المنحة الوهبية في رد الوهابية

المنحة الوهبية في ر  د الو  هابية
جمع الفقير الى ربه العلى القدير داوود بن السيد سليمان
البغدادي النقشبندي الخالدي عفى الله عنه و عن اسلافه آمين
و يليها
كتاب اشد الجهاد في ابطال دعوى الاجتهاد
ايضا للعلامة المتقدم اعنى شيخ الاسلام الشيخ داوود عليه رحمة الودود
توفي سنة ١٢٩٩ ه. [ ١٨٨١ م.] في بغداد
قد اعتنى بطبعه طبعة جديدة بالأوفست
وقف الإخلاص
يطلب من مكتبة الحقيقة بشارع دار الشفقة بفاتح ٥٧ استانبول-تركيا
هجري قمري هجري شمسي ميلادي
٢٠٠٠ ١٣٧٩ ١٤٢١
من اراد ان يطبع هذه الرسالة وحدها او يترجمها الى لغة اخرى فله من الله الاجر الجزيل و منا
الشكر الجميل و كذلك جميع كتبنا كل مسلم مأذون بطبعها بشرط جودة الورق و التصحيح
- ٢ -
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (خيركم من تعّلم القرآن و عّلمه) و
قال ايضا (خذوا العلم من افواه الرجال).
و من لم تتي  سر له صحبة الصالحين وجب له ان يذ ّ كر كتبا من تأليفات عالم
صالح و صاحب إخلاص مثل الإمام الرباني ادد للألف الثاني الحنفي و السيد عبد
الحكيم الارواسي الشافعي و احمد التيجاني المالكي و يتعلم الدين من هذه الكتب و
يسعى نشر كتب أهل السنة بين الناس و من لم يكن صاحب العلم أو العمل أو
الإخلاص و يدعي أنه من العلماء الحق و هو من الكاذبين من علماء السوء. و اعلم ا ّ ن
( علماء أهل السنة هم المحافظون الدين الإسلامي وأما علماء السوء هم جنود الشياطين.( ١

