الكتاب : أدلة أهل السنة والجماعة المسمَّى ( الرد المحكم المنيع ) المؤلف : السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي

الكتاب : أدلة أهل السنة والجماعة المسمَّى ( الرد المحكم المنيع )
المؤلف : السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي
( الطبعة السابعة ) (الكويت ) 1410ه – 1990م
أدلة أهل السنة والجماعة
المسمى (الرد المحكم المنيع)
تأليف
الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي
( الطبعة السابعة )
(الكويت )
1410ه – 1990م
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله وحبيبه وعلى آله ومن والاه وبعد:
فبفضله تعالى ومنه وكرمه قد طبع هذا الكتاب (أ دلة أهل السنة والجماعة أو الرد المحكم المنيع على شهبات ابن منيع ) عدة طبعات في عدة دول إسلامية منذ صدور ( الطبعة الأولى ) فى الكويت سنة 1404ه الموافق سنة 1984 م . كانت الطبعة الثانية في ( إندونيسيا) والثالثة في ( المغرب) سنة 1405ه –1985م بواسطة ( دار الطباعة الحديثة بالدار البيضاء ) والرابعة في ( جمهورية مصر العربية ) بواسطة ( مطبعة السعادة بالقاهرة ) والخامسة فى ( جمهورية اليمن الشمالي ) بواسطة ( جمعية العلماء في الحديدة) سنة 1406ه –1986م , وهذه – ولله الحمد وحده- الطبعة السادسة … وهذا يدل على أن هذا الكتاب المتواضع كان مطلوب ومقصود الجماهير الكثيرة الصامتة من أهل السنة والجماعة التي كانت عقائدها وشعائرها الإسلامية الحنيفة ولازالت , هدفا لحملة ظالمة شرسة لا تخشى الله تعالى ولا تتورع عن توزيع أوصاف الكفر والبدعة على من يخالفها من السواد الأعظم من المسلمين .
________________________________________
كذلك فإن مما تجدر الإشارة إلية أن هذا الكتاب المتواضع كان السبب والحافز والمشجع لصدور ردود تناولت نفس الموضوع فى أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي الفسيح من أهمها كتاب ( التخدير من الاغترار مما جاء في كتاب الحوار) للعالمين المغربيين عبد الحي العمروي وعبد الكريم مراد , وكتاب ( رفع الأستار عن شبهات وضالات صاحب الحوار) للعالم البحريني الشيخ راشد بن إبراهيم المريخي , وكتاب ( السنة والبدعة )للعلامة الشيخ السيد عبد الله بن محفوظ الحداد باعلوي الحسنى الحضرمي . وبفضله تعالى وصلتني رسائل وقصائد كثيرة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي تمدح وتبارك هذا الجهد الضئيل وتطلب تزويدها بنسخ منه ……… ولقد رأيت أن أكتفي عند إصدار هذه الطبعة الثانية التي تصدر من الكويت والسادسة على مستوى معتذرا للباقين وشاكرا عواطفهم الكريمة وغيرتهم على دينهم الحنيف . والله تعالى أسأل أن يرزقني مزيد العافية والتوفيق والإخلاص للقيام بما يجب ويلزم مما يحبه الله تعالى برضاه , وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى أله وسلم والحمد لله رب العالمين .
العبد الفقير إلى مولاه تعالى
يوسف السيد هاشم الرفاعي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلي الله تعالي على سيدنا محمد وأله وسلم . وبعد
لقد اطلعت على الكتاب الذي أصدرته الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض بعنوان ((حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته )) للشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع .
________________________________________
وقد آلمني فيه انقضاضه علي السيد المالكي انقضاض السبع الكاسر على فريسته تهجما على شخصه وعلمه ونسبه الشريف قبل أن يطلب منه الدليل الشرعي على آرائه وأفكاره المنتقدة كشأن العلماء من السلف الصالح رحمهم الله تعالى فجعل من نفسه الخصم والحكم منطلقا من مركز القوه الذي يمثله لا من الدليل والحجة والرهان .. وقد كأن الأجدر به أن يدعو خصمه إلي ندوه تلفزيونية أو إذاعية تتقارع فيها الحجج والبراهين وليته أعطاه الفرصة الشرعية المتكافئة للدفاع عن نفسه – وقد أصدر عليه أحكام الكفر والشرك والبدعة والضلال – وقد هاجمه بمطبوعة شبه رسميه ومطبوعة بالأموال العامة لا يملك الخصم أن يرد عليها بنفس القدرة والإمكانية في النشر والتوزيع والتمويل .. ورحم الله خصوم الشيخ ابن تيميه فإنهم لما خرج على الإجماع في بعض آرائه أقاموا له المناظرات الكثيرة المفتوحة في مصر ودمشق وبحضور العلماء والوزراء وطلبه العلم ولم يحكموا عليه من طرف واحد كما فعل الشيخ ابن منيع في القرن العشرين .
________________________________________
وكنت قد التقيت بالشيخ عبد الله بن منيع – مؤلف هذا الكتيب – في أحد المؤتمرات الإسلامية في الهند منذ بضع سنوات , فرأيته لطيفا رقيقا ذا دعابة ينسيك طول الطريق بحكايته المسلية .. فلما طالعت مؤلفه الهجومي هذا ضد السيد العلوي وضد أراء عموم أهل السنة والجماعة فوجئت بارتدائه ( جلد النمر) وامتشاقه سيف التكفير والتضليل والتشريك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأسأل الله لي وله العافية والسداد في القول والعمل وتذكر قولة صلي الله عليه وأله وسلم ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) رواه الشيخان ونذكره موقف القصاص يوم القيامة بين الظالم والمظلوم والباغي والمبغي عليه وما رواه الإمام البخاري وغيره .. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة – آي ظلامه – لأخيه فليتحلل منه اليوم ليس ثم- أي ليس في الآخرة – دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته إن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه ))
فقد بين النبي صلي الله عليه وسلم طريقه المقاصة بين العباد يوم القيامة وذلك بأن يؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات طرح من سيئات المظلوم فطرحت على ظالمة .
هذا وقد علمنا الله تعالى في كتابه كيفيه الحوار وآدابه مع الكفار والمشركين .. فهلا اقتبسناه لتعاملنا مع إخواننا المسلمين الذين نخالفهم الرأي .. فقد قال تعالى في معرض الجدال والحوار معهم ( والله يعلم المفسد من المصلح ) مفوضا الأمر لعلم الله تعالى في أمر معلوم حقيقته وهو صريح الكفر والإيمان فكيف بالمتشابهات والفرعيات بين العلماء وطلبه العلم المسلمين .. وقال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وأله وسلم مخاطبا مشركي قريش بكل أدب وتواضع ( وأنا أو إياكم لعلى هدى أو ضلال مبين ) فهلا تأدبنا آداب القران ونحن ندعى أننا حملته ودعاته وأهل الغيرة على القرآن والتوحيد ؟
________________________________________
وهلا تذكر المؤلف أن حقوق الأعراض وهو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان فى نفسه أو سلفه يجب أن تصان عن الانتهاك . وهو تناولها بغير حق . ويدخل تحت انتهاك الأعراض أمور كثيرة منها القذف والشتم والبهتان والغيبة وإشاعات الكلمات حول من هو برئ منها فإن ذلك يجرى فيه القصاص يوم القيامة .
روى مسلم وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( أتدرون ما المفلس قالوا . المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .
فقال صلي الله عليه وسلم : أن المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقه ويأتي وقد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا حسناته وهذا من حسناته , فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه اخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) ورواه الطبرانى في الأوسط .
وعن أبى أمامه رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله وسلم : يجئ الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون ( أي يقتصون ) من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما فى أيديهم من الحسنات فان لم تكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم – أي سيئات أصحاب الحقوق – حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار )(1)(فال فى مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا.اهـ .
وروى ابن ماجة عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ))
ورواه الاصبهانى وذاد . قال سفيان بن عبينة : هو أن يقول : اق . يعنى لا يتم كلمة اقتل .أه وروى البيهقي نحوه من حديث أن عمر .
________________________________________
وأنه من واجبي الشرعي ومما أتقرب به إلى الله تعالى ثم رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم أن أتقدم للدفاع عن السيد الشيخ محمد علوي المالكي فالسيد المالكي منى وأنا منه يؤذيني ما يؤذيه ويسرني ما يسره كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن بضعته الطاهرة البتول وسبطه الحسين رضى الله عنهما وعليهما السلام .. وأنا مع السيد المالكي أناصره في الحق وبالحق .. بالدليل الشرعي المسند لا بالحمية الجاهلية والهوى .. فكلنا ولله الحمد وقاف عند حدود الله تعالي خائف له تعالى راج لرحمته .. لا نتناصر إلا بالحق ويرد بعضنا بعضا عن الهوى والباطل .. وأنا وإياه أغير على سنة إمامنا ونبينا وجدنا رسول الله صلي الله عليه واله وسلم من الشيخ ابن منيع أو الشيخ الجزائري أو الشيخ التويجرى الذين تناصروا على السيد المالكي أشرأ وبطرأ ومرجعنا جميعا إلى الله تعالى هو الحكم العدل يوم القيامة (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) ) سوره غافر الآية /17 .
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من ذكر امرءآ بشيء ليس ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه )) . رواه الطبراني بإسناد جيد وفي رواية
له: (( أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمه وهو منها برئ يشينه بها في الدنيا كان حقآ على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال ))
وروى أبو داود عن عمر رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول .( من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال) . وفي رواية الطبراني .( وليس بخارج) وقد رأيت من واجبي نصره الظلوم وهو السيد العلوي لأن الذي يعاب عنده أخوه المسلم أو يغتاب وهو ساكت علي ذلك فهو أثم في الدنيا والآخرة .
________________________________________
ولأن في حماية المؤمن المظلوم المستضعف المقهور من ظالمة الباغي المتسلط عليه أجرأ وثوابا عظيما فقد روى أبو داود عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضى الله عنه عن النبي صلي الله وسلم قال: (من حمي مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم , ومن رمي مسلما يريد به شينه حبسه الله علي جسر جهنم حتى يخرج مما قال ).
وروى أبو داود وابن أبى الدنيا وغيرهما عن جابر بن أبي طلحه الأنصارى رضى الله عنهم قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم .( ما من امرئ مسلم ينصر مسلما يخذل امرءأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته . وينتقض فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته . وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقض فيه من عرضه . وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
وعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال . من اغتيب عنده اخوة المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة .
رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ والاصبهاني كما في ترهيب المنذرى .
كيف وأن في الانتصار للمظلوم المفترى عليه السيد الشيخ محمد بن المرحوم السيد الشيخ علوي المالكي . انتصارا لعموم مذهب أهل السنة والجماعة من اتباع السلف الصالح الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم لذلك أسميت هذا الكتاب ( أدله أهل السنة والجماعة ) أو الرد المحكم المنيع على منكرات وشبهات ابن منيع.
