المنحة الوهبية في ر د الو هابية
جمع الفقير الى ربه العلى القدير داوود بن السيد سليمان
البغدادي النقشبندي الخالدي عفى الله عنه و عن اسلافه آمين
و يليها
كتاب اشد الجهاد في ابطال دعوى الاجتهاد
ايضا للعلامة المتقدم اعنى شيخ الاسلام الشيخ داوود عليه رحمة الودود
توفي سنة ١٢٩٩ ه. [ ١٨٨١ م.] في بغداد
قد اعتنى بطبعه طبعة جديدة بالأوفست
وقف الإخلاص
يطلب من مكتبة الحقيقة بشارع دار الشفقة بفاتح ٥٧ استانبول-تركيا
هجري قمري هجري شمسي ميلادي
٢٠٠٠ ١٣٧٩ ١٤٢١
من اراد ان يطبع هذه الرسالة وحدها او يترجمها الى لغة اخرى فله من الله الاجر الجزيل و منا
الشكر الجميل و كذلك جميع كتبنا كل مسلم مأذون بطبعها بشرط جودة الورق و التصحيح
- ٢ -
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (خيركم من تعّلم القرآن و عّلمه) و
قال ايضا (خذوا العلم من افواه الرجال).
و من لم تتي سر له صحبة الصالحين وجب له ان يذ ّ كر كتبا من تأليفات عالم
صالح و صاحب إخلاص مثل الإمام الرباني ادد للألف الثاني الحنفي و السيد عبد
الحكيم الارواسي الشافعي و احمد التيجاني المالكي و يتعلم الدين من هذه الكتب و
يسعى نشر كتب أهل السنة بين الناس و من لم يكن صاحب العلم أو العمل أو
الإخلاص و يدعي أنه من العلماء الحق و هو من الكاذبين من علماء السوء. و اعلم ا ّ ن
( علماء أهل السنة هم المحافظون الدين الإسلامي وأما علماء السوء هم جنود الشياطين.( ١
٣٦٧ و , ١) لاخير في تعّلم علم مالم يكن بقصد العمل به مع الإخلاص (الحديقة الندية ج: ١ ص: ٣٦٦ )
٥٩ من اّلد الأ ول من المكتوبات للإمام الرباني ا دد للألف الثاني ق دس سره ,٤٠ , المكتوب ٣٦
تنبيه: إ ّ ن ك ّ لا من دعاة المسيحية يسعون الى نشر المسيحية و الصهاينة اليهود
يسعون الى نشر الادعاءات الباطلة لحاخاماا و كهنتها و دار النشر – الحقيقة – في
استانبول يسعى الى نشر الدين الاسلامي و إعلائه اما الماسونيون ففي سعي لإمحاء و
ازالة الاديان جميعا فاللبيب المنصف المتصف بالعلم و الادراك يعي و يفهم الحقيقة و
يسعى لتحقيق ما هو حق من بين هذه الحقائق و يكون سببا فى إنالة الناس كافة
السعادة الابدية و ما من خدمة اج ّ ل من هذه الخدمة اسديت الى البشرية.
Baskı: İhlâs Gazetecilik A.Ş: İstanbul Tel: 0.212.454 30 00
- ٣ -
بسم الله ال رحمن ال رحيم
أحمد الله اّلذي اذل البدعة و اهلها و اعز ال سنة و من استأهلها فقيض لها في
كل زمان طايفة لا يضرها من خذلها مسلطة سيوف الادلة على من حرف الشريعة او
بدلها و اصلى و اسلم على سيدنا مح مد صاحب ال سنة السنية الدافع بصولته جيشان
الاباطيل الخارجية و على آله الذين من نفاهم او انتقصهم غرق و ما نجى و على
اصحابه الذين كل منهم باسنة هممهم للمارقين دجى اما بعد فيقول الفقير الى مولاه
داود بن السيد سليمان البغدادي قد ظهر في زماننا اناس يخالفون اهل ال سنة و المذاهب
فيضللون الامة المح مدية و يستبيحون دمائهم و اموالهم في شبهات خاب من هو اليها
ذاهب فاستعنت الله على ردهم ذه الورقات القليلة لعل الله يهديهم فتكون نعم
الوسيلة.
اعلم ايها المؤمن ان المنكر للتو سل و التشفع من الانبياء و الأولياء من عباد
الله ال صالحين و الاستغاثة م على طريق التسبب مما يقدره الله تعالى على ايديهم بنوع
كرامة من الله تعالى او بدعاء منهم لله في دار برازخهم في حصول خير من الله للطالب
منهم تشفعا او دفع شر انما اتاه الانكار من اعتقاده ان الميت إذا مات صار ترابا لا
يسمع و لا يرى و ليس له حياة برزخية في قبره فهو يستغرب حينئذٍ الطلب منه على
طريق الوسيلة و التسبب به كما يتسبب بالأحياء اهل ال دنيا و لو كان معتقدا ان سائر
اهل القبور أحياء حياة برزخية يعلمون ا و يعقلون و يسمعون و يرون و يعرفون من
زارهم و من سلم عليهم و يردون ال سلام و يتزاورون بينهم و يتنعمون او يعذبون و
ان النعيم و العذاب على الروح و الجسد و ان اعمال الأحياء تعرض عليهم فما رأوا
من خير حمدوا الله و استبشروا و دعوا لفاعله بالزيادة و الثبات و إن رأوا شرا دعوا
الله لهم و قالوا الّله م راجع م الى الطاعة و اهدهم كما هديتنا و غير ذلك من احوال
اهل البرزخ لما وسعهم الانكار فإن دار البرزخ هي نقلة من دار الى دار و قد ثبت كل
- ٤ -
ما ذكرناه من هذه الاحوال بنص الكتاب و ال سنة و اجماع الامة و ان من لم يعتقد
ذلك فقد ترك من واجب الإيمان شيئًا يجعله من المبتدعين الخارجين عن سنة سيد
المرسلين و ملتحق من بعض الوجوه بالكّفار المنكرين فإن البعث بالقيام للحشر من
اركان الإيمان اّلذي يكفر منكره و انكار حياة القبر للنعيم و العذاب انكار للبعث
الاصغر اّلذي هو انموذج البعث على ان هذا الجاهل المنكر لما اجمعت عليه الامة لو قلنا
بموجب قوله ان اهل القبور تكون اجسادهم ترابا لا يسمعون و لا يرون و لا يعرفون
و لا نعيم و لا عذاب للاجساد يقال له إذا ثبت ذلك للروح فما المانع من ان الروح
يثبت لها ما ذكرناه من الاحوال المتقدمة و ان التشفع و التو سل و الطلب منها على
طريق التسبب كطلب الشفاعة و الدعاء و نحو ذلك و هي حية حياة دائمة لا تفنى
كما عليه جميع اهل الملل فهي ايضًا يمكن لها التسبب فيما يقدره الله تعالى على يدها و
لما كان هذا الحال اّلذي هو سبب الانكار صار حال اكثر الناس حتى ممن يدعي العلم
و هو من جنس الجهال العوام لانه في زماننا يسمي الرجل عالمًا و هو ما عرف
الأحاديث النبوية و تفسير الآيات القرآنية و لا اطلع على اقوال ال صحابة و التابعين و
آثارهم بل قصارى أمره أن يكون قراء بعض مقدمات في العلوم فوقف عندها و اشتهر
عند الناس ان فلانًا عالم افندى فاكتفى بذلك فصار يقول العوام قال فلان العالم كذا و
كذا و هو من عقله و ذا ذهب العلم و اتخذ الناس رؤسًا جها ً لا فافتوا بغير علم
فضلوا و اضلوا كما في البخاري فوجب على من اطلع البيان فإن الناس ذه الاحوال
اقرب ما يكون الى حال الجاهلية لأنهم إذا أنكروا نعيم القبر و عذابه و أنه على الروح
و الجسد على ما هو واجب الاعتقاد قال صاحب نظم الشيبانية:
و ان عذاب القبر حق و أنه * على الروح و الجسم اّلذي فيه الحدا
اي و نعتقد ان عذاب القبر حق اي و نعيمه فهو من باب الاكتفاء كقوله
تعالى ( س رابِي َ ل تقِي ُ ك م الْح ر * النحل: ٨١ ) اي و البرد فالنعيم و العذاب على الروح و
الجسم و إن لم نره نحن لانه من الإيمان بالغيب يحتمل أنه يجرهم هذا على انكار البعث
- ٥ -
الاكبر لأن الكل راجع الى قدرة الله و هذا بالنسبة الى العقل و اما بالنسبة الى النقل
فالآيات و الأحاديث و اقوال سلف الامة مطبقة على الاحوال التى ذكرناها سابقًا
لاهل البرزخ فإن كان الانسان يجهلها فها نحن نذكرها اولا مفص ً لا بابا بابا ثم نتبع
ذلك بالأحاديث ال صحيحة الواردة في التوسل و التشفع و الطلب منهم للشفاعة على
طريق التسبب لا أنهم الفاعلون استقلالا فإن هذا يعتقده اكثر الناس من الو هابية و
غيرهم في الأحياء لمشاهدم لافعالهم و حركام فلا يخطر ببال المتسبب م نسبة
فعلهم الى الله تعالى فيشركون الا نادرا جدا و اما الاموات من الانبياء و الأولياء
الأحياء عند رم فإن الناس يعلمون أنهم لا قدرة لهم الا بالله تعالى و ان الله تعالى
يسببهم بقدرة من عنده خارقة للعادة او يفعل تعالى لاجلهم او بجاههم و حرمتهم
فالناس و إن نسبوا لهم الفعل فليس مرادهم الحقيقة بل ااز و التسبب فاعلم ذلك و
تحققه لتعلم ان ما باء به المنكرون نزغة شيطانية خارجة عن الدلايل العقلية و النقلية و
بعض الناس يعتقد ما ذكرنا من احوال اهل البرزخ لكن يغفل عن تسببهم و اكرام الله
لهم بنوع الكرامة او يفعل لاجلهم فيستبعد حصول التسبب منهم و التوسل م او
يدعى ان الطلب منهم و سؤالهم الشفاعة لم يرد في ال شرع و هؤلاء القسم اهون من
القسم الاول فهو ناش اما من عدم اطلاعهم على الوارد او من تعصبهم و عنادهم
لأنهم يتحيزون الى فئة او شخص قال بذلك فهم يثابرون على اثبات قولها او قوله و
لو بالباطل او عناد لمن يأتيهم بحق او تكبرا عليه و احتقارًا لشأنه و عند الله تتبين
الحقايق و تبدو ذرات النيات و الدقايق فعليك ايها الموفق بالانصاف و اترك العناد
للحق و الاعتساف لعلك تحظى بالمدد من الله تعالى و الاسعاف.
باب اثبات حياة الانبياء عليهم ال صلاة و السلام في قبورهم و اا حياة حقيقية
قال الله تعالى ( و َ لا تح سب ن الَّذِي ن قُتِلُوا فِي سبِيلِ اللهِ َا م واتا ب ْ ل َاحيآءٌ عِن د
ربهِم يرزُقو َ ن * آل عمران: ١٦٩ ) قال العلماء فإذا اثبت هذا في الشهداء و هم من
- ٦ -
سائر الامة في كل زمان و لا ش ك ان الانبياء اولى و اعلا على أنهم قالوا ما من ن بي الا
و قد رزق الشهادة و هذا ظاهر و اما قول الحلبى( ١) في السيرة قد يقال أنه قد يكون
في المفضول ما لا يكون في الفاضل فلايلزم القياس فممنوع بأن ذلك ممكن فيمالم يرد
به نص يوافق هذا القياس و قد ورد من الأحاديث ال صحيحة المتفق عليها ما يوافق
ذلك ففى البخاري او مسلم (مررت ليلة اسري بي على موسى و هو قائم في قبره
يصّلي) و روى البيهقي و غيره باسانيد صحيحة عنه صّلى الله عليه و سّلم أنه قال
(الانبياء أحياء في قبورهم يصّلون) و ورد (إ ّ ن الله حرم على الارض ان تأكل
اجساد الانبياء) و قد اطبق العلماء على ذلك و ورد في ال صحيحين ان الله بعث لنبينا
جميع الانبياء ليلة الإسراء فصلى م اماما ركعتين و ال صلاة ذات ركوع و سجود و
هى تستدعى جسدًا حيًا كما قالوه في صلاة موسى في قبره قال في المشكاة ناقلا عن
ال صحيحين و قد رايتنى في جماعة من الانبياء فإذا موسى قائم يصّلي فإذا هو رجل
ضرب جعد يعني شعره غير سبط كأنه من رجل شنؤة و هم قوم من الزط سمر اللون
قال ال شيخ عل ي القاري في شرحه قلت قد سبق أنهم اي الانبياء أحياء عند رم و ان
الله حرم على الارض ان تأكل لحومهم ثم اجسادهم كارواحهم لطيفة غير كثيفة فلا
مانع لظهورهم في عالم الملك و الملكوت على وجه الكمال بقدرة ذى الجلال و مما
يؤيد تشكيل الانبياء و تصورهم على وجه الجمع بين اجسادهم و ارواحهم قوله في
الحديث فإذا موسى قايم يصّلي فإن حقيقة ال صلاة و هي الاتيان بالأفعال المختلفة انما
يكون للاشباح لا للارواح لا سيما و كالتصريح في المعنى قوله فإذا موسى رجل
ضرب نوع وسط من الرجال او ضعيف اللحم على ما في النهاية جعد كأنه من رجال
شنؤة ثم قال ايضًا قلت و قد قدمنا ان الانبياء لا يموتون كساير الأحياء بل نقلوا من
دار الفناء الى دار البقاء و قد ورد به الأحاديث و الانباء انتهى قال الامام البيهقي في
كتاب الاعتقاد الانبياء بعد ما قبضوا ردت اليهم ارواحهم فغيبوا عنا و إن كنا لا
١) مؤلف السيرة علي بن ابراهيم برهان ال دين ال شافعي الحلبى توفي سنة ١٠٤٤ ه. [ ١٦٣٤ م.] )
- ٧ -
نراهم كالملايكة الا لمن اكرمه الله تعالى بنوع كرامة و كذلك ذكر الامام ال سيوطي و
هو قول الامام النووي و السبكي و القرطبى عن شيخه و نقله عنه ابن القيم الحنبلي في
كتاب الروح و ابن حجر و الرملى و القاضي زكريا و اكمل ال دين الحنفى و
الشرنبلالى و ابن أبي جمرة المالكي و تلميذه ابن الحاج في المدخل و ال شيخ ابراهيم
اللقانى( ١) في شرح جوهرة التوحيد و غيرهم و قد صح عن سعيد بن المسيب أنه في
وقعة الحرة لما خلى المسجد النبوي و تعطل عن الاذان و الامامة صار يسمع الاذان و
الاقامة من الحجرة ال شريفة النبوية و ذكره ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم
و ان كثيرا منهم سمع رد ال سلام من قبره صّلى الله عليه و سّلم على المسلمين في كثير
من الاوقات بل ثبت هذا من سائر الموتى كما سيأتى و الحاصل ان حياة الانبياء ثابثة
بالاجماع و لا يرد على هذا ما ورد في الحديث ال صحيح (ما من احد يسلم عل ى ا ّ لا
ر د الله عل ي روحى حتى ارد عليه ال سلام) فإنه بظاهره يقتضي ان روحه الشريفة
تفارق جسده ال شريف و اا بال سلام ترد و اجاب عنه العلماء باجوبة اوصلها
ال سيوطي( ٢) الى سبعة عشر وجها احسنها أنه صّلى الله عليه و سّلم يكون مستغرقا
بمشاهدة حضرة القدس فيغنى عن احساسه ال شريف فإذا سلم المسلم عليه ترد روحه
من ذلك الاستغراق الى الاحساس لاجل المرد المذكور و نحن نرى في ال دنيا بعض من
هو مشغول البال بأمر من الامور ال دنيوية او الاخروية ربما يتكلم احد معه و هو لا
يشعر بكلامه لاشتغال باله و استغراقه فكيف من هو مشغول بمشاهدة جمال ذى
الجلال و قد اختلف العلماء في رؤيته صّلى الله عليه و سّلم في المنام و اليقظة هل هو
لذاته او لمثاله بعد اتفاقهم على حياته في قبره فرجح الاكثر الاول للأحاديث الواردة
ال صحيحة كما في البخاري (من رأنى في المنام فسيرانى في اليقظة) حتى قال النووي
ان رؤياه في المنام رؤية لحقيقة ذاته لقوله صّلى الله عليه و سّلم (من رأنى في المنام فقد
١) ابراهيم اللقانى المصرى المالكي توفي سنة ١٠٤١ ه. [ ١٦٣١ م.] )
٢) عبد الرحمن جلال ال دين ال سيوطي ال شافعي توفي سنة ٩١١ ه. [ ١٥٠٥ م.] في مصر )
- ٨ -
رأنى حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي) و لو كانت الرؤية لمثاله لم يكن رأه حقًا قال
اللقانى في شرح جوهرة التوحيد اتفق الحفاظ على رؤيته صّلى الله عليه و سّلم يقظة و
مناما و اختلفوا هل المرئى ذاته او مثال يحكيها ذهب الى الاول جماعات و الى الثاني
الغزالي و القرافى و جماعة ثم رجح الاول و ممن قال بالاول اكثر من ثلاثين اماما من
اكابر العلماء المحدثين و قد ذكرت عبارام في رسالة في هذه المسئلة مخصوصة و
حررت لكل و احد منهم فيها نصوصه.
باب سماع الموتى و رؤيتهم
و هذا الباب معقود لغير الانبياء و الشهداء و الأولياء اما الاولان فاحياء
كما تقدم يرزقون فرحين مستبشرين و اما الأولياء فلان سماعهم و رؤيتهم على وجه
الكرامة و هي أمر خارق للعادة يجريه الله لعباده ال صالحين و انما نذكر لك هذا الباب
ليتضح لك ان الانبياء و الأولياء و الشهداء اعلا و اسمى و لكن إذا كان سائر الناس و
لو كّفارا يثبت لهم ذلك تعلم ما باء به بعض الجهلة من نفي ال سماع و الرؤية عن
الانبياء لاسيما نبينا صّلى الله عليه و سّلم و عن الشهداء و الأولياء روى البخاري ان
الميت إذا دفن و تولى عنه اصحابه أنه ليسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه و
في ال صحيحين عنه صّلى الله عليه و سّلم من وجوه متعددة أنه امر بقتلى بدر بعد ايام
من موم فالقوا في قليب ثم بعد ايام جاء حتى وقف عليهم و ناداهم باسمائهم و اسماء
ابائهم يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان الى آخرهم هل وجدتم ما وعدكم ربكم
حقًا فاني و جدت ما وعدنى ربي حقًا فقال له عمر رضي الله عنه يا رسول الله ما
تخاطب من اقوام قد جيفوا فقال (و اّلذي بعثنى بالحق ما انتم بأسمع منهم) و في رواية
(لما اقول منهم و لكنهم لا يستطيعون جوابا) و في ال صحيحين عنه صّلى الله عليه و
سّلم (إ ّ ن الميت ليعذب ببكاء اهله عليه) قال النووي( ١) في شرح صحيح مسلم معناه
١) يحيى النووي ال شافعي توفي سنة ٦٧٦ ه. [ ١٢٧٧ م. [في الشام] )
- ٩ -
أنه يعذب بسماعه بكاء اهله و يرق لهم و الى هذا ذهب مح مد بن جرير الطبرى( ١) قال
القاضي عياض و هو اولى الاقوال و احتجوا فيه ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم زجر
أمرًاة عن البكاء على ابنها و قال ان احدكم إذا بكى استعير له صويحيه فيا عباد الله لا
تعذبوا اخوانكم انتهى فهذا النقل يدل على ان الميت و لو من بعد يسمع بكاء اهله
عليه فيؤذيه ذلك و يعذبه و قد شرع الن بي صّلى الله عليه و سّلم لامته إذا سّلموا على
اهل القبور ان يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم ال سلام عليكم دار قوم
مؤمنين و هذا خطاب لمن يسمع و يعقل و لو لا ذلك لكان هذا الخطاب بمترلة
خطاب المعدوم و الجماد و السلف مجمعون على هذا و قد تواترت الآثار بأن الميت
يعرف بزيارة الح ي له و يستبشر قال ابو بكر عبد الله بن أبي ال دنيا في كتاب القبور.
باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء
حدثنا مح مد بن عون حدثنا يحيى بن يمان عن عبد الله بن سمعان عن زيد بن
اسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من
رجل يزور قبر اخيه و يجلس عنده الا استأنس به ورد عليه حتى يقوم) حدثنا مح مد
بن قدامة الجوهري حدثنا معن بن عيسى القزاز اخبرنا هشام بن سعد حدثنا زيد ابن
اسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه
( ال سلام وعرفه و إذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه ال سلام ذكر ذلك ابن القيم( ٢
في كتاب الروح ثم بعده ذكر آثارا كثيرة قال و هذا باب فيه آثار كثيرة عن ال صحابة
و يكفى في هذا تسمية المسلم عليهم زايرًا و لو لا أنهم لا يشعرون به لما صح تسميته
زايرًا فإن المزور إذا لم يعلم زيارة من زاره لم يصح ان يقال زاره هذا هو المعقول من
الزيارة عند حميع الامم و كذلك ال سلام عليكم فإن ال سلام على من لا يشعر و لا
١) مح مد بن جرير الطبرى ال شافعي توفي سنة ٣١٠ ه. [ ٩٢٣ م.] في بغداد )
٢) مح مد ابن القيم الجوزية الحنبلي توفي سنة ٧٥١ ه. [ ١٣٥٠ م.] في الشام )
- ١٠ -
يعلم بالمسلم محال فهذا ال سلام و الخطاب و النداء لموجود يسمع و يخاطب و يعقل و
يرد و إن لم يسمع المسلم الرد و إذا صّلى الرجل قريبًا منهم شاهدوه و علموا صلاته
و غبطوه على ذلك قال يزيد بن هارون اخبرنا سليمان التيمى عن أبي عثمان النهدى
ان ابن ساسب خرج في جنازة في يوم و عليه ثياب خفاف فانتهى الى قبر قال فصليت
ركعتين ثم اتكأت فو الله ان قلبى ليقظان إذ سمعت صوتًا من القبر اليك عني لا تئوذينى
فانكم قوم يعملون و لا تعلمون و نحن قوم نعلم و لا نعمل و لأن يكون لي مثل
ركعتيك احب ا ّ لي من كذا و كذا فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر و بصلاته ثم
ذكر على هذه المسئلة آثارًا و اخبارا كثيرة ثم اعلم ان عائشة ام المؤمنين أنكرت سماع
اهل القليب الكّفار فظن بعض من لا علم عنده اا أنكرت سماع الموتى مطلقا حتى
المؤمنين بل جعله بعض الجهلة ساريًا حتى على الشهداء و سيد المرسلين صّلى الله عليه
و سّلم و ذلك غفلة منهم عن تحرير محل التراع و تشبث منهم بما ليس لهم فيه انتفاع
فإن انكارها خاص بالكّفار فقط ظنًا منها ان ال سماع الثابت بنصه صّلى الله عليه و
( سّلم لأهل القليب هو ال سماع المذكور في الآيتين (اِن ك َ لا تسمِع اْل م وتى * النمل: ٨٠
( ومآ َان ت بِمسمِعٍ م ن فِي الُْقبورِِ * فاطر: ٢٢ ) و ليس كذلك كما قاله اساطين
العلماء لأن ال سماع المنفي في الآيتين هو سماع القبول و الاذعان للإيمان و قد شبه الله
الكّفار الأحياء الذين لهم أسماع و ابصار و عقول بالاموات لا من حيث انعدام
الادراكات و الحواس بل من حيث عدم قبولهم الهدى و الإيمان و ذلك ان الميت من
حين تصل روحه للغرغرة و يشاهد مترلته بشخوص بصره لمترلته الى الآخرة لا ينفعه
الإيمان لو آمن فيقول الله تعالى ان الناس الذين كتب الله عليهم الشقاوة الازلية لا
ينفعهم دعاؤك لهم الى الإيمان كما لا ينفع اهل القبور الإيمان لأن اهل القبور قد رأوا
عيانًا ما هو مطلوب منهم ان يؤمنوا بالغيب فإذا وصلوا الى الموت لا يقبل منهم الإيمان
فالسماع هنا هو القبول تقول فلان امرته بكذا فما سمع اي ما قبل و ان كان سامعا
بحاسة اذنه فكذلك الكّفار نزلت الآيتان فيهم و هم أحياء لهم ابصار و اسماع لكن
- ١١ -
لكونه تعالى ختم على قلوم بالشقاء اخبر تعالى انك يا مح مد لا تسمعهم اي لا
يقبلون منك الإيمان كما ان اهل القبور لا يقبل منهم الإيمان فالسماع الثابت في
الأحاديث ال صحيحة سماع الحاسة و ال سماع المنفى في الآيتين سماع القبول و هذا
ظاهر لمن القى السمع و هو شهيد و الدليل على هذا ان الله تعالى بعد قوله (اِن ك َ لا
تسمِع اْل م وتى) قال ان تسمع الا من يؤمن بآياتنا فاثبت للمؤمنين ال سماع اّلذي هو
بمعنى القبول فمن جعل ال سماع المنفى في الآية بمعنى سماع الحاسه قلنا له فقد اثبت الله
على قولك للمؤمنين و هو مطلوبنا فيكون ثبوت ال سماع بنص القرآن فكيف تجحد
نص القرآن كما جحدت نص الحديث اّلذي ما بعد كتاب الله اصح منه و الدليل على
أن عائشة انما أنكرت سماع الكّفار فقط ما ثبت عنها في الحديث المتقدم ان رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم قال (ما من رجل يزور قبر اخيه و يجلس عنده الا استأنس به
و رد ال سلام عليه حتى يقوم) فهذا اثبت له الرؤية المستلزمة للاستيناس و رد ال سلام
عليه المستلزم لسماع ال سلام و قوله حتى يقوم متعلق بإستأنس على ان عائشة رضي
الله عنها نفت ال سماع عن الكفار و اثبتت لهم العلم فقالت ان رسول الله صّلى الله
عليه و سّلم قال إنهم الآن ليعلمون ان ما قلت حق و قال علماء الامة ان العلم يستلزم
ال سماع و لا ينافيه كما حققه ابن تيمية( ١) و ابن القيم و ابن رجب( ٢) و ال سيوطي و
غيرهم لأن الموت لو كان عدمًا محضًا كما يزعم الجهلة لا تنفي عن الميت جميع
الادراكات فإذا اثبتت عائشة العلم بالنص المروي عنها كما في البخاري تحقق اا
تثبت الادراكات لكن ظنت ان ال سماع اّلذي اثبته ال صحابة عن الن بي صّلى الله عليه و
سّلم سماع القبول و الهدى و هو لا ينفع اتفاقًا بل هو الحق الجامع بين اقوال ال صحابة
( و قولها و الجامع بين قولها في روايتها حديث الزيارة فإن قلت فقد ذكر ابن الهمام( ٣
١) أحمد ابن تيمية الحرانى الحنبلي توفي سنة ٧٢٨ ه. [ ١٣٢٨ م.] في الشام )
٢) عبد الرحمن ابن رجب الحنبلي توفي ٧٩٥ ه. [ ١٣٩٣ م.] )
٣) ابن الهمام كمال ال دين مح مد الحنفى توفي سنة ٨٦١ ه. [ ١٤٥٦ م.] )
- ١٢ -
في شرح الهداية ان اكثر مشايخة الحنفية ذكروا في باب الإيمان ان الميت لا يسمع لو
حلف لا يكلمه فكلمه ميتًا لا يحنث فقال ملا ال شيخ عل ي القاري الحنفى( ١) في شرح
المشكاة في شرح حديث اهل القليب اقول هذا منهم مب ني على ان مبنى الإيمان على
العرف فلا يلزم منه نفي حقيقة ال سماع كما قالوا فيمن حلف لا يأكل اللحم و اكل
السمك مع أنه تعالى سماه لحمًا طريًا اقول و هذا كذلك فإن من حلف لا يكلم زيدا و
كان ميتًا فكلمه لا يحنث لأن التكلم المراد منه المتعارف اّلذي يكون فيه محاورة بأخذ
الكلام و رده و لما كان الميت يسمع و لا يرد ردا متعارفًا بل ردا نؤمن به و لا نسمعه
غالبا لم يحصل حقيقة التكلم العرفي فلهذا قالوا لا يحنث لا لأن الميت لا يسمع و هذا
ظاهر قال ابن الهمام و اجابوا عن هذا الحديث يعني حديث خطاب الن بي صّلى الله
عليه و سّلم لاهل القليب و قسمه بالله ان الأحياء ليسوا بأسمع منهم تارة بأنه مردود
من عائشة قالت كيف يقول صّلى الله عليه و سّلم ذلك و الله يقول و ما انت بمسمع
من في القبور انك لا تسمع الموتى قال ال شيخ عل ي القاري و الحديث المتفق عليه لا
يصح ان يكون مردودًا لا سيما و لا منافاة بينه و بين القرآن فإن المراد من الموتى
الكّفار و النفى منصب على نفي النفع لا على مطلق السمع كقوله تعالى (ص م بكْم
ع مي َف ه م َ لا ي عقُِلو َ ن * البقرة: ١٧١ ) يعني مع كوم لهم اسماع و ابصار لكن لكوم
لا يسمعون الإيمان و الهدى و لا يرونه جعلهم الله كالصم و العمي او على نفي
الجواب المترتب على ال سماع قال البيضاوي في قوله تعالى (لا تسمع الموتى) وهم
مثلهم لما سدوا مشاعرهم عن الحق ان الله يسمع من يشاء اي هدايته فيوفقهم لفهم
آياته و الاتعاظ بعظاته و ما انت بسمع من في القبور ترشيح لتمثيل المصرين على
الكفر بالاموات و مبالغة في اقناعهم (انتهى) فالآية من قبيل (اِن ك َ لا ت هدِي م ن
َاحبب ت و َلكِ ن اللهَ ي هدِي م ن ي شآءُ * القصص: ٥٦ ) ثم قال ابن الهمام و تارة بأن
تلك خصوصية له صّلى الله عليه و سّلم قال ال شيخ علي القاري و يرده ان الا
١) ملا عل ي القاري توفي سنة ١٠١٦ ه. [ ١٦٠٧ م.] في م ّ كة المكرمة زادها الله شرفًا و كرما )
- ١٣ -
ختصاص لا يصح ا ّ لا بدليل و هو مفقود هنا بل السؤال و الجواب ينافيانه و قال ابن
الهمام و تارة بأنه من ضرب المثل قال ال شيخ عل ي القاري و يدفعه جوابه صّلى الله عليه
و سّلم ثم قال ابن الهمام و يشكل عليهم يعني مشايخه خبر مسلم (إ ّ ن الميت ليسمع
قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا) الّله م ا ّ لا ان يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر
للسؤال جمعًا بينه و بين الآيتين فإما يفيدان تحقق عدم سماعهم فإنه تعالى شبه الكّفار
بالموتى لإفادة بعدم سماعهم و هو نوع عدم سماع الموتى انتهى قال ال شيخ عل ي القاري
و هو كما ترى فيه نوع نقض و وجهه أنه إذا حصل ال سماع لاهل القبور في بعض
الاحوال ثبت في كلها إذ لا نص ينفي ذلك في بقية الاحوال ثم بثبوت البعض ينتقض
عموم الآيتين فتتناقض مع الأخبار ال صحيحة على ان الحنفية قد اطبقوا على سنية
ال سلام على اهل القبور في كل وقت قال العلامة ابن ملك( ١) في شرح المصابيح في
شرح حديث ال سلام على اهل القبور ما نصه و مما يرد على هذا البعض القائلين بعدم
سماع الموتى ما ورد في الحديث اّلذي اخرجه أحمد( ٢) و أبو داود في سننه و الحاكم في
المستدرك و ابن أبي شيبة في المصنف و البيهقي في كتاب عذاب القبر و الطيالسى و
عبد ابن حميد في مسنديهما و هناد ابن السرى في الزهد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و
غيرهم من طرق صحيحة عن البراء بن عازب رضي الله عنه في فتنة القبر و السؤال و
في آخر الحديث في المؤمن (ينادي مناد من السماء صدق عبدي فافرشوا له من الجنة
و البسوه من الجنة و افتحوا له بابًا من الجنة فيأتيه من روحها و طيبها و يفسح له
في مد بصره و يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر
باّلذي يسرك فيقول له من انت فوجهك الوجه اّلذي يأتى بالخير فيقول انا عملك
ال صالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى ارجع الى اهلي و مالي) و في
الكافر عكس هذا فهذا يدل على ان الميت يسمع و يبصر و يشم و يتكلم و يعقل و
١) ابن ملك عبد اللطيف الحنفى توفي سنة ٨٠١ ه. [ ١٣٩٩ م.] في ازمير )
٢) الامام أحمد ابن حنبل توفي سنة ٢٤١ ه. [ ٨٥٥ م.] في بغداد )
- ١٤ -
يفهم و يخاطب و يراجع الخطاب و كل هذه امور واقعة بعد السؤال و هي مما أجمع
عليها العلماء و هذا حديث متواتر كما ذكره الامام ال سيوطي.
و هذا يدل على ان ال سلام عليهم كهو على الأحياء و أنهم يسمعون انتهى
و قال في الفتاوى الهندية و لا بأس بزيارة القبور و هو قول أبي حنيفة و ظاهر قول
مح مد يقتضي الجواز للنساء ايضًا و في التهذيب يستحب زيارة القبور و كيفية الزيارة
كزيارة ذلك الميت في حياته من القرب و البعد كذا في خزانة المفتين و إذا اراد زيارة
القبور يخلع نعليه ثم يقف مستقبلا لوجه الميت مستدبرًا للقبلة و يقول ال سلام عليكم
يا اهل القبور يغفر الله لنا و لكم انتم لنا سلف و نحن بالاثر كذا في الغرايب و لا بأس
ان يقرأ على المقابر سورة الملك سواء اخفى او جهر و اما غيرها فإنه يقرأ في المقابر و
لم يفرق بين الجهر و الخفية كذا في الذخيرة في فضل قرائة القرآن عند القبور ان نوى
ان يؤنسه صوت القرآن فإنه يقرأ و ان لم يقصد ذلك فإن الله يسمعه قرائة القرآن
حيث كانت كذا في فتاوى قاضيخان( ١) إنتهى و في البزازية قطع الحشيش الرطب من
المقابر يكره لانه يسبح و يندفع به العذاب عن الميت و يستأنس به الميت انتهى و كذا
في امداد الفتاح للشرنبلالى( ٢) و سائر كتب الحنفية فاذا اثبت ان الميت يسمع تسبيح
نحو الحشيش اّلذي لا يدرك للاحياء بنص الأئمة الذين هم عمدة اهل الفتوى كيف
ينفي ال سماع عن صوت المنادي له بل مراد ذلك البعض منهم كما قال ال شيخ عل ي
القاري اا مبنية على المتعارف فذهب الاشكال و لم يلزم التناقض في باب الإيمان في
اقوالهم و حصل الإيمان بقول الرسول صّلى الله عليه و سّلم في الأخبار ال صحيحة
الثابتة و حصل الاجماع و لله الحمد على أنه لو فرضنا ان القائل بعدم ال سماع هو
الامام نفسه فهو قد ثبت عنه أنه قال كما قال غيره من الأئمة اذا صح الحديث فهو
مذهبى بل المشهور من مذهبه الاخذ بالمرسل و الضعيف اعتناء بش دة المتابعة لرسول
١) قاضيخان حسن الفرغاني الحنفي توفي سنة ٥٩٢ ه. [ ١١٩٦ م.] )
٢) حسن الشرنبلالى الحنفى الازهرى توفي سنة ١٠٦٩ ه. [ ١٦٥٩ م.] في القاهرة )
- ١٥ -
الله صّلى الله عليه و سّلم فكيف يمكن المخالفة للأحاديث ال صحيحة المستفيضة فهذا
البعض من المشايخ يتبين عذره فلا يجوز لاحد ان يترك الحديث ال صحيح الوارد عنه
صّلى الله عليه و سّلم و يأخذ بقول غيره و لقد احسن الحافظ الذهبى حيث يقول:
العلم قال الله قال رسوله * ان صح و الاجماع فاجهد فيه
و حذار من نصب الحلاف جهالة * بين الرسول و بين رأى فقيه
و قد اطبق الأئمة الحنفية على سنية زيارة الن بي صّلى الله عليه و سّلم و زيارة
صاحبيه رضي الله عنهما و ال سلام عليهم و طلب الشفاعة منهم فلو كانوا قائلين بعدم
سماع مثل الن بي و الصاحبين لكان كلامهم متناقضا بل بقولهم بسنية زيارة القبور مطلقًا
يحصل التناقض لكن كما قال ال شيخ عل ي القاري ان كلامهم في باب الإيمان مبني على
المتعارف فارتفع الاشكال و زال التنافض (فائدة) قال ابن تيمية في (كتاب الانتصار
للامام أحمد) رضي الله عنه و انكار عائشة سماع اهل القليب الكّفار معذورة فيه لعدم
بلوغها النص و غيرها لا يكون معذورًا مثلها لأن هذه المسئلة صارت معلومة من
ال دين بال ضرورة انتهى فيلزم من قوله هذا ان اّلذي ينكر سماع الكّفار يكفر لأن جاحد
المعلوم من ال دين بال ضرورة يكفر كما في جميع كتب المذاهب على ان البعض اّلذي
أنكر انما هو في حق الكّفار كما قالته عائشة رضي الله عنها و اما الن بي صّلى الله عليه
و سّلم و الشهداء و أولياء امته فلم يقل احد بانكار سماعهم لا عائشة و لا غيرها و
حينئذٍ تعلم سوء ما تجاهر به بعض الجهلة في زماننا من اطلاق عدم ال سماع حتى في
حق الن بي صّلى الله عليه و سّلم و الامر لله الواحد القهار و قال ابن تيمية ايضًا في
الفتاوى مسئلة في الأحياء اذا زاروا الاموات هل يعلم الاموات بزيارم و هل يعلمون
بالميت اذا مات من قرائبهم او غيره ام لا الجواب نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم و
تسائلهم و عرض اعمال الأحياء على الاموات كما روى ابن المبارك عن أبي ايوب
الانصاري( ١) قال اذا قبضت نفس المؤمن تلقاها اهل الرحمة من عباد الله كما يتلقون
١) خالد بن زيد أبو ايوب ال صحابى الانصاري رضي الله عنه توفي سنة ٥٠ ه. [ ٦٧٠ م.] في استنبول )
- ١٦ -
البشير في ال دنيا فيقبلون عليه و يسئلونه فيقول بعضهم لبعض انظروا اخاكم يستريح
فإنه كان في كرب شديد قال فيقبلون عليه و يسئلونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل
تزوجت الحديث و اما علم الميت بالح ي اذا زاره ففي حديث ابن عباس قال قال
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من احد يمر بقبر اخيه المؤمن كان يعرفه في
ال دنيا فيسلم عليه ا ّ لا عرفه و ر د عليه ال سلام) قال ابن عبد البر( ١) ثبت ذلك عن
الن بي صّلى الله عليه و سّلم و ص ححه عبد الحق صاحب الاحكام و اما ما اخبر به الله
من حياة الشهيد و رزقه و ما جاء في الحديث ال صحيح من دخول ارواحهم الجنة قد
ذهب طوائف الى ان ذلك مختص م دون الصديقين و غيرهم و ال صحيح اّلذي عليه
الأئمة و جماهير اهل ال سنة ان الحياة و الرزق و دخول الارواح الجنة ليس مختصًا
بالشهيد كما د ّ ل على ذلك النصوص الثابتة و اختص الشهيد بالذكر لكون الظان
يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فاخبر بذلك لتزول الشبهة المانعة عن الاقدام على
الجهاد و الشهادة كما ى عن قتل الاولاد خشية الاملاق لانه هو الواقع و إن كان
قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الاملاق انتهى فهذا نص من شيخ هؤلاء الذين يزعمون
أنهم متبعون له و هم اجهل الخلق بنصوصه و مقاصده ان سائر الاموات حيام
كحياة الشهداء و رزقهم رزق الشهداء فكيف اّلذي يكون عيالا على اقواله يزعم
شيئًا يخالف اقواله فيجعل رسول الله صّلى الله عليه و سّلم لا يسمع و لا يرى و لا
يعلم و لا يعرف من زاره و ناداه لكن هؤلاء غير متبعين لاحد بل هم متبعون هواهم
وفقهم الله و هداهم اما نصوص رؤية الموتى للاحياء ففي البخاري (ما من ميت ا ّ لا
يعرض عليه مقعده بالغداة و العشي إن كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة و إن
كان من اهل النار فمن اهل النار) و العرض يقتضى الرؤية لمقامه قال الله تعالى في
حق آل فرعون (َالنار يعر ضو َ ن عَلي ها ُ غ د وا و عشِيا و يوم تقُوم ال سا عةُ َادخِلُوا آ َ ل
فِر عو َ ن َا ش د اْلع َ ذابِ * المؤمن: ٦٤ ) فلو لم ير الميت لم يحصل فائدة من العرض و
١) ابن عبد البر يوسف المالكي توفي سنة ٤٦٣ ه. [ ١٠٧١ م.] في شاطبه )
- ١٧ -
اخرج أبو نعيم( ١) عن عمرو بن دينار ما من ميت يموت الا روحه في يد ملك ينظر الى
جسده كيف يغسل و كيف يكفن و كيف يمشي به و يقال له و هو على سريره اسمع
ثناء الناس عليك و اخرج ابن أبي ال دنيا( ٢) عن عمرو بن دينار قال ما من ميت يموت
الا و هو يعلم ما يكون في اهله بعده و أنهم ليغسلونه و يكفنونه و أنه لينظر اليهم و
في الحديث ال صحيح في البخاري ان منكرًا و نكيرًا يقولان للميت بعد المسايلة انظر الى
مقعدك من النار قد ابدلك الله به من الجنة فيراهما جميعًا و اخرج ابن أبي ال دنيا و
البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال (إذا م ر الرجل بقبر يعرفه فسلم ر د عليه
ال سلام و عرفه و إذا م ر بقبر لا يعرفه فسلم ر د عليه) انتهى ففهم من هذا الحديث
ان الميت يرى من يزوره و يقرب من قبره لانه لو لم ير لما عرف من كان يعرف و ما
عرف من لا يعرفه في ال دنيا ففي الاول يرد عليه و يعرفه و في الثاني يرد عليه ال سلام و
لم يعرفه لانه في ال دنيا ما كان يعرفه و اخرج أحمد و الحاكم عن عائشة قالت كنت
ادخل البيت فاضع ثوبي و اقول انما هو أبي و زوجي فلما دفن عمر ما دخلته الا انا
مشدودة على ثيابى حياء من عمر و في الاربعين الطائية روي عن الن بي صّلى الله عليه و
سّلم أنه قال (آنس ما يكون الميت في قبره اذا زاره من كان يحبه في دار ال دنيا) فهذا
يدل على رؤيته لمن يزوره و ا ّ لا فكيف يستأنس الميت بمن لم يره و في صحيح مسلم
عن عمرو بن العاص أنه قال في مرض موته إذا دفنتموني فشنوا عل ي التراب شنًا و
اقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور و يقسم لحمها أنس بكم و انظر ماذا اراجع به
رسل ربي و في هذا الباب آثار كثيرة هذه عمدا فلا يحتاج الى الاطالة و يدل على
هذا الباب باب عرض اعمال الأحياء على الموتى فإم لولم تكن لهم الرؤية لما صح
عرض الاعمال عليهم لأن الظاهر ان المراد بعرضها عرض صحايفها التى تكتبها الحفظة
من الملائكة و ذلك يستدعي نظرًا فلأجل هذه المناسبة احببنا ارداف باب الرؤية بباب
١) أحمد أبو نعيم الاصفهانى ال شافعي توفي سنة ٤٣٠ ه. [ ١٠٣٨ م.] )
٢) ابن أبي ال دنيا عبد الله توفي سنة ٢٨١ ه. [ ٨٩٤ م.] في بغداد )
- ١٨ -
عرض الاعمال على الموتى (اعلم) ان هذا الباب اكثر الناس لا يعلمه لعدم اطلاعهم
على ال سنة النبوية و الأحاديث المروية في هذه القضية و كان بعض من يدعي العلم في
زعمه و هو اجهل من هبنقة يقول كيف يعلم الانبياء و الأولياء بمن يستشفع م و
يناديهم فقلت له هم مكشوف لهم في ال دنيا و هم على ما هم عليه بعد موم او
يكون ذلك على وجه الكرامة بخرق العادة و هي ثابتة لهم او بعرض الاعمال الواردة
في الأحاديث فانكر ذلك فأتيته بكتب الحديث المصنفة في احوال اهل القبور فلما رآها
و كان لا يعرفها قال هذا في الاقارب فقط فقلت في الأحاديث و الآثار ما يدل على
الاقارب و الاجانب فعاند حتى مات فها نذكر لك الوارد و ليس علينا غير تصحيح
نقلنا فمن كان لا يصغى له فهو جاحد فاما عرض الاعمال من الامة على رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم فروى البزاز( ١) بسند رجاله رجال ال صحيح عن ابن مسعود عنه
صّلى الله عليه و سّلم قال (حياتي خير لكم تحدثون و يحدث لكم فإذا انا م ت كانت
وفاتى خير لكم تعرض عل ي اعمالكم فإن رأيت خيرًا حمدت الله و إن رأيت شرًا
استغفرت لكم) روي مرفوعًا و له طريق آخر مرسلا عن بكر بن عبد الله المزنى( ٢) عن
ابن عباس و غيره و اما عرض الاعمال على الاقارب فاخرج أحمد و الحكيم الترمذي
في (نوادر الاصول) و ابن منده قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ان
اعمالكم تعرض على اقاربكم و عشايركم من الاموات فإن رأوا خيرًا استبشروا به
و إن كان غير ذلك قالوا اللّه م لا تمتهم حتى ديهم كما هديتنا) و اخرج
الطيالسى في مسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سلم
(ان اعمالكم تعرض على عشايركم و اقاربكم في قبورهم فإن كان خيرًا استبشروا
به و إن كان غير ذلك قالوا اللّه م الهمهم إن يعملوا بطاعتك) و اخرج ابن أبي شيبة
في (المصنف) و الحكيم الترمذي و ابن أبي ال دنيا عن ابراهيم بن ميسرة قال غزا
١) بزاز مح مد الكردرى الحنفى توفي سنة ٨٢٧ ه. [ ١٤٢٤ م.] )
٢) عبد الله المزني ال شافعي توفي سنة ٢٦٤ ه. [ ٨٧٧ م.] )
- ١٩ -
أبوايوب القسطنطينية فمر بقا ص و هو يقول إذا عمل العبد العمل في صدر النهار
عرض على معارفه إذا امسى من اهل الآخرة و إذا عمل العمل في آخر النهار عرض
على معارفه إذا اصبح من اهل الآخرة فقال أبو ايوب انظر ما تقول قال و الله إنه لكما
اقول فقال أبو ابوب الّله م اني اعوذ بك أن تفضحنى عند عبادة ابن الصامت و سعد
بن عبادة بما عملت بعدهم فقال القاص و الله لا يكتب ولايته لعبد ا ّ لا ستر عوراته و
اثنى عليه باحسن عمله و اخرج الحكيم الترمذي في نوادره من حديث عبد الغفور بن
عبد العزيز عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (تعرض
الاعمال يوم الاثنين و يوم الخميس على الله و تعرض على الانبياء و على الأولياء
و الامهات يوم الجمعة فيفرحون بحسنام و تزداد وجوههم بياضًا و اشراقًا فاتقوا
الله و لا تؤذوا موتاكم) و اما عرض الاعمال على الاجانب فاخرج ابن المبارك و ابن
أبي ال دنيا عن أبي ايوب قال (تعرض اعمالكم على الموتى فإن رأوا حسنا استبشروا
و إن رأوا سوءًا قالوا اللّه م راجع م) و اخرج الحكيم الترمذي و ابن أبي ال دنيا و
البيهقي في (شعب الإيمان) عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صّلى الله عليه و
سّلم يقول (اتقوا الله في اخوانكم من اهل القبور فإن اعمالكم تعرض عليهم) و
هذان الحديثان عامان في مطلق الموتى و عن أبي الدردآء قال (إ ّ ن اعمالكم تعرض
على موتاكم ينسرون و يساؤن) و يدل على ماقلنا من العموم ما ذكره ابن القيم في
كتابه الروح عن ابن أبي ال دنيا قال حدثنى مح مد بن الحسين حدثنى خالد بن عمرو
الاموي حدثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال كانت لي شرة سمجة فمات أبي فأبت و
ندمت على ما فرطت قال ثم زللت ايما زلة فرأيت أبي في المنام فقال اي بني ما كان
اشد فرحي بك و اعمالك تعرض علينا فنشبهها باعمال ال صالحين فلما كانت هذه
المرة استحييت لذلك حياء شديدًا فلا تخزنى فيمن حولي من الاموات قال فكنت اسمعه
بعد ذلك يقول في دعائه في السحر و كان لي جار بالكوفة اسألك انابة لا رجعة فيها
و لا حور يا مصلح ال صالحين و يا هادي المضّلين و يا ارحم الراحمين ففي هذا الاثر
- ٢٠ -
دلالة ان الموتى الاجانب يطلعون على اعمال غير الاقارب لأن اّلذي تعرض اعماله
عليه هو ابوه فقال لولده لا تخزنى فيمن حولي من الاموات فلو لا أنهم يطلعون معه
على عمل ابنه بالعرض لما قال ذلك و قد تقدم في حديث ايوب تعرض على معارفه و
هم الذين يعرفونه اعم من الاقارب و في هذا القدر كفاية لمن شرح الله صدره
بالإيمان.
باب تزاور الموتى و تلاقيهم
اخرج الحارث ابن أبي اسامة( ١) و الوائلى( ٢) في (الابانة) و المعقيلى عن جابر
قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (احسنوا اكفان موتاكم فإم يتباهون و
يتزاورون في قبورهم) و في صحيح مسلم (إذا ولى احدكم اخاه فليحسن كفنه)
يعني لعلة التزاور و التباهي به و عن أبي هريرة قال قال رسول الله صّلى الله عليه و
سّلم (احسنوا اكفان موتاكم فإم يتزاورون في اكفام) و اخرج الترمذي و ابن
ماجة و مح مد بن يحيى الهمدانى في (صحيحه) و ابن أبي ال دنيا و البيهقي في (شعب
الإيمان) عن أبي قتادة قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (إذا ولى احدكم اخاه
فليحسن كفنه فإم يتزاورون في قبورهم) و قال ابن تيمية في الفتاوى في مواضع
متعددة و يتزاورون سوآء كانت المداين متقاربة في ال دنيا او متباعدة قد تجتمع الارواح
مع تباعد المداين انتهى و قد ذكر ذلك الأئمة الحنفية في كتبهم الفقهية و هو أنه يسن
تحسين الكفن لأن الموتى يتفاخرون به و يتزاورون بل قال به جميع فقهاء المذاهب و في
هذا الباب آثار كثيرة و اخبار عجيبة غزيره ان اردا فارجع الى (شرح ال صدور)
للامام الحافظ ال سيوطي فإنه جمع فاوعى.
١) الحارث ابن أبي اسامة البغدادى توفي سنة ٢٨٢ ه. [ ٨٩٥ م.] )
٢) عبيد الله الوائلى توفي سنة ٤٤٠ ه. [ ١٠٤٨ م.] )
- ٢١ -
باب علم الموتى باحوال اهل ال دنيا من غير طريق عرض الاعمال
قال ابن القيم في كتاب الروح (فصل) و قد ترجم الحافظ أبو مح مد عبد
الحق الاشبيلي على هذا فقال ذكر ما جاء ان الموتى يسئلون عن الأحياء و يعرفون
اقوالهم و اعمالهم ثم ذكر بعد ورقة فقال صح عن عمرو بن دينار أنه قال ما من ميت
يموت ا ّ لا و هو يعلم بما يكون في اهله و أنهم يغسلونه و يكفنونه و أنه لينظر اليهم ثم
بعد ورقة قال و صح عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب ان الصعب
بن جثامة و عوف بن مالك كانا متواخيين فقال الصعب لعوف اي اخي اينا مات
قبل صاحبه فليتراء له قال او يكون ذلك قال نعم فمات صعب فرآه عوف فيما يرى
النائم كأنه قد اتاه قال قلت اي اخى قال نعم قلت ما فعل الله بك قال غفر لنا بعد
المشارب ثم بعد كلام قال و اعلم اي اخي أنه لم يحدث في اهلي حدث بعد ا ّ لا و قد
لحق بي خبره حتى هرة ماتت لنا منذ ايام و اعلم ان بنتى تموت الى ستة ايام فاستوصوا
ا معروفا ثم كان كما اخبر ثم ذكر حديث ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه و
اتيانه لاحد من في عسكر خالد ابن الوليد و قوله له اني اوصيك بوصية فاياك ان تقول
هذا حلم اني لما قتلت مر بي رجل من المسلين فأخذ درعي و مترله في اقصى الناس و
عند خبائه فرس يستن في طوله اي يرعى في رسنه الطويل و قد كفى على الدرع برمة
و فوق البرمة رحل فأت خالد بن الوليد فقل له يأخذ درعي فاخبر الرجل خالدًا فوجد
الدرع كما وصف فاخذه و قال الحافظ ال سيوطي في شرح ال صدور.
باب تاذى الميت بما يبلغه عن الأحياء
اخرج الديلمي( ١) عن عائشة رضي الله عنها ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم
قال (ان الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته) قال القرطبى( ٢) في التذكرة يجوز ان
١) أبو شجاع شهردار الديلمي توفي سنة ٥٥٨ ه. [ ١١٦٤ م.] )
٢) مح مد القرطبى المالكي توفي سنة ٦٧١ ه. [ ١٢٧٢ م.] )
- ٢٢ -
يكون الميت يبلغه من أفعال الأحياء و اقوالهم ما يؤذيه بلطيفة يحدثها الله تعالى له من
ملك مبلغ او علامة او دليل و ما شاء الله و قال ابن القيم في كتاب الروح و قد د ّ ل
على التقاء ارواح الأحياء و الاموات ان الح ي يرى الميت في منامه فيستخبره و يخبر
الميت بما لا يعلمه الح ي فيصادف خبره كما اخبر في الماضي و المستقبل و ربما اخبره
بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه و ربما اخبره بدين عليه و ذكر له شواهده و
ادلته و ابلغ من هذا أنه اخبره بما عمله من عمل لم يطلع عليه احد من العالمين و ابلغ
من هذا أنه يخبره انك تأتينا في وقت كذا فيكون كما اخبر و ربما اخبره عن امور
بقطع الح ي أنه لم يكن يعرفها غيره وقد ذكرنا قصة الصعب بن جثامة و قصة ثابت بن
شماس الى آخر ما قال و ذكر ال سيوطي في شرح ال صدور عن مح مد بن سيرين رضي
الله عنه قال ما اخبرك الميت بشئ فهو حق لانه في دار الحق فهو لا ينطق الا بالحق
انتهى و هذا من اربات كما ذكره ابن القيم و غيره و هذا من باب كشف الغطاء و
اطلاعه على ذلك من لطافة الروح فيعلم ذلك في تلك الدار التى هي محل العلم من الله
تعالى و اخرج الحاكم و البيهقي في الدلايل عن سليمان قال دخلت على ام سلمة و
هي تبكي فقلت ما يبكيك قالت رأيت رسول الله صّلى الله عليه و سّلم في المنام يبكي
و على رأسه و لحيته التراب فقلت ما لك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفًا
ذكره ال سيوطي في (شرح ال صدور) و كذا الخطيب التبريزي( ١) في (مشكاة المصابيح)
و اخرج ابن أبي ال دنيا من طريق أبي بكر بن عياش عن حفار من بني اسد قال كنت
في المقابر ليلة إذ سمعت قائلا يقول من قبر يا عبد الله قال ما لك يا جابر قال غدا تأتينا
ُامنا قال و ما ينفعنا لا تصل الينا ان ابي قد غضب عليها و حلف ان لا يصّلي عليها
فلما كان من الغد جائني رجل فقال احفر لي ههنا قبرًا بين القبرين الذين سمعت منهما
الكلام فقلت اسم هذا جابر و اسم هذا عبد الله قال نعم فاخبرته بما سمعت قال نعم
قد كنت حلفت ان لا اصلى عليها فلأكفرن عن يمينى و لاصل ين عليها.
١) مح مد ولي ال دين الخطيب التبريزي ال شافعي توفي سنة ٧٤٩ ه. [ ١٣٤٨ م.] )
- ٢٣ -
باب ما ورد من تصرف الموتى و صدور امور منهم بقدرة الله تعالى
قال الحافظ ال سيوطي في كتابه (المتقدم) قال الحافظ ابن حجر في فتاواه
ارواح المؤمنين في عليين و ارواح الكّفار في سجين و لكل روح بجسدها اتصال
معنوي لا يشبه الاتصال في حياة ال دنيا بل اشبه شئ به حال النائم و إن كان هو اشد
حالا من حال النائم اتصالا قال و ذا يجمع بين ما ورد ان مقرها في عليين و سجين
و بين ما نقله ابن عبد البر اا عند افنية قبورها قال و مع ذلك فهى مأذون لها في
التصرف و تأوى الى محلها من عليين او سجين قال و إذا نقل الميت من قبر الى قبر
فالاتصال المذكور مستمر و كذا لو تفرقت الاجزاء انتهى قال ال سيوطي قلت و يؤيد
ما ذكره من الاذن بالتصرف مع كون المقر في عليين ما اخرجه ابن عساكر من طريق
ابن اسحاق قال حدثنى الحسين بن عبد الله ابن عباس ان رسول الله صّلى الله عليه و
سّلم قال بعد قتل جعفر (لقد م ر بي الليلة جعفر يقتفي نفرًا من الملائكة له جناحان
متخضبة قوادمهما بالدم يريدون بيشه بلدًا باليمن) و اخرج ابن عدي( ١) من حديث
عل ي بن أبي طالب ان رسول الله صّلى الله عليه و سّلم قال (عرفت جعفر في رفقة من
الملائكة يبشرون اهل بيشة بالمطر) و اخرج الحاكم عن ابن عباس قال بينما الن بي
صّلى الله عليه و سّلم جالسًا و اسماء بنت عميس قريبًا منه إذ رد ال سلام و قال (يا
اسماء هذا جعفر مع جبرئيل و ميكائيل مروا فسلموا علينا و اخبرني أنه لقى
المشركين يوم كذا و يوم كذا قال فاصبت في جسدي من مقادمى ثلاثًا و سبعين
من طعنة و ضربة ثم اخذت اللواء بيدى اليمنى فقطعت ثم اخذته بيدى اليسرى
فقطعت فعوضني الله من يدي جناحين اطير ما مع جبرئيل و ميكائيل انزل من
الجنة حيث شئت و اكل من ثمارها ما شئت) قالت اسماء هنيئًا لجعفر ما رزقه الله من
الخير لكنى اخاف ان لا يصدقني الناس فاصعد المنبر فاخبر به الناس فصعد المنبر فحمد
١) عبد الله ابن عدى توفي سنة ٣٢٣ ه. [ ٩٣٥ م.] في استرآباد )
- ٢٤ -
الله و اثنى عليه ثم قال (ان جعفر ابن أبي طالب م ر مع جبرئيل و ميكائيل عوضه الله
من يديه جناحين فسّلم عَل ي) ثم اخبرهم بما اخبره به فهذه الأحاديث تدل على ان الله
تعالى يأذن لعباده الشهداء و غيرهم من ال صالحين في بعض الامور التى ينتفع ا الناس
و في هذا آثار كثيرة ذكرها علماء الحديث عن السلف منها ما ذكره ال سيوطي قال
اخرج ابن أبي ال دنيا من طريق يزيد بن سعيد القرشي عن أبي عبد الله الشامي قال
غزونا الروم فخرج منا ناس يطلبون اثر العدو فانفرد منهم رجلان قال احدهما فبينا
نحن كذلك إذ لقينا شيخ من الروم فقال ابرزوا فحملنا عليه فاقتتلنا ساعًة فقتل صاحبي
فرجعت اريد اصحابي فبينا انا راجع إذ قلت لنفسى ثكلتك امك سبقني صاحبي الى
الجنة و ارجع هاربًا الى اصحابي فرجعت اليه فضربته فاخطأته فحملني و ضرب بي
الارض و جلس على صدري و تناول شيئًا معه ليقتلنى به فجاء صاحبي المقتول فاخذ
بشعر قفاه فالقاه عني و اعانني على قتله فقتلناه جميعًا و جعل صاحبي يمشي و يحدثنى
حتى انتهينا الى شجرة فاضطجع مقتولا كما كان فجئت الى اصحابي فاخبرم وقد
ذكر هذا الاثر الزندوستي( ١) صاحب (روضة العلماء) من الحنيفة و صاحب زبدة
الفقهاء( ٢) ايضًا و اخرج المحاملى في اماليه عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة قال
بينما رجل في اندرله بال شام و معه زوجته و قد كان استشهد ابن لهما قبل ذلك بما
شاء الله إذ رأى الرجل فارسًا قد أقبل فقال لإمرأته ابني و ابنك يا فلانة قالت له اخسأ
الشيطان ابنك قد استشهد منذ حين و انت مفتون فاقبل على عمله و استغفر ثم نظر و
دنى الفارس فقال ابنك و الله يا فلانة و نظرت و قالت هو و الله فوقف عليهما فقال
له ابوه اليس قد استشهدت يا بني قال بلى و لكن عمر بن عبد العزيز توفي هذه
الساعة فاستاذن الشهداء رم في شهوده فكنت منهم و استاذنته في ال سلام عليكما ثم
دعى لهما و انصرف و وجد عمر قد توفي تلك الساعة قال ال سيوطي فهذه آثار
١) الزندوستي حسين البخاري توفي سنة ٤٠٠ ه. [ ١٠٠٩ م.] )
٢) صاحب الزبدة ابراهيم المصري توفي سنة ٩٥٧ ه. [ ١٥٥٠ م.] )
- ٢٥ -
مسندة خرجها ائمة الحديث باسانيدهم في كتبهم اوردا تقوية لما حكاه اليافعي و
تصديقا له انتهى و قد كان ذكر في هذا الباب اشياء كثيرة من هذا النمط من اراد
الاطلاع فليرجع اليه ثم قال قال اليافعي( ١) رؤية الموتى في خير وشر نوع من الكشف
يظهره الله بشرًا او موعظًة او لمصلحة للميت من ايصال خبر اليه و قضاء دين او غير
ذلك ثم هذه الرؤية قد تكون في النوم و هو الغالب و قد تكون في اليقظة و ذلك من
كرامات الأولياء اصحاب الاحوال و قال في موضع آخر مذهب اهل ال سنة ان ارواح
الموتى ترد في بعض الاوقات من عليين او سجين الى اجسادهم في قبورهم عند ارادة
الله تعالى و خصوصًا ليلة الجمعة و يجلسون و يتحدثون و ينعم اهل النعيم و يعذب
اهل العذاب قال و يختص الارواح دون الاجساد بالنعيم و العذاب ما دامت في عليين
او سجين و في القبر يشترك الروح و الجسد انتهى و قال ابن القيم في كتاب الروح و
مما ينبغى ان يعلم ان ما ذكرناه من شأن الروح يختلف بحسب حال الارواح من القوة
و الضعف و الكبر و الصغر فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن دوا و انت
ترى احكام الارواح في ال دنيا كيف تتفاوت اعظم تفاوت بحسب الارواح و كيفياا
و قواها و بطائها و اسراعها و المعاونة لها فللروح المطلقة من اسر البدن و علايقه و
عوايقه من التصرف و القوة و النفاذ و الهمة و سرعة الصعود الى الله تعالى و التعلق
بالله تعالى ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علايق البدن و عوايقه فإذا كانت هكذا و
هى المحبوسة في بدا فكيف إذا تجردت و فارقته و اجتمعت فيها قواها و كانت في
اصل شأا روحًا عليًة زكيًة كبيرًة ذات همة عالية فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر
و فعل آخر و قد تواترت الرؤيا من اصناف بني آدم على فعل الارواح بعد موا ما
لايقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد و الاثنين و
العدد القليل و نحو ذلك و كم قد رؤى الن بي صّلى الله عليه و سّلم و معه أبو بكر و
عمر رضي الله عنهما في النوم قد هزمت ارواحهم عساكر الكفر و الظلم فإذا
١) عبد الله اليافعي ال شافعي توفي سنة ٧٦٨ ه. [ ١٣٦٧ م.] في م ّ كة المكرمة )
- ٢٦ -
بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم و ضعف المؤمنين و قلتهم انتهى و يوافق
هذه النقول من فسر قوله تعالى و المدبرات أمرًا بارواح الكمل بعد المفارقة كما ذكر
جملة من المف سرين منهم البيضاوي و تبعه على ذلك المحشون و الله اعلم.
