الفطرة.
وهذا الجمع لكل هذه العناصر التي تميز المنهج العلمي لديه قد امتاز به الكوثري بصورة نادرة فكان حقاً بأن نعتبره إمام الأئمة في عصره، وحجة الحق في كل حين، والسيف المسلط على رقاب المبتدعين.
ولعل من المستحسن في هذا المقام أن نقدم بعض النماذج يتبين من خلالها ما قلناه إلى الآن بشأن منهجه العلمي، النموذج الأول: هو تكملته للرد على نونية ابن القيم، والنموذج الثاني مقالته في الرد على الذين يحكمون بالكفر والشرك على المتوسلين بعنوان “محق التقول في مسألة التوسل”.
وإذا كان الرد على نونية ابن القيم التي تعتبر كما قال الكوثري بحق “من أبشع كتب ابن القيم وأبعدها غوراً في الضلال، وأشنعها إغراءً للحشوية ضد أهل السنة، وأوقحها في الكذب على العلماء”(4) فإن تكملة الرد للكوثري تمثل قمة العطاء العلمي للكوثري في التصدي للبدع الزفيلية العقدية، وجاءت في صورة تعليقات على ما كتبه الإمام تقي الدين السبكي رداً على هذه النونية التي كفر فيها جمهور المسلمين عامتهم وخاصتهم لرفضهم القول بالجهة، والنزول إلى التشبيه والتجسيم، شنع فيها على أئمة أهل السنة من أشاعرة وماتريدية واعتبرهم جميعاً جهمية معطلة وبعضهم أضل من اليهود والنصارى.
ورد الإمام السبكي على جلالة قدره وعظم منزلته في العلم والعمل والفتوى والتقوى جاء خفيفاً، وفي بعض الأحيان ضعيفاً، وبالمقارنة مع عصرنا مبهماً، وكما قال الكوثري نفسه: “والتقي السبكي أوجز في رده مكتفيا بلفت النظر إلى كلمات الناظم الخطرة في الغالب بدون أن يناقشه فيها كثيراً”(5)، وتطلب لهذا كله نشراً جديداً يمتاز بتعليقات توضح وتكمل وتفصل وتقرر. وهذا ما فعله الإمام الكوثري وأنجزه على أتم ما يكون الإنجاز العلمي. وإن كانت هذه التعليقات هي الأخرى في حاجة ماسة إلى شرح وتوضيح بسبب الضعف العلمي في عصرنا وفتور الهمم في جيلنا.
وعمل الإمام الكوثري في هذا الكتاب يتلخص في مقدمة علمية موجزة مستوعبة لتاريخ ظهور هذه البدع ثم في تعليقات ضافية توضح اشكالات المبتدعة، وتناقش شبههم وتكمل الرد على مقالاتهم، وتنتصر لمذهب أهل السنة والجماعة بقوة حجة، ونصاعة بيان، وزيادة برهان.
وبهذه الطريقة جاء هذا الكتاب فريداً في بابه، وعديم النظير في مجاله، غير مسبوق في منهجه ومبرهناً على شخصية الكوثري العلمية الموسوعية. وعلى امتلاكه ناصية اللغة والبيان، وقوة المنطق، وبراعة الجدل والعمق العقلي، والتحقيق العلمي، والتمكن من النقل استقصاء للرواية واستيعاباً للدراية، وفوق هذا كله يدل الكتاب على الحس السيكولوجي الذي كان الإمام يتمتع به حيث يدرك أغوار نفوس أهل البدع ادراكاً جيداً وواقعيا، انظر إليه وهو يتحدث عن ابن القيم – مؤلف النونية – “أن ابن القيم كلما تراه يزداد تهويلاً وصراخاً باسم السنة في كتابه هذا يجب أن تعلم أنه في تلك الحالة متلبس بجريمة خداع خبيث وأنه في تلك الحالة نفسها في صدد تلبيس ودس شنيعين، وإنما تلك التهويلات منه لتخدير العقول عن الانتباه لما يريد أن يدسه في غضون كلامه من بدعه المخزية كما يظهر من مطالعة النونية بتبصر ويقظة، وإنما اختار طريق النظم في ذلك ليسهل عليه أن يهيم في كل واد”(6).
ولم يكن هدفه من وراء هذه التعليقات الجاه أو الشهرة، إنما هو خدمة الإسلام وإفادة الناس والقيام بواجب العلم، يقول الكوثري: “ولولا أنها (أي النونية) طبعت مراراً وتكراراً ممن لا بغية له من طبعها غير عدد من القرش يملأ به الكرش، قام بذلك الدين أم قعد، بدون أن يقوم أحد من العلماء المعاصرين بالرد عليها لكان إهمال الرد عليها أنسب، لكن لم يبق بعد تكرار طبعها مع تقاعس أهل العلم عن ردّها مساغ للإهمال، فوجب تقويض دعائمها بنشر كتاب السبكي مع تعليق كلمات عليه في مواضع رأيناها في حاجة إلى التعليق”(7).
فهذه القدرة الفذة على سبر أغوار النفوس جاءته نتيجة استيعابه لمقتضيات تلك المناهج العلمية التي قلنا إنه استخدمها في جداله وسجاله، والتي تجلت في كل تعليق من تعليقاته التي ناقش فيها كل شبه المجمسة والحشوية بأوجز العبارات وأعمق التحقيقات. تجد هنا التحقيق العلمي للمسائل، والتحقيق التاريخي والعقلي في المناقشة والإلزام.
وأحب هنا أن أحيل القارىء إلى تعليقات محددة في تكملة الرد على نونية ابن القيم، وهي تعليقات اخترتها بعناية لدلالتها الواضحة على ما قلته بشأن المنهج العلمي لدى الكوثري.
تعليقه على قول ابن القيم بقيام الحوادث في ذات الله ص16، وص71-72.
تعليقه على محاولة ابن القيم تهوين أمر التجسيم ص39-40.
تعليقه على شبهة اعتقاد الصوت في كلام الله ص41-47، وص63-64.
تعليقه على مسألة الإستواء والاستقرار على العرش ص47-48 و172-173.
تعليقه على كلام ابن القيم استنباطاً من قوله تعالى “والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة” ص49-50.
تعليقه على مسألة “أصابع الرحمن” ص50-52.
تعليقه على حديث الجارية وفهم المجسمة لها ص94-96.
تعليقه على حديث أبي رزين ص96-99 وص127-129.
تعليقه على بدعة القول بالجهة ص100-105 و107-111.
التعليق على حديث حصين بن المنذر ص123-124.
تعليقه على مسألة التأويل ص 129-135.
تعليقه على تصريح المؤلف بالجلوس في حق الله تعالى ص176-182.
تعليقه على “الاستواء” ص 112-120.
وهذه التعليقات تقدم براهين ساطعة على كل وصف ذكرته بشأن المنهج العلمي للكوثري في قمته، ويقدم لنا الدليل تلو الدليل بأننا أمام بحر لا ساحل له حفظاً واطلاعاً، ودقة واتقانا واستيعاباً واستقصاء وقدرةً على المناظرة.
ولأجل هذا كانت مواقف الكوثري في مناقشة أهل الأهواء قويا، ومواجهته لأباطيلهم قامعة ومميتة، الأمر الذي جعل معارضيه يلجأون إلى أساليب الضعفاء وأهل السوق حيث بدأوا يصرفون الناس عن تراثه العلمي الذي يعتبر فخراً للإسلام والمسلمين بإثارة الناس ضده باتهامه بالشعوبية والتعصب وبغض الحديث وأهله، وعداوة الإسلام والسنة(8).
أما رسالته: “محق التقول في مسألة التوسل” – الذي اعتبرته النموذج الثاني فما رأيت فيما قرأت في هذا الموضوع على كثرته ما يرتفع إلى مستوى هذه الرسالة على وجازتها – في استيعابها، وحسن تقريرها، ودقة مناقشاتها العلمية، وقوة ردودها، ووضوحها وشمولها. لقد قال في ثماني صفحات ما قاله غيره في أكثر من ثلاثمائة صفحة(9). وهذا هو منهج الكوثري الذي اتسم بخصائص أثرته وأبقته وخلدته كإمام الأئمة في عصره، وكبير دهره، وعالم الأمة في زمنه.
خصائص منهج الكوثري
يمكن تلخيص أبرز خصائص المنهج الكوثري التي استقصيناها من كتاباته فيما يلي:
الإخلاص لله وطلب مرضاته.
التسلح بالمعرفة المتعمقة والتحقيق العلمي والتاريخي بطريقة موسوعية خارقة.
الاستيعاب الكامل لجوانب القضايا التي يتعامل معها والاستقصاء الدقيق لها.
المعرفة الدقيقة بشبه المعارض وأساليبه، وقوته وضعفه.
الحرص على التراث العلمي الإسلامي، والتمكن منه.
الالتزام بتراث السلف من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء وجمهور أهل السنة والجماعة.
الشجاعة العلمية والقوة المنطقية.
الجمع بين العقل والنقل، والرواية والدراية.
التمكن التام من أدوات البحث العلمي وعلوم الآلة التي يحتاج إليها.
الوضوح والشمول مع الإيجاز والإحكام.
الشدة في الحق والبعد عن المجاملات.
ويحتاج كل عنصر من هذه العناصر إلى وقفة موجزة نتعرف بها على طبيعته ومظاهره في جهاد الإمام الكوثري. ولضيق الزمان والمكان أترك القارىء يتابع هذا في مصادره ومظانه. وقد أشرت إلى بعض ما يشهد له آنفاً، إلا أني أحب أن أنهي هذه الورقة بما ذكره الشيخ محمد أبي زهرة مما يدل على أول خصوصية من خصائص المنهج لدى الإمام الكوثري: ألا وهو “الإخلاص”.
والإخلاص لله عنصر منهجي قد لا تعرفه المناهج الحديثة ولكنه أصيل في الإسلام، وقاعدة أساسية لنجاح كل ما هو إسلامي، ويتجلى هذا العنصر من دراسة حياة الكوثري العلمية ومواقفه الحياتية المختلفة. لقد فرّ بدينه إلى الله، واستقر في مصر، ينشر العلم الشرعي بدون أن يبتغي من وراءه مالاً ولا جاهاً، مواجها امتحانات الحياة، وصابراً على ابتلاءاتها، وراضيا بقدر الله. وسيرته تدل على أنه رفض كل متع الحياة في سبيل المحافظة على الإسلام والتعاليم الإسلامية. يقول الشيخ أبو زهرة: “لقد اختص رضي الله عنه بمزايا رفعته وجعلته قدوة للعالم المسلم، لقد علا بالعلم عن سوق الاتجار، وأعلم الخافقين أن العالم المسلم وطنه أرض الإسلام، وأنه لا يرضى بالدنية في دينه، ولا يأخذ من يذل الإسلام بهوادة، ولا يجعل لغير الله والحق عنده إرادة، وأنه لا يصح أن يعيش في أرض لا يستطيع فيها أن ينطق بالحق ولا يعلي فيها كلمة الإسلام وإن كانت بلده الذي نشأ فيه، وشدا وترعرع في مغانيه”.
ويقول: “إن نظرة عابرة لحياة ذلك العالم الجليل ترينا أنه كان العالم المخلص المجاهد الصابر على البأساء والضراء، وتنقله في البلاد الإسلامية والبلاء بلاء، ونشره النور والمعرفة حيثما حل وأقام، ولقد طوّف في الأقاليم الإسلامية فكان له في كل بلدٍ حل فيه تلاميذ نهلوا من منهله العذب، وأشرقت في نفوسهم روحه المخلصة المؤمنة، يقدم العلم صفواً لا يرنقه مراء ولا التواء، يمضي في قول الحق قدما لا يهمه رضى الناس أو سخطوا ما دام الذي بينه وبين الله عامراً”. ثم يقول: “لقد أردت أن يعم نفعه، وأن يتمكن طلاب العلم من أن يردوا ورده العذب وينتفعوا من منهله الغزير.
لقد اقترح قسم الشريعة على مجلس كلية الحقوق بجامعة القاهرة أن يندب الشيخ الجليل للتدريس في دبلوم الشريعة من أقسام الدراسات العليا بالكلية، ووافق المجلس على الاقتراح بعد أن علم الأعضاء الأجلاء مكان الشيخ من علوم الإسلام وأعماله العلمية الكبيرة، وذهبت إلى الشيخ مع الأستاذ رئيس قسم الشريعة إبان ذلك، ولكننا فوجئنا باعتذار الشيخ عن القبول بمرضه ومرض زوجه وضعف بصره، ثم يصر على الاعتذار، وكلما ألححنا في الرجاء لجّ في الاعتذار، حتى إذا لم نجد جدوى رجوناه في أن يعاود التفكير في هذه المعاونة العلمية التي نرقبها ونتمناها، ثم عدت إليه منفرداً مرة أخرى أكرر الرجاء وألحف فيه، ولكنه في هذه المرة كان معي صريحاً، قال الشيخ الكريم: إن هذا مكان علم حقاً، ولا أريد أن أدرس فيه إلا وأنا قوي ألقي دروسي على الوجه الذي أحب، وأن شيخوختي وضعف صحتي وصحة زوجي وهي الوحيدة في هذه الحياة كل هذا لا يمكنني من أداء هذا الواجب على الوجه الذي أرضاه، خرجت من مجلس الشيخ وأنا أقول أي نفس علوية كانت تسجن في ذلك الجسم الإنساني، إنها نفس الكوثري(10)”.
ولا أظنني في حاجة إلى تعليق أو زيادة كلام بعد هذا الذي نقلته من الشيخ الإمام أبي زهرة.
أما الخصائص الأخرى لمنهج الإمام فقد تضمنت نقولنا السابقة أو إحالاتنا إليها ما يبرهن عليها لكل ذي عقل رشيد.
ومع ذلك أود أن أبرز مثالاً واحداً وهو ما علق به الكوثري في إبطال القول بالجهة لإبراز منهجه العلمي وخصائصه، فقد درجت الحشوية والمجسمة على إثبات الجهة لله تعالى وتخصيصها بجهة الفوق واعتبارها قضية القضايا وركناً أساسيا في الاعتقاد، واختبار إيمان الإنسان وعقيدته بأين الله مشهور عندهم على مر التاريخ، وكثير من الأساتذة الذين يقابلون للتوظيف في بعض الجامعات يمتحنون بهذا السؤال الذي يفتح الباب واسعاً أمام أولئك الأساتذة للنفاق العلمي.
وجاءت ردود الإمام السبكي على كلام ابن القيم في هذه القضية في جمل موجزة، وكانت تعليقات الكوثري على جميع الوجوه التي ذكرها ابن القيم ردوداً مفحمة، تجمع بين التحقيق التاريخي، والتحليل اللغوي، ونقد الروايات واستقصاءها واستخدام الدراية وتحكيم القواعد العقلية.
فقد ذكر الإمام السبكي في رده على استدلال ابن القيم بحديث الجارية “أقول أما القول فقوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله؟ قالت في السماء، فقد تكلم الناس عليه قديماً وحديثاً والكلام معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشاء على بدعته لا يقبل غيرها.
هذا الذي قاله السبكي لا يرقى إلى مستوى الرد العلمي، وجاء تعليق الكوثري ليكمل هذا النص ويبين المشكلة ويقنع القارىء بما يقول كأوفى ما يكون البيان، انظر الكوثري وهو يعلق على هذا الحديث، وأحب أن أنقله كاملا ليعرف القارىء بنفسه طبيعة المنهج العلمي لدى الكوثري وقوته، يقول: “وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له “فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهما من في السماء الحديث” فتكون المحادثة بالإشارة على أن اللفظ يكون ضائعاً مع الخرساء الصماء فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لألفاظ الرسول عليه السلام.
“ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة – دون كتاب الإيمان – حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنع النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الأفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث، وليس في رواية الليثي عن مالك لفظ (فإنها مؤمنة)”.
وأما عدم صحة الاحتجاج به في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات قال الله تعالى (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله) وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى (وله ما سكن في الليل والنهار) وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى، فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان كما في أساس التقديس للفخر الرازي، ولأن الحديث فيه اضطراب سنداً ومتناً رغم تصحيح الذهبي وتهويله راجع طرقه في كتاب العلو للذهبي وشروح الموطأ وتوحيد ابن خزيمة حتى تعلم مبلغ الاضطراب فيه سنداً ومتناً”.
وحمل ذلك على تعدد القصة لا يرضاه أهل الغوص في الحديث والنظر معاً في مثل هذا المطلب. فالروايات عن رجل مبهم محمولة على ابن الحكم، ولم يصح حديث كعب بن مالك ولا حديث يروى عن امرأة، فمالك يرويه عن عمر بن الحكم غير مقر بأن يكون غالطاً فيه، ومسلم عن معاوية بن الحكم ولفظهما كما سبقت الإشارة إليه مع نقص لفظ (فإنها مؤمنة) في رواية مالك. ولفظ ابن شهاب في موطأ مالك عن أنصاري – وهو صاحب القصة في الرواية الأولى – (فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم قال أتشهدين أن محمداً رسول الله؟ قالت نعم) وأين هذا من ذاك؟. وستعرف حال الذهبي في أواخر الكتاب فلا تلتفت إلى تهويله وتخويفه في هذا الباب فلعل لفظ (أين الله) تغيير بعض الرواة على حسب فهمه. والرواية بالمعنى شائعة في الطبقات كلها وإذا وقعت الرواية بالمعنى من غير فقيه فهناك الطامة وصاحب القصة لم يكن من فقهاء الصحابة ولا له سوى هذا الحديث في التحقيق بل كان أعرابيا يتكلم في الصلاة.
على أن (أين) تكون للسؤال عن المكان وللسؤال عن المكانة حقيقة في الأول ومجازاً في الثاني أو حقيقة فيهما قال أبو بكر ابن العربي في شرح حديث أبي رزين في العارضة: المراد بالسؤال بأين عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه وأين مستعملة فيه، وقيل إن استعمالها في المكان حقيقة وفي المكان مجاز وقيل هما حقيقتان وكل جار على أصل التحقيق مستعمل على كل لسان وعند كل فريق أ.هـ. وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى يقال مكان فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه فلعل الجارية تريد وصفه بالعلو وبذلك يوصف كل من شأنه العلو أ.هـ. فيكون معنى (أين الله) ما هي مكانة الله عندك ومعنى (في السماء) أنه تعالى في غاية من علو الشأن فيتحد هذا المعنى مع معنى (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت نعم)” فإن قيل فليكن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم هو (أين الله) ولفظ الراوي هو (أتشهدين ….) رواية بالمعنى على الصورة السابقة، فالجواب أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلقين الإيمان طول أداء رسالته السؤال بأين أو ذكر ما يوهم المكان ولا مرة واحدة في غير هذه القصة المضطربة، بل الثابت هو تلقين كلمة الشهادة فاللفظ الجاري على الجادة أجدر بأن يكون لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم على أن المحقق السيد الشريف الجرجاني أجاز في شرح المواقف أن يكون السؤال للاستكشاف عن معتقد الجارية هل هي عابدة وثن أرضي أم هي مؤمنة بالله رب السموات
ومن أهل العلم من يعد العامي معذوراً في اللفظ الموهم اعتداداً بأصل اعتقاده بالله سبحانه وإن أوهم بعض إيهام في وصفه تعالى، وإليه يشير القرطبي في المفهم في شرح حديث الجارية في صحيح مسلم. قال ابن الجوزي: قد ثبت عند العلماء أن الله لا تحويه السماء ولا الأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق جل جلاله عندها أ.هـ. وعلى تقدير ثبوت لفظ (أين) فالمعنى الذي ذكره الباجي وابن العربي معنى لا حيدة عنه أصلا، وجلالة مقدار هذين الإمامين في الحديث واللغة وأصول الدين والفقه لا يجحدها إلا الجاهلون. وقول ذلك الصحابي الذي كان يبغي فوق السماء مظهراً، ومن الأدلة على ما أشار إليه الباجي” (السيف الصقيل ص 92- 96 هامش).
وعندما حكى ابن القيم اجماع رسل عن الجهة عن عبد القادر الجيلاني قام الكوثري بعد بيان فساد هذه الحكاية بالتعليق على الموضوع بما يلي: “ولم يرد لفظ الجهة في حديث ما، بل قال ابو يلعى الحنبلي في “المعتمد في المعتقد”: ولا يجوز عليه الحد ولا النهاية ولا قبل ولا بعد ولا تحت ولا قدام ولا خلف لأنها صفات لم يرد الشرع بها وهي صفات توجب المكان أ.هـ. ولعله آخر مؤلفاته بدليل أن امتحانه في الصفات كان سنة 429 قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة.
فمن أثبت له تعالى جهة فقد أثبت له أمثالا وأشباها مع أنه لا مثل له ولا شبيه له تعالى، قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) وقال تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق” فلعائن الله على من يثبت له تعالى ما لم يثبت له الكتاب ولا السنة من الجهة ونحوها، وأما ابن رشد الحفيد ففيلسوف ظنين يسعى في إثارة وجوه من التشكيك حول آراء المتكلمين من أهل السنة لينتقم منهم بسبب ردودهم على الفلاسفة إخوانه ولا سيما من أبي المعالى الجويني وأبي حامد الغزالي فمن طالع فصل المقال ومناهج الأدلة لابن رشد وخاصة في بحث قدم العالم قدما زمانياً وعلم الله بالجزئيات والبعث الجسماني يتيقن ما قلناه في حقه على أنه يقول في فصل المقال (ص13): إن ههنا ظاهراً من الشرع لا يجولا تأويله فإن كان تأويله في المبادىء فهو كفر وإن كان فيما بعد المبادىء فهو بدعة وههنا أيضا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله وحملهم إياه على ظاهره كفر في حقهم، وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول أ.هـ.
وهذا الكلام يهد على رأس ابن تيمية وتلميذه ما يريدان أن يبنيا على كلامه ولو علما مغزى كلامه لأبيا كل الإباء أن يحوما حول كلامه في مثل هذه الأبحاث. فما يكون كفراً في حق طائفة عند ابن رشد يكون إيمانا في حق طائفة أخرى عنده وبالعكس وهذا هو الذي يحتج ابن تيمية في التأسيس وغيره بقوله في الجهة من غير أن يعقل مغزى كلامه الطويل في مناهج الأدلة.
وأما ما وقع في كلام ابن أبي زيد وابن عبد البر مما يوهم ذلك فمؤول عند محققي المالكية، ولو كان ابن عبد البر لم يكتف بالطلمنكي في أصول الدين ورحل إلى الشرق كالباجي لم يقع في كلامه ما يوهم.
ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في لفظ صحابي أو تابعي ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة. وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلا فضلا عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة.
وأول من وقع ذلك في كلامه ممن يدعي الانتماء إلى أحد الأئمة المتبوعين – فيما أعلم – وهو أبو يعلى الحنبلي المتوفى سنة 458هـ حيث قال عند إثباته الحد له تعالى في كتابه (إبطال التأويلات لأحاديث الصفات): “إن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل، والعرش محدود، فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة له، وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة واليسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية، فلذلك لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة، وجهة العرش تحاذى ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها أ.هـ”. تعالى الله عما يقول المجسمة علواً كبيراً، وهو عين ما ينسب إلى المانوية الحرانية من تلاقي النور من جهة الأسفل مع الظلمة وعدم تناهيه من الجهات الخمس – سبحانك ما أحلمك – ثم تابعه أناس من الحنابلة في نسبة الجهة إلى الله سبحانه، منهم أبو الحسن علي بن عبيد الله الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527هـ، ووقع بعده في غنية الشيخ عبد القادر وقد سبق رده، وإثبات ذلك له تعالى ليس بالأمر الهين عند جمهور أهل الحق، بل قال جمع من الأئمة إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العلم العراقي، وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري الباقلاني أ.هـ، فانظر قول ابن تيمية في التسعينية (ص3): أما قول القائل الذي نطلب منه أن ينفي الجهة عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفياً وإثباتاً بدعة أ.هـ، وهذه مغالطة فإن مالم يثبته الشرع في الله فهو منفي
قطعاً لأن الشرع لا يسكت عما يجب اعتقاده في الله وقوله سبحانه (ليس كمثله شيء) نص في نفي الجهة عنه تعالى إذ لو لم تنف عنه الجهة لكانت له أمثال لا تحصى تعالى الله عن ذلك – ثم ا نظر قوله في منهاجه (1-462): فثبت أنه في الجهة على التقديرين أ.هـ” لتعلم كيف رماه الله بقلة الدين وقلة الحياء في آن واحد.
وأما ما ينقله الذهبي وغيره من الحشوية من تفسير القرطبي في قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) من أنه قال: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبرت رسله فتساهل منه في العبارة فإنه لم يرد لفظ الجهة في عبارة السلف ولا في كتاب الله، ولو أراد ورود هذا اللفظ لكذبه كتاب الله وسنة رسوله والآثار المروية عن السلف، لأن الوارد لفظ (وهو القاهر فوق عباده) و(ثم استوى على العرش) ونحو ذلك بدون تعرض للتكييف بالجهة وهكذا الوارد في السنة وآثار السلف وتعين قوله (كما نطق به كتابه) أن مراده الفوقية والعلو بلا كيف وذكر الجهة سبق قلم منه، فلا يكون متمسك للحشوية فيما ذكره القرطبي في تفسيره كيف وهو القائل فيه: “متى اختص بجهة يكون في مكان وحيز فيلزم الحركة والسكون أ.هـ”. وهو القائل أيضا في (التذكار في أفضل الأذكار) ص13: “يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شيء لكان محصورا أو محدوداً ولو كان ذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق أ.هـ”. وفي (ص207) من الكتاب المذكور: “ثم متبعوا المتشابه لا يخلو أتباعهم من أن يكون لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وغير ذلك من يد وعين وجنب وأصبع تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ويستتابون
فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد أ.هـ”.
فبذلك تبين أن تمسك الحشوية بقول القرطبي السابق من قبيل الاستجارة من الرمضاء بالنار، وبه يظهر مذهب المالكية فيمن يقول بذلك كما يظهر قول الشافعية فيه من كفاية الأخيار للتقي الحصني، حيث قال فيها بعد أن أشار إلى كلام الرافعي في كتاب الشهادات: “جزم النووي في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المسجمة: قلت. وهو الصواب الذي لا محيد عنه أ.هـ”.
ومن حذاق النظار من استدل على بطلان القول بالجهة بقوله تعالى: (وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق) باعتبار أن فيه استدلالاً على بطلان التعدد ببطلان لازمه الذي هو انحياز الإله إلى جهة. راجع شعب الإيمان للحليمي. وفي الإكمال شرح مسلم للقاضي عياض “ثم من صار من دهماء الفقهاء والمحدثين وبعض متكلمي الأشعرية وكافة الكرامية إلى الجهة أول (في) بـ (على). ومن أحال ذلك – وهم الأكثر – فلهم فيها تأويلات… وقد أجمع أهل السنة على تصويب القول بالوقف من التفكر في ذاته تعالى لحيرة العقل هنالك، وحرمة التكييف. والوقف في ذلك غير شك في الوجود ولا جهل بالموجود فلا يقدح في التوحيد بل هو حقيقته. وقد تسامح بعضهم في إثبات جهة تخصه تعالى أو يشار إليه بحيز يحاذيه وهل بين التكييفين (أي التكييف المحرم إجماعاً والتكييف بالجهة) فرق؟!!!. وبين التحديد في الذات والجهة فرق؟!!. وقد أطلق الشرع أنه القاهر فوق عباده وأنه استوى على العرش فالتمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في العقل غيره وهي قوله تعالى (ليس كمثله شيء) عصمة لمن وفقه الله تعالى أ.هـ.
فقد تعقبه الأبي تعقباً شديداً وقال ما نسب من القول بالجهة إلى الدهماء ومن بعدهم من الفقهاء والمتكلمين لا يصح ولم يقع إلا لأبي عمر في الاستذكار (والتمهيد) ولابن أبي زيد في الرسالة وهو عنهما متأول. ثم نقل عن الفقهاء التونسيين كابن عبد السلام وابن هارون والفاسيين كالسطي وابن الصباغ اتفاقهم على إنكار ذلك في مجلس الأمير أبي الحسن ملك المغرب. راجع شرح مسلم (2-241) للأبي.
أقول إنما ذكر القاضي عياض من صار من الدهماء إلى القول بالجهة وأين في ذلك نسبة ذلك إلى الدهماء، على أن لفظ الجهة لم يقع في كلام أبي عمر ولا في كلام ابن أبي زيد وإن كان ظاهر كلامهما يوهم ذلك وقد تأول كلامهما المالكية ليكونا مع الجمهور في هذه المسألة الخطيرة، ولو ترك كلامهما على الظاهر لهويا في هاوية التجسيم وذلك عزيز عليهم أيضا، وقول القاضي عياض ليس يشمل المشارقة حيث لم يرحل إلى الشرق وإنما قوله بالنظر إلى معنى كلام بعض الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أهل بلاده من أصحاب الطلمنكي وابن أبي زيد وأبي عمر بل لا أذكر وقوع لفظ الجهة في كلام أحد منهم، وإنما جرى ابن رشد الفيلسوف في المناهج على التساهل بذكر مالم يجر على لسانهم باعتباره معنى كلامهم كما سبق. والحاصل أن التكييف غير جائز إجماعاً، ويمكن جمع جزء من الآثار الواردة في المنع من التكييف والتشبيه – ولا شك أن القول بالجهة تكييف لم يقع إلا في عبارات أناس هلكى، وأما تأويل القائلين بالجهة ما يوهم كونه في السماء بمعنى على السماء، كما ذكره القاضي عياض فلا ينجيهم من ورطة التجسيم لأن (في) في “ولأصلبنكم في جذوع النخل) لم تزل تفيد تمكين المصلوب في الجذع كتمكين المظروف في الظرف وكذلك قوله تعالى (قل سيروا في الأرض) فحمل لفظ في على معنى لا يجدي في الإبعاد عن التمكين. وإنما التأويل الصحيح ما أشار إليه الباجي من استعمال العرب لفظ (هو في السماء) يعنون علو شأنه ورفعة منزلته بدون
ملاحظة كونه في السماء أصلاً كقول الشاعر:
علونا السماء مجدنا وجدودنا وانا لنبغي فوق ذلك مظهرا
وظاهر أنه لم يرد إلا علو الشأن. وليس قوله تعالى (أأمنتم من في السماء) من هذا القبيل بل الظاهر أن المراد خاسف سدوم وعد (في السماء) بمعنى على السماء ثم جعل على السماء بمعنى (على العرش) باعتبار أن السماء مأخوذة من السمو، غفلة عن شمولها للسقف والسحاب على هذا التقدير غير المتبادر وتخصيصها بالعرش عن هوى مجرد كما لا يخفى. وفيما ذكرناه كفاية لأهل التبصر” (السيف الصقيل ص101-105).
وعندما حكى ابن القيم إجماع أهل العلم على أن الله فوق العرش فوقية حسية ردّ عليه الكوثري بقوله: “الناظم يروي عن إمامه أحمد بن حنبل في إعلام الموقعين أن من ادعى الإجماع فهو كاذب. فكيف صاغ له أن يروي هنا الإجماع على الفوقية المكانية على خلاف البراهين العقلية والنقلية القائمة. فابن عباس ومجاهد لم يرو عنهما ما يوهم ذلك إلا أناس هلكى لا تقبل أقوالهم في حيض النساء فضلا عن المسائل الاعتقادية. ومقاتل بن سليمان المروزي شيخ أهل التجسيم في عصره، وقد أفسد جماعة من المراوزة. والكلبي هالك عند أهل النقد. وأبو العالية رفيع الرياحي فسر الاستواء بالارتفاع كما ذكره ابن جرير بطريق أبي جعفر الرازي وهو متكلم فيه حتى عند الناظم. وروى الفريابي عن مجاهد تفسير استوى بقوله علا بطريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. والكلام فيه مشهور. ولذا ذكر هذا وذاك البخاري من غير سند، ومع ذلك أين الدلالة في هذا وذاك على الفوقية المكانية؟ وأبو عبيدة معمر بن المثنى الشعوبي ماذا تكون قيمة كلامه في مثل هذه الأبحاث؟
والأشعري إن كنتم تعتقدون فيه أنه قائل بالفوقية المكانية فما سبب طعن الحشوية كلهم فيه؟ وإنما له رأيان أحدهما عدم الخوض في الصفات مع إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة بدون تشبيه ولا تمثيل والآخر تأويل ما يجب تأويله بما يوافق التنزيه إذاً عن ضرورة، وليس في هذا ولا في ذاك القول بالفوقية المكانية.
وتأليف الإبانة كان في أوائل رجوعه عن الاعتزال لتدريج البربهاري إلى معتقد أهل السنة، ومن ظن أنها آخر مؤلفاته فقد ظن باطلا. وقد تلاحقت أقلام الحشوية بالتصرف فيها ولا سيما بعد فتن بغداد فلا تعويل على ما فيها مما يخالف نصوص أئمة المذهب من أصحابه وأصحاب أصحابه.
وابن درباس غير مأمون في روايتها لأنه أفسده شيخه في التصوف مع تأخر طبقته.. والبغوي الشافعي إنما نقل في تفسيره ما يروى عن مثل مقاتل بن سليمان والكلبي تعويلا على قول أهل النقد فيهما ودلالة على أن هذا القول قول أهل الزيغ. ومالك قائل بالاستواء بلا كيف وكذا الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وابن المبارك، وهم براء مما يوجد في روايات عبدالله بن نافع الصائغ والعشاري والهكاري وابن أبي مريم ونعيم ابن حماد والاصطخري وأمثالهم.
و(اعتقاد الشافعي) المذكور في ثبت الكوراني كذب موضوع مروي بطريق العشاري وابن كادش وسيأتيان في أواخر الكتاب. وابن خزيمة على سعته في الفقه والحديث جاهل بعلم أصول الدين وقد اعترف بذلك هو نفسه كما في الأسماء والصفات للبيهقي (ص200) وكتاب التوحيد له يعده الرازي كتابا في الشرك. ويستخف عقله وفهمه في تفسير قوله تعالى (ليس كمثله شيء) وينقل جزءاً من سخفه ويرد عليه رداً مشبعا فيجب الاطلاع عليه ومن الشافعية من يعد من الشافعية كل من تلقى بعض شيء من بعض الشافعية وهذا ليس بصواب لأن كل متأخر يأخذ عمن تقدمه على أي مذهب كان المتقدم كما لا يخفى على من درس أحوال الرجال. وابن خزيمة هذا وإن تلقى بعض شيء من المزني في شبيبته لكن لم يكن شافعيا، بل ثبتت مساعدته لمحمد بن عبد الحكم في تأليفه ذلك الرد القاسي على الشافعي. وعلى فرض أنه شافعي لا محاباة في المعتقد أيا كان مذهب من زاغ عن السبيل. وهذا المسكين ممن إذا أصاب مرة في المعتقد يخطىء فيه مرات، فليسمح لي ساداتنا العلماء أن أعجب غاية العجب من طبع مثل كتاب التوحيد هذا بين ظهرانيهم بدون أن يقوم أحد منهم بالرد عليه كما يجب. أيقظ الله أصحاب الشأن لحراسة السنة.
وابن خزيمة الذي يروي عنه الطحاوي غير ابن خزيمة صاحب كتاب التوحيد وليعلم ذلك. والإجماع الذي يرويه ابن عبد البر إنما يصح في العلو والفوقية بمعنى التنزه والقهر والغلبة لا بمعنى إثبات المكان له تعالى. وأبو بكر محمد بن وهب شارح رسالة ابن أبي زيد مسكين مضطرب بعيد عن مرتبة الحجة. وقد ذكرنا ما يتعلق بابن أبي زيد فيما علقناه على تبيين كذب المفترى وقد أغنانا ذلك عن تكرير الكلام. ورأى القاضي أبي بكر بن العربي فيه مدون في القواصم.
وأبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي صاحب الفصول مجسم صريح كأبي الخير يحيى العمراني وقد كفانا مؤنة الرد عليهما ما قاله فيهما ابن السبكي واليافعي الشافعيان. وعثمان الدارمي السجزي صاحب النقض – وهو غير صاحب المسند – قد سبق القول فيه وهو يثبت الحركة لله تعالى كحرب بن إسماعيل السيرجاني. وقد نقلت فيما كتبت على شروط الأئمة الخمسة ما قاله الحافظ الرامهرمزي في حرب السيرجاني هذا.
وخشيش بن أصرم صاحب كتاب الاستقامة يعرف أهل الاستقامة مبلغ انحرافه، ومن جملة ما هذى به قوله: فإن زعمت الجهمية فمن يخلفه إذا نزل؟ قيل لهم: فمن خلفه في الأرض حين صعد؟ أ.هـ. ولا ينجيه من ورطته كونه من مشايخ أبي داود كما لا ينجي عمران بن حطان كونه من رجال البخاري. وعبد الله بن أحمد إذا ثبت عنه كتاب السنة المنسوب إليه فلا حب ولا كرامة. وابن أبي حاتم أقر على نفسه بأنه يجهل علم الكلام كما في الأسماء والصفات للبيهقي (ص199) وحق مثله أن لا يخوض في أمثال هذه المباحث وأن يهجر قوله إذا خاض.
ومحمد بن أبي شيبة صاحب كتاب العرش مشبه كذاب، ومن جملة تخريفاته في كتابه المذكور أن الله تعالى أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى العرش فاستوى على العرش أ.هـ. تعالى الله عن تخريفات المجسمة.
وابن أبي داور كفانا مؤنة الرد عليه كلام أبيه فيه. وابن أسباط لا يحتج به في الرواية فكيف يعول على مثله في الصفات. سامح الله اللالكائي والطلمنكي وإسماعيل التيمي فإنهم تكلموا في غير علومهم. والباقون كلهم بخير خلا ما أدخل على ابن سلمة ولن يثبت عن هؤلاء سوى أنهم كانوا يقولون: إنه تعالى استوى على العرش بلا كيف وإنه القاهر فوق عباده بلا كيف وأين هذا مما يدعو إليه الناظم؟”.
تنبيه – روى الناظم في أعلام الموقعين عن أحمد: أن من ادعى الاجماع فهو كاذب. ثم حكى هو نفسه في الكتاب نفسه في (1-56 و114، 275، 389) وفي (2-33 و48 و53 و241 و290) وغيرها الاجماع والقول بالإجماع في مسائل عن أحمد وغيره، ومثل هذا التناقض لا يصدر إلا من مثل الناظم. وذكر أيضا في عدة من كتبه في صدد الرد على من يقول بإجماع الصحابة على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد أنه لم يرو ذلك عن عشر الصحابة بل عن عشر عشرهم بل عن عشر عشر عشرهم بل لا تطيقون أن ترووه عن عشرين نفساً منهم. وهو يرمي بذلك إلى أن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا برواية نص عن مائة ألف صحابي مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا تخريف لم يقل به أحد قبل الناظم، لأن الظاهرية يكتفون باتفاق فقهاء الصحابة إلا أنهم يكثرون عدد الفقهاء منهم ويبلغون عددهم إلى نحو مائة وخمسين صحابيا على خلاف الواقع – ثم يناقض نفسه فيقول في إعلام الموقعين (3-379): (إن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم هو حجة وليس لا يكون إجماعاً ولا حجة، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في موطئه دليل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جداً أ.هـ. ثم ذكر وجه النظر.
وهذا القول هو الصواب، لكن الناظم يناقض هذا حينما يؤول كلام أحمد المذكور على خلاف تأويل الجمهور في (1-33) من إعلام الموقعين، وعند ما يشذ عن الجماعة في مسائل كالطلاق ونحوه في كثير من كتبه ويهون أمر الإجماع بل ينكره ويتابعه الجهلة الأغرار من أبناء الزمن، وفي ذلك عبرة بالغة نلفت إليها أنظار المنصفين، والحق أن الناظم ليس له أصل يبنى عليه وإنما يلبس لكل ساعة لبوسها كما شأن أصحاب الأهواء والله ولي الهداية. والحق أن تكذيب أحمد لمن يدعي الإجماع على تقدير ثبوته عنه لا بد من حمله على ادعاء من لم يتأهل لنقل الإجماع إلا الإجماع في مسألة، وإلا لتناقض كلامه وعمله” (السيف الصقيل ص107-111).
وعندما استدل ابن القيم بآية الاستواء قائلاً: إن “استوى” جاء في سبع آيات بغير لام، ولو كانت بمعنى استولى لجاءت في موضع، علق الكوثري بقوله: “ويقال لهذا المتعالم بل لو كان استوى بمعنى جلس لأتى لفظ جلس في أحد المواضع السبعة (ص85) وفي الكوثري التحليل اللغوي والروائي لمصطلح “الاستواء” حقه في تعليقات أخرى (انظر صفحة 111-112 وصفحة 119، وانظر أيضا ما ذكره تعليقا على فهم ابن القيم الاستواء بالجلوس في صفحة 176-182).
الدكتور/ دين محمد محمد ميرا صاحب
الهوامش”البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة” ص 191 حيث يقول بعد عرض ممتع لظهور أهل السنة والجماعة كطائفة: “وقد علم الخاص والعام منذ ظهر الإمامان أبو الحسن وأبو منصور في القرن الرابع أنهما وأتباعهما ناصرو السنة وناشروها، وكاتبو البدعة وفاضحوها في المشارق والمغارب قرناً بعد قرن، تشهد أعمالهم بفضائلهم، وينطق تاريخهم بصادق جهادهم حق الجهاد في إعلاء منار السنة، ولا عجب فهم أهلها وخفض علم البدعة، ولا غرو فهم أعداؤها، فلا ترى فقيها محققا، الا وهو في عقيدته أشعري أو ماتريدي، ومن خرج منهم فعن السنة خرج، وفي البدعة ولج، ولا يرتاب في ذلك خبير بما عليه جماعة الصحابة والتابعين لهم بإحسان”.
انظر لعرض دقيق لتاريخ البدع العقدية في المجتمعات الإسلامية:
سلامة القضاعي العزامي: “البراهين الساطعة في ردّ بعض البدع الشائعة” تصدير محمد زاهر الكوثري (مطبعة السعادة) ص 168-198.
محمد زاهر الكوثري: “تخدير الأمة من دعاة الوثنية” و”فتن المجسمة وصنوف مخازيهم” في “مقالات الكوثري” (المكتبة الأزهرية للتراث 1414هـ – 1994م) ص378-383 و391-398.
انظر في مكانته العلمية ما كتبه الشيخ الجليل الإمام أبو زهرة في تقديمه للمقالات، وكذلك ما كتبه عالم باكستان الكبير الشيخ يوسف البندري في نفس المقالات. وللوقوف على جهاده وجهوده وحياته انظر محمد خيري: كلها مخطبوعة مع المقالات.
السيف الصقيل، ص11.
السيف الصقيل، ص10.
نفس المصدر.
نفس المصدر.
انظر مناقشة الدكتور طه حبشي لهذه القضية في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن جهبل المسي: “العقائد الجلية في الرد على ابن تيمية” فيما أورده في الفتوى الحموية” (مكتبة الفجر الجديد 1978).
قارن “محقق التقول” للكوثري بكتاب معاصره وصديقه العالم الجليل الحافظ عبدالله الصديق الغماري “الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين”.
مقدمة الشيخ محمد أبي زهرة لكتاب “مقالات الكوثري” ص 16 و21.
مصادر البحث ومراجعه
أبو زهرة محمد: الإمام الكوثري، “المقالات” (المكتبة الأزهرية للتراث 14-21).
البنوري، محمد يوسف: “مقدمة النشر للمقالات (المكتبة الأزهرية للتراث).
طه الحبشي (تحقيق) “الحقائق الجلية في الرد على ابن تيمية، فيما أورده في الفتوى الحموية” لشهاب الدين ابن أبي جهبل (مكتبة الفجر الجديد 1987).
العزامي: سلامة القضاعي: “البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة” تقديم محمد زاهد الكوثري (مطبعة السعادة).
الكوثري: محمد زاهد “مقالات” (المكتبة الأزهرية للتراث 1414هـ – 1994م).
الكوثري: محمد زاهد “تكملة الرد على نونية ابن القيم” في “السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل” للسبكي (مطبعة السعادة، الطبعة الأولى 1356هـ – 1937م)