وما توفيقي إلإ بالله عليه توكلت وإليه أنيب،
يوسف السيد هاشم الرفاعي
(( الفصل الأول ))
استعداء السلطة على الخصم بدل المحاججة
والمناظرة ليس من سنة وشيم السلف من العلماء
________________________________________
المعلوم والواضح للجميع أن الشيخ ابن منيع واعوانة من المشايخ في ( الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والارشاد )) من خصوم الشيخ السيد محمد علوى المالكي المهاجم في ( الحوار) هم في المركز القوي إذ يملكون الهيمنة المطلقة علي شئون المسلمين في البلاد ويملكون فرض آرائهم ومعتقداتهم علي خصومهم ولديهم كذلك الأموال الموضوعة تحت تصرفهم لطبع ونشر ما يريدون وما يحبون . فلماذا إذن ترك سلاح الحجة والمناظرة مع السيد العلوي واللجوء إلى السلاح (استعداء السلطة والسلطان عليه) كما بين ذلك الشيخ ابن منيع نفسه عندما نشر مقررات ومكاتبات الرئاسة العامة وشكاواها ضد السيد العلوي الذي استفرد به خصومة وضايقوه في دينه ورزقة والذي لا يملك إلا رأيه وحجته من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم . ولقد كانت الحكومة السعودية برموزها الكبيرة في موقف الشرع والحكمة والعدالة والحق عندما لم تستجب استجابة كاملة لكل ما طالب به خصوم السيد المالكي فقمعت الفتنة وأثرت التروي والحكمة وكأنها وهي خادمة ( الحرمين الشريفين) مهوى ومهبط قلوب المسلمين جميعا وكأنها وهي تحمل شعار ( العلم والإيمان ) في العالم الإسلامي كله بما فيه من أراء ومذاهب إسلامية متعددة , وكأنها وهي بلد ( الجامعات السبع ) أثبتت مصداقية التزامها بشعاراتها ومواقفها المعلنة لأن المسائل المثارة بين الشيخ السيد محمد علوي المالكي ومخالفيه من المسائل الخلافية التي طالما ثار حولها الجدل في تاريخ المسلمين منذ القرن السابع الهجري عندما خالف الشيخ ابن تيميه رحمه الله جمهور العلماء في بعض المسائل التي يتبناها حاليا الشيخ ابن منيع وجماعته .. وإذا كان البعض من محبي الشيخ ابن تيميه رأوا في حجر جمهور العلماء آنذاك علي أراء شيخ الإسلام واستعداد السلطة عليه آنذاك ومحاكمته من أجلها انتهاء بتقييد حريته وسجنه رضى الله عنه .استبداد أ وإرهابا فكريا لا يليق
________________________________________
بالعلماء ولا ينسجم مع ( حرية الفكر والتفكير والاجتهاد ) في الإسلام وهو الحنفية السمحاء فإننا نربأ بأتباعة ومحبية من أمثال الشيخ ابن منيع وشيوخه أن يسلكو هذا المسلك مع زميل لهم في العصر الحاضر يقف من حيث قلته وضعفه المادي لا العلمي .موقف الامام الشيخ ابن تيمية بالأمس ويقف خصومه منه موقف خصوم شيخ الاسلام رحمه الله بالأمس وقديما قيل
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
علما بأن الحق في الميزان الشرعي مع الشيخ السيد العلوى لأنه يعبرعن مذهب وأراء علما المسلمين وعامتهم وسوادهم الأعظم خارج المملكة وداخلها آي أتباع مذهب ( أهل السنة والجماعة ) وهم أغلبية المسلمين وقد يتعرض الشيخ ابن منيع قائلا : إن العبرة ليست بالكثرة لأن الله تعالى يقول ( إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ونحن نرد عليه قائلين : هذه الآية في حق الكثرة من (أمه الدعوة) من البشر أما بالنسبة ( لأمه الإجابة ) وهي أمه محمد صلى الله عليه وسلم فإن كثرتها مع الحق مع الجمهور من علماء المسلمين وعامتهم سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه الترمذى ورواه عن أنس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال( إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمه محمد صلي الله عليه وسلم علي ضلاله ويد الله مع الجماعة )
________________________________________
(1) هذا الحديث اخرجة الترمذي بهذا اللفظ وقال هذا الحديث غريب من هذا الوجه انظر طبعه القاهرة الحديث رقم 2256 والترمذي بشرح ابن العربي (9/11) لكن الجزء الأول من هذا الحديث وهو لا يجمع الله أمتي على ضلاله قال الحافظ العراقي رواه البيهقي في المخل من حديث ابن عباس بلفظ لا تجتمع أمتي على ضلاله ولابن ماجه من حديث أنس بلفظ أن أمتي لا تجتمع على ضلاله رقم 3950 وروى من حديث أبى ذر وابى مالك الاشعرى وابن عمر وأبى نصره وقدامه وفى كلها نظر وحسنه الترمذي أنظر تخرج أحاديث منهاج البيضاوي وللحافظ العراقي مخطوط . واما جملة يد الله مع الجماعة فقد رواه الترمذي عن ابن عباس وقال : حسن رقم الحديث 2255 ورواه الطبراني في الكبير بلفظ يد الله على يد الجماعة وعلى كل فللحديث طرق
موقف الشيخ الجزائري
اعتمد الشيخ ابن منيع في حواره على كتيب للشيخ ( أبوبكر الجزائرى ) سماه ( الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف ) في معرض تهجمه على السيد العلوي , وخاصة علماء المسلمين وعامتهم من سواد هذه الأمة , بسبب احتفالهم بالمولد النبوي الشريف واعتقاد مشروعيته , وحقيق بهذا الكتيب أن يسمي ( الاعتساف فيما قيل في المولد النبوي من الغلو والإجحاف من قبل الجفاة وأرباب الخلاف) ولا أدري هل الشيخ الجزائرى لا يزال جزائريا ام انه اصبح مواطنا سعوديا يصول ويجول كما يشاء لأنه أصدر بعد كتيبه الصغير ذلك رسالة صغيره أخرى سماها ( من وسائل الدعوة . كمال الأمة في صلاح عقيدتها – شرح أيه – وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) مؤرخة قي 29/8/1403 ه سار فيها علي منوال الشيخ ابن منيع في التهجم والهجوم علي السيد المالكي إلا أنه لم يسمه – لسبب لا أعرفه حتى الأن – وإن كان قد أشار إليه باعتباره ( مؤلف كتاب – الذخائر المحمدية – الذي نشر الاعتقادات الفاسدة الباطلة والبدع المفسقة والكفرة)
________________________________________
لقد ادعي الشيخ الجزائرى في مقدمه رسالته تلك أن هدفه النصيحة إلا أنه في ختامها لبس جلد النمور والأسود وبعد أن أسرف في مهاجمه خصومه الفكريين بعبارات قاسية , التفت الي رجالات الحكومة السعودية ورموزها فشملهم بهجومه الكاسح متهما إياهم بالفتور في دعوة التوحيد معللا ذلك بما نصه ( لانشغالهم بمهام حكمهم وتغير الظروف والأحوال عليهم) كما ورد في الصفحة ( 25) كم رسالته التي طبعت ووزعت ثلاث مرات في داخل وأمام المسجد النبوي في المدينة المنورة ولا تزال . فاتق الله أيها الشيخ فقد بقي من العمر القليل .
وموقف أخر للشيخ التويجرى
وبينما أنا أتهيأ لاختتام ردى هذا علي الشيخ ابن منيع , اصدر المدعو ( حمود بن عبدالله بن حمود التويجرى ) ولعله من طلبه العلم وشيخ المشايخ في المملكة , لأني لم اعرفه أو اسمع عنه من قبل , كما أنه لم يعرف بنفسه في مقدمه كتابه ولم يعرف به أحد كتابا سماه ( الرد القوي على الرفاعي وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي ) والكتاب كما يبدو لي من تصفح كتابه لا يخلو من إلمام بعلم الحديث الشريف كما أنه كان أكثر ورعآ وخوفا من الله تعالي من الشيخ ابن منيع فلم يطلق علي السيد المالكي أو على شخصي الضعيف ألقاب ( الشرك والكفر والضلال ) كما فعل الشيخ ابن منيع واخوانه في كتابه ( الحوار) حيث صبوا على السيد المالكي أفزع الصفات حتى اتهموه بارتكاب ( الكفر البواح ) كما ورد في مقدمه الكتاب في الصفحة (5) منه مما يعني ( إذا خاصم فجر ) ونسأله تعالي تحري الحق والعافية وأن نكون ممن ( وهدوا إلي الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) وأعود إلى كتاب الشيخ (التويجرى) لأقول إن لدي عليه الملاحظات التالية
________________________________________
1- أنه يستهل رده على كل دليل من الأدلة التي سقتها في مقالي المنشورين في جريده ( السياسة) الكويتية بتاريخ 12و23 ربيع الأول سنه 1402ه بالحديثين الكريمين ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وقوله صلي الله وعليه وآله وسلم .( كل بدعه ضلاله) وأنا لا اختلف معه في صحة هذين الحديثين الشريفين ولكني اخلف معه في فهم معناهما ومدلولهما ومفهوم البد عه والسنة . وهذا محله ( بحث البد عه والسنة) من كتابي هذا فليراجعه الشيخ التويجري .
2- أنه ركز رده وقصره على مهاجمه ( الاحتفال بالمولد النبوي الشريف) مدعيا عدم مشروعيته وحتى لا يكون هذا ( الرد) طويلا ومملا للقارئ الكريم فإني سوف أخص مشروعيه ( المولد النبوي الشريف ) برسالة خاصة تصدر قريبا بأذنه تعالي , مكتفيا بأن أنشر الآن في نهاية هذا ( الرد) مقالا قصير للدكتور الشيخ محمد سعيد بن الملا رمضان البوطي – من علماء أهل السنة والجماعة في بلاد الشام المعاصرين – حول هذا الموضوع وبيان مشروعيته وفيه الإفادة لمن يريد الحق ويهجر العناد .
3- أن مستنده الأخير تكراره وترديده أ، معظم الأدلة مستقاة ومأخوذة من كتب السيد محمد علوي المالكي . مثل كتابه ( حول الاحتفال بالمولد النبوي ) وكتابه الآخر ( الذخائر المحمدية ) مما جعل رده ركيكا ومملا ومضيعا لوقت قارئه وفيما عدا هاتين النقطتين لا نجد جديدا قدمه الشيخ التويجري في هذا الكتاب الضخم ( والرد القوي ) الذي أتعب نفسه فيه إلا تخريجه لمعظم الأحاديث النبوية التي سقتها أنا أو ساقها السيد المالكي أو ساقها هو نفسه وهذا جهد يشكر عليه ويدل على اهتمامه بعلم الحديث الشريف مما يفوق به الآخرين من أقرانه
________________________________________
وبالنسبة لاتهامه لي بالاعتماد على كتب السيد المالكي والاستعانة بأدلته على مشروعيه المولد النبوي الشريف وما سماه هو ( سرقه ) فهذا شرف لا أنكره ولم يكشف الشيخ التويجرى جديدا أو أمرا مطلسما مخيفا لو أنه رجع فيما كتبته أنا ونقله هو حرفيا في كتابه إلي ما يلي.