باب اطلاع بعض الأحياء على حال اهل القبور من نعيم او عذاب
فرآه بعين رأسه انموذجًا لما اخبر الله تعالى و رسوله فرأوا الاجساد منعمة او
معذبة و قد اتفق اهل ال سنة و الجماعة على نعيم القبر و عذابه و أنه حق يجب اعتقاده
و ان النعيم و العذاب على الروح و البدن كما ذكر ذلك اهل علم العقايد و لا ينكر
ذلك الا المعتزلة و الخوارج ثم ورد في الأحاديث النبوية و الآثار ال صحابية و السلفية و
نحن نذكر مايقوي اعتقاد بعض الجهال ليزدادوا إيمانًا مع إيمام اما الانبياء فقد قدمنا
أنهم أحياء طريون في قبورهم يصّلون و ورد في ال صحيحين أنهم يح جون و اما غيرهم
فقد اخرج أبو نعيم عن يوسف بن عطية قال سمعت ثابتًا البناني يقول لحميد الطويل
هل بلغك ان احدًا يصّلي في قبره الا الانبياء قال لا قال ثابت الّله م ان انت اعطيت
لاحد ان يصّلي في قبره فأذن لثابت ان يصّلي في قبره و اخرج ايضًا عن جبير قال انا و
الله الذي لا اله الا هو ادخلت ثابتًا البناني لحده و معى حميد الطويل فلما سوينا عليه
اللبن سقطت لبنة فإذا انا به يصّلي في قبره و اخرج ابن جرير في ذيب الآثار و أبو
نعيم عن ابراهيم بن الصامت المهلبي قال حدثنى الذين كانوا يمرون بالحاصف في
الاسحار قالوا كنا اذا مررنا بجنبات قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن و مثله في صفة
الصفوة لابن الجوزي و اخرج الترمذى و الحاكم و البيهقي عن ابن عباس قال ضرب
بعض اصحاب الن بي صّلى الله عليه و سّلم خبائه على قبر و هو لا يحسب أنه قبر فإذا
فيه انسان يقرء سورة الملك حتى ختمها فأتى الن بي صّلى الله عليه و سّلم فاخبره فقال
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم هي المانعة هي المنجية تنجى من عذاب القبر قال أبو
القاسم السعدى في كتاب الروح هذا تصديق من رسول الله صّلى الله عليه و سّلم بأن
- ٢٧ -
الميت يقرأ في قبره فإن عبد الله يعني ابن عمر و هو الذي ضرب خبأه و سمع او خبره
بذلك و صدقه الرسول صّلى الله عليه و سّلم قال الحافظ زين ال دين بن رجب في
كتاب اهوال القبور قد يكرم الله بعض اهل البرزخ باعماله ال صالحة في البرزخ و ان لم
يحصل له بذلك ثواب انقطاع عمله بالموت لكن انما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله و
طاعته كما تتنعم بذلك الملائكة و اهل الخير في الجنة لأن نفس الذكر و الطاعة اعظم
نعيما عند اهلها من جميع نعيم اهل ال دنيا و لذا فما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله تعالى
و طاعته و مثل ذلك ذكر ابن القيم في كتاب الروح و ابن تيمية و غيرهم و ال سيوطي
في شرح ال صدور و روى أبو الحسن بن البرآء في كتاب الروضة عن عبد الله بن مح مد
بن منصور حدثنى ابراهيم الحفار قال حفرت قبرًا فبدت لبنة فشممت رائحة المسك
حين انفتحت اللبنة فإذا شيخ جالس في قبره يقرأ القرآن و اخرج ابن منده( ١) عن
عاصم ال سقطي قال حفرنا قبرًا ببلخ فنفذ في قبر فنظرت فإذا شيخ في القبر متوجه الى
القبلة و عليه ازار اخضر و اخضر ما حوله و في حجره مصحف و هو يقرأ فيه ثم
ذكر آثارا كثيرة مثل ذلك في الكتاب المذكور و اخرج الحافظ أبو مح مد الخلال( ٢) في
كتابه كرامات الأولياء بسنده عن أبي يوسف الغسولي قال دخلت على ابراهيم بن
ادهم بال شام فقال لي لقد رأيت اليوم عجبًا قلت و ما ذاك قال وقفت على قبر من
هذه المقابر فانشق لي عن شيخ خضيب فقال لي يا ابراهيم سل فإن الله احيانى من
اجلك قلت ما فعل الله بك قال لقيت الله بعمل قبيح فقال قد غفرت لك بثلاث لقيتنى
و انت تحب من احب و لقيتني و ليس في صدرك مثقال ذرة من شراب حرام و
ولقيتني و انت خضيب و انا استحي من شيبة الخضيب ان اعذا بالنار قال و التأم
القبر على ال شيخ قال ابراهيم ويحك يا غسولي عامل الله يرك العجايب و في صفة
الصفوة لابن الجوزي في ترجمة معاذة بسنده الى ام الاسود بنت زيد العدوية و كانت
١) ابن منده مح مد توفي سنة ٣٩٥ ه. [ ١٠٠٥ م.] )
٢) عبد الله الخلال المصري المالكي توفي سنة ٦١٦ ه. [ ١٢١٩ م.] )
- ٢٨ -
معاذة قد ارضعتها قالت قالت لي معاذة لما قتل أبو الصهباء و قتل ولدها و الله يا بنية
ما محبتى للبقاء في ال دنيا للذيذ عيش و لا لروح يشم و لكني و الله احب البقاء لاتقرب
الى الله بالوسايل لعّله يجمع بيني و بين أبي الصهباء و ولده في الجنة قال مح مد بن
الحسين و حديثا روح ابن سلمة الوراق قال سمعت عفيرة العابدة تقول بلغني ان معاذة
العدوية لما احتضرت للموت بكت ثم ضحكت فقيل لها مم البكاء و مم الضحك
قالت اما البكاء الذي رأيته فاني و الله ذكرت مفارقة الصيام و القيام و الذكر فكان
البكاء لذلك و اما الضحك فاني نظرت الى أبي الصهباء و قد اقبل في صحن الدار و
عليه حلتان خضراوان و هو في نفر و الله ما رأيت لهم في ال دنيا شبهًا فضحكت اليه و
لا ارانى ادرك بعد ذلك فرضًا فماتت قبل ان تدرك الفريضة و معاذة ادركت عائشه
رضي الله عنها و روت عنها و روى عن معاذة الحسن البصري و أبو قلابة( ١) و يزيد
الرقاشي انتهى.
و اما رؤية العذاب لبعض الموتى فاخبر الله تعالى عن آل فرعون فقال (النار
يعرضون عليها غدوًا و عشيًا) و قال صّلى الله عليه و سّلم كما في ال صحيحين (لو
لا ان لا تدافنوا لدعوت الله ان يسمعكم من عذاب القبر ما اسمع) و لا بد ان
يكون العذاب على الروح و الجسد لأن الفاعل للكفر او المعاصي انما هو الروح و
الجسد فلا يمكن ان تعذب الروح وحدها بدونه لانه غير لايق بالحكمة و العدالة الالهية
قال العلماء فالاجساد و ان رؤيت متفتة لبعض الناس فهي في علم الله موجودة و نحن
لا نشاهدها و قد رأى بعض ال صحابة العذاب عيانًا لبعض الموتى بارواحهم و
اجسادهم ليكون تصديقًا لما اخبر الله و رسوله قال ابن القيم في كتاب الروح
وال سيوطي في شرح ال صدور و ابن رجب في اهوال القبور عن ابن أبي ال دنيا عن
الشعبي( ٢) أنه ذكر رج ً لا قال للنبي صّلى الله عليه و سّلم مررت ببدر فرأيت رج ً لا
١) أبو قلابة عبد الملك الرّقاشي توفي سنة ٢٧٦ ه. [ ٨٨٩ م.] في بغداد )
٢) عامر الشعبي من أساتذة أبي حنيفة توفي سنة ١٠٤ ه. [ ٧٢٢ م.] في الكوفة )
- ٢٩ -
يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الارض ثم يفعل به ذلك فقال
الن بي صّلى الله عليه و سّلم ذاك أبو جهل يعذب الى يوم القيامة و ذكر من حديث
حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن ابيه قال بينا انا اسير بين
م ّ كة و المدينة على راحلة و انا محقب اداوة إذ مررت بمقبرة و إذا رجل خارج من قبره
يلتهب نارًا و في عنقه سلسلة يجرها فقال يا عبد الله اسقنى يا عبد الله اسقنى فلا ادري
أعرف اسمي ام دعا بي كما يدعو الناس قال فحرج آخر فقال يا عبد الله لا تسقه يا
عبد الله لا تسقه ثم اجتذب السلسة فاعاده في قبره قال ابن أبي ال دنيا و حدثنى أبي
حدثنا موسى بن داود حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال بينما هو
راكب يسير بين م ّ كة و المدينة إذ مر بمقبرة فإذا رجل قد خرج من قبره يلتهب نارًا
مصفدًا بالحديد فقال يا عبد الله انضح و خرج آخر يتلوه فقال يا عبد الله لا تنضح يا
عبد الله لا تنضح و غشى على الراكب و عدلت به راحلته الى العرج قال فاصبح و
قد ابيض شعره فاخبر عثمان بذلك فنهى ان يسافر الرجل وحده و مثله روى في زمن
عمر رضي الله عنه و في الباب آثار كثيرة و في هذا كفاية و هذا يدلك على ان اهل
النار اذا خرجوا بأجسادهم على وجه الارض و رآهم من رآهم يقظة جهارًا فما المانع
من ذلك في حق انبياء الله و اوليائه بقدرة الله تعالى فهذه بعض احوال اهل القبور من
سائر الناس فكيف بالأولياء و الانبياء فإذا علمت ان سائر الموتى أحياء حياة برزخية و
ان الموت كما قال جملة من السلف هو نقلة من دار الى دار و ان الانبياء و الأولياء
المنقولين بسيف ااهدة لله كالشهداء الوارد فيهم النص القرآني في حيام الحقيقية
كيف يستغرب طلب التسبب منهم و التشفع و التو سل بدعائهم الى رم او كرامتهم
عليه او شفاعتهم عنده و هو وليهم في ال دنيا و الآخرة و لهم فيها ما تشتهى انفسهم و
لهم فيها ما يدعون نزلا من غفور رحيم فهل إذا عامل احد هؤلاء الذين هذا حالهم
معاملة الأحياء يلام على ذلك او يعاب او يؤثم او يكفر او يشرك مع اعقاده ان الفعل
لله و حده خلقًا و ايحادًا لا شريك له و أنه يكون من اهل القبور من الانبياء و الأولياء
- ٣٠ -
تسببًا و كسبًا فهل ينكر ذلك الا من جعلهم ترابًا و عظامًا و ترك ما يجب لهم و يسند
اليهم اكراما و اعظاما الا جاهل بالشرع المح مدي فحينئذٍ يقال لهذا المتعلم الجاهل
احسن حالا منك في معرفته بالشرع و المقصود من هذا ان تعلم ان الأحاديث الواردة
في الطلب من الموتى و اجمع عليها العلماء مبني امرها على هذا الاصل فإذا جادل في
هذه الاشياء بعض الاشقياء بعد اقامة هذه الادلة فاتركه و شقائه و أحمد الله الذي
رزقك الإيمان بما جاء عن سيد الاكوان و سلف امته المتبعين له باحسان ( و َقاُلوا
اْل ح م د لِلَّهِ الَّذِي ه دينا لِ ه َ ذا و ما ُ كنا لِنهتدِ ي َلو َ لا ان ه دينا اللَّه * الاعراف: ٤٣ ) و
لنذكر لك بعض الآيات ال دالة على طلب الوسيلة قال تعالى (يآ َاي ها الَّذِي ن َامنوا اتُقوا
اللهَ وابتغوا اَِليهِ اْلوسِيَلَة* المائدة: ٣٥ ) و قال في الآية الاخرى (ُاوَلئِ ك الَّذِي ن يد عو َ ن
يبتغو َ ن اَِلى ربِّهِم الْوسِيَلَة َاي ه م َاقْ رب * الإسراء: ٥٧ ) فقد امر الله تعالى بابتغاء
الوسيلة و فسرها تعالى في الآية الاخرى اعنى قوله أنهم يبتغون ايهم اقرب فيتو سلون به
الى الله تعالى و هو عام سواء كان التو سل بدعائه كما يقوله الخوارح او بشفاعته او
بحاهه او بكرامته او بذاته و من منع بالذات فقد افترى فإن التو سل بالذوات قد
صرحت به الآيات و قد وردت عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم به الأخبار ال صحيحات
اما الآيات فمنها قوله تعالى ( وما كَا َ ن اللَّه لِيعذِّب ه م وَان ت فِيهِ م * الانفال: ٣٣ ) فقد
ذكر المف سرون و ذكره البخاري ان الكّفار استعجلوا العذاب فقال تعالى (ما كان الله
ليعذم و انت فيهم * الانفال: ٣٣ ) يعني حلول ذات الن بي صّلى الله عليه و سّلم
مانعة من نزول العذاب على الكّفار و لا يمكن ان يقال ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم
نفعهم بجاهه و لا بدعائه و لا بشفاعته لأن هذه الاشياء لا تكون للكّفار و قال بعض
السلف في قوله تعالى ( وماكَا َ ن اللَّه معذِّبهم و ه م يستغفِ رو َ ن * الانفال: ٣٣ ) ان معناه
ما كان لعذم و في اصلام من يستغفر يعني من قدر الله ان يخرج من صلب الكافر
من يستغفر و هو الذي مكتوب أنه يؤمن بالله بعد خروجه من صلب الكافر فجعل الله
بقدرته و ارادته وجود النطف المؤمنة في اصلاب الكّفار اسبابا لدفع العذاب عنهم و
- ٣١ -
منها قوله تعالى ( وَلو َ لا دفْع اللَّهِ النا س ب ع ض ه م بِبعضٍ َلَف س دتِ ْا َ لا ر ض * البقرة:
٢٥١ ) قال المف سرون من السلف لو لا ان يدفع الله بالمؤمن عن الكافر و بالطائع عن
العاصى لفسدت الارض فوجود ذوات هؤلاء مانعة من وجود الفساد و قال تعالى (اِنَّ
الَّذِي ن سبَقت َل ه م مِنا اْل ح سنى ُاوَلئِ ك عن ها مبع دو َ ن * الانبياء: ١٠١ ) و لا يخفي
على مسلم ان السعادة للذوات لا للاعمال و لهذا ورد في الحديث (السعيد في بطن
امه و الشقي في بطن امه) فليس للاعمال دخل في السعادة الا بحسب الدلالة ظاهرًا لا
حقيقة لقوله صّلى الله عليه و سّلم (إ ّ ن احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون
بينه و بينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها) و ليس
الدخول للعمل بل للدلالة كما صرح صّلى الله عليه و سّلم به في قوله (لن يدخل احد
الجنة بعمل) قالوا حتى انت يا رسول الله قال (حتى انا ا ّ لا ان يتغمدني الله برحمته)
فدخول الجنة قطعًا ليس بالاعمال بل بالسعادة ال سابقة الازلية و هي بحسب الذوات
فاصطفاء ذات نبينا صّلى الله عليه و سّلم و تفضيلها على جميع الرسل انما هو باعتبار
ذاته ال شريفة كما لا يخفى على مؤمن و كذلك الرسل و الانبياء و الأولياء فالجاه و
غيره انما هو تبع للذات و ليس الذات تابعة للجاه على ان لو طالبنا المنكر اعتبار الذات
بدليل واحد و لو ضعيفًا لم يجد الى ذلك سبيلا فقول هذا المدعي غير معقول و لا
يمكن ان يذكر سببًا فض ً لا عن دليل بل الادلة المتوافرة المتواترة ناهضة على خلاف ما
يدعيه اهل الدعاوى الباطلة ففي الحديث ال صحيح أنه صّلى الله عليه و سّلم قال (بتربة
ارضنا و ريقة بعضنا يشفي باذن ربنا مريضنا) فيسن لكل احد اذا رقي لمريض ان
يأخذ من تراب ارضه و يمزجها بريقه و يسقيه للمريض فإنه يشفي باذن الله تعالى و لا
ش ك ان التراب و الريق من الذوات و لا يعقل لها جاه او دعاء او شفاعة و في
الحديث ال صحيح (ماء زمزم لما شرب له) فمن شرب من ماء زمزم لاى نية ارادها من
خير دنيا او آخرة حصل له مقصوده كما هو مجرب و لا ش ك ان ماء زمزم ذات لا
يعقل له جاه و لا دعاء و لا شفاعة و كذا ورد في ال صحيح و اطبق عليه فقهاء الامة
- ٣٢ -
ان الملتزم عند باب الكعبة من الصق بطنه به و تو سل به الى الله لا يخيبه الله كما هو
مجرب و لا يخفى ان الملتزم احجار و هي ذات جعل الله لها هذه الخاصية و كذا تحت
الميزاب و عند مقام ابراهيم و تقبيل الحجر الاسود و التمسح به و التو سل به هو ذات
محض و هو ارجى الوسائل الى الله لقبول المثقلين بالذنوب فكيف يكون لهذه الذوات
خاصية يحصل ا المقصود للراجي و نحن إذا دعونا الله بجاه ذات نبينا لا يحصل لنا و لا
يرضاه لنا أفيقال ان ذات تراب الارض وريقة البعض و ماء زمزم و احجار الملتزم و
مقام ابراهيم اي محل قدمه الاسعد و الحجر الاسود جعل فيها الاسباب لجلب المنافع
دون ذات نبينا التى خلقت من نوره فما هذه الخرافات من قائلها الا جهالات ليت
صاحبها استحى من الله و من رسوله و من الناس من قولها و التفوه ا و قد كان
ال صحابة الكرام يعظمون ذات نبينا صّلى الله عليه و سّلم اشد التعظيم كما في حديث
عروة بن مسعود الثقفي عند البخاري و غيره لما جاء الى ن بي الله صّلى الله عليه و سّلم
في صلح الحديبية فرجع الى قومه فقال اي قومي و الله لقد وفدت على كسرى و
قيصر و النجاشي فمارأيت احدًا يعظم احدًا ما يعظم اصحاب مح مد محمدًا أنه لا
يتنخم نخامة الا تلقوها باكفهم فدلكوا ا وجوههم و لا توضأ و ضوءًا الا اقتتلوا على
وضوئه يتبركون به و لا يحدون النظر اليه الحديث فانظر كيف تعظيم ال صحابة لذاته
بل للصادر من ذاته مما هو مستقذر بالنسبة لغير ذاته ال شريفة أفيقال ان النخامة و ماء
الوضوء الذي يجري على اعضائه الشريفة كانت تدعو او تشفع او لها جاه بل هي
ذات تابعة لاشرف الذوات فانظر الى هذه الجهالات الصادرة ممن يدعي الكمالات
فيجعل ذات نبينا كاللات و يلزم على قوله ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم و اصحابه
هم الذين فعلوا و امروا بمشاة الاصنام و العياذ بالله من لازم هؤلاء الطغام و في الباب
أحاديث دالة على التو سل بالآثار للانبياء و الأولياء الاخيار لا جواب عنها للخصماء
الاشرار منها ما في البخاري و مسلم عن اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها و في بعض
حديثها فاخرجت لي جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج و فرجاها مكفوفتان
- ٣٣ -
بالديباج فقالت فهذه كانت عند عائشة رضي الله عنها فلما قبضت قبضتها فنحن
نغسلها للمرضى نستشفي ا الحديث فانظر كيف يستشفون ا لكوا كانت ملبوسة
لتلك الذات الحاوية لجميع الكمالات و منها في جمع ال صحيحين للحميدي( ١) عن عبد
الله بن موهب قال ارسلني اهلي الى ام سلمة زوج الن بي صّلى الله عليه و سّلم بقدح
من ماء فجائت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر الن بي صّلى الله عليه و سّلم فكان إذا
اصاب الانسان عين او شئ بعث باناء اليها فخضخضت له فشرب منه فاطلعت في
الجلجل فرأيت شعرات حمرا و منها ما في الجمع بين ال صحيحين للحميدي عن سهل
بن سعد في البردة التى استوهبها من الن بي صّلى الله عليه و سّلم فلامه ال صحابة على
طلبها منه فقال انما سئلته اياها لتكون كفني و في رواية أبي غسان أنه قال رجوت
بركتها حين لبسها الن بي صّلى الله عليه و سّلم لعّلي اكفن ا و كان مراده يتسبب ا
الى الله في قبره ليندفع عنه العذاب ببركتها وهى ذاث لا يتصور فيها شئ سوى كوا
من آثار تلك الذات و في ال صحيحين عن ام سليم ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم كان
ينام عندها فكانت تأخذ من عرقه ال شريف فاستيقظ فقال (ما تصنعين يا ام سليم)
فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا فقال (اصبت) قال ابن ملك في شرح
المصابيح و فيه دليل على جواز التقرب الى الله تعالى بآثار المشايخ و العلماء و الصلحاء
انتهى و منها ما في صحيح مسلم كان رسول الله صّلى الله عليه و سّلم إذا صّلى
الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يأتونه باناء الا غمس يده ال شريفة فيه قال
ابن الجوزي في كتابه بيان شكل الحديث انما كانوا يطلبون بركته صّلى الله عليه و
سّلم لهذا و ينبغي للعالم إذا طلب العوام منه التبرك في مثل هذا ان لا يخيب ظنوم
انتهى كلام الحافظ ابن الجوزي و في كلام هذا العالم و في كلام النووي في شرح
مسلم و القاضي عياض في شرح مسلم و في كلام العلامة ابن ملك الخنفي دليل على
ان هذه الامور ليست خاصية بالن بي صّلى الله عليه و سّلم كما زعمه بعض الخوارج و
١) مح مد الحميدي الاندلسي توفي سنة ٤٨٨ ه. [ ١٠٩٥ م.] )
- ٣٤ -
منها ما رواه البخاري عن ابن سيرين( ١) قال قلت لعبيدة عندنا من شعر الن بي صّلى الله
عليه و سّلم اصبناه من قبل انس او من قبل اهل انس فقال لأن تكون شعرة عندي منه
احب ا ّ لي من ال دنيا و ما فيها و منها ما في البخاري ان انس ابن مالك خادم رسول
الله صّلى الله عله و سّلم اوصى ان تدفن شعرات للنبي صّلى الله عليه و سّلم معه انتهى
و ما ذاك الا ليتوجه الى الله تعالى ا في قبره و في الشفاء في فضل كراماته و بركاته
صّلى الله عليه و سّلم قال و كانت شعرة في قلنسوة خالد ابن الوليد( ٢) فلم يشهد ا
قتالا الا رزق النصر ايرزق النصر خالد بذات شعره و لا يتو سل الى الله باصل ذاته
صّلى الله عليه و سّلم و ما احسن ما قال البوصيري
و من تكن برسول الله نصرته * ان تلقه الاسد في آجامها تجم
و منها ما في ال صحيحين عن ابن عباس أنه مر على قبرين فقال اما يعذبان
فدعى بعسيب فشقه و جعل على كل قبر نصفًا و قال لعّله يخفف عنهما مالم ييبسا
انتهى فقد شرع صّلى الله عليه و سّلم لامته ان يجعلوا جريدة رطبة في الذي يخاف
عليه العذاب لأن للجريد خاصية ان الله يخفف عن صاحب القبر الذي هو فيه العذاب
و لا شك ان الجريد ذات و ليس هذا خاصا بالن بي صّلى الله عليه و سّلم حتى يقال ان
ارتفاع العذاب بسبه صّلى الله عليه و سّلم بل اجمع العلماء على العمل به في كل عصر
أيجوز التسبب بجريد النخل و هو ذات و لا بجوز التو سل و التسبب بذات سيد
الوجود فأي عقل لمن يمنع ذلك و يدخل نفسه الغبية في مضايق هذه المسالك و ادل
دليل على ان الذات يتو سل و يتسبب ا ان هندا زوجة أبي سفيان اخذت قطعة من
كبد حمزة رضي الله عنهما فاسترطتها فما لبثت في بطنها فقال رسول الله صّلى الله
علنه و سّلم (ا ّ ن حمزة اكرم على الله من ان يدخل جزء من بدنه النار) و في رواية (لو
لبثت لم تدخل النار) اعظم من ذلك شرب مالك بن سنان دمه و قوله (لن تصيبك
١) ابن سيرين مح مد البصري توفي سنة ١١٠ ه. [ ٧٢٩ م.] )
٢) خالد بن الوليد ال صحابي رضي الله تعالى عنه توفي سنة ٢١ ه. [ ٦٤٢ م.] في حمص )
- ٣٥ -
النار) و مثله شرب عبد الله بن الزبير دم حجامته فقال له صّلى الله عليه و سّلم (ويل
لك من الناس و ويل لهم منك) و لم ينكر فعله و قد روي نحو من هذا عنه في المرأة
التى شربت بوله فقال لها (لن تشتكى وجع البطن ابدًا) و حديث هذه المرأة التى شربت
بوله صحيح الزم الدار قطنى البخاري و مسلمًا اخراجه في ال صحيح و اسم هذه المرأة
بركة ذكر ذلك جملة من العلماء منهم القاضى عياض في الشفاء و القسطلاني في
المواهب الّلدنية فيا امة ال دين ايكون الدم و البول الخارج من ذاته سببا لدفع النار عن
شارا و كذلك الوجع و يمتنع عن ذاته ان يتسبب و يتو سل ا الى الله تعالى و هى
من نور الله تعالىكما في حديث جابر و غيره فمن منع التو سل بذات سيد المرسلين
أهو من الاعداء له ام يعد من المسلمين فما هذه الشناعة يا اصحاب الصقاعة و الرقاعة
في ذات صاحب الشفاعة و من هو الرحمة بذاته للكّفار فض ً لا عن الاسلام فض ً لا عن
اهل ال سنة و الجماعة فتأمل رحمك الله في هذه الجملة و دع الجاهل و جهله فيتحقق
لك ان آية ابتغاء الوسيلة عام في الاعمال و الاقوال و الذوات بدليل هذه الأحاديث
ال صحيحة و من الآيات ال دالة على الطلب من المخلوق و لو ما لا يقدر عليه الا الله إذا
كان في مقام الكرامة للأولياء قوله تعالى عن ن بي الله سليمان (يآ َاي ها الْ ملأُ َاي ُ ك م يْاتِينِي
بِع رشِ ها َقب َ ل َا ْ ن يْاتونِي مسلِمِ ين * النمل: ٣٨ ) فطلب من الملأ و هم الجن و الانس و
فيهم مردة الشياطين قال عفريت من الجن انا آتيك به قبل ان تقوم من مقامك قال
سليمان اريد اسرع من ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب و هو آصف بن برخيا
من الانس و كان كاتب سليمان انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فاتى به في هذه
المدة القصيرة و كان العرش في اليمن و سليمان في الشام و مسيرة ما بينهما ثلاثة
اشهر فاتى به من تحت الارض و هو سرير مكلل بالجواهر و الذهب فلم ينكسر منه
شئ و لم يتخلخل فقد اجمع اهل العلم ان هذا من نوع الكرامة و هو الامر الخارق
للعادة يجريه الله على يد وليه و عبده ال صالح و الله تعالى ذكر في كتابه ذلك في مقام
الافتخار لذلك الرجل ال صالح و لم يعتب الله علىسليمان و لم يقل له لم دعوت غيري
- ٣٦ -
و انا اقرب اليك من حبل الوريد و عبيدى غير قادرين على هذا الامر الذي لا يقدر
عليه غيري و ذلك لأن ن بي الله سليمان و رسوله صلوات الله عليه يعلم ان ذلك من
التماس الاسباب و هو من المشروع الذي امر الله تعالى به و كذلك الطلب من
الرسول صّلى الله عليه و سّلم او من شهداء و صلحاء امته انما هو من نوع الكرامة و
التسبب و الفاعل الحقيقي في ذلك هو الله تعالى و كرامة الأولياء داخلة في فضائل
الانبياء لأا بواسطتهم تكون للأولياء بسبب متابعتهم لذلك الن بي صّلى الله عليه و
سّلم و من الآيات القرآنية ال دالة على التو سل و التشفع بالمقربين لاسيما سيد المرسلين
قوله تعالى ( َ وكَانوا مِ ن َقبلُ ي ست ْ فتِ حو َ ن عَلى الَّذِي ن َ كَفروا َفَل ما جآءَ ه م ما ع رفُوا
َ كَفروا بِهِ َفَلعنةُ اللَّهِ عَلى اْل َ كافِرِي ن * البقرة: ٨٩ ) اتفق المفسرون و اهل الحديث اا
نزلت في يهود خيبر كانوا قبل وجوده صّلى الله عليه و سّلم يحاربون اسدًا و غطفان
من مشركي العرب و كانوا يقولون الّله م بحق هذا الن بي الذي تبعثه آخر الزمان ا ّ لا
نصرتنا عليهم فينصرون فلما جاء هم الرسول و رأوه كفروا به عنادًا و حسدًا و قال
ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) ان اليهود كانوا يحاربون جيرام من العرب في
الجاهلية و يستنصرون عليهم بالن بي صّلى الله عليه و سّلم قبل ظهوره فيفتح لهم و
ينصرون عليهم فلما ظهر الن بي صّلى الله عليه و سّلم كفروا و جحدوا نب وته
فأستفتاحهم به مع جحد نب وته مما لا يجتمعان فإن كان استفتاحهم به لانه ن بي كان
جحد نب وته محالا و إن كان جحد نب وته كما يزعمون حقًا كان استفتاحهم به باطلا و
هذا مما لا جواب لاعدائه عنه البتة انتهى و في بعض حواشى البيضاوى نقلا عن السعد
التفتازانى قال و الاظهر أنهم كانوا يطلبون الفتح من الله عليهم متو سلين بذكره صّلى
الله عليه وسلم و يجعلون اسمه شفيعًا انتهى ورأيت للعلامة الورع الزاهد تقي ال دين
الحصني( ١) جعل الله بركات علومه من كل سوء حصنى كلاما لطيفًا يكتب بماء العيون
قال في كتابه المولد النبوي ما نصه و اذا سمع المسلم ما اشتملت عليه اخلاقه الكريمة
١) ابو بكر الحصني ال شافعي الشامي توفي سنة ٨٢٩ ه. [ ١٤٢٦ م.] )
- ٣٧ -
من حلمه و عفوه و احتماله عرف قدره عند الله فيتو سل به في اموره و مهماته فإنه
الشفيع المشفع و الحبيب الذي إذا طلب منه شئ استشفاعًا به اجيب و لا يمنع و قد
ارشدك الله في كتابه العزيز و الهم اصفيائه الى ذلك بل تو سل به اشد الناس عداوة له و
للمؤمنين كما هو مذكور في كتابه المبين فاجام اظهارًا لتعظيم حبيبه سيد الاولين و
الآخرين قال ابن عباس كانت اهل خيبر تقاتل غطفان كلما التقوا هزمت غطفان
اليهود فعاذت اليهود ذا الدعاء الّله م انا نسئلك بحق هذا الن بي الذي وعدتنا ان تخرجه
لنا آخر الزمان ا ّ لا نصرتنا عليهم فكانوا اذا التقوا دعوا اليهود ذا الدعاء فتهزم اليهود
غطفان فلما بعث الله محمدًا صّلى الله عليه و سلم كفروا به فانزل الله قوله (و كانوا
من قبل يستفتحون على الذين كفروا) اي يدعون بك يا مح مد الى قوله (فلعنة الله على
الكافرين) فانظر ارشدك الله تعالى الى هذا الشرف و المكانة له عند ربه كيف كان
يستجيب لمن هو كافر به و يعلم تعالى أنه يكون من اشد الناس عداوة له و ايذاء و
كان ذلك قبل بروزه الى الوجود فكيف و قد بعث رحمًة للعالمين فمن منع التو سل به
فقد اعلم الناس أنه اسوأ حالا من اليهود و نادى على نفسه بذلك ثم ذكر تو سل آدم
به و ما ذكره المف سرون في ذلك و اهل الحديث فتأمل في حسن هذا الكلام و موقعه
لتعلم حال من منع التو سل به و شقاءه حيث أن الله جعله دليلا على نب وته و ملزما
لاعدائه بالحجة البالغة فيه و قد بقى من آيات القرآن ما فيه دلالة على التو سل و
التشفع مما ذكرناه في غير هذا لكتاب (فصل) و لما كان ما يحصل من التو سل و
التشفع بالانبياء و الأولياء انما هو من طريق الكرامة مع كوم متسببين في دار
برازخهم و الكرامة لما اجمع عليها المسلمون من اهل ال سنة و الجماعة و هى من واجب
الاعتقاد على العباد و اصلها في كتاب الله تعالى باتفاق اهل ال سنة و ذلك طلب
سليمان عليه ال سلام احضار عرش بلقيس من سبأ الى الشام في طرفة عين و لم
يتخلخل منه شئ و هو من الجواهر و الذهب و كان من اتى به آصف بن برخيا و هو
و ّ لي بلا ش ك و كذلك رزق مريم كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا
- ٣٨ -
و غير ذلك مما ذكره اهل عقائد كل مذهب من مذاهب اهل ال سنة و قد اتفق اهل
ال سنة و الجماعة على ان كرامات الأولياء من معجزات الانبياء عليهم ال سلام لأن
المعجزة لما كانت في الانبياء المتبوعين بقيت آثارها في التابعين الأحياء و الميتين بل هى
في الانبياء و الأولياء بعد الانتقال الى دار البقاء ادل و اقوى على صدقهم و حقيقة
دينهم و ذلك ان الن بي الح ي و الو ّ لي الحي قد يظن العد و الكافر و المنافق ان المعجزة و
الكرامة من تعملهم و تحيلهم و اما بعد الانتقال فلم تبق هذه الشبهة بوجه لعلم ذوى
العقول ان هذا من محض خلق الله و قدرته اجراه تعالى على يد نبيه او وليه كرامة له
بخرق العادة ثم انما تنسب المعجزة او الكرامة لن بي ظاهر او و ّ لي معلوم اتباعه للن بي
المعصوم صلوات الله عليه و هؤلاء لا يمكن الشيطان ان يتصور بصورهم اما الانبياء
( فمعلوم لمكان العصمة و لقوله تعالى (اِنَّ عِبادِي َلي س َل ك عَليهِم سلْطَانٌ * الحجر: ٤٢
و اما الأولياء فللارث للانبياء كما ورد في سيدنا عمر و ابن مسعود و غيرهما و اما
قول الاوشي( ١) في بدأ الامالى.
كرامات الو ّ لي بدار دنيا * لها كون فهم اهل النوال
فليس مما يتعلق به ذو فهم لأن مقصوده ان كرامات الأولياء ظهورها و
كوا يكون بدار دنيا و هو كذلك لأن دار الآخرة ليست محل خلاف بيننا و بين
المعتزلة لأنهم ينكرون وجود الكرامة في ال دنيا لأا تشبه المعجزة من جهة خرق العادة
فيشتبه الو ّ لي بالن بي عندهم و اهل ال سنة و الجماعة يثبتوا في دار ال دنيا و لا اشتباه لأن
المعجزة انما تكون من الن بي مقرونة بالتحدى و هي ادعاء النب وة و الو ّ لي لا يتحدى بل
لو تحدى لخرج عن ولاية الله فقوله بدار دنيا متعلق بكون فيكون المعنى كرامات الو ّ لي
لها كون بدار دنيا ثم فرع على ذلك قوله فهم اهل النوال يعني اهل العطاء لمن يسئلهم
و يطلب منهم تشفعًا و عديم الفهم ظن ان بدار دنيا حالا من الو ّ لي اي كرامات الو ّ لي
حال كونه بدار دنيا لها كون اي لها وجود ففهم عديم الفهم ان الو ّ لي إذا انتقل الى
١) علي الاوشي الفرغاني توفي سنة ٥٧٥ ه. [ ١١٧٩ م.] )
- ٣٩ -
الدار البرزخية لا يكون بدار دنيا فلا يكون له كرامة و هذا خطأ فإن العلماء الكمل
كالنجارى الحنفى شارح بدأ الامالى و ال شيخ احمد( ١) محشى الاشباه الحنفي في رسالة
له ذكرا ما ذكرته و قالوا بناءً على فهم من فهم خلافه ان الو ّ لي ما دام لم يصل الى
الآخرة و هى ما بعد القيامة فهو بدار دنيا فيكون كراماته موجودة و هذا كله لارخاء
العنان و ا ّ لا فالواقع من كرامات الأولياء بعد موم شئ لا يحصى و اجمع عليه العلماء
فلننقل لك ما هو ثابت بالسنة ال صحيحة منها ما في البخاري ان عاصمًا ال صحابي كان
عاهد الله في ال دنيا ان لا يمس مشركًا و لا يمسه مشرك فلما قتله الكّفار ارادوا ان
يأخذوا ل شته فحماها الدبر اي الزنابير فما قدروا على الوصول اليه و هذه لا شك اا
كرامة من الله تعالى لهذا الو ّ لي بعد موته و كذلك حديث خبيب لما صلبه الكّفار بعد
قتله ذهب اليه بعض الصحابة فأتاه ليلا فقطع حبل صلبه فسقط و لم يعلم اين ذهب و
كذلك ال صحابي الذي استشهد و هو مجنب فغسلته الملائكة و هو حنظلة غسيل
الملائكة و كل ذلك في البخاري و في المشكاة( ٢) عن عائشة رضى الله عنها انا
لنتحدث ان النجاشى لا زال على قبره نور ساطع و قد قدمنا لك حديث جعفر بن
ابي طالب و أنه بعد قتله ذهب لاهل بيشة يبشرهم بالمطر و كذلك غيره و حديث
تكلم رأس الحسين رضى الله عنه و هو أنه كان امام الرأس ال شريف قارئ يقرأ سورة
الكهف فقرأ (َا م حسِب ت َانَّ َاصحا ب الْ َ كهفِ وال رقِيمِ َ كانوا مِ ن آياتِنا ع جبا *
الكهف: ٩) فقال الرأس قتلي و حملي اعجب من اهل الكهف و كذا قرائة نصر
الخزاعى و هو مصلوب فإنه صلبه المأمون و امر رج ً لا بيده رمح يحرفه عن القبلة فكان
إذا جن الليل استدار الى القبلة قال الراوي فسمعته يقول (الم * َا حسِ ب النا س َا ْ ن
٢) قال فأقشعر جلدي الى – يت ركُوا َا ْ ن يُقوُلوا آمنا و ه م َ لا ي ْ فتنو َ ن * العنكبوت: ١
آخر الحديث و قد تقدم عن الحديث الذي فيه ان صاحب القبر قرأ سورة الملك حتى
١) احمد الحموي الحنفي توفي سنة ١٠٩٨ ه. [ ١٦٨٧ م.] في مصر )
٢) المشكاة لولي ال دين مح مد المتبريزي التوفي سنة ٧٤٩ ه. [ ١٣٤٨ م.] و هو شرح المصابيح للبغروي )
- ٤٠ -
ختمها و كلها آثار صحيحة ذكرها ائمة الحديث و اخرج ابن عساكر من طريق مح مد
بن اسحاق بن الحريض عن المسيب بن واضح عن عيسى بن كيسان عمن حدثه عن
عمير بن الحباب ال سلمي قال اسرت انا و ثمانية معي في زمان بني امية فادخلنا على
ملك الروم فامر باصحابي فضربت رقام ثم اني قدمت لضرب عنقي فقام اليه بعض
البطارقه فلم يزل يقبل رأسه و رجليه حتى وهبني له فانطلق بي الى مترله فدعى ابنة له
جميلة فقال لي هذه ابنتي ازوجك ا و اقاسمك مالى فادخل في ديني فقلت ما اترك ديني
لزوجة و لا لدنيا فمكث ايامًا يعرض عل ي ذلك فدعتني ابنته ذات ليلة الى بستان لها
فقالت ما يمنعك مما عرض عليك ابي فقلت ما اترك ديني لإمرأة و لا لدنيا قالت فتحب
المكث عندنا او الالحاق ببلادك فقلت الذهاب الى بلادي قال فأرتني نجمًا في السماء و
قالت سر على النجم بالليل و اكمن بالنهار فإنه يلقيك الى بلادك ثم زودتني و انطلقت
فسرت ثلاث ليال اسير بالليل و اكمن بالنهار فبينا انا في اليوم الرابع مكمن فإذا الخيل
فقلت طلبت فاشرفوا علي فإذا انا باصحابي المقتولين و معهم آخرون على دواب
شهب فقالوا عمير فقلت او ليس قد قتلتم قالوا بلى و لكن الله نشر الشهداء و اذن
لهم ان يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز فقال لي بعض الذين معهم ناولني يدك يا
عمير فناولته يدي فاردفني ثم سرنا يسيرًا ثم قذف بي قذفة وقعت قرب مترلي بالجزيرة
من غير ان يلحقني شئ و ذكر ابن الجوزي بسنده عن أبي عل ي البربري و هو اول من
سكن طرسوس عن ثلاث اخوة من الشام كانوا يغزون فا سرهم الروم فجرى عليهم
كما جرى على عمير المتقدم ذكره فقتل اثنان و بقى الآخر ثم ان و احدًا من كبار
الروم تجعل ابنته تغويه فهدها الله و اسلمت و شردت هي و هو فبينما هما كامنان
بالنهار إذ سمعا وقع خيل فإذا هو بأخويه المقتولين و معهما ملائكة فسلم عليهما و
سألهما عن حالهما فقالا له ان الله ارسلنا اليك لنشهد تزويجك ذه الفتاة فزوجوه اياها
و رجعوا وخرج الى بلا دالشام فأقام معها و كانوا مشهورين بذلك معروفين بال شام
في الزمان الاول و هذا باب واسع فيه للسلف كتب مؤلفة ككتاب ابن أبي ال دنيا فيمن
- ٤١ -
عاش بعد الموت و كتابه في كرامات الأولياء و كتاب القبور و كتاب أبي نعيم المسمى
بالحلية و صفة الصفوة لابن الجوزي و عيون الحكايات له و غير ذلك فهذا من حيث
النقل عن المحدثين و اهل الأثر و اما من العلماء من كل مذهب فاحسن من ذكر
كرامات الأولياء بعد الموت ابن تيمية و ابن القيم و اما انكار بعض الحنفية طي المسافة
من نوع الكرامة فقد رده ائمة الحنفية في كتب الفقه و كتب العقايد بمسئلة ما لو
تزوج مغربي مشرقية فسافر عنها مدة بعيدة فحملت بعد غيبته باكثر من مدة الحمل
قالوا يلحق به النسب لاحتمال اتيانه اليها بط ي المسافة من باب الكرامة و اطبق على
هذا الفقهاء كما في ال در و غيره و كما في كتب العقائد و ذكره صاحب الوهبانية
بأن ط ي المسافة من جملة الكرامات التى يجب اعتقادها و أنه نصره النسفي فهو المعول
عليه في هذه المطالب و اجمع عليه من بعده من الحنفية في مصنفام كما في الفقه
الاكبر و السواد الاعظم و وصية أبي يوسف للامام الاعظم و في شروح هذه الكتب و
في النسفية و شروحها و في المواقف و المقاصد و شروحهما و غير ذلك من كتب
الأئمة الحنفية و غيرهم كيف و قد وردت به الآية التى هى عمدة استدلال اهل ال سنة
على وجوب اعتقاد الكرامة و هى قصة اتيان عرش بلقيس من المكان البعيد في طرفة
عين فإن هذا من ط ي المسافة كما لا يخفى على منصف و في شرح السواد الاعظم
المنسوب للامام الاعظم رضي الله عنه عبارة في غاية الحسن و اللطافة ناسب ذكرها
هنا قال الثانية و الثلاثون ما قلنا أنه ينبغي ان يقر بكرامة الأولياء لأن من أنكر كرامة
الأولياء فهو مبتدع و من أنكرها و هو يظن ان ذلك هدم معجزات الانبياء فهذا لا
يخرج عن احد الحالين اما ينكر الآيات التى في كتاب الله تعالى فمن أنكر الآيات فقد
كفر و ان لم ينكر الآيات و آمن ا و لكن يقول كانوا انبياء فقد كفر و ان لم ينكر
الآيات و لم يقل كانوا انبياء فقد صح عنده ان هذه كرامة الأولياء كانت لغير الانبياء
و يجوز ذلك لأن الله تعالى (قَا َ ل الَّذِي عِن ده عِلْم مِ ن الْكِتابِ َانا آتِي ك بِهِ َقب َ ل ان
يرت د اَِلي ك َ طرفُ ك * النمل: ٤٠ ) و كان آصف بن برخبا من الأولياء و لم يكن نبيًا و
- ٤٢ -
كان من امة سليمان بن داود فلم جاز ان يكون من امة سليمان و له كرامة الأولياء و
ليس يجوز في امة مح مد صّلى الله عليه و سّلم كرامة أولياء و مح مد افضل من سليمان و
امة مح مد افضل من امة سليمان فإن قال المخالف تلك الكرامة كانت من قبل سليمان
نقول و هذه الكرامة كانت من قبل مح مد صّلى الله عليه و سّلم و قوله تعالى ( و هزِّي
اَِليكِ بِجِذْعِ النخَلةِ ت ساقِ ْ ط عَليكِ ر َ طبا جنِيًا * مريم: ٢٥ ) فاخرج الله لها من الشجرة
ثمرة لاجل مريم اكرمها بذلك و مريم لم تكن نبية و قوله تعالى ( ُ كلَّ ما د خ َ ل عَلي ها
ز َ كرِيا اْلمِ ح را ب و ج د عِن د ها رِ زًقا قَا َ ل يا مريم َانى َلكِ ه َ ذا َقاَل ت ه و مِ ن عِندِ اللهِ *
آل عمران: ٣٧ ) و كذلك قصة اهل الكهف فهى كرامة عظيمة اكرمهم الله ا و لم
يكونوا انبيآء فلم جاز في الاولين كرامة الأولياء و لا يجز في امة مح مد كرامة الأولياء و
قد قال تعالى ( ُ كنت م خي ر اُمةٍ اُخرِ جت لِلناسِ * آل عمران: ١١٠ ) فإن قال المخالف
ان فلانًا يذهب في ليلة واحدة الى بيت الله و يرجع هذا لا يكون ابدًا قيل كأنك تقول
لم تكن للنبي صّلى الله عليه و سّلم كرامة فلم يكرم ا احد فإنه صّلى الله عليه و سّلم
اسري به و عرج به الى ال سموات السبع و بلغ ما شاء الله ثم ر ج َ ل فهل يكون كرامة
اعظم من هذه و ايضًا يقال للمخالف المؤمن خير ام الكافر فإنا وجدنا من يسير من
الكّفار في ساعةٍ واحدةٍ من المشرق الى المغرب و هو ابليس لعنه الله هذا و هو كافر
فكيف لا يكون ذلك كرامة للأولياء فتأمل و انصف و في هذا القدر كفاية انتهى
عبارة السواد الاعظم و اعلم ان الذي ينكر كرامات الأولياء انما هم الخوارج و المعتزلة
و الرافضة كما ذكره ابن تيمية و غيره لعدم وجودها عندهم لأنهم ليسوا من اهل
الكرامة فلا كرامة لهم و صّلى الله على سيدنا مح مد و على آله و صحبه و سلم.
- ٤٣ -
هذا كتاب اشد الجهاد في ابطال دعوى الاجتهاد
تأليف العالم العلامة شيخ الاسلام و ناصر ال سنة الفاني بربه الابدي
سيدي و مولاي ال شيخ داود الموسوي البغدادي
بسم الله ال رحمن ال رحيم
الحمد لله الذي رزق اهل ال سنة اتباع المذاهب الاربعة * و عمر م و
باتباعهم ال دين و اربعه * و ال صلوة و ال سلام على سيدنا مح مد القائل بحمل هذا العلم
من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين * وعلى آله واصحابه
و الأئمة اتهدين في ال دين غير المبتدعين * اما بعد فيقول المفتقر الى الرب الابدى *
داود بن السيد سليمان البغدادي النقشبندي الخالدي * قد اتتني صحيفة من بعض طلبة
العلم المنسوبين لنا عن لسان بعض اهل الهند يذكرون فيها ان اناسًا عندهم يدعون
الاجتهاد المطلق و أنهم غير محتاجين الى اتباع المذاهب الاربعة رضي الله عنهم و
يزعمون ان الله تعالى و رسوله ما اوجبا على الناس اتباعهم وأم يعتمدون على الاخذ
من الكتاب وال سنة فطلب مني الجماعة الهنديون رد هؤلاء المدعين و بيان تزيف اقوالهم
لئلا يغتر م من مثلهم او غيرهم من العوام و لما كانت هذه المسئلة لم يصنف فيها
كتاب فيما علمت التزمت ان انقل ما حرره العلماء رحمهم الله تعالى و اتتبع اقوالهم في
خلال مباحثهم في بعض المسائل و ان هذه المسئلة تحتاج الى امد بعيد لكن استعين بالله
على قصر مسافتها لأن الطالبين مستعجلون فيها و قد ع ن لي ان اسميها اشد الجهاد في
ابطال دعوى الاجتهاد فاقول و بالله التوفيق اول ما نقدم احوال المذاهب الاربعة
ومناقبهم رضي الله عنهم و نفعنا من بركام ليصدق قول الفرزدق( ١) فيما قاله
اولئك آبائي فجئنى بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير اامع
١) فرزدق همام الشاعر الشهير توفي سنة ١١٠ ه. [ ٧٢٨ م.] في كوفة )
- ٤٤ -
قال علامة البشر شهاب ال دين أحمد ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان في
مناقب أبي حنيفة النعمان في اول خطبته الحمد لله الذي اختص العلماء بوراثة الانبياء و
التخلق باخلاقهم و جعلهم القدوة للكافة في معاشهم و معادهم و ميز اتهدين منهم
بقيامهم بمصالحهم و ايضاح الحق لهم في مصادرهم و مواردهم و باضطرار الخلق اليهم
في قوام ما به حياة ارواحهم و أبدام فهم الملوك لا بل الملوك تحت اقدامهم و في
اسرارهم و اقلامهم و هم النجوم لا بل النجوم تستمد من انوارهم و هم الشموس لا
بل الشموس تستضيئ من اضوائهم و اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له أترقى
ا في كمالات معارفهم و اشهد ان سيدنا محمدًا عبده و رسوله المذيع لمعالى مناقبهم
و كمالهم و المفيض عليهم من سوابق التوفيق لاقتفاء آثاره في سائر احوالهم ما سبقوا
به من سواهم الى الخلافة الكبرى عنه في الهداية و الامداد للخلق ببواطنهم و ظواهرهم
الى ان قال و الاولى ان يختار من الأئمة الاربعة من ظن أنه افضل الاربعة و اعلمهم ثم
كل من أبي حنيفة و مالك و ال شافعي و احمد رضي الله عنهم اجتاز باقليم لا يعرف
فيه غير اتباعه او يكون اتباعه اكثر كأقليم الحجاز و اليمن و مصر و الشام و حلب و
عراق العرب و العجم بالنسبة لل شافعي رضي الله عنه و كالغرب على سعته بالنسبة
لمالك رضي الله عنه و كالروم و الهند و ما ورآء النهر بالنسبة لأبي حنيفة رضي الله
عنه و من ثم قال المصنف( ١) يعني صاحب كتاب عين العلم و ورد من طرق أبو حنيفة
سراج امتى و ان فضله و ما اشتهر عنه من العبادة و الورع و الزهد و السنحاء و دّقة
النظر و ح دة الفكر يغنى عن ان يستدل لفضله بما اطبق المحدثون على وصفه و سمع
الباري في المنام يقول انا عند علم أبي حنيفة اي بالحفظ و القبول و الرضى و انزال
البركة فيه و في الآخذين به و سّلم المخالفون له سبعة اقسام في الفقه و هو المشارك
لهم في الباقي و من ثم قال ال شافعي رضي الله عنه الناس في الفقه عيال على ابي حنيفة
و اصحابه و قال ايضًا من أراد ان يعرف الفقه فليلزم ابا حنيفة و اصحابه و قال ايضًا
١) صاحب كتاب عين العلم مح مد البلخي تبفي سنة ٨٢٨ ه. [ ١٤٢٥ م.] )
- ٤٥ -
قلت لمالك أرأيت ابا حنيفة فقال رأيت رج ً لا لو كلمك في السارية ان يجعلها من
ذهب لقام بحجته و قال النظر بن شميل كان الناس نيامًا عن الفقه حتى ايقظهم أبو
حنيفة و دخل على امير المؤمنين المنصور و عنده عيسى بن موسى العابد الزاهد فقال
للمنصور هذا عالم ال دنيا فقال له المنصور عمن اخذت العلم قال عن اصحاب عمر عن
عمر رضي الله عنه فقال المنصور لقد استوثقت و كان يقوم كل الليل و سمع هاتفا في
المنام و هو في الكعبة المشرفة يقول يا ابا حنيفة اخلصت الخدمة لي و احسنت معرفتى
فقد غفرت لك و لمن تبعك ببركة اخلاصك و احسانك المذكورين الى يوم القيامة و
في هذا من البشرى له و لاتباعه ما يحمل الموفق منهم على بذل طاقته في اقتفاء آثار
امامه فيما كان عليه من تلك الاخلاق العلية و الصفات الطاهرة الزكية التى ق ّ ل ان
تجتمع ا ّ لا للعارفين و الأئمة اتهدين و تلمذ له كبار من الأئمة اتهدين و العلماء
الراسخين كالامام الجليل امع على جلالة براعته و تقدمه و زهده عبد الله بن
المبارك( ١) و كالامام الليث و كالامام مالك بن انس و ناهيك ؤلاء الأئمة و كالامام
مسعر بن كدام( ٢) و أبي يوسف و مح مد و زفر و غيرهم و ما اشتغل رضي الله عنه
بدعوة الناس الى مذهبه الا بالاشارة النبوية في المنام ليدعوهم الى مذهبه بعد ما قصد
الانزواء و الاستخفاء عنهم تواضعًا و احتقارًا لنفسه عن ان يجعل لها حظًا و يرى منها
اولها فعلا حسنا يستحق رعاية الناس الى الاقتداء و العمل به فلما جاء الاذن ممن
فوضت اليه قسمة خزائن الله تعالى على مستحقيها علم ان ذلك حتم لا بد منه فدعى
الناس اليه حتى ظهر مذهبه و انتشر و كثرت اتباعه و خذلت ح ساده و نفع الله به
شرقًا و غربًا و عجمًا و عربًا و رزق حظًا وافرًا في اتباعه فقاموا بتحرير اصول مذهبه
و فروعه و امعنوا النظر في منقوله و معقوله حتى صار بحمد الله محكم القواعد معدن
الفوائد و يؤيد ذلك ما حكاه بعض اصحاب المناقب ان ثابتا والده اتى به و هو صغير
١) عبد الله بن المبارك توفي سنة ١٨١ ه. [ ٧٩٧ م.] )
٢) مسعر بن كدام توفي سنة ١٥٥ ه. [ ٧٧٢ م.] )
- ٤٦ -
لعل ي كرم الله وجهه فدعى له بالبركة و لذريته فكان ما اوتيه أبو حنيفة من بركة تلك
الدعوة و لقى أنسًا ال صحابي و غيره رضي الله عنهم و نظم بعضهم من لقى من
ال صحابة فقال
لقى الامام أبو حنيفة ستة * من صحب طه المصطفى المختار
أنسًا و عبد الله نجل انيسهم * و سمية ابن الحارث الكرار
وزر ابن اوفى ثم واثلة الرضى * و اضمم اليهم معقل بن يسار
و مولده رضي الله عنه سنة ثمانين و موته بالمائة و الخمسين و اما الامام
مالك رضي الله عنه ولد في سنة تسعين أو ثلاثة وتسعين ومات في تسع وسبعين ومائة
و روى عنه انه قال ما افتيت حتى شهد لي سبعون امامًا اني اهل لذلك و قل رجل
كنت اتعلم منه و مات حتى يستفتيني قال اليافعي اخبر بنعمة الله ذا الكلام من غير
افتخار يعني من باب ( وَاما بِنِع مةِ رب ك َف ح دثْ * الضحى: ١١ ) و قال الزرقاني في
شرح الموطأ هو الامام المشهور صدر ال صدور اكمل العقلاء و اعقل الفضلاء ورث
حديث رسول الله صّلى الله عليه و سّلم و نشر في امته الاحكام و الفصول اخذ عن
تسعمائة شيخ فاكثر و ما افتى حتى شهد له سبعون امامًا أنه اهل لذلك و كتب بيده
مائة الف حديث و جلس للدرس و هو ابن سبعة عشر سنة و صارت حلقته اكبر من
حلقة مشايخه في حيام و كان الناس يزدحمون على بابه لأخذ الحديث و الفقه
كازدحامهم على باب السلطان و له حاجب يأذن اولا للخاصة فإذا فرغوا اذن للعامة
و لا يدخل الخلاء ا ّ لا كل ثلاثة ايام مرة و يقول و الله لقد استحييت من كثرة ترددي
للخلاء و لما اّلف المو ّ طأ ام نفسه بالاخلاص فيه فألقاه في المآء و قال ان ابتل فلا
حاجة لي به فلم يبتل منه شئ و اثنى الأئمة عليه كثيرا قال سفيان بن عيينه رحم الله
مالكا ما كان اشد انتقاده للرجال و كان لا يبلغ من الحديث ا ّ لا ما كان صحيحًا يعني
لا يقول بلغني كذا و فيه ادنى شبهة بل لا يقول ذلك ا ّ لا و هو صحيح قطعًا و لا
يحدث ا ّ لا عن ثقات الناس و قال عبد الرحمن بن مهدي ما بقي على وجه الارض آمن
- ٤٧ -
على حديث رسول الله صّلى الله عليه و سّلم من مالك بن انس و لا اقدم عليه في
( صحة الحديث احدًا وما رأيت اعقل منه وقال عبد الرحمن بن مهدي سفيان الثوري( ١
امام في الحديث و ليس بامام في ال سنة و الاوزاعي( ٢) امام في ال سنة و ليس بامام في
الحديث و الامام مالك امام فيهما جميعا و قال يحيى ابن سعيد و يحيى بن معين مالك
امير المؤمنين في الحديث زاد ابن معين كان مالك من حجج الله على خلقه امام من
ائمة المسلمين مجمع على فضله و قال ال شافعي اذا جاء الاثر فمالك النجم و إذا ذكر
العلماء فمالك النجم الثاقب و لم يبلغ احد مبلغ مالك في العلم لحفظه و اتقانه و
صيانته و ما احد أمن عل ي في علم الله من مالك و جعلت مالكًا ح جة بينى و بين الله
و مالك و ابن عيينه القرينان لو لاهما لذهب علم الحجاز و قال عبد الله بن أحمد بن
( حنبل قلت لابي من اثبت اصحاب الزهري قال مالك في كل شئ و قال ابن وهب( ٣
لو لا مالك و الليث لضللنا و كان الاوزاعي إذا ذكر مالكا قال عالم العلماء و عالم
اهل المدينة و مفتي الحرمين و قال ابن عيينه لما بلغته وفاته ما ترك على الارض مثله و
قال ايضًا مالك امام ال دنيا و عالم اهل الحجاز مالك ح جة في زمانه و مالك سراج
الامة و انما كنا نتبع آثاره و قدمه ابن حنبل على الثوري و الليث و الحكم و حماد و
الاوزاعي في العلم و قال سفيان بن عيينه في حديث (يوشك ان يضرب اكباد الابل
يطلبون العلم فلا يجدون عالمًا اعلم من عالم المدينة) اخرجه مالك و الترمذي و ح سنه
النسائي و الحاكم و ص ححه عن أبي هريرة مرفوعًا نرى أنه مالك بن أنس و روى أبو
نعيم عن المثنى بن سعيد سمعت مالكا يقول ما بت ليلة ا ّ لا رأيت فيها رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و اخرج ابن عبد البر عن مصعب بن عبد الله الزبير عن ابيه قال كنت
جالسا بمسجد رسول الله صّلى الله عليه و سّلم مع مالك فجاء رجل فقال ايكم أبو
١) سفيان الثوري توفي سنة ١٦١ ه. [ ٧٧٧ م.] في البصرة )
٢) عبد الرحمن الاوزاعي توفي سنة ١٥٧ ه. [ ٧٧٤ م.] في بيروت )
٣) ابن وهب عبد الله المالكي توفي سنة ١٩٧ ه. [ ٨١٣ م.] )
- ٤٨ -
عبد الله مالك فقالوا هذا فجاء فسلم عليه و اعتنقه و قبل بين عينيه و ضمه الى صدره
و قال و الله رأيت البارحة رسول الله صّلى الله عليه و سّلم جالسا في هذا الموضع
فقال هاتوا مالكا فأتى بك ترعد فرائصك فقال ليس عليك بائس يا ابا عبد الله و
كناك و قال اجلس فجلست فقال افتح حجرك ففتحت فملأه مسكًا منثورًا و قال
ضمه اليك و بثه في امتى فبكى مالك طويلا و قال الرؤيا تسر و لا تضر و ان صدقت
رؤياك فهو العلم الذي اودعني الله و لقد اّلف في مناقبه مجلدات كثيرة و الله اعلم.
و اما الامام ال شافعي رضي الله عنه فهو الامام القرشي المطلبي الملتقي مع
الن بي صّلى الله عليه و سّلم في جده الرابع عبد مناف و لقد احسن من قال
ال شافعي امام كل ائمة * تربو فضائله على الآلاف
ختم النب وة و الامامة و الهدى * بمحمدين هما لعبد مناف
فهو مح مد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن
يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف و شافع المنسوب اليه هذا اسلم هو و ابوه
السائب صاحب راية قريش يوم بدر فال شافعي امام الأئمة علمًا و عم ً لا و زهدًا و
معرفًة و ذكاءً و حفظًا و نسبًا فإنه برع في كل ما ذكر و فاق اكثر من سبقه لا سيما
مشايخه كمالك و سفيان بن عيينة و مشايخهم و اجتمع له من تلك الانواع و كثرة
الاتباع في اكثر اقطار الارض و تقدم مذهبه و اهله لا سيما في الحرمين و الارض
المقدسة و هذه الثلاثة و اهلها أفضل الأرض و اهلها ما لم يجتمع لغيره و هذا حكمة
تخصيصه في الحديث المعمول به في مثل ذلك يعني المناقب و زعم بعض وضعه حسدًا و
غلطًا فاحشًا و هو قوله صّلى الله عليه و سّلم (عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا)
قال امام ال سنة و الحديث أحمد بن حنبل و غيره من ائمة الحديث و الفقه نراه ال شافعي
و لانه لم يجتمع لقرشي من الشهرة كما ذكر مثل ما اجتمع له فلم يترل الحديث ا ّ لا
عليه و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه يا ابتي اني اراك تكثر الدعاء للشافعي
فكيف كان قال يا بني أنه كان للناس كالشمس للدنيا و كالعا فية للناس فهل ترى
- ٤٩ -
لهذين من خلف و ثناء السلف عليه كثير ضربنا عنه خوف الاطالة و اما غرائب
استنباطاته فكثيرة جدا و كاشف اصحابه بوقائع وقعت بعد موته كما اخبر ورأى
الن بي صّلى الله عليه و سّلم و قد اعطاه ميزانًا فاولت له بأن مذهبه اعدل المذاهب و
اوفقها للسنة الغراء التي هي اعدل الملل و اوفقها للحكمة العملية و العلمية ولد بغزة
على الاصح سنة خمسين و مائة ثم اجيز بالافتاء و هو ابن خمسة عشرسنة ثم رحل
لمالك فأقام عنده مدة و حفظ موطأه و كان في الاول تسعة آلاف حديث و خمسمائة
ثم اختصره في هذا الموجود الآن و هو الف و سبعمائة تقريبًا و ال شافعي رضي الله عنه
حفظ الاول قبل الاختصار و هو بقدر هذا الموجود نحو ستة مرات فليتنبه لذالك ثم
( رحل لبغداد ولقب ناصر ال سنة لما ناظر ا اكابرها وظفر عليهم كمح مد بن الحسن( ١
و كان أبو يوسف ميتًا ثم عاد بعد عامين لمكة ثم لبغداد سنة ثمانية و تسعين و مائة ثم
بعد سنة لمصر فأقام ا كهفا لاهلها الى ان تقطب و من الخوارق التي لم يقع نظيرها
تهد غيره استنباطه و تحريره لمذهبه الجديد على سعته المفرطة في نحو اربع سنين و
توفي سنة اربعة و مائتين ا و اريد بعد ازمنة نقله منها لبغداد و ظهر من قبره روائح
طيبة عطلت حواس الحاضرين فتركوه و قد اكثر الناس التصانيف في مناقبه حتى بلغت
نحو اربعين تصنيفًا.