Published in: on يوليو 23, 2009 at 2:50 م  اكتب تعليقُا  

الكتاب : مناظرة بين الزمزمي والألباني المؤلف : العلامة السيد محمد الزمزمي بن الصديق من علماء المغرب وعلماء الازهر

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : مناظرة بين الزمزمي والألباني
المؤلف : العلامة السيد محمد الزمزمي بن الصديق من علماء المغرب وعلماء الازهر
علق عليها وقدم لها : حسن بن علي السقاف
الناشر : مكتبة الإمام النووي – عمَّان
مناظرة بين الزمزمي والألباني
حسن بن علي السقاف
——————————————————————————–
[ 1 ]
مناظرة بين السيد العلامة محمد الزمزمي والالباني المتناقض ! ! بقلم العلامة السيد الشريف محمد الزمزمي بن الصديق من علماء المغرب وعلماء الازهر علق عليها وقدم لها حسن بن علي السقاف ويليه الشماطيط دار الامام النووي
—————————–
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن أصحابه السادة المتقين . أما بعد : فهذه رسالة للعلامة السيد محمد الزمزمي ابن الصديق رحمه الله تعالى سماها مؤلفها ب‍ ” المناظرة بينه وبين الشيخ الالباني ” تتعلق بقضايا في علم التوحيد في قضية الصفات ، بين فيها المؤلف عقيدة التجسيم التي يعتنقها الشيخ الالباني المخالفة للنقل والعقل بالحجج الدامغة لشغب الشيخ الالباني ، وقد أحببت أن أعلق عليها تعليقات تبين وتوضح بعض القضايا فيها خدمة لكتاب السيد الزمزمي وتعاونا على البر والتقوى المطلوب بنص القرآن الكريم في إحقاق الحق وإبطال الباطل ، لنصر العقيدة الحقة عقيدة التنزيه التي قال فيها بعض السلف الصالح ” هي إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا منفية من الصفات ” والله سبحانه وتعالى من وراء القصد . وقد أحببت أن أنبه في هذه المقدمة على بعض النقاط التي لها علاقة بالمصنف وبالبحث فأقول مستعينا بالله تعالى وحده :
——————————————————————————–
[ 4 ]
________________________________________
ترجمة السيد العلامة محمد الزمزمي ابن الصديق : نسبه هو من آل البيت النبوي عليهم السلام : هو الشريف محمد الزمزمي بن محمد بن الصديق بن أحمد بن محمد بن قاسم بن محمد بن محمد بن عبدالمؤمن بن محمد بن عبدالمؤمن بن علي بن الحسن بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن عيسى بن سعيد بن مسعود بن الفضيل بن علي بن عمر بن العربي بن علال بن موسى بن أحمد بن داود بن أدريس الاصغر بن أدريس الاكبر بن الامام عبدالله الكامل بن الحسن المثنى بن سيدنا الامام الحسن بن سيدنا الامام علي بن أبي طالب وابن سيدتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . مولده و نشأته و طلبه للعلم : ولد سنة 1330 ه‍ ونشأ في طنجة وعاش بها وهناك درس القرآن الكريم وتعلم الكتابة بزاوية والده علي الفقيه سيدي محمد الاندلسي . وقد نشأ في بيت علم وتقى وصلاح مشهور ذائع الصيت ببلاد المغرب الاقصى إذ كان والده من أكابر العلماء وكذلك أشقاؤه السيد الحافظ أحمد بن الصديق والسيد المحدث عبدالله بن الصديق حيث تلقى عليهم علوما مختلفة . ثم ارتحل إلى القاهرة في شعبان 1349 ه‍ فقرأ بالازهر وغيره على جماعة من أكابر علماء مصر آنذاك كالشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي
——————————————————————————–
[ 5 ]
________________________________________
الديار المصرية قرأ عليه التفسير وصحيح الامام البخاري ، والشيخ عبدالمجيد الشرقاوي قرأ عليه الفرائض ، والشيخ محمد حسنين مخلوف قرأ عليه جمع الجوامع بشرح المحلي وتفسير البيضاوي ، وكذا قرأ على الشيخ الذهبي ، والشيخ محمود الامام ، والشيخ عبد السلام غنيم وغيرهم . آثاره العلمية ومنزلته بين العلماء : قال الشيخ العلامة محمد بن الفاطمي السلمي الشهير بابن الحاج : فقيه علامة بحاث له مشاركة في الكثير من المعارف والعلوم وله ميل إلى دراسة الاصول والتفسير والتاريخ . قلت : له نحو ستين مؤلفا ما بين مطبوع ومخطوط ، وكان يرى الاجتهاد وله مذهب في الفروع الفقهية ، وكان في الاصول منزها متمسكا بالنصوص والقواعد محاربا للمشبهة والمجسمة ! ! كما يتبين في هذه المناظرة وغيرها من مصنفاته ك‍ ” المحجة البيضاء في حقيقة المعية والاستواء ” وغيرها . وفاته : توفي في بلده مدينة طنجة في بلاد المغرب يوم الجمعة 28 / ذي الحجة / 1408 ه‍ ودفن بجانب مسجده المسمى ” مسجد السنة ” رحمه الله تعالى .
——————————————————————————–
[ 6 ]
________________________________________
هذا الكتاب (المناظرة) : وقعت هذه المناظرة بين المصنف رحمه الله تعالى وبين الالباني المتناقض ! ! في منزل المصنف بمدينة طنجة يوم الاحد 10 / رمضان / 1396 ه‍ كما ذكر ذلك المصنف ، وقد ذكر هذه المناظرة وأشار إليها بعض شيعة الشيخ المتناقض ! ! في عدة كتب لكنهم لم يذكروا أن شيخهم غلب وأفحم فيها ! ! وإنما أشاروا إلى ذلك إشارة ! ! وإليك بعضهم : جاء في كتاب ” ترجمة موجزة ل‍ . . . محمد ناصر الدين الالباني وأضواء على حياته العلمية ! ! بقلم عاصم القريوتي (طبع مكتبة الايمان بالاسكندرية) ص (16) أن من جملة العلماء المثنين عليه : ” 12 – ومنهم الشيخ محمد الزمزمي في المغرب حيث التقى به وجرت بينهما بحوث علمية في داره في طنجة ” ! ! ومن الغريب العجيب أن محمد إبراهيم الشيباني – والالباني المقر بما في الكتاب – ذكر في كتاب ” حياة الالباني وآثاره ” الجز الاول ص (68) أن من العلماء الذين أثنوا عليه والذين أعجبوا به وأحبوه السيد محمد الزمزمي (! ! !) ولتدركوا هذه التلفيقات الباطلة التي يحاول بها الشيخ المتناقض ! ! والمفتونون به ! ! إبرازه في مصاف العلماء فانظروا إلى قول السيد الزمزمي له في آخر هذه المناظرة : ” إني أنصحك أن تترك هذا المذهب المخالف للعقل والنقل . . .
——————————————————————————–
[ 7 ]
________________________________________
وتتوب لله تعالى ” . فهل هذا أيها العقلاء يعتبر ثناء وإعجابا ؟ ! ! ومن العجيب أيضا أن يقول صاحب كتاب ” حياة الالباني ” – بأمر الشيخ الالباني المتناقض ! ! (1 / 68) : ” وقد أرسل إلى الشيخ كثير من العلماء يظهرون إعجابهم ومحبتهم والرغبة في لقائه . . . ” وذكر منهم : السيد محمد الزمزمي فقال : ” والشيخ محمد الزمزمي من علماء الحديث في طنجة (المغرب) الذي التقى به ، وجرت بينهما بحوث علمية في داره في طنجة . . . ” (! ! ! !) وهذا الكلام كما ترون ، فيه أن السيد الزمزمي هو الذي طلب اللقاء ! ! وليس كذلك ! ! وهذا الاسلوب يفعله هؤلاء المتمسلفون من شيعة هذا الشيخ المتناقض ! ليعظموه ويفخموه ويظهروا للناس أنه عالم كبير خداعا بالاساليب العرجاء العوجاء ولو بالكذب والبهتان ! ! والذي يدحض هذا كله ويبطله هو قول السيد الزمزمي أول كتابه ” المناظرة ” كما ترون : ” أما بعد : فقد طلب مني الالباني أن يكون بيننا اجتماع للمذاكرة في مسائل من مسائل نصوص الصفات . . . ” اه‍ ! ! فتأملوا ! ! وهذا كله يؤكد عدم مصداقية قولهم في كتاب ” حياة الالباني ” (1 / 65) : ” نلاحظ هنا أن الشيخ لم يطلب إجازة من الشيخ راغب الطباخ
——————————————————————————–
[ 8 ]
رحمه الله وإنما الشيخ راغب هو الذي أجازه لما رأى من براعة الفتى . . . ” اه‍ ! ! والحقيقة أن الامر ليس كذلك ! ! لان العلماء الذي يعرفون هذا الامر صرحوا بأن الالباني المتناقض ! ! توسط وتوسل إلى الشيخ راغب ! ! وأين هذه الاجازة ؟ ! ! كما أن المعروف عند العلماء وأصحاب الاجازات أن الطالب المعين هو الذي يطلب الاجازة ! ! فهذه مقدمة أحببت التنبيه عليها في أول هذه المناظرة لتكون تبصرة للقارئ وتذكرة للمردود عليه ، والله الموفق والهادي . حسن بن علي السقاف
________________________________________
——————————————————————————–
[ 9 ]
مناظرة بين السيد العلامة محمد الزمزمي والالباني المتناقض ! ! بقلم العلامة السيد الشريف محمد الزمزمي بن الصديق من علماء المغرب وعلماء الازهر علق عليها وقدم لها حسن بن علي السقاف
——————————————————————————–
[ 11 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه . أما بعد : فقد طلب مني الالباني أن يكون بيننا اجتماع للمذاكرة في مسائل من مسائل نصوص الصفات . وقد أجبته إلى ما طلب (1) ، وكانت المذاكرة في مسائل : المسألة الاولى : (السؤال الاول) : هل بين النبي – صلى الله عليه وسلم – معاني نصوص الصفات ؟ (الجواب) : وقد أجبت عن هذا السؤال : بأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لم يبين معاني نصوص الصفات اكتفاء ببيان القرآن ، لان البيان المحتاج إليه في آيات الصفات موجود في ” القرآن ” . وهو قوله تعالى : (ليس كمثله شئ) وقوله تعالى : (ولم يكن له كفؤا أحد) . فقال الالباني : معنى هذا الكلام أن النبي ” كتم ” معاني آيات الصفات ! فقلت : لا تقل ” كتم ” لان كتمان العلم مذموم في الشرع ،
——————————————————————————–
(1) وذلك يوم الاحد عاشر رمضان عام 1396 (المصنف) . (*)
——————————————————————————–
[ 12 ]
إذ الكتمان في اصطلاح الشرع هو ” البخل بالعلم على المحتاج إليه ” . وآيات الصفات لم يكن بالناس حاجة إلى بيان معنى لها زائد على المعنى الذي بينه ” القرآن ” (2) . إذ لو حدثهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بما يزيد على المعنى الذي بينه ” القرآن ” لقصرت عقولهم عن فهمه ، وكان فتنة لهم . كما قال (سيدنا) علي – كرم الله
________________________________________
——————————————————————————–
(2) وذلك مثل قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) الزمر : 56 ، فجميع الناس حتى في هذا العصر يفهمون أن معناها هو : يا حسرتي على ما فرطت في حق الله أو في أمره . وقد أولها بمثل هذا أيضا السلف الصالح ، قال الحافظ ابن جرير وهو من السلف في تفسيره (جزء 24 / 19) : ” وقوله (على ما فرطت في جنب الله) يقول : على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به وقصرت في الدنيا في طاعة الله ” اه‍ ونقل الحافظ ابن جرير ذلك عن جماعة من السلف وهم مجاهد والسدي وقتادة . فهذا ما يفهمه جميع المسلمين والعقلاء حسب أساليب العربية ولا يحتاج الانسان أن يبين بعد تلاوته لهذه الآية الكريمة أنه هل أثبت الله لنفسه جنبا في هذه الآية أم لا ؟ ! وهل له جنب أم ليس له ؟ ! لكن العجب العجاب أن ترى المجسمة يثبتون له سبحانه وتعالى عما يقولون جنبا بل يقولون – زائدين على ذلك – إنه ولو لم يذكر إلا جنبا واحدا في كتابه فليس معنى ذلك أنه ليس له جنب آخر ! ! كما يقول ذلك ابن قيم الجوزية في كتابه ” الصواعق المرسلة ” انظر مختصر الصواعق (1 / 33) . وأقول : كبرت كلمة تخرج من أفواههم وسطرتها أيديهم ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 13 ]
________________________________________
وجهه – : ” حدثوا الناس بما يفهمون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ ! ” رواه البخاري (1 / 225 فتح) . فلاجل هذا . . نقول : ” إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يبين معاني آيات الصفات ” . ولا نقول ” كتم معانيها ” لانه لا حاجة بالناس إلى بيان معانيها . والكتمان في اللغة أعم من الكتمان في الشرع ، لان الكتمان في اللغة يطلق على عدم البيان مطلقا ، وفي الشرع لا يكون عدم البيان كتمانا إلا بالقيد الذي ذكرته . ولا يخفى أن هناك مسائل لم يبينها النبي – صلى الله عليه وسلم – للعلة التي ذكرتها . . . منها : مسألة ” القرآن ” التى وقع فيها جدال كبير معلوم (3) . * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
——————————————————————————–
(3) أي أن مسألة خلق القرآن هل هو مخلوق أم لا مع أنها من مسائل العقيدة وليست من مسائل الطهارة مثلا بلا شك ! ! قد وقع فيها تنازع كبير مشهور ؟ ومع ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن القرآن مخلوق أو غير مخلوق ! ! إذ لا حاجة وقتئذ لها . (*)
——————————————————————————–
[ 14 ]
________________________________________
المسألة الثانية : (السؤال الثاني) : هل يصح أن نقول في قوله تعالى (استوى على العرش) إن معناه : (استعلى على العرش استعلاء يليق بكماله) ، أم نقول : إن معناه غير معروف كما قلت في ” الطوائف ” ؟ (4) (الجواب) : وقد أجبت عن هذا السؤال بأن تفسير ” الاستواء ” ب‍ ” الاستعلاء ” المذكور – متفق في المعنى مع ما ذكرته في ” الطوائف ” من أن معنى ” الاستواء ” غير معروف ، وإنما الخلاف في ” التعبير ” . لان قولكم ” استعلاء ” يليق بكماله ، معناه أنه استعلاء غير معروف لنا . فليس هو بحلول في المكان . ولا بمماسة للعرش . ولا بثبوت مسافة بين (الله) وبين (العرش) . ولا بثبوت مطابقة بين (الله) وبين (العرش) . ولا بثبوت زيادة عليها . ولا بثبوت نقص منها . فهذه المعاني كلها تدخل في قولكم ” استعلاء يليق بكماله ” .
——————————————————————————–
(4) اسم كتاب للسيد الزمزمي . (*)
——————————————————————————–
[ 15 ]
________________________________________
ويزاد عليها في اعتقاد الجمهور ” . . . وليس هو بتحيز في الجهة ” . لانه لو كان ” متحيزا في الجهة ” لكان ك‍ ” استعلاء الاجسام ” . وكان زائدا على الجهة ، أو مثلها ، أو أصغر منها . وذلك ينافي قولكم ” استعلاء يليق بكماله ” . لكن الالباني يقول : ” إنه استعلاء مع التحيز في الجهة ” ! فقلت له : إذا كان استعلاء مع التحيز في الجهة ، فما تقول في قول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” إذا قام أحدكم في الصلاة ، فلا يبزق قبل القبلة ، فإن الله قبل وجهه إذا صلى ” (5) متفق عليه ؟ ! فإن هذا الحديث يدل على أن الله غير متحيز في جهة العرش ، كما هو ظاهر . فأجاب : بأن الله محيط بالدنيا (وأشار بيديه إشارة معناها : أن الله محيط بنا كإحاطة الخيمة بمن فيها) ! ! ! وهذا الجواب الذي أجاب به الالباني يدل على أمرين : (الاول) : أن الشيخ تناقض ! ! ورجع عن قوله الذي قاله ! ! وهو : أن الله متحيز فوق العرش ، محصور في جهة
——————————————————————————–
(5) رواه البخاري (فتح 1 / 509) ومسلم (1 / 388 برقم 50) وقال الحافظ ابن حجر في ” الفتح ” (1 / 508) : ” فيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته ” . (*)
——————————————————————————–
[ 16 ]
________________________________________
العرش . لانه إذا كان محيطا بنا – كما قال – فهو غير متحيز فوق العرش ، بل هو على العرش وهو معنا محيط بنا كإحاطة الخيمة بمن تحتها . (الثاني) : التجسيم وتشبيه إحاطة (الله) بالعالم بإحاطة (الخيمة) بمن تحتها . فإن قال : لم أقصد هذا المعنى . . قلنا : فما معنى الحديت الذي سألناك عنه ؟ ! إن قلت : إن معناه أن الله قبل وجه المصلي بالعلم ، كنت قد أولته ، والتأويل ممنوع في نصوص الصفات ! ! ! وهو مع ذلك تأويل باطل باتفاق العقلاء ، بله العلماء . وكان لخصمك الحق في أن يقابلك بالمثل ، فيؤول ” الاستواء على العرش ” بالعلم – أيضا لان قوله تعالى : (استوى على العرش ، . يعلم ما يلج في الارض) الحديد : 4 ، يقتضي ذلك ، لان جملة ” يعلم . . . ” جملة حالية من فاعل ” استوى ” . والمقرر في علم النحو أن ” الحال قيد في عاملها ” . وعلى ذلك يكون معنى ” الاستواء ” : الاستواء بالعلم . فلم يبق إلا أنك أردت أن (الله) محيط بالعالم كإحاطة (الخيمة) بمن تحتها ، كما دلت عليه إشارتك بيديك – معا – وأنت تجيب عن الحديث .
——————————————————————————–
[ 17 ]
ومن الغريب أنني لما قلت له : إن ” استوى ” يصح أن يؤول بالاستواء بالعلم ، وذكرت له ما تقدم تقريره قريبا . . قال لي : إن هذا يؤيد قولي في ” الاستواء ” ! ! ولم يتنبه أن تفسير ” الاستواء ” بالعلم تأويل ، ومخالف لقوله الذي يقول به في ” الاستواء ” – فتأمل (6) !
——————————————————————————–
________________________________________
(6) والعجيب الغريب أن هذا الالباني المتناقض ! ! وقع في كارثة عظيمة وغلط شنيع في هذه المسألة العقائدية وهو لا يدري ! ! لعدم معرفته بالعقيدة الاسلامية الصحيحة وذلك أنه قال في تعليقه على ” صحيح الترغيب والترهيب ” (1 / 116) من طبعة المكتب الاسلامي الثانية 1406 ه‍ ما نصه : [ فائدة هامة : اعلم أن قوله في هذا الحديث : ” فإن الله قبل وجهه ” . وفي الحديث الذي قبله ” فإن الله عزوجل بين أيديكم في صلاتكم ” لا ينافي كونه تعالى على عرشه ، فوق مخلوقاته كلها كما تواترت فيه نصوص الكتاب والسنة ، وآثار الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم ، ورزقنا الاقتداء بهم ، فإنه تعالى مع ذلك واسع محيط بالعالم وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله عزوجل ، بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه ، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط ، فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه . وإذا كان عالي المخلوقات يستقبل سافلها المحاط بها بوجهه من جميع الجهات والجوانب ، فكيف بشأن من هو بكل شئ محيط ، وهو محيط ولا يحاط به ؟ وراجع بسط هذا في كتب شيخ الاسلام ابن تيمية كالحموية والواسطية وشرحها للشيخ = (*)
——————————————————————————–
[ 18 ]
——————————————————————————–
________________________________________
= زيد بن عبد العزيز بن فياض (ص 203 – 213) ] انتهى كلام المتناقض ! ! أقول : هذا الكلام يؤكد فيه ما قاله للسيد الزمزمي في المناظرة وأشار له بيده بأن الله تعالى كالخيمة . كما يدل على أن هذا المتناقض ! ! لا يعقل ما يقول ! ! وهنا وضح مقصوده أكثر ، إذ شبه الله تعالى بالغلاف الجوي الذي يحيط بالكرة الارضية من جميع جوانبها ! ! أو بمعنى أوضح شبه الله بالفضاء الذي يحيط بالكرة الارضية من جميع أجزائها ! ! وهذا فضلا عن كونه تشبيها وتمثيلا وتجسيما هو مضاد لعقيدة الاسلام الناصة بأن الله سبحانه وتعالى (ليس كمثله شئ) (ولم يكن له كفوا أحد) وكل ما تصور في بالك وخيالك فالله تعالى بخلاف ذلك ، وكلامه ضلال من ناحية أخرى وهو كون العالم داخل معبوده الذي يتصوره ويتخيله ! ! كما يوضحه الشكل التالي المستقى من كلامه السابق الذي دونه في ” صحيح ترغيبه ” فهو تصريح من هذا المتناقض ! ! المتخابط ! ! بأن الكون والعالم حال في ذات الله ! ! تعالى الله عما يهذر ويقول هذا الالباني المتخابط ! ! ! وهذا كله من أكبر البراهين المؤكدة المثبتة بإن هذا الرجل من أهل الاهواء والضلالة ! ! وهو يشبه إحاطة الله سبحانه وتعالى بإحاطة الغلاف الجوي أو الفضاء بالخط المستقيم المنطلق من مركز الارض إلى أي جز من أجزاء الفضاء المحيط بالارض من جميع جوانبها وقد اتفق جميع العقلاء من أهل الاسلام بأن معنى قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) أي : فثم قبلة الله . وخاصة في صلاة النافلة كما ورد في السنة الصحيحة ولا علاقة لهذه الآية بالوجه والتجسيم الذي يتخيله الالباني حيث يقول في عبارته السابقة : ” وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه = (*)
——————————————————————————–
[ 19 ]
——————————————————————————–
________________________________________
= الله عزوجل ” ! ! ومما ينسف خيال هذا الالباني وما في عقله من أفكار سامة ! ! قول الحافظ ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية (جزء 1 / 505) : ” وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لاجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى تولون عنه فتستدبرونه ، فالذي تتوجهون إليه وجه الله ، بمعنى قبلة الله ” . فتأملوا في تهافت تخبطات هذا الالباني ! ! المتناقض ! ! في العقيدة . خارج الاطار المكان العدمي عنده (الذي يزعم بأنه غير مخلوق وأن معبوده هناك) تعالى الله عما يتصور ويتخيل المجسمة الكرة الارضية السموات السبع الكرسي والعرش معبوده الذى يتخيله (*)
——————————————————————————–
[ 20 ]
المسألة الثالثة : (السؤال) : ما القول فيمن يقول : إن الله في كل مكان بعلمه ؟ (الجواب) : وقد أجبت عن هذا السؤال بأن من يقول هذا القول : ضال . فقال لي : ما الدليل ؟ فقلت : الدليل أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يقل هذا القول ، ولم يصف الله بهذه الصفة . وليس لاحد . . . مهما علا قدره ، وعظمت في العلم منزلته . . . أن يصف (الله) سبحانه بصفة لم يرد بها النص عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وهذا القول هو الذي يدل على بطلان قولكم في ” الاستواء ” لانكم لما قلتم : ” إن الله على العرش ، وهو في كل مكان بعلمه ” ، كان معنى قولكم هذا – تفسير ” الاستواء ” بالمعنى المعهود في الاجسام . وكان في الوقت نفسه متناقضا مع قولكم ” استعلاء يليق بكماله ” . لان الاستعلاء الذي يليق بكمال الله هو الاستعلاء الذي لا يشبه استعلاء الاجسام ، وقولكم ” هو في كل مكان بعلمه ” صريح في تشبيه استعلائه باستعلاء الاجسام .
——————————————————————————–
[ 21 ]
________________________________________
ومن أنكر هذا ، فإنما ينكره ” بلسانه ” فقط . وإلا فهو مضطر إلى أن يفهم من قولكم ” إن الله على العرش وهو في كل مكان بعلمه ” أن استعلاء الله على العرش كاستعلاء الاجسام على العرش . وأما كلمة ” بلا كيف ” . فإنها كلمة تقليدية ، لا معنى لها مع كلمة ” وهو في كل مكان بعلمه ” (7) ! لاجل هذا . . . لما احتج الشيخ بأن هذه الكلمة . أعني ” وهو في كل مكان بعلمه ” – وردت عن السلف . قلت له : لا أعتبر قول السلف في هذه المسألة ، التي خالف فيها السلف العقل (8)
——————————————————————————–
(7) وهذا أيضا مثل من يقول : إن لله حدا وصورة وصوتا ويذهب ويأتي وهو جالس على العرش بلا كيف ! ! والجنون فنون ! ! لان قائل هذه العبارة مجنون بلا كيف ! ! جنون يليق به ! ! (8) الحقيقة أنه ليس هناك شئ يقال له (مذهب السلف) لا في الفروع ولا في الاصول ، أما في الفروع فيكفي أن يتأمل الانسان لمذاهب الائمة الاربعة – وهم من السلف – ليدرك أنهم لم يتفقوا في مسائل الفروع جميعا ، وأما في الاصول فقد اختلف مثلا قول الامام أحمد من جهة مع قول البخاري ومسلم والكرابيسي وأبو ثور والحارث المحاسبي وغيرهم من جهة أخرى في مسألة خلق القرآن وهل يقال : لفظي في القرآن مخلوق أم لا ، وغيرها من المسائل المعروفة (أنظر اختلافهم في مسألة خلق القرآن في حاشية رقم – 1 – سير أعلام النبلاء 12 / 80 = (*)
——————————————————————————–
[ 22 ]
لان المقرر – في الاصول – أن النص من الكتاب والسنة يؤول إذا كان ظاهره لا يتفق مع العقل ، فكيف بأقوال السلف ؟ إن هذه الكلمة التي يحتجون على صحتها بأنها وردت عن السلف ، لم ترد عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا عن كبار
——————————————————————————–
________________________________________
= والجرح والتعديل 7 / 191) ، كما اختلف مذهب السيدة عائشة رضي الله عنها في مسألة جواز رؤية الله تعالى حيث ذهبت إلى امتناعها عن مذهب سيدنا ابن عباس رضوان الله تعالى عليهما حيث أثبت رؤية النبي لله تعالى ، فقد جاء عنها كما في الصحيح : (من حدثكم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله فإن الله تعالى يقول (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار) ” . ويكفي في إثبات الخلاف العقائدي وأنه لا اتفاق فيه وبالتالي لا وجود لمذهب موحد يسمى مذهب السلف في المسائل ما بسطناه في كتابنا ” البشارة والاتحاف بما بين ابن تيمية والالباني في العقيدة من الاختلاف ” حيث يدعي كل منهما بأنه لا يقول إلا ما في الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح أي كما فهمه السلف الصالح ، ومع ذلك نجد ابن تيمية يثبت قدم العالم بالنوع والالباني ينفيه وينكره على ابن تيمية ، كما نجد أن ابن تيمية وابن القيم يثبتان فناء النار ويعتقدان ذلك ! ! والالباني ينكره عليهما ويصرح بخطورة قولهما وعدم جواز اعتقاد ذلك ! ! إلى غير ذلك من مسائل متنوعة مبسوطة في كتابنا المذكور . فأي طرف من هذيه النقيضين هو مذهب السلف ؟ ! ! وهل يقال بعد هذا مذهب السلف في هذه المسائل كذا ؟ ! ! لذلك قال السيد الزمزي ما قال من عبارته التي نعلق عليها هنا ! فتأمل ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 23 ]