أنني ذكرت في مقالي – كما نقله الشيخ التويجرى عني في صفحه 67 من كتابه – بعد أن بينت أن الاحتفال بالمولد النبوي جائز شرعا قياسا على صيام النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه يوم عاشوراء الذي نجا الله تعالي فيه موسى من فرعون والغرق . بينت أن مرجعي في ذلك ( مقدمة المورد الروي في المولد النبوي لعلي القاري ) ولأن الشيخ التويجرى لم يقرأ هذه المقدمة ولم يعرف صاحبها – وهو السيد العلوي المالكي نفسه , جازف باتهامي بسرقة أدلته دون الإشارة إلي صاحبها .. وهذا مرده العجلة وسوء الظن وعدم الوقوف عند قوله تعالي (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6))
أنني ذكرت اسم السيد محمد علوي المالكي صريحا وكاملا في ذلك المقال مطالبا برفع ( الإرهاب الفكري ) ضده من قبل مخالفيه من العلماء .. وكان عنوان وموضوع مقالي ( الرد علي الشيخ عبد العزيز بن باز ) عندما هاجم الاحتفال بالمولد النبوي واعتبره شركا وبدعة . ومعروف أن السيد المالكي من أوائل الذين سوف يطلعون علي هذا المقال لورود اسمه فيه صريحا
أن الموقف الضيق الحرج بالنسبة للسيد المالكي كان يقتضي نشر أدلته الشرعية وتبينها والدفاع عنها من قبل الآخرين باعتبارها أدله عامة مشتركة لجميع مشا ركية في الرأي من أهل السنة والجماعة الذين هم السواد الأعظم للآمة الإسلامية في عالم المسلمين . وهذا ما فعله العبد الفقير متحريا به وجه الله تبارك وتعالي في بيان الحق ونصره المظلوم.
وأخيرا .. هل تقبل شهادة ابن منيع علي السيد المالكي ؟
________________________________________
الجلي البين في كتاب الشيخ ابن منيع الذي كرسه للهجوم علي الشيخ السيد محمد علوي المالكي .أنه يتبرأ من عقيدته وآرائه وأفكاره . فهو إذن مخالف له في العقيدة علما بأن كل من اطلع علي الكتاب الخير للسيد المالكي ( قل هذه سبيلي) وخاصة في فصل الإيمان والعقيدة . علم وتيقن صفاء وسلامه عقيد ته وتوحيده وكذب وافتراء مخالفيه عليه مما سيحاسبون عليه يوم القيامة حسابا عسيرا وبمناسبة الحديث عن هذه المسألة الهامة وهي ( المخالفة في العقائد) بين الاثنين . أود أن أورد كلاما نفيسا للأمام العلامة المحقق ( تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنه 702 ه) والذي قال عنه الذهبي في تذكره الحفاظ ج4 ص 1481( الإمام , الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة . شيخ الإسلام) .
وقد ذكره في ( باب معرفة الضعفاء ) وهو الباب الثامن من كتابه ( الاقتراح في بيان الاصطلاح) تحقيق قحطان الدوري – طبع مطبعة الإرشاد في بغداد سنة 1402ه – 1982 م . حيث قال ما نصه وهذا الباب تدخل فيه الآفة من وجود أحدها وهو شرها الكلام بسبب الهوي والغرض والتحامل.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ ( صاحب الاستيعاب) أمورا كثيرة عن أقوام من المتقدمين وغيرهم . حكم بأنه لا يلتقت إليها وحمل بعضها على أنها خرجت عن غضب وحرج من قائلها . ومن رأيه أن من اشتهر بحمل العلم فلا يقبل فيه جرح إلا بيان هذا أومعناه ،
وثانيا المخالفة في العقائد فأنها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبد يعهم وأوجبت عصبيه اعتقدها دينا يتدينون به ويتقربون به الي الله تعالي ونشأ من ذلك الطعن بالتفكير أو التبديع وهذا موجود كثيرا في الطبقة المتوسطة من المتقدمين ,
________________________________________
ثم ختم الامام ابن دقيق العيد كلامه النفيس هذا بقوله ( والذي تقرر عند نا أنه لا تعبير المذاهب في الروايةإذ لا نكفر احدا من أهل القبلة ) وفي الحاشية ذكر محقق الكتاب ان نصر الامام ابن دقيق العيد ورد في شرح ( العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 355) ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب , ما لم يستحله ) . وبهذا الكلام النفيس نتحصل علي جواب السؤال عن مدي صحة قبول شهادة ابن منيع علي السيد المالكي للمخالفة في العقائد من جهة ولكون الشيخ ابن منيع خالف رأي العلماء من السلف الصالح كالامام ابن دقيق العيد الذين لا يبحون أبدا تكفير احد من اهل القبله والاسلام خاصة إذا انعدم الدليل والبرهان الساطع البين الصريح ,
الطعن والتشكيك في الأنساب من الكبائر
المعلوم لطلبه العلم والعامة فكيف للعلماء قوله صلي الله عليه وآله وسلم ( الناس مؤتمنون علي أنسابهم ) وأن ( الطعن في الإنسان من الكبائر ) فكيف بعد هذا يتحمل الشيخ ابن منيع ويوافقه المشايخ المراجعون لكتابه والرئاسة العامة التي صدر الكتاب في ( ثلاث طبعات) حتى الآن علي حسابها من أموال ( بيت مال المسلمين ) علي المساس بالأنساب غمزا ولمزا حيث ورد في ( الحوار) بحق السيد المالكي قول المؤلف( ص 42 ) :
لقد نشرنا أملنا في أن تكون شهادته نبرا سا له في طريق الدعوة إلي بما يرضيه جده صلي الله عليه وسلم على افتراض صحة نسبته إليه . وقوله في الصفحة (191) وكم أتمني أن يكون المالكي وهو يذكر أنه أحد أسباط رسول الله صلي الله عليه وسلم . وهذه صيغه تمريض كان يجب أن يتبرأ منها ويتورع عنها من أقل علما من المؤلف وانتسابا للعلم الشريف . اللهم ألبسنا ثوب الورع العميم وأعدنا بحولك وقوتك من العذاب الأليم فليس المؤمن بسباب ولا فاحش ولا بذئ
________________________________________
واجعلنا اللهم من أحباب أهل بيتك الكريم الذين قلت فيهم ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربي) وقال فيهم صلي الله عليه وآله وسلم ( احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي) أخرجه الترمذي وحسنه الطبراني عن ابن عباس . ورحم الله القائل.
كانت مودة سلمان لهم رحم * ولم يكن بين نوخ وابنه رحم ،
*( الرد على الحوار ) *
قال الشيخ ابن منيع ( إن المالكي بما قرأنا له في كتابه – الذخائر المحمدية – من أن الخلق خلقوا لأجل محمد وأن محمدا له علم شامل , ويعلم الروح والأمور الخمسة التي اختص الله تعالي بعلمها وأن له مقاليد السموات والأرض ) إلي أخر ما قاله في حواره ص 186 ولي علي ما سبق الردود التالية مستعينا بحوله تعالي وقوته القوية فأنه لا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم ..
الفصل الثاني
ولأجله خلقتك
يذكر بعض العلماء في كتب المناقب أن من جمله خصائصه صلي الله عليه وسلم أن الكون خلق لأجله وممن ذكر هذه الخصوصية الحافظ جلال الدين السيو طي والحافظ القسطلانى والشيخ الزرقاني وصحح أحاديث هذه الخصوصية الحافظ الحاكم والسبكي والبلقيني ، فقد أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني في الصغير وأبو نعيم وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( لما اقترف أدم الخطية قال : يارب بحق محمد لما غفرت لي قال وكيف عرفت محمدا ؟ قال لانك خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعملت أنك تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك قال صدقت يا أدم ولولا محمد ما خلقتك . قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد وقال الذهبي بل هو موضوع
( المستدرك وتلخيصه ج2/651) ( والمواهب اللد نية وشرحها ح1ص 62)
________________________________________
قلت وقول الذهبي أنه موضوع تعنت منه وهذا ليس بغريب لأنه معروف في ميزان الجرح والتعديل بأنه من المتشددين وقد ذكر هذا الحديث البيهقي في كتابه المشهور دلائل النيوه وهو ملتزم أن يخرج حديثا في كتابه يعلم انه موضوع كما نص عليه الحافظ السيوطى في كتابه التوحيد من اللالي المصنوعه ةقد ذكر في هذا الكتاب وهي ضعيفه وأنه يكتفي بالصحيح ( ص 5 دلائل النبوه ) وقد قال الذهبي عن هذا الكتاب أي ( دلائل النبوه ) عليك به فإنه كله هدي ونور اه من شرح المواهب ح1ص 62 وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في كتابه دلائل النبوه في باب ماجاء في تحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم بنعمه ربه عز وجل ولقوله تعالي (وأما بنعمه ربك فحدث ) ثم قال بعد أن ساقه تفرد به عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف ا ه وأيدك ذلك الحافظ عماد الدين ابن كثير حيث نقل هذا الحديث في كتابه البدايه والنهايه ولم يتعرض عليه بشئ ( البداية 1/180 ) وأخرج الحاكم وصححه وأقره السبكى والبلقينى عن ابن عباس رضىالله عنهما قال أوحي الله إلي عيسى أمن بمحمد وبمن أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت أدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش علي الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله الا الله محمد رسول الله فسكن . قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (2/615) وقال الذهبي قلت أظنه موضوعا علي سعيد قلت وذكر هذا الحديث الإمام محمد بن يوسف الشامي في كتابه المعروف بالسيرة الشامية وقال رواه ابو الشيخ في طبقات الاصفهانيين والحاكم وصححه وأقره السبكى وشيخ الاسلام البلقيني في فتاويه وقال الذهبيى في سنده عمرو بن أوس لايدرى من هو . وروي الديلمي في مسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال أتاني جبريل فقال يامحمد إن الله يقول لولاك ماخلقت الجنه ولولاك ماخلقت النار ( السيره الشاميه وذكر الحيث أيضا السبكى في شفاء السقام وصححه ص
________________________________________
163) كما ذكر الحديث الشيخ ابن تيميه في فتاويه الكبرى ج2/151 وقال روى أبو النعيم الحافظ في كتابه دلائل النبوه ومن طريق الشيخ أبي الفرج بسنده إلي عمر بن الخطاب قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لما أصاب أدم الخطيئة رفع رأسه فقال يا رب بحق محمد إلا عفرت لي فأوحي إليه وما محمد ومن محمد ؟ فقال يا رب إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلي عرشك لفاذا عليه مكتوب لاإله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع سمك فقال نعم قد غفرت لك وهو أخر الانبياء من ذريتك ولولاه ماخلقتك قال ابن تيميه . فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للاحاديث الصحيحه قلت فهذا يدل علي أن الحديث عند ابن تيميه صالح للاستشهاد والاعتبار لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين وأنت تري أن الشيخ استشهد به هنا على التفسير وبهذا ظهر أن الحديث هذا صححه جماعه من العلماء لا يستهان بهم كالحاكم والسبكى والبلقينى والبيهقي إذ أخرجه في كتابه الذي شرط فيه أن لايخرج الموضوعات وكذلك ابن كثير والقسظلاني والزرقاني وكون الذهبي رده أو حكم بأنه موضوع لا يؤثر شيئا وليس رأي الذهبيى بأولى من رأي الحاكم والبيهقي فمن رد الحديث من أجل فساد المعني فهذا إجتهاد منه في الفهم ونحن نقبله من اجل حكم الحاكم والبيهقي ومن قال ان الحاكم بالوضع وقد حكم كثير من العلماء على أحاديث بالوضع فلم يسلم قولهم كابن الجوزى فأنه أورد في كتابه ( الموضوعات الكبرى ) الضعيف بل الحسن بل الصحيح مما هو في سنن أبى داود وجامع الترمزي وسنن ابن ماجه ومسترك الحاكم وغيرها من الكتب المعتمده بل فيه حديث في صحيح مسلم حتي قال بعض العلماء ومن عجيب نايرى للمسلم * فيه حديث من صحيح مسلم . والحديث يدل علي مزيد التكريم لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم ولا يعارض شيئا منأصول التوحيد وليس فيه انتزاع لحق من حقوق الربوبيه أوصفات الألوهيه بل إنه تشهد له كثير من
________________________________________
الحقائق المعتبره فمن ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه العزيز النبي صلي الله عليه وسلم رحمه للعالمين قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين ) فثبت أنه صليى الله عليه وسلم رحمه وأن هذه الرحمه للعالمين ولا بد لتحقيق هذه الرحمه من وجود العالمين فهم مظهر تحقق تلك الرحمه فلا حرج أن يقال إن العالم خلق من أجل تلك الرحمه المتعلقه به ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالي قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ) وهذا يفيد أن من الحكم الالهيه لايجاد الخلق هو العباده له سبحانه وتعالي وهذه العباده التي من أجلها خلف الخلق لاتكون إلافي الدنيا فهي مظهر تلك العباده ومحلها ومشهدها فمن لازم القضيه أن نقول أن الكون كله خلق من أجل إقامه العباده لله سبحانه وتعالي فلا حرج لوقال قائل ان الله سبحانه وتعالي خلق الكون من اجل عباده الخالصين والمخلصين العابدين الطائعين . ومحمد صلي الله عليه وسلم