و اما الامام أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي احد
الاعلام ببغداد و قد تجاوز سبعًا و سبعين سنة بايام فكان اماما في الحديث و ضروبه و
اماما في الفقه و رقائقه اماما في ال سنة و دقائقها و حقائقها اماما في الورع و غوامضه
اماما في الزهد و حقائقه خرج ابواه من مروز و هو محمول به و ولد ببغداد و نشأ ا
و مات ا و رحل الى الكوفة و البصرة و م ّ كة و المدينة و اليمن و الشام و الجزيرة و
سمع من سفيان بن عيينه و ابراهم بن سعد و يحيى القطان و هشيم بن بشير و معتمر
بن سليمان و اسماعيل بن علية و وكيع بن الجراح و عبد الرحمن بن مهدي و روى
١) مح مد الشيباني توفي سنة ١٨٩ ه. [ ٨٠٥ م] في ري )
- ٥٠ -
عنه عبد الرزاق بن همام و يحيى بن آدم و الوليد بن هشام بن عبدالملك الطيالسي و أبو
عبد الله مح مد بن ادريس ال شافعي اخذ عنه الحديث و هو اخذ عن ال شافعي الفقه و
العلم و الاسود بن عامر و البخاري و مسلم و أبو داود و اكثر عنه في السنن و روى
الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه و روى النسائي عن عبد الله بن احمد عنه و
روى ابن ماجة عن مح مد بن يحيى الذهلي عنه و الاثرم و أبو بكر أحمد المروزي و عمر
بن سعيد الدارمي و خلق لا يحصون و قال ابراهيم الحربي ادركت ثلاثة لن يرى ابدًا
مثلهم يعجز النساء ان يلدن مثلهم رأيت ابا عبيد القسمي بن سلام ما امثله ا ّ لا جبل
نفخ فيه الروح و رأيت بشرا بن الحارث الحافي( ١) ما شبهته ا ّ لا برجل عجن من قرنه
الى قدمه عقلا و رأيت أحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الاولين من كل صنف
يقول ما شاء و يمسك ماشاء و عن الحسن بن العباس قال قلت لأبي مسهر هل تعرف
احدًا يحفظ على هذه الامة امر دينها قال لا اعلم ا ّ لا شابا بالمشرق يعني أحمد بن حنبل
و قال قتيبة بن سعيد لو ادرك أحمد بن حنبل عصر الثوري و الاوزاعي و مالك و
الليث بن سعد لكان هو المقدم و قيل لقتيبة أيضم أحمد الى التابعين قال نعم يضم الى
كبار التابعين و قال يحيى بن معين دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقلت له
اوصني فقال لا تحدث السند ا ّ لا من كتابي و قيل لابي زرعة من رأيت من المشايخ
المحدثين احفظ قال أحمد بن حنبل حزركتبه اليوم الذي مات فيه بلغ اثني عشرحملا و
عدلا و كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه و قال ابراهيم بن شماس خاض الناس فقالوا
ان وقع امر في امة مح مد صّلى الله عليه و سّلم فمن الحجة على وجه الارض فاتفقوا
كلهم على ان أحمد بن حنبل ح جة و قال ابن الاهدل كان أحمد من خواص اصحاب
ال شافعي و كان ال شافعي يأتيه في مترله و كان أحمد يحفظ الف الف حديث و قال
الربيع كتب اليه ال شافعي من مصر فلما قرأ الكتاب بكى فسالته عن ذلك فقال يذكر
أنه رأى الن بي صّلى الله عليه و سّلم و قال اكتب الى أبي عبد الله أحمد بن حنبل و اقرأ
١) بشر بن الحارث توفي سنة ٢٢٧ ه. [ ٨٤٢ م.] في بغداد )
- ٥١ -
عليه مني ال سلام و قل له انك ممتحن على القول بخلق القرآن فلا تجبهم نرفع لك علمًا
الى يوم القيامة قال الربيع له البشارة فخلع قميصه و اخذت جوابه فلما قدمت الى
ال شافعي و اخبرته بالقميص قال لا نفجعك به و لكن بله و ادفع الى مائة حتى اكون
شريكك فيه و حزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة الف و من النساء
ستين الفا و اسلم يوم موته عشرون الفًا من اليهود و النصارى و اوس و حكي عن
ابراهيم الحربي قال رأيت بشرا الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرصافة و في
كمه شئ يتحرك فقلت ما هذا فقال نثر علينا لقدوم روح أحمد بن حنبل ال د ر و
الياقوت فهذا ما التقطته انتهى ما ذكره ابن الأهدل قال في الشذرات و قد جمع ابن
الجوزي اخباره و كذلك البيهقي و شيخ الاسلام الهروي مات سنة إحدى و اربعين و
مائتين و هذه المناقب التى ذكرناها و شهادة السلف ال صالح من التابعين و تابع التابعين
لهم هى قطرة من بحر و شذرة من قلادة نحر هى السبب الاقوى في اتباع هؤلاء الاربعة
دون غيرهم مع ثناء الن بي صّلى الله عليه و سّلم عليهم بطريق الضمن بقوله (خير
القرون قرني ثم الذين يلوم ثم الذين يلوم) و في رواية (ثم الذين يلوم) و كل
من هؤلاء واقع في هذه القرون الخير الشاهد لها خير البرية فمن يترك هؤلاء الاكابر
الداخلين في قوله تعالى ( و الَّذِي ن اتبعو ه م بِاِ ح سانٍ رضِ ى اللَّه عن ه م و رضوا عنه *
التوبة: ١٠٠ ) يتبع واحدًا في ارذل القرون الذي هو الى الجهل و الرداءة اقرب و يترك
الذين شهد لهم المعصوم و من بعده من السلف المحفوظين ثم من من هؤلاء المدعين مثل
أبي حنيفة في كونه واردة فيه أحاديث من سيد المرسلين و رأى بعض ال صحابة و قد
قال صّلى الله عليه و سّلم (طوبي لمن رآني او رأى من رأني او رأى من رأى من
رآني) كما في الحديث ال صحيح و من يقول له الله تعالى قد غفرت لك و لمن تبعك
الى يوم القيامة و من يأمره رسول الله صّلى الله عليه و سّلم باظهار مذهبه و هداية
الناس به فكيف يقدم عاقل على ترك هذا و تقديم من هو في زمان الجهل و الفساد و
الجدال و العناد و كذلك من من هؤلاء المدعين من افتى و جلس للدرس في زمان
- ٥٢ -
التابعين و هو ابن سبعة عشر سنة و شهد له سبعون امامًا من كبار التابعين أنه يستحق
الافتاء و التدريس و هو ذا العمر مع و جود اولئك الاكابر كما وقع لمالك و
ال شافعي و من يشهد له الاكابر من تابع التابعين أنه ليس في ال دنيا من يحفظ على الامة
امر دينها و يكون ح جة على اهل الارض من الكّفار و المبتدعين كالامام أحمد رضي
الله عنه و ما اشبه ذلك من هذه الاحوال التى هي كالمعجزة في هذا الزمان و محال ان
يكون مثلها ا ّ لا على طريق خرق العادة و لنرجع الى رد هؤلاء المدعين للاجتهاد المطلق
في هذا الزمان في قولهم أنه ليس في حق المذاهب الاربعة حديث وارد في الاخذ
باقوالهم و ما ورد ان الاخذ باقوالهم من الأفعال الحسنة بل لنا الأخذ بالكتاب و ال سنة
فنقول ان القرآن ال شريف مصرح بالاخذ بالمذاهب على طريق العموم و في الأحاديث
النبوية كذلك لكن بطريق الاشارة لا بخصوص اربعة بل بعموم اتهدين ثم آل الامر
الى الانحصار في الاربعة إذ لم يكن مثلهم بعدهم و اجمع العلماء من زمام الى يومنا
هذا على ذلك و كل واحد من الكتاب و ال سنة ح جة تامة ترد هؤلاء الجهلة المدعين
اما الكتاب فقوله تعالى (َاطِيعوا اللهَ و َاطِيعوا ال ر سو َ ل و ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ُ ك م فإن تنا ز عت م
فِي شيءٍ َف ر دوه اَِلى اللهِ وال ر سولِ َا ْ ن ُ كنت م ت ؤمِنو َ ن بِاللهِ و الْيومِ الآخر َ ذلِ ك خير وَاح سن
تْاوِي ً لا * النساء: ٥٩ ) رجح المف سرون ان اولي الامر العلماء و قد امر الله بطاعتهم
لدخولهم بطاعة الرسول و رجح هذا القول الآخر أنهم الامراء من ولاة الأمور بأن
ولاة الامور لا تجب طاعتهم الا ان وافقت فتاوى العلماء فالعلماء في الحقيقة أمراء
الامراء فكان حمل الآية عليهم اولى و ارجح و ذلك ان الامراء ان كانوا علماء
فاتباعهم لعلمهم و ا ّ لا فالامارة وحدها من دون علم لا تفيد و تحتاج الى العلم و
العلماء كما هو ظاهر هكذا قرره الفخر الرازي في تفسيره و زيف ما عداه من الاقوال
و استنبط منها ان الكتاب و ال سنة و الاجماع و القياس كلها مأخوذة من نفس هذه
الآية فارجع اليه ان اردته قال الفخر الرازاى ذهب كثير من الفقهاء ان ظاهر الامر في
الآية للوجوب و رد من خالف في ذلك من المتكلمين قال و قد دللنا على ان قوله
- ٥٣ -
تعالى و اولي الامر منكم يدل على ان الاجماع ح جة فنقول كما د ّ ل على هذا الاصل
فكذلك د ّ ل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع و نحن نذكر بعضها فنقول:
الفرع الاول مذهبنا الاجماع لا ينعقد ا ّ لا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط
احكام الله من نصوص الكتاب و ال سنة و هؤلاء هم المسمون بأهل الحل و العقد في
كتب اصول الفقه فنقول الآية دالة عليه لانه تعالى اوجب طاعة اولي الامر و الذين لهم
النهي و الامر في ال شرع ليس الا هذا الصنف من العلماء لأن المتكلم الذي لا معرفة له
بكيفية استنباط الاحكام من النصوص لا اعتبار بأمره و يه و كذلك المف سر و المحدث
الذي لا قدرة له على استنباط الاحكام من القرآن و الحديث فلما دلت الآية على ان
اجماع اولي الامر ح جة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه
الطائفة من العلماء ثم ذكر الله في الآية في هذه السورة و هى قوله تعالى ( وَلو ر دوه
( اَِلى ال ر سولِ واَِلى ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ه م َلعلِ مه الَّذِي ن ي ستنبِ ُ طونه مِن ه م * النساء: ٨٣
فقال الفخر الرازي فيه مسائل (الاولى) في اولي الامر قولان احدهما الى ذوى العلم و
الرأى منهم و الثاني أمراء السرايا و رجح الاول بأن العلماء إذا كانوا عالمين باوامر الله
و نواهيه كان يجب على غيرهم قبول قولهم له و حينئذٍ لا يبعدوا ان يسموا اولي الامر
من هذا الوجه و يدل عليه ليتفقهوا في ال دين و ينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعّلهم
يحذرون فاوجب الحذر بانذارهم و الزم المنذرين قبول قولهم فجاز ذا المعنى اطلاق
اولي الامر عليهم ثم قال فنقول الآية دالة على امور (احدها) ان في الاحكام ما لا
يعرف بالنص بل بالاستنباط (ثانيها) ان الاستنباط ح جة (ثالثها) ان العامي يجب عليه
تقليد العلماء في احكام الحوادت انتهى كلام الفخر فإن قلت فهؤلاء الناس الذين
يدعون الاجتهاد في هذا الزمان يقولون إنا من العلماء و إنا داخلون في حكم الآية
قلت اولا اتفق اهل الاصول ان غير اتهد المطلق و لوكان عالمًا يسمى عاميًا مقلدا و
ثانيًا ينصرف هذا الاطلاق الى الفرد الكامل من العلماء و هم اتهدون المستنبطون و
لا ش ك ان هؤلاء معدوم منهم الاستنباط بل هو منهم محال و ذلك ان هذا المدعى انما
- ٥٤ -
تعلم العلم من كتب فروع المذاهب و فهم ما فهمه منها و لو انصف و ترك ما تعلم
فليستنبط لنا كم مسئلة فمن اين يأتى لنا بغير ما في المدونة للمذاهب و من اين له
اصول غير ما اصلوه وفروع غير ما فرعوه فإم الذين وضعوا اصل الفقه و فرعه من
غير سبق كتاب من احد قبلهم غير الكتاب و ال سنة و لو فرض ان احدًا يترك اصولهم
و فروعهم و يريد ان يحدث اصولا و فروعا من نفسه فإنه لا يتأتى له ا ّ لا بعد عشرات
من السنين و الايام و لا اظنه إذا فعل يقدر ان يظهر شيئًا غير ما اظهره الأئمة الاربعة
فليتق الله مدعي ذلك و ليتنبه بل اقول ظهور مثل هؤلاء في هذه الازمان مصداق لقوله
صّلى الله عليه و سلم في حديث البخاري (ان الله لا يترع العلم انتزاعًا من الناس و
لكن يترعه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخد الناس رؤسًا جها ً لا فافتوا بغير
علم فضّلوا و اضّلوا) و قد اجمع المف سرون و اهل الاصول ان قوله تعالى (َفسَئلُوا
َاه َ ل الذِّكْرِ ان ُ كنت م َ لا تعلَ مو َ ن * النحل: ٤٣ ) اا امر من الله لغير اتهد ان يقلد
اتهد كما دلت الآية الاولى على وجوب اطاعة اولي الامر من العلماء المستنبطين
لقوله تعالى ( و َل و ر دوه اَِلى ال ر سولِ و اَِلى ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ه م َلعلِ مه الَّذِي ن ي ستنبِ ُ طونه
مِن ه م * النساء: ٨٣ ) كما قرره الفخر و غيره و سيأتى اجماع جميع العلماء على
( انحصار الاتباع لهؤلاء المذاهب الاربعة من وقتهم الى يومنا هذا قال الامام الشعراني( ١
و مما يؤيد ذلك ما اجمع عليه اهل الكشف من ان اتهدين هم الذين ورثوا الانبياء
حقيقة في علوم الوحي فكما ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم معصوم كذلك وارثه
محفوظ من الخطأ في نفس الامر و ان خطأه احد فذلك الخطأ اضافي فقط لعدم اطلاعه
على دليل فإن جميع الانبياء و الرسل في منازل رفيعة لم يرثهم فيها ا ّ لا العلماء
اتهدون فقام اجتهادهم مقام نصوص الشارع في وجوب العمل به فإنه صّلى الله عليه
و سّلم اباح لهم الاجتهاد في الاحكام تبعا لقوله تعالى ( وَلو ر دوه اَِلى ال ر سولِ واَِلى
١) عبد الوهاب الشعراني ال شافعي توفي سنة ٩٧٣ ه. [ ١٥٦٥ م.] )
- ٥٥ -
ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ه م َلعلِ مه الَّذِي ن ي ستنبِ ُ طونه مِن ه م * النساء: ٨٣ ) و معلوم ان الاستنباط
من مقام اتهدين رضي الله عنهم فهو تشريع عن امر الشارع انتهى و اما الدليل من
الأحاديث النبوية فأصل اختلاف المذاهب و وجوب اتباعهم قوله صّلى الله عليه و
سّلم (مهما اوتيتم من كتاب الله فالعمل به واجب لا عذر لاحد في تركه فإن لم
يكن في كتاب الله فسنة لي ماضية فإن لم يكن في سنة لي ماضية فما قال اصحابي
لأن اصحابي كالنجوم في السماء فأيما اخذتم به فقد اهتديتم و اختلاف اصحابي
لكم رحمة) رواه البيهقي في المدخل عن ابن عباس مرفوعًا قال ابن حجر في الخيرات
الحسان و سبقه ال سيوطي في المواهب ففي هذا الحديث اخباره صّلى الله عليه و سّلم
باختلاف المذاهب بعده في الفروع من منذ زمن اصحابه الذي هو زمن الهدى و
الرشاد المشهود لهم من مشرفهم بأنه خير القرون على الاطلاق و يلزم من اختلافهم
اختلاف من بعدهم لأن كل صحابي مشهود بالفقه و الرواية اخذ بقوله و مذهبه
جماعة و مع ذلك رضي به صّلى الله عليه و سّلم و اقرهم عليه و مدحهم حتى جعل
ذلك الاختلاف رحمًة للامة و خيرهم في الاخذ بقول من شاؤا من اصحابه اللازم له
الاخذ بقول من ارادوا من اتهدين بعدهم الجارين على منوالهم و السالكين لمسالكهم
في اقوالهم و افعالهم انتهى و اما الأحاديث التى فيها الاشارة ففي الامام الاقدم و اتهد
الاعظم أبي حنيفة رضي الله عنه في حديث ال صحيحين (لوكان العلم في الثريا لتناوله
رجال) وفي رواية (رجل من فارس) قال ال سيوطي و غيره من المحدثين هذا نص في أبي
حنيفة إذ لم يظهر لاحد منهم ما ظهر له و لأتباعه و تبعه على ذلك جملة من المحدثين
و الفقهاء و اما الامام مالك رضي الله عنه فقوله صّلى الله عليه و سّلم (يوشك ان
تضرب اكباد الابل فلا يجدون عالما ا ّ لا عالم المدينة) و فد تقدم في مناقبه و اما الإمام
ال شافعي رضي الله عنه فقوله صّلى الله عليه و سّلم (عالم قريش يملاء طباق الارض
علمًا) و قد تقدم من رواه في مناقبه و حقق الاكابر من السلف أنه محمول على هؤلاء
المذاهب فهذه الأحاديث ارشادات منه صّلى الله عليه و سّلم الى هذه المذاهب الاربعة
- ٥٦ -
و فهم منها السلف ال صالح في زمنهم و بعده عليهم و على استحسان اتباعهم دون
غيرهم فكيف يقول المدعون لم يرد حديث في الاخذ بأقوالهم مع ان الحديث وارد
بالعموم و الخصوص و اما قولهم بل لنا الأخذ بالكتاب و ال سنة فيقال لهم و هل خرج
هؤلاء المذاهب عن الكتاب و ال سنة و ابقوا لاحد شيئًا يأخذ به المتأخر عنهم فهذا
اشبه ما يكون بقول الرافضة و الزيدية و الخوارج فإم يضللون الامة المح مدية و
يدعون أنهم و المذاهب و ال صحابة على غير هدى و اما اهل ال سنة و الجماعة فليس
كذلك فإن كان هؤلاء المدعون من الرافضة و الخوارج فلا كلام لنا معهم لأنهم
مارقون من ال دين كما يمرق السهم من الرمية كما في البخاري و مسلم و كافة كتب
الحديث و حمل سيدنا عل ي رضي الله عنه و كذلك غيره حمل قوله تعالى (ُق ْ ل ه ْ ل
نبئُكُم بِاْ َ لاخسرِي ن َا ع ما ً لا * َالَّذِي ن ضلَّ سعيهم فِي الحياة ال دنيا و ه م يحسبو َ ن أنهم
١٠٤ ) على الخوارج المكفرين للامة المح مدية في – يحسِنو َ ن صنعا * الكهف: ١٠٣
جميع ال دنيا ما عداهم فإن هؤلاء اهل عناد و صقاعة عقل لا ينبغي لعاقل الكلام معهم
و يلوث فمه بمخاطبتهم كما هو معلوم لمن ابتلا م من اهل ال سنة و الجماعة (و
الدليل الثالث) على وجوب اتباع هؤلاء المذاهب الاربعة دون من عداهم اجماع
العلماء على ذلك في كل الاقطار و الازمان و الاجماع في مثل هذه الأمور اقوى من
النص لإشتمال الاجماع على تواطئ العقول الفاضلة من العلماء و غيرهم على تقليد
هؤلاء المذاهب الاربعة و التدين باقوالهم و افعالهم لله و التقرب الى الله تعالى م و
انتاج الاقطاب و الأولياء في كل زمان من اتباع مذاهبهم كما هو مشاهد لكل احد
فهاك نقول الفضلاء من كل مذهب قال الفخر الرازي و الرافعي( ١) و النووي الناس
كامعين اليوم على ان لا مجتهد قاله العلامة ابن حجر المكي في فتاويه بل قال بعض
الاصوليين منا لم يوجد بعد عصر الامام ال شافعي مجتهد مستقل اي من كل الوجوه
١) عبد الكريم الرافعي توفي سنة ٦٢٣ ه. [ ١٢٢٦ م.] في قزوين )
- ٥٧ -
يعني و الامام أحمد ابن حنبل رضي الله عنه يجعله من مجتهدي المذهب من اتباع
ال شافعي كالربيع و غيره من العلماء المماثلين له و قال ابن ال صلاح( ١) و هو من مشايخ
النووي من اهل الستمائة بعد الهجرة ما نصه من ثلاثمائة سنة قبل زمانه عدم اتهد
المستقل فكيف يمكن في هذه الازمان المتأخرة التي عم فيها الجهل و الفسق و عدم
الفهم ان يحصل مجتهد مستقل و قد عدم قبل ابن ال صلاح الذي هو بحر محيط متفنن في
سائر العلوم بثلثمائة سنة كيف ساغ له هذا الكلام و هو بنفسه كان احسن من هؤلاء
المدعين في هذه الازمان بألف درجة كيف لم يدعه لنفسه هو و كان الفخر الرازي و
الرافعي و النووي كذلك يعني كل منهم من اهل الحفظ و الاتقان و لم يدعو الاجتهاد
مع سعة علومهم و يدعيه هؤلاء الذي قصارى امرهم ان كانوا اهل علم ان يفهموا
عبارات مثل هؤلاء في كتبهم المنقولة عن المذاهب فقد كان دعواهم الاجتهاد ايسر
عليهم و اولى و الزم و قال الامام السبكي في متن جمع الجوامع و كذلك الحنفية يجوز
خلو الزمان عن مجتهد و المختار أنه لم يثبت وقوعه اي الاجتهاد و قال في الدر المختار
في اوله و ذكروا ان اتهد المطلق قد فقد و قال في موضوع آخر على أنه يجوز خلو
الزمان عنه عند الاكثر يعني الخلو عن اتهد المطلق ر و اما الأئمة المالكية فقال بعض
شراح ابن أبي زيد القيرواني من المالكية في قول المتن في آخر الرسالة و الالتجاء الى
كتاب الله و سنة رسوله صّلى الله عليه وسلم و اتباع سبيل المؤمنين و خير القرون من
خير امة اخرجث للناس نجاة ففي الفزع الى ذلك العصمة و لنذكر لك في هذه الجملة
اصول الاحكام اّلتي هي الكتاب و ال سنة يعني متواترها و آحادها مما جاء من فعله و
قوله و تقرير و سبيل المؤمنين هو الاجماع و اتباعه واجب قال الله تعالى ( و م ن يتبِع
َ غي ر سبِيلِ الْمؤمِنِ ين نولِّهِ ما ت ولَّى و نصلِهِ ج هن م و سآءَ ت مصِ يرا * النساء: ١١٤ ) و
قوله خير القرون يشير بذلك الى الاقتداء بالقرون الثلاثة الاول بعد الكتاب و ال سنة و
الاجماع و بيان ذلك ان لا مقلد ا ّ لا المعصوم لإمتناع الخطأ عليه او من شهد له
١) ابن الصلاح عثمان ال شافعي توفي سنة ٦٤٣ ه. [ ١٢٤٥ م.] )
- ٥٨ -
المعصوم حيث يتعذر الاقتداء به لأن مزكي العدل عدل و قد شهد عليه ال سلام لقرنه
ثم الذين يلوم فوجب اعتبارهم في الاقتداء على مراتبهم لكن القرن الاول حفظوا عن
الشارع الاكبر صّلى الله عليه و سّلم و لم يجمعوا فلم يعرف عام من خاص و لا ناسخ
من منسوخ و ذلك لا يتحصل ا ّ لا بالجمع في القرن الثاني فحفظوا ما جمعوه و ذلك لا
يكفي التفقه فيه و قد تفقهوا فيه و لكنهم لم يستوعبوه ثم جاء القرن الثالث فحفظ ما
جمع على جمعه و استوفى ما جمع بفقه فكمل علم ال دين في القرن الثالث حفظًا و جمعًا
و تفقهًا في كل فن شرعي فاخذ ذلك عن علمائه الذين صلح ورعهم و هم نحو اثنى
عشر رج ً لا فكان لكل منهم اتباع ثم لم تزل اتباعهم تنقرض و ينقرض علمائها حتى لم
يبق الا جملة الأئمة الاربعة مالك و أبي حنيفة و ال شافعي و احمد رضي الله عنهم
فاقتصر الناس عليهم و اتبعوا مذاهبهم مع أنه لا تخلو الارض من قائم لله بحجة يعني
غير اتهدين لقوله عليه ال صلوة وال سلام (لا تزال طائفة من امتى ظاهرين على الحق)
ففي كل عصر سادة و في كل قطر قادة لكن القرون الثلاثة الاصل فيهم الخير و الشر
عارض و ما بعدهم من القرون ليس كذلك فهم معتبرون باوصافهم (و في المتن) و في
اتباع السلف ال صالح النجاة و م القدوة في تأويل ما تأولوه و استخراج ما استنبطوه
لأنهم قد جمعوا ثلاثة اشياء العلم الكامل و الورع الحاصل و النظر السديد و غلبة
الاصابة و لو لا هذه الامور ما صح الاقتداء م و ان اختلفوا في الفروع و الحوادث لم
يخرج عن جماعتهم بل تعين ان يقتدى م على مراتبهم قال البلالي و يجب مذهب
معين و له رجوع عنه و عن بعض مسائله لا تتبع الرخص (قلت) اما تتبع الرخص
فحرام اجماعا لانه تلاعب بالدين انتهى كلام الرسالة و شرحها و هو كلام متين و اما
اقوال الأئمة الحنفية فقد نقل الشرنبلالي الحنفي في كتابه العقد الفريد عن ابن ال صلاح
( و السبكي لا يجوز تقليد غير الأئمة الاربعة اي قضاء و افتاء (و نقل) عن الزاهدي( ١
في شرح القدوري (و عن أحمد العيافي) العبرة بما يعتقده المستفتي من المذاهب الاربعة
١) مختار بن محمود الزاهدي الحنفي توفي سنة ٦٥٨ ه. [ ١٢٦٠ م.] )
- ٥٩ -
فكل ما يعتقده من مذهب حل له الاخذ به ديانة و لم يحل له خلافه و عن ابن امير
حاج و الذي يقتضيه القواعد كما ذكره شيخنا يعني ابن الهمام يلزم التقليد لواحد من
الاربعة و لا يلزم سكون نفسه ا ّ لا فيما إذا وجد غيره لا فيما لم يجد ثم في غير كتاب
من الكتب المذهبية اي الحنفية المعتبرة ان المستفتي ان امضى قول المفتي لزمه و ا ّ لا فلا
انتهى كلام العقد الفريد (و اما الأئمة الحنابلة) فقال في الانصاف و من زمن طويل
عدم اتهد المطلق مع أنه الآن ايسرمن الزمن الاول لأن الحديث و الفقه قد دونا لكن
الهمم قاصرة و الرغبات فاترة و ال دنيا غالبة (و نقل ابن القيم) في اعلام الموقعين عن
الامام أحمد بالسند المتصل قال قيل لاحمد إذا حفظ الانسان مائة الف حديث أيكون
مجتهدًا قال لا قيل فمائتى الف حديث قال لا قيل فثلاث مائة الف حديث قال لا قيل
فاربعمائة الف حديث قال ارجوا فإذا كان آخر المذاهب الذي بينه و بين اقدم
المذاهب نحو مائتى سنة هكذا يقول فكف يتأتى لمن لا يحفظ ثلثمائة حديث باسانيدها
ان يكون مجتهدا في هذا الزمان الفاسد بل ان هؤلاء المدعين لم يحفظوا عشرين حديثًا
بموجب ما تفصحه شقشقام التى اظهروها و بينوا فإنها ليس ا ّ لا عبارة عن هذيان
بل رأيت مقالات لبعض هؤلاء المدعية الاجتهاد تناقض دعوى الاجتهاد فمن ذلك أنه
قد اخذ نقولا كثيرة عن مذاهبنا الاربع و جعلها اصولا لمذهبه فيا ليت شعري ان
اتهد كيف يستأصل اصول غيره بل لاب د له ان يستأصل اصولا غير اصولهم مستنبطة
من عنده كما عرفت سابقًا فمن هذا يتحقق عندك ما قلناه من عدم الحفظ و التناقض
لانه لو كان حافظًا لعرف طريق الاجتهاد فتأمل ذلك و اعلم نقل صاحب الانصاف
بعد نقله ما تقدم فقيل لابى اسحاق ابن شاقلا فانت تفتى و لا تحفظ هذا القدر فقال
لكن افتي بقول من يحفظ الف الف حديث يعني الامام أحمد و هذا احد ما يوجب
الامتناع من ادعاء الاجتهاد لأن اتهد يلزمه الاطلاع على هذا المقدار من الأحاديث
ليعلم الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و المطلق و المقيد فما دام لم يطلع على هذا
المقدار لا يمكنه الأجتهاد لانه يفوته هذه الاشياء و المذاهب الاربعة اطلعوا على ذلك و
- ٦٠ -
زيادة فالعمدة عليهم لا على اهل الجهل و الفساد و قال ابن القيم الحنبلي في (اعلام
الموقعين) و المقصود ان الواجب فيما علق الشارع الاحكام من الالفاظ و المعانى ان لا
يتجاوز بالفاظها و معانيها و لا تقصر ا و يعطي اللفظ حقه و المعنى حقه و قد مدح
الله اهل الاستنباط في كتابه و اخبر أم اهل العلم و معلوم ان الاستنباط انما هو
استنباط المعانى و العلل و نسبة بعضها الى بعض فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله و
شبهه و نظيره و يلغى ما لا يصح و هذا هو الذي يعقله الناس من الاستنباط و قال
الجوهري الاستنباط كالاستخراج و معلوم ان ذلك قدر زائد على مجرد مفهوم اللفظ
فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط اذ موضوعات الالفاظ لا تنال بالاستنباط و انما ينال
العلل و المعانى و الاشباه و النظائر و مقاصد المتكلم و الله سبحانه ذم من سمع ظاهرًا
مجردًا فاذاعه و افشاه و حمد من استنبط من اولي العلم حقيقة و معناه يوضحه لأن
الاستنباط استخراج الامر الذي من شأنه ان يخفي على غير مستنبطه و من ذلك
استنباط الماء من ارض البئر و العين و من هذا قول عل ي رضي الله عنه لما سئل هل
خصكم رسول الله صّلى الله عليه سلم بشئ دون الناس فقال لا و الذي فلق الحبة و
برأ النسمة الا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه و معلوم ان هذا الفهم قدر زائد على معرفة
موضوع اللفظ و عمومه و خصوصه فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة
العرب و انما هذا فهم لوازم المعنى و نظائره و مراد المتكلم بكلامه و معرفة حدود
كلامه بحيث لا يدخل فيه غير المراد و لا يخرج منها شئ من المراد انتهى و ليس من له
هذه الرتبة و الحالة ا ّ لا الأئمة الاربعة الذين كانوا في قرب زمن الن بي و الصحابة و نالوا
من نور الرسالة و مدد علمه مالم ينله غيرهم فكيف يمكن لغيرهم في آخر الزمان حال
كحالهم و فهم كفهمهم و اطلاع على نصوص الن بي صّلى الله عليه و سّلم و اصحابه
و التابعين لهم كمثلهم و لهذا جميع علماء الامة ممن بعدهم مشوا على مناهجهم و
اتبعوا مذاهبهم و ثابروا على تنقيحها و ذيبها و بيان المعتمد منها في كل هذه القرون
التى تبلغ من نحو مذهب أبي حنيفة اثنى عشر قرنًا كلهم مضوا مع فضلهم و علمهم و
- ٦١ -
تقدمهم و حفظهم على اتباع مذاهبهم و لم يدعوا هذه الدعوى العاطلة الباطلة إذ هم
ازكى نفوسا و اطهر اوصافا و اورع طريقًا و اغزر علمًا و فهمًا من هؤلاء و لم
يمكنهم الدعوى فكيف يدعي من لا يعد في االعير و لا في النفير و هؤلاء الذين قلنا
عنهم الوف كيف اجتمعت آرائهم و علومهم على اتباع المذاهب الاربع فهذا دليل
الاجماع من اهل العلم على تقليد المذاهب و اليأس من وجود مثلهم او من يدانيهم و
مخالفة الاجماع من العلماء و العوام في كل هذه الاعصار حرام و يستحق المخالف
العذاب كما مر في الآية ال شريفة و كأن من اظهر نفسه في هذه الازمان بدعوى
الاجتهاد المطلق يقول بلسان نطقه و لسان حاله ان كل هؤلاء العلماء و المقلدون ما
لهم عقول و هو العاقل و لا لهم فهم و هو الفاهم و لا ش ك ان هذا عين الجنون الذي
يستوجب صاحبها الحبس المديد و العذاب الشديد لسعيه بجنونه في الارض الفساد
فهؤلاء خارجون عن زمرة اهل العلم الكاملين من السلف ال صالحين و من تبعهم الى
يوم ال دين فهل يقبل عاقل مثل هذه الخرافة ان شرذمة قليلة الغالب عليها الجهل يدعون
في هذا الزمان الاجتهاد و لا يتبعون المذاهب و من هو اعلم منه بالف درجة لا يدعيه
و يجعل نفسه مقلدًا افلا يستحي من الله و رسوله و من هؤلاء العلماء الاجلاء ان
يرتفع عليهم و يقول أنه هو مثل امامهم المذهب في الاجتهاد و اين الثريا من يد
المتناول فقد سولت له نفسه الامارة بالسوء المدعية رتبة بعيدة عنها بكثير لغلبة هوى
النفس و طمس البصيرة و ان لا يكون تحت حكم غيره من المذاهب الذين هم اقطاب
هذه الملة علمًا و عم ً لا و اخلاصًا و كشفًا ظاهرًا و باطنًا بل من اتباعهم الى يومنا هذا
كم ظهر منهم من الاقطاب و الأولياء الاحباب الذين اطلعهم الله تعالى على ظاهر
العلم و باطنه و ما ادعوا الاجتهاد و ذلك مثل عبد الله بن المبارك و الجنيد البغدادي و
( السري السقطي و معروف الكرخي و بشر الحافي و سيدنا ال شيخ عبد القادر الجيلي( ١
١) السيد عبد القادر الكيلاني توفي سنة ٥٦١ ه. [ ١١٦٦ م.] في بغداد )
- ٦٢ -
و ال شيخ شهاب ال دين ال سهروردي( ١) و شاه نقشبند و من قبله و من بعده رضي الله
عنهم فيا ليت شعرى كيف لم يدع هولاء الاكابر في العلم الباطن و الظاهر الاجتهاد
مع فضلهم و شهرم و كثرة اتباعهم و يدعيه من لا يكون كادنى مخلص من محبيهم
فلو كانت هذه الدعوى سائغة لكان هؤلاء احق ا للالهام و الكشف الحاصلين لهم
من جانب الله تعالى لكن د ّ ل تقليدهم للمذاهب على ان الله تعالى كما منع في الظاهر
ان يكون غير الاربعة كذلك في الباطن منع الله ان يدعي احد هذه الرتبة و هذا اقوى
دليل على منع المدعين و اا باطلة في الظاهر و الباطن فما بعد الحق الا ال ضلال فانى
يؤفكون و ممايدل على المنع من هذه الدعوى ان المذاهب كما قدمنا من مناقبهم ان
الامام ابا حنيفة رضي الله عنه رأى الله في المنام تسعًا و تسعين مرة و الامام مالك كان
رضي الله عنه و ارضاه يرى الن بي في كل ليلة و كذلك ال شافعي رأى الن بي صّلى الله
عليه و سّلم مرات و الامام أحمد قال الن بي صّلى الله عليه و سّلم في المنام على محنته و
ان الله تعالى يرفع له ا علمًا الى يوم القيامة فهل احد من هؤلاء المدعين حصلت له
من هذه الرتب شئ و ايضًا مثل الامام الاعظم رضي الله عنه رأى ال صحابة فهل احد
منهم رأى منهم و ايضًا رأوا التابعين ممن جمع العلم و العمل فهل احد وصل الى ذلك
(و ذكر الشعراني في الميزان).
فإن قلت هل يصح لاحد الوصول الى مقام احد من اتهدين فالجواب نعم
لأن الله على كل شئ قدير و قد قال بعضهم الآن يصلون الى ذلك من طريق الكشف
فقط لا من طريق النظر فإن ذلك مقام لم يدعه احد بعد الائمة الاربعة ا ّ لا الامام ابا
مح مد بن جرير و لم يسلموا له (اقول) و هو من اهل الثلثمائه و خمسين و هو فيما
يقال شافعي المذهب فتامله و انصف قال الشعراني وجميع من ادعى الاجتهاد المطلق
انما مراده المطلق المنتسب الذي لا يخرج عن قواعد امامه كابن القاسم( ٢) و اصبغ مع
١) شهاب ال دين عمر ال سهروردي توفي سنة ٦٣٢ ه. [ ١٢٣٥ م.] في بغداد )
٢) ابن القاسم أحمد ال شافعي الازهري توفي سنة ٩٩٤ ه. [ ١٥٨٦ م.] )
- ٦٣ -
مالك و كمح مد و أبي يوسف مع أبي حنيفة رضي الله عنهم و كالمزنى و الربيع مع
ال شافعي إذ ليس في قوة احد بعد الأئمة الاربعة ان يبتكر الاحكام و يستخرجها من
الكتاب و ال سنة فيما نعلم ابدا و من ادعى ذلك قلنا له فاستخرج لنا شيئًا لم يسبق
احد من الأئمة استخراجه فإنه يعجز انتهى و قال ايضًا في الميزان و قد نقل ال سيوطي
ان الاجتهاد المطلق على قسمين مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الاربعة و مطلق
منتسب كما عليه اصحام الذين ذكرناهم ثم قال و لم يدع الاجتهاد المطلق الغير
المنتسب ا ّ لا الامام ابن جرير الطبري و لم يسلم له ذلك انتهى و قال و يكون على علم
الاخوان ان لكل سنة سنها اتهدون او بدعة حرمها اتهدون درجة في الجنة لمن
اطاع او دركا في النار لمن خالف و ان تفاوت مقامهم و نزل عما سنه الشارع او
كرهه كما صرح به اهل الكشف فاعلم ذلك و اعمل بكل ما سنه اتهدون و اترك
كلما كرهوه و لا تطالبهم بدليل في ذلك فانك محبوس في دائرم ما دمت لم تصل الى
مقامهم لا عليك ان تتعداهم الى الكتاب و ال سنة و تأخذ الاحكام من حيث اخذوا
ابدا انتهى و ما اشبه هؤلاء المدعين ا ّ لا كما وقع في زمان الشعراني ان احدًا من اكابر
علماء زمانه عمل بزعمه ردًا على الامام أبي حنيفة فأتى بكتاب صنفه ليراه الشعراني
فاعتذر الشعراني بانا لسنا من فرسان ميدان هؤلاء الاكابر فرأى في الواقعة التى هى بين
النوم و اليقظة ان الامام ابا حنيفة كالجبل العظيم من نور من الارض الى السماء و
ذلك المدعي كالبعوضة واقف مقابل ذلك الجبل فهؤلاء الم دعون في هذا الزمان بلا
ش ك كالبعوضة بالنسبة الى العلماء الاكابر المقلدين فضلا عن اتهدين رضي الله عنهم
اجمعين (فصل) ثم بعد كتابتى لما تقدم رأيت المناوي( ١) في شرحه الكبير على الجامع
الصغير قال في اوله ما يؤيد بعض ما قدمته فاحببت نقله قال العلامة الشهاب ابن
حجر لما ادعى ال سيوطي رتبة الاجتهاد في المذهب لا المطلق قام عليه معاصروه من
العلماء و رموه عن قوس واحد و كتبوا له سؤالا فيه مسائل و اطلق الاصحاب فيها
١) عبد الرؤف المناوي توفي سنة ١٠٣١ ه. [ ١٦٢٢ م.] في القاهرة )
- ٦٤ -
وجهين و طلبوا منه أنه إن كان عنده ادنى مراتب الاجتهاد و هو اجتهاد الفتوى
فيتكلم على الراجح من تلك الاوجه بدليل على قواعد اتهدين فرد السؤال من غير
كتابة و اعتذر بأن له اشغا ً لا تمنعه عن النظر في ذلك قال الشهاب فتأمل صعوبة هذه
المرتبة اعنى اجتهاد الفتوى الذي هو ادنى مراتب الاجتهاد يظهر لك ان مدعيها فضلا
عن مدعى المطلق في حيرة من أمره و فساد في فكره و أنه ممن ركب متن عمياء و
خبط خبط عشواء قال و من تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحى من الله ان ينسبها
لاحد من اهل هذه الازمنة يعني زمان ابن حجر في سنة تسعمائة و هذا بيننا و بينه نحو
اربعمائة سنة فكيف لا يستحي من في هذه الازمنة ان يدعي هذه الرتبة التي اقصر عنها
الاولون ثم قال و إذا كان بين الأئمة نزاع طويل في ان امام الحرمين و ح جة الاسلام
الغزالي و ناهيك به هل هو من اصحاب الوجوه ام لا فما ظنك بغيره بل قال الائمة في
الامام صاحب البحر يعني من الشافعية أنه لم يكن من اصحاب الوجوه هذا مع قوله لو
ضاعت نصوص ال شافعي لأمليتها من حفظي او من صدرى فإذا لم يتأهل هؤلاء
الاكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي لا المطلق فكيف يسوغ لمن لا يفهم اكثر عبارام على
وجهها ان يدعى ما هو اعلى من ذلك و هو الاجتهاد المطلق سبحانك هذا تان
عظيم و في الانوار عن الامام الرافعي قال ما ذكرناه سابقًا عنه أنه لا مجتهد اليوم و
قال ابن أبي الدم عالم الاقطار ال شامية بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق هذه الشروط
يعز وجودها في زمننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق
هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير و السنن و الاصول و الفروع و قد ملؤا الارض
من مؤلفات صنفوها و مع هذا فلا يوجد في صقع من الاصقاع مجتهد مطلق بل و لا
مجتهد في المذهب لامام معتبر اقواله تعد وجوها مخرجه في مذهب امامه و ما ذاك ا ّ لا
لأن الله اعجز الخلايق في هذا اعلاما لعباده بتصرم الزمان و قرب الساعة و ان ذلك
من اشراطها مع ان زمان ابن أبي الدم متقدم و قال شيخ الاصحاب القفال القنوي
قسمان أحدهما من جميع شروط الاجتهاد و هذا لا يوجد و الثانى من ينتحل مذهبًا
- ٦٥ -
واحدًا من الأئمة كال شافعي و عرف مذهبه و صار حاذقًا فيه بحيث لا يشذ بشئ من
اقواله و اصوله فإذا سئل عن حادثة عرف لصاحبه ن صًا اجابه عنها و ا ّ لا يجتهد على
مذهبه و يخرجها على اصوله و هذا اعز من الكبريت الاحمر فإذا كان قول القفال مع
جلالة قدره و كون تلامذته و علمائه اصحاب وجوه في المذهب فكيف بعلماء عصرنا
و من جملة علمائه القاضى حسين و الفوراني و والد امام الحرمين الجويني و الصيدلاني
و السبخي و غيرهم و بموم و موت أبي حامد انقطع الاجتهاد و تخريج الوجوه من
مذهب ال شافعي و انما هم نقلة و حفظة و اما في هذا الزمان فقد خلت ال دنيا منهم و
شغر الزمان عنهم الى هنا كلام ابن أبي الدم و قال شيخ الافتاء و فقيه العصر و رئيس
التدريس في القرن التاسع شمس ال دين الرملي( ١) والد صاحب اية المحتاج شرح المنهاح
أنه وقف على ثمانية عشر سؤالا سئل عنها الجلال ال سيوطي من مسائل الخلاف و
المنقولة فاجاب عن شطرها بكلام قوم من المتأخرين كالزركشي( ٢) و اعتذر عن الباقي
بأن الترجيح لا يقدم عليه ا ّ لا جاهل او فاسق قال فتأملتها فإذا اكثرها من المنقول
المفروغ منه فقلت سبحان الله رجل يدعي الاجتهاد و خفي عليه ذلك فاجبت عن
ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام مبين من كلام المتقدمين (انتهى كلام المناوي)
ثم قال و ليس حكايتى لذلك من قبيل الفض و لا الطعن عليه بل حذرًا من ان يقلده
بعض الاغبياء فيما اختاره و جعله مذهبه فيما خالف فيه الائمة اغترارًا بدعواه هذا مع
اعتقادي مزيد جلالته و فرط سعة اطلاعه و رسوخ قدمه و تمكنه في العلوم ال شرعية و
اما الاجتهاد فدونه خرط القتاد و قد صرح ح جة الاسلام الغزالي بخلو عصره عن
مجتهد حيث قال في الإحياء و اما من ليس له رتبة الاجتهاد و هو حكم كل العصر اى
عصره و هو من اهل الخمسمائة فإنه يفتي به ناقلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له
١) مح مد بن أحمد الرملي ال شافعي توفي سنة ١٠٠٤ ه. [ ١٥٩٦ م.] و خير ال دين الرملي الحنفي توفي سنة )
١٠٨١ ه. [ ١٦٧٠ م.] في رملة
٢) مح مد الزركشي توفي سنة ٧٩٤ ه. [ ١٣٩٢ م.] )
- ٦٦ -
ضعف مذهب له يتركه و قال في الوسيط و اما شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي
( فقد تعذرت في وقتنا او في عصرنا (انتهى كلام المناوي ملخصًا) ثم ان ابن الصباغ( ١
من مقلدي مذهب ال شافعي ذكر المؤرخون أنه لما وقعت كائنة التتار في بغداد سنة
ستمائة و خمسين و اتلفوا الكتب الكثيرة حتى قيل سد ا الدجلة مبالغة و بنوا منها
معالفًا للدواب فبعد انقضاء الكائنة ما تأسف العلماء الا على ذهاب الكتب المشتملة
على العلوم فقال ابن الصباغ انا امليها لكم من حفظي فصار يملى و الناس يكتبون الى
ان مات رحمه الله تعالى فهذا العالم هكذا اعطاه الله حفظًا و فهمًا خارقًا للعادة و ما
ادعى الاجتهاد فلو كان ممكنا لادعاه مثل هذا الامام و قال صاحب البزازية في زمانه
و هو من اهل الثمانعائة فيما اظن في باب الوصية و اين العلم و اين العلماء يعنى انه
مفقود قبل زمانه فهذا يدلك ان مدعى الاجتهاد مع هذه الاقوال للعلماء الاجلاء أنه
صلف العين شديد الوقاحة لكن كما قال الامام ال سيوطي فيما سبق ان الترجيح
للوجوه المذهبية لا يقدم عليها ا ّ لا جاهل او فاسق فمن يدعي الاجتهاد في زماننا هذا
فهو اجهل الجاهلين و افسق الفاسقين نسئل الله ال سلامة من هذا البلاء المبين آمين ثم
اعلم ايها الناصح لنفسه المستبرئ لدينه قبل حلول رمسه لو فرضنا انك من اهل
الاجتهاد مثلا اليس كما قيل السعيد من اكتفى بغيره فإن المذاهب الاربعة رضي الله
عنهم لكوم في ذلك الزمان المنور و العلم الغزير الازهر و الباطن الواسع الاطهر ما
تركوا لاحد حاجة و لا ابقوا لمتعقب ذي لجاجة بل ا صلوا وفرعوا و جنسوا و ن وعوا
و اخذوا من الكتاب و ال سنة و الاجماع و القياس المعتبرين ما يفتي كل متورع و لو
بلغ كّلما بلغ أفتكون انت ايها المدعي مثل أبي حنيفة في ورعه الذي ضاعت شاة في
البلد فمنع نفسه عن اكل اللحم اربع سنين و قيل عشر سنين لما سئل عن عمر الشاة
ما ذا تعيش في الغالب فقيل له عشر سنين او مثل ال شافعي او مالك او أحمد ابن حنبل
الذي منع نفسه شرب ماء دجلة لأن الحكام كانوا إذا أكلو رموا فضلة طعامهم فيها
١) ابن الصباغ عبد السيد ال شافعي توفي سنة ٤٧٧ ه. [ ١٠٨٤ م.] )
- ٦٧ -
او تكون عالمًا كعلمهم بل حاشا و كلا ان تكون كأدنى أدنى أدنى طلبة مقلديهم فإذا
كان هؤلاء تعبوا و جاهدوا و سهروا و اجاعوا البطون و اظمؤا القلوب و منعوا
النفوس لذائذها مدة عمرهم لأجل اقامة ال دين و اراحة ائمة سيد المرسلين افلا تكتفي
بما اظهروه من الكتاب و ال سنة و تستريح من التعب فأي مسئلة تريد ان تتعب نفسك
في استخراجها او ترى أنهم ما اتبعوا الكتاب و ال سنة مع علمهم و ورعهم و انت
اتبعته حتى تأتى في آخر الزمان الذي هو شر الازمان و سبقك خير الازمان الذي كان
فيه الفحول من الرجال و من العلماء الابطال و تريد ان تظهر شيئًا ما ذكره احد منهم
و تستدركه عليهم فو الله انك نون و واقع في امر مهول ويحك اتق الله فلا تتبع
الهوى فيضلك عن سبيل الله نعم اردت ان يقال خالف تعرف فسولت لك نفسك
انك إذا ادعيت الاجتهاد ساويت اولئك الامجاد و ظهر صيت لك بين الطغام و
الاوغاد و صرت في زعمك آمرًا غير مأمور و في قيد الجهل و الادعاء مأسور افلا
تخاف الله يوم يؤخذ بالنواصى و يرجع اليه القريب و القاصى فانته و انتبه مما انت به
فعن قريب تذهب تلك الدعاوي و بالموت انت اسفل السافلين هاوي و رأيت كتابًا
لبعض المتقدمين في ذم البدع و المبتدعين قال فيه ما نصه إذ لا يجوز ان يقلد الانسان
في دينه ا ّ لا من هو معصوم و هو صاحب الشريعة صّلى الله عليه و سّلم او من شهد له
صاحب الشريعة بالخير و هم القرون الثلاثة الذين اقتضى حكمة الشارع ان يخص كلا
منهم بفضيلة فالقرن الاول خصهم الله بمزية لا سبيل لاحد ان يلحقهم فيها و هم
الصحابة رضي الله عنهم ثم عقبهم التابعون فجمعوا ما كان من الأحاديث و مسائل
ال دين متفرقا حتى كان احدهم يرحل في طلب حديث واحد و مسئلة واحدة الشهر و
الشهرين و ضبطوا امر الشريعة اتم ضبط و تلقوا الاحكام و التفسير من الصحابة
فحصل لهم نصيب وافر في اقامة ال دين فلذلك كانوا خيرًا من بعدهم ثم عقبهم تابعوا
التابعين الذين ظهر فيهم الفقهاء اتهدون الذين قلدهم الناس و المرجوع اليهم في
النوازل فوجدوا القرآن مجموعًا ميسرًا و وجدوا الأحاديث قد ضبطت و احرزت
- ٦٨ -
فتفقهوا في القرآن و الأحاديث على مقتضى قواعد الشريعة و عينوا وجوه الدلالة و
استنبطوا منها احكامًا بينوها على مقتضى الاصول و يسروها على الناس و دونوا
الدواوين و ازالوا المشكلات باستخراج الفرع من اصله و رده و تبيينه منه و انتظم
الحال و استقر امر دين الامة المح مدية بسببهم فحصل لهم في اقامة هذا ال دين خصوصية
ايضًا فلما مضوا لسبيلهم اتى من بعدهم فلم يجد في ال دين وظيفة يقوم ا بل وجد
الامر على اكمل الحالات فلم يبق له الا ان يحفظ ما دونوه و استنبطوه و استخرجوه
و افادوه و لا يحصل الخير الا بإتباعهم و تقليدهم و بقائه في ميزام فإن ظهر له فقه
غير فقههم او فائدة غير فائدم فمردود عليه ا ّ لا ان يكون مما لم يقع بيانه في زمام
بالفعل و لا بالقول فيجب حينئذٍ ان ينظر فيه على مقتضى قواعدهم في الاحكام الثابتة
عنهم فإذا كان على مقتضى اصولهم يقبل و الا فلا اذكل من اتى بعدهم يقول في
بدعة اا مستحبة ثم يأتي على ذلك بدليل خارج عن اصولهم فذلك مردود عليه غير
مقبول لأن التقليد و الاقتداء بالغير بمجرد حسن الظن انما يجوز لمن كان مجتهدًا عدلا لا
لمن كان مقلدًا لا يفرق بين الغث و السمين و لا يعرف الشمال من اليمين لكن ينبغى
ان الاجتهاد لما انقطع منذ زمان طويل انحصر طريق معرفة مذهب اتهد في نقل
كتاب معتبر متداول بين العلماء و اخبار عدل موثوق في علمه و عمله الى آخر ما قال
انتهى فبين في عبارته هذه ان من شهد له صاحب الشريعة بالخيرية فهو الذي يتبع و
تكون الاشارة اليه منه و هو قوله (خير القرون قرنى ثم الذين يلوم ثم الذين يلوم)
و ان الطبقة الاولى هم الصحابة و الثانية فيها أبو حنيفة و مالك و الثالثة فيها ال شافعي
و أحمد بل ال شافعي من الثانية لانه ولد في مائة و خمسين و مات في مائتين و اربعة و
كل عمره اربع و خمسون سنة فلا ش ك ان اجتهاده كان في الخمسين التى هى تمام
المائتين و حقق هذا الفاضل ان الاجتهاد انقطع منذ زمان طويل و هو الموافق لما اجمع
عليه اهل العلم و الفهم كما قدمنا ذلك فقول هؤلاء المدعين أنه ليس في تقليد المذاهب
الاربع حديث عدم اهتداء منهم الى ما في هذه الآيات من الامر و في الأحاديث من
- ٦٩ -
الاشارة التى هى كالصريحة و يشير الى ذلك ما قال ابن القيم ايضًا في قوله تعالى
( ( و جعْلنا مِن ه م َائِ مًة يه دو َ ن بَِا مرِنا َل ما صبروا و َ كانوا بِآياتِنا يوقِنو َ ن * السجدة: ٢٤
فإنها و ان كانت نازلة في بني اسرائيل لكن عمومها يفيد دخول هذه الامة من باب
اولى لأا افضل الامم بنص قوله تعالى ( ُ كنت م خي ر اُمةٍ اُخرِ جت لِلناسِ * آل عمران:
١١٠ ) و القاعدة الاصولية العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ثم الأئمة و ان
كانوا عامين لكن لكوم الفرد للكامل يخصون من هذا العموم لزيادة فضلهم و
لاجماع الامة خواصًا و عوامًا على الخصوص العلماء من بعدهم على اتباعهم دون
غيرهم (و افاد الفخر الرازي) في تفسيره قوله تعالى (و َاطِيعوا اللهَ و َاطِيعوا ال ر سو َ ل
و ُاولِي اْ َ لامرِ مِن ُ ك م فإ ْ ن تنا ز عت م فِي شيءٍ َف ر دوه اَِلى اللَّهِ وال ر سولِ اِ ْ ن ُ كنت م ت ؤمِنو َ ن
بِاللَّهِ والْيومِ الآخر * النساء: ٥٩ ) قال رأيت الآية على ان العبرة باجماع المؤمنين لانه
تعالى قال في اول الآية يا ايها الذين آمنوا ثم قال و اولى الامر منكم فدل على ان
العبرة باجماع اهل ال سنة فاما سائر الفرق الذين يش ك في إيمام فلا عبرة م انتهى
(اقول) و مراده بسائر الفرق الذين يشك في ايمام هم الفرق الضالة عن طريق اهل
ال سنة و الجماعة و منهم الرافضة و الخوارج فإن هذه الفرقة المدعية بالاجتهاد المطلق
الغالب يكونون من الروافض و الزيدية و الخوارج و منهم اي من المدعين المسمون
الآن بالو هابية فإم يصرحون ذه المسئلة و لا يرضون باتباع المذاهب كما رأيته في
كتب ابن عبد الوهاب( ١) ثم اقول كما لاعبرة م في الاجماع لا عبرة م في الاجتهاد
الذي يدعونه و من جملة ما يمنع مثل الخوارج من تسليم الاجتهاد لهم أنهم لا يؤمنون
بحياة الميت في قبره و أنه لا يسمع و لا يرى و أنه تراب و عظام لا يترتب عليه نعيم و
لا عذاب و لا يؤمنون بالمعراج النبوي و لا يؤمنون بقدرة الله الا للح ي و الح ي عندهم
هو الفاعل بنفسه لا با لله تعالى إذ لوكان بالله لتساوى الح ي و الميت بل و الجماد كما
١) مح مد بن عبد الوهاب رفيق الجاسوس الانگليزي همفر توفي سنة ١٢٠٦ ه. [ ١٧٩١ م.] )
- ٧٠ -
فر الحجر بثوب موسى عليه ال سلام فصار ينادى ثوبى يا حجر كما في البخاري و لا
يؤمنون بكرامات الأولياء ال صالحين و قد اجمع اهل ال سنة في كتب العقايد و الفقه على
الإيمان ا و اا من واجبات الاعتقاد إذ الكرامة هي امر خارق للعادة يجريه الله على
يد عبده ال صالح و قد اتفق اهل الشريعة و الحقيقة على ان المذاهب الاربعة اتهدين
بنوا مذاهبهم على ظاهر ال شرع و باطنه قال الشعراني في الميزان (فصل) في بيان
استحالة خروج شيئ من اقوال اتهدين عن الشريعة و ذلك لأنهم بنوا قواعد
مذاهبهم على الحقيقة التى هى اعلى مرتبتى الشريعة كما بنوها على ظاهر الشريعة على
حد سواء و أنهم كانوا عالمين بالحقيقة خلاف ما يظنه بعض المقلدين فيهم فكيف
يصح خروج شيئ من اقوالهم عن الشريعة و من نازعنا في ذلك فهو جاهل بمقام الأئمة
فو الله كانوا علماء بالحقيقة و الشريعة معا وان في قدرة كل واحد منهم ان ينشر
الادلة ال شرعية على مذهبه و مذهب غيره فلا يحتاج احد بعده الى النظر في اقوال
مذهب آخر لكنهم رضي الله عنهم كانوا اهل انصاف و اهل كشف فكانوا يعرفون
ان الامر يستقر في علم الله على عدة مذاهب مخصوصة لا على مذهب واحد فابقي لمن
بعده عدة مسائل عرف من طريق كشف الله له اا تكون من جملة مذهب غيره فترك
الاخذ ا من باب الانصاف و اتباع لما اطلعهم الله عليه من طريق كشفهم أنه مراد له
تعالى لا من باب الايثار بالقرب ال شرعية و الرغبة عن ال سنة كما اطلع الأولياء بقدرة
الله على قسمة الارزاق المحسوسه لكل انسان فانظر يا اخى في اقوال ائمة المذاهب تجد
احدهم ان خفف في مسئلة شدد في مسئلة اخرى و بالعكس و سمعت سيدى عليا
الخواص( ١) يقول انما ايد أئمة المذاهب مذاهبهم بالمشي على قواعد الحقيقة مع الشريعة
اعلاما لاتباعهم بأنهم كانوا علماء بالطريقين و كان يقول لا يصح خروج قول من
اقوال الأئمة اتهدين عن الشريعة ابدًا عند اهل الكشف قاطبة و كيف يصح
خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مواد اقوالهم من الكتاب و ال سنة و اقوال
١) علي الخواص مرشد عبد الوهاب الشعراني )
- ٧١ -
الصحابة و مع الكشف ال صحيح و مع اجتماع روح احدهم بروح رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و سؤالهم عن كل شئ توقفوا فيه من الادلة هل هذا من قولك يا
رسول الله ام لا يقظة و مشافهة بالشروط المعروفة بين اهل الكشف و كذلك كانوا
يسئلونه عن كل شئ فهموه من الكتاب و ال سنة قبل ان يدونوه في كتبهم و يدينوا الله
تعالى به انتهى (و قال الشعراني ايضًا) ما ثم لنا دليل واضح يرد كلام اهل الكشف ابدًا
لا عق ً لا و لا نق ً لا و لا شرعًا لأن الكشف لا يأتى ا ّ لا مؤيدًا بالشريعة دائمًا و هو
اخبار بالأمر على ما هو عليه في نفسه و هذا هو عين الشريعة انتهى و هذا انما ذكرته
لئلا يقول المنكر لعلوم اهل الله تعالى أنه خلاف ال شرع فلا ينهض ح جة مع انا قلنا ان
الشريعة مرتبطة بالحقيقة (و قال ايضًا) و مما يؤيد ذلك ايضًا ما اجمع عليه اهل الكشف
من ان اتهدين هم الذين ورثوا الانبياء حقيقة في علوم الوحى فكما ان الن بي صّلى الله
عليه و سّلم معصوم كذلك وارثه محفوظ من الخطأ في نفس الامر و ان اخطأ احد
منهم فذلك الخطأ اضافي فقط لعدم اطلاعه على دليل و قد تقدم مثل هذا (فان قلت)
ان اباحنيفة رضي الله عنه قال لأصحابه ان توجه لكم دليل من الكتاب و ال سنة
فخذوا به و هذا يدل على عدم وجوب تقليدهم (قلت) ان اصحاب الامام مع كوم
كانوا في زمنهم ال صالح في خير القرون المشهود لها بالخيرية كان لهم اهلية الاجتهاد في
الجملة لتعلمهم من المذهب و اخذهم لإصوله و فروعه و مع ذلك ما ادعوا لانفسهم
مذهبًا غيره بل جعلوا انفسهم مقلدين لعلمهم بعدم وصولهم الى درجة امامهم و ان
امامهم تواضعًا قال لهم هذا الكلام و لهذا لما جعل أبو يوسف له مجلسًا مستق ً لا ارسل
الامام له من يسئله عن مسائل ان قال نعم اخطأ و ان قال لا اخطأ فعلم أنه لا قدرة له
على الاستقلال فرجع الى الامام و لازمه حتى مات و لهذا قال كل من اصحاب أبي
حنيفة ما قلنا قولا ا ّ لا و هو من قول أبي حنيفة فهم مجتهدون في المذهب لا مجتهدون
مطلقا كالامام بل مرجحون لبعض اقواله على بعض و لهذا يقال لمن يأخذ باقوالهم
حنفي لا يوسفي و لا مح مدي و لا زفري و المذاهب رضي الله عنهم ما اوجبوا على
- ٧٢ -
الناس تقليدهم و لكن الله تعالى هو الموجب لتقليد اهل الاجتهاد و الاستنباط عمومًا
لكن لما نظر الناس من علماء وقتهم و بعدهم الى يومنا هذا ما وجدوا احدًا احق
بالاتباع فاختاروهم على غيرهم و لعدم تدوين مذاهب الصحابة و التابعين غير هذه
المذاهب الاربعة و ايضًا رأوا هؤلاء في العلم و الحفظ و الاتقان و الزهد و الورع و
التقوى و الشفقة على الخلق على جانب عظيم و من التواضع للخلق و التودد لهم
بالخير على حظ جسيم لا جرم اختارهم اهل ال سنة و ما بغوا م بديلا فالذى يدعي
الاجتهاد بعدهم بلا ش ك أنه صاحب نفسانية و تكبر و ازدراء بالخلق يريد التميز و
الصيت و لولا ذلك لوسعه ما وسع العلماء الفضلاء اهل العصر المتقدم الذين هم اذن
المذهب لهم بما توجه لهم من الدليل و ما خرجوا عن امامهم و مذهبهم و تقليده و ما
ادعوا أنهم مجتهدون فهذه العبارة التى قالها الامام لاصحابه من ادل الادلة أنه ليس
لغيرهم ادعاء ذلك خصوصًا اهل العصر المتأخر في مثالة القرون و ذبالة الاراء و ذهاب
اكثر قواعد ال دين و الله الهادى و المعين (قال الامام الشعراني) ان الله لما م ن عل ي
بالاطلاع على عين الشريعة رأيت المذاهب كلها متصلة ا ورأيت جميع المذاهب التى