أصحابه (9) . هذا وجه من وجوه بطلانها . والوجه الثاني : أنها معارضة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله (قبل) وجه المصلى إذا صلى . . . ” ولقوله – صلى الله عليه وسلم – : ” إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ” (10) متفق عليه . فهل يجوز للعالم بالسنة أن يترك ” القضية العقلية ” المؤيدة بكلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لقول السلف ، أو لقول الخلف ؟ !
________________________________________
——————————————————————————–
(9) والصحابة رضي الله عنهم هم أئمة السلف ولم يثبت عن أحد منهم أنه قال ذلك ! فبمجرد ورود بعض عبارات عن بعض الناس ممن كان بعد الصحابة رضي الله عنهم لا تكون ملزمة للامة بأن تقول بما قاله أولئك الافراد لان أقوال أولئك ليست من الحجج الشرعية ! ! لا سيما ونحن نرى هؤلاء المتمسلفين يعرضون عن السلف الصالح بما فيهم الصحابة الكرام رضى الله عنهم في تأويل نصوص الصفات ! كتأويل سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما الثابت عنه في قوله تعالى (يوم يكشف عن ساق) بالشدة ، بل يحاولون الاغارة على تأويلات السلف بالتضيعف والانكار ! ! فهل يجوز بعد ذلك أن يقولوا : قال السلف ، ونحن نفهم النصوص بفهم سلف ؟ ! وأي سلف هؤلاء ؟ ! ! (10) هو بهذا اللفظ في ” صحيح مسلم ” (4 / 2077 برقم 46) وأحمد (4 / 402) بإسناد رجاله رجال البخاري ومسلم ، ورواه البخاري بلفظ ” وهو معكم ” (الفتح 7 / 470) . (*)
——————————————————————————–
[ 24 ]
لقد ضل إذا وما هو من المهتدين . على أن تلك الكلمة التي يزيدونها على ” استوى على العرش ” أعني ” وهو في كل مكان بعلمه ” – تأويل بالمعنى المجازي (11) .
——————————————————————————–
________________________________________
(11) لا سيما وهم يزيدون فيقولون ” استوى على عرشه بذاته ” مع أن هذه اللفظة ” بذاته ” لم ترد في الكتاب والسنة في هذا الموضع ثم يقولون ” وهو معنا بعلمه ” وهذا هو عين التشبيه لله سبحانه بخلقه ! ! لان في ذلك تصور أنه كأحد الملوك المخلوقين . فهل يجوز بعد ذلك أن يقولوا : قال السلف ، ونحن نفهم النصوص بفهم السلف ؟ ! ! ! وأي سلف هؤلاء ؟ ! ! ! هذا وقد أنكر لفظة ” بذاته ” الائمة الحفاظ ومنهم الامام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد والحافظ الذهبي المتراجع عن عقيدة الثيخ الحراني المجسم ! ! وذلك في ” سير أعلام النبلاء ” انظر سير اعلام النبلاء (19 / 607) وغير ذلك . قال الحافظ ابن عبد البر في ” التمهيد ” (7 / 144) : ” وقال نعيم – بن حماد – ينزل بذاته وهو على كرسيه ، قال أبو عمر : ليس هذا بشئ عند أهل الفهم من أهل السنة ، لان هذا كيفية وهم يفزعون منها لانها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانا وقد جل الله تعالى عن ذلك ، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه أو قياس أو تمثيل أو تنظير فإنه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ” . فتأمل ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 25 ]
________________________________________
والتأويل في نصوص الصفات كله باطل ، لا سيما إذا كان يجرنا إلى ” الشبهة ” والخلاف – الذي نحن فيه مع الالباني (12) . إن النبي – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدين ، والعشرة ، وأهل بدر ، وغيرهم من كبار الصحابة . . لم ترد عنهم هذه الكلمة ” المشؤومة ” التي كانت سببا في الخلاف بين المسلمين . والحقيقة اللغوية . هي : أن قوله تعالى : (وهو معكم أينما كنتم) معناه : إن الله حاضر معنا ، لكن بدون حلول في المكان ، لان ” مع ” معناها الحضور في اللغة العربية . فقال لي الالباني : ما الدليل من السنة على أن ” مع ” معناها الحضور ؟ ! فعجبت من هذا السؤال الذي لا يخطر على بال صغار الطلبة أن يسألوه ! ! ! لاني ما أعلم أن عالما قال : ” إن اللغة لا تثبت إلا بدليل من السنة ” . فنقول : إن ” الباء ” للاستعانة لقوله صلى الله عليه وسلم : ” ان الباء للاستعانة ” ! !
——————————————————————————–
(12) لكن التأويل بنظر الالباني وشيعته المتعصبين من المتمسلفين ليس باطلا إذا كان يؤيد هواهم وما توحيه إليهم شياطينهم إنما هو عندهم باطل إذا خالف عقيدتهم الفاسدة وكان حسب لغة العرب في محله ومكانه ! ! ولله في خلقه شؤون ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 26 ]
________________________________________
فقال أحد أصحابه ساعتئذ : تفسير ” المعية ” بالعلم ليس بمجاز ، بل هو حقيقة . لان قوله تعالى (انني معكما أسمع وأرى) معناه بالعلم باتفاق المفسرين (13) . فقلت له : إذا ذكرت ” المعية ” مطلقة غير مقيدة بظرف المكان جاز أن تكون بمعنى ” العلم ” . أما إذا ذكرت مقيدة بظرف المكان ، كما في قوله تعالى : (وهو معكم (أينما) كنتم) كانت حقيقة في الحضور ، وكان حملها على غير الحضور ” مجازا ” وتأويلا . وبالجملة ، فإن وصف الله بالاستواء على العرش يجب الاقتصار فيه على ” النص ” من غير أن يزاد عليه عبارة ” وهو في كل مكان بعلمه ” (14) . لان هذه الزيادة – علاوة على كونها لم ترد عن المعصوم
——————————————————————————–
(13) انظر كيف يدعون الاجماع والاتفاقات فيما يريدون مع أنهم يقولون ” من ادعى الاجماع فهو كاذب ” إذا خالف الاجماع أهواءهم ، وقد خالفهم في ذلك ابن تيمية في مواضع وابن عثيمين فقالا : إن الله معنا حقيقة ! ! الفتاوى الجزء (5 / 102 – 103) والقواعد المثلى لابن عثيمين ص (57) . (14) وكذلك لا يجوز أن تزاد لفظة (بذاته) لانها لم ترد ، وهي صريحة في التجسيم والتشبيه أيضا ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 27 ]
________________________________________
– هي تكييف للاستواء ، وتفسير له بالمعنى الذي يشبه استواء الاجسام . والمنكرون لهذا . . . إنما ينكرونه بألسنتهم فقط ، وعقيدتهم لا تنفك عن اعتقاد التحيز المفهوم بالضرورة العقلية من قولهم بعد ” استوى ” : ” هو في كل مكان بعلمه ” . ويكون قولهم مع ذلك ” بلا كيف ” كلاما تقليديا يقال عند هذه المناسبات دون أن يكون له معنى في القلوب (15) . المسألة الرابعة : (السؤال) : لماذا تنكرون أن يكون المراد بالاستواء على العرش المعنى المعروف في اللغة ، ولا تنكرون أن يكون المراد بالسمع والبصر في حق الله المعنى المعروف في اللغة (16) ؟
——————————————————————————–
(15) أو مكان ومحل من الاعراب . (16) وهذه مغالطة من هذا الالباني ! ! المتناقض ! ! وذلك لان الاستواء في اللغة له نحو عشرين معنى منها الاستيلاء فتدبر ! ! وإليك بعض تلك المعاني : 1 – قال تعالى (فاستوى على سوقه) أي : نضج وتم . 2 – وقال تعالى : (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أي : يتساوى ويتماثل . 3 – وقال تعالى : (فاستوت على الجودي) أي : استقرت . 4 – وقال الشاعر : إذا ما علونا واستوينا عليهم * جعلناهم مرعى لنسر وطائر (*)
——————————————————————————–
[ 28 ]
(الجواب) : وقد أجبت عن هذا السؤال بأن الذين حملوا ” الاستواء ” على المعنى المعروف في اللغة يزيدون عليه زيادات تدل عليه تشبه استواء الله باستواء الاجسام ، وهي ما تقدم ذكره من قولهم : ” وهو في كل مكان بعلمه ” ، وقولهم : ” استوى على العرش ، بذاته ” ، وقولهم : ” بائن من خلقه ” . فقلنا لهم : ليس المراد بالاستواء المعنى الذي يصح أن تزاد عليه هذه الكلمات التي تجعله كاستواء المخلوق . وإنما قلنا ذلك دفعا لمفسدة ” الشبهة ” التي تورط السامعين لها في التشبيه
________________________________________
——————————————————————————–
= أي : غلبناهم وقهرناهم وهزمناهم . . . 5 – وقال الشاعر الآخر : إذا ما غزا قوما أباح حريمهم * وأضحى على ما ملكوه قد استوى أي : ملك . 6 – وقال تعالى : (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) . أي : أراد خلقها على الصورة التي نراها اليوم . 7 – وقال الامام الراغب الاصفهاني في ” المفردات ” : ” و – الاستواء – متى عدي بعلى اقتضى معنى الاستيلاء كقوله (الرحمن على العرش استوى) ” . وله أيضا معاني كثيرة جدا وكل هذه المعاني تهدم التجسيم الذي يريده المتناقض ! ! الالباني المجسم ! ! من قوله في السؤال : ” لماذا تنكرون أن يكون المراد بالاستواء على العرش المعنى المعروف في اللغة ” . وأقول له : تأمل يا هذا الذي ذكرناه هنا جيدا ! ! لتعلم أنك منفوض الاكياس ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 29 ]
الذي يفهم من تلك الزيادات التي زادوها على المعنى المعروف بدون دليل من القرآن أو السنة . أما السمع والبصر ، فلم يزد أحد عليهما ما يوهم تشبيههما بسمع المخلوق وبصره فلم تكن هناك شبهة تدعونا إلى أن نقول فيهما مثل قولنا في الاستواء (17) . المسألة الخامسة : (السؤال) : لماذا أنكرت حديثا صحيحا ثابتا في ” صحيح مسلم ” وقلت : إنه مكذوب (18) ؟ !
——————————————————————————–
________________________________________
(17) فإن وجدت الشبهة بينا أوجه الافتراق كما ذكرنا في مقدمتنا على ” دفع شبه التشبيه ” ص (9) . (18) يقصد الالباني المتناقض ! ! في هذا : حديث الجارية بلفظ ” أين الله ” وهذا الحديث بهذا اللفظ ” أين الله قالت : في السماء ” غير ثابت إطلاقا ، أي أنه من تصرف الرواة مع تسليم حسن السند كما أوضحناه في رسالة لنا وذلك لان الحديث مروي أيضا بإسناد صحيح بلفظ ” أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ” بدل ” أين الله ” رواه أحمد في مسنده (3 / 452) وقال الحافظ الهيثمي في ” المجمع ” (4 / 244) : ” رجاله رجال الصحيح ” كما رواه غيره انظر التعليق رقم (123) على ” دفع شبه التشبيه ” ورواه أيضا ابن حبان في صحيحه (1 / 419 برقم 189) من طريق ابو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو وكذا رواه غير ابن حبان من طرق أخرى ورواية حماد بن سلمة هنا صحيحة بلا شك ولا ريب أما عند خصومنا المجسمة وخاصة شيخهم المتناقض ! ! فلا جدال في ذلك لان حماد = (*)
——————————————————————————–
[ 30 ]
(الجواب) : وقد أجبت عن هذا الادعاء بأنني لم أنكر الحديث الصحيح ، ولم أقل : إنه مكذوب ، بل قلت : إنه مشكل – كما تجد ذلك مبينا في ص (74) من كتاب ” الطوائف ” . ووجه الاشكال – الذي في الحديث – يتضح من جهتين : الاولى : أن المعروف من حال النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يأمر الكفار الذين يريدون الدخول في الاسلام أن يقولوا : (لا إله
——————————————————————————–
________________________________________
= بن سلمة عندهم ثقة ، وهو كذلك إلا في أحاديث الصفات التى ظاهرها التشبيه وأما عندنا فلانه لم يأت هنا بما يؤيد عقيدة التجسيم التي يعتنقها الالباني المختلط ! ! وهو متابع في روايته هذه فافهم هداك الله ! ! وراجع تخريجنا لهذا اللفظ في التعليق على ” دفع شبه التشبيه ” ص (188) واستيقظ ! ! فلفظ ” أين الله ” ليس مكذوبا ولا يقال موضوع إنما هو من تصرف الرواة رواية بالمعنى ، وذلك لان الحديث النبوي الشريف لم ينقل لنا بحروفه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل القرآن وليس هو من لفظ النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام بدليل أن رواة هذا الحديث رووه بألفاظ مختلفة فتبين أن لفظ ” أين الله ” ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قطعا ! ! والله الهادي ! والله سبحانه وتعالى لا يسأل عنه ” بأين ” ولا يجوز السؤال عنه بذلك شرعا وليس للمتناقض ! ! أن يحاور ويداور في ذلك بعد هذا البيان ! ! وإنما يجب عليه أن ينصاع للحق ويترك المغالطة والمجادلة بالباطل ! ! قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ” فتح الباري ” (1 / 221 من طبعة دار المعرفة) : ” لا يتوجه عليه في وجوده – سبحانه – أين وحيث ” . فافهم ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 31 ]
________________________________________
إلا الله ” . فإذا قالوا ” لا إله إلا الله ” حكم بإسلامهم . ولم يثبت أنه كان يسألهم عن (الله) أين هو ؟ كما في هذا الحديث المشكل . الثانية : أن المشركين كانوا يقرون بأن الله في السماء ، ولم يكونوا مؤمنين بذلك . وعليه فلا يكون جواب ” الجارية ” التي أجابت بأن الله في السماء كافيا في الدلالة على ” التوحيد ” الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به من يريد الدخول في الاسلام . فقال الالباني : ومن قال : إن المشركين كانوا يقرون بأن الله في السماء (19) ؟ فقلت له : إذا كان ” القرآن ” يصرح بأن المشركين يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ، فإن معنى ذلك أنهم يقرون بوجوده . وإذا كانوا يقرون بوجود الله ، فأين يكون الله موجودا في اعتقاد المشركين ؟ لا بد أنهم يعتقدون أنه في السماء (20) .
——————————————————————————–
(19) أنظروا إلى هذا المغالط المتناقض ! ! الذي يتناسى أن أمية ابن أبي الصلت الكافر المشرك كان يقول في شعره : مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا وهو القائل أيضا : مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد فافهم ! ! (20) ويشهد لهذا آية (15 – الملك) (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض) (المصنف) . (*)
——————————————————————————–
[ 32 ]
________________________________________
وبعد هذا . . تكلم بكلام لا طائل تحته ، إنما هو جدل ومكابرة ومشاغبة . فقلت له : دعك من ” الجدل ” والمشاغبة فان النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” أبغض الرجال إلى الله الالد الخصم ” (21) . فصل هذه هي المسائل المهمة التي كانت المذاكرة فيها بيني وبين الالباني ، وهي التي جاء ليسألني عنها . وقد لاحظت عليه أنه أثناء المذاكرة يحاول أن يؤثر على مناظره بكلمات ” وعظية ” ، مثل ” اتق الله يا رجل ” أو ” إني أنصحك ” . . . ! فإذا سمع السامع – الذي لا علم له بالمذاكرة – ذلك الوعظ المصطنع ظن أن ” الالباني ” منتصر على مناظره الذي أبى أن ينصف ويرجع إلى الحق ، حتى اضطر إلى وعظه وتذكيره بالله ، مع أن الواقع بخلاف ذلك (22) .
——————————————————————————–
(21) رواه البخاري (8 / 188 فتح) وغيره . (22) وليجرب من أراد التحقق من ذلك ! فليذهب إلى هذا المتناقض ! ! – إن بقيت لديه قدرة للمناظرة – ولينظر كيف يتهرب من الاجابة عن الاشكالات ! ويكثر الاستهزاء بمن يناظره ! أو يسأله من صغار الطلبة أمام أتباعه وشيعته المنخدعين به ! ! فيكثر من قول ” الله يهديك ” و ” اتق الله ” و ” عنزة ولو طارت ” مريدا بذلك التشويش لم اظهار الغلبة = (*)
——————————————————————————–
[ 33 ]
فلو كنت أعمل مثل عمله لملات المجلس باتق الله ، إني أنصحك أن تترك هذا المذهب المخالف للنقل والعقل . . . وتتوب إلى الله تعالى . * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
——————————————————————————–
________________________________________
= المبنية على جرف هار ! ! دون أن يكون رحيما ناصحا مشفقا على أولئك الطلبة ! ! أو غيرهم ! ! وإنما هو التكبر والعجرفة والتعالي وحب التفوق والمشاغبة والاستهزاء والاحتقار والنبز ! ! والهرب والخروج عن موضوع البحث بأسئلة تافهة ! ! مثل سؤاله التقليدي المعروف الذي سئم منه حتى أتباعه وهو قوله للسائل أو المناظر : (أفي الله شك) ؟ ! وهل هذا الضوء ، أبيض أم أسود ؟ ! ! وارجعوا إلى شروط المناظرة التي يضعها ويحاول أن يتحكم فيها في كتابنا (تناقضات الالباني الواضحات ” (2 / 330) (! !) فنسأل الله تعالى أن يلهمه رشده ويرد عليه عقله وأن رزقه التوبة بعد الحوبة قبل الممات ! ! آمين . والحمد لله رب العالمين . (*)
——————————————————————————–
[ 35 ]
زجر الالباني عن الاستمرار في إملاء قاموس الشتائم الموجهة لاهل العلم ا لشماطيط في بيان ما يهذي به الالباني في مقدماته من تخبطات وتخليط بدل أن يرعوي هذا المتخابط ويعتبر بما وقع فيه من كوارث وبلايا نراه يضعف فيسب ويشتم ويصيح ويستغيث من هول المطارق الواقعة على أم رأسه كل يوم وساعة والله الهادي . بقلم حسن بن علي السقاف القرشي الهاشمي الحسيني الشافعي
——————————————————————————–
[ 37 ]
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرشد للمنهج القويم ، الذي مدح نبيه بقوله (وإنك لعلى خلق عظيم) صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الدجى ، ورضي الله عن أصحابه ما غرد القمري وسجى ، أما بعد : فقد كنت قد وجهت إلى الالباني ” المتناقض ” ! ! نصيحة في الجز الاول من كتابنا ” تناقضات الالباني الواضحات ” بعد أن بينت له نحوا من ثلاثمائة خطأ ما بين تناقض واضح ! ! وخبط فاضح ! ! وخطأ لائح ! ! قد وقع فيه ، وأبطلت له تبجحه على الائمة حفاظ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل التخصص في معرفة حديث سيد البرية عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ، فنصحته أن يعود إلى كتبه التي هي مجمع ” التناقضات ” و ” التخابطات ” ليصححها قبل أن تدركه المنية ! ! ولما كان هذا الرجل من النوع الذي لا يشكر ! ! وإنما يجحد ويكفر ! ! لمن أسدى إليه النصيحة فيسب ويهجر ! ! وهذا سبيل كل مبتدع أثيم ! ! وكذا كل من لم يقرأ على أستاذ يعرفه أساليب الادب في العلم والتعليم ! ! وجدته الآن قد رضخ والحمد لله لنصحي فقام بتصحيح الجزء الاول من ” ضعيفته ” بزعمه ! ! فعدل فيها وحذف وزاد ! ! إلا أنه زاد الاخطاء ولم يوفق للرشاد ! ! وقدم لذلك الجز الذي ظهر منذ أيام يسيرة بمقدمة شحنها على عادته بوقاحة معروفة ! ! وصفاقة مألوفة ! ! فتعرض فيها لي صريحا ! ! وأنا السبب في تعديلاته فلم يشكرني ! ! كما تعرض لغيري من أفاضل أهل العلم فسب ! ! وشتم ! ! وهرف بكلام لا يصدر ألا من المبرسمين ! ! وهذى بمقال لا يصدر إلا من السوقة
——————————————————————————–
[ 38 ]
________________________________________
الوضعاء ! ! فرم يت من واجبي في هذه المره ، أن أصفعه بما يهدم كلامه وأمره ، وألبسه ثوب المعره ! ! وللحق كرة بعد كره ، والله الموفق الهادي وهذا أوان الشروع في المقصود : (أولا) : افتتح كلامه المغلوط الذي يغالط ويكابر فيه ص (3) بآيتين أخطأ في إحداهما إشارة من الله سبحانه وتعالى لنا إلى أنه يهرف ويهذي بالباطل والخطأ فقال في السطر العاشر : ” قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ذلك خير مما يجمعون ” فحرف الآية على عادته في تحريف الحديث وأقوال العلماء ! ! ولا غرو ولا عجب فهو الماهر في ذلك ! ! والحق أن الله تعالى قال في سورة يونس (10) : (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) . إلا أن يكون قد قرأها من مصحف الحشوية ! ! الذي يتناقلونه بينهم بالدس والسرية ! ! والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ! ! وهذا مما يؤكد لنا بأن هذا من أغلاطه الطبعيه ! ! وليس من أخطاء الكتاب المطبعية ! ! كما يدرك ذلك جميع العقلاء . وكنا نستطيع أن نعذره في هذا الخطا إلا أن أمثاله ممن يجعلون من الحبة قبة لا يجوز أن يعذروا ! ! ! لا سيما حينما يعثرون لنا على خطأ إملائي أو نحوه بزعمهم مما هو خارج عن صلب الموضوع ولا علاقة له به فيبرقون ويرعدون ! ! وإن ربك لبالمرصاد ! ! (ثانيا) : قال هذا ” المتناقض ” ! ! ص (3 – 4) . [ ولما كان من طبيعة البشر التي خلقهم الله عليها العجز العلمي المشار إليه في قوله تعالى في (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) كان بدهيا جدا أن لا يجمد الباحث عند راي أو اجتهاد له
——————————————————————————–
[ 39 ]
________________________________________
قديم (1) ، إذا ما بدا له أن الصواب في غيره من جديد ولذلك نجد في كتب العلماء أقوالا متعارضة عن الامام الواحد في الحديث وتراجم رواته . . . ] ثم قال : [ وعليه ، فلا يستغر بن القارئ الكريم تراجعي من بعض الآراء والاحكام التى يرى بعضها في هذا المجلد تحت الحديث (65) عند الكلام على حديث : " لا تذبحوا الا مسنة " وغير ذلك من الامثلة . . . الخ هرائه . ] وأقول : أما حديث ” لا تذبحوا إلا مسنة ” فالرد على ما أورده فيه من تدليس أبي الزبير وتوهيم الحافظ فيه وتفنيد جميع ما أورده من النقول والهرف ! ! تجدونه في كتاب ” تنبيه المسلم إلى تعدي الالباني على صحيح مسلم ” . ص (29 – 42) . وأما قوله بأنه (كان بدهيا جدا أن لا يجمد الباحث عند رأي أو اجتهاد له قديم ، إذا ما بدا له أن الصواب في غيره من جديد) فهو اعتراف صريح منه بغلطه وأخطائه التي نبهناه عليها مرارا وتكرارا إلا أنه بدل الشكر قابل ذلك بالكفر ! ! بعد اعترافه المبطن بأننى قد نبهته وعلمته لكثير من تلك الامور ! ! بدليل أنه قال في نفس الصحيفة : ” وهذا وذاك هو السر في بروز كثير من التصحيحات والتعديلات على بعض ما يطبع من مؤلفاتي الجديدة ، أو ما يعاد طبعه منها ، كهذا المجلد الذي بين يديك ، وينتقدني لذلك بعض الجهلة الاغرار ، كذلك السقاف هداه الله ” اه‍ ولم يعلم إمام الجهلة الاغرار ! ! المتناقض ! ! الذي قارب الثمانين ولم يرعو بعد ! ! بأنه متناقض متخابط في كل ما يقوله إ ! وكتم فلم يذكر بأنه منفذ لنصيحتي له في كتاب ” التناقضات ” فلم يشكر ! ! والله حسيبه ! !
——————————————————————————–
(1) انظروا كيف يعترف بالكوارث التي وقع بها ويبرر ويسوغ لنفسه بأسلوب أنعم من ناعم ! ! وأما مع خصومه فلا يترك نوعا من أنواع وأشكال السب والشتم إلا ويقترفه ! ! (*)
________________________________________
——————————————————————————–
[ 40 ]
ومن تناقضه ! ! المشين هنا في العبارة التي نقلناها عنه أنه قال : ” ولذلك نجد في كتب العلماء أقولا متعارضة عن الامام الواحد في الحديث وتراجم رواته . . . ” وغفل هذا المتناقض ! ! أو أراد أن يلبس على من يثق بكلامه ! ! فستر تهجمه على العلماء السابقين الذين نعتهم بأنهم أساءوا وتناقضوا كالحافظ ابن حبان والحافظ ابن الجوزي والحافظ ابن القطان الفاسي والحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر وغيرهم كثير وكثير ! ! وعدد كبير ! ! وانظروا إلى قوله مصغرا تناقضاته ! ! ومهونا لها بقوله ” أقوالا متعارضة ” ! ! بدل قوله ” إساءات متناقضة ” ! ! وإذا أردتم أن تدركوا مقدار تلبيساته وقلبه الحق باطلا والباطل حقا ! ! فانظروا الآن إلى النصوص التي سأنقلها في تطاوله على بعض الائمة السابقين من الحفاظ والمحدثين في وصفهم ” بالتناقض والاساءة ” في حين أنه يصف تناقضاته المشينة ب‍ ” أقوال متعارضة ” ويسوغ لها أمثلة بكل جراءة ! ! وصفاقة ! ! محتجا بأقوال وردت عن الامام أحمد والامام الشافعي رحمهما الله تعالى ! ! لان هذا الرجل متى ضيق عليه الخناق وانحشر في الزاوية بعد استرساله في تطاوله واستهزائه بالعلماء نراه الآن يستتر ويختبئ بما عابهم ويعيبهم به هو ومقلدوه الجهلة ! ! المتعصبة الاغرار (1) ! ! ولا يتم إدارك ذلك لكل عاقل لبيب إلا بعد أن أذكر بقية كلام هذا ” المتناقض ” ! ! الذي يتعلق بي ص (6 – 7) حيث يقول :
——————————————————————————–
________________________________________
(1) الذين يتاجرون بالعلم ويقولون شيخنا المحدث الالباني ويخفون أنه متناقض ! ! متخابط لينغر كثير من طلاب العلم والشباب الاغرار بهم وبأنهم تلاميذ ” حافظ الوقت ” ! ! و ” محدث الديار الشامية ” ! ! فتروج كتبهم ويشتري تلك الرسائل المهلهلة التي غالبها مسروق من هنا وهناك أولئك الذين انخدعوا بهم وظنوهم من طلاب العلم ولم يعلموا أنهم طلاب دراهم ! ! ولله في خلقه شؤون ! ! وسينكشف كل ذلك بإذن الله تعالى قريبا ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 41 ]