نظائر لهذا التكريم الإلهي
________________________________________
وقد وقع من نوع هذا التكريم لأفراد من هذه الأمة وغيرهم من اتباع الرسل فيغفر الله سبحانه وتعالي لهذا من اجل هذا ويسامح هذا من اجل هذا ويشفع هذا في هذا كما جاء في أحاديث عرفه أن الله تعالي يقول للملائكة في حق الواقفين بعرفه الداعين إني أجبت دعاءهم ووهبت مسيئيهم لمحسنيهم ( رواه أبوعلي ) وفي رواية الطبراني عن النبي صلي الله عليه قال ( إن الله وهب مسيئكم لمحسنكم وأعطي امحسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله ) فلما كان ( بجمع ) قال إن الله عز وجل قد غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في كالحيكم . وفي رواية للبيهقى أن الله تعالي يقول ( إني قد غفرت له وشفعته في نفسه ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف) . وهذه الأحاديث ذكرها الحافظ المنذرى في الترغيب والترهيب في كتاب الحج ج3ص 323 وهي صالحة للاحتجاج وبمجموعها يصير الخبر صحيحا . وقد جاء أن عباد الله الصالحين من يرزق الله الكون لأجلهم فبهم يسقى العباد وينصرهم ويغيثهم ويدفع البلاء عنهم ويجلب الخير لهم ويرحم بهم أهل الأرض جميعا . عن على رضي الله عنه قال أني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ( البدلاء بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات جل أبدله الله رجلا مكانه يستسقي بهم الغيث وينصر بهم علي الأعداء ويصرف عن أهل الشام العذاب ) . رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد وهو ثقه وقد سمع من المقداد وهو أقدم من علي . وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : ( الإبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل خليل الرحمن عز وجل كلمات مات رجل أبدل الله تعالي مكانه رجلا) رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الواحد بن قيس وقد وثقه العجلي وأبو زرعه وضعفه غيرهما . وعن عباده بن الصامت قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يزال في أمتي ثلاثون بهم يقوم الأرض وبهم تمطرون وبهم تنصرون قال قتاده إني أرجو أن يكون الحسن منهم . رواه الطبراني من طريق عمر , والبراز
________________________________________
عن عنبسة الخواص وكلاهما لهم أعرفه وبقيه رجاله رجال الصحيح . وعن أنس قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم تسقون وبهم تنصرون مامات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه أخر قال سعيد سمعت قتادة يقول لسنا نشك أن الحسن منهم , رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن( مجمع الزوائد 10/ص 62) عن أبى ألد رداء قال : قال رسول الله صلي الله وسلم : من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرون مره كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض رواه الطبراني وهو حسن كذا في الجامع . بل إن الله سبحانه وتعالي أكرم بأسرها ومعها نبيها لأجل نمله حقيرة فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال عنه قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقي فإذا هو بنمله رافعه بعض قوائمها إلي السماء فقال : ارجعوا فقد أستجيب لكم من أجل هذه النمله رواه الدار قطني ( مشكاة المصابيح ج1ص 478) فإذا صح أن يقال أن الله لأجل نمله سقي أمة بأسرها وفيها نبيها وصالحوها وأولياؤها فما المانع أن يقال ان الله خلق أدم لأجل محمد صلي الله عليه وسلم ومعلوم أن المقصود بمحمد هو ذاته وشريعته ورسالته الخاتمة الكاملة العامة فا لله خلق أدم والكون من أجل محمد للأيمان به ونصرته وتأييده والإقرار برسالته التي ختم بها الرسالات واكمل بها الدين وتمم بها مكارم الأخلاق . وقد جاء أن الله تعالي أخذ العهد والميثاق عل جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا بمحمد صلي الله عليه وسلم إذا أدركوه وأن ينصروه ويؤيدوه ويكونوا من أتباعه وأن يأخذو مثل هذا العهد علي أممهم قال تعالي (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
________________________________________
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) قال علي وابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق , لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق علي أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . قال ابن كثير فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائما إلي يوم الدين , هو الإمام الأعظم الذي لووجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم علي الأنبياء كلهم ولهذا كان إمامهم ليله الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس .وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل حلاله لفصل القضاء بين عباده وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتي تنتهي النبوة إليه فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه .
استشاره الحق سبحانه وتعالي نبيه محمدا
________________________________________
ومن نظائر هذا التكريم ما جاء في الحديث أن الله سبحانه وتعالي استشار نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم في شأن الأمة . عن حذيقه قال : غاب عنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج فلما خرج سجد سجده حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها فلما رفع رأسه قال إن ربي عز وجل استشارني أمتي ماذا – أفعل بهم قلت ما شئت ربي هم خلفك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك فقال لا نخزيك في أمتك يا محمد وأخبرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم وحساب ثم أريل إلي فقال ادع تجب وسل تعط فقلت لرسوله أو معطي ربي عز وجل سؤلي قال ما أرسلني إليك الا ليعطيك ولقد اعطاني ربي عز وجل ولا فخر وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخروانا أمشي حيا صحيحا وأعطاني ان تجوع أمتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر من الجنه يسيل في حوضي وأعطاني العز والنصر والرعب يسير بين يدي أمتي شهرا وأعطاني أني أول الأنبياء ادخل الجنه وطيب لي ولأمتي الغنيمة وأجل لنا كثيرا مما شدد علي من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج . رواه احمد . قال الهيثمى إسناده حسن (ج10ص 68 مجمع الزوائد) . وبهذا ظهر أن من قال بهذه الخصوصية وأثبتها للنبي صلي الله عليه وسلم هم رجال لا يستهان بهم من أئمة هذه الأمة وحفاظها كالحاكم والبيهقي والسبكى السيوطى وابن الجوزي والزرقاني والقسطلاني لهم دليل يستمسكون به وأصل يرجعون إليه لا من هواهم أو تعصبهم وبقي بعد ذلك البحث في صحة هذا الأصل أو عدم صحته وللمنكر أن يقول إن الأصل بيس بصحيح مثلا فينبني عليه عند من يعرف أصول البحث والنظر أن يقال للمستمسك به إنه مخطئ ولا يصل به الحال إلي أن يقال عنه إنه مشرك أوصال ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) إن هذه المسألة ل صله لها بالشرك والكفر , وإنما يدور البحث فيها بين الصواب والخطأ والبطلان .
الفصل الثالث
النبي صلي الله عليه وسلم وعلم الغيب
________________________________________
العلم بالغيب علمان . علم اتي مطلق تفصيلي محيط بجميع المعلومات الالهيه بالاستغراق الحقيقي وهذا خاص بالله جل جلاله لا يشاركه فيه أحد ومن أثبت شيئا منه ولو ادني من ذره لاحد من العالمين فقد كفر وأشرك وبار وهلك , وعلم عطائي مكتسب من الله تعالي لبعض عباده مثل الأنبياء عليهم السلام قال تعالي : 1-( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)
2-وقال تعالي (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)
3- وقال : (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ)
4- وقال : (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا )
5- وقال : (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)
إلي غير ذلك من آيات كثيره . وهذا ما وفق إليه العلماء الإثبات في آيات النفي والإثبات –كما قال الإمام أبو ذكريا النووي في فتاواه والإمام ابن حجر المكي في ( الفتاوى الحيثيه ) وغيرهما أن معناها ( لا يعلم ذلك استقلالا وعلم أحاطه بكل المعلومات إلا الله تعالي . ولا يمكن أن تخطر شبه مساواة علم المخلوقين طرأ أجمعين بعلم رب العالمين لأنه علمه تعالي ذاتي وعلم الخلق عطائي علم الله واجب لذاته وعلم الخلق ممكن له علم الله أزلي سرمدى قديم حقيقي الخلق – ومنهم الأنبياء حادث لأن الخلق كله حادث والصفه لا تتقدم الموصوف علم الله غير مخلوق وعلم الخلق مخلوق علم الله غير مقدور وعلم الخلق مقدور ومقهور علم الله تعالي واجب البقاء وعلم الخلق جائز الفناء علم الله ممتنع التغير وعلم الخلق ممكن التبدل ( الدوله المكية بالماده الغيبية : للشيخ العلامة احمد رضا خان رحمه الله .
المنهج السليم للاستدلال بآيات القرآن الكريم
________________________________________
إن ملاك الأمر ومناط النجاة الإيمان بالكتاب كله , وما ضل أكثر من ضل إلا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كالقدرية آمنوا بقوله تعالي ( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) وكفروا بقوله تعالي ( والله خلقكم وما تعلمون ) والجبرية أمنوا بقوله تعالي ( وما تشآون إلا أن شاء الله رب العالمين ) وكفروا بقوله تعالي ( ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) , والخرواج أمنوا بقوله تعالي ( وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين ) وكفروا بقوله تعالي ( إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) والمرجئة أمنوا بقوله تعالي ( لاتقطنوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا أنه هو الغفور الرحيم) وكفروا بقوله تعالي ( من يعمل سوءا يجز به ) وأمثال ذلك كثير , دليل علمه الغيب ( صلي الله عليه وسلم) من القرآن الكريم . والقرآن الكريم الذي نص أنه ( لايعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) نص أيضا أنه ( لا يظهر علي غيبه أحدا إلا من ارتضي من رسول الله ) وقال ( وما كان الله ليطلعكم علي الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) وقال ( وما هو علي الغيب بضنين) وقال ( وعلمك ما تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقال تعالي ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) وقال تعالي ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كانت لديهم إذ يختصمون ) وقال تعالي ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ) إلي غير ذلك من الآيات , فهذا ربنا تبارك قد نفي نفيا لا مرد له أنه ( لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فالكل حق والكل إيمان ومن أنكر شيئا منهما فقد كفر بالقرآن . فمن نفي مطلقا ولم يثبت بوجه فقد كفر بآيات الإثبات ومن أثبت مطلقا ولم ينف بوجه فقد كفر بالآيات النافيات والمؤمن يؤمن بالكل ولا تتفرق به السبل . نعم قال النبي صلي الله عليه وسلم (
________________________________________
خمس لا يعلمهن إلا الله ) وقال الله عز وجل ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فخصص الرسول وعمم الآلة وآنا بكل مؤمنون .. فإن الخصوص لا ينفي العموم فلا يعلم الخمس إلا الله ولا يعلم غيرها من الغيوب التي هي أعلي وأشرف وأدق وألطف منها إلا الله بل لا يعلم أحد شيئا إلا الله بل لا وجود حقيقيا إلا الله وقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم أصدق كلمه قالتها العرب قول لبيد ( ألا كل شئ ما خلا الله باطل ) ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه صلي الله عليه وسلم قد أحاط بجميع معلومات الله سبحانه وتعالي فإنه محال للمخلوق ذلك .