٣٦٧ و , ١) لاخير في تعّلم علم مالم يكن بقصد العمل به مع الإخلاص (الحديقة الندية ج: ١ ص: ٣٦٦ )
٥٩ من اّلد الأ  ول من المكتوبات للإمام الرباني ا  دد للألف الثاني ق  دس سره ,٤٠ , المكتوب ٣٦
تنبيه: إ ّ ن ك ّ لا من دعاة المسيحية يسعون الى نشر المسيحية و الصهاينة اليهود
يسعون الى نشر الادعاءات الباطلة لحاخاماا و كهنتها و دار النشر – الحقيقة – في
استانبول يسعى الى نشر الدين الاسلامي و إعلائه اما الماسونيون ففي سعي لإمحاء و
ازالة الاديان جميعا فاللبيب المنصف المتصف بالعلم و الادراك يعي و يفهم الحقيقة و
يسعى لتحقيق ما هو حق من بين هذه الحقائق و يكون سببا فى إنالة الناس كافة
السعادة الابدية و ما من خدمة اج ّ ل من هذه الخدمة اسديت الى البشرية.
Baskı: İhlâs Gazetecilik A.Ş: İstanbul Tel: 0.212.454 30 00
- ٣ -
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
أحمد الله اّلذي اذل البدعة و اهلها و اعز ال  سنة و من استأهلها فقيض لها في
كل زمان طايفة لا يضرها من خذلها مسلطة سيوف الادلة على من حرف الشريعة او
بدلها و اصلى و اسلم على سيدنا مح  مد صاحب ال  سنة السنية الدافع بصولته جيشان
الاباطيل الخارجية و على آله الذين من نفاهم او انتقصهم غرق و ما نجى و على
اصحابه الذين كل منهم باسنة هممهم للمارقين دجى اما بعد فيقول الفقير الى مولاه
داود بن السيد سليمان البغدادي قد ظهر في زماننا اناس يخالفون اهل ال  سنة و المذاهب
فيضللون الامة المح  مدية و يستبيحون دمائهم و اموالهم في شبهات خاب من هو اليها
ذاهب فاستعنت الله على ردهم ذه الورقات القليلة لعل الله يهديهم فتكون نعم
الوسيلة.
اعلم ايها المؤمن ان المنكر للتو  سل و التشفع من الانبياء و الأولياء من عباد
الله ال  صالحين و الاستغاثة م على طريق التسبب مما يقدره الله تعالى على ايديهم بنوع
كرامة من الله تعالى او بدعاء منهم لله في دار برازخهم في حصول خير من الله للطالب
منهم تشفعا او دفع شر انما اتاه الانكار من اعتقاده ان الميت إذا مات صار ترابا لا
يسمع و لا يرى و ليس له حياة برزخية في قبره فهو يستغرب حينئذٍ الطلب منه على
طريق الوسيلة و التسبب به كما يتسبب بالأحياء اهل ال  دنيا و لو كان معتقدا ان سائر
اهل القبور أحياء حياة برزخية يعلمون ا و يعقلون و يسمعون و يرون و يعرفون من
زارهم و من سلم عليهم و يردون ال  سلام و يتزاورون بينهم و يتنعمون او يعذبون و
ان النعيم و العذاب على الروح و الجسد و ان اعمال الأحياء تعرض عليهم فما رأوا
من خير حمدوا الله و استبشروا و دعوا لفاعله بالزيادة و الثبات و إن رأوا شرا دعوا
الله لهم و قالوا الّله  م راجع م الى الطاعة و اهدهم كما هديتنا و غير ذلك من احوال
اهل البرزخ لما وسعهم الانكار فإن دار البرزخ هي نقلة من دار الى دار و قد ثبت كل
- ٤ -
ما ذكرناه من هذه الاحوال بنص الكتاب و ال  سنة و اجماع الامة و ان من لم يعتقد
ذلك فقد ترك من واجب الإيمان شيئًا يجعله من المبتدعين الخارجين عن سنة سيد
المرسلين و ملتحق من بعض الوجوه بالكّفار المنكرين فإن البعث بالقيام للحشر من
اركان الإيمان اّلذي يكفر منكره و انكار حياة القبر للنعيم و العذاب انكار للبعث
الاصغر اّلذي هو انموذج البعث على ان هذا الجاهل المنكر لما اجمعت عليه الامة لو قلنا
بموجب قوله ان اهل القبور تكون اجسادهم ترابا لا يسمعون و لا يرون و لا يعرفون
و لا نعيم و لا عذاب للاجساد يقال له إذا ثبت ذلك للروح فما المانع من ان الروح
يثبت لها ما ذكرناه من الاحوال المتقدمة و ان التشفع و التو  سل و الطلب منها على
طريق التسبب كطلب الشفاعة و الدعاء و نحو ذلك و هي حية حياة دائمة لا تفنى
كما عليه جميع اهل الملل فهي ايضًا يمكن لها التسبب فيما يقدره الله تعالى على يدها و
لما كان هذا الحال اّلذي هو سبب الانكار صار حال اكثر الناس حتى ممن يدعي العلم
و هو من جنس الجهال العوام لانه في زماننا يسمي الرجل عالمًا و هو ما عرف
الأحاديث النبوية و تفسير الآيات القرآنية و لا اطلع على اقوال ال  صحابة و التابعين و
آثارهم بل قصارى أمره أن يكون قراء بعض مقدمات في العلوم فوقف عندها و اشتهر
عند الناس ان فلانًا عالم افندى فاكتفى بذلك فصار يقول العوام قال فلان العالم كذا و
كذا و هو من عقله و ذا ذهب العلم و اتخذ الناس رؤسًا جها ً لا فافتوا بغير علم
فضلوا و اضلوا كما في البخاري فوجب على من اطلع البيان فإن الناس ذه الاحوال
اقرب ما يكون الى حال الجاهلية لأنهم إذا أنكروا نعيم القبر و عذابه و أنه على الروح
و الجسد على ما هو واجب الاعتقاد قال صاحب نظم الشيبانية:
و ان عذاب القبر حق و أنه * على الروح و الجسم اّلذي فيه الحدا
اي و نعتقد ان عذاب القبر حق اي و نعيمه فهو من باب الاكتفاء كقوله
تعالى (  س  رابِي َ ل تقِي ُ ك  م الْح  ر * النحل: ٨١ ) اي و البرد فالنعيم و العذاب على الروح و
الجسم و إن لم نره نحن لانه من الإيمان بالغيب يحتمل أنه يجرهم هذا على انكار البعث
- ٥ -
الاكبر لأن الكل راجع الى قدرة الله و هذا بالنسبة الى العقل و اما بالنسبة الى النقل
فالآيات و الأحاديث و اقوال سلف الامة مطبقة على الاحوال التى ذكرناها سابقًا
لاهل البرزخ فإن كان الانسان يجهلها فها نحن نذكرها اولا مفص ً لا بابا بابا ثم نتبع
ذلك بالأحاديث ال  صحيحة الواردة في التوسل و التشفع و الطلب منهم للشفاعة على
طريق التسبب لا أنهم الفاعلون استقلالا فإن هذا يعتقده اكثر الناس من الو  هابية و
غيرهم في الأحياء لمشاهدم لافعالهم و حركام فلا يخطر ببال المتسبب م نسبة
فعلهم الى الله تعالى فيشركون الا نادرا جدا و اما الاموات من الانبياء و الأولياء
الأحياء عند رم فإن الناس يعلمون أنهم لا قدرة لهم الا بالله تعالى و ان الله تعالى
يسببهم بقدرة من عنده خارقة للعادة او يفعل تعالى لاجلهم او بجاههم و حرمتهم
فالناس و إن نسبوا لهم الفعل فليس مرادهم الحقيقة بل ااز و التسبب فاعلم ذلك و
تحققه لتعلم ان ما باء به المنكرون نزغة شيطانية خارجة عن الدلايل العقلية و النقلية و
بعض الناس يعتقد ما ذكرنا من احوال اهل البرزخ لكن يغفل عن تسببهم و اكرام الله
لهم بنوع الكرامة او يفعل لاجلهم فيستبعد حصول التسبب منهم و التوسل م او
يدعى ان الطلب منهم و سؤالهم الشفاعة لم يرد في ال  شرع و هؤلاء القسم اهون من
القسم الاول فهو ناش اما من عدم اطلاعهم على الوارد او من تعصبهم و عنادهم
لأنهم يتحيزون الى فئة او شخص قال بذلك فهم يثابرون على اثبات قولها او قوله و
لو بالباطل او عناد لمن يأتيهم بحق او تكبرا عليه و احتقارًا لشأنه و عند الله تتبين
الحقايق و تبدو ذرات النيات و الدقايق فعليك ايها الموفق بالانصاف و اترك العناد
للحق و الاعتساف لعلك تحظى بالمدد من الله تعالى و الاسعاف.
باب اثبات حياة الانبياء عليهم ال  صلاة و السلام في قبورهم و اا حياة حقيقية
قال الله تعالى (  و َ لا تح  سب  ن الَّذِي  ن قُتِلُوا فِي  سبِيلِ اللهِ َا  م  واتا ب ْ ل َاحيآءٌ عِن  د
 ربهِم يرزُقو َ ن * آل عمران: ١٦٩ ) قال العلماء فإذا اثبت هذا في الشهداء و هم من
- ٦ -
سائر الامة في كل زمان و لا ش  ك ان الانبياء اولى و اعلا على أنهم قالوا ما من ن  بي الا
و قد رزق الشهادة و هذا ظاهر و اما قول الحلبى( ١) في السيرة قد يقال أنه قد يكون
في المفضول ما لا يكون في الفاضل فلايلزم القياس فممنوع بأن ذلك ممكن فيمالم يرد
به نص يوافق هذا القياس و قد ورد من الأحاديث ال  صحيحة المتفق عليها ما يوافق
ذلك ففى البخاري او مسلم (مررت ليلة اسري بي على موسى و هو قائم في قبره
يصّلي) و روى البيهقي و غيره باسانيد صحيحة عنه صّلى الله عليه و سّلم أنه قال
(الانبياء أحياء في قبورهم يصّلون) و ورد (إ ّ ن الله حرم على الارض ان تأكل
اجساد الانبياء) و قد اطبق العلماء على ذلك و ورد في ال  صحيحين ان الله بعث لنبينا
جميع الانبياء ليلة الإسراء فصلى م اماما ركعتين و ال  صلاة ذات ركوع و سجود و
هى تستدعى جسدًا حيًا كما قالوه في صلاة موسى في قبره قال في المشكاة ناقلا عن
ال  صحيحين و قد رايتنى في جماعة من الانبياء فإذا موسى قائم يصّلي فإذا هو رجل
ضرب جعد يعني شعره غير سبط كأنه من رجل شنؤة و هم قوم من الزط سمر اللون
قال ال  شيخ عل  ي القاري في شرحه قلت قد سبق أنهم اي الانبياء أحياء عند رم و ان
الله حرم على الارض ان تأكل لحومهم ثم اجسادهم كارواحهم لطيفة غير كثيفة فلا
مانع لظهورهم في عالم الملك و الملكوت على وجه الكمال بقدرة ذى الجلال و مما
يؤيد تشكيل الانبياء و تصورهم على وجه الجمع بين اجسادهم و ارواحهم قوله في
الحديث فإذا موسى قايم يصّلي فإن حقيقة ال  صلاة و هي الاتيان بالأفعال المختلفة انما
يكون للاشباح لا للارواح لا سيما و كالتصريح في المعنى قوله فإذا موسى رجل
ضرب نوع وسط من الرجال او ضعيف اللحم على ما في النهاية جعد كأنه من رجال
شنؤة ثم قال ايضًا قلت و قد قدمنا ان الانبياء لا يموتون كساير الأحياء بل نقلوا من
دار الفناء الى دار البقاء و قد ورد به الأحاديث و الانباء انتهى قال الامام البيهقي في
كتاب الاعتقاد الانبياء بعد ما قبضوا ردت اليهم ارواحهم فغيبوا عنا و إن كنا لا
١) مؤلف السيرة علي بن ابراهيم برهان ال  دين ال  شافعي الحلبى توفي سنة ١٠٤٤ ه. [ ١٦٣٤ م.] )
- ٧ -
نراهم كالملايكة الا لمن اكرمه الله تعالى بنوع كرامة و كذلك ذكر الامام ال  سيوطي و
هو قول الامام النووي و السبكي و القرطبى عن شيخه و نقله عنه ابن القيم الحنبلي في
كتاب الروح و ابن حجر و الرملى و القاضي زكريا و اكمل ال  دين الحنفى و
الشرنبلالى و ابن أبي جمرة المالكي و تلميذه ابن الحاج في المدخل و ال  شيخ ابراهيم
اللقانى( ١) في شرح جوهرة التوحيد و غيرهم و قد صح عن سعيد بن المسيب أنه في
وقعة الحرة لما خلى المسجد النبوي و تعطل عن الاذان و الامامة صار يسمع الاذان و
الاقامة من الحجرة ال  شريفة النبوية و ذكره ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم
و ان كثيرا منهم سمع رد ال  سلام من قبره صّلى الله عليه و سّلم على المسلمين في كثير
من الاوقات بل ثبت هذا من سائر الموتى كما سيأتى و الحاصل ان حياة الانبياء ثابثة
بالاجماع و لا يرد على هذا ما ورد في الحديث ال  صحيح (ما من احد يسلم عل  ى ا ّ لا
ر  د الله عل  ي روحى حتى ارد عليه ال  سلام) فإنه بظاهره يقتضي ان روحه الشريفة
تفارق جسده ال  شريف و اا بال  سلام ترد و اجاب عنه العلماء باجوبة اوصلها
ال  سيوطي( ٢) الى سبعة عشر وجها احسنها أنه صّلى الله عليه و سّلم يكون مستغرقا
بمشاهدة حضرة القدس فيغنى عن احساسه ال  شريف فإذا سلم المسلم عليه ترد روحه
من ذلك الاستغراق الى الاحساس لاجل المرد المذكور و نحن نرى في ال  دنيا بعض من
هو مشغول البال بأمر من الامور ال  دنيوية او الاخروية ربما يتكلم احد معه و هو لا
يشعر بكلامه لاشتغال باله و استغراقه فكيف من هو مشغول بمشاهدة جمال ذى
الجلال و قد اختلف العلماء في رؤيته صّلى الله عليه و سّلم في المنام و اليقظة هل هو
لذاته او لمثاله بعد اتفاقهم على حياته في قبره فرجح الاكثر الاول للأحاديث الواردة
ال  صحيحة كما في البخاري (من رأنى في المنام فسيرانى في اليقظة) حتى قال النووي
ان رؤياه في المنام رؤية لحقيقة ذاته لقوله صّلى الله عليه و سّلم (من رأنى في المنام فقد
١) ابراهيم اللقانى المصرى المالكي توفي سنة ١٠٤١ ه. [ ١٦٣١ م.] )
٢) عبد الرحمن جلال ال  دين ال  سيوطي ال  شافعي توفي سنة ٩١١ ه. [ ١٥٠٥ م.] في مصر )
- ٨ -
رأنى حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي) و لو كانت الرؤية لمثاله لم يكن رأه حقًا قال
اللقانى في شرح جوهرة التوحيد اتفق الحفاظ على رؤيته صّلى الله عليه و سّلم يقظة و
مناما و اختلفوا هل المرئى ذاته او مثال يحكيها ذهب الى الاول جماعات و الى الثاني
الغزالي و القرافى و جماعة ثم رجح الاول و ممن قال بالاول اكثر من ثلاثين اماما من
اكابر العلماء المحدثين و قد ذكرت عبارام في رسالة في هذه المسئلة مخصوصة و
حررت لكل و احد منهم فيها نصوصه.
باب سماع الموتى و رؤيتهم
و هذا الباب معقود لغير الانبياء و الشهداء و الأولياء اما الاولان فاحياء
كما تقدم يرزقون فرحين مستبشرين و اما الأولياء فلان سماعهم و رؤيتهم على وجه
الكرامة و هي أمر خارق للعادة يجريه الله لعباده ال  صالحين و انما نذكر لك هذا الباب
ليتضح لك ان الانبياء و الأولياء و الشهداء اعلا و اسمى و لكن إذا كان سائر الناس و
لو كّفارا يثبت لهم ذلك تعلم ما باء به بعض الجهلة من نفي ال  سماع و الرؤية عن
الانبياء لاسيما نبينا صّلى الله عليه و سّلم و عن الشهداء و الأولياء روى البخاري ان
الميت إذا دفن و تولى عنه اصحابه أنه ليسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه و
في ال  صحيحين عنه صّلى الله عليه و سّلم من وجوه متعددة أنه امر بقتلى بدر بعد ايام
من موم فالقوا في قليب ثم بعد ايام جاء حتى وقف عليهم و ناداهم باسمائهم و اسماء
ابائهم يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان الى آخرهم هل وجدتم ما وعدكم ربكم
حقًا فاني و جدت ما وعدنى ربي حقًا فقال له عمر رضي الله عنه يا رسول الله ما
تخاطب من اقوام قد جيفوا فقال (و اّلذي بعثنى بالحق ما انتم بأسمع منهم) و في رواية
(لما اقول منهم و لكنهم لا يستطيعون جوابا) و في ال  صحيحين عنه صّلى الله عليه و
سّلم (إ ّ ن الميت ليعذب ببكاء اهله عليه) قال النووي( ١) في شرح صحيح مسلم معناه
١) يحيى النووي ال  شافعي توفي سنة ٦٧٦ ه. [ ١٢٧٧ م. [في الشام] )
- ٩ -
أنه يعذب بسماعه بكاء اهله و يرق لهم و الى هذا ذهب مح  مد بن جرير الطبرى( ١) قال
القاضي عياض و هو اولى الاقوال و احتجوا فيه ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم زجر
أمرًاة عن البكاء على ابنها و قال ان احدكم إذا بكى استعير له صويحيه فيا عباد الله لا
تعذبوا اخوانكم انتهى فهذا النقل يدل على ان الميت و لو من بعد يسمع بكاء اهله
عليه فيؤذيه ذلك و يعذبه و قد شرع الن  بي صّلى الله عليه و سّلم لامته إذا سّلموا على
اهل القبور ان يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم ال  سلام عليكم دار قوم
مؤمنين و هذا خطاب لمن يسمع و يعقل و لو لا ذلك لكان هذا الخطاب بمترلة
خطاب المعدوم و الجماد و السلف مجمعون على هذا و قد تواترت الآثار بأن الميت
يعرف بزيارة الح  ي له و يستبشر قال ابو بكر عبد الله بن أبي ال  دنيا في كتاب القبور.
باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء
حدثنا مح  مد بن عون حدثنا يحيى بن يمان عن عبد الله بن سمعان عن زيد بن
اسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من
رجل يزور قبر اخيه و يجلس عنده الا استأنس به ورد عليه حتى يقوم) حدثنا مح  مد
بن قدامة الجوهري حدثنا معن بن عيسى القزاز اخبرنا هشام بن سعد حدثنا زيد ابن
اسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه
( ال  سلام وعرفه و إذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه ال  سلام ذكر ذلك ابن القيم( ٢
في كتاب الروح ثم بعده ذكر آثارا كثيرة قال و هذا باب فيه آثار كثيرة عن ال  صحابة
و يكفى في هذا تسمية المسلم عليهم زايرًا و لو لا أنهم لا يشعرون به لما صح تسميته
زايرًا فإن المزور إذا لم يعلم زيارة من زاره لم يصح ان يقال زاره هذا هو المعقول من
الزيارة عند حميع الامم و كذلك ال  سلام عليكم فإن ال  سلام على من لا يشعر و لا
١) مح  مد بن جرير الطبرى ال  شافعي توفي سنة ٣١٠ ه. [ ٩٢٣ م.] في بغداد )
٢) مح  مد ابن القيم الجوزية الحنبلي توفي سنة ٧٥١ ه. [ ١٣٥٠ م.] في الشام )
- ١٠ -
يعلم بالمسلم محال فهذا ال  سلام و الخطاب و النداء لموجود يسمع و يخاطب و يعقل و
يرد و إن لم يسمع المسلم الرد و إذا صّلى الرجل قريبًا منهم شاهدوه و علموا صلاته
و غبطوه على ذلك قال يزيد بن هارون اخبرنا سليمان التيمى عن أبي عثمان النهدى
ان ابن ساسب خرج في جنازة في يوم و عليه ثياب خفاف فانتهى الى قبر قال فصليت
ركعتين ثم اتكأت فو الله ان قلبى ليقظان إذ سمعت صوتًا من القبر اليك عني لا تئوذينى
فانكم قوم يعملون و لا تعلمون و نحن قوم نعلم و لا نعمل و لأن يكون لي مثل
ركعتيك احب ا ّ لي من كذا و كذا فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر و بصلاته ثم
ذكر على هذه المسئلة آثارًا و اخبارا كثيرة ثم اعلم ان عائشة ام المؤمنين أنكرت سماع
اهل القليب الكّفار فظن بعض من لا علم عنده اا أنكرت سماع الموتى مطلقا حتى
المؤمنين بل جعله بعض الجهلة ساريًا حتى على الشهداء و سيد المرسلين صّلى الله عليه
و سّلم و ذلك غفلة منهم عن تحرير محل التراع و تشبث منهم بما ليس لهم فيه انتفاع
فإن انكارها خاص بالكّفار فقط ظنًا منها ان ال  سماع الثابت بنصه صّلى الله عليه و
( سّلم لأهل القليب هو ال  سماع المذكور في الآيتين (اِن  ك َ لا تسمِع اْل  م  وتى * النمل: ٨٠
(  ومآ َان  ت بِمسمِعٍ م  ن فِي الُْقبورِِ * فاطر: ٢٢ ) و ليس كذلك كما قاله اساطين
العلماء لأن ال  سماع المنفي في الآيتين هو سماع القبول و الاذعان للإيمان و قد شبه الله
الكّفار الأحياء الذين لهم أسماع و ابصار و عقول بالاموات لا من حيث انعدام
الادراكات و الحواس بل من حيث عدم قبولهم الهدى و الإيمان و ذلك ان الميت من
حين تصل روحه للغرغرة و يشاهد مترلته بشخوص بصره لمترلته الى الآخرة لا ينفعه
الإيمان لو آمن فيقول الله تعالى ان الناس الذين كتب الله عليهم الشقاوة الازلية لا
ينفعهم دعاؤك لهم الى الإيمان كما لا ينفع اهل القبور الإيمان لأن اهل القبور قد رأوا
عيانًا ما هو مطلوب منهم ان يؤمنوا بالغيب فإذا وصلوا الى الموت لا يقبل منهم الإيمان
فالسماع هنا هو القبول تقول فلان امرته بكذا فما سمع اي ما قبل و ان كان سامعا
بحاسة اذنه فكذلك الكّفار نزلت الآيتان فيهم و هم أحياء لهم ابصار و اسماع لكن
- ١١ -
لكونه تعالى ختم على قلوم بالشقاء اخبر تعالى انك يا مح  مد لا تسمعهم اي لا
يقبلون منك الإيمان كما ان اهل القبور لا يقبل منهم الإيمان فالسماع الثابت في
الأحاديث ال  صحيحة سماع الحاسة و ال  سماع المنفى في الآيتين سماع القبول و هذا
ظاهر لمن القى السمع و هو شهيد و الدليل على هذا ان الله تعالى بعد قوله (اِن  ك َ لا
تسمِع اْل  م  وتى) قال ان تسمع الا من يؤمن بآياتنا فاثبت للمؤمنين ال  سماع اّلذي هو
بمعنى القبول فمن جعل ال  سماع المنفى في الآية بمعنى سماع الحاسه قلنا له فقد اثبت الله
على قولك للمؤمنين و هو مطلوبنا فيكون ثبوت ال  سماع بنص القرآن فكيف تجحد
نص القرآن كما جحدت نص الحديث اّلذي ما بعد كتاب الله اصح منه و الدليل على
أن عائشة انما أنكرت سماع الكّفار فقط ما ثبت عنها في الحديث المتقدم ان رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم قال (ما من رجل يزور قبر اخيه و يجلس عنده الا استأنس به
و رد ال  سلام عليه حتى يقوم) فهذا اثبت له الرؤية المستلزمة للاستيناس و رد ال  سلام
عليه المستلزم لسماع ال  سلام و قوله حتى يقوم متعلق بإستأنس على ان عائشة رضي
الله عنها نفت ال  سماع عن الكفار و اثبتت لهم العلم فقالت ان رسول الله صّلى الله
عليه و سّلم قال إنهم الآن ليعلمون ان ما قلت حق و قال علماء الامة ان العلم يستلزم
ال  سماع و لا ينافيه كما حققه ابن تيمية( ١) و ابن القيم و ابن رجب( ٢) و ال  سيوطي و
غيرهم لأن الموت لو كان عدمًا محضًا كما يزعم الجهلة لا تنفي عن الميت جميع
الادراكات فإذا اثبتت عائشة العلم بالنص المروي عنها كما في البخاري تحقق اا
تثبت الادراكات لكن ظنت ان ال  سماع اّلذي اثبته ال  صحابة عن الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم سماع القبول و الهدى و هو لا ينفع اتفاقًا بل هو الحق الجامع بين اقوال ال  صحابة
( و قولها و الجامع بين قولها في روايتها حديث الزيارة فإن قلت فقد ذكر ابن الهمام( ٣
١) أحمد ابن تيمية الحرانى الحنبلي توفي سنة ٧٢٨ ه. [ ١٣٢٨ م.] في الشام )
٢) عبد الرحمن ابن رجب الحنبلي توفي ٧٩٥ ه. [ ١٣٩٣ م.] )
٣) ابن الهمام كمال ال  دين مح  مد الحنفى توفي سنة ٨٦١ ه. [ ١٤٥٦ م.] )
- ١٢ -
في شرح الهداية ان اكثر مشايخة الحنفية ذكروا في باب الإيمان ان الميت لا يسمع لو
حلف لا يكلمه فكلمه ميتًا لا يحنث فقال ملا ال  شيخ عل  ي القاري الحنفى( ١) في شرح
المشكاة في شرح حديث اهل القليب اقول هذا منهم مب  ني على ان مبنى الإيمان على
العرف فلا يلزم منه نفي حقيقة ال  سماع كما قالوا فيمن حلف لا يأكل اللحم و اكل
السمك مع أنه تعالى  سماه لحمًا طريًا اقول و هذا كذلك فإن من حلف لا يكلم زيدا و
كان ميتًا فكلمه لا يحنث لأن التكلم المراد منه المتعارف اّلذي يكون فيه محاورة بأخذ
الكلام و رده و لما كان الميت يسمع و لا يرد ردا متعارفًا بل ردا نؤمن به و لا نسمعه
غالبا لم يحصل حقيقة التكلم العرفي فلهذا قالوا لا يحنث لا لأن الميت لا يسمع و هذا
ظاهر قال ابن الهمام و اجابوا عن هذا الحديث يعني حديث خطاب الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم لاهل القليب و قسمه بالله ان الأحياء ليسوا بأسمع منهم تارة بأنه مردود
من عائشة قالت كيف يقول صّلى الله عليه و سّلم ذلك و الله يقول و ما انت بمسمع
من في القبور انك لا تسمع الموتى قال ال  شيخ عل  ي القاري و الحديث المتفق عليه لا
يصح ان يكون مردودًا لا سيما و لا منافاة بينه و بين القرآن فإن المراد من الموتى
الكّفار و النفى منصب على نفي النفع لا على مطلق السمع كقوله تعالى (ص  م بكْم
 ع  مي َف  ه  م َ لا ي  عقُِلو َ ن * البقرة: ١٧١ ) يعني مع كوم لهم اسماع و ابصار لكن لكوم
لا يسمعون الإيمان و الهدى و لا يرونه جعلهم الله كالصم و العمي او على نفي
الجواب المترتب على ال  سماع قال البيضاوي في قوله تعالى (لا تسمع الموتى) وهم
مثلهم لما سدوا مشاعرهم عن الحق ان الله يسمع من يشاء اي هدايته فيوفقهم لفهم
آياته و الاتعاظ بعظاته و ما انت بسمع من في القبور ترشيح لتمثيل المصرين على
الكفر بالاموات و مبالغة في اقناعهم (انتهى) فالآية من قبيل (اِن  ك َ لا ت  هدِي م  ن
َاحبب  ت  و َلكِ  ن اللهَ ي  هدِي م  ن ي  شآءُ * القصص: ٥٦ ) ثم قال ابن الهمام و تارة بأن
تلك خصوصية له صّلى الله عليه و سّلم قال ال  شيخ علي القاري و يرده ان الا
١) ملا عل  ي القاري توفي سنة ١٠١٦ ه. [ ١٦٠٧ م.] في م ّ كة المكرمة زادها الله شرفًا و كرما )
- ١٣ -
ختصاص لا يصح ا ّ لا بدليل و هو مفقود هنا بل السؤال و الجواب ينافيانه و قال ابن
الهمام و تارة بأنه من ضرب المثل قال ال  شيخ عل  ي القاري و يدفعه جوابه صّلى الله عليه
و سّلم ثم قال ابن الهمام و يشكل عليهم يعني مشايخه خبر مسلم (إ ّ ن الميت ليسمع
قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا) الّله  م ا ّ لا ان يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر
للسؤال جمعًا بينه و بين الآيتين فإما يفيدان تحقق عدم سماعهم فإنه تعالى شبه الكّفار
بالموتى لإفادة بعدم سماعهم و هو نوع عدم سماع الموتى انتهى قال ال  شيخ عل  ي القاري
و هو كما ترى فيه نوع نقض و وجهه أنه إذا حصل ال  سماع لاهل القبور في بعض
الاحوال ثبت في كلها إذ لا نص ينفي ذلك في بقية الاحوال ثم بثبوت البعض ينتقض
عموم الآيتين فتتناقض مع الأخبار ال  صحيحة على ان الحنفية قد اطبقوا على سنية
ال  سلام على اهل القبور في كل وقت قال العلامة ابن ملك( ١) في شرح المصابيح في
شرح حديث ال  سلام على اهل القبور ما نصه و مما يرد على هذا البعض القائلين بعدم
سماع الموتى ما ورد في الحديث اّلذي اخرجه أحمد( ٢) و أبو داود في سننه و الحاكم في
المستدرك و ابن أبي شيبة في المصنف و البيهقي في كتاب عذاب القبر و الطيالسى و
عبد ابن حميد في مسنديهما و هناد ابن السرى في الزهد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و
غيرهم من طرق صحيحة عن البراء بن عازب رضي الله عنه في فتنة القبر و السؤال و
في آخر الحديث في المؤمن (ينادي مناد من السماء صدق عبدي فافرشوا له من الجنة
و البسوه من الجنة و افتحوا له بابًا من الجنة فيأتيه من روحها و طيبها و يفسح له
في مد بصره و يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر
باّلذي يسرك فيقول له من انت فوجهك الوجه اّلذي يأتى بالخير فيقول انا عملك
ال  صالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى ارجع الى اهلي و مالي) و في
الكافر عكس هذا فهذا يدل على ان الميت يسمع و يبصر و يشم و يتكلم و يعقل و
١) ابن ملك عبد اللطيف الحنفى توفي سنة ٨٠١ ه. [ ١٣٩٩ م.] في ازمير )
٢) الامام أحمد ابن حنبل توفي سنة ٢٤١ ه. [ ٨٥٥ م.] في بغداد )
- ١٤ -
يفهم و يخاطب و يراجع الخطاب و كل هذه امور واقعة بعد السؤال و هي مما أجمع
عليها العلماء و هذا حديث متواتر كما ذكره الامام ال  سيوطي.
و هذا يدل على ان ال  سلام عليهم كهو على الأحياء و أنهم يسمعون انتهى
و قال في الفتاوى الهندية و لا بأس بزيارة القبور و هو قول أبي حنيفة و ظاهر قول
مح  مد يقتضي الجواز للنساء ايضًا و في التهذيب يستحب زيارة القبور و كيفية الزيارة
كزيارة ذلك الميت في حياته من القرب و البعد كذا في خزانة المفتين و إذا اراد زيارة
القبور يخلع نعليه ثم يقف مستقبلا لوجه الميت مستدبرًا للقبلة و يقول ال  سلام عليكم
يا اهل القبور يغفر الله لنا و لكم انتم لنا سلف و نحن بالاثر كذا في الغرايب و لا بأس
ان يقرأ على المقابر سورة الملك سواء اخفى او جهر و اما غيرها فإنه يقرأ في المقابر و
لم يفرق بين الجهر و الخفية كذا في الذخيرة في فضل قرائة القرآن عند القبور ان نوى
ان يؤنسه صوت القرآن فإنه يقرأ و ان لم يقصد ذلك فإن الله يسمعه قرائة القرآن
حيث كانت كذا في فتاوى قاضيخان( ١) إنتهى و في البزازية قطع الحشيش الرطب من
المقابر يكره لانه يسبح و يندفع به العذاب عن الميت و يستأنس به الميت انتهى و كذا
في امداد الفتاح للشرنبلالى( ٢) و سائر كتب الحنفية فاذا اثبت ان الميت يسمع تسبيح
نحو الحشيش اّلذي لا يدرك للاحياء بنص الأئمة الذين هم عمدة اهل الفتوى كيف
ينفي ال  سماع عن صوت المنادي له بل مراد ذلك البعض منهم كما قال ال  شيخ عل  ي
القاري اا مبنية على المتعارف فذهب الاشكال و لم يلزم التناقض في باب الإيمان في
اقوالهم و حصل الإيمان بقول الرسول صّلى الله عليه و سّلم في الأخبار ال  صحيحة
الثابتة و حصل الاجماع و لله الحمد على أنه لو فرضنا ان القائل بعدم ال  سماع هو
الامام نفسه فهو قد ثبت عنه أنه قال كما قال غيره من الأئمة اذا صح الحديث فهو
مذهبى بل المشهور من مذهبه الاخذ بالمرسل و الضعيف اعتناء بش  دة المتابعة لرسول
١) قاضيخان حسن الفرغاني الحنفي توفي سنة ٥٩٢ ه. [ ١١٩٦ م.] )
٢) حسن الشرنبلالى الحنفى الازهرى توفي سنة ١٠٦٩ ه. [ ١٦٥٩ م.] في القاهرة )
- ١٥ -
الله صّلى الله عليه و سّلم فكيف يمكن المخالفة للأحاديث ال  صحيحة المستفيضة فهذا
البعض من المشايخ يتبين عذره فلا يجوز لاحد ان يترك الحديث ال  صحيح الوارد عنه
صّلى الله عليه و سّلم و يأخذ بقول غيره و لقد احسن الحافظ الذهبى حيث يقول:
العلم قال الله قال رسوله * ان صح و الاجماع فاجهد فيه
و حذار من نصب الحلاف جهالة * بين الرسول و بين رأى فقيه
و قد اطبق الأئمة الحنفية على سنية زيارة الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و زيارة
صاحبيه رضي الله عنهما و ال  سلام عليهم و طلب الشفاعة منهم فلو كانوا قائلين بعدم
سماع مثل الن  بي و الصاحبين لكان كلامهم متناقضا بل بقولهم بسنية زيارة القبور مطلقًا
يحصل التناقض لكن كما قال ال  شيخ عل  ي القاري ان كلامهم في باب الإيمان مبني على
المتعارف فارتفع الاشكال و زال التنافض (فائدة) قال ابن تيمية في (كتاب الانتصار
للامام أحمد) رضي الله عنه و انكار عائشة سماع اهل القليب الكّفار معذورة فيه لعدم
بلوغها النص و غيرها لا يكون معذورًا مثلها لأن هذه المسئلة صارت معلومة من
ال  دين بال  ضرورة انتهى فيلزم من قوله هذا ان اّلذي ينكر سماع الكّفار يكفر لأن جاحد
المعلوم من ال  دين بال  ضرورة يكفر كما في جميع كتب المذاهب على ان البعض اّلذي
أنكر انما هو في حق الكّفار كما قالته عائشة رضي الله عنها و اما الن  بي صّلى الله عليه
و سّلم و الشهداء و أولياء امته فلم يقل احد بانكار سماعهم لا عائشة و لا غيرها و
حينئذٍ تعلم سوء ما تجاهر به بعض الجهلة في زماننا من اطلاق عدم ال  سماع حتى في
حق الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و الامر لله الواحد القهار و قال ابن تيمية ايضًا في
الفتاوى مسئلة في الأحياء اذا زاروا الاموات هل يعلم الاموات بزيارم و هل يعلمون
بالميت اذا مات من قرائبهم او غيره ام لا الجواب نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم و
تسائلهم و عرض اعمال الأحياء على الاموات كما روى ابن المبارك عن أبي ايوب
الانصاري( ١) قال اذا قبضت نفس المؤمن تلقاها اهل الرحمة من عباد الله كما يتلقون
١) خالد بن زيد أبو ايوب ال  صحابى الانصاري رضي الله عنه توفي سنة ٥٠ ه. [ ٦٧٠ م.] في استنبول )
- ١٦ -
البشير في ال  دنيا فيقبلون عليه و يسئلونه فيقول بعضهم لبعض انظروا اخاكم يستريح
فإنه كان في كرب شديد قال فيقبلون عليه و يسئلونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل
تزوجت الحديث و اما علم الميت بالح  ي اذا زاره ففي حديث ابن عباس قال قال
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من احد يمر بقبر اخيه المؤمن كان يعرفه في
ال  دنيا فيسلم عليه ا ّ لا عرفه و ر  د عليه ال  سلام) قال ابن عبد البر( ١) ثبت ذلك عن
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و ص  ححه عبد الحق صاحب الاحكام و اما ما اخبر به الله
من حياة الشهيد و رزقه و ما جاء في الحديث ال  صحيح من دخول ارواحهم الجنة قد
ذهب طوائف الى ان ذلك مختص م دون الصديقين و غيرهم و ال  صحيح اّلذي عليه
الأئمة و جماهير اهل ال  سنة ان الحياة و الرزق و دخول الارواح الجنة ليس مختصًا
بالشهيد كما د ّ ل على ذلك النصوص الثابتة و اختص الشهيد بالذكر لكون الظان
يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فاخبر بذلك لتزول الشبهة المانعة عن الاقدام على
الجهاد و الشهادة كما ى عن قتل الاولاد خشية الاملاق لانه هو الواقع و إن كان
قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الاملاق انتهى فهذا نص من شيخ هؤلاء الذين يزعمون
أنهم متبعون له و هم اجهل الخلق بنصوصه و مقاصده ان سائر الاموات حيام
كحياة الشهداء و رزقهم رزق الشهداء فكيف اّلذي يكون عيالا على اقواله يزعم
شيئًا يخالف اقواله فيجعل رسول الله صّلى الله عليه و سّلم لا يسمع و لا يرى و لا
يعلم و لا يعرف من زاره و ناداه لكن هؤلاء غير متبعين لاحد بل هم متبعون هواهم
وفقهم الله و هداهم اما نصوص رؤية الموتى للاحياء ففي البخاري (ما من ميت ا ّ لا
يعرض عليه مقعده بالغداة و العشي إن كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة و إن
كان من اهل النار فمن اهل النار) و العرض يقتضى الرؤية لمقامه قال الله تعالى في
حق آل فرعون (َالنار يعر  ضو َ ن  عَلي  ها ُ غ  د  وا  و  عشِيا  و يوم تقُوم ال  سا  عةُ َادخِلُوا آ َ ل
فِر  عو َ ن َا  ش  د اْلع َ ذابِ * المؤمن: ٦٤ ) فلو لم ير الميت لم يحصل فائدة من العرض و
١) ابن عبد البر يوسف المالكي توفي سنة ٤٦٣ ه. [ ١٠٧١ م.] في شاطبه )
- ١٧ -
اخرج أبو نعيم( ١) عن عمرو بن دينار ما من ميت يموت الا روحه في يد ملك ينظر الى
جسده كيف يغسل و كيف يكفن و كيف يمشي به و يقال له و هو على سريره اسمع
ثناء الناس عليك و اخرج ابن أبي ال  دنيا( ٢) عن عمرو بن دينار قال ما من ميت يموت
الا و هو يعلم ما يكون في اهله بعده و أنهم ليغسلونه و يكفنونه و أنه لينظر اليهم و
في الحديث ال  صحيح في البخاري ان منكرًا و نكيرًا يقولان للميت بعد المسايلة انظر الى
مقعدك من النار قد ابدلك الله به من الجنة فيراهما جميعًا و اخرج ابن أبي ال  دنيا و
البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال (إذا م  ر الرجل بقبر يعرفه فسلم ر  د عليه
ال  سلام و عرفه و إذا م  ر بقبر لا يعرفه فسلم ر  د عليه) انتهى ففهم من هذا الحديث
ان الميت يرى من يزوره و يقرب من قبره لانه لو لم ير لما عرف من كان يعرف و ما
عرف من لا يعرفه في ال  دنيا ففي الاول يرد عليه و يعرفه و في الثاني يرد عليه ال  سلام و
لم يعرفه لانه في ال  دنيا ما كان يعرفه و اخرج أحمد و الحاكم عن عائشة قالت كنت
ادخل البيت فاضع ثوبي و اقول انما هو أبي و زوجي فلما دفن عمر ما دخلته الا انا
مشدودة على ثيابى حياء من عمر و في الاربعين الطائية روي عن الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم أنه قال (آنس ما يكون الميت في قبره اذا زاره من كان يحبه في دار ال  دنيا) فهذا
يدل على رؤيته لمن يزوره و ا ّ لا فكيف يستأنس الميت بمن لم يره و في صحيح مسلم
عن عمرو بن العاص أنه قال في مرض موته إذا دفنتموني فشنوا عل  ي التراب شنًا و
اقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور و يقسم لحمها أنس بكم و انظر ماذا اراجع به
رسل ربي و في هذا الباب آثار كثيرة هذه عمدا فلا يحتاج الى الاطالة و يدل على
هذا الباب باب عرض اعمال الأحياء على الموتى فإم لولم تكن لهم الرؤية لما صح
عرض الاعمال عليهم لأن الظاهر ان المراد بعرضها عرض صحايفها التى تكتبها الحفظة
من الملائكة و ذلك يستدعي نظرًا فلأجل هذه المناسبة احببنا ارداف باب الرؤية بباب
١) أحمد أبو نعيم الاصفهانى ال  شافعي توفي سنة ٤٣٠ ه. [ ١٠٣٨ م.] )
٢) ابن أبي ال  دنيا عبد الله توفي سنة ٢٨١ ه. [ ٨٩٤ م.] في بغداد )
- ١٨ -
عرض الاعمال على الموتى (اعلم) ان هذا الباب اكثر الناس لا يعلمه لعدم اطلاعهم
على ال  سنة النبوية و الأحاديث المروية في هذه القضية و كان بعض من يدعي العلم في
زعمه و هو اجهل من هبنقة يقول كيف يعلم الانبياء و الأولياء بمن يستشفع م و
يناديهم فقلت له هم مكشوف لهم في ال  دنيا و هم على ما هم عليه بعد موم او
يكون ذلك على وجه الكرامة بخرق العادة و هي ثابتة لهم او بعرض الاعمال الواردة
في الأحاديث فانكر ذلك فأتيته بكتب الحديث المصنفة في احوال اهل القبور فلما رآها
و كان لا يعرفها قال هذا في الاقارب فقط فقلت في الأحاديث و الآثار ما يدل على
الاقارب و الاجانب فعاند حتى مات فها نذكر لك الوارد و ليس علينا غير تصحيح
نقلنا فمن كان لا يصغى له فهو جاحد فاما عرض الاعمال من الامة على رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم فروى البزاز( ١) بسند رجاله رجال ال  صحيح عن ابن مسعود عنه
صّلى الله عليه و سّلم قال (حياتي خير لكم تحدثون و يحدث لكم فإذا انا م  ت كانت
وفاتى خير لكم تعرض عل  ي اعمالكم فإن رأيت خيرًا حمدت الله و إن رأيت شرًا
استغفرت لكم) روي مرفوعًا و له طريق آخر مرسلا عن بكر بن عبد الله المزنى( ٢) عن
ابن عباس و غيره و اما عرض الاعمال على الاقارب فاخرج أحمد و الحكيم الترمذي
في (نوادر الاصول) و ابن منده قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ان
اعمالكم تعرض على اقاربكم و عشايركم من الاموات فإن رأوا خيرًا استبشروا به
و إن كان غير ذلك قالوا اللّه  م لا تمتهم حتى ديهم كما هديتنا) و اخرج
الطيالسى في مسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سلم
(ان اعمالكم تعرض على عشايركم و اقاربكم في قبورهم فإن كان خيرًا استبشروا
به و إن كان غير ذلك قالوا اللّه  م الهمهم إن يعملوا بطاعتك) و اخرج ابن أبي شيبة
في (المصنف) و الحكيم الترمذي و ابن أبي ال  دنيا عن ابراهيم بن ميسرة قال غزا
١) بزاز مح  مد الكردرى الحنفى توفي سنة ٨٢٧ ه. [ ١٤٢٤ م.] )
٢) عبد الله المزني ال  شافعي توفي سنة ٢٦٤ ه. [ ٨٧٧ م.] )
- ١٩ -
أبوايوب القسطنطينية فمر بقا  ص و هو يقول إذا عمل العبد العمل في صدر النهار
عرض على معارفه إذا امسى من اهل الآخرة و إذا عمل العمل في آخر النهار عرض
على معارفه إذا اصبح من اهل الآخرة فقال أبو ايوب انظر ما تقول قال و الله إنه لكما
اقول فقال أبو ابوب الّله  م اني اعوذ بك أن تفضحنى عند عبادة ابن الصامت و سعد
بن عبادة بما عملت بعدهم فقال القاص و الله لا يكتب ولايته لعبد ا ّ لا ستر عوراته و
اثنى عليه باحسن عمله و اخرج الحكيم الترمذي في نوادره من حديث عبد الغفور بن
عبد العزيز عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (تعرض
الاعمال يوم الاثنين و يوم الخميس على الله و تعرض على الانبياء و على الأولياء
و الامهات يوم الجمعة فيفرحون بحسنام و تزداد وجوههم بياضًا و اشراقًا فاتقوا
الله و لا تؤذوا موتاكم) و اما عرض الاعمال على الاجانب فاخرج ابن المبارك و ابن
أبي ال  دنيا عن أبي ايوب قال (تعرض اعمالكم على الموتى فإن رأوا حسنا استبشروا
و إن رأوا سوءًا قالوا اللّه  م راجع م) و اخرج الحكيم الترمذي و ابن أبي ال  دنيا و
البيهقي في (شعب الإيمان) عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صّلى الله عليه و
سّلم يقول (اتقوا الله في اخوانكم من اهل القبور فإن اعمالكم تعرض عليهم) و
هذان الحديثان عامان في مطلق الموتى و عن أبي الدردآء قال (إ ّ ن اعمالكم تعرض
على موتاكم ينسرون و يساؤن) و يدل على ماقلنا من العموم ما ذكره ابن القيم في
كتابه الروح عن ابن أبي ال  دنيا قال حدثنى مح  مد بن الحسين حدثنى خالد بن عمرو
الاموي حدثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال كانت لي شرة سمجة فمات أبي فأبت و
ندمت على ما فرطت قال ثم زللت ايما زلة فرأيت أبي في المنام فقال اي بني ما كان
اشد فرحي بك و اعمالك تعرض علينا فنشبهها باعمال ال  صالحين فلما كانت هذه
المرة استحييت لذلك حياء شديدًا فلا تخزنى فيمن حولي من الاموات قال فكنت اسمعه
بعد ذلك يقول في دعائه في السحر و كان لي جار بالكوفة اسألك انابة لا رجعة فيها
و لا حور يا مصلح ال  صالحين و يا هادي المضّلين و يا ارحم الراحمين ففي هذا الاثر
- ٢٠ -
دلالة ان الموتى الاجانب يطلعون على اعمال غير الاقارب لأن اّلذي تعرض اعماله
عليه هو ابوه فقال لولده لا تخزنى فيمن حولي من الاموات فلو لا أنهم يطلعون معه
على عمل ابنه بالعرض لما قال ذلك و قد تقدم في حديث ايوب تعرض على معارفه و
هم الذين يعرفونه اعم من الاقارب و في هذا القدر كفاية لمن شرح الله صدره
بالإيمان.
باب تزاور الموتى و تلاقيهم
اخرج الحارث ابن أبي اسامة( ١) و الوائلى( ٢) في (الابانة) و المعقيلى عن جابر
قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (احسنوا اكفان موتاكم فإم يتباهون و
يتزاورون في قبورهم) و في صحيح مسلم (إذا ولى احدكم اخاه فليحسن كفنه)
يعني لعلة التزاور و التباهي به و عن أبي هريرة قال قال رسول الله صّلى الله عليه و
سّلم (احسنوا اكفان موتاكم فإم يتزاورون في اكفام) و اخرج الترمذي و ابن
ماجة و مح  مد بن يحيى الهمدانى في (صحيحه) و ابن أبي ال  دنيا و البيهقي في (شعب
الإيمان) عن أبي قتادة قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (إذا ولى احدكم اخاه
فليحسن كفنه فإم يتزاورون في قبورهم) و قال ابن تيمية في الفتاوى في مواضع
متعددة و يتزاورون سوآء كانت المداين متقاربة في ال  دنيا او متباعدة قد تجتمع الارواح
مع تباعد المداين انتهى و قد ذكر ذلك الأئمة الحنفية في كتبهم الفقهية و هو أنه يسن
تحسين الكفن لأن الموتى يتفاخرون به و يتزاورون بل قال به جميع فقهاء المذاهب و في
هذا الباب آثار كثيرة و اخبار عجيبة غزيره ان اردا فارجع الى (شرح ال  صدور)
للامام الحافظ ال  سيوطي فإنه جمع فاوعى.
١) الحارث ابن أبي اسامة البغدادى توفي سنة ٢٨٢ ه. [ ٨٩٥ م.] )
٢) عبيد الله الوائلى توفي سنة ٤٤٠ ه. [ ١٠٤٨ م.] )
- ٢١ -
باب علم الموتى باحوال اهل ال  دنيا من غير طريق عرض الاعمال
قال ابن القيم في كتاب الروح (فصل) و قد ترجم الحافظ أبو مح  مد عبد
الحق الاشبيلي على هذا فقال ذكر ما جاء ان الموتى يسئلون عن الأحياء و يعرفون
اقوالهم و اعمالهم ثم ذكر بعد ورقة فقال صح عن عمرو بن دينار أنه قال ما من ميت
يموت ا ّ لا و هو يعلم بما يكون في اهله و أنهم يغسلونه و يكفنونه و أنه لينظر اليهم ثم
بعد ورقة قال و صح عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب ان الصعب
بن جثامة و عوف بن مالك كانا متواخيين فقال الصعب لعوف اي اخي اينا مات
قبل صاحبه فليتراء له قال او يكون ذلك قال نعم فمات صعب فرآه عوف فيما يرى
النائم كأنه قد اتاه قال قلت اي اخى قال نعم قلت ما فعل الله بك قال غفر لنا بعد
المشارب ثم بعد كلام قال و اعلم اي اخي أنه لم يحدث في اهلي حدث بعد ا ّ لا و قد
لحق بي خبره حتى هرة ماتت لنا منذ ايام و اعلم ان بنتى تموت الى ستة ايام فاستوصوا
ا معروفا ثم كان كما اخبر ثم ذكر حديث ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه و
اتيانه لاحد من في عسكر خالد ابن الوليد و قوله له اني اوصيك بوصية فاياك ان تقول
هذا حلم اني لما قتلت مر بي رجل من المسلين فأخذ درعي و مترله في اقصى الناس و
عند خبائه فرس يستن في طوله اي يرعى في رسنه الطويل و قد كفى على الدرع برمة
و فوق البرمة رحل فأت خالد بن الوليد فقل له يأخذ درعي فاخبر الرجل خالدًا فوجد
الدرع كما وصف فاخذه و قال الحافظ ال  سيوطي في شرح ال  صدور.
باب تاذى الميت بما يبلغه عن الأحياء
اخرج الديلمي( ١) عن عائشة رضي الله عنها ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم
قال (ان الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته) قال القرطبى( ٢) في التذكرة يجوز ان
١) أبو شجاع شهردار الديلمي توفي سنة ٥٥٨ ه. [ ١١٦٤ م.] )
٢) مح  مد القرطبى المالكي توفي سنة ٦٧١ ه. [ ١٢٧٢ م.] )
- ٢٢ -
يكون الميت يبلغه من أفعال الأحياء و اقوالهم ما يؤذيه بلطيفة يحدثها الله تعالى له من
ملك مبلغ او علامة او دليل و ما شاء الله و قال ابن القيم في كتاب الروح و قد د ّ ل
على التقاء ارواح الأحياء و الاموات ان الح  ي يرى الميت في منامه فيستخبره و يخبر
الميت بما لا يعلمه الح  ي فيصادف خبره كما اخبر في الماضي و المستقبل و ربما اخبره
بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه و ربما اخبره بدين عليه و ذكر له شواهده و
ادلته و ابلغ من هذا أنه اخبره بما عمله من عمل لم يطلع عليه احد من العالمين و ابلغ
من هذا أنه يخبره انك تأتينا في وقت كذا فيكون كما اخبر و ربما اخبره عن امور
بقطع الح  ي أنه لم يكن يعرفها غيره وقد ذكرنا قصة الصعب بن جثامة و قصة ثابت بن
شماس الى آخر ما قال و ذكر ال  سيوطي في شرح ال  صدور عن مح  مد بن سيرين رضي
الله عنه قال ما اخبرك الميت بشئ فهو حق لانه في دار الحق فهو لا ينطق الا بالحق
انتهى و هذا من اربات كما ذكره ابن القيم و غيره و هذا من باب كشف الغطاء و
اطلاعه على ذلك من لطافة الروح فيعلم ذلك في تلك الدار التى هي محل العلم من الله
تعالى و اخرج الحاكم و البيهقي في الدلايل عن سليمان قال دخلت على ام سلمة و
هي تبكي فقلت ما يبكيك قالت رأيت رسول الله صّلى الله عليه و سّلم في المنام يبكي
و على رأسه و لحيته التراب فقلت ما لك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفًا
ذكره ال  سيوطي في (شرح ال  صدور) و كذا الخطيب التبريزي( ١) في (مشكاة المصابيح)
و اخرج ابن أبي ال  دنيا من طريق أبي بكر بن عياش عن حفار من بني اسد قال كنت
في المقابر ليلة إذ سمعت قائلا يقول من قبر يا عبد الله قال ما لك يا جابر قال غدا تأتينا
ُامنا قال و ما ينفعنا لا تصل الينا ان ابي قد غضب عليها و حلف ان لا يصّلي عليها
فلما كان من الغد جائني رجل فقال احفر لي ههنا قبرًا بين القبرين الذين سمعت منهما
الكلام فقلت اسم هذا جابر و اسم هذا عبد الله قال نعم فاخبرته بما سمعت قال نعم
قد كنت حلفت ان لا اصلى عليها فلأكفرن عن يمينى و لاصل  ين عليها.
١) مح  مد ولي ال  دين الخطيب التبريزي ال  شافعي توفي سنة ٧٤٩ ه. [ ١٣٤٨ م.] )
- ٢٣ -
باب ما ورد من تصرف الموتى و صدور امور منهم بقدرة الله تعالى
قال الحافظ ال  سيوطي في كتابه (المتقدم) قال الحافظ ابن حجر في فتاواه
ارواح المؤمنين في عليين و ارواح الكّفار في سجين و لكل روح بجسدها اتصال
معنوي لا يشبه الاتصال في حياة ال  دنيا بل اشبه شئ به حال النائم و إن كان هو اشد
حالا من حال النائم اتصالا قال و ذا يجمع بين ما ورد ان مقرها في عليين و سجين
و بين ما نقله ابن عبد البر اا عند افنية قبورها قال و مع ذلك فهى مأذون لها في
التصرف و تأوى الى محلها من عليين او سجين قال و إذا نقل الميت من قبر الى قبر
فالاتصال المذكور مستمر و كذا لو تفرقت الاجزاء انتهى قال ال  سيوطي قلت و يؤيد
ما ذكره من الاذن بالتصرف مع كون المقر في عليين ما اخرجه ابن عساكر من طريق
ابن اسحاق قال حدثنى الحسين بن عبد الله ابن عباس ان رسول الله صّلى الله عليه و
سّلم قال بعد قتل جعفر (لقد م  ر بي الليلة جعفر يقتفي نفرًا من الملائكة له جناحان
متخضبة قوادمهما بالدم يريدون بيشه بلدًا باليمن) و اخرج ابن عدي( ١) من حديث
عل  ي بن أبي طالب ان رسول الله صّلى الله عليه و سّلم قال (عرفت جعفر في رفقة من
الملائكة يبشرون اهل بيشة بالمطر) و اخرج الحاكم عن ابن عباس قال بينما الن  بي
صّلى الله عليه و سّلم جالسًا و اسماء بنت عميس قريبًا منه إذ رد ال  سلام و قال (يا
اسماء هذا جعفر مع جبرئيل و ميكائيل مروا فسلموا علينا و اخبرني أنه لقى
المشركين يوم كذا و يوم كذا قال فاصبت في جسدي من مقادمى ثلاثًا و سبعين
من طعنة و ضربة ثم اخذت اللواء بيدى اليمنى فقطعت ثم اخذته بيدى اليسرى
فقطعت فعوضني الله من يدي جناحين اطير ما مع جبرئيل و ميكائيل انزل من
الجنة حيث شئت و اكل من ثمارها ما شئت) قالت اسماء هنيئًا لجعفر ما رزقه الله من
الخير لكنى اخاف ان لا يصدقني الناس فاصعد المنبر فاخبر به الناس فصعد المنبر فحمد
١) عبد الله ابن عدى توفي سنة ٣٢٣ ه. [ ٩٣٥ م.] في استرآباد )
- ٢٤ -
الله و اثنى عليه ثم قال (ان جعفر ابن أبي طالب م  ر مع جبرئيل و ميكائيل عوضه الله
من يديه جناحين فسّلم  عَل  ي) ثم اخبرهم بما اخبره به فهذه الأحاديث تدل على ان الله
تعالى يأذن لعباده الشهداء و غيرهم من ال  صالحين في بعض الامور التى ينتفع ا الناس
و في هذا آثار كثيرة ذكرها علماء الحديث عن السلف منها ما ذكره ال  سيوطي قال
اخرج ابن أبي ال  دنيا من طريق يزيد بن سعيد القرشي عن أبي عبد الله الشامي قال
غزونا الروم فخرج منا ناس يطلبون اثر العدو فانفرد منهم رجلان قال احدهما فبينا
نحن كذلك إذ لقينا شيخ من الروم فقال ابرزوا فحملنا عليه فاقتتلنا ساعًة فقتل صاحبي
فرجعت اريد اصحابي فبينا انا راجع إذ قلت لنفسى ثكلتك امك سبقني صاحبي الى
الجنة و ارجع هاربًا الى اصحابي فرجعت اليه فضربته فاخطأته فحملني و ضرب بي
الارض و جلس على صدري و تناول شيئًا معه ليقتلنى به فجاء صاحبي المقتول فاخذ
بشعر قفاه فالقاه عني و اعانني على قتله فقتلناه جميعًا و جعل صاحبي يمشي و يحدثنى
حتى انتهينا الى شجرة فاضطجع مقتولا كما كان فجئت الى اصحابي فاخبرم وقد
ذكر هذا الاثر الزندوستي( ١) صاحب (روضة العلماء) من الحنيفة و صاحب زبدة
الفقهاء( ٢) ايضًا و اخرج المحاملى في اماليه عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة قال
بينما رجل في اندرله بال  شام و معه زوجته و قد كان استشهد ابن لهما قبل ذلك بما
شاء الله إذ رأى الرجل فارسًا قد أقبل فقال لإمرأته ابني و ابنك يا فلانة قالت له اخسأ
الشيطان ابنك قد استشهد منذ حين و انت مفتون فاقبل على عمله و استغفر ثم نظر و
دنى الفارس فقال ابنك و الله يا فلانة و نظرت و قالت هو و الله فوقف عليهما فقال
له ابوه اليس قد استشهدت يا بني قال بلى و لكن عمر بن عبد العزيز توفي هذه
الساعة فاستاذن الشهداء رم في شهوده فكنت منهم و استاذنته في ال  سلام عليكما ثم
دعى لهما و انصرف و وجد عمر قد توفي تلك الساعة قال ال  سيوطي فهذه آثار
١) الزندوستي حسين البخاري توفي سنة ٤٠٠ ه. [ ١٠٠٩ م.] )
٢) صاحب الزبدة ابراهيم المصري توفي سنة ٩٥٧ ه. [ ١٥٥٠ م.] )
- ٢٥ -
مسندة خرجها ائمة الحديث باسانيدهم في كتبهم اوردا تقوية لما حكاه اليافعي و
تصديقا له انتهى و قد كان ذكر في هذا الباب اشياء كثيرة من هذا النمط من اراد
الاطلاع فليرجع اليه ثم قال قال اليافعي( ١) رؤية الموتى في خير وشر نوع من الكشف
يظهره الله بشرًا او موعظًة او لمصلحة للميت من ايصال خبر اليه و قضاء دين او غير
ذلك ثم هذه الرؤية قد تكون في النوم و هو الغالب و قد تكون في اليقظة و ذلك من
كرامات الأولياء اصحاب الاحوال و قال في موضع آخر مذهب اهل ال  سنة ان ارواح
الموتى ترد في بعض الاوقات من عليين او سجين الى اجسادهم في قبورهم عند ارادة
الله تعالى و خصوصًا ليلة الجمعة و يجلسون و يتحدثون و ينعم اهل النعيم و يعذب
اهل العذاب قال و يختص الارواح دون الاجساد بالنعيم و العذاب ما دامت في عليين
او سجين و في القبر يشترك الروح و الجسد انتهى و قال ابن القيم في كتاب الروح و
مما ينبغى ان يعلم ان ما ذكرناه من شأن الروح يختلف بحسب حال الارواح من القوة
و الضعف و الكبر و الصغر فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن دوا و انت
ترى احكام الارواح في ال  دنيا كيف تتفاوت اعظم تفاوت بحسب الارواح و كيفياا
و قواها و بطائها و اسراعها و المعاونة لها فللروح المطلقة من اسر البدن و علايقه و
عوايقه من التصرف و القوة و النفاذ و الهمة و سرعة الصعود الى الله تعالى و التعلق
بالله تعالى ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علايق البدن و عوايقه فإذا كانت هكذا و
هى المحبوسة في بدا فكيف إذا تجردت و فارقته و اجتمعت فيها قواها و كانت في
اصل شأا روحًا عليًة زكيًة كبيرًة ذات همة عالية فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر
و فعل آخر و قد تواترت الرؤيا من اصناف بني آدم على فعل الارواح بعد موا ما
لايقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد و الاثنين و
العدد القليل و نحو ذلك و كم قد رؤى الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و معه أبو بكر و
عمر رضي الله عنهما في النوم قد هزمت ارواحهم عساكر الكفر و الظلم فإذا
١) عبد الله اليافعي ال  شافعي توفي سنة ٧٦٨ ه. [ ١٣٦٧ م.] في م ّ كة المكرمة )
- ٢٦ -
بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم و ضعف المؤمنين و قلتهم انتهى و يوافق
هذه النقول من فسر قوله تعالى و المدبرات أمرًا بارواح الكمل بعد المفارقة كما ذكر
جملة من المف  سرين منهم البيضاوي و تبعه على ذلك المحشون و الله اعلم.
باب اطلاع بعض الأحياء على حال اهل القبور من نعيم او عذاب
فرآه بعين رأسه انموذجًا لما اخبر الله تعالى و رسوله فرأوا الاجساد منعمة او
معذبة و قد اتفق اهل ال  سنة و الجماعة على نعيم القبر و عذابه و أنه حق يجب اعتقاده
و ان النعيم و العذاب على الروح و البدن كما ذكر ذلك اهل علم العقايد و لا ينكر
ذلك الا المعتزلة و الخوارج ثم ورد في الأحاديث النبوية و الآثار ال  صحابية و السلفية و
نحن نذكر مايقوي اعتقاد بعض الجهال ليزدادوا إيمانًا مع إيمام اما الانبياء فقد قدمنا
أنهم أحياء طريون في قبورهم يصّلون و ورد في ال  صحيحين أنهم يح  جون و اما غيرهم
فقد اخرج أبو نعيم عن يوسف بن عطية قال سمعت ثابتًا البناني يقول لحميد الطويل
هل بلغك ان احدًا يصّلي في قبره الا الانبياء قال لا قال ثابت الّله  م ان انت اعطيت
لاحد ان يصّلي في قبره فأذن لثابت ان يصّلي في قبره و اخرج ايضًا عن جبير قال انا و
الله الذي لا اله الا هو ادخلت ثابتًا البناني لحده و معى حميد الطويل فلما سوينا عليه
اللبن سقطت لبنة فإذا انا به يصّلي في قبره و اخرج ابن جرير في ذيب الآثار و أبو
نعيم عن ابراهيم بن الصامت المهلبي قال حدثنى الذين كانوا يمرون بالحاصف في
الاسحار قالوا كنا اذا مررنا بجنبات قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن و مثله في صفة
الصفوة لابن الجوزي و اخرج الترمذى و الحاكم و البيهقي عن ابن عباس قال ضرب
بعض اصحاب الن  بي صّلى الله عليه و سّلم خبائه على قبر و هو لا يحسب أنه قبر فإذا
فيه انسان يقرء سورة الملك حتى ختمها فأتى الن  بي صّلى الله عليه و سّلم فاخبره فقال
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم هي المانعة هي المنجية تنجى من عذاب القبر قال أبو
القاسم السعدى في كتاب الروح هذا تصديق من رسول الله صّلى الله عليه و سّلم بأن
- ٢٧ -
الميت يقرأ في قبره فإن عبد الله يعني ابن عمر و هو الذي ضرب خبأه و سمع او خبره
بذلك و صدقه الرسول صّلى الله عليه و سّلم قال الحافظ زين ال  دين بن رجب في
كتاب اهوال القبور قد يكرم الله بعض اهل البرزخ باعماله ال  صالحة في البرزخ و ان لم
يحصل له بذلك ثواب انقطاع عمله بالموت لكن انما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله و
طاعته كما تتنعم بذلك الملائكة و اهل الخير في الجنة لأن نفس الذكر و الطاعة اعظم
نعيما عند اهلها من جميع نعيم اهل ال  دنيا و لذا فما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله تعالى
و طاعته و مثل ذلك ذكر ابن القيم في كتاب الروح و ابن تيمية و غيرهم و ال  سيوطي
في شرح ال  صدور و روى أبو الحسن بن البرآء في كتاب الروضة عن عبد الله بن مح  مد
بن منصور حدثنى ابراهيم الحفار قال حفرت قبرًا فبدت لبنة فشممت رائحة المسك
حين انفتحت اللبنة فإذا شيخ جالس في قبره يقرأ القرآن و اخرج ابن منده( ١) عن
عاصم ال  سقطي قال حفرنا قبرًا ببلخ فنفذ في قبر فنظرت فإذا شيخ في القبر متوجه الى
القبلة و عليه ازار اخضر و اخضر ما حوله و في حجره مصحف و هو يقرأ فيه ثم
ذكر آثارا كثيرة مثل ذلك في الكتاب المذكور و اخرج الحافظ أبو مح  مد الخلال( ٢) في
كتابه كرامات الأولياء بسنده عن أبي يوسف الغسولي قال دخلت على ابراهيم بن
ادهم بال  شام فقال لي لقد رأيت اليوم عجبًا قلت و ما ذاك قال وقفت على قبر من
هذه المقابر فانشق لي عن شيخ خضيب فقال لي يا ابراهيم سل فإن الله احيانى من
اجلك قلت ما فعل الله بك قال لقيت الله بعمل قبيح فقال قد غفرت لك بثلاث لقيتنى
و انت تحب من احب و لقيتني و ليس في صدرك مثقال ذرة من شراب حرام و
ولقيتني و انت خضيب و انا استحي من شيبة الخضيب ان اعذا بالنار قال و التأم
القبر على ال  شيخ قال ابراهيم ويحك يا غسولي عامل الله يرك العجايب و في صفة
الصفوة لابن الجوزي في ترجمة معاذة بسنده الى ام الاسود بنت زيد العدوية و كانت
١) ابن منده مح  مد توفي سنة ٣٩٥ ه. [ ١٠٠٥ م.] )
٢) عبد الله الخلال المصري المالكي توفي سنة ٦١٦ ه. [ ١٢١٩ م.] )
- ٢٨ -
معاذة قد ارضعتها قالت قالت لي معاذة لما قتل أبو الصهباء و قتل ولدها و الله يا بنية
ما محبتى للبقاء في ال  دنيا للذيذ عيش و لا لروح يشم و لكني و الله احب البقاء لاتقرب
الى الله بالوسايل لعّله يجمع بيني و بين أبي الصهباء و ولده في الجنة قال مح  مد بن
الحسين و حديثا روح ابن سلمة الوراق قال سمعت عفيرة العابدة تقول بلغني ان معاذة
العدوية لما احتضرت للموت بكت ثم ضحكت فقيل لها مم البكاء و مم الضحك
قالت اما البكاء الذي رأيته فاني و الله ذكرت مفارقة الصيام و القيام و الذكر فكان
البكاء لذلك و اما الضحك فاني نظرت الى أبي الصهباء و قد اقبل في صحن الدار و
عليه حلتان خضراوان و هو في نفر و الله ما رأيت لهم في ال  دنيا شبهًا فضحكت اليه و
لا ارانى ادرك بعد ذلك فرضًا فماتت قبل ان تدرك الفريضة و معاذة ادركت عائشه
رضي الله عنها و روت عنها و روى عن معاذة الحسن البصري و أبو قلابة( ١) و يزيد
الرقاشي انتهى.
و اما رؤية العذاب لبعض الموتى فاخبر الله تعالى عن آل فرعون فقال (النار
يعرضون عليها غدوًا و عشيًا) و قال صّلى الله عليه و سّلم كما في ال  صحيحين (لو
لا ان لا تدافنوا لدعوت الله ان يسمعكم من عذاب القبر ما اسمع) و لا بد ان
يكون العذاب على الروح و الجسد لأن الفاعل للكفر او المعاصي انما هو الروح و
الجسد فلا يمكن ان تعذب الروح وحدها بدونه لانه غير لايق بالحكمة و العدالة الالهية
قال العلماء فالاجساد و ان رؤيت متفتة لبعض الناس فهي في علم الله موجودة و نحن
لا نشاهدها و قد رأى بعض ال  صحابة العذاب عيانًا لبعض الموتى بارواحهم و
اجسادهم ليكون تصديقًا لما اخبر الله و رسوله قال ابن القيم في كتاب الروح
وال  سيوطي في شرح ال  صدور و ابن رجب في اهوال القبور عن ابن أبي ال  دنيا عن
الشعبي( ٢) أنه ذكر رج ً لا قال للنبي صّلى الله عليه و سّلم مررت ببدر فرأيت رج ً لا
١) أبو قلابة عبد الملك الرّقاشي توفي سنة ٢٧٦ ه. [ ٨٨٩ م.] في بغداد )
٢) عامر الشعبي من أساتذة أبي حنيفة توفي سنة ١٠٤ ه. [ ٧٢٢ م.] في الكوفة )
- ٢٩ -
يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الارض ثم يفعل به ذلك فقال
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم ذاك أبو جهل يعذب الى يوم القيامة و ذكر من حديث
حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن ابيه قال بينا انا اسير بين
م ّ كة و المدينة على راحلة و انا محقب اداوة إذ مررت بمقبرة و إذا رجل خارج من قبره
يلتهب نارًا و في عنقه سلسلة يجرها فقال يا عبد الله اسقنى يا عبد الله اسقنى فلا ادري
أعرف اسمي ام دعا بي كما يدعو الناس قال فحرج آخر فقال يا عبد الله لا تسقه يا
عبد الله لا تسقه ثم اجتذب السلسة فاعاده في قبره قال ابن أبي ال  دنيا و حدثنى أبي
حدثنا موسى بن داود حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال بينما هو
راكب يسير بين م ّ كة و المدينة إذ مر بمقبرة فإذا رجل قد خرج من قبره يلتهب نارًا
مصفدًا بالحديد فقال يا عبد الله انضح و خرج آخر يتلوه فقال يا عبد الله لا تنضح يا
عبد الله لا تنضح و غشى على الراكب و عدلت به راحلته الى العرج قال فاصبح و
قد ابيض شعره فاخبر عثمان بذلك فنهى ان يسافر الرجل وحده و مثله روى في زمن
عمر رضي الله عنه و في الباب آثار كثيرة و في هذا كفاية و هذا يدلك على ان اهل
النار اذا خرجوا بأجسادهم على وجه الارض و رآهم من رآهم يقظة جهارًا فما المانع
من ذلك في حق انبياء الله و اوليائه بقدرة الله تعالى فهذه بعض احوال اهل القبور من
سائر الناس فكيف بالأولياء و الانبياء فإذا علمت ان سائر الموتى أحياء حياة برزخية و
ان الموت كما قال جملة من السلف هو نقلة من دار الى دار و ان الانبياء و الأولياء
المنقولين بسيف ااهدة لله كالشهداء الوارد فيهم النص القرآني في حيام الحقيقية
كيف يستغرب طلب التسبب منهم و التشفع و التو  سل بدعائهم الى رم او كرامتهم
عليه او شفاعتهم عنده و هو وليهم في ال  دنيا و الآخرة و لهم فيها ما تشتهى انفسهم و
لهم فيها ما يدعون نزلا من غفور رحيم فهل إذا عامل احد هؤلاء الذين هذا حالهم
معاملة الأحياء يلام على ذلك او يعاب او يؤثم او يكفر او يشرك مع اعقاده ان الفعل
لله و حده خلقًا و ايحادًا لا شريك له و أنه يكون من اهل القبور من الانبياء و الأولياء
- ٣٠ -
تسببًا و كسبًا فهل ينكر ذلك الا من جعلهم ترابًا و عظامًا و ترك ما يجب لهم و يسند
اليهم اكراما و اعظاما الا جاهل بالشرع المح  مدي فحينئذٍ يقال لهذا المتعلم الجاهل
احسن حالا منك في معرفته بالشرع و المقصود من هذا ان تعلم ان الأحاديث الواردة
في الطلب من الموتى و اجمع عليها العلماء مبني امرها على هذا الاصل فإذا جادل في
هذه الاشياء بعض الاشقياء بعد اقامة هذه الادلة فاتركه و شقائه و أحمد الله الذي
رزقك الإيمان بما جاء عن سيد الاكوان و سلف امته المتبعين له باحسان (  و َقاُلوا
اْل  ح  م  د لِلَّهِ الَّذِي  ه  دينا لِ  ه َ ذا  و ما ُ كنا لِنهتدِ  ي َلو َ لا ان  ه  دينا اللَّه * الاعراف: ٤٣ ) و
لنذكر لك بعض الآيات ال  دالة على طلب الوسيلة قال تعالى (يآ َاي  ها الَّذِي  ن َامنوا اتُقوا
اللهَ  وابتغوا اَِليهِ اْلوسِيَلَة* المائدة: ٣٥ ) و قال في الآية الاخرى (ُاوَلئِ  ك الَّذِي  ن يد  عو َ ن
يبتغو َ ن اَِلى ربِّهِم الْوسِيَلَة َاي  ه  م َاقْ رب * الإسراء: ٥٧ ) فقد امر الله تعالى بابتغاء
الوسيلة و فسرها تعالى في الآية الاخرى اعنى قوله أنهم يبتغون ايهم اقرب فيتو  سلون به
الى الله تعالى و هو عام سواء كان التو  سل بدعائه كما يقوله الخوارح او بشفاعته او
بحاهه او بكرامته او بذاته و من منع بالذات فقد افترى فإن التو  سل بالذوات قد
صرحت به الآيات و قد وردت عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم به الأخبار ال  صحيحات
اما الآيات فمنها قوله تعالى (  وما كَا َ ن اللَّه لِيعذِّب  ه  م  وَان  ت فِيهِ  م * الانفال: ٣٣ ) فقد
ذكر المف  سرون و ذكره البخاري ان الكّفار استعجلوا العذاب فقال تعالى (ما كان الله
ليعذم و انت فيهم * الانفال: ٣٣ ) يعني حلول ذات الن  بي صّلى الله عليه و سّلم
مانعة من نزول العذاب على الكّفار و لا يمكن ان يقال ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم
نفعهم بجاهه و لا بدعائه و لا بشفاعته لأن هذه الاشياء لا تكون للكّفار و قال بعض
السلف في قوله تعالى (  وماكَا َ ن اللَّه معذِّبهم  و  ه  م يستغفِ  رو َ ن * الانفال: ٣٣ ) ان معناه
ما كان لعذم و في اصلام من يستغفر يعني من قدر الله ان يخرج من صلب الكافر
من يستغفر و هو الذي مكتوب أنه يؤمن بالله بعد خروجه من صلب الكافر فجعل الله
بقدرته و ارادته وجود النطف المؤمنة في اصلاب الكّفار اسبابا لدفع العذاب عنهم و
- ٣١ -
منها قوله تعالى (  وَلو َ لا  دفْع اللَّهِ النا  س ب  ع  ض ه  م بِبعضٍ َلَف  س  دتِ ْا َ لا  ر  ض * البقرة:
٢٥١ ) قال المف  سرون من السلف لو لا ان يدفع الله بالمؤمن عن الكافر و بالطائع عن
العاصى لفسدت الارض فوجود ذوات هؤلاء مانعة من وجود الفساد و قال تعالى (اِنَّ
الَّذِي  ن  سبَقت َل  ه  م مِنا اْل  ح  سنى ُاوَلئِ  ك  عن  ها مبع  دو َ ن * الانبياء: ١٠١ ) و لا يخفي
على مسلم ان السعادة للذوات لا للاعمال و لهذا ورد في الحديث (السعيد في بطن
امه و الشقي في بطن امه) فليس للاعمال دخل في السعادة الا بحسب الدلالة ظاهرًا لا
حقيقة لقوله صّلى الله عليه و سّلم (إ ّ ن احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون
بينه و بينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها) و ليس
الدخول للعمل بل للدلالة كما صرح صّلى الله عليه و سّلم به في قوله (لن يدخل احد
الجنة بعمل) قالوا حتى انت يا رسول الله قال (حتى انا ا ّ لا ان يتغمدني الله برحمته)
فدخول الجنة قطعًا ليس بالاعمال بل بالسعادة ال  سابقة الازلية و هي بحسب الذوات
فاصطفاء ذات نبينا صّلى الله عليه و سّلم و تفضيلها على جميع الرسل انما هو باعتبار
ذاته ال  شريفة كما لا يخفى على مؤمن و كذلك الرسل و الانبياء و الأولياء فالجاه و
غيره انما هو تبع للذات و ليس الذات تابعة للجاه على ان لو طالبنا المنكر اعتبار الذات
بدليل واحد و لو ضعيفًا لم يجد الى ذلك سبيلا فقول هذا المدعي غير معقول و لا
يمكن ان يذكر سببًا فض ً لا عن دليل بل الادلة المتوافرة المتواترة ناهضة على خلاف ما
يدعيه اهل الدعاوى الباطلة ففي الحديث ال  صحيح أنه صّلى الله عليه و سّلم قال (بتربة
ارضنا و ريقة بعضنا يشفي باذن ربنا مريضنا) فيسن لكل احد اذا رقي لمريض ان
يأخذ من تراب ارضه و يمزجها بريقه و يسقيه للمريض فإنه يشفي باذن الله تعالى و لا
ش  ك ان التراب و الريق من الذوات و لا يعقل لها جاه او دعاء او شفاعة و في
الحديث ال  صحيح (ماء زمزم لما شرب له) فمن شرب من ماء زمزم لاى نية ارادها من
خير دنيا او آخرة حصل له مقصوده كما هو مجرب و لا ش  ك ان ماء زمزم ذات لا
يعقل له جاه و لا دعاء و لا شفاعة و كذا ورد في ال  صحيح و اطبق عليه فقهاء الامة
- ٣٢ -
ان الملتزم عند باب الكعبة من الصق بطنه به و تو  سل به الى الله لا يخيبه الله كما هو
مجرب و لا يخفى ان الملتزم احجار و هي ذات جعل الله لها هذه الخاصية و كذا تحت
الميزاب و عند مقام ابراهيم و تقبيل الحجر الاسود و التمسح به و التو  سل به هو ذات
محض و هو ارجى الوسائل الى الله لقبول المثقلين بالذنوب فكيف يكون لهذه الذوات
خاصية يحصل ا المقصود للراجي و نحن إذا دعونا الله بجاه ذات نبينا لا يحصل لنا و لا
يرضاه لنا أفيقال ان ذات تراب الارض وريقة البعض و ماء زمزم و احجار الملتزم و
مقام ابراهيم اي محل قدمه الاسعد و الحجر الاسود جعل فيها الاسباب لجلب المنافع
دون ذات نبينا التى خلقت من نوره فما هذه الخرافات من قائلها الا جهالات ليت
صاحبها استحى من الله و من رسوله و من الناس من قولها و التفوه ا و قد كان
ال  صحابة الكرام يعظمون ذات نبينا صّلى الله عليه و سّلم اشد التعظيم كما في حديث
عروة بن مسعود الثقفي عند البخاري و غيره لما جاء الى ن  بي الله صّلى الله عليه و سّلم
في صلح الحديبية فرجع الى قومه فقال اي قومي و الله لقد وفدت على كسرى و
قيصر و النجاشي فمارأيت احدًا يعظم احدًا ما يعظم اصحاب مح  مد محمدًا أنه لا
يتنخم نخامة الا تلقوها باكفهم فدلكوا ا وجوههم و لا توضأ و ضوءًا الا اقتتلوا على
وضوئه يتبركون به و لا يحدون النظر اليه الحديث فانظر كيف تعظيم ال  صحابة لذاته
بل للصادر من ذاته مما هو مستقذر بالنسبة لغير ذاته ال  شريفة أفيقال ان النخامة و ماء
الوضوء الذي يجري على اعضائه الشريفة كانت تدعو او تشفع او لها جاه بل هي
ذات تابعة لاشرف الذوات فانظر الى هذه الجهالات الصادرة ممن يدعي الكمالات
فيجعل ذات نبينا كاللات و يلزم على قوله ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و اصحابه
هم الذين فعلوا و امروا بمشاة الاصنام و العياذ بالله من لازم هؤلاء الطغام و في الباب
أحاديث دالة على التو  سل بالآثار للانبياء و الأولياء الاخيار لا جواب عنها للخصماء
الاشرار منها ما في البخاري و مسلم عن اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها و في بعض
حديثها فاخرجت لي جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج و فرجاها مكفوفتان
- ٣٣ -
بالديباج فقالت فهذه كانت عند عائشة رضي الله عنها فلما قبضت قبضتها فنحن
نغسلها للمرضى نستشفي ا الحديث فانظر كيف يستشفون ا لكوا كانت ملبوسة
لتلك الذات الحاوية لجميع الكمالات و منها في جمع ال  صحيحين للحميدي( ١) عن عبد
الله بن موهب قال ارسلني اهلي الى ام سلمة زوج الن  بي صّلى الله عليه و سّلم بقدح
من ماء فجائت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم فكان إذا
اصاب الانسان عين او شئ بعث باناء اليها فخضخضت له فشرب منه فاطلعت في
الجلجل فرأيت شعرات حمرا و منها ما في الجمع بين ال  صحيحين للحميدي عن سهل
بن سعد في البردة التى استوهبها من الن  بي صّلى الله عليه و سّلم فلامه ال  صحابة على
طلبها منه فقال انما سئلته اياها لتكون كفني و في رواية أبي غسان أنه قال رجوت
بركتها حين لبسها الن  بي صّلى الله عليه و سّلم لعّلي اكفن ا و كان مراده يتسبب ا
الى الله في قبره ليندفع عنه العذاب ببركتها وهى ذاث لا يتصور فيها شئ سوى كوا
من آثار تلك الذات و في ال  صحيحين عن ام سليم ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم كان
ينام عندها فكانت تأخذ من عرقه ال  شريف فاستيقظ فقال (ما تصنعين يا ام سليم)
فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا فقال (اصبت) قال ابن ملك في شرح
المصابيح و فيه دليل على جواز التقرب الى الله تعالى بآثار المشايخ و العلماء و الصلحاء
انتهى و منها ما في صحيح مسلم كان رسول الله صّلى الله عليه و سّلم إذا صّلى
الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يأتونه باناء الا غمس يده ال  شريفة فيه قال
ابن الجوزي في كتابه بيان شكل الحديث انما كانوا يطلبون بركته صّلى الله عليه و
سّلم لهذا و ينبغي للعالم إذا طلب العوام منه التبرك في مثل هذا ان لا يخيب ظنوم
انتهى كلام الحافظ ابن الجوزي و في كلام هذا العالم و في كلام النووي في شرح
مسلم و القاضي عياض في شرح مسلم و في كلام العلامة ابن ملك الخنفي دليل على
ان هذه الامور ليست خاصية بالن  بي صّلى الله عليه و سّلم كما زعمه بعض الخوارج و
١) مح  مد الحميدي الاندلسي توفي سنة ٤٨٨ ه. [ ١٠٩٥ م.] )
- ٣٤ -
منها ما رواه البخاري عن ابن سيرين( ١) قال قلت لعبيدة عندنا من شعر الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم اصبناه من قبل انس او من قبل اهل انس فقال لأن تكون شعرة عندي منه
احب ا ّ لي من ال  دنيا و ما فيها و منها ما في البخاري ان انس ابن مالك خادم رسول
الله صّلى الله عله و سّلم اوصى ان تدفن شعرات للنبي صّلى الله عليه و سّلم معه انتهى
و ما ذاك الا ليتوجه الى الله تعالى ا في قبره و في الشفاء في فضل كراماته و بركاته
صّلى الله عليه و سّلم قال و كانت شعرة في قلنسوة خالد ابن الوليد( ٢) فلم يشهد ا
قتالا الا رزق النصر ايرزق النصر خالد بذات شعره و لا يتو  سل الى الله باصل ذاته
صّلى الله عليه و سّلم و ما احسن ما قال البوصيري
و من تكن برسول الله نصرته * ان تلقه الاسد في آجامها تجم
و منها ما في ال  صحيحين عن ابن عباس أنه مر على قبرين فقال اما يعذبان
فدعى بعسيب فشقه و جعل على كل قبر نصفًا و قال لعّله يخفف عنهما مالم ييبسا
انتهى فقد شرع صّلى الله عليه و سّلم لامته ان يجعلوا جريدة رطبة في الذي يخاف
عليه العذاب لأن للجريد خاصية ان الله يخفف عن صاحب القبر الذي هو فيه العذاب
و لا شك ان الجريد ذات و ليس هذا خاصا بالن  بي صّلى الله عليه و سّلم حتى يقال ان
ارتفاع العذاب بسبه صّلى الله عليه و سّلم بل اجمع العلماء على العمل به في كل عصر
أيجوز التسبب بجريد النخل و هو ذات و لا بجوز التو  سل و التسبب بذات سيد
الوجود فأي عقل لمن يمنع ذلك و يدخل نفسه الغبية في مضايق هذه المسالك و ادل
دليل على ان الذات يتو  سل و يتسبب ا ان هندا زوجة أبي سفيان اخذت قطعة من
كبد حمزة رضي الله عنهما فاسترطتها فما لبثت في بطنها فقال رسول الله صّلى الله
علنه و سّلم (ا ّ ن حمزة اكرم على الله من ان يدخل جزء من بدنه النار) و في رواية (لو
لبثت لم تدخل النار) اعظم من ذلك شرب مالك بن سنان دمه و قوله (لن تصيبك
١) ابن سيرين مح  مد البصري توفي سنة ١١٠ ه. [ ٧٢٩ م.] )
٢) خالد بن الوليد ال  صحابي رضي الله تعالى عنه توفي سنة ٢١ ه. [ ٦٤٢ م.] في حمص )
- ٣٥ -
النار) و مثله شرب عبد الله بن الزبير دم حجامته فقال له صّلى الله عليه و سّلم (ويل
لك من الناس و ويل لهم منك) و لم ينكر فعله و قد روي نحو من هذا عنه في المرأة
التى شربت بوله فقال لها (لن تشتكى وجع البطن ابدًا) و حديث هذه المرأة التى شربت
بوله صحيح الزم الدار قطنى البخاري و مسلمًا اخراجه في ال  صحيح و اسم هذه المرأة
بركة ذكر ذلك جملة من العلماء منهم القاضى عياض في الشفاء و القسطلاني في
المواهب الّلدنية فيا امة ال  دين ايكون الدم و البول الخارج من ذاته سببا لدفع النار عن
شارا و كذلك الوجع و يمتنع عن ذاته ان يتسبب و يتو  سل ا الى الله تعالى و هى
من نور الله تعالىكما في حديث جابر و غيره فمن منع التو  سل بذات سيد المرسلين
أهو من الاعداء له ام يعد من المسلمين فما هذه الشناعة يا اصحاب الصقاعة و الرقاعة
في ذات صاحب الشفاعة و من هو الرحمة بذاته للكّفار فض ً لا عن الاسلام فض ً لا عن
اهل ال  سنة و الجماعة فتأمل رحمك الله في هذه الجملة و دع الجاهل و جهله فيتحقق
لك ان آية ابتغاء الوسيلة عام في الاعمال و الاقوال و الذوات بدليل هذه الأحاديث
ال  صحيحة و من الآيات ال  دالة على الطلب من المخلوق و لو ما لا يقدر عليه الا الله إذا
كان في مقام الكرامة للأولياء قوله تعالى عن ن  بي الله سليمان (يآ َاي  ها الْ  ملأُ َاي ُ ك  م يْاتِينِي
بِع  رشِ  ها َقب َ ل َا ْ ن يْاتونِي مسلِمِ  ين * النمل: ٣٨ ) فطلب من الملأ و هم الجن و الانس و
فيهم مردة الشياطين قال عفريت من الجن انا آتيك به قبل ان تقوم من مقامك قال
سليمان اريد اسرع من ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب و هو آصف بن برخيا
من الانس و كان كاتب سليمان انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فاتى به في هذه
المدة القصيرة و كان العرش في اليمن و سليمان في الشام و مسيرة ما بينهما ثلاثة
اشهر فاتى به من تحت الارض و هو سرير مكلل بالجواهر و الذهب فلم ينكسر منه
شئ و لم يتخلخل فقد اجمع اهل العلم ان هذا من نوع الكرامة و هو الامر الخارق
للعادة يجريه الله على يد وليه و عبده ال  صالح و الله تعالى ذكر في كتابه ذلك في مقام
الافتخار لذلك الرجل ال  صالح و لم يعتب الله علىسليمان و لم يقل له لم دعوت غيري
- ٣٦ -
و انا اقرب اليك من حبل الوريد و عبيدى غير قادرين على هذا الامر الذي لا يقدر
عليه غيري و ذلك لأن ن  بي الله سليمان و رسوله صلوات الله عليه يعلم ان ذلك من
التماس الاسباب و هو من المشروع الذي امر الله تعالى به و كذلك الطلب من
الرسول صّلى الله عليه و سّلم او من شهداء و صلحاء امته انما هو من نوع الكرامة و
التسبب و الفاعل الحقيقي في ذلك هو الله تعالى و كرامة الأولياء داخلة في فضائل
الانبياء لأا بواسطتهم تكون للأولياء بسبب متابعتهم لذلك الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم و من الآيات القرآنية ال  دالة على التو  سل و التشفع بالمقربين لاسيما سيد المرسلين
قوله تعالى ( َ وكَانوا مِ  ن َقبلُ ي  ست ْ فتِ  حو َ ن  عَلى الَّذِي  ن َ كَفروا َفَل  ما  جآءَ  ه  م ما  ع  رفُوا
َ كَفروا بِهِ َفَلعنةُ اللَّهِ  عَلى اْل َ كافِرِي  ن * البقرة: ٨٩ ) اتفق المفسرون و اهل الحديث اا
نزلت في يهود خيبر كانوا قبل وجوده صّلى الله عليه و سّلم يحاربون اسدًا و غطفان
من مشركي العرب و كانوا يقولون الّله  م بحق هذا الن  بي الذي تبعثه آخر الزمان ا ّ لا
نصرتنا عليهم فينصرون فلما جاء هم الرسول و رأوه كفروا به عنادًا و حسدًا و قال
ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) ان اليهود كانوا يحاربون جيرام من العرب في
الجاهلية و يستنصرون عليهم بالن  بي صّلى الله عليه و سّلم قبل ظهوره فيفتح لهم و
ينصرون عليهم فلما ظهر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم كفروا و جحدوا نب  وته
فأستفتاحهم به مع جحد نب  وته مما لا يجتمعان فإن كان استفتاحهم به لانه ن  بي كان
جحد نب  وته محالا و إن كان جحد نب  وته كما يزعمون حقًا كان استفتاحهم به باطلا و
هذا مما لا جواب لاعدائه عنه البتة انتهى و في بعض حواشى البيضاوى نقلا عن السعد
التفتازانى قال و الاظهر أنهم كانوا يطلبون الفتح من الله عليهم متو  سلين بذكره صّلى
الله عليه وسلم و يجعلون اسمه شفيعًا انتهى ورأيت للعلامة الورع الزاهد تقي ال  دين
الحصني( ١) جعل الله بركات علومه من كل سوء حصنى كلاما لطيفًا يكتب بماء العيون
قال في كتابه المولد النبوي ما نصه و اذا سمع المسلم ما اشتملت عليه اخلاقه الكريمة
١) ابو بكر الحصني ال  شافعي الشامي توفي سنة ٨٢٩ ه. [ ١٤٢٦ م.] )
- ٣٧ -
من حلمه و عفوه و احتماله عرف قدره عند الله فيتو  سل به في اموره و مهماته فإنه
الشفيع المشفع و الحبيب الذي إذا طلب منه شئ استشفاعًا به اجيب و لا يمنع و قد
ارشدك الله في كتابه العزيز و الهم اصفيائه الى ذلك بل تو  سل به اشد الناس عداوة له و
للمؤمنين كما هو مذكور في كتابه المبين فاجام اظهارًا لتعظيم حبيبه سيد الاولين و
الآخرين قال ابن عباس كانت اهل خيبر تقاتل غطفان كلما التقوا هزمت غطفان
اليهود فعاذت اليهود ذا الدعاء الّله  م انا نسئلك بحق هذا الن  بي الذي وعدتنا ان تخرجه
لنا آخر الزمان ا ّ لا نصرتنا عليهم فكانوا اذا التقوا دعوا اليهود ذا الدعاء فتهزم اليهود
غطفان فلما بعث الله محمدًا صّلى الله عليه و سلم كفروا به فانزل الله قوله (و كانوا
من قبل يستفتحون على الذين كفروا) اي يدعون بك يا مح  مد الى قوله (فلعنة الله على
الكافرين) فانظر ارشدك الله تعالى الى هذا الشرف و المكانة له عند ربه كيف كان
يستجيب لمن هو كافر به و يعلم تعالى أنه يكون من اشد الناس عداوة له و ايذاء و
كان ذلك قبل بروزه الى الوجود فكيف و قد بعث رحمًة للعالمين فمن منع التو  سل به
فقد اعلم الناس أنه اسوأ حالا من اليهود و نادى على نفسه بذلك ثم ذكر تو  سل آدم
به و ما ذكره المف  سرون في ذلك و اهل الحديث فتأمل في حسن هذا الكلام و موقعه
لتعلم حال من منع التو  سل به و شقاءه حيث أن الله جعله دليلا على نب  وته و ملزما
لاعدائه بالحجة البالغة فيه و قد بقى من آيات القرآن ما فيه دلالة على التو  سل و
التشفع مما ذكرناه في غير هذا لكتاب (فصل) و لما كان ما يحصل من التو  سل و
التشفع بالانبياء و الأولياء انما هو من طريق الكرامة مع كوم متسببين في دار
برازخهم و الكرامة لما اجمع عليها المسلمون من اهل ال  سنة و الجماعة و هى من واجب
الاعتقاد على العباد و اصلها في كتاب الله تعالى باتفاق اهل ال  سنة و ذلك طلب
سليمان عليه ال  سلام احضار عرش بلقيس من سبأ الى الشام في طرفة عين و لم
يتخلخل منه شئ و هو من الجواهر و الذهب و كان من اتى به آصف بن برخيا و هو
و ّ لي بلا ش  ك و كذلك رزق مريم كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا
- ٣٨ -
و غير ذلك مما ذكره اهل عقائد كل مذهب من مذاهب اهل ال  سنة و قد اتفق اهل
ال  سنة و الجماعة على ان كرامات الأولياء من معجزات الانبياء عليهم ال  سلام لأن
المعجزة لما كانت في الانبياء المتبوعين بقيت آثارها في التابعين الأحياء و الميتين بل هى
في الانبياء و الأولياء بعد الانتقال الى دار البقاء ادل و اقوى على صدقهم و حقيقة
دينهم و ذلك ان الن  بي الح  ي و الو ّ لي الحي قد يظن العد  و الكافر و المنافق ان المعجزة و
الكرامة من تعملهم و تحيلهم و اما بعد الانتقال فلم تبق هذه الشبهة بوجه لعلم ذوى
العقول ان هذا من محض خلق الله و قدرته اجراه تعالى على يد نبيه او وليه كرامة له
بخرق العادة ثم انما تنسب المعجزة او الكرامة لن  بي ظاهر او و ّ لي معلوم اتباعه للن  بي
المعصوم صلوات الله عليه و هؤلاء لا يمكن الشيطان ان يتصور بصورهم اما الانبياء
( فمعلوم لمكان العصمة و لقوله تعالى (اِنَّ عِبادِي َلي  س َل  ك  عَليهِم سلْطَانٌ * الحجر: ٤٢
و اما الأولياء فللارث للانبياء كما ورد في سيدنا عمر و ابن مسعود و غيرهما و اما
قول الاوشي( ١) في بدأ الامالى.
كرامات الو ّ لي بدار دنيا * لها كون فهم اهل النوال
فليس مما يتعلق به ذو فهم لأن مقصوده ان كرامات الأولياء ظهورها و
كوا يكون بدار دنيا و هو كذلك لأن دار الآخرة ليست محل خلاف بيننا و بين
المعتزلة لأنهم ينكرون وجود الكرامة في ال  دنيا لأا تشبه المعجزة من جهة خرق العادة
فيشتبه الو ّ لي بالن  بي عندهم و اهل ال  سنة و الجماعة يثبتوا في دار ال  دنيا و لا اشتباه لأن
المعجزة انما تكون من الن  بي مقرونة بالتحدى و هي ادعاء النب  وة و الو ّ لي لا يتحدى بل
لو تحدى لخرج عن ولاية الله فقوله بدار دنيا متعلق بكون فيكون المعنى كرامات الو ّ لي
لها كون بدار دنيا ثم فرع على ذلك قوله فهم اهل النوال يعني اهل العطاء لمن يسئلهم
و يطلب منهم تشفعًا و عديم الفهم ظن ان بدار دنيا حالا من الو ّ لي اي كرامات الو ّ لي
حال كونه بدار دنيا لها كون اي لها وجود ففهم عديم الفهم ان الو ّ لي إذا انتقل الى
١) علي الاوشي الفرغاني توفي سنة ٥٧٥ ه. [ ١١٧٩ م.] )
- ٣٩ -
الدار البرزخية لا يكون بدار دنيا فلا يكون له كرامة و هذا خطأ فإن العلماء الكمل
كالنجارى الحنفى شارح بدأ الامالى و ال  شيخ احمد( ١) محشى الاشباه الحنفي في رسالة
له ذكرا ما ذكرته و قالوا بناءً على فهم من فهم خلافه ان الو ّ لي ما دام لم يصل الى
الآخرة و هى ما بعد القيامة فهو بدار دنيا فيكون كراماته موجودة و هذا كله لارخاء
العنان و ا ّ لا فالواقع من كرامات الأولياء بعد موم شئ لا يحصى و اجمع عليه العلماء
فلننقل لك ما هو ثابت بالسنة ال  صحيحة منها ما في البخاري ان عاصمًا ال  صحابي كان
عاهد الله في ال  دنيا ان لا يمس مشركًا و لا يمسه مشرك فلما قتله الكّفار ارادوا ان
يأخذوا ل  شته فحماها الدبر اي الزنابير فما قدروا على الوصول اليه و هذه لا شك اا
كرامة من الله تعالى لهذا الو ّ لي بعد موته و كذلك حديث خبيب لما صلبه الكّفار بعد
قتله ذهب اليه بعض الصحابة فأتاه ليلا فقطع حبل صلبه فسقط و لم يعلم اين ذهب و
كذلك ال  صحابي الذي استشهد و هو مجنب فغسلته الملائكة و هو حنظلة غسيل
الملائكة و كل ذلك في البخاري و في المشكاة( ٢) عن عائشة رضى الله عنها انا
لنتحدث ان النجاشى لا زال على قبره نور ساطع و قد قدمنا لك حديث جعفر بن
ابي طالب و أنه بعد قتله ذهب لاهل بيشة يبشرهم بالمطر و كذلك غيره و حديث
تكلم رأس الحسين رضى الله عنه و هو أنه كان امام الرأس ال  شريف قارئ يقرأ سورة
الكهف فقرأ (َا  م  حسِب  ت َانَّ َاصحا  ب الْ َ كهفِ  وال  رقِيمِ َ كانوا مِ  ن آياتِنا  ع  جبا *
الكهف: ٩) فقال الرأس قتلي و حملي اعجب من اهل الكهف و كذا قرائة نصر
الخزاعى و هو مصلوب فإنه صلبه المأمون و امر رج ً لا بيده رمح يحرفه عن القبلة فكان
إذا جن الليل استدار الى القبلة قال الراوي فسمعته يقول (الم * َا  حسِ  ب النا  س َا ْ ن
٢) قال فأقشعر جلدي الى – يت ركُوا َا ْ ن يُقوُلوا آمنا  و  ه  م َ لا ي ْ فتنو َ ن * العنكبوت: ١
آخر الحديث و قد تقدم عن الحديث الذي فيه ان صاحب القبر قرأ سورة الملك حتى
١) احمد الحموي الحنفي توفي سنة ١٠٩٨ ه. [ ١٦٨٧ م.] في مصر )
٢) المشكاة لولي ال  دين مح  مد المتبريزي التوفي سنة ٧٤٩ ه. [ ١٣٤٨ م.] و هو شرح المصابيح للبغروي )
- ٤٠ -
ختمها و كلها آثار صحيحة ذكرها ائمة الحديث و اخرج ابن عساكر من طريق مح  مد
بن اسحاق بن الحريض عن المسيب بن واضح عن عيسى بن كيسان عمن حدثه عن
عمير بن الحباب ال  سلمي قال اسرت انا و ثمانية معي في زمان بني امية فادخلنا على
ملك الروم فامر باصحابي فضربت رقام ثم اني قدمت لضرب عنقي فقام اليه بعض
البطارقه فلم يزل يقبل رأسه و رجليه حتى وهبني له فانطلق بي الى مترله فدعى ابنة له
جميلة فقال لي هذه ابنتي ازوجك ا و اقاسمك مالى فادخل في ديني فقلت ما اترك ديني
لزوجة و لا لدنيا فمكث ايامًا يعرض عل  ي ذلك فدعتني ابنته ذات ليلة الى بستان لها
فقالت ما يمنعك مما عرض عليك ابي فقلت ما اترك ديني لإمرأة و لا لدنيا قالت فتحب
المكث عندنا او الالحاق ببلادك فقلت الذهاب الى بلادي قال فأرتني نجمًا في السماء و
قالت سر على النجم بالليل و اكمن بالنهار فإنه يلقيك الى بلادك ثم زودتني و انطلقت
فسرت ثلاث ليال اسير بالليل و اكمن بالنهار فبينا انا في اليوم الرابع مكمن فإذا الخيل
فقلت طلبت فاشرفوا علي فإذا انا باصحابي المقتولين و معهم آخرون على دواب
شهب فقالوا عمير فقلت او ليس قد قتلتم قالوا بلى و لكن الله نشر الشهداء و اذن
لهم ان يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز فقال لي بعض الذين معهم ناولني يدك يا
عمير فناولته يدي فاردفني ثم سرنا يسيرًا ثم قذف بي قذفة وقعت قرب مترلي بالجزيرة
من غير ان يلحقني شئ و ذكر ابن الجوزي بسنده عن أبي عل  ي البربري و هو اول من
سكن طرسوس عن ثلاث اخوة من الشام كانوا يغزون فا  سرهم الروم فجرى عليهم
كما جرى على عمير المتقدم ذكره فقتل اثنان و بقى الآخر ثم ان و احدًا من كبار
الروم تجعل ابنته تغويه فهدها الله و اسلمت و شردت هي و هو فبينما هما كامنان
بالنهار إذ سمعا وقع خيل فإذا هو بأخويه المقتولين و معهما ملائكة فسلم عليهما و
سألهما عن حالهما فقالا له ان الله ارسلنا اليك لنشهد تزويجك ذه الفتاة فزوجوه اياها
و رجعوا وخرج الى بلا دالشام فأقام معها و كانوا مشهورين بذلك معروفين بال  شام
في الزمان الاول و هذا باب واسع فيه للسلف كتب مؤلفة ككتاب ابن أبي ال  دنيا فيمن
- ٤١ -
عاش بعد الموت و كتابه في كرامات الأولياء و كتاب القبور و كتاب أبي نعيم المسمى
بالحلية و صفة الصفوة لابن الجوزي و عيون الحكايات له و غير ذلك فهذا من حيث
النقل عن المحدثين و اهل الأثر و اما من العلماء من كل مذهب فاحسن من ذكر
كرامات الأولياء بعد الموت ابن تيمية و ابن القيم و اما انكار بعض الحنفية طي المسافة
من نوع الكرامة فقد رده ائمة الحنفية في كتب الفقه و كتب العقايد بمسئلة ما لو
تزوج مغربي مشرقية فسافر عنها مدة بعيدة فحملت بعد غيبته باكثر من مدة الحمل
قالوا يلحق به النسب لاحتمال اتيانه اليها بط  ي المسافة من باب الكرامة و اطبق على
هذا الفقهاء كما في ال  در و غيره و كما في كتب العقائد و ذكره صاحب الوهبانية
بأن ط  ي المسافة من جملة الكرامات التى يجب اعتقادها و أنه نصره النسفي فهو المعول
عليه في هذه المطالب و اجمع عليه من بعده من الحنفية في مصنفام كما في الفقه
الاكبر و السواد الاعظم و وصية أبي يوسف للامام الاعظم و في شروح هذه الكتب و
في النسفية و شروحها و في المواقف و المقاصد و شروحهما و غير ذلك من كتب
الأئمة الحنفية و غيرهم كيف و قد وردت به الآية التى هى عمدة استدلال اهل ال  سنة
على وجوب اعتقاد الكرامة و هى قصة اتيان عرش بلقيس من المكان البعيد في طرفة
عين فإن هذا من ط  ي المسافة كما لا يخفى على منصف و في شرح السواد الاعظم
المنسوب للامام الاعظم رضي الله عنه عبارة في غاية الحسن و اللطافة ناسب ذكرها
هنا قال الثانية و الثلاثون ما قلنا أنه ينبغي ان يقر بكرامة الأولياء لأن من أنكر كرامة
الأولياء فهو مبتدع و من أنكرها و هو يظن ان ذلك هدم معجزات الانبياء فهذا لا
يخرج عن احد الحالين اما ينكر الآيات التى في كتاب الله تعالى فمن أنكر الآيات فقد
كفر و ان لم ينكر الآيات و آمن ا و لكن يقول كانوا انبياء فقد كفر و ان لم ينكر
الآيات و لم يقل كانوا انبياء فقد صح عنده ان هذه كرامة الأولياء كانت لغير الانبياء
و يجوز ذلك لأن الله تعالى (قَا َ ل الَّذِي عِن  ده عِلْم مِ  ن الْكِتابِ َانا آتِي  ك بِهِ َقب َ ل ان
يرت  د اَِلي  ك َ طرفُ  ك * النمل: ٤٠ ) و كان آصف بن برخبا من الأولياء و لم يكن نبيًا و
- ٤٢ -
كان من امة سليمان بن داود فلم جاز ان يكون من امة سليمان و له كرامة الأولياء و
ليس يجوز في امة مح  مد صّلى الله عليه و سّلم كرامة أولياء و مح  مد افضل من سليمان و
امة مح  مد افضل من امة سليمان فإن قال المخالف تلك الكرامة كانت من قبل سليمان
نقول و هذه الكرامة كانت من قبل مح  مد صّلى الله عليه و سّلم و قوله تعالى (  و  هزِّي
اَِليكِ بِجِذْعِ النخَلةِ ت  ساقِ ْ ط  عَليكِ  ر َ طبا  جنِيًا * مريم: ٢٥ ) فاخرج الله لها من الشجرة
ثمرة لاجل مريم اكرمها بذلك و مريم لم تكن نبية و قوله تعالى ( ُ كلَّ  ما  د  خ َ ل  عَلي  ها
 ز َ كرِيا اْلمِ  ح  را  ب  و  ج  د عِن  د  ها رِ  زًقا قَا َ ل يا مريم َانى َلكِ  ه َ ذا َقاَل  ت ه  و مِ  ن عِندِ اللهِ *
آل عمران: ٣٧ ) و كذلك قصة اهل الكهف فهى كرامة عظيمة اكرمهم الله ا و لم
يكونوا انبيآء فلم جاز في الاولين كرامة الأولياء و لا يجز في امة مح  مد كرامة الأولياء و
قد قال تعالى ( ُ كنت  م  خي ر اُمةٍ اُخرِ  جت لِلناسِ * آل عمران: ١١٠ ) فإن قال المخالف
ان فلانًا يذهب في ليلة واحدة الى بيت الله و يرجع هذا لا يكون ابدًا قيل كأنك تقول
لم تكن للنبي صّلى الله عليه و سّلم كرامة فلم يكرم ا احد فإنه صّلى الله عليه و سّلم
اسري به و عرج به الى ال  سموات السبع و بلغ ما شاء الله ثم  ر  ج َ ل فهل يكون كرامة
اعظم من هذه و ايضًا يقال للمخالف المؤمن خير ام الكافر فإنا وجدنا من يسير من
الكّفار في ساعةٍ واحدةٍ من المشرق الى المغرب و هو ابليس لعنه الله هذا و هو كافر
فكيف لا يكون ذلك كرامة للأولياء فتأمل و انصف و في هذا القدر كفاية انتهى
عبارة السواد الاعظم و اعلم ان الذي ينكر كرامات الأولياء انما هم الخوارج و المعتزلة
و الرافضة كما ذكره ابن تيمية و غيره لعدم وجودها عندهم لأنهم ليسوا من اهل
الكرامة فلا كرامة لهم و صّلى الله على سيدنا مح  مد و على آله و صحبه و سلم.
- ٤٣ -
هذا كتاب اشد الجهاد في ابطال دعوى الاجتهاد
تأليف العالم العلامة شيخ الاسلام و ناصر ال  سنة الفاني بربه الابدي
سيدي و مولاي ال  شيخ داود الموسوي البغدادي
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
الحمد لله الذي رزق اهل ال  سنة اتباع المذاهب الاربعة * و عمر م و
باتباعهم ال  دين و اربعه * و ال  صلوة و ال  سلام على سيدنا مح  مد القائل بحمل هذا العلم
من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين * وعلى آله واصحابه
و الأئمة اتهدين في ال  دين غير المبتدعين * اما بعد فيقول المفتقر الى الرب الابدى *
داود بن السيد سليمان البغدادي النقشبندي الخالدي * قد اتتني صحيفة من بعض طلبة
العلم المنسوبين لنا عن لسان بعض اهل الهند يذكرون فيها ان اناسًا عندهم يدعون
الاجتهاد المطلق و أنهم غير محتاجين الى اتباع المذاهب الاربعة رضي الله عنهم و
يزعمون ان الله تعالى و رسوله ما اوجبا على الناس اتباعهم وأم يعتمدون على الاخذ
من الكتاب وال  سنة فطلب مني الجماعة الهنديون رد هؤلاء المدعين و بيان تزيف اقوالهم
لئلا يغتر م من مثلهم او غيرهم من العوام و لما كانت هذه المسئلة لم يصنف فيها
كتاب فيما علمت التزمت ان انقل ما حرره العلماء رحمهم الله تعالى و اتتبع اقوالهم في
خلال مباحثهم في بعض المسائل و ان هذه المسئلة تحتاج الى امد بعيد لكن استعين بالله
على قصر مسافتها لأن الطالبين مستعجلون فيها و قد ع  ن لي ان اسميها اشد الجهاد في
ابطال دعوى الاجتهاد فاقول و بالله التوفيق اول ما نقدم احوال المذاهب الاربعة
ومناقبهم رضي الله عنهم و نفعنا من بركام ليصدق قول الفرزدق( ١) فيما قاله
اولئك آبائي فجئنى بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير اامع
١) فرزدق همام الشاعر الشهير توفي سنة ١١٠ ه. [ ٧٢٨ م.] في كوفة )
- ٤٤ -
قال علامة البشر شهاب ال  دين أحمد ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان في
مناقب أبي حنيفة النعمان في اول خطبته الحمد لله الذي اختص العلماء بوراثة الانبياء و
التخلق باخلاقهم و جعلهم القدوة للكافة في معاشهم و معادهم و ميز اتهدين منهم
بقيامهم بمصالحهم و ايضاح الحق لهم في مصادرهم و مواردهم و باضطرار الخلق اليهم
في قوام ما به حياة ارواحهم و أبدام فهم الملوك لا بل الملوك تحت اقدامهم و في
اسرارهم و اقلامهم و هم النجوم لا بل النجوم تستمد من انوارهم و هم الشموس لا
بل الشموس تستضيئ من اضوائهم و اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له أترقى
ا في كمالات معارفهم و اشهد ان سيدنا محمدًا عبده و رسوله المذيع لمعالى مناقبهم
و كمالهم و المفيض عليهم من سوابق التوفيق لاقتفاء آثاره في سائر احوالهم ما سبقوا
به من سواهم الى الخلافة الكبرى عنه في الهداية و الامداد للخلق ببواطنهم و ظواهرهم
الى ان قال و الاولى ان يختار من الأئمة الاربعة من ظن أنه افضل الاربعة و اعلمهم ثم
كل من أبي حنيفة و مالك و ال  شافعي و احمد رضي الله عنهم اجتاز باقليم لا يعرف
فيه غير اتباعه او يكون اتباعه اكثر كأقليم الحجاز و اليمن و مصر و الشام و حلب و
عراق العرب و العجم بالنسبة لل  شافعي رضي الله عنه و كالغرب على سعته بالنسبة
لمالك رضي الله عنه و كالروم و الهند و ما ورآء النهر بالنسبة لأبي حنيفة رضي الله
عنه و من ثم قال المصنف( ١) يعني صاحب كتاب عين العلم و ورد من طرق أبو حنيفة
سراج امتى و ان فضله و ما اشتهر عنه من العبادة و الورع و الزهد و السنحاء و دّقة
النظر و ح  دة الفكر يغنى عن ان يستدل لفضله بما اطبق المحدثون على وصفه و سمع
الباري في المنام يقول انا عند علم أبي حنيفة اي بالحفظ و القبول و الرضى و انزال
البركة فيه و في الآخذين به و سّلم المخالفون له سبعة اقسام في الفقه و هو المشارك
لهم في الباقي و من ثم قال ال  شافعي رضي الله عنه الناس في الفقه عيال على ابي حنيفة
و اصحابه و قال ايضًا من أراد ان يعرف الفقه فليلزم ابا حنيفة و اصحابه و قال ايضًا
١) صاحب كتاب عين العلم مح  مد البلخي تبفي سنة ٨٢٨ ه. [ ١٤٢٥ م.] )
- ٤٥ -
قلت لمالك أرأيت ابا حنيفة فقال رأيت رج ً لا لو كلمك في السارية ان يجعلها من
ذهب لقام بحجته و قال النظر بن شميل كان الناس نيامًا عن الفقه حتى ايقظهم أبو
حنيفة و دخل على امير المؤمنين المنصور و عنده عيسى بن موسى العابد الزاهد فقال
للمنصور هذا عالم ال  دنيا فقال له المنصور عمن اخذت العلم قال عن اصحاب عمر عن
عمر رضي الله عنه فقال المنصور لقد استوثقت و كان يقوم كل الليل و سمع هاتفا في
المنام و هو في الكعبة المشرفة يقول يا ابا حنيفة اخلصت الخدمة لي و احسنت معرفتى
فقد غفرت لك و لمن تبعك ببركة اخلاصك و احسانك المذكورين الى يوم القيامة و
في هذا من البشرى له و لاتباعه ما يحمل الموفق منهم على بذل طاقته في اقتفاء آثار
امامه فيما كان عليه من تلك الاخلاق العلية و الصفات الطاهرة الزكية التى ق ّ ل ان
تجتمع ا ّ لا للعارفين و الأئمة اتهدين و تلمذ له كبار من الأئمة اتهدين و العلماء
الراسخين كالامام الجليل امع على جلالة براعته و تقدمه و زهده عبد الله بن
المبارك( ١) و كالامام الليث و كالامام مالك بن انس و ناهيك ؤلاء الأئمة و كالامام
مسعر بن كدام( ٢) و أبي يوسف و مح  مد و زفر و غيرهم و ما اشتغل رضي الله عنه
بدعوة الناس الى مذهبه الا بالاشارة النبوية في المنام ليدعوهم الى مذهبه بعد ما قصد
الانزواء و الاستخفاء عنهم تواضعًا و احتقارًا لنفسه عن ان يجعل لها حظًا و يرى منها
اولها فعلا حسنا يستحق رعاية الناس الى الاقتداء و العمل به فلما جاء الاذن ممن
فوضت اليه قسمة خزائن الله تعالى على مستحقيها علم ان ذلك حتم لا بد منه فدعى
الناس اليه حتى ظهر مذهبه و انتشر و كثرت اتباعه و خذلت ح  ساده و نفع الله به
شرقًا و غربًا و عجمًا و عربًا و رزق حظًا وافرًا في اتباعه فقاموا بتحرير اصول مذهبه
و فروعه و امعنوا النظر في منقوله و معقوله حتى صار بحمد الله محكم القواعد معدن
الفوائد و يؤيد ذلك ما حكاه بعض اصحاب المناقب ان ثابتا والده اتى به و هو صغير
١) عبد الله بن المبارك توفي سنة ١٨١ ه. [ ٧٩٧ م.] )
٢) مسعر بن كدام توفي سنة ١٥٥ ه. [ ٧٧٢ م.] )
- ٤٦ -
لعل  ي كرم الله وجهه فدعى له بالبركة و لذريته فكان ما اوتيه أبو حنيفة من بركة تلك
الدعوة و لقى أنسًا ال  صحابي و غيره رضي الله عنهم و نظم بعضهم من لقى من
ال  صحابة فقال
لقى الامام أبو حنيفة ستة * من صحب طه المصطفى المختار
أنسًا و عبد الله نجل انيسهم * و سمية ابن الحارث الكرار
وزر ابن اوفى ثم واثلة الرضى * و اضمم اليهم معقل بن يسار
و مولده رضي الله عنه سنة ثمانين و موته بالمائة و الخمسين و اما الامام
مالك رضي الله عنه ولد في سنة تسعين أو ثلاثة وتسعين ومات في تسع وسبعين ومائة
و روى عنه انه قال ما افتيت حتى شهد لي سبعون امامًا اني اهل لذلك و قل رجل
كنت اتعلم منه و مات حتى يستفتيني قال اليافعي اخبر بنعمة الله ذا الكلام من غير
افتخار يعني من باب (  وَاما بِنِع  مةِ  رب  ك َف  ح  دثْ * الضحى: ١١ ) و قال الزرقاني في
شرح الموطأ هو الامام المشهور صدر ال  صدور اكمل العقلاء و اعقل الفضلاء ورث
حديث رسول الله صّلى الله عليه و سّلم و نشر في امته الاحكام و الفصول اخذ عن
تسعمائة شيخ فاكثر و ما افتى حتى شهد له سبعون امامًا أنه اهل لذلك و كتب بيده
مائة الف حديث و جلس للدرس و هو ابن سبعة عشر سنة و صارت حلقته اكبر من
حلقة مشايخه في حيام و كان الناس يزدحمون على بابه لأخذ الحديث و الفقه
كازدحامهم على باب السلطان و له حاجب يأذن اولا للخاصة فإذا فرغوا اذن للعامة
و لا يدخل الخلاء ا ّ لا كل ثلاثة ايام مرة و يقول و الله لقد استحييت من كثرة ترددي
للخلاء و لما اّلف المو ّ طأ ام نفسه بالاخلاص فيه فألقاه في المآء و قال ان ابتل فلا
حاجة لي به فلم يبتل منه شئ و اثنى الأئمة عليه كثيرا قال سفيان بن عيينه رحم الله
مالكا ما كان اشد انتقاده للرجال و كان لا يبلغ من الحديث ا ّ لا ما كان صحيحًا يعني
لا يقول بلغني كذا و فيه ادنى شبهة بل لا يقول ذلك ا ّ لا و هو صحيح قطعًا و لا
يحدث ا ّ لا عن ثقات الناس و قال عبد الرحمن بن مهدي ما بقي على وجه الارض آمن
- ٤٧ -
على حديث رسول الله صّلى الله عليه و سّلم من مالك بن انس و لا اقدم عليه في
( صحة الحديث احدًا وما رأيت اعقل منه وقال عبد الرحمن بن مهدي سفيان الثوري( ١
امام في الحديث و ليس بامام في ال  سنة و الاوزاعي( ٢) امام في ال  سنة و ليس بامام في
الحديث و الامام مالك امام فيهما جميعا و قال يحيى ابن سعيد و يحيى بن معين مالك
امير المؤمنين في الحديث زاد ابن معين كان مالك من حجج الله على خلقه امام من
ائمة المسلمين مجمع على فضله و قال ال  شافعي اذا جاء الاثر فمالك النجم و إذا ذكر
العلماء فمالك النجم الثاقب و لم يبلغ احد مبلغ مالك في العلم لحفظه و اتقانه و
صيانته و ما احد أمن عل  ي في علم الله من مالك و جعلت مالكًا ح  جة بينى و بين الله
و مالك و ابن عيينه القرينان لو لاهما لذهب علم الحجاز و قال عبد الله بن أحمد بن
( حنبل قلت لابي من اثبت اصحاب الزهري قال مالك في كل شئ و قال ابن وهب( ٣
لو لا مالك و الليث لضللنا و كان الاوزاعي إذا ذكر مالكا قال عالم العلماء و عالم
اهل المدينة و مفتي الحرمين و قال ابن عيينه لما بلغته وفاته ما ترك على الارض مثله و
قال ايضًا مالك امام ال  دنيا و عالم اهل الحجاز مالك ح  جة في زمانه و مالك سراج
الامة و انما كنا نتبع آثاره و قدمه ابن حنبل على الثوري و الليث و الحكم و حماد و
الاوزاعي في العلم و قال سفيان بن عيينه في حديث (يوشك ان يضرب اكباد الابل
يطلبون العلم فلا يجدون عالمًا اعلم من عالم المدينة) اخرجه مالك و الترمذي و ح  سنه
النسائي و الحاكم و ص  ححه عن أبي هريرة مرفوعًا نرى أنه مالك بن أنس و روى أبو
نعيم عن المثنى بن سعيد سمعت مالكا يقول ما بت ليلة ا ّ لا رأيت فيها رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و اخرج ابن عبد البر عن مصعب بن عبد الله الزبير عن ابيه قال كنت
جالسا بمسجد رسول الله صّلى الله عليه و سّلم مع مالك فجاء رجل فقال ايكم أبو
١) سفيان الثوري توفي سنة ١٦١ ه. [ ٧٧٧ م.] في البصرة )
٢) عبد الرحمن الاوزاعي توفي سنة ١٥٧ ه. [ ٧٧٤ م.] في بيروت )
٣) ابن وهب عبد الله المالكي توفي سنة ١٩٧ ه. [ ٨١٣ م.] )
- ٤٨ -
عبد الله مالك فقالوا هذا فجاء فسلم عليه و اعتنقه و قبل بين عينيه و ضمه الى صدره
و قال و الله رأيت البارحة رسول الله صّلى الله عليه و سّلم جالسا في هذا الموضع
فقال هاتوا مالكا فأتى بك ترعد فرائصك فقال ليس عليك بائس يا ابا عبد الله و
كناك و قال اجلس فجلست فقال افتح حجرك ففتحت فملأه مسكًا منثورًا و قال
ضمه اليك و بثه في امتى فبكى مالك طويلا و قال الرؤيا تسر و لا تضر و ان صدقت
رؤياك فهو العلم الذي اودعني الله و لقد اّلف في مناقبه مجلدات كثيرة و الله اعلم.
و اما الامام ال  شافعي رضي الله عنه فهو الامام القرشي المطلبي الملتقي مع
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم في جده الرابع عبد مناف و لقد احسن من قال
ال  شافعي امام كل ائمة * تربو فضائله على الآلاف
ختم النب  وة و الامامة و الهدى * بمحمدين هما لعبد مناف
فهو مح  مد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن
يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف و شافع المنسوب اليه هذا اسلم هو و ابوه
السائب صاحب راية قريش يوم بدر فال  شافعي امام الأئمة علمًا و عم ً لا و زهدًا و
معرفًة و ذكاءً و حفظًا و نسبًا فإنه برع في كل ما ذكر و فاق اكثر من سبقه لا سيما
مشايخه كمالك و سفيان بن عيينة و مشايخهم و اجتمع له من تلك الانواع و كثرة
الاتباع في اكثر اقطار الارض و تقدم مذهبه و اهله لا سيما في الحرمين و الارض
المقدسة و هذه الثلاثة و اهلها أفضل الأرض و اهلها ما لم يجتمع لغيره و هذا حكمة
تخصيصه في الحديث المعمول به في مثل ذلك يعني المناقب و زعم بعض وضعه حسدًا و
غلطًا فاحشًا و هو قوله صّلى الله عليه و سّلم (عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا)
قال امام ال  سنة و الحديث أحمد بن حنبل و غيره من ائمة الحديث و الفقه نراه ال  شافعي
و لانه لم يجتمع لقرشي من الشهرة كما ذكر مثل ما اجتمع له فلم يترل الحديث ا ّ لا
عليه و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه يا ابتي اني اراك تكثر الدعاء للشافعي
فكيف كان قال يا بني أنه كان للناس كالشمس للدنيا و كالعا فية للناس فهل ترى
- ٤٩ -
لهذين من خلف و ثناء السلف عليه كثير ضربنا عنه خوف الاطالة و اما غرائب
استنباطاته فكثيرة جدا و كاشف اصحابه بوقائع وقعت بعد موته كما اخبر ورأى
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و قد اعطاه ميزانًا فاولت له بأن مذهبه اعدل المذاهب و
اوفقها للسنة الغراء التي هي اعدل الملل و اوفقها للحكمة العملية و العلمية ولد بغزة
على الاصح سنة خمسين و مائة ثم اجيز بالافتاء و هو ابن خمسة عشرسنة ثم رحل
لمالك فأقام عنده مدة و حفظ موطأه و كان في الاول تسعة آلاف حديث و خمسمائة
ثم اختصره في هذا الموجود الآن و هو الف و سبعمائة تقريبًا و ال  شافعي رضي الله عنه