درست و رأيت اطول الائمة جدولا الامام ابا حنيفة و يليه الامام مالك و يليه الامام
ال شافعي و يليه الامام أحمد بن حنبل و اقصرهم جدولا الامام داود يعني الظاهري( ١) و
قد انقرض في القرن الخامس فاولت ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم و قصره فكما
كان مذهب أبي حنيفة اول المذاهب المدونة فكذلك يكون آخرها انقراضا و بذلك
قال اهل الكشف (و ايضًا) قال في الميزان أنه رأى بكشفه مراتب المذاهب الاربعة في
الجنة حول مقام رسول الله صّلى الله عليه و سّلم مرتبين على مراتب ازمام فابو
حنيفة اقرب الى رسول الله صّلى الله عليه و سّلم و مالك بعده و ال شافعي بعد الامام
مالك و أحمد بعد ال شافعي رضي الله عنهم فهذا يدل على أنه لوكان اتهد المطلق له
وجود في غيرهم لرآه من طريق الكشف كما رأى الائمة الأربعة فلهذا اتفق اهل
١) داود الظاهري الاصفهاني توفي سنة ٢٧٠ ه. [ ٨٨٣ م.] في بغداد )
- ٧٣ -
الظاهر و الباطن من جميع الامة على ان لا مجتهد سواهم قال صاحب ال در و قد اتبعه
يعني ابا حنيفة كثير من الأولياء الكرام ممن اتصف بثبات ااهدة و ركض في ميدان
المشاهدة كإبراهيم بن ادهم( ١) و شقيق البلخي و معروف الكرخي و ابي يزيد
البسطامي( ٢) و داود الطائي( ٣) و أبي حامد اللفاف و خلف بن ايوب و عبد الله ابن
المبارك و وكيع بن الجراح و أبي بكر ال وراق و غيرهم ممن لا يحصى لبعده ان يستقصى
فلو وجدوا فيه شيئًا او شبهة ما اتبعوه و لا اقتدوا به و لا وافقوه و هؤلاء كلهم من
أجلاء السلف ال صالح الكائنين في خير القرون فلولا علمهم ان الاجتهاد منقطع لأدعوه
هم إذ هم لزهدهم و ورعهم و كثرة علمهم الظاهر و الباطن و الهامهم الرباني اقرب
الى الاجتهاد من غيرهم ممن بعدهم فض ً لا عن المتأخرين في زمان الفساد من اهل العناد
الذي غاض فيه العلم و فاض فيه الجهل فو الله لو اشتغلوا بتصحيح اسلامهم و إيمام
لكان اولى م من هذه الدعوى ثم هذا في حق اتباع أبي حنيفة من هؤلاء الأولياء و
كذلك مثلهم و امثالهم ممن تبع الامام مالك و ال شافعي و أحمد و اجل من تبع الامام
أحمد سيدنا و مولانا ال شيخ عبد القادر الجيلي الذي كان مفتى الفرق و المذاهب و
دايته و ارشاده ن ور ال دنيا من شرقها الى غرا فهو تبع لمذهب الامام أحمد و ما ادعى
الاجتهاد المطلق و ما اخرج نفسه عن التقليد فمن يكون غيره و هذا فيه مقنع لمن هداه
الله تعالى و الذي يظهر لبادى الرأى ان هؤلاء المدعين الاجتهاد في مثل هذا الزمان
اصل بدعة في ال دين و في اقوال المذاهب المؤسسة على الكتاب و ال سنة و الاجماع ما
يرد عليهم فصاروا يخرجون رقام عن ربقة التقليد حتى يقولوا ما يوافق بدعتهم
فادعوا مثل هذه الدعوى لأن المذاهب مصرحة بخلاف بدعتهم التى هى تكفير الناس و
الفض و البغض لحضرات الانبياء و الرسل و الأولياء و الشهداء من عباد الله المقربين و
١) إبراهيم بن ادهم الچشتي توفي سنة ١٦٢ ه. [ ٧٧٩ م.] في الشام )
٢) بايزيد البسطامي طيفور توفي سنة ٢٦١ ه. [ ٨٧٥ م.] في بسطام )
٣) داود الطائي الخراساني الحنفي نوفي سنة ١٦٥ ه. [ ٧٨١ م.] )
- ٧٤ -
لقد رأيت رج ً لا من الاغوان عام سبع و اربعين بعد المائتين و الالف عند قبر سيدنا
حمزة و نحن قافلون من المدينة المنورة سائرون في الطريق فتعارف معى فقلت له ما
مذهبك فقال انا حنفي ثم سرنا حتى اتينا بعض قرى نجد فدخلت مسجدا لهذه القرية
فرأيت زبل الحميرى قد نسفه الريح في اوائل المسجد و كنت متوضئا جديدًا و رجلى
متبللة فصرت اجعل عبائتى تحت رجلى و اسحبها لأتوق زبل الحمير بسبب رطوبة
رجلى من ماء الوضوء و كان ذلك الاغواني في المسجد فقال لم تفعل هذا قلت
لنجاسة زبل الحمير فقال لا يجوز قلت لم قال زبل الحمير الكثير لا يضر قلت سبحان
الله هذا عند كل مذهب نجس و انت زعمت انك حنفي فقال ما انا بحنفي و لا متبع
لمذهب من المذاهب بل هم عندي من الفرق الضالة فقلت لمن انت متبع قال انا اتبع
الكتاب و ال سنة قلت له و المذاهب من منهم غير متبع الكتاب و ال سنة و هل في
الكتاب و ال سنة ان زبل الحمير طاهر فأتنا به فالجم ثم قلت ان بنى آدم اشرف
الموجودات و زبله نجس فكيف لا يكون زبل الحمار نجسًا ثم انك الآن فاسق لكذبك
في قولك انك حنفي ثم الآن تتبرأ من المذاهب و تجعلهم من الفرق الضالة و هذا س ب
و افتراء عليهم و هذا كفر في حق سائر العلماء فضلا عن المذاهب الذين هم هداة
الخلق الى الحق من وقتهم الى يومنا هذا فانت ال ضال لكن انا من اقل المقلدين اسئلك يا
مدعي الاجتهاد كم فروض الوضوء قال اربعة و قرأ آية الوضوء قلت لم لم تجعل النية
فرضًا و قد قال صّلى الله عليه و سّلم في حديث ال صحيحين المتفق عليه (انما الاعمال
بالنيات) و ظاهره الحصر (و ايضًا) توسط الممسوح بين المغسولات فلا بد ان يكون
لرعاية الترتيب كما قال به غير الحنفية من المذاهب أنه من فروض الوضؤ فسكت و
ت الذي كفر ثم بعد ايام جن هذا الاغوانى و حدد بالحديد ثم ذهب الى المركب في
البحر فرمى نفسه و غرق و قطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين
فقلت هذه كرامة المذاهب و شكرت الله ان هذا الاغواني ما اغواني و من اعجب ما
رأيت من جنس هؤلاء اني رأيت رج ً لا يمانيا يطوف بالكعبة ال شريفة و هو يخل
- ٧٥ -
بواجب الطواف فنهيته فلم ينته فقلت له ما مذهبك فقال لي الكتاب و ال سنة فقلت له
انت تقرأ القرآن قال لا فقلت إذا لم تقرأ القرآن كيف يكون مذهبك الكتاب و ال سنة
و إذا كنت بالكتاب جاهلا فانت بالسنة اجهل فتركته و مضيت فهذا حال هؤلاء و
من هنا يعلم ان هؤلاء لو تخلوا عن كتب المذاهب و اتباعهم من اين يأتون باصول و
فروع ا ّ لا من كتب مذاهب الأئمة الاربعة و اتباعهم في جميع الاحكام ال شرعية فتراهم
يستفيدون من كتب العلماء و ينكرون فضلها و فائدا و يدعون بدعوى لا طائل
تحتها سوى الوقاصة و قلت المروة و كفران النعمة الّله م سّلمنا و سّلم ديننا و قد قلت
شعرا:
حسبي انتسابي للمذاهب كلها * اعنى الائمة اربعا م اهتدى
اضحوا ائمتنا و عمدة ديننا * قد ضل من بعلومهم لا يقتدى
و اعلم ان الامام أحمد بن حنبل هو آخر المذاهب اجتهادًا و زمانا قال
ال سيوطي و غيره من المؤرخين كان يحفظ الف الف حديث و ثمانمائة الف حديث ثم
جاء بعده البخاري فقال احفظ سبعمائة الف حديث ثم لا زالت تتناقص الأحاديث
حتى وصلت في ايام ال سيوطي الى مائتي الف حديث و ذكر أنه حفظها قال و لو
وجدت اكثر من ذلك لحفظته و الآن في جميع اقطار ال دنيا لا يوجد من يحفظ الف
حديث باسانيدها بل و خمسمائة حديث باسانيدها فإذا كان كذلك و كان الامام
أحمد مع تأخره يحفظ هكذا فما بالك بالمتقدم من المذاهب حتى تعلم ان هؤلاء اقطاب
مؤيدون من الله تعالى بالقوة الخارقة للعادة و ان هذا الزمان لقلة حفظ الحديث و
اطلاع اهل العلم عليه لا يمكن يتأتى لهم الاجتهاد الذي مادته العظمى من الحديث إذ
هو المبين لكتاب الله قال تعالى (لِتبي ن لِلناسِ ما ن ز َ ل اَِليهِم * النحل: ٤٤ ) فهذا الوجه
من الاسباب المانعة لدعوى هؤلاء و الفاطم لهم عن الوصول الى هذه الرتبة ا ّ لا بطريق
الادعاء الذي هو الافتراء و بما قررناه تبين افتراء الزيدي الرافضي الصنعاني حيث قال
في قصيدة له شيطانية:
- ٧٦ -
و اقبح من كل ابتداع سمعته * و إن كان للقلب الموفق للرشد
مذاهب من رام الخلاف لبعضها * يعض بانياب الاساود و الاسد
يصب عليه سوط ذم و غيبة * و يجفوه من قدكان يهواه عن عمد
و يعزى اليه كل ما لا يقوله * لتنقيصه عند التهامى و النجد
فاجابه في وقته علماء اجلاء نظمًا و نثرا منها نظم السيد ياسين البصري
الطباطبي العلامة فقال:
اقول ان استقبحت يا ذا عماية * مذاهب قد صينت عن اللبس و الجحد
تلقت رضاء بالقبول مقالها * جماهر اهل العلم لم تحص بالعد
فلا عزو يدرى الفضل من كان اهله * قد تكره الجعلان اريحة الورد
و من شذ عن تلك المذاهب خارقا * لاجماع اهل العلم في الحل و العقد
فذاك عن النهج القويم مضلل * و من قال منكور يقابل بالرد
(ثم قال الزيدى الرافضي المبتدع)
فمن قلد النعمان اصبح شاربًا * نبيذًا و فيه القول للبعض بالحد
(فاجاب السيد ياسين)
اقول اختلاف للمذاهب رحمة * نقلد من شئنا فكل على رشد
بذاك اتى نص الحديث مبينًا * فلا في اختلاف للمذاهب من نقد
(ثم قال الصنعاني الرافضي)
فمهتديًا كن في الهدى لا مقلدًا * و خل اخا التقليد في الاسر و القيد
علام جعلتم ايها الناس ديننا * لاربعة لا ش ك في فضلهم عندى
هم علماء ال دين شرقًا و مغربًا * و نور عيون الفضل و الحق و اد
و لكنهم كالناس ليس كلامهم * دليلا و لا تقليدهم في غد مجدى
(فاجاب السيد المذكور)
اقول عن التقليد من كان ناهيًا * و هل كل شخص يستطيع على الجد
- ٧٧ -
اما كالنجوم الصحب قال نبينا * بايهم من يقتدى كان مستهدى
و من ذا مقام الاجتهاد يناله * و كيف و منه الباب اغلق بالسد
و من دونه خرط القتاد و دونه * تقطع اعناق و مأسدة الاسد
و تخصيصهم بالاتباع مذاهبًا * لاربعة إذ لا ابتداع بما تبدى
فماخالفوا نص الكتاب و سنة * و لا احدثوا في ال دين مستوجب الرد
و ليس هم كالناس هل يستوى الذي * يكون على علم و من كان ذا فقد
فتب نادمًا و ارجع الى الله و اهتد * و خل الهوى و اتبع سبيل ذوى الرشد
و لكن من يهد الاله فما له * مضل و من يضلل فلا احد يهدى
(اقول) هذا الزيدي الرافضي تبع اخوانه الرافضة فإم يدعون الاجتهاد و
يلزم من ذلك ان تكون مذاهبهم الوفًا في الوف لأن كل جاهل من هؤلاء المدعين
ينظم الى العوام و يجعلون له دراهم كثيرة و نحو خمس الخمس فيجعل نفسه مجتهدًا
ينفي قول من تقدم و يموت اجتهاده بموته فكل احد يظهر شيئًا ما اظهره الآخر و ليس
لهم بالكتاب و السنة علم و رجال حديثهم زنادقة و كذبة و فسقة بشهادة اهل البيت
على ما ذكروا في كتبهم فيرضون بالألوف يفترقون في امر ال دين و لا يرضون بأربعة
لم يخرجوا عن الكتاب و ال سنة مقدار شعرة مع ان اصل المسئلة في اختلاف المذاهب
الصادقين لا المبتدعين المارقين مأخوذ من الكتاب و ال سنة اما الكتاب فقوله تعالى ( و
داو د و سَلي م ن إذ يحكُمانِ فِي الْ حرثِ إذ نَف شت فِيهِ َ غنم الَْقومِ و ُ كنا لِحكْمِهِم
٧٩ ) فاثنى الله – شاهِدِي ن * َفَف همناها سَلي م ن و كُ ّ لا آتينا ح ْ ك ما وعِْل ما * الانبياء: ٧٨
على داود و سليمان و ان الله اتاهما حكمًا و علمًا مع ان الصواب كان في جانب
سليمان و ان داود عليه ال سلام كان مجتهدًا بخلافه و ما ذمه الله بل مدحه بالحكم و
العلم فدل على ان اختلاف اتهدين كذلك لقوله صّلى الله عليه و سّلم كما في
حديث ال صحيحين (اذا اجتهد الحاكم فاصاب فله اجران و ان اخطأ فله اجر و
احد) و الحديث ال صحيح الذي مر في الصحابة و اختلاف التابعين و المذاهب ناشئ
- ٧٨ -
عن اختلافهم بل الاختلاف من تنويع الن بي صّلى الله عليه و سّلم الاحكام بالاختلاف
لانه حكيم القلوب و الأبدان و ال شرع فخاطب كل شخص او جماعة بما يليق بحالهم
فأصل الاختلاف من ذلك فكان منه و من اصحابه و من بعدهم في الفروع رحمًة
( لقوله تعالى ( و ي ضع عن ه م اِ ص ر ه م و اْ َ لاغْ َ لا َ ل الَّتِي َ كان ت عَليهِم * الاعراف: ١٥٧
و اخرج ابن سعد و البيهقي عن أبي بكر رضي الله عنه و كرم وجهه أنه قال كان
اختلاف اصحاب محمد رحمة للناس و اخرج ابن سعد عن عمر بن عبد العزيز رضي
الله عنه أنه قال ما يسرنى ان اصحاب رسول الله صّلى الله عليه و سّلم يختلفون و في
رواية ما يسرنى باختلاف اصحاب الن بي صّلى الله عليه و سّلم حمر النعم لأنهم لو لم
يختلفوا لم يكن رخصة و لما اراد هارون الرشيد ان يعلق موطأ مالك في الكعبة و يحمل
الناس على ما فيه قال له مالك لا تفعل يا امير المؤمنين فإن اصحاب رسول الله اختلفوا
في الفروع و تفرقوا في البلدان و ان اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الامة
و كل يتبع ما صح عنده و كل مصيب و كل على هدى فقال له هارون و فقك الله
يا ابا عبد الله و وقع له مثل ذلك مع المنصور جد هارون ايضًا لما اراد ان يرسل الى
كل مصر نسخة من كتب مالك و يأمرهم ان يعملوا بما فيها و لا يتعدوا الى غيره
فقال له لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت اليهم اقاويل و سمعوا أحاديثًا و رووا
روايات و اخذ كل قوم بما سبق اليهم و دانوا به من اختلاف الناس فدع الناس و ما
اختاروا من كل بلد منهم لانفسهم و بما تقرر يظهر اتجاه القول بأن كل مجتهد مصيب
و ان حكم الله في كل واقعة تابع لظن اتهد و قد قال صاحب جمع الجوامع و
المتكلمون عليه و نعتقد ان ابا حنيفة و مالك و ال شافعي و أحمد و سائر ائمة المسلمين
على هدى من الله و لا التفات الى من تكلم فيهم بما هم بريئون منه فقد كانوا من
العلوم الّلدنية و المواهب الالهية و الاستنباطات الدقيقة و المعارف الغزيرة و ال دين و
الورع و العبادة و الزهادة و الجلالة بالمحل الذي لا يسامى (انتهى) و رأى بعض الأئمة
الن بي صّلى الله عليه و سّلم و سأله عن اختلاف اتهدين فقال (كل في اجتهاده
- ٧٩ -
مصيب) فذكر له الرائي قول أبي حنيفة اتهدان مصيبان و الحق في واحد و قول
ال شافعي اتهدان مصيب و مخطئ معفو عنه فقال صّلى الله عليه و سّلم (هما قريبان
في المعنى و ان كانا مختلفين في اللفظ) فقلت ايهما اولى بالاخذ من الفريقين فقال
صّلى الله عليه و سّلم (كلاهما على الحق) و منها عليك ان تعلم و تعتقد ان اختلاف
ائمة المسلمين من اهل ال سنة و الجماعة في الفروع نعمة كبيرة و رحمة و اسعة و فضيلة
واضحة و له سر لطيف ادركه العلماء العاملون و عمي عنه الجاهلون حتى قال بعضهم
الن بي صّلى الله عليه و سّلم جاء بشرع واحد فمن اين مذاهب اربعة و وجه ذلك ان
الله تعالى خص هذه الشريعة برفعه عن اهلها الاصار و الاثقال التى كانت على الامم
قبلها و قد تقرر ان شرائع الانبياء شرائع له زيادة في تعظيمه فالشرائع التى استنبطها
اصحابه و تابعوهم باحسان من اقواله و افعاله على تنوعها شرائع متعددة له من باب
اولى خصوصًا و قد اخبر بوقوعها و وعد بالهداية على آخذيها و رضى ا و مدحنا
عليها و جعل ذلك رحمًة و منًة اي منًة كما مر بيان ذلك (انتهى) كلام ال سيوطي
ملخصًا من جزيل المواهب في اختلاف المذاهب و تبعه ابن حجر في الخيرات الحسان و
قال ابن حمدان الحنبلي في آداب المفتي و المستفتي بعد ذكر كثير من تحاشي السلف عن
الفتيا و هو من اهل الستمائة بعد الهجرة (قلت) فكيف لو رأى زماننا و اقدام من لا
علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته و سوء سيرته و شؤم سريرته و انما قصده السمعة و
الرياء و التعّلى على الناس و مماثلة الفضلاء و النبلاء المشهورين الكاملين و العلماء
الراسخين المتبحرين من ال سابقين و مع هذا فهم ينهون فلا ينتهون قد احلى لهم
الشيطان بانعكاف الجهال عليهم و تركوا ما لهم في ذلك و عليهم فمن اقدم على ما
ليس له اهل من فتيا او قضاء او تدريس اثم فإن اكثر و استمر و اصر فسق و لم يحل
قبول قوله و لا فتياه و لا قضاه هذا حكم دين الاسلام و لا اعتبار بمخالف هذا
الصواب فإنا لله و انا اليه راجعون و قد قال ابن أبي داود و غيره ان ال شافعي شرط في
المفتي و القاضي شروطا لا توجد ا ّ لا في الانبياء (انتهى) فإذا كان هذا في المفتي فما
- ٨٠ -
بالك باتهد و من يدعى الاجتهاد فهو آثم و فاسق و لهذا اجمع اهل ال سنة على تقليد
المذاهب الاربع لعدم من يقوم بأدنى أدنى أدنى منصبهم و تبين ان قول القائل الشريعة
واحدة فكيف تكون لاربع أنه من اجهل الجاهلين لعدم معرفته بما ذكرنا و الله خير
الحاكمين (و اما قولهم) ان الذي ينذر او يذبح باسم الله صدقة للانبياء و الأولياء فهو
لا يجوز او كفر او شرك فهذا كلام فصله علماء اهل ال سنة من ائمة المذاهب و حيث
ان هؤلاء خارجون عن المذاهب فنستدل على ردهم كما يقولون من الكتاب و ال سنة
ثم نذكر اقوال المذاهب في هذه المسئلة قال الله تعالى ( و َما َانَف ْ قت م مِ ن نَفَقةٍ َا و ن َ ذ رت م
( مِ ن نذْرٍ فإن اللهَ يعَلمه * البقرة: ٢٧٠ ) و قال تعالى ( و ْليوُفوا ن ُ ذو ر ه م * الحج: ٢٩
و قال تعالى (يوُفو َ ن بِالنذْرِ و ي خاُفو َ ن يومًا كَا َ ن ش ره م ستطِ يرا * و يطْعِ مو َ ن الطَّعام
٧) فذكر في هذه الآيات ال شريفات – عَلى حبهِ مِ سكِينا و يتِيما و َاسِ يرا * الانسان: ٨
ان النذر هو يعلمه و مدح فاعله و جعل النذر من جنس النفقة و في الحديث ال صحيح
ان رج ً لا او أمراة نذر ان يذبح ابلا بيوانا مكانا خارج م ّ كة فسئل هل به وثن من
اوثان الجاهليه فقال السائل لا قال اوف بنذرك مع ان الله حاضر في كل مكان و عالم
بالنيات فتعين اماكن ال صالحين للتصدق على من بجواره ليصل ثوابه لذلك ال صالح فهو
مما عين المكان فيه و ان تعيينه لازم لا ضرر فيه في دين الاسلام و اما الذبح فهو تبع
للنذر لأن من نذر حيوانا لا بد من ذبحه و اما قول الخوارج ان النذر لغير الله لا يجوز
و الذبح لغير الله لا يجوز (فنقول) أولا يحتاج هذا الكلام الى دليل من الكتاب و ال سنة
و لن يستطيعوا له حصولا في النذز و لا بد ان يأتوا بكلام الفقهاء و هم لا يرضون
بالتقليد بل يدعون الاخذ بالكتاب و ال سنة و اما قوله تعالى ( ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ) فهو
عمدة استدلالهم فيقال ما معنى قوله تعالى ( ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ) فسيقولون على مقتضى
عقلهم ما ذبح لغير الله فنقول لهم ذا التفسير يلزم تكفيرهم و تكفير جميع المسلمين إذ
في كل يوم يذبح الجزارون في بلاد الاسلام اكثر من مائة مليون و هذا الذبح ليس لله
بل لكسب ال دنيا و للآكلين فيصدق أنه ذيح لغير الله و كذلك ما يذبح الناس لأموام
- ٨١ -
فإنه يصدق عليه أنه ذبح لغير الله فإن قالوا مسئلة الذبح للاموات مقصودنا و مقصود
الناس الذبح لله و الصدقة للاموات قلنا و كذلك الذبح للانبياء و الأولياء و من
اطلعكم على نية الذابح و الله تعالى هو العالم بالنيات لا غيره ا ّ لا من تعليمه تعالى ثم
تعّلم هؤلاء الخوارج ان معنى قوله تعالى ( ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ) الاهلال هو رفع الصوت
و كان عباد الاصنام يقولون عند الذبح يرفع الصوت باسم اللات باسم العزى عوضا
عن قول المسلم بسم الله فقال تعالى ( ومآ ُاهِلَّ لِغيرِ اللهِ به) فمن قال من المسلمين
باسم ال شيخ عبد القادر مثلا عوضا عن بسم الله فهو إن كان يعلم ذلك فحرام و إن
كان لا يعلمه يجب على العلماء ان يعّلموه و لا يكفر مطلقا كما هو رأى الخوارج
هذا من حيث الاجمال و اما من حيث الاستدلال من اقوال علمائنا اتباع المذاهب
(فنقول) قال في البحر و النهر و نقله صاحب ال در عن ال شيخ قاسم بن قطلوبغا( ١) من
حيث النذر و اعلم ان النذر الواقع للاموات من اكثر العوام و ما يؤخذ من الزيت و
الشمع و الدراهم و نحوها الى ضرائح الأولياء تقربا اليهم فهو باطل بالاجماع و حرام
ما لم يقصدوا صرفها لفقراء الانام و قول ال شيخ قاسم ان النذر عبادة و العبادة
للمخلوق لا يجوز ينافيه قوله صّلى الله عليه و سّلم (ان النذر لا يأتى بخير انما
يستخرج به مال البخيل) يدل على كراهته و المكروه لا يكون عبادة و لاش ك ان
قصد العوام بالذبائح و غيرها بنذرها و ذبحها صرفها للفقراء المنسوبين الى ذلك الو ّ لي
او لعموم الفقراء في كل مكان و عند الحنفية لا يتعين المكان في النذر و لو نذر مثلا
للشيخ فلان جاز ذبحه او تفرقته في غير مكان ال شيخ لانه يصله الثواب حيث ما كان
مع ان هذه العبارة منسوبة للشيخ قاسم و هو من تلاميذ ابن الهمام من اهل التسعمائة
و لم تنقل هذه المسئلة ا ّ لا عنه لا عن المتقدمين من المذاهب و اصحام و ال شيخ قاسم
هذا كان يعتقد اعتقاد ابن تيمية و هو مبتكر لهذه الاشياء المضللة للناس ورد عليه
جماهير اكابر المذاهب في وقته و بعده من خصوص هذه المسائل التي ابتدعها و لئن
١) قاسم بن قطلوبغا الحنفي المصري توفي سنة ٨٧٩ ه. [ ١٤٧٤ م.] )
- ٨٢ -
سلم كلام ال شيخ قاسم فما عليه غبار لدى العلماء لانه قال لا يجوز الا إذا قصدوا
صرفها لفقراء الانام و هذا هو المقصود يقينًا لكن استدلال الخوارج بقول علمائنا ما ذا
ينفعهم لأنهم لا يرضون باقوال المذاهب و اتباعهم من غير دليل من الكتاب و ال سنة و
اي كتاب و اي سنة إذا طالبناهم ا يأتون ما و ليس لهم الا ما ذكرنا سابقا و هو
يدخل الاحتمال فيبطل به الاستدلال و ذكر في ال در في مسئلة الذبح ان (مآ ُاهِلَّ لِغيرِ
اللهِ) هو ان يذبح الذبيحة و يتركها و لا يعطيها للفقراء و اما ما ذبح للاكل فليس
بداخل فيما اهل به لغير الله كالذبح للضيف فإنه سنة الخليل ابراهيم عليه ال سلام و لو
كان مما اهل لغير الله لدخل ما ذبح للضيف مثلا و مسئلة الذبح للأولياء المقصود منه
نفع الفقراء و حصول الثواب من الله للأولياء فهو احسن من الذبح للضيف إذ الضيف
غالبًا يكون من الاغنياء الغير المستحقين كما هو معلوم نعم ذكروا الذبح للامير او
السلطان او لقدوم غائب يذبحه و يتركه بلا فائدة فيشبه ما ذبحه الكّفار لاصنامهم
فقالوا هو حرام و اما عند الأئمة الشافعية (فسئل) العلامة ابن حجر المكي في فتاواه
عن النذر للأولياء هل يصح و يجب تسليم المنذور اليهم ان كانوا أحياء او لأي فقير و
مسكين كان و إن كان الو ّ لي ميتًا فهل يصرف لمن من ذريته و اقاربه او لمن ينهج
منهجه او يجلس في حلقته او لفقيره او كيف الحال و ما حكم النذر لتجصيص القبر او
حائطه فهل يصح او لا (فاجاب) بقو له النذر للولى الحي صحيح و يجب صرفه اليه و
لا يجوز صرف شيئ لغيره و اما النذر للولى الميت فإن قصد الناذر تمليك الميت بطل
نذره و ان قصد قربة اخرى كاولاده و خلفائه او اطعام الفقراء الذين عند قبره او غير
ذلك من القرب المتعلقة بذلك الو ّ لي صح النذر و وجب صرفه فيما قصد الناذر و ان
لم يقصد شيئًالم يصح الا ان طردت عادة الناس في زمن الناذر بالهم ينذرون للميت و
يريدون جهة مخصوصة مما ذكرناه و علم الناذر بتلك العادة المطردة المستقرة فالظاهر
تتريل نذره عليه اخذًا مما ذكروه في الوقف من ان العادة المستقرة المرادة في زمن
الواقف تترل مترلة شرطه (و اما النذر للتجصيص) المذكور باطل نعم يؤخذ من كلام
- ٨٣ -
الاذرعي( ١) و الزركشى و غيرهما أنه يصح لقبور الانبياء و الأولياء و العلماء و كذا لو
كان الميت بمكان لا يؤمن عليه من سبع او سرقة كفن او اخراج نحو مبتدعة اوكّفار
له ا ّ لا بالتجصيص فحينئذٍ يجوز بل يندب و يصح نذره لما فيه من المصلحة كما تصح
الوصية بذلك (انتهى) و للشيخ ابن حجر فتيا مطولة و هذا القدر كاف و كذا للرملي
في فتاواه و اصل ذلك من كلام الرافعي في النذر للقبر بجرجان كما قدره ابن حجر في
التحفة و الفتاوى و هذا اتفاق للشافعية في هذه المسئلة (و اما المالكية) فنقل صاحب
شرح مختصر خليل العمروى كما ذكر الشافعية فلنذكر عبارته بنصها و ان قيد يعني
الهدى بغير م ّ كة بلفظ او نية كقبر الن بي صّلى الله عليه و سّلم او قبر ولي فإن كان مما
يهدى و عبر عنه بلفظ بعير او جزور او خروف نحره او ذبحه بموضعه و فرق لحمه
للفقراه و ان شاء ابقاء و اخرج مثل ما فيه من اللحم و اما إن كان مما لا يهدى
كثوب او دراهم او طعام فإن قصد بذلك للملازمين للقبر ال شريف او لقبر الو ّ لي و لو
اغنياء ارسله لهم و ان قصد نفس الن بي او الشيخ أي الثواب تصدق به بموضعه و إن لم
يكن له قصد او مات قبل علم قصده فينظر لعادم كذا استنبطها ابن عرفة و البرذالى
(انتهى) و اما اقوال الحنابلة فنقل ال شيخ منصور البهوتي في حاشية الاقناع و نقل ابن
مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية ان النذر لغير الله كنذره لشيخ معين للاستغاثة و
قضاء حاجة منه كحلفه بغيره و قال غيره نذر معصية (انتهى) كلام ابن مفلح( ٢) في
الفروع فدل على ان النذر للمشايخ للاستغاثة م و قضاء الحاجة يكره عند ابن تيمية
كراهة تتريه و الدليل عليه قوله و قال غيره نذر معصية يعني بعض الحنابلة غير ال شيخ
ابن تيمية و نقل في حاشية الاقناع عن ابن تيمية من نذر قنديلا للن بي صّلى الله عليه و
سّلم صرف لجيران الن بي صّلى الله عليه و سّلم انتهى (و اما مسئلة الذبح للانبياء و
الاولياء) بمعنى ان الثواب لهم و المذبوح منذور لوجه الله تعالى (و ما ورد) من قوله
١) الاذرعي أحمد ال شافعي توفي سنة ٧٨٣ ه. [ ١٣٨١ م.] )
٢) ابن مفلح مح مد الحنبلي توفي سنة ٧٦٣ ه. [ ١٣٦٢ م.] )
- ٨٤ -
صّلى الله عليه و سّلم (لعن الله من ذبح لغير الله) قال ابن القيم في كتاب الكبائر و
ال ّ ذهبي( ١) في الكبائر و ابن حجر في الزواجر معنى الذبح لغير الله مثل ان يقول باسم
سيدى ال شيخ فلان و كما تقدم ان يقول الكافر عند الذبح باسم الصنم عوضًا عن
بسم الله قال النووي في الروضة فإن ذبح للكعبة او للرسل تعظيما لكوا بيت الله و
لكوم رسل الله جاز قال و الى هذا يرجع قول القائل اهديت للحرم او للكعبة و
اعلم تحرم الذبيحة تقربا الى السلطان او غيره عند لقائه لما مر فإن قصد الاستبشار
بقدومه فلا بأس او ليرضى غضبانًا جاز كالذبح لولادة المولود لا ليتقرب به الى
الغضبان في صورته بخلاف الذبح للصنم فإن ذبح للجن حرم الا ان قصد بما ذبحه
القربة الى الله تعالى ليكف شرهم فلا يحرم انتهى ثم قال و الى هذا يرجع قول القائل
اهديت للحرم او للكعبة اي في قوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) و اما الذبح تقربا
للسطان او غيره كالأمير و الرجل الكبير عند لقائهم فتحرم و مع هذا فإن للاستبشار
بقدوم مثل هؤلاء او ليرضى غضبانا جاز الذبح كالذبح للولادة فافهم و مسئلة التقرب
للسلطان (الطاهر) كما قال الحنفية إنه يذبح و يترك و لا يعطى للفقراء و المستحقين و
الله الهادى و المعين و الحاصل ان العلماء ما تركوا لاحد مقالا بل انما ذكروا كلما
يحتاج المكلف في امور دنياه و ُاخراه و نوعوا النيات و الارادات بما يصر في ال دين و
ينفع و مضى على ذلك و رضي به القرون الكثيرة و تواطئت على الافتاء به العقول
الوفيرة فمن اتى ممن لا عقل له و لا دين و يريد ان يفرق بين المسلمين و يضلل العلماء
العاملين و الكملاء الزاهدين الذين اتعبوا انفسهم و اخرجوا الحق من بين فرث الفاسد
و الباطل فهو الصقيع الضال المخالف للشريعة القويمة و العقول الكاملة السليمة فلا
ينبغي لاحد له ادنى عقل ان يتبع هؤلاء نعم للدجال اتباع يرون اقبح ما يأتيهم حسنا
و اما مسئلة ان المؤذن إذا ذكر شهادة الن بي صّلى الله عليه و سّلم وضع السامع اظافر
اصبعيه الاامين على عينيه و قال قرت بك عينى يا رسول الله فقد ذكر ذلك بعض
١) محمد شمس ال دين ال ّ ذهبي الحنبلي توفي سنة ٧٤٨ ه. [ ١٣٤٧ م.] في مصر )
- ٨٥ -
العلماء كالديربي في مجرباته و غيره و لم ار فيه حديثا فيما علمت لكن ربما يؤخذ ذلك
من قوله صّلى الله عليه و سّلم (عند ذكر ال صالحين تترل الرحمة) و قال الامام أحمد
بن حنبل ذكره ابن الجوزي و ابن حجر عنه فالظاهر أنه اي عند ذكر ال صالحين تترل
الرحمة حديث و لهذا ذكره ال سيوطي في الجامع الصغير لا ش ك ان نبينا صّلى الله عليه
و سّلم سيد الرسل و ال صالحين فلا ش ك أنه عند ذكره تترل الرحمة و الدعاء عند نزول
الرحمة مستجاب و قول السامع قرت عينى بك يا رسول الله دعاء بُِقرة العين و هو
السرور و الفرح في ال دنيا و الآخرة فهذا جار على قواعد الشريعة المطهرة و لا مانع
منه و الله اعلم ثم رأيت الطحطاوي من ائمة الحنفية نقل عن القهستاني( ١) عن كتر
العباد أنه قال يستحب ان يقول عند سماع الشهادة الثانية قرت عينى بك يا رسول الله
اللهم متعنى بالسمع و البصر بعد وضع ااميه على عينيه فإنه صّلى الله عليه و سّلم
يكون له قائدًا الى الجنة و نقل عن شيخ زاده( ٢) في حاشية البيضاوي عن ال شيخ أبي
الوفا( ٣) قال رأيت في بعض الفتاوى ان ابابكر الصديق رضي الله عنه سمع الاذان فلما
بلغ المؤذن الى كلمتى الشهادة بالرسالة لرسول الله صّلى الله عليه و سّلم قبل ظفرى
ااميه من يديه فمسح ما عينيه فقال صّلى الله عليه و سّلم لم فعلت هذا قال تبركًا
باسمك الكريم يا رسول الله فقال صّلى الله عليه و سّلم (احسنت فمن يعمل به امن
من الرمد) و المحفوظ عندي أنه يقول اللهم احفظ عينى و نورهما انتهى و ذكر
الديلمي في الفردوس من حديث أبي بكر الصديق و وضع ااميه على عينيه عند قول
المؤذن اشهد ان مح مدًا رسول الله و قال اشهد ان مح مدًا عبده و رسوله رضيت بالله
ربًا و بالاسلام دينًا و بمح مد صّلى الله عليه و سّلم نبيًا حلت له شفاعتى انتهى قال و
بمثله يعمل في الفضائل انتهى من كلام الطحطاوي في حاشية مراقي الفلاح و عنه
١) مح مد القهستاني الحنفي توفي سنة ٩٦٢ ه. [ ١٥٥٥ م.] في بخارى )
٢) شيخ زاده مح مد الحنفي توفي سنة ٩٥١ ه. [ ١٥٤٤ م.] في استنبول )
٣) أبو الوفا الحموي ال شافعي الخلوتي توفي سنة ١٠١٦ ه. [ ١٦٠٧ م.] في حماة )
- ٨٦ -
صّلى الله عليه و سّلم (من سمع اسمى في الاذان و وضع ااميه على عينيه فانا طالبه
في صفوف القيامة و قائده الى الجنة) من كتاب كتر العباد و في القهستاني عن كتر
العباد و يستحب ان يقال عند سماع الاولى من الشهادتين صّلى الله و سّلم عليك يا
رسول الله و عند الثانية منها قرت عينى بك يا رسول الله ثم يقال اللهم متعنى بالسمع
و البصر بعد وضع الاامين على العينين من غير م د فإنه عليه ال صلاة و ال سلام يكون
قائدًا له الى الجنة انتهى و في فتاوى ال شيخ مح مد بن سليمان المدني ال شافعي سؤال في
ابن عبد الوهاب النجدي فإنه هو الذي فتح لجهال هذا الزمان المتأخر هذا الباب و
جعله لخياله و خيالهم لذة تحت اسنام يلوكون به السنتهم (يرِي دو َ ن َا ْ ن ي ْ طفِ ؤا نو ر اللهِ
بِاَفْواهِهِم و يْأبى اللهُ اِلاَّ َا ْ ن يتِ م نو ره و َل و َ كرِه الْ َ كافِ رو َ ن * التوبة: ٣٢ ) و السؤال في
آخر الفتاوى صورته (ما تقول السادة العلماء الاعلام مصابيح سنة سيد الانام) إذا
كان طالب علم اطال المطالعة في مؤلفات اهل العلم فيحكم في رائيه ان جملة هذه
الامة ضلوا و اضلوا عن اصل ال دين و طريقة سيد المرسلين صّلى الله عليه و سّلم و
ادعى الاجتهاد و الاستنباط من كتاب الله و رسوله صّلى الله عليه و سّلم بزعمه و
ليس فيه من شروط الاجتهاد المعتبرة عند اهل العلم شيئ فهل يسوغ له ذلك و الحالة
هذه ام يلزمه الرجوع عن دعواه و متابعة اهل العلم و مع ذلك نسب نفسه للامامة و
يوجب على الامة الأخذ بقوله و لزوم مذهبه و يجبرهم على ذلك و يعتقد كفر من
خالفهم و يستحل دمه و ماله فهل يكون مخطئا في ذلك ام لا و هل لو فرض اجتماع
شروط الاجتهاد في شخص و تمذهب بمذهب مستقل هل يجوز له ان يلزم الناس
بالتزامه ام الامر واسع في تقليد اهل العلم و هل زيارة قبر الرجل ال صالح او الصحابي
او النذر له او الذبح عنده او الدعاء او التمسح به و الأخذ من ترابه و نداء الرسول او
الصحابي للاستغاثة به يخرج فاعل ذلك عن الاسلام و يحل دمه مع أنه يخبر بأنه لم
يقصد عبادة صاحب ذلك القبر و لم يعتقد قدرته على امر توسل به فيه و انما يريد
التوسل به الى الله تعالى لعلو رتبته عند ربه و هل الحلف بغير الله يخرجه عن الاسلام ام
- ٨٧ -
لا الى آخر السؤال (الجواب) لا شبهة ان العلم انما يدرك بالأخذ عن المشايخ فمن
كان شيخه الكتاب فخطئه اكثر من صوابه و دعوى الاجتهاد اليوم في غاية من البعد
و قد قال الامام الرافعي و النووي و سبقهما الفخر الرازي( ١) الناس كامعين اليوم
على أنه لا مجتهد و هذا الامام ال سيوطي مع سعة اطلاعه و باعه في العلوم و تفننه فيها
بما لم يسبق اليه ادعى الاجتهاد النسبي لا الاستقلال كما قال بنفسه في بعض تأليفه و
مع ذلك لم يسلم له و قد نافت مؤلفاته على الخمسمائة و دلت على علو كعبه في
الكتاب و ال سنة و وسائلهما فدعوى الاجتهاد النسبى لمن لم يقرب من مثل ال سيوطي
باطلة و اذا طرح الرجل المسئول عنه مؤلفات اهل ال شرع فليت شعرى بما ذا يتم سك
فإنه لم يدرك الن بي صّلى الله عليه و سّلم و لا احدًا من الصحابة فإن كان عنده شيئ
من العلم فهو من مؤلفات اهل ال شرع و حيث كانت على ضلال فمن اين وقع على
الهدى فليبينه لنا فإ ّ ن كتب الايمة الاربعة و مقلديهم جل مأخذها من الكتاب و ال سنة
فكيف اخذ هو ما يخالفها و هو كما نقل عنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد و حكم مثله اذا
رأي حديثا صحيحًا و لم تسمح نفسه بمخالفته ان يفتش من اخذ به من اتهدين
فيقلده كما نبه عليه الامام العمدة المحقق القدوة النووي في الروضة إذ الاستنباط من
الكتاب و ال سنة لا يجوز ا ّ لا لمن بلغ رتبة الاجتهاد كما نصوا عليه فيجب على هذا
الرجل الرجوع الى الحق و رفض الدعوى الباطلة و اما تكفيره المسلمين فقد صح أنه
صّلى الله عليه و سّلم قال (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء ا احدهما فإذا
كان الذي رماه به مسلم فيكون هو الكافر) و في الشرح الكبير للرافعي نقلا عن
التحفة إذا قال لمسلم يا كافر بلا تأويل كفر لانه سمى الاسلام كفرًا و تبعه على ذلك
النووي في الروضة و اعتمد ذلك المتأخرون كابن المرفعة و القمولى و الفشائي و
الاسنوي و الاذرعي و أبي زرعة بل قضية كلام الاستاذ أبي اسحق الاسفرائيني( ٢) و
١) مح مد فخر ال دين الرازي ال شافعي توفي سنة ٦٠٦ ه. [ ١٢٠٩ م.] في هرات )
٢) أبو اسحاق أبراهيم الاسفرائيني ال شافعي توفي سنة ٤١٨ ه. [ ١٠٢٧ م.] في نيشاپور )
- ٨٨ -
الحليمي( ١) و ال شيخ نصر المقدسي و الغزالي و ابن دقيق العيد و غيرهم أنه لا فرق بين
ان يؤل او لا (و قول السائل يستحل دمه و ماله) صح أنه صّلى الله عليه و سّلم قال
(امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله) الحديث فكيف ساغ لهذا
الرجل استحلال ما لم يحل له عليه الصلوة و ال سلام و هذا الحديث هو مفاد قوله تعالى
جل شأنه في محكم كتابه (َفاِنْ تابوا و َاقَاموا ال صلَوَة و آت وا ال زكَوَة َف خلُّوا سبِيَل ه م *
التوبة: ٥) و في آية اخرى (فَاِخوان ُ كم فِي ال ديِنِ * التوبة: ١١ ) و قال صّلى الله عليه
و سّلم نحن (نحكم بالظاهر و الله يتولى ال سرائر) و قال (ما امرت ان اشق على
قلوب الناس و لا سرائرهم) و قال لإسامة حين قتل من قال لا اله الا الله (هلا
شققت عن قلبه) و لا يجوز تهد ان يحمل الناس على مذهبه نعم إن كان قاضيا و
رفعت اليه حادثة فإنه انما يحكم فيها بما يظهر له من الادلة (و النذر للاولياء) فيه
تفصيل عند ائمتنا الشافعية قال في الهبة من التحفة لو نذر لولى ميت بمال فإن قصد أنه
يملكه لغى و ان اطلق فإن كان على قبره ما يحتاج للصرف في مصالحه من مدارس
العلم و الفقراء و نحوها صرف لها و ا ّ لا فإن كان عنده قوم اعتيد قصدهم بالنذر للولى
صرف لهم و في النذر منها يصح نذر التصدق على ميت او قبره ان لم يرد تمليكه و
اطرد العرف بأن ماحصل له يقسم على نحو فقراء هناك فإن لم يكن عرف بطل الى
آخر ما اطال به و نقل عن السملاوي عن الرملى مثله و من المعلوم ان الناذرين
للمشائخ و الأولياء بشئ لا يقصدون تمليكهم لعلمهم بوفام و انما يتصدقون به عنهم
او يعطونه لخدامهم و حينئذٍ هو قربة لأن النذر لا ينعقد عند الشافعية في المباحات و لا
في المكروهات و المحرمات و انما ينعقد في القرب و المسنونات التى ليست بواجبة و اما
التمسح بالقبور و التبرك ا فاختلف ائمتنا في ذلك فمنهم من اباح ذلك و منهم من
منع عنه لكنه قال بالكراهة لا بل الحرمة ثم ذكر الادلة من الأحاديث و آثار السلف
على تقبيل الاماكن الشريفة و اطال ثم قال و اما التوسل بالانبياء و ال صالحين فهو امر
١) حسين الحليمي الجرجاني ال شافعي توفي سنة ٤٠٣ ه. [ ١٠١٢ م.] )
- ٨٩ -
محبوب ثابت في الأحاديث ال صحيحة و غيرها و قد اطبقوا على طلبه و استدلوا بامور
يطول شرحها و قد ذكرت جملة منها في غير هذا الموضع فلا حاجة الى اعادته هنا بل
ثبت في الأحاديث ال صحيحة التوسل بالاعمال ال صالحة و هى اعراض فبالذوات اولى
(و اما الحلف بغير الله تعالى) لا يكون كفرا الا ان قصد الحالف تعظيم ذلك الغير
كتعظيم الله و عليه حملوا حديث الحاكم (من حلف بغير الله فقد كفر) و في رواية
(فقد اشرك) لكن الذي نقله النووي عن اكثر العلماء الكراهة ثم قال و اجماع
المسلمين ح جة قال تعالى ( و يتبِع َ غي ر سبِيلِ الْمؤمِنِ ين نولِّهِ ما ت ولَّى و نصلِهِ ج هن م و
سآءَ ت مصِ يرا * النساء: ١١٥ ) فعليك بالجماعة فانما يأكل الذئب الشاة القاصية من
الغنم و من شذ فهو في النار و هذا ملخص ما ذكره هذا العالم الفاضل و فيه مقنع لمن
اراد الله هداية و هو من اهل الالف و مائة و خمس و تسعين و ظهور ابن عبد الوهاب
كان في هذه الازمنة فقد ج هله و رد قوله و دعواه الاجتهاد قال و أنه ممن لم يأخذ
العلم عن المشايخ و هو من الخوارج المارقين من ال دين لتكفيره المسلمين و رأيت رسالة
للشيخ عبد العظيم المكي الحنفي( ١) سماها (القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد و
التقليد) ذكر فيها قول ابن حزم الظاهري( ٢) و أنه يأمر بالاجتهاد و يحرم التقليد و
يستدل بقوله تعالى (فإن تنا ز عت م فِي شيءٍ َفر دوه اَِلى اللهِ وال ر سولِ اِ ْ ن ُ كنت م ت ؤمِنو َ ن
بِاللهِ والْيومِ اْلآخِرِ * النساء: ٥٩ ) وقد قال اعني ال شيخ عبد العظيم المكي الحنفي في
رسالته و نحن مع ذلك بحمد الله لا نخرج عن درجة التقليد لامامنا الاعظم الاكبر أبي
حنيفة المقدم و نحن مقلدون له و كبار اصحابه و من بعدهم من كبار ائمتنا كشمس
الأئمة و اضرابه و ما يبحثه المتأخرن من اهل القرن التاسع و العاشر من فضلاء
المذهب (و اقول) ابن حزم هذا من اهل مذهب داود الظاهري الذي اندرس هو و
اهله و هذا اعنى ابن حزم كما قال ابن الاهدل و ال ّ ذهبى و ابن خلكان كان كثير
١) مح مد بن عبد العظيم الهندي المكي الحنفي توفي سنة ١٠٥١ ه. [ ١٦٤١ م.] )
٢) ابن حزم علي الفلسفي الاندلسي توفي سنة ٤٥٦ ه. [ ١٠٦٤ م.] )
- ٩٠ -
الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد احد يسلم من لسانه فنفرت عنه القلوب و
استملك من فقهاء وقته فمالوا على بغضه و ردوا اقواله و اجمعوا على تضليله و شنعوا
عليه و حذروا سلاطينهم من فتنته و وا عوامهم عن الدنو اليه و الاخذ عنه و اقصته
الملوك و شردته عن بلاده و قال ابن العريف( ١) كان لسان ابن حزم و سيف الحجاج
شقيقين انتهى ما اورده في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي( ٢) ناقلا عن ابن خلكان
(اقول) و رأيت له اقوالا خبيثة ترد على ال سنة الثابتة ال صحيحة عن رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و معنى قول ابن العريف كان لسان ابن حزم و سيف الحجاج شقيقين
ان الحجاج قتل بسيفه ظلما تعديا مائة الف و عشرين الف مؤمن مظلوم بلا سبب و
كذلك لسان ابن حزم هكذا يفعل باهل القرن الذي قبله المشهود له بالخيرية لانه من
اهل الاربعمائة و ستين سنة فالمتقدمون بالنسبة اليه هم اهل الثلاث مائة و ستين من
اهل قرب خير القرون كما لا يخفى على ان العلماء عندهم لا يعتد بخلاف اهل
الظاهري مطلقا فضلا عن هذا المضلل هذا ما التقطه الفكر من اقوال علماء هذه الامة
في بطلان دعوى الاجتهاد في هذه الازمنة المتأخرة و لزوم التقليد الذي هو النجاة من
مضلات الفتن و المعول عليه لدى اهل الفطن حمانا الله و اخواننا المسلمين من اهل
ال سنة و الجماعة من هذه الدعوى ال دالة على غاية الصقاعة و الرقاعة و جعلنا متبعين
هؤلاء المذاهب الاربعة المؤيدين للدين باجتهادهم الحق المبين و حشرنا في زمرم مع
الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و ال صالحين و الحمد لله رب
العالمين و الصلوة و ال سلام على سيدنا مح مد و آله و صحبه اجمعين (قال مؤلفها عليه
الرحمة تم تأليفها في رمضان في سنة ١٢٩٣ ) نحمدك يا من مننت علينا بتمام الإيمان و
ال صلاة و ال سلام على من هو الوسيلة العظمى في رضاء الملك الديان صّلى الله عليه و
على آله و اصحابه و اوليائه اهل الكرامات و العرفان و بعد فقد تم في بنبئ بمطبعة نخبة
١) أحمد ابن العريف الاندلسي توفي سنة ٥٣٦ ه. [ ١١٤١ م.] في مراكش )
٢) ابن العماد عبد الرحمن الحنبلي مفتي الشام توفي سنة ١٠٥١ ه. [ ١٦٤١ م.] )
- ٩١ -
الأخبار طبع المنحة الوهبيه في الرد على الو هابية و اشد الجهاد في ابطال دعوى
الاجتهاد الذين هما من جملة تأليفات سيدنا و مولانا شيخ الاسلام المدقق و العلامة
الو ّ لي المحقق السيد ال شيخ داود البغدادي عليه الرحمة و قد طبعا على ذمتي انا الفقير اليه
تعالى خادم العلماء العاملين عبد الوهاب نجل المرحوم السيد أحمد خبيب البغدادي
عفى الله عنه و رزقه شفاعة نبيه الهادي و قد اعتنيت بالتصحيح على حسب همتى
الداثرة فاسئله تعالى ان يعفو عما وقع منى خطئًا و سهوًا و ان يعصمني من الوقيعة في
المهوى هذا و قدكان الفراغ من الطبع في محرم الحرام سنة ١٣٠٥ هجرية على
صاحبها افضل ال صلاة و ازكي التحية.
- ٩٢ -
رسالة في الرد على المرحوم السيد محمود افندي
الآلوسي رحمه الله تعالى
بسم الله ال رحمن ال رحيم
الحمد الله اّلذي وفقنا لاتباع ال سنة النبوية و الاصحاب و الاتباع و حفظ
انفسنا عن الادعاء و سلك بنا طريق العلماء الامناء و ال صلوة و ال سلام على الرسول
المبين لكل ما تحتاج الامة اليه و تبعه اصحابه و اتباعهم على هذا المنهج اّلذي قامت
الشريعة عليه و على آله و صحبه و سّلم و شرف و كرم اما بعد فيقول الفقير الى ربه
(داود النقشبندي الخالدى بن السيد سليمان افندى- البغدادي) رأيت عبارة للسيد
محمود افندى الشهير بالآلوسي( ١) رحمه الله تعالى فيها من المخالفة و اازفة و يعلم الله
مني و كفى به شهيدا ان ليس مقصودى سوى بيان الحق فإنه بالاتباع احق لا لعصبية
و لا لحسد و لم اكن اطلعت عليها من كتابته بيده ا ّ لا بعد مماته و ان كنت سمعت ا
من بعض الطلبة لكن لم اتحققها في حياته و لم احرر هذه الكلمات ا ّ لا للنصيحة و النية
الخالصة ال صحيحة لئلا يعثر ا الغافل و غير المطلع الجاهل فإن الناس لا سيما في هذا
الزمان اتباع كل ناعق و يروج عليهم زخارف القول و غير الموافق لها موافق لكن
قيض الله في كل عصر للعلم عدو لا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين كما
في الحديث عن سيد المرسلين صّلى الله عليه و سّلم و على آله و صحبه اجمعين. رواه
الامام أحمد بن حنبل و قال أنه من احسن الأحاديث و شاهد الوجود شاهد لذلك
كما ذكره ابن القيم في اعلام الموقعين و جملة من العلماء منهم البرماوى في شرح الفية
الاصول و اعلم ان ما انقله في هذه العجالة عندي في كتب عديدة من اراد الوقوف
على نقولنا فليأت لأريه النقل من محله و ا ّ لا فهو معاند او حاسد جاحد فيكفيه ما فيه
نسئل الله يلهمه رشده و يهديه.
١) محمود الآلوسي الكبير ال شافعي مفتى بغداد توفي سنة ١٢٧٠ ه. [ ١٨٥٤ م.] )
- ٩٣ -
و اما التو سل به في حياته فقد ثبت في الجدب وابراء ذوى العاهات
وحسبك ما رواه النسائي و الترمذي عن عثمان بن حنيف ان رجلا ضريرًا اتاه صّلى
الله عليه و سّلم فقال ادع الله تعالى ان يعافيني فامره ان يتوضأ و يحسن وضوئه و يدعو
ذا الدعاء اللّه م اني اسئلك و اتوجه اليك بنبيك مح مد ن بي الرحمة يا مح مد اني اتوجه بك
الى ربي في حاجتي لتقضي اللّه م شفعه فيَّ ص ححه البيهقي و زاد فقام و قد ابصر و اما
التو سل به في البرزخ فقد كثر من اكابر الامة كالبوصيري و القسطلاني وخلق كثير في
حوائج جمة فنجزت و اما التو سل به صّلى الله عليه وسّلم في عرصات القيامة فمما قام
عليه الاجماع و وردت به الأخبار في حديث الشفاعة و انت تعلم ان التو سل به يؤول
الى التو سل بجاهه عند الله و نحو ذلك لا بالذات البحت فإن التو سل بذلك غير معقول
عند ذوي العقول و حينئذٍ لا فرق بين التو سل به عليه ال صلوة و ال سلام في الحياة و
التو سل به بعد الوفاة و الفاعل الحقيقي هو الله تعالى و من هنا تعلم ان لا مانع ايضًا
من التوسل بمن تحقق أنه له جاهًا عند ربه سبحانه من ذوى الارواح القدسية كالانبياء
عليهم ال سلام و الأولياء المقطوع بولايتهم لكن لم يسمع في الادعية المأثورة عنه صّلى
الله عليه وسّلم و من اهل بيته كالسجاد رضي الله عنه بتوسط احد من الخلق والتو سل
بحرمته و جاهه و كذا آيات الامر بالدعاء و الآيات المشتملة على حكاية الدعوات عن
اصحاا ليس فيها توسط احد و لا امر بتوسط و لم يشتهر عن الصديقين ادخال
حرف النداء على غيره تعالى في طلب شيئ و ان ق ّ ل و ما احسن ما قيل:
اليك و ا ّ لا لا تش د الركائب * و عنك و ا ّ لا فالمحدث كاذب
و فيك و ا ّ لا فالغرام مضيع * و منك و ا ّ لا فالمؤمل خائب
و انا لا ارى بأسًا بتوسط عريض الجاه و الوسيلة العظمى صّلى الله عليه و
سّلم و كذا توسيط من اشرنا اليه مع كون الطلب من الله تعالى و الاحوط ان لا يقال
لمن لم يسمع و لا يرى و لا يقدر عن نفسه دفع الاذى يا فلان اشف لي مريضي و يا
فلان اعطنى كذا و إن كان باب التأويل واسعًا انتهى.
- ٩٤ -
اقول و بالله التوفيق هذا الكلام فيه مؤاخذات كثيرة يجب على اهل العلم
بياا فإن ال دين لا محاباة فيه قال الله تعالى ( و اِ ْ ذ َا خ َ ذ اللَّه مِيَثا ق الَّذِي ن ُاوتوا الْكِتا ب
َلتبيننه لِلناسِ و َ لا ت ْ كت مونه * آل عمران: ١٨٧ ) والاعتراض على هذه العبارة من وجوه.
الوجه الاول: قوله و اما التو سل به في حياته فقد ثبت في الجدب و ابراء
ذوى العاهات فقط و لم يذكر ما ثبت في الجدب فكان الواجب عليه بيانه لانه يوهم
ان ما ثبت في الجدب و العاهات هو حديث الاعمى و ليس فيه رفع الجدب فكان
عليه ان يذكر حديث البخاري في قول عمر رضي الله عنه الّله م انا كنا نتو سل اليك
بنبينا فتسقينا فها نحن نتو سل اليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون و هو تو سل عمر بالعباس
رضي الله عنهما.
و الوجه الثاني: ذكره لحديث الاعمى يريد أنه من التو سل به في حياته و في
حضوره و ليس كذلك فإن حديث الاعمى ذكره العلماء من المحدثين و الفقهاء دلي ً لا
على التو سل به في مغيبه و بعد موته قال الحافظ العراقي( ١) في شرح الترمذي في باب
صلوة الحاجة و لم يذكر المصنف في الباب غيرحديث ابن أبي اوفى و فيه عن عثمان بن
حنيف و ابى الدرداء و عبد الله بن مسعود و انس اما حديث عثمان بن حنيف فرويناه
في المعجم الصغير للطبراني من رواية أبي حفص الخطمى المدني عن أبي امامة بن سهل
بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ان رج ً لا كان يختلف الى عثمان بن عفان في
حاجة فلم يقضها فأتى الى عثمان بن حنيف فشكى ذلك اليه فقال له عثمان بن
حنيف ائت الميضاءة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل اللّه م اسئلك و
اتوجه اليك بنبينا مح مد ن بي الرحمة يا مح مد اني اتوجه بك الى ربي فتقضي لي حاجتي
وتذكرحاجتك ورح حتى اروح بعده فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم اتى باب
عثمان بن عفان فجاء البواب حتى اخذ بيده فادخله على عثمان فاجلسه معه على
الطنفسة و قال ما حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى
١) الحافظ زين ال دين عبد الرحيم الكردى العراقي توفي سنة ٨٠٦ ه. [ ١٤٠٣ م.] )
- ٩٥ -
كانت هذه الساعة و قال ما كانت لك من حاجة فائتنا ثم ان الرجل خرج من عنده
فلقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي و لا يلتفت ا ّ لي
حتى كلمته ّ في فقال عثمان بن حنيف و الله ما كلمته و لكن شهدت رسول الله صّلى
الله عليه و سّلم و قد اتاه ضرير فشكى اليه ذهاب بصره فقال له الن بي صّلى الله عليه و
سّلم او تصبر فقال يا رسول الله ليس لي قائد و قد شق عل ي فقال الن بي صّلى الله عليه
و سّلم ائت الميضاءة فتوضأ و صل ركعتين ثم ادعو ذه الدعوات فقال عثمان بن
حنيف فوالله ما تفرقنا و طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن ضر قط
قال الطبراني لم يروه عن روح الاشبيب ابوسعيد المكي و هو ثقة و قد روى هذا
الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمى و اسمه سعيد بن يزيد و هو ثقة تفرد به عثمان
بن عمر بن فارس عن شعبة و الحديث صحيح انتهى كلام الطبراني قال الحافظ العراقي
قلت و قد روى الترمذي و ابن ماجة و النسائي في اليوم و الليلة رواية شعبة مقتصرين
على قصة الاعمى دون ما في اوله من قصة الرجل اّلذي كانت له حاجة الى عثمان بن
عفان الا ان شعبة خالف رواية روح عن أبي جعفر في الاسناد فقال عن أبي جعفر عن
عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف اورده المصنف يعني الترمذي في
الدعوات و قال حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه ا ّ لا من حديث أبي جعفر
الخطمى انتهى. و تابع شعبة على ذلك حماد بن زيد رواه النسائي في اليوم و الليلة و
وافق روح بن قاسم على قول أبي جعفر عن أبي امامة بن سهل هشام الدستوائى رواه
النسائي في اليوم و الليلة انتهى كلام الحافظ العراقي في شرح الترمذي فتبين لك من
هذا الحديث ال صحيح من قول ال صحابى عثمان بن حنيف فما افترق بنا الس و طال
بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ان الاعمى كان في غيبة
الن بي صّلى الله عليه و سّلم لا في حضوره فعدم ذكرهذه العبارة في الحديث خيانة في
النقل و تبين ذلك من رواية الطبراني ان التو سل به صّلى الله عليه و سّلم ليس خاصًا
بحال حياته لأن هذا ال صحابى علم هذا الرجل اّلذي له حاجة الى سيدنا عثمان بن
- ٩٦ -
عفان في خلافته و ذلك بعد وفاته صّلى الله عليه و سّلم و فهم ذلك هذا ال صحابى و
كذلك فهمه المحدثون و الفقهاء فذكروا هذا الحديث فيمن له حاجة الى الله او الى احد
من خلقه و ترجموا له (باب) في صلوة الحاجة و رواه البيهقي و الحاكم و قال على
شرط البخاري و مسلم و اقره الحافظ الذهبى كما ذكره ابن حجر و السمهودى و
القسطلاني في المواهب و ذكر ابن تيمية في الفتاوى و صاحب مصباح الظلام في
المستغيثين بخير الانام حديث الاعمى هذا من رواية الترمذي و النسائي و ابن ماجة و
اصحاب السنن و قال ابن تيمية و صاحب مصباح الظلام و في الحديث أنه صّلى الله
عليه و سّلم لما عّلم الاعمى قال له و إذا كان لك حاجة فمثل ذلك اي فاعمل كما
عّلمك فيدل قوله صّلى الله عليه و سّلم هذا على ان ذلك تشريع منه لا يختص به حال
( حياته و ذكر هذا الحديث العلماء المحدثون كالنووي في الاذكار و الحافظ الجزري( ١
في الحصن الحصين و التبريزي في مشكاة المصابيح و الجلال ال سيوطي في الجامع الصغير
و ذكره علماء المذاهب الاربع مستدلين به على طلب الحاجة منه صّلى الله عليه و سّلم
في مغيبه و بعد وفاته و ندائه صّلى الله عليه و سّلم و ذكروا ذلك في الدعوات تعليمًا
للامة ونصحا لهم في الطلب منه و السؤال له مستدلين بقوله يا مح مد اني اتوجه بك الى
ربي لتقضي حاجتي و سيأتي لهذا البحث مزيد كلام.