دليل علمه الغيب صلي الله عليه وسلم من الأحاديث الشريفة :
________________________________________
قال الله تعالي ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) حسبنا حديث البخاري عن أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه قال ( قام فينا النبي صلي الله تعالي عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنه منازلهم وأهل النار منازلهم ) وحديث مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه في خطبته صلي الله عليه وسلم من الفجر إلي الغروب وفيه ( فأخبرنا بما كان وبما هو كائن , فأعلمنا أحفظنا ) وحدي الصحيحين عن حذ يفه رضي الله تعالي عنه قال ( قام فينا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا سيكون في مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدث به ) وحديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وفيه قوله صلي الله عليه وسلم ( فرأيته عز وجل وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثدي فتحلي لي كل شئ وعرفت) صححه البخاري الترمذي وابن خزيمه والآئمه بعدهم وحديثه عن ابن عباس رضي الله تعالي عنهما وفيه قوله صلي الله عليه وسلم ( فعلمت ما في السموات والأرض ) وفي أخري ( فعلمت ما بين المشرق والمغرب ) وحديث مسند الامام احمد لرضي الله عنه وطبقات ابن سعد وكبير الطبراني بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري وحديث أبي يعلي وابن منيع والكبراني عن أبي الدر داء رضي الله تعالي عنهما قالا ( لقد تركنا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما) وفي الصحيحين في حديث الكسوف( مامن شئ لم أكن أريته إلا إلا أريته في مقامي هذا) أوكما قال صلي الله عليه وسلم , الطبراني في كبيره وتعيم ابن حماد في ( كتاب الفتن ) وأبي نعيم في ( الحليه) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( إن الله رفع لي الدنيا فأنا انظر إليها والي ما هو كائن فيها آلي يوم القيامة كأنما انظر إلي كفي هذا) جليانا من الله تعالي جلاه لنبيه كما جلاه للنبيين من قبله ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات
________________________________________
والأرض وليكون من الموقنين ) صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
إقراره صلي الله عليه وسلم وعدم إنكاره لمن نسب إليه علم الغيب من الله تعالي .
وقد أنشد سواد بن قارب رض الله تعالي عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قائلا . فأشهد أن الله لا شئ غيره* وأنك مأمون علي كل غائب وأنك ادني المرسلين شفاعة * إلي الله يا ابن الأكرمين الأطايب فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب , هكذا رواه في المسند وإن كانت الرواية الأخرى ( لا رب غيره) بدلا من ( لاشيء غيره) فسيدنا سواد بن قارب في مديحه ,
نفي الوجود عن كل شئ سوي الله تعالي لأن ( كل شئ هالك الا وجهه) أو نفي ربوبيه من سواه
أثبت علم المغيبات لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم حيث جعله أمينا عل جميع الغيوب والجاهل بالشيء لا يكون أمينا عليه ,
أمن بأن نبينا صلي الله عليه وسلم قد أعطي الشفاعة كما قال صلي الله عليه وسلم ( واعطيت الشفاعة )
( توضيح وبيان )
علي أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أن علمه صلي الله عليه وسلم مماثل ومسا ولعلم الغيب أو لعلم أي واحد من أمته لأن الله تعالي عندما علمه أن يقول ( إنما أنا بسر مثلكم) علمه آن يضيف إليها ( يوحي إلي) وأينا يوحي إليه ؟ وقد عاب الله تعالي في محكم كتابه علي المشركين ( ادعاء المثلية ) مع الأنبياء وزعمهم إياها لقولهم ( ما انتم إلا بشر مثلنا) , إن النبي صلي الله عليه وسلم علم الغيب المكتسب الحادث من علم الله تعالي الذاتي القديم بدليل ما سبق من قوله تعالي ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113) فقد امتن سبحانه وتعالي في هذه الآية علي حبيبه صلي الله عليه وسلم بتعليمه ما لم يكن يعلم وختم الامتنان بما دل علي عظمه تلك آلمنه العظمي وفخامة النعمة الكبرى فقال ( وكان فضل الله عليك عظيما) ,
علم اللوح والقلم
________________________________________
وعلي ضوء ما سبق نستطيع أن تفهم ونتأول معني قول الأمام البوصيرى رضي الله عنه ( ومن علومك علم اللوح والقلم) فقد قال العلامة علي القاري في ( الزبده) شرح البرده تحت البيت المذكور توضيحه ( أن المراد بعلوم اللوح ما أثبت فيه من النقوش القدسية والصور الغيبيه وبعلم القلم ما أثبت فيه كما شاء تعالي وما في اللوح المحفوظ إلا الدنيا فإن الآخرة بعد اليوم الآخر ووراء ها ذات الله سبحانه وتعالي وصفاته التي لا يسعها لوح ولا قلم وقد قال الله تعالي في الدنيا ( قل متاع الدنيا قليل) فأني يقع ما استقله الله تعالي مما استعظمه وكبر شأنه مع آن علمه صلي الله عليه وسلم قد تعدي حسب مامر بنا من أحاديث شريفة صحيحه علم ما كان وما سيكون في الدنيا آلي ما بعد اليوم الأخر من الحشر والنشر والحساب والكتاب ومشاهد ومواقف يوم القيامة مما بينه صلي الله عليه وسلم لأمته من تفاصيل ما هنالك من الثواب والعقاب إلى نزول الناس منازلهم من الجنه والنار إلى ما بعد ذلك مما شاء الله تعالي إعلامه له كما أنه صلي الله عليه وسلم علم من ذاته عز وجل وصفاته ليه الإسراء والمعراج وقبلها وبعدها ما لا يحصي قدره الا الله المانع تلك العطايا لمصطفاة وهكذا يمكن فهم وتأويل ما ذكره . البوصيرى من أن ( علم ما كان وما سيكون المثبت في اللوح المحفوظ ) بعض من علوم نبينا صلي الله عليه وسلم التي اطلعه الله عليها والحاصل ان الشيخ ابن منيع اقام الدنيا واقعدها علي السيد المالكي عند نقله ماقاله البوصيرى ( ص 126 وغيرها ) ولم يتأمل ويتأول بل سارع الي القول بما اخفه عبارة ان خصمه ولم يكن الا ناقل عباره ( ضال مضل متنكب عن صراط الله المستقيم) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كيف نفهم الآية الكريمة وحديث ( خمس لا يعلمهن إلا الله )
________________________________________
نعم قال الله تعالي ( أن الله عنده علم الساعه وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تجرى نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي ارض تموت إن الله عليم خبير) فهل في هذه الآية دليل علي اختصاص الخمس بمولانا وربنا تبارك وتعالي شأنه وهل هي تدل علي الحصر والقصر أجاب علي هذا السؤال والتساؤل أحد العلماء المحققين فقال ( إنه ليس في هذه الآيات دلاله اختصاص فضلا عن خصوصيته الاختصاص ( العلامة الشيخ احمد رضا خان( الدولة المكية ) ـ فإنه تعالي عندما يقول ( ينزل الغيث) ويقول ( يعلم ما في الأرحام) فمجرد الذكر في مقام الحمد لا يوجب الاختصاص مطلقا فقد مدح الله سبحاه وتعالي نفسه بالسمع والبصر والعلم ( بأنه السميع البصير العليم) ووصف بها عباده أيضا ( جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ومن ذلك قوله تعالي علي لسان موسى عليه السلام ( لا يضل ربي ولا ينسي) والأنبياء أيضا منزهون عن الضلال ( يا قومي ليس بي ضلالة ) وقال تعالي ( إن الله لا يظلم مثقال ذره ) والأنبياء أيضا مبرؤون عن الظلم ( قال لا ينال عهدي الظالمين) وفي إرشاد الساري شرح صحيح البخاري من تفسير ( سوره الرعد) ما نصه ( ذكر خمسا وإن كان الغيب لا يتناهي لأن العدد لا ينفي الزياده ) أ ه
وذكر البدر العيني في ( عمده القاري شرح صحيح البخاري ) ما نصه( قال القرطبي لا مطمع لاحد في هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث وقد فسر النبي صلي الله عليه وسلم قوله تعالي ( وعنده مفاتح الغيب) بهذه الخمس ثم قال ( فمن ادعي علم شئ منها غير مسند الي رسول الله صلي الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه ) فانظر كيف قصر ( التكذيب ) علي من لم يسند له صلي الله عليه وسلم
الله تعالي اطلع نبيه صلي الله عليه وسلم علي علم هذه الخمس
أ – أعلامه تعالي له بما في الأرحام
________________________________________
فقد أخرج الطبراني في الكبير وابن عساكر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم دخل علي أم إبراهيم ( ماريه) القبطية وهي حامل منه بإبراهيم ( فذكر الحديث وفيه أن جبريل أتاني فبشرني أن في بطنها غلاما وهو أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم ) قال الأمام السيوطى في الجامع الكبير سنده حسن ,
اخرج الخطيب وأبو نعيم في ( الدلائل ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثتني أم الفضل قالت ( مررت بالنبي صلي الله عليه وسلم فقال إنك حامل بغلام فإذا ولدته فأتيني به قالت يا رسوال الله أني لي ذلك وقد تحالف قريش أن لا يأتوا النساء قال هو ما أخبرتك قالت فلما ولدته أتيته فأذن في أذنه اليمني وأقام في اليسرى وألها من ريقه وسماه عبد الله وقال . أذهبي بأني الخلفاء حتي يكون منهم السفاح حتي يكون منهم المهدي فقد علم صلي الله عليه وسلم من علم ربه تعالي ما في الأرحام كما مر في هذين الحديتين ،
بل روي الأمام مالك رضي الله عنه ورواه الأمام البخاري مختصرا عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر رضي الله عنه نحلها جدا د عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاه قال يابنيه واله ما من الناس أحد احب إلي غني منك ولا أعز علي فقرا بعد لي منك وإني كنت نحليك جدا د عشرين وسقا فلو كنت جدد ته وأحرزته كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه علي كتاب الله فقالت ياأبت والله لو كان كذا وكذا لاركته إنما هي أسماء فمن الأخري فقال – ذو بطن بنت خارجه أراها جارية – ولابن سعد في الطبقات .قال رضي الله عنه( ذات بطن ابنه خارجه قد ألقي في روعي أنها جاريه فاستوصي بها خيرأ فولدت أم كلثوم)
________________________________________
وقد صح وثبت في أحاديث كثيره صحيحه أن بالرحم ملكا موكلا يصور الولد ذكرا أو أنثي وحسنا وقبيحا ويكتب أجله ورزقه وشقي أم سعيد فهو يعلم ما في الرحم ويعلم ما من الله مايجرى عليه
ب – إعلامة تعالي له بنزول الغيث والمطر
قال الأمام السيوطي في ( الخصائص الكبرى ) باب إخباره صلي الله عليه وسلم عن السحابة التي أمطرت باليمن.