________________________________________
” كما هو شأن ذوي الاهواء والبدع مع اهل الحديث وأنصار السنة في كل زمان ومكان ، وكما فعل معي بالذات كثير منهم – ولا يزالون مع الاسف – كالاعظمي ، والغماري ، ومن نحا نحوهم من المتعصبة الجهلة ! كذاك السقات ، وقد انبرى له أخونا الحلبي ب‍ ” الانوار الكاشفة ” فلتراجع . . . ” الخ هرائه . وأقول : فلنرجع إلى تلك ” الانوار الكاسفة الزائفة ” التي أملاها هو على مريده ! ! الذي ثبت حديثا بأنه يسطو على مؤلفات غيره فينسبها له ! ! لنرى التحقيق العلمي المهدوم الذي يتخيلون أنهم ردوا به علي : قال المتناقض فيما أملاه عل دريئة ! ! الذي مدحه هنا بالانبراء لي ” في أنواره المكسوفة ” ص (20) ما نصه : [ وكم من حديث أقر الذهبي في تلخيصه الحاكم في مستدركه على تصحيحه ، ثم يخالف ذلك في الميزان أو مهذب سنن البيهقي أو غيرهما ؟ ! وكم من حديث أودعه ابن الجوزي في الموضوعات ومع ذلك هو عنده في العلل المتناهية ؟ ! وكم من راو وثقه ابن حبان ثم تراه في كتابه المجروحين ؟ ! وكم من راو اختلف فيه قول الحافظ ابن حجر ما بين تقريب التهذيب وفتح الباري أو التلخيص الحبير ؟ ! فهل يقال لمثل هؤلاء الحفاظ والجهابذة : متناقضون ؟ ! إن المتناقض هو من يزعم تناقضهم ، ويدعي اضطرابهم ] اه‍ أقول : هكذا يحتج المتناقض ! ! ومريده ! ! ! الذي أحال عليه ! ! ليستروا فضيحتهم بأخطاء من عابهم هذا الشيخ المتناقض ! ! بالتناقض والاساءة وظنا بذلك وخصوصا الشيخ الفلتة ! ! بأنه استطاع تربيط خصمه وأفحامه واقناع الجمهور بما يخلصه من ورطته ! ! وإليكم تفنيد هذا الكلام الذي لا يصدر إلا من مبرسمين ! ! لتدركوا أن هؤلاء العلماء الذين ذكراهما وهم : الحافظ الذهبي
——————————————————————————–
[ 42 ]
________________________________________
والحافظ ابن الجوزي وابن حبان والحافظ ابن حجر الذين قالا عنهم ” إن المتناقض هو من يزعم تناقضهم ” قد وصفهم الشيخ الاغر . . . ” المتناقض ” ! ! ! بالتناقض والاساءة ! ! ! وإليك ذلك : 1 – أما الحافظ الذهبي فقد عابه الالباني المتناقض ! ! في ” سلسلته الضعيفة ” (4 / 442) بالتناقض ! ! حيث قال : [ قلت : فتأمل مبلغ تناقض الذهبي ! لتحرص على العلم الصحيح ، وتنجو من تقليد الرجال ] اه‍ 2 – وأما الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى فقد قال عنه هذا المتناقض ! ! في ” صحيحته ” (1 / 193) عائبا عليه التناقض ! ! والاساءة ! ! ما نصه : [ ولذلك فقد أساء ابن الجوزي بإيراده لحديثه في الموضوعات ! عل أنه قد تناقض ] اه‍ 3 – وأما الحافظ ابن حبان رحمه الله تعالى فقد قال عنه هذا المتناقض ! في ” ضعيفته ” (3 / 276) ما نصه : [ قلت : وهذا تناقض ظاهر من ابن حبان ] اه‍ 4 – وأما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فقد قال عنه هذا المتناقض ! ! أيضا في ” ضعيفته ” (3 / 266) ما نصه : وتناقض رأي ابن حجر فيه اه‍ فقد حكم الشيخ والمريد ! ! على الشيخ الالمعي ! ! الفلته ! ! بأنه متناقض حيث قال في ” أنواره الكاسفة ” : ” إن المتناقض هو من يزعم تناقضهم ” وقد زعم الشيخ ! ذلك ! وصرح به ! ! فهذه صفعة ارتدت عليه فصكته صكا والحمد لله تعالى الذي بنعمته تتم الصالحات .
——————————————————————————–
[ 43 ]
________________________________________
ومن هذا البيان الواضح يدرك كل لبيب قيمة مقدمة هذا المتناقض ! ! الفاشلة ! ! الباطلة ! ! وقيمة كتاب مريده ! ! المفضال ! ! الذي يحيل هذا الشيخ ! الفلته ! ! المتناقض ! ! إلى كتابه ، كما يدرك كل عاقل أساليبهم الملتوية الحلزونية ! ! في اللف والدوران ! لاحقاق الباطن وإبطال الحق ! ويدعون بأنهم هم أهل السنة وعلماؤها وهم في الحقيقة من أكبر أعدائها الذين عاثوا فيها فسادا وخرابا والله تعالى المتولي قصمهم وهو الذي يهيئ من يكشفهم ويسقطهم وهو المستعان . ولو كان هذا الالباني عاقلا يعرف الادب والاخلاق ! ! أو تربى عند أهل العلم ! ! لعرف أن من الدناءة والصفاقة بمكان تعديه على مثل المحدث الاعظمي رحمه الته تعالى والمحدث الغماري أعلى الله درجته وغيرهما ممن هم في سن آبائه واعتباره إياهم من أعداء أهل السنة ! ! وهذا بهت من هذا المتناقض ! ! ولذلك بعث الله له شبابا في سن أحفاده يكشفون زيف علمه الذي يدعيه ويتبجح به ويبينون للناس أساليب تلاعبه وكذبه والحمد لله تعالى . (ثالثا) : وأما قوله ص (9) (وأهل العلم يعلمون أن المحدثين إذا ساقوا الاحاديث بأسانيدها فقد برئت ذمتهم ، ورفعت المسؤولية عنهم ، ولو كان فيها أحاديث ضعيفة ، بل موضوعة) فهو مما تضحك منه الثكلى ! ! فضلا عن صغار طلبة العلم المبتدئين ! ! لانه من الجهل المركب ! ! الدال على السعي في الدفاع عن ضلالات مشهورة ومعلومة ! ! وذلك لان كتب التوحيد المسماة عند شيعته ! ! وسادته ! ! بكتب ” السنة ” مشحونة شحنا مثقلا بالاحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة فهو يريد أن يبرئ ساحته وساحتهم محاولا – بكل فشل – الخروج بهم من ورطة الاستدلال في كتب العقائد بالاحاديث الموضوعة التي تؤيد مشربهم ! ! مع أن هذأ خلاف ما يعلمه أهل العلم في السابق واللاحق ! !
——————————————————————————–
[ 44 ]
________________________________________
ولو كان يعي ما يقول ! ! أو لا يسعى في إذاعة الباطل لنقل قول الامام مسلم في مقدمة صحيحه التى فيها أشد الذم لمن جمع الاحاديث الموضوعة والصحيحة والضعيفة معا وألقاها إلى العوام والطلبة ! ! وإليكم كلمة الامام مسلم رحمه الله تعالى لتدركوا أن هذا المتناقض ! ! يهرف ! ! بما انتقده أهل الحديث والعلماء في القديم والحديث : قال الامام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه (1 / 8) ما نصه : ” وبعد يرحمك الله فلولا الذي رأينا من سؤ صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا فيما يلزمهم من طرح الاحاديث الضعيفة ، والروايات المنكرة وتركهم الاقتصار على الاحاديث الصحيحة المشهورة ، فما نقله الثقات المعروفون بالصدق والامانة . بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما يقذفون به الى الاغبياء من الناس هو مستنكر ، ومنقول عن قوم غير مرضيين ، ممن ذم الرواية عنهم أئمة أهل الحديث . . ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الاخبار المنكرة ، بالاسانيد الضعاف المجهولة وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبا ، خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت ” انتهى . وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ” سير أعلام النبلاء ” (13 / 278) عائبا على الحافظ ابن ماجه رحمه الله إيراده أحاديث منكرة وموضوعة في سننه مع أنه رواها بالاسانيد ما نصه : ” قلت : قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا ، واسع العلم ، وإنما غض من رتبة ” سننه ” ما في الكتاب من المناكير ، وقليل من الموضوعات ” انتهى . فليتدبر هذا المتناقض ! ! في هذه الغضاضة التي يمدحها ! ! وليعتبر ! !
——————————————————————————–
[ 45 ]
________________________________________
وقال الحافظ الذهبي أيضا في ” سير أعلام النبلاء ” (10 / 317) بعدما روى إسنادين فيهما ضعف ما نصه : ” في الاسنادين ضعف من جهة زاهر وعمر لاخلالهما بالصلاة ، فلو كان في ورع لما رويت لمن هذا نعته ” . وعلق على ذلك الشيخ شعيب فقال : ” رحم الله المؤلف ، فقد وصف نفسه بعدم الورع لانه روى عمن هذا وصفه ، مع أنه بين عن حاله ، وكشف عن أمره ، فكيف يكون حال من يروي عن الكذابين والضعفاء ، ويسكت عنهم ، ولا يبين حالهم ؟ ! ” اه‍ أقول : ولدي أدلة لا تكاد تحصى في هدم ما ادعاه هذا المتناقض ! ! من أن ذكر الاسانيد يبرئ العهدة ونحو هذا من التخريف المكشوف الذي يسعى فيه لايجاد أعذار لمثل الكتاب المنسوب لابن الامام أحمد المسمى ” بكتاب السنة ” وكتاب ” رد الدارمي على بشر المريسي ” ونحو هذه الكتب التي تعتبر مجمع بل مستودعات الاحاديث الموضوعة التي تتعلق بمبحث العقيدة ! ! وإننا نسأله فنقول له : لماذا قمت فيما تزعم ! ! بغربلة الاحاديث ! ! وتقديم السنة الصحيحة للناس طالما أن ذكر الاسانيد يبرئ العهدة ؟ ! أليس واقعك يكذب هذا الكلام الذي تدعيه الآن ؟ ! وما ذكرتة الآن هنا من بعض النقول كاف لابطال ما تقوله مع أنني سأفرد رسالة خاصة إن شاء الله تعالى في هذه المسألة لقطع شغبك فيها والله الموفق ! ! (رابعا) : عاد هذا المتناقض ! ! إلى الطعن في تلميذه ! ! ومريده ! ! القديم الذي تنازع معه على أمور مادية كشفت حقيقة العلاقة التى كانت بينهما بعد أن كان قد مدحه في كثير من كتبه ! ! وقد كان يقول عنه : (إنه منذ نعومة أظفاره كان
——————————————————————————–
[ 46 ]
________________________________________
سلفيا) وينعته ب‍ (الاخ الفاضل) كما في إروائه وغيره وكذلك بقوله (أخي المحقق زهير الشاويش) ! ! كما في مقدمة تحقيق ” رفع الاستار ” ص (8) وقد رافقه هذا المريد ! ! المحقق ! ! نحو أربعين سنة ! ! ثم ظهر بوضوح فشل تربية الشيخ المتناقض ! ! فقال الآن عن مريده الشاوشى صاحب المكتب الاسلامي في هذه المقدمة ص (7) ما نصه : ” وأما طبعة المكتب الاسلامي الجديدة ، فهي غير شرعية ، لانها مسروقة عن الاولى ، وحق الطبع للمؤلف يعطيه من يشاء ، ويمنعه من لا يتقي الله ، ويتلاعب بحقوق العباد ، كما أن في هذه الطبعة المسروقة تصرفا بزيادة ونقص ، والله المستعان ، واليه المشتكى من فساد أهل هذا الزمان ” (1) اه‍ وقد تضمنت فقرته هذه عدة تهم لزهير الشاويش وهي : 1 – ” سارق ” . 2 – ” لا يتقي الله ” . لان كل مخالف لهذا ” المتناقض ” ! ! يجب أن يكون بنظرة إما ” عدو السنة والتوحيد ” أو ” لا يتقي الله ” أو ” من أهل الاهواء ” أو ” من الجهلة ” أو ” من الاغرار ” وهذا منطق كل سفيه ! ! 3 – ” متلاعب بحقوق العباد ” ! ! ! 4 – ” محرف ” لانه يتصرف بالزيادة والنقصان في الكتب . وهذه قد أخذها الشاويش من أستاذه الذي أثبتنا في غير ما موضع من كتبنا بأنه يتصرف في كلام أهل العلم فيحرفه زيادة على تحريفه وتصرفه في السنة النبوية والله المستعان . فليهنأ بهذه الاوصاف الشاويش ! ! الذي علمنا علما أكيدا بأنه هو الذي وضع في جريدة اللواء تلك المقالة التى عنونها ب‍ ” حسن السقاف يرد على الشيخ الالباني ” ووصفه فيها بأنه أخفق في جانب التربية إلى غير ذلك ، فانظروا كيف
——————————————————————————–
(1) يا حرام ! ! أيها الشيخ ! ! المسكين المظلوم ! ! هكذا يأكل المفسدون حقوقك ؟ ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 47 ]
________________________________________
يضرب المريد ! ! شيخه وأستاذه ! ! بعد أن تلقى من شيخه ! ! ومربيه ! ! تلك لصفعات الحارة الذي قدمنا ذكر بعضها ! ! والله المستعان وهو الذي سيدمرهم قريبا وهو سبحانه يمهل ولا يهمل والحمد لله . (خامسا) : وأما ذمه الشيخ الانصاري وتبجحه عليه برسالة مريده ! ! الذي يجعله : دائما دريئة له ! ! فتبجح أبرد من الثلج ! ! وذلك لان تلك الرسالة فيها من تحريف لنصوص التي دب ودرج عليها الشيخ والمفتونون به ! ! والجهل العريض ما لا يخفى على كل من اشتغل بهذا العلم الشريف ! ! الذي يحاول أن يدنسه هذا المتناقض ! ! ومريدوه ! ! الذين يعولون على تساويده ! ! (سادسا) : وصف الالباني أحد من يعتبرهم خصومه ص (10) من مقدمته الغراء ! ! بأنه : ” هوى في هوة سحيقة على منخره ” ! ! والصواب : أن الالباني هو الذي هوى في تلك الهوة السحيقة على منخره وذلك أنه زعم ص (22 – 23) بأن عطية العوفي مجمع على تضعيفه حيث قال هناك : ” ولكن ماذا تقول أنت أيها المنتسمب إلى الانصار في الاجماع الذي نقله شيخ الاسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي على ضعف عطية الذي تفرد بهذا الحديث . . . . ” ثم قال هذا المتناقض ! ! : ” فهل يخطئ الاجماع ؟ ! فإن قلت : لا ، ظهر تناقضك وتهافتك ، وإن قلت : نعم ، حق فيك قول رب العالمين : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) عياذا بالله تعالى ” اه‍ . أقول : وكل هذا من هذا المتناقض ! ! ! جهل ! ! وهراء لا قيمة له ، وهو مبني على جرف هار من وجوه :
——————————————————————————–
[ 48 ]
________________________________________
(أ) : قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ” نتائج الافكار ” (2 / 414) عن عطية : ” وقد قال أبو حاتم وابن عدي : يكتب حديثه ، وقال الدوري عن ابن معين : صالح الحديث ، وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله تعالى ، وبعضهم لا يحتج به ، قلت : والترمذي يحسن حديثه ، وهذا كله يرد قول من قال فيه : مجمع على ضعفه) اه‍ من ” نتائج الافكار ” . فأين من هذا الاجماع ! ! الذي يزعمه هذا المتناقض ؟ ! ! ونحن نقول له هنا : ” من ادعى الاجماع فهو كاذب ” . فليتأمل الشيخ المتناقض ! ! هذا جيدا ليدرك هو والمفتونون به ! ! بأنه يهرف بما لا يعرف ! ! فإنه لم ير هذا النص حتى ولا في المنام ! ! ولو عرفه لما وقع فيما وقع فيه ! ! (ب) : هو المتناقض لا خصمه ، لانه هو الذي يقول دائما : ” قال أحمد من ادعى الاجماع فهو كاذب ” كما قال ذلك في نفس ” ضعيفته ” التي جعل لها تلك المقدمة المتهاوية ! ! الفارطة ! ! ص (165) في السطر الاول ! ! فواعجباه ! ! (ج) : ثم زعم أن الآية منطبقة على خصمه ! ! وهي في الحقيقة منطبقة عليه هو لا غير ! ! وفي كتابنا ” احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الاجماع فهو كاذب ” ما يشفيه ويعالجه بإذن الله تعالى من مرضه المزمن الذي تخلل كل عرق ومفصل منه الذي ذكره في الحديث الذي ختم به مقالته . وقد احتج بها – الآية – ليكمل تناقضه ! ! ! الذي اشتهر به على إثبات الاجماع ووجوده فالله المستعان على جهله ! ! واتباعه لهواه ! ! (سابعا) : أجاز لنفسه وحلل لها أن يشتم أهل العلم ومن يخالفه بطرق
——————————————————————————–
[ 49 ]
________________________________________
ملتوية حيث قال ص (27) ما نصه : ” كثيرا ما يسألني بعضهم عن سبب الشدة التى تبدو أحيانا في بعض كتاباتي في الرد على بعض كاتبين ضدي ؟ وجوابا عليه أقول : فليعلم هؤلاء القراء أنني بحمد الله لا أبتدئ أحدا يرد علي ردا علميا لا تهجم فيه ، بل أنا له من الشاكرين ، وإذا وجد شئ من تلك الشدة في مكان ما من كتبي (1) ، فذلك يعود إلى حالة من حالتين : الاولى : أن تكون ردا على من رد علي ابتداء ، واشتط فيه وأساء إلي بهتا وافتراء ، كمثل أبي غدة ، والاعظمي الذي تستر باسم أرشد السلفي ، والغمارى ، والبوطي ، وغيرهم ” اه‍ أقول : لم تصدق أيها ! ! المتناقض ! ! فإن الامام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى ورضي عنه المتوفى من نحو (42) عاما لم يذكرك ولم يرد عليك ابتداء ولا انتهاء وقد قلت عنه ما قلت من السباب والبهت حتى في هذه المقدمة التي سودتها بحقدك وغيظك فقلت عنه ص (14) ما نصه : ” ولقد كان الشيخ الكوثري – على ضلاله وتعصبه المعروف – . . . ” الخ هرائك فاستيقظ ! ! عافاك الله تعالى ! ! ثم قال المتناقض ! ! ص (30) : [ والحالة الاخرى أن يكون هناك خطأ فاحش في حديث ما ، صدر من بعض من عرف بقلة التحقين فقد أقسو على مثله في الكلام عليه ، غيرة مني على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كقولي الآتي تحت الحديث (142) : " لم يخجل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - أن يستشهد بهذا الاسناد الباطل ، فإن (أبو الدنيا) هذا أفاك كذاب ، لا يخفى حاله على السيوطي . . . " ] اه‍ وأقول : ولم تصدق أيضا أيها الفاحش المتفحش ! ! الذي تحل لنفسك شتم (1) أنظروا كيف يحاول أن يهرب مما كشفناه في كتابنا ” قاموس شتائم الالباني ” ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 50 ]
________________________________________
الناس وسبهم ! ! فعلى من يتهم خصومه باليهودية ويقول عن أحدهم ” إنه يطبق القاعدة اليهودية ” لعائن الله تترى ! ! ! لم تطعن بنا إذن ونحن نحذر الناس والامة من أخطائك وأغلاطك وتناقضاتك وتلاعباتك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرة منا على حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! ! ثم إذا كنت تصف الحافظ السيوطي بأنه معروف بقلة التحقيق فكيف تقول بعد ذلك ” لا يخفى حال – أبي الدنيا – على السيوطي ” أطلعت على الغيب أيها المكاشف ؟ ! ! ! أم اتخذت عند الرحمن عهدا ! ! ! ثم أليس من العقوق وذهاب الادب والحياء أن تبني علمك على مؤلفات السيوطي ” الجامع الصغير وزيادته ” وغيرهما وتتدرب عليها وتنسبها لنفسك ثم تقول عنه ” قليل تحقيق ” و ” لم يخجل السيوطي ” ويا ليتك قلت عنه ذلك ووقفت بل قد قلت عن الحافظ الذهبي في كتابك ” غاية المرام ” ص (35) بكل صفاقة ! ! بأنه ” قليل نظر وتحقيق ” فتعسا لك ! ! أيها المتناقض ! ! وانظروا أيها الناس كيف يخاطب أفراد الامة أو علماءها الذين يعتبرهم خصومه ص (22) من مقدمته فيقول عن الشيخ الانصاري : [ " فلينظر القارئ الكريم إلى خباثة هذا الرجل ، الذى يكاد قلبه يقطر دما حسدا وحقدا ، إنه يسأل ماكرا ، ويجيب من عند نفسه باغيا ، وهو يقرأ : (إن النفس لامارة بالسؤ . . .) أم هو من مشايخ أهل الكشف ، الذين يزعمون أنهم يطلعون على ما في صدور الناس ، ويكشفون أسرار قلوبهم ، كفرا (1) بمثل قوله تعالى : (إن الله عليم بما في الصدور) ؟ ! ] . ثم يكمل – المتناقض – قائلا : [ أما جوابي أنا الذي أدين الله به : فهو أنني لم أشنع على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه
——————————————————————————–
(1) انظروا كيف يكفر خصومه ! ! (*)
——————————————————————————–
[ 51 ]
________________________________________
الله ، ولن أقول فيه ولا في غيره من العلماء إلا ما قال الله (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) من اجتهد منهم فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد ] اه‍ وأقول لك – ولا أسف ! ! – : لم تصدق ! ! لم لم تقل هذا الكلام في مثل العلامة المحدث الكوثري رحمه الله تعالى ؟ ! هل تنكر بأنه كان عالما ؟ ! ! – وقد اعترفت في غير ما موضع من كتبك بعلمه ! ! – أم أنك تقول هذا في محمد بن عبد الوهاب لتستكمل التجارة بالكتب في البلاد التي يعظم فيها محمد عبد الوهاب ويبجل مع كونك تقول عنه ذاما له بين أصحابك ومريديك ! ! ! المقربين ! ! المفتونين بك . ! ! – سرا – : ” إنه جاهل بعلم الحديث وبالجرح والتعديل جهلا بالغا ! ! ” تقول ذلك سرا لئلا يحاربك أولئك الذين تطمع أن تكسب كل يوم منهم دراهم بالمتاجرة بالعلم وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فما اجبنك ! ! ويا فقدانك للشجاعة العلمية ! ! (ثامنا) : وأما الرد على تساؤلك الذي ذكرته ص (24) حيث قلت : ” فتساءلنا : لماذا خص الشيخ اسماعيل برده الالباني دون ابن عمه وهما متفقان . . . ” فجوابه : لان خطر وخطأ الشيخ الالباني ! ! المتناقض ! ! أكبر بكثير من حماد الانصاري لانتشاره في أماكن كثيرة غير موجود فيها كلام حماد الانصاري فتأمل ! ! وحق للانصاري أن يقول لك : أرغم الله أنفك ! ! ” وأشل الله يدك وقطع لسانك ” (1) ! !
——————————————————————————–
(1) هذه عبارة يستعملها المتناقض ! ! في شتم فضيلة العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة عادت إليه على التو لانه كما تدين تدان ! ! ومن حفر لمسلم حفرة وقع فيها ! ! فليعبتر بذلك الشيخ ! ! المفضال ! !
——————————————————————————–
[ 52 ]
________________________________________
(تاسعا) : وقد تضمنت مقدمة هذا المتناقض ! ! شتم جماعة من أعلام المحدثين وأهل العلم والفضلاء وانتقاصهم بعد أن ابتدأ بشتمي وهم : 1) العلامة المحدث حبيب الرحمن الاعظمي رحمه الله تعالى . 2) الامام المحدث أبو الفضل الغماري أعلى الله درجته . 3) الشيخ إسماعيل الانصاري . 4) الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى . 5) الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى . 6) المحدث الكوثري رحمه الله تعالى . 7) الشيخ شعيب الارناؤوط ووصفه ص (35) بالحسد والحقد والتشبع بما لم يعط وغير ذلك . 8) الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى . 9) المحقق العلامة محمود سعيد ممدوح ووصفه بالمصري الجاهل ! ! عصبية ! ! 10) والشيخ البوطي وغير ذلك . وقد وصف هذا المتناقض ! ! فضيلة الشيخ شعيب بأنه حاقد وحاسد وأنه يسرق تعليقاته ليغطي على نفسه ويبعد إدراك كثير من الناس بأنه استفاد من الشيخ شعيب إستفادات علمية كثيرة ولغوية أيضا حيث كان الشيخ شعيب يصحح له اخطاءه الحديثية والاملائية والنحوية في كتبه ويرشده وينصحه وقد صرح الالباني بذلك في كتبه ثم هو الآن يحاول أن يهرب من هذا الموقف ويدعي أن فضيلة الشيخ شعيب – سدد الله على الحق خطاه – يسرق تخريجاته ! ! كبرت كلمة تخرج من قلمه وفمه النظيف ! ! ولسانه الذلق الحلو ! ! وحسبكم هذا التفاوت بيننا * فكل إناء بالذي فيه ينضح
——————————————————————————–
[ 53 ]
________________________________________
ومن البراهين والادلة التي تثبت استفادته وتعلمه من فضيلة الشيخ شعيب قوله في ” صحيحته ” (2 / 214) عن حديث هناك : ” قلت : وهذا إسناد مرسل قوي ، عمران تابعي ، مات سنة (117) . ثم أوقفني الاستاذ شعيب الارناؤط على وصله في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابي الشيخ ص 183 من هذا الوجه عن عمران عن أنس مرفوعا به . ورجاله ثقات ، فثبت موصولا والحمد لله ” ، فتأملوا أيها العقلاء ! ! (عاشرا) : ومن الغريب العجيب أنه يمدح أشخاصا لا قيمة لهم ولا وزن لكنهم مفتونون بحبه ! ! لاجل مصالح مادية تربطهم ! ! كمن أملى عليه كتابه ” الانوار الكاسفة الزائفة ” وذلك الصفيق ! ! الملقب بالحداد ! ! الذي يثني عليه في الكاسفة الزائفة ” وذلك الصفيق ! ! الملقب بالحداد ! ! الذي يثني عليه في استدراك جديد للمجلد الثاني من سلسلته التي يزعم بأنها ” صحيحة ” كما رأيته بخطه ! ! ثم نراه يشتم الافاضل من أهل العلم وعند الله تجتمع الخصوم . وقد تعرض لي في استداركه المشار إليه في قضية حديث ” الراحمون يرحمهم الرحمن . . . ” وعند ظهوره سألقمه حجر الحجة واجعله يهوي على منخريه بإذن الله تعالى والله الموفق . وسيرى بإذن الله تعالى عيانا كيف سيرغم أنفه ويدس في التراب عندما يقرأ الجزء الثاني من كتابنا ” تناقضات الالباني الواضحات ” وغيره ! ! (حادي عشر) : وأخيرا في هذه الكرة أرى أنه لا ينطبق الحديث الذي ختم به مقدمته الشوهاء إلا على محياه ! ! ! ! ! الذي لا ماء فيه ! ! والذي يصدق فيه قول القائل : يا ليت لي من جلد وجهك رقعة * فأقد منها حافرا للاشهب
——————————————————————————–
[ 54 ]
________________________________________
وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم ” سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الاهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، ولا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ” وهو هذا الالباني ! ! الذي شهد كثير من الناس ومن أفاضل العلماء بأنه قد استحكم ذلك الداء بكل عرق ومفصل من جسده ! ! ومقدماته وما يكتبه قديما وحديثا خير شاهد على ذلك بل هي من أكبر الادلة والبراهين الدامغة ! ! ولو جرح هذا الرجل ! ! لنزلت منه نتانة ذلك الداء ! ! الذي اشتهر به في المشرق والمغرب ! ! وليعلم بأننا وغيرنا له بالمرصاد بحجارة البراهين والادلة الساحقة لتحرصاته وادعاءاته فإن تاب واعتذر لمن شتمهم وأعلن ذلك وقفل باب السباب وأعلمنا بذلك موثقا أقفلنا الكلام والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
________________________________________