حفظ الاول قبل الاختصار و هو بقدر هذا الموجود نحو ستة مرات فليتنبه لذالك ثم
( رحل لبغداد ولقب ناصر ال  سنة لما ناظر ا اكابرها وظفر عليهم كمح  مد بن الحسن( ١
و كان أبو يوسف ميتًا ثم عاد بعد عامين لمكة ثم لبغداد سنة ثمانية و تسعين و مائة ثم
بعد سنة لمصر فأقام ا كهفا لاهلها الى ان تقطب و من الخوارق التي لم يقع نظيرها
تهد غيره استنباطه و تحريره لمذهبه الجديد على سعته المفرطة في نحو اربع سنين و
توفي سنة اربعة و مائتين ا و اريد بعد ازمنة نقله منها لبغداد و ظهر من قبره روائح
طيبة عطلت حواس الحاضرين فتركوه و قد اكثر الناس التصانيف في مناقبه حتى بلغت
نحو اربعين تصنيفًا.
و اما الامام أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي احد
الاعلام ببغداد و قد تجاوز سبعًا و سبعين سنة بايام فكان اماما في الحديث و ضروبه و
اماما في الفقه و رقائقه اماما في ال  سنة و دقائقها و حقائقها اماما في الورع و غوامضه
اماما في الزهد و حقائقه خرج ابواه من مروز و هو محمول به و ولد ببغداد و نشأ ا
و مات ا و رحل الى الكوفة و البصرة و م ّ كة و المدينة و اليمن و الشام و الجزيرة و
سمع من سفيان بن عيينه و ابراهم بن سعد و يحيى القطان و هشيم بن بشير و معتمر
بن سليمان و اسماعيل بن علية و وكيع بن الجراح و عبد الرحمن بن مهدي و روى
١) مح  مد الشيباني توفي سنة ١٨٩ ه. [ ٨٠٥ م] في ري )
- ٥٠ -
عنه عبد الرزاق بن همام و يحيى بن آدم و الوليد بن هشام بن عبدالملك الطيالسي و أبو
عبد الله مح  مد بن ادريس ال  شافعي اخذ عنه الحديث و هو اخذ عن ال  شافعي الفقه و
العلم و الاسود بن عامر و البخاري و مسلم و أبو داود و اكثر عنه في السنن و روى
الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه و روى النسائي عن عبد الله بن احمد عنه و
روى ابن ماجة عن مح  مد بن يحيى الذهلي عنه و الاثرم و أبو بكر أحمد المروزي و عمر
بن سعيد الدارمي و خلق لا يحصون و قال ابراهيم الحربي ادركت ثلاثة لن يرى ابدًا
مثلهم يعجز النساء ان يلدن مثلهم رأيت ابا عبيد القسمي بن سلام ما امثله ا ّ لا جبل
نفخ فيه الروح و رأيت بشرا بن الحارث الحافي( ١) ما شبهته ا ّ لا برجل عجن من قرنه
الى قدمه عقلا و رأيت أحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الاولين من كل صنف
يقول ما شاء و يمسك ماشاء و عن الحسن بن العباس قال قلت لأبي مسهر هل تعرف
احدًا يحفظ على هذه الامة امر دينها قال لا اعلم ا ّ لا شابا بالمشرق يعني أحمد بن حنبل
و قال قتيبة بن سعيد لو ادرك أحمد بن حنبل عصر الثوري و الاوزاعي و مالك و
الليث بن سعد لكان هو المقدم و قيل لقتيبة أيضم أحمد الى التابعين قال نعم يضم الى
كبار التابعين و قال يحيى بن معين دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقلت له
اوصني فقال لا تحدث السند ا ّ لا من كتابي و قيل لابي زرعة من رأيت من المشايخ
المحدثين احفظ قال أحمد بن حنبل حزركتبه اليوم الذي مات فيه بلغ اثني عشرحملا و
عدلا و كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه و قال ابراهيم بن شماس خاض الناس فقالوا
ان وقع امر في امة مح  مد صّلى الله عليه و سّلم فمن الحجة على وجه الارض فاتفقوا
كلهم على ان أحمد بن حنبل ح  جة و قال ابن الاهدل كان أحمد من خواص اصحاب
ال  شافعي و كان ال  شافعي يأتيه في مترله و كان أحمد يحفظ الف الف حديث و قال
الربيع كتب اليه ال  شافعي من مصر فلما قرأ الكتاب بكى فسالته عن ذلك فقال يذكر
أنه رأى الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و قال اكتب الى أبي عبد الله أحمد بن حنبل و اقرأ
١) بشر بن الحارث توفي سنة ٢٢٧ ه. [ ٨٤٢ م.] في بغداد )
- ٥١ -
عليه مني ال  سلام و قل له انك ممتحن على القول بخلق القرآن فلا تجبهم نرفع لك علمًا
الى يوم القيامة قال الربيع له البشارة فخلع قميصه و اخذت جوابه فلما قدمت الى
ال  شافعي و اخبرته بالقميص قال لا نفجعك به و لكن بله و ادفع الى مائة حتى اكون
شريكك فيه و حزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة الف و من النساء
ستين الفا و اسلم يوم موته عشرون الفًا من اليهود و النصارى و اوس و حكي عن
ابراهيم الحربي قال رأيت بشرا الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرصافة و في
كمه شئ يتحرك فقلت ما هذا فقال نثر علينا لقدوم روح أحمد بن حنبل ال  د  ر و
الياقوت فهذا ما التقطته انتهى ما ذكره ابن الأهدل قال في الشذرات و قد جمع ابن
الجوزي اخباره و كذلك البيهقي و شيخ الاسلام الهروي مات سنة إحدى و اربعين و
مائتين و هذه المناقب التى ذكرناها و شهادة السلف ال  صالح من التابعين و تابع التابعين
لهم هى قطرة من بحر و شذرة من قلادة نحر هى السبب الاقوى في اتباع هؤلاء الاربعة
دون غيرهم مع ثناء الن  بي صّلى الله عليه و سّلم عليهم بطريق الضمن بقوله (خير
القرون قرني ثم الذين يلوم ثم الذين يلوم) و في رواية (ثم الذين يلوم) و كل
من هؤلاء واقع في هذه القرون الخير الشاهد لها خير البرية فمن يترك هؤلاء الاكابر
الداخلين في قوله تعالى (  و الَّذِي  ن اتبعو  ه  م بِاِ  ح  سانٍ  رضِ  ى اللَّه  عن  ه  م  و  رضوا  عنه *
التوبة: ١٠٠ ) يتبع واحدًا في ارذل القرون الذي هو الى الجهل و الرداءة اقرب و يترك
الذين شهد لهم المعصوم و من بعده من السلف المحفوظين ثم من من هؤلاء المدعين مثل
أبي حنيفة في كونه واردة فيه أحاديث من سيد المرسلين و رأى بعض ال  صحابة و قد
قال صّلى الله عليه و سّلم (طوبي لمن رآني او رأى من رأني او رأى من رأى من
رآني) كما في الحديث ال  صحيح و من يقول له الله تعالى قد غفرت لك و لمن تبعك
الى يوم القيامة و من يأمره رسول الله صّلى الله عليه و سّلم باظهار مذهبه و هداية
الناس به فكيف يقدم عاقل على ترك هذا و تقديم من هو في زمان الجهل و الفساد و
الجدال و العناد و كذلك من من هؤلاء المدعين من افتى و جلس للدرس في زمان
- ٥٢ -
التابعين و هو ابن سبعة عشر سنة و شهد له سبعون امامًا من كبار التابعين أنه يستحق
الافتاء و التدريس و هو ذا العمر مع و جود اولئك الاكابر كما وقع لمالك و
ال  شافعي و من يشهد له الاكابر من تابع التابعين أنه ليس في ال  دنيا من يحفظ على الامة
امر دينها و يكون ح  جة على اهل الارض من الكّفار و المبتدعين كالامام أحمد رضي
الله عنه و ما اشبه ذلك من هذه الاحوال التى هي كالمعجزة في هذا الزمان و محال ان
يكون مثلها ا ّ لا على طريق خرق العادة و لنرجع الى رد هؤلاء المدعين للاجتهاد المطلق
في هذا الزمان في قولهم أنه ليس في حق المذاهب الاربعة حديث وارد في الاخذ
باقوالهم و ما ورد ان الاخذ باقوالهم من الأفعال الحسنة بل لنا الأخذ بالكتاب و ال  سنة
فنقول ان القرآن ال  شريف مصرح بالاخذ بالمذاهب على طريق العموم و في الأحاديث
النبوية كذلك لكن بطريق الاشارة لا بخصوص اربعة بل بعموم اتهدين ثم آل الامر
الى الانحصار في الاربعة إذ لم يكن مثلهم بعدهم و اجمع العلماء من زمام الى يومنا
هذا على ذلك و كل واحد من الكتاب و ال  سنة ح  جة تامة ترد هؤلاء الجهلة المدعين
اما الكتاب فقوله تعالى (َاطِيعوا اللهَ  و َاطِيعوا ال  ر  سو َ ل  و ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ُ ك  م فإن تنا  ز  عت  م
فِي  شيءٍ َف  ر  دوه اَِلى اللهِ  وال  ر  سولِ َا ْ ن ُ كنت  م ت  ؤمِنو َ ن بِاللهِ  و الْيومِ الآخر َ ذلِ  ك خير  وَاح  سن
تْاوِي ً لا * النساء: ٥٩ ) رجح المف  سرون ان اولي الامر العلماء و قد امر الله بطاعتهم
لدخولهم بطاعة الرسول و رجح هذا القول الآخر أنهم الامراء من ولاة الأمور بأن
ولاة الامور لا تجب طاعتهم الا ان وافقت فتاوى العلماء فالعلماء في الحقيقة أمراء
الامراء فكان حمل الآية عليهم اولى و ارجح و ذلك ان الامراء ان كانوا علماء
فاتباعهم لعلمهم و ا ّ لا فالامارة وحدها من دون علم لا تفيد و تحتاج الى العلم و
العلماء كما هو ظاهر هكذا قرره الفخر الرازي في تفسيره و زيف ما عداه من الاقوال
و استنبط منها ان الكتاب و ال  سنة و الاجماع و القياس كلها مأخوذة من نفس هذه
الآية فارجع اليه ان اردته قال الفخر الرازاى ذهب كثير من الفقهاء ان ظاهر الامر في
الآية للوجوب و رد من خالف في ذلك من المتكلمين قال و قد دللنا على ان قوله
- ٥٣ -
تعالى و اولي الامر منكم يدل على ان الاجماع ح  جة فنقول كما د ّ ل على هذا الاصل
فكذلك د ّ ل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع و نحن نذكر بعضها فنقول:
الفرع الاول مذهبنا الاجماع لا ينعقد ا ّ لا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط
احكام الله من نصوص الكتاب و ال  سنة و هؤلاء هم المسمون بأهل الحل و العقد في
كتب اصول الفقه فنقول الآية دالة عليه لانه تعالى اوجب طاعة اولي الامر و الذين لهم
النهي و الامر في ال  شرع ليس الا هذا الصنف من العلماء لأن المتكلم الذي لا معرفة له
بكيفية استنباط الاحكام من النصوص لا اعتبار بأمره و يه و كذلك المف  سر و المحدث
الذي لا قدرة له على استنباط الاحكام من القرآن و الحديث فلما دلت الآية على ان
اجماع اولي الامر ح  جة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه
الطائفة من العلماء ثم ذكر الله في الآية في هذه السورة و هى قوله تعالى (  وَلو ر  دوه
( اَِلى ال  ر  سولِ  واَِلى ُاولِي اْ َ لامرِ مِن  ه  م َلعلِ  مه الَّذِي  ن ي  ستنبِ ُ طونه مِن  ه  م * النساء: ٨٣
فقال الفخر الرازي فيه مسائل (الاولى) في اولي الامر قولان احدهما الى ذوى العلم و
الرأى منهم و الثاني أمراء السرايا و رجح الاول بأن العلماء إذا كانوا عالمين باوامر الله
و نواهيه كان يجب على غيرهم قبول قولهم له و حينئذٍ لا يبعدوا ان يسموا اولي الامر
من هذا الوجه و يدل عليه ليتفقهوا في ال  دين و ينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعّلهم
يحذرون فاوجب الحذر بانذارهم و الزم المنذرين قبول قولهم فجاز ذا المعنى اطلاق
اولي الامر عليهم ثم قال فنقول الآية دالة على امور (احدها) ان في الاحكام ما لا
يعرف بالنص بل بالاستنباط (ثانيها) ان الاستنباط ح  جة (ثالثها) ان العامي يجب عليه
تقليد العلماء في احكام الحوادت انتهى كلام الفخر فإن قلت فهؤلاء الناس الذين
يدعون الاجتهاد في هذا الزمان يقولون إنا من العلماء و إنا داخلون في حكم الآية
قلت اولا اتفق اهل الاصول ان غير اتهد المطلق و لوكان عالمًا يسمى عاميًا مقلدا و
ثانيًا ينصرف هذا الاطلاق الى الفرد الكامل من العلماء و هم اتهدون المستنبطون و
لا ش  ك ان هؤلاء معدوم منهم الاستنباط بل هو منهم محال و ذلك ان هذا المدعى انما
- ٥٤ -
تعلم العلم من كتب فروع المذاهب و فهم ما فهمه منها و لو انصف و ترك ما تعلم
فليستنبط لنا كم مسئلة فمن اين يأتى لنا بغير ما في المدونة للمذاهب و من اين له
اصول غير ما اصلوه وفروع غير ما فرعوه فإم الذين وضعوا اصل الفقه و فرعه من
غير سبق كتاب من احد قبلهم غير الكتاب و ال  سنة و لو فرض ان احدًا يترك اصولهم
و فروعهم و يريد ان يحدث اصولا و فروعا من نفسه فإنه لا يتأتى له ا ّ لا بعد عشرات
من السنين و الايام و لا اظنه إذا فعل يقدر ان يظهر شيئًا غير ما اظهره الأئمة الاربعة
فليتق الله مدعي ذلك و ليتنبه بل اقول ظهور مثل هؤلاء في هذه الازمان مصداق لقوله
صّلى الله عليه و سلم في حديث البخاري (ان الله لا يترع العلم انتزاعًا من الناس و
لكن يترعه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخد الناس رؤسًا جها ً لا فافتوا بغير
علم فضّلوا و اضّلوا) و قد اجمع المف  سرون و اهل الاصول ان قوله تعالى (َفسَئلُوا
َاه َ ل الذِّكْرِ ان ُ كنت  م َ لا تعلَ  مو َ ن * النحل: ٤٣ ) اا امر من الله لغير اتهد ان يقلد
اتهد كما دلت الآية الاولى على وجوب اطاعة اولي الامر من العلماء المستنبطين
لقوله تعالى (  و َل  و ر  دوه اَِلى ال  ر  سولِ  و اَِلى ُاولِي اْ َ لامرِ مِن  ه  م َلعلِ  مه الَّذِي  ن ي  ستنبِ ُ طونه
مِن  ه  م * النساء: ٨٣ ) كما قرره الفخر و غيره و سيأتى اجماع جميع العلماء على
( انحصار الاتباع لهؤلاء المذاهب الاربعة من وقتهم الى يومنا هذا قال الامام الشعراني( ١
و مما يؤيد ذلك ما اجمع عليه اهل الكشف من ان اتهدين هم الذين ورثوا الانبياء
حقيقة في علوم الوحي فكما ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم معصوم كذلك وارثه
محفوظ من الخطأ في نفس الامر و ان خطأه احد فذلك الخطأ اضافي فقط لعدم اطلاعه
على دليل فإن جميع الانبياء و الرسل في منازل رفيعة لم يرثهم فيها ا ّ لا العلماء
اتهدون فقام اجتهادهم مقام نصوص الشارع في وجوب العمل به فإنه صّلى الله عليه
و سّلم اباح لهم الاجتهاد في الاحكام تبعا لقوله تعالى (  وَلو ر  دوه اَِلى ال  ر  سولِ  واَِلى
١) عبد الوهاب الشعراني ال  شافعي توفي سنة ٩٧٣ ه. [ ١٥٦٥ م.] )
- ٥٥ -
ُاولِي اْ َ لامرِ مِن  ه  م َلعلِ  مه الَّذِي  ن ي  ستنبِ ُ طونه مِن  ه  م * النساء: ٨٣ ) و معلوم ان الاستنباط
من مقام اتهدين رضي الله عنهم فهو تشريع عن امر الشارع انتهى و اما الدليل من
الأحاديث النبوية فأصل اختلاف المذاهب و وجوب اتباعهم قوله صّلى الله عليه و
سّلم (مهما اوتيتم من كتاب الله فالعمل به واجب لا عذر لاحد في تركه فإن لم
يكن في كتاب الله فسنة لي ماضية فإن لم يكن في سنة لي ماضية فما قال اصحابي
لأن اصحابي كالنجوم في السماء فأيما اخذتم به فقد اهتديتم و اختلاف اصحابي
لكم رحمة) رواه البيهقي في المدخل عن ابن عباس مرفوعًا قال ابن حجر في الخيرات
الحسان و سبقه ال  سيوطي في المواهب ففي هذا الحديث اخباره صّلى الله عليه و سّلم
باختلاف المذاهب بعده في الفروع من منذ زمن اصحابه الذي هو زمن الهدى و
الرشاد المشهود لهم من مشرفهم بأنه خير القرون على الاطلاق و يلزم من اختلافهم
اختلاف من بعدهم لأن كل صحابي مشهود بالفقه و الرواية اخذ بقوله و مذهبه
جماعة و مع ذلك رضي به صّلى الله عليه و سّلم و اقرهم عليه و مدحهم حتى جعل
ذلك الاختلاف رحمًة للامة و خيرهم في الاخذ بقول من شاؤا من اصحابه اللازم له
الاخذ بقول من ارادوا من اتهدين بعدهم الجارين على منوالهم و السالكين لمسالكهم
في اقوالهم و افعالهم انتهى و اما الأحاديث التى فيها الاشارة ففي الامام الاقدم و اتهد
الاعظم أبي حنيفة رضي الله عنه في حديث ال  صحيحين (لوكان العلم في الثريا لتناوله
رجال) وفي رواية (رجل من فارس) قال ال  سيوطي و غيره من المحدثين هذا نص في أبي
حنيفة إذ لم يظهر لاحد منهم ما ظهر له و لأتباعه و تبعه على ذلك جملة من المحدثين
و الفقهاء و اما الامام مالك رضي الله عنه فقوله صّلى الله عليه و سّلم (يوشك ان
تضرب اكباد الابل فلا يجدون عالما ا ّ لا عالم المدينة) و فد تقدم في مناقبه و اما الإمام
ال  شافعي رضي الله عنه فقوله صّلى الله عليه و سّلم (عالم قريش يملاء طباق الارض
علمًا) و قد تقدم من رواه في مناقبه و حقق الاكابر من السلف أنه محمول على هؤلاء
المذاهب فهذه الأحاديث ارشادات منه صّلى الله عليه و سّلم الى هذه المذاهب الاربعة
- ٥٦ -
و فهم منها السلف ال  صالح في زمنهم و بعده عليهم و على استحسان اتباعهم دون
غيرهم فكيف يقول المدعون لم يرد حديث في الاخذ بأقوالهم مع ان الحديث وارد
بالعموم و الخصوص و اما قولهم بل لنا الأخذ بالكتاب و ال  سنة فيقال لهم و هل خرج
هؤلاء المذاهب عن الكتاب و ال  سنة و ابقوا لاحد شيئًا يأخذ به المتأخر عنهم فهذا
اشبه ما يكون بقول الرافضة و الزيدية و الخوارج فإم يضللون الامة المح  مدية و
يدعون أنهم و المذاهب و ال  صحابة على غير هدى و اما اهل ال  سنة و الجماعة فليس
كذلك فإن كان هؤلاء المدعون من الرافضة و الخوارج فلا كلام لنا معهم لأنهم
مارقون من ال  دين كما يمرق السهم من الرمية كما في البخاري و مسلم و كافة كتب
الحديث و حمل سيدنا عل  ي رضي الله عنه و كذلك غيره حمل قوله تعالى (ُق ْ ل  ه ْ ل
نبئُكُم بِاْ َ لاخسرِي  ن َا  ع  ما ً لا * َالَّذِي  ن ضلَّ  سعيهم فِي الحياة ال  دنيا  و  ه  م يحسبو َ ن أنهم
١٠٤ ) على الخوارج المكفرين للامة المح  مدية في – يحسِنو َ ن  صنعا * الكهف: ١٠٣
جميع ال  دنيا ما عداهم فإن هؤلاء اهل عناد و صقاعة عقل لا ينبغي لعاقل الكلام معهم
و يلوث فمه بمخاطبتهم كما هو معلوم لمن ابتلا م من اهل ال  سنة و الجماعة (و
الدليل الثالث) على وجوب اتباع هؤلاء المذاهب الاربعة دون من عداهم اجماع
العلماء على ذلك في كل الاقطار و الازمان و الاجماع في مثل هذه الأمور اقوى من
النص لإشتمال الاجماع على تواطئ العقول الفاضلة من العلماء و غيرهم على تقليد
هؤلاء المذاهب الاربعة و التدين باقوالهم و افعالهم لله و التقرب الى الله تعالى م و
انتاج الاقطاب و الأولياء في كل زمان من اتباع مذاهبهم كما هو مشاهد لكل احد
فهاك نقول الفضلاء من كل مذهب قال الفخر الرازي و الرافعي( ١) و النووي الناس
كامعين اليوم على ان لا مجتهد قاله العلامة ابن حجر المكي في فتاويه بل قال بعض
الاصوليين منا لم يوجد بعد عصر الامام ال  شافعي مجتهد مستقل اي من كل الوجوه
١) عبد الكريم الرافعي توفي سنة ٦٢٣ ه. [ ١٢٢٦ م.] في قزوين )
- ٥٧ -
يعني و الامام أحمد ابن حنبل رضي الله عنه يجعله من مجتهدي المذهب من اتباع
ال  شافعي كالربيع و غيره من العلماء المماثلين له و قال ابن ال  صلاح( ١) و هو من مشايخ
النووي من اهل الستمائة بعد الهجرة ما نصه من ثلاثمائة سنة قبل زمانه عدم اتهد
المستقل فكيف يمكن في هذه الازمان المتأخرة التي عم فيها الجهل و الفسق و عدم
الفهم ان يحصل مجتهد مستقل و قد عدم قبل ابن ال  صلاح الذي هو بحر محيط متفنن في
سائر العلوم بثلثمائة سنة كيف ساغ له هذا الكلام و هو بنفسه كان احسن من هؤلاء
المدعين في هذه الازمان بألف درجة كيف لم يدعه لنفسه هو و كان الفخر الرازي و
الرافعي و النووي كذلك يعني كل منهم من اهل الحفظ و الاتقان و لم يدعو الاجتهاد
مع سعة علومهم و يدعيه هؤلاء الذي قصارى امرهم ان كانوا اهل علم ان يفهموا
عبارات مثل هؤلاء في كتبهم المنقولة عن المذاهب فقد كان دعواهم الاجتهاد ايسر
عليهم و اولى و الزم و قال الامام السبكي في متن جمع الجوامع و كذلك الحنفية يجوز
خلو الزمان عن مجتهد و المختار أنه لم يثبت وقوعه اي الاجتهاد و قال في الدر المختار
في اوله و ذكروا ان اتهد المطلق قد فقد و قال في موضوع آخر على أنه يجوز خلو
الزمان عنه عند الاكثر يعني الخلو عن اتهد المطلق ر و اما الأئمة المالكية فقال بعض
شراح ابن أبي زيد القيرواني من المالكية في قول المتن في آخر الرسالة و الالتجاء الى
كتاب الله و سنة رسوله صّلى الله عليه وسلم و اتباع سبيل المؤمنين و خير القرون من
خير امة اخرجث للناس نجاة ففي الفزع الى ذلك العصمة و لنذكر لك في هذه الجملة
اصول الاحكام اّلتي هي الكتاب و ال  سنة يعني متواترها و آحادها مما جاء من فعله و
قوله و تقرير و سبيل المؤمنين هو الاجماع و اتباعه واجب قال الله تعالى (  و م  ن يتبِع
َ غي ر  سبِيلِ الْمؤمِنِ  ين نولِّهِ ما ت  ولَّى  و نصلِهِ  ج  هن  م  و سآءَ  ت مصِ  يرا * النساء: ١١٤ ) و
قوله خير القرون يشير بذلك الى الاقتداء بالقرون الثلاثة الاول بعد الكتاب و ال  سنة و
الاجماع و بيان ذلك ان لا مقلد ا ّ لا المعصوم لإمتناع الخطأ عليه او من شهد له
١) ابن الصلاح عثمان ال  شافعي توفي سنة ٦٤٣ ه. [ ١٢٤٥ م.] )
- ٥٨ -
المعصوم حيث يتعذر الاقتداء به لأن مزكي العدل عدل و قد شهد عليه ال  سلام لقرنه
ثم الذين يلوم فوجب اعتبارهم في الاقتداء على مراتبهم لكن القرن الاول حفظوا عن
الشارع الاكبر صّلى الله عليه و سّلم و لم يجمعوا فلم يعرف عام من خاص و لا ناسخ
من منسوخ و ذلك لا يتحصل ا ّ لا بالجمع في القرن الثاني فحفظوا ما جمعوه و ذلك لا
يكفي التفقه فيه و قد تفقهوا فيه و لكنهم لم يستوعبوه ثم جاء القرن الثالث فحفظ ما
جمع على جمعه و استوفى ما جمع بفقه فكمل علم ال  دين في القرن الثالث حفظًا و جمعًا
و تفقهًا في كل فن شرعي فاخذ ذلك عن علمائه الذين صلح ورعهم و هم نحو اثنى
عشر رج ً لا فكان لكل منهم اتباع ثم لم تزل اتباعهم تنقرض و ينقرض علمائها حتى لم
يبق الا جملة الأئمة الاربعة مالك و أبي حنيفة و ال  شافعي و احمد رضي الله عنهم
فاقتصر الناس عليهم و اتبعوا مذاهبهم مع أنه لا تخلو الارض من قائم لله بحجة يعني
غير اتهدين لقوله عليه ال  صلوة وال  سلام (لا تزال طائفة من امتى ظاهرين على الحق)
ففي كل عصر سادة و في كل قطر قادة لكن القرون الثلاثة الاصل فيهم الخير و الشر
عارض و ما بعدهم من القرون ليس كذلك فهم معتبرون باوصافهم (و في المتن) و في
اتباع السلف ال  صالح النجاة و م القدوة في تأويل ما تأولوه و استخراج ما استنبطوه
لأنهم قد جمعوا ثلاثة اشياء العلم الكامل و الورع الحاصل و النظر السديد و غلبة
الاصابة و لو لا هذه الامور ما صح الاقتداء م و ان اختلفوا في الفروع و الحوادث لم
يخرج عن جماعتهم بل تعين ان يقتدى م على مراتبهم قال البلالي و يجب مذهب
معين و له رجوع عنه و عن بعض مسائله لا تتبع الرخص (قلت) اما تتبع الرخص
فحرام اجماعا لانه تلاعب بالدين انتهى كلام الرسالة و شرحها و هو كلام متين و اما
اقوال الأئمة الحنفية فقد نقل الشرنبلالي الحنفي في كتابه العقد الفريد عن ابن ال  صلاح
( و السبكي لا يجوز تقليد غير الأئمة الاربعة اي قضاء و افتاء (و نقل) عن الزاهدي( ١
في شرح القدوري (و عن أحمد العيافي) العبرة بما يعتقده المستفتي من المذاهب الاربعة
١) مختار بن محمود الزاهدي الحنفي توفي سنة ٦٥٨ ه. [ ١٢٦٠ م.] )
- ٥٩ -
فكل ما يعتقده من مذهب حل له الاخذ به ديانة و لم يحل له خلافه و عن ابن امير
حاج و الذي يقتضيه القواعد كما ذكره شيخنا يعني ابن الهمام يلزم التقليد لواحد من
الاربعة و لا يلزم سكون نفسه ا ّ لا فيما إذا وجد غيره لا فيما لم يجد ثم في غير كتاب
من الكتب المذهبية اي الحنفية المعتبرة ان المستفتي ان امضى قول المفتي لزمه و ا ّ لا فلا
انتهى كلام العقد الفريد (و اما الأئمة الحنابلة) فقال في الانصاف و من زمن طويل
عدم اتهد المطلق مع أنه الآن ايسرمن الزمن الاول لأن الحديث و الفقه قد دونا لكن
الهمم قاصرة و الرغبات فاترة و ال  دنيا غالبة (و نقل ابن القيم) في اعلام الموقعين عن
الامام أحمد بالسند المتصل قال قيل لاحمد إذا حفظ الانسان مائة الف حديث أيكون
مجتهدًا قال لا قيل فمائتى الف حديث قال لا قيل فثلاث مائة الف حديث قال لا قيل
فاربعمائة الف حديث قال ارجوا فإذا كان آخر المذاهب الذي بينه و بين اقدم
المذاهب نحو مائتى سنة هكذا يقول فكف يتأتى لمن لا يحفظ ثلثمائة حديث باسانيدها
ان يكون مجتهدا في هذا الزمان الفاسد بل ان هؤلاء المدعين لم يحفظوا عشرين حديثًا
بموجب ما تفصحه شقشقام التى اظهروها و بينوا فإنها ليس ا ّ لا عبارة عن هذيان
بل رأيت مقالات لبعض هؤلاء المدعية الاجتهاد تناقض دعوى الاجتهاد فمن ذلك أنه
قد اخذ نقولا كثيرة عن مذاهبنا الاربع و جعلها اصولا لمذهبه فيا ليت شعري ان
اتهد كيف يستأصل اصول غيره بل لاب  د له ان يستأصل اصولا غير اصولهم مستنبطة
من عنده كما عرفت سابقًا فمن هذا يتحقق عندك ما قلناه من عدم الحفظ و التناقض
لانه لو كان حافظًا لعرف طريق الاجتهاد فتأمل ذلك و اعلم نقل صاحب الانصاف
بعد نقله ما تقدم فقيل لابى اسحاق ابن شاقلا فانت تفتى و لا تحفظ هذا القدر فقال
لكن افتي بقول من يحفظ الف الف حديث يعني الامام أحمد و هذا احد ما يوجب
الامتناع من ادعاء الاجتهاد لأن اتهد يلزمه الاطلاع على هذا المقدار من الأحاديث
ليعلم الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و المطلق و المقيد فما دام لم يطلع على هذا
المقدار لا يمكنه الأجتهاد لانه يفوته هذه الاشياء و المذاهب الاربعة اطلعوا على ذلك و
- ٦٠ -
زيادة فالعمدة عليهم لا على اهل الجهل و الفساد و قال ابن القيم الحنبلي في (اعلام
الموقعين) و المقصود ان الواجب فيما علق الشارع الاحكام من الالفاظ و المعانى ان لا
يتجاوز بالفاظها و معانيها و لا تقصر ا و يعطي اللفظ حقه و المعنى حقه و قد مدح
الله اهل الاستنباط في كتابه و اخبر أم اهل العلم و معلوم ان الاستنباط انما هو
استنباط المعانى و العلل و نسبة بعضها الى بعض فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله و
شبهه و نظيره و يلغى ما لا يصح و هذا هو الذي يعقله الناس من الاستنباط و قال
الجوهري الاستنباط كالاستخراج و معلوم ان ذلك قدر زائد على مجرد مفهوم اللفظ
فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط اذ موضوعات الالفاظ لا تنال بالاستنباط و انما ينال
العلل و المعانى و الاشباه و النظائر و مقاصد المتكلم و الله سبحانه ذم من سمع ظاهرًا
مجردًا فاذاعه و افشاه و حمد من استنبط من اولي العلم حقيقة و معناه يوضحه لأن
الاستنباط استخراج الامر الذي من شأنه ان يخفي على غير مستنبطه و من ذلك
استنباط الماء من ارض البئر و العين و من هذا قول عل  ي رضي الله عنه لما سئل هل
خصكم رسول الله صّلى الله عليه سلم بشئ دون الناس فقال لا و الذي فلق الحبة و
برأ النسمة الا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه و معلوم ان هذا الفهم قدر زائد على معرفة
موضوع اللفظ و عمومه و خصوصه فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة
العرب و انما هذا فهم لوازم المعنى و نظائره و مراد المتكلم بكلامه و معرفة حدود
كلامه بحيث لا يدخل فيه غير المراد و لا يخرج منها شئ من المراد انتهى و ليس من له
هذه الرتبة و الحالة ا ّ لا الأئمة الاربعة الذين كانوا في قرب زمن الن  بي و الصحابة و نالوا
من نور الرسالة و مدد علمه مالم ينله غيرهم فكيف يمكن لغيرهم في آخر الزمان حال
كحالهم و فهم كفهمهم و اطلاع على نصوص الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و اصحابه
و التابعين لهم كمثلهم و لهذا جميع علماء الامة ممن بعدهم مشوا على مناهجهم و
اتبعوا مذاهبهم و ثابروا على تنقيحها و ذيبها و بيان المعتمد منها في كل هذه القرون
التى تبلغ من نحو مذهب أبي حنيفة اثنى عشر قرنًا كلهم مضوا مع فضلهم و علمهم و
- ٦١ -
تقدمهم و حفظهم على اتباع مذاهبهم و لم يدعوا هذه الدعوى العاطلة الباطلة إذ هم
ازكى نفوسا و اطهر اوصافا و اورع طريقًا و اغزر علمًا و فهمًا من هؤلاء و لم
يمكنهم الدعوى فكيف يدعي من لا يعد في االعير و لا في النفير و هؤلاء الذين قلنا
عنهم الوف كيف اجتمعت آرائهم و علومهم على اتباع المذاهب الاربع فهذا دليل
الاجماع من اهل العلم على تقليد المذاهب و اليأس من وجود مثلهم او من يدانيهم و
مخالفة الاجماع من العلماء و العوام في كل هذه الاعصار حرام و يستحق المخالف
العذاب كما مر في الآية ال  شريفة و كأن من اظهر نفسه في هذه الازمان بدعوى
الاجتهاد المطلق يقول بلسان نطقه و لسان حاله ان كل هؤلاء العلماء و المقلدون ما
لهم عقول و هو العاقل و لا لهم فهم و هو الفاهم و لا ش  ك ان هذا عين الجنون الذي
يستوجب صاحبها الحبس المديد و العذاب الشديد لسعيه بجنونه في الارض الفساد
فهؤلاء خارجون عن زمرة اهل العلم الكاملين من السلف ال  صالحين و من تبعهم الى
يوم ال  دين فهل يقبل عاقل مثل هذه الخرافة ان شرذمة قليلة الغالب عليها الجهل يدعون
في هذا الزمان الاجتهاد و لا يتبعون المذاهب و من هو اعلم منه بالف درجة لا يدعيه
و يجعل نفسه مقلدًا افلا يستحي من الله و رسوله و من هؤلاء العلماء الاجلاء ان
يرتفع عليهم و يقول أنه هو مثل امامهم المذهب في الاجتهاد و اين الثريا من يد
المتناول فقد سولت له نفسه الامارة بالسوء المدعية رتبة بعيدة عنها بكثير لغلبة هوى
النفس و طمس البصيرة و ان لا يكون تحت حكم غيره من المذاهب الذين هم اقطاب
هذه الملة علمًا و عم ً لا و اخلاصًا و كشفًا ظاهرًا و باطنًا بل من اتباعهم الى يومنا هذا
كم ظهر منهم من الاقطاب و الأولياء الاحباب الذين اطلعهم الله تعالى على ظاهر
العلم و باطنه و ما ادعوا الاجتهاد و ذلك مثل عبد الله بن المبارك و الجنيد البغدادي و
( السري السقطي و معروف الكرخي و بشر الحافي و سيدنا ال  شيخ عبد القادر الجيلي( ١
١) السيد عبد القادر الكيلاني توفي سنة ٥٦١ ه. [ ١١٦٦ م.] في بغداد )
- ٦٢ -
و ال  شيخ شهاب ال  دين ال  سهروردي( ١) و شاه نقشبند و من قبله و من بعده رضي الله
عنهم فيا ليت شعرى كيف لم يدع هولاء الاكابر في العلم الباطن و الظاهر الاجتهاد
مع فضلهم و شهرم و كثرة اتباعهم و يدعيه من لا يكون كادنى مخلص من محبيهم
فلو كانت هذه الدعوى سائغة لكان هؤلاء احق ا للالهام و الكشف الحاصلين لهم
من جانب الله تعالى لكن د ّ ل تقليدهم للمذاهب على ان الله تعالى كما منع في الظاهر
ان يكون غير الاربعة كذلك في الباطن منع الله ان يدعي احد هذه الرتبة و هذا اقوى
دليل على منع المدعين و اا باطلة في الظاهر و الباطن فما بعد الحق الا ال  ضلال فانى
يؤفكون و ممايدل على المنع من هذه الدعوى ان المذاهب كما قدمنا من مناقبهم ان
الامام ابا حنيفة رضي الله عنه رأى الله في المنام تسعًا و تسعين مرة و الامام مالك كان
رضي الله عنه و ارضاه يرى الن  بي في كل ليلة و كذلك ال  شافعي رأى الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم مرات و الامام أحمد قال الن  بي صّلى الله عليه و سّلم في المنام على محنته و
ان الله تعالى يرفع له ا علمًا الى يوم القيامة فهل احد من هؤلاء المدعين حصلت له
من هذه الرتب شئ و ايضًا مثل الامام الاعظم رضي الله عنه رأى ال  صحابة فهل احد
منهم رأى منهم و ايضًا رأوا التابعين ممن جمع العلم و العمل فهل احد وصل الى ذلك
(و ذكر الشعراني في الميزان).
فإن قلت هل يصح لاحد الوصول الى مقام احد من اتهدين فالجواب نعم
لأن الله على كل شئ قدير و قد قال بعضهم الآن يصلون الى ذلك من طريق الكشف
فقط لا من طريق النظر فإن ذلك مقام لم يدعه احد بعد الائمة الاربعة ا ّ لا الامام ابا
مح  مد بن جرير و لم يسلموا له (اقول) و هو من اهل الثلثمائه و خمسين و هو فيما
يقال شافعي المذهب فتامله و انصف قال الشعراني وجميع من ادعى الاجتهاد المطلق
انما مراده المطلق المنتسب الذي لا يخرج عن قواعد امامه كابن القاسم( ٢) و اصبغ مع
١) شهاب ال  دين عمر ال  سهروردي توفي سنة ٦٣٢ ه. [ ١٢٣٥ م.] في بغداد )
٢) ابن القاسم أحمد ال  شافعي الازهري توفي سنة ٩٩٤ ه. [ ١٥٨٦ م.] )
- ٦٣ -
مالك و كمح  مد و أبي يوسف مع أبي حنيفة رضي الله عنهم و كالمزنى و الربيع مع
ال  شافعي إذ ليس في قوة احد بعد الأئمة الاربعة ان يبتكر الاحكام و يستخرجها من
الكتاب و ال  سنة فيما نعلم ابدا و من ادعى ذلك قلنا له فاستخرج لنا شيئًا لم يسبق
احد من الأئمة استخراجه فإنه يعجز انتهى و قال ايضًا في الميزان و قد نقل ال  سيوطي
ان الاجتهاد المطلق على قسمين مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الاربعة و مطلق
منتسب كما عليه اصحام الذين ذكرناهم ثم قال و لم يدع الاجتهاد المطلق الغير
المنتسب ا ّ لا الامام ابن جرير الطبري و لم يسلم له ذلك انتهى و قال و يكون على علم
الاخوان ان لكل سنة سنها اتهدون او بدعة حرمها اتهدون درجة في الجنة لمن
اطاع او دركا في النار لمن خالف و ان تفاوت مقامهم و نزل عما سنه الشارع او
كرهه كما صرح به اهل الكشف فاعلم ذلك و اعمل بكل ما سنه اتهدون و اترك
كلما كرهوه و لا تطالبهم بدليل في ذلك فانك محبوس في دائرم ما دمت لم تصل الى
مقامهم لا عليك ان تتعداهم الى الكتاب و ال  سنة و تأخذ الاحكام من حيث اخذوا
ابدا انتهى و ما اشبه هؤلاء المدعين ا ّ لا كما وقع في زمان الشعراني ان احدًا من اكابر
علماء زمانه عمل بزعمه ردًا على الامام أبي حنيفة فأتى بكتاب صنفه ليراه الشعراني
فاعتذر الشعراني بانا لسنا من فرسان ميدان هؤلاء الاكابر فرأى في الواقعة التى هى بين
النوم و اليقظة ان الامام ابا حنيفة كالجبل العظيم من نور من الارض الى السماء و
ذلك المدعي كالبعوضة واقف مقابل ذلك الجبل فهؤلاء الم  دعون في هذا الزمان بلا
ش  ك كالبعوضة بالنسبة الى العلماء الاكابر المقلدين فضلا عن اتهدين رضي الله عنهم
اجمعين (فصل) ثم بعد كتابتى لما تقدم رأيت المناوي( ١) في شرحه الكبير على الجامع
الصغير قال في اوله ما يؤيد بعض ما قدمته فاحببت نقله قال العلامة الشهاب ابن
حجر لما ادعى ال  سيوطي رتبة الاجتهاد في المذهب لا المطلق قام عليه معاصروه من
العلماء و رموه عن قوس واحد و كتبوا له سؤالا فيه مسائل و اطلق الاصحاب فيها
١) عبد الرؤف المناوي توفي سنة ١٠٣١ ه. [ ١٦٢٢ م.] في القاهرة )
- ٦٤ -
وجهين و طلبوا منه أنه إن كان عنده ادنى مراتب الاجتهاد و هو اجتهاد الفتوى
فيتكلم على الراجح من تلك الاوجه بدليل على قواعد اتهدين فرد السؤال من غير
كتابة و اعتذر بأن له اشغا ً لا تمنعه عن النظر في ذلك قال الشهاب فتأمل صعوبة هذه
المرتبة اعنى اجتهاد الفتوى الذي هو ادنى مراتب الاجتهاد يظهر لك ان مدعيها فضلا
عن مدعى المطلق في حيرة من أمره و فساد في فكره و أنه ممن ركب متن عمياء و
خبط خبط عشواء قال و من تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحى من الله ان ينسبها
لاحد من اهل هذه الازمنة يعني زمان ابن حجر في سنة تسعمائة و هذا بيننا و بينه نحو
اربعمائة سنة فكيف لا يستحي من في هذه الازمنة ان يدعي هذه الرتبة التي اقصر عنها
الاولون ثم قال و إذا كان بين الأئمة نزاع طويل في ان امام الحرمين و ح  جة الاسلام
الغزالي و ناهيك به هل هو من اصحاب الوجوه ام لا فما ظنك بغيره بل قال الائمة في
الامام صاحب البحر يعني من الشافعية أنه لم يكن من اصحاب الوجوه هذا مع قوله لو
ضاعت نصوص ال  شافعي لأمليتها من حفظي او من صدرى فإذا لم يتأهل هؤلاء
الاكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي لا المطلق فكيف يسوغ لمن لا يفهم اكثر عبارام على
وجهها ان يدعى ما هو اعلى من ذلك و هو الاجتهاد المطلق سبحانك هذا تان
عظيم و في الانوار عن الامام الرافعي قال ما ذكرناه سابقًا عنه أنه لا مجتهد اليوم و
قال ابن أبي الدم عالم الاقطار ال  شامية بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق هذه الشروط
يعز وجودها في زمننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق
هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير و السنن و الاصول و الفروع و قد ملؤا الارض
من مؤلفات صنفوها و مع هذا فلا يوجد في صقع من الاصقاع مجتهد مطلق بل و لا
مجتهد في المذهب لامام معتبر اقواله تعد وجوها مخرجه في مذهب امامه و ما ذاك ا ّ لا
لأن الله اعجز الخلايق في هذا اعلاما لعباده بتصرم الزمان و قرب الساعة و ان ذلك
من اشراطها مع ان زمان ابن أبي الدم متقدم و قال شيخ الاصحاب القفال القنوي
قسمان أحدهما من جميع شروط الاجتهاد و هذا لا يوجد و الثانى من ينتحل مذهبًا
- ٦٥ -
واحدًا من الأئمة كال  شافعي و عرف مذهبه و صار حاذقًا فيه بحيث لا يشذ بشئ من
اقواله و اصوله فإذا سئل عن حادثة عرف لصاحبه ن  صًا اجابه عنها و ا ّ لا يجتهد على
مذهبه و يخرجها على اصوله و هذا اعز من الكبريت الاحمر فإذا كان قول القفال مع
جلالة قدره و كون تلامذته و علمائه اصحاب وجوه في المذهب فكيف بعلماء عصرنا
و من جملة علمائه القاضى حسين و الفوراني و والد امام الحرمين الجويني و الصيدلاني
و السبخي و غيرهم و بموم و موت أبي حامد انقطع الاجتهاد و تخريج الوجوه من
مذهب ال  شافعي و انما هم نقلة و حفظة و اما في هذا الزمان فقد خلت ال  دنيا منهم و
شغر الزمان عنهم الى هنا كلام ابن أبي الدم و قال شيخ الافتاء و فقيه العصر و رئيس
التدريس في القرن التاسع شمس ال  دين الرملي( ١) والد صاحب اية المحتاج شرح المنهاح
أنه وقف على ثمانية عشر سؤالا سئل عنها الجلال ال  سيوطي من مسائل الخلاف و
المنقولة فاجاب عن شطرها بكلام قوم من المتأخرين كالزركشي( ٢) و اعتذر عن الباقي
بأن الترجيح لا يقدم عليه ا ّ لا جاهل او فاسق قال فتأملتها فإذا اكثرها من المنقول
المفروغ منه فقلت سبحان الله رجل يدعي الاجتهاد و خفي عليه ذلك فاجبت عن
ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام مبين من كلام المتقدمين (انتهى كلام المناوي)
ثم قال و ليس حكايتى لذلك من قبيل الفض و لا الطعن عليه بل حذرًا من ان يقلده
بعض الاغبياء فيما اختاره و جعله مذهبه فيما خالف فيه الائمة اغترارًا بدعواه هذا مع
اعتقادي مزيد جلالته و فرط سعة اطلاعه و رسوخ قدمه و تمكنه في العلوم ال  شرعية و
اما الاجتهاد فدونه خرط القتاد و قد صرح ح  جة الاسلام الغزالي بخلو عصره عن
مجتهد حيث قال في الإحياء و اما من ليس له رتبة الاجتهاد و هو حكم كل العصر اى
عصره و هو من اهل الخمسمائة فإنه يفتي به ناقلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له
١) مح  مد بن أحمد الرملي ال  شافعي توفي سنة ١٠٠٤ ه. [ ١٥٩٦ م.] و خير ال  دين الرملي الحنفي توفي سنة )
١٠٨١ ه. [ ١٦٧٠ م.] في رملة
٢) مح  مد الزركشي توفي سنة ٧٩٤ ه. [ ١٣٩٢ م.] )
- ٦٦ -
ضعف مذهب له يتركه و قال في الوسيط و اما شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي
( فقد تعذرت في وقتنا او في عصرنا (انتهى كلام المناوي ملخصًا) ثم ان ابن الصباغ( ١
من مقلدي مذهب ال  شافعي ذكر المؤرخون أنه لما وقعت كائنة التتار في بغداد سنة
ستمائة و خمسين و اتلفوا الكتب الكثيرة حتى قيل سد ا الدجلة مبالغة و بنوا منها
معالفًا للدواب فبعد انقضاء الكائنة ما تأسف العلماء الا على ذهاب الكتب المشتملة
على العلوم فقال ابن الصباغ انا امليها لكم من حفظي فصار يملى و الناس يكتبون الى
ان مات رحمه الله تعالى فهذا العالم هكذا اعطاه الله حفظًا و فهمًا خارقًا للعادة و ما
ادعى الاجتهاد فلو كان ممكنا لادعاه مثل هذا الامام و قال صاحب البزازية في زمانه
و هو من اهل الثمانعائة فيما اظن في باب الوصية و اين العلم و اين العلماء يعنى انه
مفقود قبل زمانه فهذا يدلك ان مدعى الاجتهاد مع هذه الاقوال للعلماء الاجلاء أنه
صلف العين شديد الوقاحة لكن كما قال الامام ال  سيوطي فيما سبق ان الترجيح
للوجوه المذهبية لا يقدم عليها ا ّ لا جاهل او فاسق فمن يدعي الاجتهاد في زماننا هذا
فهو اجهل الجاهلين و افسق الفاسقين نسئل الله ال  سلامة من هذا البلاء المبين آمين ثم
اعلم ايها الناصح لنفسه المستبرئ لدينه قبل حلول رمسه لو فرضنا انك من اهل
الاجتهاد مثلا اليس كما قيل السعيد من اكتفى بغيره فإن المذاهب الاربعة رضي الله
عنهم لكوم في ذلك الزمان المنور و العلم الغزير الازهر و الباطن الواسع الاطهر ما
تركوا لاحد حاجة و لا ابقوا لمتعقب ذي لجاجة بل ا  صلوا وفرعوا و جنسوا و ن  وعوا
و اخذوا من الكتاب و ال  سنة و الاجماع و القياس المعتبرين ما يفتي كل متورع و لو
بلغ كّلما بلغ أفتكون انت ايها المدعي مثل أبي حنيفة في ورعه الذي ضاعت شاة في
البلد فمنع نفسه عن اكل اللحم اربع سنين و قيل عشر سنين لما سئل عن عمر الشاة
ما ذا تعيش في الغالب فقيل له عشر سنين او مثل ال  شافعي او مالك او أحمد ابن حنبل
الذي منع نفسه شرب ماء دجلة لأن الحكام كانوا إذا أكلو رموا فضلة طعامهم فيها
١) ابن الصباغ عبد السيد ال  شافعي توفي سنة ٤٧٧ ه. [ ١٠٨٤ م.] )
- ٦٧ -
او تكون عالمًا كعلمهم بل حاشا و كلا ان تكون كأدنى أدنى أدنى طلبة مقلديهم فإذا
كان هؤلاء تعبوا و جاهدوا و سهروا و اجاعوا البطون و اظمؤا القلوب و منعوا
النفوس لذائذها مدة عمرهم لأجل اقامة ال  دين و اراحة ائمة سيد المرسلين افلا تكتفي
بما اظهروه من الكتاب و ال  سنة و تستريح من التعب فأي مسئلة تريد ان تتعب نفسك
في استخراجها او ترى أنهم ما اتبعوا الكتاب و ال  سنة مع علمهم و ورعهم و انت
اتبعته حتى تأتى في آخر الزمان الذي هو شر الازمان و سبقك خير الازمان الذي كان
فيه الفحول من الرجال و من العلماء الابطال و تريد ان تظهر شيئًا ما ذكره احد منهم
و تستدركه عليهم فو الله انك نون و واقع في امر مهول ويحك اتق الله فلا تتبع
الهوى فيضلك عن سبيل الله نعم اردت ان يقال خالف تعرف فسولت لك نفسك
انك إذا ادعيت الاجتهاد ساويت اولئك الامجاد و ظهر صيت لك بين الطغام و
الاوغاد و صرت في زعمك آمرًا غير مأمور و في قيد الجهل و الادعاء مأسور افلا
تخاف الله يوم يؤخذ بالنواصى و يرجع اليه القريب و القاصى فانته و انتبه مما انت به
فعن قريب تذهب تلك الدعاوي و بالموت انت اسفل السافلين هاوي و رأيت كتابًا
لبعض المتقدمين في ذم البدع و المبتدعين قال فيه ما نصه إذ لا يجوز ان يقلد الانسان
في دينه ا ّ لا من هو معصوم و هو صاحب الشريعة صّلى الله عليه و سّلم او من شهد له
صاحب الشريعة بالخير و هم القرون الثلاثة الذين اقتضى حكمة الشارع ان يخص كلا
منهم بفضيلة فالقرن الاول خصهم الله بمزية لا سبيل لاحد ان يلحقهم فيها و هم
الصحابة رضي الله عنهم ثم عقبهم التابعون فجمعوا ما كان من الأحاديث و مسائل
ال  دين متفرقا حتى كان احدهم يرحل في طلب حديث واحد و مسئلة واحدة الشهر و
الشهرين و ضبطوا امر الشريعة اتم ضبط و تلقوا الاحكام و التفسير من الصحابة
فحصل لهم نصيب وافر في اقامة ال  دين فلذلك كانوا خيرًا من بعدهم ثم عقبهم تابعوا
التابعين الذين ظهر فيهم الفقهاء اتهدون الذين قلدهم الناس و المرجوع اليهم في
النوازل فوجدوا القرآن مجموعًا ميسرًا و وجدوا الأحاديث قد ضبطت و احرزت
- ٦٨ -
فتفقهوا في القرآن و الأحاديث على مقتضى قواعد الشريعة و عينوا وجوه الدلالة و
استنبطوا منها احكامًا بينوها على مقتضى الاصول و يسروها على الناس و دونوا
الدواوين و ازالوا المشكلات باستخراج الفرع من اصله و رده و تبيينه منه و انتظم
الحال و استقر امر دين الامة المح  مدية بسببهم فحصل لهم في اقامة هذا ال  دين خصوصية
ايضًا فلما مضوا لسبيلهم اتى من بعدهم فلم يجد في ال  دين وظيفة يقوم ا بل وجد
الامر على اكمل الحالات فلم يبق له الا ان يحفظ ما دونوه و استنبطوه و استخرجوه
و افادوه و لا يحصل الخير الا بإتباعهم و تقليدهم و بقائه في ميزام فإن ظهر له فقه
غير فقههم او فائدة غير فائدم فمردود عليه ا ّ لا ان يكون مما لم يقع بيانه في زمام
بالفعل و لا بالقول فيجب حينئذٍ ان ينظر فيه على مقتضى قواعدهم في الاحكام الثابتة
عنهم فإذا كان على مقتضى اصولهم يقبل و الا فلا اذكل من اتى بعدهم يقول في
بدعة اا مستحبة ثم يأتي على ذلك بدليل خارج عن اصولهم فذلك مردود عليه غير
مقبول لأن التقليد و الاقتداء بالغير بمجرد حسن الظن انما يجوز لمن كان مجتهدًا عدلا لا
لمن كان مقلدًا لا يفرق بين الغث و السمين و لا يعرف الشمال من اليمين لكن ينبغى
ان الاجتهاد لما انقطع منذ زمان طويل انحصر طريق معرفة مذهب اتهد في نقل
كتاب معتبر متداول بين العلماء و اخبار عدل موثوق في علمه و عمله الى آخر ما قال
انتهى فبين في عبارته هذه ان من شهد له صاحب الشريعة بالخيرية فهو الذي يتبع و
تكون الاشارة اليه منه و هو قوله (خير القرون قرنى ثم الذين يلوم ثم الذين يلوم)
و ان الطبقة الاولى هم الصحابة و الثانية فيها أبو حنيفة و مالك و الثالثة فيها ال  شافعي
و أحمد بل ال  شافعي من الثانية لانه ولد في مائة و خمسين و مات في مائتين و اربعة و
كل عمره اربع و خمسون سنة فلا ش  ك ان اجتهاده كان في الخمسين التى هى تمام
المائتين و حقق هذا الفاضل ان الاجتهاد انقطع منذ زمان طويل و هو الموافق لما اجمع
عليه اهل العلم و الفهم كما قدمنا ذلك فقول هؤلاء المدعين أنه ليس في تقليد المذاهب
الاربع حديث عدم اهتداء منهم الى ما في هذه الآيات من الامر و في الأحاديث من
- ٦٩ -
الاشارة التى هى كالصريحة و يشير الى ذلك ما قال ابن القيم ايضًا في قوله تعالى
( (  و  جعْلنا مِن  ه  م َائِ  مًة يه  دو َ ن بَِا  مرِنا َل  ما  صبروا  و َ كانوا بِآياتِنا يوقِنو َ ن * السجدة: ٢٤
فإنها و ان كانت نازلة في بني اسرائيل لكن عمومها يفيد دخول هذه الامة من باب
اولى لأا افضل الامم بنص قوله تعالى ( ُ كنت  م  خي ر اُمةٍ اُخرِ  جت لِلناسِ * آل عمران:
١١٠ ) و القاعدة الاصولية العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ثم الأئمة و ان
كانوا عامين لكن لكوم الفرد للكامل يخصون من هذا العموم لزيادة فضلهم و
لاجماع الامة خواصًا و عوامًا على الخصوص العلماء من بعدهم على اتباعهم دون
غيرهم (و افاد الفخر الرازي) في تفسيره قوله تعالى (و َاطِيعوا اللهَ  و َاطِيعوا ال  ر  سو َ ل
 و ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ُ ك  م فإ ْ ن تنا  ز  عت  م فِي  شيءٍ َف  ر  دوه اَِلى اللَّهِ  وال  ر  سولِ اِ ْ ن ُ كنت  م ت  ؤمِنو َ ن
بِاللَّهِ والْيومِ الآخر * النساء: ٥٩ ) قال رأيت الآية على ان العبرة باجماع المؤمنين لانه
تعالى قال في اول الآية يا ايها الذين آمنوا ثم قال و اولى الامر منكم فدل على ان
العبرة باجماع اهل ال  سنة فاما سائر الفرق الذين يش  ك في إيمام فلا عبرة م انتهى
(اقول) و مراده بسائر الفرق الذين يشك في ايمام هم الفرق الضالة عن طريق اهل
ال  سنة و الجماعة و منهم الرافضة و الخوارج فإن هذه الفرقة المدعية بالاجتهاد المطلق
الغالب يكونون من الروافض و الزيدية و الخوارج و منهم اي من المدعين المسمون
الآن بالو  هابية فإم يصرحون ذه المسئلة و لا يرضون باتباع المذاهب كما رأيته في
كتب ابن عبد الوهاب( ١) ثم اقول كما لاعبرة م في الاجماع لا عبرة م في الاجتهاد
الذي يدعونه و من جملة ما يمنع مثل الخوارج من تسليم الاجتهاد لهم أنهم لا يؤمنون
بحياة الميت في قبره و أنه لا يسمع و لا يرى و أنه تراب و عظام لا يترتب عليه نعيم و
لا عذاب و لا يؤمنون بالمعراج النبوي و لا يؤمنون بقدرة الله الا للح  ي و الح  ي عندهم
هو الفاعل بنفسه لا با لله تعالى إذ لوكان بالله لتساوى الح  ي و الميت بل و الجماد كما
١) مح  مد بن عبد الوهاب رفيق الجاسوس الانگليزي همفر توفي سنة ١٢٠٦ ه. [ ١٧٩١ م.] )
- ٧٠ -
فر الحجر بثوب موسى عليه ال  سلام فصار ينادى ثوبى يا حجر كما في البخاري و لا
يؤمنون بكرامات الأولياء ال  صالحين و قد اجمع اهل ال  سنة في كتب العقايد و الفقه على
الإيمان ا و اا من واجبات الاعتقاد إذ الكرامة هي امر خارق للعادة يجريه الله على
يد عبده ال  صالح و قد اتفق اهل الشريعة و الحقيقة على ان المذاهب الاربعة اتهدين
بنوا مذاهبهم على ظاهر ال  شرع و باطنه قال الشعراني في الميزان (فصل) في بيان
استحالة خروج شيئ من اقوال اتهدين عن الشريعة و ذلك لأنهم بنوا قواعد
مذاهبهم على الحقيقة التى هى اعلى مرتبتى الشريعة كما بنوها على ظاهر الشريعة على
حد سواء و أنهم كانوا عالمين بالحقيقة خلاف ما يظنه بعض المقلدين فيهم فكيف
يصح خروج شيئ من اقوالهم عن الشريعة و من نازعنا في ذلك فهو جاهل بمقام الأئمة
فو الله كانوا علماء بالحقيقة و الشريعة معا وان في قدرة كل واحد منهم ان ينشر
الادلة ال  شرعية على مذهبه و مذهب غيره فلا يحتاج احد بعده الى النظر في اقوال
مذهب آخر لكنهم رضي الله عنهم كانوا اهل انصاف و اهل كشف فكانوا يعرفون
ان الامر يستقر في علم الله على عدة مذاهب مخصوصة لا على مذهب واحد فابقي لمن
بعده عدة مسائل عرف من طريق كشف الله له اا تكون من جملة مذهب غيره فترك
الاخذ ا من باب الانصاف و اتباع لما اطلعهم الله عليه من طريق كشفهم أنه مراد له
تعالى لا من باب الايثار بالقرب ال  شرعية و الرغبة عن ال  سنة كما اطلع الأولياء بقدرة
الله على قسمة الارزاق المحسوسه لكل انسان فانظر يا اخى في اقوال ائمة المذاهب تجد
احدهم ان خفف في مسئلة شدد في مسئلة اخرى و بالعكس و سمعت سيدى عليا
الخواص( ١) يقول انما ايد أئمة المذاهب مذاهبهم بالمشي على قواعد الحقيقة مع الشريعة
اعلاما لاتباعهم بأنهم كانوا علماء بالطريقين و كان يقول لا يصح خروج قول من
اقوال الأئمة اتهدين عن الشريعة ابدًا عند اهل الكشف قاطبة و كيف يصح
خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مواد اقوالهم من الكتاب و ال  سنة و اقوال
١) علي الخواص مرشد عبد الوهاب الشعراني )
- ٧١ -
الصحابة و مع الكشف ال  صحيح و مع اجتماع روح احدهم بروح رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و سؤالهم عن كل شئ توقفوا فيه من الادلة هل هذا من قولك يا
رسول الله ام لا يقظة و مشافهة بالشروط المعروفة بين اهل الكشف و كذلك كانوا
يسئلونه عن كل شئ فهموه من الكتاب و ال  سنة قبل ان يدونوه في كتبهم و يدينوا الله
تعالى به انتهى (و قال الشعراني ايضًا) ما ثم لنا دليل واضح يرد كلام اهل الكشف ابدًا
لا عق ً لا و لا نق ً لا و لا شرعًا لأن الكشف لا يأتى ا ّ لا مؤيدًا بالشريعة دائمًا و هو
اخبار بالأمر على ما هو عليه في نفسه و هذا هو عين الشريعة انتهى و هذا انما ذكرته
لئلا يقول المنكر لعلوم اهل الله تعالى أنه خلاف ال  شرع فلا ينهض ح  جة مع انا قلنا ان
الشريعة مرتبطة بالحقيقة (و قال ايضًا) و مما يؤيد ذلك ايضًا ما اجمع عليه اهل الكشف
من ان اتهدين هم الذين ورثوا الانبياء حقيقة في علوم الوحى فكما ان الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم معصوم كذلك وارثه محفوظ من الخطأ في نفس الامر و ان اخطأ احد
منهم فذلك الخطأ اضافي فقط لعدم اطلاعه على دليل و قد تقدم مثل هذا (فان قلت)
ان اباحنيفة رضي الله عنه قال لأصحابه ان توجه لكم دليل من الكتاب و ال  سنة
فخذوا به و هذا يدل على عدم وجوب تقليدهم (قلت) ان اصحاب الامام مع كوم
كانوا في زمنهم ال  صالح في خير القرون المشهود لها بالخيرية كان لهم اهلية الاجتهاد في
الجملة لتعلمهم من المذهب و اخذهم لإصوله و فروعه و مع ذلك ما ادعوا لانفسهم
مذهبًا غيره بل جعلوا انفسهم مقلدين لعلمهم بعدم وصولهم الى درجة امامهم و ان
امامهم تواضعًا قال لهم هذا الكلام و لهذا لما جعل أبو يوسف له مجلسًا مستق ً لا ارسل
الامام له من يسئله عن مسائل ان قال نعم اخطأ و ان قال لا اخطأ فعلم أنه لا قدرة له
على الاستقلال فرجع الى الامام و لازمه حتى مات و لهذا قال كل من اصحاب أبي
حنيفة ما قلنا قولا ا ّ لا و هو من قول أبي حنيفة فهم مجتهدون في المذهب لا مجتهدون
مطلقا كالامام بل مرجحون لبعض اقواله على بعض و لهذا يقال لمن يأخذ باقوالهم
حنفي لا يوسفي و لا مح  مدي و لا زفري و المذاهب رضي الله عنهم ما اوجبوا على
- ٧٢ -
الناس تقليدهم و لكن الله تعالى هو الموجب لتقليد اهل الاجتهاد و الاستنباط عمومًا
لكن لما نظر الناس من علماء وقتهم و بعدهم الى يومنا هذا ما وجدوا احدًا احق
بالاتباع فاختاروهم على غيرهم و لعدم تدوين مذاهب الصحابة و التابعين غير هذه
المذاهب الاربعة و ايضًا رأوا هؤلاء في العلم و الحفظ و الاتقان و الزهد و الورع و
التقوى و الشفقة على الخلق على جانب عظيم و من التواضع للخلق و التودد لهم
بالخير على حظ جسيم لا جرم اختارهم اهل ال  سنة و ما بغوا م بديلا فالذى يدعي
الاجتهاد بعدهم بلا ش  ك أنه صاحب نفسانية و تكبر و ازدراء بالخلق يريد التميز و
الصيت و لولا ذلك لوسعه ما وسع العلماء الفضلاء اهل العصر المتقدم الذين هم اذن
المذهب لهم بما توجه لهم من الدليل و ما خرجوا عن امامهم و مذهبهم و تقليده و ما
ادعوا أنهم مجتهدون فهذه العبارة التى قالها الامام لاصحابه من ادل الادلة أنه ليس
لغيرهم ادعاء ذلك خصوصًا اهل العصر المتأخر في مثالة القرون و ذبالة الاراء و ذهاب
اكثر قواعد ال  دين و الله الهادى و المعين (قال الامام الشعراني) ان الله لما م  ن عل  ي
بالاطلاع على عين الشريعة رأيت المذاهب كلها متصلة ا ورأيت جميع المذاهب التى
درست و رأيت اطول الائمة جدولا الامام ابا حنيفة و يليه الامام مالك و يليه الامام
ال  شافعي و يليه الامام أحمد بن حنبل و اقصرهم جدولا الامام داود يعني الظاهري( ١) و
قد انقرض في القرن الخامس فاولت ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم و قصره فكما
كان مذهب أبي حنيفة اول المذاهب المدونة فكذلك يكون آخرها انقراضا و بذلك
قال اهل الكشف (و ايضًا) قال في الميزان أنه رأى بكشفه مراتب المذاهب الاربعة في
الجنة حول مقام رسول الله صّلى الله عليه و سّلم مرتبين على مراتب ازمام فابو
حنيفة اقرب الى رسول الله صّلى الله عليه و سّلم و مالك بعده و ال  شافعي بعد الامام
مالك و أحمد بعد ال  شافعي رضي الله عنهم فهذا يدل على أنه لوكان اتهد المطلق له
وجود في غيرهم لرآه من طريق الكشف كما رأى الائمة الأربعة فلهذا اتفق اهل
١) داود الظاهري الاصفهاني توفي سنة ٢٧٠ ه. [ ٨٨٣ م.] في بغداد )
- ٧٣ -
الظاهر و الباطن من جميع الامة على ان لا مجتهد سواهم قال صاحب ال  در و قد اتبعه
يعني ابا حنيفة كثير من الأولياء الكرام ممن اتصف بثبات ااهدة و ركض في ميدان
المشاهدة كإبراهيم بن ادهم( ١) و شقيق البلخي و معروف الكرخي و ابي يزيد
البسطامي( ٢) و داود الطائي( ٣) و أبي حامد اللفاف و خلف بن ايوب و عبد الله ابن
المبارك و وكيع بن الجراح و أبي بكر ال  وراق و غيرهم ممن لا يحصى لبعده ان يستقصى
فلو وجدوا فيه شيئًا او شبهة ما اتبعوه و لا اقتدوا به و لا وافقوه و هؤلاء كلهم من
أجلاء السلف ال  صالح الكائنين في خير القرون فلولا علمهم ان الاجتهاد منقطع لأدعوه
هم إذ هم لزهدهم و ورعهم و كثرة علمهم الظاهر و الباطن و الهامهم الرباني اقرب
الى الاجتهاد من غيرهم ممن بعدهم فض ً لا عن المتأخرين في زمان الفساد من اهل العناد
الذي غاض فيه العلم و فاض فيه الجهل فو الله لو اشتغلوا بتصحيح اسلامهم و إيمام
لكان اولى م من هذه الدعوى ثم هذا في حق اتباع أبي حنيفة من هؤلاء الأولياء و
كذلك مثلهم و امثالهم ممن تبع الامام مالك و ال  شافعي و أحمد و اجل من تبع الامام
أحمد سيدنا و مولانا ال  شيخ عبد القادر الجيلي الذي كان مفتى الفرق و المذاهب و
دايته و ارشاده ن  ور ال  دنيا من شرقها الى غرا فهو تبع لمذهب الامام أحمد و ما ادعى
الاجتهاد المطلق و ما اخرج نفسه عن التقليد فمن يكون غيره و هذا فيه مقنع لمن هداه
الله تعالى و الذي يظهر لبادى الرأى ان هؤلاء المدعين الاجتهاد في مثل هذا الزمان
اصل بدعة في ال  دين و في اقوال المذاهب المؤسسة على الكتاب و ال  سنة و الاجماع ما
يرد عليهم فصاروا يخرجون رقام عن ربقة التقليد حتى يقولوا ما يوافق بدعتهم
فادعوا مثل هذه الدعوى لأن المذاهب مصرحة بخلاف بدعتهم التى هى تكفير الناس و
الفض و البغض لحضرات الانبياء و الرسل و الأولياء و الشهداء من عباد الله المقربين و
١) إبراهيم بن ادهم الچشتي توفي سنة ١٦٢ ه. [ ٧٧٩ م.] في الشام )
٢) بايزيد البسطامي طيفور توفي سنة ٢٦١ ه. [ ٨٧٥ م.] في بسطام )
٣) داود الطائي الخراساني الحنفي نوفي سنة ١٦٥ ه. [ ٧٨١ م.] )
- ٧٤ -
لقد رأيت رج ً لا من الاغوان عام سبع و اربعين بعد المائتين و الالف عند قبر سيدنا
حمزة و نحن قافلون من المدينة المنورة سائرون في الطريق فتعارف معى فقلت له ما
مذهبك فقال انا حنفي ثم سرنا حتى اتينا بعض قرى نجد فدخلت مسجدا لهذه القرية
فرأيت زبل الحميرى قد نسفه الريح في اوائل المسجد و كنت متوضئا جديدًا و رجلى
متبللة فصرت اجعل عبائتى تحت رجلى و اسحبها لأتوق زبل الحمير بسبب رطوبة
رجلى من ماء الوضوء و كان ذلك الاغواني في المسجد فقال لم تفعل هذا قلت
لنجاسة زبل الحمير فقال لا يجوز قلت لم قال زبل الحمير الكثير لا يضر قلت سبحان
الله هذا عند كل مذهب نجس و انت زعمت انك حنفي فقال ما انا بحنفي و لا متبع
لمذهب من المذاهب بل هم عندي من الفرق الضالة فقلت لمن انت متبع قال انا اتبع
الكتاب و ال  سنة قلت له و المذاهب من منهم غير متبع الكتاب و ال  سنة و هل في
الكتاب و ال  سنة ان زبل الحمير طاهر فأتنا به فالجم ثم قلت ان بنى آدم اشرف
الموجودات و زبله نجس فكيف لا يكون زبل الحمار نجسًا ثم انك الآن فاسق لكذبك
في قولك انك حنفي ثم الآن تتبرأ من المذاهب و تجعلهم من الفرق الضالة و هذا س  ب
و افتراء عليهم و هذا كفر في حق سائر العلماء فضلا عن المذاهب الذين هم هداة
الخلق الى الحق من وقتهم الى يومنا هذا فانت ال  ضال لكن انا من اقل المقلدين اسئلك يا
مدعي الاجتهاد كم فروض الوضوء قال اربعة و قرأ آية الوضوء قلت لم لم تجعل النية
فرضًا و قد قال صّلى الله عليه و سّلم في حديث ال  صحيحين المتفق عليه (انما الاعمال
بالنيات) و ظاهره الحصر (و ايضًا) توسط الممسوح بين المغسولات فلا بد ان يكون
لرعاية الترتيب كما قال به غير الحنفية من المذاهب أنه من فروض الوضؤ فسكت و
ت الذي كفر ثم بعد ايام جن هذا الاغوانى و حدد بالحديد ثم ذهب الى المركب في
البحر فرمى نفسه و غرق و قطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين
فقلت هذه كرامة المذاهب و شكرت الله ان هذا الاغواني ما اغواني و من اعجب ما
رأيت من جنس هؤلاء اني رأيت رج ً لا يمانيا يطوف بالكعبة ال  شريفة و هو يخل
- ٧٥ -
بواجب الطواف فنهيته فلم ينته فقلت له ما مذهبك فقال لي الكتاب و ال  سنة فقلت له
انت تقرأ القرآن قال لا فقلت إذا لم تقرأ القرآن كيف يكون مذهبك الكتاب و ال  سنة
و إذا كنت بالكتاب جاهلا فانت بالسنة اجهل فتركته و مضيت فهذا حال هؤلاء و
من هنا يعلم ان هؤلاء لو تخلوا عن كتب المذاهب و اتباعهم من اين يأتون باصول و
فروع ا ّ لا من كتب مذاهب الأئمة الاربعة و اتباعهم في جميع الاحكام ال  شرعية فتراهم
يستفيدون من كتب العلماء و ينكرون فضلها و فائدا و يدعون بدعوى لا طائل
تحتها سوى الوقاصة و قلت المروة و كفران النعمة الّله  م سّلمنا و سّلم ديننا و قد قلت
شعرا:
حسبي انتسابي للمذاهب كلها * اعنى الائمة اربعا م اهتدى
اضحوا ائمتنا و عمدة ديننا * قد ضل من بعلومهم لا يقتدى
و اعلم ان الامام أحمد بن حنبل هو آخر المذاهب اجتهادًا و زمانا قال
ال  سيوطي و غيره من المؤرخين كان يحفظ الف الف حديث و ثمانمائة الف حديث ثم
جاء بعده البخاري فقال احفظ سبعمائة الف حديث ثم لا زالت تتناقص الأحاديث
حتى وصلت في ايام ال  سيوطي الى مائتي الف حديث و ذكر أنه حفظها قال و لو
وجدت اكثر من ذلك لحفظته و الآن في جميع اقطار ال  دنيا لا يوجد من يحفظ الف
حديث باسانيدها بل و خمسمائة حديث باسانيدها فإذا كان كذلك و كان الامام
أحمد مع تأخره يحفظ هكذا فما بالك بالمتقدم من المذاهب حتى تعلم ان هؤلاء اقطاب
مؤيدون من الله تعالى بالقوة الخارقة للعادة و ان هذا الزمان لقلة حفظ الحديث و
اطلاع اهل العلم عليه لا يمكن يتأتى لهم الاجتهاد الذي مادته العظمى من الحديث إذ
هو المبين لكتاب الله قال تعالى (لِتبي  ن لِلناسِ ما ن  ز َ ل اَِليهِم * النحل: ٤٤ ) فهذا الوجه
من الاسباب المانعة لدعوى هؤلاء و الفاطم لهم عن الوصول الى هذه الرتبة ا ّ لا بطريق
الادعاء الذي هو الافتراء و بما قررناه تبين افتراء الزيدي الرافضي الصنعاني حيث قال
في قصيدة له شيطانية:
- ٧٦ -
و اقبح من كل ابتداع سمعته * و إن كان للقلب الموفق للرشد
مذاهب من رام الخلاف لبعضها * يعض بانياب الاساود و الاسد
يصب عليه سوط ذم و غيبة * و يجفوه من قدكان يهواه عن عمد
و يعزى اليه كل ما لا يقوله * لتنقيصه عند التهامى و النجد
فاجابه في وقته علماء اجلاء نظمًا و نثرا منها نظم السيد ياسين البصري
الطباطبي العلامة فقال:
اقول ان استقبحت يا ذا عماية * مذاهب قد صينت عن اللبس و الجحد
تلقت رضاء بالقبول مقالها * جماهر اهل العلم لم تحص بالعد
فلا عزو يدرى الفضل من كان اهله * قد تكره الجعلان اريحة الورد
و من شذ عن تلك المذاهب خارقا * لاجماع اهل العلم في الحل و العقد
فذاك عن النهج القويم مضلل * و من قال منكور يقابل بالرد
(ثم قال الزيدى الرافضي المبتدع)
فمن قلد النعمان اصبح شاربًا * نبيذًا و فيه القول للبعض بالحد
(فاجاب السيد ياسين)
اقول اختلاف للمذاهب رحمة * نقلد من شئنا فكل على رشد
بذاك اتى نص الحديث مبينًا * فلا في اختلاف للمذاهب من نقد
(ثم قال الصنعاني الرافضي)
فمهتديًا كن في الهدى لا مقلدًا * و خل اخا التقليد في الاسر و القيد
علام جعلتم ايها الناس ديننا * لاربعة لا ش  ك في فضلهم عندى
هم علماء ال  دين شرقًا و مغربًا * و نور عيون الفضل و الحق و اد
و لكنهم كالناس ليس كلامهم * دليلا و لا تقليدهم في غد مجدى
(فاجاب السيد المذكور)
اقول عن التقليد من كان ناهيًا * و هل كل شخص يستطيع على الجد
- ٧٧ -
اما كالنجوم الصحب قال نبينا * بايهم من يقتدى كان مستهدى
و من ذا مقام الاجتهاد يناله * و كيف و منه الباب اغلق بالسد
و من دونه خرط القتاد و دونه * تقطع اعناق و مأسدة الاسد
و تخصيصهم بالاتباع مذاهبًا * لاربعة إذ لا ابتداع بما تبدى
فماخالفوا نص الكتاب و سنة * و لا احدثوا في ال  دين مستوجب الرد
و ليس هم كالناس هل يستوى الذي * يكون على علم و من كان ذا فقد
فتب نادمًا و ارجع الى الله و اهتد * و خل الهوى و اتبع سبيل ذوى الرشد
و لكن من يهد الاله فما له * مضل و من يضلل فلا احد يهدى
(اقول) هذا الزيدي الرافضي تبع اخوانه الرافضة فإم يدعون الاجتهاد و
يلزم من ذلك ان تكون مذاهبهم الوفًا في الوف لأن كل جاهل من هؤلاء المدعين
ينظم الى العوام و يجعلون له دراهم كثيرة و نحو خمس الخمس فيجعل نفسه مجتهدًا
ينفي قول من تقدم و يموت اجتهاده بموته فكل احد يظهر شيئًا ما اظهره الآخر و ليس
لهم بالكتاب و السنة علم و رجال حديثهم زنادقة و كذبة و فسقة بشهادة اهل البيت
على ما ذكروا في كتبهم فيرضون بالألوف يفترقون في امر ال  دين و لا يرضون بأربعة
لم يخرجوا عن الكتاب و ال  سنة مقدار شعرة مع ان اصل المسئلة في اختلاف المذاهب
الصادقين لا المبتدعين المارقين مأخوذ من الكتاب و ال  سنة اما الكتاب فقوله تعالى (  و
داو  د  و سَلي  م  ن إذ يحكُمانِ فِي الْ  حرثِ إذ نَف  شت فِيهِ َ غنم الَْقومِ  و ُ كنا لِحكْمِهِم
٧٩ ) فاثنى الله –  شاهِدِي  ن * َفَف  همناها سَلي  م  ن  و كُ ّ لا آتينا  ح ْ ك  ما  وعِْل  ما * الانبياء: ٧٨
على داود و سليمان و ان الله اتاهما حكمًا و علمًا مع ان الصواب كان في جانب
سليمان و ان داود عليه ال  سلام كان مجتهدًا بخلافه و ما ذمه الله بل مدحه بالحكم و
العلم فدل على ان اختلاف اتهدين كذلك لقوله صّلى الله عليه و سّلم كما في
حديث ال  صحيحين (اذا اجتهد الحاكم فاصاب فله اجران و ان اخطأ فله اجر و
احد) و الحديث ال  صحيح الذي مر في الصحابة و اختلاف التابعين و المذاهب ناشئ
- ٧٨ -
عن اختلافهم بل الاختلاف من تنويع الن  بي صّلى الله عليه و سّلم الاحكام بالاختلاف
لانه حكيم القلوب و الأبدان و ال  شرع فخاطب كل شخص او جماعة بما يليق بحالهم
فأصل الاختلاف من ذلك فكان منه و من اصحابه و من بعدهم في الفروع رحمًة
( لقوله تعالى (  و ي  ضع  عن  ه  م اِ  ص  ر  ه  م  و اْ َ لاغْ َ لا َ ل الَّتِي َ كان  ت  عَليهِم * الاعراف: ١٥٧
و اخرج ابن سعد و البيهقي عن أبي بكر رضي الله عنه و كرم وجهه أنه قال كان
اختلاف اصحاب محمد رحمة للناس و اخرج ابن سعد عن عمر بن عبد العزيز رضي
الله عنه أنه قال ما يسرنى ان اصحاب رسول الله صّلى الله عليه و سّلم يختلفون و في
رواية ما يسرنى باختلاف اصحاب الن  بي صّلى الله عليه و سّلم حمر النعم لأنهم لو لم
يختلفوا لم يكن رخصة و لما اراد هارون الرشيد ان يعلق موطأ مالك في الكعبة و يحمل
الناس على ما فيه قال له مالك لا تفعل يا امير المؤمنين فإن اصحاب رسول الله اختلفوا
في الفروع و تفرقوا في البلدان و ان اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الامة
و كل يتبع ما صح عنده و كل مصيب و كل على هدى فقال له هارون و فقك الله
يا ابا عبد الله و وقع له مثل ذلك مع المنصور جد هارون ايضًا لما اراد ان يرسل الى
كل مصر نسخة من كتب مالك و يأمرهم ان يعملوا بما فيها و لا يتعدوا الى غيره
فقال له لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت اليهم اقاويل و سمعوا أحاديثًا و رووا
روايات و اخذ كل قوم بما سبق اليهم و دانوا به من اختلاف الناس فدع الناس و ما
اختاروا من كل بلد منهم لانفسهم و بما تقرر يظهر اتجاه القول بأن كل مجتهد مصيب
و ان حكم الله في كل واقعة تابع لظن اتهد و قد قال صاحب جمع الجوامع و
المتكلمون عليه و نعتقد ان ابا حنيفة و مالك و ال  شافعي و أحمد و سائر ائمة المسلمين
على هدى من الله و لا التفات الى من تكلم فيهم بما هم بريئون منه فقد كانوا من
العلوم الّلدنية و المواهب الالهية و الاستنباطات الدقيقة و المعارف الغزيرة و ال  دين و
الورع و العبادة و الزهادة و الجلالة بالمحل الذي لا يسامى (انتهى) و رأى بعض الأئمة
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و سأله عن اختلاف اتهدين فقال (كل في اجتهاده
- ٧٩ -
مصيب) فذكر له الرائي قول أبي حنيفة اتهدان مصيبان و الحق في واحد و قول
ال  شافعي اتهدان مصيب و مخطئ معفو عنه فقال صّلى الله عليه و سّلم (هما قريبان
في المعنى و ان كانا مختلفين في اللفظ) فقلت ايهما اولى بالاخذ من الفريقين فقال
صّلى الله عليه و سّلم (كلاهما على الحق) و منها عليك ان تعلم و تعتقد ان اختلاف
ائمة المسلمين من اهل ال  سنة و الجماعة في الفروع نعمة كبيرة و رحمة و اسعة و فضيلة
واضحة و له سر لطيف ادركه العلماء العاملون و عمي عنه الجاهلون حتى قال بعضهم
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم جاء بشرع واحد فمن اين مذاهب اربعة و وجه ذلك ان
الله تعالى خص هذه الشريعة برفعه عن اهلها الاصار و الاثقال التى كانت على الامم
قبلها و قد تقرر ان شرائع الانبياء شرائع له زيادة في تعظيمه فالشرائع التى استنبطها
اصحابه و تابعوهم باحسان من اقواله و افعاله على تنوعها شرائع متعددة له من باب
اولى خصوصًا و قد اخبر بوقوعها و وعد بالهداية على آخذيها و رضى ا و مدحنا
عليها و جعل ذلك رحمًة و منًة اي منًة كما مر بيان ذلك (انتهى) كلام ال  سيوطي
ملخصًا من جزيل المواهب في اختلاف المذاهب و تبعه ابن حجر في الخيرات الحسان و
قال ابن حمدان الحنبلي في آداب المفتي و المستفتي بعد ذكر كثير من تحاشي السلف عن
الفتيا و هو من اهل الستمائة بعد الهجرة (قلت) فكيف لو رأى زماننا و اقدام من لا
علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته و سوء سيرته و شؤم سريرته و انما قصده السمعة و
الرياء و التعّلى على الناس و مماثلة الفضلاء و النبلاء المشهورين الكاملين و العلماء
الراسخين المتبحرين من ال  سابقين و مع هذا فهم ينهون فلا ينتهون قد احلى لهم
الشيطان بانعكاف الجهال عليهم و تركوا ما لهم في ذلك و عليهم فمن اقدم على ما
ليس له اهل من فتيا او قضاء او تدريس اثم فإن اكثر و استمر و اصر فسق و لم يحل
قبول قوله و لا فتياه و لا قضاه هذا حكم دين الاسلام و لا اعتبار بمخالف هذا
الصواب فإنا لله و انا اليه راجعون و قد قال ابن أبي داود و غيره ان ال  شافعي شرط في
المفتي و القاضي شروطا لا توجد ا ّ لا في الانبياء (انتهى) فإذا كان هذا في المفتي فما
- ٨٠ -
بالك باتهد و من يدعى الاجتهاد فهو آثم و فاسق و لهذا اجمع اهل ال  سنة على تقليد
المذاهب الاربع لعدم من يقوم بأدنى أدنى أدنى منصبهم و تبين ان قول القائل الشريعة
واحدة فكيف تكون لاربع أنه من اجهل الجاهلين لعدم معرفته بما ذكرنا و الله خير
الحاكمين (و اما قولهم) ان الذي ينذر او يذبح باسم الله صدقة للانبياء و الأولياء فهو
لا يجوز او كفر او شرك فهذا كلام فصله علماء اهل ال  سنة من ائمة المذاهب و حيث
ان هؤلاء خارجون عن المذاهب فنستدل على ردهم كما يقولون من الكتاب و ال  سنة
ثم نذكر اقوال المذاهب في هذه المسئلة قال الله تعالى (  و َما َانَف ْ قت  م مِ  ن نَفَقةٍ َا  و ن َ ذ  رت  م
( مِ  ن نذْرٍ فإن اللهَ يعَلمه * البقرة: ٢٧٠ ) و قال تعالى (  و ْليوُفوا ن ُ ذو  ر  ه  م * الحج: ٢٩
و قال تعالى (يوُفو َ ن بِالنذْرِ  و ي  خاُفو َ ن يومًا كَا َ ن  ش  ره م  ستطِ  يرا *  و يطْعِ  مو َ ن الطَّعام
٧) فذكر في هذه الآيات ال  شريفات –  عَلى حبهِ مِ  سكِينا  و يتِيما  و َاسِ  يرا * الانسان: ٨
ان النذر هو يعلمه و مدح فاعله و جعل النذر من جنس النفقة و في الحديث ال  صحيح
ان رج ً لا او أمراة نذر ان يذبح ابلا بيوانا مكانا خارج م ّ كة فسئل هل به وثن من
اوثان الجاهليه فقال السائل لا قال اوف بنذرك مع ان الله حاضر في كل مكان و عالم
بالنيات فتعين اماكن ال  صالحين للتصدق على من بجواره ليصل ثوابه لذلك ال  صالح فهو
مما عين المكان فيه و ان تعيينه لازم لا ضرر فيه في دين الاسلام و اما الذبح فهو تبع
للنذر لأن من نذر حيوانا لا بد من ذبحه و اما قول الخوارج ان النذر لغير الله لا يجوز
و الذبح لغير الله لا يجوز (فنقول) أولا يحتاج هذا الكلام الى دليل من الكتاب و ال  سنة
و لن يستطيعوا له حصولا في النذز و لا بد ان يأتوا بكلام الفقهاء و هم لا يرضون
بالتقليد بل يدعون الاخذ بالكتاب و ال  سنة و اما قوله تعالى (  ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ) فهو
عمدة استدلالهم فيقال ما معنى قوله تعالى (  ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ) فسيقولون على مقتضى
عقلهم ما ذبح لغير الله فنقول لهم ذا التفسير يلزم تكفيرهم و تكفير جميع المسلمين إذ
في كل يوم يذبح الجزارون في بلاد الاسلام اكثر من مائة مليون و هذا الذبح ليس لله
بل لكسب ال  دنيا و للآكلين فيصدق أنه ذيح لغير الله و كذلك ما يذبح الناس لأموام
- ٨١ -
فإنه يصدق عليه أنه ذبح لغير الله فإن قالوا مسئلة الذبح للاموات مقصودنا و مقصود
الناس الذبح لله و الصدقة للاموات قلنا و كذلك الذبح للانبياء و الأولياء و من
اطلعكم على نية الذابح و الله تعالى هو العالم بالنيات لا غيره ا ّ لا من تعليمه تعالى ثم
تعّلم هؤلاء الخوارج ان معنى قوله تعالى (  ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ) الاهلال هو رفع الصوت
و كان عباد الاصنام يقولون عند الذبح يرفع الصوت باسم اللات باسم العزى عوضا
عن قول المسلم بسم الله فقال تعالى (  ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ به) فمن قال من المسلمين
باسم ال  شيخ عبد القادر مثلا عوضا عن بسم الله فهو إن كان يعلم ذلك فحرام و إن
كان لا يعلمه يجب على العلماء ان يعّلموه و لا يكفر مطلقا كما هو رأى الخوارج
هذا من حيث الاجمال و اما من حيث الاستدلال من اقوال علمائنا اتباع المذاهب
(فنقول) قال في البحر و النهر و نقله صاحب ال  در عن ال  شيخ قاسم بن قطلوبغا( ١) من
حيث النذر و اعلم ان النذر الواقع للاموات من اكثر العوام و ما يؤخذ من الزيت و
الشمع و الدراهم و نحوها الى ضرائح الأولياء تقربا اليهم فهو باطل بالاجماع و حرام
ما لم يقصدوا صرفها لفقراء الانام و قول ال  شيخ قاسم ان النذر عبادة و العبادة
للمخلوق لا يجوز ينافيه قوله صّلى الله عليه و سّلم (ان النذر لا يأتى بخير انما
يستخرج به مال البخيل) يدل على كراهته و المكروه لا يكون عبادة و لاش  ك ان
قصد العوام بالذبائح و غيرها بنذرها و ذبحها صرفها للفقراء المنسوبين الى ذلك الو ّ لي
او لعموم الفقراء في كل مكان و عند الحنفية لا يتعين المكان في النذر و لو نذر مثلا
للشيخ فلان جاز ذبحه او تفرقته في غير مكان ال  شيخ لانه يصله الثواب حيث ما كان
مع ان هذه العبارة منسوبة للشيخ قاسم و هو من تلاميذ ابن الهمام من اهل التسعمائة
و لم تنقل هذه المسئلة ا ّ لا عنه لا عن المتقدمين من المذاهب و اصحام و ال  شيخ قاسم
هذا كان يعتقد اعتقاد ابن تيمية و هو مبتكر لهذه الاشياء المضللة للناس ورد عليه
جماهير اكابر المذاهب في وقته و بعده من خصوص هذه المسائل التي ابتدعها و لئن
١) قاسم بن قطلوبغا الحنفي المصري توفي سنة ٨٧٩ ه. [ ١٤٧٤ م.] )
- ٨٢ -
سلم كلام ال  شيخ قاسم فما عليه غبار لدى العلماء لانه قال لا يجوز الا إذا قصدوا
صرفها لفقراء الانام و هذا هو المقصود يقينًا لكن استدلال الخوارج بقول علمائنا ما ذا
ينفعهم لأنهم لا يرضون باقوال المذاهب و اتباعهم من غير دليل من الكتاب و ال  سنة و
اي كتاب و اي سنة إذا طالبناهم ا يأتون ما و ليس لهم الا ما ذكرنا سابقا و هو
يدخل الاحتمال فيبطل به الاستدلال و ذكر في ال  در في مسئلة الذبح ان (مآ ُاهِلَّ لِغيرِ
اللهِ) هو ان يذبح الذبيحة و يتركها و لا يعطيها للفقراء و اما ما ذبح للاكل فليس
بداخل فيما اهل به لغير الله كالذبح للضيف فإنه سنة الخليل ابراهيم عليه ال  سلام و لو
كان مما اهل لغير الله لدخل ما ذبح للضيف مثلا و مسئلة الذبح للأولياء المقصود منه
نفع الفقراء و حصول الثواب من الله للأولياء فهو احسن من الذبح للضيف إذ الضيف
غالبًا يكون من الاغنياء الغير المستحقين كما هو معلوم نعم ذكروا الذبح للامير او
السلطان او لقدوم غائب يذبحه و يتركه بلا فائدة فيشبه ما ذبحه الكّفار لاصنامهم
فقالوا هو حرام و اما عند الأئمة الشافعية (فسئل) العلامة ابن حجر المكي في فتاواه
عن النذر للأولياء هل يصح و يجب تسليم المنذور اليهم ان كانوا أحياء او لأي فقير و
مسكين كان و إن كان الو ّ لي ميتًا فهل يصرف لمن من ذريته و اقاربه او لمن ينهج
منهجه او يجلس في حلقته او لفقيره او كيف الحال و ما حكم النذر لتجصيص القبر او
حائطه فهل يصح او لا (فاجاب) بقو له النذر للولى الحي صحيح و يجب صرفه اليه و
لا يجوز صرف شيئ لغيره و اما النذر للولى الميت فإن قصد الناذر تمليك الميت بطل
نذره و ان قصد قربة اخرى كاولاده و خلفائه او اطعام الفقراء الذين عند قبره او غير
ذلك من القرب المتعلقة بذلك الو ّ لي صح النذر و وجب صرفه فيما قصد الناذر و ان
لم يقصد شيئًالم يصح الا ان طردت عادة الناس في زمن الناذر بالهم ينذرون للميت و
يريدون جهة مخصوصة مما ذكرناه و علم الناذر بتلك العادة المطردة المستقرة فالظاهر
تتريل نذره عليه اخذًا مما ذكروه في الوقف من ان العادة المستقرة المرادة في زمن
الواقف تترل مترلة شرطه (و اما النذر للتجصيص) المذكور باطل نعم يؤخذ من كلام
- ٨٣ -
الاذرعي( ١) و الزركشى و غيرهما أنه يصح لقبور الانبياء و الأولياء و العلماء و كذا لو
كان الميت بمكان لا يؤمن عليه من سبع او سرقة كفن او اخراج نحو مبتدعة اوكّفار
له ا ّ لا بالتجصيص فحينئذٍ يجوز بل يندب و يصح نذره لما فيه من المصلحة كما تصح
الوصية بذلك (انتهى) و للشيخ ابن حجر فتيا مطولة و هذا القدر كاف و كذا للرملي
في فتاواه و اصل ذلك من كلام الرافعي في النذر للقبر بجرجان كما قدره ابن حجر في
التحفة و الفتاوى و هذا اتفاق للشافعية في هذه المسئلة (و اما المالكية) فنقل صاحب
شرح مختصر خليل العمروى كما ذكر الشافعية فلنذكر عبارته بنصها و ان قيد يعني
الهدى بغير م ّ كة بلفظ او نية كقبر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم او قبر ولي فإن كان مما
يهدى و عبر عنه بلفظ بعير او جزور او خروف نحره او ذبحه بموضعه و فرق لحمه
للفقراه و ان شاء ابقاء و اخرج مثل ما فيه من اللحم و اما إن كان مما لا يهدى
كثوب او دراهم او طعام فإن قصد بذلك للملازمين للقبر ال  شريف او لقبر الو ّ لي و لو
اغنياء ارسله لهم و ان قصد نفس الن  بي او الشيخ أي الثواب تصدق به بموضعه و إن لم
يكن له قصد او مات قبل علم قصده فينظر لعادم كذا استنبطها ابن عرفة و البرذالى
(انتهى) و اما اقوال الحنابلة فنقل ال  شيخ منصور البهوتي في حاشية الاقناع و نقل ابن
مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية ان النذر لغير الله كنذره لشيخ معين للاستغاثة و
قضاء حاجة منه كحلفه بغيره و قال غيره نذر معصية (انتهى) كلام ابن مفلح( ٢) في
الفروع فدل على ان النذر للمشايخ للاستغاثة م و قضاء الحاجة يكره عند ابن تيمية
كراهة تتريه و الدليل عليه قوله و قال غيره نذر معصية يعني بعض الحنابلة غير ال  شيخ
ابن تيمية و نقل في حاشية الاقناع عن ابن تيمية من نذر قنديلا للن  بي صّلى الله عليه و
سّلم صرف لجيران الن  بي صّلى الله عليه و سّلم انتهى (و اما مسئلة الذبح للانبياء و
الاولياء) بمعنى ان الثواب لهم و المذبوح منذور لوجه الله تعالى (و ما ورد) من قوله
١) الاذرعي أحمد ال  شافعي توفي سنة ٧٨٣ ه. [ ١٣٨١ م.] )
٢) ابن مفلح مح  مد الحنبلي توفي سنة ٧٦٣ ه. [ ١٣٦٢ م.] )
- ٨٤ -
صّلى الله عليه و سّلم (لعن الله من ذبح لغير الله) قال ابن القيم في كتاب الكبائر و
ال ّ ذهبي( ١) في الكبائر و ابن حجر في الزواجر معنى الذبح لغير الله مثل ان يقول باسم
سيدى ال  شيخ فلان و كما تقدم ان يقول الكافر عند الذبح باسم الصنم عوضًا عن
بسم الله قال النووي في الروضة فإن ذبح للكعبة او للرسل تعظيما لكوا بيت الله و
لكوم رسل الله جاز قال و الى هذا يرجع قول القائل اهديت للحرم او للكعبة و
اعلم تحرم الذبيحة تقربا الى السلطان او غيره عند لقائه لما مر فإن قصد الاستبشار
بقدومه فلا بأس او ليرضى غضبانًا جاز كالذبح لولادة المولود لا ليتقرب به الى
الغضبان في صورته بخلاف الذبح للصنم فإن ذبح للجن حرم الا ان قصد بما ذبحه
القربة الى الله تعالى ليكف شرهم فلا يحرم انتهى ثم قال و الى هذا يرجع قول القائل
اهديت للحرم او للكعبة اي في قوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) و اما الذبح تقربا
للسطان او غيره كالأمير و الرجل الكبير عند لقائهم فتحرم و مع هذا فإن للاستبشار
بقدوم مثل هؤلاء او ليرضى غضبانا جاز الذبح كالذبح للولادة فافهم و مسئلة التقرب
للسلطان (الطاهر) كما قال الحنفية إنه يذبح و يترك و لا يعطى للفقراء و المستحقين و
الله الهادى و المعين و الحاصل ان العلماء ما تركوا لاحد مقالا بل انما ذكروا كلما
يحتاج المكلف في امور دنياه و ُاخراه و نوعوا النيات و الارادات بما يصر في ال  دين و
ينفع و مضى على ذلك و رضي به القرون الكثيرة و تواطئت على الافتاء به العقول
الوفيرة فمن اتى ممن لا عقل له و لا دين و يريد ان يفرق بين المسلمين و يضلل العلماء
العاملين و الكملاء الزاهدين الذين اتعبوا انفسهم و اخرجوا الحق من بين فرث الفاسد
و الباطل فهو الصقيع الضال المخالف للشريعة القويمة و العقول الكاملة السليمة فلا
ينبغي لاحد له ادنى عقل ان يتبع هؤلاء نعم للدجال اتباع يرون اقبح ما يأتيهم حسنا
و اما مسئلة ان المؤذن إذا ذكر شهادة الن  بي صّلى الله عليه و سّلم وضع السامع اظافر
اصبعيه الاامين على عينيه و قال قرت بك عينى يا رسول الله فقد ذكر ذلك بعض
١) محمد شمس ال  دين ال ّ ذهبي الحنبلي توفي سنة ٧٤٨ ه. [ ١٣٤٧ م.] في مصر )
- ٨٥ -
العلماء كالديربي في مجرباته و غيره و لم ار فيه حديثا فيما علمت لكن ربما يؤخذ ذلك
من قوله صّلى الله عليه و سّلم (عند ذكر ال  صالحين تترل الرحمة) و قال الامام أحمد
بن حنبل ذكره ابن الجوزي و ابن حجر عنه فالظاهر أنه اي عند ذكر ال  صالحين تترل
الرحمة حديث و لهذا ذكره ال  سيوطي في الجامع الصغير لا ش  ك ان نبينا صّلى الله عليه
و سّلم سيد الرسل و ال  صالحين فلا ش  ك أنه عند ذكره تترل الرحمة و الدعاء عند نزول
الرحمة مستجاب و قول السامع قرت عينى بك يا رسول الله دعاء بُِقرة العين و هو
السرور و الفرح في ال  دنيا و الآخرة فهذا جار على قواعد الشريعة المطهرة و لا مانع
منه و الله اعلم ثم رأيت الطحطاوي من ائمة الحنفية نقل عن القهستاني( ١) عن كتر
العباد أنه قال يستحب ان يقول عند سماع الشهادة الثانية قرت عينى بك يا رسول الله
اللهم متعنى بالسمع و البصر بعد وضع ااميه على عينيه فإنه صّلى الله عليه و سّلم
يكون له قائدًا الى الجنة و نقل عن شيخ زاده( ٢) في حاشية البيضاوي عن ال  شيخ أبي
الوفا( ٣) قال رأيت في بعض الفتاوى ان ابابكر الصديق رضي الله عنه سمع الاذان فلما
بلغ المؤذن الى كلمتى الشهادة بالرسالة لرسول الله صّلى الله عليه و سّلم قبل ظفرى
ااميه من يديه فمسح ما عينيه فقال صّلى الله عليه و سّلم لم فعلت هذا قال تبركًا
باسمك الكريم يا رسول الله فقال صّلى الله عليه و سّلم (احسنت فمن يعمل به امن
من الرمد) و المحفوظ عندي أنه يقول اللهم احفظ عينى و نورهما انتهى و ذكر
الديلمي في الفردوس من حديث أبي بكر الصديق و وضع ااميه على عينيه عند قول
المؤذن اشهد ان مح  مدًا رسول الله و قال اشهد ان مح  مدًا عبده و رسوله رضيت بالله
ربًا و بالاسلام دينًا و بمح  مد صّلى الله عليه و سّلم نبيًا حلت له شفاعتى انتهى قال و
بمثله يعمل في الفضائل انتهى من كلام الطحطاوي في حاشية مراقي الفلاح و عنه
١) مح  مد القهستاني الحنفي توفي سنة ٩٦٢ ه. [ ١٥٥٥ م.] في بخارى )
٢) شيخ زاده مح  مد الحنفي توفي سنة ٩٥١ ه. [ ١٥٤٤ م.] في استنبول )
٣) أبو الوفا الحموي ال  شافعي الخلوتي توفي سنة ١٠١٦ ه. [ ١٦٠٧ م.] في حماة )
- ٨٦ -
صّلى الله عليه و سّلم (من سمع اسمى في الاذان و وضع ااميه على عينيه فانا طالبه
في صفوف القيامة و قائده الى الجنة) من كتاب كتر العباد و في القهستاني عن كتر
العباد و يستحب ان يقال عند سماع الاولى من الشهادتين صّلى الله و سّلم عليك يا
رسول الله و عند الثانية منها قرت عينى بك يا رسول الله ثم يقال اللهم متعنى بالسمع
و البصر بعد وضع الاامين على العينين من غير م  د فإنه عليه ال  صلاة و ال  سلام يكون
قائدًا له الى الجنة انتهى و في فتاوى ال  شيخ مح  مد بن سليمان المدني ال  شافعي سؤال في
ابن عبد الوهاب النجدي فإنه هو الذي فتح لجهال هذا الزمان المتأخر هذا الباب و
جعله لخياله و خيالهم لذة تحت اسنام يلوكون به السنتهم (يرِي  دو َ ن َا ْ ن ي ْ طفِ  ؤا نو  ر اللهِ
بِاَفْواهِهِم  و يْأبى اللهُ اِلاَّ َا ْ ن يتِ  م نو  ره  و َل  و َ كرِه الْ َ كافِ  رو َ ن * التوبة: ٣٢ ) و السؤال في
آخر الفتاوى صورته (ما تقول السادة العلماء الاعلام مصابيح سنة سيد الانام) إذا
كان طالب علم اطال المطالعة في مؤلفات اهل العلم فيحكم في رائيه ان جملة هذه
الامة ضلوا و اضلوا عن اصل ال  دين و طريقة سيد المرسلين صّلى الله عليه و سّلم و
ادعى الاجتهاد و الاستنباط من كتاب الله و رسوله صّلى الله عليه و سّلم بزعمه و
ليس فيه من شروط الاجتهاد المعتبرة عند اهل العلم شيئ فهل يسوغ له ذلك و الحالة
هذه ام يلزمه الرجوع عن دعواه و متابعة اهل العلم و مع ذلك نسب نفسه للامامة و
يوجب على الامة الأخذ بقوله و لزوم مذهبه و يجبرهم على ذلك و يعتقد كفر من
خالفهم و يستحل دمه و ماله فهل يكون مخطئا في ذلك ام لا و هل لو فرض اجتماع
شروط الاجتهاد في شخص و تمذهب بمذهب مستقل هل يجوز له ان يلزم الناس
بالتزامه ام الامر واسع في تقليد اهل العلم و هل زيارة قبر الرجل ال  صالح او الصحابي
او النذر له او الذبح عنده او الدعاء او التمسح به و الأخذ من ترابه و نداء الرسول او
الصحابي للاستغاثة به يخرج فاعل ذلك عن الاسلام و يحل دمه مع أنه يخبر بأنه لم
يقصد عبادة صاحب ذلك القبر و لم يعتقد قدرته على امر توسل به فيه و انما يريد
التوسل به الى الله تعالى لعلو رتبته عند ربه و هل الحلف بغير الله يخرجه عن الاسلام ام
- ٨٧ -
لا الى آخر السؤال (الجواب) لا شبهة ان العلم انما يدرك بالأخذ عن المشايخ فمن
كان شيخه الكتاب فخطئه اكثر من صوابه و دعوى الاجتهاد اليوم في غاية من البعد
و قد قال الامام الرافعي و النووي و سبقهما الفخر الرازي( ١) الناس كامعين اليوم
على أنه لا مجتهد و هذا الامام ال  سيوطي مع سعة اطلاعه و باعه في العلوم و تفننه فيها
بما لم يسبق اليه ادعى الاجتهاد النسبي لا الاستقلال كما قال بنفسه في بعض تأليفه و
مع ذلك لم يسلم له و قد نافت مؤلفاته على الخمسمائة و دلت على علو كعبه في
الكتاب و ال  سنة و وسائلهما فدعوى الاجتهاد النسبى لمن لم يقرب من مثل ال  سيوطي
باطلة و اذا طرح الرجل المسئول عنه مؤلفات اهل ال  شرع فليت شعرى بما ذا يتم  سك
فإنه لم يدرك الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و لا احدًا من الصحابة فإن كان عنده شيئ
من العلم فهو من مؤلفات اهل ال  شرع و حيث كانت على ضلال فمن اين وقع على
الهدى فليبينه لنا فإ ّ ن كتب الايمة الاربعة و مقلديهم جل مأخذها من الكتاب و ال  سنة
فكيف اخذ هو ما يخالفها و هو كما نقل عنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد و حكم مثله اذا
رأي حديثا صحيحًا و لم تسمح نفسه بمخالفته ان يفتش من اخذ به من اتهدين
فيقلده كما نبه عليه الامام العمدة المحقق القدوة النووي في الروضة إذ الاستنباط من
الكتاب و ال  سنة لا يجوز ا ّ لا لمن بلغ رتبة الاجتهاد كما نصوا عليه فيجب على هذا
الرجل الرجوع الى الحق و رفض الدعوى الباطلة و اما تكفيره المسلمين فقد صح أنه
صّلى الله عليه و سّلم قال (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء ا احدهما فإذا
كان الذي رماه به مسلم فيكون هو الكافر) و في الشرح الكبير للرافعي نقلا عن
التحفة إذا قال لمسلم يا كافر بلا تأويل كفر لانه سمى الاسلام كفرًا و تبعه على ذلك
النووي في الروضة و اعتمد ذلك المتأخرون كابن المرفعة و القمولى و الفشائي و
الاسنوي و الاذرعي و أبي زرعة بل قضية كلام الاستاذ أبي اسحق الاسفرائيني( ٢) و
١) مح  مد فخر ال  دين الرازي ال  شافعي توفي سنة ٦٠٦ ه. [ ١٢٠٩ م.] في هرات )
٢) أبو اسحاق أبراهيم الاسفرائيني ال  شافعي توفي سنة ٤١٨ ه. [ ١٠٢٧ م.] في نيشاپور )
- ٨٨ -
الحليمي( ١) و ال  شيخ نصر المقدسي و الغزالي و ابن دقيق العيد و غيرهم أنه لا فرق بين
ان يؤل او لا (و قول السائل يستحل دمه و ماله) صح أنه صّلى الله عليه و سّلم قال
(امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله) الحديث فكيف ساغ لهذا
الرجل استحلال ما لم يحل له عليه الصلوة و ال  سلام و هذا الحديث هو مفاد قوله تعالى
جل شأنه في محكم كتابه (َفاِنْ تابوا  و َاقَاموا ال  صلَوَة  و آت  وا ال  زكَوَة َف  خلُّوا  سبِيَل  ه  م *
التوبة: ٥) و في آية اخرى (فَاِخوان ُ كم فِي ال  ديِنِ * التوبة: ١١ ) و قال صّلى الله عليه
و سّلم نحن (نحكم بالظاهر و الله يتولى ال  سرائر) و قال (ما امرت ان اشق على
قلوب الناس و لا سرائرهم) و قال لإسامة حين قتل من قال لا اله الا الله (هلا
شققت عن قلبه) و لا يجوز تهد ان يحمل الناس على مذهبه نعم إن كان قاضيا و
رفعت اليه حادثة فإنه انما يحكم فيها بما يظهر له من الادلة (و النذر للاولياء) فيه
تفصيل عند ائمتنا الشافعية قال في الهبة من التحفة لو نذر لولى ميت بمال فإن قصد أنه
يملكه لغى و ان اطلق فإن كان على قبره ما يحتاج للصرف في مصالحه من مدارس
العلم و الفقراء و نحوها صرف لها و ا ّ لا فإن كان عنده قوم اعتيد قصدهم بالنذر للولى
صرف لهم و في النذر منها يصح نذر التصدق على ميت او قبره ان لم يرد تمليكه و
اطرد العرف بأن ماحصل له يقسم على نحو فقراء هناك فإن لم يكن عرف بطل الى
آخر ما اطال به و نقل عن السملاوي عن الرملى مثله و من المعلوم ان الناذرين
للمشائخ و الأولياء بشئ لا يقصدون تمليكهم لعلمهم بوفام و انما يتصدقون به عنهم
او يعطونه لخدامهم و حينئذٍ هو قربة لأن النذر لا ينعقد عند الشافعية في المباحات و لا
في المكروهات و المحرمات و انما ينعقد في القرب و المسنونات التى ليست بواجبة و اما
التمسح بالقبور و التبرك ا فاختلف ائمتنا في ذلك فمنهم من اباح ذلك و منهم من
منع عنه لكنه قال بالكراهة لا بل الحرمة ثم ذكر الادلة من الأحاديث و آثار السلف
على تقبيل الاماكن الشريفة و اطال ثم قال و اما التوسل بالانبياء و ال  صالحين فهو امر
١) حسين الحليمي الجرجاني ال  شافعي توفي سنة ٤٠٣ ه. [ ١٠١٢ م.] )
- ٨٩ -
محبوب ثابت في الأحاديث ال  صحيحة و غيرها و قد اطبقوا على طلبه و استدلوا بامور
يطول شرحها و قد ذكرت جملة منها في غير هذا الموضع فلا حاجة الى اعادته هنا بل
ثبت في الأحاديث ال  صحيحة التوسل بالاعمال ال  صالحة و هى اعراض فبالذوات اولى
(و اما الحلف بغير الله تعالى) لا يكون كفرا الا ان قصد الحالف تعظيم ذلك الغير
كتعظيم الله و عليه حملوا حديث الحاكم (من حلف بغير الله فقد كفر) و في رواية
(فقد اشرك) لكن الذي نقله النووي عن اكثر العلماء الكراهة ثم قال و اجماع
المسلمين ح  جة قال تعالى (  و يتبِع َ غي ر  سبِيلِ الْمؤمِنِ  ين نولِّهِ ما ت  ولَّى  و نصلِهِ  ج  هن  م  و
سآءَ  ت مصِ  يرا * النساء: ١١٥ ) فعليك بالجماعة فانما يأكل الذئب الشاة القاصية من
الغنم و من شذ فهو في النار و هذا ملخص ما ذكره هذا العالم الفاضل و فيه مقنع لمن
اراد الله هداية و هو من اهل الالف و مائة و خمس و تسعين و ظهور ابن عبد الوهاب
كان في هذه الازمنة فقد ج  هله و رد قوله و دعواه الاجتهاد قال و أنه ممن لم يأخذ
العلم عن المشايخ و هو من الخوارج المارقين من ال  دين لتكفيره المسلمين و رأيت رسالة
للشيخ عبد العظيم المكي الحنفي( ١)  سماها (القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد و
التقليد) ذكر فيها قول ابن حزم الظاهري( ٢) و أنه يأمر بالاجتهاد و يحرم التقليد و
يستدل بقوله تعالى (فإن تنا  ز  عت  م فِي  شيءٍ َفر  دوه اَِلى اللهِ  وال  ر  سولِ اِ ْ ن ُ كنت  م ت  ؤمِنو َ ن
بِاللهِ والْيومِ اْلآخِرِ * النساء: ٥٩ ) وقد قال اعني ال  شيخ عبد العظيم المكي الحنفي في
رسالته و نحن مع ذلك بحمد الله لا نخرج عن درجة التقليد لامامنا الاعظم الاكبر أبي
حنيفة المقدم و نحن مقلدون له و كبار اصحابه و من بعدهم من كبار ائمتنا كشمس
الأئمة و اضرابه و ما يبحثه المتأخرن من اهل القرن التاسع و العاشر من فضلاء
المذهب (و اقول) ابن حزم هذا من اهل مذهب داود الظاهري الذي اندرس هو و
اهله و هذا اعنى ابن حزم كما قال ابن الاهدل و ال ّ ذهبى و ابن خلكان كان كثير
١) مح  مد بن عبد العظيم الهندي المكي الحنفي توفي سنة ١٠٥١ ه. [ ١٦٤١ م.] )
٢) ابن حزم علي الفلسفي الاندلسي توفي سنة ٤٥٦ ه. [ ١٠٦٤ م.] )
- ٩٠ -
الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد احد يسلم من لسانه فنفرت عنه القلوب و
استملك من فقهاء وقته فمالوا على بغضه و ردوا اقواله و اجمعوا على تضليله و شنعوا
عليه و حذروا سلاطينهم من فتنته و وا عوامهم عن الدنو اليه و الاخذ عنه و اقصته
الملوك و شردته عن بلاده و قال ابن العريف( ١) كان لسان ابن حزم و سيف الحجاج
شقيقين انتهى ما اورده في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي( ٢) ناقلا عن ابن خلكان
(اقول) و رأيت له اقوالا خبيثة ترد على ال  سنة الثابتة ال  صحيحة عن رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و معنى قول ابن العريف كان لسان ابن حزم و سيف الحجاج شقيقين
ان الحجاج قتل بسيفه ظلما تعديا مائة الف و عشرين الف مؤمن مظلوم بلا سبب و
كذلك لسان ابن حزم هكذا يفعل باهل القرن الذي قبله المشهود له بالخيرية لانه من
اهل الاربعمائة و ستين سنة فالمتقدمون بالنسبة اليه هم اهل الثلاث مائة و ستين من
اهل قرب خير القرون كما لا يخفى على ان العلماء عندهم لا يعتد بخلاف اهل
الظاهري مطلقا فضلا عن هذا المضلل هذا ما التقطه الفكر من اقوال علماء هذه الامة
في بطلان دعوى الاجتهاد في هذه الازمنة المتأخرة و لزوم التقليد الذي هو النجاة من
مضلات الفتن و المعول عليه لدى اهل الفطن حمانا الله و اخواننا المسلمين من اهل
ال  سنة و الجماعة من هذه الدعوى ال  دالة على غاية الصقاعة و الرقاعة و جعلنا متبعين
هؤلاء المذاهب الاربعة المؤيدين للدين باجتهادهم الحق المبين و حشرنا في زمرم مع
الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و ال  صالحين و الحمد لله رب
العالمين و الصلوة و ال  سلام على سيدنا مح  مد و آله و صحبه اجمعين (قال مؤلفها عليه
الرحمة تم تأليفها في رمضان في سنة ١٢٩٣ ) نحمدك يا من مننت علينا بتمام الإيمان و
ال  صلاة و ال  سلام على من هو الوسيلة العظمى في رضاء الملك الديان صّلى الله عليه و
على آله و اصحابه و اوليائه اهل الكرامات و العرفان و بعد فقد تم في بنبئ بمطبعة نخبة
١) أحمد ابن العريف الاندلسي توفي سنة ٥٣٦ ه. [ ١١٤١ م.] في مراكش )
٢) ابن العماد عبد الرحمن الحنبلي مفتي الشام توفي سنة ١٠٥١ ه. [ ١٦٤١ م.] )
- ٩١ -
الأخبار طبع المنحة الوهبيه في الرد على الو  هابية و اشد الجهاد في ابطال دعوى
الاجتهاد الذين هما من جملة تأليفات سيدنا و مولانا شيخ الاسلام المدقق و العلامة
الو ّ لي المحقق السيد ال  شيخ داود البغدادي عليه الرحمة و قد طبعا على ذمتي انا الفقير اليه
تعالى خادم العلماء العاملين عبد الوهاب نجل المرحوم السيد أحمد خبيب البغدادي
عفى الله عنه و رزقه شفاعة نبيه الهادي و قد اعتنيت بالتصحيح على حسب همتى
الداثرة فاسئله تعالى ان يعفو عما وقع منى خطئًا و سهوًا و ان يعصمني من الوقيعة في
المهوى هذا و قدكان الفراغ من الطبع في محرم الحرام سنة ١٣٠٥ هجرية على
صاحبها افضل ال  صلاة و ازكي التحية.
- ٩٢ -
رسالة في الرد على المرحوم السيد محمود افندي
الآلوسي رحمه الله تعالى
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
الحمد الله اّلذي وفقنا لاتباع ال  سنة النبوية و الاصحاب و الاتباع و حفظ
انفسنا عن الادعاء و سلك بنا طريق العلماء الامناء و ال  صلوة و ال  سلام على الرسول
المبين لكل ما تحتاج الامة اليه و تبعه اصحابه و اتباعهم على هذا المنهج اّلذي قامت
الشريعة عليه و على آله و صحبه و سّلم و شرف و كرم اما بعد فيقول الفقير الى ربه
(داود النقشبندي الخالدى بن السيد سليمان افندى- البغدادي) رأيت عبارة للسيد
محمود افندى الشهير بالآلوسي( ١) رحمه الله تعالى فيها من المخالفة و اازفة و يعلم الله
مني و كفى به شهيدا ان ليس مقصودى سوى بيان الحق فإنه بالاتباع احق لا لعصبية
و لا لحسد و لم اكن اطلعت عليها من كتابته بيده ا ّ لا بعد مماته و ان كنت سمعت ا
من بعض الطلبة لكن لم اتحققها في حياته و لم احرر هذه الكلمات ا ّ لا للنصيحة و النية
الخالصة ال  صحيحة لئلا يعثر ا الغافل و غير المطلع الجاهل فإن الناس لا سيما في هذا
الزمان اتباع كل ناعق و يروج عليهم زخارف القول و غير الموافق لها موافق لكن
قيض الله في كل عصر للعلم عدو لا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين كما
في الحديث عن سيد المرسلين صّلى الله عليه و سّلم و على آله و صحبه اجمعين. رواه
الامام أحمد بن حنبل و قال أنه من احسن الأحاديث و شاهد الوجود شاهد لذلك
كما ذكره ابن القيم في اعلام الموقعين و جملة من العلماء منهم البرماوى في شرح الفية
الاصول و اعلم ان ما انقله في هذه العجالة عندي في كتب عديدة من اراد الوقوف
على نقولنا فليأت لأريه النقل من محله و ا ّ لا فهو معاند او حاسد جاحد فيكفيه ما فيه
نسئل الله يلهمه رشده و يهديه.
١) محمود الآلوسي الكبير ال  شافعي مفتى بغداد توفي سنة ١٢٧٠ ه. [ ١٨٥٤ م.] )
- ٩٣ -
و اما التو  سل به في حياته فقد ثبت في الجدب وابراء ذوى العاهات
وحسبك ما رواه النسائي و الترمذي عن عثمان بن حنيف ان رجلا ضريرًا اتاه صّلى
الله عليه و سّلم فقال ادع الله تعالى ان يعافيني فامره ان يتوضأ و يحسن وضوئه و يدعو
ذا الدعاء اللّه  م اني اسئلك و اتوجه اليك بنبيك مح  مد ن  بي الرحمة يا مح  مد اني اتوجه بك
الى ربي في حاجتي لتقضي اللّه  م شفعه فيَّ ص  ححه البيهقي و زاد فقام و قد ابصر و اما
التو  سل به في البرزخ فقد كثر من اكابر الامة كالبوصيري و القسطلاني وخلق كثير في
حوائج جمة فنجزت و اما التو  سل به صّلى الله عليه وسّلم في عرصات القيامة فمما قام
عليه الاجماع و وردت به الأخبار في حديث الشفاعة و انت تعلم ان التو  سل به يؤول
الى التو  سل بجاهه عند الله و نحو ذلك لا بالذات البحت فإن التو  سل بذلك غير معقول
عند ذوي العقول و حينئذٍ لا فرق بين التو  سل به عليه ال  صلوة و ال  سلام في الحياة و
التو  سل به بعد الوفاة و الفاعل الحقيقي هو الله تعالى و من هنا تعلم ان لا مانع ايضًا
من التوسل بمن تحقق أنه له جاهًا عند ربه سبحانه من ذوى الارواح القدسية كالانبياء
عليهم ال  سلام و الأولياء المقطوع بولايتهم لكن لم يسمع في الادعية المأثورة عنه صّلى
الله عليه وسّلم و من اهل بيته كالسجاد رضي الله عنه بتوسط احد من الخلق والتو  سل
بحرمته و جاهه و كذا آيات الامر بالدعاء و الآيات المشتملة على حكاية الدعوات عن
اصحاا ليس فيها توسط احد و لا امر بتوسط و لم يشتهر عن الصديقين ادخال
حرف النداء على غيره تعالى في طلب شيئ و ان ق ّ ل و ما احسن ما قيل:
اليك و ا ّ لا لا تش  د الركائب * و عنك و ا ّ لا فالمحدث كاذب
و فيك و ا ّ لا فالغرام مضيع * و منك و ا ّ لا فالمؤمل خائب
و انا لا ارى بأسًا بتوسط عريض الجاه و الوسيلة العظمى صّلى الله عليه و
سّلم و كذا توسيط من اشرنا اليه مع كون الطلب من الله تعالى و الاحوط ان لا يقال
لمن لم يسمع و لا يرى و لا يقدر عن نفسه دفع الاذى يا فلان اشف لي مريضي و يا
فلان اعطنى كذا و إن كان باب التأويل واسعًا انتهى.
- ٩٤ -
اقول و بالله التوفيق هذا الكلام فيه مؤاخذات كثيرة يجب على اهل العلم
بياا فإن ال  دين لا محاباة فيه قال الله تعالى (  و اِ ْ ذ َا  خ َ ذ اللَّه مِيَثا  ق الَّذِي  ن ُاوتوا الْكِتا  ب
َلتبيننه لِلناسِ  و َ لا ت ْ كت  مونه * آل عمران: ١٨٧ ) والاعتراض على هذه العبارة من وجوه.
الوجه الاول: قوله و اما التو  سل به في حياته فقد ثبت في الجدب و ابراء
ذوى العاهات فقط و لم يذكر ما ثبت في الجدب فكان الواجب عليه بيانه لانه يوهم
ان ما ثبت في الجدب و العاهات هو حديث الاعمى و ليس فيه رفع الجدب فكان
عليه ان يذكر حديث البخاري في قول عمر رضي الله عنه الّله  م انا كنا نتو  سل اليك
بنبينا فتسقينا فها نحن نتو  سل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون و هو تو  سل عمر بالعباس
رضي الله عنهما.
و الوجه الثاني: ذكره لحديث الاعمى يريد أنه من التو  سل به في حياته و في
حضوره و ليس كذلك فإن حديث الاعمى ذكره العلماء من المحدثين و الفقهاء دلي ً لا
على التو  سل به في مغيبه و بعد موته قال الحافظ العراقي( ١) في شرح الترمذي في باب
صلوة الحاجة و لم يذكر المصنف في الباب غيرحديث ابن أبي اوفى و فيه عن عثمان بن
حنيف و ابى الدرداء و عبد الله بن مسعود و انس اما حديث عثمان بن حنيف فرويناه
في المعجم الصغير للطبراني من رواية أبي حفص الخطمى المدني عن أبي امامة بن سهل
بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ان رج ً لا كان يختلف الى عثمان بن عفان في
حاجة فلم يقضها فأتى الى عثمان بن حنيف فشكى ذلك اليه فقال له عثمان بن
حنيف ائت الميضاءة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل اللّه  م اسئلك و
اتوجه اليك بنبينا مح  مد ن  بي الرحمة يا مح  مد اني اتوجه بك الى ربي فتقضي لي حاجتي
وتذكرحاجتك ورح حتى اروح بعده فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم اتى باب
عثمان بن عفان فجاء البواب حتى اخذ بيده فادخله على عثمان فاجلسه معه على
الطنفسة و قال ما حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى
١) الحافظ زين ال  دين عبد الرحيم الكردى العراقي توفي سنة ٨٠٦ ه. [ ١٤٠٣ م.] )
- ٩٥ -
كانت هذه الساعة و قال ما كانت لك من حاجة فائتنا ثم ان الرجل خرج من عنده
فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي و لا يلتفت ا ّ لي
حتى كلمته ّ في فقال عثمان بن حنيف و الله ما كلمته و لكن شهدت رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و قد اتاه ضرير فشكى اليه ذهاب بصره فقال له الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم او تصبر فقال يا رسول الله ليس لي قائد و قد شق عل  ي فقال الن  بي صّلى الله عليه
و سّلم ائت الميضاءة فتوضأ و صل ركعتين ثم ادعو ذه الدعوات فقال عثمان بن
حنيف فوالله ما تفرقنا و طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن ضر قط
قال الطبراني لم يروه عن روح الاشبيب ابوسعيد المكي و هو ثقة و قد روى هذا
الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمى و اسمه سعيد بن يزيد و هو ثقة تفرد به عثمان
بن عمر بن فارس عن شعبة و الحديث صحيح انتهى كلام الطبراني قال الحافظ العراقي
قلت و قد روى الترمذي و ابن ماجة و النسائي في اليوم و الليلة رواية شعبة مقتصرين
على قصة الاعمى دون ما في اوله من قصة الرجل اّلذي كانت له حاجة الى عثمان بن
عفان الا ان شعبة خالف رواية روح عن أبي جعفر في الاسناد فقال عن أبي جعفر عن
عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف اورده المصنف يعني الترمذي في
الدعوات و قال حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه ا ّ لا من حديث أبي جعفر
الخطمى انتهى. و تابع شعبة على ذلك حماد بن زيد رواه النسائي في اليوم و الليلة و
وافق روح بن قاسم على قول أبي جعفر عن أبي امامة بن سهل هشام الدستوائى رواه
النسائي في اليوم و الليلة انتهى كلام الحافظ العراقي في شرح الترمذي فتبين لك من
هذا الحديث ال  صحيح من قول ال  صحابى عثمان بن حنيف فما افترق بنا الس و طال
بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ان الاعمى كان في غيبة
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم لا في حضوره فعدم ذكرهذه العبارة في الحديث خيانة في
النقل و تبين ذلك من رواية الطبراني ان التو  سل به صّلى الله عليه و سّلم ليس خاصًا
بحال حياته لأن هذا ال  صحابى علم هذا الرجل اّلذي له حاجة الى سيدنا عثمان بن
- ٩٦ -
عفان في خلافته و ذلك بعد وفاته صّلى الله عليه و سّلم و فهم ذلك هذا ال  صحابى و
كذلك فهمه المحدثون و الفقهاء فذكروا هذا الحديث فيمن له حاجة الى الله او الى احد
من خلقه و ترجموا له (باب) في صلوة الحاجة و رواه البيهقي و الحاكم و قال على
شرط البخاري و مسلم و اقره الحافظ الذهبى كما ذكره ابن حجر و السمهودى و