الوجه الثالث: قوله و اما التو سل به في البرزخ فقد كثر من اكابر الامة
كالبوصيرى( ٢) و القسطلاني وخلق كثير في حوائج مهمة فنجزت.
اقول لا يخفى ان هذا ليس بدليل نافع بمقام الحجاج لانه لم يستند الى نص
يعتمد عليه فيفهم منه ان المتو سلين به لا ح جة لهم ا ّ لا عمل البوصيرى و القسطلاني و
في ذلك من اخفاء الحق ما لا يخفى فإن ح جة المتو سلين به في البرزخ هو حديث ابن
حنيف من رواية الطبراني و البيهقي و هو حديث صحيح كما قاله الطبراني و استدل
١) مح مد ابن الجزري ال شافعي توفي سنة ٨٣٣ ه. [ ١٤٣٠ م.] في شيراز )
٢) مح مد البوصيرى توفي سنة ٦٩٥ ه. [ ١٢٩٦ م.] في القاهرة )
- ٩٧ -
به العلماء من المحدثين و الفقهاء كما تقدم و النص الصريح ال دال على التشريع و أنه
لا يختص به حال حضوره و حياته قوله صّلى الله عليه و سّلم للاعمى و إن كان لك
حاجة فمثل ذلك و في التو سل به في البرزخ آثار صحيحة عن ال صحابة و التابعين
كحديث البيهقي و ابى شيبة بسند صحيح في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل الى
قبر الن بي صّلى الله عليه و سّلم فقال يا رسول الله استسق لامتك فإم قد هلكوا فاتاه
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم في المنام فقال ائت عمر و اقرأه ال سلام و قل له
يستسقى بالناس و اخبره أنهم مسقون الى آخر الحديث ذكره ابن تيمية في الفتاوى في
كتابه اقتضاء الصراط المستقيم قال و ما روى ان رج ً لا جاء الى قبر الن بي صّلى الله عليه
و سّلم فشكى اليه القحط عام الرمادة فامره ان يأتى عمر الحديث فمثل هذا يقع لمن
هو دون الن بي صّلى الله عليه و سّلم الى آخر كلامه و غير ذلك من الأحاديث و الآثار
ال دالة على الطلب منه صّلى الله عليه و سّلم بعد موته و اطبق الفقهاء من المذاهب
الاربعة على التو سل به في زيارته مستدلين باثر العتبى و سيأتى الكلام على ذلك ففى
اقتصاره على البوصيرى و القسطلاني قصور لم يقل به احد غيره و كأنه تنكيت على
علماء الامة الناصين على التو سل و الطلب منه بعد موته روحى فداه بأنه لم يكن لهم
دليل ا ّ لا قول هذين الرجلين و امثالهما و ان هذين الرجلين العالمين لم يكن لهما دليل
سوى اما تو سلا به صّلى الله عليه و سّلم في حوائج كثيرة فنجزن.
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة * و ان كنت تدري فالمصيبة اعظم
الوجه الرابع: قوله و اما التو سل به عليه ال صلاة و ال سلام في عرصات
القيامة فمما قام عليه الاجماع و وردت به الأخبار في حديث الشفاعة و لم يذكر ان
هذا الاجماع ممن يوهم أنه من الامة كلها و ليس كذلك فإن الشفاعة و التو سل به
ينكرها المعتزلة و الخوارج كما ذكر ذلك العلماء منهم ابن تيمية في الفتاوى و غيرها
و منهم النووي و القاضي عياض في شرح صحيح مسلم و ايضًا تقديم الاجماع على
النص فيه اساءة ادب فإن مستند الاجماع لا بد ان يكون الى نص فتقديم النص لازم ثم
- ٩٨ -
ذكر ان ذلك في حديث الشفاعة فلم يعزه الى المخرج له و هو في ال صحيحين و
سائركتب الحديث.
الوجه الخامس: قوله و انت تعلم ان التو سل به صّلى الله عليه و سّلم يؤول
الى التو سل بجاهه عند الله و نحو ذلك لا بالذات البحت فإن التو سل بذلك غير معقول
عند ذوي العقول. اقول: لا يخفى ما في هذه العبارة من المؤاخذة. الاول: ان النص
عام ليس فيه هذا التأويل فإن حديث الاعمى فيه الّله م اني اسئلك و اتو سل اليك
بنبيك فذكر ان التو سل بنفس الن بي صّلى الله عليه و سّلم و من قال المراد به الجاه فعليه
البيان. الثاني: ان اهل الحديث و الأخبار و ال سير ذكروا ان قريشا قحطوا و الن بي صّلى
الله عليه و سّلم رضيع فاستسقى به عبد المطلب بأن رفعه بيده فسقاهم الله الثالث: و
قد ورد عن ال صحابة في أحاديث صحيحة كما في البخاري و غيره أنهم كانوا
يستشفعون بشعره و بعرقه و ببردته و آثاره و هى جمادات و ذوات بحيث لا يتصور
فيها الجاه بل ورد ان بعضهم تو سل بدمه فشربه و بعضهم ببوله فشربه فاخبرهم ان
النار لا تلج بطوم و اخذ العلماء طهارة فضلاته و اعظم من ذلك و أوضح دلالة ما
ذكره الفقهاء في باب الاستسقاء من اخراج البهائم و الحيوانات في الاستسقاء للتو سل
ا الى الله تعالى و ليس لها جاه عند الله فهى ذوات بحت و في الحديث ال صحيح (لولا
البهائم الرتع و الصبيان الرضع و ال شيوخ الركع لصب عليكم العذاب صبا) فجعل
ذوات هذه الاشياء وسائل مانعة من صب العذاب وليس لهم عند الله جاه كما لايخفى
ان ذات نبينا صّلى الله عليه و سّلم قد ورد اا خلقت من نوره تعالى كما في حديث
جابر بل ذكر ابن الجوزى( ١) في الوفاء ان ال صحابة اصام قحط فشكوا ذلك الى
عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها فقالت انظروا قبر الن بي صّلى الله عليه و سّلم فاجعلوا
منه كوى الى السماء لا يكون بينه و بين السماء سقف ففعلو فمطروا مطرا حتى نبت
العشب و سمنت الابل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق انتهى و كذلك اورد
١) عبدالرحمن ابن الجوزى الحنبلي توفي سنة ٥٩٧ ه. [ ١٢٠١ م.] في بغداد )
- ٩٩ -
في المشكاة حديث أبي الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها في استسقاء ال صحابة بقبره
ال شريف و قد ورد عن ابن عمر أنه كان يتمسح بالرمانة من منبره صّلى الله عليه
وسّلم و به اخذ مالك و أحمد بل و الحنفية و ال شافعية ولا ش ك ان القبر و الرمانة
جماد لا يعقل له جاه بل كان التو سل بذاته التى شرفت المنبر بل شرفت الوجود.
الوجه السادس: قوله ومن هنا تعلم أنه لا مانع ايضًا من التو سل بمن تحقق له
جاه عند ربه سبحانه من ذوى الارواح القدسية كالانبياء و الأولياء المقطوع بولايتهم.
اقول لا يخفى عليك مما قدمنا ان التو سل بالجمادات و الحيوانات قد وقع
في الأحاديث ال صحيحة و الآثار الصريحة عن ال صحابة و التابعين والسلف ال صالحين مما
يضيق عنها نطاق الحصر و ليست من ذوى الارواح القدسية ولا من المقطوع بولايتهم
افلا تكون ذوات الانبياء و ال صالحين لا سيما ذات سيد المرسلين اقل درجة من
الجمادات واشباهها في عدم التو سل بذاا كما لا يخفى فقوله هذا خارج من المقصود.
الوجه السابع: قوله لم يسمع في الادعية المأثورة عنه صّلى الله عليه وسّلم وعن
اهل بيته كالسجاد رضي الله تعالى عنه بتوسط أحد من الخلق والتو سل بحرمته و جاهه.
اقول لا يخفى ما في هذه العبارة من اازفة و المخالفة و المناقضة لكلام
نفسه و كلام غيره و ذلك من وجوه الاول أنه تحقق فيما تقدم من عند نفسه ان
التو سل الوارد به يؤول الى التو سل بجاهه و عليه حمل حديث الاعمى و حديث
الشفاعة التى قام عليها الاجماع كما ذكره فيما سبق و هنا يقول لم يسمع في الأدعية
المأثورة عنه و عن اهل بيته كالسجاد( ١) بتوسط احد من الخلق و التو سل بحرمته و
جاهه فيقال له فانت من اين لك ان تحمل ان التو سل به يؤول الى التو سل بجاهه إن
كان من نص عن الله و رسوله و اصحابه فمسلم مقبول و إن كان من عند نفسك
فغير مقبول إذ لا يجوز لاحد ان يبتعد في ال دين ما لم يرد به نص فتناقض كلامه فإنه في
الاول حمل أحاديث التو سل به على اا بمعنى التو سل بجاهه لا بالذات البحت و هذا
١) السجاد لقب الامام زين العابدين توفي سنة ٩٤ ه. [ ٧١٣ م.] في المدينة )
- ١٠٠ -
انفى ان يكون ورد عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم توسط احد و التو سل بجاهه و
بحرمته. الوجه الثاني من وجوه المواخذة في هذه العبارة قوله لم يسمع في الادعية
المأثورة عنه صّلى الله عليه و سّلم و عن اهل بيته كالسجاد رضي الله عنه بتوسط احد
فيقال له انت ذكرت حديث الاعمى و أنه صّلى الله عليه و سّلم علمه ان يقول في
دعائه الّله م اني اسئلك و اتوجه اليك و في رواية اتو سل اليك بنبينا مح مد ن بي الرحمة يا
مح مد اني اتوجه بك الى ربى في حاجتي هذه لتقضي لي فهل هذا امر منه صّلى الله عليه
و سّلم بتوسط الن بي صّلى الله عليه و سّلم او ندائه في قوله يا مح مد و طلب منه ان
يقضى الحاجة له عند الله و قوله اتو سل بك فهل يعد هذا تو سل و توسط ام لا و قد
ذكره المحدثون في كتبهم و الفقهاء كما تقدم. الوجه الثالث من وجوه المؤاخذات في
هذه العبارة كان صّلى الله عليه و سّلم يستسقى بذاته و يتو سل به الى الله تعالى و هو
رضيع و لما طلب منه الدعاء بترول المطر كما في البخاري فانزل الله المطر كافواه
القرب فقال صّلى الله عليه و سلم (لله در ابى طالب من ينشدنا قوله) فقال عل ي
رضي الله عنه كأنك تريد قوله:
و ابيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة و فواضل
فقال صّلى الله عليه و سّلم اجل يعني نعم هذا اريد بقوله من ينشدنا قوله
فكأنه كان راضيًا بفعلهم مقررا لهم على فعلهم و تو سلهم بذاته كما يصرح به قول
أبي طالب هذا فإن قوله يستسقى الغمام بوجهه ما المراد الذات او المراد بجاهه على كل
حال فهو نص في المقصود. الوجه الرابع قوله لم يسمع فنقول نعم سمع بل هو
مستفيض من دعائه صّلى الله عليه و سّلم و دعاء السجاد أما من دعائه فقد روى
الطبراني في المعجم الكبير و الاوسط برجال ال صحيح ا ّ لا روح ابن صلاح وثقة ابن
حبان( ١) و الحاكم و قال التق ي السبكي و السمهودى اسناده جيد وكذا القسطلاني في
١) ابن حبان مح مد ال شافعي توفي سنة ٣٥٤ ه. [ ٩٦٥ م.] في سمرقند )
- ١٠١ -
المواهب و ابن حجر في الجوهر المنظم و في حاشية المناسك عن انس رضي الله عنه قال
لما ماتت فاطمة بنت أسد ام علي رضي الله عنه وعنها دخل الن بي صّلى الله عليه وسّلم
قبرها و الحدها وقال (اللّه م اغفر لامي فاطمة و وسع مدخلها بحق نبيك و الانبياء قبلي)
و ذكر ابن تيمية في الكلم الطيب له و ابن القيم ايضًا و الجزري في الحصن الحصين و
النووي في الاذكار في ادب الخارج الى ال صلوة عن ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري
عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم (اللّه م اني اسئلك بحق السائلين عليك و بحق ممشاي
هذا اليك) الى آخر الدعاء و اخرج ال سيوطي في ال در المنثور في تفسير القرآن بالحديث
المأثور قال اخرج عبد الرزاق( ١) في المصنف و الحاكم و صححه عن أبي هريرة قال
سمعت رسول الله صّلى الله عليه و سّلم يقول (ان نبيا من الانبياء قاتل اهل مدينته
حتى إذا كاد ان يفتحها خشى ان تغرب الشمس فقال ايتها الشمس انك مأمورة
و انا مأمور فبحرمتى عليك ا ّ لا ركدت ساعًة من النهار فحبسها الله تعالى حتى فتح
المدينة) انتهى و اخرج ايضًا في الكتاب المذكور عن ابن المنذر عن مح مد بن علي بن
الحسين بن عل ي قال لما اصاب آدم الخطيئة عظم كربه و اشتد ندمه فجاءه جبريل فقال
يا آدم هل اعلمك دعاء و من جملته اللّه م اني اسئلك بجاه مح مد عبدك وكرامته عليك
ان تغفر لي خطيئتى الحديث و في ذلك أحاديث كثيرة لا حاجة الى الاطالة ا.
و اما قوله و عن اهل بيته كالسجاد يعني بذلك ادعية الصحيفة المشهورة
عند الرافضة فإنها منسوبة الى السجاد.
فنقول قد ثبت التو سل في الصحيفة بذكر الجاه في ادعية السجاد فقوله لم
يرد غير صحيح و سنذكر لك بعد هذا عبارته و ثانيًا ليس لهذه الصحيفة سند و لا
طريق عن اهل ال سنة و لا ذكرها احد منهم فمن ادعى ذلك فعليه البيان لكن الرافضة
ذكروها و نسبوها اليه و فيها رد شنيع عليهم لأنهم يعتقدون العصمة لاهل البيت و
فيها لا اقرار من السجاد بالمعاصى و ظلم نفسه ا و تجاسر الشيطان عليه و غير ذلك
١) عبدالرزاق الصنعانى توفي سنة ٢١١ ه. [ ٨٢٦ م.] )
- ١٠٢ -
و هذا على قواعد الرافضة لا يكون فكيف يصح لمسلم الاعتماد عليها و يجعلها ح جة
على العلماء الناقلين للتو سل و التوسط فهل هذا ا ّ لا مكابرة على أنه قد ورد في
الصحيفة عن ال سجاد و لم يطلع عليه و لم يستوعب كلامه فقاله من عند نفسه و تبع
لظنه و حدسه و ها انا انقل لك عن الصحيفة مما فيه التو سل و التوسط قال صاحب
الصحيفة فما كل ما نطقت به عن جهل منى بسوء اثرى و لا نسيان لما سبق من ذميم
فعلي لكن لتسمع سمائك و من فيها و ارضك و من عليها ما اظهرت لك من الندم و
لجأت فيه اليك من التوبة فلع ّ ل بعضهم برحمتك يرحمني بسوء موفقيتى او تدركه الرقة
على سوء حالى فينالنى منه بدعوة هي اسمع لديك من دعاء او شفاعة اوكد عندك من
شفاعتى تكون ا نجاتى من غضبك و فوزتى برضائك، فانظر الى هذا الكلام و تأمل
فإن فيه عجائب و في التحفة الاثنى عشرية في قول رد الرافضة ان الله لا يعذب الامامية
باي معصية كانت منهم قال و هذا مخالف للروايات لأن الامير و السجاد و الأئمة
الآخرين قد روي عنهم ان ادعيتهم ال صحيحة البكاء و الاستعاذة من عذاب الله بحرمة
الرسول و القرآن و الملائكة و التو سل م انتهى. قال في الصحيفة في دعاء ختم
القرآن الّله م اجعل نبينا صلواتك عليه و على آله يوم القيامة اقرب النبيين منك مجلسًا
و امكنهم منك شفاعًة و اجلهم عندك قدرًا و اوجههم عندك جاهًا و قال في دعاء
صيام رمضان الّله م بحق هذا الشهر و بحق من يعبد لك فيه من ابتدائه الى وقت فنائه
من ملك قربته او ن بي ارسلته او عبد صالح اخصصته و قال في دعائه يوم عرفة رب
صل على اطيب اهل بيتك اّلذي جعلته الوسيلة اليك و المسلك الى جنتك و قال فيها
الّله م ايدت دينك في كل اوان بامام اقمته علمًا لعبادك و منارًا في بلادك و جعلته
الذريعة الى رضوانك و افترضت طاعته و حذرت معصيته فهو عصمة اللائذين و
كهف المؤمنين وعروة المتمسكين و قال فيه بحق من انتخبت من خلقك و بمن
اصطفيته لنفسك و بحق من اخترت من بريتك و قال في آخر الادعية الّله م بذمة
الاسلام اتو سل اليك و بحرمة القرآن اعتمد عليك و بمحمد المصطفى استشفع لديك
- ١٠٣ -
فانظر فهل في كلام السجاد على قوله تو سل و توسط احد و ذكر الحق و الجاه و
الحرمة ام لا.
الوجه الثامن: في قوله و لم يشتهر عن احد من الصديقين ادخال حرف
النداء على غيره تعالى في طلب شئٍ و ان قل.
اقول لاحول و لا قوة ا ّ لا بالله ما هذه الغفلة الفاحشة و هذا التجاسر
العظيم انباك عن قوله صّلى الله عليه و سّلم للاعمى في تعليمه (قل اللّه م اسألك
واتو سل اليك بنبيك يا مح مد اني اسئلك في حاجتي هذه لتقضي لي) فهل قوله يا
مح مد أمر منه و تعليم لامته ان يدخلوا حرف النداء عليه و ينادوه في مغيبه و حضوره
و بعد موته و قد تقدم نقله و روى الحاكم و أبو عوانة في صحيحه و البزار بسند
صحيح عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم انه (إذا انفلتت دابة لأحدكم بأرض فلاة
فليناد يا عباد الله احبسوا فإن لله حاضرًا سيحبسه) و قد ذكر هذا الحديث ابن تيمية
في الكلم الطيب عن أبي عوانة في صحيحه و ابن القيم في الكلم الطيب له و النووى
في الاذكار و الجزري في الحصن الحصين و العدة و غيرهم من المحدثين في كتب
الاذكار و قال ال شيخ عل ي القاري الحنفى في شرح الحصن و المراد بعباد الله الملئكة او
المسلمون من الجن او رجال الغيب المسمون بالابدال فهل هذا امر منه صّلى الله عليه و
سّلم و تشريع لامته بادخال حرف النداء على غير الله تعالى و الطلب منه ان يحبس
الدابة و هم غائبون لا يراهم المنادى و روى الطبراني و ان اراد عونًا فليناد اعينونا و في
الحصن (فليقل يا عباد الله اعينوني) ثلاثًا رواه الطبراني عن زيد بن عقبة بن غزوان عن
الن بي صّلى الله عليه و سّلم قال (إذا ضل احدكم شيئًا او اراد عونًا و هو بارض ليس ا
انيس فليقل يا عباد الله اعينوني ثلاثًا فإن لله عبادًا لا يراهم) قال الحافظ الجزري و قد
جرب ذلك قال ال شيخ عل ي القاري وذلك مجرب محقق قال بعض العلماء الثقاة حديث
حسن يحتاج اليه المسافرون وروى المشائخ أنه مجرب قرن به النجح ذكره ميرك الحنفى
انتهى و قال بعض المحققين ذكر هذا الحديث في كتبهم اشاعة للعلم و حفظًا للامة و
- ١٠٤ -
لم ينكروه و ذكره النووي في الاذكار قال ابن مفلح الحنبلي صاحب الفروع في كتابه
الاداب ال شرعية قال عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول حججت خمس
حجج فظللت الطريق في بعضها و كنت ماشيًا فجعلت اقول يا عباد الله دّلوني على
الطريق فلم ازل اقول ذلك حتى وقفت على الطريق انتهى و قال النووي في الاذكار
قد جرب ذلك بعض اهل العلم فصح و نحن جربناه فصح فهل هؤلاء الاكابر من
الصديقين ام لا و هل تراهم امتثلوا امر سيد الصديقين صّلى الله عليه و سّلم فادخلوا
حرف النداء في مهمام وحاجام ام لا وفي البخاري ومسلم أنه صّلى الله عليه وسّلم
وقف على قليب بدر و فيه القتلى من كّفار قريش فناداهم بأسمائهم و أسماء آبائهم و
قال لهم (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا) فقال عمر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله
كيف تكلم اجسادًا لا ارواح فيها قال (واّلذي نفسى بيده لستم بأسمع منهم) ففى
هذا الحديث ال صحيح المتفق على صحة ادخال حرف النداء على غير الله و هم كّفار
فض ً لا عن المؤمنين وذكر ابن تيمية وابن القيم و غيرهم في الكلم الطيب و هو موضوع
للاذكار المأثورة عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم عن ابن عمر انه خدرت رجله فامره
بعض ال صحابة ان يذكر احب الناس اليه فقال يا مح مد فذهب الخدر فجعل من
الاذكار ان اّلذي تخدر رجله ينادى يا مح مد فيذهب الخدر عنه و ذكر اهل المناسك
من جميع المذاهب في باب الحج أنه يسن للزائر قبر الن بي صّلى الله عليه و سّلم و قبر
صاحبيه ان ينادى و يطلب منه الشفاعة و قضاء الحاجة و كذلك ينادى الصاحبين
الجليلين و يطلب منهما الشفاعة الى الله و الى رسول الله فمن اراد ذلك فليراجع كتب
المذاهب في باب الحج فهل ترى هؤلاء جهلوا و علمت و ناموا و قعدت بل قوله هذا
لا دليل عليه و لا مستند يعول اليه و اعجب العجب استدل و استشهد بقول الشاعر
على عدم الطلب من الن بي صّلى الله عليه و سّلم و التو سل به في قوله:
اليك و ا ّ لا لا تشد الركائب * و عنك و ا ّ لا فالمحدث كاذب
وفيك و ا ّ لا فالغرام مضيع * و منك و ا ّ لا فالمؤمل خائب
- ١٠٥ -
فهذه الابيات مقولة فى حقه صّلى الله عليه و سّلم كما ذكره القسطلاني في المواهب
الّلدنية فكيف عكس مرام الشاعر و جعلها دلي ً لا على عدم ندائه و الطلب منه و التو سل به.
الوجه التاسع: قوله و انا لا ارى بأسًا بتوسط عريض الجاه و الوسيلة
العظمى و كذا توسيط من اشرنا اليه مع كون الطلب من الله تعالى.
اقول: لما نفي ان يكون التوسط و التو سل في الادعية المأثورة عنه صّلى الله
عليه و سّلم و أنه لم يوجد نص فيهما لا عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم و لا عن
السجاد فيما زعم اراد ان ينبه ان التوسط و التو سل كلا منهما اباحة للناس من قبل
نفسه لا من دليل يوجد فيه و لا من عالم معتمد قاله بفيه فإذا هو ما رأى بأسًا فليرفع
المسلم بذلك رأسا و قوله مع كون الطلب من الله يعني فلا يجوز الطلب من غيره تعالى
و لو على طريق ااز فيكون مناقضًا لما امر به الرسول صّلى الله عليه و سّلم الطلب
منه صّلى الله عليه و سّلم في حديث الاعمى و حديث انفلات الدابة و حديث طلب
العون لمن اراد عونًا و حديث طلب ال صحابى الاستسقاء من الن بي صّلى الله عليه و
سّلم بعد موته و حديث نداء ابن عمر لما خدرت رجله و غير ذلك من الآثار و
الأحاديث الواردة عن الن بي المختار و اصحابه الاخيار و هل هذا ا ّ لا مراغمة للشارع و
مناقضة لما اجمعت عليه الامة من المذاهب الأربعة من طلبهم منه صّلى الله عليه و سّلم
الشفاعة و غيرها في باب الزيارة.
الوجه العاشر: قوله و الاحوط ان لا يقال لمن لا يسمع و لا يرى و لا يقدر
عن نفسه دفع الاذى ان يا فلان اشف مريضى و يا فلان اعطنى كذا و إن كان باب
التأويل واسعا.
اقول: عبارته تدل على ان من قال ذلك جائز له لكن الاحوط في حقه ان
لا يقول فانظر الى هذا التناقض في كلامه فإنه إذا كان المقول له لا يسمع و لا يرى و
لا يدفع عن نفسه الاذى كيف يجوز ان يخاطب و ينادي ذا اللفظ و بغيره مما عنده
جائز اذ لا يعهد عند ذوى العقول خطاب جماد لا يسمع و لا يرى و لا يدفع عن
- ١٠٦ -
نفسه الاذى و لا تستحسنه شريعة من الشرئع فكيف يقال أنه الاحوط و هذه العبارة
لا ب د فيها من التأويل لأن اّلذي يقولها لغير الله تعالى ان قصد الحقيقة و الاستقلال من
دون الله فهذا كفر و إن كان المراد السبب و الوسيلة فهو جائز لان المراد الشفاعة او
الكرامة فقوله الاحوط خلاف الاحوط و الظاهر ان مراده باّلذي لا يسمع و لا يرى
و لا يقدر عن نفسه دفع الاذى هم اهل القبور من الانبياء و الأولياء و في كوم لا
يسمعون و لا يرون مناقضة لما جائت به الشريعة المح مدية في حق سائر الموتى فض ً لا
عن جناب الانبياء و المرسلين و الأولياء و ال صالحين اما اثبات ال سماع لعامة اهل
القبور من الكّفار فض ً لا عن المؤمنين فقد ثبت في ال صحيحين البخاري و مسلم أنه
صّلى الله عليه و سّلم وقف على قليب بدر بعد ايام من موم و رميهم فيه فناداهم
فقال (يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فاني
وجدت ما وعدنى ربي حقًا) فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله كيف تكلم
اجسادًا لا ارواح فيها فقال صّلى الله عليه و سّلم (و اّلذي نفسي بيده لستم بأسمع
منهم) وقد ثبت في ال صحيحين عن انس عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم قال (ان العبد
الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه اصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم) قال ابن رجب في
اهوال القبور روى أبي ال شيخ الاصبهاني بإسناده عن عبيد بن مرزوق قال كانت أمراة
بالمدينة يقال لها ام محجن تقم المسجد فماتت فلم يعلم الن بي صّلى الله عليه و سّلم ا
فمر على قبرها فقال (ما هذا) قالوا ام محجن قال (التى تقم المسجد) قالوا نعم فصف
الناس فصلى على قبرها ثم قال (اي العمل وجدت افضل) قالوا يا رسول الله اتسمع
قال (ما انتم بأسمع منها) فذكر اا اجابته قم المسجد و هذا مرسل و سنذكر الاحاد
يث بسماع الموتى سلام من يسلم عليهم فيما بعد ان شاء الله و اما انكار عائشة
رضي الله عنها سماع اهل القليب و قولها ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم قال (إنهم
ليعلمون ما اقول) فقد قال العلماء منهم ابن القيم في الهدى و في كتاب الروح و ابن
رجب و ال سيوطي و غيرهم ان من شهد الواقعة كعمر و أبي طلحة و غيرهما من
- ١٠٧ -
ال صحابة حكاه عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم و عائشة رضي الله عنها لم تشهد ذلك
فهم اثبت منها و احق و روايتها عن الن بي صّلى الله عليه و سّلم أنه قال إنهم ليعلمون
الآن ما قلت حق يؤيد رواية من روى أنهم ليسمعون و لا ينافيها فإن الميت إذا جاز
ان يعلم جاز ان يسمع لأن الموت ينافى العلم كما ينافى السمع و البصر فلو كان مانعًا
من البعض لكان مانعًا من الجميع و اما قوله تعالى (انك لا تسمع الموتى) و قوله تعالى
(و ما انت بمسمع من في القبور) فإن ال سماع يطلق و يراد به الكلام و فهمه و يراد
ايضًا الانتفاع و الاستجابة. و المراد ذه الآيات نفي الثاني دون الاول فإنها من سياق
خطاب الكّفار الذين لا يستجيبون للهدى و الإيمان إذا دعوا اليه مع أنهم أحياء لهم
اسماع و ابصار و قال ابن القيم الأحاديث و الآثار تدل على ان الزائر متى جاء علم به
المزور و سمع كلامه و انس به و رد عليه و هذا عام في حق الشهداء و غيرهم و أنه لا
توقيت في ذلك قال و هو اصح من آثار الض حاك ال دال على التوقيت قال و قد شرع
صّلى الله عليه و سّلم لامته ان يسلموا على اهل القبور سلام من يخاطبونه ممن يسمع و
يعقل و ما اجرى الله العادة قط ان امة طبقت مشارق الارض و مغارا و هى اكمل
الامم عقو ً لا و اوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع و لا يعقل و تستحسن
ذلك و ا ّ لا كان بمترلة الخطاب للتراب و الخشب و الحجر و للمعدوم و هذا و ان
استحسنه واحد فالعقلاء كلهم قاطبة على استهجائه و استقباحه انتهى و هذا قاله ابن
القيم بعد ذكر اجماع الامة على مسئلة التلقين و مسئلة ال سلام على اهل القبور و أمره
صّلى الله عليه و سّلم بمخاطبتهم اعظم في الدليل من سيد العقلاء اذ لا يتصور ان يأمر
امته بمخاطبة تراب لا يسمع و لا يعقل و لا يعرف فاّلذي ينفى ال سماع انما هو طاعن
على الن بي صّلى الله عليه و سّلم و جميع امته.
فان قلت: فقد نفت السماع عائشة رضى الله عنها وتبعها جماعة من اهل العلم.
قلت: ان عائشة انكرت السماع و أثبتت العلم و كذلك من تبعها و قد
قرر اساطين العلماء و العقل و النقل يدلان عليه ان العلم مستلزم للسماع و مع هذا
- ١٠٨ -
فعائشة وحدها معذورة لعدم بلوغها النص منه صّلى الله عليه و سّلم قال ال شيخ تلقى
ال دين ابن تيمية في الفتاوى و انكار عائشة سماع الموتى لعدم ثبوت ذلك عندها و
غيرها لا يكون معذورًا مثلها لأن هذه المسئلة صارت معلومة من ال دين بال ضرورة فلا
يجوز لاحد انكارها انتهى اي لأن ادلتها ال صحيحة مستفيضة لا يجهلها ا ّ لا من لم يطلع
على ال سنة النبوية و مثل هذا لا يعبأ و لا بمقاله لأن أحاديث ال سماع في ال صحيحين و
غيرها بلغت مبلغًا لا تخفى على المخلوق فلا يكون المنكر معذورا و اما مسئلة اهل
القبور و رؤيتهم للاحياء فكذلك أحاديثها مستفيضة قال الحافظ ال سيوطي في كتابه
شرح ال صدور بحال الموتى و اهل القبور باب زيارة القبور و علم الموتى بز وارهم و
رؤيتهم لهم اخرج ابن أبي ال دنيا في كتاب اهل القبور عن عائشة رضي الله عنها قالت
قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من رجل يزور قبر أخيه فيسلم و يجلس
عنده ا ّ لا استأنس به و ر د عليه حتى يقوم) و اخرج ايضًا و البيهقي في الشعب عن
أبي هريرة قال (إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه ر د ال سلام و عرفه و إذا مر
بقبر لا يعرفه فسلم عليه ر د عليه) و آخرج ابن عبد البر في الاستذكار و تمهيد عن
ابن عباس قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (ما من احد يمر بقبر اخيه المؤمن
كان يعرفه في ال دنيا فيسّلم عليه ا ّ لا عرفه و ر د عليه ال سلام) ص ححه عبد الحق
فهذه الأحاديث تدل على ان الميت يرى من يسلم عليه لانه لولم ير لم يعرف مطلقًا و
الن بي صّلى الله عليه و سّلم اخبر أنه (إذا كان يعرفه في ال دنيا عرفه و ر د عليه و إذا لم
يعرفه في ال دنيا ر د عليه ال سلام فقط) فلولا ان عنده تمييز الرؤية لما أنكر من لم يعرفه
و عرف من يعرفه و آخرج أحمد بن حنبل و الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت
إذا ادخل البيت فاضع ثوبي و اقول انما هو أبي و زوجى فلما دفن عمر معهم ما
دخلت الا مشدودة على ثيابى حياء من عمر يعني لعلمها أنه يراها و هى اجنبية عنه و
هذا لا تقوله عائشة من عند نفسها إذ ليس للرأي فيه مجال فلا بد اا سمعت من الن بي
صّلى الله عليه و سّلم و في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال في
- ١٠٩ -
وصية فإذا دفنتموني فقفوا عند قبرى قدر نحر جزور و تقسيمها استأنس بكم و انظر
ماذا اراجع به رسل ربي فلولا ان يراهم لكان قوله هذا عبثا لانه تحت اطباق الثرى قد
حال بينه و بينهم التراب مإذا ينفعه وقوفهم و اخرج البيهقي عن أبي الدرداء هاشم بن
مح مد قال سمعت رج ً لا من اهل العلم يقول أنه كان يزور قبر ابيه فطال عليه ذلك
فقلت في نفسى ازور التراب فرأيته في منامى فقال يا بني ما لك لا تفعل كما كنت
تفعل فقلت ازور التراب فقال لا تقل يا بني فو الله لقد كنت تشرف علي فيبشرني بك
جيرانى و لقد كنت تنصرف فما زلت اراك حتى تدخل الكوفة قال الحافظ السلفى
سمعت ابا البركات عبد الواحد بن عبد الرحمن به غلاب السوسي بالاسكندرية يقول
سمعت والدتى تقول رأيت امى في المنام بعد موا و هى تقول يا بنتى إذا جئت زائرة
فاقعدى عند قبرى ساعًة اتملأ من النظر اليك ثم ترحمت علي فانك إذا ترحمت علي
صارت الرحمة بينى و بينك كالحجاب ثم اشغلتنى عنك و قال الحافظ ابن رجب انبأنى
علي بن عبد الصمد الفدارى عن ابيه قال اخبرني قسطنطين بن عبد الله الرومي قال
سمعت الاسد بن موسى يقول كان لي صديق فمات فرأيته في المنام و هو يقول سبحان
الله جئت الى قبر فلان صديقك قرأت عنده و ترحمت عليه و انا ما جئت الي و لا
قربتنى قلت له كيف رأيتنى و التراب عليك قال ما رأيت الماء إذا كان في الزجاج ما
يتبين قلت بلى قال فكذلك نحن نرى من يزورنا.
و قال ابن القيم في كتاب الروح اول مسئلة منه حدثني مح مد حدثنى أحمد
بن سهل حدثنى راشد بن سعيد عن رجل عن يزيد بن حبيب ان سليم بن عمر على
مقبرة و هو حاقن قد غلبه البول فقال له بعض اصحابه لو نزلت الى المقابر فبلت في
بعض حفرها فبكى ثم قال سبحان الله و الله اني لاستحى من الاموات كما استحى من
الأحياء و لولا ان الميت يشعر بذلك لما استحى منه و ابلغ من ذلك ان الميت يعلم
بعمل الح ي من اقاربه و اخوانه الى ان قال فصل و قد ترجم الحافظ أبو مح مد عبد الحق
- ١١٠ -
الاشبيلى( ١) فقال ذكر ما جاء ان الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون اقوالهم و اعمالهم
ثم قال صح عن عمرو بن دينار انه قال ما من ميت يموت ا ّ لا هو يعلم ما يكون في
اهله بعده ثم سرد الادلة على علم الموتى باحوال الأحياء. انتهى كلام ابن القيم.
و قد ذكرعلماء الحنابلة قاطبة كما في شرح الاقناع و شرح المنتهى و الغاية
عن ال شيخ ابن تيمية و غيره أنه قال استفاضة الأخبار و الآثار بعلم الموتى بحال اهل
ال دنيا و بأنه يرى اي الميت من يأتيه و يدرى بما يفعل عنده انتهى.
و كذلك ذكر ال شافعية و الحنفية و منهم السيد أحمد الحموى محشى الاشباه
في رسالة مخصوصة في تصرف الاولياء.
و اما قوله: فلا يدفع عن نفسه الاذى فهذا يعني به ان الميت لا ينفع و لا
يدفع عن نفسه الاذى و لو كان يدفع لدفع عن نفسه الموت فهذا لا يلزم و لا يقوله
عاقل إذ لا ي دعي احد ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم او الو ّ لي أنه رب متره حاشا و
كلا بل المخلوق المربوب محل الحوادث و الاذى و لكن لا يلزم من هذا أنه لا يدفع
الاذى عن نفسه او غيره فما يقدره الله تعالى و يسببه على يديه فإن الانبياء لا ش ك
أنهم ينالهم الاذى و لا يدفعون عن نفسهم بحولهم وقوم في حال حيام هم و سائر
المخلوقات و هم قادرون عند الناس و كم كشف صّلى الله عليه و سّلم غمة عن الامة
بشفاعته وقد ورد في الأحاديث ال صحيحة كما ذكرها ابن تيمية و ابن القيم في كتاب
الروح و الحافظ ابن رجب في اهوال القبور و ال سيوطي و غيرهم (ان اعمال الأحياء
تعرض على الموتى من اقارم و غيرهم كل يوم فإن رأوا خيرًا حمدوا الله و استبشروا و
ان رأوا شرًا قالوا اللّه م راجع م اللّه م اهدهم فيستجيب الله دعائهم فيحصل من ذلك
رفع الاذى بسببهم) ونبينا صّلى الله عليه و سّلم له في قبره الاستغفار لامته و الدعاء و
الشفاعة لهم و رأيت لابن القيم عبارة لطيفة في هذا المقام منقولة في خطه قال فصل في
وقوع الشفاعة في ال دنيا والبرزخ والدار الآخرة لما كان الن بي صّلى الله عليه وسّلم رحمًة
١) عبد الحق ابن سبعين المالكي الاندلسى المتوفي ٦٩٩ ه. [ ١٣٠٠ م.] في م ّ كة المكرمة )
- ١١١ -
مهداة من الله لعباده كما قال صّلى الله عليه و سّلم (يا ايها الناس انما انا رحمة مهداة)
قال تعالى (و ما ارسلناك الا رحمًة للعالمين) و كان له عند الله من الجاه ما ليس لمخلوق
سواه فقد اخبر الله تعالى عن كليمه موسى عليه ال سلام أنه وجيه عند ربه و الوجيه ذو
الجاه و الوجاهة فما الظن بوجاهة سيد المرسلين وجاهه عند الله فاقتضى جاهه و كونه
رحمة من الله اهداها لعباده إن كان له من مقامات الشفاعة عند ربه ما ليس لاحد
سواه في الدور الثلاثة اعنى في دار ال دنيا و دار البرزخ و دار الآخرة فاما شفاعته في دار
ال دنيا فكم سئل الله تعالى لامته عمومًا و خصوصًا من نعم و دفع بلاء فاعطاه فسأل
الله لهم ان لا يهلكهم بسنة عامة اي جدب عام و هو القحط فاعطى ذلك و سأله ان
لا يجمعهم على ضلالة فاعطى ذلك و سأله لامته غير ذلك حتى ارسل الله اليه جبريل
و قال له انا استرضيك في امتك و لا نسوئك و سأل الله للاوس ان يهديهم و يأتى
م ففعل و سأل لهم ان يسقيهم لما اجدبوا فاجابه و سقاهم و سأل لانس خادمه و
لعبد الرحمن بن عوف و لأبي هريرة و امه و لسعد بن أبي وقاص و لابن عباس و لام
حرام بنت ملحان و لعروة بن الجعد البارقى و للنابغة الذيبانى و الخلق سواهم من
ال صحابة و كم له شفاعًة فيهم عمومًا و خصوصًا اقر الله ا عينيه واراه اياها و اما
الشفاعة في دار البرزخ فما لا ش ك فيه و لا يحتاج ان يأتى على ذلك بشاهد معين بل
الامة احوج الى شفاعته في البرزخ منهم في دار ال دنيا و إذا كان المسلمون إذا عرض
عليهم اعمال اقارم الأحياء فرأوا خيرًا حمدوا الله و اذا رأوا شرًا قالوا الّله م راجع م
فهذه شفاعة منهم لاخوام فما الظن بسيد الشفعاء و قد ورد في حديث (ان اعمال
الامة تعرض عليه كل اثنين و خميس فإذا رأى سيآا سئل الله لها المغفرة) و من له
نصيب من علم احكام الازواج بعد الموت و التقائها الى اهلها و اقارا و اصحاا و
اعتنائها م و كانت روحه صافية متطلعة على احكام دار البرزخ و ارتباطها في
الدارين قبلها و بعدها علم ذلك و تيقنه انتهى فهل ثبت ذا النقل الفصيح ان الن بي
صّلى الله عليه و سّلم و سائر موتى المسلمين يدفعون الاذى بدعائهم و شفاعتهم
- ١١٢ -
خصوصًا بسيد المرسلين لما تعرض عليه السيئآت من اعمال امته فيستغفر لهم فهل دفع
الاذى عن امته و هى السيئآت التى هي اشد الاذى و اعظمه ام لا و هذا القول لا
يخالف فيه اهل العلم من جميع المذاهب كما هو معلوم لمن يطلع على اقوال العلماء و
اما الجاهل الغافل فإنه يقول من عقله فما قبله عقله قال به و ما نفاه عقله نفاه أفرأيت
من اتخذ الهه هواه و الحمد لله على ما انعم به علينا و اولاه فتحصل مما ذكرنا أنه
يحصل من بركام و شفاعتهم و يفعل الله لاجلهم جلب خير او دفع اذى لهم و
لغيرهم ما يسببه الله تعالى بسببهم و هذا ظاهر و ذكر المف سرون في قوله تعالى ( و َلو َ لا
دفْع اللهِ النا س ب ع ض ه م بِبعضٍ َل هدِّم ت صوامِع و بِيع و صلَوات و مساجِد يذْ َ ك ر
فِي ها اس م اللهِ َ كثِ يرا * الحج: ٤٠ ) ان المراد يدفع الله بالمسلم عن الكافر و بالمؤمن
الطائع عن العاصى و قد ورد في الأحاديث ال صحيحة ان الموتى يدفع الله م العذاب
عن مجاورهم و لهذا يسن الدفن بين قوم صالحين كما هو مذكور في الأحاديث و
كتب الفقه قال ال سيوطي في شرح ال صدور اخرج ابن عساكر( ١) عن ابن عباس رضي
الله عنهما ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم قال (إذا مات لاحدكم الميت فاحسنوا كفنه و
عجلوا وصيته و اعمقوا له في قبره و جنبوه جار السوء) قيل يا رسول الله و هل ينفع
الجار ال صالح في الآخرة و اخرج ابن أبي ال دنيا عن عبد الله بن نافع المزنى قال مات
رجل في المدينة فدفن ا فرآه رجل كأنه من اهل النار فاغتم لذلك فرآه بعد سابعة او
ثامنة كأنه من اهل الجنة فسأله قال دفن معنا رجل من ال صالحين فشفع في اربعين من
جيرانه فكنت فيهم قال ال شيخ تقي ال دين ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم و
كذلك ما يذكر من الكرامات و خوارق العادات التى توجد عند قبور الأولياء و
ال صالحين مثل نزول الانوار و الملائكة عندها و توقى الشياطين عنها و البهائم لها و
اندفاع النار عنها و عمن يجاورها و شفاعة بعضهم و حصول الانس و السكينة عندها
و نزول العذاب بمن استهاا و استخف ا فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه و في قبور
١) ابن عساكر علي توفي سنة ٥٧١ ه. [ ١١٧٦ م.] في الشام )
- ١١٣ -
الانبياء و ال صالحين من كرامات الله و رحمته و ما لها عند الله من الحرمة و الكرامة
فوق ما يتوهمه اكثر الخلق و كل هذا لا يقتضى استحباب ال صلوة عندها او قصد
الدعاء و النسك ما في قصد العبادة عندها من المفاسد التى علمها الشارع كما تقدم
فذكرت هذه الامور لأا مما يتوهم معارضة لما قدمناه و ليس كذلك انتهى. فقد قرر
ان اهل القبور من الانبياء و ال صالحين يحصل توقى الشياطين و البهائم لها و يندفع
العذاب عنها و عمن يجاورها و يشفعون في جيرام من الموتى و كل ذلك دفع للاذى
بسببهم و بركتهم بل ورد من كرامتهم ما يطيق عنها نطاق الحصر فكيف يسوغ لمن
يدعي العلم أن يقول عن الانبياء و ال صالحين بأن احدهم ميت لا يسمع و لا يرى و لا
يدفع عن نفسه الاذى فهل هذا ا ّ لا جعلهم كقول الكّفار (ءَاِ َ ذا مِتنا و ُ كنا ت رابا و
عِ َ ظامًا * المؤمنون: ٨٢ ) و كقولهم (ءَاِ َ ذا ُ كنا عِظاما نخِ رًة * النازعات: ١١ ) و ما
اشبه ذلك فما هذا ا ّ لا جهل بالنصوص او مراغمة للشارع من هذا الخصوص.
و هذه عجالة اقتضيناها على طريق الاختصار و لو اطلقنا عنان القلم في
الادلة لبلغت اسفار لا يتحملها و لا يحملها ا ّ لا الحمار فاردنا التقريب و التخفيف على
المنصف ذى الطبع الخفيف وفقنا الله لاتباع ال شرع ال شريف و مقابلة نصوصه بالقبول
و التشريف و جنبنا الآراء المضلة و الابتداعات التى هي في ال دين مخلة و الحمد لله رب
العالمين و ال صلوة و ال سلام على خير النبيين و آله و صحبه اجمعين.
كشف النور عن اصحاب القبور
بسم الله ال رحمن ال رحيم
الحمد الله وحده, و ال صلوة و ال سلام على من لا ن بي بعده, يقول الحقير عبد
الغني ابن اسماعيل النابلسى الحنفى( ١): هذه رسالة كتبتها في ظهور كرامات الأولياء
بعد موم و حكم رفع البناء عليهم و تعليق الستور الى غير ذلك و سميتها (كشف
١) عبد الغني النابلسى توفي سنة ١١٤٣ ه. [ ١٧٣١ م.] في الشام )
- ١١٤ -
النور عن اصحاب القبور) و اسأل الله تعالى ان يلهمنى ما هو الحق و الصواب و أن
يوفق اخواني المسلمين الى الإنصاف عند ظهور الحق و الاعتراف, و الله على كل
شىء قدير و بالإجابة جدير.
اعلموا إخواني في رضاعة ثدى الإسلام ان الكرامات التى أكرم الله تعالى ا
اولياءه المقربين الى حضرته أمور خارقة لعادة الله تعالى في خلقه, خلقها الله تعالى
بمحض قدرته و ارادته لا مدخل لقدرة الو ّ لي المخلوقة فيه و لا لارادته المخلوقة فيه
ايضًا على التأثير فيها البتة و إنما قدرة الو ّ لي و ارادته المخلوقتان فيه سبب لخلق الله
تعالى تلك الكرامات على يديه و نسبتها اليه, و كل من اعتقد ان الو ّ لي له تأثير في شئ
من ذلك فهو كافر بالله تعالى على ما عرف في علم التوحيد.
و حقيقة أمر الو ّ لي في خلق الله تعالى الكرامات على يديه أنه متحقق
بوحدانية الله تعالى في التاثير. و أنه لا تاثير له عند نفسه البتة حتى ان حركات نفسه
التى هى القوى الروحانية المتشعبة في البدن و هى القوة الباصرة و القوة السامعة و
القوة الذائقة و القوة اللامسة و القوة الشامة و القوة العقلية الباطنية المتفكرة و المتخيلة
و الحافظة. و كذلك الحركات الظاهرة في جميع الاعضاء و الاعصاب و نحو ذلك,
فإنها مخلوقة فيه لله تعالى. و هو مشاهد لجميع ذلك في نفسه و متحقق به في كل وقت
إ ّ لا إذا سلط الله عليه الغفلة في بعض الاحيان فيكون في ذلك الوقت ليس بولي الله
تعالى ا ّ لا بحسب ما مضى كالمؤمن النائم فإنه مؤمن بسبب حكم ما مضى في اليقظة
من الإيمان و هذه الحالة هى أدنى أحوال الأولياء و أدنى شهود من شهودام. و ربما
سموا شيئًا من ذلك في طريقهم موتًا اختياريًا اخذا من إشارة قوله تعالى (اِن ك ميت
واِنهم ميتو َ ن * الزمر: ٣٠ ) و معنى اشارة الآية على عدم الفرق بين ميت بالسكون و
التشديد كما ذكره الجوهري( ١) في الصحاح: انك يا محمد و ان ظهر التأثير منك و
منهم في الباطن و الظاهر بحسب الإدراك و الأفعال ميت و هم ميتون لأن حياتك
١) اسماعيل فارابي الجوهري توفي سنة ٣٩٣ ه. [ ١٠٠٣ م.] في نيشاپور )
- ١١٥ -
مخلوقة كحيام و هى عرض يخلق الله تعالى الادراك باطنا و الأفعال و الاقوال ظاهرًا
عندها لا ا, فهى سبب لخلق ذلك من الله تعالى فهي موت في حقيقة الأمر فيك و
فيهم جميعا. و هذا الموت الاختياري شرط في مقام الولاية حتى إذا لم يتحقق به الو ّ لي
في نفسه فليس بولى و اليه الاشارة بقوله عليه ال سلام: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)
يعني من عرف نفسه, اا كناية عن قوى باطنية و ظاهرية منبعثة من العدم بسطوة
قدرة غيره عرف ربه. و الرب هو المالك يعني عرف مالك أمره الباطن و الظاهر و هو
الله تعالى فيعرفه من حيث أنه الخالق لتلك القوى و المصرف لها فيما يشاؤه تعالى و
يختاره و يعلم ان نفسه في يد الله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء كما كان يقسم الن بي
صّلى الله عليه و سّلم بقوله: (والذى نفسى بيده) اي و حق الذي جميع قواى الباطنية
و الظاهرية في تصرفه وحده لا مدخل لي في ذلك البتة. و من هنا يفهم قول الن بي عليه
ال سلام في حديث التقرب بالنوافل: (كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر
به …) فيظهر لذلك المتقرب بالنوافل الفاعل المتصرف في قواه كلها و تبقى القوى
عنده اعراضًا زائلة كما هى في حقيقة الأمر فيكون الحق كناية عنها بعد زوالها من نظر
ذلك المتقرب. و ليس هذا كله إ ّ لا بعد حصول الموت الاختياري له.
و إذا كان كذلك فالولاية مشروطة عند العارفين بادراك الموت و التحقق
به, و الكرامات للأولياء مشروطة حينئذٍ عندهم بوجود الموت لا بفقده فكيف يزعم
عاقل ان الموت ينافي الكرامات؟ و الكرامات مشروطة به. و إذا لم يتحقق به الانسان
في نفسه فليس بعارف ولا و ّ لي وانما هو عامي من عوام المؤمنين غافل محجوب. وذلك
لأن الو ّ لي هو الانسان الذي يتولى الله تعالى جميع اموره الباطنية والظاهرية كما ذكرنا.
و اما غيره فنفسه هى التى تتولى امرها بسبب الغفلة و الحجاب عن المتولي في الحقيقة
لجميع الأمور و هو الله تعالى لأنه تعالى متولي أمر المؤمن والكافر و الغافل و المستيقظ,
و لكن قال تعالى: (ُق ْ ل ه ْ ل ي ستوِي الَّذِي ن يعلَ مو َ ن و الَّذِي ن َ لا يعلَ مو َ ن اِن ما يت َ ذكَّر ُاوُلوا
اْلاَلْبابِ * الزمر: ٩) اي إنما يعلم ذلك, و هو عدم الفرق بينهما اصحاب البصائر.
- ١١٦ -
و مما يدل على ثبوت الكرامة بعد الموت من أقوال الفقهاء قولهم بكراهة
الوطئ على القبور. قال في مختصر محيط السرخسي للامام الخبازي( ١) و كره أبو حنيفة
رحمه الله تعالى ان يطأ على قبر أو يجلس او ينام عليه او يبول او يتغوط لما فيه من
الإهانة. و في جامع الفتاوى لقارئي الهداية: و سئل بعض الفضلاء عن وطئ القبور
فقال: يكره قيل: هل يكره على أنه تارك للاولى فقال: لا بل يأثم لانه عليه ال سلام
قال: (لأن أضع قدمي على جمر أحب إلى من وطئ القبر). قيل: التابوت و التراب
الذي فوقه بمترلة السقف. فقال: (و إن كان له بمترلة السقف لكن حق الميت باق فلا
يجوز. ان يوطأ) و سئل الخجندي( ٢) عن رجل لو كان قبر والديه بين القبور هل يجوز
له ان يمر بين قبور المسلمين بالدعاء و التسبيح و قراءة القرآن و يزور قبرهما؟ فقال: له
ذلك ان امكنه من غير وطئ القبور انتهى. و في فتح القدير: و يكره الجلوس على القبر
و وطئه و حينئذٍ فما يصنعه الناس ممن دفنت اقاربه ثم دفنت حواليهم خلق من وطئ
تلك القبور الى ان يصل الى قبر أبيه مكروه و يكره النوم عند القبر و قضاء الحاجة بل
اولى و كل ما لم يعهد من السنة, و المعهود منها ليس إ ّ لا زيارا و الدعاء عندها قائمًا
كما كان يفعل صّلى الله عليه و سّلم في الخروج الى البقيع و يقول: (ال سلام عليكم
دار قوم مؤمنين و إنا ان شاء الله بكم لاحقون اسأل الله لي و لكم العافية). انتهى
كلامه و حيث صح هذا و ثبت في كتب الفقه فنقول: لم يكره الوطئ على القبر و
الجلوس عليه إلا لكرامة الموتى بعد موم. و هذه الكرامة ثابتة في ال شرع. و هى امر
خارق للعادة في الخلق, فإن العادة جارية ان الانسان يباح له ان يمشي على الأرض و
ان يجلس عليها و ان يطأ برجله ابعاض الحيوانات كلها إ ّ لا موتى أهل الإيمان, فقد
خولفت العادة في حقهم فكره ذلك كله كراهة تحريم, لأا المحمل عند الاطلاق و إنما
كان ذلك تكريمًا لهم بعد موم, و هم من عوام المؤمنين. فكيف الحال مع خواصهم و
١) جلال ال دين عمر الخبازي توفي سنة ٦٩١ ه. [ ١٢٩٢ م.] )
٢) كمال الخجندي توفي سنة ٧٩٢ ه. [ ١٣٩٠ م.] في تبريز )
- ١١٧ -
هم اهل الولاية المقربون الى الله تعالى فقد ثبتت الكرامة بعد الموت على لسان ال شرع.
و ايضًا ثبوت ان الن بي صّلى الله عليه و سّلم كان يزور القبور في البقيع و
يدعو عندها قائما دليل على ثبوت الكرامات بعد الموت لأن الن بي صّلى الله عليه و
سّلم لو لم يكن يعلم ان الدعاء عند قبور المؤمنين مستجاب لخصوصية في المكان
بسبب الموتى المدفونين فيه لما دعا عند قبورهم بقوله عليه ال سلام: (اسأل الله لي و
لكم العافية) و استجابة الدعاء ببركة قبور المؤمنين التى تترل عليها الرحمة من جملة
الكرامات للمؤمنين بعد الموت. و ذلك في حق قبور عوام المؤمنين فكيف قبور
خواصهم من أهل التوحيد الكامل اليقين من المقربين إلى الله تعالى و في ذلك ثبوت
الكرامة بعد الموت ايضًا.
و من الدليل على ثبوا بعد الموت ايضًا حكم ال شرع بوجوب تغسيل الميت
المسلم و وجوب تكفينه و دفنه تكريمًا له. و هى كرامة اثبتها ال شرع للمؤمنين بعد
الموت خارقة للعادة في حق موتى سائر بني آدم من الكافرين و جميع الحيوانات التى
جرت العادة ال شرعية بعدم تغسيلها.
و من الدليل على ذلك ايضًا ما قاله صاحب النهاية في شرح الهداية( ١): ان
الميت ينجس بالموت و ان التغسيل واجب لإزالة نجاسة تثبت بالموت كرامة للآدمي
بخلاف سائر الحيوانات. و في جامع الفتاوى: يغسل لتنجسه بالموت كسائر الحيوانات
الدموية الا أنه يطهر بالغسل كرامة له و قيل: لا ينجس لانه مؤمن بل الغسل لاجل أنه
على غير وضوء انتهى. و هذا يدل على ثبوت الكرامة للمؤمن بعد موته ايضًا.
و ذكر في جامع الفتاوى: ان البناء على القبر لا يكره اذا كان الميت من
المشايخ و العلماء و السادات. و ذكر فيه ايضًا أنه ينبغي ان يكون غاسل الميت على
طهارة و يكره ان يكون حائضًا أو جنبًا انتهى. و هذا مما هو صريح في ثبوت الكرامة
للمؤمن بعد الموت ايضًا بل الكرامات كلها لا تكون للمؤمن إلا بعد الموت. و أما في
١) شارح الهداية حسين بن علي الصغناقي توفي سنة ٧١٠ ه. [ ١٣١٠ م.] )
- ١١٨ -
الحياة ال دنيا فلا كرامة له في الحقيقة إ ّ لا مجازًا لانه يكون في دار الجوار لأعداء الله تعالى
دار يكفر فيها بالله تعالى و هذا لا يش ك فيه عاقل البتة. و في عمدة الاعتقاد للامام
النسفي رحمه الله تعالى( ١): و كل مؤمن بعد موته مؤمن حقيقة كما في حال نومه و
كذا الرسل و الانبياء عليهم ال سلام بعد وفام رسل و انبياء حقيقة لأن المتصف
بالنب وة و الإيمان الروح و هو لا يتغير بالموت انتهى.
و ربما نقول: مراده بالمؤمن المؤمن الكامل و هو الولي, و الإيمان و هو
الإيمان الكامل و هو الولاية و هى باقية بعد الموت لأن المتصف ا الروح و الروح لا
يتغير بالموت. او المراد مطلق المؤمن و مطلق الإيمان فيكون المؤمن الكامل و الإيمان
الكامل مفهومًا بالطريق الاولى بحسب ما ذكرنا لا سيما و قد قال تعالى في حق أهل
الحنة: ( َ لا يذُوُقو َ ن فِي ها الْ مو ت اِلاَّ الْ موتَة ْا ُ لاوَلى * الدخان: ٥٦ ) و نحن نتكلم على
إشارة هذه الآية و لا نمتع عبارا كما هو دأب اهل الله تعالى فنقول فيما نحن بصدده
العارفون برم لهم موتتان موتة في نفوسهم و موتة في أبدام. و المعتبر عندهم النفوس
دون الأبدان لأن الأبدان مساكن النفوس و العبرة بالساكن لا بالدار و السر في
السكان لا في الديار. فإذا جاهدوا انفسهم ااهدة ال شرعية باطنًا و ظاهرًا و سلكوا
طريق الاستقامة ماتت نفوسهم فتحققوا بالحق لما ذاقوا الموت و بقيت أرواحهم مدبرة
لأجسامهم في ال دنيا بغير واسطة النفوس فكانوا ملائكة في صورة البشر, لأن الملائكة
أرواح مجردة و هم بعد موت نفوسهم ارواح مجردة ايضًا, كما كان يترل جبريل عليه
ال سلام الى صورة دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه و يأتى الى الن بي صّلى الله عليه و
سّلم فعند ذلك إذا انقطعت علاقة أرواحهم من تدبير أبدام كانوا بمترلة جبريل عليه
ال سلام إذا عاد الى عالم تجرده و فارق الصورة البشرية. ولا يسمى هذا موتًا حقيقيًا في
حقهم بل يسمى انتقا ً لا من عالم الى عالم آخر وتقلبًا في الأطوار. ولهذا قال تعالى عنهم
( َ لا يذُوُقو َ ن فِي ها الْ مو ت اِلاَّ الْ موتَة ْا ُ لاوَلى * الدخان: ٥٦ ) و هذه اشارة الآية الكريمة التى
١) مؤلف عمدة العقائد عبد الله النسفي توفي سنة ٧١٠ ه. [ ١٣١٠ م.] )
- ١١٩ -
لا تنحصر معانيها و عباراا و لا تنفد حكمها و اسرارها و اشاراا. و إذا كان الأمر
كذلك فكيف يتوهم عاقل ان الله تعالى يقطع تكريمه عن هذا الو ّ لي الذي كملت
ولايته بموته الطبيعي و التحاقه بعالم اردات حتى صار مع الملائكة في فضاء الأزل و
الملكوت كما كان يقول الن بي صّلى الله عليه و سّلم عند موته: (اللهم الرفيق الا على).
هذا و قد ورد في كتاب المحققين من أهل الله تعالى كثير من الحكايات و
الأخبار المفصحة عن وقوع الكرامات للأولياء بعد الموت و تداولته الثقات مما لا يسعنا
انكاره. فمن ذلك ما ذكره قدوتنا الى الله تعالى اتهد الكامل و العالم العامل ال شيخ
محي ال دين ابن العربي قدس الله سره في كتابه (روح القدس في مناصحة النفس) في
ترجمة أبي عبد الله ابن زين اليابري بالياء المثناة التحتانية و ضم الباء الموحدة التحتانية
الإشبيلي. كان من اهل الله تعالى انه قرأ ليلة تأليف أبي القاسم ابن حمدين في الرد على
أبي حامد الغزالي فعمي فسجد لله تعالى من حينه و تضرع و اقسم انه لا يقرؤه ابدًا و
يذهبه فرد الله تعالى عليه بصره انتهى. و هى كرامة صدرت لأبي حامد الغزالي رضي
الله عنه بعد موته على يد هذا الانسان. و ذكر الجلال ال سيوطي رحمه الله تعالى في
كتاب له في ذكر الموت سماه (بشري الكئيب بلقاء الحبيب) قال: أخرج الحافظ
أبوالقاسم اللالكائي( ١) في ال سنة بسند عن مح مد بن نصر الصائغ قال: كان أبي مولعًا
بال صلاة على الجنائز. فقال: يا بني حضرت يومًا جنازًة. فلما دفنوها نزل الى القبر
نفسان ثم خرج واحد و بقى الآخر و حشى الناس التراب. فقلت: يا قوم يدفن حى
مع ميت؟ فقالوا ما ثم احد فقلت:لعله شبه لي ثم رجعت فقلت: ما رأيت ا ّ لا اثنين
خرج واحد و بقى الآخر لا أبرح حتى يكشفه الله ما رأيت فقرأت عشر مرات يس و
تبارك و بكيت و قلت: يا رب اكشف لي عما رأيت فانى خائف على عقلي و ديني.