1-أخرج البيهقي عن ابن عباس قال – أصابتنا سحابه فخرج علينا النبي صلي الله عليه وسلم فقال إن ملكا موكلا بالسحاب دخل علي أنفا فسلم علي وأخبرني أنه يسوق السماء إلي واد باليمن يقال له ( ضريح) فجاءنا راكب بعد ذلك فسألناه عن السحابة فأخبر انهم مطروا في ذلك اليوم .فقال البيهقي وله شاهد مرسل عن بكر بن عبد الله المزني أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبرنا عن مالك السحاب أنه يجئ من بلد كذا وأنهم مطروا يوم كذا وأنه صلي الله عليه وسلم سأله متي تمطر بلدنا – فقال يوم كذا وعنده ناس من المنافقين فخفظوه ثم سألوا عن ذلك فوجدوا تصديقه فأمنوا وذكروا ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فقال لهم( زادكم الله تعالي إيمانا )
2-وهذا نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام يقول لأهل مصر( تزرعون سبع سنين دأبا) ويقول يأتي من بعد ذلك سبع شداد – وثم يقول ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)
ج- شواهد غيبية أخرى له صلي الله عليه وسلم
وقد كان صلي الله عليه وسلم يعلم عن ربه أن وفاته بالمدينة فقد قال للأنصار الكرام ( المحيا محياكم والممات مماتكم) رواه مسلم عن أبي هريرة .
4-وقال لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه الي اليمن ( يامعاذ انك عسي أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدى هذا وقبري ) رواه الأمام احمد في مسنده
________________________________________
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه ( ندب رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتي نزلوا بدر فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا مصرع فلان ويضع يده علي الأرض ها هنا وها هنا قال فما ماط أي نازال وما تجاوز أحدهم عن موضوع يد رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي خديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه تعالي عنه ( والذي بعثه بالحق ماأخطاوا الحدود التي حدها رسول الله صلي الله عليه وسلم ) رواه الأمام مسلم ( أه)
إخباره صلي الله عليه وسلم بشئ من المغيبات
________________________________________
المعلوم أن اسم النبي مشتق من ( النبوة ) أو ( النبوءه) وهي التنبؤ بالعلم الغيبي الغائب عن غيره من البشر نقلا عن ربه تعالي الذي زوده بها( حجه له علي قومه) . ومن معجزاته صلي الله تعالي عليه وسلم اطلاعه علي المغيبات وإخباره عنها فكان يظهر ذلك كفلق الصبح وقد وصلت أخبارها الينا بالتواتر القطعي الذي لا يقبل الجحود ولا يمكن فيه شئ من الحمحمة وتلك الاخبار السعيدة كثيره لا تعد . وقد مر بنا منها أنه روي عن حذ يفه رضي الله تعالي عنه أنه قال . قال فينا رسول الله صلي الله عليه تعالي وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون في مقامة ذلك إلي قيام الساعه إلا حدث به حفظه ونسبه من نسيه قد علمه ( أي هذا الخبر ) أصحابي هؤلاء من الصحابة الحاضرين . وإنه ليكون منه الشئ قد نسيته فأعرفه وأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل اذا غاب عنه ثم اذا أراد عرفه . ثم قال حذ يفه ماأدري أنسي أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم من قائد فتنه إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائه فصاعدا إلا قد سماه لنا إسمه واسم أبيه وقبيلته رواه الشيخان. وعن أبي ذر رضي الله تعالي عنه انه قال لقد تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا من علما( أي أفهمنا من ذلك الطائر أ, تحريكه شيئا من الأحكام إجمالا أو تفضيلا) لرواه احمد بن حنبل والطبراني بسند صحيح وأبو يعلي وابن منيع عن أبي الدرداء وهو عن أبي ذر رض الله تعالي عنهم . وفيما أخرجه أهل الصحيح كالشيخين وابن حبان وابن خزيمه والحاكم والإمام مالك احمد بن حنبل أن رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم أعلم أصحابه أمور كثيره من الغيوب ووعد بظهورها فأخبر عن ظهورهم وغلبتهم علي اعدائهم فظهروا وغلبوا وفق إعلامه وإخباره عليه من الله أتم الصلاه والسلام كما رواه الشيخان بلفظ تخريجهما . وأخبر عليه السلام أيضا عن فتح مكة فوقع فتحها غي حياته الشريفة
________________________________________
عليه اجل وأذكي السلام , وهذا معروف عند المفسرين والمحدثين وأصحاب التواريخ ورواه الشيخان ايضا بلفظهما . وأخبر عليه الصلاه والسلام ايضا عن فتح بيت المقدس فوقع الفتح كما أخبره رواه البخاري بلفظه عن عوف بن مالك . وأخبر عن فتح اليمن والشام والعراق فوقع الفتح في كل مكان منها وفق إخباره عليه من الله السلام كما رواه الشيخان ايضا تخريجهما وأخبره عليه الصلاه والسلام ايضا عن ظهور الأمن حتي تظعن المرأه ( أي ترحل وتسير) من الحيرة بكسر المهلمه ومدها ( مدينه بقرب الكوفه ) الي مكه لا تخاف إلا الله رواه البخاري بلفظه . وأخبر عليه السلام أيضا لأن المدينة ستغزي ( أي ستحارب وتقاتل ) رواه الشيخان بلفظهما. وهنا يقتضي التوفيق بين كلام الإمام النووي والإمام التلمساني لأن الأول ذهب الي أن تلك المحاربة تقع قرب الساعة وذهب الثاني الي أنها وقعت في زمن يزيد بن معاوية فإنه قد أرسل عسكره من الشام الي المدينه فنهبوها وحاربوا أهلها وتلك المحاربة معروفة قد وقعت في الحرة بفتح الحاء المهملة أرض ذات حجاره سود في ظاهر المدينة قتل فيها كثير من ابناء المهاجرين والانصار وكانت تلك الوقعة في ذي الحجة سنه ثلاث وستين بعد الهجرة وعقيبها هلك يزيد فالتوفيق بين كلاميهما بأن المحاربه التي اخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام مطلقة إ1 لم يتعين زمان وقوعها في إجباره عليه الصلاة والسلام فيمكن وقوع المحاريه مرتين مره في قرب الساعه كما ذهب اليه الإمام النووي ومرة في زمن يزيد بن معاوية علي ماذهب اليه الإمام التلمساني ( طي السجل – السيد محمد مهدى الرفاعي الشهير بالرواس-) (1) وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن فنح خيبر علي يد علي رضى الله عنه وكرم الله وجهه وعليه السلام في غد يومه كما رواه الشيخان عن سهل بن سعد انه عليه الصلاة والسلام قال لأعطين الراية إذا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله علي يدية فدعا عليا وكان
________________________________________
أرمد فبصق في عينيه فبرأ وفتح الله علي يديه . وأخبر عليه الصلاة والسلام عما يفتحه الله علي أمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها ( أي يطعون من بهجتها ورونقها من كثره المال وسعه الجاه ويقسمون كنوز كسرى وقيصر) كما رواه الشيخان بلفظهما. فوقع كل ماذكر وفق مأ أخبربه عليه الصلاة والسلام عن الغيب بطريق خرق العاده والمعجزة , وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عما يحدث بين أمته من الفتن والأختلاف والآهواء وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم علي ثلاث وسبعين فرقة والناجية منها واحدة فظهر صدق إخباره عليه الصلاة والسلام. وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا بأن أمته سيكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حله ويروح في أخرى ويوضع بين يديه صحفه( أي قصعة طعام) وترفع اخري وسترون بيوتهم كما تستر الكعبة وأنتم اليوم خير منهم يؤمئذ , والأنماط بفتح الهمزة جمع نمط نوع فراش ويغشي به الهدوج وهنا معجزه جليلة فأنه أخبرها كما يري عليه الصلاة والسلام وظهر لنا الذي رأه عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام بعد حين فإن الكثير من الأمة المحمدية في الأقطار السائرة يسترون بيوتهم بأنواع الأقمشة ويرفعون فوق روازنها وأبوابها الأستار ويجعلون الأنماط علي الأسرة المعدة لمنامهم تغشي بها كما يغشي الهدوج وقد سري هذا في المالك الأسلامية بين أولي الرفاهية من الأجناس المختلفه من العرب والعجم فالحمد لله الذي صدف نبيه صلي الله تعالي عليه وسلم ماوعده .واخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بأن أمته اذا مشوا المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم وسلط بينهم شرارهم علي خيارهم. والمطيطاء بضم الميم وفتح طائين مهملتين بينهما ياء ساكنه والكلمه ممدوده وهي مشيه بالتخبخير والخيلاء . وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن قتال أمته الترك والخرز والروم وعن ذهاب كسري وفارس وقيصر حتي لا كسري ولا فارس ولا قيصر بعد ذهابهم رواه الشيخان بلفظ الحديث بدون فارس , وأخبر عليه
________________________________________
الصلاة والسلام عن وقوع قريب للعرب حيث قال ويل العرب من شر قد قترب رواه الشيخان عن أم المؤمنين زينب رضي الله تعالي عنها, وهذا وقع للعرب في شهاده سيدنا عمر وفي فتنه سيدنا عثمان وفي واقعه سيدنا علي المرتضي رضي الله تعالي عنهم اجمعين وتبع هذا واقعه الأمام الحسين سلام الله ورضوانه عليه ولعله استكمل في واقعه التتار وهجموهم علي بغداد وإزاله الخلافه الإسلاميه حتي بقي المسلمون ثلاثه اعوام بلا خليفه والعياذ بالله تعالي له الحكم واليه ترجعون وقد ظهر ظهور الشمس الطالعه صدق إخباره عليه من ربه أكمل الصلاه وأتم السلام , وأخبر عليه الصلاة والسلام عن بلوغ ملك أمته إلي مشارق الأرض ومغاربها لي ما رواه مسلم عن ثوبان أن النبي عليه السلام قال إن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها, والمنعي زويت لي جمله الأرض مره واحده وستفتحها أمتي جزء فجزء حتي تملك جميع اجزائها فبلغ ملك هذه الأمة إلي مشارق الأرض ومغاربها ولم يمتد ملك هذه الأمة في الجنوب والشمال مثل امتداده في المشارق والمغرب أذ لم يقتض هذا الحديث ذلك الأمتداد فظهر ها هنا ايضا صدق إجباره علي الصلاة والسلام, وأخبر عليه السلام أيضا عما ينال أهل بيته ( أي يصيبهم من المحن) كقصة الحسن والحسين وبقية أهل البيت وتقتيلهم وتشريدهم علي مارواه الحاكم بلفظ الحديث و×بر عليه الصلاة والسلام أيضا عن نباح كلاب والحوأب علي بعض أزواجه وكان فإن عائشه رضي الله تعالي عنهما توجهت للصلح بين لي ومعاويه فلم تقدر علي إصلاح مابينهما فنبحت كلاب الحوأب عليها كما رواه احمد بن حنبل والبيهقي بلفظ الحيث فظهر ها هنا أيضا صدق إخباره عليه السلام. واخبر عليه الصلاة والسلام عن القتلي الكثيرة حول بعض أزواجه وهي عائشه وأخبر عن نجاتها كما رواه البزار بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالي عنهما, وقد ذكر بعض أهل الحيث أن القتلي يؤمئذ حول عائشه صارت مقدار