القسطلاني في المواهب و ذكر ابن تيمية في الفتاوى و صاحب مصباح الظلام في
المستغيثين بخير الانام حديث الاعمى هذا من رواية الترمذي و النسائي و ابن ماجة و
اصحاب السنن و قال ابن تيمية و صاحب مصباح الظلام و في الحديث أنه صّلى الله
عليه و سّلم لما عّلم الاعمى قال له و إذا كان لك حاجة فمثل ذلك اي فاعمل كما
عّلمك فيدل قوله صّلى الله عليه و سّلم هذا على ان ذلك تشريع منه لا يختص به حال
( حياته و ذكر هذا الحديث العلماء المحدثون كالنووي في الاذكار و الحافظ الجزري( ١
في الحصن الحصين و التبريزي في مشكاة المصابيح و الجلال ال  سيوطي في الجامع الصغير
و ذكره علماء المذاهب الاربع مستدلين به على طلب الحاجة منه صّلى الله عليه و سّلم
في مغيبه و بعد وفاته و ندائه صّلى الله عليه و سّلم و ذكروا ذلك في الدعوات تعليمًا
للامة ونصحا لهم في الطلب منه و السؤال له مستدلين بقوله يا مح  مد اني اتوجه بك الى
ربي لتقضي حاجتي و سيأتي لهذا البحث مزيد كلام.
الوجه الثالث: قوله و اما التو  سل به في البرزخ فقد كثر من اكابر الامة
كالبوصيرى( ٢) و القسطلاني وخلق كثير في حوائج مهمة فنجزت.
اقول لا يخفى ان هذا ليس بدليل نافع بمقام الحجاج لانه لم يستند الى نص
يعتمد عليه فيفهم منه ان المتو  سلين به لا ح  جة لهم ا ّ لا عمل البوصيرى و القسطلاني و
في ذلك من اخفاء الحق ما لا يخفى فإن ح  جة المتو  سلين به في البرزخ هو حديث ابن
حنيف من رواية الطبراني و البيهقي و هو حديث صحيح كما قاله الطبراني و استدل
١) مح  مد ابن الجزري ال  شافعي توفي سنة ٨٣٣ ه. [ ١٤٣٠ م.] في شيراز )
٢) مح  مد البوصيرى توفي سنة ٦٩٥ ه. [ ١٢٩٦ م.] في القاهرة )
- ٩٧ -
به العلماء من المحدثين و الفقهاء كما تقدم و النص الصريح ال  دال على التشريع و أنه
لا يختص به حال حضوره و حياته قوله صّلى الله عليه و سّلم للاعمى و إن كان لك
حاجة فمثل ذلك و في التو  سل به في البرزخ آثار صحيحة عن ال  صحابة و التابعين
كحديث البيهقي و ابى شيبة بسند صحيح في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل الى
قبر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم فقال يا رسول الله استسق لامتك فإم قد هلكوا فاتاه
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم في المنام فقال ائت عمر و اقرأه ال  سلام و قل له
يستسقى بالناس و اخبره أنهم مسقون الى آخر الحديث ذكره ابن تيمية في الفتاوى في
كتابه اقتضاء الصراط المستقيم قال و ما روى ان رج ً لا جاء الى قبر الن  بي صّلى الله عليه
و سّلم فشكى اليه القحط عام الرمادة فامره ان يأتى عمر الحديث فمثل هذا يقع لمن
هو دون الن  بي صّلى الله عليه و سّلم الى آخر كلامه و غير ذلك من الأحاديث و الآثار
ال  دالة على الطلب منه صّلى الله عليه و سّلم بعد موته و اطبق الفقهاء من المذاهب
الاربعة على التو  سل به في زيارته مستدلين باثر العتبى و سيأتى الكلام على ذلك ففى
اقتصاره على البوصيرى و القسطلاني قصور لم يقل به احد غيره و كأنه تنكيت على
علماء الامة الناصين على التو  سل و الطلب منه بعد موته روحى فداه بأنه لم يكن لهم
دليل ا ّ لا قول هذين الرجلين و امثالهما و ان هذين الرجلين العالمين لم يكن لهما دليل
سوى اما تو  سلا به صّلى الله عليه و سّلم في حوائج كثيرة فنجزن.
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة * و ان كنت تدري فالمصيبة اعظم
الوجه الرابع: قوله و اما التو  سل به عليه ال  صلاة و ال  سلام في عرصات
القيامة فمما قام عليه الاجماع و وردت به الأخبار في حديث الشفاعة و لم يذكر ان
هذا الاجماع ممن يوهم أنه من الامة كلها و ليس كذلك فإن الشفاعة و التو  سل به
ينكرها المعتزلة و الخوارج كما ذكر ذلك العلماء منهم ابن تيمية في الفتاوى و غيرها
و منهم النووي و القاضي عياض في شرح صحيح مسلم و ايضًا تقديم الاجماع على
النص فيه اساءة ادب فإن مستند الاجماع لا بد ان يكون الى نص فتقديم النص لازم ثم
- ٩٨ -
ذكر ان ذلك في حديث الشفاعة فلم يعزه الى المخرج له و هو في ال  صحيحين و
سائركتب الحديث.
الوجه الخامس: قوله و انت تعلم ان التو  سل به صّلى الله عليه و سّلم يؤول
الى التو  سل بجاهه عند الله و نحو ذلك لا بالذات البحت فإن التو  سل بذلك غير معقول
عند ذوي العقول. اقول: لا يخفى ما في هذه العبارة من المؤاخذة. الاول: ان النص
عام ليس فيه هذا التأويل فإن حديث الاعمى فيه الّله  م اني اسئلك و اتو  سل اليك
بنبيك فذكر ان التو  سل بنفس الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و من قال المراد به الجاه فعليه
البيان. الثاني: ان اهل الحديث و الأخبار و ال  سير ذكروا ان قريشا قحطوا و الن  بي صّلى
الله عليه و سّلم رضيع فاستسقى به عبد المطلب بأن رفعه بيده فسقاهم الله الثالث: و
قد ورد عن ال  صحابة في أحاديث صحيحة كما في البخاري و غيره أنهم كانوا
يستشفعون بشعره و بعرقه و ببردته و آثاره و هى جمادات و ذوات بحيث لا يتصور
فيها الجاه بل ورد ان بعضهم تو  سل بدمه فشربه و بعضهم ببوله فشربه فاخبرهم ان
النار لا تلج بطوم و اخذ العلماء طهارة فضلاته و اعظم من ذلك و أوضح دلالة ما
ذكره الفقهاء في باب الاستسقاء من اخراج البهائم و الحيوانات في الاستسقاء للتو  سل
ا الى الله تعالى و ليس لها جاه عند الله فهى ذوات بحت و في الحديث ال  صحيح (لولا
البهائم الرتع و الصبيان الرضع و ال  شيوخ الركع لصب عليكم العذاب صبا) فجعل
ذوات هذه الاشياء وسائل مانعة من صب العذاب وليس لهم عند الله جاه كما لايخفى
ان ذات نبينا صّلى الله عليه و سّلم قد ورد اا خلقت من نوره تعالى كما في حديث
جابر بل ذكر ابن الجوزى( ١) في الوفاء ان ال  صحابة اصام قحط فشكوا ذلك الى
عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها فقالت انظروا قبر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم فاجعلوا
منه كوى الى السماء لا يكون بينه و بين السماء سقف ففعلو فمطروا مطرا حتى نبت
العشب و سمنت الابل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق انتهى و كذلك اورد
١) عبدالرحمن ابن الجوزى الحنبلي توفي سنة ٥٩٧ ه. [ ١٢٠١ م.] في بغداد )
- ٩٩ -
في المشكاة حديث أبي الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها في استسقاء ال  صحابة بقبره
ال  شريف و قد ورد عن ابن عمر أنه كان يتمسح بالرمانة من منبره صّلى الله عليه
وسّلم و به اخذ مالك و أحمد بل و الحنفية و ال  شافعية ولا ش  ك ان القبر و الرمانة
جماد لا يعقل له جاه بل كان التو  سل بذاته التى شرفت المنبر بل شرفت الوجود.
الوجه السادس: قوله ومن هنا تعلم أنه لا مانع ايضًا من التو  سل بمن تحقق له
جاه عند ربه سبحانه من ذوى الارواح القدسية كالانبياء و الأولياء المقطوع بولايتهم.
اقول لا يخفى عليك مما قدمنا ان التو  سل بالجمادات و الحيوانات قد وقع
في الأحاديث ال  صحيحة و الآثار الصريحة عن ال  صحابة و التابعين والسلف ال  صالحين مما
يضيق عنها نطاق الحصر و ليست من ذوى الارواح القدسية ولا من المقطوع بولايتهم
افلا تكون ذوات الانبياء و ال  صالحين لا سيما ذات سيد المرسلين اقل درجة من
الجمادات واشباهها في عدم التو  سل بذاا كما لا يخفى فقوله هذا خارج من المقصود.
الوجه السابع: قوله لم يسمع في الادعية المأثورة عنه صّلى الله عليه وسّلم وعن
اهل بيته كالسجاد رضي الله تعالى عنه بتوسط أحد من الخلق والتو  سل بحرمته و جاهه.
اقول لا يخفى ما في هذه العبارة من اازفة و المخالفة و المناقضة لكلام
نفسه و كلام غيره و ذلك من وجوه الاول أنه تحقق فيما تقدم من عند نفسه ان
التو  سل الوارد به يؤول الى التو  سل بجاهه و عليه حمل حديث الاعمى و حديث
الشفاعة التى قام عليها الاجماع كما ذكره فيما سبق و هنا يقول لم يسمع في الأدعية
المأثورة عنه و عن اهل بيته كالسجاد( ١) بتوسط احد من الخلق و التو  سل بحرمته و
جاهه فيقال له فانت من اين لك ان تحمل ان التو  سل به يؤول الى التو  سل بجاهه إن
كان من نص عن الله و رسوله و اصحابه فمسلم مقبول و إن كان من عند نفسك
فغير مقبول إذ لا يجوز لاحد ان يبتعد في ال  دين ما لم يرد به نص فتناقض كلامه فإنه في
الاول حمل أحاديث التو  سل به على اا بمعنى التو  سل بجاهه لا بالذات البحت و هذا
١) السجاد لقب الامام زين العابدين توفي سنة ٩٤ ه. [ ٧١٣ م.] في المدينة )
- ١٠٠ -
انفى ان يكون ورد عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم توسط احد و التو  سل بجاهه و
بحرمته. الوجه الثاني من وجوه المواخذة في هذه العبارة قوله لم يسمع في الادعية
المأثورة عنه صّلى الله عليه و سّلم و عن اهل بيته كالسجاد رضي الله عنه بتوسط احد
فيقال له انت ذكرت حديث الاعمى و أنه صّلى الله عليه و سّلم علمه ان يقول في
دعائه الّله  م اني اسئلك و اتوجه اليك و في رواية اتو  سل اليك بنبينا مح  مد ن  بي الرحمة يا
مح  مد اني اتوجه بك الى ربى في حاجتي هذه لتقضي لي فهل هذا امر منه صّلى الله عليه
و سّلم بتوسط الن  بي صّلى الله عليه و سّلم او ندائه في قوله يا مح  مد و طلب منه ان
يقضى الحاجة له عند الله و قوله اتو  سل بك فهل يعد هذا تو  سل و توسط ام لا و قد
ذكره المحدثون في كتبهم و الفقهاء كما تقدم. الوجه الثالث من وجوه المؤاخذات في
هذه العبارة كان صّلى الله عليه و سّلم يستسقى بذاته و يتو  سل به الى الله تعالى و هو
رضيع و لما طلب منه الدعاء بترول المطر كما في البخاري فانزل الله المطر كافواه
القرب فقال صّلى الله عليه و سلم (لله در ابى طالب من ينشدنا قوله) فقال عل  ي
رضي الله عنه كأنك تريد قوله:
و ابيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة و فواضل
فقال صّلى الله عليه و سّلم اجل يعني نعم هذا اريد بقوله من ينشدنا قوله
فكأنه كان راضيًا بفعلهم مقررا لهم على فعلهم و تو  سلهم بذاته كما يصرح به قول
أبي طالب هذا فإن قوله يستسقى الغمام بوجهه ما المراد الذات او المراد بجاهه على كل
حال فهو نص في المقصود. الوجه الرابع قوله لم يسمع فنقول نعم سمع بل هو
مستفيض من دعائه صّلى الله عليه و سّلم و دعاء السجاد أما من دعائه فقد روى
الطبراني في المعجم الكبير و الاوسط برجال ال  صحيح ا ّ لا روح ابن صلاح وثقة ابن
حبان( ١) و الحاكم و قال التق  ي السبكي و السمهودى اسناده جيد وكذا القسطلاني في
١) ابن حبان مح  مد ال  شافعي توفي سنة ٣٥٤ ه. [ ٩٦٥ م.] في سمرقند )
- ١٠١ -
المواهب و ابن حجر في الجوهر المنظم و في حاشية المناسك عن انس رضي الله عنه قال
لما ماتت فاطمة بنت أسد ام علي رضي الله عنه وعنها دخل الن  بي صّلى الله عليه وسّلم
قبرها و الحدها وقال (اللّه  م اغفر لامي فاطمة و وسع مدخلها بحق نبيك و الانبياء قبلي)
و ذكر ابن تيمية في الكلم الطيب له و ابن القيم ايضًا و الجزري في الحصن الحصين و
النووي في الاذكار في ادب الخارج الى ال  صلوة عن ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري
عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم (اللّه  م اني اسئلك بحق السائلين عليك و بحق ممشاي
هذا اليك) الى آخر الدعاء و اخرج ال  سيوطي في ال  در المنثور في تفسير القرآن بالحديث
المأثور قال اخرج عبد الرزاق( ١) في المصنف و الحاكم و صححه عن أبي هريرة قال
سمعت رسول الله صّلى الله عليه و سّلم يقول (ان نبيا من الانبياء قاتل اهل مدينته
حتى إذا كاد ان يفتحها خشى ان تغرب الشمس فقال ايتها الشمس انك مأمورة
و انا مأمور فبحرمتى عليك ا ّ لا ركدت ساعًة من النهار فحبسها الله تعالى حتى فتح
المدينة) انتهى و اخرج ايضًا في الكتاب المذكور عن ابن المنذر عن مح  مد بن علي بن
الحسين بن عل  ي قال لما اصاب آدم الخطيئة عظم كربه و اشتد ندمه فجاءه جبريل فقال
يا آدم هل اعلمك دعاء و من جملته اللّه  م اني اسئلك بجاه مح  مد عبدك وكرامته عليك
ان تغفر لي خطيئتى الحديث و في ذلك أحاديث كثيرة لا حاجة الى الاطالة ا.
و اما قوله و عن اهل بيته كالسجاد يعني بذلك ادعية الصحيفة المشهورة
عند الرافضة فإنها منسوبة الى السجاد.
فنقول قد ثبت التو  سل في الصحيفة بذكر الجاه في ادعية السجاد فقوله لم
يرد غير صحيح و سنذكر لك بعد هذا عبارته و ثانيًا ليس لهذه الصحيفة سند و لا
طريق عن اهل ال  سنة و لا ذكرها احد منهم فمن ادعى ذلك فعليه البيان لكن الرافضة
ذكروها و نسبوها اليه و فيها رد شنيع عليهم لأنهم يعتقدون العصمة لاهل البيت و
فيها لا اقرار من السجاد بالمعاصى و ظلم نفسه ا و تجاسر الشيطان عليه و غير ذلك
١) عبدالرزاق الصنعانى توفي سنة ٢١١ ه. [ ٨٢٦ م.] )
- ١٠٢ -
و هذا على قواعد الرافضة لا يكون فكيف يصح لمسلم الاعتماد عليها و يجعلها ح  جة
على العلماء الناقلين للتو  سل و التوسط فهل هذا ا ّ لا مكابرة على أنه قد ورد في
الصحيفة عن ال  سجاد و لم يطلع عليه و لم يستوعب كلامه فقاله من عند نفسه و تبع
لظنه و حدسه و ها انا انقل لك عن الصحيفة مما فيه التو  سل و التوسط قال صاحب
الصحيفة فما كل ما نطقت به عن جهل منى بسوء اثرى و لا نسيان لما سبق من ذميم
فعلي لكن لتسمع سمائك و من فيها و ارضك و من عليها ما اظهرت لك من الندم و
لجأت فيه اليك من التوبة فلع ّ ل بعضهم برحمتك يرحمني بسوء موفقيتى او تدركه الرقة
على سوء حالى فينالنى منه بدعوة هي اسمع لديك من دعاء او شفاعة اوكد عندك من
شفاعتى تكون ا نجاتى من غضبك و فوزتى برضائك، فانظر الى هذا الكلام و تأمل
فإن فيه عجائب و في التحفة الاثنى عشرية في قول رد الرافضة ان الله لا يعذب الامامية
باي معصية كانت منهم قال و هذا مخالف للروايات لأن الامير و السجاد و الأئمة
الآخرين قد روي عنهم ان ادعيتهم ال  صحيحة البكاء و الاستعاذة من عذاب الله بحرمة
الرسول و القرآن و الملائكة و التو  سل م انتهى. قال في الصحيفة في دعاء ختم
القرآن الّله  م اجعل نبينا صلواتك عليه و على آله يوم القيامة اقرب النبيين منك مجلسًا
و امكنهم منك شفاعًة و اجلهم عندك قدرًا و اوجههم عندك جاهًا و قال في دعاء
صيام رمضان الّله  م بحق هذا الشهر و بحق من يعبد لك فيه من ابتدائه الى وقت فنائه
من ملك قربته او ن  بي ارسلته او عبد صالح اخصصته و قال في دعائه يوم عرفة رب
صل على اطيب اهل بيتك اّلذي جعلته الوسيلة اليك و المسلك الى جنتك و قال فيها
الّله  م ايدت دينك في كل اوان بامام اقمته علمًا لعبادك و منارًا في بلادك و جعلته
الذريعة الى رضوانك و افترضت طاعته و حذرت معصيته فهو عصمة اللائذين و
كهف المؤمنين وعروة المتمسكين و قال فيه بحق من انتخبت من خلقك و بمن
اصطفيته لنفسك و بحق من اخترت من بريتك و قال في آخر الادعية الّله  م بذمة
الاسلام اتو  سل اليك و بحرمة القرآن اعتمد عليك و بمحمد المصطفى استشفع لديك
- ١٠٣ -
فانظر فهل في كلام السجاد على قوله تو  سل و توسط احد و ذكر الحق و الجاه و
الحرمة ام لا.
الوجه الثامن: في قوله و لم يشتهر عن احد من الصديقين ادخال حرف
النداء على غيره تعالى في طلب شئٍ و ان قل.
اقول لاحول و لا قوة ا ّ لا بالله ما هذه الغفلة الفاحشة و هذا التجاسر
العظيم انباك عن قوله صّلى الله عليه و سّلم للاعمى في تعليمه (قل اللّه  م اسألك
واتو  سل اليك بنبيك يا مح  مد اني اسئلك في حاجتي هذه لتقضي لي) فهل قوله يا
مح  مد أمر منه و تعليم لامته ان يدخلوا حرف النداء عليه و ينادوه في مغيبه و حضوره
و بعد موته و قد تقدم نقله و روى الحاكم و أبو عوانة في صحيحه و البزار بسند
صحيح عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم انه (إذا انفلتت دابة لأحدكم بأرض فلاة
فليناد يا عباد الله احبسوا فإن لله حاضرًا سيحبسه) و قد ذكر هذا الحديث ابن تيمية
في الكلم الطيب عن أبي عوانة في صحيحه و ابن القيم في الكلم الطيب له و النووى
في الاذكار و الجزري في الحصن الحصين و العدة و غيرهم من المحدثين في كتب
الاذكار و قال ال  شيخ عل  ي القاري الحنفى في شرح الحصن و المراد بعباد الله الملئكة او
المسلمون من الجن او رجال الغيب المسمون بالابدال فهل هذا امر منه صّلى الله عليه و
سّلم و تشريع لامته بادخال حرف النداء على غير الله تعالى و الطلب منه ان يحبس
الدابة و هم غائبون لا يراهم المنادى و روى الطبراني و ان اراد عونًا فليناد اعينونا و في
الحصن (فليقل يا عباد الله اعينوني) ثلاثًا رواه الطبراني عن زيد بن عقبة بن غزوان عن
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم قال (إذا ضل احدكم شيئًا او اراد عونًا و هو بارض ليس ا
انيس فليقل يا عباد الله اعينوني ثلاثًا فإن لله عبادًا لا يراهم) قال الحافظ الجزري و قد
جرب ذلك قال ال  شيخ عل  ي القاري وذلك مجرب محقق قال بعض العلماء الثقاة حديث
حسن يحتاج اليه المسافرون وروى المشائخ أنه مجرب قرن به النجح ذكره ميرك الحنفى
انتهى و قال بعض المحققين ذكر هذا الحديث في كتبهم اشاعة للعلم و حفظًا للامة و
- ١٠٤ -
لم ينكروه و ذكره النووي في الاذكار قال ابن مفلح الحنبلي صاحب الفروع في كتابه
الاداب ال  شرعية قال عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول حججت خمس
حجج فظللت الطريق في بعضها و كنت ماشيًا فجعلت اقول يا عباد الله دّلوني على
الطريق فلم ازل اقول ذلك حتى وقفت على الطريق انتهى و قال النووي في الاذكار
قد جرب ذلك بعض اهل العلم فصح و نحن جربناه فصح فهل هؤلاء الاكابر من
الصديقين ام لا و هل تراهم امتثلوا امر سيد الصديقين صّلى الله عليه و سّلم فادخلوا
حرف النداء في مهمام وحاجام ام لا وفي البخاري ومسلم أنه صّلى الله عليه وسّلم
وقف على قليب بدر و فيه القتلى من كّفار قريش فناداهم بأسمائهم و أسماء آبائهم و
قال لهم (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا) فقال عمر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله
كيف تكلم اجسادًا لا ارواح فيها قال (واّلذي نفسى بيده لستم بأسمع منهم) ففى
هذا الحديث ال  صحيح المتفق على صحة ادخال حرف النداء على غير الله و هم كّفار
فض ً لا عن المؤمنين وذكر ابن تيمية وابن القيم و غيرهم في الكلم الطيب و هو موضوع
للاذكار المأثورة عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم عن ابن عمر انه خدرت رجله فامره
بعض ال  صحابة ان يذكر احب الناس اليه فقال يا مح  مد فذهب الخدر فجعل من
الاذكار ان اّلذي تخدر رجله ينادى يا مح  مد فيذهب الخدر عنه و ذكر اهل المناسك
من جميع المذاهب في باب الحج أنه يسن للزائر قبر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و قبر
صاحبيه ان ينادى و يطلب منه الشفاعة و قضاء الحاجة و كذلك ينادى الصاحبين
الجليلين و يطلب منهما الشفاعة الى الله و الى رسول الله فمن اراد ذلك فليراجع كتب
المذاهب في باب الحج فهل ترى هؤلاء جهلوا و علمت و ناموا و قعدت بل قوله هذا
لا دليل عليه و لا مستند يعول اليه و اعجب العجب استدل و استشهد بقول الشاعر
على عدم الطلب من الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و التو  سل به في قوله:
اليك و ا ّ لا لا تشد الركائب * و عنك و ا ّ لا فالمحدث كاذب
وفيك و ا ّ لا فالغرام مضيع * و منك و ا ّ لا فالمؤمل خائب
- ١٠٥ -
فهذه الابيات مقولة فى حقه صّلى الله عليه و سّلم كما ذكره القسطلاني في المواهب
الّلدنية فكيف عكس مرام الشاعر و جعلها دلي ً لا على عدم ندائه و الطلب منه و التو  سل به.
الوجه التاسع: قوله و انا لا ارى بأسًا بتوسط عريض الجاه و الوسيلة
العظمى و كذا توسيط من اشرنا اليه مع كون الطلب من الله تعالى.
اقول: لما نفي ان يكون التوسط و التو  سل في الادعية المأثورة عنه صّلى الله
عليه و سّلم و أنه لم يوجد نص فيهما لا عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و لا عن
السجاد فيما زعم اراد ان ينبه ان التوسط و التو  سل كلا منهما اباحة للناس من قبل
نفسه لا من دليل يوجد فيه و لا من عالم معتمد قاله بفيه فإذا هو ما رأى بأسًا فليرفع
المسلم بذلك رأسا و قوله مع كون الطلب من الله يعني فلا يجوز الطلب من غيره تعالى
و لو على طريق ااز فيكون مناقضًا لما امر به الرسول صّلى الله عليه و سّلم الطلب
منه صّلى الله عليه و سّلم في حديث الاعمى و حديث انفلات الدابة و حديث طلب
العون لمن اراد عونًا و حديث طلب ال  صحابى الاستسقاء من الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم بعد موته و حديث نداء ابن عمر لما خدرت رجله و غير ذلك من الآثار و
الأحاديث الواردة عن الن  بي المختار و اصحابه الاخيار و هل هذا ا ّ لا مراغمة للشارع و
مناقضة لما اجمعت عليه الامة من المذاهب الأربعة من طلبهم منه صّلى الله عليه و سّلم
الشفاعة و غيرها في باب الزيارة.
الوجه العاشر: قوله و الاحوط ان لا يقال لمن لا يسمع و لا يرى و لا يقدر
عن نفسه دفع الاذى ان يا فلان اشف مريضى و يا فلان اعطنى كذا و إن كان باب
التأويل واسعا.
اقول: عبارته تدل على ان من قال ذلك جائز له لكن الاحوط في حقه ان
لا يقول فانظر الى هذا التناقض في كلامه فإنه إذا كان المقول له لا يسمع و لا يرى و
لا يدفع عن نفسه الاذى كيف يجوز ان يخاطب و ينادي ذا اللفظ و بغيره مما عنده
جائز اذ لا يعهد عند ذوى العقول خطاب جماد لا يسمع و لا يرى و لا يدفع عن
- ١٠٦ -
نفسه الاذى و لا تستحسنه شريعة من الشرئع فكيف يقال أنه الاحوط و هذه العبارة
لا ب  د فيها من التأويل لأن اّلذي يقولها لغير الله تعالى ان قصد الحقيقة و الاستقلال من
دون الله فهذا كفر و إن كان المراد السبب و الوسيلة فهو جائز لان المراد الشفاعة او
الكرامة فقوله الاحوط خلاف الاحوط و الظاهر ان مراده باّلذي لا يسمع و لا يرى
و لا يقدر عن نفسه دفع الاذى هم اهل القبور من الانبياء و الأولياء و في كوم لا
يسمعون و لا يرون مناقضة لما جائت به الشريعة المح  مدية في حق سائر الموتى فض ً لا
عن جناب الانبياء و المرسلين و الأولياء و ال  صالحين اما اثبات ال  سماع لعامة اهل
القبور من الكّفار فض ً لا عن المؤمنين فقد ثبت في ال  صحيحين البخاري و مسلم أنه
صّلى الله عليه و سّلم وقف على قليب بدر بعد ايام من موم و رميهم فيه فناداهم
فقال (يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فاني
وجدت ما وعدنى ربي حقًا) فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله كيف تكلم
اجسادًا لا ارواح فيها فقال صّلى الله عليه و سّلم (و اّلذي نفسي بيده لستم بأسمع
منهم) وقد ثبت في ال  صحيحين عن انس عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم قال (ان العبد
الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه اصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم) قال ابن رجب في
اهوال القبور روى أبي ال  شيخ الاصبهاني بإسناده عن عبيد بن مرزوق قال كانت أمراة
بالمدينة يقال لها ام محجن تقم المسجد فماتت فلم يعلم الن  بي صّلى الله عليه و سّلم ا
فمر على قبرها فقال (ما هذا) قالوا ام محجن قال (التى تقم المسجد) قالوا نعم فصف
الناس فصلى على قبرها ثم قال (اي العمل وجدت افضل) قالوا يا رسول الله اتسمع
قال (ما انتم بأسمع منها) فذكر اا اجابته قم المسجد و هذا مرسل و سنذكر الاحاد
يث بسماع الموتى سلام من يسلم عليهم فيما بعد ان شاء الله و اما انكار عائشة
رضي الله عنها سماع اهل القليب و قولها ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم قال (إنهم
ليعلمون ما اقول) فقد قال العلماء منهم ابن القيم في الهدى و في كتاب الروح و ابن
رجب و ال  سيوطي و غيرهم ان من شهد الواقعة كعمر و أبي طلحة و غيرهما من
- ١٠٧ -
ال  صحابة حكاه عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و عائشة رضي الله عنها لم تشهد ذلك
فهم اثبت منها و احق و روايتها عن الن  بي صّلى الله عليه و سّلم أنه قال إنهم ليعلمون
الآن ما قلت حق يؤيد رواية من روى أنهم ليسمعون و لا ينافيها فإن الميت إذا جاز
ان يعلم جاز ان يسمع لأن الموت ينافى العلم كما ينافى السمع و البصر فلو كان مانعًا
من البعض لكان مانعًا من الجميع و اما قوله تعالى (انك لا تسمع الموتى) و قوله تعالى
(و ما انت بمسمع من في القبور) فإن ال  سماع يطلق و يراد به الكلام و فهمه و يراد
ايضًا الانتفاع و الاستجابة. و المراد ذه الآيات نفي الثاني دون الاول فإنها من سياق
خطاب الكّفار الذين لا يستجيبون للهدى و الإيمان إذا دعوا اليه مع أنهم أحياء لهم
اسماع و ابصار و قال ابن القيم الأحاديث و الآثار تدل على ان الزائر متى جاء علم به
المزور و سمع كلامه و انس به و رد عليه و هذا عام في حق الشهداء و غيرهم و أنه لا
توقيت في ذلك قال و هو اصح من آثار الض  حاك ال  دال على التوقيت قال و قد شرع
صّلى الله عليه و سّلم لامته ان يسلموا على اهل القبور سلام من يخاطبونه ممن يسمع و
يعقل و ما اجرى الله العادة قط ان امة طبقت مشارق الارض و مغارا و هى اكمل
الامم عقو ً لا و اوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع و لا يعقل و تستحسن
ذلك و ا ّ لا كان بمترلة الخطاب للتراب و الخشب و الحجر و للمعدوم و هذا و ان
استحسنه واحد فالعقلاء كلهم قاطبة على استهجائه و استقباحه انتهى و هذا قاله ابن
القيم بعد ذكر اجماع الامة على مسئلة التلقين و مسئلة ال  سلام على اهل القبور و أمره
صّلى الله عليه و سّلم بمخاطبتهم اعظم في الدليل من سيد العقلاء اذ لا يتصور ان يأمر
امته بمخاطبة تراب لا يسمع و لا يعقل و لا يعرف فاّلذي ينفى ال  سماع انما هو طاعن
على الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و جميع امته.
فان قلت: فقد نفت السماع عائشة رضى الله عنها وتبعها جماعة من اهل العلم.
قلت: ان عائشة انكرت السماع و أثبتت العلم و كذلك من تبعها و قد
قرر اساطين العلماء و العقل و النقل يدلان عليه ان العلم مستلزم للسماع و مع هذا
- ١٠٨ -
فعائشة وحدها معذورة لعدم بلوغها النص منه صّلى الله عليه و سّلم قال ال  شيخ تلقى
ال  دين ابن تيمية في الفتاوى و انكار عائشة سماع الموتى لعدم ثبوت ذلك عندها و
غيرها لا يكون معذورًا مثلها لأن هذه المسئلة صارت معلومة من ال  دين بال  ضرورة فلا
يجوز لاحد انكارها انتهى اي لأن ادلتها ال  صحيحة مستفيضة لا يجهلها ا ّ لا من لم يطلع
على ال  سنة النبوية و مثل هذا لا يعبأ و لا بمقاله لأن أحاديث ال  سماع في ال  صحيحين و
غيرها بلغت مبلغًا لا تخفى على المخلوق فلا يكون المنكر معذورا و اما مسئلة اهل
القبور و رؤيتهم للاحياء فكذلك أحاديثها مستفيضة قال الحافظ ال  سيوطي في كتابه
شرح ال  صدور بحال الموتى و اهل القبور باب زيارة القبور و علم الموتى بز  وارهم و
رؤيتهم لهم اخرج ابن أبي ال  دنيا في كتاب اهل القبور عن عائشة رضي الله عنها قالت
قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من رجل يزور قبر أخيه فيسلم و يجلس
عنده ا ّ لا استأنس به و ر  د عليه حتى يقوم) و اخرج ايضًا و البيهقي في الشعب عن
أبي هريرة قال (إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه ر  د ال  سلام و عرفه و إذا مر
بقبر لا يعرفه فسلم عليه ر  د عليه) و آخرج ابن عبد البر في الاستذكار و تمهيد عن
ابن عباس قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من احد يمر بقبر اخيه المؤمن
كان يعرفه في ال  دنيا فيسّلم عليه ا ّ لا عرفه و ر  د عليه ال  سلام) ص  ححه عبد الحق
فهذه الأحاديث تدل على ان الميت يرى من يسلم عليه لانه لولم ير لم يعرف مطلقًا و
الن  بي صّلى الله عليه و سّلم اخبر أنه (إذا كان يعرفه في ال  دنيا عرفه و ر  د عليه و إذا لم
يعرفه في ال  دنيا ر  د عليه ال  سلام فقط) فلولا ان عنده تمييز الرؤية لما أنكر من لم يعرفه
و عرف من يعرفه و آخرج أحمد بن حنبل و الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت
إذا ادخل البيت فاضع ثوبي و اقول انما هو أبي و زوجى فلما دفن عمر معهم ما
دخلت الا مشدودة على ثيابى حياء من عمر يعني لعلمها أنه يراها و هى اجنبية عنه و
هذا لا تقوله عائشة من عند نفسها إذ ليس للرأي فيه مجال فلا بد اا سمعت من الن  بي
صّلى الله عليه و سّلم و في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال في
- ١٠٩ -
وصية فإذا دفنتموني فقفوا عند قبرى قدر نحر جزور و تقسيمها استأنس بكم و انظر
ماذا اراجع به رسل ربي فلولا ان يراهم لكان قوله هذا عبثا لانه تحت اطباق الثرى قد
حال بينه و بينهم التراب مإذا ينفعه وقوفهم و اخرج البيهقي عن أبي الدرداء هاشم بن
مح  مد قال سمعت رج ً لا من اهل العلم يقول أنه كان يزور قبر ابيه فطال عليه ذلك
فقلت في نفسى ازور التراب فرأيته في منامى فقال يا بني ما لك لا تفعل كما كنت
تفعل فقلت ازور التراب فقال لا تقل يا بني فو الله لقد كنت تشرف علي فيبشرني بك
جيرانى و لقد كنت تنصرف فما زلت اراك حتى تدخل الكوفة قال الحافظ السلفى
سمعت ابا البركات عبد الواحد بن عبد الرحمن به غلاب السوسي بالاسكندرية يقول
سمعت والدتى تقول رأيت امى في المنام بعد موا و هى تقول يا بنتى إذا جئت زائرة
فاقعدى عند قبرى ساعًة اتملأ من النظر اليك ثم ترحمت علي فانك إذا ترحمت علي
صارت الرحمة بينى و بينك كالحجاب ثم اشغلتنى عنك و قال الحافظ ابن رجب انبأنى
علي بن عبد الصمد الفدارى عن ابيه قال اخبرني قسطنطين بن عبد الله الرومي قال
سمعت الاسد بن موسى يقول كان لي صديق فمات فرأيته في المنام و هو يقول سبحان
الله جئت الى قبر فلان صديقك قرأت عنده و ترحمت عليه و انا ما جئت الي و لا
قربتنى قلت له كيف رأيتنى و التراب عليك قال ما رأيت الماء إذا كان في الزجاج ما
يتبين قلت بلى قال فكذلك نحن نرى من يزورنا.
و قال ابن القيم في كتاب الروح اول مسئلة منه حدثني مح  مد حدثنى أحمد
بن سهل حدثنى راشد بن سعيد عن رجل عن يزيد بن حبيب ان سليم بن عمر على
مقبرة و هو حاقن قد غلبه البول فقال له بعض اصحابه لو نزلت الى المقابر فبلت في
بعض حفرها فبكى ثم قال سبحان الله و الله اني لاستحى من الاموات كما استحى من
الأحياء و لولا ان الميت يشعر بذلك لما استحى منه و ابلغ من ذلك ان الميت يعلم
بعمل الح  ي من اقاربه و اخوانه الى ان قال فصل و قد ترجم الحافظ أبو مح  مد عبد الحق
- ١١٠ -
الاشبيلى( ١) فقال ذكر ما جاء ان الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون اقوالهم و اعمالهم
ثم قال صح عن عمرو بن دينار انه قال ما من ميت يموت ا ّ لا هو يعلم ما يكون في
اهله بعده ثم سرد الادلة على علم الموتى باحوال الأحياء. انتهى كلام ابن القيم.
و قد ذكرعلماء الحنابلة قاطبة كما في شرح الاقناع و شرح المنتهى و الغاية
عن ال  شيخ ابن تيمية و غيره أنه قال استفاضة الأخبار و الآثار بعلم الموتى بحال اهل
ال  دنيا و بأنه يرى اي الميت من يأتيه و يدرى بما يفعل عنده انتهى.
و كذلك ذكر ال  شافعية و الحنفية و منهم السيد أحمد الحموى محشى الاشباه
في رسالة مخصوصة في تصرف الاولياء.
و اما قوله: فلا يدفع عن نفسه الاذى فهذا يعني به ان الميت لا ينفع و لا
يدفع عن نفسه الاذى و لو كان يدفع لدفع عن نفسه الموت فهذا لا يلزم و لا يقوله
عاقل إذ لا ي  دعي احد ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم او الو ّ لي أنه رب متره حاشا و
كلا بل المخلوق المربوب محل الحوادث و الاذى و لكن لا يلزم من هذا أنه لا يدفع
الاذى عن نفسه او غيره فما يقدره الله تعالى و يسببه على يديه فإن الانبياء لا ش  ك
أنهم ينالهم الاذى و لا يدفعون عن نفسهم بحولهم وقوم في حال حيام هم و سائر
المخلوقات و هم قادرون عند الناس و كم كشف صّلى الله عليه و سّلم غمة عن الامة
بشفاعته وقد ورد في الأحاديث ال  صحيحة كما ذكرها ابن تيمية و ابن القيم في كتاب
الروح و الحافظ ابن رجب في اهوال القبور و ال  سيوطي و غيرهم (ان اعمال الأحياء
تعرض على الموتى من اقارم و غيرهم كل يوم فإن رأوا خيرًا حمدوا الله و استبشروا و
ان رأوا شرًا قالوا اللّه  م راجع م اللّه  م اهدهم فيستجيب الله دعائهم فيحصل من ذلك
رفع الاذى بسببهم) ونبينا صّلى الله عليه و سّلم له في قبره الاستغفار لامته و الدعاء و
الشفاعة لهم و رأيت لابن القيم عبارة لطيفة في هذا المقام منقولة في خطه قال فصل في
وقوع الشفاعة في ال  دنيا والبرزخ والدار الآخرة لما كان الن  بي صّلى الله عليه وسّلم رحمًة
١) عبد الحق ابن سبعين المالكي الاندلسى المتوفي ٦٩٩ ه. [ ١٣٠٠ م.] في م ّ كة المكرمة )
- ١١١ -
مهداة من الله لعباده كما قال صّلى الله عليه و سّلم (يا ايها الناس انما انا رحمة مهداة)
قال تعالى (و ما ارسلناك الا رحمًة للعالمين) و كان له عند الله من الجاه ما ليس لمخلوق
سواه فقد اخبر الله تعالى عن كليمه موسى عليه ال  سلام أنه وجيه عند ربه و الوجيه ذو
الجاه و الوجاهة فما الظن بوجاهة سيد المرسلين وجاهه عند الله فاقتضى جاهه و كونه
رحمة من الله اهداها لعباده إن كان له من مقامات الشفاعة عند ربه ما ليس لاحد
سواه في الدور الثلاثة اعنى في دار ال  دنيا و دار البرزخ و دار الآخرة فاما شفاعته في دار
ال  دنيا فكم سئل الله تعالى لامته عمومًا و خصوصًا من نعم و دفع بلاء فاعطاه فسأل
الله لهم ان لا يهلكهم بسنة عامة اي جدب عام و هو القحط فاعطى ذلك و سأله ان
لا يجمعهم على ضلالة فاعطى ذلك و سأله لامته غير ذلك حتى ارسل الله اليه جبريل
و قال له انا استرضيك في امتك و لا نسوئك و سأل الله للاوس ان يهديهم و يأتى
م ففعل و سأل لهم ان يسقيهم لما اجدبوا فاجابه و سقاهم و سأل لانس خادمه و
لعبد الرحمن بن عوف و لأبي هريرة و امه و لسعد بن أبي وقاص و لابن عباس و لام
حرام بنت ملحان و لعروة بن الجعد البارقى و للنابغة الذيبانى و الخلق سواهم من
ال  صحابة و كم له شفاعًة فيهم عمومًا و خصوصًا اقر الله ا عينيه واراه اياها و اما
الشفاعة في دار البرزخ فما لا ش  ك فيه و لا يحتاج ان يأتى على ذلك بشاهد معين بل
الامة احوج الى شفاعته في البرزخ منهم في دار ال  دنيا و إذا كان المسلمون إذا عرض
عليهم اعمال اقارم الأحياء فرأوا خيرًا حمدوا الله و اذا رأوا شرًا قالوا الّله  م راجع م
فهذه شفاعة منهم لاخوام فما الظن بسيد الشفعاء و قد ورد في حديث (ان اعمال
الامة تعرض عليه كل اثنين و خميس فإذا رأى سيآا سئل الله لها المغفرة) و من له
نصيب من علم احكام الازواج بعد الموت و التقائها الى اهلها و اقارا و اصحاا و
اعتنائها م و كانت روحه صافية متطلعة على احكام دار البرزخ و ارتباطها في
الدارين قبلها و بعدها علم ذلك و تيقنه انتهى فهل ثبت ذا النقل الفصيح ان الن  بي
صّلى الله عليه و سّلم و سائر موتى المسلمين يدفعون الاذى بدعائهم و شفاعتهم
- ١١٢ -
خصوصًا بسيد المرسلين لما تعرض عليه السيئآت من اعمال امته فيستغفر لهم فهل دفع
الاذى عن امته و هى السيئآت التى هي اشد الاذى و اعظمه ام لا و هذا القول لا
يخالف فيه اهل العلم من جميع المذاهب كما هو معلوم لمن يطلع على اقوال العلماء و
اما الجاهل الغافل فإنه يقول من عقله فما قبله عقله قال به و ما نفاه عقله نفاه أفرأيت
من اتخذ الهه هواه و الحمد لله على ما انعم به علينا و اولاه فتحصل مما ذكرنا أنه
يحصل من بركام و شفاعتهم و يفعل الله لاجلهم جلب خير او دفع اذى لهم و
لغيرهم ما يسببه الله تعالى بسببهم و هذا ظاهر و ذكر المف  سرون في قوله تعالى (  و َلو َ لا
 دفْع اللهِ النا  س ب  ع  ض ه  م بِبعضٍ َل  هدِّم  ت صوامِع  و بِيع  و صلَوات  و مساجِد يذْ َ ك  ر
فِي  ها اس  م اللهِ َ كثِ  يرا * الحج: ٤٠ ) ان المراد يدفع الله بالمسلم عن الكافر و بالمؤمن
الطائع عن العاصى و قد ورد في الأحاديث ال  صحيحة ان الموتى يدفع الله م العذاب
عن مجاورهم و لهذا يسن الدفن بين قوم صالحين كما هو مذكور في الأحاديث و
كتب الفقه قال ال  سيوطي في شرح ال  صدور اخرج ابن عساكر( ١) عن ابن عباس رضي
الله عنهما ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم قال (إذا مات لاحدكم الميت فاحسنوا كفنه و
عجلوا وصيته و اعمقوا له في قبره و جنبوه جار السوء) قيل يا رسول الله و هل ينفع
الجار ال  صالح في الآخرة و اخرج ابن أبي ال  دنيا عن عبد الله بن نافع المزنى قال مات
رجل في المدينة فدفن ا فرآه رجل كأنه من اهل النار فاغتم لذلك فرآه بعد سابعة او
ثامنة كأنه من اهل الجنة فسأله قال دفن معنا رجل من ال  صالحين فشفع في اربعين من
جيرانه فكنت فيهم قال ال  شيخ تقي ال  دين ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم و
كذلك ما يذكر من الكرامات و خوارق العادات التى توجد عند قبور الأولياء و
ال  صالحين مثل نزول الانوار و الملائكة عندها و توقى الشياطين عنها و البهائم لها و
اندفاع النار عنها و عمن يجاورها و شفاعة بعضهم و حصول الانس و السكينة عندها
و نزول العذاب بمن استهاا و استخف ا فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه و في قبور
١) ابن عساكر علي توفي سنة ٥٧١ ه. [ ١١٧٦ م.] في الشام )
- ١١٣ -
الانبياء و ال  صالحين من كرامات الله و رحمته و ما لها عند الله من الحرمة و الكرامة
فوق ما يتوهمه اكثر الخلق و كل هذا لا يقتضى استحباب ال  صلوة عندها او قصد
الدعاء و النسك ما في قصد العبادة عندها من المفاسد التى علمها الشارع كما تقدم
فذكرت هذه الامور لأا مما يتوهم معارضة لما قدمناه و ليس كذلك انتهى. فقد قرر
ان اهل القبور من الانبياء و ال  صالحين يحصل توقى الشياطين و البهائم لها و يندفع
العذاب عنها و عمن يجاورها و يشفعون في جيرام من الموتى و كل ذلك دفع للاذى
بسببهم و بركتهم بل ورد من كرامتهم ما يطيق عنها نطاق الحصر فكيف يسوغ لمن
يدعي العلم أن يقول عن الانبياء و ال  صالحين بأن احدهم ميت لا يسمع و لا يرى و لا
يدفع عن نفسه الاذى فهل هذا ا ّ لا جعلهم كقول الكّفار (ءَاِ َ ذا مِتنا  و ُ كنا ت  رابا  و
عِ َ ظامًا * المؤمنون: ٨٢ ) و كقولهم (ءَاِ َ ذا ُ كنا عِظاما نخِ  رًة * النازعات: ١١ ) و ما
اشبه ذلك فما هذا ا ّ لا جهل بالنصوص او مراغمة للشارع من هذا الخصوص.
و هذه عجالة اقتضيناها على طريق الاختصار و لو اطلقنا عنان القلم في
الادلة لبلغت اسفار لا يتحملها و لا يحملها ا ّ لا الحمار فاردنا التقريب و التخفيف على
المنصف ذى الطبع الخفيف وفقنا الله لاتباع ال  شرع ال  شريف و مقابلة نصوصه بالقبول
و التشريف و جنبنا الآراء المضلة و الابتداعات التى هي في ال  دين مخلة و الحمد لله رب
العالمين و ال  صلوة و ال  سلام على خير النبيين و آله و صحبه اجمعين.
كشف النور عن اصحاب القبور
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
الحمد الله وحده, و ال  صلوة و ال  سلام على من لا ن  بي بعده, يقول الحقير عبد
الغني ابن اسماعيل النابلسى الحنفى( ١): هذه رسالة كتبتها في ظهور كرامات الأولياء
بعد موم و حكم رفع البناء عليهم و تعليق الستور الى غير ذلك و سميتها (كشف
١) عبد الغني النابلسى توفي سنة ١١٤٣ ه. [ ١٧٣١ م.] في الشام )
- ١١٤ -
النور عن اصحاب القبور) و اسأل الله تعالى ان يلهمنى ما هو الحق و الصواب و أن
يوفق اخواني المسلمين الى الإنصاف عند ظهور الحق و الاعتراف, و الله على كل
شىء قدير و بالإجابة جدير.
اعلموا إخواني في رضاعة ثدى الإسلام ان الكرامات التى أكرم الله تعالى ا
اولياءه المقربين الى حضرته أمور خارقة لعادة الله تعالى في خلقه, خلقها الله تعالى
بمحض قدرته و ارادته لا مدخل لقدرة الو ّ لي المخلوقة فيه و لا لارادته المخلوقة فيه
ايضًا على التأثير فيها البتة و إنما قدرة الو ّ لي و ارادته المخلوقتان فيه سبب لخلق الله
تعالى تلك الكرامات على يديه و نسبتها اليه, و كل من اعتقد ان الو ّ لي له تأثير في شئ
من ذلك فهو كافر بالله تعالى على ما عرف في علم التوحيد.
و حقيقة أمر الو ّ لي في خلق الله تعالى الكرامات على يديه أنه متحقق
بوحدانية الله تعالى في التاثير. و أنه لا تاثير له عند نفسه البتة حتى ان حركات نفسه
التى هى القوى الروحانية المتشعبة في البدن و هى القوة الباصرة و القوة السامعة و
القوة الذائقة و القوة اللامسة و القوة الشامة و القوة العقلية الباطنية المتفكرة و المتخيلة
و الحافظة. و كذلك الحركات الظاهرة في جميع الاعضاء و الاعصاب و نحو ذلك,
فإنها مخلوقة فيه لله تعالى. و هو مشاهد لجميع ذلك في نفسه و متحقق به في كل وقت
إ ّ لا إذا سلط الله عليه الغفلة في بعض الاحيان فيكون في ذلك الوقت ليس بولي الله
تعالى ا ّ لا بحسب ما مضى كالمؤمن النائم فإنه مؤمن بسبب حكم ما مضى في اليقظة
من الإيمان و هذه الحالة هى أدنى أحوال الأولياء و أدنى شهود من شهودام. و ربما
سموا شيئًا من ذلك في طريقهم موتًا اختياريًا اخذا من إشارة قوله تعالى (اِن  ك ميت
 واِنهم ميتو َ ن * الزمر: ٣٠ ) و معنى اشارة الآية على عدم الفرق بين ميت بالسكون و
التشديد كما ذكره الجوهري( ١) في الصحاح: انك يا محمد و ان ظهر التأثير منك و
منهم في الباطن و الظاهر بحسب الإدراك و الأفعال ميت و هم ميتون لأن حياتك
١) اسماعيل فارابي الجوهري توفي سنة ٣٩٣ ه. [ ١٠٠٣ م.] في نيشاپور )
- ١١٥ -
مخلوقة كحيام و هى عرض يخلق الله تعالى الادراك باطنا و الأفعال و الاقوال ظاهرًا
عندها لا ا, فهى سبب لخلق ذلك من الله تعالى فهي موت في حقيقة الأمر فيك و
فيهم جميعا. و هذا الموت الاختياري شرط في مقام الولاية حتى إذا لم يتحقق به الو ّ لي
في نفسه فليس بولى و اليه الاشارة بقوله عليه ال  سلام: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)
يعني من عرف نفسه, اا كناية عن قوى باطنية و ظاهرية منبعثة من العدم بسطوة
قدرة غيره عرف ربه. و الرب هو المالك يعني عرف مالك أمره الباطن و الظاهر و هو
الله تعالى فيعرفه من حيث أنه الخالق لتلك القوى و المصرف لها فيما يشاؤه تعالى و
يختاره و يعلم ان نفسه في يد الله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء كما كان يقسم الن  بي
صّلى الله عليه و سّلم بقوله: (والذى نفسى بيده) اي و حق الذي جميع قواى الباطنية
و الظاهرية في تصرفه وحده لا مدخل لي في ذلك البتة. و من هنا يفهم قول الن  بي عليه
ال  سلام في حديث التقرب بالنوافل: (كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر
به …) فيظهر لذلك المتقرب بالنوافل الفاعل المتصرف في قواه كلها و تبقى القوى
عنده اعراضًا زائلة كما هى في حقيقة الأمر فيكون الحق كناية عنها بعد زوالها من نظر
ذلك المتقرب. و ليس هذا كله إ ّ لا بعد حصول الموت الاختياري له.
و إذا كان كذلك فالولاية مشروطة عند العارفين بادراك الموت و التحقق
به, و الكرامات للأولياء مشروطة حينئذٍ عندهم بوجود الموت لا بفقده فكيف يزعم
عاقل ان الموت ينافي الكرامات؟ و الكرامات مشروطة به. و إذا لم يتحقق به الانسان
في نفسه فليس بعارف ولا و ّ لي وانما هو عامي من عوام المؤمنين غافل محجوب. وذلك
لأن الو ّ لي هو الانسان الذي يتولى الله تعالى جميع اموره الباطنية والظاهرية كما ذكرنا.
و اما غيره فنفسه هى التى تتولى امرها بسبب الغفلة و الحجاب عن المتولي في الحقيقة
لجميع الأمور و هو الله تعالى لأنه تعالى متولي أمر المؤمن والكافر و الغافل و المستيقظ,
و لكن قال تعالى: (ُق ْ ل  ه ْ ل ي  ستوِي الَّذِي  ن يعلَ  مو َ ن  و الَّذِي  ن َ لا يعلَ  مو َ ن اِن  ما يت َ ذكَّر ُاوُلوا
اْلاَلْبابِ * الزمر: ٩) اي إنما يعلم ذلك, و هو عدم الفرق بينهما اصحاب البصائر.
- ١١٦ -
و مما يدل على ثبوت الكرامة بعد الموت من أقوال الفقهاء قولهم بكراهة
الوطئ على القبور. قال في مختصر محيط السرخسي للامام الخبازي( ١) و كره أبو حنيفة
رحمه الله تعالى ان يطأ على قبر أو يجلس او ينام عليه او يبول او يتغوط لما فيه من
الإهانة. و في جامع الفتاوى لقارئي الهداية: و سئل بعض الفضلاء عن وطئ القبور
فقال: يكره قيل: هل يكره على أنه تارك للاولى فقال: لا بل يأثم لانه عليه ال  سلام
قال: (لأن أضع قدمي على جمر أحب إلى من وطئ القبر). قيل: التابوت و التراب
الذي فوقه بمترلة السقف. فقال: (و إن كان له بمترلة السقف لكن حق الميت باق فلا
يجوز. ان يوطأ) و سئل الخجندي( ٢) عن رجل لو كان قبر والديه بين القبور هل يجوز
له ان يمر بين قبور المسلمين بالدعاء و التسبيح و قراءة القرآن و يزور قبرهما؟ فقال: له
ذلك ان امكنه من غير وطئ القبور انتهى. و في فتح القدير: و يكره الجلوس على القبر
و وطئه و حينئذٍ فما يصنعه الناس ممن دفنت اقاربه ثم دفنت حواليهم خلق من وطئ
تلك القبور الى ان يصل الى قبر أبيه مكروه و يكره النوم عند القبر و قضاء الحاجة بل
اولى و كل ما لم يعهد من السنة, و المعهود منها ليس إ ّ لا زيارا و الدعاء عندها قائمًا
كما كان يفعل صّلى الله عليه و سّلم في الخروج الى البقيع و يقول: (ال  سلام عليكم
دار قوم مؤمنين و إنا ان شاء الله بكم لاحقون اسأل الله لي و لكم العافية). انتهى
كلامه و حيث صح هذا و ثبت في كتب الفقه فنقول: لم يكره الوطئ على القبر و
الجلوس عليه إلا لكرامة الموتى بعد موم. و هذه الكرامة ثابتة في ال  شرع. و هى امر
خارق للعادة في الخلق, فإن العادة جارية ان الانسان يباح له ان يمشي على الأرض و
ان يجلس عليها و ان يطأ برجله ابعاض الحيوانات كلها إ ّ لا موتى أهل الإيمان, فقد
خولفت العادة في حقهم فكره ذلك كله كراهة تحريم, لأا المحمل عند الاطلاق و إنما
كان ذلك تكريمًا لهم بعد موم, و هم من عوام المؤمنين. فكيف الحال مع خواصهم و
١) جلال ال  دين عمر الخبازي توفي سنة ٦٩١ ه. [ ١٢٩٢ م.] )
٢) كمال الخجندي توفي سنة ٧٩٢ ه. [ ١٣٩٠ م.] في تبريز )
- ١١٧ -
هم اهل الولاية المقربون الى الله تعالى فقد ثبتت الكرامة بعد الموت على لسان ال  شرع.
و ايضًا ثبوت ان الن  بي صّلى الله عليه و سّلم كان يزور القبور في البقيع و
يدعو عندها قائما دليل على ثبوت الكرامات بعد الموت لأن الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم لو لم يكن يعلم ان الدعاء عند قبور المؤمنين مستجاب لخصوصية في المكان
بسبب الموتى المدفونين فيه لما دعا عند قبورهم بقوله عليه ال  سلام: (اسأل الله لي و
لكم العافية) و استجابة الدعاء ببركة قبور المؤمنين التى تترل عليها الرحمة من جملة
الكرامات للمؤمنين بعد الموت. و ذلك في حق قبور عوام المؤمنين فكيف قبور
خواصهم من أهل التوحيد الكامل اليقين من المقربين إلى الله تعالى و في ذلك ثبوت
الكرامة بعد الموت ايضًا.
و من الدليل على ثبوا بعد الموت ايضًا حكم ال  شرع بوجوب تغسيل الميت
المسلم و وجوب تكفينه و دفنه تكريمًا له. و هى كرامة اثبتها ال  شرع للمؤمنين بعد
الموت خارقة للعادة في حق موتى سائر بني آدم من الكافرين و جميع الحيوانات التى
جرت العادة ال  شرعية بعدم تغسيلها.
و من الدليل على ذلك ايضًا ما قاله صاحب النهاية في شرح الهداية( ١): ان
الميت ينجس بالموت و ان التغسيل واجب لإزالة نجاسة تثبت بالموت كرامة للآدمي
بخلاف سائر الحيوانات. و في جامع الفتاوى: يغسل لتنجسه بالموت كسائر الحيوانات
الدموية الا أنه يطهر بالغسل كرامة له و قيل: لا ينجس لانه مؤمن بل الغسل لاجل أنه
على غير وضوء انتهى. و هذا يدل على ثبوت الكرامة للمؤمن بعد موته ايضًا.
و ذكر في جامع الفتاوى: ان البناء على القبر لا يكره اذا كان الميت من
المشايخ و العلماء و السادات. و ذكر فيه ايضًا أنه ينبغي ان يكون غاسل الميت على
طهارة و يكره ان يكون حائضًا أو جنبًا انتهى. و هذا مما هو صريح في ثبوت الكرامة
للمؤمن بعد الموت ايضًا بل الكرامات كلها لا تكون للمؤمن إلا بعد الموت. و أما في
١) شارح الهداية حسين بن علي الصغناقي توفي سنة ٧١٠ ه. [ ١٣١٠ م.] )
- ١١٨ -
الحياة ال  دنيا فلا كرامة له في الحقيقة إ ّ لا مجازًا لانه يكون في دار الجوار لأعداء الله تعالى
دار يكفر فيها بالله تعالى و هذا لا يش  ك فيه عاقل البتة. و في عمدة الاعتقاد للامام
النسفي رحمه الله تعالى( ١): و كل مؤمن بعد موته مؤمن حقيقة كما في حال نومه و
كذا الرسل و الانبياء عليهم ال  سلام بعد وفام رسل و انبياء حقيقة لأن المتصف
بالنب  وة و الإيمان الروح و هو لا يتغير بالموت انتهى.
و ربما نقول: مراده بالمؤمن المؤمن الكامل و هو الولي, و الإيمان و هو
الإيمان الكامل و هو الولاية و هى باقية بعد الموت لأن المتصف ا الروح و الروح لا
يتغير بالموت. او المراد مطلق المؤمن و مطلق الإيمان فيكون المؤمن الكامل و الإيمان
الكامل مفهومًا بالطريق الاولى بحسب ما ذكرنا لا سيما و قد قال تعالى في حق أهل
الحنة: ( َ لا يذُوُقو َ ن فِي  ها الْ  مو  ت اِلاَّ الْ  موتَة ْا ُ لاوَلى * الدخان: ٥٦ ) و نحن نتكلم على
إشارة هذه الآية و لا نمتع عبارا كما هو دأب اهل الله تعالى فنقول فيما نحن بصدده
العارفون برم لهم موتتان موتة في نفوسهم و موتة في أبدام. و المعتبر عندهم النفوس
دون الأبدان لأن الأبدان مساكن النفوس و العبرة بالساكن لا بالدار و السر في
السكان لا في الديار. فإذا جاهدوا انفسهم ااهدة ال  شرعية باطنًا و ظاهرًا و سلكوا
طريق الاستقامة ماتت نفوسهم فتحققوا بالحق لما ذاقوا الموت و بقيت أرواحهم مدبرة
لأجسامهم في ال  دنيا بغير واسطة النفوس فكانوا ملائكة في صورة البشر, لأن الملائكة
أرواح مجردة و هم بعد موت نفوسهم ارواح مجردة ايضًا, كما كان يترل جبريل عليه
ال  سلام الى صورة دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه و يأتى الى الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم فعند ذلك إذا انقطعت علاقة أرواحهم من تدبير أبدام كانوا بمترلة جبريل عليه
ال  سلام إذا عاد الى عالم تجرده و فارق الصورة البشرية. ولا يسمى هذا موتًا حقيقيًا في
حقهم بل يسمى انتقا ً لا من عالم الى عالم آخر وتقلبًا في الأطوار. ولهذا قال تعالى عنهم
( َ لا يذُوُقو َ ن فِي  ها الْ  مو  ت اِلاَّ الْ  موتَة ْا ُ لاوَلى * الدخان: ٥٦ ) و هذه اشارة الآية الكريمة التى
١) مؤلف عمدة العقائد عبد الله النسفي توفي سنة ٧١٠ ه. [ ١٣١٠ م.] )
- ١١٩ -
لا تنحصر معانيها و عباراا و لا تنفد حكمها و اسرارها و اشاراا. و إذا كان الأمر
كذلك فكيف يتوهم عاقل ان الله تعالى يقطع تكريمه عن هذا الو ّ لي الذي كملت
ولايته بموته الطبيعي و التحاقه بعالم اردات حتى صار مع الملائكة في فضاء الأزل و
الملكوت كما كان يقول الن  بي صّلى الله عليه و سّلم عند موته: (اللهم الرفيق الا على).
هذا و قد ورد في كتاب المحققين من أهل الله تعالى كثير من الحكايات و
الأخبار المفصحة عن وقوع الكرامات للأولياء بعد الموت و تداولته الثقات مما لا يسعنا
انكاره. فمن ذلك ما ذكره قدوتنا الى الله تعالى اتهد الكامل و العالم العامل ال  شيخ
محي ال  دين ابن العربي قدس الله سره في كتابه (روح القدس في مناصحة النفس) في
ترجمة أبي عبد الله ابن زين اليابري بالياء المثناة التحتانية و ضم الباء الموحدة التحتانية
الإشبيلي. كان من اهل الله تعالى انه قرأ ليلة تأليف أبي القاسم ابن حمدين في الرد على
أبي حامد الغزالي فعمي فسجد لله تعالى من حينه و تضرع و اقسم انه لا يقرؤه ابدًا و
يذهبه فرد الله تعالى عليه بصره انتهى. و هى كرامة صدرت لأبي حامد الغزالي رضي
الله عنه بعد موته على يد هذا الانسان. و ذكر الجلال ال  سيوطي رحمه الله تعالى في
كتاب له في ذكر الموت  سماه (بشري الكئيب بلقاء الحبيب) قال: أخرج الحافظ
أبوالقاسم اللالكائي( ١) في ال  سنة بسند عن مح  مد بن نصر الصائغ قال: كان أبي مولعًا
بال  صلاة على الجنائز. فقال: يا بني حضرت يومًا جنازًة. فلما دفنوها نزل الى القبر
نفسان ثم خرج واحد و بقى الآخر و حشى الناس التراب. فقلت: يا قوم يدفن حى
مع ميت؟ فقالوا ما ثم احد فقلت:لعله شبه لي ثم رجعت فقلت: ما رأيت ا ّ لا اثنين
خرج واحد و بقى الآخر لا أبرح حتى يكشفه الله ما رأيت فقرأت عشر مرات يس و
تبارك و بكيت و قلت: يا رب اكشف لي عما رأيت فانى خائف على عقلي و ديني.
فانشق القبر فخرج منه شخص فولى مبادرًا فقلت: يا هذا بمعبودك إ ّ لا وقفت حتى
اسألك فما التفت فقلت الثانية و الثالثة فالتفت و قال: أنت نصر الصائغ فقلت: نعم
١) أبو القاسم ال  شافعي اللالكائي المتوفي سنة ٤١٨ ه. [ ١٠٢٧ م.] بالدينور )
- ١٢٠ -
قال: ما تعرفني؟ قلت: لا قال: نحن ملكان من ملائكة الرحمان موكلان بأهل ال  سنة إذا
وضعوا في قبورهم, نزلنا حتى نلقنهم الحجة و غاب عنى.
و حكي اليافعي( ١) في روض الرياحين عن بعض الأولياء قال: سألت الله
تعالى ان يرينى مقامات أهل القبور. فرأيت ليلة من الليالى القبور قد انشقت و إذا منهم
النائم على السرير و منهم النائم على الحرير و الديباج و منهم النائم على الريحان و
منهم النائم على السرر و منهم الباكى و منهم الضاحك فقلت: يا رب لو شئت
ساويت بينهم في الكرامة فنادى مناد من أهل القبور يا فلان هذه أمثال الأعمال أما
أصحاب السندس فهم اصحاب الخلق الحسن, و أما أصحاب الحرير و الديباج فهم
الشهداء, و أما اصحاب الريحان فهم الصائمون, و أما اصحاب السرر فهم المتحابون
في الله, و أما اصحاب البكاء فهم المذنبون, و أما أصحاب الضحك فهم أهل التوبة.
قال اليافعي: رؤية الميت في خير أو شر نوع من الكشف يظهر الله تبشيرًا و
موعظًة او مصلحًة للميت أو اسداء خير او قضاء دين أو غير ذلك. ثم هذه الرؤية قد
تكون في النوم و هو الغالب و قد تكون في اليقظة و ذلك من الكرامات للأولياء
أصحاب الأحوال. و قال في كفاية المعتقد: أخبرنا بعض الأخيار عن بعض ال  صالحين
أنه كان يأتى قبر والده في بعض الأوقات و يتحدث معه.
و أخرج اللالكائي في ال  سنة عن يحيى بن معين قال قال لي حفار أعحب ما
رأينا من هذه المقابر انى سمعت من قبر و المؤذن يؤذن و هو يجيبه من القير. و أخرج
أبو نعيم( ٢) في الحلية عن سعيد بن جبير قال: أنا و الله الذي لا اله الا هو ادخلت
ثابت البناني في لحده و معي حميد الطويل فلما ساوينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا انا به
يصّلي في قبره و كان يقول: اللهم ان كنت اعطيت احدًا من خلقك ال  صلاة في قبره
فاعطنيها فما كان الله ليرد دعائه. و أخرج الترمذي و حسنه و الحاكم و البيهقي عن
١) عبد الله اليافعي ال  شافعي توفي سنة ٧٦٨ ه. [ ١٣٦٧ م.] في م ّ كة المكرمة )
٢) أبو نعيم أحمد الاصفهاني توفي سنة ٤٣٠ ه. [ ١٠٣٩ م.] )
- ١٢١ -
ابن عباس قال ضرب بعض أصحاب الن  بي صّلى الله عليه و سّلم خباءه على قبر و هو
لا يحسب أنه قبر فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فأتى الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم فأخبره فقال الن  بي صّلى الله عليه و سلم: هى المانعة هى المنجية تنجيه من
عذاب القبر قال أبو القاسم السعدي في كتاب الافصاح: هذا تصديق من رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم بأن الميت يقرأ في قبره. فإن عبد الله أخبره بذلك و صدقه رسول
الله صّلى الله عليه و سلم. و أخرج ابن مندة عن طلحة عن عبيد الله قال اردت ما لي
بالغابة فادركنى الليل فأويت الى قبر عبد الله بن عمرو بن حزام فسمعت قرآءة من
القبر فما سمعت أحسن منها فجئت الى رسول الله صّلى الله عليه و سّلم فذكرت ذلك
له. فقال: ذلك عبد الله ألم تعلم ان الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد و
ياقوت ثم علقها وسط الجنة. فإذا كان الليل ردت اليهم ارواحهم فلا تزال كذلك
حتى إذا طلع الفجر ردت ارواحهم الى مكاا الذي كانت فيه.
و أخرج أبونعيم في الحلية عن ابراهيم ان المهلبي قال حدثنى الذين كانوا يمرون
بالمصر في الاسحار قالوا: كنا إذا مررنا بجنبات قبر ثابت البناني سمعنا قرآءة القرآن.
و اخرج ابن مندة( ١) عن سلمة بن شبيب. قال سمعت ابا حماد الحفار. و
كان ثقة ورعًا قال: دخلت يوم الجمعة المقبرة نصف النهار, فما مررت بقبر إلا سمعت
منه قراءة القرآن. و أخرج ابن مندة عن عاصم السقطي قال: حفرنا قبرًا ببلخ فنفذ في
قبر فنظرت فإذا بشيخ في القبر متوجه الى القبلة و عليه إزار أخضر و اخضر ما حوله و
في حجره مصحف يقرأ فيه و اخرج ابن مندة عن أبي النصر النيساپوري الحفار. و
كان صالحًا ورعًا قال: حفرت قبرًا فانفتح في القبر قبر آخر, فنظرت, فإذا أنا بشاب
حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح جالسًا متربعًا و في حجره كتاب مكتوب
بخضرة أحسن ما رأيت من الخطوط و هو يقرأ القرآن فنظر الشاب إ ّ لي و قال: أقامت
القيامة؟ قلت: لا فقال: اعد المدرة الى موضعها فاعدا إلى موضعها.
١) ابن منده مح  مد توفي سنة ٣٩٥ ه. [ ١٠٠٥ م.] )
- ١٢٢ -
و نقل السهيلي( ١) في دلائل النب  وة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه
حفر في مكان فانفتحت طاقة. فإذا شخص على سرير و بين يديه مصحف يقرأ فيه و
امامه روضة خضراء و ذلك بأحد, و علم أنه من الشهداء لأنه رأى في صفحة وجهه
جرحًا. و أورد ذلك ايضًا أبو حيان في تفسيره. و حكى اليافعي في روض الرياحين
عن بعض ال  صالحين قال: حفرت لرجل من العباد قبرًا و ألحدته فيه فبينما أنا أسوي
اللحد اذ سقطت لبنة من لحد بلية فنظرت فإذا شيخ جالس في القبر عليه ثياب بيض
تقعقع و في حجره مصحف من ذهب مكتوب بالذهب و هو يقرأ فيه فرفع رأسه إ ّ لي
و قال: أقامت القيامة رحمك الله؟ قلت: لا فقال رد اللبنة الى موضعها رعاك الله
فرددا و قال اليافعي ايضًا: روينا عمن حفر القبور من الثقاة أنه حفر قبرًا فأشرف فيه
على انسان جالس على سرير و بيده مصحف يقرأ فيه و تحته ر يجري فغشي عليه و
أخرج من القبر و لم يدروا ما أصابه فلم يفق إ ّ لا في اليوم الثالث.
و اخرج سعيد بن منصور عن عدية بنت أهبان بن صفى الغفاري صاحب
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم قالت: أوصانا أبي ان نكفنه في قميص قالت فل  ما
أصبحنا من الغد من يوم دفنا إذا نحن بالقميص الذي دفناه فيه عندنا.
و اخرج ابن أبي ال  دنيا في كتاب المنامات بسند لا بأس به من مرسل راشد
بن سعد ان رجلا توفيت أمراته, فرأى نساء في المنام و لم ير أمراته معهن. فسألهن
عنها فقلن: انكم قصرتم في كفنها فهى تستحى تخرج معنا فأتى الرجل الى الن  بي صّلى
الله عليه و سّلم و أخبره فقال الن  بي صّلى الله عليه و سلم: انظر هل الى بقية من سبيل
فأتى رج ً لا من الأنصار قد حضرته الوفاة فأخبره فقال الانصاري: إن كان احد يبلغ
الموتى بلغته فتوفى الانصاري فجاء بثوبين مشردين بالزعفران فجعلهما في كفن
الانصاري فلما كان الليل أتى النسوة و معهن امرأته, و عليها الثوبان الأصفران انتهى.
و ذكر ال  شيخ ال  شعراوي رحمه الله تعالى في كتابه (طبقات الأخيار) في ترجمة
١) السهيلي عبد الرحمن الاندلسي توفي سنة ٥٨١ ه. [ ١١٨٥ م.] )
- ١٢٣ -
ال  شيخ أحمد البدوي ان سيدي عبد العزيز الديريني رضي الله عنه كان إذا سئل عن
سيدي أحمد البدوي قال: هو بحر لا يدرك له قرار و اخباره و مجيئه بالاسرى من بلاد
الفرنج و إغاثة الناس في قطاع الطريق و حيلولته بينهم و بين من استنجد به لا تحويها
الدفاتر رضي الله تعالى عنه قلت: وقد شاهدت انا بعيني سنة خمس و اربعين وتسعمائة
اسيرًا على منارة سيدي عبد العال مقيدًا مغلو ً لا و هو مخبط العقل فسألته عن ذلك
فقال: بينما انا في بلاد الفرنج آخر الليل توجهت الى سيدي أحمد فإذا أنا به فأخذني و
طار بي في الهواء فوضعني هنا فمكث يومين و رأسه دائرة عليه شدة من الخطفة انتهى
و هذا كله, صريح بثبوت الكرامات بعد الموت و هو أمر حق في نفسه لا يش  ك فيه
إلا ك ّ ل ناقص الإيمان منطمس البصيرة مطرود عن باب فضل الله تعالى متعصب على
أهل الله تعالى أوقعه الله تعالى في ورطة الإنكار على اوليائه تعالى و قد اهانه الله تعالى
و غضب عليه و القاه الى الشيطان يتلاعب به ليبغض من يحبهم الله تعالى فيعرضه
للاستخفاف م و بكرامام و إهانة قبورهم و احتقارها مع ان المعلوم عند من قرأ
في علم العقائد و التوحيد ان الارواح لها اتصال بالأجساد بعد الموت كإتصال شعاع
الشمس بالأرض و الروح في مقرها فيجب احترام قبور المؤمنين البتة لهذا المعنى حتى
قال الجلال ال  سيوطي رحمه الله تعالى في كتابه (بشرى الكئيب بلقاء الحبيب). قال
اليافعي: مذهب أهل ال  سنة ان ارواح الموتى ترد في بعض الأوقات من عليين او من
سجين إلى أجسادهم في قبورهم عند إرادة الله و خصوصًا ليلة الجمعة و يجلسون و
يتحدثون وتتنعم أهل النعيم وتعذب أهل العذاب. قال: ويختص الأرواح دون الأجسام
بالنعيم و العذاب ما دام في عليين أو سجين و في القبر يشترك الروح و الجسد انتهى.
و مما يدل علىاتصال الأرواح بالأجسام في القبور بعد الموت ما نقله في بحر
الكلام للإمام النسفي( ١) رحمه الله تعالى من قوله في عذاب القبر. فإن قيل: كيف يوجع
اللحم في القبر و لم يكن فيه الروح؟ فالجواب: سئل الن  بي صّلى الله عليه و سّلم أنه قيل
١) ميمون النسفي الحنفي توفي سنة ٥٠٨ ه. [ ١١١٤ م.] )
- ١٢٤ -
له: كيف يوجع اللحم في القبر و لم يكن فيه الروح: فقال عليه ال  صلاة و ال  سلام: كما
يوجع سنك و ان لم يكن فيه الروح؟ الا ترى ان النبي صّلى الله عليه و سّلم أخبر ان
الس  ن يتوج  ع لما أنه متصل باللحم, و ان لم يكن فيه الروح فكذلك بعد الموت لما كان
روحه متص ً لا بجسده فيتوجع انتهى و هذا صريح في ان روحانيات الموتى متصلة
بأجسامهم التى في قبورهم و ان بليت أجسامهم و صارت ترابًا و لهذا جاء ال  شرع
باحترام قبورهم كما ذكرناه فيما تقدم فكيف لا ينبغي للمؤمنين احترام قبورهم و
تعظيمها و زيارا و التبرك ا و هم يعلمون ان الروحانيات الكاملة الفاضلة متصلة
بتلك الأجساد الطيبة الطاهرة كما هو مقتضى الأخبار النبوية و ان صارت ترابا و لا
ارى المنكر لذلك إلا جاه ً لا يعتقد من جهله ان الأرواح أغراض تزول بالموت كما
تزول الحركة عن الميت, طبق ما هو مذهب بعض الفرق الضالة, حتى أنهم يزعمون
ان الأولياء إذا ماتوا صاروا ترابًا و التحقوا بتراب الأرض و ذهبت روحانيام, فلا
حرمة لقبورهم. و لهذا يهينوا و يحتقروا و ينكرون على من زارها و تبرك ا حتى
إنى سمعت بأذني رج ً لا يقول يومًا و انا أسمع و كنت ذاهبًا الى زبارة قبر ال  شيخ آرسلان
الدمشقي( ١) رضي الله عنه: كيف تزورون ترابًا؟ ما هذا إ ّ لا قلة عقل فتعجبت من ذلك
غاية العجب, و قلت في نفسي: ما هذا قول من يدعي الاسلام, و لا حول و لا قوة
ا ّ لا بالله العلى العظيم.
و قد ورد في الحديث (ان القبر روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر
النيران) و لا معنى لذلك إلا ان روحانيات الموتى إما تنعم في قبورهم أو تعذب فيها و
ذلك باتصال الروحانيات بالأجساد البالية التى خرجت من ال  دنيا و هى طاهرة بالإيمان
و الطاعات أو قذرة بالكفر و المخالفات فحينئذٍ قبور المؤمنين محترمة متبجلة معظمة
كما كانوا قبل ذلك, و هم أحياء محترمون متبجلون فإن من احتقر عالما أو بغضه
خيف عليه الكفر, كما صرح بذلك الفقهاء.
١) ال  شيخ ارسلان توفي سنة ٥٤٠ ه. [ ١١٤٥ م.] في الشام )
- ١٢٥ -
و لا فرق بين الأحياء في ذلك و الأموات أرأيت ان الأحياء و الأموات
كلهم مخلوقات الله تعالى لا تأثير لأحد منهم في شئ من الأشياء البتة و انما المؤثر هو
الله تعالى وحده على كل حال و الأحياء و الاموات سواء في عدم التأثير قطعًا من غير
شبهة و لكن الاحترام واجب في حق الجميع قال تعالى (  و م  ن يعظِّ  م شعآئِ  ر اللهِ َفاِن  ها
مِ  ن ت ْ ق  وى الُْقُلوبِ * الحج: ٣٢ ) و شعائر الله هى الأشياء التى تشعر اي تعلم به تعالى
كالعلماء و ال  صالحين احياء و امواتًا و نحوهم.
و من تعظيمهم بناء القباب على قبورهم و عمل التوابيت لهم من الخشب
حتى لا تحتقرهم العامة من الناس و إن كان ذلك بدعة فهى بدعة حسنة, كما قال
الفقهاء في تكبير العمائم و توسيع الثياب للعلماء, أنه جائز حتى لا تستخف م العامة
و يحترموم و إن كان ذلك بدعة لم يكن عليها السلف حتى قال في جامع الفتاوى في
البناء على القبر: و قيل لا يكره إذا كان الميت من المشايخ و العلماء و السادات و في
المضمرات( ١) و كان ال  شيخ أبو بكر محمد بن الفضل يقول لا بأس باستعمال الآجر في
ديارنا و كان يجوز استعمال رفوف الخشب و ذكر الامام التمرتاشي: هذا إذا كان
حول الميت و أما إذا كان فوقه فلا يكره لأنه عصمة من السباع و هذا كما اعتادوا
التسنيم باللبن صيانة عن النبش و رأوا ذلك حسنًا و في تنوير الأبصار: و لا يرفع عليه
بناء و قيل لا بأس به و هو المختار و في شرح الكتر للزيلعي و قيل لا بأس بالكتابة و
وضع الحجر ليكون علامة لما روي أنه عليه ال  سلام وضع حجرًا على قبر عثمان بن
مظعون انتهى.
و اما وضع الستور و العمائم و الثياب على قبور ال  صالحين و الأولياء فقد
كرهه الفقهاء حتى قال في فتاوى الحجة: و تكره الستور على القبور انتهى و لكن نحن
الآن نقول إن كان القصد بذلك التعظيم في أعين العامة حتى لا يحتقروا صاحب هذا
القبر الذي وضعت عليه الثياب و العمائم و لجلب الخشوع و الأدب لقلوب الغافلين
١) صاحب المضمرات يوسف بن عمر الحنفي توفي سنة ٨٣٢ ه. [ ١٤٢٩ م.] )
- ١٢٦ -
الزائرين لأن قلوم نافرة عن الحضور و التأدب بين يدي أولياء الله تعالى المدفونين في
تلك القبور, كما ذكرنا من حضور روحانيام المباركة عند قبورهم فهو امر جائز لا
ينبغى النهي عنه لأن (الأعمال بالنيات), و (لكل إمرئ ما نوى) فإنه و إن كان بدعة
على خلاف ما كان عليه السلف و لكن من قبيل قول الفقهاء في كتاب الحج: أنه بعد
طواف الوداع يرجع القهقري حتى يخرج من المسجد لأن في ذلك إجلال البيت و
تعظيمه, حتى قال في منهج السالك و ما يفعله الناس من الرجوع القهقري بعد الوداع
فليس فيه سنة مروية و لا أثر محكى و قد فعل أصحابنا انتهى و هذا تعظيم للبيت
الحرام مع أنه جماد و الأولياء أفضل منه من غير شبهة لأنهم مكلفون بخدمة الله تعالى
دون الكعبة لأن عبادا بلا تكليف و إن كانوا امواتًا فالميت كالجماد و الاحترام لازم
في حق الجميع و كسوة الكعبة أمر مشروع حتى ذكروا أنه يجوز ستر الكعبة بالحرير و
قبور ال  صالحين و الأولياء و ان لم تكن كعبة و لا كالكعبة من جهة الاحكام و لكنها
محترمة لأن الكعبة انما امرنا بالتوجه إليها و الطواف ا و تعظيمها و احترامها مع أا
جماد ابتلاء من الله تعالى تكليفًا لنا و إ ّ لا فهى أحجار و كل من كان سجوده لها
نفسها كان عابد اصنام فيكفر بالله تعالى و لهذا ورد ان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال حين قبل الحجر في طوافه انى أعلم انك حجر لا تضر و لا تنفع ولو لا إنى
رأيت رسول الله صّلى الله عليه و سّلم فعل ذلك ما فعلته قالوا سبب ذلك أنه تذكر
وضع الجاهلية الاصنام حول البيت و سجودهم لها فخشي ان يظن احد ان تقبيل
الحجر يشبه نوعًا من الجاهلية فقال ما قال رضي الله عنه و ما سمعنا احدًا من العامة و
لا غيرهم يعتقد ان قبور ال  صالحين كعبة يصح الطواف ا أو تصح ال  صلاة اليها حتى
نخاف عليهم من ذلك و إنما العامة جميعهم يعلمون ان القبلة هى الكعبة وحدها و اا
في م ّ كة و لكنهم يبالغون في التعظيم و الاحترام لتلك القبور لأا قبور أولياء الله تعالى
و قبور احبائه تعالى و أهل صفوته هذا مقدار ما نعلم من أحوالهم و المؤمن لا يظن
بالمؤمنين إلا خيرًا.
- ١٢٧ -
و قد ورد في الحديث كما اخرجه الأسيوطي رحمه الله تعالى في الجامع
الصغير قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سلم: (حسن الظن من حسن العبادة) و
قال تعالى (يآ َاي  هآ الَّذِي  ن َامنوا اجتنِبوا َ كثِ  يرا مِ  ن الظَّ  ن ان بع  ض الظَّ  ن اِثْم  و َ لا
ت  ج  سسوا  و َ لا ي  غت  ب َبعْضكُم ب  ع  ضا * الحجرات: ١٢ ) و يجب الحمل على الكمال
في حق عامة المؤمنين كما كان يعاملهم الن  بي صّلى الله عليه و سّلم مع علمه باطلاع
الله تعالى له إن منهم المنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر و الجحود و يظهرون الإيمان و
مع ذلك كان يعامل الجميع معاملة اهل الإيمان لانه جاء يحكم بالظاهر و الله يتولى
ال  سرائر كما قال عليه ال  صلاة و ال  سلام (ُامرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا
اله الا الله و اني رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم و اموالهم إ ّ لا بحقها
و حسام على الله) و لا ينبغي لمسلم ان ينكر كل ما يراه حدث و لم يكن في العصر
الأول ما لم يطلع على قباحته و ان فاعله فعله على وجه يخالف ما هو مقصود ال  دين
المح  مدي أرايت ان رسول الله صّلى الله عليه و سّلم يقول (من سن سنة حسنة كان له
ثواا و ثواب من عمل ا الى يوم القيامة) فقد سمى ما تحدثه الأمة بعده مما هو غير
مخالف لمقصود شرعه سنة مع أنه لم يكن له وجود في زمنه صّلى الله عليه و سّلم
فالبدعة الحسنة الموافقة لمقصود ال  شرع تسمى سنة على هذا تسمية وردت على لسان
الشارع صّلى الله عليه و سلم.
و من هذا القبيل ما ذكره الفقهاء في مبحث زيارة الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم من قولهم و ما يفعله بعض الناس من الترول بالقرب من المدينة و المشى الى ان
يدخلها حسن و كل ما كان ادخل في الأدب و الاجلال كان حسنًا كما ذكره
والدى رحمه الله تعالى في حاشيته على شرح ال  درر في كتاب الحج.
و يقاس على هذا إيقاد القناديل و الشمع عند قبور الأولياء و ال  صالحين و
هو أيضًا من باب التعظيم و الإجلال للأولياء فالمقصد فيها مقصد حسن لا سيما إن
كان لذلك الو ّ لي فقراء يخدمونه, يحتاجون الى ايقاد المصباح لي ً لا لقراءة قرآن أو تسبيح
- ١٢٨ -
أو جد و ان كره الفقهاء ال  صلاة عند القبور و لكن محله في غير الموضع المعد لذلك,
المتباعد عن القبر و قد قال والدى رحمه الله تعالى في حاشيته على شرح ال  درر: و تكره
ال  صلاة في المقبرة لأنه يشبه اليهود فإن كان فيها موضع أعد للصلاة ليس فيه قبر و لا
نجاسة فلا بأس به كما في الخانية و في الحاوي فإن كانت القبور وراء المصلى لا يكره
و إن كان بينه و بين القبر مقدار ما لو كان في ال  صلاة و مر انسان لا يكره فههنا أيضًا
لا يكره انتهى.
و اما وضع اليدين على القبور و التماس البركة من مواضع روحانيات
الأولياء فهو أمر لا بأس به ايضًا قال في جامع الفتاوى و قيل لا يعرف وضع اليد على
المقابر سنة و لا مستحبًا و لا نرى به بأسًا انتهى و الأعمال بالنيات فإن كان مقصده
خيرًا كان خيرا و الله يتولى ال  سرائر.
و اما نذر الزيت و الشمع للأولياء يوقد عند قبورهم تعظيمًا لهم و محبًة فيهم
فهو جائز في الجملة أرأيت ان الفقهاء قالوا في وقف ال ّ ذمى الزيت على سراج بيت
المقدس: أنه صحيح لكونه قربة عندنا و عندهم و في كتاب أوقاف الخصاف من بحث
وقف الذمى فإن قال أرضى صدقة موقوفة تكون غلتها في ثمن زيت للاسراج في بيت
المقدس قال: هذا جائز لأنه قربة عندنا و عندهم انتهى و بيت المقدس مسجد شريف
فالإسراج فيه من جلة تعظيمه و كذلك قبور ال  صالحين و الأولياء المقربين.
و كذلك نذر الدراهم و الدنانير للأولياء بأ ّ ن تصرف على فقرائهم ااورين
عند قبورهم أمر جائز في نفسه لان النذر فيه مجاز عن العطية كما قالوا في الهبة للفقراء
أنه صدقة فليس له الرجوع ا و في الصدقة على الاغنياء اا هبة فيثبت له الرجوع
فيها فالعبرة لمقاصد ال  شرع دون الألفاظ فإن النذر انما هو مخصوص بالله تعالى فإذا
استعمل في غيره كمن قال لرجل لك عل  ي عشرة دراهم ان شفا الله مريضى و نحوه
ثم قال نذرت لفلان كذا كان وعدًا منه بذلك و هو مجاز عن الهبة إن كان ذلك
الرجل غنيًا و عن الصدقة إن كان فقيرًا و رب انسان يقول لآخر من اهل الذمة
- ١٢٩ -
الكافرين بالله تعالى ان شفا الله تعالى مريضى فلك عندي مائة درهم مث ً لا و لا يأثم في
قوله ذلك و يكون صدقًة لأن الصدقة على فقراء أهل الذمة جائزة ما عدا الزكاة, كما
قرره الفقهاء في كتبهم فكيف يقول عاقل بحرمة قول الانسان لولي من الأولياء بعد
الموت ان شفا الله مريضى فلك عندي مائة درهم و نحوه مع ان اهل الولاية أولى في
هذا المعنى من غيرهم و ان كانوا امواتًا فإن القائل يعلم ان ذلك يصرف في مصالح
الخادم لذلك الو ّ لي و للفقراء ااورين عنده فيجعل ذلك وعدًا و عطيًة و إباحًَة من
ذلك القائل لكل من يأخذه, تصحيحًا لقول المؤمنين ما امكن و الله ولي التوفيق.
و أما احتجاج بعض الناس علىتحريم هذه الأمور بغير دليل قطعي فموجبه
عدم الحياء من الله تعالى و عدم الخوف منه فإن الحرام في النهي في مقابلة الفرض في
الأمر و كل منهما يحتاج في ثبوته الى دليل قطعي إما آية من كتاب الله تعالى أو سنة
متواترة أو اجماع معتد به أو قياس يورده اتهد لا غيره من المقلدين لانه لا عبرة
بقياس المقلدين الذين لم تتوفر فيهم شروط الاجتهاد كما هو مسطر في كتب الأصول.
و أما قول بعض المغرورين: بأننا نخاف على العوام إذا اعتقدوا وليا من
الأولياء و عظموا قبره و التمسوا البركة و المعونة منه ان يدركهم اعتقاد ان الأولياء
تؤثر في الوجود مع الله تعالى فيكفرون و يشركون بالله تعالى, فننهاهم عن ذلك و
دم قبور الأولياء و نرفع البنيانات الموضوعة عليها, و نزيل الستور عنها, و نجعل
الإهانة للأولياء ظاهرًا حتى تعلم العوام الجاهلون ان هؤلاء الأولياء لوكانوا مؤثرين في
الوجود مع الله تعالى لدفعوا عن أنفسهم هذه الإهانة التى نفعلها معهم فاعلم ان هذا
الصنيع كفر صريح مأخوذ من قول فرعون على ما حكاه الله تعالى لنا في كتابه القديم
بقوله تعالى: (  و قَا َ ل فِ ْْ ر  عو َ ن َ ذ  رونِي َاْقت ْ ل مو  سى  و ْلي  د  ع  ربه اِني َاخا  ف َا ْ ن يب  د َ ل
دِين ُ ك  م َا  و َا ْ ن يظْهِ  ر فِي اْ َ لارضِ الْفَسا  د * المؤمن: ٢٦ ) و كذلك هؤلاء المغرورون لم
يكمل إيمام بعد بأن الله تعالى يحب أولياءه و أنه يخلق على ايديهم في حيام جيع ما
قدر ان يريدوه مما لم يخالف ال  شرع و جميع ما تريده روحانيام بعد موم بأمره تعالى
- ١٣٠ -
الذي روحانيام منه من الأمور الخارقة للعادة و كأم لم يعلموا بعد ان الإيمان حق و
أنه منج عند الله تعالى فقلوم مملؤة من ظنون و شكوك و اوهام و تحيرات و زيغ و قد
عموا و صموا و ختم الله تعالى علىقلوم حتى لم يقدروا على الفرق بين الحق و
الباطل و من يضلل الله فما له من هادٍ و لو أنهم صدقوا في خوفهم ذلك علىعامة
المسلمين لقرروا لهم أحكام العقائد و التوحيد و علموهم البراهين و الحجج القطعية
من غير منازعة و لا جدال و حملوهم على الفهم في العقائد و النظر في الفضائل و
ش  دوا عليهم في ذلك غاية التشديد, فإن العامة متى تحققوا في نفوسهم ان الفاعل واحد
على كل حال و لا تأثير لشئ البتة تحولت خواطرهم عن اعتقاد التاثير في غيره تعالى و
علموا ان كل ما سواه تعالى بيده تعالى, فتن و تحيرات تسمى أسبابا يضل الله ا من
يشاء و يهدي من يشاء قال تعالى: (  و اللهُ مِ  ن ورآئِهِم محِيطٌ * البروج: ٢٠ ) يعني
من وراء جميع الأشياء المحسوسات و الاشياء المعقولات على معنى أنه لا يشبهها و لا
تشب  هه البتة و على فرض ان يكون غرضهم ذلك المذكور فكيف يجوز انتهاك حرمات
الله تعالى في حق أوليائه و اهل خاصته دم قبام و تحقير قبورهم في عيون العامة و
هتك ستورهم الموضوعة احترامًا لهم من أجل هذا الأمر الموهوم و هو خوف ال  ضلال
على العامة و كيف يجوز الظن السوء في حق العامة و لم يكن الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم و لا أصحابه يفعلون ذلك لأن الظن السوء بالمسلمين حرام محقق كما قدمناه.
و أما اعتقاد شيخ بعينه و الانتماء إليه و السلوك على طريقته الخاصة فهو
أمر مطلوب فإن العمل بالجوارح كما يحتاج المقلد فيه إلى سلوك مذهب مخصوص ان
لم يكن مجتهدا كالحنفي يقلد أبا حنيفة و ال  شافعي يقلد ال  شافعي و نحو ذلك, كذلك
سلوك الطريق إلى الله تعالى يحتاج الى تقليد شيخ مخصوص في البداية لتتصل البركة و
الامداد بواسطة محبة ذلك ال  شيخ و اعتقاده من الله تعالى الى ذلك الانسان, كما ان
ال  شيخ إذا كان حيًا تتصل بركته بخادمه و معتقده و المستمد منه فكذلك ال  شيخ إذا
كان ميتًا مدفونًا في قبره فإن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى و لا فرق في الاستمداد بين
- ١٣١ -
ال  شيخ الحي و الميت بعد معرفة اما لا يؤثران في شئ من الاشياء مع الله تعالى قطعًا,
فإن المريد الصادق إذا صدق في طلب المدد من الله تعالى على يد شيخ حي او ميت مما
هو سبب من جملة الأسباب, فالله تعالى لا يخيبه البتة فإن المرشد الكامل إذا كان حيًا
ليس في وسعه إيصال المريد إلى الله تعالى بتأثيره و إنما الموصل هو الله تعالى وحده و
لكن المرشد سبب كما قال تعالى لمح  مد صّلى الله عليه و سّلم الذي هو أعظم مرشد
للامة: (اِن  ك َ لا ت  هدِي م  ن َاحبب  ت  وَلكِ  ن اللهَ ي  هدِي م  ن يشآءُ  و ه  و َاعَلم بِاْل  م  هتدِي  ن *
.( القصص: ٥٦ ) و قال له: (َلي  س َل  ك مِ  ن اْ َ لامرِ شيءٌ * آل عمران: ١٢٨
و نقل قدوتنا ال  شيخ الاكبر محي ال  دين ابن العربي قدس الله سره: ان من جملة
مشايخه الذين انتفع م في طريق الله تعالى ميزاب رآه في مدينة فاس في حائط يترل منه
ماء السطح فانتفع به و من مشايخه ظله الممتد من شخصه و ذكر نحو ذلك في كتابه
روح القدس و هذه الأولياء الذين في قبورهم أليس أنهم أعلى من الميزاب و الظل
اللذين كان يستمد منهما ال  شيخ الاكبر رضي الله عنه بسبب صدقه في طلبه فكيف
ينكر عاقل استمداد انسان من ولي ميت من أولياء الله تعالى و هو يعلم ان روحانيات
الأولياء متصلة بأجسامهم في قبورهم كما سبق بيانه و كيف يستبعد انسان مسلم هذا
الاستمداد من الأموات الذين هم أفضل من هؤلاء الأحياء الغافلين عن معرفة رب
العالمين بيقين و مع ذلك تراه إذا عرضت له حاجة إلى ظالم أو فاسق أو كافر جاء اليه
متذل ً لا خاضعًا و يداهنه, و يطلب منه قضاء حاجته و يستمد منه ثم يقول: فلان قضى
حاجتى و نفعنى بل إذا جاع استمد الشبع من المأكل, و إذا عطش استمد الري من
الماء و إذا عرى استمد ستر العورة من الثوب, و نحو ذلك استمدادًا طبيعيًا مع علمه
ان المأكل و الماء و الثوب جمادات لا روح فيها و لو صرح ذا الاستمداد و قال: أنا
أطلب الشبع من المأكل و نحوه على المعنى اازي مع اعتقاده ان الله تعالى هو المم  د
الحقيقي فلا خطأ عليه و لا اثم و لا عار و كذلك يقول هذا الغافل الدواء الفلاني
مسهل و الشئ الفلانى قابض و المعجون الفلان نافع من كذا, و لا يبالي في هذا القول
- ١٣٢ -
و لا يظهر منه الانتقاد و الاحتراز إ ّ لا في حق نسبة التاثير و الاستمداد إلى أولياء الله
تعالى الذين هم أفصل عند الله تعالى من كل دواء و كل معجون و ما ذلك إ ّ لا من
انطماس البصيرة و العماء عن الصواب.
و مما يحث المريد على اتخاذ ال  شيخ الح  ي مسترشدا منه او الميت مستمدا منه
ما نقله ال  شيخ عبد الوهاب ال  شعراوي رحمه الله تعالى في كتابه العهود المحمدية ان
معروف الكرخي كان يقول لأصحابه إذا كان لكم الى الله تعالى حاجة فاقسموا عليه
بي و لا تقسموا عليه به تعالى فقيل له في ذلك فقال هؤلاء لا يعرفون الله تعالى فلم
يجبهم, و لو أنهم عرفوه لأجام و كذلك وقع لسيدى مح  مد الحنفي ال  شاذلي أنه كان
يعدى من مصر إلى الروضة ماشيًا على الماء هو وجماعته فكان يقول لهم قولوا يا حنفي
و امشوا خلفي و إياكم ان تقولوا يا الله! تغرقوا فخالف شخص منهم و قال يا الله
فزلقت رجله فترل الى لحيته في الماء فالتفت اليه ال  شيخ و قال يا ولدي انك لا تعرف
الله تعالى حتى تمشى باسمه على الماء, فاصبر حتى اعرفك بعظمة الله تعالى ثم اسقط
الوسائط انتهى.
و في الجملة فاتخاذ ال  شيخ الحي ان وجد, و إلا فالميت أولى و الكل أموات
لما قدمناه من اشارة قوله تعالى (اِن  ك ميت  و اِن  ه  م ميتون * الزمر: ٣٠ ) فافهم ترشد
ان شاء الله تعالى و لا تعترض تكن من الهالكين فإن الله تعالى يغار لاوليائه إذا انتهكت
حرمام أشد غيرة و لا إله غيره (اِنه َلَقولٌ فَصلٌ *  و ما ه  و بِالْ هزلِ * اِن  ه  م يكِي  دو َ ن
(١٧- َ كي  دا *  و َاكِي  د َ كي  دا * َف  م  هلِ الْ َ كافِرِي  ن َا  مهِْل  ه  م  ر  وي  دا * الطارق: ١٣
و أما هذه الطبول و النايات و هذه الأعلام و الرايات التى تتقيد ا الفقراء
اليوم و هذه الأوقات التى اخترعتها مشايخ هذا الزمان فإن جميعها جهل و لهو و بطالة
لا ينبغي للشيخ المرشد ان يعملها و لا ان يقر عليها لما يترتب عليها من مفسدة الغرور
بغير الله تعالى و الاعراض عن طلب العلم النافع و الاجتهاد في سنن سيد المرسلين
صّلى الله عليه و سّلم و ان كنا نحن لا ننكرها على الكاملين العارفين إذا صدرت منهم
- ١٣٣ -
(ُق ْ ل  ه ْ ل ي  ستوِي الَّذِي  ن يعلَ  مو َ ن  و الَّذِي  ن َ لا يعلَ  مو َ ن اِن  ما يت َ ذكَّر ُاوُلوا اْلاَلْبابِ *
.( الزمر: ٩
و اما الاجتماع و ذكر الله تعالى ال  صحيح الخالي من اللحن مع الادب و
الخشوع بعد معرفة الواجب من الاعتقاد الموافق و الواجب من كيفية الأعمال ال  صالحة
في العبادات و المعاملات فهو أمر جائز مندوب إليه و لا التفات لمن رده من تعصبه و
جهله فقد نقل ال  شيخ المناوي رحمه الله تعالى في الشرح الكبير على الجامع الصغير عن
ال  شيخ الاسيوطي رحمه الله تعالى أنه اخذ من قوله عليه ال  صلاة و ال  سلام: (أكثروا
ذكر الله حتى يقولوا مجنون) و نحو هذا الحديث ان ما اعتاده ال  صوفية من عقد حلق
الذكر و الجهر به في المساجد و رفع الصوت بالتهليل لا كراهة فيه ذكره في فتاواه
الحديثية, قال و قد وردت أخبار تقتضى ندب الجهر بالذكر و أخبار تقتضى الاسرار
به و الجمع بينهما ان ذلك يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص كما جمع النووي
رضي الله عنه به بين الأحاديث الواردة بندب الجهر بالقراءة و الواردة بندب الأسرار
ا انتهى كلامه.
و أما خصوص هذا الصعق و الزعق و الصياح و الاضطراب و التواجد عند
سماع اقوال المغنين و احتباك اصوات الذاكرين جهرًا فلا نطلق القول فيه و إنما نفصل
فإن كان بحق بأن قام للتواجد قومة المضطر الذي استغرته المعانى الالهية الواردة على
قلبه و خاطره في ذلك الوقت, فإنا لا ننكر ذلك و لكن نسلمه لفاعله على أنه ليس
كما ً لا له و الكمال في السكون كما قال ال  شيخ ارسلان رضي الله عنه في رسالته في
علم التوحيد إذا عرفته سكنت و إذا جهلته تحركت و اما إذا كان قيامه و تواجده
مجرد شهوة نفسية بعثته فحركته عمدا و هيمته و اطربته و حملته على فعل ذلك
الصياح و الاضطراب, فهو شيطان مريد يجب منعه و طرده و اخراجه من بين الجماعة
حتى لا يفسد بقية الذاكرين و يشتت قلوم و يزيل خشوعهم و ادم.
فان قال قائل: من اين يعرف المريد المحق من المبطل؟ نقول له من شرب
- ١٣٤ -
الخمرة لابد ان يتقاياها او تنفح رائحتها من فمه و بيان ذلك انا نسأله ما الذي حملك
حتى صحت و زعقت و اضطربت؟ فإن بين معنى الهيًا يحمل ذلك و شرح لنا شيئًا من
المعانى الواردة على قلبه عند ال  سماع بحيث نستدل بالثمرة على الأغصان و بالزهرة
على البستان سلمنا له ذلك و اعتقدنا فيه ال  صلاح.
و اما إذا سألناه فوجدناه من جملة الثيران لا يزيد على قوله همت في محبة ربي
و اهاجنى ذكري حقائق الوجود و هو متعرٍ من كل فضيلة فهو شيطان عنيد يجب
طرده و اخراجه و تأديبه.
و اما إنشاد الأشعار التى تكلم ا العارفون كأشعار ال  شيخ شرف ال  دين ابن
الفارض و ال  شيخ الاكبر ابن العربي و عفيف ال  دين التلمساني( ١) و ال  شيخ عبد الهادي
السودي( ٢) و نحوهم من السادة ال  صوفية رضي الله عنهم فهي جملة المهيجة القلبية الى
الحضرة الإلهية فكل من كان يفهم الحقائق يجوز له سماعها و إنشادها و كل من الهته و
اوقعته في الطرب النفساني و لم ينتفع منها بوارد يرد على قلبه فلا يجوز له سماعها, لأن
سماعه حينئذٍ مجرد لهو و بطالة, كما قال الشاعر:
لقد اسمعت لو ناديت حيًا * و لكن لا حياة لمن تناوي
و يحب علينا ان لا نسيئ الظنون في احد من العالمين ا ّ لا اهر بكفره و
متهتك بفسقه إذا اخبر عن نفسه او اطلعنا عليه من فلتات كلامه و تحققنا عدم فهمه
وعدم تحققه بربه, و الجميع عندنا محمولون على الكمال و لكن هذا مقدار الواجب
علينا في البيان و يجب على كل مسلم ان لا يخون نفسه و يغالطها فإن وجد لها قوة
على المعرفة و الانتفاع بحضور حلق الذكر المشتمل على ال  سماع و الوجد و الإنشاد
فليحضر, و إ ّ لا فاشتغاله بطلب العلوم النافعة اولى كما قال القائل شعرا:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه * و جاوزه إلى ما تستطيع
١) عفيف ال  دين سليمان التلمساني توفي سنة ٦٩٠ ه. [ ١٢٩١ م.] في الشام )
٢) عبد الهادي الحمصي توفي سنة ١١٩٣ ه. [ ١٧٧٩ م.] )
- ١٣٥ -
و ليحذر كل الحذر ان يكون منافقًا في الطريق فإن الناقد بصير (  و اللهُ بِ  ما
.( تعمُلو َ ن  خبِير * البقرة: ٢٣٤
و اما هذا الز  ي المخصوص الذي اتخذه كل فريق من ال  صوفية كلبس
المرقعات و ميازر الصوف و الميلويات فهو امر قصدوا به التبرك بمشايخهم الماضين, فلا
ينهون عنه و لا يؤمرون به فإن غالب ملابس هذا الزمان من هذا القبيل كالعمائم التى
اتخذها الفقهاء و المحدثون و العمائم التي اتخذها العساكر و الجنود و الملابس التى
تتخذها عوام الناس و خواصهم فإنها جميعها مباحة, و ليس فيها شئ يوافق ال  سنة ا ّ لا
القليل و لا نقول اا بدع ايضًا لأن البدعة هى الفعلة المخترعة في ال  دين على خلاف
ما كان عليه الن  بي صّلى الله عليه و سّلم و كانت عليه الصحابة و التابعون رضي الله
عنهم و هذه الهيئات و الملابس و العمائم ليست مبتدعة في ال  دين بل هي مبتدعة في
العادة و لا هي مخالفة للسنة ايضًا على حسب ما عرف الفقهاء ال  سنة باا كل فعلة
فعلها النبي صّلى الله عليه و سّلم على وجه العبادة لا العادة و لم يكن الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم يلبس العمامة على سبيل العبادة و لا لبس الثياب المخصوصة على طريق
العبادة و انما القصد بذلك ستر العورة و دفع اذية الحر و البرد و لهذا ورد عنه لبس
الصوف و القطن و غير ذلك من الثياب العالية و السافلة فليس مخالفته في ذلك مخالفة
سنة و إن كان الاتباع في جميع ذلك افضل لأنه مستحب و الله اعلم بالصواب و اليه
المرجع و المآب و صّلى الله على سيدنا مح  مد و على آله و صحابته اجمعين. آمين.
و كان الفراغ من تصنيفها ار الاربعاء السادس و العشرين من شعبان سنة
اربع و ثمانين بعد الالف ١٠٨٤ من الهجرة النبوية.
و كان الفراغ من كتابتها على يد الفقير مح  مد عمر الدويكي ال  شافعي عفا
( عنهما منتصف صفر المبارك سنة تسع و ثمانين و الف ( ١٠٨٩
- ١٣٦ -
النابلسي – عبدالغني بن اسماعيل بن عبد الغني بن اسماعيل بن أحمد بن
ابراهيم النابلسي الدمشقي العارف بالله الحنفي ال  صوفي النقشبندي القادري ولد
بدمشق سنة ١٠٥٠ و توفي ا سنة ١١٤٣ . من تصانيفه: ابانة النص في مسئلة القص
اي الّلحية. الابتهاج في مناسك الحاج. الابيات النورانية في ملوك الدولة العثمانية.
اتحاف الساري في زيارة ال  شيخ مدرك القزاري. اتحاف من بادر الى حكم النوشادر.
الاجوبة الانسية عن الاسئلة القدسية. الاجوبة البتة عن الاسئلة الستة. الاجوبة المنظومة
عن الاسئلة المعلومة. احترام الخبز و شكر النعمة عليه و عدم اهانته بنحو دوسه
بقدميه. ارشاد المتملي في تبليغ غير المصلي. ازالة الخفا عن حلية المصطفي صّلى الله
عليه و سلم. اسباغ المنة في اار الجنة. اشتباك الاسنة في الجواب عن الفرض و ال  سنة.
اشراق المعالم في احكام المظالم. اطلاق القيود شرح مرآة الوجود. انس الحافر في معنى
من قال انا مؤمن فهو كافر. الانوار الالهية شرح مقدمة السنوسية. انوار السلوك في
اسرار الملوك. انوار الشموس في خطب الدروس. ايضاح الدلالات في سماع الآلات.
ايضاح المقصود من معنى وحدة الوجود. بداية المريد و اية السعيد. بذل الاحسان في
تحقيق معنى الانسان. بذل ال  صلات في بيان ال  صلاة. برهان الثبوت في تبرئة هاروت و
ماروت. بسط الذرا عين بالوصيد في بيان الحقيقة و انجاز في التوحيد. بقية الله خير
بعد الفناء في السير. بغية المكتفي في جواز الخف الحنفي. بواطن القرآن و مواطن
العرفان. تثبت القدمين في سؤال الملكين. تحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي. تحرير
عين الاثبات في تقرير عين الاثبات. تحريك الاقليد في فتح باب التوحيد. تحريك
سلسلة الوداد في مسئلة خلق العباد. تحصيل الاجر في اذان الفجر. تحفة الراكع الساجد
في جواز الاعتكاف في فناء المساجد. تحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية. تحفة الناسك
في بيان المناسك. تحقيق الانتصار في اتفاق الاشعري و الماتريديي على الاختيار. تحفة
الذوق و الرشف في معنى المخالفة الواقعة بين اهل الكشف. تحقيق القضية في الفرق
- ١٣٧ -
بين الرشوة و الهدية. تحقيق معنى المعبود في صورة كل معبود. تحقيق النظر في تحقيق
النظر. تخبير العباد في سكن البلاد. تشحيذ الاذهان في تطهير الادهان. تشريف
التقريب في تتريه القرآن عن التعريب. تطييب النفوس في حكم المقادم و الرؤس. تعطير
الانام في تعبير المنام مطبوع. تفوه الصور شرح عقد ال  درر فيما يفتى به على قول زفر.
تقريب الكلام على الافهام في معنى وحدة الوجود. تكميل النعوت في لزوم الثبوت.
تنبيه الافهام على عدة الحكام. شرح منظومة الحموى. تنبيه من النوم في مواجيد القوم.
تنبيه من يلهو عن صحة الذكر بالاسم هو. توريث المواريث في الدلالة على موضع
الأحاديث في اطراف الكتب السبعة. التوفيق الحّلي بين الاشعري و الحنبلي. توفيق
الرتبة في تحقيق الخطبة. ثواب المدرك لزيارة الست زينب و ال  شيخ مدرك. جمع الاسرار
و منع الاشرار عن الطعن في الصوفية الاخيار. جمع الاشكال و منع الاشكال عن
عبارة تفسير البغوي. الجواب التام عن حقيقة الكلام. الجواب ال  شريف للحضرة
ال  شريفة ان مذهب أبي يوسف و مح  مد هو مذهب أبي حنيفة. الجواب العل  ي عن حال
الو ّ لي. الجواب عن الاسئلة المائة و احدى و ستين. الجواب المعتمد عن سؤالات اهل
صفد. الجواب المنثور و المنظوم عن سؤال المفهوم. جواهر النصوص في حل كلمات
الفصوص. الجوهر الكّلي في شرح عمدة المصّلي. الحاصل في الملك و المحمول في الفلك
في اخلاق النب  وة و الرسالة و الخلافة و الملك. الحديقة الندية شرح الطريقة المح  مدية.
حق اليقين و هداية المتقين. الحقيقة و ااز في رحلة بلاد الشام و مصر و الحجاز.
حلاوة الآلاء في التعبير اجمالا. حّلة الذهب الابريز في رحلة بعلبك و بقاع العزيز.
حلية العاري في صفات الباري. الحوض المورود في زيارة ال  شيخ يوسف و ال  شيخ
محمود. الخضرة الانسية في الرحلة القدسية. خلاصة التحقيق في حكم التقليد و
التلفيق. حمرة بابل و غنية بلابل في الغزليات. خمرة الحان ورنة الالحان. شرح رسالة
ال  شيخ ارسلان. دفع الاختلاف من كلام القاضي و الك  شاف. دفع الايمام و رفع
الايهام في الجواب و السؤال. ديوان الحقائق و ميدان الرقائق. ديوان الالهيات. ديوان
- ١٣٨ -
المدائح المطلقة في المراسلات و الالغاز. ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع
الأحاديث. رائحة الجنة شرح اضاءة الدجنة. ربع الافادات في ربع العبادات. رد
التعنيف على المعنف و اثبات جهل المصنف. رد الجاهل الى الصواب في جواز اضافة
التأثير الى الاسباب. رد الحجج الداحضة على عصبة الغى الرافضة. رد المتين على
المنقص [لعله (منقص)] العارف محيى ال  دين. رد المفتري على الطعن للششتري. الرد
الوفي على جواب الحصكفي في الخف. الرسوخ في مقام ال  شيوخ. رشحات الاقلام
شرح كفاية الغلام. رفع الاشتباه عن علمية اسم الله. رفع الريب عن حضرة الغيب.
رفع الستور عن متعلق الجار و ارور. رفع الضرورة عن ح  ج الصيرورة. رفع العناد
عن حكم التفويض و الاسناد. رفع الكسا عن عبارة البيضاوي في سورة النسا.
ركوب التقييد بالاذعان في وجوب التقليد في الإيمان. رنة النسيم و غنة الرخيم. روض
الانام في بيان الاجازة في المنام. روض المعطار بروائق الاشعار. زبدة الفائدة في الجواب
عن الاسئلة الواردة. زهر الحديقة في ترجمة رجال الطريقة. زيادة البسطة في بيان العلم
نقطة. السائحات النابلسية و السارحات الانسية. السر المختبي في ضريح ابن العربي.
سرعة الانتباه لمسئلة الاشتباه. سلوى النديم و تذكرة العديم. الشمس على جناح الطائر
في مقام الواقف السائر. صدح الحمامة في شروط الامامة. الصراط السوي شرح
ديباجة المثنوي. صرف الاعنة الى عقائد اهل ال  سنة. صرف العنان الى قراءة حفص بن
سليمان. صفوة الاصفياء في بيان الفضيلة بين الانبياء. صفوة الضمير في نصرة الوزير.
الصلح بين الاخوان في حكم اباحة الدخان. الطلعة البدرية في شرح القصيدة المضرية.
طلوع الصباح على خطبة المصباح. الظل الممدود في معنى وحدة الوجود. العبير في
التعبير. عذر الائمة في نصح الامة. العقد النظيم في القدر العظيم. شرح بيت من بردة
المديح. العقود اللؤلؤية في طريق المولوية. علم الملاحة في علم الفلاحة. عيون الامثال
لعديم الامثال. غاية الاجازة في تكرار ال  صلاة على الجنازة. غاية المطلوب في محبة
المحبوب. غيث القبول هما في معنى جعلا له شركاء فيما آتاهما. الغيث المنبجس في
- ١٣٩ -
حكم المصبوغ بالنجس. فتح الاغلاق في مسئلة على الطلاق. الفتح الرباني و الفيض
الرحماني. فتح العين عن الفرق بين التسميتين اعنى المسلمين و النصارى. فتح الكبير
بفتح راء التكبير. فتح المعيد المبدي شرح منظومة سعدي افندي. الفتح المكي و اللمح
الملكي. فتح الكريم الوهاب في العلوم المستفادة من الناى و الشاب. الفتوحات المدنية
في الحضرات المح  مدية. قطرة السماء الوجود و نظرة العلماء الشهود. قلائد الفرائد في
موائد الفوائد في الفروع. قلائد المرجان في عقائد الإيمان. القول الابين في شرح عقيدة
أبي مدين. القول السديد في جواز خلف الوعيد و الرد على الرجل العنيد. القول
القاصم في قراءة حفص عن عاصم. القول المختار في الرد على الجاهل المحتار. القول
المعتبر في بيان النظر. الكتابة العلية على الرسالة الجنبلاطية. كتاب الوجود و الحق و
الخطاب و الصدق. كشف الستر عن فريضة الوتر. كشف ال  سر الغامض شرح ديوان
ابن الفارض. كشف النور عن اصحاب القبور. الكشف عن الاغلاط التسعة من بيت
الساعة. الكشف و التبيان عما يتعلق بالنسيان. كفاية الغلام في اركان الاسلام. كفاية
المستفيد في علم التجويد. الكشف و البيان عن اسرار الاديان. كتر الحق المبين في
أحاديث سيد المرسلين. الكوكب الساري في حقيقة الجزء الاختياري. الكواكب
المشرقة في حكم استعمال المنطقة من الفضة. كوكب الصبح في ازالة القبح. كوكب
المباني و موكب المعاني. شرح صلوات سيدي عبد القادر الكيلاني. كوكب المتلالى
شرح قصيدة الغزالي. الكوكب الوّقاد في حسن الاعتقاد. لطائف الانسية على عقيدة
السنوسية. لمعات الانوار في المقطوع لهم بالجنة و المقطوع لهم بالنار. لمعات البرق
النجدي شرح تجليات محمود افندي. لمعة النور المضيئة شرح الابيات السبعة الزائدة من
الخمرية الفارضية. اللؤلؤ المكنون في حكم الأخبار انما سيكون. االس الشامية في
مواعظ أهل البلاد الرومية. مخرج المتقي و منهج المرتقي. المطالب الوفية شرح الفوائد
السنية. المعارف الغيبية شرح عينية الجيلية. مفاتيح القلوب في علم الحضور و الغيوب.
مفتاح الفتوح في مشكاة الجسم و زجاجة النفس و مصباح الروح. مفتاح المعية شرح
- ١٤٠ -
الرسالة النقشبندية. المقاصد الممحصة في بيان كي الحمصة. المقامات الاسمى في امتزاج
الاسما. مليح البديع في مديح الشفيع بديعية. مناعاة القديم و مناجاة الحكيم. نتيجة
العلوم و نصيحة علماء الرسوم. نخبة المسئلة شرح التحفة المرسلة. نبذة القدمين في
سؤال الملكين. نزهة الواجد في ال  صلاة على الجنازة في المساجد. نسمات الاسحار في
مدح الن  بي المختار. نسيم الربيعي في التجاذب البديعي. النظر المشرف في معنى قول
ال  شيخ عمر بن الفارض عرفت ام لم تعرف. النعم السوابغ في احرام المدني من رابغ.
نفحات الازهار على نسمات الاسحار. النفحات المنتشرة في الجواب عن الاسئلة
العشرة. نفحة القبول في مدحة الرسول. نفخة الصور و نفحة الزهور في شرح قبضة
النور. نقود الصرر شرح عقود ال  درر فيما يفتى به من اقوال الامام زفر للسيد أحمد
الحموي. النوافح الفائحة بروائح الرؤيا الصالحة. نور الافئدة في شرح المرشدة لابي
الليث. اية السول في حلية الرسول صّلى الله عليه و سلم. اية المراد شرح هدية ابن
العماد في الفروع. وسائل التحقيق في رسائل التدقيق في مكاتبات العلمية. هدية الفقير
و تحية الوزير. يوانع الرطب في بدايع الخطب. شرح منظومة القاضي مح  ب ال  دين.
رسالة في تعبير رؤيا سئل عنها. رسالة في جواب سؤال ورد من بيت المقدس. رسالة
في جواب سؤال ورد من م ّ كة المشرفة. رسالة في جواب سؤال ورد من بطريق
النصارى في التوحيد. رسالة في سؤال عن حديث نبوي. رسالة في الحث على الجهاد.
رسالة في حكم المستعير من الحكام. رسالة في حل نكاح المتعة على الشريعة. رسالة في
قوله صّلى الله عيله سلم (من صّلى عل  ي صلاة واحدة صّلى الله عليه عشرًا) رسالة
في كي الحمصة. ( ٢١٤ ) رسالة في معنى بيتين رأت قمر السماء و ذكرتني. و غير
ذلك.
- ١٤١ -
هذه الك  راسة تنوير الحلك
في امكان رؤية الن  بي جهارًا و الملك
لل  شيخ العلامة جلال ال  دين ال  سيوطي رحمه الله تعالى
و نفعنا بعلومه آمين
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى و بعد فقد كثر السؤال عن
رؤية ارباب الاحوال الن  بي صّلى الله عليه و سّلم في اليقظة و ان طائفة من اهل العصر
من لا قدم لهم في العلم بالغوا في انكار ذلك و التعجب منه و ادعوا أنه مستحيل
فألفت هذه الكراسة في ذلك و سميتها (تنوير الحلك في امكان رؤية الن  بي و الملك) و
نبدأ بالحديث ال  صحيح الوارد في ذلك اخرج البخاري و مسلم و أبو داود عن أبي
هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (من رآنى في المنام
فسيرانى في اليقظة و لا يتمثل الشيطان بي) و اخرج الطبراني مثله من حديث ابي
قتادة قال العلماء اختلف في معنى قوله فسيراني في اليقظة فقيل معناه فسيراني في القيامة
و تعقب بأنه لا فائدة في هذا التخصيص لأن كل ُامته يرونه في القيامة من رآه منهم و
من لم يره و قيل المراد من آمن به في حياته و لم يره لكونه غائبًا عنه فيكون مبشرًا له
انه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته و قال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا
ب  د ان يراه بعيني رأسه و قيل بيقين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر بن العربي( ١) و قال
الامام أبو مح  مد بن ابي جمرة في تعليقه على الاحاديث التى انتقاها من البخاري هذا
لحديث يدل على انه من رآه صّلى الله عليه و سّلم في النوم فسيراه في اليقظة و قيل
هذا على عمومه في حياته و بعد مماته او هذا كان في حياته و هل ذلك لكل من رآه
مطلقًا او خاص بمن فيه الاهلية و الاتباع لسنته صّلى الله عليه و سّلم اللفظة تعطى
١) مح  مد أبو بكر ابن العربي المالكي توفي سنة ٥٤٣ ه. [ ١١٤٨ م.] في فاس )
- ١٤٢ -
العموم و من ي  دعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صّلى الله عليه و سّلم فمتعسف قال
و قد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه و قال على ما اعطاه عقله و كيف
يكون من قد مات يراه الحي في عالم الشاهد قال و في هذا القول من المحذور وجهان
خطيران احدهما عدم التصديق بقول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صّلى الله عليه و
سّلم و الثانى الجهل بقدرة القادر و بتحيره كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة و
كيف قال الله تعالى (اضرِبوه بِب  عضِ ها َ ك َ ذلِ  ك يحيِ اللهُ اْل  م  وتى * البقرة: ٧٣ ) و قصة
ابراهيم عليه ال  سلام في الاربع من الطير و قصة عزير عليه ال  سلام فالذى جعل ضرب
الميت ببعض البقرة سببا لحياته و جعل دعاء ابراهيم عليه ال  سلام سببا لإحياء الطيور و
جعل تعجب عزير سببا لموته و موت حماره ثم لإحيائهما بعد مائة سنة فمن قدر على
ذلك قادر على ان يجعل رؤيته صّلى الله عليه و سّلم في النوم سببا لرؤيته صّلى الله عليه
و سّلم في اليقظة و قد ذكر عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم اظنه ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما أنه رأى الن  بي صّلى الله عليه و سّلم في النوم فتذكر هذا الحديث
و بقى يفكر فيه ثم دخل على بعض ازواج الن  بي صّلى الله عليه و سّلم اظنها ميمونة
رضي الله تعالى عنها فقص عليها قصته فقامت و اخرجت له مرآته صّلى الله عليه و
سّلم قال رضي الله تعالى عنه فنظرت في المرآة فرأيت صورة الن  بي صّلى الله عليه و سّلم
و لم ار لنفسي صورًة و قد ذكر عن السلف و الخلف و هلم جرا عن جماعة ممن كانوا
رأوه صّلى الله عليه و سّلم في النوم و كانوا ممن يصدقون هذا الحديث فرأوه بعد ذلك
في اليقظة و سألوه عن اشياء كانوا منها متشوشين فاخبرهم بتفريجها و نص لهم على
الوجوه التى منها يكون فرجة فجاء الامر كذلك بلا زيادة و لا نقص قال و المنكر لهذا
لا يخلو اما أن يصدق بكرامات الأولياء او يكذب ا فإن كان ممن يكذب ا فقد
سقط البحث معه فإنه يكذب ما اثبته ال  سنة بالدلائل الواضحة و إن كان مصدقا ا
فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن اشياء في العالمين العلوي
و السفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى كلام ابن ابي جمرة و قوله ان
- ١٤٣ -
ذلك عام و ليس بخاص بمن فيه الاهلية و الاتباع لسنته صّلى الله عليه و سّلم مراده
وقوع الرؤية الموعود ا في اليقظة على الرؤية في المنام و لو مرًة واحدًة تحقيقًا لوعده
ال  شريف الذي لا يخلف و اكثر ما يقع ذلك للعامة قبل الموت عند الاحتضار فلا تخرج
روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده و اما غيرهم فتحصل لهم الرؤية في طول
حيام اما كثيرا و اما قليلا بحسب اجتهادهم و محافظتهم على ال  سنة و الاخلال بالسنة
مانع كبير و اخرج مسلم في صحيحه عن مطرف قال قال لي عمران بن حصين رضي