فانشق القبر فخرج منه شخص فولى مبادرًا فقلت: يا هذا بمعبودك إ ّ لا وقفت حتى
اسألك فما التفت فقلت الثانية و الثالثة فالتفت و قال: أنت نصر الصائغ فقلت: نعم
١) أبو القاسم ال شافعي اللالكائي المتوفي سنة ٤١٨ ه. [ ١٠٢٧ م.] بالدينور )
- ١٢٠ -
قال: ما تعرفني؟ قلت: لا قال: نحن ملكان من ملائكة الرحمان موكلان بأهل ال سنة إذا
وضعوا في قبورهم, نزلنا حتى نلقنهم الحجة و غاب عنى.
و حكي اليافعي( ١) في روض الرياحين عن بعض الأولياء قال: سألت الله
تعالى ان يرينى مقامات أهل القبور. فرأيت ليلة من الليالى القبور قد انشقت و إذا منهم
النائم على السرير و منهم النائم على الحرير و الديباج و منهم النائم على الريحان و
منهم النائم على السرر و منهم الباكى و منهم الضاحك فقلت: يا رب لو شئت
ساويت بينهم في الكرامة فنادى مناد من أهل القبور يا فلان هذه أمثال الأعمال أما
أصحاب السندس فهم اصحاب الخلق الحسن, و أما أصحاب الحرير و الديباج فهم
الشهداء, و أما اصحاب الريحان فهم الصائمون, و أما اصحاب السرر فهم المتحابون
في الله, و أما اصحاب البكاء فهم المذنبون, و أما أصحاب الضحك فهم أهل التوبة.
قال اليافعي: رؤية الميت في خير أو شر نوع من الكشف يظهر الله تبشيرًا و
موعظًة او مصلحًة للميت أو اسداء خير او قضاء دين أو غير ذلك. ثم هذه الرؤية قد
تكون في النوم و هو الغالب و قد تكون في اليقظة و ذلك من الكرامات للأولياء
أصحاب الأحوال. و قال في كفاية المعتقد: أخبرنا بعض الأخيار عن بعض ال صالحين
أنه كان يأتى قبر والده في بعض الأوقات و يتحدث معه.
و أخرج اللالكائي في ال سنة عن يحيى بن معين قال قال لي حفار أعحب ما
رأينا من هذه المقابر انى سمعت من قبر و المؤذن يؤذن و هو يجيبه من القير. و أخرج
أبو نعيم( ٢) في الحلية عن سعيد بن جبير قال: أنا و الله الذي لا اله الا هو ادخلت
ثابت البناني في لحده و معي حميد الطويل فلما ساوينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا انا به
يصّلي في قبره و كان يقول: اللهم ان كنت اعطيت احدًا من خلقك ال صلاة في قبره
فاعطنيها فما كان الله ليرد دعائه. و أخرج الترمذي و حسنه و الحاكم و البيهقي عن
١) عبد الله اليافعي ال شافعي توفي سنة ٧٦٨ ه. [ ١٣٦٧ م.] في م ّ كة المكرمة )
٢) أبو نعيم أحمد الاصفهاني توفي سنة ٤٣٠ ه. [ ١٠٣٩ م.] )
- ١٢١ -
ابن عباس قال ضرب بعض أصحاب الن بي صّلى الله عليه و سّلم خباءه على قبر و هو
لا يحسب أنه قبر فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فأتى الن بي صّلى الله
عليه و سّلم فأخبره فقال الن بي صّلى الله عليه و سلم: هى المانعة هى المنجية تنجيه من
عذاب القبر قال أبو القاسم السعدي في كتاب الافصاح: هذا تصديق من رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم بأن الميت يقرأ في قبره. فإن عبد الله أخبره بذلك و صدقه رسول
الله صّلى الله عليه و سلم. و أخرج ابن مندة عن طلحة عن عبيد الله قال اردت ما لي
بالغابة فادركنى الليل فأويت الى قبر عبد الله بن عمرو بن حزام فسمعت قرآءة من
القبر فما سمعت أحسن منها فجئت الى رسول الله صّلى الله عليه و سّلم فذكرت ذلك
له. فقال: ذلك عبد الله ألم تعلم ان الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد و
ياقوت ثم علقها وسط الجنة. فإذا كان الليل ردت اليهم ارواحهم فلا تزال كذلك
حتى إذا طلع الفجر ردت ارواحهم الى مكاا الذي كانت فيه.
و أخرج أبونعيم في الحلية عن ابراهيم ان المهلبي قال حدثنى الذين كانوا يمرون
بالمصر في الاسحار قالوا: كنا إذا مررنا بجنبات قبر ثابت البناني سمعنا قرآءة القرآن.
و اخرج ابن مندة( ١) عن سلمة بن شبيب. قال سمعت ابا حماد الحفار. و
كان ثقة ورعًا قال: دخلت يوم الجمعة المقبرة نصف النهار, فما مررت بقبر إلا سمعت
منه قراءة القرآن. و أخرج ابن مندة عن عاصم السقطي قال: حفرنا قبرًا ببلخ فنفذ في
قبر فنظرت فإذا بشيخ في القبر متوجه الى القبلة و عليه إزار أخضر و اخضر ما حوله و
في حجره مصحف يقرأ فيه و اخرج ابن مندة عن أبي النصر النيساپوري الحفار. و
كان صالحًا ورعًا قال: حفرت قبرًا فانفتح في القبر قبر آخر, فنظرت, فإذا أنا بشاب
حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح جالسًا متربعًا و في حجره كتاب مكتوب
بخضرة أحسن ما رأيت من الخطوط و هو يقرأ القرآن فنظر الشاب إ ّ لي و قال: أقامت
القيامة؟ قلت: لا فقال: اعد المدرة الى موضعها فاعدا إلى موضعها.
١) ابن منده مح مد توفي سنة ٣٩٥ ه. [ ١٠٠٥ م.] )
- ١٢٢ -
و نقل السهيلي( ١) في دلائل النب وة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه
حفر في مكان فانفتحت طاقة. فإذا شخص على سرير و بين يديه مصحف يقرأ فيه و
امامه روضة خضراء و ذلك بأحد, و علم أنه من الشهداء لأنه رأى في صفحة وجهه
جرحًا. و أورد ذلك ايضًا أبو حيان في تفسيره. و حكى اليافعي في روض الرياحين
عن بعض ال صالحين قال: حفرت لرجل من العباد قبرًا و ألحدته فيه فبينما أنا أسوي
اللحد اذ سقطت لبنة من لحد بلية فنظرت فإذا شيخ جالس في القبر عليه ثياب بيض
تقعقع و في حجره مصحف من ذهب مكتوب بالذهب و هو يقرأ فيه فرفع رأسه إ ّ لي
و قال: أقامت القيامة رحمك الله؟ قلت: لا فقال رد اللبنة الى موضعها رعاك الله
فرددا و قال اليافعي ايضًا: روينا عمن حفر القبور من الثقاة أنه حفر قبرًا فأشرف فيه
على انسان جالس على سرير و بيده مصحف يقرأ فيه و تحته ر يجري فغشي عليه و
أخرج من القبر و لم يدروا ما أصابه فلم يفق إ ّ لا في اليوم الثالث.
و اخرج سعيد بن منصور عن عدية بنت أهبان بن صفى الغفاري صاحب
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم قالت: أوصانا أبي ان نكفنه في قميص قالت فل ما
أصبحنا من الغد من يوم دفنا إذا نحن بالقميص الذي دفناه فيه عندنا.
و اخرج ابن أبي ال دنيا في كتاب المنامات بسند لا بأس به من مرسل راشد
بن سعد ان رجلا توفيت أمراته, فرأى نساء في المنام و لم ير أمراته معهن. فسألهن
عنها فقلن: انكم قصرتم في كفنها فهى تستحى تخرج معنا فأتى الرجل الى الن بي صّلى
الله عليه و سّلم و أخبره فقال الن بي صّلى الله عليه و سلم: انظر هل الى بقية من سبيل
فأتى رج ً لا من الأنصار قد حضرته الوفاة فأخبره فقال الانصاري: إن كان احد يبلغ
الموتى بلغته فتوفى الانصاري فجاء بثوبين مشردين بالزعفران فجعلهما في كفن
الانصاري فلما كان الليل أتى النسوة و معهن امرأته, و عليها الثوبان الأصفران انتهى.
و ذكر ال شيخ ال شعراوي رحمه الله تعالى في كتابه (طبقات الأخيار) في ترجمة
١) السهيلي عبد الرحمن الاندلسي توفي سنة ٥٨١ ه. [ ١١٨٥ م.] )
- ١٢٣ -
ال شيخ أحمد البدوي ان سيدي عبد العزيز الديريني رضي الله عنه كان إذا سئل عن
سيدي أحمد البدوي قال: هو بحر لا يدرك له قرار و اخباره و مجيئه بالاسرى من بلاد
الفرنج و إغاثة الناس في قطاع الطريق و حيلولته بينهم و بين من استنجد به لا تحويها
الدفاتر رضي الله تعالى عنه قلت: وقد شاهدت انا بعيني سنة خمس و اربعين وتسعمائة
اسيرًا على منارة سيدي عبد العال مقيدًا مغلو ً لا و هو مخبط العقل فسألته عن ذلك
فقال: بينما انا في بلاد الفرنج آخر الليل توجهت الى سيدي أحمد فإذا أنا به فأخذني و
طار بي في الهواء فوضعني هنا فمكث يومين و رأسه دائرة عليه شدة من الخطفة انتهى
و هذا كله, صريح بثبوت الكرامات بعد الموت و هو أمر حق في نفسه لا يش ك فيه
إلا ك ّ ل ناقص الإيمان منطمس البصيرة مطرود عن باب فضل الله تعالى متعصب على
أهل الله تعالى أوقعه الله تعالى في ورطة الإنكار على اوليائه تعالى و قد اهانه الله تعالى
و غضب عليه و القاه الى الشيطان يتلاعب به ليبغض من يحبهم الله تعالى فيعرضه
للاستخفاف م و بكرامام و إهانة قبورهم و احتقارها مع ان المعلوم عند من قرأ
في علم العقائد و التوحيد ان الارواح لها اتصال بالأجساد بعد الموت كإتصال شعاع
الشمس بالأرض و الروح في مقرها فيجب احترام قبور المؤمنين البتة لهذا المعنى حتى
قال الجلال ال سيوطي رحمه الله تعالى في كتابه (بشرى الكئيب بلقاء الحبيب). قال
اليافعي: مذهب أهل ال سنة ان ارواح الموتى ترد في بعض الأوقات من عليين او من
سجين إلى أجسادهم في قبورهم عند إرادة الله و خصوصًا ليلة الجمعة و يجلسون و
يتحدثون وتتنعم أهل النعيم وتعذب أهل العذاب. قال: ويختص الأرواح دون الأجسام
بالنعيم و العذاب ما دام في عليين أو سجين و في القبر يشترك الروح و الجسد انتهى.
و مما يدل علىاتصال الأرواح بالأجسام في القبور بعد الموت ما نقله في بحر
الكلام للإمام النسفي( ١) رحمه الله تعالى من قوله في عذاب القبر. فإن قيل: كيف يوجع
اللحم في القبر و لم يكن فيه الروح؟ فالجواب: سئل الن بي صّلى الله عليه و سّلم أنه قيل
١) ميمون النسفي الحنفي توفي سنة ٥٠٨ ه. [ ١١١٤ م.] )
- ١٢٤ -
له: كيف يوجع اللحم في القبر و لم يكن فيه الروح: فقال عليه ال صلاة و ال سلام: كما
يوجع سنك و ان لم يكن فيه الروح؟ الا ترى ان النبي صّلى الله عليه و سّلم أخبر ان
الس ن يتوج ع لما أنه متصل باللحم, و ان لم يكن فيه الروح فكذلك بعد الموت لما كان
روحه متص ً لا بجسده فيتوجع انتهى و هذا صريح في ان روحانيات الموتى متصلة
بأجسامهم التى في قبورهم و ان بليت أجسامهم و صارت ترابًا و لهذا جاء ال شرع
باحترام قبورهم كما ذكرناه فيما تقدم فكيف لا ينبغي للمؤمنين احترام قبورهم و
تعظيمها و زيارا و التبرك ا و هم يعلمون ان الروحانيات الكاملة الفاضلة متصلة
بتلك الأجساد الطيبة الطاهرة كما هو مقتضى الأخبار النبوية و ان صارت ترابا و لا
ارى المنكر لذلك إلا جاه ً لا يعتقد من جهله ان الأرواح أغراض تزول بالموت كما
تزول الحركة عن الميت, طبق ما هو مذهب بعض الفرق الضالة, حتى أنهم يزعمون
ان الأولياء إذا ماتوا صاروا ترابًا و التحقوا بتراب الأرض و ذهبت روحانيام, فلا
حرمة لقبورهم. و لهذا يهينوا و يحتقروا و ينكرون على من زارها و تبرك ا حتى
إنى سمعت بأذني رج ً لا يقول يومًا و انا أسمع و كنت ذاهبًا الى زبارة قبر ال شيخ آرسلان
الدمشقي( ١) رضي الله عنه: كيف تزورون ترابًا؟ ما هذا إ ّ لا قلة عقل فتعجبت من ذلك
غاية العجب, و قلت في نفسي: ما هذا قول من يدعي الاسلام, و لا حول و لا قوة
ا ّ لا بالله العلى العظيم.
و قد ورد في الحديث (ان القبر روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر
النيران) و لا معنى لذلك إلا ان روحانيات الموتى إما تنعم في قبورهم أو تعذب فيها و
ذلك باتصال الروحانيات بالأجساد البالية التى خرجت من ال دنيا و هى طاهرة بالإيمان
و الطاعات أو قذرة بالكفر و المخالفات فحينئذٍ قبور المؤمنين محترمة متبجلة معظمة
كما كانوا قبل ذلك, و هم أحياء محترمون متبجلون فإن من احتقر عالما أو بغضه
خيف عليه الكفر, كما صرح بذلك الفقهاء.
١) ال شيخ ارسلان توفي سنة ٥٤٠ ه. [ ١١٤٥ م.] في الشام )
- ١٢٥ -
و لا فرق بين الأحياء في ذلك و الأموات أرأيت ان الأحياء و الأموات
كلهم مخلوقات الله تعالى لا تأثير لأحد منهم في شئ من الأشياء البتة و انما المؤثر هو
الله تعالى وحده على كل حال و الأحياء و الاموات سواء في عدم التأثير قطعًا من غير
شبهة و لكن الاحترام واجب في حق الجميع قال تعالى ( و م ن يعظِّ م شعآئِ ر اللهِ َفاِن ها
مِ ن ت ْ ق وى الُْقُلوبِ * الحج: ٣٢ ) و شعائر الله هى الأشياء التى تشعر اي تعلم به تعالى
كالعلماء و ال صالحين احياء و امواتًا و نحوهم.
و من تعظيمهم بناء القباب على قبورهم و عمل التوابيت لهم من الخشب
حتى لا تحتقرهم العامة من الناس و إن كان ذلك بدعة فهى بدعة حسنة, كما قال
الفقهاء في تكبير العمائم و توسيع الثياب للعلماء, أنه جائز حتى لا تستخف م العامة
و يحترموم و إن كان ذلك بدعة لم يكن عليها السلف حتى قال في جامع الفتاوى في
البناء على القبر: و قيل لا يكره إذا كان الميت من المشايخ و العلماء و السادات و في
المضمرات( ١) و كان ال شيخ أبو بكر محمد بن الفضل يقول لا بأس باستعمال الآجر في
ديارنا و كان يجوز استعمال رفوف الخشب و ذكر الامام التمرتاشي: هذا إذا كان
حول الميت و أما إذا كان فوقه فلا يكره لأنه عصمة من السباع و هذا كما اعتادوا
التسنيم باللبن صيانة عن النبش و رأوا ذلك حسنًا و في تنوير الأبصار: و لا يرفع عليه
بناء و قيل لا بأس به و هو المختار و في شرح الكتر للزيلعي و قيل لا بأس بالكتابة و
وضع الحجر ليكون علامة لما روي أنه عليه ال سلام وضع حجرًا على قبر عثمان بن
مظعون انتهى.
و اما وضع الستور و العمائم و الثياب على قبور ال صالحين و الأولياء فقد
كرهه الفقهاء حتى قال في فتاوى الحجة: و تكره الستور على القبور انتهى و لكن نحن
الآن نقول إن كان القصد بذلك التعظيم في أعين العامة حتى لا يحتقروا صاحب هذا
القبر الذي وضعت عليه الثياب و العمائم و لجلب الخشوع و الأدب لقلوب الغافلين
١) صاحب المضمرات يوسف بن عمر الحنفي توفي سنة ٨٣٢ ه. [ ١٤٢٩ م.] )
- ١٢٦ -
الزائرين لأن قلوم نافرة عن الحضور و التأدب بين يدي أولياء الله تعالى المدفونين في
تلك القبور, كما ذكرنا من حضور روحانيام المباركة عند قبورهم فهو امر جائز لا
ينبغى النهي عنه لأن (الأعمال بالنيات), و (لكل إمرئ ما نوى) فإنه و إن كان بدعة
على خلاف ما كان عليه السلف و لكن من قبيل قول الفقهاء في كتاب الحج: أنه بعد
طواف الوداع يرجع القهقري حتى يخرج من المسجد لأن في ذلك إجلال البيت و
تعظيمه, حتى قال في منهج السالك و ما يفعله الناس من الرجوع القهقري بعد الوداع
فليس فيه سنة مروية و لا أثر محكى و قد فعل أصحابنا انتهى و هذا تعظيم للبيت
الحرام مع أنه جماد و الأولياء أفضل منه من غير شبهة لأنهم مكلفون بخدمة الله تعالى
دون الكعبة لأن عبادا بلا تكليف و إن كانوا امواتًا فالميت كالجماد و الاحترام لازم
في حق الجميع و كسوة الكعبة أمر مشروع حتى ذكروا أنه يجوز ستر الكعبة بالحرير و
قبور ال صالحين و الأولياء و ان لم تكن كعبة و لا كالكعبة من جهة الاحكام و لكنها
محترمة لأن الكعبة انما امرنا بالتوجه إليها و الطواف ا و تعظيمها و احترامها مع أا
جماد ابتلاء من الله تعالى تكليفًا لنا و إ ّ لا فهى أحجار و كل من كان سجوده لها
نفسها كان عابد اصنام فيكفر بالله تعالى و لهذا ورد ان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال حين قبل الحجر في طوافه انى أعلم انك حجر لا تضر و لا تنفع ولو لا إنى
رأيت رسول الله صّلى الله عليه و سّلم فعل ذلك ما فعلته قالوا سبب ذلك أنه تذكر
وضع الجاهلية الاصنام حول البيت و سجودهم لها فخشي ان يظن احد ان تقبيل
الحجر يشبه نوعًا من الجاهلية فقال ما قال رضي الله عنه و ما سمعنا احدًا من العامة و
لا غيرهم يعتقد ان قبور ال صالحين كعبة يصح الطواف ا أو تصح ال صلاة اليها حتى
نخاف عليهم من ذلك و إنما العامة جميعهم يعلمون ان القبلة هى الكعبة وحدها و اا
في م ّ كة و لكنهم يبالغون في التعظيم و الاحترام لتلك القبور لأا قبور أولياء الله تعالى
و قبور احبائه تعالى و أهل صفوته هذا مقدار ما نعلم من أحوالهم و المؤمن لا يظن
بالمؤمنين إلا خيرًا.
- ١٢٧ -
و قد ورد في الحديث كما اخرجه الأسيوطي رحمه الله تعالى في الجامع
الصغير قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سلم: (حسن الظن من حسن العبادة) و
قال تعالى (يآ َاي هآ الَّذِي ن َامنوا اجتنِبوا َ كثِ يرا مِ ن الظَّ ن ان بع ض الظَّ ن اِثْم و َ لا
ت ج سسوا و َ لا ي غت ب َبعْضكُم ب ع ضا * الحجرات: ١٢ ) و يجب الحمل على الكمال
في حق عامة المؤمنين كما كان يعاملهم الن بي صّلى الله عليه و سّلم مع علمه باطلاع
الله تعالى له إن منهم المنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر و الجحود و يظهرون الإيمان و
مع ذلك كان يعامل الجميع معاملة اهل الإيمان لانه جاء يحكم بالظاهر و الله يتولى
ال سرائر كما قال عليه ال صلاة و ال سلام (ُامرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا
اله الا الله و اني رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم و اموالهم إ ّ لا بحقها
و حسام على الله) و لا ينبغي لمسلم ان ينكر كل ما يراه حدث و لم يكن في العصر
الأول ما لم يطلع على قباحته و ان فاعله فعله على وجه يخالف ما هو مقصود ال دين
المح مدي أرايت ان رسول الله صّلى الله عليه و سّلم يقول (من سن سنة حسنة كان له
ثواا و ثواب من عمل ا الى يوم القيامة) فقد سمى ما تحدثه الأمة بعده مما هو غير
مخالف لمقصود شرعه سنة مع أنه لم يكن له وجود في زمنه صّلى الله عليه و سّلم
فالبدعة الحسنة الموافقة لمقصود ال شرع تسمى سنة على هذا تسمية وردت على لسان
الشارع صّلى الله عليه و سلم.
و من هذا القبيل ما ذكره الفقهاء في مبحث زيارة الن بي صّلى الله عليه و
سّلم من قولهم و ما يفعله بعض الناس من الترول بالقرب من المدينة و المشى الى ان
يدخلها حسن و كل ما كان ادخل في الأدب و الاجلال كان حسنًا كما ذكره
والدى رحمه الله تعالى في حاشيته على شرح ال درر في كتاب الحج.
و يقاس على هذا إيقاد القناديل و الشمع عند قبور الأولياء و ال صالحين و
هو أيضًا من باب التعظيم و الإجلال للأولياء فالمقصد فيها مقصد حسن لا سيما إن
كان لذلك الو ّ لي فقراء يخدمونه, يحتاجون الى ايقاد المصباح لي ً لا لقراءة قرآن أو تسبيح
- ١٢٨ -
أو جد و ان كره الفقهاء ال صلاة عند القبور و لكن محله في غير الموضع المعد لذلك,
المتباعد عن القبر و قد قال والدى رحمه الله تعالى في حاشيته على شرح ال درر: و تكره
ال صلاة في المقبرة لأنه يشبه اليهود فإن كان فيها موضع أعد للصلاة ليس فيه قبر و لا
نجاسة فلا بأس به كما في الخانية و في الحاوي فإن كانت القبور وراء المصلى لا يكره
و إن كان بينه و بين القبر مقدار ما لو كان في ال صلاة و مر انسان لا يكره فههنا أيضًا
لا يكره انتهى.
و اما وضع اليدين على القبور و التماس البركة من مواضع روحانيات
الأولياء فهو أمر لا بأس به ايضًا قال في جامع الفتاوى و قيل لا يعرف وضع اليد على
المقابر سنة و لا مستحبًا و لا نرى به بأسًا انتهى و الأعمال بالنيات فإن كان مقصده
خيرًا كان خيرا و الله يتولى ال سرائر.
و اما نذر الزيت و الشمع للأولياء يوقد عند قبورهم تعظيمًا لهم و محبًة فيهم
فهو جائز في الجملة أرأيت ان الفقهاء قالوا في وقف ال ّ ذمى الزيت على سراج بيت
المقدس: أنه صحيح لكونه قربة عندنا و عندهم و في كتاب أوقاف الخصاف من بحث
وقف الذمى فإن قال أرضى صدقة موقوفة تكون غلتها في ثمن زيت للاسراج في بيت
المقدس قال: هذا جائز لأنه قربة عندنا و عندهم انتهى و بيت المقدس مسجد شريف
فالإسراج فيه من جلة تعظيمه و كذلك قبور ال صالحين و الأولياء المقربين.
و كذلك نذر الدراهم و الدنانير للأولياء بأ ّ ن تصرف على فقرائهم ااورين
عند قبورهم أمر جائز في نفسه لان النذر فيه مجاز عن العطية كما قالوا في الهبة للفقراء
أنه صدقة فليس له الرجوع ا و في الصدقة على الاغنياء اا هبة فيثبت له الرجوع
فيها فالعبرة لمقاصد ال شرع دون الألفاظ فإن النذر انما هو مخصوص بالله تعالى فإذا
استعمل في غيره كمن قال لرجل لك عل ي عشرة دراهم ان شفا الله مريضى و نحوه
ثم قال نذرت لفلان كذا كان وعدًا منه بذلك و هو مجاز عن الهبة إن كان ذلك
الرجل غنيًا و عن الصدقة إن كان فقيرًا و رب انسان يقول لآخر من اهل الذمة
- ١٢٩ -
الكافرين بالله تعالى ان شفا الله تعالى مريضى فلك عندي مائة درهم مث ً لا و لا يأثم في
قوله ذلك و يكون صدقًة لأن الصدقة على فقراء أهل الذمة جائزة ما عدا الزكاة, كما
قرره الفقهاء في كتبهم فكيف يقول عاقل بحرمة قول الانسان لولي من الأولياء بعد
الموت ان شفا الله مريضى فلك عندي مائة درهم و نحوه مع ان اهل الولاية أولى في
هذا المعنى من غيرهم و ان كانوا امواتًا فإن القائل يعلم ان ذلك يصرف في مصالح
الخادم لذلك الو ّ لي و للفقراء ااورين عنده فيجعل ذلك وعدًا و عطيًة و إباحًَة من
ذلك القائل لكل من يأخذه, تصحيحًا لقول المؤمنين ما امكن و الله ولي التوفيق.
و أما احتجاج بعض الناس علىتحريم هذه الأمور بغير دليل قطعي فموجبه
عدم الحياء من الله تعالى و عدم الخوف منه فإن الحرام في النهي في مقابلة الفرض في
الأمر و كل منهما يحتاج في ثبوته الى دليل قطعي إما آية من كتاب الله تعالى أو سنة
متواترة أو اجماع معتد به أو قياس يورده اتهد لا غيره من المقلدين لانه لا عبرة
بقياس المقلدين الذين لم تتوفر فيهم شروط الاجتهاد كما هو مسطر في كتب الأصول.
و أما قول بعض المغرورين: بأننا نخاف على العوام إذا اعتقدوا وليا من
الأولياء و عظموا قبره و التمسوا البركة و المعونة منه ان يدركهم اعتقاد ان الأولياء
تؤثر في الوجود مع الله تعالى فيكفرون و يشركون بالله تعالى, فننهاهم عن ذلك و
دم قبور الأولياء و نرفع البنيانات الموضوعة عليها, و نزيل الستور عنها, و نجعل
الإهانة للأولياء ظاهرًا حتى تعلم العوام الجاهلون ان هؤلاء الأولياء لوكانوا مؤثرين في
الوجود مع الله تعالى لدفعوا عن أنفسهم هذه الإهانة التى نفعلها معهم فاعلم ان هذا
الصنيع كفر صريح مأخوذ من قول فرعون على ما حكاه الله تعالى لنا في كتابه القديم
بقوله تعالى: ( و قَا َ ل فِ ْْ ر عو َ ن َ ذ رونِي َاْقت ْ ل مو سى و ْلي د ع ربه اِني َاخا ف َا ْ ن يب د َ ل
دِين ُ ك م َا و َا ْ ن يظْهِ ر فِي اْ َ لارضِ الْفَسا د * المؤمن: ٢٦ ) و كذلك هؤلاء المغرورون لم
يكمل إيمام بعد بأن الله تعالى يحب أولياءه و أنه يخلق على ايديهم في حيام جيع ما
قدر ان يريدوه مما لم يخالف ال شرع و جميع ما تريده روحانيام بعد موم بأمره تعالى
- ١٣٠ -
الذي روحانيام منه من الأمور الخارقة للعادة و كأم لم يعلموا بعد ان الإيمان حق و
أنه منج عند الله تعالى فقلوم مملؤة من ظنون و شكوك و اوهام و تحيرات و زيغ و قد
عموا و صموا و ختم الله تعالى علىقلوم حتى لم يقدروا على الفرق بين الحق و
الباطل و من يضلل الله فما له من هادٍ و لو أنهم صدقوا في خوفهم ذلك علىعامة
المسلمين لقرروا لهم أحكام العقائد و التوحيد و علموهم البراهين و الحجج القطعية
من غير منازعة و لا جدال و حملوهم على الفهم في العقائد و النظر في الفضائل و
ش دوا عليهم في ذلك غاية التشديد, فإن العامة متى تحققوا في نفوسهم ان الفاعل واحد
على كل حال و لا تأثير لشئ البتة تحولت خواطرهم عن اعتقاد التاثير في غيره تعالى و
علموا ان كل ما سواه تعالى بيده تعالى, فتن و تحيرات تسمى أسبابا يضل الله ا من
يشاء و يهدي من يشاء قال تعالى: ( و اللهُ مِ ن ورآئِهِم محِيطٌ * البروج: ٢٠ ) يعني
من وراء جميع الأشياء المحسوسات و الاشياء المعقولات على معنى أنه لا يشبهها و لا
تشب هه البتة و على فرض ان يكون غرضهم ذلك المذكور فكيف يجوز انتهاك حرمات
الله تعالى في حق أوليائه و اهل خاصته دم قبام و تحقير قبورهم في عيون العامة و
هتك ستورهم الموضوعة احترامًا لهم من أجل هذا الأمر الموهوم و هو خوف ال ضلال
على العامة و كيف يجوز الظن السوء في حق العامة و لم يكن الن بي صّلى الله عليه و
سّلم و لا أصحابه يفعلون ذلك لأن الظن السوء بالمسلمين حرام محقق كما قدمناه.
و أما اعتقاد شيخ بعينه و الانتماء إليه و السلوك على طريقته الخاصة فهو
أمر مطلوب فإن العمل بالجوارح كما يحتاج المقلد فيه إلى سلوك مذهب مخصوص ان
لم يكن مجتهدا كالحنفي يقلد أبا حنيفة و ال شافعي يقلد ال شافعي و نحو ذلك, كذلك
سلوك الطريق إلى الله تعالى يحتاج الى تقليد شيخ مخصوص في البداية لتتصل البركة و
الامداد بواسطة محبة ذلك ال شيخ و اعتقاده من الله تعالى الى ذلك الانسان, كما ان
ال شيخ إذا كان حيًا تتصل بركته بخادمه و معتقده و المستمد منه فكذلك ال شيخ إذا
كان ميتًا مدفونًا في قبره فإن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى و لا فرق في الاستمداد بين
- ١٣١ -
ال شيخ الحي و الميت بعد معرفة اما لا يؤثران في شئ من الاشياء مع الله تعالى قطعًا,
فإن المريد الصادق إذا صدق في طلب المدد من الله تعالى على يد شيخ حي او ميت مما
هو سبب من جملة الأسباب, فالله تعالى لا يخيبه البتة فإن المرشد الكامل إذا كان حيًا
ليس في وسعه إيصال المريد إلى الله تعالى بتأثيره و إنما الموصل هو الله تعالى وحده و
لكن المرشد سبب كما قال تعالى لمح مد صّلى الله عليه و سّلم الذي هو أعظم مرشد
للامة: (اِن ك َ لا ت هدِي م ن َاحبب ت وَلكِ ن اللهَ ي هدِي م ن يشآءُ و ه و َاعَلم بِاْل م هتدِي ن *
.( القصص: ٥٦ ) و قال له: (َلي س َل ك مِ ن اْ َ لامرِ شيءٌ * آل عمران: ١٢٨
و نقل قدوتنا ال شيخ الاكبر محي ال دين ابن العربي قدس الله سره: ان من جملة
مشايخه الذين انتفع م في طريق الله تعالى ميزاب رآه في مدينة فاس في حائط يترل منه
ماء السطح فانتفع به و من مشايخه ظله الممتد من شخصه و ذكر نحو ذلك في كتابه
روح القدس و هذه الأولياء الذين في قبورهم أليس أنهم أعلى من الميزاب و الظل
اللذين كان يستمد منهما ال شيخ الاكبر رضي الله عنه بسبب صدقه في طلبه فكيف
ينكر عاقل استمداد انسان من ولي ميت من أولياء الله تعالى و هو يعلم ان روحانيات
الأولياء متصلة بأجسامهم في قبورهم كما سبق بيانه و كيف يستبعد انسان مسلم هذا
الاستمداد من الأموات الذين هم أفضل من هؤلاء الأحياء الغافلين عن معرفة رب
العالمين بيقين و مع ذلك تراه إذا عرضت له حاجة إلى ظالم أو فاسق أو كافر جاء اليه
متذل ً لا خاضعًا و يداهنه, و يطلب منه قضاء حاجته و يستمد منه ثم يقول: فلان قضى
حاجتى و نفعنى بل إذا جاع استمد الشبع من المأكل, و إذا عطش استمد الري من
الماء و إذا عرى استمد ستر العورة من الثوب, و نحو ذلك استمدادًا طبيعيًا مع علمه
ان المأكل و الماء و الثوب جمادات لا روح فيها و لو صرح ذا الاستمداد و قال: أنا
أطلب الشبع من المأكل و نحوه على المعنى اازي مع اعتقاده ان الله تعالى هو المم د
الحقيقي فلا خطأ عليه و لا اثم و لا عار و كذلك يقول هذا الغافل الدواء الفلاني
مسهل و الشئ الفلانى قابض و المعجون الفلان نافع من كذا, و لا يبالي في هذا القول
- ١٣٢ -
و لا يظهر منه الانتقاد و الاحتراز إ ّ لا في حق نسبة التاثير و الاستمداد إلى أولياء الله
تعالى الذين هم أفصل عند الله تعالى من كل دواء و كل معجون و ما ذلك إ ّ لا من
انطماس البصيرة و العماء عن الصواب.
و مما يحث المريد على اتخاذ ال شيخ الح ي مسترشدا منه او الميت مستمدا منه
ما نقله ال شيخ عبد الوهاب ال شعراوي رحمه الله تعالى في كتابه العهود المحمدية ان
معروف الكرخي كان يقول لأصحابه إذا كان لكم الى الله تعالى حاجة فاقسموا عليه
بي و لا تقسموا عليه به تعالى فقيل له في ذلك فقال هؤلاء لا يعرفون الله تعالى فلم
يجبهم, و لو أنهم عرفوه لأجام و كذلك وقع لسيدى مح مد الحنفي ال شاذلي أنه كان
يعدى من مصر إلى الروضة ماشيًا على الماء هو وجماعته فكان يقول لهم قولوا يا حنفي
و امشوا خلفي و إياكم ان تقولوا يا الله! تغرقوا فخالف شخص منهم و قال يا الله
فزلقت رجله فترل الى لحيته في الماء فالتفت اليه ال شيخ و قال يا ولدي انك لا تعرف
الله تعالى حتى تمشى باسمه على الماء, فاصبر حتى اعرفك بعظمة الله تعالى ثم اسقط
الوسائط انتهى.
و في الجملة فاتخاذ ال شيخ الحي ان وجد, و إلا فالميت أولى و الكل أموات
لما قدمناه من اشارة قوله تعالى (اِن ك ميت و اِن ه م ميتون * الزمر: ٣٠ ) فافهم ترشد
ان شاء الله تعالى و لا تعترض تكن من الهالكين فإن الله تعالى يغار لاوليائه إذا انتهكت
حرمام أشد غيرة و لا إله غيره (اِنه َلَقولٌ فَصلٌ * و ما ه و بِالْ هزلِ * اِن ه م يكِي دو َ ن
(١٧- َ كي دا * و َاكِي د َ كي دا * َف م هلِ الْ َ كافِرِي ن َا مهِْل ه م ر وي دا * الطارق: ١٣
و أما هذه الطبول و النايات و هذه الأعلام و الرايات التى تتقيد ا الفقراء
اليوم و هذه الأوقات التى اخترعتها مشايخ هذا الزمان فإن جميعها جهل و لهو و بطالة
لا ينبغي للشيخ المرشد ان يعملها و لا ان يقر عليها لما يترتب عليها من مفسدة الغرور
بغير الله تعالى و الاعراض عن طلب العلم النافع و الاجتهاد في سنن سيد المرسلين
صّلى الله عليه و سّلم و ان كنا نحن لا ننكرها على الكاملين العارفين إذا صدرت منهم
- ١٣٣ -
(ُق ْ ل ه ْ ل ي ستوِي الَّذِي ن يعلَ مو َ ن و الَّذِي ن َ لا يعلَ مو َ ن اِن ما يت َ ذكَّر ُاوُلوا اْلاَلْبابِ *
.( الزمر: ٩
و اما الاجتماع و ذكر الله تعالى ال صحيح الخالي من اللحن مع الادب و
الخشوع بعد معرفة الواجب من الاعتقاد الموافق و الواجب من كيفية الأعمال ال صالحة
في العبادات و المعاملات فهو أمر جائز مندوب إليه و لا التفات لمن رده من تعصبه و
جهله فقد نقل ال شيخ المناوي رحمه الله تعالى في الشرح الكبير على الجامع الصغير عن
ال شيخ الاسيوطي رحمه الله تعالى أنه اخذ من قوله عليه ال صلاة و ال سلام: (أكثروا
ذكر الله حتى يقولوا مجنون) و نحو هذا الحديث ان ما اعتاده ال صوفية من عقد حلق
الذكر و الجهر به في المساجد و رفع الصوت بالتهليل لا كراهة فيه ذكره في فتاواه
الحديثية, قال و قد وردت أخبار تقتضى ندب الجهر بالذكر و أخبار تقتضى الاسرار
به و الجمع بينهما ان ذلك يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص كما جمع النووي
رضي الله عنه به بين الأحاديث الواردة بندب الجهر بالقراءة و الواردة بندب الأسرار
ا انتهى كلامه.
و أما خصوص هذا الصعق و الزعق و الصياح و الاضطراب و التواجد عند
سماع اقوال المغنين و احتباك اصوات الذاكرين جهرًا فلا نطلق القول فيه و إنما نفصل
فإن كان بحق بأن قام للتواجد قومة المضطر الذي استغرته المعانى الالهية الواردة على
قلبه و خاطره في ذلك الوقت, فإنا لا ننكر ذلك و لكن نسلمه لفاعله على أنه ليس
كما ً لا له و الكمال في السكون كما قال ال شيخ ارسلان رضي الله عنه في رسالته في
علم التوحيد إذا عرفته سكنت و إذا جهلته تحركت و اما إذا كان قيامه و تواجده
مجرد شهوة نفسية بعثته فحركته عمدا و هيمته و اطربته و حملته على فعل ذلك
الصياح و الاضطراب, فهو شيطان مريد يجب منعه و طرده و اخراجه من بين الجماعة
حتى لا يفسد بقية الذاكرين و يشتت قلوم و يزيل خشوعهم و ادم.
فان قال قائل: من اين يعرف المريد المحق من المبطل؟ نقول له من شرب
- ١٣٤ -
الخمرة لابد ان يتقاياها او تنفح رائحتها من فمه و بيان ذلك انا نسأله ما الذي حملك
حتى صحت و زعقت و اضطربت؟ فإن بين معنى الهيًا يحمل ذلك و شرح لنا شيئًا من
المعانى الواردة على قلبه عند ال سماع بحيث نستدل بالثمرة على الأغصان و بالزهرة
على البستان سلمنا له ذلك و اعتقدنا فيه ال صلاح.
و اما إذا سألناه فوجدناه من جملة الثيران لا يزيد على قوله همت في محبة ربي
و اهاجنى ذكري حقائق الوجود و هو متعرٍ من كل فضيلة فهو شيطان عنيد يجب
طرده و اخراجه و تأديبه.
و اما إنشاد الأشعار التى تكلم ا العارفون كأشعار ال شيخ شرف ال دين ابن
الفارض و ال شيخ الاكبر ابن العربي و عفيف ال دين التلمساني( ١) و ال شيخ عبد الهادي
السودي( ٢) و نحوهم من السادة ال صوفية رضي الله عنهم فهي جملة المهيجة القلبية الى
الحضرة الإلهية فكل من كان يفهم الحقائق يجوز له سماعها و إنشادها و كل من الهته و
اوقعته في الطرب النفساني و لم ينتفع منها بوارد يرد على قلبه فلا يجوز له سماعها, لأن
سماعه حينئذٍ مجرد لهو و بطالة, كما قال الشاعر:
لقد اسمعت لو ناديت حيًا * و لكن لا حياة لمن تناوي
و يحب علينا ان لا نسيئ الظنون في احد من العالمين ا ّ لا اهر بكفره و
متهتك بفسقه إذا اخبر عن نفسه او اطلعنا عليه من فلتات كلامه و تحققنا عدم فهمه
وعدم تحققه بربه, و الجميع عندنا محمولون على الكمال و لكن هذا مقدار الواجب
علينا في البيان و يجب على كل مسلم ان لا يخون نفسه و يغالطها فإن وجد لها قوة
على المعرفة و الانتفاع بحضور حلق الذكر المشتمل على ال سماع و الوجد و الإنشاد
فليحضر, و إ ّ لا فاشتغاله بطلب العلوم النافعة اولى كما قال القائل شعرا:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه * و جاوزه إلى ما تستطيع
١) عفيف ال دين سليمان التلمساني توفي سنة ٦٩٠ ه. [ ١٢٩١ م.] في الشام )
٢) عبد الهادي الحمصي توفي سنة ١١٩٣ ه. [ ١٧٧٩ م.] )
- ١٣٥ -
و ليحذر كل الحذر ان يكون منافقًا في الطريق فإن الناقد بصير ( و اللهُ بِ ما
.( تعمُلو َ ن خبِير * البقرة: ٢٣٤
و اما هذا الز ي المخصوص الذي اتخذه كل فريق من ال صوفية كلبس
المرقعات و ميازر الصوف و الميلويات فهو امر قصدوا به التبرك بمشايخهم الماضين, فلا
ينهون عنه و لا يؤمرون به فإن غالب ملابس هذا الزمان من هذا القبيل كالعمائم التى
اتخذها الفقهاء و المحدثون و العمائم التي اتخذها العساكر و الجنود و الملابس التى
تتخذها عوام الناس و خواصهم فإنها جميعها مباحة, و ليس فيها شئ يوافق ال سنة ا ّ لا
القليل و لا نقول اا بدع ايضًا لأن البدعة هى الفعلة المخترعة في ال دين على خلاف
ما كان عليه الن بي صّلى الله عليه و سّلم و كانت عليه الصحابة و التابعون رضي الله
عنهم و هذه الهيئات و الملابس و العمائم ليست مبتدعة في ال دين بل هي مبتدعة في
العادة و لا هي مخالفة للسنة ايضًا على حسب ما عرف الفقهاء ال سنة باا كل فعلة
فعلها النبي صّلى الله عليه و سّلم على وجه العبادة لا العادة و لم يكن الن بي صّلى الله
عليه و سّلم يلبس العمامة على سبيل العبادة و لا لبس الثياب المخصوصة على طريق
العبادة و انما القصد بذلك ستر العورة و دفع اذية الحر و البرد و لهذا ورد عنه لبس
الصوف و القطن و غير ذلك من الثياب العالية و السافلة فليس مخالفته في ذلك مخالفة
سنة و إن كان الاتباع في جميع ذلك افضل لأنه مستحب و الله اعلم بالصواب و اليه
المرجع و المآب و صّلى الله على سيدنا مح مد و على آله و صحابته اجمعين. آمين.
و كان الفراغ من تصنيفها ار الاربعاء السادس و العشرين من شعبان سنة
اربع و ثمانين بعد الالف ١٠٨٤ من الهجرة النبوية.
و كان الفراغ من كتابتها على يد الفقير مح مد عمر الدويكي ال شافعي عفا
( عنهما منتصف صفر المبارك سنة تسع و ثمانين و الف ( ١٠٨٩
- ١٣٦ -
النابلسي – عبدالغني بن اسماعيل بن عبد الغني بن اسماعيل بن أحمد بن
ابراهيم النابلسي الدمشقي العارف بالله الحنفي ال صوفي النقشبندي القادري ولد
بدمشق سنة ١٠٥٠ و توفي ا سنة ١١٤٣ . من تصانيفه: ابانة النص في مسئلة القص
اي الّلحية. الابتهاج في مناسك الحاج. الابيات النورانية في ملوك الدولة العثمانية.
اتحاف الساري في زيارة ال شيخ مدرك القزاري. اتحاف من بادر الى حكم النوشادر.
الاجوبة الانسية عن الاسئلة القدسية. الاجوبة البتة عن الاسئلة الستة. الاجوبة المنظومة
عن الاسئلة المعلومة. احترام الخبز و شكر النعمة عليه و عدم اهانته بنحو دوسه
بقدميه. ارشاد المتملي في تبليغ غير المصلي. ازالة الخفا عن حلية المصطفي صّلى الله
عليه و سلم. اسباغ المنة في اار الجنة. اشتباك الاسنة في الجواب عن الفرض و ال سنة.
اشراق المعالم في احكام المظالم. اطلاق القيود شرح مرآة الوجود. انس الحافر في معنى
من قال انا مؤمن فهو كافر. الانوار الالهية شرح مقدمة السنوسية. انوار السلوك في
اسرار الملوك. انوار الشموس في خطب الدروس. ايضاح الدلالات في سماع الآلات.
ايضاح المقصود من معنى وحدة الوجود. بداية المريد و اية السعيد. بذل الاحسان في
تحقيق معنى الانسان. بذل ال صلات في بيان ال صلاة. برهان الثبوت في تبرئة هاروت و
ماروت. بسط الذرا عين بالوصيد في بيان الحقيقة و انجاز في التوحيد. بقية الله خير
بعد الفناء في السير. بغية المكتفي في جواز الخف الحنفي. بواطن القرآن و مواطن
العرفان. تثبت القدمين في سؤال الملكين. تحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي. تحرير
عين الاثبات في تقرير عين الاثبات. تحريك الاقليد في فتح باب التوحيد. تحريك
سلسلة الوداد في مسئلة خلق العباد. تحصيل الاجر في اذان الفجر. تحفة الراكع الساجد
في جواز الاعتكاف في فناء المساجد. تحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية. تحفة الناسك
في بيان المناسك. تحقيق الانتصار في اتفاق الاشعري و الماتريديي على الاختيار. تحفة
الذوق و الرشف في معنى المخالفة الواقعة بين اهل الكشف. تحقيق القضية في الفرق
- ١٣٧ -
بين الرشوة و الهدية. تحقيق معنى المعبود في صورة كل معبود. تحقيق النظر في تحقيق
النظر. تخبير العباد في سكن البلاد. تشحيذ الاذهان في تطهير الادهان. تشريف
التقريب في تتريه القرآن عن التعريب. تطييب النفوس في حكم المقادم و الرؤس. تعطير
الانام في تعبير المنام مطبوع. تفوه الصور شرح عقد ال درر فيما يفتى به على قول زفر.
تقريب الكلام على الافهام في معنى وحدة الوجود. تكميل النعوت في لزوم الثبوت.
تنبيه الافهام على عدة الحكام. شرح منظومة الحموى. تنبيه من النوم في مواجيد القوم.
تنبيه من يلهو عن صحة الذكر بالاسم هو. توريث المواريث في الدلالة على موضع
الأحاديث في اطراف الكتب السبعة. التوفيق الحّلي بين الاشعري و الحنبلي. توفيق
الرتبة في تحقيق الخطبة. ثواب المدرك لزيارة الست زينب و ال شيخ مدرك. جمع الاسرار
و منع الاشرار عن الطعن في الصوفية الاخيار. جمع الاشكال و منع الاشكال عن
عبارة تفسير البغوي. الجواب التام عن حقيقة الكلام. الجواب ال شريف للحضرة
ال شريفة ان مذهب أبي يوسف و مح مد هو مذهب أبي حنيفة. الجواب العل ي عن حال
الو ّ لي. الجواب عن الاسئلة المائة و احدى و ستين. الجواب المعتمد عن سؤالات اهل
صفد. الجواب المنثور و المنظوم عن سؤال المفهوم. جواهر النصوص في حل كلمات
الفصوص. الجوهر الكّلي في شرح عمدة المصّلي. الحاصل في الملك و المحمول في الفلك
في اخلاق النب وة و الرسالة و الخلافة و الملك. الحديقة الندية شرح الطريقة المح مدية.
حق اليقين و هداية المتقين. الحقيقة و ااز في رحلة بلاد الشام و مصر و الحجاز.
حلاوة الآلاء في التعبير اجمالا. حّلة الذهب الابريز في رحلة بعلبك و بقاع العزيز.
حلية العاري في صفات الباري. الحوض المورود في زيارة ال شيخ يوسف و ال شيخ
محمود. الخضرة الانسية في الرحلة القدسية. خلاصة التحقيق في حكم التقليد و
التلفيق. حمرة بابل و غنية بلابل في الغزليات. خمرة الحان ورنة الالحان. شرح رسالة
ال شيخ ارسلان. دفع الاختلاف من كلام القاضي و الك شاف. دفع الايمام و رفع
الايهام في الجواب و السؤال. ديوان الحقائق و ميدان الرقائق. ديوان الالهيات. ديوان
- ١٣٨ -
المدائح المطلقة في المراسلات و الالغاز. ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع
الأحاديث. رائحة الجنة شرح اضاءة الدجنة. ربع الافادات في ربع العبادات. رد
التعنيف على المعنف و اثبات جهل المصنف. رد الجاهل الى الصواب في جواز اضافة
التأثير الى الاسباب. رد الحجج الداحضة على عصبة الغى الرافضة. رد المتين على
المنقص [لعله (منقص)] العارف محيى ال دين. رد المفتري على الطعن للششتري. الرد
الوفي على جواب الحصكفي في الخف. الرسوخ في مقام ال شيوخ. رشحات الاقلام
شرح كفاية الغلام. رفع الاشتباه عن علمية اسم الله. رفع الريب عن حضرة الغيب.
رفع الستور عن متعلق الجار و ارور. رفع الضرورة عن ح ج الصيرورة. رفع العناد
عن حكم التفويض و الاسناد. رفع الكسا عن عبارة البيضاوي في سورة النسا.
ركوب التقييد بالاذعان في وجوب التقليد في الإيمان. رنة النسيم و غنة الرخيم. روض
الانام في بيان الاجازة في المنام. روض المعطار بروائق الاشعار. زبدة الفائدة في الجواب
عن الاسئلة الواردة. زهر الحديقة في ترجمة رجال الطريقة. زيادة البسطة في بيان العلم
نقطة. السائحات النابلسية و السارحات الانسية. السر المختبي في ضريح ابن العربي.
سرعة الانتباه لمسئلة الاشتباه. سلوى النديم و تذكرة العديم. الشمس على جناح الطائر
في مقام الواقف السائر. صدح الحمامة في شروط الامامة. الصراط السوي شرح
ديباجة المثنوي. صرف الاعنة الى عقائد اهل ال سنة. صرف العنان الى قراءة حفص بن
سليمان. صفوة الاصفياء في بيان الفضيلة بين الانبياء. صفوة الضمير في نصرة الوزير.
الصلح بين الاخوان في حكم اباحة الدخان. الطلعة البدرية في شرح القصيدة المضرية.
طلوع الصباح على خطبة المصباح. الظل الممدود في معنى وحدة الوجود. العبير في
التعبير. عذر الائمة في نصح الامة. العقد النظيم في القدر العظيم. شرح بيت من بردة
المديح. العقود اللؤلؤية في طريق المولوية. علم الملاحة في علم الفلاحة. عيون الامثال
لعديم الامثال. غاية الاجازة في تكرار ال صلاة على الجنازة. غاية المطلوب في محبة
المحبوب. غيث القبول هما في معنى جعلا له شركاء فيما آتاهما. الغيث المنبجس في
- ١٣٩ -
حكم المصبوغ بالنجس. فتح الاغلاق في مسئلة على الطلاق. الفتح الرباني و الفيض
الرحماني. فتح العين عن الفرق بين التسميتين اعنى المسلمين و النصارى. فتح الكبير
بفتح راء التكبير. فتح المعيد المبدي شرح منظومة سعدي افندي. الفتح المكي و اللمح
الملكي. فتح الكريم الوهاب في العلوم المستفادة من الناى و الشاب. الفتوحات المدنية
في الحضرات المح مدية. قطرة السماء الوجود و نظرة العلماء الشهود. قلائد الفرائد في
موائد الفوائد في الفروع. قلائد المرجان في عقائد الإيمان. القول الابين في شرح عقيدة
أبي مدين. القول السديد في جواز خلف الوعيد و الرد على الرجل العنيد. القول
القاصم في قراءة حفص عن عاصم. القول المختار في الرد على الجاهل المحتار. القول
المعتبر في بيان النظر. الكتابة العلية على الرسالة الجنبلاطية. كتاب الوجود و الحق و
الخطاب و الصدق. كشف الستر عن فريضة الوتر. كشف ال سر الغامض شرح ديوان
ابن الفارض. كشف النور عن اصحاب القبور. الكشف عن الاغلاط التسعة من بيت
الساعة. الكشف و التبيان عما يتعلق بالنسيان. كفاية الغلام في اركان الاسلام. كفاية
المستفيد في علم التجويد. الكشف و البيان عن اسرار الاديان. كتر الحق المبين في
أحاديث سيد المرسلين. الكوكب الساري في حقيقة الجزء الاختياري. الكواكب
المشرقة في حكم استعمال المنطقة من الفضة. كوكب الصبح في ازالة القبح. كوكب
المباني و موكب المعاني. شرح صلوات سيدي عبد القادر الكيلاني. كوكب المتلالى
شرح قصيدة الغزالي. الكوكب الوّقاد في حسن الاعتقاد. لطائف الانسية على عقيدة
السنوسية. لمعات الانوار في المقطوع لهم بالجنة و المقطوع لهم بالنار. لمعات البرق
النجدي شرح تجليات محمود افندي. لمعة النور المضيئة شرح الابيات السبعة الزائدة من
الخمرية الفارضية. اللؤلؤ المكنون في حكم الأخبار انما سيكون. االس الشامية في
مواعظ أهل البلاد الرومية. مخرج المتقي و منهج المرتقي. المطالب الوفية شرح الفوائد
السنية. المعارف الغيبية شرح عينية الجيلية. مفاتيح القلوب في علم الحضور و الغيوب.
مفتاح الفتوح في مشكاة الجسم و زجاجة النفس و مصباح الروح. مفتاح المعية شرح
- ١٤٠ -
الرسالة النقشبندية. المقاصد الممحصة في بيان كي الحمصة. المقامات الاسمى في امتزاج
الاسما. مليح البديع في مديح الشفيع بديعية. مناعاة القديم و مناجاة الحكيم. نتيجة
العلوم و نصيحة علماء الرسوم. نخبة المسئلة شرح التحفة المرسلة. نبذة القدمين في
سؤال الملكين. نزهة الواجد في ال صلاة على الجنازة في المساجد. نسمات الاسحار في
مدح الن بي المختار. نسيم الربيعي في التجاذب البديعي. النظر المشرف في معنى قول
ال شيخ عمر بن الفارض عرفت ام لم تعرف. النعم السوابغ في احرام المدني من رابغ.
نفحات الازهار على نسمات الاسحار. النفحات المنتشرة في الجواب عن الاسئلة
العشرة. نفحة القبول في مدحة الرسول. نفخة الصور و نفحة الزهور في شرح قبضة
النور. نقود الصرر شرح عقود ال درر فيما يفتى به من اقوال الامام زفر للسيد أحمد
الحموي. النوافح الفائحة بروائح الرؤيا الصالحة. نور الافئدة في شرح المرشدة لابي
الليث. اية السول في حلية الرسول صّلى الله عليه و سلم. اية المراد شرح هدية ابن
العماد في الفروع. وسائل التحقيق في رسائل التدقيق في مكاتبات العلمية. هدية الفقير
و تحية الوزير. يوانع الرطب في بدايع الخطب. شرح منظومة القاضي مح ب ال دين.
رسالة في تعبير رؤيا سئل عنها. رسالة في جواب سؤال ورد من بيت المقدس. رسالة
في جواب سؤال ورد من م ّ كة المشرفة. رسالة في جواب سؤال ورد من بطريق
النصارى في التوحيد. رسالة في سؤال عن حديث نبوي. رسالة في الحث على الجهاد.
رسالة في حكم المستعير من الحكام. رسالة في حل نكاح المتعة على الشريعة. رسالة في
قوله صّلى الله عيله سلم (من صّلى عل ي صلاة واحدة صّلى الله عليه عشرًا) رسالة
في كي الحمصة. ( ٢١٤ ) رسالة في معنى بيتين رأت قمر السماء و ذكرتني. و غير
ذلك.