Published in: on يوليو 23, 2009 at 2:47 م  اكتب تعليقُا  

هؤلاء هم الخوارج تأليف عبدالله القحطاني

هؤلاء هم الخوارج

تأليف
عبدالله القحطاني

طباعة هذا الكتاب حق مشاع لكل مسلم شريطة ألا يحرِّف فيه أو يبدِّل

المحتــــوى
الإهداء 8
مقدمة الطبعة الثانية 10
مقدمة الطبعة الأولى 17
تـمـهـيـد 20
الفصل الأول: التعريف بالوهابية 31
تعريف الوهابية 33
خرافة الالتزام بفهم السلف 43
محمد بن عبدالوهاب 48
ابن تيمية الحراني 70
ابن قيِّم الجوزية 82
الألباني محدِّث الحشوية 88
جيش الإخوان 104
الشيخ جون فيلبي! 114
الفصل الثاني: الجغرافية الوهابية وتشويه معالم الإسلام 123
التماحك حول حديث (هنالك الزلازل والفتن) 126
تهافت التأسيس والتقديس 133
تحذير: منطقة آثار 145
إحراق المكتبة العربية بمكة المكرمة 154
الفصل الثالث: التاريخ الوهابي 157
فظائع الوهابية بديار الإسلام 159
استباحة دماء المسلمين في المساجد 164
نجــد 169
الحجــاز 171
الطــائف 175
مكـة المكرمة 179
الإحسـاء 183
الكويت 185
قطر والبحرين 188
عمـــان 193
اليمــن 209
العـــراق 212
بـلاد الشــام 218
صدُّ الناس عن البيت الحرام 223
الفصل الرابع: العقيدة الحشوية 231
مدار العقيدة الحشوية 233
أمثلة من معتقدات الحشوية الفاسدة 237
الحشوية والمجاز 243
التقية عند الحشوية 248
القول بقِدَم العالم والحدّ 252
كتاب السنة المفترى 257
الحشوية والعقيدة الطحاوية 261
من فضائح كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب 268
الوهابية والصليب 278
أحرامٌ على بلابله الدَّوح..؟ 280
من ضلالات الحشوية 285
التناقض العقائدي 287
استحلالهم الكذب 290
الفصل الخامس: الفكر الوهابي الجانح 295
كذب الحشوية على الأئمة الأربعة 297
الحشوية وتشويه الفكر الإسلامي 304
كره ابن تيمية لآل البيت 311
أهل السنة أهل ضلال عند الوهابية! 318
دوران الأرض يفسد العقيدة الوهابية 323
الهزال الفكري عند الوهابية 327
كيف يتعامل الحشوية مع العلماء 331
بين مفتييَن 335
الفصل السادس: الفقه الحشوي 341
هلال الوهابية 343
البدعة 355
من بدع الوهابية 361
ابن باز ودوران الأرض 363
حرمان الجنة لمقتني الدش 368
الحركة في الصلاة 372
أسعار النساء 374
الوهابية وإظهار العورات 375
الوهابية يحلون أكل الميتة 377
التحايل على الزنا 381
كيف تكون وهابياً؟ 396
الفصل السابع: أهل السنة يجابهون الحشوية 401
قراءة في كتاب شقيق محمد بن عبدالوهاب 403
من أقوال علماء المذاهب الأربعة في الحشوية 410
علماء السنَّة يردّون على ابن تيمية 419
البخاري الهندي يحذِّر من أدعياء السلفية 429
أسود البنغال تجابه الحشوية 431
كنتُ وهّابياً 435
رسالة إلى مدير الجامعة 441
النصيحة الذهبية 444
الفصل الثامن: الولاء الوهابي لمن؟! 449
شهادة من الداخل 451
الوهابية والحركات الإسلامية 454
دور الوهابية في ترسيخ الوجود الصهيوني في فلسطين 458
فتاوى في خدمة اليهود 472
تحريم الدعاء على اليهود والنصارى! 475
القيادة النصرانية الوهابية المشتركة 479
الوهابية صنيعة اليهود والنصارى 485
قتل المسلمين ومناصرة المستعمرين 490
فتاوى في خدمة الاستعمار 493
الفصل التاسع: الختـــــــام 497
بعض الآثار الوخيمة للبدعة السلفية 499
أسئلة تبحث عن جواب 504
مقابلة! 512
تحسبهم جميعا.. 513
سقوط الوهابية 520
كلمـة الختـام 523
شهادة ربانية 528
ملحق شعري: الوهابية على ألسن الأدباء 531
فرقة بالغرور والطيش ساروا 532
هم الألى سلبوا الأجيال لقمتها 533
الله أكبر هدَّ الجهل وانكسرا 534
أهم المصادر والمراجع 537

الإهداء
إلى كل مخلص وجهه لله، باحث عن الحقيقة، وأخص أولئك الأبرياء الذين عاشوا في غياهب التَّعمية الوهابية للحقيقة، أو الذين انخدعوا بالأبواق الوهابية الزامرة ليل نهار على سبل الضلال، نُهدي هذا الكتاب عسى الله أن يهديهم به إلى سواء السبيل، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
مقدمة الطبعة الثانية
لماذا تقطيع الأوصال؟

الحمد لله الفتاح العليم، ذي القوة والسلطان، الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، البشير النذير، والسراج المنير، محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد

فبعد إقبال الناس الشديد على اقتناء هذا الكتاب ونسخه قبل ظهور طبعته الأولى، قد يتساءل بعض الطيبين عن الدافع للكتابة في هذا الموضوع، ولهم كل الحق في ذلك؛ لأن صيحات التقريب بين المذاهب الإسلامية لها صداها – والحمد لله – في أرجاء الأمة، وقد خطا المسلمون خطوات محمودة في هذا المجال، فأعدوا مراكز متخصصة لهذا الغرض، وخرجت الكتب الجادة في هذا السبيل ككتاب الدكتور مصطفى الشكعة واسع الانتشار (إسلام بلا مذاهب) ونداءات المصلحين كالعلامة حسن الترابي الذي ينادي “إنني مسلم لست سنياً ولا شيعياً”، وهذا العلامة أحمد الخليلي لا ينادي إلى التقريب فحسب بل ينادي إلى وحدة شاملة تجمع المسلمين، ويرى أن ذلك ممكن؛ خصوصاً إذا علمنا أن الخلافات بين المسلمين ما هي إلا خلافات في الفروع لا في الأصول.
نعم يحق لكل طيب القلب أن يستغرب الكتابة في ما من شأنه أن يقطِّع الأوصال، وقد تعايش المسلمون قروناً عديدة حياة ملؤها الأمن والتعاطف والسلام، فهؤلاء الشيعة يحكمون مصر ويشيدون الأزهر الشريف، ولم يكرهوا أهل مصر على التحول عن مذاهبهم فيكونوا شيعة، ولقد انتقل الأزهر من أياديهم إلى أيادي السنة انتقالا سلمياً من غير إراقة دماء ولا إزهاق أرواح، والإباضية أقاموا في بلاد المغرب دولة واسعة الأرجاء عُرفت بالدولة الرستمية ملأت الأرض عدلاً وقسطا؛ عاش في ظلها السني والشيعي والإباضي من غير تفريق ولا تمزيق، الكل إخوة متوادون يجاهدون تحت راية واحدة .

ولقد ضرب الإمام نور الدين السالمي المثل الأعلى في التسامح ومعرفة أقدار الأئمة فقد كان يخرج إلى (جعلان بني بو علي) من أرض عمان ليعلِّم أهلها أمور دينهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لأنهم حنابلة مع أنه إباضي المذهب، ولم يقل إن الأمر أمري وليس لهم إلا السيف أو مذهبي؛ مع أنه السيد المطاع الذي أذل الإمبراطورية البريطانية في الجزيرة العربية . وهاهم الزيدية والشافعية يعيشون على أرض اليمن السعيد من غير تفرقة ولا اقتتال يتقاسمون اللقمة والكرسي، فأين الخلل وما الداعي لتأليف هذا الكتاب؟
إن الخلل في فِرقة واحدة نبتت حديثاً رأت أن لا حياة لها إلا بتفرقة المسلمين؛ فأخذت تكفِّر هذا وتطعن في ذاك، حتى حكمت على غالب الأمة بالشرك الأكبر والضلال المبين، ولم يبق مسلم واحد على ظهر الأرض يخالفهم إلا وأخرجوه من حظيرة الإسلام. إن هذه الفرقة هي الفرقة الوهابية التي لا تؤمن إلا بالسيف البتار والدرهم والدينار:
• فحكمت على المذاهب الأربعة بأنهم ليسوا بأهل سُنَّة مطلقاً، وأنه لا يجوز تسميتهم بذلك ما داموا على عقيدة الأشاعرة الزائغة على حد زعمهم، وسموهم بالصوفية والمعطِّلة. ورأوا أن التسمية بأهل السنّة غير لائقة أصلاً بل الواجب أن يتحول الناس إلى فريقهم ويتسمَّوا بالسلفية .
• وحكمت على الشيعة من زيدية وجعفرية بالكفر والضلال.
• وحكمت على الإباضية بالضلال ولم يجيزوا الصلاة خلفهم .
• وحكمت بضلال الإخوان المسلمين .
• وحكمت على جماعة الدعوة والتبليغ بالضلال، ومنعتها من الحركة في أرض الحرمين.
• كما استحوذت على منابر المسلمين في بلاد الغرب وفرقت شمل الموحدين، فتراهم في كل بلد هم أبرز أسباب الشقاء والفرقة.
• ولقد تناول الوهابية أعراض علماء الأمة ممن رفعوا لواءها وهم عند ربـهم ، فتهجموا عليهم كما فعلوا مع الإمام ابن جرير الطبري والحافظ الترمذي والإمام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين ونور الدين السالمي وسيد قطب والإمام الخميني والشعراوي وغيرهم.
• وها هي ذي مكتباتهم ودور نشرهم تنضح بالسم الناقع تكفيراً للمسلمين ونهشاً في جسد الأمة.
• ولقد كذبوا على أئمة الإسلام وحرفوا كتبهم وأقوالهم ليصلوا إلى أهدافهم الخبيثة .
• وقبل ذلك كله ضجّت أرجاء الجزيرة وما حولها من رعونتهم ووحشيتهم في تقتيل المسلمين للاستيلاء على أرضهم وأموالهم وانتهاك أعراضهم.
• وليتهم كانوا على شيء فنتبعهم، ولكن عقيدتهم التجسيم وفكرهم الضحالة؛ حتى أنهم أفتوا باستحلال دم من يقول بدوران الأرض وماله!

ولكأنهم في الحقيقة لا يسعون إلا لهدم الإسلام؛ ولا غرابة في مسعاهم، فأهل نجد بقيادة مسيلمة كانوا أول مرتد عن الإسلام بعد انتقال الرسول الكريم  إلى الرفيق الأعلى، وما عادوا إلى الإسلام إلا تحت وطأة سيف خالد وصحابة الرسول الكريم رضوان الله تعالى عليهم. ولكن أيجهل أحد فينا كيف عادوا؟‍ لقد عادوا بعد أن قتلوا زيد بن الخطاب وإخوته حفظة القرآن من أصحاب رسول الله  رضوان الله تعالى عليهم، فأحدثوا في جدار الإسلام ثلمة كبيرة..

ولأمر أراده الله خرج من ضئضيء هؤلاء المرتدين قومٌ ما زالت جراحات (حديقة الموت ) تنكأ في قلوبهم قيحا، فما برحوا يخططون لهدم صرح الإسلام الشامخ؛ ولكن أنى لهم ذلك؟! لقد عادوا لأسلوبهم القديم مع تحديث بسيط إذ حملوا السيف على المسلمين مرّة أخرى واستحلوا دماءهم ، ولكنهم هذه المرة لم يجاهروا بنبوة زعيمهم وإنما لبسوا مسوح الإسلام ليكيدوا له من الداخل ويشوِّهوا صورته السمحة في أفهام الناس، ويحصروا العقيدة في محاربة ما يسمونه بعبادة القبور، وليكفروا المسلمين في كل أرض.

لهذا كله ولأسباب أُخَر تجدها مفصلة وموثقة في ثنايا هذا الكتاب رأيت أن من حق المسلمين عليَّ أن أدافع عنهم بالمساهمة في استئصال هذا الورم الخبيث من جسد هذه الأمة، مستعيناً في ذلك بعلماء كافة الطوائف الإسلامية من مؤلفاتهم ومحاضراتهم ، وبالنقل عن الوهابية أنفسهم من كتبهم ومحاضراتهم، وبنقل موثَّق عن نصارى رضي بهم الوهابية مستشارين وقادة بشكل لا يستطيعون نفيه مطلقاً ، وأعلم أنه لن يأتيني من قِبلهم إلا الريح الخبيث، ولكنني أحتسب أجري على الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
المؤلــف

مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على المصطفى أما بعد:

فلا تزال الحركات المارقة عن الدين، تتوالى في الخروج على الملة الحنيفية السمحة من لدن ذي الخويصرة إلى مسيلمة الكذاب إلى نجدة بن عامر الحنفي وقومه أهل اليمامة إلى أن طلع علينا في هذا العصر قرن الشيطان في بلاد نجد حيث الزلازل والفتن فخرجت الوهابية، التي عاثت في الأرض فسادا ولا تزال، معتبرة أهل ملة التوحيد أهل شرك فاستباحت دماءهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.

ورغبة منا في فضح هذه الحركة الخارجة على الإسلام، الناقمة على أهله، الخادمة لليهود والنصارى، فإننا ننشر هذا المؤلف، وأصله مجموعة مقالات نشر أغلبها على الشبكة العالمية للمعلومات (إنترنت) على موقع يسمى الساحة الإسلامية لفارس؛ خلال مواجهتنا لأفراخ هذه النحلة الخاسرة؛ بعد أن اعتدوا على المسلمين تكفيراً، ودعوا إلى استئصالهم، ونحن سندع الأمر للقارئ المنصف نفسه ليحدد من الذي يجب استئصاله.

ونحن إذ نشكر الله على تكميم أفواههم وإلجامهم خلال حوارنا الساخن معهم، حتى اضطروا إلى إغلاق موقعهم عن بلادنا، وخروج فتية من مذاهب إسلامية مختلفة يعينوننا في الرد عليهم وكشف عوارهم بعد أن بانت لهم حقائق ما كان لها أن تخفى على ذي بصيرة، فإننا نرى لزاماً علينا اليوم تحذير الأمة من شرهم، وبذل الجهد في ذلك ما استطعنا إلى الخير سبيلا .

والحق أقول إنني حاولت إنهاء الكتابة في هذا الموضوع سريعا لكثرة أشغالي، ولكنَّ الحقائق كانت تتفجر من كل حدب وصوب متسابقة لتأخذ مكانها على صفحات هذا الكتاب، مما كان يشغلني في بعض الأحيان حتى لا يلفتني إلا أذان الفجر يقرع أذنيَّ.

وها أنذا عقدت العزم على التوقف ولو إلى حين، للمسارعة في نشر هذا الكتاب، وأعد بالمواصلة في جمع الحقائق الناصعة عن هذه الفِرقة الداعية إلى الفُرقة ما وجدت إلى ذلك سانحة، وسيظهر ذلك تباعاً إن شاء الله، وأول الغيث قطرُه.