الله عنه قد كان يسلم عل  ي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد و اخرج مسلم من
وجه آخر عن مطرف قال بعث الى عمران بن حصين رضي الله عنه في مرضه الذي
توفي فيه فقال اني محدثك فإن عش  ت فاكتم عني و ان مت فحدث ا ان شئت أنه قد
سلم قال النووي في شرح مسلم معنى الحديث الاول ان عمران بن حصين رضي الله
عنه كانت به بواسير فكان يصبر على ألمها و كانت الملائكة تسّلم عليه و اكتوى
فانقطع سلامهم ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه قال و قوله في الحديث الثانى فإن
عش  ت فاكتم عني اراد به الاخبار بالسلام عليه لانه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته
لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت و قال القرطبي( ١) في شرح مسلم يعني
ان الملائكة كانت تسلم عليه اكرامًا له و احترامًا الى أن اكتوى فتركت ال  سلام عليه
ففيه اثبات كرامات الأولياء و اخرج الحاكم في المستدرك( ٢) و ص  ححه من طريق
مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال اعلم يا مطرف إنه كان
يسلم عل  ي الملائكة عند رأسي و عند البيت و عند باب الحجرة فلما اكتويت ذهب
ذاك قال فلما برأ كلمه قال اعلم يا مطرف أنه عاد ا ّ لي الذي اكتم عل  ي حتى اموت
فانظر كيف حجب عمران عن سماع تسليم اْلملائكة لكونه اكتوى مع شدة الضرورة
الى ذلك لأن الك  ي خلاف ال  سنة قال البيهقي( ٣) في شعب الإيمان لو كان النهي عن
١) ابو العباس أحمد القرطبي توفي سنة ٦٥٦ ه. [ ١٢٥٨ م.] )
٢) مح  مد الحاكم النيشاپوري توفي سنة ٤٠٥ ه. [ ١٠١٤ م.] )
٣) أحمد البيهقي ال  شافعي توفي سنة ٤٥٨ ه. [ ١٠٦٦ م.] في نيشاپور )
- ١٤٤ -
الك  ي على طريق التحريم لم يكتو عمران رضي الله عنه مع علمه بالنهي غير أنه ركب
المكروه ففارقه ملك كان يسلم عليه فحزن على ذلك و قال هذا القول ثم قد قدر و
كأنه عاد اليه قبل موته انتهى و قال ابن الاثير( ١) في النهاية يعني ان الملائكة كانت
تسلم عليه فلما اكتوى لسبب مرضه تركوا ال  سلام عليه لأن الكي يقدح في التوكل و
التسليم الى الله تعالى و الصبر على ما يبتلى العبد و طلب الشفاء من عنده و ليس ذلك
قادحًا في جواز الكي و لكنه قادح في التوكل و هو درجة عالية وراء مباشرة الاسباب
و اخرج ابن سعد في الطبقات عن قتادة ان الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين
رضي الله عنه حتى اكتوى فتخت و اخرج ابو نعيم في الدلائل عن يحيى بن سعيد
القطان قال ما قدم علينا البصرة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اجمعين افضل من
عمران بن حصين رضي الله عنه أتت عليه الملائكة ثلاثون سنة تسّلم عليه من جوانب
بيته و اخرج الترمذى في تأريخه و ابو نعيم و البيهقي في دلائل النب  وة عن عدالة قال
كان عمران بن حصين رضي الله عنه يأمرنا ان نكنس الدار و نسمع ال  سلام عليكم
ال  سلام عليكم و لا نرى احدًا قال الترمذى هذا تسليم الملائكة و قال ح  جة الاسلام
ابو حامد الغزالي في كتاب المنقذ من ال  ضلال ثم انني لما فرغت من العلوم اقبلت متى
على طريق ال  صوفية و القدر الذي اذكره لينتفع به انني علمت يقينًا ان ال  صوفية هم
السالكون لطريق الله تعالى و ان سيرهم و سيرم احسن السير و السير و طريقتهم
احسن الطريق و اخلاقهم أزكى الاخلاق بل لو جمع عقول العقلاء و حكمة الحكماء
و علم الواقفين على اسرار ال  شرع من العلماء ليغيروا شيئًا من سيرهم و اخلاقهم و
يبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا الى ذلك سبيلا فإن جميع حركام و سكنام في
ظواهرهم و بواطنهم متلبسة من نور مشكاة النب  وة و ليس وراء انوار النب  وة على وجه
الارض نور يستضاء به الى ان قال حتى أنهم و هم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و
ارواح الانبياء و يسمعون منهم اصواتًا و يقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من
١) ابن الاثير عز ال  دين علي الجزري توفي سنة ٦٣٠ ه. [ ١٢٣٣ م.] في الموصل )
- ١٤٥ -
مشاهدة الصور و الامثال الى درجات يضيق عنها نطاق النطق هذا كلام الغزالي و قال
تلميذه القاضي ابو بكر بن العربي احد الأئمة المالكية في كتابه قانون التأويل ذهبت
ال  صوفية الى أنه اذا حصل للانسان طهارة النفس و تزكية القلب و قطع العلائق و
حسم مواد اسباب الدنيا من الجان و المال و الخلطة بالجنس و الاقبال على الله تعالى
بالكلية علمًا دائمًا و عم ً لا مستمرًا كشفت له القلوب و رأى الملائكة و سمع اقوالهم و
اطلع على ارواح الانبياء و سمع كلامهم قال ابن العربي من عنده و رؤية الانبياء و
الملائكة و سماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامًة و للكافر عقوبًة قال ال  شيخ عز ال  دين بن
عبد ال  سلام( ١) في القواعد الكبرى و قال ابن الحاج( ٢) في المدخل رؤية الن  بي صّلى الله
عليه و سّلم في اليقظة باب ضيق و قل من يقع له ذلك الا من كان على صفة عزيز
وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبا مع اننا لا ننكر من يقع له هذا من الاكابر
الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم و بواطنهم قال و قد انكر بعض علماء الظاهر
رؤية الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم في اليقظة و علل ذلك بأن قال العين الفانية لا
ترى العين الباقية و الن  بي صّلى الله عليه و سّلم في دار البقاء و الرائي في دار الفناء و قد
كان سيدى ابو مح  مد بن ابي جمرة يح ّ ل هذا الاشكال و يرده بأن المؤمن إذا مات يرى
الله تعالى و هو لا يموت و الواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة انتهى و قال
القاضي شرف ال  دين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي في كتاب الاعتقاد الانبياء عليهم
ال  سلام بعد ما قبضوا ردت اليهم ارواحهم فهم أحياء عند رم كالشهداء و قد رأى
نبينا صّلى الله عليه و سّلم جماعة منهم و اخبره و خبره صدق ان صلواتنا معروضة
عليه و ان سلامنا يبلغه و ان الله تعالى حرم على الارض ان تأكل لحوم الانبياء عليهم
ال  سلام قال البارزي و قد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا و قبله أنهم رأوا الن  بي
صّلى الله عليه و سّلم في اليقظة حيًا بعد وفاته قال و قد ذكر ذلك ال  شيخ الامام شيخ
١) عز ال  دين بن عبد ال  سلام توفي سنة ٦٦٠ ه. [ ١٢٦٢ م.] )
٢) ابن الحاج مح  مد المالكي توفي سنة ٧٣٧ ه. [ ١٣٣٧ م.] )
- ١٤٦ -
الاسلام أبو البيان نباء بن مح  مد بن محفوظ الدمشقي( ١) في نظيمته انتهى و قال ال  شيخ
اكمل ال  دين البابرتي الحنفي( ٢) في شرح المشارق في حديث من رآني الاجتماع
بالشخصين يقظة و مناما لحصول مائية الاتحاد و له خمسة اصول كلية الاشتراك في
الذات او في صفة فصاعدا او في حال فصاعدا او في الأفعال او في المراتب و كل ما
يتعقل من المناسبة بين شيئين او اشياء لا يخرج عن هذه الخمسة و بحسب قوته على ما
به الاختلاف و ضعفه يكثر الاجتماع و يقل و قد يقوى على ضده فتقوى المحبة بحيث
يكاد الشخصان لا يفترقان و قد يكون بالعكس و من حصل الاصول الخمسة و ثبتت
المناسبة بينه و بين ارواح الكمل الماضين اجتمع م متى شاء و قال ال  شيخ صف  ي ال  دين
ابن ابي المنصور في رسالته و ال  شيخ عفيف ال  دين اليافعي في روض الرياحين قال ال  شيخ
الكبير قدوة ال  شيوخ العارفين و بركة اهل زمانه أبو عبد الله القرشي لما جاء الغلاء
الكبير الى ديار مصر توجهت لأن ادعو فقيل لي لا تدع فما يسمع لاحد منكم في هذا
الامر دعاء فسافرت الى الشام فلما قربت الى خريج الخليل عليه ال  سلام تلقاني الخليل
فقلت يا رسول الله اجعل ضيافتى عندك الدعاء لاهل مصر فدعا لهم ففرج الله تعالى
عنهم قال اليافعي و قوله تلقاني الخليل قول حق لا ينكره الا جاهل بمعرفة ما يرد
عليهم من الاحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماء و الارض و ينظرون الانبياء
أحياء غير أموات كما نظر الن  بي صّلى الله عليه و سّلم الى موسى عليه ال  سلام في
الارض و نظره ايضًا في السماء هو و جماعة من الانبياء في ال  سموات و سمع منهم
مخاطبات و قد تقرر ان ما جاز للانبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم
التحدي خاتمة اخرج أحمد في مسنده و الخرائطي في مكارم الاخلاق من طريق أبي
العالية عن رجل من الانصار قال خرجت من اهلي اريد الن  بي صّلى الله عليه و سّلم
فإذا به قائم و رجل معه مقبل عليه و ظننت ان لهما حاجة قال الانصاري لقد قام
١) نباء بن مح  مد ابن الحوراني توفي سنة ٥٥١ ه. [ ١١٥٦ م.] في الشام )
٢) مح  مد البابرتي توفي سنة ٧٨٦ ه. [ ١٣٨٤ م.] )
- ١٤٧ -
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم حتى جعلت ارثي له من طول القيام فلما انصرف
قلت يا رسول الله لقد قام بك هذ الرجل حتى جعلت ارثي لك من طول القيام قال
صّلى الله عليه و سّلم (و لقد رأيته) قلت نعم قال صّلى الله عليه و سّلم (أتدري من
هو) قلت لا قال صّلى الله عليه و سّلم (ذلك جبرئيل ما زال يوصيني بالجار حتى
ظننت أنه سيورثه) ثم قال صّلى الله عليه و سّلم (اما انك لو سّلمت ر  د عليك
ال  سلام) و اخرج المدني في المعرفة عن تميم بن سلمة رضي الله تعالى عنه قال بينا انا
عند الن  بي صّلى الله عليه و سّلم إذا انصرف من عنده رجل فنظرت اليه مو ً لى معتمًا
بعمامة قد ارسلها من ورائه قلت يا رسول الله من هذا قال (هذا جبرئيل) و اخرج
أحمد و الطبراني و البيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه قال
مررت على رسول الله صّلى الله عليه و سّلم و معه جبرئيل عليه ال  سلام فسّلمت
عليهما و مررت فلما رجعا و انصرف الن  بي صّلى الله عليه و سّلم قال (هل رأيت
الذي كان معي) قلت نعم قال صّلى الله عليه و سّلم (فإنه جبرئيل و قد ر  د عليك
ال  سلام) و اخرج ابن سعد عن حارثة رضي الله تعالى عنه قال رأيت جبرئيل من الدهر
مرتين و اخرج أحمد و البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنت مع ابي
عند رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم و عنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن
ابي فخرجنا فقال لي ابي يا بني الم تر الى ابن عمك كالمعرض عني قلت يا ابت إنه كان
عنده رجل يناجيه فرجع فقال يا رسول الله قلت لعبد الله كذا و كذا فقال إنه كان
عندك رجل يناجيك فهل كان عندك احد قال (فهل رأيت يا عبد الله) قلت نعم قال
(ذلك جبرئيل هو الذي منعني عنك) و اخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما قال رأيت جبرئيل مرتين و اخرج الطبراني و البيهقي و الضباء في المختارة قال
عاد رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم رج ً لا من الانصار فلما دنى من مترله سمعه
يتكلم في الداخل فلما وصل لم ير احدا فقال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
(من كنت تتكلم) قال يا رسول الله دخل عل  ي داخل ما رأيت رج ً لا قط بعدك اكرم
- ١٤٨ -
مجلسا و لا احسن حديثا منه قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ذلك جبرئيل و ان
منكم لرجالا لو ان احدهم يقسم على الله لاب  ره) و قال ال  شيخ سراج ال  دين بن
الملقن( ١) في طبقات الأولياء قال ال  شيخ عبد القادر الكيلاني رأيت رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم قبل الظهر فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا ابتاه انا رجل اعجم
كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعًا فقال تكلم على
الناس و ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة فصليت الظهر و جلست و
حضرني خلق كثير فارت  ج عل  ي فرأيت عليا رضي الله تعالى عنه قائمًا بإزائي في الس
فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا ابتاه قد ارتج عل  ي فقال افتح فاك قال ففتحته فتفل
فيه ستًا فقلت لم لا تكملها سبعًا قال ادبا مع رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم ثم
توارى عني فقلت غواص من الفكر يغوص في بحر القلب على ذ  ر العارفين فيخرجها
الى ساحل الصدر فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشتري بنفائس اثمان حسن
الطاعة في بيوت اذن الله ان نرفع و قال ايضًا في ترجمة ال  شيخ خليفة بن موسى
الهذيلكي كان كثير الرؤية لرسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم يقظة و مناما و كان
يقال ان اكثر افعاله متلقاة منه صّلى الله تعالى عليه و سّلم بأمر منه اما يقظة و اما مناما
ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في احداهن يا خليفة لا تضجر منى كثير
من الأولياء مات بحسرة رؤيتى و قال الكمال الادفوى في الطالع السعيد في ترجمة
الصفي ابن عبد الله مح  مد بن يحيى الاسواني نزيل اخميم من اصحاب ابي يحيى بن شافعي
كان مشهورا بال  صلاح و له مكاشفات و كرامات كتب عنه ابن دقيق العيد و ابن
النعمان و القطب القسطلاني و كان يذكر أنه يرى الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و
يجتمع به و قال ال  شيخ عبد الغّفار بن نوح القوصي في كتابه الوحيد من اصحاب
ال  شيخ ابي يحيى ابي عبد الله الاسواني المقيم باخميم كان يخبر انه يرى الن  بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم في كل ساعة حتى لا يكاد يكون ساعًة الا و يخبر عنه ساعًة و قال
١) ابن الملقن سراج ال  دين عمر توفي سنة ٨٠٤ ه. [ ١٤٠١ م.] )
- ١٤٩ -
في الوحيد ايضًا كان للشيخ ابي العباس المرسي( ١) وصلة بالن  بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم إذا سّلم على الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم رد عليه ال  سلام و يجاوبه إذا تحدث
معه و قال ال  شيخ تاج ال  دين بن عطاء الله( ٢) في لطائف المنن قال رجل للشيخ ابي
العباس المرسي يا سيدي صافحني بكفك هذه فانك لقيت رجا ً لا و بلادا فقال و الله ما
صافحت بكفي هذه الا رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم و قال ال  شيخ لو حجب
عني رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين و
قال ال  شيخ صف  ي ال  دين بن ابي المنصور في رسالته و ال  شيخ عبد الغّفار في الوحيد حكي
عن ال  شيخ ابي الحسن الوناني قال اخبرني ال  شيخ أبو العباس الطبخي قال وردت على
سيدى أحمد بن الرفاعي فقال ما انا شيخك شيخك عبد الرحيم بقنا قال فسافرت بقنا
فدخلت على ال  شيخ عبد الرحيم فقال لي عرفت رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
قلت لا قال  ر  ح الى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
فرح  ت الى بيت المقدس فحين وضعت رجلي و إذا بالسماء و الارض و العرش و
الكرسي مملؤة من رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فرجعت الى ال  شيخ فقال لي
عرفت رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم قلت نعم قال الآن ك  ملْ  ت طريقتك لم
تكن الاقطاب اقطابًا و الاوتاد اوتادا و الأولياء أولياء ا ّ لا بمعرفة رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم و قال في الوحيد و ممن رأيته بمكة ال  شيخ عبد الله الد ّ لاصى اخبرني
أنه لم تصح له صلوة في عمره ا ّ لا صلوة واحدة قال و ذلك إني كنت بالمسجد الحرام
في صلوة الصبح فلما احرم الامام و احرمت اخذتني أخذٌة فرأيت رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم يصلي إماما و خلفه العشرة فصليت معهم و كان ذلك في سنة ثلث
و سبعين و ستمائة فقرأ رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم في الركعة الاولى سورة
المدثر و في الثانية عم يتساءلون فلما سّلم دعا ذا الدعاء (اللهم اجعلنا هداة مهديين
١) ابو العباس احمد المرسي المالكي ال  شاذلي توفي سنة ٦٨٦ ه. [ ١٢٨٧ م.] في الاسكندرية )
٢) تاج ال  دين أحمد بن عطاء الله المالكي ال  شاذلي توفي سنة ٧٠٩ ه. [ ١٣٠٩ م.] في مصر )
- ١٥٠ -
غير ضالين و لا مضّلين لا طمعا في ب  رك و لا رغبة فيما عندك لأن لك المنة علينا
بايجادنا قبل ان لم نكن فلك الحمد على ذلك لا اله الا انت) فلما فرغ رسول الله
صّلى الله تعالى عليه و سلم سّلم الامام فعقلت تسليمه فسّلمت و قال ال  شيخ صف  ي
ال  دين في رسالته قال لي ال  شيخ ابو العباس الحرار دخلت على الن  بي صّلى الله تعالى عليه
و سّلم فوجدته يكتب مناشير للاولياء بالولاية و كتب لأخى مح  مد منهم منشورا قال
و كان اخو ال  شيخ كبيرا في الولاية كان على وجهه نور لا يخفى على احد انه و ّ لي
فسألنا ال  شيخ عن ذلك فقال نفخ الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم في وجهه فاثرت
النفخة هذا النور قال ال  شيخ صف  ي ال  دين و رأيت ال  شيخ الكبير ابا عبد الله القرطبي
اجل اصحاب ال  شيخ القرشي و كان اكثر اقامته بالمدينة النبوية و كان له بالن  بي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم وصلة و اجوبة و رد سلام و  حمله رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم رسالة للملك الكامل و توجه ا الى مصر و اداها و عاد الى المدينة قال و
ممن رأيت بمصر ال  شيخ ابو العباس القسطلاني اخص اصحاب ال  شيخ القرشي زاهدا
مصر في وقته و كان اكثر اوقاته في آخر عمره بمكة فقال أنه دخل مرة على الن  بي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم فقال له الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم (اخذ الله بيدك يا
أحمد) و قال اليافعي في روض الرياحين اخبر في بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة
و الانبياء و الأولياء و اكثر ما يراهم ليلة الجمعة و كذلك ليلة الاثنين و ليلة الخميس
فع  دد لي جماعة كثيرة من الانبياء و ذكر أنه يرى كل واحد منهم في موضع معين
يجلس فيحول الكعبة و يجلس معه اتباعه من اهله و قرابته و اصحابه و ذكر ان نبينا
صّلى الله تعالى عليه و سّلم يجتمع معه من أولياء الله خلق كثير لا يحصى عددهم ا ّ لا
الله تعالى و لم يجتمع على سائر الانبياء كذلك و ذكر ان ابراهيم و اولاده عليهم
ال  سلام يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف و موسى و جماعة من الانبياء
بين الركنين اليمانيين و عيسى و جماعة منهم في جهة الحجر و نبينا جالس عند الركن
اليماني مع اهل بيته و اصحابه و أولياء امته انتهى و حكي عن بعض الأولياء أنه حضر
- ١٥١ -
مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثا فقال له الو ّ لي هذا الحديث باطل فقال له الفقيه و
من اين لك هذا فقال هذا الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم واقف على رأسك يقول
إني لم اقل هذا الحديث و كشف للفقيه فرآه و في كتاب المخ الالهية في مناقب السادة
الوفائية لأبن فارس( ١) قال سمعت سيدي عليا يقول كنت و انا ابن خمس سنين اقرأ
القرآن على رجل يقال له ال  شيخ يعقوب فأتيته يومًا فرأيت الن  بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم يقظة لا مناما و عليه قميص ابيض قطن ثم رأيت القميص عل  ي فقال لي اقرأ
فقرأت عليه سورة و الضحى و الم نشرح لك ثم غاب عني فلما ان بلغت احدى و
عشرين سنة احرمت بصلوة الصبح بالقرافة فرأيته صّلى الله تعالى عليه و سّلم قبالة
وجهي فعانقني و قال لي (و اما بنعمة ربك فحدث) فاوتيت لسانه من ذلك الوقت
انتهى و في بعض ااميع ح  ج سيدى أحمد الرفاعي( ٢) فلما وقف تجاه الحجرة ال  شريفة
انشد شعر:
في حالة البعد روحي كنت ارسله * تقبل الارض عني فهي نائبتي
و هذه نوبة الاشباح قد حضرت * امدد يمينك كي تحظي به شفتي
فخرجت اليد ال  شريفة من القبر ال  شريف فقبلها و في معجم ال  شيخ برهان
ال  دين البقاعي حدثني الامام أبو الفضل بن أبي الفضل النويري ان السيد نور ال  دين
الأسجبيني والد ال  شريف عفيف ال  دين لما ورد الى الروضة ال  شريفة و قال ال  سلام عليك
ايها الن  بي و رحمة الله و بركاته سمع من كان بحضرته قائ ً لا من القبر و عليك ال  سلام يا
ولدي و قال الحافظ مح  ب ال  دين بن النجار( ٣) في تاريخه اخبرني أبو أحمد داود بن علي
بن محمد بن هبة الله بن المسلمة انا ابوالفرج المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور قال
حكى شيخنا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن مح  مد بن أبي سعيد ال  صوفي
١) أحمد بن فارس الرازي المالكي توفي سنة ٣٩٥ ه. [ ١٠٠٥ م.] )
٢) السيد أحمد الرفاعي توفي سنة ٥٧٨ ه. [ ١١٨٢ م.] في القاهرة )
٣) مح  مد ابن النجار توفي سنة ٦٤٣ ه. [ ١٢٤٥ م.] )
- ١٥٢ -
الكرخي قال حججت و زرت الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فبينا انا جالس عند
الحجرة إذ دخل ال  شيخ أبو بكر الدياربكري و وقف بإزاء وجه الن  بي صّلى الله تعالى
عليه و سّلم و قال ال  سلام عليك يا رسول الله فسمعت صوتا من داخل الحجرة و
عليك ال  سلام يا ابا بكر و سمعه من حضر و في كتاب (مصباح الظلام في المستغيثين
بخير الانام) للامام شمس ال  دين مح  مد بن موسى بن النعمان( ١) قال سمعت يوسف بن
عل  ي الرقاشي يحكي عن إمرأة هاشمية كانت مجاورة بالمدينة و كان بعض الخ  دام يؤذيها
قالت فاستغثت بالن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فسمعت قائلا من الروضة أما لك في
اسوة فاصبري كما صبرت او نحو هذا قالت فزال عني ما كنت فيه و مات الخ  دام
الثلاثة الذين كانوا يؤذوننى و قال ابن السمعاني في كتاب الدلائل انا أبو بكر هبة الله
بن الفرج انا أبو القاسم يوسف بن مح  مد بن يوسف الخطيب انا أبو القاسم عبد
الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب ثنا عل  ي بن ابراهيم بن علان انا عل  ي بن مح  مد بن على
ثنا أحمد بن الهيثم الطائي حدثني أبي عن ابيه ابن سلمة بن كعسل عن أبي صادق عن
عل  ي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال قدم علينا اعرابي بعد ما دفنا رسول الله
صّلى الله تعالى عليه و سّلم بثلاثة ايام فرمى بنفسه على قبر الن  بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم و حثا من ترابه على رأسه و قال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك و وعيت عن
الله تعالى فوعينا عنك و كان فيما انزل الله تعالى عليك (  و َل  و َان  ه  م اِ ْ ذ َ ظَلموا َانفُ  سهم
( جآؤ  ك فَاستغَفروا اللهَ  و استغَف  ر َلهم ال  ر  سو ُ ل َل  و  جدوا اللهَ ت  وابا  رحِيما * النساء: ٦٤
و قد ظلمت نفسي و جئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك ثم رأيت في
كتاب مزيل الشبهات في اثبات الكرامات للامام عماد ال  دين بن اسماعيل بن هبة الله
بن باطيش( ٢) ما ن  صه و من الدليل على اثبات الكرامات آثار منقولة عن الصحابة و
التابعين فمن بعدهم منهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال لعائشة لما حضرته
١) مح  مد بن موسى المراكشي توفي سنة ٦٨٣ ه. [ ١٢٨٤ م.] )
٢) عماد ال  دين اسماعيل الموصلي توفي سنة ٦٥٥ ه. [ ١٢٥٧ م.] )
- ١٥٣ -
الوفاة انما هما اخواك و اختاك قالت رضي الله تعالى عنها هذان أخواي مح  مد و عبد
الرحمن فمن اختاى فليس لي ا ّ لا اسماء فقال رضي الله تعالى عنه زوابط ابنة خارجة و
قد القى في روعى اا جارية فولدت ام كلثوم و منهم عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه في قصة سارية حيث نادى و هو في الخطبة يا سارية الجبل الجبل فاسمع الله
تعالى سارية كلامه و هو بنهاوند و قصته مع نيل مصر و مراسلته اياه و جريانه بعد
انقطاعه و منهم عثمان بن عفان قال عبد الله بن سلام اتيت عثمان رضي الله تعالى
عنه لاسلمه عليه و هو محصور فقال مرحبًا يا صبي رأيت رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم من هذه الخوخة [الخوخة ك  وة في الجدار تؤدي الضوء] فقال يا عثمان
حصروك قلت نعم قال ع ّ طشوك قلت نعم فادلى لي دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت
حتى اني لأجد برده بين ثدي  ي و بين كتف  ي فقال ان شئت نصرت عليهم و ان شئت
افطرت عندنا فاخترت ان افطر عنده صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقتل ذلك اليوم
انتهى و هذه القصة مشهورة عن عثمان رضي الله تعالى عنه مخرجة في كتب الحديث
اخرجها ابن أبي اسامة في مسنده و غيره و قد فهم المصنف منها اا رؤية يقظة و ا ّ لا
لم يصلح ع  دها في الكرامات و لا ينكرها من ينكر كرامات الأولياء و مما ذكره ابن
( باطيش في هذا الكتاب قال و منهم أبو الحسين مح  مد بن سمعون البغدادي الصوفي( ١
قال أبو طاهر محمد بن علي العلاة حضرت ابا الحسين بن سمعون يومًا في مجلس الوعظ
و هو جالس على كرسيه يتكلم و كان أبو الفتح القواس جالسا الى جنب الكرسي
فغشيه النعاس و نام فامسك أبوالحسين ساعًة عن الكلام حتى استيقظ أبو الفتح و رفع
رأسه فقال له أبوالحسين رأي  ت الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم في نومك قال نعم قال
أبوالحسين لذلك امسكت عن الكلام خوفا ان تترع و ينقطع ما كنت فيه انتهى فهذا
يشعر بأن ابن سمعون رأى الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم يقظة لما حضر و رآه أبو
الفتح في نومه و قال أبوبكر بن أبي أبيض في جزئه سمعت ابا الحسين نبأنا الجمال يقول
١) مح  مد ابن سمعون توفي سنة ٣٨٧ ه. [ ٩٩٧ م.] في بغداد )
- ١٥٤ -
حدثني بعض اصحابنا قال بم ّ كة رجل يعرف بابن ثابت قد خرج من م ّ كة الى المدينة
ستين سنة ليس الا لل  سلام على رسول الله صّلى الله تعالى عليه وسّلم ويرجع فلما كان
بعض السنين تخلف لشغل او سبب فقال بينا هو قاعد في الحجر بين النائم و اليقظان
اذ رأى الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و هو يقول أيا ابن ثابت لم تزرنا فزرناك.
تنبيهات: الاول اكثر ما يقع رؤية الن  بي صّلى الله تعالى عليه وسّلم في اليقظة
بالقلب ثم يترّقى الى ان يرى بالبصر و قد تقدم الامر ان في كلام القاضي أبي بكر بن
العربي لكن ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض
و انما هى جمعية حالية و حالة برزخية و امر وجدا ّ ني لا يدرك حقيقته ا ّ لا من باشره و
قد تقدم عن ال  شيخ عبد الله الدلاصي فلما احرم الامام احرمت اخذتني اخذة فرأيت
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فاشار بقوله اخذتني اخذة الى هذه الحال.
الثاني هل الرؤية لذات المصطفى صّلى الله تعالى عليه و سّلم بجسمه و روحه
او لمثاله الذين رأيتهم من ارباب الاحوال يقولون بالن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و
به صرح الغزالي فقال ليس المراد أنه يرى جسمه و بدنه بل مثا ً لا له صادق بذلك المثال
آلة تكون تارة حقيقية و تارة تكون خيالية و النفس غير المثال المتخيل فما رآه من
الشكل ليس هو روح المصطفى و لا شخصه بل هو مثال له على التحقيق قال و مثل
ذلك من يرى الله تعالى في المنام فإن ذاته مترهة عن الشكل و الصورة و لكن منتهى
تعريفاته الى العبد بواسطة مثال محسوس من نور او غيره و يكون ذلك المثال حقًا في
كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله في المنام لا يعني اني رأيت ذات الله
تعالى كما يقول في حق غيره انتهى و ف  صل القاضي أبو بكر بن العربي فقال رؤية الن  بي
صّلى الله تعالى عليه و سّلم بصفته المعلومة ادراك على الحقيقة و رؤيته على غير صفته
ادراك للمثال و هذا الذي قاله في غاية الحسن و لا يمتنع رؤية ذاته ال  شريف بجسده و
روحه و ذلك لانه صّلى الله تعالى عليه و سّلم و سائر الانبياء عليهم ال  سلام أحياء
ردت اليهم ارواحهم بعد ما قبضوا و اذن لهم في الخروج من قبورهم و التصرف في
- ١٥٥ -
الملكوت العلوي و السفلي و قد اّلف البيهقي جزء في حياة الانبياء و قال في دلائل
النب  وة الانبياء أحياء عند رم كالشهداء و قال الاستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر
البغدادي( ١) المتكلمون المحققون من اصحابنا ان نبينا صّلى الله تعالى عليه و سّلم ح  ي
بعد وفاته و أنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم يبشر بطاعات امته و يحزن بمعاصى العصاة
منهم و أنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم يبلغه صلوة من يصّلي عليه من امته و قال ان
الانبياء عليهم ال  صلاة و ال  سلام لا يبلون و لا تأكل الارض منهم شيئًا و قد مات
موسى عليه ال  سلام في زمانه و اخبر نبينا صّلى الله تعالى عليه و سّلم أنه رآه في قبره
مصّليا و ذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة و رأى آدم و ابراهيم و إذا
صح لنا هذا الاصل قلنا نبينا صّلى الله تعالى عليه و سّلم قد صار حيًا بعد وفاته و هو
على نب  وته انتهى قال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة عن شيخه الموت ليس
بعدم محض و انما هو انتقال من حال الى حال و يدل على ذلك ان الشهداء بعد قتلهم
و موم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين و هذه صفة الأحياء في ال  دنيا و إذا كان هذا
في الشهداء فالانبياء احق بذلك و قد صح ان الارض لا تأكل اجساد الانبياء عليهم
ال  سلام و أنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم اجتمع بالانبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس و
في السماء و رأى موسى عليه ال  سلام قائما يصّلي في قبره و اخبر صّلى الله تعالى عليه
و سّلم أنه يرد ال  سلام على كل من يسلم عليه الى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع
بأن موت الانبياء عليهم ال  سلام انما هو راجع الى ان غيبوا عنا بحيث لا ندركهم و ان
كانوا موجودين أحياء و لا يراهم احد من نوعنا ا ّ لا من خ  صه الله تعالى بكرامته انتهى
و اخرج أبو يعلى في مسنده و البيهقي في كتاب حياة الانبياء عليهم ال  سلام عن انس
رضي الله تعالى عنه ان الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (الانبياء أحياء في قبورهم
يصّلون) و اخرج البيهقي عن انس رضي الله تعالى عنه عن الن  بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم قال (إ ّ ن الانبياء لا يتركون في قبورهم بعد اربعين ليلة و لكنهم يصّلون بين
١) أبو منصور عبد القاهر ال  شافعي توفي سنة ٤٢٩ ه. [ ١٠٣٨ م.] في اسفرائين )
- ١٥٦ -
يدى الله حتى ينفخ في ال  صور) و روى سفيان في الجامع قال قال شيخ لنا عن سعيد
بن المسيب قال ما مكث ن  بي في قبره اكثر من اربعين ليلة حتى يرفع قال البيهقي فعلى
هذا يصيرون كسائر الأحياء حيث يترلهم الله تعالى و روى عبد الرزاق في مصنفه عن
الثوري عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب قال ما مكث ن  بي في الارض اكثر من
اربعين يومًا و أبو المقدام عن ثابت بن هرمز الكوفي شيخ صالح و اخرج أبن حبان في
تأريخه و الطبراني في الكبير و أبو نعيم في الحلية عن انس رضي الله تعالى عنه قال قال
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ما من ن  بي يموت فيقيم في قبره ا ّ لا اربعين
صباحًا) و قال امام الحرمين في النهاية و الرافعي في الشرح روي ان الن  بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم قال (انا اكرم على ربي من ان يتركنى في قبري بعد ثلث) زاد امام
الحرمين و روى اكثر من يومين و ذكر أبو الحسن بن الراغوتي الحنبلي في بعض كتبه
حديث (إ ّ ن الله لا يترك نبيا في قبره اكثر من نصف يوم) و قال الامام بدر ال  دين بن
الصاحب في تذكرته فصل في حياته صّلى الله تعالى عليه و سّلم بعد موته في البرزخ و
قد د ّ ل على ذلك تصريح الشارع و ايماؤه و من القرآن قوله تعالى (  و َ لا تح  سب  ن
( الَّذِي  ن قُتِلُوا فِي  سبِيلِ اللهِ َا  م  واتا ب ْ ل َاحيآءٌ عِن  د  ربهِم يرزُقو َ ن * آل عمران: ١٦٩
فهذه الحالة و هي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد هذه الامة من السعداء و
حالهم اعلى و افضل ممن يكون له هذه الرتبة لا سيما في البرزخ و لا يكون رتبة أحد
من الامة اعلى من رتبة الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم بل انما حصل لهم هذه الرتبة
ببركته و تبعيته و اتصافًا بما استحقوا هذه الرتبة بالشهادة و الشهادة حاصلة للنبي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم على اتم الوجوه و قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (مررت على
موسى ليلة اسرى بي عند الكثيب الاحمر و هو قائم يصّلي في قبره) و هذا صريح في
اثبات لحياة لموسى عليه ال  سلام فإنه وصفه بالصلوة و إنه كان قائما و مثل هذا لا
يوصف به الروح و انما يوصف به الجسد و في تخصيصه بالقبر دليل على هذا فإنه لو
كان من اوصاف الروح لم يحتج لتخصيصه بالقبر فإن احدًا لم يقل ان ارواح الانبياء
- ١٥٧ -
مسجونة في القبر مع الاجساد و ارواح السعداء و المؤمنين في الجنة و في حديث ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لم يصح له صلوة في عمره ا ّ لا صلوة واحدة و ذلك
اني كنت بالمسجد الحرام في صلوة الصبح فلما احرم الامام و احرمت اخذتني اخذة
ثم سرنا مع رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم بين م ّ كة و المدينة فمررنا بواد فقال
اي واد هذا فقالوا وادي الازرق فقال كأنى انظر الى موسى واضعا اصبعيه في اذنيه له
جؤار الى الله بالتلبية ما  رًا ذا الوادي ثم سرنا حتى اتينا على سرية ثنية قال كأنى انظر
الى يونس على ناقة ضمراء عليه جبة صوف ما  رًا ذا الوادي ملبيًا سئل هنا كيف ذكر
حجهم و تلبيتهم و هم أموات و اجيب بان الشهداء أحياء عند رم يرزقون فلا يبعد
ان يحجوا و يصّلوا و يتقربوا بما استطاعوا و ان كانوا في الاخرى فإم في هذه ال  دنيا
التي هي دار عمل حتى إذا فنيت مدا و اعقبتها الاخرى التي هي دار الجزاء انقطع
العمل هذا لفظ القاضي عياض فإذا كان القاضي عياض يقول إنهم يح  جون بأجسادهم
و يفارقون قبورهم فكيف يستنكر مفارقة الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم لقبره فإن
الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم إذا كان حا  جا و إذا كان مصّليا و إذا كان يسرى به
بجسده الى السماء فليس مدفونا في القبر انتهى فحصل من مجموع هذه النقول و
الاحاديث ان الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم حي بجسده و روحه و أنه يتصرف و
يسير حيث شاء في اقطار الارض و في الملكوت و هو يئته التي كان عليها قبل وفاته
لم يتبدل منه شيئ و أنه مغيب عن الابصار كما غيبت الملئكة مع كوم أحياء
بأجسادهم فإذا اراد الله رفع الحجاب عمن اراد اكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو
عليها لا مانع من ذلك و لا داعي الى التخصيص برؤية المثال.
الثالث سئل بعضهم كيف يراه الراؤون المتعددون في اقطار متعددة فأنشد
كالشمس في كبد السماء و ضوؤها * يغشي البلاد مشارقًا و مغاربًا
و في مناقب ال  شيخ تاج ال  دين بن عطاء الله من بعض تلامذته قال حججت فلما كنت
في الطواف رأيت ال  شيخ تاج ال  دين في الطواف فنويت ان اسلم عليه إذا فرغ من
- ١٥٨ -
طوافه فلما فرغ من الطواف جئته فلم اره ثم رأيته في عرفة كذلك و في سائر المشاهد
كذلك فلما رجعت الى القاهرة سألت عن ال  شيخ فقيل لي طيب فقلت هل سافر قالوا
لا فجئت الى ال  شيخ و سلمت عليه فقال لي من رأيت فقلت يا سيدى رأيتك فقال يا
فلان الرجل الكبير يملأ الكون لو دعى القطب من حجر لأجاب فإذا كان القطب يملأ
الكون و سيد المرسلين صّلى الله تعالى عليه و سّلم من باب اولى و قد تقدم عن ال  شيخ
أبي العباس الطبخي أنه قال و ارى بالسماء و الارض و العرش و الكرسي مملؤة من
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال قائل يلزم على هذا ان يثبت الصحبة لمن
رآه و الجواب ان ذلك ليس بلازم اما ان قلنا ان المرئي المثال فواضح لأن الصحبة انما
تثبت برؤية ذاته ال  شريف جسدًا و روحًا و ان قلنا المرئي الذات فشرط الصحبة ان
يراه و هو في عالم الملك و هذه رؤية و هو في عالم الملكوت و هذه الرؤية لا تثبت
صحبة و يؤيد ذلك ان الأحاديث وردت ان جميع امته عرضوا عليه فرآهم و رأوه و لم
تثبت الصحبة للجميع لاا رؤية في عالم الملكوت فلا تفيد صحبة و اخرج أبو بكر بن
أبي داود في كتاب المصائف عن أبي جعفر قال كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يسمع
مناجاة جبرئيل للن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و اخرج مح  مد بن نصر المروزي( ١) في
كتاب الصلوة عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه أتى الن  بي صّلى الله عليه و
سّلم فقال له يا رسول الله بينما انا اصلى إذ سمعت متكلما يقول اللهم لك الحمد كله
و لك الملك كله و اليك يرجع الامر كله علانيتة و سرة اهل ان حمد انك على كل
شئ قدير اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي و اعصمني فيما بقي من عمري و
ارزقني عم ً لا زاكيا ترضى به عني فقال الن  بي الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ذاك ملك
اتاك يعلمك تحميد ربك) و اخرج مح  مد بن نصر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال بينما انا اصّلى إذ سمعت متكلما يقول اللهم لك الحمد كله فذكر الحديث نحوه و
اخرج ابن أبي ال  دنيا في كتاب الذكر عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال
١) مح  مد بن نصر المروزي توفي سنة ٢٩٤ ه. [ ٩٠٧ م.] في سمرفند )
- ١٥٩ -
ُابي بن كعب لأدخل  ن المسجد و لاصّل  ين و لأحمد ّ ن الله تعالى بمحامد لم يحمده ا احد
فلما صّلى و جلس ليحمد الله تعالى و يثني عليه اذ هو بصوت عال من خلف يقول
اللهم لك الحمد كله و لك الملك كله و بيدك الامر كله و اليك يرجع الامر كله
علانيته و سره لك الحمد انك على كل شئٍ قدير اغفر لي ما مضى من ذنوبي و
اعصمني فيما بقي من عمري و ارزقني اعما ً لا زاكيًة ترضى ا عني و تب عل  ي فاتى
الن  بي الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فق  ص عليه فقال (ذاك جبرئيل) و اخرج الطبراني
و البيهقي عن مح  مد بن سلمة رضي الله تعالى عنه قال مررت على الن  بي الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم واضعا خ  ده على خ  د رجل فلم اسلم ثم رجعت فقال (ما منعك ان
تسلم) قلت يا رسول الله رأيتك فعلت ذا الرجل شيئًا ما فعلته بأحد من الناس
فكرهت ان اقطع عليك حديثك فمن كان يا رسول الله قال صّلى الله تعالى عليه و
سّلم (جبرئيل) و اخرج الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت رأيت جبرئيل
واقفا في حجرتى هذه و رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم يناجيه فقلت يا رسول
الله من هذا قال (بمن شبهته) قلت بدحية قال (لقد رأيت جبرئيل) و اخرج البيهقي
عن حذيفة قال صّلى رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم ثم خرج فتبعته فإذا عارض
قد عرض له فقال لي (يا حذيفة هل رأيت العارض الذي عرض لي) قلت نعم قال (ذاك
ملك من الملائكة لم يهبط الى الارض قبلها استأذن ربي فسّلم عل  ي و ب  شرني بالحسن و
الحسين اما سيدا شبان اهل الجنة و ان فاطمة  سيدة نساء اهل الجنة) و اخرج الطبراني
عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال بت عنده صّلى الله تعالى عليه و سّلم فرأيت عنده
شخ  صا فقال لي (يا حذيفة هل رأيت) قلت نعم يا رسول الله قال (هذا ملك لم يهبط
ا ّ لي منذ بعثت أتاني الليلة فبشرني ان الحسين والحسن سيدا شبان اهل الجنة) واخرج
أحمد والبخاري تعليقًا ومسلم والنسائي و البيهقي كلاهما في دلائل النب  وة عن ُاسيد بن
حصين أنه بينما هو يقرأ من سورة البقرة و فرسه مربوطة عنده اذ جالت الفرس
فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت فسكت فسكنت فرفع
- ١٦٠ -
رأسه الى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها امثال المصابيح عرجت الى السماء حتى ما
يراها فلما اصبح حدث رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم بذلك فقال (تلك
الملائكة دنت لصوتك و لو قرأت لاصبحت ينظر الناس اليها لا تتوارى منهم) و اخرج
الواقدي و ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال رأيت يوم
بدر رجلين عن يمين الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم احدهما و عن يساره احدهما
يقاتلان اشد القتال ثم ثلثهما ثالث من خلفه ثم ربعهم رابع امامه و اخرج اسحق بن
راهويه( ١) في مسنده و ابن جرير في تفسيره و أبو نعيم و البيهقي في دلائل النب  وة عن
ُاسيد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال بعد ما عمى لو كنت معكم ببدر لاخبرتكم
بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أش  ك و لا أتمارى و اخرج البيهقي عن أبي بردة
بن نيار قال رضي الله تعالى عنه جئت بثلثة ارؤس فوضعتهن بين يد  ى الن  بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم فقلت يا رسول الله اما الرأسان فقتلتهما و اما الثالث فاني رأيت
رج ً لا ابيض طويلا ضربه فاحدث رأسه فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ذاك فلان
من الملئكة) و اخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان الملك
يتصور في صورة من يعرفون من الناس يثبتوم فيقول إني قد دنوت منهم فسمعتهم
يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشئ فذلك قوله تعالى (اِ ْ ذ يوحِي  رب  ك اَِلى الْ  مَلئِ َ كةِ
َاني معكُم َفَثبِّتوا الَّذِي  ن َامنوا * الانفال: ١٢ ) و اخرج أحمد و ابن سعد و ابن جرير و
أبونعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان الذي اسر العباس
أبواليسر كعب بن عمرو رضي الله تعالى عنه وكان أبواليسر رج ً لا مجموعًا و كان
عباس رج ً لا جسيمًا فقال الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم (يا ابا اليسر كيف أسرت
العباس) قال يا رسول الله لقد اعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك و لا بعده هيئته كذا
و كذا فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (لقد اعانك عليه ملك كريم) و اخرج ابن
سعد و البيهقي عن عمار بن أبي عمار ان حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه
١) اسحاق بن راهويه الحنفي توفي سنة ٢٣٣ ه. [ ٨٤٨ م.] )
- ١٦١ -
قال يا رسول الله ارني جبرئيل في صورته قال (اقعد) فقعد فترل جبرئيل على خشبة
كانت في الكعبة فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ارفع طرفك فانظر) فرفع طرفه
فرأى قدميه مثل الزبرجد الاخضر و اخرج ابن أبي ال  دنيا في كتاب القبور و الطبراني
في الاوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال بينا انا اسير بجنبات بدر اذ خرج
رجل من حفرة في عنقه سلسلة فنادانى يا عبد الله اسقنى وخرج رجل من تلك الحفرة
في يده سوط فنادانى يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر ثم ضربه بالسوط حتى عاد الى
حفرته فاتيت الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فاخبرته فقال لي (اوقد رأيته) قلت نعم
قال (ذلك عدو الله أبو جهل و ذاك عذابه الى يوم القيامة) و محل الاستدلال رؤية
الرجل الذي خرج عقبه و ضربه بالسوط فإنه الملك الموكل بتعذيبه و اخرج ابن أبي
ال  دنيا و الطبراني و ابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن العرباض بن سارية
الصحابي رضي الله تعالى عنه أنه كان يحب ان يقبض فكان يدعو الّله  م كبرت سني و
وهن عظمي فاقبضني اليك قال فبينما انا يومًا في مسجد دمشق و انا اصّلي و ادعو ان
اقبض إذ انا بفتى شاب من اجمل الرجال و عليه د  واج أخضر فقال ما هذا الذي تدعو
به قال قلت و كيف ادعو قال قل اللهم ح  سن العمل و بّلغ الاجل قلت من انت
يرحمك الله قال انا رتابيل الذي يس ّ ل الحزن من صدور المؤمنين ثم التف  ت فلم أر احدًا و
اخرج ابن عساكر في تأريخه عن سعيد بن سنان قال اتيت بيت المقدس اريد ال  صلاة
فدخلت المسجد فبينا انا على ذلك إذ سمعت خفيقا له جناحان قد اقبل و هو يقول
سبحان الدائم القائم سبحان الح  ي القيوم سبحان الملك القدوس سبحان رب الملائكة
و الروح سبحان الله و بحمده سبحان الله العلي الأعلى سجانه و تعالى ثم اقبل خفيق
يتلوه مثل ذلك ثم اقبل خفيق بعد خفيق يتجاوبون حتى امتلأ المسجد فإذا بعضهم
قريب مني فقال آدمي قلت نعم قال لا روع عليك تذنيب و مما حكي ان يدخل هنا
ما اخرجه أبو داود من طريق ابي عمير بن انس عن عمومة له من الانصار ان عبد الله
بن زيد رضي الله تعالى عنه قال يا رسول الله اني لبين نائم و يقظان إذ أتانى آت فاراني
- ١٦٢ -
الاذان كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا
و في كتاب الصلوة لابي نعيم الفضل بن حكين ان عبد الله بن زيد قال لولا اامي
لنفسى لقلت اني لم اكن نائمًا و في سنن أبي داود من طريق ابن ابي ليلى( ١) جاء الى
الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم رجل من الانصار فقال يا رسول الله رأيت رج ً لا
كان عليه ثوبين اخضرين فاّذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها ا ّ لا أنه يقول قد قامت
الصلوة و لولا ان يقول الناس لقلت انى كنت يقظان غير نائم فقال صّلى الله تعالى
عليه و سّلم (لقد اراك الله خيرا) قال ال  شيخ ولي ال  دين العراقي في شرح سنن ابي داود
قوله إنى لبين نائم و يقظان مشكل لأن الحال لاتخلو عن نوم و يقظة فكان مراده ان
نومه كان خفيفًا لا يخلو عن نوم قريبًا من اليقظة فصار كأنه درجة متوسطة بين النوم
و اليقظة قال و اظهر من هذا ان يحمل على الحالة التى تعتري ارباب الاحوال و
يشاهدون فيها ما يشاهدون و يسمعون ما يسمعون و الصحابة رضوان الله تعالى
عليهم اجمعين هم رؤس ارباب الاحوال ورد في عدة أحاديث ان ابا بكر و عمر و
بلالا رضي الله تعالى عنهم رأوا مثل ما رأى عبد الله بن زيد و ذكر امام الحرمين في
النهاية و الغزالي في البسيط ان بضعة عشر من الصحابة كلهم قد رأوا مثل ذلك و في
الحديث ان الذي نادى بالأذان فسمعه عمر و بلال رضي الله تعالى عنهما جبرئيل عليه
ال  سلام اخرجه الحارث بن أبي امامة في مسنده و يشبه هذا ما اخرجه الحارث بن ابي
اسامة في مسنده و يشبه هذا ما اخرجه الحارث بن ابن اسامة في مسهده و ابن
عساكر في تاريخه عن مح  مد بن المنكدر( ٢) قال دخل الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم
على ابي بكر رضي الله تعالى عنه فرآه ثقيلا فخرج من عنده فدخل على عائشة رضي
الله تعالى عنها و أنه ليخبرها بوجع ابي بكر رضي الله تعالى عنه إذ دخل أبو بكر
يستأذن فدخل فجعل الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم يتعجب بما عجل الله له من
١) عبد الرحمن ابن ابي ليلي التابعي توفي سنة ٨٣ ه. [ ٧٠٢ م.] )
٢) مح  مد بن المنكدر توفي سنة ١٣٠ ه. [ ٧٤٨ م.] في المدينة المنورة على ساكنها افضل ال  صلاة و ال  سلام )
- ١٦٣ -
العافية فقال ما هو ا ّ لا ان خرجت فغفوت فأتاني جبرئيل عليه ال  سلام فسعطني سعطة
فقمت و قد برئت فلع ّ ل هذه غفوة حال لا غفوة نوم و اخرج الطبراني في المعجم
الكبير و أبو نعيم في المعرفة عن سهم بن خبيش و كان ممن شهد قتل عثمان رضي الله
تعالى عنه قال فلما أمسينا قلت كيف تركتم صاحبكم حتى يصبح مّثلوا به فانطلقوا به
الى بقيع الغرقد فأمكنا له مزرقًا لعلة ظلمة خوف الليل ثم حملناه و غشينا سواد من
خلقنا كمنا فهبناهم حتى كدنا ان نتفرق عنه فنادى مناد لا روع عليكم اثبتوا فإنا
جئنا لنشهده معكم و كان ابن خبيش يقول هم و الله الملائكة و اخرج أبو نعيم بن
حماد( ١) في كتاب الفتن ثنا مح  مد بن سابور عن نعمان بن المنذر عن عوف بن مالك
قال دخلنا ارض الروم في غزوة الظرانة فترلنا مرجا فأخذت انا برؤس دواب اصحابي
فطولت لها فانطلق اصحابي ينعلفون فبينا انا كذلك إذ سمعت ال  سلام عليكم و رحمة
الله و بركاته فالتفت فإذا انا برجل عليه ثياب بيض فقلت عليك ال  سلام و رحمة الله و
بركاته فقال أمن امة مح  مد صّلى الله تعالى عليه و سّلم قلت نعم قال فاصبر فإن هذه
الامة امة مرحومة كتب الله تعالى عليها خمس فتن و خمس صلوات قلت سمهن لي قال
امسك احديهن موت نبيكم و اسمها في كتاب الله فتنة الص  ماء ثم قتل عثمان و اسمها
في كتاب الله الص  ماء ثم فتنة ابن الاشعث و اسمها في كتاب الله النغير ثم تولى و هو
يقول و بقيت الصلم فلم ادر كيف ذهب تم بعون الله تعالى و حسن توفيقه.
١) نعيم بن حماد المروزي توفي سنة ٢٢٩ ه. [ ٨٤٤ م.] )
- ١٦٤ -
رسالة تذكر الآثار الواردة في الاذكار التي تحرس قائلها من كيد الجن
لشيخ الاسلام ابن حجر رحمه الله تعالى و نفعنا بعلومه
أحمد ابن حجر المكي توفي سنة ٩٧٤ ه. [ ١٥٦٦ م.] في م ّ كة المكرمة
و لكني زدت فيه ما وجدت في مؤلفات سائر الثقات
كالامام النووي و في سائر المؤلفات المعتبرة
كشروح المشارق و غيرها
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
اللهم لا علم لنا ا ّ لا ما علمته و لا سهل ا ّ لا ما سهلته و بعد فهذا جزء في
ذكر الآثار الواردة في الاذكار التى تحرس قائلها من كيد الجن فمن ذلك آيات من
القرآن على ترتيب ال  سور كحديث أبي سعيد و حديث ابن عباس رضي الله تعالى
عنهم في الرقية بفاتحة الكتاب و هما في ال  صحيح قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و
صانه عما شانه و هو ما روي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال كنا في مسير
لنا فترلنا مترلا فجاءت جارية فقالت ان سيد الح  ي سليم و ان نفرنا ُ غيب فهل منكم
راق فقام معها رجل ما لنا نأبنه برقية فرقاه فبرئ فامر له بثلثين شاًة و سقانا لبنا فلما
رجع قلنا له أكنت تحسن رقية أو كنت ترقى قال ما رقيت ا ّ لا بام الكتاب قلنا لا
تحدثوا شيئًا حتى نأتى او نسأل رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فلما قدمنا المدينة
ذكرناه لرسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقال (و ما كان يدريه اا رقية
اقسموا و اضربوا لى بسهم) اخرجه البخاري و مسلم قوله سيد الح  ي سليم السليم
اللديغ سمي به تفاؤلا له بالسلامة النفر ههنا الرجال خاصة ارادت أ ّ ن رجالنا غيب و
الغيب الغائبون عن الح  ي جمع غائب قوله نابنه برقية ابنه بكذا يأبنه و يأبنه إذا امه به
- ١٦٥ -
و قد ذكر هذا الخبر في بعض شروح المشارق بوجه آخر و هو أ ّ ن رهطا من اصحاب
الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم انطلقوا في مسافرة سافروها حتى نزلوا الح  ي من أحياء
العرب فاستضافوهم فأبوا ذلك فلدغ سيد ذلك الح  ي فسعوا له بكل شئ فلم ينفعه
شئ فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الذين نزلوا بكم لعّله يكون عند بعضهم شئ فأتوهم
فقالوا يا ايها الرهط ان سيدنا لدغ فسعينا له بكل شئ فلم ينفعه شئ فهل عندكم شئ
فقال بعضهم نعم و الله انا الراقي و لكن و الله بعد أن استضفناكم فلم تضيفونا فما انا
براق لكم حتى تجعلوا لنا جع ً لا فصالحوهم على ثلثين غنمًا فانطلق فجعل يتفل عليه و
يقرأ الحمد لله رب العالمين فبرئ حتى كأنه نشط من عقال عليه فانطلقوا يمشون قبله
فاوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقسموا فقال الذي رقي لا تفعلوا
حتى نأتى رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا
به فقدموا على رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فذكروا له ذلك فقال صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (و ما يدريك اا رقية) ثم قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (اصبتم
اقسموا و اضربوا لي بسهم معكم) فقال الراقى يا رسول الله آخذ على كتاب الله
تعالى أجرًا فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ان احق ما اخذتم عليه أجرًا كتاب الله)
و ذلك سبب ورود هذا الحديث و فيه تصريح بأن فاتحة الكتاب تسمى رقية و أنه
يستحب أن يقرأ ا على اللديغ و المريض و نحوهما و أنه يجوز اخذ الأجرة على الرقية
بفاتحة الكتاب من غير كراهة و لا خلاف لاحد في ذلك فإن قيل إ ّ ن ذلك ليس بأجرة
لأنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم امر بالقسمة و لو كان أجرة لخص الراقي ا و اجيب
بأن القسمة كانت من باب المر  وات و التبرعات و مراعاة الاصحاب و لولا الإخاء و
الرحمى بينهم و قد كانا لهم لم يأمرهم صّلى الله تعالى عليه و سّلم بالقسمة و خص
الراقي ا و حكي عن بعص مشايخ العراق أنه قال كان في حال صغري على جفني
الأعلى من العين اليمنى حبة كهيئة الغدة فلما جرى عل  ي القلم و كبرت ثقل جفني
فقيل لي ببغداد طبيب يهودى يشق الجفن و يخرجها فلم يطمئن قلبي بذلك من حيث
- ١٦٦ -
أنه يهودي فلما كان في بعض الايام رأيت في النوم قائلا يقول لي اقرأ عليها بفاتحة
الكتاب عند ارادة الوضوء ففعلت ذلك ايامًا فبينما انا اغسل وجهي و جفن عيني إذا
الغدة قد انقلعت بنفسها و ذهبت اثرها فعلمت أ ّ ن ذلك بقراءة الفاتحة و بركتها
فجعلت دوائى ا في الحمايات و الامراض تشفى اكثرها باذن الله تعالى انتهى كلامى
و عن عبد الملك بن عمير رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه
و سّلم (في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) اخرجه الدارمى و هو مرسل جيد
الاسناد قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما شانه ذكر ال  شيخ العلامة
ال  سيوطي ان البيهقي اخرجه في الشعب عن ابن أبي عبد الله بن جابر رضي الله تعالى
عنه مثله انتهى كلامى و عن انس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (إذا وضعت جنبك على الفراش و قرأت فاتحة الكتاب و قل هو
الله احد فقد أمنت من كل شئ ا ّ لا الموت) اخرجه البزار و في سنده راوٍ ضعيف و
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أ ّ ن رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال
(الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم و النسائى و
الترمذي و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى تعالى عليه و
سّلم (سورة البقرة فيها آية هى سيدة آي القرآن لا يقرأ في بيت و فيه شيطان إ ّ لا
خرج منه آية الكرسي) اخرجه الحاكم و هذا لفظه و اخرجه الترمذى بلفظ آخر و
استغربه و ليس فيه المقصود و اخرجه الطبراني و ص  ححه ابن حبان من حديث سهل
بن سعد نحوه و فيه مقصود الباب و قال فيه (من قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان
بيته ثلثة ايام) و اخرجه أبو عبيد من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفًا
(الشيطان يفر من البيت اذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه) و اخرجه الحاكم موقوفًا و
مرفوعًا و الطبراني من حديث ابن مغفل رضي الله تعالى عنه سند ضعيف و عن
النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه عن الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (ان الله
كتب كتابًا قبل أن يخلق ال  سموات و الارض بألفي عام انزل منه آيتين ختم ما
- ١٦٧ -
سورة البقرة لا تقرأ آية في دار ثلث ليال فيفر ا شيطان) رواه الترمذي و ح  سنه و
النسائي و ص  ححه ابن حبان و الحاكم و اخرجه الطبراني من حديث شداد بن أوس
رضي الله تعالى عنه و عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال (من قرأ عشر آيات
من سورة البقرة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح اربع آيات من
اولها و آية الكرسي و آيتين بعدها و خواتيمها) و رواه الطبراني و رواته ثقات ا ّ لا أ ّ ن
فيه انقطاعًا و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال و ّ كلني رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم بزكاة رمضان الحديث و فيه قول الجنى لأبى هريرة رضي الله تعالى عنه
إذا أويت الى فراشك فاقرأ آية الكرسى الله لا اله الا هو الح  ي القيوم حتى تختم الآية
فإنك لن تزال عليك من حافظ و لا يقربك شيطان حتى تصبح و فيه قول الن  بي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم صدقك و هو كذوب اخرجه البخاري ذا اللفظ في كتاب
الوكالة و اخرجه النسائي( ١) عن أبي ايوب الانصاري رضي الله تعالى عنه أنه قال
كانت سهوة فيها تمر و كانت تجيئ الغول فتأخذ منها الحديث و فيه قولها لابي ايوب
رضي الله تعالى عنه آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطانا و لا غيره فجاء الى
الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقال صدقك و هى كذوب اخرجه الترمذي و قال
حسن غريب و عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه كان له جرين فيه تمر فذكر
الحديث و فيه فإذا بدابة كهيئة الغلام المحتلم فقال رضي الله تعالى عنه من انت قال جن
وفيه فقلت ما الذي يحرزنا منكم قال هذه الآية آية الكرسي و فيه قوله الن  بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم صدق الحديث و عن بريدة قال بلغني إ ّ ن معاذ بن جبل رضي الله
تعالى عنه اخذ الشيطان على عهد رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فسألته رضي
الله تعالى عنه فقال نعم فذكر الحديث و فيه اقبل على صورة الفيل فدخل من خلل
الباب فدنا من التمر في فيه و لقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم فلما نزلت
آيتان نفرنا منهما فوقعنا بنصيبين فلا تقرآن في بيت ا ّ لا لم يلج فيه الشيطان ثلثا آية
١) أحمد النسائي توفي سنة ٣٠٣ ه. [ ٩١٥ م.] في رملة )
- ١٦٨ -
الكرسي و خاتمة سورة البقرة آم  ن ال رس  و ُ ل الى آخرها فخليت سبيله و غدوت الى
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقال صدق الخبيث و هو كذوب اخرجه
الطبراني بسند حسن و عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال خرج رجل من
اصحاب رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فلقى الشيطان فاضطرها الحديث و فيه
سورة البقرة ليس منها آية تقرأ في وسط بيت فيه شياطين ا ّ لا تفرقوا و لا يقرأ في بيت
فيدخل ذلك البيت شيطان اخرجه ابن أبي ال  دنيا بسند حسن و عن كعب الأحبار قال
ان محمدًا صلى الله تعالى عليه و سّلم اعطي اربع آيات لم يعطهن موسى و ان موسى
عليه ال  سلام اعطي آية لم يعطها مح  مد صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال و الآيات (ِللهِ ما
فِي ال  س  م  واتِ  و ما فِي اْ َ لارضِ) حتى ختم سورة البقرة و الآية اللهم لا تولج الشيطان في
قلوبنا و خلصنا منه فإن لك الملكوت و الأبد و السلطان و الملك و الحمد و الارض و
السماء و الدهر أبدًا أبدًا و قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما شانه عن عقبة
بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم (من
قرأ بالآيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه) و قال شارحه أي اغنتاه من قيام تلك الليلة
أو دفعتا شيطانه أو آفاته انتهى كلامي رواه أبو عبيد مقطوعًا هكذا و خرج مح  مد بن
المنذر الهروي( ١) في كتاب العجائب من طريق حمزة الزيات قال بينا انا بحلوان سمعت
شيطانا يقول لآخر هذا الذي يقرأ الناس القرآن تعال نعبث به فقال مردليك فلما دنا
منى قرأت شهد الله أنه لا اله ا ّ لا هو الى الحكيم فقال احدهما للآخر لا ارغم الله الا
انفك اما انا فلا ازال احرسه الى الصباح و عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال
كنت عند النبي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فجاء اعرا  بي فقال يا نبي الله ان لي اخًا و به
وجع قال صّلى الله تعالى عليه و سلم و ما وجعه قال به م قال صّلى الله تعالى عليه
و سّلم فأتنى به فوضعه بين يديه فع  وذه بفاتحة الكتاب و اربع آيات من اول البقرة الى
المفلحون و الهكم اله واحد الآية و آية الكرسي و ثلاث آيات من آخر السورة و آية
١) مح  مد بن المنذر توفي سنة ٣٠٣ ه. [ ٩١٥ م.] في هرات )
- ١٦٩ -
من آل عمران شهد الله الى العزيز الحكيم و آية في الاعراف ان ربكم الله و آخر سورة
المؤمنون فتعالى الله الملك الحق و عشر آيات من اول الصافات و ثلاث من آخر سورة
الحشر و آية من سورة الجن و أنه تعالى ج  د ربنا و قل هو الله احد و المع  وذتين فقام
الرجل كأنه لم يش  ك شيئًا قط و اخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند و فيه أبو
خباب الكلبي و فيه ضعف و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله
صّلى الله تعالى عليه و سّلم (من قرأ آية الكرسي و ا  ول حم المؤمن الى قوله اليه
المصير حين يصبح حفظ ما حتى يمسي و من قرأهما حين يمسي حفظ ما حتى
يصبح) اخرجه الترمذي و قال حديث غريب و اخرجه عل  ي بن سعد العسكري في
ثواب القرآن نحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي و هو ضعيف قال الفقير
اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما شانه ليس المراد ان مجموع ما رقى به الن  بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم من حيث هو هو رقية بل المراد أنه صّلى الله تعالى عليه وسّلم رقاه
برقي شتى اذ قد ورد الرقي ببعضه و قد ذكر الامام محي ال  سنة( ١) في معالم التتريل في
آخر سورة المؤمنون بإسناده عن حبيش أ ّ ن رج ً لا مصابا مر به على ابن مسعود رضي
الله تعالى عنه فرقاه في ُأذينه (َاَف  حسِبتم َان َ ما  خَلقْنا ُ ك  م  عبًثا  و َان ُ ك  م اَِلينا َ لا ترجعو َ ن *
المؤمنون: ١١٥ ) حتى ختم السورة فبرئ باذن الله تعالى فقال رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (و الذي نفسي بيده لو ان رج ً لا موقنًا قرأها على جبل لزال) و
قد ذكر الامام أبو الليث السمرقندي( ٢) في تنبيهه عن الحسن أنه قال انا ضامن لمن قرأ
حين امسى عشرين آية من كتاب الله تعالى أ ّ ن يحفظه الله تعالى من سلطان جائر و
ذئب ضا  ر و لص عاد حتى يصبح و لمن قرأ حين اصبح حتى يمسى ثم بين الآيات فقال
آية الكرسي و ثلاث آيات من الاعراف (اِنَّ  ربكُم اللهُ الَّذِي  خَل  ق ال  س  م  واتِ  واْ َ لار  ض)
الى قوله (قَرِيب مِ  ن الْمحسِنِ  ين) و عشر آيات من اول الصافات الى قوله (شهاب
١) محى ال  سنة حسين البغوي توفي سنة ٥١٦ ه. [ ١١٢٢ م.] )
٢) أبو الليث نصر السمرقندي توفي سنة ٣٧٣ ه. [ ٩٨٣ م.] )
- ١٧٠ -
ثاقب) و ثلاث آيات من الرحمن (يا مع  ش  ر الْجِ  ن  واْلاِنسِ) الى قوله (َف َ لا تنتصِ رانِ) و
ثلاث آيات من آخر الحشر (ه  و اللهُ الَّذِي َ لا اَِله اِلاَّ ه  و) الى قوله (اْلعزِي  ز الْحكِي  م) و
قد سبق الرقى بآية الكرسي وحدها و لمثل هذا طول انتهى كلامى و عن عقبة بن
عامر رضي الله تعالى عنه قال بينما انا اسير مع رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
بين الجحفة و الأبواء إذ غشينا ريح و ظلمة شديدة فجعل رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم يتعوذ بالمعوذتين و يقول (يا عقبة تعوذ ما) فما تعوذ متعوذ بمثلهما
اخرجه أبو داود و اصله من مسلم و اخرجه البزار( ١) من حديث عبد الله الاسلمى
رضي الله تعالى عنه أ ّ ن الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال له (قل قل هو الله احد و
المعوذتين) هكذا فتعوذ فما تعوذ العباد بمثلهن قط و رجاله ثقات و هو عند أبي عبيد
من رواية معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني عن أبيه بمثله و سنده جيد و هو عند
النسائي من حديث عبد الله بن حبيب قال أصابنا ط  ش و ظلمة فإنتظرنا رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم يصّلي بنا فخرج و قال (قل) قلت ما اقول يا رسول الله قال
صّلى الله تعالى عليه و سّلم (قل هو الله احد و المعوذتين حين تمسي و حين تصبح
يكفيك كل شئ) و عند أبي عبيد من حديث عبد الرحمن بن عائش رضي الله تعالى
عنه قال قال لي رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (يا ابن عائش الا اخبرك افضل
ما تعوذ به المتعوذون) قلت بلى يا رسول الله قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم
(المعوذتين) و سنده حسن و عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال كان
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم يتعوذ من الجان و عن الانسان حتى نزلت
المعوذتان فلما نزلتا اخذ ما و ترك ما سواهما اخرجه الترمذي و من ذلك ما جاء في
الأحاديث النبوية من الاذكار الماثورة منها عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (من قال لا اله ا ّ لا الله و حده لا شريك له له
١) البزار أحمد الرملي توفي سنة ٢٩٢ ه. [ ٩٠٥ م.] في رملة )
- ١٧١ -
الملك و له الحمد و هو على كل شئ قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب)
الحديث و فيه و كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي متفق عليه و في
رواية الترمذي (من قال في دبر الصلوة صلوة الفجر و هو ثانى رجليه قبل أن يتكلم
لا اله الا الله فذكرها عشر مرات كتب الله له عشر حسنات و محا عنه عشر
سيئات و رفع له عشر درجات و كان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرس
من الشيطان) و قال حسن صحيح غريب و عن الحرث بن الحرث الاشعري رضي
الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (إ ّ ن الله امر يحيى بن
زكريا أن يأمر بني اسرائل) الحديث بطوله و فيه قول الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم
(و آمركم بذكر الله فإن مثله كمثل رجل خرج العدو في اثره سراعا حتى اتى على
حصن حصين فاحرز نفسه منهم و كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان الا
بذكر الله) اخرجه الترمذي و ص  ححه قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما
شانه ذكر الامام الكابلي في قوله تعالى (  و َ لا تنِيا فيِ ذِ ْ كرِي * طه: ٤٢ ) أي لا تغترا
عن ذكري في حال دخولكما على فرعون و في كل حال فإن ذلك عون لكما على
مخاطبته و مجاوبته و أهدى للنصيحة اليه و اقامة الحجة عليه و قد جاءَ في الحديث
القدسي (إ ّ ن عبدي كل عبدي الذي يذكرني و هو ملاق قرية) و في رواية (و هو
مناجز قرية) انتهى كلامه فإنتهى ما أوردرته و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن
الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (رأيت ليلة اسري بى عِفْريتًا من الجن يطلبني
بشعلة من نار كلما التفت رأيته فقال جبريل الا اعّلمك كلمات تقولهن فتنطفئ
شعلته فقلت بلى فقال لي جبريل قل اعوذ بوجه الله الكريم و بكلمات الله التامات
اللاتى لا يجاوزهن بر و لا فاجر من شر ما نزل من السماء و من شر ما يعرج فيها
و من شر ما ذرأ في الارض و من شر ما يخرج منها و من فتن اليل و النهار الا
طارقًا يطرق بخير) اخرجه ابن أبي ال  دنيا بسند فيه لين و اخرجه أحمد من طريق أبي
التياجى قال قلت لعبد الرحمن بن حنيش التميمي و كان كبيرًا أأدركت رسول الله
- ١٧٢ -
صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال نعم قال قلت كيف صنع رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم ليلة كادته الشياطين فقال رضي الله تعالى عنه ان الشياطين تحدرت تلك
الليلة على رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم من الاودية و الشعاف و فيهم
شيطان بيده شعلة من نار يريد أن يحرق ا وجه رسول الله صّلى الله تعالى عليه و
سّلم فهبط اليه جبريل فقال يا مح  مد قل قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ما اقول) قال
قل اعوذ بكلمات الله التامة من شرما خلق و ذرأ و برأ و من شر ما نزل من السماء و
من شر ما يعرج فيها و من شر فتن الليل و النهار و من شر كل طارق ا ّ لا طارقًا
يطرق بخير يا رحمن قال رضي الله تعالى عنه فطفئت نارهم و هرمهم الله تعالى و
اخرجه النسائي بسند آخر الى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بنحوه و هو من رواية
مح  مد بن جعفر بن أبي كثير عن يحيى بن سعيد الانصاري عن مح  مد بن عبد الرحمن بن
سعد بن زرارة عن عياش الشامي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه و عياش بمهملة
ثم تحتانية ثقيلة و آخره معجمة مجهول و قد رواه مالك عن يحيى بن سعيد معض ً لا قال
حمزة الكتاني هذا هو المحفوظ و الله تعالى اعلم و عن عل  ي رضي الله تعالى عنه عن الن  بي
صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (ستر ما بين الجن و عورات بني آدم إذا دخل احدكم
الخلاء أن يقول بسم الله) اخرجه الترمذي و عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى
عنهما أن رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم كان يقول إذا دخل المسجد (اعوذ
بالله العظيم و بوجهه الكريم و بسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) قال صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (من قالها قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم) اخرجه أبو داود و
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (إذا
خرج الرجل من بيته فقال باسم الله توكلت على الله لا حول و لا قوة ا ّ لا بالله
يقال له هديت و كفيت و وقيت فيتنحى له الشيطان فيقول له شيطان آخر كيف
لك برجل قد هدى و كفى و وقى) اخرجه أبو داود و عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما رفع الحديث الى الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (هذه الكلمات دواء من
- ١٧٣ -
كل داء اعوذ بكلمات الله التامة و اسمائه كلها العامة من شر السامة و الهامة و شر
العين اللامة و شر حاسد إذا حسد و من شر أبي قترة و ما ولد) الحديث اخرجه
البزار و أبويعلى( ١) و فيه ليث بن أبي سليم و هو ضعيف و عن عبد الله بن مسعود
رضي الله تعالى عنه عن الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (إذا تخوف احدكم
السلطان فليقل اللهم رب ال  سموات السبع و رب العرش العظيم كن لي جارًا من
شر فلان و من شر الجن و اتباعهم أن يفرط عل  ي احد منهم عز جارك و جل
ثناؤك و لا اله غيرك) رواه الطبراني بسند حسن و عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما قال (إذا أتيت سلطانا تخاف أن يسطوك فقل الله اكبر الله اع  ز من خلقه
 جمِيعًا الله اع  ز مما اخاف و احذر اعوذ بالله الذي لا اله الا هو الممسك للسماوات
ان يقعن على الارض الا باذن الله من شر عبدك فلان و جنوده و اتباعه و اشياعه
من الجن و الانس اللهم كن لي جارًا من شرهم جل ثناؤك و عز جارك و تبارك
اسمك و لا اله غيرك ثلث مرات) رواه ابن أبي شيبة( ٢) و الطبراني موقوفًا و رجاله
رجال ال  صحيح قال الفقير اصلح الله شأنه و صانه عما شانه قد ذكر الامام النووي أن
أبا موسى رضي الله تعالى عنه قال إن الن  بي صلى الله تعالى عليه و سلم كان اذا خاف
قومًا قال (الله  م إنا نجعلك في نحورهم و نعوذ بك من شرورهم) رواه أبو داود
بإسناد صحيح انتهى كلامي و عن عطاء بن أبي مروان عن ابيه أن كعبًا حلف له أن
صهيبًا رضي الله تعالى عنه ح  دثه أن مح  مدا صّلى الله تعالى عليه و سّلم لم ير قرية يريد
دخولها ا ّ لا قال حين يراها (اللهم رب ال  سموات السبع و ما اظللن و رب الارضين
السبع و ما اقللن و رب الشياطين و ما اضللن و رب الرياح و ما ذرين فإنا
نسألك خير هذه القرية و خير أهلها و نعوذ بك من ش  رها و ش  ر اهلها و شر ما
١) أبو يعلى أحمد توفي سنة ٣٠٧ ع. [ ٩١٩ م.] في الموصل )
٢) ابن أبي شيبة عبد الله الكوفي أبو بكر توفي سنة ٢٣٥ ه. [ ٨٥٠ م.] )
- ١٧٤ -
فيها) أخرجه النسائي و ص  ححه ابن حزيمة( ١) و ابن حبان و عن خولة بنت حكيم
رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (من نزل مترلا
فقال اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يض ره شئ حتى يرتحل من مترله
ذلك) اخرجه مسلم و الترمذي و النسائي و عن الوليد بن الوليد بن المغيرة رضي الله
تعالى عنه أنه قال يا رسول الله اني اجد وحشة فقال صّلى الله عليه و سّلم (إذا أخذت
مضجعك فقل اعوذ بكلمات الله التامة من غضبه و عقابه و ش  ر عباده و من
همزات الشياطين و أن يحضرون فإنه لا يضرك) اخرجه أحمد من رواية شعبة عن يحيى
بن سعيد عن مح  مد بن يحيى بن حبان عنه رضي الله تعالى عنه و رجاله ثقات ا ّ لا انني
اظن فيه انقطاعًا و اخرجه مالك في المو ّ طأ عن يحيى بن سعيد معض ً لا لم يذكر فوقه
احدًا و رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن يحيى بن سعيد عن
مح  مد بن يحيى بن حبان بن الوليد و رواه ابن عيينة( ٢) عن ايوب بن موسى عن مح  مد
بن يحيى بن حبان ان خالد بن الوليد و هذا اضطراب لكن أخرجه أبوداود من طريق
مح  مد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال كان الوليد بن الوليد
يفزع في يومه فذكر نحوه و زاد و كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يعلمهن
من عقل من بنيه و من لم يعقل كتبها فاعلقها عليه و هو شاهد جيد و له شاهد آخر
مرسل من طريق عبد الله بن عبد الله بن عتبة ان الوليد بن الوليد شكى فذكر نحوه
اخرجه ابراهيم الحربي في غريب الحديث و عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما
قال كان رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم إذا سافر فاقبل الليل قال (يا ارض ربي
و ربك الله اعوذ بالله من شرك و شر ما فيك و شر ما خلق فيك و شر ما نزل
عليك اعوذ بالله من اسد و اسود و من حية و عقرب و من ساكن البلد و من شر
والد و ما ولد) اخرجه ابو داود و النسائي و ص  ححه الحاكم و عن الاسمر العبدرى
١) ابن حزيمة مح  مد توفي سنة ٣١١ ه. [ ٩٢٣ م.] )
٢) ابن عيينة أبو مح  مد سفيان توفي سنة ١٩٨ ه. [ ٨١٤ م.] في م ّ كة المكرمة )
- ١٧٥ -
قال خرج رجل الى ظهر الكوفة فذكر قصة فيها أنه سمع هاتفا من الجن يقول ما على
عروة يعني ابن الزبير سبيل لانه يقول كلاما حين يصبح و حين يمسي فرحل الى المدينة
فسأله فقال اقول آمنت بالله وحده و كفرت بالجبت و الطاغوت و استمسكت
بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم اخرجه ابن أبي ال  دنيا في كتاب الهواتف
قال الفقير أصلح الله شأنه و صانه عما شانه ذكر الإمام الكابلي في قوله تعالى لموسى
عليه السلام (  و ا  ض  م  م اَِلي  ك جنا  ح  ك مِ  ن ال  رهبِ * القصص: ٣٢ ) قيل معناه اذا
خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك ثم قال ذلك الإمام و هذا و إن كان
خاصا به إ ّ لا أ ّ ن بركة الإمام به حق و ذلك ينفع من استعمل ذلك على وجه الإقتداء
بالأنبياء عليهم السلام تم كلامه و انتهى ما أوردته. تم بعون الله تعالى.
( تنبيه الغ  بى بتبرئة ابن العربي( ١
مسئلة في حق محي ال  دين ابن العربي سئل عنها
ال  شيخ الع ّ لامة جلال ال  دين ال  سيوطي( ٢) بالقاهرة
اعزه الله تعالى في ال  دنيا و الآخرة و نفعنا الله تعالى بعلومه
بسم الله ال  رحمن ال  رحيم
الّله  م لا علم لنا ا ّ لا ما علمته و لا فهم لنا ا ّ لا ما ف  همته و لا سهل ا ّ لا ما
س  هلته و بعد فمسئلة سئل عنها ال  شيخ الامام العلامة شيخ عصره و فريد دهره ال  شيخ
جلال ال  دين ال  سيوطي بالقاهرة اعزه الله تعالى في ال  دنيا و الآخرة و هى ما تقول في ابن
عربي و ما حاله و في رجل امر بإحراق كتبه و قال أنه اكفر من اليهود و النصارى و
من ادعى لله تعالى ولدا فما يلزمه في ذلك فأجاب بأنه اختلف الناس قديما و حديثا في
١) مح  مد أبو بكر ابن العربي المتوفي سنة ٦٣٨ ه. [ ١٢٤٠ م.] في الشام )
٢) جلال ال  دين عبد الرحمن ال  سيوطي ال  شافعي توفي سنة ٩١١ ه. [ ١٥٠٥ م.] في القاهرة )
- ١٧٦ -
ابن عربي ففرقة تعتقد ولايته و هى المعينة المصيبة المحقة و من هذه الفرقة ال  شيخ تاج
ال  دين بن عطاء الله من الأئمة المالكية و ال  شيخ عفيف ال  دين اليافعي من الأئمة ال  شافعية
فإما بالغا في الثناء عليه و وصفاه بالمعرفة و فرقة تعتقد ضلالته منهم طائفة كثيرة من
الفقهاء و فرقة تسكت في أمره و منهم الحافظ الذهبى في الميزان و عن ال  شيخ عز ال  دين
بن عبد ال  سلام فيه كلامان الحط عليه و وصفه بأنه القطب و الجمع بينهما ما اشار
اليه ال  شيخ تاج ال  دين بن عطاء الله في لطائف المنن ان ال  شيخ عز الدين كان في اول
أمره على طريقة الفقهاء من المسارعة الى الانكار على ال  صوفية فلما ح  ج ال  شيخ أبو
الحسن ال  شاذلي( ١) و رجع جاء الى ال  شيخ عز الدين قبل أن يدخل بيته و أقرأه ال  سلام
من الن  بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فخضع ال  شيخ عز الدين لذلك و لزم مجلس
ال  شاذلي من حينئذٍ و صار يبالغ في الثناء على ال  صوفية لما فهم طريقتهم على وجهها و
صار يحضر معهم مجالس ال  سماع و يرقص فيها و قد سئل شيخنا شيخ الاسلام بقية
اتهدين شرف ال  دين المناوي( ٢) عن ابن عربي فاجاب بما حاصله أ ّ ن السكوت عنه
اسلم و هذا هو اللائق بكل ورع يخشى على نفسه من الله تعالى الغضب لأجل
الاجلال قال الله تعالى (و علمناه من لدنا علمًا) فإذا كنت يا مدعي بأنه عالم و ما
عنده علم من لدنا غير محظوظ من حظوظه فما لك و الانكار على ابن عربي و غيره
فسَّلم ت  سَل  م و ا ّ لا فتهلك قال الله تعالى و فوق كل ذى علم عليم و القول الافضل
عندي في ابن عربي طريقة لا يرضاها فرقتنا من اهل العصر لا من يعتقده و لا من يحيط
بعلمه و لا من يحط عليه و هى اعتقاد ولايته و تحريم النظر في كتبه ا ّ لا الراسخون في
العلم فقد نقل عنه أنه قال نحن قوم يحرم النظر في كتبنا و ذلك ان ال  صوفية تواضعوا
على الفاظهم على معانيها المتعارفة من اهل العلم الظاهر كفرا و كفرًا نص على ذلك
الغزالى في بعض كتبه و قال أنه شبيه بالمتشابه في القرآن و ال  سنة من حمله على ظاهره
١) أبو الحسن ال  شاذلي نور ال  دين علي توفي سنة ٦٥٤ ه. [ ١٢٥٦ م.] في م ّ كة المكرمة )
٢) عبد الرؤف المناوي ال  شافعي توفي سنة ١٠٣١ ه. [ ١٦٢٢ م.] في القاهرة )
- ١٧٧ -
كفر و له معنى سوى المتعارف منه فمن حمل آيات الوجه و اليد و العين و الاستواء
على معانيها المتعارفة كفر قطعًا و المتصدي لاكفار ابن عربي لم يخف من سوء
الحساب يقال له هل ثبت عندك أنه كافر فإن قال كتبه تدل على كفره يقال أفمن أن
يقال له هل ثبت عندك الطريق المقبول في نقل الأخبار أنه قال هذه الكلمة بعينها و أنه
قصد ا معناها المتعارف و الاول لا سبيل اليه لعدم مرشد يعتمد عليه في مثل ذلك و
لا غيره بالاستفاضة الآن و على تقدير ثبوت اصل الكتاب عنه فلا ب  د من ثبوت أن
كل كلمة قالها لاحتمال ان يد  س في الكتاب مما ليس من كلامه من بعض عد  و او
ملحد و لقد رأيت ان شرح التنبيه للجيلى مشحون بغرائب لا تعرف في المذهب و قد
اعتذر بأنه لعل بعض الأعداء د  س فيه ما أفسده حسدا له و الثانى و هو أنه قصد ذه
الكلمة كذا لا سبيل اليه ايضًا و من اعداه كفر لأنه من امور القلب التى لا ي ّ طلع عليه
ا ّ لا الله تعالى و قد سأل بعض اكابر العلماء بعض ال  صوفية في عصره فقال ما حملكم
على أن اصطلحتم على هذه الالفاظ التى يستشنع ظاهرها فقال غيرة على طريقتنا هذه
أن يدعيه من لا يحسنه و يدخل فيه من ليس من اهله و المتصدي للنظر في كتب ابن
عربي او اقرائها لم ينصح نفسه و لا غيره بل أضر نفسه و أضر المسلمين كل الضرر لا
سيما إن كان من القاصرين في علوم ال  شرع و العلوم الظاهرة فإنه يضل و يض ّ ل و على
تقدير أن يكون المقري لها عارفا فليس من طريق المريدين إقراء كتب التصوف و لا
يؤخذ هذا العلم من الكتب و ما احسن قول بعض الأولياء لرجل و قد سأله أن يقرأ
عليه تائية ابن الفارض( ١) فقال له دع عنك هذا من جاع جوع القوم و سهر سهرهم
رأى ما رأوا فاجاب بعضهم بأن على الشا  ب المستفتي عنه التوبة و الاستغفار و
التضرع الى الله تعالى و الانابة اليه حذرًا من أن يكون اذى و اماء لله تعالى فيؤذنه الله
تعالى بحرب و أن امتنع من ذلك و ص  مم فتكفيه عقوبة الله تعالى عن عقوبة المخلوقين
و ما ذا عسى ان يصنع فيه الحاكم او غيره هذا جوابي و الله تعالى اعلم ربنا لا تجعل في
١) عمر ابن الفارض توفي سنة ٦٣٦ ه. [ ١٢٣٩ م.] في القاهرة )
- ١٧٨ -
قلوبنا غ ً لا للذين امنوا الله  م حببنا في اهل ولايتك و اهل عنايتك الذين كشفت
حجاب الرين عن قلوم حتى ا ّ طلعوا على معاني الملكوت و اسرار الجبروت و قال
ال  شيخ الامام العارف صف  ي ال  دين بن أبي المنصور( ١) في رسالته رأيت بدمشق ال  شيخ
الامام الوحيد العالم العامل بحر الحقائق محىالدين بن عربي و كان من اكبر علماء
الطريق جمع بين سائر العلوم الكسبية و بين ما وّفر من العلوم الوهبية و شهرته عظيمة
و تصانيفه كثيرة و كان قد غلب عليه التوحيد علمًا و خلْقًا و  خُلقًا لا يكترث
بالوجود مقبلا او مدبرا و له اتباع علماء ارباب مراقبة و تصانيف و كان بينه و بين
سيدى أبي العباس الح ّ ذاء اخاء و رفقة في السياحات و قال في موضع آخر من الرسالة
كتب ال  شيخ محي ال  دين بن عربي كتابًا من دمشق الى ال  شيخ أبي العباس الحذاء قال فيه
يا اخى اخبرني مما يج  دد لك من الفتح فقال لي ال  شيخ اكتب اليه اكتب ا ّ لي جرى امور
غريبة النظر عجيبة الخبر فكتب اليه ابن عربي توجه ا ّ لي ا بباطنك اجيبك عنها بباطني
فعرض ذلك على ال  شيخ امرء و قال لي اكتب له أشهدت الأولياء دائرة مستديرة في
وسطها اثنان احدهما ال  شيخ أبو الحسن بن ال ّ طحان و الآخر رجل اندلسي و انا قد
شهدم فقيل لي احد هذين هو الغوث فبقيت متحيرًا لا اعلم من هو منهما فظهرت
لهما آية ف  خرا ساجدين فقيل لي الذي يرفع رأسه اولا هو القطب الغوث فرفع
الاندلسي رأسه اولا فتحققته فوقفت عليه فسألته سؤالا بغير حرف و لا صوت
فأجابني و سودت لسائر دائرة الأولياء فاخذ منها كل و ّ لي بقسطه فإن كنت يا اخى
ذه المثابة تحدثت معك من مصر فلم يعد ما يكتب له من ذلك شيئًا و قال ال  شيخ
عبد الغّفار القرظي( ٢) في كتاب التوحيد ح  دثنى ال  شيخ عبد العزيز المنوفي( ٣) عن خادم
ال  شيخ محي ال  دين بن عربي قال كان ال  شيخ يمشي و انسان يسبه و هو ساكت لا يرد
١) صف  ي ال  دين حسين بن علي توفي سنة ٦٨٢ ه. [ ١٢٨٣ م.] في القاهرة )
٢) عبد الغّفار القرظي توفي سنة ٧٠٨ ه. [ ١٣٠٨ م.] في مصر )
٣) عبد العزيز المنوفي ال  شافعي العارف بالمواقيت للصلاة توفي سنة ٧٠٣ ه. [ ١٣٠٤ م.] )
- ١٧٩ -
عليه فقلت له يا سيدى ما تنظر الى هذا قال و لمن يقول قلت يقول لك فقال ما سبنى
فأنا قلت كيف قال هذا تصورت له صفات ذميمة فهو يس  ب تلك الصفات و ما انا
بموصوف ا و قال ال  شيخ عبد الغّفار لقد حكى لي ال  شيخ عبد العزيز عن ابن عربي
حكايات من هذا الجنس و غيره مما يتكلم الناس فيه و ينسبونه الى الكفر بالفاظ
وجدوها في الكتب ما تأ  ولوها قال ال  شيخ عبد العزيز ان شخ  صا كان بدمشق فرض
على نفسه أن يلعن ابن عربي كل يوم عقيب كل صلوة عشر مرات فأتفق أنه مات و
حضر ابن عربي مع الناس جنارته ثم رجع و جلس في بيت مع اصحابه و توجه الى
القبلة فلما جاء وقت الغذاء احضر اليه الغذاء فلم يأكل شيئًا و لم يزل على حاله
متوجها يصّلي الصلوات و يتوجه الى ما بعد العشاء الآخرة فالتفت و هو مسرور و
طلب الطعام فقيل له في ذلك فقال التزمت مع الله تعالى أن لا آكل و لا اشرب حتى
يغفر لهذا الذي كان يلعنني فبقيت كذلك و ذكرت له سبعين الفًا لا اله الا الله و رأيته
قد غفر له قال ال  شيخ عبد الغّفار و حكى ال  شيخ عبد العزيز حكايات تدل على عظم
شأنه و كشفه و اطلاعه قال و حكى الامام مح  ب ال  دين الطبري( ١) شيخ الحرم بمكة
المشرفة عن والدته و كانت من ال  صالحات اا ربما أنكرت على ابن عربي كلاما قاله
في معنى الكعبة المشرفة قالت فرأيت الكعبة تطوف بابن عربي و قد كان بين ال  شيخ عز
الدين بن عبد ال  سلام و بين ال  شيخ محي ال  دين بن عربي اخاء و صحبة اخبره ال  شيخ عبد
العزيز بذلك لأن ال  شيخ عز الدين كان منكرا بظاهر الحكم و حكي عن خادم ال  شيخ
عز ال  دين أنه دخل مع ال  شيخ الى الجامع بدمشق و قال الخادم لل  شيخ عز ال  دين انت
وعدتنى انك تريني القطب فقال له ذلك القطب و اشار الى ابن عربي و هو جالس و
الحلقة عليه و قال يا سيدى فانت تقول فيه ما تقول فقال هو القطب فكرر عليه القول
و هو يقول له ذلك فإن يكن القطب فلا معارضة في قول ال  شيخ عز الدين لانه انما
يحكم عليه بما يبدو من الأمور الظاهرة و حفظ شياح ال  شرع ال  شريف و ال  سرائر امرها
١) مح  ب ال  دين أبو العباس الطبري أحمد توفي سنة ٦٩٤ ه. [ ١٢٩٥ م.] )
- ١٨٠ -
الى الله تعالى يفعل فيها ما يشاء فقد يكون يطلع على محله و رتبته فلا ينكرها و إذا بدا
في الظاهر شيئ مما لا يعهده الناس في الظاهر أنكره حفظًا لقلوب الضعفاء و وقوفًا مع
ظاهر ال  شرع و ما كلف به فيعطى هذا المقام حقه و هذا حقه و الله تعالى اعلم هذا
كلام ال  شيخ عبد الغّفار في جمعه بين مقالتى ال  شيخ الامام عز ال  دين في حق ابن عربي و
عندي في الجمع احسن من ذلك و هو ما اشار اليه ال  شيخ تاج ال  دين بن عطاء الله أن
ال  شيخ عز الدين كان اولا على طريقة الفقهاء في المسارعة الى الانكار على ال  صوفية
فلما ح  ج ال  شيخ أبو الحسن ال  شاذلي و رجع و اقرأه ال  سلام من الن  بي صّلى الله تعالى
عليه و سّلم حسن اعتقاده في ال  صوفية و لزم مجالسهم بعد ذلك و الظاهر ان انكاره
على ابن عربي كان في اول أمره لما كان ال  شيخ عز الدين اولا بدمشق و ثناؤه عليه
كان بعد ذلك في آخر عمره قال ال  شيخ عبد الغّفار و قد حكى الثقة عن ابن عربي ان
شخ  صا طلع له و هو بغرفة بدمشق و كان ال  شيخ عز الدين حاضرًا عنده فقال له ذلك
الشخص إني اقصد الجهة الفلانية فقال ال  شيخ محي ال  دين بمآخذك العرب فقال لابد لي
من السفر فترل فذهب فإذا ال  شيخ يقول هذا البدوى خرج عليه و اخذ ثيابه و ها هو
قد رجع و جعل يقول ها هو الى أن قال فلان قال نعم فطلع لنا عريانًا و نحن جلوس
بمكاننا قال ال  شيخ عبد الغّفار هذا كشف صريح قال و قد اشتبه الحال على الحاكي
هل هو القاضي جلال ال  دين بن السبكي عن قاضي القضاة وجيه ال  دين البهنسى ام هو
ال  شيخ عبد العزيز قال كلاهما إذا حكيا سواء قال ال  شيخ عبد الله بن اسعد اليافعي في
الارشاد اجتمع ال  شيخان العارفان الامامان المحققان الربانيان ال  شيخ شهاب ال  دين
السهرودى و ال  شيخ محي ال  دين بن عربي فأطرق كل و احد منهما ساعًة ثم افترقا من
غير كلام فقيل لابن عربي ما تقول في ال  شيخ شهاب ال  دين ال  سهروردي قال مملوء سنة
من فوقه الى قدمه و قيل للسهروردي ما تقول في ال  شيخ محي ال  دين بن عربي فقال بحر
الحقائق و القطب الكبير و هو الغوث و بلغني عن بعض ال  شيوخ الكبار العارفين أنه
كان يقرأ عليه اصحابه كلام ابن عربي و يشرحه لهم فلما حضرته الوفاة اهم عن
- ١٨١ -
مطالعة كتب ابن عربي و قال انتم ما تفهمون مراده و معاني كلامه و سمعت أ ّ ن ال  شيخ
الامام الفقيه عز ال  دين بن عبد ال  سلام كان يطعن في ابن عربي و يقول هو زنديق فقال
له يومًا بعض اصحابه يا سيدى اريد أن تريني القطب فأشار الى ابن عربي و قال ها
ذاك هو القطب فقيل له انت تطعن فيه فقال حتى اصون ظاهر ال  شرع أو َ ك  م قال
اخبرني بذلك غير واحد ما بين مشهور بال  صلاح والفضل ومعروف بالدين و ثقة عدل
من اهل الشام و من اهل مصر ا ّ لا أ ّ ن بعضهم روى أن تريني وليًا و بعضهم روى أن
ترينى القطب و قد مدحه و عظمه طائفة من شيوخ الطريقة و علماء الحقيقة كالشيخ
الحريري و الشيخ نجم ال  دين الاصبهانى و ال  شيخ تاج ال  دين بن عطاء الله و غيرهم ممن
يكثر عددهم و يعلو مجدهم و اثنوا عليه و طعن فيه طائفة لا سيما من الفقهاء الذين
زيغ الله تعالى قلوم و تبعوا قشر العلم و تركوا باطنه لاجل ال  دنيا و طلب الرياسة
حتى تميل الناس الى قولهم و طعنوا في أولياء الله تعالى و ائمة الهدى الذين اشتغلوا بالله
تعالى و توقفت طائفة فقالوا ان كان ما نقله الطاعن ونسبه الى المشايخ مما يخالف العلم
الظاهر فله محامل الاول انا لا نسلم نسبته اليهم حتى يصح عنهم الثاني بعد الصحة
يلتمس له تأويل موافق و إن لم يوجد له تأويل قيل لعل له تاوي ً لا عند اهل العلم الباطن
العارفين الثالث صدور ذلك عنهم في حال السكر و الغيبة و السكران سكرًا مباحًا
غير مؤاخذ لانه غير مكلف في ذلك الحال فسوء الظن لهم بعد هذه المخارج من عدم
التوفيق نعوذ بالله تعالى من الخذلان و سوء القضاء من جميع انواع البلاء و قال ايضًا
في موضع آخر من الارشاد ما ن  صه شيخ الطائفة و بحر الحقيقة محي ال  دين بن عربي
كنت انا و صاحب لي في المغرب الاقصى لساحل البحر المحيط و هناك مسجد يأوي
اليه الابدال فرأيت انا و صاحبى رج ً لا قد وضع حصيرا في الهوى على مقدار اربع
اذرع من الارض و صّلى عليه فجئت انا و صاحبي حتى وقفت تحته و قلت شعر:
شغل المح  ب عن الحبيب بسره * في حب من خلق الهواء و سخره
و العارفون عقولهم معقولة * عن كل كون ترتضيه مطهره
- ١٨٢ -
فهم لديه مكرمون و عنده * اسرارهم محفوظة و محرره
فأوجز في صلوته وقال انما فعلت هذا لأجل المنكر الذي معك وأنا أبوالعباس
الخضر و انت يا محي ال  دين علمك من بحر علمى و المنكرون محرومون لقلة معرفتهم في
العلم في الله تعالى قال ال  شيخ محي ال  دين ولم أكن أعلم ان صاحبي ينكر كرامات الأولياء
فالتفت اليه و قلت يا فلان أكنت تنكر كرامات الأولياء قال نعم قلت فما تقول الآن
قال بعد العيان ما يقال و قال ايضًا دعانا بعض الفقراء الى دعوة بزقاق القناديل بمصر
فاجتمع لها جماعة من المشايخ فق  دم الطعام وعجزت الاوعية وهناك وعاء زجاج جديد
قد اتخذ للبول و لم يستعمل بعد ففرق ر  ب المترل فيه الطعام فبينا الجماعة ياكلون و إذا
الوعاء يقول فقد اكرمنى الله تعالى بأكل هؤلاء السادة مني فلا ارضى لنفسى بعد ذلك
أن اكون محلا للأذى ثم انكسر نصفين قال فقلت للجمع سمعتم ما يقول الوعاء قالوا
نعم قلت ما سمعتم فأعادوا القول الذي تقدم قلت قال قو ً لا غير ذلك قالوا و ما هو
قلت قال كذلك قلوبكم قد اكرمها الله تعالى بالإيمان فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون
محالا لنجاسة المعصية وح  ب ال  دينا اورد هاتين الحكايتين ايضًا اي كال  شيخ الامام الفقيه
عز الدين بن عبد ال  سلام عن ابن عربي ال  شيخ تاج ال  دين بن عطاء الله في لطائف المنن
و الحكام قاضي القضاة شرف ال  دين البارزي في كتابه توثيق عرى الإيمان قال الحافظ
مح  ب ال  دين بن البحار في ذيل تأريخ بغداد هو مح  مد بن عل  ي بن مح  مد بن العربي أبوعبد
الله الطائى من اهل الاندلس ذكر لي فيها أنه ولد في ليلة الاثنين سابع عشر من رمضان
سنة ستين و خمسمائة و نشأ ا و انتقل الى اشبيلية في سنة ثمان و سبعين فأقام ا الى
سنة ثمان و تسعين ثم دخل بلاد الشرق و طاف بلاد الشام ودخل بلاد الروم وكان قد
صحب ال  صوفية و ارباب القلوب و سلك طريق الفقه وح  ج وجاور و صنف كتبا في
علم القوم في اخبار مشايخ الغرب و ز  هادها و له اشعار حسنة و كلام مليح اجتمعت
به بدمشق و كتبت عنه شيئًا و من شعره و نعم ال  شيخ دخل بغداد و ح  دث ا بشئ
من مصنفاته و كتب عنه الحافظ أبو عبد الله الرشيني و من شعره و انشدنى لنفسه:
- ١٨٣ -
ايا حائرًا ما بين علم و شهوة * ليتصلا ما بين ضدين من وحل
و من لم يكن منتشق الريح لم يكن * يرى الفضل للمسك العتيق على الزبل
كتب أبو الحافظ ضياء ال  دين المقدسي أن ابن العربي توفي ليلة الجمعة الثانى و
العشرين من ربيع الا  ول سنة ثمان وثلاثين وستمائة فيكون عمره سبعة و سبعين سنة و
نصفًا وستة ايام ومنهم قاضي القضاة العلامة سراج ال  دين الهندي الحنفي( ١) أحد الأئمة
الحنفية وقاضي الحنفية بالديار المصرية وصاحب المصنفات كشرح الهداية و شرح المغنى
كان يتعصب لابن العربي و ابن الفارض و اّلف شرحًا على تائية ابن الفارض وعند ابن
أبي حجلة لكلامه فيه ومنهم ال  شيخ ولي ال  دين مح  مد بن أحمد الملوي أحد العلماء الشافعية
كان عارفا بالتفسير والفقه والاصول والتص وف الف عدة تصانيف على طريقة ابن عربي
و مات في ربيع الا  ول سنة اربع وسبعين وسبعمائة وحضر جنازته ثلاثون الفا وحكي
أنه قال عند موته حضرت ملائكة ربي و ب  شرونى و احضروا لي ثيابا من الجنة فاعروا
عنى ثيابي فترعوها فقال ارحتمونى ثم زاد سروره و مات في الحال و منهم ال  شيخ أبوذ  ر
أحمد بن عبد الله العجمي أحد من كان ينقل للناس من الفصوص ذكر الحافظ ابن
حجر في انباء الغمر أنه كان يد  رس من كتب ابن عربي و أنه كان للناس فيه اعتقاد
مات سنة ثمانين وسبعمائة ومنهم ال  شيخ بدرال  دين أحمد بن ال  شيخ شرف ال  دين مح  مد بن
فخر ال  دين بن الصاحب اء ال  دين بن جشاء المشهور بالبدر بن الصاحب قال ابن حجر
تفقه وشهر بالعلم والف تواليف وكان يحسن الظن بتصانيف ابن عربي وبالفصوص
بالنقل منها مات سنة ثمان و ثمانين و سبعمائة و منهم شمس ال  دين مح  مد بن ابراهيم بن
يعقوب المعروف بشيخ الوضوء قال ابن حجر كان يقرأ القراآت السبع و يشارك البدر
بن الصاحب في الفضائل وينظر في كلام ابن عربي وقال ابن حجر تفقه و افتى و د  رس
و اذن له ابن الخطيب بيروت للافتاء وكان التاج السبكي يثنى عليه وكان حسن الفهم
جيد المناظرة وسلك طريق التصوف وكان يعتقد ابن عربي مات سنة سبعين وسبعمائة
١) سراج ال  دين عمر الهندي توفي سنة ٧٧٣ ه. [ ١٣٧١ م.] في مصر )
- ١٨٤ -
و منهم ال  شيخ أبو عبد الله مح  مد بن سلامة التوزي المغربي قال ابن حجر كان فاض ً لا
في الاصول و الفقه داعيا الى مقالة ابن عربي يناضل عنها و يناظر عليها مات سنة
ثمانمائة و منهم ال  شيخ شمس ال  دين مح  مد بن أحمد ال  صوفي المعروف بابن نجيم نزيل م ّ كة
قال ابن حجر سلك على طريقة ال  شيخ يوسف العجمي و تجرد للعبادة و كان كثير
العبادة قال ابن حجر كان على طريقة ابن عربي مات سنة إحدى و ثمانمائة و منهم
ال  شيخ نجم ال  دين الماهى قال ابن حجر كان افضل الحنابلة بال  ديار المصرية و احقهم
بولاية القضاء قال ابن حجر و كان له نظر في كلام ابن عربي و قد درس و افتى مات
سنة اثنتين و ثمانمائة و منهم ال  شيخ اسماعيل بن ابراهيم بن الجرت الجرتى ثم الزبيدى
قال ابن حجر تعانى الاشتغال ثم تص وف و كان خيرًا عابدًا حسن السمت محبا في
( مقالة ابن عربي مات سنة ست و ثمانمائة و منهم العلامة مجد ال  دين الشيرازي( ١
صاحب القاموس قال ابن حجر لما اشتهر باليمن مقالة ابن عربي و دعا اليها ال  شيخ
اسماعيل الجرتي و غلب على علماء تلك البلاد صار ال  شيخ مجد ال  دين يدخل في شرح
البخاري من كلام ابن عربي و منهم ال  شيخ علاء ال  دين أبو الحسن بن سلام الدمشقي
ال  شافعي احد الأئمة الشافعية بال  شام و مصنفيهم قال ابن حجر كان ينسب الى نصرة
مقالة ابن عربي و يتحمل لها تأويلات كانت وفاته سنة تسع و عشرين و ثمانمائة و
منهم العلامة قاضي القضاة شمس ال  دين الشباطي المالكى ذكر ابن حجر في حوادث
سنة احدى و ثلاثين و ثمانمائة أنه حضر معه عند ال  شيخ علاء ال  دين البخاري فجرى
ذكر ابن عربي فبالغ ال  شيخ علاء ال  دين في ذمه و اكفار من يقول بمقالته فانتصر له
الشباطي و قال انما ينكر الناس على ظاهر الفاظه التى نقولها و ا ّ لا فليس في كلامه ما
ينكر إذا حمل لفظه على مراده على ضرب من التأويل و كان من جملة كلام ال  شيخ
علاء ال  دين الانكار على من يعتقد الوحدة المطلقة و كان من جملة كلام الشباطي انتم
تعترفون الوحدة المطلقة فاستشاط البخاري غضبًا و اقسم بالله تعالى أن لم يعزل
١) مح  مد الفيروز آبادي الشيرازي صاحب القاموس توفي سنة ٨١٧ ه. [ ١٤١٤ م.] )
- ١٨٥ -
السلطان الشباطي من القضاء ليخرج  ن من مصر و التمس من كاتب السر ان يسأل
السلطان في ذلك فهم السلطان أن يوافقه و اراد ان يقرب الشهاب بن تقي مكان
الشباطي فاحضر و احضرت خلعة ثم بطل ذلك الس قلت هذا من تركه الانتصار
للأولياء انتهى و استمر الشباطي في منصبه و لم يتفق له عزل الى أن مات بعد احد
عشر سنة من هذه الوقعة و ذكر البرهان البقاعي( ١) في معجمه حكي أ ّ ن ال  شيخ معز
ال  دين بن أبي الوفاء المقدسي يشير على انظارها بقراءة كتب ابن عربي و نحوها من  رها
و بعض يمنع من ذلك فاستشرت الشيخ يوسف الامام الصفدي في ذلك فقال اعلم يا
ولدي وفقك الله تعالى إ ّ ن هذا العلم المنسوب لابن عربي ليس بمخترع له و انما هو
كان ماهرا فيه و قد ادعى اهله أنه لا يمكن معرفتها ا ّ لا بالكشف فإذا صح مدعاهم فلا
فائدة في تقريره لانه إن كان المقرر له مطلعًا فالتقرير تحصيل الحاصل و إن كان المطلع
احدهما فتقريره لا ينفع الآخر و ا ّ لا فهما يخبطان خبط عشواء فسبيل العارف عدم
البحث عن هذا العلم و عليه السلوك فيما يوصل الى الكشوف عن الحقايق و متى
( كشف له عن شئ علمه و يمشي في اعلامه قال ثم استشرت ال  شيخ زين ال  دين الحافي( ٢
بعد أن ذكرت له كلام ال  شيخ يوسف فقال ال  شيخ حسن و ازيدك أ ّ ن العبد إذا تخلق ثم
تحقق ثم جذب اضمحّلت ذاته و ذهبت صفاته و تخلص من السؤال فعند ذلك يلوح له
بروق الحق بالحق فيطلع على كل شئ و يرى الله تعالى عند كل شئ و يغيب بالله
تعالى عند كل شئ و لايرى شيئًا سواه فيظن أ ّ ن الله تعالى عين كل شئ و هذا اول
المقامات فإذا ترّقى عن هذا المقام و أشرق عليه من مقام هو أعلى منه و ع  ضده التأييد
الاله  ي رأى أ ّ ن الأشياء كلها فيض وجوده تعالى لا عين وجوده فالناطق حينئذٍ بما ظنه
في اول مقام اما محروم ساقط و اما نادم تائب و ربك يفعل ما يشاء انتهى فإن قلت
فهذا ال  شيخ ولي ال  دين العراقي قد قال في فتاواه قد بلغني عن ال  شيخ الامام علاء ال  دين
١) ابراهيم بن عمر برهان ال  دين البقاعي ال  شافعي توفي سنة ٨٨٥ ه. [ ١٤٨٠ م. )
٢) أبو بكر زين ال  دين الحافي توفي سنة ٨٣٨ ه. [ ١٤٣٤ م.] )
- ١٨٦ -
القونوي( ١) أنه قال في مثل ذلك انما يؤ  ول كلام المعصومين قلت هذا منقوض بأمرين
احدهما ان القونوي قد فعل ذلك في كتابه شرح التعرف فنقل عن ابن عربي و غيره
كلمات ظاهرها المنافاة للشرع ال  شريف ثم تأ  ولها و خرجها على احسن المحامل فهذا
منه اما دليل على بطلان ما نقل عنه من عدم التأويل او رجوعه عنه و الثانى أ ّ ن كلام
القونوي لو ثبت أنه قال و لم يقل خلافه في شرح التعرف معارض بقول من هو اجل
منه و هو شيخ الاسلام ولي الله تعالى ال  شيخ محي الدين النووي فإنه ن  ص في كتابه
بستان العارفين خلاف قول القونوي فقال بعد أن حكي عن أبي الخير اليوناني حكاية
ظاهرها الانكار قلت قد يتوهم من يتشبه بالفقهاء و لا فقه عنده أن ينكر على أبي
الخير هذا و هذه جهالة و غباوة ممن يتوهم ذلك و خسارة منه على ارسال الظنون في
أفعال أولياء الرحمن فليحذر العاقل من التعرض لشئ من ذلك بل حقه إذا لم يفهم
حكمهم المستفادة و الطافهم المستجادة أن يفتشهما ممن يعرفهما و كل شئ رأيته من
هذا النوع مما يتوهم من لا تحقيق عنده أنه مخالف ليس مخالفا بل يجب تأويل أفعال
أولياء الله تعالى هذا كلام النووي بحروفه و لابن عربي هذا ولد مشهور أديب فقيه
يسمى سعد ال  دين محمد بن مح  مد بن عربي شعره مشهور في تذكرة ال  صلاح الصفدي
و غيره و قد روى عنه من شعره الحافظ شرف ال  دين الدمياطي في معجمه و قال مح  مد
بن مح  مد بن عربي بن مح  مد بن أحمد أبي عبد الله بن عبد الله الطائي الحاتمي المغربي ايد
في رأيه الدمشقي المولد ال  شافعي الفقيه الأديب المعروف بابن ابن العربي و المنعوت
بالسعدي توفي بدمشق في جمادي الآخرة سنة ست و خمسين و ستمائة و قال في
كتابه الانسان الكامل ال  شيخ محي ال  دين بن عربي امام من ائمة علماء لدنيين فمن طعن
فيه فهو د  جال خارج  ي دع  ي. ّ تم بعون الله تعالى و حسن توفيقه.
١) علاء ال  دين علي التبريزي ثم القونوي ال  شافعي توفي سنة ٧٢٩ ه. [ ١٣٢٩ م.] )
- ١٨٧ -
قال الامام الرباني مج  دد الالف الثانى أحمد الفاروقي السرهندي في المكتوب
التاسع و الثمانين من الد الثالث: و لما وصلت النوبة الى ال  شيخ الأجل محي ال  دين ابن
العربي قدس سره شرح مسئلة التوحيد الوجودي من كمال المعرفة و ب  وا و ف  صلها و
د  وا تدوين ال  صرف و النحو و مع ذلك لم يفهم جمع من هذه الطائفة مراده فخ ّ طؤه
و طعنوا فيه و اطلقوا عليه لسان الملام و ال  شيخ مح  ق في اكثر تحقيقات هذه المسئلة و
الطاعنون فيه بعيدون عن الصواب ينبغي أن يعرف جلالة شأن ال  شيخ و وفور علمه
من تحقيق هذه المسئلة لا أن يرده و يطعن فيه و قال في المكتوب التاسع و السبعين من
تلك الد و نحن المتأخرون العاجزون استفضنا من بركاته و نلنا حظًا وافرًا من علومه
و معارفه جزاه الله سبحانه عنا خير الجزاء و قال عروة الوثقى مح  مد معصوم ابن الامام
الرباني (ق  دس سرهما) في المكتوب التاسع و العشرين من الد الاول: ال  شيخ محي ال  دين
ابن العربي ق  دس سره كان صاحب الاسناد في علم الحديث و اتهد في علم الفقه.
دعاءُ الت  وحِيدِ
يا َالله يا َالله َ لا اَِله اِلاَّ الله محمد رسو ُ ل اللهِ يا  رح  من يا رحِي  م يا عفُ  و يا َ كرِيم
فَاع  ف  عني  و ار  حمنيِ يا َار  ح  م ال  راحِمِ  ين ت  وفَّنيِ م  سلِ  ما  و َالحِْقْنيِ بِال  صالِحِ  ين َاللَّه  م ا ْ غفِ  ر ليِ
 و لِآبائِي  و ُأمهاتيِ  و لِآباءِ  و ُامهاتِ  ز  و  جتِي  و لِأَج  دادِي  و ج  داتيِ  و لِأَبنائِي  و بناتيِ  و
لِإِخ  وتيِ  و َأ  خ  واتيِ  و لِأَع  مامِي  و  ع  ماتيِ  و لِأَ  خ  واليِ  و خا َ لاتيِ  و لِأُ  ستاذِي  عبدِ اْلحَكِيمِ
رح  مةُ اللهِ تعا َ لى  عَليهِم  » ْالآ  ر  واسِي  و لِلْمؤمِنِ  ين  و اْل  م  ؤمِناتِ َا َ لا  حياءِ مِن  ه  م  و ْا َ لا  م  واتِ
بِ  رح  متِ  ك يا َار  ح  م ال  راحِمِ  ين  و ْا َ لح  م  د لِلهِ ر  ب اْلعاَلمِ  ين « َأج  معِ  ين
 د  عاءُ ْالاِ  ستِ  غَفارِ
َاستغفِر اللهَ الْعظيِ  م الَّذِي َ لا اَِله إِلاَّ ه  و اْلحَ  ي الْقَيوم  و َأت  و  ب إَِليهِ
- ١٨٨ -
المنحة الوهبية
في رد الوهابية
لداود بن السيد سليمان البغدادي
قد اعتنى بطبعه طبعة جديدة بالأوفست
وقف الإخلاص
Hakîkat Kitâbevi
Darüşşefeka Cad. 57 P.K.: 35 34262
Tel: 0212 523 45 56 Fax: 0212 525 59 79