________________________________________
ثلاثين الفا من الناس فنجت ونبحت كلاب الحوأب عليها . وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن قتل سيدنا علي رضي لله تعالي عنه وأخبر عن الأشقي الذي يخضب لحيه علي بدم رأسه رواه احمد بن حنبل والطبراني بلفظ الحديث ,وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن ملك بني أمية كما رواه الأمام الترمذي والحاكم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما وايضا رواه البيهقي عن سعيد بن المسيب وأبي هريرة رضي الله تعالي عنهما وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن خروج بني العباس بن عبدالمطلب بالرايات السود وعن ملكهم اضعاف ما ملكوا فظهر صدق أخباره عليه الصلاة والسلام . وأخبر عليه اكمل السلام عن قتل عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه قال يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف وإن الله عسي ان يلبسه قميصا وإنهم يريدون خلعه وإن سيقطر دمه علي قوله تعالي ( فسيكفيكهم الله ) فوقع كل ذلك . وأخبر عليه أتم السلام ايضا بأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيأ فلم تظهر الفتن في حياته , وأخبر بأن عمارا تقتله الفئه الباغية فقتله اصحاب معاوية وأخبر عليه أشرف السلام لجماعه فيهم ابو هريرة وح1يفه وسمره ابن جندب بأ، أخركم موتا في النار فكان بعضهم يسأل عن بعض فكان سمره اخرهم موتا هرم وضهف حتي أصابه ضرر في بدنه وخلل في عقله فاصطلي بالنار فاحترق فيها فظهر أيضا صدق إخباره عليه الصلاة والسلام.وأخبر عليه أجل السلام بانه يكون في ثقيف كذاب مبير فظهر في قبيله المختار بن عبيد كذابا والحجاج كليب بن يوسف مبيرا ( أي مهلكا قاتلا ظااما ) . وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن مسيلمه الكذاب يعقره الله ( أي يقتله ) فقتل في خلافه أبي بكر الصديق رضي الله تعالي عنه. وأخبر عليه أجزل السلام بأن فاطمه بنته عليه السلام أول اهله لحوقا به فكان الأمر كذلك فأنها لحقته بالموت بعد سته أشهر ولم يسبق موتها احد من أهله , وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بأن الخلافه بعدي ثلاثون سنه ثم تكون ملكا ( أي سلطنه)
________________________________________
فكانت وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بشأن أويس القرني فظهر شأنه وفق ماأخبر به عليه السلام, وأخبر عليه الصلاة والسلام في غزوه المصطلق بموت منافق في المدينه حين هاجت الريح فلما رحعوا الي المدينه وجدوا الأمر كذ لك وأخبر عليه الصلاة والسلام لقوم من جلسائة بان ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد قال أبوهريرة فذهب القوم ( يعني ماتوا) وبقيت أنا ورجل وارتد فقتل مرتدا يوم اليمامة والعياذ بالله تعالي , وأخبر عليه الصلاة والسلام بالرجل الذي غل خرزا من خرز يهود فوجد الخرز ف حله , وأخبر عليه الصلاة والسلام بالرجل الذي غل الشمله وأخبر بمكانها فوجدت تلك الشمله حيث أخبر به عليه السلام وأخبر عليه الصلاة والسلام ايضا بمكان ناقته التي ضلت وغابت وأخبر كيف تعلقت بالشجرة بخطامها فوجدها علي وفق ما أخبر عليه السلام, وأخبرعليه الصلاة والسلام أيضا بقضيه عمير مع صفوان وهي أنه كان صفوان يقول في خلوته سرا ياعمير إن قتلت محمد ا فأنا اعطيك شيئا كثيرا فلما جاء عمير الي النبي عليه السلام قاصدا لقتله أخبره بجميع ماجرى بينه وبين صفوان من الأسرار التي وقعت بينهما فأسلم في حضوره الكريم من الله أكمل السلام, وأخبر عليه الصلاة والسلام بالمال الذي تركه عمه العباس عند أم الفضل بعد أن كتمه فقال العابس ما علمه غيري وغيرها فأسلم رواه احمد بن حنبل والحاكم والبيهقي بلفظ تخريجهم. وأخبر عليه الصلاة والسلام بأنه سيقتل بيده الشريفه أبي بن خلف فكان الأمر كذلك ( أي قتله النبي عليه أجل السلام بيده الشريفه) , واخبر عليه الصلاة والسلام عن مصارع كفار قريش في غزوة بدر يقوله عليه السلام هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان أي مقتله فذكر عليه الصلاة والسلام المقتولين بأسمائهم ومواضع قتلهم قبل الوقوع فوقع قتل كل منهم في الموضع الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام , واخبرعليه أتم السلام عن واقعه الإمام الحسن بن الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله تعالي
________________________________________
عنهما فقال عليع الصلاة والسلام إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين رواه الشيخان فظهر. وأخبر عليه اكمل السلام ايضا عن تأخير الموت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالي عنه حين مرض بمكه فقال في حال مرضه يارسول الله أأخلف عن أصحابي فقال رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم لعلك تخلف حتي ينتفع بك اقوام ( أي من الأبرار) ويستضربك أخرون ( أي من الفجار) رواه الشيخان بلفظ تخريجهما فأخر عنه الموت مثل ماأخبر عليه الصلاة والسلام, واخبر عليه الصلاة والسلام عن موت أمراء الميلمين في غزوه مؤته يوم موتهم بأسمائهم وهو عليه أعم السلام ف المدينة وهم قتلوا في مؤته بينها وبين المدينة مسافه شهر تقريبا لأن مؤته بلده من بلاد الشام في أخر حوران فقال عليه السلام في المدينه يوم ماتوا أخذ الراية زيد بن حارثه فأصيب ثم خالد بن الوليد من غير إمره ( أي بلا ولاية ولا إمارة يومئذ) واخبر عليه اكمل السلام عن موت النجاشي يوم مات بأرض الحبشة وبينها وبين المدينة مسيره شهر تقريبا رواه الشيخان بفظ تخريجهما, واخبر عليه الصلاة والسلام عن موت كسري يوم مات وهو عليه اتم السلام في المدينة وكسري في العراق وبينهما مسيرة اربعين يوما تقريبا رواه البيهقي بلفظ تخريجه , واخبر عليه الصلاة والسلام عن لبس سراقه بن مالك سواري كسري فقال عليه السلام له كيف بك إذا لبست سواري كسري رواه البيهى وقد جئ بسواري كسري إلي أير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه في زمن خلافته فألبسهما سراقه بن مالك فقال الحمد لله الذي سلبهما عن كسري وألبسهما سراقه وفي إلباس عمر ابن الخطاب رضي الله تعالي عنه سواري كسري لسراقه إيذان منه إلي كمال شرف الإيمان بحيث إن واحدا من بدو العرب يستحق بسبب إيمانه لبس ما يلبسه ملوك العجم للافتخار به, واخبر عليه الصلاة والسلام ايضا عن عيش أبي ذر رضي الله تعالي عنه فريدا في آخر عمره وعن موته فريدا بفلاة من الأرض
________________________________________
وحضور عصابه ( أي جماعه) علي جنازته فوقع كل ذلك وها مضمون حديث رواه احمد بن حنبل والبيهقي وابن راهويه وابن أبي أسامه, واخبر عليه الصلاة والسلام بأن عضوا من زيد بن صوحان يسبقه إلي الجنه فقطعت يده في الجهاد رواه البيهقي . واخبر عليه الصلاة والسلام بأن اسرع أزواجه لحوقا ( أي وصولا اليه ) بعد موته أطولهن يدا فكانت زينب بنت جحش أسرعهن لحوقا به عليه الصلاة والسلام لطول يدها بالصدقه رواه مسلم بلفظ تخريجه, واخبرعليه الصلاة والسلام ايضا عن قتل سيدنا الحسين بن سيدنا علي ابن ابي طالب رضي الله تعالي عنهما بالطف وأخراج عليه السلام بيده تربه ) أي قبضه من التراب) وقال فيها مضجعه ( أي مقتله أو مدفنه) رواه البيهقي ولفظ حديثه ان جبريل كان عند النبي عليه السلام فدخل حسين رضي الله تعالي عنه فقال جبريل من هذا يعني استخبر عنه لبيان أمر سيكون لا لعدم هلمه فقال عليه السلام إبني فقال جبريل ستقتله أمتك وان شئت اخبرتك بالأرض التي يقتل فيها فأشار جبريل بيده إلي الطف من العراق أخذ تربه حمراء فاراه إياها فسبحان الذي أظهر لرسوله المكرم اسرارملكه وعجائب جبروته وصرفه في عوالم ملكوته وجعله أعظم أياته وسيد مخلوقاته , وقد عد أناس من أهل العلم الوسيع بلأخبار النبوية للحضره المحمديه الفريدة السعيدة اكثر من سته آلأف معجزه) اه ,
خلاصه ومختصر ( الرسول صلي الله عليه وسلم وعلم الغيب):
________________________________________
قال تعالي ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب الا الله) وقال حكايه عن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم ( ولا أعلم الغيب) وقال ايضا( ولوكنت إعلم الغيب لاستكثرت من الخير) اننا نعتقد إعتقادا جازما لا شك فيه ولاريب أن علم الغيب يختص بالله تعالي وما وقع منه علي لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم وغيره فمن الله تعالي إما بوحي أو إلهام فكل ماورد عنه صلي الله عليه وسلم من الآنباء بالغيوب ليس إلا من إعلام الله له به للدلالة علي ثبوت نبوته وصحه رسالته صلي الله عليه وسلم وقد اشتهر وانتشر امره صلي الله عليه وسلم بالإطلاع عل الغيب حتي كان يقول بعضهم لبعض (أسكت فوالله لو لم يكن عندنا من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء) . وروي الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الله قد رفع لي الدنيا فأنا أنظر اليها والي ما هو كائن فيها إلي يوم القيامة كأني إلي كفي هذه) قال عبدالله بن رواحه رضي الله عنه, وفينا رسول الله يتلو كتابه اذا انشق معروف من الصبح ساطع ارانا الهدي بعد العمي فقلوبا به موقنات أن ماقال واقع وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه,
نبي يري مالا يري الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد
فان قال في يوم مقاله غائب فتصديقها في صحوة اليوم أو غد
واخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( كنا نتقي الكلام والانبساط إلي نسائنا مخافة ان ينزل فيها شئ فلما مات النبي صلي الله عليه وسلم تكلمنا) وأخرج البيهقي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال . تالله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيهم شئ من القرآن) ومعجزات هذا الباب لا يمكن استقصاؤها لكثرتها ووقوعها منه صلي الله عليه وسلم في اكثر حالاته عن سؤال وغير سؤال لمناسبات كانت تقتضيها وهي اكثر أنواع معجزاته صلي الله عليه وسلم عددا .