ولا يفوتني ههنا أن أنبِّه على أنَّ نقدنا هذا لا يعني أيَّ مسلم في بلاد الحرمين الشريفين متمسكٍ بأهداب دينه، يأخذ الحق من أي مصدر وجده من غير تعصب، وإنما يعني تماماً أدعياء السلفية الذين يقدِّسون الفكر الوهابي المنحرف، ويرون ما سواه باطلا في أي بقعة كانوا.
المؤلــف

تـمـهـيـد

من هم الخوارج؟!

وردت أحاديث كثيرة تُنذر خروج فرقة تمرق من الدين، تستحل دماء الموحدين، وتترك أهل الأوثان، حاول البعض صرفها في صحابة الرسول الكريم من أهل النهروان، تعصباً للإمام علي، فحاولت استقراء تلك الأحاديث فرأيتها لا تنطبق عليهم مطلقاً، لأسباب كثيرة أهمها أن من بين من خرج على الإمام علي في أهل النهروان صحابةً مرضيين ، كما خرج من قبل أهل الجمل بقيادة أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير، وأهل صفين بقيادة معاوية وعمرو بن العاص، فكيف تنطبق الأحاديث على فريق من أصحاب رسول الله  ولا تنطبق على باقي الفرق؟!
ولكنني في الوقت ذاته، رأيت أن الذين يروجون بشدة لهذا الطرح الباطل – رغم عدم تناسب نبش عظام أصحاب رسول الله  ودعوة التوحيد – فرقة حديثة تسمى الوهابية، وأهم هذه الأحاديث التالي:

• يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رواه البخاري

• عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ  قَالَ يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ويقرأون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ قَالَ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ رواه البخاري ، وزاد عند مسلم (يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ)

• بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ  بذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلابٍ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ قَالُوا يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا قَالَ إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ “مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلا تَأْمَنُونِي”فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَمَنَعَهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ “إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمٌ يقرأون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ “. وفي رواية أخرى “قتل ثمود”. رواه البخاري وغيره.

• عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ “أَلا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ”. رواه مالك والبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم. وفي رواية عند أحمد (يخرجون من المشرق).

• “يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الأَعْمَالَ يقرأون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ” قَالَ يَزِيدُ لا أَعْلَمُ إِلا قَالَ “يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قَطَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ” فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ  عِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَأَنَا أَسْمَعُ. رواه أحمد.

هذه أهم الأحاديث التي وردت في المارقين بعضها صحيح، وبعضها الآخر لا يصح، واصطُلح على تسمية كل فرقة تنطبق عليها شروط المروق في أي زمان أو مكان – بغض النظر عن منهجية التطبيق -بالخوارج .
وإذا كنا نتفق تماماً مع باقي أطراف الأمة على منهجية تطبيق هذه الأحاديث فيمن سبق له استحلال دماء الموحدين ورميهم بالشرك الأكبر كالأزارقة والصفرية والنجدات؛ فإننا نشعر بالأسف لحمل كثير من العلماء – من دون كبير تمحيص – هذه الأحاديث في طائفة من الصحابة ومن معهم من التابعين ممن خالف الإمام عليّاً كرَّم الله وجهه في مسألة التحكيم من أهل النهروان؛ علماً أنه لا يوجد ما يوظف هذه الأحاديث في أهل النهروان إلا زيادة في حديث المروق من الدين تذكر أن آيتهم رجل أسود مخدج اليد، وأن هذا الرجل قد قتل في النهروان، وأن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه أمر بقطع يده فأمسك بها ووقف يخطب !
إلا أن في صرف حديث المخدج في أهل النهروان إشكالات عدَّة أهمها:

أ. أن زيادة ذي الثدية عن أبي سعيد الخدري تفرد بها الزهري عن أبي سلمة، وأصحاب أبي سلمة لم يذكروا هذه الزيادة، وهم محمد بن إبراهيم التيمي، والأسود بن العلاء ومحمد بن عمرو، بل لفظ أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية: أسمعت النبي  ؟ فقال: لا أدري ما الحرورية، سمعت النبي  يقول: (يخرج من هذه الأمة …الخ) بدون ذكر زيادة ذي الثدية، وهي رواية صحيحة.

ب. بل وكل أصحاب أبي سعيد الخدري الآخرين الذين صحَّت رواياتهم وهم: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وعبدالرحمن بن أبي نعم، وأبو الصديق الناجي، ويزيد الفقير، ومعبد بن سيرين، وأبو نضرة لم يذكروا هذه الزيادة.

ج. والإمام علي الذي جاءت هذه الزيادة من طريقه أيضاً صحَّ الحديث عنه بدونها.

د. وقد صح حديث المروق بدون زيادة ذي الثدية عن عدد من الصحابة وهم بالإضافة إلى أبي سعيد وعلي: أنس بن مالك، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود، وأبو بكرة، وأبو ذر ورافع بن عمر الغفاريان، وسهل بن حنيف، وأبو أمامة الباهلي، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعامر بن واثلة.

هـ. أما طريق جابر بن عبدالله فهي غير صحيحة الإسناد لأن مسلم بن مكي مدلِّس عنعن الرواية.

ومما يزيدك يقينا أن صرف أحاديث الخوارج في أهل النهروان غير صحيح خروج الإمام علي لقتال معاوية كرّة أخرى لولا اعتراض الأشعث ومن معه لثنيه لقتال أهل النهروان أولاً، فنظرة الإمام علي إلى أهل النهروان كانت أفضل من نظرته إلى أهل الشام، ولقوله (لا تقاتلوا الخوارج بعدي) وترك قتالهم لا يجوز لو كان هؤلاء خوارج من الدين؛ لأن قتالهم واجب أبد الدهر.

والحق أن قتال الإمام علي لأهل النهروان لم يكن بسبب مروق من الدين بل لأنهم بغاة – في نظره – مثلهم في ذلك مثل أهل الشام كما صرّح بذلك في رواية للبيهقي عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال، قال رجل: من يتعرف البغلة يوم قتل المشركون؟ يعني أهل النهروان، فقال علي بن أبي طالب: من الشرك فروا؟ قال: فالمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قال: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا فنصرنا عليهم.

فإذا تبيَّن لنا أن هؤلاء ليسوا هم المعنيين بالأحاديث فمن هم إذاً الخوارج المعنيون يا ترى؟ لنعلم ذلك لا بد لنا أن نلقي نظرة تحليلية على الأحاديث الواردة في الخوارج بصورة شمولية لا انتقائية، لنستخلص منها أهم صفاتهم.

نظرة تحليلية للأحاديث:
أهم صفات الخوارج استناداً إلى الأحاديث الشريفة الواردة فيهم كالتالي:

1. يأتون في آخر الزمان، ولا يمكن بحال اليوم وبعد مضي ما يربو على الألف والثلاثمائة سنة القول بأن أهل النهروان خرجوا في آخر الزمان. بينما ظهرت في هذا الزمان الأخير فرقة ترمي المسلمين بالشرك؛ وتستحل بذلك دماءهم وأموالهم، وتعتدي على تراثهم بالتشويه وعلى علمائهم بالتبديع والزيغ، وتدعي أنها على الحق المطلق، ألا وهي الفرقة الوهابية، والتي تُظهر اهتماماً غير طبيعي لصرف أحاديث الخوارج في أهل النهروان!

2. يخرجون على حين فُرقةٍ من الناس، لا ينكر أن الصحابة في وقعة الجمل والنهروان قد خرجوا في زمن الفرقة بين علي ومعاوية، ولكن هل من فرقة بين المسلمين خصوصاً والناس عموماً – كما نصَّ الحديث – أعظم من تلك الفرقة التي خرج فيها الوهابية، فوقعت بين البشر الحروب العالمية وتفرق المسلمون حتى ضاعت أرضهم – كل أرضهم – فتقاسمتها اليهود والنصارى؟!، والمثير للاستغراب أننا نرى الوهابية يقفون أمام كلِّ دعوة توحيدية بين المسلمين بالمرصاد ليجهضوها، حتى تبقى الأمة على فُرقتها، وما تهجمهم على الإمام حسن البنا – على سبيل المثال – إلا بسبب دعوته للتقريب بين المذاهب الإسلامية وذلك باعترافهم أنفسهم .

3. يخرجون من جهة المشرق، وما المشرق إلا نجد لصريح الحديث فيها: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رسول الله  : (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) وقد أشار النبي الكريم بيده نحو جهة المشرق مؤكداً على نجد، وقد خرج الوهابية منها؛ بل ودَعوا الناس للهجرة إليهم، وإن نفوا ذلك اليوم .

4. يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، أما أهل النهروان فثبت أن سبب خروجهم لم يكن إلا المحافظة على تطبيق النص القرآني بعد ثبوته بعدم تحكيم الرجال في الحدود الثابتة؛ فكما لا يجوز الاجتهاد في ماهية حد السرقة فلا يجوز كذلك الاجتهاد في ماهية حد البغي فهو ثابت بالنص القرآني، فكما ترى أن القرآن كان يجاوز حناجر أهل النهروان إلى التطبيق العملي، ولكن مَن أشهر إعلامياً اليوم من الوهابية الذين يتباكون في حرم الله الآمن وهم أكلة لحوم المسلمين وأموالهم، كما سيأتي ذلك في تأريخهم وفتاويهم؟.

5. يسيئون الأعمال، أما أهل النهروان فقد قتل أغلبهم على مصاحفهم، وحفظ لنا التاريخ عن الباقين أمثلة رائعة في إحسان العمل وأعلاها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصاً مع أهل الجور، فقد سئل عليه الصلاة والسلام: (أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) بل وقتل بعضهم على ذلك ، بينما نرى الوهابية اليوم يكفِّرون المسلمين ويسارعون إلى إخراجهم من الملة، وليست فتوى ابن باز بجواز قتل المسلم واستحلال ماله إذا آمن أن الأرض تدور بآخر ما في جعبتهم. ويكفيك أسلوبهم غير المهذب في الدعوة، وامتلاء مكتباتهم بالكتب التي تطفح عناوينها بالانتقاص من علماء المسلمين الأعلام في كلِّ أرض.

6. يقتلون المسلمين ويتركون عبدة الأوثان، أما أهل النهروان فقد ثبت قتالهم لأهل الأوثان ويكفيك منهم قائد قوات عمر بن الخطاب الصحابي حرقوص بن زهير السعدي فاتح الأهواز، ولقد اعتزلوا فتنة القتال بين المسلمين ما لم تكن دفاعاً عن الخليفة المبايع، أما الوهابية فتأريخهم مليء بسفك دماء المسلمين واستحلال أموالهم ونسائهم بشكل تشيب لهوله الولدان باعترافهم أنفسهم، وهم لم يسجل لهم التاريخ مواجهة واحدة مع أعداء الإسلام.

7. سيماهم التحالق أو التحليق كما في رواية أحمد، وقد نفى ابن حجر عن الذين خرجوا من جيش الإمام علي هذه الصفة صفة التحليق ، بينما أثبت العلماء المعاصرون لنشأة الوهابية؛ كمفتي الشافعية بمكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان أن الشيخ محمد ابن عبدالوهاب كان يأمر من يدخل في طاعته بحلق شعره لينشأ بشعر جديد لم يشرك فيه، واتفق مرة أن امرأة أقامت عليه الحجة فقالت له: (حيث إنك تأمر المرأة بحلق رأسها ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته لأن شعر المرأة زينتها وشعر لحية الرجل زينته فلم يجد لها جوابا) ! وكان مفتي زبيد السيد عبدالرحمن الأهدل يقول (لا حاجة إلى التأليف في الرد على الوهابية بل يكفي في الرد عليهم قوله  (سيماهم التحليق) فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم).

وبهذا يتبين أن المعنى المقصود هو الخروج الديني كما هو الحال عند الوهابية؛ لا الخروج السياسي كما هو بالنسبة لأهل النهروان وأهل الجمل، ولتتبين أخي المسلم أن الوهابية هم أنسب من تنطبق عليهم الأوصاف التي جاءت في أحاديث النبي  فإنني ألفت هذا الكتاب أعالج فيه كل صفة من صفات الخوارج في فصول متعددة، ومن زوايا مختلفة، وأدلل عليها بصفحات موثقة كثيرة من تاريخ الوهابية وجغرافيتهم وفقههم وأعمالهم، وما توفيقي إلا بالله.

الفصل الأول: التعريف بالوهابية

 تعريف الوهابية
 خرافة الالتزام بفهم السلف
 ابن تيمية الحراني
 ابن القيم الشفيق بإبليس
 محمد بن عبدالوهاب
 الألباني محدث السلفية
 الشيخ عبدالله فيلبي

تدَّعي الفرقة الحشوية الكمال، وهي بحق أكمل ما تكون ضلالاً، وستجد ههنا صفات الخوارج التالية تنطبق عليهم أيما انطباق:
(يأتون في آخر الزمان)
(يخرجون على حين فُرقةٍ من الناس)
(سيماهم التحليق )
فإليك تعريف الفرقة وأربابها

تعريف الوهابية

الوهابية فِرقة نشأت في منطقة نجد على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، تصحيحية المظهر تنادي بمحاربة الشرك وعبادة الأوثان وتقديس القبور، وهو مطلب سامٍ بلا شك، خصوصاً إذا سلَّمنا بروايات الوهابية القائلة بأن بلاد نجد قد عادت إلى عبادة الأصنام ونبذ الشرائع وقطع السبيل . ولا ريب أن البلاد النجدية هي مهد الحركات الخارجة على الإسلام من مرتدين وخوارج ، وهي بحاجة لمن يأخذها بالشدَّة أكثر من اللين لقسوة طباع أهلها وغلظ قلوبهم.

لقد خرجت الدعوة الوهابية بدعوى التصحيح والقضاء على الشرك، ففرح بها كل مخلص، ولكن ما إن تحركت حتى ظهر من أمرها العجب! حيث استحلت دماء الموحدين؛ بل ودماء الأطفال من أهل نجد ، ثم ما هي إلا برهة من الدهر حتى اشتدَّ عودها فهاجمت كل أرض إسلامية استطاعت إليها سبيلا ، فنكَّلت بالمسلمين وأذاقتهم مرَّ العذاب مستحلة دماءهم وأموالهم، قاطعةً للسبل ، وصادةً للحجيج ، وهي سوابق لم تذكر المصادر التأريخية لها شبيهاً في أرض الإسلام إلا ما بدر من المرتدين ثم بعض أفعال الأزارقة والصفرية التي لا تقارن مطلقاً بما بدر من هؤلاء، مما حدا بعلماء الإسلام لدراسة هذه الحركة من قرب للتحذير منها، والقضاء عليها، وكان في مقدمة المحذرين بعض علماء نجد والحرمين الشريفين ، وأفعالهم هذه ومهاجمتهم للحرمين الشريفين هو ما حدا كذلك بالدولة العثمانية متمثلة في أشراف الحجاز ومحمد علي باشا في مصر لمحاربتهم والقضاء على دولتهم الأولى.

لقد تبيَّن من الاستقراء المتأني للحركة الوهابية امتيازها بأنها حركة أنشأها أنصاف متعلمين. أقامها الجهلة كما سيأتي، خرجت في آخر الزمان على حين ضعفٍ وفُرقةٍ بين المسلمين، تركت قتال أهل الأوثان ، وقاتلت أهل الإسلام، واعتبرتهم مشركين ، مالم يكونوا وهابية ويهاجروا إلى دار هجرتهم نجد ، وذلك في بداية دعوتهم كما أثبت ذلك الشيخ سليمان بن عبدالوهاب النجدي في معرض رده على أخيه محمد في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية)، نجد تلك التي قال عنها الرسول الكريم: (هناك الزلازلُ والفِتَنُ ومنها يخرج قرنُ الشيطان) وأبى أن يدعو لها بخير كما دعا لغيرها

والحق إن الوهابية لم ينقموا على المسلمين أموراً جوهرية، بل جادلوا في مسائل فرعية، وكفَّروا المسلمين على أساسها، ويدَّعون اتباع السلف لتقليدهم ابن تيمية وأذياله؛ ولتعلقهم بظاهر القرآن والسنَّة مع المحاربة لإعمال العقل في فهم النص أو التأويل، إلا أنَّ أفكارهم سرعان ما انكشف تهافتها ووهنها لكثير من العقلاء، وعلماؤهم لا يستطيعون الوقوف أمام حجج المسلمين وبراهينهم، فهم إن تحدَّثوا فكثيراً ما تسمع عيَّهم وضعفهم في لغة القرآن الكريم، يهربون من كلِّ مناظرة علمية تهدف إلى تبيين الحق لأنهم يعلمون أن لا قِبَل لهم بذلك.

الشهادة بجهل الوهابية:
إن الجهل والسطحية لدى علماء الوهابية، قد شهد بها الكثير ممن احتكوا بهذه الفرقة، فقد روى الشيخ إبراهيم المنصوري أن ابن عبدالوهاب (كان يمنع أتباعه من مطالعة كتب الفقه والتفسير والحديث ، وقد أحرق كثيراً منها وأذن لكل من اتبعه أن يفسر القرآن الشريف بحسب فهمه… فكل واحد منهم يفعل ذلك حتى ولو كان لا يحفظ من القرآن شيئاً)

وذكر الشيخ محمد سليم الكيلاني أن أحد المفتين الوهابيين ويدعى عبدالله ابن خلف حضر إلى دمشق، وطلب منه أن يعطيه كتابا في علم النحو، وشيئا من فن الصرف، فأمره أن يحضر مع صغار الطلبة الذين يدرسون كتاب (قطر الندى) وكتاب (النبأ في الصرف)، وكذلك فعل القاضي الشيخ عبدالله مرعي، ويعلق الشيخ الكيلاني على مستواهم هذا بقوله (فإذا كان هذا مبلغ علم قاضيهم ومفتيهم فما بالك في بقية علمائهم)، ويضيف (إني اجتمعت بكثير من علمائهم فوجدتهم من الجهل بمكان، ومن العلم بمعزل).

ولا تعجب أخي القاريء، فقدوتهم محمد بن عبدالوهاب كان جاهلا مغرورا، وقد ذكر جهله أخوه سليمان بن عبدالوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ونسب إليه القصور العلمي وذلك في قوله: (ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي من خالفه. وإذا طلبت منه أن تعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه ومن خالفه فهو عنده كافر. هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال الاجتهاد، ولا والله ولا عُشر واحدة، ومع ذلك راج كلامه على كثير من الجهال) .
ونحن ندعو من يشك في أمر جهل الوهابيين ليس فقط إلى تأمل أفكارهم، وما تنم عنه من معارف جزئية سطحية، كقولهم بعدم دوران الأرض، بل إلى مطالعة أساليبهم الكتابية الركيكة الواضحة في كتبهم ورسائلهم وفتاويهم، وأن يسمع كبار علمائهم عندما يتحدثون.

على أنه لم يستطع حتى من دافع عن الوهابيين إلا أن يعترف بجهلهم، فهم يقولون إن الجهل كان سائداً في مناطق نجد بشكل عام. فقد جاء في شرح محمد حامد الفقي لأسباب نجاح الوهابية في حين فشل ابن تيمية وابن القيم الجوزية، قوله (على نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم سلك شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، ولكنه كان قد هُيِّئ له من الظروف مالم يتهيأ للشيخين. فبلاد نجد البدوية (حيث انطلقت دعوة ابن عبدالوهاب) غير مصر والشام (حيث نشط ابن تيمية ثم تلميذه ابن القيم) التي كانت تعج بالملوك والأمراء والجيوش والقواد والمدارس والحضارات وتكايا المتصوفة المختلفة، والقضاة والعلماء والمدرسين في جميع المذاهب) فهذا اعتراف منهم بجهلهم، وبجهل من انطلت عليهم أفكارهم الفاسدة، فأكثر أتباع الوهابية اليوم هم من الذين أغلقت أمام أعينهم وسائل معرفة الحقيقة، فلا تدخل كتب المسلمين إلى ديارهم إلا إذا لمستها يد التحريف لتتناسب ومنظور التضليل الوهابي.
ونحن نرى أن من الأسباب التي سرَّعت في انتشار شرر الوهابية أيضاً اعتمادهم في القديم على التجنيد الإجباري لأقوام كانوا قطَّاع طرق أصبحوا جنود التوحيد –على حد تعبيرهم- أولئك الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يعرفون حرمات ولا يهتدون سبيلاً، يقول ابن بشر عن هذا التجنيد خلال حديثه عن سيرة سعود بن عبدالعزيز تلميذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب : (وأرسل إلى جميع البوادي حواويش رجال يحوشونهم من أقطار الجزيرة للغزو معه) فيخرج بهم زعيم الوهابية من بعد لغزو المسلمين ولا ينسى أن يعظهم: (بالصبر في مواطن اللقاء وأن النصر لا ينال إلا بالصبر، وما وعد الله الصابرين وتوعد الفارين المدبرين ويتلو عليهم قوله تعالى{ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}) !! إنهم الخوارج الذين يصرفون آيات قتال الكفار في المسلمين! أما سبب انتشار شررهم حديثاً فاعتمادهم على شراء الذمم بالذهب الأسود، وبذل الأموال الطائلة لترويج بضاعتهم البائرة عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ، واستغلالهم المقيت لأقدس مسجدين في الأرض لخداع البسطاء بالتباكي بالقرآن الذي لا يجاوز حناجرهم، وحكمهم الناس في بلاد الحرمين بالحديد والنار .
تسميتهم بالحشوية والظاهرية والمشبِّهة والمجسِّمة:
الحشوية هم طوائف تدعي الانتماء لمذهب الإمام أحمد مرَّت على مدار التاريخ الإسلامي؛ منهم (الكرامية) و (البربهارية) و(السالمية) وآخر العقد هم (الوهابية) التي خرجت منها فرقة أخرى اليوم تسمى (الجامية)، وهم أصناف المجسمة عموماً.

وسبب تسمية الذين يُدخلون في العقيدة ما ليس منها بالحشوية: أن طائفة من أسلافهم حضروا مجلس الحسن البصري بالبصرة، وتكلموا بالسقط عنده فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة – فتسامع الناس بذلك وسموهم (الحشَوية) بفتح الشين ويصح إسكانها – وناسبهم لقولهم بالتجسيم، لأن الجسم محشو، فالحشوية هم الذين حادوا عن التنـزيه، وتقولوا على الله بأفهامهم المعوجَّة .
يقول الشيخ محمد زاهد الكوثري (وكان أهل الحق يلقبونهم بألقاب تكشفهم لمن لا يعرفهم: بالمشبهة لتشبيههم الحق تبارك وتعالى بخلقه في وصفه بـما هو من خواص الخلق. وبالمجسمة لقولهم في الله تعالى بالاتصاف بما هو من لوازم الجسم لزوماً بينا.. وبالحشوية نسبة إلى الحشو بسكون الشين، وهو اللغو الذي لا اعتبار له، فضلا عن أن يكون منسوباً إلى الله وإلى رسوله، أو مذهباً يدان لله تعالى به…) .

والحشوية يرفضون النظر إلى غير ظاهر النص فهم ظاهرية لا ينظرون إلا إلى القشور، ولا يمانعون تسميتهم بذلك، بل العجب أن ابن تيمية لا يمانع من تسميته وأصحابه حتى بالمشبهة إذ يقول: (اسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين) اهـ.
بل ولا يمانع ابن تيمية أن يكون من المجسمة أيضاً إذ يقول: (ولم يذم أحد من السلف أحداً بأنه مجسِّم، ولا ذمَّ المجسِّمة) !!