http://www.hakikatkitabevi.com

e-mail: bilgi@hakikatkitabevi.com
Fatih-İSTANBUL
2000
- ١٨٩ -
اسماء الكتب العربية التي نشرا مكتبة الحقيقة
اسماء الكتب عدد صفحاا
١ – جزء عم من القرآن الكريم ٣٢
٢ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الاول) ٦٠٤
٣ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الثانى) ٤٦٢
٤ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الثالث) ٦٢٤
٥ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الرابع) ٦٢٤
٦ – الايمان و الاسلام و يليه السلفيون ١٦٠
٧ – نخبة اللآلي لشرح بدء الامالي ١٤٤
٨ – الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية (الجزء الاول) ٤٣٦
٩ – علماء المسلمين و جهلة الوهابيين و يليه شواهد الحق
و يليهما العقائد النسفية و يليها تحقيق الرابطة ١٦٠
١٠ – فتاوى الحرمين برجف ندوة المين و يليه الدرة المضيئة ١٢٨
١١ – هدية المهديين و يليه المتنبئ القادياني و يليهما الجماعة التبليغية ١٩٢
١٢ – المنقذ عن الضلال و يليه الجام العوام عن علم الكلام و يليهما تحفة الاريب
و يليها نبذة من تفسير روح البيان ٢٥٦
١٣ – المنتخبات من المكتوبات للامام الرباني ٣٣٦
١٤ – مختصر (التحفة الاثني عشرية) ٣٥٢
١٥ – الناهية عن طعن امير المؤمنين معاوية و يليه الذب عن الصحابة
و يليهما الاساليب البديعة و يليها الحجج القطعية و رسالة رد روافض ١٨٤
١٦ – خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد و التلفيق و يليه الحديقة الندية ٣٦٨
١٧ – المنحة الوهبية في رد الوهابية و يليه اشد الجهاد
و يليهما الرد على محمود الآلوسي و يليها كشف النور ١٩٢
١٨ – البصائر لمنكري التوسل باهل المقابر و يليه غوث العباد ٣٨٤
١٩ – فتنة الوهابية و الصواعق الالهية و سيف الجبار و الرد على سيد قطب ٢٧٢
- ١٩٠ -
اسماء الكتب عدد صفحاا
٢٠ – تطهير الفؤاد و يليه شفاء السقام ٢٥٦
٢١ – الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل و الكرامات و الخوارق
و يليه ضياء الصدور و يليهما الرد على الوهابية ١٧٦
٢٢ – الحبل المتين في اتباع السلف الصالحين و يليه العقود الدرية و يليهما هداية الموفقين ١٣٦
٢٣ – خلاصة الكلام في بيان امراء البلد الحرام (من الجزء الثاني) ويليه ارشاد الحيارى
في تحذير المسلمين من مدارس النصارى ويليهما نبذة من الفتاوى الحديثية ٢٢٤
٢٤ – التوسل بالنبي و بالصالحين و يليه التوسل للشيخ محمد عبد القيوم القادري ٣٣٦
٢٥ – الدرر السنية في الرد على الوهابية و يليه نور اليقين في مبحث التلقين ٢٢٤
٢٦ – سبيل النجاة عن بدعة اهل الزيغ و الضلال و يليه كف الرعاع عن المحرمات
و يليهما الاعلام بقواطع الاسلام ٢٠٨
٢٧ – الانصاف في بيان سبب الاختلاف و يليه عقد الجيد
و يليهما مقياس القياس و المسائل المنتخبة ٢٢٤
٢٨ – المستند المعتمد بناء نجاة الابد ٢٧٢
٢٩ – الاستاذ المودودي و يليه كشف الشبهة عن الجماعة التبليغية ١٢٨
٣٠ – كتاب الايمان (من رد المحتار) ٣٠٤
٣١ – الفقه على المذاهب الاربعة (الجزء الاول) ٣٣٦
٣٢ – الفقه على المذاهب الاربعة (الجزء الثاني) ٣٢٠
٣٣ – الفقه على المذاهب الاربعة (الجزء الثالث) ٣٦٨
٣٤ – الادلة القواطع على الزام العربية في التوابع و يليه فتاوى علماء الهند
على منع الخطبة بغير العربية و يليهما الحظر و الاباحة من الدر المختار ١٢٠
٣٥ – البريقة شرح الطريقة (الجزء الاول) ٤٨٠
٣٦ – البريقة شرح الطريقة و يليه منهل الواردين في مسائل الحيض (الجزء الثاني) ٢٢٨
٣٧ – البهجة السنية في آداب الطريقة و يليه ارغام المريد ٢٢٤
٣٨ – السعادة الابدية في ما جاء به النقشبندية و يليه الحديقة الندية
في الطريقة النقشبندية و يليهما الرد على النصارى و الرد على الوهابية ٣٠٤
- ١٩١ -
اسماء الكتب عدد صفحاا
٣٩ – مفتاح الفلاح ويليه خطبة عيد الفطر ويليهما لزوم اتباع مذاهب الائمة ١٩٢
٤٠ – مفاتيح الجنان شرح شرعة الاسلام ٥٩٢
٤١ – الانوار المحمدية من المواهب اللدنية (الجزء الاول) ٤٤٨
٤٢ – حجة الّله على العالمين في معجزات سيد المرسلين ويليه مسئلة التوسل ٢٠٨
٤٣ – اثبات النبوة و يليه الدولة المكية بالمادة الغيبية ٢٢٤
٤٤ – النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم و يليه نبذة من
الفتاوى الحديثية و يليهما كتاب جواهر البحار ٣٣٦
٤٥ – تسهيل المنافع وامشه الطب النبوي ويليه شرح الزرقاني على المواهب اللدنية
و يليهما فوائد عثمانية و يليها خزينة المعارف ٣٠٤
٤٦ – الدولة العثمانية من كتاب الفتوحات الاسلامية ويليه المسلمون المعاصرون ٢٥٦
٤٧ – كتاب الصلاة ويليه مواقيت الصلاة و يليهما اهمية الحجاب الشرعي ١٦٠
٤٨ – الصرف و النحو العربي و عوامل و الكافية لابن الحاجب ١٧٦
٤٩ – الصواعق المحرقة في الرد على اهل البدع والزندقة ويليه تطهير الجنان واللسان ٣٣٦
٥٠ – الحقائق الاسلامية في الرد على المزاعم الوهابية ١١٢
٥١ – نور الاسلام تأليف الشيخ عبد الكريم محمد المدرس البغدادي ٣٠٤
٥٢ – الصراط المستقيم في رد النصارى ويليه السيف الصقيل ويليهما القول الثبت
و يليها خلاصة الكلام للنبهاني ١٢٨
٥٣ – الرد الجميل في رد النصارى و يليه ايها الولد للغزالي ٢٥٦
٥٤ – طريق النجاة و يليه المكتوبات المنتخبة لمحمد معصوم الفاروقي ٩٦
٥٥ – القول الفصل شرح الفقه الاكبر للامام الاعظم ابي حنيفة ٤١٦
٥٦ – جالية الاكدار و السيف البتار (لمولانا خالد البغدادي) ٩٦
٥٧ – اعترافات الجاسوس الانگليزي ١٩٢
٥٨ – غاية التحقيق و اية التدقيق للشيخ السندى ١٢٨
- ١٩٢ -
٥٩ – المعلومات النافعة لأحمد جودت باشا ٥٢٨
٦٠ – مصباح الانام وجلاء الظلام فى رد شبه البدعى النجدى ويليه رسالة فيما
يتعلق بادلة جواز التوسل بالنبى وزيارته صلى الله عليه وسلم ٢٢٤
٦١ – ابتغاء الوصول لح  ب الله بمدح الرسول و يليه البنيان المرصوص ١٩٢
٦٢ – الإسلام و سائر الأديان ٣٠٤
٦٣ – مختصر تذكرة القرطبي للأستاذ عبد الوهاب الشعراني و يليه قرة العيون للسمرقندي ٤٨٠
اسماء الكتب الفارسية التي نشرا مكتبة الحقيقة
اسماء الكتب عدد صفحاا
١ – مكتوبات امام رباني (دفتر اول) ٦٧٢
٢ – مكتوبات امام رباني (دفتر دوم و سوم) ٦٠٨
٣ – منتخبات از مكتوبات امام رباني ٤١٦
٤ – منتخبات ازمكتوبات معصومية ويليه مسلك مجدد الف ثاني (با ترجمه اردو) ٤٣٢
٥ – مبدأ و معاد و يليه تأييد اهل سنت (امام رباني) ١٥٦
٦ – كيمياي سعادت (امام غزالي) ٦٨٨
٧ – رياض الناصحين ٣٨٤
٨ – مكاتيب شريفه (حضرت عبد الله دهلوي) و يليه اد التالد
و يليهما نامهاي خالد بغدادي ٢٨٨
٩ – در المعارف (ملفوظات حضرت عبد الّله دهلوي) ١٦٠
١٠ – رد وهابي و يليه سيف الابرار المسلول على الفجار ١٤٤
١١ – الاصول الاربعة في ترديد الوهابية ١٢٨
١٢ – زبدة المقامات (بركات احمدية) ٤٢٤
- ١٩٣ -
١٣ – مفتاح النجاة لاحمد نامقي جامي ويليه نصايح عبد الله انصاري ١٢٨
١٤ – ميزان الموازين في امر الدين (در رد نصارى) ٣٠٤
١٥ – مقامات مظهرية و يليه هو الغني ٢٠٨
١٦ – مناهج العباد الى المعاد و يليه عمدة الاسلام ٣٢٠
١٧ – تحفه اثنى عشريه (عبد العزيز دهلوي) ٨١٦
١٨ – المعتمد في المعتقد (رساله توربشتي) ٢٨٨
١٩ – حقوق الاسلام ويليه مالاب  د منه ويليهما تذكرة الموتى والقبور ٢٧٢
٢٠ – مسموعات قاضى محمد زاهد از حضرت عبيد الله احرار ١٩٢
٢١ – ترغيب الصلاة ٢٢٤
٢٢ – أنيس الطالبين و ع  دة السالكين ٢٠٨
٢٣ – شواهد النبوة ٣٠٤
٢٤ – عمدة المقامات ٤٩٦
الكتب العربية مع الاردوية و الفارسية مع الاردوية و الاردية
١ – المدارج السنية في الرد على الوهابية ويليه العقائد الصحيحة فى ترديد الوهابية النجدية ١٩٢
٢ – عقائد نظاميه (فارسي مع اردو) مع شرح قصيدة بدء الامالي
و يليه احكام سماع از كيمياي سعادت و يليهما ذكر ائمه از تذكرة الاولياء
و يليهما مناقب ائمهء اربعه ١٦٠
٣ – الخيرات الحسان (اردو) (احمد ابن حجر مكي) ٢٢٤
- ١٩٤ -
هذا الكتاب (المنحة الوهبية) قد كانت مكتبتنا طبعته بالاوفست سنتي ١٩٧١ و
١٩٧٤ و جدد طبعه حاليا و يحتوي الكتاب ست رسائل كما تأتي:
١–رسالة (المنحة الوهبية) وهي تبين كيفية سماع الموتى وظهور الكرامات منهم.
٢–رسالة (اشد الجهاد) و هي تذكر الاجتهاد و اتهدين و تعرف الأئمة
للمذاهب الاربعة و تبين وجوب اقتداء احد الأئمة الاربعة.
٣–رسالة (كشف النور) و هي تبحث فيها الاولياء و كرامام.
٤–رسالة (تنوير الحلك) وهي تشرح بالأمثلة ان رؤية الملائكة والارواح جائزة.
٥–رسالة (تذكر الآثار) الواردة في الاذكار التي تحرس قائلها من كيد الجن.
٦–رسالة (تنبيه الغبي) و هي تبين فضل حضرة محي الدين العربي و عظم شأنه و
تدافع عنه ضد من لم يفهموه.
مكتبة الحقيقة
This book, Al-minhat-ul-wahbiyya, was offsetted in 1971 and in
1974 by our Waqf. Now it has been reproduced once more. The book
contains six pamphlets:
1–The pamphlet Al-minhat-ul wahbiyye explains how the dead hear
and how they show karâmats.
2–The pamphlet Ashaddul-Jihâd defines ijtihâd and mujtahid, tells
about the imâms of the four madhhabs, and affirms that it is necessary to
follow one of them.
3–The pamphlet Kashfun-nûr tells about the Awliyâ and karâmats.
4– The pamphlet Tanwîr-ul-halak tells by examples that it is
permissible to see souls and angels.
5– The pamphlet Tadhakkur-ul-âthâr informs with the prayers
prescribed by our Prophet and the âyats which are protective against
paralysis caused by genies.
6– The pamphlet Tanbîh-ul-gabî informs with the greatness and the
superiority of hadrat Muhyiddin-i Arâbî, and defends him against those who
have not understood him.
WAQF IKHLAS
- ١٩٥ -
İşbu (El-minhat-ül-vehbiyye) kitâbı, Kitâbevimiz tarafından 1971
ve 1974 senelerinde ofset yolu ile bastırılmıştı. Şimdi yeniden bastırıldı. Bu
kitâbın içinde altı risâle vardır:
1–(El-minhat-ül vehbiyye) risâlesi, ölülerin nasıl iştittiklerini,
kerâmet gösterdiklerini bildirmektedir.
2–(Eşeddül-cihâd) risâlesi, ictihâdı ve müctehidleri anlatmakta, dört
mezheb imâmını tanıtmakta, bunlardan birine uymak lâzım olduğunu
bildirmektedir.
3–(Keşfün-nûr) risâlesi, Evliyâyı ve kerâmetleri anlatmaktadır.
4–(Tenvîr-ül halek) risâlesi, rûhları ve melekleri görmek câiz
olduğunu misâllerle anlatmaktadır.
5–(Tezekkür-ül âsâr) risâlesi, Cin çarpmasına karşı
Peygamberimizden gelen düâları, âyetleri bildirmektedir.
6–(Tenbîh-ül gabî) risâlesi, Muhyiddîni Arabî hazretlerinin
büyüklüğünü, üstünlüğünü bildirmekte, Onu, anlayamamış olanlara karşı
savunmaktadır.
Bu kitâbın hepsi arapçadır. İçinde Osmanlıca yazı hiç yoktur.
HAKÎKAT KİTÂBEVİ

الكتاب : إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد والقباب على القبور المؤلف : السيد العلامة أحمد بن الصديق الغماري

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون – صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون .
أما بعد فإنك سألت عن حكم البناء على القبور هل هو جائز كما جرى عليه عمل السلف والخلف شرقاً وغرباً أو هو ممنوع كما يذهب إليه القرنيون (1) ومن يستصوب رأيهم ويستحسن مذهبهم من أهل هذه البلاد ممن خفي عليه أمرهم وراج عليه تمويههم فقام يدعو إلى هدم ما بني من القباب على قبور الأولياء والصالحين متمسكاً في ذلك بأحاديث أرسلها وهي .
ما رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة من حديث أبي الهياج الأسدي عن علي ( عليه السلام ) أنه قال له أبعثك علي ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .
وما رواه أبو داود والترمذي من حديث جابر بن عبد الله ( رضي الله عنه ) قال : نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ وكذلك هو عند أحمد ومسلم والنسائي بنحوه .
وما رواه أبو داود عن القاسم قال : دخلت على عائشة ( رضي الله عنها ) فقلت يا أمه بالله اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء .
__________
(1) بفتح القاف وسكون الراء نسبة إلى قرن الشيطان الوارد في صحيح البخاري .
________________________________________
وما رواه أبو داود في المراسيل عن صالح بن أبي صالح قال رأيت قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرفوعاً شبراً أو نحو شبر .
وما رواه الآجري في صفة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن غنيم بن بسطام قال : رأيت قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زمن عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعاً نحواً من أربع أصابع .
وذكرت أنه أشكل عليك أمر هذه الأحاديث ولم تدر وجه الجمع بينها وبين ما اتفقت عليه الأمة المعصومة في اتفاقها من الخطأ على بناء الأحواش والقباب والمساجد قديماً وحديثاً بمشارق الأرض ومغاربها على القبور ، ورجوت أن نبين لك على وجه الجمع بين ذلك ونوضح لك الحق في المسألة ، ونذكر لك من دلائل القول المختار ما يسفر عن وجه الصواب ويزيح عنه كل شك وارتياب .
فأجبناك إلى ما سألت على قدر الوسع والطاقة وما أرانا الله تعالى من وجه الصواب في المسألة ورسمناه لك في هذا الجزء الذي سميناه .
إحياء المقبور من أدلة جواز بناء المساجد على القبور
ونرجو الله تعالى أن ينفع به كل من وقف عليه ممن تحلى بحلية الإنصاف وتخلى عن رذيلة التعصب والاعتساف إنه كريم وهاب .
________________________________________
تقديم
أحمد الغماري
فصل في جواز الدفن
أعلم أن البناء على القبر إما يكون قبل الدفن بأن يدفن الميت في بيت أو مسجد أو حوش أو قبة أعدها لدفنه ، وإما أن يكون البناء حادثاً بعد الدفن ، وهذا الأخير إما أن يكون على نفس القبر وإما أن يكون حول القبر قريباً منه على قدره أو بعيداً عنه متسعاً ، وهذا الثاني إما أن يكون مسجداً يصلي فيه وإما أن يكون قبة أو حوشاً والميت إما من عامة الناس وإما من العلماء والأولياء الصالحين .
أما الدفن في البناء فلا شبهة في جوازه كما نص عليه الفقهاء إلا أحمد بن حنبل ( رحمه الله ) رأى مع الجواز أن الدفن في مقابر المسلمين أولى مراعاة لعمل أكثر الناس ، ورأى أن دفن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في البناء لأجل التمييز اللائق بمقامه الأرفع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا لا يخفي ما فيه لأنه تخصيص بدون مخصص .
وقد روى ابن سعد في الطبقات قال أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن إبراهيم بن زيد عن يحيى بن مهامة هو عثمان بن عفان قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ” إنما تدفن الأجساد حيث تقبض الأرواح ” ، ومعلوم أن الأرواح تقبض غالباً في البيوت فمقتضى هذا أن الدفن في البناء أولى لكن وقع في هذه الرواية اختصار فقد روي الحديث من وجوه متعددة مرسلاً وموصولاً من حديث أبي بكر الصديق ( رضي الله عنه ) مرفوعاً بلفظ ” ما مات نبي إلا دفن حيث يقبض ” وفي لفظ ” ما توفي الله نبياً قط إلا دفن حيث تقبض روحه ” رواهما ابن سعد وغيره وهو صريح في عدم تخصيص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك وقد اتفق الصحابة على دفن أبي بكر وعمر ( رضي الله عنهما ) مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يبق بعد هذا وجه لما قاله أحمد ( رحمه الله ) .
________________________________________
فصل في البناء بعد الدفن
وأما البناء بعد الدفن إذا كان في الملك فكره الجمهور كراهة تنزيه إذا أمن نبش سارق أو سبع أو سيل وقصد به إحكام البناء والبقاء والزينة وإلا جاز عندهم ، وزاد المالكية التصريح بحرمته إذا قصد به المباهاة وأجازه آخرون مطلقاً ، ولو قصد به المباهاة كما في الدار المختار وحواشيه . وقيد الأكثرون جوازه إذا قصد به التمييز وصرح أكثرهم بحرمته ووجوب هدمه إذا وقع في الأرض الموقوفة للدفن ومنهم من قيده بما إذا كان كبيراً زائداً على قدر القبر وهذا أمر خارج عن حكم البناء نفسه ، وفصل جماعة بين ما كان فوق القبر نفسه وبين ما كان حوله دائرً به كالحوش فأجازه الأكثرون ، ومنهم من قيد بما إذا كان صغيراً على قدر الحاجة ولم يسقف ولم تطل أسواره ومنهم من صرح بجوازه ولو كان بيتاً وهو قول المحققين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم .
قال ابن حزم في المحلى : فإذا بني عليه بيت أو قائم لم يكره ذلك اهـ .
وقال ابن مفلح في كتاب الفروع من فقه الحنابلة : وذكر صاحب المستوعب والمحرر : لا بأس بقية وبيت وحظيرة في ملكه لأن الدفن فيه مع كونه كذلك مأذون فيه اهـ وهو قول ابن القصار وجماعة من المالكية كما حكاه الحطاب في شرح المختصر .
فصل في نصوص علماء المذهب
وهذا في حق عامة الناس وأما الأولياء والصالحون فنص جماعة على جوازه ، بل استحبابه في حقهم تعظيماً لحرمتهم وحفظاً لقبورهم من الامتهان والاندثار الذي يعدم معه الانتفاع بزيارتهم والتبرك بهم .
وقد أفتى العز بن عبد السلام بهدم القباب والبيوت والأبنية الكثيرة الواقعة في قرافة مصر ، لأنها واقعة في أرض موقوفة على دفن المسلمين واستثنى من ذلك قبة الإمام الشافعي قال : لأنها مبنية في دار ابن عبد الحكم وهذا منه ذهاب إلى جواز بناء القباب على مثل قبر الإمام الشافعي ( رضي الله عنه ) إذا كان ذلك في الملك ولم يكن في أرض الحبس .
________________________________________
بل أفتى الحافظ السيوطي باستثناء قبور الأولياء والصالحين ولو كانت في الأرض المحبسة ووافقه جماعة ممن جاءوا بعده من فقهاء الشافعية وقد ذكر هو ذلك في جزئه الذي سماه ” بذل المجهود في خزانة محمود ” فقال : الوجه الرابع أن من قواعد الشرع أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه وذلك معلوم . فإذا كان هذا في نص الشارع ففي نص الواقف أولى فيقال إن مقصود الواقف تمام النفع وتمام الحفظ ، فإذا وجد من يحتاج إلى الانتفاع بها في تصنيف وذلك لا يمكن على الوجه الأتم في المدرسة ووثق بتمام حفظه وصونه جاز الإخراج له ، ويستثنى من المنع ويخص عموم لفظ الواقف بهذا المعنى المستنبط كما خصص عموم قوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) واستثنى منه المحارم بالمعنى المستنبط وهو الشهوة ، ولا دليل لاستثناء المحارم من آية أو حديث سوى هذا الاستنباط فكذلك هنا . وقد ذكر الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه أن في بعض السنين ببغداد منع معلموا الأطفال من تعليمهم في المساجد إلا رجلاًواحداً كان موصوفاً بالخير فاستثنوه من المنع ، وأنهم استفتوا الماوردي صاحب الحاوي من أئمتنا والقدوري من أئمة الحنفية وغيرهما فأفتوا باستثنائه واستدلوا بأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم بسدل كل خوخة في السجد إلا خوخة أبي بكر فقاسوا استثنائهم لهذا الرجل على استثناء خوخة أبي بكر ، وهذا الاستنباط دقيق لا يدركه إلا أئمة المجتهدون كالماوردي والقدوري ونحوهما . وقد استندت إلى قولهم هذا قديماً حين استفتيت في أبنية القرافة فأفتيت بهدمها كما هو المنقول إلا مشاهد الصالحين فاستندت في هذا الاستثناء إلى ما صنعه الماوردي والقدوري اهـ .
وهذا إنما هو لأجل كونها واقعة في الأرض الموقوفة وأما ما لم يكن فيها فقوله فيه الجواز مطلقاً .
________________________________________
وفي حواشي البحيرمي على شرح الخطيب على متن أبي شجاع : ولو وجدنا بناء في أرض مسبلة ولم يعلم أصله ترك لاحتمال أنه وقع بحق قياساً على ما قرروه في الكنائس . نعم استثنى بعضهم قبور الأنبياء والشهداء والصالحين ونحوهم قال البرماوي . وعبارة الرحماني : نعم قبور الصالحين يجوز بناؤها ولو بقية لإحياء الزيارة والتبرك قال الحلبي ولو في مسبلة وأفتى به وقال أمر به الشيخ الزيادي مع ولايته اهـ .
وفي المنتزع المختار من الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار في فقه الأئمة الأطهار يعني الزيدية مع حواشيه : والثاني من المكروهات الأناقة بقبر الميت وهو أن يرفع بناؤه زائداً على قدر شبر فإن ذلك مكروه ، وإنما يكره إذا كان الميت غير فاضل مشهور الفضل ولا بأس بما يكون تعظيماً لمن يستحقه كالمشاهد والقباب التي تعمر للأئمة والفضلاء فلو أوصى من لا يستحق القبة والتابوت بأن يوضع على قبره قال المؤيد بالله يمتثل لأنه مباح وقيل لا اهـ (1)(1) .
__________
(1) وفي البحر الزخاري – من الكتب المعتمدة عند الزيدية – : مسألة الإمام يحيى ولا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء لاستعمال المسلمين ولم ينكر اهـ .
________________________________________
وفي شرح العميري على العمل الفاسي والعمل بالبناء على القبور جاز أيضاً وقد كتب شيوخنا سيدي عبد القادر الفاسي : في ذلك بما نص المراد منه ولم ينزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله لانتفاعهم بزيارة أوليائه ودفع مفسدة المشي والحفر وغير ذلك ، والمحافظة على تعيين قبورهم وعدم اندراسها ، ولو وقعت المحافظة من الأمم المتقدمة على قبور الأنبياء لم تندرس وتجهل بل اندرس أيضاً كثير من قبور الأولياء والعلماء لعدم الاهتمام بها وقلة الاعتناء بأمرهم اهـ ، ذكر ذلك لمن سأله عن البناء على ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش نفعنا الله به وما يؤثر في النهي عن البناء على القبر إنما ذاك حيث يكون القصد به المباهاة والمفاخرة اهـ .
وفي مسائل المسناوي أنه سئل عن البناء على قبر الرجل والمرأة اللذين ترجى بركتهما في الحياة وبعد الموت بقصد التمييز والتعظيم لقبره ومقامه ويكون البناء حسناً بالتزليج هل يجوز ذلك أم لا ؟ وعلى الجواز فهل من أنفق على ذلك البناء من ماله أو صنعه بيده يثاب على ذلك أو لا ثواب له ؟ . فأجاب إن البناء على من ذكر بقصد ما ذكر جائز بل مطلوب إذا كان في أرض مملوكة للباني لما ذكره بعض المحققين من شيوخ شيوخنا أن فيه جلب مصلحة الانتفاع بالصالحين ودفع مفسدة امتهانهم بالحفر والمشي وغير ذلك . إذ لولا البناء لاندرست قبورهم كما اندرست قبور الأنبياء عليهم السلام فتبطل زيارتهم وهي مطلوبة شرعاً – كما لا يخفى وقد أشار إلى مطلوبيتها وما فيها من الفوائد الشيخ الإمام العارف الرباني أبو إسحاق إبراهيم التازي الوهراني في قصيدته التي أولها .
زيارة أرباب التقى مرهم يبري ومفتاح أبواب السعادة والخير
________________________________________
وفي نوادر الأصول عن فاطمة ( عليها السلام ) أنها كانت تأتي قبر حمزة ( رضي الله عنه ) في كل عام فترمه وتصلحه لئلا يندرس أثره فيخفى على زائره وفي فتاوى ابن قداح : إذا جعل على قبر من أهل الخير علامة فهو حسن والعلامة المميزة هو البناء الخاص لاشتراك غيره اهـ .
وفي شرح السجلماسي على العمل الفاسي : مما جرى به العمل لفاس وغيره تحلية قبور الصالحين بالبناء عليها تعظيماً ، كما أفتى به الإمام سيدي عبد القادر الفاسي والد الناظم ثم ذكر فتواه لاسابقة ، ثم قال جواز البناء على القبور منقول عن ابن القصار وإذا كان ذلك على مطلق القبور مع عدم قصد المباهاة كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعاً أجوز ، بل حيث كان القصد بالبناء التعظيم ينبغي أن يكون مشرفاً بالبناء على البيوت بالنقش والتزويق ، لأن ذلك كله من كمال التعظيم اهـ باختصار .
وفي شرح الرسالة لجسوس ويكره البناء على القبور وقد يجرم وقد يجوز إذا كان للتمييز ويستثنى قبور أهل العلم والصلاح فيندب لينتفع بزيارتهم .. بذلك جرى العمل عند الناس شرقاً وغرباً من غير نكير اهـ .
وفي شرح التوبشتي على المصابيح : وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستريحوا بالجلوس فيها اهـ .
وفي شرح زين العرب على المصابيح أيضاً : وقد أباح السلف البناء على قبور العلماء المشهورين والمشايخ المعظمين يزورها الناس وليستريحوا إليها بالجلوس في البناء الذي على قبورهم مثل الرباطات والمساجد اهـ .
________________________________________
وفي مصباح الأنام وجلاء الظلام للعلامة علي بن أحمد الحداد : ومن قال بكفر أهل البلد الذي فيه القباب وإنهم كالصنم فهو تكفير للمتقدمين والمتأخرين من الأكابر والعلماء والصالحين من جميع المسلمين من أحقاب وسنين مخالفاً للإجماع السكوتي على الأنبياء والصالحين عصور ودهور صالحة . قال تلميذ ابن تيمية الإمام بن مفلح الحنبلي في الفصول : القبة والحظيرة في التربة يعني على القبر إن كان في ملكه فعل ما شاء وإن كان في مسبله كره للتضييق بلا فائدة ويكون استعمالاً للمسبلة فيما لم توضع له اهـ . قال ابن القيم الحنبلي : ما أعلم تحت أديم السماء أعلم في الفقه على مذهب أحمد من ابن مفلح اهـ . وقوله في المسبلة بلا فائدة إشارة إلى أن المقبور غير عالم وولي أما هما فيندب قصدهما للزيارة كالأنبياء عليهم السلام وينتفع الزائر بذلك من الحر والبرد والمطر والريح والله أعلم لأن الوسائل لها حكم المقاصد .
فصل في صحة الوقف لضرائح الأولياء
________________________________________
قال ابن حجر في التحفة في كتاب الوصايا : ويظهر أخذا مما مر ومما قالوه في النذر للقبر المعروف جواز صحتها كالوقف لضريح الشيخ الفلاني ويصرف في مصالح قبره والبناء الجائز عليه ومن يخدمونه أو يقرءون عليه . ويؤيد ذلك ما مر آنفاً من صحتها ببناء قبة على قبر ولي وعالم . أما إذا قال الشيخ الفلاني ولم ينو ضريحه ونحوه فهي باطلة أي الوصية اهـ ، ونص أيضاً على أن القبة في غير مسبلة على العالم والولي من القرب ، فقال في التحفة في باب الوصية : وإذا أوصى لجهة عامة فالشرط أن لا يكون معصية .. إلأى أن قال وشمل عدم المعصية القربة كبناء مسجد ولو من كافر ونحو قبة على قبر عالم في غير مسبلة اهـ . ومنعه في المسبلة على العالم ونحوه رده عليه الحلبي المحشي على المنهج وعبارته ، واستثنى قبور الأنبياء ( عليهم السلام ) والصحابة ( رضي الله عنهم ) والعلماء والأولياء ( رحمهم الله ) فلا تحرم عمارتها في المسبلة لأنه يحرم نبشهم والدفن في محلهم ، ولأن في البناء تعظيماً لهم وإحياء لزيارتهم ولا تغتر بما وقع لابن حجر كغيره في هذا المحل أي في المسبلة لا في المملوكة اهـ .
________________________________________
قال طاهر بن محمد العلوي : وإنما جعل ابن حجر وغيره القبة على الولي في غير المسبلة والموقوفة قربة لأن العلماء نصوا على أن تمييز العالم والصوفي حياً وميتاً مطلوب أخذا من قوله في حق نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) وقد علمت أن القبة من عصور وقرون عليهم وعلى الأنبياء ( عليهم السلام ) قال ابن حجر في شرح العباب : وأما المحرمات فلم يعهد في زمان من الأزمنة إطباق جميع الناس خاصتهم وعامتهم عليها كيف وهذه الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة وإذا عصمت من ذلك كان إطباقهم جميعاً خاصتهم وعامتهم على أمر حجة على جوازه في أي زمان كان سواء الأزمنة الأولى أ, الأزمنة المتأخرة ، وكلام الأصوليين صريح في أن الإجماع الفعلي حجة كالقولى اهـ .
فصل في جواز تزيين المساجد
________________________________________
وفي رسالة الشيخ الطيب ابن كيران : وقد اختار غير واحد من الشيوخ الجواز في بناء القباب على الصالحين وتعليق ستور الحرير وغيره وإيقاد المصابيح ونحو ذاك ، ثم ذكركلام الفاسي السابق وأقوال المالكية التي ذكرها الخطاب ثم قال : وفي مسائل الصلاة من نوازل البرزلي سئل عز الدين عن نصب الشموع والقناديل في المساجد للزينة لا للوقود وعن تعليق الستور فيها هل هو جائز أم لا ؟ . وكذلك فعل مثله في مشاهد العلماء وأهل الصلاح فأجاب : تزيين المساجد بالشمع والقناديل لا بأس به لأنه نوع من الإحترام والإكرام ، وكذلك الستور وإن كانت من الحرير احتمل أن تلحق بالتزيين بقناديل الذهب والفضة واحتمل أن يجوز ذلك قولاً واحداً لأن أمر الحرير أهون من الذهب والفضة . ولذلك يجوز استعمال المنسوج من الحرير وغيره إذا كان الحرير مغلوباً ولا يجوز مثل ذلك في الذهب والفضة ، ولم تزل الكعبة تستر إكراماً لها واحتراماً فلا يعد لحاق غيرها من المساجد بها وإن كانت الكعبة أشد حرمة من سائر المساجد . وأما مشاهد العلماء وأهل الصلاح فحكمها حكم البيوت فما جاز في البيوت جاز فيها وما لا فلا اهـ .
فصل في الخلاف في جواز البناء حول القبور
________________________________________
وفي رسالة الشيخ إسماعيل التميمي التونسي : وأما البناء على القبور إذا كان حولها كالقبة والبيت والمدرسة وكان في ملك الباني فذهب اللخمي إلى المنع وذهب ابن القصار إلى الجواز ووافقه ابن رشد على ذلك فنقل عنه المواق البناء على نفس القبر مكروه وأما البناء حوله فإنما يكره من جهة التضييق على الناس ولا بأس به في الأملاك اهـ . ومن المعلوم في المذهب تقديم قول ابن رشد على اللخمي قضاء وفتياً لا سيما وقد وافق في ذلك ابن القصار وهو من كبار الأئمة النظار ، وقد أشار بن ناجي إلى ترجيحه واعترض على المازري تشهيره للمنع قائلاً : لا أعرف من قال به إلا اللخمي قال يمنع بناء البيوت لأن ذلك مباهاة ولا يؤمن أن يكون فيها من الفساد . ولقائل أن يقول لا خلاف بينهما ، لأن اللخمي علل بالمباهاة وعدم أمن الفساد وابن القصار لا يخالفه في ذلك ، والكلام مفروض في الجواز الذاتي إذا سلم المحل مما يؤدي إلى المنع . فالقولان في وفاق ويصير البناء على قبور الصالحين قبة أوبيتاً أو مدرسة أو نحوها جائزاً من حيث ذاته وظاهر كلام من تكلم على الجواز أنه يجوز بناء مسجد عليه . ونقل بعض شراح الرسالة عن جمال الدين الأفقهي أنه استثنى بناء المسجد ولعله لما ورد من النهي في ذلك ، والنهي معلل بسد الذريعة لأنه يؤدي إلى الصلاة إلى القبر فيؤدي إلى عبادتها فالمنع فيه عرض يزول بزوال ذلك العارض وكلامنا في جوازه من حيث ذاته اهـ .
________________________________________
هذا محصل ما لفقهاء المذاهب الأربعة وغيرها في المسألة . والصحيح الذي يدل عليه الدليل ويقتضيه النظر أن البناء حول القبر جائز سواء كان حوشاً أو بيتاً أو قبة أو مسجداً ، وما يذكره الفقهاء من الشروط والاحترازات أمر خارج عن حكم البناء في ذاته ، لأنها عوارض لها حكم خاص بها يوجد بوجودها وينتفى بانتفائها ككونه في الأرض الموقوفة أو المسبلة أو قصد به المباهاة أو الزينة ونحو ذلك ممايذكرونه فإنه لا تعلق له بحكم البناء فلا نتعرض له لأنه خروج عن الموضوع ، وإنما المقصود بيان حكم البناء في ذاته وهو جائز حول القبر بالكتاب والسنة والإجماع والقياس كما سنذكره بعد أن نقدم مقدمة تمهد السبيل لقبول تلك الأدلة وتزيح الأشكال الواردة عليها من النصوص المعارضة لها بتحقيق معناها وبيان مراد الشارع ومقصوده منها بياناً يجمع بين ما يبدوظاهراً من التعارض بينها فنقول :
________________________________________
اعلم أن الخلاف في جواز البناء حول القبور إنما نشأ من الخطأ في الاستدلال وعدم إحكام النظر في الدليل من جهة عدم فهم معناه وتحقيقه أو لا ، ثك من جهة عدم فهم مراد الشارع من ذلك المعنى المفهوم ثانياً ، ثم من جهة الإعراض عن النظر في الأدلة المعارضة له ثالثاً . فإن النهي الوارد في البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها غير عام في نفسه ولا في كل زمان بل هو خاص بنوع من أنواعه ثم هو غير تعبدي لاتفاف بل هو معقول المعنى معلل بعلل يوجد بوجوها وينتفي بانتفائها شأن كل حكم معلل كما هو معروف . ومع هذا فهو أيضاً معارض بما هو أقوى منه مما يجب النظر في الجمع بينهما وجوب العمل بالنص والتمسك بالدليل ويحرم الإعراض عن أحدهما والتمسك بالآخر حرمة الإعراض عن النص ومخالفة الدليل لأن الكل شرع مفترض طاعته . واجب قبوله والعمل به فالإعراض عن أحدهما دون دليل ، مسوغ إعراض عما أوجب الله طاعته وفرض على العبد اتباعه وتفريق بيم المتماثلين وترجيح بين الدليلين بدون مرجح وهو باطل بالإجماع .
فصل في بيان الخطأ في فهم المعنى وفي فهم مراد الشارع
أما الخطأ في المعنى فإن القائل بالكراهة فهم أن النهي عن البناء عام والدليل يدل على أنه خاص بالبنا الواقع فوق القبر نفسه دون الواقع حوله ، لأن ذلك هو الذي يدل عليه معنى حرف على الموضوع للاستعلاء . فالبناء على القبر هو الذي علاه وكان فوقه لا ما كان حوله دائراً به قريباً منه على قدر حرم القبر فكيف بما يكون واسعاً بعيداً عنه كالحوش والقبة والمدرسة ، فإن اللفظ لا يتناوله وعلى فرض أن هناك ما يدل على العموم فهو عام مخصص لورود الأدلة الدالة على تخصيصه أو على إرادة الخصوص به (1)(1) وهي متعددة كما سأذكره .
__________
(1) فهو إما عام مخصوص أو عام أريد به الخصوص .
________________________________________
وأما الخطأ في فهم مراد الشارع ومقصوده فإن القائل بالكراهة لا يخلو أن يكون أعرض عنه وجمد على الظاهر كأنه تعبدي غير معقول المعنى ولا ظاهر العلة وليس هو كذلك بالاتفاق ، لورود النصوص بالعلة أو يكون أخطأ في تعيين مراد الشارع وتحقيقه أو أصابه ولكنه أخطأ في عدم تنقيحه ، فإنه لا بد من تحقيقه ثم تنقيحه حتى لا يعم ما هو خارج عنه غير داخل في حكمه أو أخطأ في اطراد العلة وهي غير مطردة ولا موجودة في كل بناء ، وإنما هي موجودة في نوع من أنواعه فإن العلماء اختلفوا في العلة التي من أجلها نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن البناء على القبر على أقوال :
بيان العلة التي اختلف في النهي من أجلها
وسرد الأقوال فيها وهي ثمانية
القول الأول
إن العلة في ذلك كون الجص والآجر مما مسته النار ولا ينبغي أن يقرب ذلك من الميت إما تفاؤلاً كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب الفأل الحسن ويستبشر به في الأقوال والأفعال والصفات والأسماء وسائر الأشياء ، وإما لمعنى يعرفه الشارع فيما مسته النار . ولذلك أوجب منه الوضوء في أول الأمر ثم نسخه للضرورة ورفع الحرج والمشقة ، بل هو من الفقهاء من لا يقول بنسخه ويتمسك بوجوب الوضوء منه ، ولهذا المعنى لم يخصصوا النهي بظاهر القبر بل كرهوا البناء بالأجر داخل القبر لأن العلة واحدة بل هي داخل القبر أولى لقرب ما مسته النار من الميت وملاصقته لجسمه ، وكأنهم أخذوا هذا من وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجريدة الرطبة على القبرين وقال : ” لعله يخفف عنهما مالم تيبسا ” . فرأوا أن ما مسته النار أشد من اليابس بالشمس والهواء . وهذا القول حكاه الحافظ العراقي في شرح الترمذي وذكره جمع من الفقهاء في كتبهم .
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن زيد بن أرقم وجماعة .
________________________________________
قال ابن أبي شيبة ثنا معتمر بن سليمان عن ثابت بن زيد قال حدثني حمادة عن أنيسة بنت زيد بن أرقم قال : مات ابن لزيد يقال له سويد فاشترى غلام له أو جارية جصاً وآجره ، فقال له زيد : ما تريد إلى هذا ؟ . قال : أردت أن أبني قبره وأجصصه . قال : جفوت ولغوت لا يقربه شيء مسته النار .
وقال أيضاًُحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ليث عن خيثمة عن سويد بن غفلة قال : إذا أنا مت فلا تؤذنوابي أحداً ولا تقربوني جصاً ولا آجراً ولا عوداً ولا تصحبنا امرأة .
وقال أيضاً حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره الآجرة . وقال أيضاً حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون الآجر في قبورهم .
حدثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال : كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الآجر ويستحبون القصب ويكرهون الخشب .
القول الثاني
إن العلة فيه وجود الثقل على الميت والمطلوب التخفيف عنه . قالوا : ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتسوية القبر وعدم وضع التراب فوقه . ونص الفقهاء على أنه يكره أن يجلب له تراب زائد على الذي خرج منه .
قال ابن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن محد بن إسحق عن تمامة بن شفي قال خرجنا غزاة في زمن معاوية إلى هذا الدرب وعلينا فضالة بن عبيد ، قال فتوفى ابن عم لي يقال له نافع فقام معنا فضالة على حفرته ، فلما دفناه قال : خففوا عن حفرته فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يأمر بتسوية القبر .
القول الثالث
إن العلة كون البناء فيه تمييز عن سائر قبور المسلمين حوله .
قال ابن أبي شيبة حدثنا شريك عن أبي فزارة عن مولى ابن عباس قال : قال لي ابن عباس : إذا رأيت القوم قد دفنوا ميتاً فأحدثوا في قبره ما ليس في قبور المسلمين فسوه بين قبور المسلمين . ونص على هذا أيضاً بعض القفهاء كالعدوي في حاشيته على شرح الرسالة وغيره .
القول الرابع
________________________________________
إن البناء يمنع من دفن الغير معه، لأن قبور أهل الحجاز والأرض الصلبة على كيفية اللحد ، كما رغب فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله : (( اللحد لنا والشق لغيرنا )) رواه أحمد والطحاوي من حديث جرير . والأربعة من حديث ابن عباس . واللحد إذا وع البناء عليه لم يبق سبيل إلى دفن الغير فيه . ذكره بعض الفقهاء وشراح الحديث وأشار إليه السرخسي في المبوسط .
القول الخامس
إن فيه تشبهاً بفعل الكفار من أهل الكتاب والمشركين من أهل الجاهلية ، لأنهم يضعون الرخام على قدر القبر أو يبنون فوقه . وقد بنيت الشريعة في كثير من أحكامها على مخالفة الكفار والمشركين ذكره ابن قدامة في المغني وأشار إليه ابن مفلح في الفروع .
القول السادس
إنه في الزينة الدنيوية ولا ينبغي فعل ذلك بمن انتقل إلى الآخرة ، وهذا نص عليه الشافعي في الأم ، والسرخسي في المبسوط ، وابن قدامة في المغني ، وكثير من الفقهاء الحنفية .
القول السابع
إنه يدعو إلى الجلوس على القبر . والجلوس عليه منهي عنه لما فيه من أذاية الميت بامتهانه ولهذا استحبوا أن يكون القبر مسنماً ولا يكون مسطحاً لأن التسنيم يمنه من الجلوس ، ذكره بعضهم .
القول الثامن
إنه يحول بين الميت وسماع النداء والذكر وتلاوة ما يتلى على قبره من القرآن وسلام المسلم عليه . ذكره ابن قدامة في المغني ونقله الحطاب عن بعض فقهائهم .
________________________________________
وذكره جمع منالشافعية واستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : (( لا يزال الميت يسمع الأذان مالم يطين قبره )) . وعلوم أن طمس القبر بالبناء أشد من طمسه بالطين والحديث المذكور هكذا يحتجون به من غير عزو ولا بيان حال وهو عند الحاكم في تاريخ نيسابور والديلي في مسند الفردوس من طريقه ، ثم من رواية محمد بن القاسم بن مجمع ثنا أبو مقاتل السمرقندي ثنا محمد بن ثابت الأنصاري عن كثير بن شنطير عن الحسن عن عبد الله بن مسعود وكثيراً ليس بشيء وبأن أبا مقاتل قال ابن مهدي لا تحل الرواية عنه قال ابن الجوزي : غير أن المتهم بوضعه هو محمد بن القاسم فإنه كان عالماً رأساً في الذابين الوضاعين اهـ ولم يتعقبه الحافظ السيوطي بشيء وهكذا يحتج الفقهاء في أكثر مسائلهم بالموضوع والمنكر والواهي بعد اتفاقهم على عدم جواز الاحتجاج به .
فهذه العلل إنما يأتي أكثرها في البناء الواقع فوق القبر ، لأنه الذي يقع به الثقل والطمس المانع من السماع والتشبه بالكفار ويمكن من الجلوس على القبر ويمنع من الدفن معه ويلتصق بالقبر وفوق الميت ما مسته النار لا مكان حول القبر بعيداً عنه كالقبة والبيت والمدرسة ونحوها . أما التعليل بكونه من الزينة التي لا تنبغي لأهل الآخرة فعله باطلة من وجهين :
أحدهما : أن البناء على القبر ليس من الزينة في شيء ولا يراد به الزينة وإنما يراد به حفظ القبر من الدوس والامتهان واندثار الأثر الذي لا يعرف معه القبر ، وإذا قصد به بعضهم الزينة وفعل به ما هو منها فذاك أمر زائد على البناء ، فيكون الحكم متعلقاً به لا بنفس البناء .
ويقال حينئذ في تزيين بناء القبر وتزويقه والتغالي فيه مكروه أو محرم لا أصل البناء
________________________________________
الآخر : أن كون الزينة الدنيوية لا تنبغي لأهل الآخرة دعوى مجردة عن الدليل فهي باطلة . فأن الشارع أم بتزيين الميت وتحسين كفنه وتطييبه . ونص الفقهاء على استحباب تقليم أظافره وإصلاح شعر لحيته ورأسه ونحو ذلك من أمور الزينة التي لم تطلب للحي إلا في العيدين والجمعة . وأيضاً فلو فرضنا أن البناء من زينة الدنيا فهو في الدنيا لأهل الدنيا ، لأن ظاهر المقبرة من الدنيا ، وإنما الآخرة باطنها فهو تعليل باطل . وكذلك التعليل بالتمييز فإن التمييز وصف لازم لكل شيء إذ ما من شيء إلا وله ما يميزه عن غيره ، ولو سلمنا كراهته فإن ذلك خاص بما لا نفع فيه ولا حاجة تدعو إليه إلا قصد التمييز عن الناس والترفع عنهم ، وليس البناء على القبر كذلك . نعم يقع التمييز بالقباب للأولياء والصالحين ، لأن الشرع أمر بتعظيمهم وحض على تمييزهم وتخصيصهم بالاحترام ، بل أمر بتمييز كل من له رتبة ومنزلة ولو كانت دنيوية فقال : (( أنزلوا الناس منازلهم )) وكذلك كانت معاملته صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الخلق ، ودلت أصول شريعته على ذلك ونص عليه الفقهاء والصوفية والأولياء الذين هم أبعد الناس من التصنع والتزلف كما بيناه في غير هذا الموضع ، فلم يبق مقبولاً إلا العلل الأخرى وهي خاصة بالبناء الواقع على نفس القبر فوقه لا الذي حوله دائراً به ، فلذلك كان مخطئاً من حمل النهي على العموم وأدخل فيه القباب والمدارس والأحواش ، لأنها غير داخلة في النهي .
فصل في النهي عن بناء المساجد على القبور
وهذه العلل إنما هي في النهي الوارد في مطلق البناء ، وأما النهي عن بناء المساجد على القبور فاتفقوا على تعليله بعلتين :
إحداهما : أنه يؤدي إلى تنجيس المسجد لأن غير المقبرة أطهر منها كما يقول الشافعي في الأم و غيره .
________________________________________
الأخرى : وهو قول الأكثرين بل الجميع حتى من نص على العلة السابقة أن ذلك قد يؤدي إلى الضلال والفتنة ، لأنه إذا وقع في المسجد وكان قبر ولي مشهور بالخير والصلاح لا يؤمن مع طول المدة أن يزيد اعتقاد الجهلة فيه ويؤدي بهم فرط التعظيم إلى قصد الصلاة إليه إذا كان في قبلة المسجد فيؤدي بهم ذلك إلى الكفر والإشراك .
قال الشافعي في الأم : وأكره أن يبنى على القبر مسجد وأن يسوى ويصلى عليه وهو غير مسوى أو يصلى إليه وإن صلى إليه أجزأه وقد أساس . وأخبرنا مالك أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض العرب )) . فأكره هذا للسنة والآثار ، وإنما كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجداً ، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد ، ولئلا يوطأ ولأن مستودع الموتى من الأرض ليس بأنظف الأرض وغيره من الأرض أنظف اهـ .
وقال ابن قدامة في المغني : لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها ، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها اهـ .
________________________________________
وقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في الأصل الخامس عشر بعد أن أورد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفاطمة عليها السلام : (( لو بلغت معهم الكدى – أي المقبرة – لما رأيت الجنة حتى يراها جدك أو أبيك )) ما نصه : بعث الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمحو آثار الجاهلية وكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه وينتفوا الشعور ويشقوا الجيوب ويخرقوا البيوت فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ليس منا من حلق أو خرق أو سلق )) ولعن في حديث آخر ناشرات الشعور واللاتي ينعين بأصوات الحمير ونهاهم عنزيارة القبور لحداثة عهدهم بالكفر لما في زيارة القبور من الفتنة حتى استحكم إسلامهم وصاروا أهل يقين وبر وتقوى وصارت القبور فزوروها فإن لكم فيها معتبراً )) وسكت عن ذكر النساء لضعفهن ورقتهم وسرعة افتتانهن ، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمنعهن من حضور الجنائز . وفي حديث أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى نسوة في جنازة فقال لهن : (( ارجعن مأزورات غير مأجورات )) وعن أنس قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جنازة فرأى نسوة فقال : (( أتحملنه )) . قلن لا قال أتدفنه )) ؟ قلن لا قال : (( فارجعن مأزورات غير مأجورات )) وعن ابن عباس (( رضي الله عنهما )) قال : “” لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج )) فبقى الحظر عليهم إلى آخر الدهر . فإن تخلت امرأة عن هذه الأمور فأتت قبراً لترمه أو تسلم أو تدعو أو تعتبر فهي خارجة من النهي ، ثم روى (1)(1) عن فاطمة ( عليها السلام ) أنها كانت تأتي قبر حمزة ( رضي الله عنه )) في كل عام فترمه وتصلحه .وروى عن غير واحدة من النساء أنها كانت تأتي قبور الشهداء فتسلم عليهم .
__________
(1) أي بإسناده إليها .
________________________________________
فأما مرمة القبر فلئلا يندرس أثره فينبش عنه إذا ذهب رسمه فتبطل الزيارة وهي حق من الحقوق ليس كالذي يسلم من بعد ، والتشديد الذي جاء في حديث فاطمة نراه في بدء الأمر ولا نعلم ذلك يحرم الجنة ، لكن معناه أن من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله الإيمان فإذا سلبه لم ير الجنة أبداً ، وأعظم نعمة الله على عبده الإسلام وللإسلام سنن ومنا كمنار الطريق فإذا عمل عملاً يكون فيه إحياء سنن الجاهلية التي أطفأها الله تعالى بسيف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد كفر منه الإسلام ، والكفور ممقوت غير مأمون عليه السلب . فكأن إتيان المقابر من سنن الجاهلية فغلظ الزجر لتموت تلك السنن اهـ ولا يحصى من نص من الفقهاء وشراح الحديث على أن العلة في النهي عن اتخاذ المساجد على القبر هي خشية العبادة .
فصل في التعليل بخشية عبادة القبر
وإذا ثبت ذلك فالعلة المذكورة قد انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين وتنشئتهم على التوحيد الخالص واعتقاد نفي الشريك مع الله تعالى ، وأنه سبحانه وتعالى المنفرد بالخلق والإيجاد والتدبير والتصريف . لا فاعل غيره ولا مؤثر في ملكه سواه وأن المخلوق الحي لا قدرة له على جلب منفعة لنفسه زلا دفع مضرة عنها إلا بخلق الله تعالى وإيجاده فضلاً عن الميت المقبور ، وبانتفاء العلة ينتفي الحكم المترتب عليها ، وهو كراهة اتخاذ المساجد والقباب على قبور الأولياء والصالحين ، فإن من يتخذها عليهم لا يفعل ذلك لأجل أن يعبدهم ويتخذ قبورهم مساجد يسجد إليها من دون الله تعالى ، أو يجعلها قبلة يصلى إليها ، بل هذا ما سمع في هذه الأمة ولا وجد قط من مسلم يدين بدين الإسلام .
________________________________________
وإنما قصد بتلك القباب مجرد الاحترام وتعظيم قبور الصالحين وحفظها من الامتهان والاندراس الذي ينعدم به الانتفاع بزيارتهم والتبرك بهم ، فإذا فرض وجود من بنى قبة أو مسجداً على قبر ليعبده ويتخذه قبلة فهذا كافر مرتد يجب قتله وهدم ما بناه ، لأنه لم يبن مسجداً بل بنى كنيسة في صورة مسجد مع أن شيئاً من هذا لم يقع في هذه الأمة والحمد لله .
وكون بعض جهلة العوام يأتي عند قبور الصالحين من التعظيم ما يشبه صورته صورة العبادة لا يكون موجباً لكراهة البناء ، لأن ذلك لم يأت من جهة البناء ولا هو العلة فيه ، إنما علته الجهل بطرق التعظيم والحد اللائق به شرعاً ، ولو كان البناء هو علة ذلك للزم ألا يتخلف عند وجوده مع أن جل من يزور الأولياء المتخذ عليهم القباب والمساجد لا يوجد منه ذلك ، وإنما يوجد من قليلين جداً من بعض جهلة العوام . كما أنه يلزم أن لا يوجد إلا عند القبور المبني عليها مع أننا نرى بعض الجهلة يفعل ذلك أيضاً ببعض قبور الأولياء التي لم يبن عليها مسجد ولا قبة ةليس عليهم بناء أصلاً ، ونراهم يحلفون بهم وينطقون في حقهم بما ظاهره الكفر الصراح بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولا شك .
وهم مع ذلك بعيدون عن قبورهم بل وعن مدنهم وعن أقطارهم فكثير من جهلة العوام بالمغرب ينطق بما هوكفر صراح في حق مولانا عبد القادر الجيلاني ( رضي الله عنه ) الموجود ضريحه ببغداد وبعد ما بين العراق والمغرب بعد بين المشرق والمغرب وكلهم لم يروا قبر الجيلاني ولا رأوا من رآه ولا من رأى من رآه إلى ما شئت من الإضافات ، وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء فيسجد له ويقبل الأرض بين يديه في حال سجوده ويجعل يديه من ورائه علامة على التسليم وفرط التضرع والإلتجاء ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى والذرية ونحو ذلك مما لا يطلب إلا من الله تعالى .
________________________________________
بل رأيت أنا من يفعل هذا بقبور الأولياء ورأيت من يفعله مع الأحياء منهم فلو كان جهلهم هذا يوجب تحريم البناء على القبر لأوجب تحريم الصلاح والولاية وتقوى الله تعالى التي ينشأ عنها اعتقادهم المؤدي إلى افتنان الجهلة بهم .
فإن عندنا بالمغرب من يقول عن القطب الأكبر مولانا عبد السلام ابن مشيش ( رضي الله عنه ) إنه الذي خلق الدين والدنيا ! . ومنهم من قال والمطر نازل بشدة : يا مولانا عبد السلام ألطف بعبادك !! . فهذا كفر لم ينشأ عن مسجد ولا قبة فإن القطب ابن مشيش ( رضي الله عنه ) ليس عليه مسجد ولا زاوية ولا قبة ، وإنما هو على رأس جبل بعيد عن الأبنية وحوله حوش بسيط غير مسقف ، وداخل الحوش شجر وعشب وأحجار . والقبر لا يظهر له أثره ولا يعرف موضعه أحد ، ومع هذا وصل اعتقاد العوام فيه إلى ما سمعت ! . وكم من ولي عليه قبة عظيمة ومسجد ضخم واسع لا يزوره أحد بالإضافة إلى أنه يعتقد فيه إلى هذا الحد فإذا ليس ذلك من البناء ولا من القبة و المسجد ، وإنما هو فرط الاعتقاد الذي قد ينشأ من ظهور الكرامات المتتابعة على يد ذلك الولي حتى يحصل بها التواتر وترسخ مكانته في نفوس الناس سواء الموجود في بلاده أو البعيد عنه ، فلم يبق للمسجد والقبة في ذلك أثر أصلاً ، وهؤلاء القرنيون النجديون قد هدموا القباب التي كانت بمكة والمدينة على الشهداء ومشاهير أهل البيت ، وصيروا قبورهم مستوية بالأرض ومع ذلك فالناس يهرعون لزيارة تلك القبور ويتوسلون بها ويستغيثون عندها .
________________________________________
ولولا أن ابن سعود جاعل خفراء على مثل قبر حمزة سيد الشهداء ( رضي الله عنه ) يمنعون الناس من تقبيل القبر والسجود له ورفع الصوت بالاستغاثة به لما انقطع ذلك ولا ذهب بانهدام القبة فحمزة رضي الله عنه هو حمزة بقبة أو دون قبة وفاطمة الزهراء هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقبة أو بدون قبة . وخديجة أم المؤمنين كذلك ومالك هو الإمام مالك . وهكذا سائر المدفونين بالبقيع والمعلاة من المشاهير لا دخل للبناء والقبة والمسجد في تعظيمهم وزيارتهم ، وإنما الباعث على ذلك هو الاعتقاد الناشئ عن ولايتهم وصلاحهم ومكانتهم السامية عند ربهم الذي وضع لهم المحبة والاعتقاد في القلوب .
فكان على الجهلة القرنيين المبتدعة الضالين أن يهدموا الاعتقاد ويقلعوا أثره من النفوس ويقضوا على الصلاح والولاية والتقوى والخشية التي يكرم الله تعالى صاحبها ، بوضع ذلك في القلوب حتى يستريحوا من تعظيم المخلوق والتوسل والاستغاثة به .
أم هدم البناء فلا يأتي لهم بنتيجة ولو أتى بها لما احتاجوا إلى حراس عند القبور يمنعون من ذلك بعد الهدم .
فأنا زرت قبر حمزة ( رضي الله عنه ) بعد هدم البناء الذي عليه بأزيد من خمس عشرة سنة ووجدت الحارس قائماً عند قبره يمنع الزوار من القرب من القبر والتمسح به وتقبيله ، ولم يكف مضي خمس عشرة سنة على الهدم في قلع ذلك من النفوس .
وهكذا يبقى ذلك ما بقي الإيمان ومحبة الله تعالى ورسوله ومحبة أوليائه وأصفيائه . والمقصود أن البناء لا دخل له في تحقيق علة النهي وثبوتها في هذه العصور المتأخرة ، بل ذلك قد زال من البناء وانتقل إلى المحبة والاعتقاد فلم يبق حكم متعلق بالبناء ، وكان المتمسك بظاهر النهي المعرض عن تحقيق علته ومراد الشارع منه مخطئاً في حكمه غير مصيب في اجتهاده وفهمه .
فصل في معارضة الأحاديث في النهي
عن اتخاذ المساجد على القبور بأدلة أقوى
________________________________________
وأما المعارضة فإن القائل بالكراهية تمسك بالنهي ولم يلتفت إلى ما يعارضه من الأدلة ، وذلك مما يوجب الخطأ في الحكم وعدم الإصابة في الاجتهاد . فإن الجمع بين الدليلين واجب مفترض والإعراض عن أحدهما دون ثبوت النسخ حرام والحكم باطل .
فإن النهي عن البناء ورد ما يعارضه مما هو أقوى منه ثبوتاً ودلالة فلا يقبل حكم مع الإعراض عنه وذلك الدليل متعدد نذكر منه هنا خمسة عشر دليلاً .
الدليل الأول على جواز بناء المساجد على القبور:
قول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف ( كذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قالوا الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ) والذين غلبوا على أمرهم هم المؤمنون على الصحيح ، لأن المسجد إنما يبنيه المؤمنون ، وأما الكافرون فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ، والدليل من هذه الآية إقرار الله تعالى إياهم على ما قالوا وعدم رده عليهم ، فإن الله تعال إذا حكى في كتابه عن قوم مالا يرضاه ذكر معه ما يدل على فساده وينبه على بطلانه إما قبله وإما بعده ، فإذا لم ينبه على ذلك دل على رضاه تعالى به وعلى صحته إن كان عملاً وصدقة إن كان خبراً
كقوله تعالى : ( إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) فإنه أعقبه بقوله : ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى )
وقوله تعالى : ( وجعلوا مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ) فإنه أشار إلى فساد ما زعموا بقوله بزعمهم
وبقوله تعالى : ( سيجزيهم بما كانوا يعملون )
وقوله تعالى : ( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) فرده بقوله : ( فقد جاءوا ظلماً وزوراً )
وقوله تعالى : ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً ) فعقبه بقوله ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ) إلى غير ذلك من الآيات التي يطول ذكرها .
________________________________________
وإن من تأمل القرآن وجده لا يقر على باطل يحكيه قولاً كان أوعملاً إذ كتابه كله حق ونور وهدى وبيان وحجة لله على خلقه فلا يحكي فيه ما ليس بحق ثم يقره ولا ينبه على بطلانه فإذا ذكر نبأ وأقره دل على صحته وصدقه . ولهذا احتجوا في كثير من المسائل بمثل هذا ، فاحتج أهل الأصول على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بقوله تعالى حكاية عنهم ( لم تك من المصلين ولم تك تطعم المسكين ) الآية قالوا فلو كان باطلاً لرده عند حكايته ، واحتج الفقهاء على جواز الجعل والضمان بقوله تعالى : ( ولمن جاء به حمل بعير وأن به زعيم ) وعلى اعتماد قول القتيل دمى عند فلان بقصة البقرة ، وعلى النكاح بالخدمة والمنافع بقوله تعالى حكاية عن شعيب ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ) إلى غير هذا ، فلما حكى الله تعالى عن هؤلاء القوم أنهم قالوا : ( لنتخذن عليهم مسجداً ) ولم يرده ولا تعقبه بذم دل على أنه جائز لا حظر فيه .
فإن قيل هذا مسلم لو لم يرد شرعنا بذم ذلك ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : أن قال : ( قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض العرب ) وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال – لأم سلمة ( رضي الله عنها ) حين ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة ، وما رأت فيها من الصور – (( أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله )) . وصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : أنه قال : (( إلا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك )) .
فالجواب عن هذا من وجوه :
الوجه الأول :
________________________________________
أن الله تعالى حكى ذلك عن المؤمنين والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكاه عن اليهود والنصارى وفرق بين حال الفريقين ، فإن المؤمنين فعلوا ذلك للتبرك بآثار الصالحين الذين أكرمهم الله تعالى بهذا الآية وحفظ أرواحهم وأجسامهم تلك القرون الطويلة . واليهود والنصارى يفعلون ذلك للعبادة والإشراك مع الله تعالى . فالدليلان غير متواردين على محل واحد . فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد يعبدون فيها تلك القبور ويسجدون إليها أو يجعلونها قبلة لاتخاذهم الأنبياء شركاء مع الله تعالى فيما يستحقه من العبادة . والدليل على هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نفس الحديث : (( ولا يبقى دينان بأرض العرب )) . أي لا تفعلوا مثلهم فتكفروا فيكون بأرض العرب دينان وقد حكم الله تعالى وأمر أن لا يبقى بأرض العرب إلادين واحد : دين الإسلام وعبادة الله تعالى وحده والكفر لا يكون لمجرد اتخاذ المساجد على القبور ولو للتبرك ، وإنما يكون باتخاذها للعبادة والإشراك بالله تعالى . هذا مما لا يشك فيه مسلم وإلا كانت الأمة كلها كافرة . ولم يصدق خبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه لا يبقى دينان بأرض العرب فإن المساجد اتخذت على القبور بعده بقليل بل وفي حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما سيأتي ، واتخذ المسجد على قبره الشريف في عصر كبار التابعين وأفضل القرون بعد قرنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشهادته . وأما الآية فأشارت إلى جواز اتخاذ المساجد على قبور الصالحين للتبرك بهم وزيارتهم وحفظ مآثرهم كما ذكره جمع من المفسرين فدليل الكتاب واد ودليل السنة في واد آخر يؤيده .
الوجه الثاني
________________________________________
وهو أنه لو كان كل من بنى على المسجد قبراً ولو للتبرك والزيارة ملعوناً كما في الحديث لكان هؤلاء المؤمنون الذي حكى الله عنهم ملعونين أيضاً داخلين في لعنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على من فعل الذي حكاه الله عنهم ، ولو كانوا كذلك لكا سكت الله تعالى عن ذمهم ولعنهم والإشارة إلى ضلالهم وخروجهم عن الصراط المستقيم فيما أتوا كما عرف من عادته في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ومن الباطل الإقرار على حكاية المحرم الملعون فاعله ، فدل ذلك على أن ما فعله هؤلاء القوم هو غير ما يفعله اليهود والنصارى الذي لعنهم الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأن فعلهم جائز لا شبهة فيه ، كما أنه لا شبهة لنا فيه لا من جهة إتباعهم فإنه لا يلزمنا شرعهم . ولكن من جهة ذكره في كتابنا المنزل بشريعتنا اللازمة لنا المأخوذة من منطوقه ومفهومه وتصريحه وتلويحه يؤيده أيضاً .
الوجه الثالث
وهو أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تماثيل )) . فاتخاذهم الصور والتماثيل فيه دليل على أنهم يفعلون ذلك لأجل عبادتهم ، وقد شهد العيان بذلك وأثبت التاريخ مثله . وأنهم ابتدأوا عبادة الأصنام بعبادة صور الصالحين وقبورهم ، وهذا لا يوجد منه شيء عند المسلمين .
الوجه الرابع
________________________________________
أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء . والذين يتخذون القبور مساجد )) رواه أحمد من حديث عبد الله بن مسعود . وقد ثبت بالسنة أن الذين تدركهم الساعة وهم أحياء كلهم كفار مشركون عبدة أصنام ، وأن الساعة لا تقوم حتى لا يبقى على وجه الأرض من يوحد الله تعالى ولا ينطق باسمه ، وأن القرآن يرفع من الصدور ، وتنفخ ريح حمراء فتقبض روح كل مؤمن ويبقى همج رعاع لا يدينون بدين فعليهم تقوم الساعة ، فاقتران الذين يتخذون القبور مساجد بهم دليل على كفرهم ومشاركتهم إياهم في العلة التي بها كانوا شرار الخلق . وما يذكره أهل الأصول من ضعف دلالة الاقتران تمسكاً ببعض الصور المفيدة لذلك ، هو أضعف من ضعف دلالة الاقتران في زعمهم فلا ينبغي الالتفات إليه لأنه مكابرة للحس .
فإن قيل إن الكفار كلهم شرار الناس إذ لا شر أعظم من الكفر بالله تعالى فكيف جاز تخصيص هؤلاء من بينهم .
فالجواب :
________________________________________
أن ذلك لا يغالهم في الشر والفساد واختصاصهم بجرائم وعظائم مضافة إلى الكفر ، أما الذين تدركهم الساعة وهم أحياء فقد دلت السنة وذكرت من أوصافهم وفساد أخلاقهم وارتكابهم من الموبقات مالم يأته أحد من الكفار وما هو محرم في سائر الأديان ، بل وما لا تساعد عليه الإنسانية بقطع النظر عن الديانة ، فلذلك كانوا شرار الناس ، وقد شهد العيان والحمد لله بصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن أشراط الساعة قد ظهرت ، وأماراتها قد تتابعت ، وظهرت طلائع أولئك الأشرار الذين عليهم تقوم ، وهم العصريون المفسدون الزنادقة الملحدون ، الذين يسمون المؤمنين المتمسكين بالدين جامدين رجعيين ، فرأينا من كفرهم وإلحادهم ومروقوهم وفجورهم وفساد أخلاقهم وقلة حيائهم وشدة وقاحتهم وتهتكهم ومحاربتهم للدين ، وعنادهم في كفرهم وازدرائهم بالدين وأهله ورفعتهم قدر من من يحارب الدين ويخرق حدوده ويهتك الشريعة ويسعى في القضاء عليها وإطرائه والمبالغة في مدحه ، والكذب في وصفه بما ليس فيه ، وغير ذلك من أوصافهم الممقوتة التي يشهد معها كل مؤمن بالله ورسوله أنهم شرار الخلق ، هذا وهم في بداية أمرهم ، فكيف إذا وصلوا إلى نهايته عند قيام الساعة . كما أننا نرى الكفار أيضاً قد مرقوا من دينهم الباطل وظهر من أخلاقهم الفاسدة وابتداعهم وتهتكهم وفجورهم مالم يكن في أسلافهم وما هو معدود في دينهم من الكفر والمروق والعصيان والفسوق فبذلك كانوا شرار الناس زيادة على كفرهم وأما الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد للسجود إلأيها وعبادتها فإنهم كفروا بعد الإيمان وأشركوا بعد التوحيد زجهلوا بعد العلم وارتدوا عن الدين بعد اعتناقه والتحقق من الحق ومعرفته فكانوا شر خلق الله تعالى ولذلك كان من ارتد بعد إيمانه يقتل ولا تقبل توبته ، وكان اليهود مغضوباً عليهم والنصارى ضالين ، وكان الكافر العالم أشد الناس عذاباً يوم القيامة .
والوجه الخامس
________________________________________
إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الذين يتخذون القبور مساجد (( أولئك شرار الخلق )) وثبت بالكتاب والسنة المتواترة أن أمته خير أمة أخرجت للناس ، وأنها أشرف الأمم وأفضلها على الإطلاق ، وأنهم عدول يتخذهم الله تعالى شهداء على الأمم السابقة (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )) (( كنتم خير أمة أخرجت للناس )) وذكر الله لهم من الفضل ما رغبت الأنبياء والمرسلون فيه وتمنوا أن يكونوا من أمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم لا يجتمعون على ضلالة ، وإن من لم يتبع سبيلهم فهو من أهل النار (( ومن يتبع غير سبيل المؤمنين )) الآية . وأن ما رأوه حسناً فهو عند الله حسن وكثير من أمثال هذا وقد علم الله تعالى في سابق علمه وما قضاه وقدره في أزله أن هذه الأمة ستتفق وتجمع أولها عن آخرها على بناء المسجد على قبر نبيها أشرف الأنبياء و أفضل المرسلين ، كم علم ذلك بإعلام الله تعالى إياه وأشار إليه كما سيأتي ، وأنهم سيتفقون أيضاً سلفاً وخلفاً على اتخاذ المساجد على قبور الأولياء والصالحين والعلماء والعاملين ، ومن أولئك الأولياء نفسهم من يتخذها على من قبله من شيوخه ويزره في حال بناء المساجد والقباب عليهم بل ويشد الرحال من البلاد البعيدة إلى زيارتهم ، وقد شد الإمام النووي الرحلة من الشام إلى مصر لزيارة قبر الإمام الشافعي الذي عليه مسجد وقبة ، وكم له من ألف نظير في المشرق والمغرب . فيلزم من هذا التناقض بين خبر الله تعالى وخبر الرسول ، وأن تكون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وشر أمة أخرجت للناس تتفق على فعل المنكر وتبني على قبر نبيها المسجد ، وكذلك على قبور الأولياء والصالحين منها ، وتكون أمة وسطا عدولاً ، وأمة فاسقة متفقة على عصيان الله تعالى ورسوله ومخالفة أمره جهراً ، وتكون أمة مرحومة مغفوراً لها كما قال النبي صلى الله
________________________________________
عليه وعلى آله وسلم وأمة ملعونة باتخاذها المسجد على قبرنبيها كما لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ويكون أولياء الأمة وعلماؤها العاملون أصحاب المناقب والكرامات الظاهرة أحباء الله تعالى وأصفياءه الذي لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، في حال كونهم أعداء الله تعالى وعصاته ومحاربيه بمخالفة أمره والاتفاق على المنكر المحرم الملعون فاعله ، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة حتى يكون إجماعهاعلى لأمر حجة ودليلاً شرعياً كالكتاب والسنة ، وأن الأمة تجتمع على الضلالة وتتفق على المنكر ومخالفة الله تعالى وأمر رسوله وهذا محال .
الوجه السادس
أنه معلل بخشية العبادة كما تقدم وكما هو مصرح به في الحديث نفسه فلا يكون تشريعاً عاماً في كل زمان بل هو التشريع المؤقت بزمن خشية وجود العلة ، وهو زمن قرب عهد الناس بالإشراك دون الزمان الذي لم يعد أهله شركاً ولا دار في خلدهم شيء منه ، بل نشأوا على الإيمان واليقين والتوحيد واعتقاد انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير ، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى ، فهو غير معارض لدليل الكتاب العام في كل زمان ، بل هو مخصص لعمومه بزمن ارتفاع خشية العبادة ، وهو زمن استقرار الإيمان وانتشار التوحيد ورسوخ العقيدة رسوخاً لا يتطرق معه أدنى خلل ولا شك في وحدانية الله تعالى وتفرده بكل معاني الألوهية والربوبية .
________________________________________
ومثل هذا في الشريعة كثير جداً وهو التشريع المؤقت الذي يشرع لعلة ثم يزول بزوال علته ، إلى أنه تارة يكون منصوصاً عليه من الشارع نفسه وهو الناسخ ,المنسوخ ، وتارة لا ينص الشارع على زوال الحكم ونسخه لاحتمال وجود العلة في كل وقت ، ولكنه يشير إلى أن ذلك الحكم غير لازم على الدوام إنما يلزم عند وجود علته فيقول أو يفعل ما يخالف الحكم الأول حتى يظن في بادئ النظر أن بين الأمرين تعارضاً ، والواقع أن الحكم الأول كان عند وجود علته ، والثاني وقع عند انتفائها ، ولذلك كان بعض الصاحابة إذا أشكل عليه الأمر وقال للنبي : صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنك يا رسول الله قد فعلت كذا أ, قلت كذا يعني مما يخالف قوله أو فعله الحاضر يجيبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله . إنما فعلت ذلك لأجل كذا ، ولما رأيت من كذا . وهكذا يكون النهي الوارد عنه في حق من توجد منه علة النهي والإذن والجواز في حق من تنتفي عنه علته .
ومن النوع الأول :
نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن زيارة القبور أولاً . لما كانوا قريبي عهد بالشرك ، فلما استقر الإيمان في نفوسهم أباح لهم زيارتها للاعتبار والتذكر والزهد في الدنيا ، ولكنه مع ذلك أمرهم أن لا يقولوا عند القبور من مخاطبة الأموات مالا يوافق التوحيد ولا يقره الإيمان فقال : (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة )) وفي حديث آخر (( فإنها تزهد في الدنيا )) قال (( ولا تقولوا هجراً )) وكذلك نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وعن إدخارها لأجل مجاعة ألمت بالناس ، فلما ذهبت قال (( كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فكلوا وادخروا فإنما نهيتكم من أجل الدافة )) وكذلك نهى في أول الأمر عن القران بين التمرتين لما كان الحال بالمدينة ضعيفاً ، ثم أباح ذلك لما وسع الله عليهم .
ومن النوع الثاني :
________________________________________
وهو الأكثر – نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم النساء عن زياترة القبور فإنه لما أباحها للرجال خص النساء باستمرار النهي وشدد عليهن في ذلك لكونهن ناقصات عقل ويدن ، ولأن تشبثهن بالعقائد الباطلة شديد فقال : (( لعن الله زوارات القبور )) وقال لنسوة رآهن في المقبرة (( أتدفن ؟ أتحملن ؟ ارجعن مأزورات غير مأجورات )) ولكنه مع ذلك مر يوماً بالمقبرة فوجد امرأة جالسة عند قبر ابنها تبكي فقال لها (( اتقي الله واصبري )) فقالت إليك عني فإنك لم تصبي بمصيبتي وكانت لم تعرفه فتركها وانصرف ولم ينهها عن زيارة اقبر كما قال لغيرها ارجعن مأزورات وذلك لأنها إنما زارت قبر ولدها لما تجد في نفسها من الحزن وعدم الصبر على فراقه فلم يتطرق إلى زيارتها ما يخشى من الفتنة بزيارة القبور المعظمة كقبور الشهداء التي كان غيرها من النسوة يزرنها وكذلك من يأتي منهن بعد ممن يزرن قبور الأولياء والصالحين فإن العلة وهي خشية الإفتتان موجودة فيهن فلذلك نهاهن ولعنهن ولم ينه زائرة قبر ابنها .
وكذلك نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نعي الميت كما رواه الترمذي وابن ماجة من حديث حذيفة بسند حسن حتى كان كثير من الصحابة والتابعين يوصي عند موته أن لا يعلم بموته تمسكاً بهذا النهي ولكن مه هذا نعى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه بالحبشة ونعى زياد وجعفر أيضاً لما قتلا كما في الصحيح فكان نهيه عن النعي أولاً لقطع عوائد الجاهلية وقلع أثرها من النفوس ثم نعى بنفسه لذهاب العلة وعدم وجودها .
________________________________________
ونهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الطيرة وسماها شركاً ونفى وجودها بالكلية فقال (( الطيرة شرك الطيرة شرك )) ثلاثاً وقال أيضاً (( لا عدوى ولا طيرة )) ومع هذا فكان ، يحب الفال وهو من نوع الطيرة فقد قال عروة بن عامر القرشي ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال (( أحسنها الفال ولا ترد مسلماً فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك )) رواه أبو داود وقال بريدة كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملاً سأل عن اسمه فإذا أعجبه أسمه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه وإن كره اسمه رؤي كراهية ذلك في وجهه وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فذكر مثله في العامل رواه أبو داود . وقال أنس بن مالك قال رجل يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها أموالنا فتحولنا إلى دار أخرى فقل فيها عددنا وقلت فيها أموالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ذروها ذميمة )) فنهى عن التطير وسماه شركاً لما كان يعتقده أهل الجاهلية من تأثير الأشياء بذاتها وطبعها ، ومعتقد ذلك مشرك جاعل مع الله فاعلاً ومؤثراً غيره وكان مع ذلك يحب الفال الذي هو من نوعها لاعتقاده أنه مرسل كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( الفال مرسل والعطاس شاهد عدل )) رواه الحكيم في النوادر من حديث الرويهب ، ومعناه أنه مرسل من قبل الله تعالى مبشراً للعبد بما سيحدثه الله تعالى له من خير وصلاح وبركة ونجاح ،وكان يكره الفال القبيح لعلمه أن الله تعالى أراد خلاف ما يريده العبد منه ، ولذلك كان لا يرجع عنده ويأمر بعدم الرجوع عند التطير لعلمه أن ما قدره الله تعالى وأمضاه هو واقع لا محالة سواء رجع المتطير عن ذلك الأمر أو أمضاه ، بخلاف أهل الجاهلية فإنهم كانوا يعتقدون أن الحوادث مربوطة بذلك صادرةعنها وأنهم إذا رجعوا عند التطير لا يصيبهم شيء
________________________________________
مما قدره الله تعالى وأمضاه .
وكذلك نفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم العدوى في أحاديث متعددة وقال مع ذلك (( فر من المجزوم فرارك من الأسد )) وقال (( لا يوردن ممرض على مصح )) ونفى الغول لما كان يعتقده فيه أهل الجاهلية من العقائد الباطلة وأثبته في حديث قال فيه (( إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان فإن الشيطان إذا سمع النداء أدبره وله حصاص )) وأمر أبا أيوب وأبا هريرة أن يمسكاه لما كان يدخل إلى بيتهما ويأكل لهما من تمر الصدقة ويقول له أجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما هو معروف وثابت في السنن وغيرها .
________________________________________
ونهى عن الرقى والتمائم والتولة وسماها شركاً وأمر بها في أحاديث أخرى ونهى الله تعالى عن الاستقسام بالأزلام وشرع لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاقتراع بالعودة وهو نوع من الاستقسام إلا أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الأصنام هي التي كانت تختار لهم وما شرعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو لاعتقاد المؤمنين أن الله تعالى هو الذي يختار لهم بما يخرج من العود فهو خروج من مراد العبد واختياره ، إلى مراد الله واختياره ، وكم لهذا من نظير يطول ذكره ويتعذر إحصاؤه وعده ، بل هو مفرد بالتآليف العديدة التي منها ما هو في عدة مجلدات وقد أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يهدم الكعبة ويبنيها على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم تأخر عن ذلك لكون القوم حديثي عهد بجاهلية ، ولذلك لما قدم عهدهم بها هدمها عبد الله ابن الزبير وبناه كما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم عزم أن يبنيها عليه وقد ترجم البخاري في صحيحه للحديث الوارد بهذا بقوله : باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم الناس عنه فيقعوا فيما هو أشد منه ثم أسند عن الأسود قال لي ابن الزبير كانت عائشة تسر إليك كثيراً فما حدثتك في الكعبة ؟ فقلت قالت : قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( يا عائشة لولا قدم حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون )) ففعله ابن الزبير .
والمقصود أن مبنى الشريعة على مراعاة مصالح العباد الدينية والدنيوية ومن مصالحهم الدينية نهيهم عن كل ما يخل بعقيدتهم وإخلاص توحيدهم لله تعالى وإن كان مباحاً في نفس الأمر لقيام سبب به يؤدي إلى المحظور فإذا انتفى السبب رجع الفعل إلى إباحته الأصلية ومنه بناء المساجد على القبور .
الوجه السابع
________________________________________
وإذا ثبت أنها معللة بخشية العبادة واتخاذها قبلة عند الصلاة فالنهي حينئذ يكون خاصاً بما جعل القبر في قبلته ، أما ما جعل القبر فيه ملاصقاً لجداره الغربي بحيث لا يمكن الصلاة إليه أصلاً فهو خارج عن النهي وكثير من المساجد على قبور الأولياء هي بهذه الكيفية .
فبان من هذه الوجوه عدم معارضة الأحاديث لدليل الآية وثبت المطلوب منها وهو الجواز وقد أجاب العلامة التميمي في رسالته عن حديث (( لعن الله اليهود والنصارى )) وحديث (( أولئك شرار الخلق عند الله )) السابقين بقوله : وأما الحديثان الشريفان
فالأول منهما النهي فيه عن بناء المساجد على القبر ليس صريحاً وإنما هو كما قال شيخ الإسلام لازم لاتخاذها مساجد كما اتخاذ المساجد عليها يلزمه اتخاذ القبور مساجد قال وبذلك طابق ترجمة البخاري فيفيد أن النهي عن بناء المساجد معلل بإفضائه إلى جعل القبر مسجداً المؤدى فيفيد أن النهي عن بناء المساجد معلل بإفضائه إلى جعل القبر مسجداً المؤدى إلى عبادته فيكون من باب الذرائع ،
________________________________________
والحديث الثاني يفهم منه أن بناء المساجد ذمه معلل بما لزمه عرفاً من جعل التصاوير فيه وعبادة تلك الصور لأنه معنى مناسب للحكم وقد التفت إليه الشرع في غير هذا المحل فيحصل الوقوف بأنه العلة كما تقرر في مسالكها قال شيخ الإسلام في هذا الحديث إن الإمام الشافعي حمله على الكراهة وذلك يؤيد ما قلناه من سد الذرائع لأن الإمام لا يقول بالذرائع فلما وجد علة النهي راجعة إليها حمله على الكراهة لتلك القرينة الصارفة عن الحرمة وإذا كان النهي فيها لسد الذرائع فلا تعارض ما تقدم من دليل الجواز لأن سد الذرائع لا ينافي المشروعية فكثيراً ما يكون الشيء مشروعاً بالأدلة الواضحة ويجر إلى أمر ممنوع فيمنع من تلك الحيثية حتى إذا زالت رجع للأصل وعلى هذا يتنزل ما قاله الأستاذ ابن لب في بعض فتاويه من أن النهي في هذه المسألة مخافة أن تعبد القبور ، كما اتفق لمن سلف قبل هذه الأمة وأفتى بناء مسجد بمقبرة اندثرت إذ أمن نبش القبور بأن يكون البناء فوقها دون حفر يصل إلى موضع العظام للأمن في هذه من خشية العبادة المعلل بها النهي وعلى هذا إذا بني المسجد على القبر بلصق الحائط المواجه للقبلة بحيث لا تمكن الصلاة فيه إلا أن يكون القبر خلف المصلي كما هو بزوايا كثيرة في بعض أعمال أفريقية جاز للأمن من الصلاة إليه . وإذا نظرت إلى أن عبادة غير الله تعالى علم من الدين ضرورة منعها وإخراجها المسلم من الدين كانت الذريعة هنا من القسم الملغى لأن ترتيب المقصد فيه على الوسيلة بعيد انتهى .
الدليل الثاني : أن الله قضى باتخاذ المسجد على قبر نبيه .
________________________________________
إن الله تعالى قضى في سابق علمه باتخاذ المسجد على قبر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ربه جل وعز أعلى قدراً وأحمى جانباً من أن يقع بجسده الشريف ما هو محرم مبغض لله تعالى ملعون فاعله ، بل هذا من المتيقن المقطوع ببطلانه لأهل الإيمان فلو كان اتخاذ المسجد عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممنوعاً متخذه لحمى الله تعالى جانب نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم منه ولصرف العباد عنه كما صرفهم عن غيره فلما لم يفعل ذلك دل على أنه جائز ومطلوب ومن اعتقد خلاف هذا فهو قرني ممقوت لم يذق للإيمان طعماً ولا عرف من منزلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العيا ومكانته السامية عند ربه شيئاً فهو مدخول العقيدة مختل الإيمان .
الدليل الثالث : أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدفن في البناء
________________________________________
إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يدفن في البناء فقال (( ما قبر نبي إلا حيث يموت )) وحدث بهذا الصديق رضي الله عنه حين اختلف الصحابة رضي الله عنهم في موضع دفنه فقال قوم في البقيع وقال آخرون في المسجد وقال آخرون يحمل إلى أبيه إبراهيم فيدفن معه فلما حدثهم الصديق رضي الله عنه بما عنده في هذا أجمعوا رأيهم واتفقوا عليه ودفنوه في بيت عائشة رضي الله عنها وهو دليل صريح على وجود البناء حول القبر وأن النهي خاص بما كان فوقه لأنا بالضرورة نعلم أن النهي عن البناء ليس هو عن فعل الفاعل وبناء البناء ، وإنما هو عن وجود نفس البناء على القبر وإذا جوز الشارع وجود الميت داخل البناء فقد جوز البناء إذ لا فارق بين أن يوجد بعد الدفن أو قبله لأن الغاية واحدة والصورة متفقة وهي وجود القبر داخل البناء وإذا جاز ذلك فلا فرق بين أن يكون البناء بيتاً أو قبة أو مدرسة لأن الكل بناء والعلة في ذاته لا في أشكاله وصوره فليس النهي متعلقاً بصورة القبة أو المدرسة بل بذات البناء كيفما وجد ، وحيث أجاز الشارع الدفن في البيت الذي هو بناء علمنا أن النهي مخصوص بالبناء كيفما وجد ، وحيث أجاز الشارع الدفن في البيت الذي هو بناء علمنا أن النهي مخصوص بالبناء الذي هو فوق القبر للعل السابقة غير عام في جميع البناء .
الدليل الرابع : أن أمره بالدفن في البناء
________________________________________
وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يدفن في بيته الذي هو بناء فقد تقرر في قواعد الفقه أن الرضي بالشيء رضى بما يؤول إليه ذلك الشيء ، فالذي تزوج امرأة بعد علمه بمرض كذا فيها ثم تزايد ذلك المرض إلى حد يمنع من الاستمتاع فلا رجوع له لأنه رضي بمبادئه فكان راضياً بما يؤول إليه ، وبيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ملاصقاً للمسجد وبابه شارعة إليه حتى كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا اعتكف يخرج رأسه الشريف إلى عائشة فترجله وهي في البيت وهو في المسجد وقد علم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمته ستكثر وأن المدينة ستتسع وتعظم حتى يصل بناؤها إلى سلع كما أخبر هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك وأمر بشد الرحلة إلى زيارة قبره الشريف وإلى مسجده للصلاة فيه ورغب في ذلك بقوله (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) و (( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )) ومسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في عصره صغيراً لا يسع عشر معشار ربع من يقصده من أمته وقبره الشريف واقع في بيت عائشة الذي تسكنه وهو يعلم ضرورة أنه يتعذر على الأمة زيارته وهو في بيت مملوك لامرأة ساكنة فيه يجب تعظيمها واحترامها كما يجب ذلك في حق من يملكه ويسكنه من بعدها ، كما أنه يعلم أن أمته ستدوم إلى قيام الساعة وأن قصدهم لزيارته سيدوم بدوام الأمة وأن البيت الذي سيدفن فيه لا يمكن عادة أن يدوم أكثر من مائة سنة لأنه مبني بالطين واللبن غير محكم البناء فهو يعلم علم اليقين أن بيته المذكور سيؤول أمره إلى أن يدخل في المسجد لإإذا علم ذلك وأمر بدفنه فيه فهو رضي منه بدخول قبره الشريف في المسجد الذي ستصير الأمة به متخذة على قبره مسجداً كما هو الواقع ، ومن المحال المقطوع به أن يرضى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما هو محرم ملعون فاعله لا سيما فيما يتعلق بجسده الشريف فدل على أن اتخاذ المسجد على قبره
________________________________________
الشريف غير محرم ولا مكروه وإذا جاز ذلك في حقه جاز في غيره من باب أولى لأن ما يخشى من الفتنة بقبره أعظم مما يخشى من القتنة بقبر غيره لأن الفتنة إنما تقع من جهة التعظيم ولا يوجد في الأمة من يعظم قبراً أكثر من قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
الدليل الخامس : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر بأن قبره الشريف سيكون داخل مسجده
إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر بأن قبره الشريف سيكون داخل مسجده وزاد فأخبر بأن ما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة وهذا منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى استحباب إدخال قبره الشريف في المسجد لأنه ترغيب يدعو إلى ذلك ، إذ المراد فضيلة الصلاة ما بين القبر والمنبر والترغيب فيها في ذلك الموضع إذا لم يكن القبر الشريف داخل المسجد لا تتصور الصلاة بين القبر والمنبر ولا يتأتى التعبير بقوله ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة لأنه إذا كان المنبر وسط المسجد والبيت الذي فيه قبره الشريف خارج المسجد لم يصح في العادة التعبير بالبينية خصوصاً عند إرادة الصلاة فإن البيت وسوره حاجز بين القبر والمنبر مانع من الصلاة في موضعه فلا يقول ما بين قبري ومنبري رياض من إيضا الجنة إلاوهو يريد أن القبر سيكون دخل المسجد ليس بينه وبين المنبر حاجز البيت .
فإن قيل : لفظ الحديث في أكثر طرقه إنما هو (( ما بين بيتي ومنبري )) حتى إن البخاري لما ترجم للحديث بباب فضل ما بين القبر والمنبر وأورد الحديث من حديث عبد الله ابن زيد المازني ومن حديث أبي هريرة بلفظ (( ما بين بيتي )) شرحه الحافظ في الفتح بقوله : ترجم بلفظ القبر وأورد الحديثين . بلفظ البيت لأن القبر صار في البيت وقد ورد في بعض طرقه بلفظ القبر .
________________________________________
قال القرطبي : الرواية صحيحة بيتي ويروى قبري وكأنه بالمعنى لأنه دفن في بيت سكناه اهـ . وقال في موضع آخر من الفتح قوله (( ما بين بيتي ومنبري )) كذا للأكثر ووقع في رواية ابن عساكر وحده قبري يدل بيتي وهو خطر فقد تقدم الحديث بهذا الإسناد بلفظ بيتي وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه . نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر . قلت : الجواب عنه من وجوه .
الوجه الأول
أن هذا بالنسبة لرواية البخاري فقط لا بالنسبة لسائر طرق الحديث كما صرح به الحافظ نفسه من كونه ورد بلفظ القبر من حديث سعد بن أبي وقاص بسند رجاله ثقات ، وكذلك من حديث ابن عمر مع أنه لم يرد بلفظ القبر من حديث هذين . فقط بل ورد كذلك من حديث أم سلمة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن زيد وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب ، ثم إن حديث ابن عمر الذي عزاه الحافظ للطبراني أخرجه أيضاً جماعة آخرون كلهم بلفظ القبر .
قال الطحاوي في مشكل الإثار حدثنا محمد بن علي بن داود حدثنا أحمد بن يحيى المسعود قال حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
وقال الخطيب في التاريخ أخبرني ابن علان حدثنا أبو الفضل العباس بن محمد بن أخحمد بن تميم الأنماطي حدثنا موسى بن إسحاق القاضي الأنصاري حدثنا مالك بن يحيى بن المنذر حدثنا مالك به مثله بلفظ القبر .
وقال أيضاً في المهروانيات أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل حدثنا أبو الحسين أحمد بن عثمان حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا أحمد بن يحيى حدثنا مالك به مثله .
________________________________________
قال الطحاوي : وهذا من حديث مالك يقول أهل العلم بالحديث إنه لم يحدث به عن مالك أحد غير أحمد بن يحيى هذا ، وغير عبد الله بن نافع الصائغ اهـ . وقال الخطيب في المهروانيات : هذا حديث غريب من حديث مالك عن نافع تفرد بروايته عنه أحمد بن يحيى الأحول وتابعه عبد الله بن نافع عن مالك .
قلت وهو ثقة من رجال الصحيح ومتابعنه أخرجها أبو نعيم في الحلية .
قال حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا إسحاق بن أبي حسان حدثنا القاسم ابن عثمان الجوعي حدثنا عبد الله بن نافع المدني عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وإن منبري لعلى حوضي )) .
طريق آخر عننافع قال الدولابي في الكنى والأسماء حدثنا عن ابن معبد ابن نوح حدثنا موسى ابن هلال حدثنا عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن أخو عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) وقال : (( وما بين قبري ومنبري ترعة من ترع الجنة )) .
وقال الطحاوي في مشكل الآثار حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي حدثنا محمد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي )) .
طريق آخر عن نافع قال أبو ناعيم في تاريخ أصبهان ثنا أحمد بن جعفر بن معبد ثنا عمر بن أحمد بن السني ثنا نصر بن علي ثنا زياد بن عبد الله عن موسى الجهيني عن نافع عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : (( صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )) قال وقال ابن عمر إن ما بين القبر والمنبر من رياض الجنة .
وحديث سعد بن أبي وقاص أخرجه أيضاً الخطيب في التاريخ من رواية ابنته عائشة عنه بلفظ القبر .
________________________________________
وحديث أم سلمة أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار قال حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل ثنا سفيان بن عيينة عن عمر الدهني عن أبي سلمة عن أم سلمة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وإن قوائم منبري هذا رواسب في الجنة )) .
وحديث أبي سعيد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير قال : اسحاق ابن شرقي مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عمر عن عبد الله بن عمر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) قال لي الحرمي بن حفص وتابعه عفان عن عبد الواحد بن زياد سمع إسحاق .
قلت متابعة عفان أخرجها الخطيب في التاريخ عن أبي نعيم عن أبي الشيخ عن بن الجارود عن محمد بن أحمد بن جهور ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا إسحاق بن شرقي به مثله بلفظ القبر .
وأخرجها الطحاوي في مشكل الآثار ثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ومحمد بن علي بن داود قالا حدثنا عفان به مثله أيضاً بلفظ القبر .
وحديث عبد الله بن زيد قال الطحاوي أيضاً ثنا يونس ثنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني ” أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ” ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ” .
قال : وحدثنا الربيع الجيزي ثنا مطرف بن عبد الله ثنا مالك عن عبد اله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد الخطمي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
________________________________________
قال : وحدثنا محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان جميعاً قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث بن سعد قال حدثني بن الهاد عن أبي بكر بن محمد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : (( إن ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
وحديث أبي هريرة كذلك وقع في رواية مالك في الموطأ على بعض الروايات وهي النسخة المطبوعة مع شرح تنوير الحوالك للحافظ السيوطي :
وحديث جابر أخرجه الخطيب في التاريخ من طريق محمد بن كثير الكوفي ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
وحديث عمر أخرجه الإسماعيلي في مسند عمر من رواية عطاء بن زيد الليثي حدثني سعيد بن المسيب عن عمر به ولفظه (( ما بين قبري و اسطوانة التوبة روضة من رياض الجنة )) . وفي لفظ ما بين قبري ومنبري .
الوجه الثاني
أن ما حكم به الحافظ من الخطأ على رواية ابن عساكر غيره مسلم ولو بالنسبة إلى رواية البخاري إذ يجوز أن يكون الصواب مع من قثال قبري ، ويكون الذي قال بيتي أخطأ أو ذهب ذهنه إلى حديث آخر مما ورد بلفظ بيتي . فإن لفظه قبري وقعت كذلك في رواية للموطأ أيضاً ، ويؤيد صحتها ترجمة البخاري بلفظ القبر وقد نص الطحاوي في مشكل الآثار على أن أكثر الروايات لهذا الحديث إنما هي بلفظ قبري لا بيتي ، كما سأذكر نصه قريباً ، وإذا كان ذلك كذلك فلا وجه لتخطئة من قال في رواية البخاري قبري .
الوجه الثالث
________________________________________
أن المراد بقوله بيتي في الروايات الأخرى هو قوله في هذه الأحاديث قبري لأننا بالضرورة ندري أن المنبر والبيت لم يكن لها هذا الفضل لمجرد أعواد المنبر وحجارة البيت وطينه فإنه لا فضل لخشب على خشب ولا لحجارة على حجارة بل ولا دخل لهما في وجود فضيلة في الدين البتة . وإنما ذلك لتشرف المنبر بوقوفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الوعظ والتذكير وتبليغ أمر ربه ولوجود قبره الشريف في البيت . إذ المراد هو القبر لأن الفضل راجع إليه لا إلى البيت ، فمن يحاول من أهل العصر أن ينكر وجود رواية قبري للتوصل إلى نفي ما يتعلق به من فضيلة قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنما يحاول عبثاً ويخبط خبطاً عشوائياً . فالحدث سواء ورد بلفظ قبري أو بلفظ بيتي فمعنى اللفظين واحد وكلاهما راجع إلى القبر الشريف وعلى هذا المعنى نص أكثر المحدثين بل جل من تكلم على الحديث أو شرحه .
قال الطحاوي في مشكل الآثار وفي هذا الحديث معنى يجب أن يوقف عليه وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) على ما في أكثر هذه الآثار وعلى ما في سواه منها (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) على ما في أكثر هذه الآثار وعلى ما في سواه منها (( ما بين بيتي ومنبري )) ، فكان تصحيحها يجب به أن يكون بيته هو قبره ويكون ذلك علامة من علامات النبوة جليلة المقدار ؛ لأن الله عز وجل قد أخفى على كل نفس ( سواه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ) الأرض التي تموت بها لقوله عز وجل ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) فأعلمه الموت الذي يموت فيه والموضع الذي فيه قبره حتى أعلم بذلك في حياته وحتى علمه من علمه من أمته فهذه منزلة لا منزلة فوقها زاده الله تعالى بها شرفاً وخيراً . اهـ .
________________________________________
وقال ابنحزم في المحلى : قد أنذر عليه الصلاة والسلام بموضع قبره بقوله (( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )) واعلم أنه في بيته بذلك ولم ينكر عليه الصلاة والسلام كون القبر في البيت ، ولا نهى عن بناء قائم ، وإنما نهى عن بناء على القبر قبة فقط أي على نفس القبر ملتصقاً به على هيئة القبة كما جرت به عادة أكثر الناس . وهكذا نص على أن المراد بالبيت القبر كل شراح الحديث كما يعلم من مراجعه شروح البخاري ومسلم وغيرهما فلا نطيل بذكر نصوصهم .
الوجه الرابع
وعلى فرض أنه أراد نفس البيت لا القبر فقد علم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإعلام الله إياه أن بيته سيدخل في المسجد وأن قبره سيكون فيه فيكون القبر داخل المسجد وبه صار ما بين البيتوالمنبر روضة من رياض الجنة فكيفما دار الحديث دل على المطلوب وهو إذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإدخال قبره الشريف في المسجد والإشارة إلى ذلك بقوله : (( ما بين قبري ومنبري روضة منرياض الجنة )) .
الدليل السادس : إجماع الصحابة على دفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيته .
تم إجماع الصحابة واتفاقهم بعد الإختلاف في موضع دفنه على دفنه في بيته عملاً بما أخبرهم به أبو بكر ( رضي الله عنه ) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلو كان ذلك غير صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو منسوخاً بما ذكره في مرض وفاته مع أن الخبر لا يدخله النسخ لما أجمع الصحابة عليه . وقد قام الدليل على حجية الإجماع ولا سيما إجماعالصحابة ( رضي الله عنهم ) .
الدليل السابع : إجماع التابعين ومن بعدهم .
________________________________________
أجمع التابعون في عهد وجود كبار أئمتهم مثل عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وفقهاء المدينة والكوفة والبصرة والشام وغيرها من أقطار الإسلام . ثم أجمعت الأمة بعدهم على إدخال بيته المشتمل على قبره داخل المسجد وجعله في وسطه . وإجماعهم حجة ولو كان ذلك منهياً عنه لاستحال أن تتفق الأمة في عصر التابعين على المنكر والإجتماع على الضلالة لولا أنهم فهموا من النهي أن المراد به علته التي زالت باستقرار الإيمان ورسوخ العقيدة . لا يقال إنهم سكتوا على ذلك لأجل ضرورة توسعة المسجد فإنه كان في الإمكان توسعته من جهة القبلة والجهة المقابلة لها والجهة الجنوبية لها دون الجهة الشمالية الواقع فيها قبره ( عليه الصلاة والسلام ) لا سيما والآمر بذلك خليفة العصر الذي اشترى البيوت بالمال لإدخالها في المسجد ، فكان يمكنه أن يشتري البيوت الواقعة في غير جهة قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويبقى بيت عائشة الذي فيه القبر الشريف خارج المسجد مجاوراً له ، كما كان في عهده صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما فعل ذلك بمرأى من التابعين والأئمة ولم ينهه أحد منهم عن ذلك دل دلالة قاطعة على جواز واتخاذ المسجد على القبر . وأن المنهي عنه إنما هو قصد الصلاة إلى القبر المؤدي إلى عبادته والإشراك به . ولذلك لما أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد جعل البيت الذ فيه القبور مثلث الشكل حتى لا يمكن الصلاة إلى القبور .
الدليل الثامن : أن الصحابة بنوا مسجداً على القبر في حياة صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
إن الصحابة بنوا على القبر مسجداً في حية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأقرهم على ذلك ولم يأمرهم بهدمه ويستحيل أن يقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على باطل .
________________________________________
قال ابن عبد البر في الإستيعاب في ترجمة أبي بصير ما نصه – وله قصة في المعازي عجيبة ذكرها ابن إسحاق وغيره ورواها عبد الرازق عن معمر عن ابن شهاب في قصة القضية عام الحديبية – قال : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلت قريش في طلبه رجلين فقالا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلماً فدفعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الرجلين فخرجا حتى بلغا به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمرهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا جيد يا فلان فاستله الآخر وقال أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال له أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين رآه (( لقد رأى هذا ذعراً )) فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا رسول الله قد والله وفت ذمتك قد رددتني إليهم فأنجانى الله منهم فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ويل أمة مسعر حرب لو كان معه أحد )) فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر قال وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة ، قال فوالله ما سمعون بعيراً خرجت لقريش إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تناشده الله والرحم ألا أرسل إليهم فمن أتاك منهم فهو آمن . وكان أبو بصير يصلي لأصحابه ويكثر من قوله : الله العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصره . فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم واجتمع إلى أبي جندل حين سمع بقدومه ناس في بني غفار واسلم وجهينة وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة وهو مسلمون ، فأقاموا مع أبي
________________________________________
جندل وأبي بصير وكتب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أبي جندل وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبره مسجداً ازهـ .
باختصار وبلا شك يدري كل ذي حس سليم يعرف سيرة الصحابة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكرونه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو رسول الله تعالى وخليفته في خلقه والأمر أمره والحكم حكمه والصحابة كلهم جنده ونوابه ومنفذون أمره ، وكذلك يستحيل أن يحدث مثل هذا من أصحابه الذين هم تحت حكمه وأمره ويكون ذلك حراماً ملعوناً فاعله يجر إلى كفر وضلال ، ثم لا يعلمه الله تعالى به ولا يوحي يوحي إليه في شأنه ، كما أعلمه بمسجد الضرار وقصد أصحابه من بنائه وأمره بهدمه بل وبما هو أدون من هذا وأقل ضررا بكثير فإذا لا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اطلع على بنائهم المسجد على قبر أبي بصير ولم يأمرهم بهدمه إذ لو أمر بذلك لنقل في نفس الخبر أ, غيره ، لأنه شرع لا يمكن أن يضيع بل يستحيل ذلك لخبر الله تعالى أنه حفظ الدين من أن يضيع منه شيء ولا يصل إلى آخر هذه الأمة ما وصل إلى أولها . فلما لم يأمر بهدمه دل ذلك على جوازه .
________________________________________
وأما كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر بعد ذلك من اتخاذ المسجد على قبره الشريف بقوله : (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) يحذر ما صنعوا فإنما ذلك لما يخشى من الفتنة بقبره الشريف ، لأن القوم كلهم كانوا أهل جاهلية وعبادة أوثان وصور وأحجار وعهدهم بذلك قريب فلما آمنوا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا من معجزاته الظاهرة وكمالاته الباهرة وأحواله العجيبة الخارقة حتى صار أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم وأولادهم وأنفسهم لم يأمن صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يفتتنوا بقبره بعد انتقاله .
وهذا عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) وهو من هو قد افتتن عند موته وأنكر أن يكون قد مات أو يلحقه الموت فأخذ سيفه بيده وجعل يقول من قال : إن محمداً مات ضربته بسيفي هذا وذلك لما وقر في نفسه من تلك الكمالات التي لا تتناسب الفناء والموت حتى ذكره الصديق ( رضي الله عنه) بالآية الكريمة (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل .. )) الآية . فحينئذ ثاب إليه عقله وعلم أم العبد عبد والرب رب فلهذا حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من اتخاذ المسجد على قبره في أول الأمر وأشار إلى جواز اتخاذه عند استقرار الإيمان كما فعلت الأمة فأدخلت قبره الشريف في مسجده بعد نحو تسعين سنة من انتقاله . وإنما لم يأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهدم المسجد الذي بني على أبي بصير لأن أبا بصير لا شهرة له بين الناس بفضل حتى يمكن أن يفتتنوا بقبره ، وإنما هو فرد من أفراد المسلمين فلم يخش من المسجد على قبره أي ضرر وخلل في الاعتقاد .
الدليل التاسع : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أصحابه بفتح بيت المقدس :
________________________________________
إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أصحابه بفتح بيت المقدس وأقطع تميماً الداري أرضا بالتحليل تحقيقاً لوعد الله وخبره بالفتح ، وهو يعلم أن بالخليل قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ( عليهم السلام ) . وعلى هذه القبور معبد وقبة فلم يأمر أصحابه إذ أمرهم أن يدفعوا لتميم الداري الأرض التي أقطعه إياها أن يهدموا البناء الذي هو على قبر إبراهيم وعلى قبر غيره من الأنبياء الموجودين بفلسطين بالقدس والخليل وما بينهام . فدل على أن المراد التحذير من علة ذلك لا من نفس بناء المسجد والقبة .
الدليل العاشر أن لاصحابة فتحوا البلاد في زمن الخلفاء الراشدين :
________________________________________
أن الصحابة – رضي الله عنهم – لما فتحوا البلاد في زمن الخلفاء الراشدين لم يهدموا البناء الذي كان على قبور الأنبياء بالشام والعراق وغيرهما من أرض العرب مع قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنفيذ كل ما أمرت الشريعة به وما ينقل عن عمر – رضي الله عنه – في قبر دانيال فذاك خاص به لما وجد عند قبره من الكتابة التي تخبر بأمور وكوائن غيبية ، وكان عمر – رضي الله عنه – يبالغ في التنفير من كل علم يخشى أن يفتتن الناس به ويعرضون معه عن الكتاب والسنة أو يعتقدون معه خلاف ما يجب أن يعتقد في ذلك المخلوق حتى كان إذا قبل الحجر الأسعد عند الطواف يقول رافعاً صوته ليسمع الناس إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبلك ما قبلتك ، وإنما كان يفعل هذا لأنه خشى على العرب وهم حديثوا عهد بجاهلية وعبادة الحجر أنهم لما يرون المسلمين يقبلون الحجر ربما اعتقدوا أن ذلك لتأثير عنده وتصرف كما كانوا يعتقدونه في الأحجار التي كانوا يعبدونها فلما وجد عند قبر دانيال لوحاً مكتوباً فيه أخبار عن أمور مغيبة وكوائن آتية خاف أن يفتتن الناس بذلك فأمر بهدم البناء الذي على القبر لأناللوح المذكور ملصق فيه أوالكتابة كانت على نفس البناء الذي على القبر ، أما قبور غيره من الأنبياء فقد أقر عمر – رضي الله عنه – البناء الذي كان عليها ولم يهدمه لأنه لم يكن عليها شيء مما كان على قبر دانيال .
الدليل الحادي عشر : أن جماعة من الأنبياء والمرسلين مدفونين في المسجد الحرام
________________________________________
أنه جاء في عدة أحاديث وآثار أن جماعة من الأنبياء والمرسلين مدفونون في المسجد الحرام ما بين زمزم والمقام ، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن منهم نوحاً ، وهوداً وصالحاً ، وشعيباً ، وأن قبورهم بين زمزم والحجر ، وكذلك ورد في قبر إسماعيل أنه بالمسجد الحرام ، وهو أشرف مسجد على وجه الأرض هو ومسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلو كان وجود القبر في المسجد محرماً لذاته لنبش النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخرجهم فدفنهم خارج المسجد ، فإنه أخبر الله أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأنهم أحياء في قبورهم ، كما أخبر الله تعالى – بمثل ذلك عن الشهداء ، وأمرنا بأن لا نسميهم أمواتاً فنكون كاذبين في ذلك وهو أحياء ولكن حية برزخية تلائم الكون في القبر ، ولا نتصور كنهها وحقيقتها لأنها من أمور الآخرة التي لا تصل إليها عقول أهل الدنيا .
فلما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك دل على أن وجود القبر في المسجد أو بناء المسجد على القبر ليس محرماً لذاته وإنما ذلك لعلته التي بانتفائها ينتفي حكمها ، وإذا علمت أن أفضل المساجد على وجه الأرض مسجد مكة ومسجدالمدينة اللذان هما الحرمان الشريفان – وقد شاء الله تعالى – وحكم أن يكون في كل منها قبور متعددة ، ففي حرم مكة قبور جماعة من الأنبياء ، وفي حرم المدينة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبر صاحبيه – رضي الله عنهما – ومعهما قبر رابع سيدفن فيه عيسى عليه السلام حين نزوله ، كما ورد في بعض الأخبار – تعلم أن الدفن في المسجد أو اتخاذ المسجد في القبر من أشرف الأعمال تأسياً بالحرمين الشريفين ، فكل مسجد ليس فيه قبر فهو ناقص الفضل قليل البركة عديم الأسوة بأفضل المساجد وأشرفها .
الدليل الثاني عشر : الوسائل لها حكم المقاصد
________________________________________
القاعدة المقررة في الفقه أن الوسائل لها حكم المقاصد واحترام قبر الميت المسلم وتعظيمه بعدم الجلوس عليه والمشي فوقه ونبشه وكسر عظامه مقصود شرعاً ، وضده محرم منهي عنه أشد النهي حتى قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر )) رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ، وورد نحوه بأسانيد صحيحة من حديث عبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر وغيرهما ، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( كسر عظم الميت ككسره حياً )) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في الصحيح ، بل بالغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تعظيم قبور المؤمنين حتى أمر من رآه يمشي بينها بنعلين أن يخلعهما احتراماً لقبور المؤمنين .
وبالضرورة نعلم أن القبر إذا بقي دون بناء حوش حوله أو بيت أو قبة عليه فهو بلا شك معرض للمشي فوقه والجلوس عليه وادراس أثره ، كما هو مشاهد بالعيان من مرور الناس فوق القبور التي لا بناء عليها . وربما يجهل أن هناك قبراً فيبول ويتغوط فوقه بخلاف القبور المحفوظة بالبناء ، كما أننا شاهدنا مرات متعددة من يحفر قبراً في موضع لا يظنه قبراً فيجد فيه جمجمة ميت وعظام يده ورجليه ، فمنهم من يحيد عن ذلك الموضع ويحفر في مكان آخر ، ومنهم من يحملها فيدفنها في حفرة ، ومنهم من يكسره ويرمي بها . وإنما يقع هذا بالقبور التي لا بناء عليها ، أما المبنية فهي محفوظة من ذلك طول الدهر ما وجد ذلك البناء عليها . فإذا كان البناء فيه مصلحة المحافظة على حرمة الميت وحفظ حقه وفيه مصلحة الحي بامتثال أمر الشارع وعدم اعتدائه على الحدود ، وكونه سبباً موصلاً إلى ذلك ، كان مطلوباً لا محالة لأنه سبب موصل إلى المقصود فيكون له حكمه . وجل أحكام الشريعة والفروع التي شرعها الفقهاء ولم يرد بها نص إنما هي من هذا القبيل ، أعني مأخوذة من طريق الاستدلال .
________________________________________
الدليل الثالث عشر : مالا يتوصل إلى المطلوب إلا به فهو مطلوب .
القاعدة المقررة أيضاً ، أن مالا يتوصل إلى المطلوب إلا به فهو المطلوب ، وزيارة القبور مطلوبة . أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بها ورغب فيها ، وفي زيارة قبره المعظم ، فقال في الأول (( زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وتزهد في الدنيا )) ، وقال في قبره الشريف : (( من زار قبري وجبت له شفاعتي )) ، وهو حديث صحيح له طرق متعددة أفردها الحفاظ بالتأليف ومنهم التقي السبكي وكتابه مطبوع متداول فلا نطيل بذكر أسانيده وبيان صحته بعد أن بسط ذلك الإمام تقي الدين المذكور ، وكذلك رغب صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زيارة قبر الوالدين وزيارة قبر الأصدقاء والسلام عليهم ، وذكر الأئمة والأولياء أن لزيارة القبور تأثيرراً عظيماً في تنوير الباطن ، لا سيما قبور الأولياء والصالحين ، وأن الدعاء عند قبور بعضهم مستجاب كما قال الإمام الشافعي – رضي الله عنه – في قبر موسى الكاظم عليه السلام :- (( إنه الترياق المجرب )) ، وجرب ذلك آلاف مؤلفة من الخلائق في سائر العصور عند قبر القطب ابن مشيش – رضي الله عنه – في المغرب وقبر القطب البدوي – رضي الله عنه – وقبر السيدة نفيسة – رضي الله عنها – بالقاهرة ، وقبور أخرى لغيرهم من أكابر العارفين – رضي الله عنهم – بما إنكاره مكابرة للمحسوس ودفع للمشاهد المعاين الملموس ، فلو لم يبن على قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يدخل في المسجد لاندرس كما اندرست قبور إخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين هم مع كثرتهم لا يعرف قبر عشرة ، بل ولا خمسة منهم بسبب عدم البناء عليهم ، ولم يبق محفوظاً إلا قبر إبراهيم – عليه السلام – ومن معه بسبب البناء أيضاً ، ولحرم الناس منفعة زيارته صلى الله عليه وعلى آله وسلم الموجبة لشفاعته لهم ، كما حرموا بركة زيارة غيره من الأنبياء الذي اندرست قبورهم لعدم البناء عليها ، فلما كان البناء
________________________________________
موصلاً لهذا المطلوب الشرعي كان مطلوباً لا محالة .
وقد احتج العلماء بهذه القاعدة ، والتي قبلها في كثير من المسائل الأصولية والفروعية ، بل بنوا عليها جل ما شرعوه من الفروع ودونوه من أحكام الفقه وفعلوا ذلك في العقائد الإيمانية فغيروا فيها وبدلوا ، بل نقضوا كل ما ورد في القرآن والسنة من صفات لله تعالى وأسمائه وخالفوه صريحاص ، بل ألحدوا فيه إلحاداً ظاهراً بفتح باب التأويل الذي هو فرع التكذيب وإيجابه والحكم على من لم يتبعهم فيه بالكفر والضلال والبدعة بدعوى أنه لا يتوصل إلى التنزيه وعدم التشبيه إلا بذلك التأويل الباطل ، بل الرد الواضح لكلام الله _ تعالى _ وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأدخلوا في الفرائض والسنن وسائر الأحكام مما لم يرد به كتاب ولا سنة ولا أثر ما لو جمع من المذاهب الأربعة لبلغ عدة مجلدات حاوية لآلاف المسائل ، بل تجاوزا الحد في ذلك وتوسعوا فيه حتى أدخلوا في الدين ما ليس منه ، بل ما تشهد نصوصه بأنه مناقض له فأجازوا للملوك أن يلبسوا الملابس الفاخرة من الحرير والذهب وأن يتخذوا الحرس المتعددة على الأبواب ، وكذلك الحجاب والخدم بملابسهم الخاصة المتنوعة وضرب الطبول والموسيقى وأنواع الملاهي على أبوابهم وبين أيديهم عند الخروج روفع الجلوس على رؤوسهم وهو من الحرير المطرز بالذهب وغير ذلك من البدع والمحرمات التي إذا عدت بدار الملك بلغت الألف أو جاوزته ، كل هذا أباحوه بدعوى أن ذلك تعظيم هيبتهم في النفوس فيتوصل بها إلى نفوذ الكلمة واحترام السلطنة وكل هذه البدع والمحرمات وأمثالها وأضعافها موجودة بأظهر معانيها وأجل مظاهرها وأفخر ملابسها في دار ابن السعود ملك القرنين وفي إدارته وهيأته وملابسه وحاشيته حتى قال بعض من دخل داره بنجد ورأى ما فيها من الرفاهية المحرمة ما كنا نظن أن ما تقرأه بكتاب ألف ليلة وليلة عن الملك وأبهته موجودة حقيقة حتى رأيناه بدار ابن السعود .
________________________________________
كل هذا يمر أي من شياطين علمائه وبعلمهم وهم الآمرون له بهدم قباب الأولياء والصالحين لأن ذلك بدعة منهي عنها وما يفعلونه هم وملكهم وأبناء ملكهم من المحرمات والموبقات والعظائم التي يستحي من ذكرها ليست بدعة ولا منهيا عنها ، وكذلك أجاز الفقهاء نحو هذه الأمور للقاضي فأحدثوا له محكمة خاصة به وجعلوا له أعواناً يقفون بين يديه ويمشون أمامه إذا خرج وخلفه حاجباً يمنع الناس من دخولهم عليه إلا بإذنه في كثير من أمثال هذا مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا الخلفاء الراشدون ولا الصحابة والتابعون ولا السلف الصالح واستحسنه هؤلاء ثم أوجبوه لحفظ حرمة القاضي وإبقاء هيبته التي بها تنفذ الأحكام في زعمهم الباطل وحصروا الشهود في عدد معين لا تقبل شهادة غيرهم ولو كان نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرباً ، وكان العدل الرسمي شيطاناً مارداً وكافراً ملحداً وأوجبوا سجن من يتظلم من شاهد الزور منهم ويصرح له بأنه شهد عليه زوراً ولو كان أكذب خلق الله وأفسقهم على الإطلاق إبقاء على حرمتهم وعدالتهم التي يتوصل بها إلى حفظ الحقوق ، ولو قال بملء فيه أن أبا بكر شهد الزور أو عمر لتعجبوا من مقالته دون أن يحكموا عليه بسجن واخترعوا أو اخترع لهم الشيطان تقييد المقال بدعوى أنه لا يتوصل إلى المطلوب ، وهو حفظ مقال الخصوم وعدم رجوعه عنه إلا به ، فكان سبباً في إضاعة الحقوق وهلاك المدعين واشترطوا في الخطيب شروطاً مضحكة لم يرد بها كتاب ولا سنة ولا عمل السلف الصالح بدعوى أن ذلك مما يلقى هيبته في النفوس وإجلاله فتقبل على وعظه وتقبله ولا ترده عليه واستحبوا للعالم أن يلبس العمائم الضخمة والأكمال الواسعة والبرانس والأكسية المعلمة بالحرير الرقيقة الجيدة وغير ذلك من المحرمات والمكروهات بدعوى أن ذلك يتوصل به إلى تميز العالم عن العامي فيعرف حتى يسأل ويستفتي ويحترم ولا يهان ولا يؤذى ، وأجازوا ضرب الطبول والنفخ في الزمارة
________________________________________
وغيرها من العوائد المحرمة أو المكروهة في شهر رمضان لأنه يتوصل بها إلى معرفة أوقات السحور والإمساك ، وأجازوا تزويق المساجد وفرشها بالحصر والزرابي لأنه أدعى للإحترام ولما فيه من مصلحة المصلين ، مع أنه ورد النهي بل الوعيد على ذلك كالنهي والوعيد الواردين في اتخاذ المساجد على القبور وبنوا المنارات المطلة على بيوت الناس التي يتكشف المؤذن منها على عوراتهم لأنه لا يمكن إعلام الأباعد عن المسجد وسماعهم الأذان إلا بها ووضعوا فيها العلم الأبيض في سائر الأيام والأسود يوم الجمعة مع ورود النهي عن ذلك لأنه لا يمكن إعلام الأباعد جداً الذي لم يصلهم صوت الأذان إلا بها ، وكم لهذا من نظير في سائر أبواب الفقه من عبادات ومعاملات ما أكثره أو كثير منه ليس له من الأسباب المجوزة له عشر ما لمسألة البناء على القبور من الأسباب ، ومع هذا تجد الفجرة من المنتسبين إلى العلم يعدونه شرعاً لازماً وديناً منزلاً لعظيم جهلهم الناشئ عن تقليد أحبارهم ، وكون ذلك موافقاً لهوى نفوسهم وعوائد بلادهم ؛ والمقصود أن قاعدة مالا يتوصل إلى المطلوب إلا به فهو مطلوب من أعظم القواعد الفقهية التي ينبني عليها كثير من الأحكام والمصالح الشرعية ، وإن كان الفجار قد يتوصلون بها إلى ما هو مخالف للدين ، مناقض له من الأساس ، كما هو حال فجرة العلماء وما ابتدعوه لملوكهم ووزرائهم وحكامهم ، بل زاد فجرة العصر ففعلوا مثل ذلك مع الكفار المستعمرين نسأل الله اللطف والعافية بمنه .. آمين .
الدليل الرابع عشر : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضع على قبر عثمان بن مظعون صخرة عظيمة .
________________________________________
أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضع على قبر عثمان بن مظعون – رضي الله عنه – صخرة عظيمة ، وقال : (( أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي )) رواه أبو داود وابن ماجة وجماعة ، فهذا تأسيس لوضع العلامة على القبر وتشريع لها وللمحافظة على القبر لا سيما قبور الصالحين والعلامة لا تنحصر في الصخرة ، وإنما وضعها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنها كانت المتيسرة أمامه ساعة الدفن ، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يتكلف لشيء ، بل يقضي بالموجود في كل شيء من طعام وملبوس ومركوب وغير ذلك .
فإن جازت العلامة على القبر لحفظه من الاندراس فلا فرق بين أن تكون بصخرة أو بغيرها كما أنه إذا جازت الصخرة جاز اثنان وثلاثة وأربعة بحسب ما تدعوه الحاجة إلى إثبات العلامة ، وكذلك يجوز ربط تلك الأحجار بعضها ببعض بالطين والجير لئلا تتبعثر وكونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن البناء قد برهنا على أن المراد بالبناء الذي يكون فوق القبر لطمسه لا البناء الذي يكون حول القبر .
الدليل الخامس عشر : ارتفاع قبور الشهداء والصحابة
إن قبور الشهداء والصحابة كانت مرتفعة كما في صحيح البخاري عن خارجة بن زيد قال رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان – رضي الله عنه – أن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه ، وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما وضع عليه صخرة : وكون الشاب لا يستطيع أن يثب عليه إلا إذا كان قوياً شديداً يدل على عظم ارتفاعه وتباعد جانبيه وذلك لا يمكن بالتراب وحده ولا بالصخرة وحدها لوجوه :
أحدها : أن وضع التراب الكثير على القبر الزائد على الخارج منه مكروه .
ثانيها : أنه لا يمكن في العادة أن يبقى التراب الكثير مرتفعاً مجموعاً فوق القبر أزيد من ثلاثين سنة .
________________________________________
ثالثها : أن التراب المجلوب لا يمكن أن يرتفع هذا الارتفاع المشار إليه دون أن يخالطه حجارة وطين ، كما أنه لا يمكن أن يدوم هذه المدة الطويلة .. فإنا نرى التراب الذي يجعل على القبر لا يمر عليه سنة أو سنتان حتى يذهب وتنسفه الرياح ويبقى القبر مسوى بالأرض .
رابعها : أن هذا لا يمكن أيضاً بالنسبة للصخرة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند قبره ، لأنها وإن كانت كبيرة فهي لا تصل إلى هذا الحد الذي لا يستطيع أن يثب عليها إلا الشاب القوي . لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حملها بيده الكريمة ووضعها عند القبر ، وأيضاً لو كان ذلك بالنسبة لها لقال : وإن أشدنا الذي يثب الصخرة التي على قبر عثمان مع أنه عبر بالقبر دون الصخرة فدل على أنه كان مبنياً في زمن الخلفاء الراشدين الذين فهموا من وضع العلامة على قبره الأذن في البناء عليه .
وقال ابن أبي شيبة في المصنف : حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر ، قال رأيت قبر عثمان بن مظعون مرتفعاً ، فهذا صريح في أنه كان مبنياً بناء مرتفعاً .
وقال ابن أبي شيبة أيضاً : حدثنا ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبي ، قال : أتيت على قبور الشهداء بأحد فإذا هي شاخصة من الأرض والقبور المشخصة بالتراب لايمكن عادة أن تبقى من وقت عزوة أحد في السنة الثالثة إلا زمن التابعين .
خاتمة
________________________________________
فبان من هذه الأدلة جواز البناء على القبر إذا كان دائراً حوله سواء كان بيتاً أو مدرسة أو قبة أو مسجداً وأن الجمع الذي جمعنا به بين هذه الأدلة الدالة على الجواز وأحاديث النهي الدالة على المنع أو الكراهة جمع واجب متعين لنفي التعارض الواقع ظاهراً بين الأدلة وأن بذلك الجمع المؤيد بالدليل والبرهان ، ارتفع الإشكال في الباب ، وبقي الجواب عن الحديث الذي ذكره السائل أيضاً ، وهو حديث علي – رضي الله عنه – وقوله لأبي الهياج أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )) وهو من وجوه :
الوجه الأول : إنه خبر متروك الظاهر بالاتفاق لأن الأئمة متفقون على كراهة تسوية القبر وعلى استحباب رفعه قدر شبر ، بل عند الحنفية قول بوجوب ذلك .
الوجه الثاني : إنه مخالف للسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة بعده من رفع القبور وتسنيمها ومخالف لقبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه كما ذكره السائل نفسه في الأحاديث التي ذكرها حينئذ فلا بد من أحد أمرين : إما أن يكون غير ثابت في نفسه أو هو محمول على غير ظاهره ولا بد .
الوجه الثالث : وإذا ثبت أنه على غير ظاهره وأنه يجب رده أو تأويله ليتفق مع الأحاديث الأخرى التي هي أقوى منه سنداً ومعنى ، فقد أجاب عنه الأئمة والفقهاء كما ذكره غير واحد منهم النووي فقال في شرح المهذب : أجاب عنه أصحابنا قالوا لم يرد تسويته بالأرض ، وإنما أراد تسطيحه جمعاً بين الأحاديث ا.هـ . أي فيكون حجة للشافعية ومن وافقهم فيما ذهبو إليه من أن تسطيح القبر أولى من تسنيمه ، ولئن كان هذا المراد به فهو حجة ظاهرة قوية في تأييد مذهبهم .
________________________________________
الوجه الرابع : وهو الصحيح عندنا أنه أراد قبور المشركين التي كانوا يقدسونها في الجاهلية وفي بلاد الكفار التي افتتحها الصحابة – رضي الله عنهم – بدليل ذكر التماثيل معها وإلا فالسنة وعمل الصحابة على خلافه بالنسبة لقبور المسلمين ، وقد مر أن قبور الشهداء كانت مرتفعة ، وأن قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه – رضي الله عنهما – كانت مرتفعة كما ذكره السائل نفسه في الأحاديث التي احتج بها المنتقد ، وممن فعل ذلك بها علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – نفسه لأنه كان وقتئذ بالمدينة وهو من أهل الحل والعقد في الأمور . لا يفعل أمر مثل هذا إلا بموافقته ؛ ولو كان عنده أمر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتسوية القبور لما وافق على رفع قبره وقبر صاحبيه ، فكيف يجوز مع هذا أن يأمر أبا الهياج بتسوية القبور ، وقد سبق أيضاً أن الحكيم الترمذي روى عن فاطمة – عليها السلام – أنها كانت تأتي قبر حمزة فترمه وتصلحه ، وكذلك رواه مسدد في مسنده ونقله عنه ابن عبد البر في التمهيد أنه كانت تتعاهد قبر حمزة – رضي الله عنه – كل سنة وترمه .
وهذا في حياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنها لم تعش بعده إلا ستة أشهر ، كما أنها ما كانت تخرج لذلك إلا بإذن من زوجها على بن أبي طالب وموافقته ، فلو كان عنده أمر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتسوية القبور كما يقول أبو الهياج لما وافق زوجته على ذلك ، وأيضاً لو كان عنده أمر بذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تأخر عن تنفيذه لا سيما في زمن خلافتة وإفضاء الأمر إليه ، وقد ثبت في الآثار السابقة وغيرها أن قبور الصحابة والشهداء كانت مرتفعة في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم في زمان التابعين ، فوجب أن يكون مراد علي – رضي الله عنه – قبور المشركين ولا بد أن يكون الخبر مردوداً ، وغير هذا لا يكون أصلاً .
خطأ من يتمسك بالحديث المذكور
________________________________________
وبهذا تعلم خطأ من يتمسك بهذا الحديث ويذهب إلى وجوب تسوية القبور وهدم ما عليها من البناء والقباب كالقرنين الذين فعلوا ذلك بقبور الصحابة والشهداء والصالين بالمدينة ومكة وغيرهما مما احتلوه من البلاد ، وأما أرضهم فلم يجعل الله منها ولياً ولا صالحاً منذ ظهور الإسلام إلى وقتنا وإنما جعل بها قرن الشيطان وأتباعه خوارج القرن الثالث عشر وما بعده فليتق الله من يغتر بهم وينصر مذهبهم الفاسد ورأيهم الباطل وضلالهم المنصوص عليه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي سماهم كلاب النار وأخبر بأنهم شر من تحت أيم السماء وأنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، وأنهم يقولون من خير قول البرية ، وهو ما يتمشدون به من التوحيد والعمل بالسنة ومحاربة البدعة وهو والله غرقى في البدعة ، بل لا بدعة شر من بدعتهم الواصلة بهم إلى المروق من الدين مروق السهم من الرمية مع اجتهادهم في العبادة والتمسك بالدين ظاهراً ، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وصفهم (( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم )) ، ولهذا امتنع صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الدعاء لنجد لما دعا لليمن والشام ، فقال : (( اللهم بارك لنا في يمننا ، اللهم بارك لنا في شامنا )) ، فقالوا : وفي نجدنا يا رسول الله ، فأعاد الدعاء لليمن والشام ، فأعادوا قولهم ، فقال في المرة الثانية أوالثالثة مبيناً سبب عدم دعائه لنجد : (( هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان )) (1) فلم يظهر منها ممن حصلت به الزلازل والفتن في الدين إلا محمد بن عبد الوهاب الضال المضل فكان هو قرن الشيطان الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وامتنع من الدعاء لنجد من أجله ومن أجل الفتن الصادرة بسبب دعوته الإبليسية التي ما تمسك بها أحد إلا وكفر عياناً وكان خاتمة أمره الإلحاد والمروق من الدين كما هو مشاهد من سائر ملاحدة العصر
________________________________________
المشاهير بالإلحاد فإن جميعهم كان ابتداء أمره التمسك بمذهب قرن الشيطان ، كما هو معروف لأهل العلم والخبرة والاطلاع ..
وهذا ما يسره الله – تعالى – في الجواب عن السؤال .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ، والحمد لله رب العالمين ..
المؤلف
أحمد بن الصديق الغماري
تم الكتاب
________________________________________

أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء الامام جلال الدين السيوطي

أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء
الحاوي للفتاوي
جلال الدين السيوطي
الجزء الثاني.
الفتاوى الأصولية الدينية.
مبحث النبوات.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.

وقع السؤال: قد اشتهر أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد يسلم على إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام فظاهره مفارقة الروح في بعض الأوقات فكيف الجمع وهو [ص 328] سؤال حسن يحتاج إلى النظر والتأمل فأقول:

حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا لما قام عندنا من الأدلة في ذلك وتواترت الأخبار.
وقد ألف البيهقي جزءا في حياة الأنبياء في قبورهم. فمن الأخبار الدالة على ذلك:

ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به مر بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر موسى عليه السلام وهو قائم يصلي فيه.

وأخرج ابو يعلي في مسنده والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن يوسف بن عطية قال:
سمعت ثابتا البناني يقول لحميد الطويل هل بلغك أن أحدا يصلي في قبره إلا الأنبياء قال لا.

وأخرج أبو داود والبيهقي عن أوس بن أوس الثقفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي الصلاة فيه فإن صلاتكم تعرض علي قالوا يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني بليت فقال أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسام الأنبياء.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته.

وأخرج البخاري في تاريخه عن عمار سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
أن لله تعالى ملكا أعطاه أسماع الخلائق قائم على قبري فما من أحد يصلي علي صلاة إلا بلغتها.

وأخرج البيهقي في حياة الأنبياء والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي مائة في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ثم وكل الله بذلك ملكا يدخله عليّ في قبري كما يدخل عليكم الهدايا أن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة، ولفظ البيهقي يخبرني من صلى عليّ باسمه ونسبه فأثبته عندي في صحيفة بيضاء.

وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي [ص 329]
الله حتى ينفخ في الصور.

وروى سفيان الثوري في الجامع قال:
قال شيخ لنا عن سعيد بن المسيب قال ما مكث نبي في قبره أكثر من أربعين حتى يرفع. قال البيهقي فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله.,

ثم قال البيهقي:
ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد. فذكر قصة الإسراء في لقيه جماعة من الأنبياء وكلمهم وكلموه، وأخرج حديث أبي هريرة في الإسراء وفيه “وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلى فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه فحانت الصلاة فأممتهم”.
وأخرج حديث “أن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق” وقال: هذا إنما يصح على أن الله رد على الأنبياء أرواحهم وهم احياء عند ربهم كالشهداء فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا فيمن صعق ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار انتهى.

وأخرج أبو يعلي عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
والذي نفسي بيده لينزلن عيسى بن مريم ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجيبنه.

وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن سعيد بن المسيب قال: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الآذان من القبر.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن سعيد بن المسيب قال:
لم أزل أسمع الآذان والإقامة في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحرة حتى عاد الناس.

وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن المسيب أنه كان يلازم المسجد أيام الحرة والناس يقتتلون قال: فكنت إذا حانت الصلاة أسمع آذانا يخرج من قبل القبر الشريف.

وأخرج الدارمي في سنده قال أنبأنا مروان بن محمد عن سعيد ابن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم معناه فهذه الأخبار دالة على حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء وقد قال تعالى في الشهداء (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل [ص 330] الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون). والأنبياء أولى بذلك فهم أجل وأعظم وما نبي إلا وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة فيدخلون في عموم لفظ الآية.

أخرج أحمد وأبو يعلي والطبراني والحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن مسعود قال:
لأن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلى من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا.

وأخرج البخاري والبيهقي عن عائشة قالت:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي توفي فيه لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أو إن انقطع أبهري من ذلك السم.
فثبت كونه صلى الله عليه وسلم حيا في قبره بنص القرآن أما من عموم اللفظ وأما من مفهوم الموافقة.

قال البيهقي في كتاب الاعتقاد:
الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء.

وقال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة نقلا عن شيخه: الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال. ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين. وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى. وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء. وأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ورأى موسى قائما يصلي في قبره. وأخبر صلى الله عليه وسلم بأنه يرد السلام على كل من يسلم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامته من أوليائه انتهى.

وسئل البارزي عن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو حي بعد وفاته فأجاب أنه صلى الله عليه وسلم حي.

قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الأصولي شيخ الشافعية في أجوبة مسائل الجاجرميين قال المتكلمون المحققون من أصحابنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم حي بعد وفاته وإنه يسر بطاعات أمته ويحزن بمعاصي العصاة منهم وأنه تبلغه صلاة من يصلى عليه [ص 331] من أمته، وقال أن الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئا. وقد مات موسى في زمانه وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه رآه في قبره مصليا. وذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة وأنه رأى آدم في السماء الدنيا ورأى إبراهيم وقال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح وإذا صح لنا هذا الأصل قلنا نبينا صلى الله عليه وسلم قد صار حيا بعد وفاته وهو على نبوته هذا آخر كلام الأستاذ.

وقال الحافظ شيخ السنة أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء عليهم السلام بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء وقد رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جماعة منهم وأمهم في الصلاة وأخبروا خبر صدق أن صلاتنا معروضة عليه وإن سلامنا يبلغه وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. قال: وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتابا قال وهو بعد ما قبض نبي الله ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه صلى الله عليه وسلم. اللهم أحينا على سنته وأمتنا على ملته واجمع بيننا وبينه في الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير انتهى جواب البارزي.

وقال الشيخ عفيف الدين اليافعي:
الأولياء ترد عليهم أحوال يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام في قبره قال وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي قال ولا ينكر ذلك إلا جاهل ونصوص العلماء في حياة الأنبياء كثيرة فلنكتف بهذا القدر.

(فصل) وأما الحديث الآخر فأخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي عبد الرحمن المقري عن حيوة بن شريح عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قشيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إليّ روحي حتى أرد عليه السلام.
ولا شك أن ظاهر هذا الحديث مفارقة الروح لبدنه الشريف في بعض الأوقات وهو مخالف للأحاديث السابقة وقد تأملته ففتح علي في الجواب عنه بأوجه:

الأول وهو أضعفها:
أن يدعى أن الراوي وهم في لفظة من الحديث حصل بسببها
[ص 332] الإشكال وقد ادعى ذلك العلماء في أحاديث كثيرة لكن الأصل خلاف ذلك فلا يعول على هذه الدعوى.

الثاني: وهو أقواها ولا يدركه إلا ذو باع في العربية:
أن قوله رد الله جملة حالية وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدرت فيها قد كقوله تعالى (أو جاؤكم حصرت صدورهم) أي قد حصرت وكذا تقدر هنا والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد. وحتى ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو فصار تقدير الحديث:
ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه.
وإنما جاء الإشكال من ظن أن جملة رد الله علي بمعنى الحال أو الاستقبال. وظن أن حتى تعليلية وليس كذلك. وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله وأيده من حيث المعنى أن الرد ولو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرر المسلمين وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة وتكرار المفارقة يلزم عليه محذوران أحدهما تأليم، الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم، والآخر مخالفة سائر الناس الشهداء وغيرهم. فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ. والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة، ومحذور ثالث وهو مخالفة القرآن فإنه دل على أنه ليس إلا موتتان وحياتان وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل، ومحذور رابع وهو مخالفة الأحاديث المتواترة السابقة وما خالف القرآن والمتواتر من السنة وجب تأويله وإن لم يقبل التأويل كان باطلا فلهذا وجب حمل الحديث على ما ذكرناه.

الوجه الثالث:
أن يقال أن لفظ الرد قد لا يدل على المفارقة بل كنى به عن مطلق الصيرورة كما قيل في قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام قد افترينا على الله كذبا أن عدنا في ملتكم. أن لفظ العود أريد به مطلق الصيرورة لا العود بعد انتقال لأن شعيبا عليه السلام لم يكن في ملتهم قط وحسن استعماله هذا اللفظ في هذا الحديث مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله حتى أرد عليه السلام فجاء لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث.

الوجه الرابع: وهو قوي جدا:
أنه [ص 333] ليس المراد برد الروح عودها بعد المفارقة للبدن وإنما النبي صلى الله عليه وسلم في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدة ربه كما كان في الدنيا في حالة الوحي وفي أوقات أخر فعبر عن إفاقته من تلك المشاهدة وذلك الاستغراق برد الروح، ونظير هذا قول العلماء في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء وهي قوله فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام ليس المراد الاستيقاظ من نوم فإن الإسراء لم يكن مناما وإنما المراد الإفاقة مما خامره بن عجايب الملكوت وهذا الجواب الآن عندي أقوى ما يجاب به عن لفظة الرد وقد كنت رجحت الثاني ثم قوى عندي هذا.

الوجه الخامس:
أن يقال إن الرد يستلزم الاستمرار لأن الزمان لا يخلو من مصل عليه في أقطار الأرض فلا يخلو من كون الروح في بدنه.

السادس:
قد يقال أنه أوحى إليه بهذا الأمر أولا قبل أن يوحي إليه بأنه لا يزال حيا في قبره فأخبر به ثم أوحى إليه بعد بذلك فلا منافاة لتأخير الخبر الثاني عن الخبر الأول.

هذا ما أفتح الله به من الأجوبة ولم أر شيئا منها منقولا لأحد ثم بعد كتابتي لذلك راجعت كتاب الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير للشيخ تاج الدين بن الفاكهاني المالكي فوجدته قال فيه ما نصه:
روينا في الترمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام.
يؤخذ من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي على الدوام وذلك أنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد مسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في ليل أو نهار فإن قلت قوله عليه السلام إلا رد الله إليّ روحي لا يلتئم مع كونه حيا على الدوام بل يلزم منه أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم بل يتعدد السلام عليه في الساعة الواحدة كثيرة فالجواب والله أعلم أن يقال:
المراد بالروح هنا النطق مجازا فكأنه قال عليه السلام إلا رد الله إلي نطقي وهو حي على الدوام لكن لا يلزم من حياته نطقه فالله سبحانه يرد عليه النطقة عند سلام كل مسلم وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح كما أن الروح
[ص 334] من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة فعبر عليه السلام بأحد المتلازمين عن الآخر ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين عملا بقوله تعالى (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) هذا لفظ كلام الشيخ تاج الدين وهذا الذي ذكره من الجواب ليس واحدا من الستة التي ذكرتها فهو إن سلم جواب سابع وعندي فيه وقفة من حيث أن ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه حيا في البرزخ يمنع عنه النطق في بعض الأوقات ويرد عليه عند سلام المسلم عليه وهذا بعيد جدا بل ممنوع فإن العقل والنقل يشهدان بخلافه أما النقل فالأخبار الواردة عن حاله صلى الله عليه وسلم وحال الأنبياء عليهم السلام في البرزخ مصرحة بأنهم ينطقون كيف شاؤا لا يمنعون من شيء بل وسائر المؤمنين كذلك الشهداء وغيرهم ينطقون في البرزخ بما شاؤا غير ممنوعين من شيء ولم يرد أن أحدا يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات عن غير وصية.
أخرج أبو الشيخ بن حيان في كتاب الوصايا عن قيس بن قبيصة قال قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى قيل يا رسول الله وهل يتكلم الموتى قال نعم ويتزاورون.

وقال الشيخ تقي الدين السبكي:
حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا ويشهد له صلاة موسى في قبره فإن الصلاة تستدعي جسدا حيا وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات الأجسام ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وأما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى انتهى وأما العقل فلان الحبس عن النطق في بعض الأوقات نوع حصر وتعذيب ولهذا عذب به تارك الوصية والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك ولا يلحقه بعد وفاته حصر أصلا بوجه من الوجوه كما قال لفاطمة رضي الله عنها في مرض وفاته لا كرب على أبيك بعد اليوم. وإذا كان الشهداء وسائر المؤمنين من أمته إلا من استثنى من المعذبين لا يحصرون بالمنع من النطق فكيف به صلى الله عليه وسلم.
نعم يمكن أن ينتزع من كلام الشيخ تاج الدين [ص 335] جواب آخر ويقرر بطريق أخرى وهو أن يراد بالروح النطق وبالرد الاستمرار من غير مفارقة على حد ما قررته في الوجه الثالث ويكون في الحديث على هذا مجازان مجاز في لفظ الرد ومجاز في لفظ الروح فالأول استعارة تبعية والثاني مجاز مرسل وعلى ما قررته في الوجه الثالث يكون فيه مجاز واحد في الرد فقط ويتولد من هذا الجواب جواب آخر وهو أن يكون الروح كناية عن السمع ويكون المراد أن الله يرد عليه سمعه الخارق للعادة بحيث يسمع المسلم وأن بعد قطره ويرد عليه من غير احتياج إلى واسطة مبلغ وليس المراد سمعه المعتاد وقد كان له صلى الله عليه وسلم في الدنيا حالة يسمع فيها سمعا خارقا للعادة بحيث كان يسمع أطيط السماء كما بينت ذلك في كتاب المعجزات وهذا قد ينفك في بعض الأوقات ويعود لا مانع منه وحالته صلى الله عليه وسلم في برزخ كحالته في الدنيا سواء.

وقد يخرج من هذا جواب آخر وهو أن المراد سمعه المعتاد ويكون المراد برده إفاقته من الاستغراق الملكوتي وما هو فيه من المشاهدة فيرده الله تلك الساعة إلى خطاب من سلم عليه في الدنيا فإذا فرغ من الرد عليه عاد إلى ما كان فيه، ويخرج من هذا جواب آخر وهو أن المراد برد الروح التفرغ من الشغل وفراغ البال مما هو بصدده في البرزخ من النظر في أعمال أمته والاستغفار لهم من السيآت والدعاء بكشف البلاء عنهم والتردد في أقطار الأرض لحلول البركة فيها وحضور جنازة من مات من صالح أمته فإن هذه الأمور من جملة أشغاله في البرزخ كما وردت بذلك الأحاديث والآثار فلما كان السلام عليه من أفضل الأعمال وأجل القربات اختص المسلم عليه بأن ينزع له من أشغاله المهمة لحظة يرد عليه فيها تشريفا له ومجازاة.

فهذه عشرة أجوبة كلها من استنباطي وقد قال الجاحظ:
إذا نكح الفكر الحفظ ولد العجائب.

ثم ظهر لي جواب حادي عشر وهو أنه ليس المراد بالروح روح الحياة بل الارتياح كما في قوله تعالى (فروح وريحان) فإنه قرئ فروح بضم الراء والمراد أنه صلى الله عليه وسلم يحصل له بسلام المسلم عليه ارتياح وفرح وهشاشة لحبه ذلك فيحمله ذلك على أن يرد عليه، ثم ظهر لي جواب ثاني [ص 336] عشر وهو أن المراد بالروح الرحمة الحادثة من ثواب الصلاة قال ابن الأثير في النهاية تكرر ذكر الروح في الحديث كما تكرر في القرآن ووردت فيه على معان والغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وقد أطلق على القرآن والوحي والرحمة وعلى جبريل انتهى.

وأخرج ابن المنذر في تفسيره عن الحسن البصري أنه قرأ قوله تعالى فروح وريحان بالضم وقال الروح الرحمة وقد تقدم في حديث أنس أن الصلاة تدخل عليه صلى الله عليه وسلم في قبره كما يدخل عليكم بالهدايا والمراد ثواب الصلاة وذلك رحمة الله وانعاماته.

ثم ظهر لي جواب ثالث عشر وهو أن المراد بالروح الملك الذي وكل بقبره بلغه السلام والروح يطلق على غير جبريل أيضا من الملائكة قال الراغب إشراف الملائكة تسمى أرواحا انتهى.
ومعنى رد الله إلى روحي أي بعث إلى الملك الموكل بتبليغي السلام هذا غاية ما ظهر والله أعلم.

تنبيه: وقع في كلام الشيخ تاج الدين أمران يحتاجان إلى التنبيه عليهما أحدهما أنه عزا الحديث إلى الترمذي وهو غلط فلم يخرجه من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود فقط كما ذكره الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف، الثاني أنه أورد الحديث بلفظ رد الله على وهو كذلك في سنن أبي داود ولفظ رواية البيهقي رد الله إلي وهي ألطف وأنسب فإن بين التعديتين فرقا لطيفا فإن رد يعدى بعلى في الإهانة وبإلى في الأكرام قال في الصحاح رد عليه الشيء إذا لم يقبله وكذلك إذا خطاه ويقول رده إلى منزله ورد إليه جوابا أي رجع وقال الراغب من الأول قوله تعالى يردكم على أعقابكم ردوها علي ونرد على أعقابنا ومن الثاني فرددناه إلى أمه ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا. ثم يردون إلى عالم الغيب والشهادة ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق. (فصل) قال الراغب من معاني الرد التفويض يقال رددت الحكم في كذا إلى فلان أي فوضته إليه قال تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ولو ردوه إلى الرسول والى أولى الأمر منهم) انتهى. ويخرج من هذا جواب رابع عشر عن الحديث وهو أن المراد فوض الله إلي روحي السلام عليه على أن المراد بالروح الرحمة والصلاة من الله الرحمة فكان [ص 337] المسلم بسلامه تعرض لطلب صلاة من الله تحقيقا لقوله صلى الله عليه وسلم من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا والصلاة من الله الرحمة ففوض الله أمر هذه الرحمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو بها للمسلم فتحصل إجابته قطعا فتكون الرحمة الحاصلة للمسلم إنما هي ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له وسلامه عليه وينزل ذلك منزلة الشفاعة في قبول سلام المسلم والإثابة عليه وتكون الإضافة في روحي لمجرد الملابسة ونظيره قوله في حديث الشفاعة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ينتهي إلى محمد وفي حديث الإسراء لقيت ليلة أسرى بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى عيسى، والحاصل أن معنى الحديث على هذا الوجه إلا فوض الله إلي أمر الرحمة التي تحصل للمسلم بسببي فأتولى الدعاء بها بنفسي بأن انطق بلفظ السلام على وجه الرد عليه في مقابلة سلامه والدعاء له.

ثم ظهر لي جواب خامس عشر وهو أن المراد بالروح الرحمة التي في قلب النبي صلى الله عليه وسلم على أمته والرأفة التي جبل عليها وقد يغضب في بعض الأحيان على من عظمت ذنوبه أو انتهك محارم الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سبب لمغفرة الذنوب كما في حديث أذن تكفي همك ويغفر ذنبك فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد يسلم عليه وأن بلغت ذنوبه ما بلغت إلا رجعت إليه الرحمة التي جبل عليها حتى يرد عليه السلام بنفسه ولا يمنعه من الرد عليه ما كان منه قبل ذلك من ذنب وهذه فائدة نفيسة وبشرى عظيمة وتكون هذه فائدة زيادة من الاستغراقية في أحد المنفى الذي هو ظاهر في الاستغراق قبل زيادتها نص فيه بعد زيادتها بحيث انتفى بسببها أن يكون من العام المراد به الخصوص.

هذا آخر ما فتح الله به الآن من الأجوبة وإن فتح بعد ذلك بزيادة ألحقناها والله الموفق بمنه وكرمه. ثم بعد ذلك رأيت الحديث المسؤول عنه مخرجا في كتاب حياة الأنبياء للبيهقي بلفظ إلا وقد رد الله على روحي فصرح فيه بلفظ وقد فحمدت [ص 338]
الله كثيرا وقوى أن رواية إسقاطها محمولة على إضمارها وإن حذفها من تصرف الرواة وهو الأمر الذي جنحت إليه في الوجه الثاني من الأجوبة وقد عدت الآن إلى ترجيحه لوجود هذه الرواية فهو أقوى الأجوبة ومراد الحديث عليه الأخبار بأن الله يرد إليه روحه بعد الموت فيصير حيا على الدوام حتى لو سلم عليه أحد رد عليه سلامه لوجود الحياة فيه فصار الحديث موافقا للأحاديث الواردة في حياته في قبره وواحدا من جملتها لا منافيا لها البتة بوجه من الوجود ولله لحمد والمنة وقد قال بعض الحفاظ لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه وذلك لأن الطرق يزيد بعضها على بعض تارة في ألفاظ المتن وتارة في الإسناد فيستبين بالطريق المزيد ما خفي في الطريق الناقصة والله تعالى أعلم.

تم بحمد الله

الكتاب : حكم اتخاذ السبحة بين المجيزين والمانعين المؤلف : الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : حكم اتخاذ السبحة بين المجيزين والمانعين
المؤلف : الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
حكم اتخاذ السبحة بين المجيزين والمانعين
( دراسة فقهية مقارنة )
تأليف :
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
(1/1)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فالسبحة هي : الخرزات التي يعدّ بها المسبح تسبيحه وذِكرَه , ففي المصباح المنير 1/ 263 :
( السبحة : خرزات منظومة قال الفارابي وتبعه الجوهري : و ( السبحة ) التي ( يسبح ) بها , وهو يقتضي كونها عربية , وقال الأزهري : كلمة مولدة وجمعها ( سُبح ) مثل غرفة و غرف , و ( المسبِّحة ) اسم فاعل من ذلك مجازا وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى ) اهـ
وهذا مقال في حكم اتخاذ السبحة في المذاهب الأربعة وغيرها وقد جعلته على مباحث :
المبحث الأول : في أقوال أهل العلم في ذلك من مجيزين وكارهين
والمبحث الثاني : في أدلة من أجاز ذلك وأدلة من كرهه
والمبحث الثالث : فوائد ولطائف متممة في السبحة
المبحث الأول :
في أقوال أهل العلم في ذلك
- اتفقت المذاهب الأربعة على جواز اتخاذ السبحة والذكر بها , وقال بعضهم : إن ذلك خلاف الأولى , وإن الأولى الذكر بالأنامل إلا لمن خشي عدم ضبط العد فالسبحة أولى وزاد بعضهم : إذا كانت ستذكره بذكر الله فهي أولى أيضا
- وكره ذلك بعض أهل العلم , وعدها بعضهم من البدع
وهذه بعض أقوال أهل العلم في ذلك :
أولا :
من أقوال المجيزين
المذهب الحنفي :
في البحر الرائق لابن نجيم 2/31 في حديث دخل النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصا تسبح به :
( فلم ينهها عن ذلك وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين لها ذلك
(1/1)
________________________________________
ثم هذا الحديث ونحوه مما يشهد بأنه لا بأس باتخاذ السبحة المعروفة لإحصاء عدد الأذكار إذ لا تزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى ونحوه في خيط ومثل هذا لا يظهر تأثيره في المنع فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الأخيار وغيرهم اللهم إلا إذا ترتب عليها رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه ) اهـ
وفي حاشية ابن عابدين على البحر الرائق :
( قوله ثم هذا الحديث ونحوه مما يشهد إلخ )
قال الرملي : والظاهر أنها ليست ببدعة فقد قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النواوية : السبحة ورد لها أصل أصيل عن بعض أمهات المؤمنين وأقرها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك ) اهـ
وفي حاشية ابن عابدين على شرح الحصكفي 1/650 :
( مطلب : الكلام على اتخاذ المسبحة : قوله ( لا بأس باتخاذ المسبحة ) … ودليل الجواز ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على مرأة وبين يديها نوى أو حصا تسبح به …
فلم ينهها عن ذلك وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين لها ذلك , ولا يزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى في خيط ومثل ذلك لا يظهر تأثيره في المنع فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جاعة من الصوفية الأخيار وغيرهم اللهم إلا إذا ترتب عليه رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه ) اهـ
وفي موسوعة الفقه الكويتية 21 /259 : ( قال الشيخ محمد شمس الحق شارح السنن بعد أن أورد حديث سعد بن أبي وقاص السابق ذكره : الحديث دليل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى , وكذا بالسبحة ; لعدم الفارق , لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأة على ذلك وعدم إنكاره , والإرشاد إلى ما هو أفضل منه لا ينافي الجواز .
قال : وقد وردت في ذلك آثار , ولم يصب من قال إن ذلك بدعة . وجرى صاحب الحرز على أنها بدعة إلا أنه قال : إنها مستحبة .) اهـ
(1/2)
________________________________________
وفي مرقاة المفاتيح 5 /221 :
( وبين يديها نوى ) جمع نواة وهي عظم التمر ( أو حصى ) شك من الراوي ( تسبح ) أي المرأة ( به ) أي بما ذكر من النوى أو الحصى
وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقرير فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به ولا يعتد بقول من عدها بدعة وقد قال المشايخ أنها سوط الشيطان ) اهـ
وفي حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح 1/121 :
( وصح أنه ? كان يعقد التسبيح بيمينه وورد أنه قال واعقدوه بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات وجاء بسند ضعيف عن علي مرفوعا نعم المذكر السبحة
قال ابن حجر : والروايات بالتسبح بالنوى والحصا كثيرة عن الصحابة وبعض أمهات المؤمنين بل رآها ? وأقرها عليه وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة وقيل إن أمن من الغلط فهو أولى وإلا فهي أولى كذا في شرح المشكاة ) اهـ
وفي عون المعبود 4/ 257-258 :
( تسبح ) أي المرأة ( به ) أي بما ذكر من النوى أو الحصى وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره ? فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما بعد به ولا يعتد بقول من عدها بدعة …
( يعقد التسبيح قال بن قدامة بيمينه ) وقد علل رسول الله ? ذلك في الحديث السابق بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى ) اهـ
وفي تحفة الأحوذي 9 /322 :
( يعقد التسبيح بيده ) … وفي الحديث مشروعية عقد التسبيح بالأنامل وعلل ذلك رسول الله ? في حديث يسيرة الذي أشار إليه الترمذي بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى , ويدل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى حديث سعد بن أبي وقاص …) اهـ
المذهب المالكي:
في منح الجليل 1/228 :
( ويجوز ستر السقف والحائط به [ أي الحرير ] بشرط أن لا يستند إليه رجل والخياطة به وراية الجهاد وعلم الثوب وسلك السبحة ) اهـ
(1/3)
________________________________________
وفي شرح الخرشي على خليل 3/233 :
( وبعضهم قاس السجاف على خط العلم فلذلك جزم الشيخ أحمد النفراوي بحرمة ما زاد على أربعة أصابع ونظر بعض الأشياخ في خيط السبحة ورأيت تقريرا بجوازه ) اهـ
وفي شرح الدردير على خليل 2/315 :
( فإنه يجوز كتعليقه ستورا من غير استناد وكذا البشخانة المعلقة بلا مس وخط العلم والخياطة به ويلحق بذلك قيطان الجوخ والسبحة وتجوز الراية في الحرب ) اهـ
وفي حاشية الدسوقي على شرح الدردير على خليل 2/317 :
( قوله : قيطان الجوخ والسبحة ) أي وأما ما يفعل فيها من التسابيح فلا يجوز إذا كانت من الحرير . ) اهـ
وفي حاشية الصاوي 1/95 :
( ويجوز القيطان والزر لثوب أو سبحة ، والخياطة به .) اهـ
ولكن سيأتي عن ابن الحاج المالكي في المدخل أنه ذكر خصال مكروهة في السبحة مما قد يفهم منه أنه يكره اتخاذ السبحة أو أنه خلاف الأولى
المذهب الشافعي :
في فتاوى ابن الصلاح 1/400 :
( مسألة : هل يجوز للإنسان أن يسبح بسبحة خيطها حرير والخيط ثخين
فأجاب رضي الله عنه : لا يحرم ما ذكره في السبحة المذكورة والأولى إبداله بخيط آخر والله أعلم ) اهـ
وللإمام السيوطي رسالة في السبحة ضمن الحاوي لفتاويه ومما جاء فيها 2/3 :
( ثم رأيت في كتاب تحفة العباد ومصنفه متأخر عاصر الجلال البلقيني فصلا حسنا في السبحة قال فيه ما نصه : قال بعض العلماء عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث ابن عمرو
[ واعقدن بالأنامل ... ] لكن يقال إن المسبح إن أمن من الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أولى
وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم … فلو لم يكن في اتخاذ السبحة غير موافقة هؤلاء السادة والدخول في سلكهم والتماس بركتهم لصارت بهذا الاعتبار من أهم الأمور وأكدها فكيف بها وهي مذكرة بالله تعالى لأن الإنسان قل أن يراها إلا ويذكر الله وهذا من أعظم فوائدها وبذلك كان يسميها بعض السلف : رحمة الله تعالى.
(1/4)
________________________________________
ومن فوائدها أيضا الاستعانة على دوام الذكر كلما رآها ذكر أنها آلة للذكر فقاده ذلك إلى الذكر فيا حبذا سبب موصل إلى دوام ذكر الله عز وجل
وكان بعضهم يسميها حبل الموصل وبعضهم رابطة القلوب. … ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها
وقد رؤي بعضهم يعد تسبيحا فقيل له أتعد على الله فقال لا ولكن أعد له والمقصود أن أكثر الذكر المعدود الذي جاءت به السنة الشريفة لا ينحصر بالأنامل غالبا ولو أمكن حصره لكان الاشتغال بذلك يذهب الخشوع وهو المراد والله أعلم. ) اهـ
فائدة :
مصنف تحفة العباد هو أبو بكر بن داود ففي شذرات الذهب 1/173 :
(… أورد أبو بكر ابن داود في التحفة أن أبا الدرداء كان يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة أيضا ثم قال ما معناه : وهذا دليل أنه كان يستعمل السبحة إذ يبعد ويتعذر أن يضبط مثل هذا العدد بغيرها وجعله من جملة الأدلة على السبحة بعد أن ذكر أيضا أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة وسلسل إليه حديثا بالسبحة والله أعلم ) اهـ
وفي فتاوي ابن حجر 1/152 :
( وسئل ) رضي الله عنه هل للسبحة أصل في السنة أو لا ؟
( فأجاب ) بقوله : نعم , وقد ألف في ذلك الحافظ السيوطي ; فمن ذلك … وجاء التسبيح بالحصى والنوى والخيط المعقود فيه عقد عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم وأخرج الديلمي مرفوعا : نعم المذكر السبحة .
وعن بعض العلماء : عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث ابن عمر . وفصل بعضهم فقال : إن أمن المسبح الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أفضل ) اهـ
وفي شرح ابن علان على أذكار النووي 1/251 – 252 :
(1/5)
________________________________________
( ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبحة. وفي شرح المشكاة لابن حجر: ويستفاد من الأمر بالعقد المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة، وزَعْمُ أنها بدعة غير صحيح، إلا أن يحمل على تلك الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء، مما يمحضها للزينة أو الرياء أو اللعب … اهـ
وهذا أصل صحيح بتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وسلم. ولا يُعتد بقول من عدها بدعة…وقد أفردتُ السبحة بجزء لطيف سميته :إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح وأوردت فيه ما يتعلق بها من الأخبار والآثار، والاختلاف في تفاضل الاشتغال بها أو بعقد الأصابع في الأذكار.
وحاصل ذلك أن استعمالها في أعداد الأذكار الكثيرة التي يلهي الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل ونحوه ) اهـ
وفي فيض القدير4/355 :
( واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات … وهذا أصل في ندب السبحة المعروفة وكان ذلك معروفا بين الصحابة …
لكن نقل المؤلف عن بعض معاصري الجلال البلقيني أنه نقل عن بعضهم أن عقد التسبيح بالأنامل أفضل لظاهر هذا الحديث لكن محله إن أمن الغلط وإلا فالسبحة أولى ,وقد اتخذ السبحة أولياء كثيرون …ولم ينقل عن أحد من السلف ولا الخلف كراهتها ) اهـ
المذهب الحنبلي :
في شرح ابن علان على أذكار النووي 1/251 :
( قال ابن الجوزي : إن السبحة مستحبة، لما في حديث صفية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى، وقد أقرها صلى الله عليه وسلم على فعلها، والسبحة في معناها؛ إذ لا يختلف الغرض عن كونها منظومة أو منثورة .) اهـ
وعقد أبو البركات ابن تيمية في المنتقى بابا في ذلك فقال 4/114 مع النيل :
( باب جواز عقد التسبيح باليد وعده بالنوى ونحوه : ثم ذكر حديث بسرة وحديث سعد وحديث صفية رضي الله عنهم الآتية ) اهـ
وفي مجموع فتاوى ابن تيمية 22 / 506 :
(1/6)
________________________________________
( وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي للنساء سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات ، وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى النبي أم المؤمنين تسبح بالحصى واقرها على ذلك وروى أن أبا هريرة كان يسبح به
وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكرهه , وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه ) اهـ
وفي مجموع الفتاوى أيضا 22/625 :
( سئل عما إذا قرأ القرآن يعد في الصلاة بسبحة هل تبطل صلاته أم لا ؟
فأجاب : إن كان المراد بهذا السؤال أن يعد الآيات أو يعد تكرار السورة الواحدة مثل قوله
( قل هو الله أحد )بالسبحة فهذا لا بأس به وإن أريد بالسؤال شيء آخر فليبينه والله اعلم )اهـ
وفي الوابل الصيب ص 222 :
( الفصل الثامن والستون : في عقد التسبيح بالأصابع وانه أفضل من السبحة … ) اه ثم ذكر حديث :كان يعقد التسبيح بيمينه وحديث :واعقد بالأنامل فأنهن مسؤولات ومستنطقات الآتيين
ثانيا :
بعض أقوال من روى عنه الكراهة ونحوها
1-ابن مسعود رضي الله عنه :
قال ابن وضاح في كتابه البدع ص 23 : ( حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال مر ابن مسعود بامرأة معها تسبح تبسبح به فقطعه وألقاها ثم مر برجل يُسبحُ بحصى فضربه بِرجلِهِ ثم قال لقد جئتم ببدعة ظلماً أو لقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علماً ) اهـ
وقال ابن وضاح في كتابه البدع ص 18 : ( نا أسد ، عن عبد الله بن رجاء ، عن عبيد الله بن عمر ، عن يسار أبي الحكم ، أن عبد الله بن مسعود حدث أن أناسا بالكوفة يسبحون بالحصا في المسجد ، فأتاهم ، وقد كوم كل رجل منهم بين يديه كومة حصا ، قال : فلم يزل يحصبهم بالحصا حتى أخرجهم من المسجد ، ويقول : « لقد أحدثتم بدعة ظلما ، أو قد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما » ) اهـ
(1/7)
________________________________________
وقبل الكلام عن مذهب ابن مسعود في المسألة لا بد من العلم بأن ابن وضاح المذكور وإن كان محدثا كبيرا إلا أنه متكلم فيه , فهو كثير الخطأ وكان يغلط ويصحف ففي سير أعلام النبلاء 13/445 في ترجمة ابن وضاح : ( قال ابن الفرضي : كان كثيرا ما يقول ليس هذا من كلام النبي ? في شيء ويكون ثابتا من كلامه , قال : وله خطأ كثير محفوظ عنه ويغلط ويصحف ولا علم له بالعربية ولا بالفقه )اهـ
وفي تاريخ علماء الأندلس لأبي الوليد الأزدي 2/17 : ( قال أحمد بن خالد : لا يقدم على ابن وضاح أحدا ممن أدرك بالأندلس وكان يعظمه جدا ويصف فضله وعقله وورعه , غير أنه كان ينكر عليه كثرة رده فى كثرة من الأحاديث , وكان ابن وضاح كثيرا ما يقول ليس هذا من كلام النبى ? فى شىء وهو ثابت من كلامه ? …) اهـ
أما مذهب ابن مسعود في المسألة :
فظاهر هاذين الأثرين أن ابن مسعود يكره السبحة ونحوها والأمر كذلك لكنه رضي الله عنه لا يكرهه لأجل أنها سبحة بل لأجل أنه كان ينهي عن عد الذكر بأي وسيلة فعد الذكر عنده بدعة ولو بالأصابع والأنامل , وعليه فلا يمكن أن يقال إن ابن مسعود يكره السبحة بل يقال إن ابن مسعود يكره العد
وهذه بعض الروايات التي تدل على أن ابن مسعود كان يكره عد الذكر بأي شيء كان :
قال ابن وضاح في كتابه البدع ص 18 :
( حدثني إبراهيم بن محمد ، عن حرملة ، عن ابن وهب قال : حدثني ابن سمعان قال : بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه رأى أناسا يسبحون بالحصا ، فقال : « على الله تحصون ، لقد سبقتم أصحاب محمد علما ، أو لقد أحدثتم بدعة ظلما » ) اهـ
وقال ابن وضاح في كتابه البدع ص 26 : وبلغني أن ابن مسعود مر على رجل وهو يقول لأصحابه : سبحوا كذا ، وكبروا كذا ، وهللوا كذا ، قال ابن مسعود : « على الله تعدون ، أو على الله تسمعون ، قد كفيتم الإحصاء والعدة » ) اهـ
وفي مصنف ابن أبي شيبة 2/162: ( [ فصل في ] من كره عقد التسبيح :
(1/8)
________________________________________
حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان عبد الله يكره العدد ويقول أيمن على الله حسناته ) اهـ
وقد كان ابن عمر ينهى أيضا عن عد الذكر ففي مصنف ابن أبي شيبة 2/162:
( [ فصل في ] من كره عقد التسبيح :حدثنا أزهر السمان عن بن عون عن عقبة قال قال سألت بن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد فقال تحاسبون الله) اهـ
لكن مذهب ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما في ذلك مخالف لما لا يحصى من الأحاديث التي فيها عد الذكر وإحصائه , وتقديره بأعداد معينة , وهي أكثير من أن تحصر وأشهر من أن تذكر
2-عائشة رضي الله عنها :
في مصنف ابن أبي شيبة 2/160 :
( حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن التيمي عن أبي تميمة عن امرأة من بني كليب قالت رأتني عائشة أسبح بتسابيح معي فقالت اين الشواهد يعني الأصابع ) اهـ
قد يفهم من هذا الأثر كراهة عائشة رضي الله عنها للسبحة وقد يفهم منه أنه عندها خلاف الأولى فقط وهو الأقرب
وفي هذا الأثر امرأة مبهمة , ولكن الموقوفات يتساهل فيها في مثل ذلك عند أكثر أهل العلم من أهل الحديث والفقه والأصول والتواريخ والسير
3-الحسن البصري رحمه الله :
قال ابن وضاح في كتابه البدع ص 25 :
( قال نا زهير بن عباد ، عن يزيد بن عطاء ، عن أبان بن أبي عياش قال : « سألت الحسن عن النظام من الخرز والنوى ونحو ذلك ، يسبح به فقال : » لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا المهاجرات ) اهـ
ثم قال ابن وضاح في كتابه البدع ص 27 :
( قال أبان : فقلت للحسن : فإن سبح الرجل وعقد بيده ، قال : « لا أرى بذلك بأسا » ) اه
قد يفهم من هذا الأثر كراهة الحسن للسبحة وقد يفهم منه أنه خلاف الأولى فقط وهو الأقرب
4-إبراهيم النخعي رحمه الله :
مصنف ابن أبي شيبة 2/162: ( [ فصل في ] من كره عقد التسبيح :
(1/9)
________________________________________
حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسابيح التي يسبح بها ) اهـ
قد يفهم من هذا الأثر كراهة النخعي للسبحة لكن إذا علمنا أن النخعي من خواص ابن مسعود تبين لك أن ذلك لأجل عد الذكر لا لأجل السبحة ولذا ذكره ابن أبي شيبة في فصل من كره عقد التسبيح
5-ابن الحاج المالكي رحمه الله :
قال في المدخل 2/218 :
( ثم نرجع الآن إلى بقية ما أحدثوه في بعض الجوامع فمن ذلك السبحة التي أحدثوها وعملوا لها صندوقا تكون فيه وجامكية لقيمها وحاملها والذاكرين عليها وهذا كله مخالف للسنة المطهرة ولما كان عليه السلف رضي الله عنهم وقد تقدم ذكر حالهم في الذكر كيف كان ثم إن بعض من اقتدى بمن أحدثها زاد فيها حدثا آخر وهو أن جعل لها شيخا يعرف بشيخ السبحة وخادما يعرف بخادم السبحة إلى غير ذلك وهي بدعة قريبة العهد بالحدوث فينبغي لإمام المسجد أن يتقدم إلى إزالة كل ما تقدم ذكره على قدر استطاعته مع أن هذا متعين على سائر المسلمين لكن في حق الإمام آكد لأن المسجد من رعيته وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والله الموفق ) اهـ
قد يفهم من قول ابن الحاج هذا كراهته للسبحة لكن قد يقال إنما ينهى عن تلك الملابسات في السبحة لا عن أصل السبحة فهو بنهى عن أن يكون لها صندوق خاص وله معلوم من النفقة للقيم عليه وللذاكرين بتلك السبح … إلخ ما ذكر ومما يؤيد ذلك ما يأتي ذكره عن ابن الحاج من كراهة بعض الخصال في السبحة مما يدل على عدم نهيه عن أصلها
المبحث الثاني :
الأدلة
أولا :
أدلة من أجاز اتخاذ السبحة والذكر بها
ا-حديث صفية رضي الله عنها :
(1/10)
________________________________________
في سنن الترمذي 4 / 274 ومستدرك الحاكم 1 / 547 ومعجم الطبرانى 24/74 ومسند أبي يعلى 13/35 : ( عن صفية رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن ، فقال : « يا بنت حيي ما هذا ؟ » قلت : أسبح بهن ، قال : « قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا » قلت : علمني يا رسول الله ، قال : « قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء ) اهـ
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وله شاهد من حديث المصريين بإسناد أصح من هذا [ ثم ذكر حديث سعد الآتي ], ووافقه الذهبي
2-حديث سعد ابن أي وقاص رضي الله عنه :
روى أبو داود 2/80 باب التسبيح بالحصى . والترمذي 5/562 وابن حبان 3/118 والحاكم 1/732 و البزار 4/39 : ( عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل فقال سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك ) اهـ
قال الترمذي 5/562 : حسن غريب . وصححه ابن حبان 3/118 , وقال السيوطي في الحاوي 2/ 2: صحيح وقد تقدم تصحيح الحاكم
3-حديث علي رضي الله عنه :
قال السيوطي في الحاوي 2/ 2: ( قال الديلمي في مسند الفردوس أنا عبدوس ابن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فتحويه الثقفي ثنا علي بن محمد بن نصرويه ثنا محمد بن هرون بن عيسى بن المنصور الهاشمي حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسين عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعا نعم المذكر السبحة. ) اه وهو في مسند فردوس الديلمي 4/259
(1/11)
________________________________________
وهذا الحديث ضعيف قال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح 1/121 :
( وجاء بسند ضعيف عن علي مرفوعا نعم المذكر السبحة ) اهـ
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة 1/116 , ولكن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل عند الجمهور كما هو معلوم وللفقير بحث حول العمل بالحديث الضعيف عند المحدثين والفقهاء
وقد استدل بهذا الحديث على السبحة مع ضعفه جمع من الأئمة كالسيوطي وابن حجر والمناوي والشوكاني وغيرهم , ومع ضعفه فإن معناه صحيح فإن السبحة إذا كانت بيد الشخص فإنه يتذكر الذكر وقد يغفل عن ذلك إذا لم تكن بيده كما هو حال الفقير
وحمل بعضهم هذا الحديث على سبحة الضحى ففي كشف الشبهتين للشيخ سيمان بن سحمان ص 117 : ( وأما استدلاله بحديث: “نعم المذكر السبحة” على المسباح المتخذ من الخرز ونحوه فهذا غلط بالاتفاق !!!، وخطأ على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يمدح المسباح قط ولا رآه، بل هذا الحديث بعينه عند صاحب مسند الفردوس في سبحة الضحى لا غير !!!، وقد أورده السيوطي في باب مندوبات الصلاة في جمع الجوامع !!!، وكذا أورده في الثبت الشيخ العالم عبد القادر المصري الشهير بالأمير المالكي قال: لم يصح هذا إلا في سبحة الضحى. ) اهـ
4-الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ومنهم :
1-أبو ذر رضي الله عنه :
في الزهد لأحمد ص 141 : ( ثنا مسكين بن نكير أنا ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من نوى العجوة ، حسبت عشراً أو نحوها في كيس ، وكان إذا صلى الغداة أقعى على فراشه ، فأخذ الكيس ، فأخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن فإذا نفدن أعادهن واحدة ، كل ذلك يسبح بهن ) اهـ
2-أبو هريرة رضي الله عنه :
(1/12)
________________________________________
في سنن أبي داود 2/ الترمذي 8/71 مع التحفة وأحمد 2/540 339 ومصنف ابن أبي شيبة 2/160: ( عن شيخ من طفاوة أنه زار أبا هريرة قال : ( فبينا أن عنده يوماً ، وهو على سرير له ، معه كيس كبير في حصى أو نوى ، وأسفل منه جارية سوداء ، وهو يسبح بها ، حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه ) اهـ
وفي الأثر رجل مبهم ولكن الموقوفات يتساهل فيها في مثل ذلك عند أكثر أهل العلم من أهل الحديث والفقه والأصول والتواريخ والسير كما تقدم
ومع ذلك فهناك آثار أخرى عن أبي هريرة ففي الحلية لأبي نعيم 1/383 :
( عن نعيم بن المحرر بن أبي هريرة ، عن جده ، أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به ) اهـ
وفي الحاوي للسيوطي 2/ 2: ( وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد [ في زوائد الزهد ] من طريق نعيم بن محرر … ) اهـ
وقال السيوطي في الحاوي 2/ 2: ( وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجزع ) اه
3-سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :
في الطبقات لابن سعد 3/143 : ( عن حكيم بن الدليمي : أن سعداً كان يسبح بالحصى ) اهـ
وفي مصنف ابن أبي شيبة 2/160: ( [ فصل ] في عقد التسبيح وعدد الحصى ) :
حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن حكيم بن الديلمي عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى والنوى
حدثنا بن مهدي عن سفيان عن حكيم بن الديلمي عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى والنوى ) اهـ
4-أبو صفية رضي الله عنه :
في طبقات ابن سعد 7/60 : ( أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا يونس بن عبيد عن أمه قالت رأيت أبا صفية رجلا من أصحاب النبي ? قالت كان جارنا هاهنا فكان إذا أصبح يسبح بالحصى والنوى ولا أراه إلا بالحصى ) اه ورواه أحمد في الزهد بنفس الإسناد كما الحاوي للسيوطي 2/ 2
وفي معجم الصحابة للبغوي ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 4/293 :
(1/13)
________________________________________
( نا أحمد بن المقدام نا معتمر نا أبو كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي ? أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى الأولى سبح حتى يمسي ) اهـ
5-أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :
وفي مصنف ابن أبي شيبة 2/160 : ( [ فصل ] في عقد التسبيح وعدد الحصى ) :
حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن بن الاخنس قال حدثني مولى لأبي سعيد عن ابي سعيد أنه كان يأخذ ثلاث حصيات فيضعهن على فخذه فيسبح ويضع واحدة ثم يسبح ويضع أخرى ثم يسبح ويضع أخرى ثم يرفعن ويضع مثل ذلك وقال لا تسبحوا بالتسبيح صغيرا ) اهـ
6-فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهما :
في طبقات ابن سعد 8/474 : ( أخبرنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن جابر عن امرأة حدثته عن فاطمة بنت حسين أنها كانت تسبح بخيوط معقود فيها ) اهـ
7-أبو مسلم الخولاني رضي الله عنه :
في كتاب العظمة لأبي الشيخ 5/1730 : ( حدثنا جعفر حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا محمد بن الحسين حدثنا عمرو بن جرير البجلي عن بكر بن خنيس عن رجل قد عمر وقال كان بيد أبي مسلم الخولاني سبحة يسبح بها فنام والسبحة في يده فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وجعلت تسبح فاستيقظ أبو مسلم والسبحة تدور في يده وإذا هي تقول سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات
فقال هلمي يا أم مسلم فانظري إلى عجب العجائب فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكنت أو قال سكتت ) اهـ
وروى القصة ابن عساكر في تاريخه 27/217 أنبأنا أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري الأندلسي أنا أبو الحسن علي بن الحسين بن أيوب أنا الحسن بن محمد الخلال الحافظ قال أجاز لنا عبد الله بن عثمان بن بيان نا علي بن محمد الواعظ حدثني جعفر بن مسكين عن محمد بن عمرو عن محمد بن الحسين حدثني عمرو بن جرير البجلي عن بكر بن خنيس عن رجل سماه قال كان بيد أبي مسلم الخولاني سبحة يسبح بها … ) اهـ
(1/14)
________________________________________
8-أم يعفور رحمها الله :
وفي مصنف ابن أبي شيبة 2/160 وما بعدها :( [ فصل ] في عقد التسبيح وعدد الحصى ) :
حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن بن موسى القارىء عن طلحة بن عبد الله عن زاذان قال أخذت من أم يعفور تسابيح لها فلما أتيت عليا علمني فقال يا أبا عمر أردد على أم يعفور تسابيح ) اهـ
9-أبو القاسم الجنيد رحمه الله :
في الزهد للبيهقي ص 293 : ( أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول عن بعض المشيخة قال رئي في يد الجنيد سبحة فقيل له يا أبا القاسم أنت مع تمكنك وشرفك تأخذ بيدك سبحة فقال نعم سبب به وصلنا إلى ما وصلنا لا نتركه أبدا ) اهـ
وفي تاريخ بغداد 7/245 : ( أخبرنا عبد الكريم بن هوازن قال سمعت أبا علي الحسن بن علي الدقاق يقول رؤى في يد الجنيد سبحة فقيل له أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال طريق به وصلت إلى ربي لا أفارقه ) اهـ
10-عبد القادر الجيلاني الحنبلي رحمه الله :
قال السيوطي في الحاوي 2/2 : ( قال الشيخ الإمام العارف عمر البزار : كانت سبحة الشيخ أبي الوفا التي أعطاها لسيدي الشيخ محي الدين عبد القادر الكيلاني قدس الله أرواحهم إذا وضعها على الأرض تدور وحدها حبة حبة. ) اهـ
11-عبد الله اليونيني رحمه الله :
في البداية والنهاية 13 /94 في ترجمة عبد الله اليونيني : ( فلما دخل وقت الصبح صلى بأصحابه ثم استند يذكر الله وفي يده سبحة فمات وهو كذلك جالس لم يسقط ولم تسقط السبحة من يده فلما انتهى الخبر إلى الملك الأمجد صاحب بعلبك فجاء إليه فعاينه كذلك فقال لو بنينا عليه بنيانا هكذا يشاهدا لناس منه آية فقيل له ليس هذا من السنة ) اهـ
ثانيا :
أدلة من كره السبحة :
1-أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيده :
ففي مصنف ابن أبي شيبة 2/160 وصحيح ابن حبان 3/123 : ( عن عبد الله بن عمرو قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده ) اهـ
(1/15)
________________________________________
وهو عند أبي داود 2/81 والبيهقي 2/187 بلفظ : ( كان يعقد التسبيح بيمينه ) وهو عند الترمذي 5/478 والنسائي 3/79 بلفظ : ( كان يعقد التسبيح )
وأجيب :
بأن تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم بيده ليس فيه النهي عن التسبيح بغير اليد من الخرز والحصى والنوى ونحوها لا بالمنطوق ولا بالمفهوم بل هو أمر مسكوت عنه في هذا الحديث , وقد أقر صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك في أحاديث أخرى كما تقدم
2-أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعقد الذكر بالأنامل :
ففي مسند أحمد 6/ 370 وسنن أبي داود 2/81 والترمذي 5/571 وقال حديث غريب : ( عن حميضة بنت ياسر عن يسيرة أخبرتها أن النبي ? أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل وأن يعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات ) اهـ
وأجيب :
بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر بالأنامل ليس فيه النهي عن الذكر بالخرز والحصى والنوى ونحوها لا بالمنطوق ولا بالمفهوم بل هو أمر مسكوت عنه
نعم قد يقال إنه يدل على أن الذكر بالأنامل أفضل من السبحة لأن الأنامل مسنطقات مسئولات يوم القيامة ولكن يمكن أن يقال إن الذي يذكر الخرز والحصى والنوى هو أيضا يذكر بأنامله فستنطق يوم القيامة بذكره أيضا , ثم وقفت في فتاوى الأزهر على فتوى حول السبحة للشيخ عطية صقر ذكر فيها نحو ذلك
3-أن السبحة من المحدثات وكل محدثة بدعة :
قال الشيخ ابن سحمان في كشف الشبهتين ص 105:
( فمن اتخذ المسباح فقد خالف ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر به ولم يشرعه لأمته لوم يفعله ) اهـ
وأجيب :
- بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقر التسبيح بالحصى والنوى ولا فرق بينها وبين السبحة إلا انتظامها بالخيط
- كما وأنه قد ورد عن الصحابة التسبيح بالخيط المعقود كما تقدم ولا فرق بينه وبين السبحة
(1/16)
________________________________________
- ثم إن السبحة هي وسيلة للعد والعد مشروع فوسيلته مشروعه فهي كمكبر الصوت في المساجد فهو وسيلة لرفع الصوت في الأذان ورفع الصوت مشروع
- ثم إن مسألة البدعة الإضافية فيها خلاف بين الأئمة وللفقير بحث في البدعة الإضافية بين المجيزين والمانعين
4-أن السبحة مدعاة للرياء والسمعة :
قال ابن سحمان كشف الشبهتين ص 105 : ( ولا يخل ناقل المسباح من أحد أمرين:
إما أن يتخذ ذلك زاعماً أنه يسبح به فيكون قد رآء الناس بهذا العمل، ومن رآء الناس بعمله فقد أشرك، أو لا يريد به التسبيح وإنما يتخذه ملهاً يلهو به ، ويلعب به كما هو الواقع المشاهد من كثير من الناس اليوم، أو ينزلها منزلة العصى فيكون مخالفاً للسنة…
ومع كونه محدثة في الدين، لم يتخذه ويستعمله من الناس في الغالب إلا أهل الغفلة، والمرائين بأعمالهم، وفساق الناس الذين لا يذكرون الله إلا قليلاً، فإذا جاء أحدهم إلى مجامع الناس أو مساجدهم ومجالسهم أو أسواق المسلمين رأيت المسباح في يده.) اهـ
وأجيب :
- بعدم التسليم بأن غالب من يتخذها إنما هم من أهل الغفلة والرياء , وعلى التسليم بذلك فليس في هذا ما يدل على منعها لأن وجود من يعمل رياء بعمل معين لا يدل على المنع من ذلك العلم كطلب العلم مثلا
- وبأنه لا تلازم بين الذكر بالسبحة بين الناس وبين الرياء وإلا لزم أن كل عمل صالح يعمله الشخص أمام الناس فهو رياء وقد قال الله ( إن تبدوا الصدقات فنعم هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم )
- أن اتخاذ بعض الناس السبحة للزينة أو للهو ونحو ذلك لا نعلم ما يمنع منه نعم عد ذلك بعض أهل العلم من المكروه كما سيأتي
5-الآثار الواردة في النهي عن ذلك وقد تقدمت :
وأجيب :
بأنها معارضة بمثلها بل بما هو أكثر وأصرح وأشهر , ثم هي أيضا معارضة بالأحاديث المرفوعة في ذلك
المبحث الثالث :
فوائد ولطائف متممة
الأولى :
أن الإمامين الشوكاني والصنعاني ممن يجيز السبحة
(1/17)
________________________________________
قال الشوكاني في نيل الأوطار 2/359 : ( باب جواز عقد التسبيح باليد وعده بالنوى ونحوه :
( والحديث الأول ) يدل على مشروعية عقد الأنامل بالتسبيح … وقد علل رسول الله ? ذلك في حديث الباب بأن الأنامل مسئولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى
( والحديثان الآخران ) يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره ? للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز قد وردت بذلك آثار …
وقد ساق السيوطي آثارا في الجزء الذي سماه المنحة في السبحة وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى وقال في آخره : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها انتهى ) اه
وقال الصنعاني سبل السلام 2/88 : ( وأما خياطة الثوب بالخيط الحرير ولبسه وجعل خيط السبحة من الحرير وليقة الدواة وكيس المصحف وغشاية الكتب فلا ينبغي القول بعدم جوازه لعدم شمول النهي له ) اه
الثانية :
بعض الخصال المكروهة في السبحة
1-اتخاذها للزينة واللعب بها :
قال المناوي في فيض القدير4/355 : ( نعم محل ندب اتخاذها فيمن يعدها للذكر بالجمعية والحضور ومشاركة القلب للسان في الذكر والمبالغة في إخفاء ذلك
أما ما ألفه الغفلة البطلة من إمساك سبحة يغلب على حباتها الزينة وغلو الثمن ويمسكها من غير حضور في ذلك ولا فكر ويتحدث ويسمع الأخبار ويحكيها وهو يحرك حباتها بيده مع اشتغال قلبه ولسانه بالأمور الدنيوية فهو مذموم مكروه من أقبح القبائح ) اهـ
وقال ابن الحاج في المدخل 3/205 : ( ومن هذا الباب أيضا ما يفعله بعضهم من تعليق السبحة في عنقه … وإظهار السبحة والتزين بها لا مدخل لهما في ذلك بل للشهرة والبدعة لغير ضرورة شرعية
(1/18)
________________________________________
وقريب من هذا ما يفعله بعض من ينسب إلى العلم فيتخذ السبحة في يده كاتخاذ المرأة السوار في يدها ويلازمها وهو مع ذلك يتحدث مع الناس في مسائل العلم وغيرها ويرفع يده ويحركها في ذراعه بعضهم يمسكها في يده ظاهرة للناس ينقلها واحدة واحدة كأنه يعد ما يذكر عليها وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال وما جرى لفلان وما جرى على فلان
ومعلوم أنه ليس له إلا لسان واحد فعده على السبحة على هذا باطل إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر واللسان الآخر يتكلم به فيما يختار فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من الشهرة والرياء والبدعة ) اهـ
2-الغفلة عن عد السيئات كما تعد الحسنات :
قال ابن الحاج في المدخل 3/205 : ( ثم العجب ممن يعد على السبحة حقيقة ويحصر ما يحصله من الحسنات ولا يعد ما اجترحه من السيئات وقد قال عليه الصلاة والسلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا …وهذه الطائفة أصل عملها للتحفظ من السيئات والهواجس والخواطر ثم بعد ذلك يأخذ في كسب الحسنات وقد قالوا إن ترك السيئات أوجب من فعل الحسنات …
ثم إن بعضهم يحتج بأنها محركة ومذكرة فوا سوأتاه إن لم يكن التحريك والتذكير من القلب فيما بين العبد وبين الرب سبحانه وتعالى ) اهـ
3-هجر الذكر بالأنامل والأصابع :
قال ابن الحاج في المدخل 3/205 : ( ثم إنه مع ذلك يحرم نفسه فضل الذكر وعود بركته على أعضائه وجوارحه فلو كان يسبح ويعد على أنامله لكان نور ذلك الذكر وبركته في أنامله وقد ورد أن النبي ? دخل على بعض أزواجه فرأى نورا في طاق فقال ما هذا النور الذي في الطاق فقالت يا رسول الله سبحتي التي كنت أسبح عليها جعلتها هناك أو كما قالت فقال عليه الصلاة والسلام : هلا كان ذلك النور في أناملك [ لم أقف عليه !!! ]
فهذا إرشاد منه عليه الصلاة والسلام إلى الأفضل والأولى والأرجح وقاعدة المريد أن لا يرجع إلى عمل مفضول وهو قادر على ما هو أفضل منه ) اهكلام ابن الحاج
(1/19)
________________________________________
وما بين المعقوفين كلامي
الثالثة :
السند المسلسل بالسبحة برواية الفقير
ناولني السبحة جمع من مشايخي , ورأيتها في يد كثير منهم , وأروى السند المسلسل بالسبحة عن عشرات المشايخ ولا أريد الإطالة بذكر جميعهم ولكن أذكر منهم بحسب حروف الهجاء :
1- فضيلة الشيخ أحمد الدوغان ( الأحساء )
2- فضيلة الشيخ أحمد بن جابر جبران الضحوي ( مكة – رحمه الله )
3- فضيلة الشيخ الدكتور حسن بن محمد مقبول الأهدل ( صنعاء )
4- فضيلة الشيخ حمود شميلة الأهدل ( تهامة – المراوعة )
5- فضيلة الشيخ سلمان الحسني الندوي ( الهند )
6- فضيلة الشيخ عبد الله الناخبي ( جدة )
7- فضيلة الشيخ علي بن محمد البطاح ( تهامة – زبيد )
8- فضيلة الشيخ قاسم بحر الأهدل ( صنعاء )
9- فضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني ( صنعاء )
10- فضيلة الشيخ الدكتور محمد طاهر القادري ( باكستان )
11- فضيلة الشيخ مساعد البشير ( السودان )
12- فضيلة الشيخ يحي بن أبي بكر الملا ( الأحساء )
وأكتفى هنا بذكر رواية شيخنا أحمد بن جابر جبران الضحوي ثم المكي رحمه الله حيث ذكر في ثبته تحفة المريد قسم المسلسلات ص 74 : أن كثيرا من مشايخه ناولوه السبحة ورآها في يد كل منهم , وذكر منهم :
الشيخ حسن بن محمد المشاط والشيخ محمد نور سيف والشيخ عبد الله بن سعيد اللحجي والشيخ المسند محمد ياسين الفاداني وغيرهم ثم قال :
- قال الشيخ الفاداني : ناولني شيخنا عمر حمدان المحرسي سبحته ورأيتها في يده
- قال ناولني السيد محمد علي الوتري سبحته ورأيتها في يده
- قال ناولني شيخنا عبد الغني المجددي سبحته ورأتها في يده
- قال ناولني الشيخ محمد عابد السندي سبحته ورأيتها في يده
- قال ناولني الشيخ يوسف بن محمد بن علاء الدين المزجاجي سبحته ورأيتها في يده
- قال ناولني الشيخ عبد الخالق المزجاجي سبحته ورأيتها في يده
- قال ناولنيها الشيخ محمد حياة السندي ورأيتها في يده
(1/20)
________________________________________
- قال ناولني الشيخ عبد الله بن سالم البصري ورأيتها في يده
- قال كما في ثبته الإمداد بمعرفة علو الإسناد : ناولنيها الشيخ محمد بن سليمان المغربي
- قال ناولني إياها الشيخ أبو عثمان سعيد الجزائري
- ناولها له الشيخ عثمان بن سعيد المقري عن سيدي أحمد حجي وفي يده سبحة
- أخبره شيخه الإمام الولي الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن علي التازي رضي الله عنه وفي يده سبحة
- قال أخبرني شيخنا الإمام العلامة أبو الفتح ابن الشيخ زين الدين العثماني رضي الله عنه إجازة تلفظ لي بها
- قال أخبرني الشيخ أبو العباس أحمد بن أبي بكر الرداد سنة إحدى وعشرين وثماني مائة ورأيت في يده سبحة
- قال أخبرني قاضي القضاة مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم البكري الصديقي قراءة مني عليه وسماعا من لفظه مرتين ورأيت في يده سبحة
- قال أخبرني الشيخ جمال الدين يوسف بن محمد السرمري ورأيت في يده سبحة
- قال قرأت على شيخنا تقي الدين بن أبي الثناء محمود بن علي ورأيت في يده سبحة
- قال أخبرني الحافظ مجد الدين عبد الصمد بن أبي الجيش المقري قراءة عليه ورأيت في يده سبحة قال قرئ على أبي ورأيت في يده سبحة
- قال قرأت على أبي الفضل محمد بن ناصر ورأيت في يده سبحة
- قال قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة
- قال قلت له سمعت أبا بكر محمد بن علي السلامي الحداد ورأيت في يده سبحة فقال نعم
- قال رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر ورأيت في يده سبحة
- قال رأيت أبا الحسن علي بن الحسن بن القاسم الصوفي وفي يده سبحة
- قال سمعت أبا الحسين المالكي يقول وقد رأيت في يده سبحة فقلت يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة
- قال كذلك رأيت أستاذي الجنيد وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ إلى الآن مع السبحة
- قال كذلك رأيت أستاذي سري بن المغلس السقطي وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ وأنت مع السبحة
(1/21)
________________________________________
- فقال كذلك رأيت أستاذي معروفا الكرخي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه
- فقال كذلك رأيت أستاذي بشرا الحافي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه
- فقال رأيت أستاذي عمر المكي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه
- فقال رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة فقال لي : هذا شيء كنا استعلمناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات أنا أحب أن أذكر الله تعلى بقلبي ويدي ولساني ) اهـ
وقد ذكر السند المسلسل بالسبحة كثير من الأئمة ومنهم :
- السيوطي في الحاوي 2/4 عن أبي بكر بن داود في تحفة العباد
- محمد عابد السندي في ثبته حصر الشارد 2/562 وقال بعد ذكره :
( وأهل المسلسلات قد أوردوا هذا المسلسل وأشار السخاوي إلى غالب طرقه وقال : إن مدار روايته على أبي الحسن الصوفي وقد رمي بالوضع , ورواية عمر المكي عن الحسن معضلة , ثم سلسله من طريق آخر وسكت عنه ) اه قلت : وقد يؤيد ما قاله السخاوي ما تقدم ذكره عن الحسن عند ذكر من كره السبحة
- الوادي آشي في ثبته ص 385 ثم قال بعد ذكره :
( قال الشيخ أبو العباس أحمد بن أبي بكر الرداد : يتبين من قول الحسن البصري أن السبحة كانت موجودة متخذة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم لقوله هذا شيء كنا استعملناه في البدايات وبداية الحسن من غير شك كانت مع أصحاب رسول الله ? فإنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورأى عثمان وعليا وطلحة رضي الله تعلى عنهم وحضر يوم الدار في قصة عثمان وعمره أربع عشرة سنة وروى عن عثمان وعلي وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وأبي بكر وأبي موسى وابن عباس وجابر بن عبد الله وخلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم انتهى ملخصا ) اهـ
(1/22)
________________________________________
- شيخنا أحمد جابر جبران في ثبته ص 75 ثم قال بعد ذكره : ( قال الشيخ الفاداني : قال الشمس ابن الطيب : أهل المسلسلات قد أوردوا هذا المسلسل , أورده القاضي عياض في مشيخته والقاضي أبو بكر بن العربي في مسلسلاته والكناني والسلفي وأبو الحسن الأنماطي وغيرهم ) اهـ
- وغيرهم كثير ولا تخلو منه أكثر الكتب المصنفة في المسلسلات وانظر أسامي طائفة كثيرة من كتب المسلسلات في كتاب فهرس الفهارس لشيخ مشايخنا الكتاني ومقدمة كتاب جياد المسلسلات للسيوطي بتحقيق شيخنا مجد مكي
الرابعة
بعض الغرائب في شأن السبحة
- كانت سبحة زبيدة قد اشترت سبحة بخمسين ألف دينار ( البصائر والذخائر م 1 / ق 3 / ص 145ن و 146. )
- وكان للمقتدر العباسي سبحة قومت بمائة ألف دينار ذكر ذلك أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، وذكر أن والدته عمرة، جارية المقتدر، أخبرته، بأن المقتدر استدعى بجواهر، فاختار منها مائة حبة، ونظمها سبحة يسبح بها، وأن هذه السبحة عرضت على الجوهريين، فقوموا كل حبة منها بألف دينار ( وأكثر القصة 7 / 147 من نشوار المحاضرة )
- وأعطى المقتدر، قهرمانته زيدان، سبحة لم ير مثلها ( تاريخ الخلفاء 384 ) وكان يضرب بها المثل، فيقال: سبحة زيدان ( المنتظم 6 / 70. )
- ولما وزر علي بن عيسى للمقتدر قال: ما فعلت سبحة جوهر، قيمتها ثلاثمائة ألف دينار، أخذت من ابن الجصاص ؟، قال: في الخزانة، فقال: تطلب، فطلبت، فلم توجد، فأخرجها الوزير من كمه، وقال: عرضت علي، فاشتريتها، فإذا كانت الجوهر لا تحفظ، فما الذي يحفظ ؟، فاشتد ذلك على المقتدر ( المنتظم 6 / 70. )
- ولما عاد الخليفة القائم في السنة 451 من منفاه في الحديثة إلى بغداد، بعثت إليه زوجته أرسلان خاتون، اثنتي عشرة حبة لؤلؤ كبارا مثمنة، وسألته أن يتخذ منها سبحة يسبح بها ( المنتظم 8 / 207. )
(1/23)
________________________________________
- وكان لأبي الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي سبحة جوهر قيمتها مائة ألف دينار، طوق بها قنينة بلور للشراب ( المنتظم 7 / 212. )
- وكانت سبحة نصر الدولة، صاحب ميافارقين ت 453 من اللؤلؤ عدد حباتها مائة وأربعون لؤلؤة، وزن كل حبة مثقال، وفي وسطها الجبل الياقوت، وقطع بلخش، قدرت قيمتها ثلاثمائة ألف دينار ( الوافي بالوفيات 1 / 122. )
- ولما استولى يوسف بن تاشفين على غرناطة في السنة 479، وجد لصاحبها سبحة جوهر، من أربعمائة حبة، وقومت كل حبة بمائة دينار ( ابن الأثير 10 / 155.) انتهى وانظر التعليق على الفرج بعد الشدة للتنوخي 1/147
هذا آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
اليمن – صنعاء
28 / ذو الحجة / 1427 هـ
تلفون سيار : 711456608/00967
بريد إلكتروني : afattah31@hotmail.com
(1/24)
________________________________________