- ١٤١ -
هذه الك راسة تنوير الحلك
في امكان رؤية الن بي جهارًا و الملك
لل شيخ العلامة جلال ال دين ال سيوطي رحمه الله تعالى
و نفعنا بعلومه آمين
بسم الله ال رحمن ال رحيم
الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى و بعد فقد كثر السؤال عن
رؤية ارباب الاحوال الن بي صّلى الله عليه و سّلم في اليقظة و ان طائفة من اهل العصر
من لا قدم لهم في العلم بالغوا في انكار ذلك و التعجب منه و ادعوا أنه مستحيل
فألفت هذه الكراسة في ذلك و سميتها (تنوير الحلك في امكان رؤية الن بي و الملك) و
نبدأ بالحديث ال صحيح الوارد في ذلك اخرج البخاري و مسلم و أبو داود عن أبي
هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله عليه و سّلم (من رآنى في المنام
فسيرانى في اليقظة و لا يتمثل الشيطان بي) و اخرج الطبراني مثله من حديث ابي
قتادة قال العلماء اختلف في معنى قوله فسيراني في اليقظة فقيل معناه فسيراني في القيامة
و تعقب بأنه لا فائدة في هذا التخصيص لأن كل ُامته يرونه في القيامة من رآه منهم و
من لم يره و قيل المراد من آمن به في حياته و لم يره لكونه غائبًا عنه فيكون مبشرًا له
انه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته و قال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا
ب د ان يراه بعيني رأسه و قيل بيقين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر بن العربي( ١) و قال
الامام أبو مح مد بن ابي جمرة في تعليقه على الاحاديث التى انتقاها من البخاري هذا
لحديث يدل على انه من رآه صّلى الله عليه و سّلم في النوم فسيراه في اليقظة و قيل
هذا على عمومه في حياته و بعد مماته او هذا كان في حياته و هل ذلك لكل من رآه
مطلقًا او خاص بمن فيه الاهلية و الاتباع لسنته صّلى الله عليه و سّلم اللفظة تعطى
١) مح مد أبو بكر ابن العربي المالكي توفي سنة ٥٤٣ ه. [ ١١٤٨ م.] في فاس )
- ١٤٢ -
العموم و من ي دعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صّلى الله عليه و سّلم فمتعسف قال
و قد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه و قال على ما اعطاه عقله و كيف
يكون من قد مات يراه الحي في عالم الشاهد قال و في هذا القول من المحذور وجهان
خطيران احدهما عدم التصديق بقول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صّلى الله عليه و
سّلم و الثانى الجهل بقدرة القادر و بتحيره كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة و
كيف قال الله تعالى (اضرِبوه بِب عضِ ها َ ك َ ذلِ ك يحيِ اللهُ اْل م وتى * البقرة: ٧٣ ) و قصة
ابراهيم عليه ال سلام في الاربع من الطير و قصة عزير عليه ال سلام فالذى جعل ضرب
الميت ببعض البقرة سببا لحياته و جعل دعاء ابراهيم عليه ال سلام سببا لإحياء الطيور و
جعل تعجب عزير سببا لموته و موت حماره ثم لإحيائهما بعد مائة سنة فمن قدر على
ذلك قادر على ان يجعل رؤيته صّلى الله عليه و سّلم في النوم سببا لرؤيته صّلى الله عليه
و سّلم في اليقظة و قد ذكر عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم اظنه ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما أنه رأى الن بي صّلى الله عليه و سّلم في النوم فتذكر هذا الحديث
و بقى يفكر فيه ثم دخل على بعض ازواج الن بي صّلى الله عليه و سّلم اظنها ميمونة
رضي الله تعالى عنها فقص عليها قصته فقامت و اخرجت له مرآته صّلى الله عليه و
سّلم قال رضي الله تعالى عنه فنظرت في المرآة فرأيت صورة الن بي صّلى الله عليه و سّلم
و لم ار لنفسي صورًة و قد ذكر عن السلف و الخلف و هلم جرا عن جماعة ممن كانوا
رأوه صّلى الله عليه و سّلم في النوم و كانوا ممن يصدقون هذا الحديث فرأوه بعد ذلك
في اليقظة و سألوه عن اشياء كانوا منها متشوشين فاخبرهم بتفريجها و نص لهم على
الوجوه التى منها يكون فرجة فجاء الامر كذلك بلا زيادة و لا نقص قال و المنكر لهذا
لا يخلو اما أن يصدق بكرامات الأولياء او يكذب ا فإن كان ممن يكذب ا فقد
سقط البحث معه فإنه يكذب ما اثبته ال سنة بالدلائل الواضحة و إن كان مصدقا ا
فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن اشياء في العالمين العلوي
و السفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى كلام ابن ابي جمرة و قوله ان
- ١٤٣ -
ذلك عام و ليس بخاص بمن فيه الاهلية و الاتباع لسنته صّلى الله عليه و سّلم مراده
وقوع الرؤية الموعود ا في اليقظة على الرؤية في المنام و لو مرًة واحدًة تحقيقًا لوعده
ال شريف الذي لا يخلف و اكثر ما يقع ذلك للعامة قبل الموت عند الاحتضار فلا تخرج
روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده و اما غيرهم فتحصل لهم الرؤية في طول
حيام اما كثيرا و اما قليلا بحسب اجتهادهم و محافظتهم على ال سنة و الاخلال بالسنة
مانع كبير و اخرج مسلم في صحيحه عن مطرف قال قال لي عمران بن حصين رضي
الله عنه قد كان يسلم عل ي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد و اخرج مسلم من
وجه آخر عن مطرف قال بعث الى عمران بن حصين رضي الله عنه في مرضه الذي
توفي فيه فقال اني محدثك فإن عش ت فاكتم عني و ان مت فحدث ا ان شئت أنه قد
سلم قال النووي في شرح مسلم معنى الحديث الاول ان عمران بن حصين رضي الله
عنه كانت به بواسير فكان يصبر على ألمها و كانت الملائكة تسّلم عليه و اكتوى
فانقطع سلامهم ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه قال و قوله في الحديث الثانى فإن
عش ت فاكتم عني اراد به الاخبار بالسلام عليه لانه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته
لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت و قال القرطبي( ١) في شرح مسلم يعني
ان الملائكة كانت تسلم عليه اكرامًا له و احترامًا الى أن اكتوى فتركت ال سلام عليه
ففيه اثبات كرامات الأولياء و اخرج الحاكم في المستدرك( ٢) و ص ححه من طريق
مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال اعلم يا مطرف إنه كان
يسلم عل ي الملائكة عند رأسي و عند البيت و عند باب الحجرة فلما اكتويت ذهب
ذاك قال فلما برأ كلمه قال اعلم يا مطرف أنه عاد ا ّ لي الذي اكتم عل ي حتى اموت
فانظر كيف حجب عمران عن سماع تسليم اْلملائكة لكونه اكتوى مع شدة الضرورة
الى ذلك لأن الك ي خلاف ال سنة قال البيهقي( ٣) في شعب الإيمان لو كان النهي عن
١) ابو العباس أحمد القرطبي توفي سنة ٦٥٦ ه. [ ١٢٥٨ م.] )
٢) مح مد الحاكم النيشاپوري توفي سنة ٤٠٥ ه. [ ١٠١٤ م.] )
٣) أحمد البيهقي ال شافعي توفي سنة ٤٥٨ ه. [ ١٠٦٦ م.] في نيشاپور )
- ١٤٤ -
الك ي على طريق التحريم لم يكتو عمران رضي الله عنه مع علمه بالنهي غير أنه ركب
المكروه ففارقه ملك كان يسلم عليه فحزن على ذلك و قال هذا القول ثم قد قدر و
كأنه عاد اليه قبل موته انتهى و قال ابن الاثير( ١) في النهاية يعني ان الملائكة كانت
تسلم عليه فلما اكتوى لسبب مرضه تركوا ال سلام عليه لأن الكي يقدح في التوكل و
التسليم الى الله تعالى و الصبر على ما يبتلى العبد و طلب الشفاء من عنده و ليس ذلك
قادحًا في جواز الكي و لكنه قادح في التوكل و هو درجة عالية وراء مباشرة الاسباب
و اخرج ابن سعد في الطبقات عن قتادة ان الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين
رضي الله عنه حتى اكتوى فتخت و اخرج ابو نعيم في الدلائل عن يحيى بن سعيد
القطان قال ما قدم علينا البصرة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اجمعين افضل من
عمران بن حصين رضي الله عنه أتت عليه الملائكة ثلاثون سنة تسّلم عليه من جوانب
بيته و اخرج الترمذى في تأريخه و ابو نعيم و البيهقي في دلائل النب وة عن عدالة قال
كان عمران بن حصين رضي الله عنه يأمرنا ان نكنس الدار و نسمع ال سلام عليكم
ال سلام عليكم و لا نرى احدًا قال الترمذى هذا تسليم الملائكة و قال ح جة الاسلام
ابو حامد الغزالي في كتاب المنقذ من ال ضلال ثم انني لما فرغت من العلوم اقبلت متى
على طريق ال صوفية و القدر الذي اذكره لينتفع به انني علمت يقينًا ان ال صوفية هم
السالكون لطريق الله تعالى و ان سيرهم و سيرم احسن السير و السير و طريقتهم
احسن الطريق و اخلاقهم أزكى الاخلاق بل لو جمع عقول العقلاء و حكمة الحكماء
و علم الواقفين على اسرار ال شرع من العلماء ليغيروا شيئًا من سيرهم و اخلاقهم و
يبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا الى ذلك سبيلا فإن جميع حركام و سكنام في
ظواهرهم و بواطنهم متلبسة من نور مشكاة النب وة و ليس وراء انوار النب وة على وجه
الارض نور يستضاء به الى ان قال حتى أنهم و هم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و
ارواح الانبياء و يسمعون منهم اصواتًا و يقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من
١) ابن الاثير عز ال دين علي الجزري توفي سنة ٦٣٠ ه. [ ١٢٣٣ م.] في الموصل )
- ١٤٥ -
مشاهدة الصور و الامثال الى درجات يضيق عنها نطاق النطق هذا كلام الغزالي و قال
تلميذه القاضي ابو بكر بن العربي احد الأئمة المالكية في كتابه قانون التأويل ذهبت
ال صوفية الى أنه اذا حصل للانسان طهارة النفس و تزكية القلب و قطع العلائق و
حسم مواد اسباب الدنيا من الجان و المال و الخلطة بالجنس و الاقبال على الله تعالى
بالكلية علمًا دائمًا و عم ً لا مستمرًا كشفت له القلوب و رأى الملائكة و سمع اقوالهم و
اطلع على ارواح الانبياء و سمع كلامهم قال ابن العربي من عنده و رؤية الانبياء و
الملائكة و سماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامًة و للكافر عقوبًة قال ال شيخ عز ال دين بن
عبد ال سلام( ١) في القواعد الكبرى و قال ابن الحاج( ٢) في المدخل رؤية الن بي صّلى الله
عليه و سّلم في اليقظة باب ضيق و قل من يقع له ذلك الا من كان على صفة عزيز
وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبا مع اننا لا ننكر من يقع له هذا من الاكابر
الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم و بواطنهم قال و قد انكر بعض علماء الظاهر
رؤية الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم في اليقظة و علل ذلك بأن قال العين الفانية لا
ترى العين الباقية و الن بي صّلى الله عليه و سّلم في دار البقاء و الرائي في دار الفناء و قد
كان سيدى ابو مح مد بن ابي جمرة يح ّ ل هذا الاشكال و يرده بأن المؤمن إذا مات يرى
الله تعالى و هو لا يموت و الواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة انتهى و قال
القاضي شرف ال دين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي في كتاب الاعتقاد الانبياء عليهم
ال سلام بعد ما قبضوا ردت اليهم ارواحهم فهم أحياء عند رم كالشهداء و قد رأى
نبينا صّلى الله عليه و سّلم جماعة منهم و اخبره و خبره صدق ان صلواتنا معروضة
عليه و ان سلامنا يبلغه و ان الله تعالى حرم على الارض ان تأكل لحوم الانبياء عليهم
ال سلام قال البارزي و قد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا و قبله أنهم رأوا الن بي
صّلى الله عليه و سّلم في اليقظة حيًا بعد وفاته قال و قد ذكر ذلك ال شيخ الامام شيخ
١) عز ال دين بن عبد ال سلام توفي سنة ٦٦٠ ه. [ ١٢٦٢ م.] )
٢) ابن الحاج مح مد المالكي توفي سنة ٧٣٧ ه. [ ١٣٣٧ م.] )
- ١٤٦ -
الاسلام أبو البيان نباء بن مح مد بن محفوظ الدمشقي( ١) في نظيمته انتهى و قال ال شيخ
اكمل ال دين البابرتي الحنفي( ٢) في شرح المشارق في حديث من رآني الاجتماع
بالشخصين يقظة و مناما لحصول مائية الاتحاد و له خمسة اصول كلية الاشتراك في
الذات او في صفة فصاعدا او في حال فصاعدا او في الأفعال او في المراتب و كل ما
يتعقل من المناسبة بين شيئين او اشياء لا يخرج عن هذه الخمسة و بحسب قوته على ما
به الاختلاف و ضعفه يكثر الاجتماع و يقل و قد يقوى على ضده فتقوى المحبة بحيث
يكاد الشخصان لا يفترقان و قد يكون بالعكس و من حصل الاصول الخمسة و ثبتت
المناسبة بينه و بين ارواح الكمل الماضين اجتمع م متى شاء و قال ال شيخ صف ي ال دين
ابن ابي المنصور في رسالته و ال شيخ عفيف ال دين اليافعي في روض الرياحين قال ال شيخ
الكبير قدوة ال شيوخ العارفين و بركة اهل زمانه أبو عبد الله القرشي لما جاء الغلاء
الكبير الى ديار مصر توجهت لأن ادعو فقيل لي لا تدع فما يسمع لاحد منكم في هذا
الامر دعاء فسافرت الى الشام فلما قربت الى خريج الخليل عليه ال سلام تلقاني الخليل
فقلت يا رسول الله اجعل ضيافتى عندك الدعاء لاهل مصر فدعا لهم ففرج الله تعالى
عنهم قال اليافعي و قوله تلقاني الخليل قول حق لا ينكره الا جاهل بمعرفة ما يرد
عليهم من الاحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماء و الارض و ينظرون الانبياء
أحياء غير أموات كما نظر الن بي صّلى الله عليه و سّلم الى موسى عليه ال سلام في
الارض و نظره ايضًا في السماء هو و جماعة من الانبياء في ال سموات و سمع منهم
مخاطبات و قد تقرر ان ما جاز للانبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم
التحدي خاتمة اخرج أحمد في مسنده و الخرائطي في مكارم الاخلاق من طريق أبي
العالية عن رجل من الانصار قال خرجت من اهلي اريد الن بي صّلى الله عليه و سّلم
فإذا به قائم و رجل معه مقبل عليه و ظننت ان لهما حاجة قال الانصاري لقد قام
١) نباء بن مح مد ابن الحوراني توفي سنة ٥٥١ ه. [ ١١٥٦ م.] في الشام )
٢) مح مد البابرتي توفي سنة ٧٨٦ ه. [ ١٣٨٤ م.] )
- ١٤٧ -
رسول الله صّلى الله عليه و سّلم حتى جعلت ارثي له من طول القيام فلما انصرف
قلت يا رسول الله لقد قام بك هذ الرجل حتى جعلت ارثي لك من طول القيام قال
صّلى الله عليه و سّلم (و لقد رأيته) قلت نعم قال صّلى الله عليه و سّلم (أتدري من
هو) قلت لا قال صّلى الله عليه و سّلم (ذلك جبرئيل ما زال يوصيني بالجار حتى
ظننت أنه سيورثه) ثم قال صّلى الله عليه و سّلم (اما انك لو سّلمت ر د عليك
ال سلام) و اخرج المدني في المعرفة عن تميم بن سلمة رضي الله تعالى عنه قال بينا انا
عند الن بي صّلى الله عليه و سّلم إذا انصرف من عنده رجل فنظرت اليه مو ً لى معتمًا
بعمامة قد ارسلها من ورائه قلت يا رسول الله من هذا قال (هذا جبرئيل) و اخرج
أحمد و الطبراني و البيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه قال
مررت على رسول الله صّلى الله عليه و سّلم و معه جبرئيل عليه ال سلام فسّلمت
عليهما و مررت فلما رجعا و انصرف الن بي صّلى الله عليه و سّلم قال (هل رأيت
الذي كان معي) قلت نعم قال صّلى الله عليه و سّلم (فإنه جبرئيل و قد ر د عليك
ال سلام) و اخرج ابن سعد عن حارثة رضي الله تعالى عنه قال رأيت جبرئيل من الدهر
مرتين و اخرج أحمد و البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنت مع ابي
عند رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم و عنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن
ابي فخرجنا فقال لي ابي يا بني الم تر الى ابن عمك كالمعرض عني قلت يا ابت إنه كان
عنده رجل يناجيه فرجع فقال يا رسول الله قلت لعبد الله كذا و كذا فقال إنه كان
عندك رجل يناجيك فهل كان عندك احد قال (فهل رأيت يا عبد الله) قلت نعم قال
(ذلك جبرئيل هو الذي منعني عنك) و اخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما قال رأيت جبرئيل مرتين و اخرج الطبراني و البيهقي و الضباء في المختارة قال
عاد رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم رج ً لا من الانصار فلما دنى من مترله سمعه
يتكلم في الداخل فلما وصل لم ير احدا فقال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
(من كنت تتكلم) قال يا رسول الله دخل عل ي داخل ما رأيت رج ً لا قط بعدك اكرم
- ١٤٨ -
مجلسا و لا احسن حديثا منه قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ذلك جبرئيل و ان
منكم لرجالا لو ان احدهم يقسم على الله لاب ره) و قال ال شيخ سراج ال دين بن
الملقن( ١) في طبقات الأولياء قال ال شيخ عبد القادر الكيلاني رأيت رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم قبل الظهر فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا ابتاه انا رجل اعجم
كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعًا فقال تكلم على
الناس و ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة فصليت الظهر و جلست و
حضرني خلق كثير فارت ج عل ي فرأيت عليا رضي الله تعالى عنه قائمًا بإزائي في الس
فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا ابتاه قد ارتج عل ي فقال افتح فاك قال ففتحته فتفل
فيه ستًا فقلت لم لا تكملها سبعًا قال ادبا مع رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم ثم
توارى عني فقلت غواص من الفكر يغوص في بحر القلب على ذ ر العارفين فيخرجها
الى ساحل الصدر فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشتري بنفائس اثمان حسن
الطاعة في بيوت اذن الله ان نرفع و قال ايضًا في ترجمة ال شيخ خليفة بن موسى
الهذيلكي كان كثير الرؤية لرسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم يقظة و مناما و كان
يقال ان اكثر افعاله متلقاة منه صّلى الله تعالى عليه و سّلم بأمر منه اما يقظة و اما مناما
ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في احداهن يا خليفة لا تضجر منى كثير
من الأولياء مات بحسرة رؤيتى و قال الكمال الادفوى في الطالع السعيد في ترجمة
الصفي ابن عبد الله مح مد بن يحيى الاسواني نزيل اخميم من اصحاب ابي يحيى بن شافعي
كان مشهورا بال صلاح و له مكاشفات و كرامات كتب عنه ابن دقيق العيد و ابن
النعمان و القطب القسطلاني و كان يذكر أنه يرى الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و
يجتمع به و قال ال شيخ عبد الغّفار بن نوح القوصي في كتابه الوحيد من اصحاب
ال شيخ ابي يحيى ابي عبد الله الاسواني المقيم باخميم كان يخبر انه يرى الن بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم في كل ساعة حتى لا يكاد يكون ساعًة الا و يخبر عنه ساعًة و قال
١) ابن الملقن سراج ال دين عمر توفي سنة ٨٠٤ ه. [ ١٤٠١ م.] )
- ١٤٩ -
في الوحيد ايضًا كان للشيخ ابي العباس المرسي( ١) وصلة بالن بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم إذا سّلم على الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم رد عليه ال سلام و يجاوبه إذا تحدث
معه و قال ال شيخ تاج ال دين بن عطاء الله( ٢) في لطائف المنن قال رجل للشيخ ابي
العباس المرسي يا سيدي صافحني بكفك هذه فانك لقيت رجا ً لا و بلادا فقال و الله ما
صافحت بكفي هذه الا رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم و قال ال شيخ لو حجب
عني رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين و
قال ال شيخ صف ي ال دين بن ابي المنصور في رسالته و ال شيخ عبد الغّفار في الوحيد حكي
عن ال شيخ ابي الحسن الوناني قال اخبرني ال شيخ أبو العباس الطبخي قال وردت على
سيدى أحمد بن الرفاعي فقال ما انا شيخك شيخك عبد الرحيم بقنا قال فسافرت بقنا
فدخلت على ال شيخ عبد الرحيم فقال لي عرفت رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
قلت لا قال ر ح الى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
فرح ت الى بيت المقدس فحين وضعت رجلي و إذا بالسماء و الارض و العرش و
الكرسي مملؤة من رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فرجعت الى ال شيخ فقال لي
عرفت رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم قلت نعم قال الآن ك ملْ ت طريقتك لم
تكن الاقطاب اقطابًا و الاوتاد اوتادا و الأولياء أولياء ا ّ لا بمعرفة رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم و قال في الوحيد و ممن رأيته بمكة ال شيخ عبد الله الد ّ لاصى اخبرني
أنه لم تصح له صلوة في عمره ا ّ لا صلوة واحدة قال و ذلك إني كنت بالمسجد الحرام
في صلوة الصبح فلما احرم الامام و احرمت اخذتني أخذٌة فرأيت رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم يصلي إماما و خلفه العشرة فصليت معهم و كان ذلك في سنة ثلث
و سبعين و ستمائة فقرأ رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم في الركعة الاولى سورة
المدثر و في الثانية عم يتساءلون فلما سّلم دعا ذا الدعاء (اللهم اجعلنا هداة مهديين
١) ابو العباس احمد المرسي المالكي ال شاذلي توفي سنة ٦٨٦ ه. [ ١٢٨٧ م.] في الاسكندرية )
٢) تاج ال دين أحمد بن عطاء الله المالكي ال شاذلي توفي سنة ٧٠٩ ه. [ ١٣٠٩ م.] في مصر )
- ١٥٠ -
غير ضالين و لا مضّلين لا طمعا في ب رك و لا رغبة فيما عندك لأن لك المنة علينا
بايجادنا قبل ان لم نكن فلك الحمد على ذلك لا اله الا انت) فلما فرغ رسول الله
صّلى الله تعالى عليه و سلم سّلم الامام فعقلت تسليمه فسّلمت و قال ال شيخ صف ي
ال دين في رسالته قال لي ال شيخ ابو العباس الحرار دخلت على الن بي صّلى الله تعالى عليه
و سّلم فوجدته يكتب مناشير للاولياء بالولاية و كتب لأخى مح مد منهم منشورا قال
و كان اخو ال شيخ كبيرا في الولاية كان على وجهه نور لا يخفى على احد انه و ّ لي
فسألنا ال شيخ عن ذلك فقال نفخ الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم في وجهه فاثرت
النفخة هذا النور قال ال شيخ صف ي ال دين و رأيت ال شيخ الكبير ابا عبد الله القرطبي
اجل اصحاب ال شيخ القرشي و كان اكثر اقامته بالمدينة النبوية و كان له بالن بي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم وصلة و اجوبة و رد سلام و حمله رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم رسالة للملك الكامل و توجه ا الى مصر و اداها و عاد الى المدينة قال و
ممن رأيت بمصر ال شيخ ابو العباس القسطلاني اخص اصحاب ال شيخ القرشي زاهدا
مصر في وقته و كان اكثر اوقاته في آخر عمره بمكة فقال أنه دخل مرة على الن بي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم فقال له الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم (اخذ الله بيدك يا
أحمد) و قال اليافعي في روض الرياحين اخبر في بعضهم أنه يرى حول الكعبة الملائكة
و الانبياء و الأولياء و اكثر ما يراهم ليلة الجمعة و كذلك ليلة الاثنين و ليلة الخميس
فع دد لي جماعة كثيرة من الانبياء و ذكر أنه يرى كل واحد منهم في موضع معين
يجلس فيحول الكعبة و يجلس معه اتباعه من اهله و قرابته و اصحابه و ذكر ان نبينا
صّلى الله تعالى عليه و سّلم يجتمع معه من أولياء الله خلق كثير لا يحصى عددهم ا ّ لا
الله تعالى و لم يجتمع على سائر الانبياء كذلك و ذكر ان ابراهيم و اولاده عليهم
ال سلام يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف و موسى و جماعة من الانبياء
بين الركنين اليمانيين و عيسى و جماعة منهم في جهة الحجر و نبينا جالس عند الركن
اليماني مع اهل بيته و اصحابه و أولياء امته انتهى و حكي عن بعض الأولياء أنه حضر
- ١٥١ -
مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثا فقال له الو ّ لي هذا الحديث باطل فقال له الفقيه و
من اين لك هذا فقال هذا الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم واقف على رأسك يقول
إني لم اقل هذا الحديث و كشف للفقيه فرآه و في كتاب المخ الالهية في مناقب السادة
الوفائية لأبن فارس( ١) قال سمعت سيدي عليا يقول كنت و انا ابن خمس سنين اقرأ
القرآن على رجل يقال له ال شيخ يعقوب فأتيته يومًا فرأيت الن بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم يقظة لا مناما و عليه قميص ابيض قطن ثم رأيت القميص عل ي فقال لي اقرأ
فقرأت عليه سورة و الضحى و الم نشرح لك ثم غاب عني فلما ان بلغت احدى و
عشرين سنة احرمت بصلوة الصبح بالقرافة فرأيته صّلى الله تعالى عليه و سّلم قبالة
وجهي فعانقني و قال لي (و اما بنعمة ربك فحدث) فاوتيت لسانه من ذلك الوقت
انتهى و في بعض ااميع ح ج سيدى أحمد الرفاعي( ٢) فلما وقف تجاه الحجرة ال شريفة
انشد شعر:
في حالة البعد روحي كنت ارسله * تقبل الارض عني فهي نائبتي
و هذه نوبة الاشباح قد حضرت * امدد يمينك كي تحظي به شفتي
فخرجت اليد ال شريفة من القبر ال شريف فقبلها و في معجم ال شيخ برهان
ال دين البقاعي حدثني الامام أبو الفضل بن أبي الفضل النويري ان السيد نور ال دين
الأسجبيني والد ال شريف عفيف ال دين لما ورد الى الروضة ال شريفة و قال ال سلام عليك
ايها الن بي و رحمة الله و بركاته سمع من كان بحضرته قائ ً لا من القبر و عليك ال سلام يا
ولدي و قال الحافظ مح ب ال دين بن النجار( ٣) في تاريخه اخبرني أبو أحمد داود بن علي
بن محمد بن هبة الله بن المسلمة انا ابوالفرج المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور قال
حكى شيخنا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن مح مد بن أبي سعيد ال صوفي
١) أحمد بن فارس الرازي المالكي توفي سنة ٣٩٥ ه. [ ١٠٠٥ م.] )
٢) السيد أحمد الرفاعي توفي سنة ٥٧٨ ه. [ ١١٨٢ م.] في القاهرة )
٣) مح مد ابن النجار توفي سنة ٦٤٣ ه. [ ١٢٤٥ م.] )
- ١٥٢ -
الكرخي قال حججت و زرت الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فبينا انا جالس عند
الحجرة إذ دخل ال شيخ أبو بكر الدياربكري و وقف بإزاء وجه الن بي صّلى الله تعالى
عليه و سّلم و قال ال سلام عليك يا رسول الله فسمعت صوتا من داخل الحجرة و
عليك ال سلام يا ابا بكر و سمعه من حضر و في كتاب (مصباح الظلام في المستغيثين
بخير الانام) للامام شمس ال دين مح مد بن موسى بن النعمان( ١) قال سمعت يوسف بن
عل ي الرقاشي يحكي عن إمرأة هاشمية كانت مجاورة بالمدينة و كان بعض الخ دام يؤذيها
قالت فاستغثت بالن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فسمعت قائلا من الروضة أما لك في
اسوة فاصبري كما صبرت او نحو هذا قالت فزال عني ما كنت فيه و مات الخ دام
الثلاثة الذين كانوا يؤذوننى و قال ابن السمعاني في كتاب الدلائل انا أبو بكر هبة الله
بن الفرج انا أبو القاسم يوسف بن مح مد بن يوسف الخطيب انا أبو القاسم عبد
الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب ثنا عل ي بن ابراهيم بن علان انا عل ي بن مح مد بن على
ثنا أحمد بن الهيثم الطائي حدثني أبي عن ابيه ابن سلمة بن كعسل عن أبي صادق عن
عل ي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال قدم علينا اعرابي بعد ما دفنا رسول الله
صّلى الله تعالى عليه و سّلم بثلاثة ايام فرمى بنفسه على قبر الن بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم و حثا من ترابه على رأسه و قال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك و وعيت عن
الله تعالى فوعينا عنك و كان فيما انزل الله تعالى عليك ( و َل و َان ه م اِ ْ ذ َ ظَلموا َانفُ سهم
( جآؤ ك فَاستغَفروا اللهَ و استغَف ر َلهم ال ر سو ُ ل َل و جدوا اللهَ ت وابا رحِيما * النساء: ٦٤
و قد ظلمت نفسي و جئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك ثم رأيت في
كتاب مزيل الشبهات في اثبات الكرامات للامام عماد ال دين بن اسماعيل بن هبة الله
بن باطيش( ٢) ما ن صه و من الدليل على اثبات الكرامات آثار منقولة عن الصحابة و
التابعين فمن بعدهم منهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال لعائشة لما حضرته
١) مح مد بن موسى المراكشي توفي سنة ٦٨٣ ه. [ ١٢٨٤ م.] )
٢) عماد ال دين اسماعيل الموصلي توفي سنة ٦٥٥ ه. [ ١٢٥٧ م.] )
- ١٥٣ -
الوفاة انما هما اخواك و اختاك قالت رضي الله تعالى عنها هذان أخواي مح مد و عبد
الرحمن فمن اختاى فليس لي ا ّ لا اسماء فقال رضي الله تعالى عنه زوابط ابنة خارجة و
قد القى في روعى اا جارية فولدت ام كلثوم و منهم عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه في قصة سارية حيث نادى و هو في الخطبة يا سارية الجبل الجبل فاسمع الله
تعالى سارية كلامه و هو بنهاوند و قصته مع نيل مصر و مراسلته اياه و جريانه بعد
انقطاعه و منهم عثمان بن عفان قال عبد الله بن سلام اتيت عثمان رضي الله تعالى
عنه لاسلمه عليه و هو محصور فقال مرحبًا يا صبي رأيت رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم من هذه الخوخة [الخوخة ك وة في الجدار تؤدي الضوء] فقال يا عثمان
حصروك قلت نعم قال ع ّ طشوك قلت نعم فادلى لي دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت
حتى اني لأجد برده بين ثدي ي و بين كتف ي فقال ان شئت نصرت عليهم و ان شئت
افطرت عندنا فاخترت ان افطر عنده صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقتل ذلك اليوم
انتهى و هذه القصة مشهورة عن عثمان رضي الله تعالى عنه مخرجة في كتب الحديث
اخرجها ابن أبي اسامة في مسنده و غيره و قد فهم المصنف منها اا رؤية يقظة و ا ّ لا
لم يصلح ع دها في الكرامات و لا ينكرها من ينكر كرامات الأولياء و مما ذكره ابن
( باطيش في هذا الكتاب قال و منهم أبو الحسين مح مد بن سمعون البغدادي الصوفي( ١
قال أبو طاهر محمد بن علي العلاة حضرت ابا الحسين بن سمعون يومًا في مجلس الوعظ
و هو جالس على كرسيه يتكلم و كان أبو الفتح القواس جالسا الى جنب الكرسي
فغشيه النعاس و نام فامسك أبوالحسين ساعًة عن الكلام حتى استيقظ أبو الفتح و رفع
رأسه فقال له أبوالحسين رأي ت الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم في نومك قال نعم قال
أبوالحسين لذلك امسكت عن الكلام خوفا ان تترع و ينقطع ما كنت فيه انتهى فهذا
يشعر بأن ابن سمعون رأى الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم يقظة لما حضر و رآه أبو
الفتح في نومه و قال أبوبكر بن أبي أبيض في جزئه سمعت ابا الحسين نبأنا الجمال يقول
١) مح مد ابن سمعون توفي سنة ٣٨٧ ه. [ ٩٩٧ م.] في بغداد )
- ١٥٤ -
حدثني بعض اصحابنا قال بم ّ كة رجل يعرف بابن ثابت قد خرج من م ّ كة الى المدينة
ستين سنة ليس الا لل سلام على رسول الله صّلى الله تعالى عليه وسّلم ويرجع فلما كان
بعض السنين تخلف لشغل او سبب فقال بينا هو قاعد في الحجر بين النائم و اليقظان
اذ رأى الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و هو يقول أيا ابن ثابت لم تزرنا فزرناك.
تنبيهات: الاول اكثر ما يقع رؤية الن بي صّلى الله تعالى عليه وسّلم في اليقظة
بالقلب ثم يترّقى الى ان يرى بالبصر و قد تقدم الامر ان في كلام القاضي أبي بكر بن
العربي لكن ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض
و انما هى جمعية حالية و حالة برزخية و امر وجدا ّ ني لا يدرك حقيقته ا ّ لا من باشره و
قد تقدم عن ال شيخ عبد الله الدلاصي فلما احرم الامام احرمت اخذتني اخذة فرأيت
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فاشار بقوله اخذتني اخذة الى هذه الحال.
الثاني هل الرؤية لذات المصطفى صّلى الله تعالى عليه و سّلم بجسمه و روحه
او لمثاله الذين رأيتهم من ارباب الاحوال يقولون بالن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و
به صرح الغزالي فقال ليس المراد أنه يرى جسمه و بدنه بل مثا ً لا له صادق بذلك المثال
آلة تكون تارة حقيقية و تارة تكون خيالية و النفس غير المثال المتخيل فما رآه من
الشكل ليس هو روح المصطفى و لا شخصه بل هو مثال له على التحقيق قال و مثل
ذلك من يرى الله تعالى في المنام فإن ذاته مترهة عن الشكل و الصورة و لكن منتهى
تعريفاته الى العبد بواسطة مثال محسوس من نور او غيره و يكون ذلك المثال حقًا في
كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله في المنام لا يعني اني رأيت ذات الله
تعالى كما يقول في حق غيره انتهى و ف صل القاضي أبو بكر بن العربي فقال رؤية الن بي
صّلى الله تعالى عليه و سّلم بصفته المعلومة ادراك على الحقيقة و رؤيته على غير صفته
ادراك للمثال و هذا الذي قاله في غاية الحسن و لا يمتنع رؤية ذاته ال شريف بجسده و
روحه و ذلك لانه صّلى الله تعالى عليه و سّلم و سائر الانبياء عليهم ال سلام أحياء
ردت اليهم ارواحهم بعد ما قبضوا و اذن لهم في الخروج من قبورهم و التصرف في
- ١٥٥ -
الملكوت العلوي و السفلي و قد اّلف البيهقي جزء في حياة الانبياء و قال في دلائل
النب وة الانبياء أحياء عند رم كالشهداء و قال الاستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر
البغدادي( ١) المتكلمون المحققون من اصحابنا ان نبينا صّلى الله تعالى عليه و سّلم ح ي
بعد وفاته و أنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم يبشر بطاعات امته و يحزن بمعاصى العصاة
منهم و أنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم يبلغه صلوة من يصّلي عليه من امته و قال ان
الانبياء عليهم ال صلاة و ال سلام لا يبلون و لا تأكل الارض منهم شيئًا و قد مات
موسى عليه ال سلام في زمانه و اخبر نبينا صّلى الله تعالى عليه و سّلم أنه رآه في قبره
مصّليا و ذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة و رأى آدم و ابراهيم و إذا
صح لنا هذا الاصل قلنا نبينا صّلى الله تعالى عليه و سّلم قد صار حيًا بعد وفاته و هو
على نب وته انتهى قال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة عن شيخه الموت ليس
بعدم محض و انما هو انتقال من حال الى حال و يدل على ذلك ان الشهداء بعد قتلهم
و موم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين و هذه صفة الأحياء في ال دنيا و إذا كان هذا
في الشهداء فالانبياء احق بذلك و قد صح ان الارض لا تأكل اجساد الانبياء عليهم
ال سلام و أنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم اجتمع بالانبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس و
في السماء و رأى موسى عليه ال سلام قائما يصّلي في قبره و اخبر صّلى الله تعالى عليه
و سّلم أنه يرد ال سلام على كل من يسلم عليه الى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع
بأن موت الانبياء عليهم ال سلام انما هو راجع الى ان غيبوا عنا بحيث لا ندركهم و ان
كانوا موجودين أحياء و لا يراهم احد من نوعنا ا ّ لا من خ صه الله تعالى بكرامته انتهى
و اخرج أبو يعلى في مسنده و البيهقي في كتاب حياة الانبياء عليهم ال سلام عن انس
رضي الله تعالى عنه ان الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (الانبياء أحياء في قبورهم
يصّلون) و اخرج البيهقي عن انس رضي الله تعالى عنه عن الن بي صّلى الله تعالى عليه و
سّلم قال (إ ّ ن الانبياء لا يتركون في قبورهم بعد اربعين ليلة و لكنهم يصّلون بين
١) أبو منصور عبد القاهر ال شافعي توفي سنة ٤٢٩ ه. [ ١٠٣٨ م.] في اسفرائين )
- ١٥٦ -
يدى الله حتى ينفخ في ال صور) و روى سفيان في الجامع قال قال شيخ لنا عن سعيد
بن المسيب قال ما مكث ن بي في قبره اكثر من اربعين ليلة حتى يرفع قال البيهقي فعلى
هذا يصيرون كسائر الأحياء حيث يترلهم الله تعالى و روى عبد الرزاق في مصنفه عن
الثوري عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب قال ما مكث ن بي في الارض اكثر من
اربعين يومًا و أبو المقدام عن ثابت بن هرمز الكوفي شيخ صالح و اخرج أبن حبان في
تأريخه و الطبراني في الكبير و أبو نعيم في الحلية عن انس رضي الله تعالى عنه قال قال
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ما من ن بي يموت فيقيم في قبره ا ّ لا اربعين
صباحًا) و قال امام الحرمين في النهاية و الرافعي في الشرح روي ان الن بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم قال (انا اكرم على ربي من ان يتركنى في قبري بعد ثلث) زاد امام
الحرمين و روى اكثر من يومين و ذكر أبو الحسن بن الراغوتي الحنبلي في بعض كتبه
حديث (إ ّ ن الله لا يترك نبيا في قبره اكثر من نصف يوم) و قال الامام بدر ال دين بن
الصاحب في تذكرته فصل في حياته صّلى الله تعالى عليه و سّلم بعد موته في البرزخ و
قد د ّ ل على ذلك تصريح الشارع و ايماؤه و من القرآن قوله تعالى ( و َ لا تح سب ن
( الَّذِي ن قُتِلُوا فِي سبِيلِ اللهِ َا م واتا ب ْ ل َاحيآءٌ عِن د ربهِم يرزُقو َ ن * آل عمران: ١٦٩
فهذه الحالة و هي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد هذه الامة من السعداء و
حالهم اعلى و افضل ممن يكون له هذه الرتبة لا سيما في البرزخ و لا يكون رتبة أحد
من الامة اعلى من رتبة الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم بل انما حصل لهم هذه الرتبة
ببركته و تبعيته و اتصافًا بما استحقوا هذه الرتبة بالشهادة و الشهادة حاصلة للنبي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم على اتم الوجوه و قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (مررت على
موسى ليلة اسرى بي عند الكثيب الاحمر و هو قائم يصّلي في قبره) و هذا صريح في
اثبات لحياة لموسى عليه ال سلام فإنه وصفه بالصلوة و إنه كان قائما و مثل هذا لا
يوصف به الروح و انما يوصف به الجسد و في تخصيصه بالقبر دليل على هذا فإنه لو
كان من اوصاف الروح لم يحتج لتخصيصه بالقبر فإن احدًا لم يقل ان ارواح الانبياء
- ١٥٧ -
مسجونة في القبر مع الاجساد و ارواح السعداء و المؤمنين في الجنة و في حديث ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لم يصح له صلوة في عمره ا ّ لا صلوة واحدة و ذلك
اني كنت بالمسجد الحرام في صلوة الصبح فلما احرم الامام و احرمت اخذتني اخذة
ثم سرنا مع رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم بين م ّ كة و المدينة فمررنا بواد فقال
اي واد هذا فقالوا وادي الازرق فقال كأنى انظر الى موسى واضعا اصبعيه في اذنيه له
جؤار الى الله بالتلبية ما رًا ذا الوادي ثم سرنا حتى اتينا على سرية ثنية قال كأنى انظر
الى يونس على ناقة ضمراء عليه جبة صوف ما رًا ذا الوادي ملبيًا سئل هنا كيف ذكر
حجهم و تلبيتهم و هم أموات و اجيب بان الشهداء أحياء عند رم يرزقون فلا يبعد
ان يحجوا و يصّلوا و يتقربوا بما استطاعوا و ان كانوا في الاخرى فإم في هذه ال دنيا
التي هي دار عمل حتى إذا فنيت مدا و اعقبتها الاخرى التي هي دار الجزاء انقطع
العمل هذا لفظ القاضي عياض فإذا كان القاضي عياض يقول إنهم يح جون بأجسادهم
و يفارقون قبورهم فكيف يستنكر مفارقة الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم لقبره فإن
الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم إذا كان حا جا و إذا كان مصّليا و إذا كان يسرى به
بجسده الى السماء فليس مدفونا في القبر انتهى فحصل من مجموع هذه النقول و
الاحاديث ان الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم حي بجسده و روحه و أنه يتصرف و
يسير حيث شاء في اقطار الارض و في الملكوت و هو يئته التي كان عليها قبل وفاته
لم يتبدل منه شيئ و أنه مغيب عن الابصار كما غيبت الملئكة مع كوم أحياء
بأجسادهم فإذا اراد الله رفع الحجاب عمن اراد اكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو
عليها لا مانع من ذلك و لا داعي الى التخصيص برؤية المثال.
الثالث سئل بعضهم كيف يراه الراؤون المتعددون في اقطار متعددة فأنشد
كالشمس في كبد السماء و ضوؤها * يغشي البلاد مشارقًا و مغاربًا
و في مناقب ال شيخ تاج ال دين بن عطاء الله من بعض تلامذته قال حججت فلما كنت
في الطواف رأيت ال شيخ تاج ال دين في الطواف فنويت ان اسلم عليه إذا فرغ من
- ١٥٨ -
طوافه فلما فرغ من الطواف جئته فلم اره ثم رأيته في عرفة كذلك و في سائر المشاهد
كذلك فلما رجعت الى القاهرة سألت عن ال شيخ فقيل لي طيب فقلت هل سافر قالوا
لا فجئت الى ال شيخ و سلمت عليه فقال لي من رأيت فقلت يا سيدى رأيتك فقال يا
فلان الرجل الكبير يملأ الكون لو دعى القطب من حجر لأجاب فإذا كان القطب يملأ
الكون و سيد المرسلين صّلى الله تعالى عليه و سّلم من باب اولى و قد تقدم عن ال شيخ
أبي العباس الطبخي أنه قال و ارى بالسماء و الارض و العرش و الكرسي مملؤة من
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال قائل يلزم على هذا ان يثبت الصحبة لمن
رآه و الجواب ان ذلك ليس بلازم اما ان قلنا ان المرئي المثال فواضح لأن الصحبة انما
تثبت برؤية ذاته ال شريف جسدًا و روحًا و ان قلنا المرئي الذات فشرط الصحبة ان
يراه و هو في عالم الملك و هذه رؤية و هو في عالم الملكوت و هذه الرؤية لا تثبت
صحبة و يؤيد ذلك ان الأحاديث وردت ان جميع امته عرضوا عليه فرآهم و رأوه و لم
تثبت الصحبة للجميع لاا رؤية في عالم الملكوت فلا تفيد صحبة و اخرج أبو بكر بن
أبي داود في كتاب المصائف عن أبي جعفر قال كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يسمع
مناجاة جبرئيل للن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم و اخرج مح مد بن نصر المروزي( ١) في
كتاب الصلوة عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه أتى الن بي صّلى الله عليه و
سّلم فقال له يا رسول الله بينما انا اصلى إذ سمعت متكلما يقول اللهم لك الحمد كله
و لك الملك كله و اليك يرجع الامر كله علانيتة و سرة اهل ان حمد انك على كل
شئ قدير اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي و اعصمني فيما بقي من عمري و
ارزقني عم ً لا زاكيا ترضى به عني فقال الن بي الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ذاك ملك
اتاك يعلمك تحميد ربك) و اخرج مح مد بن نصر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال بينما انا اصّلى إذ سمعت متكلما يقول اللهم لك الحمد كله فذكر الحديث نحوه و
اخرج ابن أبي ال دنيا في كتاب الذكر عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال
١) مح مد بن نصر المروزي توفي سنة ٢٩٤ ه. [ ٩٠٧ م.] في سمرفند )
- ١٥٩ -
ُابي بن كعب لأدخل ن المسجد و لاصّل ين و لأحمد ّ ن الله تعالى بمحامد لم يحمده ا احد
فلما صّلى و جلس ليحمد الله تعالى و يثني عليه اذ هو بصوت عال من خلف يقول
اللهم لك الحمد كله و لك الملك كله و بيدك الامر كله و اليك يرجع الامر كله
علانيته و سره لك الحمد انك على كل شئٍ قدير اغفر لي ما مضى من ذنوبي و
اعصمني فيما بقي من عمري و ارزقني اعما ً لا زاكيًة ترضى ا عني و تب عل ي فاتى
الن بي الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فق ص عليه فقال (ذاك جبرئيل) و اخرج الطبراني
و البيهقي عن مح مد بن سلمة رضي الله تعالى عنه قال مررت على الن بي الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم واضعا خ ده على خ د رجل فلم اسلم ثم رجعت فقال (ما منعك ان
تسلم) قلت يا رسول الله رأيتك فعلت ذا الرجل شيئًا ما فعلته بأحد من الناس
فكرهت ان اقطع عليك حديثك فمن كان يا رسول الله قال صّلى الله تعالى عليه و
سّلم (جبرئيل) و اخرج الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت رأيت جبرئيل
واقفا في حجرتى هذه و رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم يناجيه فقلت يا رسول
الله من هذا قال (بمن شبهته) قلت بدحية قال (لقد رأيت جبرئيل) و اخرج البيهقي
عن حذيفة قال صّلى رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم ثم خرج فتبعته فإذا عارض
قد عرض له فقال لي (يا حذيفة هل رأيت العارض الذي عرض لي) قلت نعم قال (ذاك
ملك من الملائكة لم يهبط الى الارض قبلها استأذن ربي فسّلم عل ي و ب شرني بالحسن و
الحسين اما سيدا شبان اهل الجنة و ان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة) و اخرج الطبراني
عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال بت عنده صّلى الله تعالى عليه و سّلم فرأيت عنده
شخ صا فقال لي (يا حذيفة هل رأيت) قلت نعم يا رسول الله قال (هذا ملك لم يهبط
ا ّ لي منذ بعثت أتاني الليلة فبشرني ان الحسين والحسن سيدا شبان اهل الجنة) واخرج
أحمد والبخاري تعليقًا ومسلم والنسائي و البيهقي كلاهما في دلائل النب وة عن ُاسيد بن
حصين أنه بينما هو يقرأ من سورة البقرة و فرسه مربوطة عنده اذ جالت الفرس
فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت فسكت فسكنت فرفع
- ١٦٠ -
رأسه الى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها امثال المصابيح عرجت الى السماء حتى ما
يراها فلما اصبح حدث رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم بذلك فقال (تلك
الملائكة دنت لصوتك و لو قرأت لاصبحت ينظر الناس اليها لا تتوارى منهم) و اخرج
الواقدي و ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال رأيت يوم
بدر رجلين عن يمين الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم احدهما و عن يساره احدهما
يقاتلان اشد القتال ثم ثلثهما ثالث من خلفه ثم ربعهم رابع امامه و اخرج اسحق بن
راهويه( ١) في مسنده و ابن جرير في تفسيره و أبو نعيم و البيهقي في دلائل النب وة عن
ُاسيد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال بعد ما عمى لو كنت معكم ببدر لاخبرتكم
بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أش ك و لا أتمارى و اخرج البيهقي عن أبي بردة
بن نيار قال رضي الله تعالى عنه جئت بثلثة ارؤس فوضعتهن بين يد ى الن بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم فقلت يا رسول الله اما الرأسان فقتلتهما و اما الثالث فاني رأيت
رج ً لا ابيض طويلا ضربه فاحدث رأسه فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ذاك فلان
من الملئكة) و اخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان الملك
يتصور في صورة من يعرفون من الناس يثبتوم فيقول إني قد دنوت منهم فسمعتهم
يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشئ فذلك قوله تعالى (اِ ْ ذ يوحِي رب ك اَِلى الْ مَلئِ َ كةِ
َاني معكُم َفَثبِّتوا الَّذِي ن َامنوا * الانفال: ١٢ ) و اخرج أحمد و ابن سعد و ابن جرير و
أبونعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان الذي اسر العباس
أبواليسر كعب بن عمرو رضي الله تعالى عنه وكان أبواليسر رج ً لا مجموعًا و كان
عباس رج ً لا جسيمًا فقال الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم (يا ابا اليسر كيف أسرت
العباس) قال يا رسول الله لقد اعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك و لا بعده هيئته كذا
و كذا فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (لقد اعانك عليه ملك كريم) و اخرج ابن
سعد و البيهقي عن عمار بن أبي عمار ان حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه
١) اسحاق بن راهويه الحنفي توفي سنة ٢٣٣ ه. [ ٨٤٨ م.] )
- ١٦١ -
قال يا رسول الله ارني جبرئيل في صورته قال (اقعد) فقعد فترل جبرئيل على خشبة
كانت في الكعبة فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ارفع طرفك فانظر) فرفع طرفه
فرأى قدميه مثل الزبرجد الاخضر و اخرج ابن أبي ال دنيا في كتاب القبور و الطبراني
في الاوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال بينا انا اسير بجنبات بدر اذ خرج
رجل من حفرة في عنقه سلسلة فنادانى يا عبد الله اسقنى وخرج رجل من تلك الحفرة
في يده سوط فنادانى يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر ثم ضربه بالسوط حتى عاد الى
حفرته فاتيت الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فاخبرته فقال لي (اوقد رأيته) قلت نعم
قال (ذلك عدو الله أبو جهل و ذاك عذابه الى يوم القيامة) و محل الاستدلال رؤية
الرجل الذي خرج عقبه و ضربه بالسوط فإنه الملك الموكل بتعذيبه و اخرج ابن أبي
ال دنيا و الطبراني و ابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن العرباض بن سارية
الصحابي رضي الله تعالى عنه أنه كان يحب ان يقبض فكان يدعو الّله م كبرت سني و
وهن عظمي فاقبضني اليك قال فبينما انا يومًا في مسجد دمشق و انا اصّلي و ادعو ان
اقبض إذ انا بفتى شاب من اجمل الرجال و عليه د واج أخضر فقال ما هذا الذي تدعو
به قال قلت و كيف ادعو قال قل اللهم ح سن العمل و بّلغ الاجل قلت من انت
يرحمك الله قال انا رتابيل الذي يس ّ ل الحزن من صدور المؤمنين ثم التف ت فلم أر احدًا و
اخرج ابن عساكر في تأريخه عن سعيد بن سنان قال اتيت بيت المقدس اريد ال صلاة
فدخلت المسجد فبينا انا على ذلك إذ سمعت خفيقا له جناحان قد اقبل و هو يقول
سبحان الدائم القائم سبحان الح ي القيوم سبحان الملك القدوس سبحان رب الملائكة
و الروح سبحان الله و بحمده سبحان الله العلي الأعلى سجانه و تعالى ثم اقبل خفيق
يتلوه مثل ذلك ثم اقبل خفيق بعد خفيق يتجاوبون حتى امتلأ المسجد فإذا بعضهم
قريب مني فقال آدمي قلت نعم قال لا روع عليك تذنيب و مما حكي ان يدخل هنا
ما اخرجه أبو داود من طريق ابي عمير بن انس عن عمومة له من الانصار ان عبد الله
بن زيد رضي الله تعالى عنه قال يا رسول الله اني لبين نائم و يقظان إذ أتانى آت فاراني
- ١٦٢ -
الاذان كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا
و في كتاب الصلوة لابي نعيم الفضل بن حكين ان عبد الله بن زيد قال لولا اامي
لنفسى لقلت اني لم اكن نائمًا و في سنن أبي داود من طريق ابن ابي ليلى( ١) جاء الى
الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم رجل من الانصار فقال يا رسول الله رأيت رج ً لا
كان عليه ثوبين اخضرين فاّذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها ا ّ لا أنه يقول قد قامت
الصلوة و لولا ان يقول الناس لقلت انى كنت يقظان غير نائم فقال صّلى الله تعالى
عليه و سّلم (لقد اراك الله خيرا) قال ال شيخ ولي ال دين العراقي في شرح سنن ابي داود
قوله إنى لبين نائم و يقظان مشكل لأن الحال لاتخلو عن نوم و يقظة فكان مراده ان
نومه كان خفيفًا لا يخلو عن نوم قريبًا من اليقظة فصار كأنه درجة متوسطة بين النوم
و اليقظة قال و اظهر من هذا ان يحمل على الحالة التى تعتري ارباب الاحوال و
يشاهدون فيها ما يشاهدون و يسمعون ما يسمعون و الصحابة رضوان الله تعالى
عليهم اجمعين هم رؤس ارباب الاحوال ورد في عدة أحاديث ان ابا بكر و عمر و
بلالا رضي الله تعالى عنهم رأوا مثل ما رأى عبد الله بن زيد و ذكر امام الحرمين في
النهاية و الغزالي في البسيط ان بضعة عشر من الصحابة كلهم قد رأوا مثل ذلك و في
الحديث ان الذي نادى بالأذان فسمعه عمر و بلال رضي الله تعالى عنهما جبرئيل عليه
ال سلام اخرجه الحارث بن أبي امامة في مسنده و يشبه هذا ما اخرجه الحارث بن ابي
اسامة في مسنده و يشبه هذا ما اخرجه الحارث بن ابن اسامة في مسهده و ابن
عساكر في تاريخه عن مح مد بن المنكدر( ٢) قال دخل الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم
على ابي بكر رضي الله تعالى عنه فرآه ثقيلا فخرج من عنده فدخل على عائشة رضي
الله تعالى عنها و أنه ليخبرها بوجع ابي بكر رضي الله تعالى عنه إذ دخل أبو بكر
يستأذن فدخل فجعل الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم يتعجب بما عجل الله له من
١) عبد الرحمن ابن ابي ليلي التابعي توفي سنة ٨٣ ه. [ ٧٠٢ م.] )
٢) مح مد بن المنكدر توفي سنة ١٣٠ ه. [ ٧٤٨ م.] في المدينة المنورة على ساكنها افضل ال صلاة و ال سلام )
- ١٦٣ -
العافية فقال ما هو ا ّ لا ان خرجت فغفوت فأتاني جبرئيل عليه ال سلام فسعطني سعطة
فقمت و قد برئت فلع ّ ل هذه غفوة حال لا غفوة نوم و اخرج الطبراني في المعجم
الكبير و أبو نعيم في المعرفة عن سهم بن خبيش و كان ممن شهد قتل عثمان رضي الله
تعالى عنه قال فلما أمسينا قلت كيف تركتم صاحبكم حتى يصبح مّثلوا به فانطلقوا به
الى بقيع الغرقد فأمكنا له مزرقًا لعلة ظلمة خوف الليل ثم حملناه و غشينا سواد من
خلقنا كمنا فهبناهم حتى كدنا ان نتفرق عنه فنادى مناد لا روع عليكم اثبتوا فإنا
جئنا لنشهده معكم و كان ابن خبيش يقول هم و الله الملائكة و اخرج أبو نعيم بن
حماد( ١) في كتاب الفتن ثنا مح مد بن سابور عن نعمان بن المنذر عن عوف بن مالك
قال دخلنا ارض الروم في غزوة الظرانة فترلنا مرجا فأخذت انا برؤس دواب اصحابي
فطولت لها فانطلق اصحابي ينعلفون فبينا انا كذلك إذ سمعت ال سلام عليكم و رحمة
الله و بركاته فالتفت فإذا انا برجل عليه ثياب بيض فقلت عليك ال سلام و رحمة الله و
بركاته فقال أمن امة مح مد صّلى الله تعالى عليه و سّلم قلت نعم قال فاصبر فإن هذه
الامة امة مرحومة كتب الله تعالى عليها خمس فتن و خمس صلوات قلت سمهن لي قال
امسك احديهن موت نبيكم و اسمها في كتاب الله فتنة الص ماء ثم قتل عثمان و اسمها
في كتاب الله الص ماء ثم فتنة ابن الاشعث و اسمها في كتاب الله النغير ثم تولى و هو
يقول و بقيت الصلم فلم ادر كيف ذهب تم بعون الله تعالى و حسن توفيقه.