وسيأتيك في هذا الكتاب بإذن الله ما يشرح صدرك بـما يثبت استحقاق الوهابية لهذه التسميات بل ولما هو أعظم، أما تسميتهم أنفسهم بالسلفية فلنا معها الوقفة التالية:

خرافة الالتزام بفهم السلف

يدَّعي الحشوية بأنه يجب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف، وهم بذلك يعتبرون فهم السلف من الأدلة الشرعية الواجب اتباعها وهذا يتضمن مغالطتين:
أن السلف غير متفقين في فهم المسائل فليس لهم مذهب موّحد معروف حتى يصح أن يقال مذهب السلف أو فهم السلف أو يجب فهم الأمور بفهم السلف وسترى بعد قليل إن شاء الله تعالى أمثلة اختلاف السلف في مسائل عقائدية وغير عقائدية في فصل خاص وبالله التوفيق .
وهؤلاء الذين يدعون الناس إلى فهم السلف نراهم ينافرون فهم الأئمة الأربعة للمسائل الشرعية ويَحثُّون إما على تقليدهم في فهمهم للأمور أو على فهم أناس بعد القرون الثلاثة المسماة بقرون السلف!!

والمغالطة الثانية: أنه ليس في الكتاب والسنة دليل يفيد أنه يجب تعطيل العقول التي وهبنا الله سبحانه وتعالى إياها وفهم الكتاب والسنة بفهم غيرنا ما دام أن المرء وصل إلى درجة الفهم والاجتهاد!!
بل نقول لهؤلاء: إن النصوص الشرعية تخاطبنا مباشرة لنفهم أوامر الله تعالى ونواهيه دون تحريف أو ليٍّ لها، فقول الله تعالى في آيات كثيرة مثلاً {يا أيها الذين آمنوا} عام يشمل السلف والخلف والمتقدم والمتأخر إلى قيام الساعة.

بل يقطع الشغب في هذه المسألة قوله تعالى {ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } هو صريح بأن علم أولي الاستنباط أو فهمهم وهم المجتهدون في كل عصر ومصر معتَبَر، ولم يُخَصَّ ذلك بالسلف، حيث لم يقل بأن أهل الاستنباط من السلف هم الذين يعلمون الأحكام ويفهمونها دون غيرهم من الخلَف، وفي هذا دليل واضح على هدم الاستدلال بفهم السلف وجعله أحد الأدلة الشرعية، بل الصواب أن يقال: إن فهم المجتهدين سواء كانوا من الخلف أو السلف معتبر شرعاً بالنسبة للعامي الذي لم يتأهل لفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، وإجماع هؤلاء المجتهدين في أي عصر من العصور سواء في زمن السلف أو الخلف هو معتبر شرعاً وهو من الأدلة الشرعية، وما سوى ذلك هذيان!!

ثم إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولم يقل ردوه إلى فهم السلف لهما!!

ويؤيد هذا ما جاء في صحيح البخاري (1/204) وغيره عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي (كرم الله وجهه) هل عندكم كتاب؟ قال: ((لا إلا كتاب الله أو فهم أٌُعطيهِ رجل مسلم…)).
قلت: ولم يقيد ذلك بالسلف فلم يقل إلا فهم السلف للكتاب والسنة!! بل قال ((فهم أعطيه رجل مسلم)) وهذا يعم المسلمين في كل عصر ومصر ولا يختص بالسلف!! فمن تأهل للفهم كان له ذلك وليس لأحد أن يلزمه بفهم السلف!! ونعتقد أن القائلين بوجوب اتباع فهم السلف متخابطون متناقضون في هذه المسألة !!
وجاء في الحديث الصحيح ((مثَلُ أُمتي مثَلُ المطر، لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخِرُه))
وقال الحافظ ابن الجوزي في ((دفع شبه التشبيه)) ص (111): ((وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فأفتى فيها فقيل له: هذا لا يقول به ابن المبارك، فقال: ابن المبارك لم ينـزل من السماء))!!
قلت (أي الشيخ السقاف): أي أن فهم السلف ليس بحجة يلزمنا العمل بها فانظره.اهـ النقل.

نعم، إن الإيمان بوجوب السير على ما فهمه الأولون من غير تفكر ولا تدبر ولا نقد ما هو إلا تعطيل صريح للعقل وإن نفى الوهابية ذلك! فخلاصة الفكرة تقول: إنّا قد كُفينا مؤونة التفكير والتدبر، فالسلف قد فكَّروا وقرروا، وما علينا إلا اتباعهم، فهم لن يكونوا إلا على الصواب! مع العلم بأن فكرة التسليم للسابقين فكرة حاربها القرآن وسخِر من معتنقيها بقوله حكاية عنهم: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} فهؤلاء مثلهم، حيث رفضوا التفكير فعطَّلوا عقولهم عن فهم النص، وسلَّموا لعقول السابقين ولنُقول اختلط فيها الحق بالضلال!
أخي القاريء الكريم: أما وقد عرفت شيئاً عن الحركة الوهابية وتسمياتها وادعائها السير على منهج السلف وبيان فساد ذلك، فلا بدَّ من معرفة شيء عن مؤسس هذه الحركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب..

محمد بن عبدالوهاب

ولد الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التميمي الذي ينسب إليه مذهب الوهابية بقرية العيينة من بلاد نجد سنة 1115هـ وتوفي سنة 1206هـ ؛ فيكون بهذا عمره قد جاوز التسعين سنة. نشأ الشيخ في بيئة يصفها ابن بشر بأنها قد فشا فيها الشرك وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذرة لها والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم ، وقد تعلم الشيخ على يدي والده القاضي المبادئ الأساسية والفقه على مذهب الإمام أحمد، وتردد على مكة والمدينة فجالس الشيخ محمد ابن سليمان الكردي، والشيخ محمد حياة السندي وغيرهما، ثم ارتحل إلى البصرة وعاد منها مطروداً كما يقول ابن بشر .

لم يتمكن الشيخ من مواصلة تعليمه على أحد من العلماء نتيجة لتفرسهم الإلحاد فيه لشدَّة مآخذه على أئمة المسلمين وعامتهم وجرأته على الفتيا، وهذا أمر ظاهر في أقوال الشيخ وأفعاله حتى بعد مشيبه فهو يقول في إحدى رسائله بكل وضوح: (ومعلوم أن أهل أرضنا وأرض الحجاز الذي ينكر البعث فيهم أكثر ممن يقر به) فهو يجزم بشرك أهل نجد والحجاز -ومنها الحرمين الشريفين- بكل وضوح، ولا عجب ممن يعتقد مثل هذا في المسلمين أن يستحل دماءهم، وهذه الجرأة هي التي قادت أساتذته من علماء الحرمين أن يقول فيه: (سيضل الله تعالى هذا، ويضل به من أشقاه من عباده) فكان الأمر كذلك، وكان الشيخ الكردي أول من ألَّف في الرد عليه كما سيأتي، ومما أثار أباه عليه ولعه بمطالعة أخبار مسيلمة وسجاح وطلحة الأسدي وأضرابهم فطرده وأخذ يحذر الناس منه، ولما استفحل أمره بعد عودته من البصرة ووفاة أبيه الذي نهاه عن إظهار عقائده في حياته نتيجة لتطرفه تولى أخوه الشيخ سليمان أمر الردِّ عليه فألف كتابين يفنِّد فيهما مزاعمه كما سيأتي.
والحق إنه كان للبيئة النجدية الغارقة في الجهل التي نشأ وعاش فيها الشيخ، والمستوى التعليمي الذي كان لا يرقى به إلى مصاف العلماء نتيجة عدم مواصلة تعليمه ، ولشخصيته الثورية التي لا تؤمن بالمسلَّمات الأثر الأكبر في تحديد مسيرته ومنهجه الناقم على كلِّ شيء في ديار المسلمين لا يتطابق مع ما آمن به من ثوابت. ولقد كان الشيخ محقاً في بعض مبادئه ولكن أغلبها الأعم كان فيه على الباطل، وفي مقدمة تلك المبادئ سرعة رميه للمسلمين – داخل نجد وخارجها – بالشرك الأكبر لأتفه الأسباب حتى استحل بذلك دماءهم وأموالهم؛ فلم يكن بين فكره وفكر الخوارج ثمَّة فرق كبير.

العودة من البصرة:
عاد الشيخ من البصرة كما يقول ابن بشر مطروداً من أهلها!! وكان في نيته الذهاب إلى بلاد الشام لولا أنه كاد أن يهلك عطشا !! فاتجه إلى بلد (حريملاء) فوقع بينه وبين أهلها نزاع بسبب آرائه فنهاه أبوه عن ذلك فسكن إلى أن مات أبوه بعد سنتين أي عام 1153هـ، فتجرأ على إظهار عقائده التي ترمي أهل الإسلام بالشرك، وتبعه حثالة من الناس إلى أن غص أهل البلد من مقالاته فهموا بقتله فانتقل من حريملة إلى العيينة البلدة التي ولد فيها.

التحالف الأول:
بعد طرده من حريملاء تحالف الشيخ مع أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر، وقال له (إن نصرتني ملكت نجداً) فزوَّجه الأمير من ابنة عمه الجوهرة بنت عبدالله بن معمر؛ فقال الشيخ للأمير (إني آمل أن يهبك الله نجداً وعربانها) !! ولك أن تتأمل في هذا الكلام وتُحَلِّل شخصية قائلها على ضوئها، فقيمة المسلمين في نظر شيخ الإسلام الذي جاء ليحرر البشرية في جزيرة العرب من نير الشرك وأغلال الضلال لا تتجاوز أن يكونوا عبيداً يوهبون وأرضهم للسادة الأمراء؛ ولكن الأمير لم يلبث أن طلب منه الخروج من أرضه بعد أن وقع تحت ضغوط من الأمراء المجاورين وإصرار قائد الإحساء والقطيف سليمان بن محمد بن غرير الحميدي وأهل حريملاء والبصرة على قتله لإثارته القلاقل والفتن.

هذا ولا يبعد أن يكون ابن معمّر قد اكتشف الوجه الحقيقي لابن عبدالوهاب فطرده مما دعى الشيخ للمبادرة بقتله ساعة أن تمكّن في الدرعية.

التحالف مع ابن سعود:
التجأ الشيخ بعد طرده من العيينة سنة 1158هـ إلى أمير الدرعية محمد بن سعود فتبايعا على أن تكون لابن سعود السلطة السياسية ولابن عبدالوهاب السلطة الدينية، بالشروط الثلاثة التالية:
(أولاً: ألا يتعرض الشيخ لما يأخذه ابن سعود من الأموال من أهل الدرعية وغيرهم ممن يخضع لسلطانه. وقد اختلفت الروايات في قبول الشيخ لهذا الشرط إلا أن الثابت من رواية ابن بشر – وهو ثقة – أنه قبل هذا الشرط، وبرّر ابن بشر ذلك بأنه كان (رجاء أن يخلف الله من الغنيمة (!!) مايغني عن تلك المكوس والضرائب غير الشرعية).
ثانياً: أن تكون الإمارة – أي الملك والسلطان – في محمد بن سعود وأولاده، أى أن تكون الإمارة وراثية، وأن يكتفي الشيخ وأبناؤه وتلامذته وغيرهم من العلماء، بالمشيخة والفتيا، أي بالشؤون الدينية .
ثالثاً: أن يلتزم الشيخ بالبقاء تحت راية بيت آل سعود فلا يخرج داعيا إلى غيرهم، ولا يرتحل عنهم) .
وما كان من الشيخ بعد ذلك إلا أن وعد حليفه الجديد بالفتوحات والغنائم !

بداية الإغارة على المسلمين:
لقد كان الشيخ محمد شخصياً هو الذي يجهز الجيوش ، وقد سارت أول سرية للإغارة على المسلمين في بلاد الجزيرة بمباركة الشيخ حيث يقول مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي: (ثم أمر الشيخ -أي محمد بن عبدالوهاب- بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا، فأول جيش غزا سبع ركايب، فلما ركبوها وأعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها، فأغاروا أظنه على بعض الأعراب فغنموا ورجعوا سالمين) ونحن نتساءل عن الموجب للإغارة على هؤلاء الأعراب؟! وما هو المسوغ لأخذ مالهم غنيمة؟!
وجوب الهجرة إليه:
ألزم ابن عبدالوهاب من دخل في مذهبه أن يهاجر إليه في نجد، وهي بدعة لم يسبقه إلى انتحالها سوى نافع بن الأزرق، وكان أول من بيَّن فساد رأيه في ذلك أخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) وشرح له حديث (لا هجرة بعد الفتح) والحث على الإقامة في المدينة وفساد الرأي بالهجرة منها ، وقد اعترف بهذه الهجرة ابن بشر حيث يقول: (ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنوها كانوا في أضيق عيش وأشد حاجة وابتلوا ابتلاء شديداً فكانوا في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة) !!! ويقول: (وكان الشيخ -رحمه الله- لما هاجر إليه المهاجرون، يتحمل الدَّين الكثير في ذمته لمؤونتهم وما يحتاجون إليه) .

تقواه وورعه:
نسرد هنا أمثلة بسيطة من أفعاله وأقواله التي يستحق مرتكبها النار والعياذ بالله، تحقيقاً لحكم الله سبحانه في قاتل المؤمن متعمداً بغير حق، والمحارب لأنبياء الله، وإلا فإن تاريخ قدوة الوهابية هذا زاخر بدماء المسلمين والتطاول على نبيهم:

1. قال الشيخ أحمد زيني دحلان: (وكان محمد بن عبدالوهاب ينهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتأذى من سماعها وينهى عن الإتيان بها ليلة الجمعة وعن الجهر بها على المنائر، ويؤذي من يفعل ذلك ويعاقبه أشد العقاب، حتى إنه قتل رجلاً أعمى كان مؤذناً صالحاً ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنارة بعد الأذان فلم ينته وأتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بقتله فقُتِل، ثم قال: إن الربابة في بيت الخاطئة: يعني الزانية أقل إثماً ممن ينادي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنائر، ويُلبِس على أصحابه بأن ذلك كله محافظة على التوحيد. فما أفظع قوله وما أشنع فعله) اهـ.

2. هجم محمد بن عبدالوهاب على بلدته الأصلية العيينة فجعلها قاعاً صفصفاً؛ حيث اغتال حاكمها عثمان بن حمد بن معمر في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة وسماه مشركا، وهو كما قالت عاتكة:
شَلَّت يمينك إنْ قتلتَ لمسلماً حَلَّتْ عليك عقوبةُ المتعمِّد
ثمَّ قتل رجالها كلهم وهدم بيوتها وأحرق أشجارها وقطع نخيلها واستولى على النساء والحيوانات وتركها خرابا، وحرَّم بناءها أو سكناها منذ مئتي سنة وزعم كذباً وفجوراً أن الله أرسل للعيينة الجراد فأكلها عن آخرها!

3. وكان يتطاول في مجالسه على المقام النبوي (فيقول: نظرت في صلح الحديبية فوجدت بها كذا وكذا، إلى غير ذلك مما يشبه هذا حتى إن أتباعه كانوا يفعلون مثل ذلك أيضاً ويقولون مثل قوله بل أقبح مما يقول ويخبرونه بذلك فيُظْهِر الرضا وربما أنهم قالوا ذلك بحضرته فيرضى به..) ، فهل من غرابة بعد هذا أن ينقل الناس عنه أنه كان يدّعي النبوة وإن لم يجاهر بها ؟!

أمانته:
يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) : (وكان الشيخ -رحمه الله- لما هاجر إليه المهاجرون ، يتحمل الدَّين الكثير في ذمته لمؤونتهم وما يحتاجون إليه، وفي حوائج الناس وجوائز الوفود إليه من أهل البلدان والبوادي، ذكر لي أنه حين فتح الرياض وفي ذمته أربعون ألف محمدية فقضاها من غنائمها) مع أن أهل الرياض كانوا حنابلة لكنهم استباحوا أموالهم، فترى أنه قضى أربعين ألف محمدية من أموال أهل الرياض، كيف استباح الشيخ ذلك من هؤلاء الناس؟! أليسوا أهل عقيدة؟! ألا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله؟! أما في كلمة “لا إله إلا الله” عاصم لهؤلاء؟! تم قال: (وكان لا يمسك على درهم ولا دينار، وما أوتي إليه من الأخماس) ولنقف عند كلمة الأخماس، فإنه لا يخمَّس إلا ما يغنم من مال المشرك أما مال المسلم فلا يخمس بأي حال من الأحوال.
يقول: (وما أوتى إليه من الأخماس والزكاة يفرقه في أوانه، وكان يعطى العطاء الجزيل بحيث إنه يهب خمس الغنيمة العظيمة للاثنين أو الثلاثة، فكانت الأخماس والزكاة وما يجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها تدفع إليه بيده، ويضعها حيث يشاء) . أليس هذا وبكل وضوح هو أسلوب عصابات اللصوص قطَّاع الطرق الذين يتقاسمون المسروقات بعد كلِّ غارة؟!
بل وكان من عادة ابن عبدالوهاب وأتباعه أسر النساء والأطفال، وقد انتشرت سرقة الأطفال في أرض الجزيرة العربية وبيعهم في أسواق نجد بعد ظهور الوهابية.

من أفعال الشيخ:
كان يمنع أصحابه من مطالعة كتب التفسير والفقه والحديث ويحرقها، وينكر علم النحو واللغة ويقول إن ذلك بدعة! .
وكان يأذن لأتباعه أن يفسّروا القرآن بحسب أفهامهم بلا التفات إلى القواعد الصرفية والبيانية والمنطقية، ويقول لعماله: اجتهدوا بحسب فهمكم ونظركم واحكموا بما ترونه مناسباً لهذا الدين ولا تلتفتوا لهذه الكتب التي فيها الحق والباطل .
وإذا أراد أحد أن يدخل دينه يقول له بعد الإتيان بالشهادتين: (اشهد على نفسك أنك كنت كافرا، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على فلان وفلان – ويسمِّي له جماعة من أكابر العلماء الماضين – أنهم كانوا كفارا) فإن شهدوا قَبِلَهم وإلا أمر بقتلهم. وكان يصرِّح بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة.
وكان يكفِّر كل من لا يتَّبعه وإن كان من أتقى المتَّقين فيسمِّيهم مشركين، ويستحل دماءهم وأموالهم.
ويشهد بالإيمان لمن اتبعه وإن كان من أفسق الفاسقين.
ومن البدع التي أخرجها هو وقومه ترك العمائم، مع أنها من السنة، وهي تيجان العرب، فترى أتباعه اليوم شغلهم الأكبر في صلاتهم إصلاح الشماغ الأحمر الدموي المعبِّر عن اللهفة لإراقة الدماء! التي تنسدل على جباههم وجنوبهم.

عقيدته:
من استقراء مؤلفات الشيخ وسيرته وأصحابه يتبيَّن أن أهم ما يميز العقيدة التي دعا إليها الشيخ الأمور الخمسة التالية:
1. تجسيم الله سبحانه وتعالى وتشبيه بخلقه وفرية أنه متحيِّز في جهة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
2. دعوى محاربة عبادة القبور وتحريم التوسل بالنبي  وزيارته.
3. تكفير المسلمين ورميهم بالشرك.
4. استحلال دماء المخالفين وأموالهم.
5. وجوب الهجرة إليه في مبتدأ أمره .
موقفه من الرسول :
(كان ينتقص النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً بعبارات مختلفة ويزعم أن قصده المحافظة على التوحيد؛ فمنها أن يقول: إنه ((طارش))، وهو في لغة المشرق بمعنى الشخص المرسل من قوم إلى آخرين، فمراده أنه صلى الله عليه وآله وسلم حامل كتب: أي غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسله الأمير أو غيره في أمر لأناس ليبلغهم إيَّاه ثم ينصرف..حتى إن بعض أتباعه كان يقول: عصايَ هذه خير من محمد لأنها يُنتفع بها في قتل الحية ونحوها ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً وإنما هو طارش وقد مضى) هذا وما يزال أتباع الشيخ ينهون الناس عن قول (سيدنا) عند ذكر الرسول !! وهذا من العجب العجاب، كيف لا ورسول الله  قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)

نظرة أصحابه إليه:
ينظر الوهابية إلى إمامهم نظرة تقديس فعندما يذكره ابن بشر مثلاً يقول (قدَّس الله روحه ) ولا يقيسونه إلا بالرسول العظيم فيعتقدون أن ما حدث للرسول  حدث له وهم يقارنون بين محاولة اغتيال محمد بن عبدالوهاب وحادثة سراقة مع الرسول!! وهجرة ابن عبدالوهاب من حريملا وهجرة الرسول من مكة !! فكانت حروبه التي تستبيح دماء المسلمين وأموالهم (جهاداً ) وغاراته (غزوات) وانتصاراته (فتوحات) ورعاياه (مسلمين) والخروج على طاعته (رِدَّة)! وكان الشيخ محمد يسمي جماعته من أهل بلده الأنصار ويسمّي من اتبعه من الخارجين المهاجرين، وإذا تبعه أحد وكان قد حجّ حجة الإسلام يقول له: حجَّ ثانيا فإنّ حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك فلا تقبل، ولا تُسقط عنك الفرض ! بل إن ابن عبدالوهاب بعد أن تحالف مع ابن سعود بدأ يكاتب شيوخ القبائل وأمراء المناطق ليدخلوا في الدين الجديد كما فعل الرسول  عندما أرسل الرسل إلى الملوك والحكام للدخول في الإسلام، يقول ابن بشر: (ثم إن الشيخ كاتب أهل البلدان بذلك ورؤساءهم وقضاتهم ومدعي العلم منهم فمنهم من قبل واتبع الحق، ومنهم من اتخذه سخريا واستهزؤا به ونسبوه إلى الجهل وعدم المعرفة..) ثمَّ مثَّله بالرسول  وأنه قد أصيب بذلك أيضا.

علمه:
حينما تسمع بدعوى التجديد التي ينسبها أتباعه إليه تحسب أن هذا الشيخ قد ترك الكثير من النفائس الفكرية، وأنه قد ملأ المكتبة الإسلامية علماً ونورا، خصوصاً أن عمره قد طال حتى شارف القرن من الزمان، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك تماماً فلا يوجد للشيخ متن واحد في العلم يصلح أن يدرس، ولم يترك كتاباً معتبراً، وإنما ترك نتفاً هي في أضخم أحوالها كتيبات ، وهي مع ذلك مليئة بالجهل والتخليط والانتصار بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وللدلالة على ذلك فقد اخترنا أشهرها لديهم وهو (كتاب التوحيد) وهو كتيِّب صغير، عرضنا بعض ما فيه من جهل وتخبيط يريك ما عليه شيخ النجدية من ضلالة وقلَّة اطلاع.

من أقوال العلماء فيه :
أقوال العلماء في هذا الزائغ لا يتسع لها مقالنا ولكن نورد التالي:
• قال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد؟ فقال خمسة، فقال أنت جعلتها ستة، السادس: من لم يتبعك فليس بمسلم .
• وقال عنه الأمير الصنعاني صاحب سبل السلام:
وقد جاء من تأليفه برسائـل *** يكفِّر أهل الأرض فيها على عمد
ولفق في تكفيرهم كل حجة *** تراها كبيت العنكبوت لدى النقد
وصدق والله
• وقال عنه مفتي الحنابلة في مكة المكرمة الشيخ محمد بن عبدالله النجدي الحنبلي (ت1295هـ) في كتابه (السحب الوابلة علىضرائح الحنابلة) في ترجمة والد محمد بن عبدالوهاب ما نصه: (وهو والد محمد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الآفاق، لكن بينهما تبايناً مع أن محمداً لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عمّن عاصر الشيخ عبدالوهاب أنه كان غضبان على ولده محمد لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر، فكان يقول للناس: يا ما ترون من محمد الشر، فقدر الله أن صار ما صار.. ثم قال عن تمجيده لابن تيمية وابن القيم:..يرى كلامهما نصا