الكتاب : موقف السلف الصالح من الصوفية

المحتويات:
مقدمة
إتباع الكتاب والسنة
أدعياء التصوف
افتراء وكذب
كلمة الصوفية وسببها
شهادة علماء الاسلام
اثر الصوفية في المجتمع
أئمة الحركة السلفية
الإمام الذهبي
________________________________________
مقدمة:
======
قد يخطئ كثير من الناس في الحكم على الصوفية ويظن أنهم طائفة خارجة على الإسلام وذلك ربما يكون بحسن نية لما يسمعه ممن لا علم لهم بحقائق الأمور ولذلك لابد من تجلية هذا الأمر في أذهان من التبس عليهم شأنهم فاستعين بالله تعالى وأتبرأ من حولي وقوتي قاصداً وجه الله تعالى متحرياً الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلاً مشيرا إلى بعض الحقائق الثابتة محاولا التقريب بين وجهات النظر ملتمسا العذر للباحثين عن الحقيقة في هذا الموضوع ما دام قصدهم الوصول إلى صراط الله المستقيم لان صادق النية له اجر إذا كان متجردا عن الهوى والتعصب باحثا عن الحقيقة مزعنا لها أينما كانت وان الهدف الأساسي من هذا البحث هو جمع كلمة المسلمين ووحدتهم وإيجاد روح المحبة والتعاون بينهم حتى نتفرغ لأعدائنا ونستجمع قوتنا لتخليص بيت المقدس وأرضنا السليبة ومؤازرة إخواننا المسلمين في أفغانستان وفي كل مكان من ارض الله التي يذكر فيها اسمه لأنه عدونا واحد وإلهنا واحد وديننا واحد وقبلتنا واحدة ونبينا واحد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ولا يريد أعداؤنا منا اكثر من الخلاف وضياع الوقت في الجدال وتمزيق الأمة حتى ننشغل بهذه الأمور الجانبية عن الأمور الكبيرة التي يجب علينا أن نجاهد من اجلها .
وانه من الأمور البديهية والمسلمات الثابتة التى لا اختلاف فيها أن المسلم يجب أن يحمل حالة علي احسن الوجوه وان نلتمس له المعاذير لتبرير وجهة نظره إذا وجدنا إلى ذلك سبيلا وخاص إذا ني عن نفسه الباطل وأعلن ولو بصفة إجمالية انه يريد الحق ويؤمن به وذلك يتجلي فيما قالهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم لأسامة بن زيد : وقد هم يقبل رجل بعد أن نطق بالشهادة : ( أفلا شققت عن قلبه)رواه البخاري
وظل صلَّى الله عليه و آله و سلَّم يعنفه ويلومه علي ذلك مع أن حالة الرجل ونطقه بالشهادة بعد أن تمكن منه أسامه بن زيد توحي بأنه قالها تقيه بعد أن تمكن منه ، وانتصر عليه ولكن الإسلام يضع لنا منهجا ربانيا قويما ولان نخطئ في العفو خير من أن نخطئ في العقوبة وانه يجب علينا أن نكل بواطن الأمور إلى الله ونحكم للمسلم بما أعلنه عن نفسه وجعله شعاره وعنوان عقيدته وليس لنا أن نحمل حالة علي شئ آخر مهما كانت الأسباب وهكذا الأمر ينطبق علي حالة الصوفية و ما يصلنا من أقوالهم وأحوالهم فانك لو سألت أي أحد من هؤلاء القوم أو ممن ينتسب إليهم هل هناك أدنى مخالفة للكتاب والسنة يعتقدها الصوفية لأجابك الجميع بشدة ويقين انه ليس للصوفية أي ابتداع في الدين أو مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم .
________________________________________
اتباع الكتاب والسنة:
======
واليك بعض أقوال أئمتهم : يقول الإمام أبو القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة : الطرق كلها مسدودة علي الخلق إلا علي من اقتفي أثار رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر – أي التصوف – لان علمنا مقيد بالكتاب والسنة .
وقال سهل بن عبد الله : كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء – أي بالمعصوم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم – فهو عيش النفس أي من هوى النفس لا يقبله الله تعالي وهو من كبار الصوفية .
وقال أبو العباس احمد بن أبى الحواري : من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فباطل عمله وقال أبو الحسن النوري : من رأيتموه يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربوا منه وهو من أئمة الصوفية .
وقال ابن عطاء الله السكندري : من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في أوامره وأفعاله وأخلاقه وقال أبو حمزة البغدادي : لا دليل علي الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في أحواله وأقواله وأفعاله وقال أبو القاسم النصر اباذي عالم خرسان : اصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع وترك الرخص والتأويلات .
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي عن الصوفي : إن سالك سبيل الله قليل والمدعي فيه كثير ونحن نعرفك علامتين له الأولى : أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة علي توقيفاته إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها والثانية : لا يصل فيه إلا من واظب علي جملة من النوافل فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض .
وقال الإمام التستي : أصول طريقتنا – أي منهج الصوفية – سبعة : التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة واكل الحلال وكف الأذى وتجنب المعاصي لزوم التوبة وأداء الحقوق وقال أبو حفص أحد كبار الصوفية : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال وقال الشيخ محيي الدين بن عربي : لا يرتجي الوصول من لم يتابع الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ويقول أبو يزيد البسطامي : لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة .
ويقول أبو الحسن الشاذلي : إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف وقل لنفسك إن الله تعالي ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها علي الكتاب والسنة إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التى تبين إن الاستقامة علي الشريعة المطهرة هي افضل من أي كرامة .
________________________________________
أدعياء التصوف:
======
وبناء علي ذلك نري أن كل ما يخالف الإسلام في شئ فلا تصح نسبته إلى الصوفية والتصوف إنما هو من ضلالات المدعين الذين انتسبوا للتصوف زورا وبهتانا أو من الأمور المدسوسة علي كتبهم بقصد الطعن في هؤلاء القوم وتشويه صورتهم ونهجهم كما حدث في كتب التفسير من الإسرائيليات التى تتنافى مع ما عرف عن هؤلاء المفسرين من حرص علي بيان الحق والبعد عن هذه المرويات الملفقة وكذلك ما جاء في كتب الحديث من الأحاديث الموضوعة وقام العلماء الأجلاء ببيانها وذلك فإني أرى إن الهوة بين المعارضين للتصوف نشأت من اقتناعهم بان هذه الأقوال الباطلة هى من صميم آرائهم ولو انهم وضعوا الأمور في نصابها ونظروا نظرة فاحصة مستبصرة لوجب عليهم ألا يلصقوا هذه الأقوال الشنيعة بهؤلاء القوم ويحسنوا الظن بهم وخاصة انهم قد لقوا ربهم واصبحوا بين يدي الله تعالي وأفضوا إلى ما قدموا .
________________________________________
افتراء وكذب:
======
إليك بعض الأمثلة علي ذلك الدس والافتراء علي هؤلاء القوم يقول الشيخ عبد الوهاب الشعرني في كتابه لطائف المنن : ( ومما من الله تبارك وتعالي به علي صبري علي الحسدة والأعداء لما دسوا في كتبي كلاما يخالف ظاهر الشريعة وذلك ما صنفت كتاب : البحر المورودفي المواثيق والعهود وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر وتسارع الناس لكتابته فكتبوا منه نحو أربعين نسخة غار من ذلك الحسدة فاحتالوا علي بعض المغفلين من أصحابي واستعاروا منه نسخته وكتبوا لهم منها بعض كراريس ودسوا فيها عقائد زائفة ومسائل خارقة لإجماع المسلمين وحكايات وسخريات عن جحا وابن الراوندي وسبكوا في ذلك غضون الكتاب في مواضيع كثيرة حتى كأنهم المؤلف ثم اخذوا تلك الكراريس وأرسلوها إلى سوق الكتب في يوم السوق وهو مجمع طلبة العلم فنظروا في تلك الكراريس ورأوا اسمي عليها فاشتراها من لا يخشى الله تعالي ثم دار بها علي علماء الجامع الأزهر فأوقع ذلك فتنة كبيرة ومكث النادي يدورون في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة وانتصر لي الشيخ نصر الدين القاني وشيخ الإسلام الحنبلي والشيخ شهاب الدين بن الحلبي كل ذلك وأنا لا اشعر فأرسل لي شخص من المحبين بالجماع الأزهر واخبرني الخبر فأرسلت نسختي التى عليها خطوط العلماء فنظروا فيها لم يجدوا فيها شيئا مما دسه هؤلاء الحسدة …الخ .
وذلك في كتابه : لطائف المنن والأخلاق ج2 ص 190 وقد ذكر ذلك أيضا المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب ج 8 ص 374 حيث قال : ( وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات تخالف ظاهر الشرع وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع فخذلهم الله وأظهره الله عليهم وكان مواظبا علي السنة ومبالغا في الورع …) الخ .
________________________________________
ومن ذلك يتبين واضحاً جلياً أن كل ما نراه في الكتب منسوباً إليهم وهو مخالف للشرع كما في الطبقات الكبرى للشعراني فهو من وضع الزنادقة وقد جاء في كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبدالقادر عيسي ص 508 وكذلك دسوا علي الشيخ محيي الدين ابن عربي رحمة الله قال الشعراني ” كان رضي الله عنه متقيدا بالكتاب والسنة ويقول : كل من رمي ميزان الشريعة من يده لحظة هلك ” إلى أن قال ” جميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه كما اخبرني بذلك سيدي أبو طاهر المغربي ثم اخرج لي نسخة الفتوحات المكية التى قابلها علي نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونية فلم ير فيها شيئا مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات كما جاء في اليواقيت والجواهر ج 1 ص 9 .
وذكر العلامة ابن عابدين الفقيه الحنفي وصاحب اكبر موسوعة في الفقه الحنيفي أن الراجح عنده بالنسبة لما ورد في كتب الشيخ محيي الدين بن عربي مما يخالف الشرع بأنه مفترى عليه ولذلك تجد نص عبارة صاحب الدر المختار ج 3 ص 303 : ” لكن الذي تيقنته أن بعض اليهود افتراها علي الشيخ قدس الله سره ” بل أن ابن تيميه نفسه يعترف بالدس علي السيدة رابعة العدوية حيث يقول : (وأما ما ذكر عن رابعة عن قولها عن البيت الحرام انه الصنم المعبود في الأرض كذب علي رابعة المؤمنة التقية ..) وذلك في كتاب مجموعة الرسائل والمسائل لا بن تيميه ج1 ص 80 .
________________________________________
كلمة الصوفية وسببها:
======
وأما بالنسبة للتسمية التى كثر حولها الخلاف فنكتفي بما قاله الإمام الشاطبي ناقلا عن أبى القاسم القشيري في كتاب الاعتصام ج1 ص 89 ما يلي : ” انهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البدع فذكر إن المسلمين بعد رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم باسم علم سوي الصحبة إذ لا فضيلة فوقها ثم سمي من يليهم التابعين ورأوا هذا الاسم اشرف الأسماء ثم قيل لمن بعدهم اتباع التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين : الزهاد والعباد قال : ثم ظهرت البدع وادعي كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا فانفر خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف .
وقد ذكر الشيخ مح الحافظ التيجاني في كتابه أهل الحق : ” قال الشيخ ابن تيميه في رسالته الصوفية والفقراء ص18 طبع المنار سنة 1928م عن اصطلاح القوم : وهم يسيرون بالصوفية إلى معنى الصديق وافضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون ولا مشاحة في الاصطلاح فمن جميع بين صفاء العلم في اسمي مرتبه من الشهود الجامع لعلم اليقين وعين اليقين وصفاء العمل في اسمي مرتبة من الإخلاص وصفاء الحال في ذروة الصدق والحب الإلهي والمحبوبية فادعه من الربانيين أو قل من الصديقين أو ادعه صوفيا فلا جناح عليك فالمسمي واحد وان اختلفت الأسماء .
________________________________________
شهادة علماء الإسلام:
======
وهذه شهادة علماء الأمة الإسلامية لمنهج التصوف والصوفية ونبدأهم بالأئمة الأربعة رحمهم الله تعالي فقد نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر المختار : إن أبا علي الدقاق رحمة الله تعالي قال : أنا أخذت هذه الطريقة من أبى القاسم النصر اباذي ، وقال أبو القاسم أنا أخذتها من الشبلي ، وهو من السري السقطي ، وهو من معروف الكرخي ، وهو من داود الطائى ، وهو اخذ العلم والطريقة من أبى حنيفة رضي الله عنه ، وكل منهم اثني عليه واقر بفضله . ثم قال صاحب الدر معلقا : فيا عجبا لك يا أخي ! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار ؟ أكانوا متهمين في هذا الإقرار والافتخار وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة ؟ ومن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع ، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع وذلك في كتاب الدر المختار ج 1 ص 43 وعليه حاشية ابن عابدين .
وقال الإمام مالك : ( من تفقه ولم يتصوف فق تفسق من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق ) وذلك في كتاب: ( الشفا للقاضي عياض ) شرح ملا علي القارئ ج5 ص 408 وذكرها أيضا في كتابه عين العلم وزين الحلم ج1 ص 33ونقلها كذلك العلامة العدوي علي شرح الإمام أبى الحسن في الفقه المالكي ج2 ص 195 وجاء عن الإمام الشافعي قوله : حبب إلى من دنياكم ثلاث : ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف والاقتداء بطرق أهل التصوف) وذلك في كتاب : ( كشف الخفايا ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الأحاديث علي السنة الناس ) للعجلوني ج 1 ص 341 .
ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي عن إبراهيم بن عبد الله القلانس أن الإمام احمد بن حنبل قال عن الصوفية : 0 لا اعلم أقواما افضل منهم قيل : انهم يستمعون ويتواجدون ؟ قال : دعوهم يفرحوا مع الله ساعة ) وهذا في كتاب : غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ج 1 ص 10 فهذه أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالي في بيان فضل علم التصوف ومنزلة السادة الصوفية في الإسلام .
________________________________________
نماذج على سبيل المثال:
قال المفسر الكبير فخر الدين الرازي في كتابه : اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ج 2 الباب الثامن في أحوال الصوفية : والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية ويجتهدون إلا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالي في سائر تصرفاتهم وأعمالهم منطبعون علي كمال الأدب مع الله تعالي وهؤلاء هم خير فرق الآدميين والأمام الفخر الرازي هو من تعرف الأمة مكانته العلمية وفقهه ومؤلفاته وعقيدته الإسلامية الصحيحة .
وجاء في كتاب نور التحقيق للشيخ حامد صقر ص 96 : قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالي : قعد القوم من الصوفية علي قواعد الشريعة التى لا تنهدم دنيا وأخرى وقعد غيرهم علي الرسوم .. والعز بين عبد السلام هو العالم العظيم والمجاهد الكبير والفقيه المعروف وقد شهد له كل علماء الإسلام بأنه سلطان العلماء وقال الشيخ تاج الدين السبكي عالم الأصول في كتابه معيد النعم ومبيد النقم ص 119 متحدثا عن الصوفية : والحاصل انهم أهل الله وخاصته الذين ترتجي الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم فرضي الله عنهم وعنا بهم .
والأمام السبكي من كبار الفقهاء وعلماء الأصول المدافعين عن السنة بإجماع كثير من العلماء وقال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه : تأييد الحقيقة العلية ص 57 ك وقد تأملت الأمور التى أنكرها أهل الشرع على الصوفية فلم أرى صوفيا محققا بقول شيء منها وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا انهم صوفية وليسوا منها .
________________________________________
والإمام السيوطي هو المحدث والمفسر وعالم القراءات والحافظ الذي شهد له الجميع ويقول أبو الأعلى المودودي في كتابه مبادئ الإسلام ص 114 فليس التصوف الإسلامي الخالص بشيء مستقل عن الشريعة وإنما هو القيام بأحكامها بغاية من الإخلاص وصفاء النية وطهارة القلب وأبو الأعلى المودودي ليس متهما بالتحيز لهؤلاء الصوفية ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في مجلة لواء الإسلام العدد 12 سنة 1960 م ص 758 وذلك أوجب أن نتجه إلى الصوفية كعلاج أخير لوقاية الشباب من الفساد ولا اعتبر أن هناك علاجا أجدى منها والشيخ أبو زهرة من الفقهاء المعاصرين المشهورين بالحيدة والإنصاف .
________________________________________
هذا وقد جاء في كتاب : العهد الوثيق لمن أراد سلوك احسن طريق للشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية بمصر ص 30 : واعلم أن التصوف المتقدم ذكره عرف أيضاً بتعاريف أُخر منها : أنه الجد في السلوك إلى ملك الملوك مع الأخذ بالأحوط من الأحكام إلى أن قال : ولذا قالوا : الصوفية قعدوا على الدعائم الأصلية ووقف غيرهم على الرسوم ومن هنا فازوا فوزاً عظيماً ، وبلغوا من الكمالات ما لم يصل إليه غيرهم ولكن لا سبيل لك أيها الإنسان إلى ذلك إلا بمجاهدة النفس ليلاً ونهاراً بهمه قوية . والشيخ خطاب السبكي من الذين عرف عنه واشتهر محاربته للبدع والخرافات .
وقال الإمام النووي شارح صحيح مسلم وصاحب كتاب رياض الصالحين : أصول طريق التصوف خمسة تقوي الله في السر والعلن واتباع السنة في الأقوال والأفعال والإعراض عن الخلق في الإقبال والأدبار والرضي عن الله في القليل والكثير والرجوع إلى الله في السراء والضراء وذلك في كتابه (المقاصد في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص 20) والإمام النووي هو علامة عصره وحجة كبرى في الفقه الشافعي وعلم الحديث.
وجاء في كتاب الصوفية والسلفية للشيخ إبراهيم اليوسف : ثم تكلم ابن تيميه رحمة الله تعالى عن المتصوفة فقال في المجلد الحادي عشر من الفتاوى الكبرى 16 : ثم التصوف عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا على حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم: الصوفي من صفاء من الكدر وامتلأ من الفكر و هكذا إلى قال في ص 17 :
________________________________________
فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا : إنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل على طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أولا يتوب ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه وعاصٍ لربه وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولاكن عند المحققين من أهل التصوف ليس منهم وقد تكلم ابن تيميه عن بعض أحوال الصادقين كما جاء في المجلد العاشر من الفتاوى الكبرى ص218 0 الفناء ثلاثة أنواع :
نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين فالأول : فهو الفناء عن إدارة ما سوى الله بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبو يزيد حيث قال : ((أريد أن لا أريد إلا ما يريد))
وأما النوع الثاني فهو الفناء على جهود السوي وهذا يحصل لكثير من السالكين فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد ولا يخطر بقلوبهم غير الله بل ولا يشعرون … إلى أن قال :
وأما النوع الثالث : مما قد يسمي فناء فهوان يشهد أن لا موجود إلا الله وان وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد … وبذلك يتضح موقف ابن تيميه من التصوف وانه يحارب المدعين فقط .
وجاء في كتاب عوارف المعارف للسهر وردي عن الصوفية : ثم أن إيثاري لهدي هؤلاء القوم ومحبتي لهم علما بشرف حالهم وصحة طريقهم المبنية علي الكتاب والسنة ..
وكذلك جاء في رسائل الأخوان المسلمين عن الإمام الشهيد حسن البنا انه كان بقول : دعوتنا دعوة سلفية صوفية اجتماعية وقد عرف عنه انه اخذ الطريقة الشاذلية من الشيخ الحصافي ويظهر ذلك جليا في أوراده ومأثوراته .
________________________________________
أثر الصوفية في المجتمع:
======
ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه : المسلمون في الهند ص 140 : ان هؤلاء الصوفية كانوا يبايعون الناس علي التوحيد والخلاص واتباع السنة … وقال أيضا في كتابه : روائع اقبال ص 7 ولولا وجودهم وجهادهم لابتلعت الهند بحضارتها وفلسفتها الإسلام .
والشيخ أبو الحسن ليس ممن يخدع بزيف من القول بل هو العالم المحقق والمجاهد الكبير وقال الأمير شكيب ارسلان في كتابه : حاضر العالم الإسلامى ج2 ص 393 : إن أسباب هذه النهضة الأخيرة – في إفريقيا راجعة إلى التصوف والاعتقاد بالأولياء – والأمير شكيب ارسلان من المجاهدين والعلماء المعروفين والمشهورين ويقول رشيد رضا في مجلته المنار السنة الأولى ص 726 : لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من أركان الدين لا يطاولهم فيه مطاول وهو التهذيب علما وخلقا وتحققا . والشيخ رشيد رضا لم يكن متحيزا لهؤلاء القوم بل كان منصفا في قوله كلمة الحق التى لا بديل عنها .
ويقول الشيخ محمد عبده : ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له اثر عظيم وكان المقصود مه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس وترويضها بأعمال الدين وجذبها إليه … وهذا ما ذكره الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع في مضار الابتداع – والشيخ محمد عبده لم يكن مبالغا في هذا القول بل قال كلمة حق لما رآه من صدق الصوفية واتباعهم للكتاب والسنة وكذلك الشيخ علي محفوظ كان من المحاربين للبدع ويقول الإمام عبد القاهر البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق ص 189 : في بيان أصناف أهل السنة والجماعة : والصنف السادس منهم الزهاد والصوفية الذي ابصروا فاقصروا واختبروا فاعتبروا دينهم التوحيد ونفي التشبيه إلى أن قال : ( وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) والإمام البغدادي هو من اجل العلماء قدرا وكتابه هذا من أوثق الكتب المعتمدة .
________________________________________
أئمة الحركة السلفية:
======
وقد كتب الشيخ عبد الحفيظ المكي من علماء مكة المكرمة كتاب : موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والصوفية وذكر قول الشيخ محمد عبد الوهاب وابن تيمية وابن القيم وابن رجب الحنبلي وابن كثير والحافظ الذهبي وأخيراً ذكر رأي الإمام أحمد بن حنبل وقد قال في المقدمة
وهكذا نسمع بين حين وآخر من ينادي بأن التصوف كلُّه باطل وأن الصوفية طائفة زائفة لا علاقة لها بالإسلام ، بل إنهم أعداء الدين وإن أصلهم من اليونان أو بوذية الهند … إلى آخر ذلك من الترهات . وهذا كلُّه أيضاً مع الأسف الشديد باسم “السلفية المسكينة ” .
________________________________________
مع أن الواقع بخلاف ذلك ، فان الصوفية عند أئمة الحركة السلفية وسادتهم طائفة إسلامية مثل بقية الطوائف الإسلامية الأخرى كالمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والمجاهدين وغيرهم ، فيهم المصيب والمخطئ ، والصالح والطالح ، والأصلى والمزيف . ولكن إذا أطلق اللفظ فانه يراد به دائما : الصالح والمصيب والصحيح منهم ، فمثلا لو قلنا : “المحدثون” فالمراد به عند الجميع : المحدثون الصالحون الذي حفظوا علي الأمة أحاديث رسول الله ( صلي الله عليه وسلم )وخدموها وبلغوها ونشروها بالطريقة المرضية كالأئمة : البخاري ومسلم والترمذي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والكاندهلوي وغيرهم .
ولا يراد بكلمة المحدثون مطلقا عند أى أحد ، أولئك ” الدجالون والكذابون والوضاعون ” المنتسبون إلى هذه الطائفة الكريمة ، والذين قد بين فسادهم ودجلهم أئمة الجرح والتعديل في كل عصر وزمان هذا كما هو معلوم للجميع .
وهكذا هو الحال في الفقهاء والمتكلمين والمجاهدين والمؤرخين وغيرهم من طوائف المسلمين وهكذا يجب أن يكون الحال في الصوفية أيضا .
فعندما يقال الصوفية فحتما يكون المراد منهم : الفضيل بن عياض ومعروف الكرخي وأبو سليمان الداراني وبشر الحافي وعبد القادر الديلاني والجنيد البغدادي وغيرهم ممن سار علي نهجهم القديم .
ولا يراد بالصوفية البتة أولئك الدجالون المخرفون المخالفون لكتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّمالدخلاء علي التصوف وقطاع الطريق إلى الله والدار الآخرة ، فهذا هو قول الحق ومنهج الصدق وسلامة الفكر والإنصاف التام لهؤلاء الذين هم علما الأمة ومجهدوها ولن تجد عالما أو مجاهدا أو تقيا قدم للإنسانية اعظم النفع بعد التابعين إلا وينطبق عليه ذلك الوصف العظيم .
________________________________________
وهذا هو رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التصوف والصوفية وثناؤه عليهم كما جاء في القسم الثالث من مؤلفات الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء ” فتاوى ورسائل ” في الصفحة (31) المسألة الخامسة ، وسئل رحمه الله عن مسائل مفيدة فأجاب : ( اعلم – أرشدك الله – ان الله سبحانه وتعالي بعث محمدا صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بالهدي الذي هو العلم النافع ، ودين الحق الذي هو العمل الصالح .
فإذا كان من ينتسب إلى الدين : منهم من يتعاني بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ، ومنهم من يتعاني العبادة وطلب الآخرة كالصوفية ، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين ” أى الفقه والتصوف ” .
وهكذا يثبت الشيخ محمد عبد الوهاب إن الصوفية سندهم هو رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّمواليه ينتسبون .وجاء أيضا : في (ملحق المصنفات) “هذه مسائل” في صفحة (124) .
ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيرا بمتابعة العلم ، قال بعضهم : ” ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه ” .
وقد نقل العلامة الجليل الشيخ محمد منظور النعماني في رسالته ” دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب طبعة مكتبة الفرقان ، صفحة (76) .
وينهى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رسالته هذه بقوله : (ولا ننكر الطريقة الصوفية وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي المتعلقة بالقلب والجوارح مهما استقام صاحبها علي القانون الشرعي ) .
وهذا هو العلامة ابن القيم من كبار الصوفية كما ذكر الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في الذيل علي طبقات الحنابلة ( الجزء الثاني ) صفحة (448) عن ترجمة ابن القيم بقوله :
( وكان عالماً بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم ، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولي ) .
وجاء في كتاب مدارج السالكين عن تعريف التصوف لابن القيم في الجزء الثاني من صفحة “307″ ما نصه :
________________________________________
الدين كله خلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ، وكذلك التصوف قال الكتاني : التصوف : هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف .
وذكر أيضاً في صفحة “366″ ما نصه :
قال أو عبد الرحمن السلمي : سمعت محمد بن مخلد يقول سمعت جعفرا يقول سمعت الجنيد يقول : ” المريد الصادق غنى من العلماء ” ، وقال أيضا : سمعت الجنيد يقول : “إذا أراد الله بالمريد خيرا أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء ” قلت : إذا صدق المريد وصح عقد صدقه مع الله ، فتح الله على قلبه ببركة الصدق وحسن المعاملة مع الله ما يغنيه عن العلوم التى هي نتائج أفكار الناس وآرائهم وعن العلوم التى هى فضله ليست من زاد القبر .
وفي الجزء الثالث صفحة (128) ما نصه : قال الشافعي رضي الله عنه : صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون : الوقت سيف فان قطعته وإلا قطعك ، ونفسك أن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل .
قلت : يا لهما من كلمتين ، ما انفعهما واجمعهما وادلهما علي علو همة قائلهما ويقظته ، ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم .
الإمام الذهبي:
وهذا هو الإمام الحافظ الذهبي يذكر في ترجمته للمحدثين كثيرا من الصوفية : ننقل منهم ما جاء في تذكرة الحفاظ الجزء الثالث صفحة (852) عن ( ابن الإعرابى ) الإمام الحافظ الزاهد شيخ الحرم أبو سعيد احمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي صاحب التصانيف وكان ثقة ثبتا عارفا ربانيا كبير القدر بعد الصيت .
وكذلك في صفحة (961) : (غندر) وإما غندر الثالث فهو صوفي محدث جوال ، لقي الجنيد وطبقته وكتب الحديث وسكن مصر .
________________________________________
وفي صفحة (1070) (الماليني) الحافظ العالم الزاهد أبو سعد احمد بن محمد بن احمد ابن عبد الله ابن حفص الأنصارى الهروي المالينى الصوفي ، ويعرف أيضا بطاووس الفقراء .. وجمع وحصل من المسانيد الكبار شيئا كثيرا ، وكان ثقة متقنا صاحب حديث ومن كبار الصوفية .
وفي صفحة (1092) ( أبو نعيم ) الحافظ الكبير محدث العصر احمد بن عبد الله بن احمد ابن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصفهانى الصوفي …
وفي صفحة (1170) : (الكتاني) الإمام المحدث مفيد دمشق ومحدثها أبو محمد عبد العزيز بن احمد بن محمد علي التميمي الدمشقي الصوفي ، سمع الكثير وجمع فأوعى …
وفي الجزء الرابع صفحة (1356) : (الشيرازي) الإمام الحافظ الرحال أبو يعقوب يوسف بن احمد بن إبراهيم الصوفي مفيد بغداد وشيخ الصوفية بالرباط الأرجوانى .
وفي نهاية الجزء الرابع وهو الأخير من تذكرة الحفاظ ما نصه : ولزمت الشيخ الإمام المحدث مفيد الجماعة أبا الحسن علي بن مسعود ابن نفيس الموصلي وسمعت منه جملة ، وكان دينا خيرا متصوفا متعففا .
وسمعت من مفيد الطلبة المحدث الإمام المتقن اللغوي صفي الدين محمود ابن أبى بكر الارموى ثم القرافي الصوفي .
وسمعت من الإمام المحدث الأوحد الأكمل فخر الإسلام صدر الدين إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن حمويه الخرساني الجويني شيخ الصوفية .
وقد لاحظت أن أمثال الحافظ الذهبى أيضا له عدة مشائخ من الصوفية بل انه ما ذكر في أحد منهم انه ” لزمه” إلا الذي وصفه منهم انه كان ” دينا خيرا متصوفا متعففا ” واليك أيضا الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته في الذيل علي طبقات الحنابلة وهو يذكر كثيرا منهم بأنه صوفي فقد جاء في الجزء الأول صفحة “211″ في ترجمة الإمام أبى محمد عبد الله بن علي البغدادي :
قال الحافظ الضياء المقدسي : اخبرنا أبو الفضل عبد الواحد بن سلطان ببغداد ، اخبرنا محمد المقرئ ، أجاز لهم وأنشدنا لنفسه :
ترك التكلف في التصوف واجب … ومن المحال تكلف الفقراء
قوم إذا امتد الظلام رأيتهم … يتركعون تركع القراء
فإذا رأيت مخالفا لفعالهم … فاحكم عليه بمعظم الإغواء
________________________________________
وذكر أيضاً الجزء الثاني صفحة (329) إبراهيم بن علي بن احمد بن فضل الوسطي الصالحي الفقيه الزاهد العابد شيخ الإسلام بركة الشام قطب الوقت تفي الدين أبو إسحاق .
وفي صفحة “351″ علي بن مسعود بن نفيس بن عبد الله الموصلي ثم الحلبي الصوفي المحدث …
وفي صفحة “353″ محمد بن عبد الله بن عمر بن أبى القاسم البغدادي المقرئ المحدث الصوفي وكذلك ما ذكره أبو يعلي عن تلاميذ الإمام احمد بن حنبل فكثيرا ما يثني علي بعضهم بأنه صوفي فقد ذكر الإمام الحافظ القاضي أبو الحسين بن أبو يعلي في طبقات الحنابلة الجزء الأول صفحة “36″ : ( احمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد ، أبو عبد الله الصوفي سمع علي بن الجعد وأبا نصر التمار ويحيي بن معين من آخرين ، نقل عن إمامنا أشياء .
وكذلك في صفحة (418) يوسف بن الحسن بن علي أبو يعقوب الرازي من مشايخ الصوفية ، كان كثير الأسفار ، وصحب ذالنون المصري وأبا تراب النخشبي وأبا سعيد الخزاز وحكي عن ذى النون ، وسمع إمامنا احمد .
________________________________________
وبذلك يتجلي واضحاً للعيان من هذه القول التى أوردناها من كتب رجال الحديث والفقه أن كلمة صوفي تعنى أن صاحبها بلغ درجة كبيرة في التقوى ولا يمكن أن نتصور أبداً أن هؤلاء الأئمة الذين قبلت الأمة أحكامهم على صحة الأحاديث النبوية كالإمام الذهبي أن تصفوا بها رجال الحديث والفقه على أنها دخيلة علي المنهج الإسلامي كما يدعي بعض الناس ذلك ويقولون : لماذا نسميهم صوفية والله تعالى يقول : (هو سماكم المسلمين من قبل) فهل غاب عن هؤلاء الأجلاء فهم هذه الآية حتى يتركوا العمل بها ويطلقوها بلا تبصر وروية إنهم علموا وتيقنوا أن إطلاق هذه الكلمة لا يتعارض مع الآية الشريفة كما سبق أن شرح الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام عن سبب هذه التسمية وبدء ظهورها وإنها وصف لقوم التزموا بكل مبادئ الإسلام من العبادة والجهاد في سبيل الله والجهر بكلمة الحق كالعز بن عبد السلام الذي شارك في الجهاد وأفتى ببيع المماليك وكذلك أبو الحسن الشاذلي الذي شارك في معركة المنصورة وغيرهم كثير وذلك ليبطل القول انهم يلتزمون بالعبادة والزهد ولا يشاركون في معترك الحياة بل هم في الحقيقة رهبان بالليل سباع بالنهار فإطلاق لفظ الصوفية عليهم كما أطلق علي الصحابة أو التابعين ولم يقتصروا علي كلمة المسلمين .
________________________________________
وأخيراً بعد هذه الحجج الدامغة من أقوال العلماء الأجلاء الدين يعتد بشهادتهم ولا يستغنى باحث عن الاستدلال بآرائهم في شتى العلوم المختلفة كالفقه والأصول والتفسير والحديث هل يشك عاقل في نسبة التصوف والصوفية إلى أهل السنة والجماعة الذين يتمسكون بالكتاب والسنة اللهم إلا إذا كان الهوى والتعصب هو الذي يحول بينه وبين البحث العلمي الصحيح والحقيقة وأنه إذا كنا نسمع أن هناك خصومة بين الصوفية والسلفية فذلك مع أدعياء التصوف وليس مع الصوفية الصادقين لان الصوفية هم كبار العلماء الذين خدموا الأمة بمؤلفاتهم في مختلف فروع علوم الدين الإسلامى الحنيف وإذا أردنا أن ننسب أحدا إلى السلف الصالح فلن نجد غيرهم فالقول بوجود خلاف بين الصوفية والسلفية غير صحيح وإنما الخلاف بين من انتسبوا إلى التصوف كذبا وافتراء وبين غيرهم أو ممن يدعون الانتساب إلى السلفية .
ألا فليتق الله كل مسلم باحث عن الحقيقة والأحرى به أن يراجع تلك النصوص التى أوردتها من الكتب المختلفة ليقف علي حقيقة أمر هؤلاء الرجال ولا يسارع إلى الحكم عليهم إلا بعد التثبت والتمحيص فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها ولا داعي للهجوم عليهم أو التسمية التى كثر حولها الخلاف وهل هي لقب أو نسبة فلا مشاحة في الاصطلاح كما قال الشيخ ابن تيميه والذى يعنينا هو الجوهر والمضمون وما هو عليه هؤلاء القوم من عقائد وآراء .
ونظراً لان الموضوع يشتمل على أدلة كثيرة فأكتفي بهذا القدر لضيق المجال وأدعو الله تعالى أن يرزقنا الصدق في الأقوال والأفعال وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يجنبنا الزلل ويحفظنا من الزيع والضلال إنه سميع مجيب .
وصل الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب
________________________________________

الكتاب : أسماء بعض الحفاظ والمحدثين ممن توسل

أسماء بعض الحفاظ والمحدثين ممن توسل
——————————————————————————–
يحاول الوهابيون الإيحاء بأن آراءهم ولو في فروع الفقه هي الحق الذي لا محيص عنه ، لو أخذنا مسألة التوسل نجدهم يحاولون إيهام القارئ البسيط أنهم على رأي الجمهور الذي لم يشذ عنه إلا بعض المبتدعة ، وأنهم يمثلون مدرسة أهل الحديث — كذباً وتدليساً
أنقل إليكم أسماء بعض من توسل من علماء الحديث والحفاظ الكبار :
الترتيب الأبجدي
1 – الحافظ إبراهيم الحربي : توسل بقوله ” قبر معروف الكرخى هو الترياق المجرب” تاريخ بغداد ( 1 / 122 ) .
2 – الحافظ أبو الربيع بن سالم : توسل بقبر محمد بن عبيد الله الحجرى ( التكملة ( 2 /281 ) لكتاب الصلة ? الذهبى فى سير أعلام النبلاء )(21 / 251 -253)
3 – الحافظ أبو الشيخ الأصبهانى : توسل بقوله ” والشكوى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجوع ” ? سير أعلام النبلاء ( 16 / 400 ) .
4 – الحافظ أبو الطيب المكى الفاسى : توسل بقوله ” بمحمد سيد المرسلين ” ذيل التقييد ( 1 / 69 ) .
5 – الحافظ أبو المحاسن بن حمزة الحسينى الدمشقى : توسل بقوله ” بجاه المصطفى ” ذيل تذكرة الحفاظ ( 1 / 315 ) .
6 – الحافظ أبو زرعة الرازى : كان يقول لعلى الرضا ” حدثنا بحق آبائك “
7 – الحافظ أبو عبد الله الصفار الإسفرائينى : أخذ عنه الحاكم توسل كثير من الصالحين – تقدم ذكره فى ثنايا الكتاب .
8 – المحدث أبو على الخلال : قال ” فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به “
تاريخ بغداد ( 1 / 120 ) .
9 – الحافظ أبو زرعة العراقى : أتى النبى أمام قبره وقال ” أنا جائع “
المنتظم لابن الجوزى ( 9 / 74 ، 75 )
10 – الحافظ ابن أبى الدنيا : توسل بقوله ” بحق النبى ” قرى الضيف ( 5 / 225 ).
11 – الحافظ ابن أسلم الطوسى : كان يقول لعلى الرضا ” حدثنا بحق آبائك ” وقد ذكرناه من قبل فى الكتاب .
________________________________________
12 – الحافظ ابن الأبار : توسل بقوله ” يا شافع البرية أن تشفع فيها لبارئ النسم ” الحلة السيراء ( 2 / 284 ) .
13 – الحافظ ابن الجزرى : قال بالتوسل فى كتابه ( عده الحصن الحصين ? باب فضل آداب الدعاء ) .
14 – الحافظ ابن الجوزي : توسل بقوله ” بحق محمد صلى الله عليه وسلم “
زاد المسير ( 4 / 253 ) .
15 – الحافظ ابن القيسراني : توسل بقوله ” توسلوا به إلى الله “
تذكرة الحفاظ ( 4 / 1371 ) .
16 – الحافظ ابن المقرئ الأصبهانى : التوسل عند القبر والشكوى إلى الرسول من
الجوع – مروية فى سير أعلام النبلاء ( 16 / 400 ) .
17 – الحافظ ابن حبان : كان إذا أهمه أمر قصد قبر الإمام علي الرضا فينكشف همه ،
قال : ” وقد جربته مراراً وقد تم الإشارة إليه من قبل ” الثقات ( 8 / 457 ).
18 – الحافظ ابن حجر العسقلاني : وله كلام كثير في فتح الباري وغيره .
19 – الحافظ ابن طولون : استشهد بكلام الحافظ العلائي شيخ حافظ العراقي في
المسائل التى شذَّ بها ابن تيمية فى الأصول والفروع ومنها التوسل ( ذخائر القصر ? مخطوط بالخزانة التيمورية بالقاهرة ) .
20 – الحافظ ابن عساكر : كتب فى أربعينياته ” يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربي “
وكتبه عامرة بالتوسل ، وذكره مناقب جعفر الصادق بقوله فيه ” وبالنبى
متوسلاً ” وذكر عن أحد الصالحين أن قبره يتبرك به . تاريخ دمشق ( 6 / 443 ).
21 – الحافظ ابن فهد : سأل الحافظ العراقي ما شذ به ابن تيمية فى التوسل والزيارة .
كتاب الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية .
22 – الحافظ ابن كثير : توسل بقوله ” بمحمد وآله ” – البداية
والنهاية ( 13 / 192 ) .
23 – الحافظ الإمام أحمد : قال فى منسكه الذى كتبه للمروذى : إنه يتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم فى دعائه . حتى ابن تيمية نقله .
24 – الحافظ البيهقي: روى عنه ابن الجوزي فى المنتظم ( 11 / 211 ) من مناقب أحمد بن حرب ” استجابة الدعاء إذا توسل الداعي بقبره ” .
________________________________________
25 – الحافظ الحاكم : من روى تعظيم ابن خزيمة لقبر علي الرضا وتوسل شيوخه بقبر يحيى بن يحيى وقد سبق ذكره وغير ذلك كثيرا .
26 – الحافظ الخطيب البغدادي : توسل بقوله ” بحق محمد ” . الجامع لأخلاق الراوى والسامع ( 2 / 261 ) .
27 – الحافظ الدارمي : باب ما أكرم الله به نبيه ? سنن الدارمى .
28 – الحافظ السخاوي : توسل بقوله ” ووسيلتنا وسندنا “فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقى ( 4 / 410 ) .
29 – الحافظ السلفي : له توسل فى معجم السفر .
30 – الحافظ السيوطي : توسل بقوله ” بمحمد وآله ” الإتقان ( 2 / 502 ) وكتبه طافحة بالتوسل .
31 – الحافظ الطبراني : التوسل عند القبر والشكوى إلى الرسول من الجوع – مروية فى سير أعلام النبلاء ( 16 / 400 ) – كما أنه صحح حديث التوسل بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم .
32 – الحافظ العجلوني: توسل بقوله ” وبخير خلقك لم أزل متوسلاً ” كشف الخفاء ( 2 / 55 ) .
33 – الحافظ العلائي : ألف كتاب فى الرد على ابن تيمية فى موضوع التوسل والزيارة
34 – الحافظ القضاعي : توسل بقوله ” توسلوا به إلى الله ” التكملة لكتاب الصلة ( 2 / 281 ).
35 – المحدث الكلاباذي : توسل بقوله ” وبنبيه أتوسل ” التعرف لمذهب أهل التصوف ( 1 / 21 ) .
36 – الحافظ الكلاعي : صاحب كتاب مصباح الظلام فى المستغيثين بخير الأنام فى اليقظة والمنام ? كشف الظنون ( 2 / 1706 ) .
37 – الحافظ اللكنوي أبو الحسنات : توسل بقوله ” متوسلاً بنبيه ” الرفع والتكميل فى الجرح والتعديل (ص : 27 ) .
38 – الحافظ اللالكائى : ذكر حمزة الهاشمي ” أنا من ذلك الذي استسقى بشيبته عمر”
وما زال يردد ويتوسل بهذه الوسيلة .
________________________________________

متشابه الصفات بين التأويل والإثبات / الشيخ محمد صالح بن أحمد الغرسى

“متشابه الصفات بين التأويل والإثبات”

محمد صالح بن أحمد الغرسى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: فنريد أن نحقق في هذا البحث مسألة صفات الله المتشابهة الواردة في الكتاب والسنة، وقبل الدخول في المسألة لابد أن نقرر أمورا:

الأول: أنَّ النصوص الشرعية إذا كان ظاهرها مخالفاً لصرائح العقول ومقرراتها وجب أن يحكم أن ظاهرها غير مراد.

الثاني: أن النصوص الشرعية منها ما هو محكم ومنها ما هو متشابه كما قال الله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) والنصوص المحكمات هي الأصول الثوابت للإسلام، وأما المتشابهات فترد إلى المحكمات ويحكم بأن ظاهرها غير مراد.

الثالث: أن الكتاب والسنة قد وردا على أساليب اللغة العربية، واللغة العربية كسائر اللغات قد وردت على ثلاثة أنواع من الأساليب: أسلوب الحقيقة، وأسلوب المجاز، وأسلوب الكناية، وذلك لأن كل كلمة من كلمات اللغة العربية قد وضعت لمعنى معين، وكذلك كل مركب منها، وهذه الكلمات والمركبات قد تستعمل في المعنى الذي وضعت له، وقد لا تستعمل فيه، بل تستعمل في معنى يناسب المعنى الذي وضعت له بإحدى المناسبات، وذلك كالأسد قد يستعمل في المعني الذي وضع له وهو الحيوان المفترس المعروف، وقد يستعمل في الرجل الشجاع لمناسبته للحيوان المفترس في الشجاعة، ولمشابهته له فيها. وهذا ما لا ينبغي أن يختلف فيه أحد من العقلاء. فإذا استعمل اللفظ في المعني الذي وضع له سمى في اصطلاح علماء البلاغة بالحقيقة، وإذا استعمل في غير ما وضع له لإحدى المناسبات مع قرينة تدل علي هذا الاستعمال سمي مجازا أو كناية.

الرابع: الكلام على التأويل وبيان معناه، وننقل هنا كلاماً لابن القيم وتعليق تقي الدين السبكي عليه. قال ابن القيم في النونية: التأويل الصحيح هو تفسيره وظهور معناه كقول عائشة: يتأول القرآن. وحقيقة التأويل معناه الرجوع إلي الحقيقة. لا خلف بين أئمة التفسير في هذا. تأويله عندهم تأويله بالظاهر. ما قال منهم شخص واحد: تأويله صرفه عن الرجحان.

قال تقي الدين السبكي تعليقاً علي هذا الكلام: قال الله تعالي في المتشابه: (وما يعلم تأويله إلا الله) فكيف يكون تأويله بالظاهر، والمتشابه لا ظاهر له. وقوله: (ما قال منهم أحد إن التأويل صرف عن الرجحان) كذب، بل خَلْقٌ قالوا به. ويطلق التأويل أيضا علي تدبر القرآن وتفهم معناه.[1]

يقصد الإمام تقي الدين السبكي أن حمل التأويل على معنى التفسير بالظاهر في باب المتشابهات غير صحيح، وذلك لأن المتشابه مدلوله خفي غير واضح، وإلا لما كان متشابها، والظاهر في اللغة يقابل الخفي، فلا يجوز أن يقال في المتشابه الذي هو غاية في الخفاء: إن تأويله تفسيره بالظاهر، فإنه كلام متناقض ينقض نفسه. وأما الظاهر في أصول الفقه فبمعني الراجح من الاحتمالين بالوضع أو بالدليل، وهو من أقسام الواضح المقابل للخفي الذي من أقسامه المتشابه. ويقابل الظاهر المؤول، فلا يتصور اجتماعهما في لفظ أيضا.

وإذا تقرر هذا فنقول: إنه من الأمور المجمع عليها بين علماء المسلمين أن من نصوص الكتاب والسنة ما إذا قطع عن سياقه وسباقه، ولوحظ بالمعنى الذي وضع له في اللغة وهو المعنى الحقيقي كان إما مخالفاً لصرائح العقول، أو مخالفاً للمحكمات من نصوص الكتاب والسنة، أو مخالفاً للقواعد الإسلامية المقررة المأخوذة من الكتاب والسنة. وهذه النصوص هي النصوص المتشابهات المذكورة في الآية الكريمة.

وهذه النصوص المتشابهات قد أجمعت الأمة على سبيل الإجمال على أن معناها الموضوع له ليس بمراد منها. هذا إجماع على سبيل الإجمال، وأما إذا أتينا إلى التفاصيل وإلى جزئيات هذه النصوص فقد يجري فيها الخلاف.

ثم اختلفت الأمة فذهب معظم السلف في معظم هذه النصوص إلى التوقف عند هذا الحد، وهو أن المعنى الموضوع له لهذه النصوص غير مراد، بدون أن يتجاوزوا هذا الحد إلى تعيين المعنى المجازي، أو الكنائي لها، وذلك تورعا منهم، ومخافة أن يفسروا كلام الله تعالى وكلام رسوله على خلاف مرادهما. وهذا يسمى بالتأويل الإجمالي.

وذهب معظم الخلف إلى جواز تأويلها وصرفها إلى معان تناسب المعني الحقيقي لهذه النصوص، وذلك بمعونة القرائن والسياق والسباق والألفاظ المقرونة بها، لكن بدون قطعٍ بالمعنى المؤول به، بل يكون الصرف على سبيل الاحتمال والرجحان. وذلك بشروط.

الأول: أن يكون المعنى الذي حُمِل عليه النص ثابتاً لله تعالى.

الثاني: أن لا يكون حمل النص على المعنى الذي صرف إليه مخالفاً لأساليب اللغة العربية.

الثالث: أن لا يكون مخالفاً لسياق النص بل يكون مناسباً له.

الرابع: أن لا يكون المعنى الذي صرف إليه النص مُشْعِراً بالنقص بالنسبة إلى الله تعالى.

الخامس: أن يكون مُشْعِراً بالعظمة.

وههنا نكتة نبَّه عليها الإمام الغزالي في كتاب (قانون التأويل)-وهو كتاب جديرٌ بالعناية بقراءته- وهي أنه لا يجوز بالنسبة إلى هذه النصوص تفريقُ مجتمِعٍ ولا جمعُ مُتفرِّق، وذلك لأن كل واحد من هذه النصوص في سياقه وسباقه ما يدل علي المعنى المجازي أو الكنائي الذي استعمل فيه، فإذا قطع من سياقه وأفرد عن سابقه ولاحقه فاتت هذه الدلالة، وكذالك إذا جمعت هذه النصوص على صعيد واحد عضدت الظواهر بعضها البعض، فيترجح بقاؤها على ظواهرها المفيد للتشبيه. وذلك كما ألَّف بعضهم مؤلفات فذكر فيها باب ما ورد في العين، وباب ما ورد في اليد، وباب ما ورد في الوجه إلي غير ذلك

وقد قرر قريبا من هذا الكلام الإمام تقي السبكي: حيث قال:

وانظر إلى هذه الصفات التي يثبتها هذا المبتدع لم تجيء قط في الغالب مقصودة، وإنما في ضمن كلام يقصد منه أمرٌ آخر، وجاءت لتقرير ذلك الأمر، وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي صلي الله تعالي عليه وآله وسلم لأنها كانت معقولة عندهم بوضع اللسان وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.

ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك، حتى حدثت البدع والأهواء، فيجيء مثل هذا المتخلِّف بجمع كلمات وقعت في أثناء آيات أو أخبار فهم الموفَّقون معناها بانضمامها مع الكلام المقصود، فجعلها هذا المتخلِّف في أمثاله مقصودة، وبالغ فيها، فأورث الريب في قلوب المهتدين.

وانظر إلى أكثرها لا تجده مقصوداً بالكلام، بل المقصود غيره إما بسياق قبله، أو بسباق بعده، أو يكون المحدث عنه معنى آخر… ويكون ذلك مذكوراً على جهة الوصف المقوِّي لمعنى ما سيق الكلام لأجله. انتهى كلام السبكي.[2]

وتوسَّط الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد بين مذهب السلف والخلف، فقال: نقول في الصفات المشكلة: إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله تعالى. ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريبا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيداً توقفنا عنه، ورجعنا إلى التصديق مع التنـزيه.

وما كان منها معناه ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب حملناه عليه كقوله تعالى: (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) فإن المراد به في استعمالهم الشائع حقُّ الله، فلا يتوقف في حمله عليه، وكذلك قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) فإن المراد به إرادة قلب ابن آدم مصرفة بقدرة الله وما يوقعه فيه، وكذلك قوله تعالى: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) معناه خرب الله بنيانه، وقوله: (إنما نطعمكم لوجه الله) معناه لأجل الله، وقس على ذلك. وهو تفصيلٌ بالغٌ قلَّ من تيقظ له. انتهى.

ولله در ابن دقيق العيد ما أدقَّ نظره وأسدَّه، فإنه إذا كان المعنى المجازي للنص مفهوماً من تخاطب العرب بحيث لا يفهم العربي من ذلك النص إلا المعنى المجازي، كان ذلك النص من قبيل المجاز المشهور والحقيقة المهجورة، فيكون صرفه عن ذلك المعنى المجازي إلحاداً في آيات الله وتحريفاً للكلم عن مواضعه. كيف وكثير من تلك النصوص لو ترجمت ترجمة حرفية إلى لغة أخري لما فهم منها أهل تلك اللغة إلا المعني المجازي، فكيف يجوز إذًا صرفها عن تلك المعاني، وهل نزل القرآن إلا على أساليب اللغة العربية. وذلك كقوله تعالى (تبارك الذي بيده الملك) فإنه لا أحد يفهم منه إلا إثبات الملك لله تعالى، لا إثبات اليد لله، كيف والملك بالضم هو السلطنة، وهو أمر معنوي لا يكون في اليد ولا ملتصقاً بها، وكقوله صلى الله تعلى عليه وآله وسلم: ( إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) لا يفهم منه أحدٌ إلا أن قلوب بني آدم طوع إرادته وقدرته تعالى لا إثبات الإصبعين لله تعالى، كيف ولا يوجد في داخل أحد إصبعان مكتنفان بقلبه وهذا أمر معلوم لكل عاقل.

ومن ذلك قوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)[3] والنسيان بالمعنى الحقيقي محالٌ على الله تعالى قال الله تعالى: (وما كان ربك نسيا)[4] وقال: (قل علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى)[5] فتعيَّن حمل النسيان في الآية الأولى على المعنى المجازي، وهو الترك وعدم المبالاة بهم، وإيكالهم إلى أنفسهم.

ومنه قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى)[6] والأسرى ليست في أيديهم حقيقة، وإنما هم تحت سيطرتهم، وهو المعنى المجازي.

ومنه قول الله تعالى فيما رواه عنه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (عبدي مرضت فلم تعُدني) والمرض على الله تعالى محال، وإنما المراد مرض عبدي كما جاء تفسيره في آخر الحديث وهو المعنى المجازي.

ومنه قول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (اللهم… واغسلنى بالماء والثلج والبرد) رواه مسلم، وليس المراد حقيقية الغسل، بل المراد تنقيته من ذنوبه كما ينقى من الدنس الثوب الذي يغسل بالماء والثلج والبرد.

ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة خلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ) رواه أحمد في المسند، والمراد بالعض على السنة بالنواجذ التزامها وشدة التمسك بها. ولا يتصور المعنى الحقيقي للعض بالنسبة إلى السنة.

إلى غير ذلك مما لا يعد ولا يحصى من نصوص الكتاب والسنة وكلام العرب. فحمل الكلام على المعنى المجازي لقرينة تدل على ذلك هو الذي يسميه الأشاعرة تأويلا، وهو أمر لا مناص منه لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام العرب، ولا في لغة من لغات العالم.

وقد نقل بعضهم كلام ابن دقيق بوجهٍ وجيزٍ محرر، فقال: قال الإمام المجتهد ابن دقيق العيد: إن كان التأويل من المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف، أو من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه، وإن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدم جوازه مسألة فقهية اجتهادية، والأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة إلى الفريقين. انتهى.

وهو كلام نفيس ينبئ عن علمٍ جم، وصراحةٍ في بيان الحق، وتوسطٍ حكيم.

وههنا نريد أن نركز على تحقيق أمرين:

الأول: تحقيق أن السلف قد توقَّفوا عند حدِّ أن المعنى الموضوع له لهذه النصوص غير مراد بدون أن يتجاوزوا هذا الحد إلى تعيين المعنى المجازي أو الكنائي لها. وهذا ما سماه العلماء بالتفويض، وتحقيق هذا إنما يكون بنقل كلام السلف المتعلق بذلك.

فنقول: قال الإمام الحافظ البيهقي: أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن احمد بن بالويه، ثنا محمد بن بشير بن مطر، ثنا الهيثم بن خارجه،ثنا الوليد بن مسلم، قال: سُئِل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه، فقالوا: أمرُّوها كما جاءت بلا كيفية.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنبأ أبو محمد بن حيان الإصبهاني ثنا إسحق بن أحمد الفارسي ثنا حفص بن عمر المهرقاني ثنا أبو داود وهو الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث، ولا يقولون كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر.»[7]

وقال الحافظ: وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.[8]

وقال الإمام الترمذي في سننه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث – حديث الصدقة – وما يشبه هذا من الروايات في الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.[9]

وقال الذهبي: والمحفوظ عن مالك رحمه الله رواية الوليد بن مسلم أنه سأله عن أحاديث الصفات فقال: أمروها كما جاءت بلا تفسير.[10]

وقال الحافظ: وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن الحواري عن سفيان بن عيينة قال: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه.[11]

وقال الترمذي عند الكلام على حديث (يمين الرحمن ملأى سخاء): وهذا حديث قد روته الأئمة، نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم، هكذا قال غير واحد من الأئمة. منهم الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك أنه تروى هذه الأشياء ويؤمن بها فلا يقال: كيف. انتهى.

ونقل ابن أبي يعلى في “طبقات الحنابلة” عن أبي محمد البربهاري شيخ الحنابلة في بغداد تـ329 وكان معاصرا للإمام أبي الحسن الأشعري. أنه قال: وكل ما سمعت من الآثار شيئاً لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله صلي الله تعالى عليه وآله وسلم: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) وقوله:( إن الله ينـزل إلي سماء الدنيا. وينـزل يوم عرفة. وينـزل يوم القيامة) و(إن جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناءه) وقول الله تعالي للعبد (إن مشيتَ إليَّ هَرْوَلْتُ إليك) وقوله: (خلق الله آدم علي صورته) وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: (رأيت ربي في أحسن صورة) وأشباه هذه الأحاديث، فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضاء ولا تفسر شيئا من هذه بهواك، فإن الإيمان بها واجب، فمن فسَّر شيئا من هذا بهواه وردَّه فهو جهمي. انتهي.[12]

وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النـزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنـزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) والنـزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حالٍ إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه جل الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علواً كبيرا. قلت -القائل البيهقي – : وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النـزول الذي هو تَدَلٍّ من أعلى إلى أسفل، وانتقالٍ من فوق إلى تحت، وهذه صفة الأجسام والأشباح.

فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة، وإنما هو خبرٌ عن قدرته تعالى ورأفته بعباده، وعطفه عليهم، واستجابته دعائهم، ومغفرته لهم. يفعل ما يشاء. لا يتوجه على صفاته كيفية، ولا على أفعاله كمية. سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. انتهى كلام البيهقي.[13]

هذه النصوص الواردة عن سلف الأمة -وهي غيض من فيض وقليل من كثير- بعضها ظاهر، وبعضها الآخر صريح في أن السلف كان مذهبهم التفويض. وهو الصرف عن المعنى الحقيقي بدون تعيين للمعنى المجازي أو المعنى الكنائي، فإن ما نقله الذهبي عن الإمام المالك من أنه قال: ( أمروها كما جاءت بلا تفسير) صريح في ذلك. وكذلك ما نقله الحافظ العسقلاني عن سفيان بن عيينة أنه قال: (كل ما وصف به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته، والسكوت عنه)، ومثله كلام البربهاري، وذلك لأنه حكم أولاً بأن هذه النصوص لا تبلغها العقول، ثم حكم بوجوب التصديق والتفويض لها، وعدم تفسيرها. وكذلك ما نقله البيهقي عن أحمد بن عبد الله المزني، وذلك حيث نفى المعنى الحقيقي للنـزول والمجيء بقوله: «والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حالٍ إلى حال»، ثم فوَّض المعني المراد إلي الله تعالى بقوله: «بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه».

وتعبير البربهاري عن كل من المجيء والنزول بالصفة جارٍ على طريقة فريقٍ من السلف منهم الإمام أبو حنيفة في “ الفقه الأكبر “ والإمام أبو الحسن الأشعري في “ الإبانة “ يعبرون عن مثلها بالصفات، فيقولون: يدُ الله صفة له وعينُه صفة له، وهكذا كل ما ورد في الكتاب والسنة مما يكون حمله على حقيقته مفضياً إلى التشبيه المنفي بقوله تعالى (ليس كمثله شيء)، فمن قال من السلف إن العين صفة تبرأ بهذا القول عن القول بالجارحة، بل يكون قائلاً بأن المراد معنى قائمٌ بالله، وكذلك اليد، لكن يقول لا أعين ذلك المعنى المراد، بأن أقول: إنه الحفظ أو القدرة أو النعمة، أو العناية الخاصة، لكون تعيين المراد من بين المحتملات الموافقة للتنـزيه تحكم على مراد الله تعالى.

وتسميته لهما صفتين يدل على أنه جازمٌ بأنهما ليسا من قبيل أجزاء الذات تعالى الله عن ذلك.

وأما من قال: له يدٌ يبطش بها، وعينٌ يرى بها فقد جعلهما من قبيل الجوارح، وخالف السلف الصالح.

نعم قد يقع في كلام من يميل إلى التشبيه ذكر الوجه والعين واليد وغيرها بأنها صفات، لكن السياق والسباق في كلامه يناديان أنهم أرادوا بها أجزاء الذات لا المعاني القائمة بالله تعالى كما يقول السلف. يقول ابن تيمية في “الأجوبة المصرية”: إن الله يقبض السموات والأرض باليدين اللتين هما اليدان. فما يجدي بعد هذا التصريح أن يسمى اليد صفة، وذلك أنه حمل القبض على القبض الحسي، وذلك من لوازم الجارحة والتجسيم.

وأما ما نقله البيهقي عن الخطابي فجارٍ على طريقة التأويل حيث عيَّن المعنى المجازي بقوله: «وإنما هو خبرٌ عن قدرته تعالى ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته دعائهم». وهذا ما ذهب إليه فريق من المحققين كتاج الدين السبكي وسعد الدين التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني من أن هذه النصوص من قبيل الاستعارة المركبة ويسمونها بالاستعارة التمثيلية، وبالتمثيل، ويدل عليه كلام الإمام تقي الدين السبكي الذي أوردناه آنفا.

وأما ما ذهب إليه بعض من يميل إلى التشبيه من أن مذهب السلف في هذه النصوص هو بقاؤها على معانيها الحقيقية مع نفي الكيفية عنها. فهذا القول مخالفٌ لصريح كلام السلف. ثم إنه كلام فاسد في نفسه ومتناقض.

وذلك لأن المعاني الحقيقية لهذه النصوص هي المعاني المعروفة المُكيَّفة. فالقول ببقائها على معانيها الحقيقية مع نفي الكيفية عنها كلام متناقض ينقض نفسه بنفسه.

قال الإمام تقي الدين السبكي في معرض الرد على من قال إن هذه النصوص مع بقائها على معانيها الحقيقية هي أوصاف وليست عبارة عن الأجزاء والجوارح : قال: وهذه الأشياء التي ذكرناها «من الوجه، واليد، والساق، والقدم، والجنب، والعين» هي عند أهل اللغة أجزاء لا أوصاف، فهي صريحة في التركيب للأجسام، فذكر لفظ الأوصاف تلبيس، وكل أهل اللغة لا يفهمون من الوجه، والعين، والقدم إلا الأجزاء، ولا يفهم من الاستواء بمعنى القعود إلا أنه هيئة المتمكن، ولا من المجيء والإتيان والنـزول إلا الحركة الخاصة بالجسم.

وأما المشيئة والعلم والقدرة ونحوها فهي صفات ذات، وهي فينا ذات أمرين:

أحدهما :عرض قائم بالجسم، والله تعالى منـزه عنه

والثاني: المعاني المتعلقة بالمراد والمعلوم والمقدور، وهي الموصوف بها الرب سبحانه وتعالى، وليست مختصة بالأجسام. فظهر الفرق. انتهى.[14]

فالقول بأن هذه النصوص باقيةٌ على معانيها الحقيقية يلزمه التجسيم لزوماً بينا، ولا ينجي صاحبه من التجسيم القول بنفي الكيفية، ولا القول بأنها صفات وليست عبارة عن الجوارح والأبعاض، لأنه بعد القول ببقائها على معانيها الحقيقية لم يبق معنى للقول بنفي الكيفية ولا للقول بأنها صفات. وحينئذ ينطبق على هذا القول ما قاله الإمام فخر الدين الرازي حيث قال: من قال: إنه مركب من الأعضاء والأجزاء فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن، ولا يزيد عليها أو لا، فإن كان الأول لزم إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح، لأنه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا رقعة الوجه لقوله تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه)[15] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله تعالى: (تجري بأعيننا)[16] وأن يثبت له جنبا واحدا لقوله تعالى: (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله)[17] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى: (مما عملت أيدينا أنعاما)[18] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (وكلتا يديه يمين) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)[19] فيكون الحاصل من هذه الصورة مجرد رقعة الوجه، ويكون عليها عيون كثيرة وجنب واحد ويكون عليها أيدي كثيرة وساق واحد.

ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور، ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحدٌ في شرائه. فكيف يقول عاقل: إن رب العلمين موصوف بهذه الصورة؟

وإن كان الثاني وهو أن لا تقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن بل يزيد وينقص على وفق التأويلات، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر، ولا بد له من قبول دلائل العقل. انتهى.[20]

فالحق هو التوسط بين الظاهرية والغلو في التأويل . قال الإمام ابن عقيل الحنبلي: هلك الإسلام بين طائفتين: الباطنية والظاهرية، والحق بين المنـزلتين. وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم يصرف عنه دليل، ونرفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع.

الأمر الثاني: بيان أن التأويل ليس خاصاً بمذهب الخلف، وبيان أن فريقاً من سلف الأمة قد أوَّل مجموعةً من النصوص إما لمخالفته لصرائح العقول، أو لمخالفته للنصوص المحكمات.

وذلك لأن أصل التأويل أمرٌ ضروري لا بد منه، فإن من النصوص ما لا يمكن حمله على المعنى الذي وضع اللفظ له إما لمخالفتها لصرائح العقول، أو لمخالفتها للنصوص المحكمات، وقد اقترن به قرينة تعيِّن المعنى المستعمل فيه المناسب للمعنى الموضوع له، فمثل هذه النصوص لا وجه للتوقف فيها، ويتعين حملها على المعاني التي تعيِّنها القرائن، وهذا هو معنى قول الإمام ابن دقيق العيد السابق: «وما كان منها –أي من النصوص – معناه ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب حملناه عليه، كقوله تعالى : (على ما فرطت في جنب الله) فإن معناه في استعمالهم الشائع: حق الله، فلا يتوقف في حمله عليه» إلى آخر كلامه.

فالتأويل قد يكون متعينا، كما قد يكون جائزا، وقد يكون ممتنعا، وقد ذكرنا شرائطه آنفا.

وقد غلا في باب التأويل فريقان: فريق غلق باب التأويل وسد الطريق على العقل، وهم المشبهة ظاهرية العقيدة، وفريق آخر غلا في التأويل، وقلد المعتزلة في تأويلاتهم التي بدَّعهم السلف من أهل السنة من أجلها، وهم كثير من متأخري الأشاعرة، وخير الأمور أوسطها وهو ما ذهب إليه الإمام ابن دقيق العيد.

ومن أجل أن أصل التأويل أمرٌ ضروري لابد منه أوَّل فريقٌ من سلف الأمة بما فيهم بعض الصحابة والتابعين مجموعة من نصوص الكتاب والسنة وإليك مجموعة من هذه التأويلات.

تأويل حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما:

أوَّل ابن عباس قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)[21] فقال: يكشف عن شدة، فأوَّل الكشف عن الساق بكشف الشدة، نقل ذلك عنه بسند صحيح الحافظ العسقلاني.[22] والإمام الطبري في تفسيره.[23] وقال في صدر كلامه على هذه الآية: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد. فنسب التأويل إلى جماعة من الصحابة والتابعين.

وأوَّل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الأيدي في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)[24] بالقوة نقله الطبري في التفسير[25] ونقل هذا التأويل عن جماعة من أئمة السلف منهم مجاهد وقتادة ومنصور وابن زيد وسفيان، فاليد مفرداً كان أو مثنى كما في قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) أو جمعاً كما هنا يفسر بالقوة والقدرة مفردا. ولا يفسر المثنى بالقدرتين ولا الجمع بالقدرات كما قيل، فقد ورد في حديث يأجوج ومأجوج: (لا يدان لأحد بهم) ومعناه لا قوة لأحد بقتالهم ومقاومتهم.

وأوَّل ابن عباس رضي الله عنهما النسيان الوارد في قوله تعالى (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا )[26] بالترك في العذاب. نقله الطبري في تفسيره[27] وروى هذا التأويل بأسانيده عن مجاهد وغيره.

تأويل الإمام احمد:

روي الأمام البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد وهو كتاب مخطوط وعنه نقل الحافظ ابن الكثير في البداية والنهاية: فقال: روي البيهقي عن الحاكم عن أبي عمر بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قوله تعالي:

( وجاء ربك) أنه جاء ثوابه، ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه.[28]

وقال ابن كثير: ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) قال: يحتمل أن يكون تنـزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه هو المحدث.[29]

تأويل الإمام النضر بن شميل:

وهو الإمام الحافظ اللغوي من رجال الستة. ولد 122هـ ذكر الحافظ الذهبي في الأسماء والصفات أن النضر بن شميل قال: إن معنى حديث: (حتى يضع الجبار قدمه فيها) من سبق في علمه أنه من أهل النار.[30]

تأويل الإمام سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه.

ذكر الذهبي أن معدان سأل الإمام الثوري عن قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) فقال: علمه، وسئل سفيان عن أحاديث الصفات، فقال: أمروها كما جاءت.[31]

تأويل الإمام عبد الله ابن مبارك.

روى البخاري عن صفوان بن محرز عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما أنا أمشى معه إذ جاء رجل فقال: يا ابن عمر كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في النجوى؟ قال: سمعته يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه…ثم قال البخاري: قال ابن المبارك: كنفه يعنى ستره. رواه البخاري في خلق أفعال العباد[32] ونقله الحافظ في “فتح الباري”.[33]

تأويل الإمام الترمذي:

روى الترمذي في جامعه الحديث المشهور: (أنا عند ظن عبدي بي…. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث (من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا) يعنى بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه: يقول: إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت، تسارع إليه مغفرتي ورحمتي.[34]

هذه نماذج من تأويل السلف للنصوص، واستقصائه يتعسر أو يتعذر من كثرته.

وما ذكرناه هنا هو حاصل مذاهب علماء الأمة وأئمتها من السلف والخلف في باب الصفات وباب التأويل محققا ًمحررا.

والله تعالى يتولى هدانا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[1] السيف الصقيل 158.

[2] السيف الصقيل169.

[3] التوبة 67.

[4] مريم 64.

[5] طه 52.

[6] الأنفال 70.

[7] السنن الكبرى 3/2.

[8] فتح الباري 13/342.

[9] 598.

[10] سير أعلام النبلاء 8/105.

[11] فتح الباري 13/343.

[12] طبقات الحنابلة 2/23.

[13]السنن الكبرى 3/3

[14] السيف الصقيل 167.

[15] القصص 88.

[16] القمر 14.

[17] الزمر 56.

[18] يس 71.

[19] القلم 42.

[20] مفاتيح الغيب 7/148.

[21] القلم 42.

[22] فتح الباري 13/428.

[23] 29/38.

[24] الذاريات 47.

[25] 27/7.

[26] الأعراف 15.

[27] 8/201.

[28] البداية والنهاية 10/327.

[29] البداية والنهاية 10/327.

[30] 444.

[31] سير أعلام النبلاء 7/274.

[32] 78.

[33] 13/477.

[34] تحفة الأحوذي 10/64.

Published in: on يوليو 17, 2009 at 8:59 ص  اكتب تعليقُا  

الكتاب : إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة المؤلف : السيد العلامة عبد الله بن الصديق الغماري الحسيني

مصدر الكتاب : موقع سفينة النجاة http://www.safeena.org

و يليه للمؤلف :
حسن التفهم والدرك لمسئلة الترك

و معه :
توضيح البيان لوصول ثواب القرءان
سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة
سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة لمن شاء
________________________________________
عبد الله الغماري.. بقية السلف الصالح
(في ذكرى وفاته: 19 من شعبان 1413هـ)
أحمد تمام
في بيت كريم من بيوتات المغرب ولد عبد الله بن محمد الغماري سنة (1328هـ = 1910م)، ونشأ في أسرة ذات علم وفضل؛ فالوالد واحد من كبار محدثي المغرب، وله زاوية معروفة بـ”الزاوية الصديقية”، كانت تُلقى فيها دروس الحديث والفقه واللغة، والأخ الأكبر له محدّث معروف ، وكان الوالد الشيخ أول من تعهد ابنه بالرعاية والتربية والتعليم والتثقيف؛ فحفظه القرآن الكريم وعدة متون تعليمية في الفقه والحديث واللغة، مثل: متن الآجرومية في النحو، ومختصر خليل في الفقه المالكي، وبلوغ المرام من أدلة الأحكام.
وبعد هذه الدراسة الأولية انتقل إلى “فاس”؛ حيث درس الحديث والفقه والنحو على شيوخها وعلمائها، ثم دخل “جامعة القرويين” للدراسة بها، ثم عاد إلى “طنجة”، وانتظم في حضور دروس الزاوية الصديقية، وحضر دروس والده، وفي تلك الفترة المبكرة من عمره ظهرت آيات نبوغه وذكائه؛ فوضع شرحا لمتن الآجرومية، باسم “تشييد المباني لتوضيح ما حوته الآجرومية من الحقائق والمعاني”. والآجرومية متن في النحو، جمع فيه مؤلفه “ابن آجروم” بإيجاز شديد ما ينبغي للمبتدئ معرفته من أبواب النحو، وقد اشتهر هذا الكتاب حتى أصبح أساسا للدراسات النحوية للناشئين.
الرحلة إلى القاهرة :
وبعد أن أتقن “الغماري” دروسه، وبرع الحديث شدّ الرحال إلى القاهرة في سنة (1349هـ = 1930م)، وكانت مصر تشهد نهضة أدبية وفكرية سبقت بها العالم العربي، وجذبت إليها أعلام النهضة؛ فأصبحت مجمعا للفنون والعلوم والآداب، وكان الأزهر الكريم يشمخ بكلياته الثلاث التي أُنشئت، وهي: الشريعة، واللغة العربية، وأصول الدين، ويفخر بعلمائه الفحول وشيوخه العظام.
التحق “الغماري” بالأزهر ودرس به، واتصل بعلمائه، وتوثقت صلته ببعضهم، ثم تقدم لنيل عالمية الأزهر في خمسة عشر فنا، فوُفِّق في الحصول عليها، ونال شرف الانتساب إلى الأزهر.
وفي فترة إقامته بالقاهرة تردد على عدد من شيوخ مصر، وروى عنهم من أمثال: “محمد بخيت المطيعي”، وهو من أفذاذ علماء الأزهر، وقد تولى منصب الإفتاء، والشيخ “عبد المجيد اللبان” أول من تولى مشيخة كلية أصول الدين، و”محمد حسنين مخلوف”، وفي الوقت نفسه كان الغماري يدرس الحديث بالرواق العباسي في الجامع الأزهر، فالتف حوله طلبة الشهادة العالمية، وانتفعوا بعلمه كثيرًا.
في مجال الدعوة
ولم تقتصر جهود الشيخ “الغماري” على التدريس لطلبة العلم في مصر، بل اتجه إلى ميدان أفسح، يتصل فيه بعامة الناس، ويرد على أسئلتهم، ويحل قضاياهم ومشكلاتهم؛ فكانت له محاضرات في الجمعيات الإسلامية مثل جمعية: “العشيرة المحمدية”، و”جمعية الهداية الإسلامية”، وجماعة “أنصار السلف الصالح”، وجماعة “الإخوان المسلمين”، وكانت له صلة بمؤسسها الإمام “حسن البنا” ووالده الشيخ “أحمد عبد الرحمن البنا”، وقد كان الشيخ عبد الرحمن البنا من كبار المشتغلين بالسنة النبوية، وله فيها مساهمات مشكورة وجهود محمودة، وقد أخرج للناس كتابه المعروف “الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحد بن حنبل الشيباني”. كما ألقى محاضرات للنساء في جمعية “السيدات المسلمات” التي أنشأتها الداعية المعروفة “زينب الغزالي”، وإلى جانب الدروس والمحاضرات كان يكتب المقالات التي تتناول الحديث وعلومه.
وفي هذه الفترة كان يفد إلى مصر كبار الأئمة من العالم الإسلامي؛ إما للسكنى والإقامة، وإما للزيارة والرحلة، وكانت القاهرة قبلة العلم ومأوى العلماء، فانتهز الغماري فرصة وجودهم بالقاهرة، واتصل بهم وروى عنهم؛ مثل الشيخ: “محمد زاهد الكوثري” وكيل المشيخة العثمانية ومن أفذاذ العلماء، وقد استوطن القاهرة بعد سقوط الخلافة العثمانية، والتف حوله التلاميذ من القاهرة، وكان واسع الرواية كثير الشيوخ. والشيخ “محمد الخضر حسين”، وهو تونسي الأصل أقام بالقاهرة، وكان من أعضاء المجمع اللغوي، وتولى مشيخة الأزهر بعد ذلك. والملك “إدريس السنوسي” ملك ليبيا، وكان مقيما بالقاهرة. والشيخ “الطاهر بن عاشور” و”يوسف النبهاني” و”بدر الدين الحسني”، و”محمد راغب الطباخ”… وغيرهم.
________________________________________
محنة الشيخ:
وفي أثناء إقامته بالقاهرة لم ينقطع عن تأليف الكتب والرسائل، وتحقيق الكتب النفيسة في علم الحديث عن علم وبصيرة وقدرة وتمكن، تمده ثقافة واسعة، وإحاطة عميقة بعلوم الحديث، ولم يكن مبالغًا المحدثُ الشيخ “عبد الوهاب عبد اللطيف” حين وصف صديقه “الغماري” في مقدمة تحقيقه لكتاب “المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة” للسخاوي، فقال: “وفضيلة الأستاذ المحدث قد وُهب قريحة وقَّادة، وحافظة قوية، وبصيرة نفاذة، قلما تجد في هذا الباب مثله، وسترى فيما يمر عليك من تعليقاته أنه حرر ما فات المؤلف تحريره، وأكمل ما بيض له المصنف…”
وظل الشيخ موضع تقدير من علماء مصر حتى تعرض لمحنة عصيبة في أواخر الخمسينيات، وكانت رياح الاستبداد تعصف بالمخلصين من الرجال في الحقبة الناصرية، ولم يسلم من أذاها نفر من خيرة رجال مصر علما وخلقا، وكان الناس يؤخذون بالظنة والشبهة؛ فيُلقى بهم في غياهب السجون، وكانت تهمة الانتساب إلى جماعة “الإخوان المسلمين” تكفي لأن يُلقى صاحبها في السجن، ولم يكن السن أو المكانة العلمية درعا يحمي صاحبه من وطأة الطغيان، ولم يسلم الشيخ الجليل “عبد الله الغماري” من هذه المحنة، ولم يشفع له علمه وسنُّه، فألقي في السجن في (14 من جمادى الآخرة 1379هـ = 15 من ديسمبر 1959م)، وظل حبيسًا إحدى عشرة سنة، فأفرج عنه في (16 من شوال 1389هـ = 26 من ديسمبر 1969م)، وخرج من السجن ليقوم بما كان يتولاه من قبل من التأليف والتدريس.
وقد حضرت للشيخ دروسه في القاهرة، في مسجد “محمود” في أواخر السبعينيات، وكان رجلا بهيَّ الطلعة، يرتدي الزي المغربي المعروف، على وجهه نور الحديث، وأثارة من السلف الصالح، وقرأ علينا بعضًا من كتاب “موطأ الإمام مالك”، و”شمائل النبي” للترمذي، وقد قرأ عليه جماعة كبيرة من أهل العلم، وأجازهم برواياته ورواية مؤلفاته على عادة المحدثين.
مؤلفاته
للشيخ مؤلفات كثيرة في الفقه والحديث، تزيد عن مائة كتاب ورسالة أشهرها:
- الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين.
- الفتح المبين لشرح الكنز الثمين.
- الأربعون الصديقية في مسائل اجتماعية.
دلالة القرآن المبين على أن النبي صلى الله عليه وسلمأفضل العالمين.
- فتح الغني الماجد بحجة الخبر الواحد.
- تمام المنة ببيان الخصال الموجبة للجنة.
- بدع التفاسير.
- جواهر البيان في تناسب سور القرآن.
- أوضح البرهان على تحريم الخمر والحشيش في القرآن.
وكانت له مشاركة جيدة في إخراج نفائس كتب الحديث وتحقيقها مثل: “المقاصد الحسنة” للسخاوي، و”بلوغ المرام من أدلة الأحكام” لابن حجر العسقلاني، و”مسند أبي بكر الصديق” لجلال الدين السيوطي، و”الاستخراج لأحكام الخراج” لابن رجب الحنبلي.
وفاته
أقام الشيخ الجليل الفترة الأخيرة من حياته في “طنجة”، وإن لم يقطع صلته بالقاهرة، يفد إليها من حين إلى آخر، ومرض في آخر أيامه، وتوفي في “طنجة” في (19 من شعبان 1413هـ = 12 من فبراير 1993م)، ودُفن بجوار والده.
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله بديع السموات والأرض، ذي الجلال والإكرام والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جاء بالسنة والفرض، وبين الحلال والحرام. ورضي الله عن ءاله الكرام، وصحابته الأعلام.
هذا جزء حررت فيه معنى البدعة، وذكرت أنواعها، وبينت حسنها [وسيئها] وحسبما اقتضته الأدلة، في إطار القواعد الأصولية، ناكبا عن طريق التزمت الممقوت، طارحا للتساهل المرذول.
وبالله أستعين فهو الموفق المعين.
خادم الحديث والسنة
عبد الله بن الصديق الغماري الحسيني
أبو الفضل
________________________________________
قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء وإقتداء، وإذا استعمل في الله تعالى، فهو ايجاد الشيء بغير ءالة ولا مادة ولا زمان ولا مكان، وليس ذلك إلا لله. والبديع يقال للمبدع نحو قوله: {بديع السموات والأرض} ويقال للمبدَع -بفتح الدال – نحو ركية بديع. وكذلك البدع، يقال لهما جميعا بمعنى الفاعل والمفعول. وقوله تعالى: {قل كنت بدعا من الرسل} قيل معناه مبدعا لم يتقدمني رسول، وقيل: مبدعا فيما أقوله. والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة، [وأمثالها] المتقدمة، وأصولها المتقنة، وروي: “كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار” اهـ.
وقال ابن الأثير في النهاية: البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو في حيز الذم والإنكار.
وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو في حيز المدح. وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء، وفعل المعروف، فهو في الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابا، فقال: “من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها” وقال في ضده: “ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها” وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به، أو رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه: “نعمت البدعة هذه”؛ لما كانت من أفعال الخير، وداخلة في حيز المدح، سماها بدعة ومدحها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهم، وإنما صلاَها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها. ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر جمع الناس عليها وندبها إليها، فبهذا سماها بدعة، وهي على الحقيقة سنة. لقوله صلى الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي” وقوله: “اقتدوا [بالذين] من بعدي أبي بكر وعمر” وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر: “كل محدثة بدعة”.
إنما يريد: ما خلف أصول الشريعه ولم يوافق السنة اهـ.
وقال الفيومي في المصباح: أبدع الله تعالى الخلق إبداعا خلقهم لا على مثال وأبدعت الشيء وابتدعته، استخرجته وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة بدعة، وهي اسم من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع. ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين، أو زيادة لكن قد يكون بعضها غير مكروه، فيسمى بدعة مباحة، وهو ما شهد لجنسه أصل في الشرع، أو اقتضته مصلحة يندفع بها مفسدة، كاحتجاب الخليفةعن أخلاط الناس اهـ.
________________________________________
وفي القاموس وشرحه: البدعه بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال ومنه الحديث: “إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة” أو هي ما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء والأعمال، وهذا قول الليث، وقال ابن السكيت: البدعة كل محدثة اهـ.
ثم نقل الشارح كلام النهاية، كما سبق.
يستخلص مما سبق أن كل محدثة بدعة، في اللغة والشرع وأن البدعة في عرف الشرع نوعان محمودة ومذمومة.
من المعلوم بالضرورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المباحات، لأنها كثيرة، لا يستطيع بشر أن يستوعبها عدا، فضلا عن أن يتناولها.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان زاهدا متقللا، ويترك ما زاد على ذلك.
فم زعم تحريم شيء بدعوى [أن] النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله فقد ادعى ما ليس عليه دليل، وكانت دعواه مردودة.
وفي الصحيحين عن خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة، فأتى بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقيل: هو ضب يا رسول الله فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: “لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه” قال خالد: فاجتررته فأكلته، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر.
وفي الحديث دليل للقاعدة الأصوليه: أن ترك الشيء، لا يقتضى تحريمه قد يقال: سؤال خالد، يدل على خلاف القاعدة. وهو أن الترك يقتضي التحريم وقد استدل به بعضهم لذلك.
فيقال في جوابه: لما رأى خالد اعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب بعد أهوى إليه ليأكل منه، حصل عنده شبهة في تحريمه، فلذلك سأل. وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم له، مؤيدا للقاعدة، ومؤكدا لعمومها في أن ترك الشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يفيد تحريمه وفي الحديث دليل أيضا على أن استقذار الشيء لا يحرمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقذر الضب وعافه، ولم يحرمه.
________________________________________
ومن المعلوم ايضا بالضرورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات، لاشتغاله بمهام عظام، استغرقت معظم وقته: تبيلغ الدعوة، ومجادلة المشركين والكتابين، وجهاد الكفار، لحماية بيضة الإسلام، وعقد معاهدات الصلح والأمان والهدنة وإقامة الحدود، وإنفاذ السرايا للغزو وبعث العمال بجباية الزكاة، وتبليغ الأحكام، وغير ذلك مما يلزم لتأسيس الدوله الإسلامية، وتحديد معالمها، بل ترك صلى الله عليه وسلم بعض المندوبات عمدا، مخافة أن تفرض على أمته، أو يشق عليهم إذا هو فعله.
ولأنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالنصوص العامة الشاملة للمندوبات بجميع أنواعها منذ جاء الإسلام، إلى قيام الساعة، مثل: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} وجاءت الأحاديث النبوية، على هذا المنوال، وسنذكر بعضها بحول الله تعالى فمن زعم في فعل خير مستحدث، أنه بدعة مذمومة، فقد أخطأ وتجرأ على الله ورسوله حيث ذم ما ندب [الله ورسوله] إليه، في عموميات الكتاب والسنة.
روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: “إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة”.
________________________________________
قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: “وكل بدعة ضلالة” هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع، قال أهل اللغة: هي كل شيء عمل غير مثال سابق. قال العلماء البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرّمة ومكروهة فمن الواجبة نظم أدلّة المتكلمين، للرّد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك. ومن المباح [التبسّط] في ألوان الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران فإذا عرف ما ذكرته، علم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الوارده، ويؤيدها قول عمر رضي الله عنه نعمة البدعة، ولا يمنع من كون الحديث [عام مخصوص] قوله: “كل بدعة”، مؤكدا بـ”كل”، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تدمر كل شيء} اهـ.
في حديث العرباض بن سارية، قول النبي صلى الله عليه وسلم: “وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة” رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم.
قال الحافظ بن رجب في شرحه: “والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعه يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة” اهـ.
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: “إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد صلّى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها”.
قال الحافظ بن حجر والمحدثات بفتح الدال جمع محدثه، والمراد بها ما أحدث وما ليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال، يسمى بدعة سواء كان محمودا او مذموما اهـ.
قلت: ما أحدث وله أصل في الشرع يشهد له يسمى سنة حسنة، كذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم ومقابله يسمى بدعة، كما يسمى سنة سيئة.
________________________________________
وروى أبو نعيم عن ابراهيم بن الجنيد، قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان بدعة محمودة، وبدعة مذمومة.
فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم.
وروى البيهقي في مناقب الشافعي عنه، قال: المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنةً أو أثرا أو إجماعا، فهذه بدعة الضلالة.
وما أحدث من الخير لا خلاف فيه في واحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر في قيام رمضان: نعمة البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت، ليس فيها رد لما مضى.
وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: وأما قوله في حديث العرباض: “فإن كل بدعة ضلالة” بعد قوله: “وإياكم ومحدثات الأمور” فإنه يدل على أن المحدث يسمى بدعة وقوله: “كل بدعة ضلالة” قاعدة شرعية كلية، بمنطوقها [ومفهومها]. أما منطوقها فكأن يقال: حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة، فلا تكون من الشرع، لأن الشرع كله هدى فإن [ثبت] أن الحكم المذكور بدعة، صحة المقدمتان وأنتجتا المطلوب.
والمراد بقوله: “كل بدعة ضلالة” ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام اهـ.
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: البدعة بكسر الباء، في الشرع، هي إحداث ما لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمه إلى حسنة وقبيحة.
قال الشيخ الإمام المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه من أنواع العلوم وبراعته أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه، في ءاخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب، فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب، فمندوبة، أو المكروهة فمكروهة، أو المباح فمباحة.
________________________________________
وللبدع الواجبة أمثلة، منها الاشتغال بعلم النحو الذي يُفهم به كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب، لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة، الثالث: تدوين أصول الدين وأصول الفقه، الرابع: الكلام في الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم. وقد دلّت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية، في ما زاد عن المتعين، ولا يأتي ذلك إلا بما ذكرناه. وللبدع المحرمة أمثله منها مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف، وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال [إن] قصد بذلك وجه الله تعالى.
وللبدع المكروهة أمثلة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف و[البدع] المباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيد من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله ءاخرون من السنة المنقولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة اهـ.
وكذا نقله الحافظ في الفتح وسلّمه وهو حقيق بالتسليم.
________________________________________
يعلم مما مر: أن العلماء متفقون على انقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة، وأن عمر رضي الله عنه أول من نطق بذلك. ومتفقون على أن قول النبي صلى الله عيه وسلم: “كل بدعة ضلالة” عام مخصوص. ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا الشاطبي صاحب الاعتصام، فإنه أنكر هذا الانقسام، وزعم أن كل بدعة مذمومة، لكنه اعترف بأن من البدع ما هو مطلوب وجوبا أو ندبا، فجعله من قبيل المصلحة المرسلة، فخلافه لفظي يرجع إلى التسمية. أي أن البدعة المطلوبة، لا تسمى بدعة حسنة، بل تسمى مصلحة.
قال الامام الشافعي: “كل ما له مستند من الشرع، فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به، قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لِما هو أفضل منه، أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به” اهـ.
وقال الإمام ابن لب، في الرد على من كره الدعاء عقب الصلاة: غاية ما يستند اليه منكر الدعاء أدبار الصلوات: أن إلتزامه على ذلك الوجه، لم يكن من عمل السلف وعلى تقدير صحة هذا النقل فالترك ليس بموجب لحكم في ذلك المتروك، إلا جواز الترك وانتفاء الحرج فيه وأما تحريم أو لصوق كراهية بالمتروك فلا، ولا سيما فيما له أصل جملي متقرر من الشرع كالدعاء اهـ.
وقال ابن العربي: “ليست البدعة والمحدث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معناهما، وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى الضلالة” اهـ.
الدليل لما اتفق عليه العلماء من تخصيص حديث: “كل بدعة ضلالة” عدّة أحاديث:
الحديث الأول:
روى مسلم والنسائي وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء”.
________________________________________
قال النووي: فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من الأباطيل والمستقبحات. وفي هذا الحديث تخصيص لقوله صلى الله عليه وسلم: “كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة” وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومه اهـ.
وقال السندي في حاشية ابن ماجة: قوله: “سنّة حسنة” أي طريقة مرضية يقتدي بها، والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها اهـ.
الحديث الثاني:
روى بن ماجة بإسناد صحيح عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من استنّ خيرا [فاستنّ] به كان له أجره كاملا ومن أجور من استنّ به، لا ينقص من أجورهم شيئا ومن استنّ سنة سيئة فاستنّ به فعليه وزره كاملا ومن أوزاره الذي استن به لا ينقص من أوزارهم شيئا”.
الحديث الثالث:
روى ابن ماجة عن أبي [جحيفة] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سنّ سنة حسنة فعمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سنّ سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا” إسناده جيد.
الحديث الرابع:
روى أحمد والبزّار والطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن حذيفه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سن خيرا فاستنّ به كان له أجره ومن أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا ومن سنّ شرا فاستنّ به كان عليه وزره ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا”.
الحديث الخامس:
روى الطبراني بإسناد حسن أيضا عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من سنّ سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك ومن سنّ سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ومن مات مرابطا في سبيل الله جرى عليه عمل الرابط حتى يبعث يوم القيامة”.
________________________________________
فهذه الأحاديث تصريح بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة فالحسنة هي التي توافق أصول الشرع، وهي وإن كانت محدثة باعتبار شخصها، فهي مشروعة باعتبار نوعها لدخولها في قاعدة شرعية، او عموم ءاية او حديث، ولهذا سميت حسنة وكان أجرها يجري على من سنّها بعد وفاته.
والسيئة هي التي تخالف قواعد الشرع وهي مذمومة، [والبدعة الضلالة]. قال الأبيّ في شرح مسلم: ويدخل في السنة الحسنة البدع المستحسنة كقيام رمضان والتحضير في المنار إثر فراغ الأذان وعن أبواب الجامع وعند دخول الإمام [والتصبيح] عند طلوع الفجر، كل ذلك من الإعانة على العبادة التي يشهد الشرع باعتبارها. وقد كان علي وعمر يوقظان الناس لصلاة الصبح بعد طلوع الفجر واتفق أن إمام الجامع الأعظم بتونس، وأظنه البرجيني، حيث أتى ليدخل الجامع، سألته امرأة ان يدعو لأبنها الأسير، وكان المؤذنون حينئذ يحضرون في المنار، فقال لها: ما أصاب الناس في هذا يعني التحضير أشدّ من أسر ابنك، فكان الشيخ -يعني ابن عرفة- ينكر ذلك، ويقول: ليس إنكاره بصحيح، بل التحضير من البدع المستحسنة التي شهد الشرع باعتبارها ومصلحتها ظاهرة، قال وهو إجماع من الشيوخ إذ لم ينكره، قيام رمضان والاجتماع على التلاوة، ولا شك أنه لا وجه لإنكاره إلاّ كونه بدعة، ولكنها مستحسنة، ويشهد لاعتبارها الأذان والإقامة فإن الأذان للإعلام بدخول الوقت، والإقامة بحضور الصلاة، وكذلك التحضير هو إعلام بقرب حضور الصلاة اهـ.
[ويجب أن ننبه] عل