١) نعيم بن حماد المروزي توفي سنة ٢٢٩ ه. [ ٨٤٤ م.] )
- ١٦٤ -
رسالة تذكر الآثار الواردة في الاذكار التي تحرس قائلها من كيد الجن
لشيخ الاسلام ابن حجر رحمه الله تعالى و نفعنا بعلومه
أحمد ابن حجر المكي توفي سنة ٩٧٤ ه. [ ١٥٦٦ م.] في م ّ كة المكرمة
و لكني زدت فيه ما وجدت في مؤلفات سائر الثقات
كالامام النووي و في سائر المؤلفات المعتبرة
كشروح المشارق و غيرها
بسم الله ال رحمن ال رحيم
اللهم لا علم لنا ا ّ لا ما علمته و لا سهل ا ّ لا ما سهلته و بعد فهذا جزء في
ذكر الآثار الواردة في الاذكار التى تحرس قائلها من كيد الجن فمن ذلك آيات من
القرآن على ترتيب ال سور كحديث أبي سعيد و حديث ابن عباس رضي الله تعالى
عنهم في الرقية بفاتحة الكتاب و هما في ال صحيح قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و
صانه عما شانه و هو ما روي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال كنا في مسير
لنا فترلنا مترلا فجاءت جارية فقالت ان سيد الح ي سليم و ان نفرنا ُ غيب فهل منكم
راق فقام معها رجل ما لنا نأبنه برقية فرقاه فبرئ فامر له بثلثين شاًة و سقانا لبنا فلما
رجع قلنا له أكنت تحسن رقية أو كنت ترقى قال ما رقيت ا ّ لا بام الكتاب قلنا لا
تحدثوا شيئًا حتى نأتى او نسأل رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فلما قدمنا المدينة
ذكرناه لرسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقال (و ما كان يدريه اا رقية
اقسموا و اضربوا لى بسهم) اخرجه البخاري و مسلم قوله سيد الح ي سليم السليم
اللديغ سمي به تفاؤلا له بالسلامة النفر ههنا الرجال خاصة ارادت أ ّ ن رجالنا غيب و
الغيب الغائبون عن الح ي جمع غائب قوله نابنه برقية ابنه بكذا يأبنه و يأبنه إذا امه به
- ١٦٥ -
و قد ذكر هذا الخبر في بعض شروح المشارق بوجه آخر و هو أ ّ ن رهطا من اصحاب
الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم انطلقوا في مسافرة سافروها حتى نزلوا الح ي من أحياء
العرب فاستضافوهم فأبوا ذلك فلدغ سيد ذلك الح ي فسعوا له بكل شئ فلم ينفعه
شئ فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الذين نزلوا بكم لعّله يكون عند بعضهم شئ فأتوهم
فقالوا يا ايها الرهط ان سيدنا لدغ فسعينا له بكل شئ فلم ينفعه شئ فهل عندكم شئ
فقال بعضهم نعم و الله انا الراقي و لكن و الله بعد أن استضفناكم فلم تضيفونا فما انا
براق لكم حتى تجعلوا لنا جع ً لا فصالحوهم على ثلثين غنمًا فانطلق فجعل يتفل عليه و
يقرأ الحمد لله رب العالمين فبرئ حتى كأنه نشط من عقال عليه فانطلقوا يمشون قبله
فاوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقسموا فقال الذي رقي لا تفعلوا
حتى نأتى رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا
به فقدموا على رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فذكروا له ذلك فقال صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (و ما يدريك اا رقية) ثم قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (اصبتم
اقسموا و اضربوا لي بسهم معكم) فقال الراقى يا رسول الله آخذ على كتاب الله
تعالى أجرًا فقال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ان احق ما اخذتم عليه أجرًا كتاب الله)
و ذلك سبب ورود هذا الحديث و فيه تصريح بأن فاتحة الكتاب تسمى رقية و أنه
يستحب أن يقرأ ا على اللديغ و المريض و نحوهما و أنه يجوز اخذ الأجرة على الرقية
بفاتحة الكتاب من غير كراهة و لا خلاف لاحد في ذلك فإن قيل إ ّ ن ذلك ليس بأجرة
لأنه صّلى الله تعالى عليه و سّلم امر بالقسمة و لو كان أجرة لخص الراقي ا و اجيب
بأن القسمة كانت من باب المر وات و التبرعات و مراعاة الاصحاب و لولا الإخاء و
الرحمى بينهم و قد كانا لهم لم يأمرهم صّلى الله تعالى عليه و سّلم بالقسمة و خص
الراقي ا و حكي عن بعص مشايخ العراق أنه قال كان في حال صغري على جفني
الأعلى من العين اليمنى حبة كهيئة الغدة فلما جرى عل ي القلم و كبرت ثقل جفني
فقيل لي ببغداد طبيب يهودى يشق الجفن و يخرجها فلم يطمئن قلبي بذلك من حيث
- ١٦٦ -
أنه يهودي فلما كان في بعض الايام رأيت في النوم قائلا يقول لي اقرأ عليها بفاتحة
الكتاب عند ارادة الوضوء ففعلت ذلك ايامًا فبينما انا اغسل وجهي و جفن عيني إذا
الغدة قد انقلعت بنفسها و ذهبت اثرها فعلمت أ ّ ن ذلك بقراءة الفاتحة و بركتها
فجعلت دوائى ا في الحمايات و الامراض تشفى اكثرها باذن الله تعالى انتهى كلامى
و عن عبد الملك بن عمير رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه
و سّلم (في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) اخرجه الدارمى و هو مرسل جيد
الاسناد قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما شانه ذكر ال شيخ العلامة
ال سيوطي ان البيهقي اخرجه في الشعب عن ابن أبي عبد الله بن جابر رضي الله تعالى
عنه مثله انتهى كلامى و عن انس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (إذا وضعت جنبك على الفراش و قرأت فاتحة الكتاب و قل هو
الله احد فقد أمنت من كل شئ ا ّ لا الموت) اخرجه البزار و في سنده راوٍ ضعيف و
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أ ّ ن رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال
(الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم و النسائى و
الترمذي و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى تعالى عليه و
سّلم (سورة البقرة فيها آية هى سيدة آي القرآن لا يقرأ في بيت و فيه شيطان إ ّ لا
خرج منه آية الكرسي) اخرجه الحاكم و هذا لفظه و اخرجه الترمذى بلفظ آخر و
استغربه و ليس فيه المقصود و اخرجه الطبراني و ص ححه ابن حبان من حديث سهل
بن سعد نحوه و فيه مقصود الباب و قال فيه (من قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان
بيته ثلثة ايام) و اخرجه أبو عبيد من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفًا
(الشيطان يفر من البيت اذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه) و اخرجه الحاكم موقوفًا و
مرفوعًا و الطبراني من حديث ابن مغفل رضي الله تعالى عنه سند ضعيف و عن
النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه عن الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (ان الله
كتب كتابًا قبل أن يخلق ال سموات و الارض بألفي عام انزل منه آيتين ختم ما
- ١٦٧ -
سورة البقرة لا تقرأ آية في دار ثلث ليال فيفر ا شيطان) رواه الترمذي و ح سنه و
النسائي و ص ححه ابن حبان و الحاكم و اخرجه الطبراني من حديث شداد بن أوس
رضي الله تعالى عنه و عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال (من قرأ عشر آيات
من سورة البقرة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح اربع آيات من
اولها و آية الكرسي و آيتين بعدها و خواتيمها) و رواه الطبراني و رواته ثقات ا ّ لا أ ّ ن
فيه انقطاعًا و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال و ّ كلني رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم بزكاة رمضان الحديث و فيه قول الجنى لأبى هريرة رضي الله تعالى عنه
إذا أويت الى فراشك فاقرأ آية الكرسى الله لا اله الا هو الح ي القيوم حتى تختم الآية
فإنك لن تزال عليك من حافظ و لا يقربك شيطان حتى تصبح و فيه قول الن بي صّلى
الله تعالى عليه و سّلم صدقك و هو كذوب اخرجه البخاري ذا اللفظ في كتاب
الوكالة و اخرجه النسائي( ١) عن أبي ايوب الانصاري رضي الله تعالى عنه أنه قال
كانت سهوة فيها تمر و كانت تجيئ الغول فتأخذ منها الحديث و فيه قولها لابي ايوب
رضي الله تعالى عنه آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطانا و لا غيره فجاء الى
الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقال صدقك و هى كذوب اخرجه الترمذي و قال
حسن غريب و عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه كان له جرين فيه تمر فذكر
الحديث و فيه فإذا بدابة كهيئة الغلام المحتلم فقال رضي الله تعالى عنه من انت قال جن
وفيه فقلت ما الذي يحرزنا منكم قال هذه الآية آية الكرسي و فيه قوله الن بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم صدق الحديث و عن بريدة قال بلغني إ ّ ن معاذ بن جبل رضي الله
تعالى عنه اخذ الشيطان على عهد رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فسألته رضي
الله تعالى عنه فقال نعم فذكر الحديث و فيه اقبل على صورة الفيل فدخل من خلل
الباب فدنا من التمر في فيه و لقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم فلما نزلت
آيتان نفرنا منهما فوقعنا بنصيبين فلا تقرآن في بيت ا ّ لا لم يلج فيه الشيطان ثلثا آية
١) أحمد النسائي توفي سنة ٣٠٣ ه. [ ٩١٥ م.] في رملة )
- ١٦٨ -
الكرسي و خاتمة سورة البقرة آم ن ال رس و ُ ل الى آخرها فخليت سبيله و غدوت الى
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فقال صدق الخبيث و هو كذوب اخرجه
الطبراني بسند حسن و عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال خرج رجل من
اصحاب رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم فلقى الشيطان فاضطرها الحديث و فيه
سورة البقرة ليس منها آية تقرأ في وسط بيت فيه شياطين ا ّ لا تفرقوا و لا يقرأ في بيت
فيدخل ذلك البيت شيطان اخرجه ابن أبي ال دنيا بسند حسن و عن كعب الأحبار قال
ان محمدًا صلى الله تعالى عليه و سّلم اعطي اربع آيات لم يعطهن موسى و ان موسى
عليه ال سلام اعطي آية لم يعطها مح مد صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال و الآيات (ِللهِ ما
فِي ال س م واتِ و ما فِي اْ َ لارضِ) حتى ختم سورة البقرة و الآية اللهم لا تولج الشيطان في
قلوبنا و خلصنا منه فإن لك الملكوت و الأبد و السلطان و الملك و الحمد و الارض و
السماء و الدهر أبدًا أبدًا و قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما شانه عن عقبة
بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم (من
قرأ بالآيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه) و قال شارحه أي اغنتاه من قيام تلك الليلة
أو دفعتا شيطانه أو آفاته انتهى كلامي رواه أبو عبيد مقطوعًا هكذا و خرج مح مد بن
المنذر الهروي( ١) في كتاب العجائب من طريق حمزة الزيات قال بينا انا بحلوان سمعت
شيطانا يقول لآخر هذا الذي يقرأ الناس القرآن تعال نعبث به فقال مردليك فلما دنا
منى قرأت شهد الله أنه لا اله ا ّ لا هو الى الحكيم فقال احدهما للآخر لا ارغم الله الا
انفك اما انا فلا ازال احرسه الى الصباح و عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال
كنت عند النبي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فجاء اعرا بي فقال يا نبي الله ان لي اخًا و به
وجع قال صّلى الله تعالى عليه و سلم و ما وجعه قال به م قال صّلى الله تعالى عليه
و سّلم فأتنى به فوضعه بين يديه فع وذه بفاتحة الكتاب و اربع آيات من اول البقرة الى
المفلحون و الهكم اله واحد الآية و آية الكرسي و ثلاث آيات من آخر السورة و آية
١) مح مد بن المنذر توفي سنة ٣٠٣ ه. [ ٩١٥ م.] في هرات )
- ١٦٩ -
من آل عمران شهد الله الى العزيز الحكيم و آية في الاعراف ان ربكم الله و آخر سورة
المؤمنون فتعالى الله الملك الحق و عشر آيات من اول الصافات و ثلاث من آخر سورة
الحشر و آية من سورة الجن و أنه تعالى ج د ربنا و قل هو الله احد و المع وذتين فقام
الرجل كأنه لم يش ك شيئًا قط و اخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند و فيه أبو
خباب الكلبي و فيه ضعف و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله
صّلى الله تعالى عليه و سّلم (من قرأ آية الكرسي و ا ول حم المؤمن الى قوله اليه
المصير حين يصبح حفظ ما حتى يمسي و من قرأهما حين يمسي حفظ ما حتى
يصبح) اخرجه الترمذي و قال حديث غريب و اخرجه عل ي بن سعد العسكري في
ثواب القرآن نحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي و هو ضعيف قال الفقير
اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما شانه ليس المراد ان مجموع ما رقى به الن بي صّلى الله
تعالى عليه و سّلم من حيث هو هو رقية بل المراد أنه صّلى الله تعالى عليه وسّلم رقاه
برقي شتى اذ قد ورد الرقي ببعضه و قد ذكر الامام محي ال سنة( ١) في معالم التتريل في
آخر سورة المؤمنون بإسناده عن حبيش أ ّ ن رج ً لا مصابا مر به على ابن مسعود رضي
الله تعالى عنه فرقاه في ُأذينه (َاَف حسِبتم َان َ ما خَلقْنا ُ ك م عبًثا و َان ُ ك م اَِلينا َ لا ترجعو َ ن *
المؤمنون: ١١٥ ) حتى ختم السورة فبرئ باذن الله تعالى فقال رسول الله صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (و الذي نفسي بيده لو ان رج ً لا موقنًا قرأها على جبل لزال) و
قد ذكر الامام أبو الليث السمرقندي( ٢) في تنبيهه عن الحسن أنه قال انا ضامن لمن قرأ
حين امسى عشرين آية من كتاب الله تعالى أ ّ ن يحفظه الله تعالى من سلطان جائر و
ذئب ضا ر و لص عاد حتى يصبح و لمن قرأ حين اصبح حتى يمسى ثم بين الآيات فقال
آية الكرسي و ثلاث آيات من الاعراف (اِنَّ ربكُم اللهُ الَّذِي خَل ق ال س م واتِ واْ َ لار ض)
الى قوله (قَرِيب مِ ن الْمحسِنِ ين) و عشر آيات من اول الصافات الى قوله (شهاب
١) محى ال سنة حسين البغوي توفي سنة ٥١٦ ه. [ ١١٢٢ م.] )
٢) أبو الليث نصر السمرقندي توفي سنة ٣٧٣ ه. [ ٩٨٣ م.] )
- ١٧٠ -
ثاقب) و ثلاث آيات من الرحمن (يا مع ش ر الْجِ ن واْلاِنسِ) الى قوله (َف َ لا تنتصِ رانِ) و
ثلاث آيات من آخر الحشر (ه و اللهُ الَّذِي َ لا اَِله اِلاَّ ه و) الى قوله (اْلعزِي ز الْحكِي م) و
قد سبق الرقى بآية الكرسي وحدها و لمثل هذا طول انتهى كلامى و عن عقبة بن
عامر رضي الله تعالى عنه قال بينما انا اسير مع رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم
بين الجحفة و الأبواء إذ غشينا ريح و ظلمة شديدة فجعل رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم يتعوذ بالمعوذتين و يقول (يا عقبة تعوذ ما) فما تعوذ متعوذ بمثلهما
اخرجه أبو داود و اصله من مسلم و اخرجه البزار( ١) من حديث عبد الله الاسلمى
رضي الله تعالى عنه أ ّ ن الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال له (قل قل هو الله احد و
المعوذتين) هكذا فتعوذ فما تعوذ العباد بمثلهن قط و رجاله ثقات و هو عند أبي عبيد
من رواية معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني عن أبيه بمثله و سنده جيد و هو عند
النسائي من حديث عبد الله بن حبيب قال أصابنا ط ش و ظلمة فإنتظرنا رسول الله
صّلى الله عليه و سّلم يصّلي بنا فخرج و قال (قل) قلت ما اقول يا رسول الله قال
صّلى الله تعالى عليه و سّلم (قل هو الله احد و المعوذتين حين تمسي و حين تصبح
يكفيك كل شئ) و عند أبي عبيد من حديث عبد الرحمن بن عائش رضي الله تعالى
عنه قال قال لي رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (يا ابن عائش الا اخبرك افضل
ما تعوذ به المتعوذون) قلت بلى يا رسول الله قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم
(المعوذتين) و سنده حسن و عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال كان
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم يتعوذ من الجان و عن الانسان حتى نزلت
المعوذتان فلما نزلتا اخذ ما و ترك ما سواهما اخرجه الترمذي و من ذلك ما جاء في
الأحاديث النبوية من الاذكار الماثورة منها عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال
رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (من قال لا اله ا ّ لا الله و حده لا شريك له له
١) البزار أحمد الرملي توفي سنة ٢٩٢ ه. [ ٩٠٥ م.] في رملة )
- ١٧١ -
الملك و له الحمد و هو على كل شئ قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب)
الحديث و فيه و كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي متفق عليه و في
رواية الترمذي (من قال في دبر الصلوة صلوة الفجر و هو ثانى رجليه قبل أن يتكلم
لا اله الا الله فذكرها عشر مرات كتب الله له عشر حسنات و محا عنه عشر
سيئات و رفع له عشر درجات و كان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرس
من الشيطان) و قال حسن صحيح غريب و عن الحرث بن الحرث الاشعري رضي
الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (إ ّ ن الله امر يحيى بن
زكريا أن يأمر بني اسرائل) الحديث بطوله و فيه قول الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم
(و آمركم بذكر الله فإن مثله كمثل رجل خرج العدو في اثره سراعا حتى اتى على
حصن حصين فاحرز نفسه منهم و كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان الا
بذكر الله) اخرجه الترمذي و ص ححه قال الفقير اصلح الله تعالى شأنه و صانه عما
شانه ذكر الامام الكابلي في قوله تعالى ( و َ لا تنِيا فيِ ذِ ْ كرِي * طه: ٤٢ ) أي لا تغترا
عن ذكري في حال دخولكما على فرعون و في كل حال فإن ذلك عون لكما على
مخاطبته و مجاوبته و أهدى للنصيحة اليه و اقامة الحجة عليه و قد جاءَ في الحديث
القدسي (إ ّ ن عبدي كل عبدي الذي يذكرني و هو ملاق قرية) و في رواية (و هو
مناجز قرية) انتهى كلامه فإنتهى ما أوردرته و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن
الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (رأيت ليلة اسري بى عِفْريتًا من الجن يطلبني
بشعلة من نار كلما التفت رأيته فقال جبريل الا اعّلمك كلمات تقولهن فتنطفئ
شعلته فقلت بلى فقال لي جبريل قل اعوذ بوجه الله الكريم و بكلمات الله التامات
اللاتى لا يجاوزهن بر و لا فاجر من شر ما نزل من السماء و من شر ما يعرج فيها
و من شر ما ذرأ في الارض و من شر ما يخرج منها و من فتن اليل و النهار الا
طارقًا يطرق بخير) اخرجه ابن أبي ال دنيا بسند فيه لين و اخرجه أحمد من طريق أبي
التياجى قال قلت لعبد الرحمن بن حنيش التميمي و كان كبيرًا أأدركت رسول الله
- ١٧٢ -
صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال نعم قال قلت كيف صنع رسول الله صّلى الله تعالى
عليه و سّلم ليلة كادته الشياطين فقال رضي الله تعالى عنه ان الشياطين تحدرت تلك
الليلة على رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم من الاودية و الشعاف و فيهم
شيطان بيده شعلة من نار يريد أن يحرق ا وجه رسول الله صّلى الله تعالى عليه و
سّلم فهبط اليه جبريل فقال يا مح مد قل قال صّلى الله تعالى عليه و سّلم (ما اقول) قال
قل اعوذ بكلمات الله التامة من شرما خلق و ذرأ و برأ و من شر ما نزل من السماء و
من شر ما يعرج فيها و من شر فتن الليل و النهار و من شر كل طارق ا ّ لا طارقًا
يطرق بخير يا رحمن قال رضي الله تعالى عنه فطفئت نارهم و هرمهم الله تعالى و
اخرجه النسائي بسند آخر الى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بنحوه و هو من رواية
مح مد بن جعفر بن أبي كثير عن يحيى بن سعيد الانصاري عن مح مد بن عبد الرحمن بن
سعد بن زرارة عن عياش الشامي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه و عياش بمهملة
ثم تحتانية ثقيلة و آخره معجمة مجهول و قد رواه مالك عن يحيى بن سعيد معض ً لا قال
حمزة الكتاني هذا هو المحفوظ و الله تعالى اعلم و عن عل ي رضي الله تعالى عنه عن الن بي
صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (ستر ما بين الجن و عورات بني آدم إذا دخل احدكم
الخلاء أن يقول بسم الله) اخرجه الترمذي و عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى
عنهما أن رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم كان يقول إذا دخل المسجد (اعوذ
بالله العظيم و بوجهه الكريم و بسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) قال صّلى الله
تعالى عليه و سّلم (من قالها قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم) اخرجه أبو داود و
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (إذا
خرج الرجل من بيته فقال باسم الله توكلت على الله لا حول و لا قوة ا ّ لا بالله
يقال له هديت و كفيت و وقيت فيتنحى له الشيطان فيقول له شيطان آخر كيف
لك برجل قد هدى و كفى و وقى) اخرجه أبو داود و عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما رفع الحديث الى الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (هذه الكلمات دواء من
- ١٧٣ -
كل داء اعوذ بكلمات الله التامة و اسمائه كلها العامة من شر السامة و الهامة و شر
العين اللامة و شر حاسد إذا حسد و من شر أبي قترة و ما ولد) الحديث اخرجه
البزار و أبويعلى( ١) و فيه ليث بن أبي سليم و هو ضعيف و عن عبد الله بن مسعود
رضي الله تعالى عنه عن الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم قال (إذا تخوف احدكم
السلطان فليقل اللهم رب ال سموات السبع و رب العرش العظيم كن لي جارًا من
شر فلان و من شر الجن و اتباعهم أن يفرط عل ي احد منهم عز جارك و جل
ثناؤك و لا اله غيرك) رواه الطبراني بسند حسن و عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما قال (إذا أتيت سلطانا تخاف أن يسطوك فقل الله اكبر الله اع ز من خلقه
جمِيعًا الله اع ز مما اخاف و احذر اعوذ بالله الذي لا اله الا هو الممسك للسماوات
ان يقعن على الارض الا باذن الله من شر عبدك فلان و جنوده و اتباعه و اشياعه
من الجن و الانس اللهم كن لي جارًا من شرهم جل ثناؤك و عز جارك و تبارك
اسمك و لا اله غيرك ثلث مرات) رواه ابن أبي شيبة( ٢) و الطبراني موقوفًا و رجاله
رجال ال صحيح قال الفقير اصلح الله شأنه و صانه عما شانه قد ذكر الامام النووي أن
أبا موسى رضي الله تعالى عنه قال إن الن بي صلى الله تعالى عليه و سلم كان اذا خاف
قومًا قال (الله م إنا نجعلك في نحورهم و نعوذ بك من شرورهم) رواه أبو داود
بإسناد صحيح انتهى كلامي و عن عطاء بن أبي مروان عن ابيه أن كعبًا حلف له أن
صهيبًا رضي الله تعالى عنه ح دثه أن مح مدا صّلى الله تعالى عليه و سّلم لم ير قرية يريد
دخولها ا ّ لا قال حين يراها (اللهم رب ال سموات السبع و ما اظللن و رب الارضين
السبع و ما اقللن و رب الشياطين و ما اضللن و رب الرياح و ما ذرين فإنا
نسألك خير هذه القرية و خير أهلها و نعوذ بك من ش رها و ش ر اهلها و شر ما
١) أبو يعلى أحمد توفي سنة ٣٠٧ ع. [ ٩١٩ م.] في الموصل )
٢) ابن أبي شيبة عبد الله الكوفي أبو بكر توفي سنة ٢٣٥ ه. [ ٨٥٠ م.] )
- ١٧٤ -
فيها) أخرجه النسائي و ص ححه ابن حزيمة( ١) و ابن حبان و عن خولة بنت حكيم
رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم (من نزل مترلا
فقال اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يض ره شئ حتى يرتحل من مترله
ذلك) اخرجه مسلم و الترمذي و النسائي و عن الوليد بن الوليد بن المغيرة رضي الله
تعالى عنه أنه قال يا رسول الله اني اجد وحشة فقال صّلى الله عليه و سّلم (إذا أخذت
مضجعك فقل اعوذ بكلمات الله التامة من غضبه و عقابه و ش ر عباده و من
همزات الشياطين و أن يحضرون فإنه لا يضرك) اخرجه أحمد من رواية شعبة عن يحيى
بن سعيد عن مح مد بن يحيى بن حبان عنه رضي الله تعالى عنه و رجاله ثقات ا ّ لا انني
اظن فيه انقطاعًا و اخرجه مالك في المو ّ طأ عن يحيى بن سعيد معض ً لا لم يذكر فوقه
احدًا و رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن يحيى بن سعيد عن
مح مد بن يحيى بن حبان بن الوليد و رواه ابن عيينة( ٢) عن ايوب بن موسى عن مح مد
بن يحيى بن حبان ان خالد بن الوليد و هذا اضطراب لكن أخرجه أبوداود من طريق
مح مد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال كان الوليد بن الوليد
يفزع في يومه فذكر نحوه و زاد و كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يعلمهن
من عقل من بنيه و من لم يعقل كتبها فاعلقها عليه و هو شاهد جيد و له شاهد آخر
مرسل من طريق عبد الله بن عبد الله بن عتبة ان الوليد بن الوليد شكى فذكر نحوه
اخرجه ابراهيم الحربي في غريب الحديث و عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما
قال كان رسول الله صّلى الله تعالى عليه و سّلم إذا سافر فاقبل الليل قال (يا ارض ربي
و ربك الله اعوذ بالله من شرك و شر ما فيك و شر ما خلق فيك و شر ما نزل
عليك اعوذ بالله من اسد و اسود و من حية و عقرب و من ساكن البلد و من شر
والد و ما ولد) اخرجه ابو داود و النسائي و ص ححه الحاكم و عن الاسمر العبدرى
١) ابن حزيمة مح مد توفي سنة ٣١١ ه. [ ٩٢٣ م.] )
٢) ابن عيينة أبو مح مد سفيان توفي سنة ١٩٨ ه. [ ٨١٤ م.] في م ّ كة المكرمة )
- ١٧٥ -
قال خرج رجل الى ظهر الكوفة فذكر قصة فيها أنه سمع هاتفا من الجن يقول ما على
عروة يعني ابن الزبير سبيل لانه يقول كلاما حين يصبح و حين يمسي فرحل الى المدينة
فسأله فقال اقول آمنت بالله وحده و كفرت بالجبت و الطاغوت و استمسكت
بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم اخرجه ابن أبي ال دنيا في كتاب الهواتف
قال الفقير أصلح الله شأنه و صانه عما شانه ذكر الإمام الكابلي في قوله تعالى لموسى
عليه السلام ( و ا ض م م اَِلي ك جنا ح ك مِ ن ال رهبِ * القصص: ٣٢ ) قيل معناه اذا
خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك ثم قال ذلك الإمام و هذا و إن كان
خاصا به إ ّ لا أ ّ ن بركة الإمام به حق و ذلك ينفع من استعمل ذلك على وجه الإقتداء
بالأنبياء عليهم السلام تم كلامه و انتهى ما أوردته. تم بعون الله تعالى.
( تنبيه الغ بى بتبرئة ابن العربي( ١
مسئلة في حق محي ال دين ابن العربي سئل عنها
ال شيخ الع ّ لامة جلال ال دين ال سيوطي( ٢) بالقاهرة
اعزه الله تعالى في ال دنيا و الآخرة و نفعنا الله تعالى بعلومه
بسم الله ال رحمن ال رحيم
الّله م لا علم لنا ا ّ لا ما علمته و لا فهم لنا ا ّ لا ما ف همته و لا سهل ا ّ لا ما
س هلته و بعد فمسئلة سئل عنها ال شيخ الامام العلامة شيخ عصره و فريد دهره ال شيخ
جلال ال دين ال سيوطي بالقاهرة اعزه الله تعالى في ال دنيا و الآخرة و هى ما تقول في ابن
عربي و ما حاله و في رجل امر بإحراق كتبه و قال أنه اكفر من اليهود و النصارى و
من ادعى لله تعالى ولدا فما يلزمه في ذلك فأجاب بأنه اختلف الناس قديما و حديثا في
١) مح مد أبو بكر ابن العربي المتوفي سنة ٦٣٨ ه. [ ١٢٤٠ م.] في الشام )
٢) جلال ال دين عبد الرحمن ال سيوطي ال شافعي توفي سنة ٩١١ ه. [ ١٥٠٥ م.] في القاهرة )
- ١٧٦ -
ابن عربي ففرقة تعتقد ولايته و هى المعينة المصيبة المحقة و من هذه الفرقة ال شيخ تاج
ال دين بن عطاء الله من الأئمة المالكية و ال شيخ عفيف ال دين اليافعي من الأئمة ال شافعية
فإما بالغا في الثناء عليه و وصفاه بالمعرفة و فرقة تعتقد ضلالته منهم طائفة كثيرة من
الفقهاء و فرقة تسكت في أمره و منهم الحافظ الذهبى في الميزان و عن ال شيخ عز ال دين
بن عبد ال سلام فيه كلامان الحط عليه و وصفه بأنه القطب و الجمع بينهما ما اشار
اليه ال شيخ تاج ال دين بن عطاء الله في لطائف المنن ان ال شيخ عز الدين كان في اول
أمره على طريقة الفقهاء من المسارعة الى الانكار على ال صوفية فلما ح ج ال شيخ أبو
الحسن ال شاذلي( ١) و رجع جاء الى ال شيخ عز الدين قبل أن يدخل بيته و أقرأه ال سلام
من الن بي صّلى الله تعالى عليه و سّلم فخضع ال شيخ عز الدين لذلك و لزم مجلس
ال شاذلي من حينئذٍ و صار يبالغ في الثناء على ال صوفية لما فهم طريقتهم على وجهها و
صار يحضر معهم مجالس ال سماع و يرقص فيها و قد سئل شيخنا شيخ الاسلام بقية
اتهدين شرف ال دين المناوي( ٢) عن ابن عربي فاجاب بما حاصله أ ّ ن السكوت عنه
اسلم و هذا هو اللائق بكل ورع يخشى على نفسه من الله تعالى الغضب لأجل
الاجلال قال الله تعالى (و علمناه من لدنا علمًا) فإذا كنت يا مدعي بأنه عالم و ما
عنده علم من لدنا غير محظوظ من حظوظه فما لك و الانكار على ابن عربي و غيره
فسَّلم ت سَل م و ا ّ لا فتهلك قال الله تعالى و فوق كل ذى علم عليم و القول الافضل
عندي في ابن عربي طريقة لا يرضاها فرقتنا من اهل العصر لا من يعتقده و لا من يحيط
بعلمه و لا من يحط عليه و هى اعتقاد ولايته و تحريم النظر في كتبه ا ّ لا الراسخون في
العلم فقد نقل عنه أنه قال نحن قوم يحرم النظر في كتبنا و ذلك ان ال صوفية تواضعوا
على الفاظهم على معانيها المتعارفة من اهل العلم الظاهر كفرا و كفرًا نص على ذلك
الغزالى في بعض كتبه و قال أنه شبيه بالمتشابه في القرآن و ال سنة من حمله على ظاهره
١) أبو الحسن ال شاذلي نور ال دين علي توفي سنة ٦٥٤ ه. [ ١٢٥٦ م.] في م ّ كة المكرمة )
٢) عبد الرؤف المناوي ال شافعي توفي سنة ١٠٣١ ه. [ ١٦٢٢ م.] في القاهرة )
- ١٧٧ -
كفر و له معنى سوى المتعارف منه فمن حمل آيات الوجه و اليد و العين و الاستواء
على معانيها المتعارفة كفر قطعًا و المتصدي لاكفار ابن عربي لم يخف من سوء
الحساب يقال له هل ثبت عندك أنه كافر فإن قال كتبه تدل على كفره يقال أفمن أن
يقال له هل ثبت عندك الطريق المقبول في نقل الأخبار أنه قال هذه الكلمة بعينها و أنه
قصد ا معناها المتعارف و الاول لا سبيل اليه لعدم مرشد يعتمد عليه في مثل ذلك و
لا غيره بالاستفاضة الآن و على تقدير ثبوت اصل الكتاب عنه فلا ب د من ثبوت أن
كل كلمة قالها لاحتمال ان يد س في الكتاب مما ليس من كلامه من بعض عد و او
ملحد و لقد رأيت ان شرح التنبيه للجيلى مشحون بغرائب لا تعرف في المذهب و قد
اعتذر بأنه لعل بعض الأعداء د س فيه ما أفسده حسدا له و الثانى و هو أنه قصد ذه
الكلمة كذا لا سبيل اليه ايضًا و من اعداه كفر لأنه من امور القلب التى لا ي ّ طلع عليه
ا ّ لا الله تعالى و قد سأل بعض اكابر العلماء بعض ال صوفية في عصره فقال ما حملكم
على أن اصطلحتم على هذه الالفاظ التى يستشنع ظاهرها فقال غيرة على طريقتنا هذه
أن يدعيه من لا يحسنه و يدخل فيه من ليس من اهله و المتصدي للنظر في كتب ابن
عربي او اقرائها لم ينصح نفسه و لا غيره بل أضر نفسه و أضر المسلمين كل الضرر لا
سيما إن كان من القاصرين في علوم ال شرع و العلوم الظاهرة فإنه يضل و يض ّ ل و على
تقدير أن يكون المقري لها عارفا فليس من طريق المريدين إقراء كتب التصوف و لا
يؤخذ هذا العلم من الكتب و ما احسن قول بعض الأولياء لرجل و قد سأله أن يقرأ
عليه تائية ابن الفارض( ١) فقال له دع عنك هذا من جاع جوع القوم و سهر سهرهم
رأى ما رأوا فاجاب بعضهم بأن على الشا ب المستفتي عنه التوبة و الاستغفار و
التضرع الى الله تعالى و الانابة اليه حذرًا من أن يكون اذى و اماء لله تعالى فيؤذنه الله
تعالى بحرب و أن امتنع من ذلك و ص مم فتكفيه عقوبة الله تعالى عن عقوبة المخلوقين
و ما ذا عسى ان يصنع فيه الحاكم او غيره هذا جوابي و الله تعالى اعلم ربنا لا تجعل في
١) عمر ابن الفارض توفي سنة ٦٣٦ ه. [ ١٢٣٩ م.] في القاهرة )
- ١٧٨ -
قلوبنا غ ً لا للذين امنوا الله م حببنا في اهل ولايتك و اهل عنايتك الذين كشفت
حجاب الرين عن قلوم حتى ا ّ طلعوا على معاني الملكوت و اسرار الجبروت و قال
ال شيخ الامام العارف صف ي ال دين بن أبي المنصور( ١) في رسالته رأيت بدمشق ال شيخ
الامام الوحيد العالم العامل بحر الحقائق محىالدين بن عربي و كان من اكبر علماء
الطريق جمع بين سائر العلوم الكسبية و بين ما وّفر من العلوم الوهبية و شهرته عظيمة
و تصانيفه كثيرة و كان قد غلب عليه التوحيد علمًا و خلْقًا و خُلقًا لا يكترث
بالوجود مقبلا او مدبرا و له اتباع علماء ارباب مراقبة و تصانيف و كان بينه و بين
سيدى أبي العباس الح ّ ذاء اخاء و رفقة في السياحات و قال في موضع آخر من الرسالة
كتب ال شيخ محي ال دين بن عربي كتابًا من دمشق الى ال شيخ أبي العباس الحذاء قال فيه
يا اخى اخبرني مما يج دد لك من الفتح فقال لي ال شيخ اكتب اليه اكتب ا ّ لي جرى امور
غريبة النظر عجيبة الخبر فكتب اليه ابن عربي توجه ا ّ لي ا بباطنك اجيبك عنها بباطني
فعرض ذلك على ال شيخ امرء و قال لي اكتب له أشهدت الأولياء دائرة مستديرة في
وسطها اثنان احدهما ال شيخ أبو الحسن بن ال ّ طحان و الآخر رجل اندلسي و انا قد
شهدم فقيل لي احد هذين هو الغوث فبقيت متحيرًا لا اعلم من هو منهما فظهرت
لهما آية ف خرا ساجدين فقيل لي الذي يرفع رأسه اولا هو القطب الغوث فرفع
الاندلسي رأسه اولا فتحققته فوقفت عليه فسألته سؤالا بغير حرف و لا صوت
فأجابني و سودت لسائر دائرة الأولياء فاخذ منها كل و ّ لي بقسطه فإن كنت يا اخى
ذه المثابة تحدثت معك من مصر فلم يعد ما يكتب له من ذلك شيئًا و قال ال شيخ
عبد الغّفار القرظي( ٢) في كتاب التوحيد ح دثنى ال شيخ عبد العزيز المنوفي( ٣) عن خادم
ال شيخ محي ال دين بن عربي قال كان ال شيخ يمشي و انسان يسبه و هو ساكت لا يرد
١) صف ي ال دين حسين بن علي توفي سنة ٦٨٢ ه. [ ١٢٨٣ م.] في القاهرة )
٢) عبد الغّفار القرظي توفي سنة ٧٠٨ ه. [ ١٣٠٨ م.] في مصر )
٣) عبد العزيز المنوفي ال شافعي العارف بالمواقيت للصلاة توفي سنة ٧٠٣ ه. [ ١٣٠٤ م.] )
- ١٧٩ -
عليه فقلت له يا سيدى ما تنظر الى هذا قال و لمن يقول قلت يقول لك فقال ما سبنى
فأنا قلت كيف قال هذا تصورت له صفات ذميمة فهو يس ب تلك الصفات و ما انا
بموصوف ا و قال ال شيخ عبد الغّفار لقد حكى لي ال شيخ عبد العزيز عن ابن عربي
حكايات من هذا الجنس و غيره مما يتكلم الناس فيه و ينسبونه الى الكفر بالفاظ
وجدوها في الكتب ما تأ ولوها قال ال شيخ عبد العزيز ان شخ صا كان بدمشق فرض
على نفسه أن يلعن ابن عربي كل يوم عقيب كل صلوة عشر مرات فأتفق أنه مات و
حضر ابن عربي مع الناس جنارته ثم رجع و جلس في بيت مع اصحابه و توجه الى
القبلة فلما جاء وقت الغذاء احضر اليه الغذاء فلم يأكل شيئًا و لم يزل على حاله
متوجها يصّلي الصلوات و يتوجه الى ما بعد العشاء الآخرة فالتفت و هو مسرور و
طلب الطعام فقيل له في ذلك فقال التزمت مع الله تعالى أن لا آكل و لا اشرب حتى
يغفر لهذا الذي كان يلعنني فبقيت كذلك و ذكرت له سبعين الفًا لا اله الا الله و رأيته
قد غفر له قال ال شيخ عبد الغّفار و حكى ال شيخ عبد العزيز حكايات تدل على عظم
شأنه و كشفه و اطلاعه قال و حكى الامام مح ب ال دين الطبري( ١) شيخ الحرم بمكة
المشرفة عن والدته و كانت من ال صالحات اا ربما أنكرت على ابن عربي كلاما قاله
في معنى الكعبة المشرفة قالت فرأيت الكعبة تطوف بابن عربي و قد كان بين ال شيخ عز
الدين بن عبد ال سلام و بين ال شيخ محي ال دين بن عربي اخاء و صحبة اخبره ال شيخ عبد
العزيز بذلك لأن ال شيخ عز الدين كان منكرا بظاهر الحكم و حكي عن خادم ال شيخ
عز ال دين أنه دخل مع ال شيخ الى الجامع بدمشق و قال الخادم لل شيخ عز ال دين انت
وعدتنى انك تريني القطب فقال له ذلك القطب و اشار الى ابن عربي و هو جالس و
الحلقة عليه و قال يا سيدى فانت تقول فيه ما تقول فقال هو القطب فكرر عليه القول
و هو يقول له ذلك فإن يكن القطب فلا معارضة في قول ال شيخ عز الدين لانه انما
يحكم عليه بما يبدو من الأمور الظاهرة و حفظ شياح ال شرع ال شريف و ال سرائر امرها
١) مح ب ال دين أبو العباس الطبري أحمد توفي سنة ٦٩٤ ه. [ ١٢٩٥ م.] )
- ١٨٠ -
الى الله تعالى يفعل فيها ما يشاء فقد يكون يطلع على محله و رتبته فلا ينكرها و إذا بدا
في الظاهر شيئ مما لا يعهده الناس في الظاهر أنكره حفظًا لقلوب الضعفاء و وقوفًا مع
ظاهر ال شرع و ما كلف به فيعطى هذا المقام حقه و هذا حقه و الله تعالى اعلم هذا
كلام ال شيخ عبد الغّفار في جمعه بين مقالتى ال شيخ الامام عز ال دين في حق ابن عربي و
عندي في الجمع احسن من ذلك و هو ما اشار اليه ال شيخ تاج ال دين بن عطاء الله أن
ال شيخ عز الدين كان اولا على طريقة الفقهاء في المسارعة الى الانكار على ال صوفية
فلما ح ج ال شيخ أبو الحسن ال شاذلي و رجع و اقرأه ال سلام من الن بي صّلى الله تعالى
عليه و سّلم حسن اعتقاده في ال صوفية و لزم مجالسهم بعد ذلك و الظاهر ان انكاره
على ابن عربي كان في اول أمره لما كان ال شيخ عز الدين اولا بدمشق و ثناؤه عليه
كان بعد ذلك في آخر عمره قال ال شيخ عبد الغّفار و قد حكى الثقة عن ابن عربي ان
شخ صا طلع له و هو بغرفة بدمشق و كان ال شيخ عز الدين حاضرًا عنده فقال له ذلك
الشخص إني اقصد الجهة الفلانية فقال ال شيخ محي ال دين بمآخذك العرب فقال لابد لي
من السفر فترل فذهب فإذا ال شيخ يقول هذا البدوى خرج عليه و اخذ ثيابه و ها هو
قد رجع و جعل يقول ها هو الى أن قال فلان قال نعم فطلع لنا عريانًا و نحن جلوس
بمكاننا قال ال شيخ عبد الغّفار هذا كشف صريح قال و قد اشتبه الحال على الحاكي
هل هو القاضي جلال ال دين بن السبكي عن قاضي القضاة وجيه ال دين البهنسى ام هو
ال شيخ عبد العزيز قال كلاهما إذا حكيا سواء قال ال شيخ عبد الله بن اسعد اليافعي في
الارشاد اجتمع ال شيخان العارفان الامامان المحققان الربانيان ال شيخ شهاب ال دين
السهرودى و ال شيخ محي ال دين بن عربي فأطرق كل و احد منهما ساعًة ثم افترقا من
غير كلام فقيل لابن عربي ما تقول في ال شيخ شهاب ال دين ال سهروردي قال مملوء سنة
من فوقه الى قدمه و قيل للسهروردي ما تقول في ال شيخ محي ال دين بن عربي فقال بحر
الحقائق و القطب الكبير و هو الغوث و بلغني عن بعض ال شيوخ الكبار العارفين أنه
كان يقرأ عليه اصحابه كلام ابن عربي و يشرحه لهم فلما حضرته الوفاة اهم عن
- ١٨١ -
مطالعة كتب ابن عربي و قال انتم ما تفهمون مراده و معاني كلامه و سمعت أ ّ ن ال شيخ
الامام الفقيه عز ال دين بن عبد ال سلام كان يطعن في ابن عربي و يقول هو زنديق فقال
له يومًا بعض اصحابه يا سيدى اريد أن تريني القطب فأشار الى ابن عربي و قال ها
ذاك هو القطب فقيل له انت تطعن فيه فقال حتى اصون ظاهر ال شرع أو َ ك م قال
اخبرني بذلك غير واحد ما بين مشهور بال صلاح والفضل ومعروف بالدين و ثقة عدل
من اهل الشام و من اهل مصر ا ّ لا أ ّ ن بعضهم روى أن تريني وليًا و بعضهم روى أن
ترينى القطب و قد مدحه و عظمه طائفة من شيوخ الطريقة و علماء الحقيقة كالشيخ
الحريري و الشيخ نجم ال دين الاصبهانى و ال شيخ تاج ال دين بن عطاء الله و غيرهم ممن
يكثر عددهم و يعلو مجدهم و اثنوا عليه و طعن فيه طائفة لا سيما من الفقهاء الذين
زيغ الله تعالى قلوم و تبعوا قشر العلم و تركوا باطنه لاجل ال دنيا و طلب الرياسة
حتى تميل الناس الى قولهم و طعنوا في أولياء الله تعالى و ائمة الهدى الذين اشتغلوا بالله
تعالى و توقفت طائفة فقالوا ان كان ما نقله الطاعن ونسبه الى المشايخ مما يخالف العلم
الظاهر فله محامل الاول انا لا نسلم نسبته اليهم حتى يصح عنهم الثاني بعد الصحة
يلتمس له تأويل موافق و إن لم يوجد له تأويل قيل لعل له تاوي ً لا عند اهل العلم الباطن
العارفين الثالث صدور ذلك عنهم في حال السكر و الغيبة و السكران سكرًا مباحًا
غير مؤاخذ لانه غير مكلف في ذلك الحال فسوء الظن لهم بعد هذه المخارج من عدم
التوفيق نعوذ بالله تعالى من الخذلان و سوء القضاء من جميع انواع البلاء و قال ايضًا
في موضع آخر من الارشاد ما ن صه شيخ الطائفة و بحر الحقيقة محي ال دين بن عربي
كنت انا و صاحب لي في المغرب الاقصى لساحل البحر المحيط و هناك مسجد يأوي
اليه الابدال فرأيت انا و صاحبى رج ً لا قد وضع حصيرا في الهوى على مقدار اربع
اذرع من الارض و صّلى عليه فجئت انا و صاحبي حتى وقفت تحته و قلت شعر:
شغل المح ب عن الحبيب بسره * في حب من خلق الهواء و سخره
و العارفون عقولهم معقولة * عن كل كون ترتضيه مطهره
- ١٨٢ -
فهم لديه مكرمون و عنده * اسرارهم محفوظة و محرره
فأوجز في صلوته وقال انما فعلت هذا لأجل المنكر الذي معك وأنا أبوالعباس
الخضر و انت يا محي ال دين علمك من بحر علمى و المنكرون محرومون لقلة معرفتهم في
العلم في الله تعالى قال ال شيخ محي ال دين ولم أكن أعلم ان صاحبي ينكر كرامات الأولياء
فالتفت اليه و قلت يا فلان أكنت تنكر كرامات الأولياء قال نعم قلت فما تقول الآن
قال بعد العيان ما يقال و قال ايضًا دعانا بعض الفقراء الى دعوة بزقاق القناديل بمصر
فاجتمع لها جماعة من المشايخ فق دم الطعام وعجزت الاوعية وهناك وعاء زجاج جديد
قد اتخذ للبول و لم يستعمل بعد ففرق ر ب المترل فيه الطعام فبينا الجماعة ياكلون و إذا
الوعاء يقول فقد اكرمنى الله تعالى بأكل هؤلاء السادة مني فلا ارضى لنفسى بعد ذلك
أن اكون محلا للأذى ثم انكسر نصفين قال فقلت للجمع سمعتم ما يقول الوعاء قالوا
نعم قلت ما سمعتم فأعادوا القول الذي تقدم قلت قال قو ً لا غير ذلك قالوا و ما هو
قلت قال كذلك قلوبكم قد اكرمها الله تعالى بالإيمان فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون
محالا لنجاسة المعصية وح ب ال دينا اورد هاتين الحكايتين ايضًا اي كال شيخ الامام الفقيه
عز الدين بن عبد ال سلام عن ابن عربي ال شيخ تاج ال دين بن عطاء الله في لطائف المنن
و الحكام قاضي القضاة شرف ال دين البارزي في كتابه توثيق عرى الإيمان قال الحافظ
مح ب ال دين بن البحار في ذيل تأريخ بغداد هو مح مد بن عل ي بن مح مد بن العربي أبوعبد
الله الطائى من اهل الاندلس ذكر لي فيها أنه ولد في ليلة الاثنين سابع عشر من رمضان
سنة ستين و خمسمائة و نشأ ا و انتقل الى اشبيلية في سنة ثمان و سبعين فأقام ا الى
سنة ثمان و تسعين ثم دخل بلاد الشرق و طاف بلاد الشام ودخل بلاد الروم وكان قد
صحب ال صوفية و ارباب القلوب و سلك طريق الفقه وح ج وجاور و صنف كتبا في
علم القوم في اخبار مشايخ الغرب و ز هادها و له اشعار حسنة و كلام مليح اجتمعت
به بدمشق و كتبت عنه شيئًا و من شعره و نعم ال شيخ دخل بغداد و ح دث ا بشئ
من مصنفاته و كتب عنه الحافظ أبو عبد الله الرشيني و من شعره و انشدنى لنفسه:
- ١٨٣ -
ايا حائرًا ما بين علم و شهوة * ليتصلا ما بين ضدين من وحل
و من لم يكن منتشق الريح لم يكن * يرى الفضل للمسك العتيق على الزبل
كتب أبو الحافظ ضياء ال دين المقدسي أن ابن العربي توفي ليلة الجمعة الثانى و
العشرين من ربيع الا ول سنة ثمان وثلاثين وستمائة فيكون عمره سبعة و سبعين سنة و
نصفًا وستة ايام ومنهم قاضي القضاة العلامة سراج ال دين الهندي الحنفي( ١) أحد الأئمة
الحنفية وقاضي الحنفية بالديار المصرية وصاحب المصنفات كشرح الهداية و شرح المغنى
كان يتعصب لابن العربي و ابن الفارض و اّلف شرحًا على تائية ابن الفارض وعند ابن
أبي حجلة لكلامه فيه ومنهم ال شيخ ولي ال دين مح مد بن أحمد الملوي أحد العلماء الشافعية
كان عارفا بالتفسير والفقه والاصول والتص وف الف عدة تصانيف على طريقة ابن عربي
و مات في ربيع الا ول سنة اربع وسبعين وسبعمائة وحضر جنازته ثلاثون الفا وحكي
أنه قال عند موته حضرت ملائكة ربي و ب شرونى و احضروا لي ثيابا من الجنة فاعروا
عنى ثيابي فترعوها فقال ارحتمونى ثم زاد سروره و مات في الحال و منهم ال شيخ أبوذ ر
أحمد بن عبد الله العجمي أحد من كان ينقل للناس من الفصوص ذكر الحافظ ابن
حجر في انباء الغمر أنه كان يد رس من كتب ابن عربي و أنه كان للناس فيه اعتقاد
مات سنة ثمانين وسبعمائة ومنهم ال شيخ بدرال دين أحمد بن ال شيخ شرف ال دين مح مد بن
فخر ال دين بن الصاحب اء ال دين بن جشاء المشهور بالبدر بن الصاحب قال ابن حجر
تفقه وشهر بالعلم والف تواليف وكان يحسن الظن بتصانيف ابن عربي وبالفصوص
بالنقل منها مات سنة ثمان و ثمانين و سبعمائة و منهم شمس ال دين مح مد بن ابراهيم بن
يعقوب المعروف بشيخ الوضوء قال ابن حجر كان يقرأ القراآت السبع و يشارك البدر
بن الصاحب في الفضائل وينظر في كلام ابن عربي وقال ابن حجر تفقه و افتى و د رس
و اذن له ابن الخطيب بيروت للافتاء وكان التاج السبكي يثنى عليه وكان حسن الفهم
جيد المناظرة وسلك طريق التصوف وكان يعتقد ابن عربي مات سنة سبعين وسبعمائة
١) سراج ال دين عمر الهندي توفي سنة ٧٧٣ ه. [ ١٣٧١ م.] في مصر )
- ١٨٤ -
و منهم ال شيخ أبو عبد الله مح مد بن سلامة التوزي المغربي قال ابن حجر كان فاض ً لا
في الاصول و الفقه داعيا الى مقالة ابن عربي يناضل عنها و يناظر عليها مات سنة
ثمانمائة و منهم ال شيخ شمس ال دين مح مد بن أحمد ال صوفي المعروف بابن نجيم نزيل م ّ كة
قال ابن حجر سلك على طريقة ال شيخ يوسف العجمي و تجرد للعبادة و كان كثير
العبادة قال ابن حجر كان على طريقة ابن عربي مات سنة إحدى و ثمانمائة و منهم
ال شيخ نجم ال دين الماهى قال ابن حجر كان افضل الحنابلة بال ديار المصرية و احقهم
بولاية القضاء قال ابن حجر و كان له نظر في كلام ابن عربي و قد درس و افتى مات
سنة اثنتين و ثمانمائة و منهم ال شيخ اسماعيل بن ابراهيم بن الجرت الجرتى ثم الزبيدى
قال ابن حجر تعانى الاشتغال ثم تص وف و كان خيرًا عابدًا حسن السمت محبا في
( مقالة ابن عربي مات سنة ست و ثمانمائة و منهم العلامة مجد ال دين الشيرازي( ١
صاحب القاموس قال ابن حجر لما اشتهر باليمن مقالة ابن عربي و دعا اليها ال شيخ
اسماعيل الجرتي و غلب على علماء تلك البلاد صار ال شيخ مجد ال دين يدخل في شرح
البخاري من كلام ابن عربي و منهم ال شيخ علاء ال دين أبو الحسن بن سلام الدمشقي
ال شافعي احد الأئمة الشافعية بال شام و مصنفيهم قال ابن حجر كان ينسب الى نصرة
مقالة ابن عربي و يتحمل لها تأويلات كانت وفاته سنة تسع و عشرين و ثمانمائة و
منهم العلامة قاضي القضاة شمس ال دين الشباطي المالكى ذكر ابن حجر في حوادث
سنة احدى و ثلاثين و ثمانمائة أنه حضر معه عند ال شيخ علاء ال دين البخاري فجرى
ذكر ابن عربي فبالغ ال شيخ علاء ال دين في ذمه و اكفار من يقول بمقالته فانتصر له
الشباطي و قال انما ينكر الناس على ظاهر الفاظه التى نقولها و ا ّ لا فليس في كلامه ما
ينكر إذا حمل لفظه على مراده على ضرب من التأويل و كان من جملة كلام ال شيخ
علاء ال دين الانكار على من يعتقد الوحدة المطلقة و كان من جملة كلام الشباطي انتم
تعترفون الوحدة المطلقة فاستشاط البخاري غضبًا و اقسم بالله تعالى أن لم يعزل
١) مح مد الفيروز آبادي الشيرازي صاحب القاموس توفي سنة ٨١٧ ه. [ ١٤١٤ م.] )
- ١٨٥ -
السلطان الشباطي من القضاء ليخرج ن من مصر و التمس من كاتب السر ان يسأل
السلطان في ذلك فهم السلطان أن يوافقه و اراد ان يقرب الشهاب بن تقي مكان
الشباطي فاحضر و احضرت خلعة ثم بطل ذلك الس قلت هذا من تركه الانتصار
للأولياء انتهى و استمر الشباطي في منصبه و لم يتفق له عزل الى أن مات بعد احد
عشر سنة من هذه الوقعة و ذكر البرهان البقاعي( ١) في معجمه حكي أ ّ ن ال شيخ معز
ال دين بن أبي الوفاء المقدسي يشير على انظارها بقراءة كتب ابن عربي و نحوها من رها
و بعض يمنع من ذلك فاستشرت الشيخ يوسف الامام الصفدي في ذلك فقال اعلم يا
ولدي وفقك الله تعالى إ ّ ن هذا العلم المنسوب لابن عربي ليس بمخترع له و انما هو
كان ماهرا فيه و قد ادعى اهله أنه لا يمكن معرفتها ا ّ لا بالكشف فإذا صح مدعاهم فلا
فائدة في تقريره لانه إن كان المقرر له مطلعًا فالتقرير تحصيل الحاصل و إن كان المطلع
احدهما فتقريره لا ينفع الآخر و ا ّ لا فهما يخبطان خبط عشواء فسبيل العارف عدم
البحث عن هذا العلم و عليه السلوك فيما يوصل الى الكشوف عن الحقايق و متى
( كشف له عن شئ علمه و يمشي في اعلامه قال ثم استشرت ال شيخ زين ال دين الحافي( ٢
بعد أن ذكرت له كلام ال شيخ يوسف فقال ال شيخ حسن و ازيدك أ ّ ن العبد إذا تخلق ثم
تحقق ثم جذب اضمحّلت ذاته و ذهبت صفاته و تخلص من السؤال فعند ذلك يلوح له
بروق الحق بالحق فيطلع على كل شئ و يرى الله تعالى عند كل شئ و يغيب بالله
تعالى عند كل شئ و لايرى شيئًا سواه فيظن أ ّ ن الله تعالى عين كل شئ و هذا اول
المقامات فإذا ترّقى عن هذا المقام و أشرق عليه من مقام هو أعلى منه و ع ضده التأييد
الاله ي رأى أ ّ ن الأشياء كلها فيض وجوده تعالى لا عين وجوده فالناطق حينئذٍ بما ظنه
في اول مقام اما محروم ساقط و اما نادم تائب و ربك يفعل ما يشاء انتهى فإن قلت
فهذا ال شيخ ولي ال دين العراقي قد قال في فتاواه قد بلغني عن ال شيخ الامام علاء ال دين
١) ابراهيم بن عمر برهان ال دين البقاعي ال شافعي توفي سنة ٨٨٥ ه. [ ١٤٨٠ م. )
٢) أبو بكر زين ال دين الحافي توفي سنة ٨٣٨ ه. [ ١٤٣٤ م.] )
- ١٨٦ -
القونوي( ١) أنه قال في مثل ذلك انما يؤ ول كلام المعصومين قلت هذا منقوض بأمرين
احدهما ان القونوي قد فعل ذلك في كتابه شرح التعرف فنقل عن ابن عربي و غيره
كلمات ظاهرها المنافاة للشرع ال شريف ثم تأ ولها و خرجها على احسن المحامل فهذا
منه اما دليل على بطلان ما نقل عنه من عدم التأويل او رجوعه عنه و الثانى أ ّ ن كلام
القونوي لو ثبت أنه قال و لم يقل خلافه في شرح التعرف معارض بقول من هو اجل
منه و هو شيخ الاسلام ولي الله تعالى ال شيخ محي الدين النووي فإنه ن ص في كتابه
بستان العارفين خلاف قول القونوي فقال بعد أن حكي عن أبي الخير اليوناني حكاية
ظاهرها الانكار قلت قد يتوهم من يتشبه بالفقهاء و لا فقه عنده أن ينكر على أبي
الخير هذا و هذه جهالة و غباوة ممن يتوهم ذلك و خسارة منه على ارسال الظنون في
أفعال أولياء الرحمن فليحذر العاقل من التعرض لشئ من ذلك بل حقه إذا لم يفهم
حكمهم المستفادة و الطافهم المستجادة أن يفتشهما ممن يعرفهما و كل شئ رأيته من
هذا النوع مما يتوهم من لا تحقيق عنده أنه مخالف ليس مخالفا بل يجب تأويل أفعال
أولياء الله تعالى هذا كلام النووي بحروفه و لابن عربي هذا ولد مشهور أديب فقيه
يسمى سعد ال دين محمد بن مح مد بن عربي شعره مشهور في تذكرة ال صلاح الصفدي
و غيره و قد روى عنه من شعره الحافظ شرف ال دين الدمياطي في معجمه و قال مح مد
بن مح مد بن عربي بن مح مد بن أحمد أبي عبد الله بن عبد الله الطائي الحاتمي المغربي ايد
في رأيه الدمشقي المولد ال شافعي الفقيه الأديب المعروف بابن ابن العربي و المنعوت
بالسعدي توفي بدمشق في جمادي الآخرة سنة ست و خمسين و ستمائة و قال في
كتابه الانسان الكامل ال شيخ محي ال دين بن عربي امام من ائمة علماء لدنيين فمن طعن
فيه فهو د جال خارج ي دع ي. ّ تم بعون الله تعالى و حسن توفيقه.
١) علاء ال دين علي التبريزي ثم القونوي ال شافعي توفي سنة ٧٢٩ ه. [ ١٣٢٩ م.] )
- ١٨٧ -
قال الامام الرباني مج دد الالف الثانى أحمد الفاروقي السرهندي في المكتوب
التاسع و الثمانين من الد الثالث: و لما وصلت النوبة الى ال شيخ الأجل محي ال دين ابن
العربي قدس سره شرح مسئلة التوحيد الوجودي من كمال المعرفة و ب وا و ف صلها و
د وا تدوين ال صرف و النحو و مع ذلك لم يفهم جمع من هذه الطائفة مراده فخ ّ طؤه
و طعنوا فيه و اطلقوا عليه لسان الملام و ال شيخ مح ق في اكثر تحقيقات هذه المسئلة و
الطاعنون فيه بعيدون عن الصواب ينبغي أن يعرف جلالة شأن ال شيخ و وفور علمه
من تحقيق هذه المسئلة لا أن يرده و يطعن فيه و قال في المكتوب التاسع و السبعين من
تلك الد و نحن المتأخرون العاجزون استفضنا من بركاته و نلنا حظًا وافرًا من علومه
و معارفه جزاه الله سبحانه عنا خير الجزاء و قال عروة الوثقى مح مد معصوم ابن الامام
الرباني (ق دس سرهما) في المكتوب التاسع و العشرين من الد الاول: ال شيخ محي ال دين
ابن العربي ق دس سره كان صاحب الاسناد في علم الحديث و اتهد في علم الفقه.
دعاءُ الت وحِيدِ
يا َالله يا َالله َ لا اَِله اِلاَّ الله محمد رسو ُ ل اللهِ يا رح من يا رحِي م يا عفُ و يا َ كرِيم
فَاع ف عني و ار حمنيِ يا َار ح م ال راحِمِ ين ت وفَّنيِ م سلِ ما و َالحِْقْنيِ بِال صالِحِ ين َاللَّه م ا ْ غفِ ر ليِ
و لِآبائِي و ُأمهاتيِ و لِآباءِ و ُامهاتِ ز و جتِي و لِأَج دادِي و ج داتيِ و لِأَبنائِي و بناتيِ و
لِإِخ وتيِ و َأ خ واتيِ و لِأَع مامِي و ع ماتيِ و لِأَ خ واليِ و خا َ لاتيِ و لِأُ ستاذِي عبدِ اْلحَكِيمِ
رح مةُ اللهِ تعا َ لى عَليهِم » ْالآ ر واسِي و لِلْمؤمِنِ ين و اْل م ؤمِناتِ َا َ لا حياءِ مِن ه م و ْا َ لا م واتِ
بِ رح متِ ك يا َار ح م ال راحِمِ ين و ْا َ لح م د لِلهِ ر ب اْلعاَلمِ ين « َأج معِ ين
د عاءُ ْالاِ ستِ غَفارِ
َاستغفِر اللهَ الْعظيِ م الَّذِي َ لا اَِله إِلاَّ ه و اْلحَ ي الْقَيوم و َأت و ب إَِليهِ
- ١٨٨ -
المنحة الوهبية
في رد الوهابية
لداود بن السيد سليمان البغدادي
قد اعتنى بطبعه طبعة جديدة بالأوفست
وقف الإخلاص
Hakîkat Kitâbevi
Darüşşefeka Cad. 57 P.K.: 35 34262
Tel: 0212 523 45 56 Fax: 0212 525 59 79
http://www.hakikatkitabevi.com
e-mail: bilgi@hakikatkitabevi.com
Fatih-İSTANBUL
2000
- ١٨٩ -
اسماء الكتب العربية التي نشرا مكتبة الحقيقة
اسماء الكتب عدد صفحاا
١ – جزء عم من القرآن الكريم ٣٢
٢ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الاول) ٦٠٤
٣ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الثانى) ٤٦٢
٤ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الثالث) ٦٢٤
٥ – حاشية شيخ زاده على تفسير القاضى البيضاوى (الجزء الرابع) ٦٢٤
٦ – الايمان و الاسلام و يليه السلفيون ١٦٠
٧ – نخبة اللآلي لشرح بدء الامالي ١٤٤
٨ – الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية (الجزء الاول) ٤٣٦
٩ – علماء المسلمين و جهلة الوهابيين و يليه شواهد الحق
و يليهما العقائد النسفية و يليها تحقيق الرابطة ١٦٠
١٠ – فتاوى الحرمين برجف ندوة المين و يليه الدرة المضيئة ١٢٨
١١ – هدية المهديين و يليه المتنبئ القادياني و يليهما الجماعة التبليغية ١٩٢
١٢ – المنقذ عن الضلال و يليه الجام العوام عن علم الكلام و يليهما تحفة الاريب
و يليها نبذة من تفسير روح البيان ٢٥٦
١٣ – المنتخبات من المكتوبات للامام الرباني ٣٣٦
١٤ – مختصر (التحفة الاثني عشرية) ٣٥٢
١٥ – الناهية عن طعن امير المؤمنين معاوية و يليه الذب عن الصحابة
و يليهما الاساليب البديعة و يليها الحجج القطعية و رسالة رد روافض ١٨٤
١٦ – خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد و التلفيق و يليه الحديقة الندية ٣٦٨
١٧ – المنحة الوهبية في رد الوهابية و يليه اشد الجهاد
و يليهما الرد على محمود الآلوسي و يليها كشف النور ١٩٢
١٨ – البصائر لمنكري التوسل باهل المقابر و يليه غوث العباد ٣٨٤
١٩ – فتنة الوهابية و الصواعق الالهية و سيف الجبار و الرد على سيد قطب ٢٧٢
- ١٩٠ -
اسماء الكتب عدد صفحاا
٢٠ – تطهير الفؤاد و يليه شفاء السقام ٢٥٦
٢١ – الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل و الكرامات و الخوارق
و يليه ضياء الصدور و يليهما الرد على الوهابية ١٧٦
٢٢ – الحبل المتين في اتباع السلف الصالحين و يليه العقود الدرية و يليهما هداية الموفقين ١٣٦
٢٣ – خلاصة الكلام في بيان امراء البلد الحرام (من الجزء الثاني) ويليه ارشاد الحيارى
في تحذير المسلمين من مدارس النصارى ويليهما نبذة من الفتاوى الحديثية ٢٢٤
٢٤ – التوسل بالنبي و بالصالحين و يليه التوسل للشيخ محمد عبد القيوم القادري ٣٣٦
٢٥ – الدرر السنية في الرد على الوهابية و يليه نور اليقين في مبحث التلقين ٢٢٤
٢٦ – سبيل النجاة عن بدعة اهل الزيغ و الضلال و يليه كف الرعاع عن المحرمات
و يليهما الاعلام بقواطع الاسلام ٢٠٨
٢٧ – الانصاف في بيان سبب الاختلاف و يليه عقد الجيد
و يليهما مقياس القياس و المسائل المنتخبة ٢٢٤
٢٨ – المستند المعتمد بناء نجاة الابد ٢٧٢
٢٩ – الاستاذ المودودي و يليه كشف الشبهة عن الجماعة التبليغية ١٢٨
٣٠ – كتاب الايمان (من رد المحتار) ٣٠٤
٣١ – الفقه على المذاهب الاربعة (الجزء الاول) ٣٣٦
٣٢ – الفقه على المذاهب الاربعة (الجزء الثاني) ٣٢٠
٣٣ – الفقه على المذاهب الاربعة (الجزء الثالث) ٣٦٨
٣٤ – الادلة القواطع على الزام العربية في التوابع و يليه فتاوى علماء الهند
على منع الخطبة بغير العربية و يليهما الحظر و الاباحة من الدر المختار ١٢٠
٣٥ – البريقة شرح الطريقة (الجزء الاول) ٤٨٠
٣٦ – البريقة شرح الطريقة و يليه منهل الواردين في مسائل الحيض (الجزء الثاني) ٢٢٨
٣٧ – البهجة السنية في آداب الطريقة و يليه ارغام المريد ٢٢٤
٣٨ – السعادة الابدية في ما جاء به النقشبندية و يليه الحديقة الندية
في الطريقة النقشبندية و يليهما الرد على النصارى و الرد على الوهابية ٣٠٤
- ١٩١ -
اسماء الكتب عدد صفحاا
٣٩ – مفتاح الفلاح ويليه خطبة عيد الفطر ويليهما لزوم اتباع مذاهب الائمة ١٩٢
٤٠ – مفاتيح الجنان شرح شرعة الاسلام ٥٩٢
٤١ – الانوار المحمدية من المواهب اللدنية (الجزء الاول) ٤٤٨
٤٢ – حجة الّله على العالمين في معجزات سيد المرسلين ويليه مسئلة التوسل ٢٠٨
٤٣ – اثبات النبوة و يليه الدولة المكية بالمادة الغيبية ٢٢٤
٤٤ – النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم و يليه نبذة من
الفتاوى الحديثية و يليهما كتاب جواهر البحار ٣٣٦
٤٥ – تسهيل المنافع وامشه الطب النبوي ويليه شرح الزرقاني على المواهب اللدنية
و يليهما فوائد عثمانية و يليها خزينة المعارف ٣٠٤
٤٦ – الدولة العثمانية من كتاب الفتوحات الاسلامية ويليه المسلمون المعاصرون ٢٥٦
٤٧ – كتاب الصلاة ويليه مواقيت الصلاة و يليهما اهمية الحجاب الشرعي ١٦٠
٤٨ – الصرف و النحو العربي و عوامل و الكافية لابن الحاجب ١٧٦
٤٩ – الصواعق المحرقة في الرد على اهل البدع والزندقة ويليه تطهير الجنان واللسان ٣٣٦
٥٠ – الحقائق الاسلامية في الرد على المزاعم الوهابية ١١٢
٥١ – نور الاسلام تأليف الشيخ عبد الكريم محمد المدرس البغدادي ٣٠٤
٥٢ – الصراط المستقيم في رد النصارى ويليه السيف الصقيل ويليهما القول الثبت
و يليها خلاصة الكلام للنبهاني ١٢٨
٥٣ – الرد الجميل في رد النصارى و يليه ايها الولد للغزالي ٢٥٦
٥٤ – طريق النجاة و يليه المكتوبات المنتخبة لمحمد معصوم الفاروقي ٩٦
٥٥ – القول الفصل شرح الفقه الاكبر للامام الاعظم ابي حنيفة ٤١٦
٥٦ – جالية الاكدار و السيف البتار (لمولانا خالد البغدادي) ٩٦
٥٧ – اعترافات الجاسوس الانگليزي ١٩٢
٥٨ – غاية التحقيق و اية التدقيق للشيخ السندى ١٢٨
- ١٩٢ -
٥٩ – المعلومات النافعة لأحمد جودت باشا ٥٢٨
٦٠ – مصباح الانام وجلاء الظلام فى رد شبه البدعى النجدى ويليه رسالة فيما
يتعلق بادلة جواز التوسل بالنبى وزيارته صلى الله عليه وسلم ٢٢٤
٦١ – ابتغاء الوصول لح ب الله بمدح الرسول و يليه البنيان المرصوص ١٩٢
٦٢ – الإسلام و سائر الأديان ٣٠٤
٦٣ – مختصر تذكرة القرطبي للأستاذ عبد الوهاب الشعراني و يليه قرة العيون للسمرقندي ٤٨٠
اسماء الكتب الفارسية التي نشرا مكتبة الحقيقة
اسماء الكتب عدد صفحاا
١ – مكتوبات امام رباني (دفتر اول) ٦٧٢
٢ – مكتوبات امام رباني (دفتر دوم و سوم) ٦٠٨
٣ – منتخبات از مكتوبات امام رباني ٤١٦
٤ – منتخبات ازمكتوبات معصومية ويليه مسلك مجدد الف ثاني (با ترجمه اردو) ٤٣٢
٥ – مبدأ و معاد و يليه تأييد اهل سنت (امام رباني) ١٥٦
٦ – كيمياي سعادت (امام غزالي) ٦٨٨
٧ – رياض الناصحين ٣٨٤
٨ – مكاتيب شريفه (حضرت عبد الله دهلوي) و يليه اد التالد
و يليهما نامهاي خالد بغدادي ٢٨٨
٩ – در المعارف (ملفوظات حضرت عبد الّله دهلوي) ١٦٠
١٠ – رد وهابي و يليه سيف الابرار المسلول على الفجار ١٤٤
١١ – الاصول الاربعة في ترديد الوهابية ١٢٨
١٢ – زبدة المقامات (بركات احمدية) ٤٢٤
- ١٩٣ -
١٣ – مفتاح النجاة لاحمد نامقي جامي ويليه نصايح عبد الله انصاري ١٢٨
١٤ – ميزان الموازين في امر الدين (در رد نصارى) ٣٠٤
١٥ – مقامات مظهرية و يليه هو الغني ٢٠٨
١٦ – مناهج العباد الى المعاد و يليه عمدة الاسلام ٣٢٠
١٧ – تحفه اثنى عشريه (عبد العزيز دهلوي) ٨١٦
١٨ – المعتمد في المعتقد (رساله توربشتي) ٢٨٨
١٩ – حقوق الاسلام ويليه مالاب د منه ويليهما تذكرة الموتى والقبور ٢٧٢
٢٠ – مسموعات قاضى محمد زاهد از حضرت عبيد الله احرار ١٩٢
٢١ – ترغيب الصلاة ٢٢٤
٢٢ – أنيس الطالبين و ع دة السالكين ٢٠٨
٢٣ – شواهد النبوة ٣٠٤
٢٤ – عمدة المقامات ٤٩٦
الكتب العربية مع الاردوية و الفارسية مع الاردوية و الاردية
١ – المدارج السنية في الرد على الوهابية ويليه العقائد الصحيحة فى ترديد الوهابية النجدية ١٩٢
٢ – عقائد نظاميه (فارسي مع اردو) مع شرح قصيدة بدء الامالي
و يليه احكام سماع از كيمياي سعادت و يليهما ذكر ائمه از تذكرة الاولياء
و يليهما مناقب ائمهء اربعه ١٦٠
٣ – الخيرات الحسان (اردو) (احمد ابن حجر مكي) ٢٢٤
- ١٩٤ -
هذا الكتاب (المنحة الوهبية) قد كانت مكتبتنا طبعته بالاوفست سنتي ١٩٧١ و
١٩٧٤ و جدد طبعه حاليا و يحتوي الكتاب ست رسائل كما تأتي:
١–رسالة (المنحة الوهبية) وهي تبين كيفية سماع الموتى وظهور الكرامات منهم.
٢–رسالة (اشد الجهاد) و هي تذكر الاجتهاد و اتهدين و تعرف الأئمة
للمذاهب الاربعة و تبين وجوب اقتداء احد الأئمة الاربعة.
٣–رسالة (كشف النور) و هي تبحث فيها الاولياء و كرامام.
٤–رسالة (تنوير الحلك) وهي تشرح بالأمثلة ان رؤية الملائكة والارواح جائزة.
٥–رسالة (تذكر الآثار) الواردة في الاذكار التي تحرس قائلها من كيد الجن.
٦–رسالة (تنبيه الغبي) و هي تبين فضل حضرة محي الدين العربي و عظم شأنه و
تدافع عنه ضد من لم يفهموه.
مكتبة الحقيقة
This book, Al-minhat-ul-wahbiyya, was offsetted in 1971 and in
1974 by our Waqf. Now it has been reproduced once more. The book
contains six pamphlets:
1–The pamphlet Al-minhat-ul wahbiyye explains how the dead hear
and how they show karâmats.
2–The pamphlet Ashaddul-Jihâd defines ijtihâd and mujtahid, tells
about the imâms of the four madhhabs, and affirms that it is necessary to
follow one of them.
3–The pamphlet Kashfun-nûr tells about the Awliyâ and karâmats.
4– The pamphlet Tanwîr-ul-halak tells by examples that it is
permissible to see souls and angels.
5– The pamphlet Tadhakkur-ul-âthâr informs with the prayers
prescribed by our Prophet and the âyats which are protective against
paralysis caused by genies.
6– The pamphlet Tanbîh-ul-gabî informs with the greatness and the
superiority of hadrat Muhyiddin-i Arâbî, and defends him against those who
have not understood him.
WAQF IKHLAS
- ١٩٥ -
İşbu (El-minhat-ül-vehbiyye) kitâbı, Kitâbevimiz tarafından 1971
ve 1974 senelerinde ofset yolu ile bastırılmıştı. Şimdi yeniden bastırıldı. Bu
kitâbın içinde altı risâle vardır:
1–(El-minhat-ül vehbiyye) risâlesi, ölülerin nasıl iştittiklerini,
kerâmet gösterdiklerini bildirmektedir.
2–(Eşeddül-cihâd) risâlesi, ictihâdı ve müctehidleri anlatmakta, dört
mezheb imâmını tanıtmakta, bunlardan birine uymak lâzım olduğunu
bildirmektedir.
3–(Keşfün-nûr) risâlesi, Evliyâyı ve kerâmetleri anlatmaktadır.
4–(Tenvîr-ül halek) risâlesi, rûhları ve melekleri görmek câiz
olduğunu misâllerle anlatmaktadır.
5–(Tezekkür-ül âsâr) risâlesi, Cin çarpmasına karşı
Peygamberimizden gelen düâları, âyetleri bildirmektedir.
6–(Tenbîh-ül gabî) risâlesi, Muhyiddîni Arabî hazretlerinin
büyüklüğünü, üstünlüğünü bildirmekte, Onu, anlayamamış olanlara karşı
savunmaktadır.
Bu kitâbın hepsi arapçadır. İçinde Osmanlıca yazı hiç yoktur.
HAKÎKAT KİTÂBEVİ