________________________________________
فال القاضي عياض في الشفاء : ( وعلمه الغيب صلي الله عليه وسلم من جملة معجزاته المعلومة علي طرق القطع الواصل إلينا خبرها علي التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها ا.هـ
وروي الامام احمد والطبراني عن ابي ذر رضي الله عنه قال ( تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه إلا ذكر لنا منع علما ) 0
وروي مسلم عن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال :- قال ( صلي بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتي حضرت الظهر فنزل فصلي ثم صعد المنبر فخطبنا حتي حضرت العصر فنزل فصلي ثم صعد المنبر فخطبنا حتي غربت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلي يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا )
وروي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( قام فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم مقاما فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلي قيام الساعة إلا حدثه , حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وقد علمه أصحابي هؤلاء وانه ليكون منه الشيء قد نسيته فاراه فأذكر كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه إذا راه عرفه ) 0
روري مسلم عن حذيفة أيضا قال : ( أخبرني رسول الله صلي الله عليه وسلم بما هو كائن إلي يوم القيامة فما منه شيء إلا وقد سألته عنه إلا أني لم اسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة ) 0
وروي أبو داود عن حذيفة أيضا قال ( والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا والله ما ترك رسول الله صلي الله عليه وسلم من قائد فتنية إلي أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته )0
وأخرج أبو يعلي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو غضبان فخطب الناس فقال ( لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ) ونحن نري أن جبريل معه فقال عمر : (يارسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فلا تبد علينا سوآتنا فاعف عنا عفا الله عنك )
________________________________________
وأخرج أبو يعلي بسند لا بأس به عن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : ( لا يزال هذا الحي من قريش آمنين حتى يردوهم عن دينهم كفارا ) فقام إليه رجل فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار ؟قال في النار ثم قال : ( اسكتوا عني ما سكت عنكم فلولا أن لا تدافنوا لأخبرتكم بملأ من أهل النار حتي تعرفوهم ولو أمرت ان أفعل لفعلت )
مفاتح الغيب والخمس في قوله تعالي ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ )
قال الله تعالي : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)
قال القرطبي في تفسيره : فالله تعالي عنده علم الغيب , وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو , فمن شاء اطلاعه عليها اطلعه 0 ومن شاء حجبه عنها حجبه , ولا يكون ذلك من إفاضة إلا علي رسله بدليل قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) وقوله تعالي (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)
قال علماؤنا : أضاف سبحانه عالم الغيب إلي نفسه في غير ما اية من كتابه إلا من اصطفي من عباده
وقد قال بعض العلماء ان الله سبحانه وتعالي اطلع نبيه علي هذه الخمس أيضا وأنه لم يخرج من هذه الدنيا حتي عرفها كما نقل ذلك الحافظ السيوطي إذ قال : ( ذهب بعضهم إلي انه صلي الله عليه وسلم : أوتي علم الخمس أيضا وعلم وقت الساعة والروح وأنه أمر بكتم ذلك ) 0 ( الخصائص الكبري ج3/ص160 )
وكذلك أيضا قال الشيخ ابراهيم الباجوري في حاشيته علي البردة ص810
وكذلك أيضا قال الشيخ احمد بن محمد الصاوي في حاشيته علي تفسير الجلالين قال ما نصه :
والحق انه لم يخرج نبينا من الدنيا حتي اطلعه علي تلك الخمس ولكنه أمر بكتمها ( ج3ص244)
________________________________________
وذكرالامام فخرالدين الرازي في تفسيره كلاما محصله أن نفي العلم بهذه الامور الخمسة عن غير الله سبحانه وتعالي ليس مقصودا ولا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر لأن هذا جاء في سياق خاص لاثبات معني خاص ( تفسير 25/164 )
وفصل هذا المعني الامام العالمة محمود الالوسي في ( روح المعاني )(21/112) بقوله : والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس المغيبات محصورة بهذه الخمس وانما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيرا ماتشتاق النفوس الي العلم بها , وقال القسطلاني : ذكر صلي الله عليه وسلم خمسا وان كان الغيب – لا يتناهي لأن العدد لا ينفي زائدا عليه ولأن هذه الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها 0 ا هـ0
وفي شرع المناوي الكبير للجامع الصغير في الكلام علي حديث بريدة : خمس لا يعلمهن إلا الله أي وجه الاحاطه والشمول كليا وجزئيا فلا ينافيه اطلاع الله تعالي بعض خواصه علي بعض المغيبات حتي من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة وانكار المعتزلة لذلك مكابرة اهـ
________________________________________
وذكر القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلي ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل وكذا إذا أراد تبارك وتعالي خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :” إن الله تعالي وكل بالرحم ملكا يقول : يارب نطفة يارب علقة يارب مضغة فاذا أراد الله تعالي أن يقضي خلقه قال : أذكر أم أنثي شقي أم سعيد فما الرزق والأجل ؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالي من خلقه عز وجل ” وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء ان المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل شيء علي التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة , وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر انه ليس بعلم يقيني
وقد نقل العسقلاني في فتح الباري ( ج1ص123 ) عن القرطبي أنه قال من ادعى علم شيء من الخمس غير مسنده إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه
( الساعة )
قال الشيخ الآلوسي : ويجوز ان يكون الله تعالي قد اطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام علي وقت قيامها علي وجه كامل لكن لا علي وجه يحاكي علمه تعالي به إلا أنه سبحانه أوجب عليه صلي الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة والسلام وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك
( الروح )
قال الله تعالي :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)
قال الحافظ في الفتح , قال بعضهم : ليس في الآية دلالة علي أن الله لم يطلع نبيه علي حقيقة الروح , بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أنه يطلعهم وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا 0
________________________________________
( فتح الباري شرح صحيح البخاري في كتاب التفسير ج8/ص403 )
( وكذا إرشاد الساري شرح البخاري ج7ص213 ).
وعليه فلامانع من القول بأن الله تعالي اطلع نبيه صلي الله عليه وسلم علي حقيقة الروح واذا كان بعض علماء لسلف تكلم عن الروح مما يدل علي أن مع القائل علما أو بعض علم عنها فكيف به هو صلي الله عليه وسلم 0 فهذه كتب التفاسير تنقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وقتادة والسهيلي أوالا متعددة في الروح , فقيل الروح جبريل وقيل ملك عظيم وقيل ملائكة علي صور بني آدم وقيل ملائكة لكن لا تراهم الملائكة 0
(انظر ابن كثير ج 3 ص 61 وغيره من التفاسير )
فهل هؤلاء العلماء تكلموا في الروح بما تستحيل معرفته علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ؟؟
ومن هنا نقل الامام الحافظ جلال الدين السيوطي ( في الخصائص الكبري ج 3 ص 160 ) ان الله سبحانه وتعالي اطلع نبيه علي حقيقة الروح 0
وبهذا ظهر أن القائل بأن الله تعالي اطلع نبيه حتي علي هذه الخمس معه دليل مستنبط أو شبهة دليل فان كان ذلك الدليل صحيحا وموصلا إلي المطلوب فيوصف القائل بأنه مصيب وإن كان ذلك الدليل فاسدا لا يتوصل به إلي المطلوب فغاية ما يوسف به قائله بأنه مخطيء ولا يصل به الحال إلي الكفر والعياذ بالله 0
ورضي الله عن الامام الشافعي فإنه قال : ( إن الله لا يعذب علي فعل اختلف فيه العلماء) 0
” الفصل الرابع “
مكانة ورفعة قدر سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم
إن أول من يجوز الصراط بأمته ويشرفه بنظرته , وينوره للمؤمنين ليسيروا في ضيائه وعلي محجته – هو سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالي عليه وعليهم أجمعين الذي جمع الله تعالي له فضائل الأوليات الجامعة لأكمل المراتب وأعلي الدرجات 0
فهو صلي الله عليه وسلم أول الأنبياء في الخلق في عالم الأرواح وأخرهم في البعث في عالم الأشباح
________________________________________
والدليل علي أن أول الأرواح البشرية خلقا هو روح السيد العظيم صلي الله عليه وسلم أنه أخبر علي ذلك بقوله :” كنت أول الناس في الخلق وأخرهم في البعث ” رواه ابن سعد مرسلا بإسناد صحيح , ورواه أبو نعيم وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والدليمى كلهم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ” كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث ” 0 وهذه الرواية تفسر رواية ابن سعد وأن المراد من الناس الأنبياء , فهو صلي الله عليه وسلم أولهم في عالم الأرواح وخاتمهم في عالم الأشباح صلي الله عليه وسلم , وقد نبأه الله تعالي في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم 0 فيه فتحت النبوة في عالم الأرواح وبه ختمت في عالم الأشباح صلي الله عليه وسلم 0 فهو الفاتح وهو الخاتم 0
روي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا : يارسول الله , متي وجبت لك النبوة ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد 0 وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو نعيم والبيهقي والحاكم وصححه , ورواه البزار والطبراني وأبو نعيم أيضا من رواية أبن عباس رضي الله عنهما 0
وعن ميسرة الفجر قل : قلت : يارسول الله متي كنت نبيا ؟ قال :” كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ” رواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني والحاكم وصححه وقال الحافظ الهيثمى في رجال أحمد والطبراني : رجالهما رجال الصحيح ا هـ
وهو صلي الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض كما روي مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة , وأنا أول من ينشق عنه القبر , وأنا أول شافع وأول مشفع “
وهو صلي الله عليه وسلم أول شافع وأول مشفع :
________________________________________
روي الترمذي وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر . وبيدى لواء الحمد ولا فخر , وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر , وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ” قال الزرقاني عنه حسن صحيح وكذا رواه أحمد وابن ماجة 0
وهو صلي الله عليه وسلم – أول من نبأه الله تعالي في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم كما جاء في سنن الترمذي وغيرها أن النبي صلي الله عليه وسلم قيل له يارسول الله متي وجبت لك النبوة , وفي رواية متي استنبئت , وفي رواية متي كنت نبيا , فقال صلي الله عليه وسلم : ” كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد “
وهو صلي الله عليه وسلم أول من يؤذن له حين يستأذن علي ربه وهو أول من يسجد لربه
روي الامام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ” أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود وأول من يرفع رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم ومن خلفي مثل ذلك وعن يمينى مثل ذلك وعن شمالي مثل ذلك – فقال رجل 0 يارسول الله : كيف تعرف أمتك ن بين الأمم فقال صلي الله عليه وسلم : هم غر محجلون من أثر الوضوء ليس أحد كذلك غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم تسعي ذريتهم بين أيديهم “الحديث0( قال الحافظ المنذري : رواه احمد وفي إسناده ابن لهيعة وهو حديث حسن في المتابعات 0 ا هـ 0 وقال في مجمع الزوائد : رواه أحمد والبراز باختصار إلا انه قال : وذراريهم نور بين أيديهم 0 قال : ورجال احمد رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو ضعيف قد وثق0اهـ 0 قلت رواه ابن ابي حام ومحمد بن نصر المرزوي كما في تفسير الحافظ ابن كثير سورة الحديد وسورة التحريم )
وهوصلي الله عليه وسلم أول من يفتح له باب الجنة وهو أول من يدخلها والكل يدخلونها من ورائه صلي الله عليه وسلم
________________________________________
روي مسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أتي باب الجنة فاستفتح فيقول الخازن : من ؟ فأقول : محمد , فيقول : بك أمرت أن لا افتح لأحد قبلك “
تعظيمه صلوات الله عليه عند ذكر اسمه الشريف
كتب فضيلة الأخ الشيخ محمد سليمان فرج رسالة بعنوان ( دلائل المحبة وتعظيم المقام في الصلاة والسلام علي سيد الانام ) جاء فيها ان ذكر لفظ السيادة عند ذكر اسمه الشريف امر واجب علي كل مسلم محب لسيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم لأن ذلك من رفعة ذكره وتعظيم قدره وقد امر الله تعالي المؤمنين ان يعلوا قدره ويلَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًاوقروا شأنه ولا ينادوه باسمه الشريف مجردا من التكريم والتبجيل
قال الله تعالي :” لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا” سورة النور
قال الصاوي في تفسيره : لا تجعلوا دعاء الرسول أي نداءه بمعني لا تنادوه باسمه فتقولوا يامحمد ولا بكنيته فتقولوا يا ابا القاسم بل نادوه وخاطبوه بالتعظيم والتكريم والتوقير ونستفيد من الآية انه لا يجوز نداء النبي صلي الله عليه وسلم بغير ما يفيد التعظيم لا في حياته ولا بعد وفاته فبهذا يعلم ان من استخف بجنابه صلي الله عليه واله وسلم فهو كافر ملعون في الدنيا والآخرة
وروي ابن جرير عن قتادة في هذه الآية الشريفة ان الله امرهم ان يفخموه , ويشرفوه
وقال السيوطي في الاكليل في استنباط التنزيل عند ذكر هذه الآية الكريمة : تحريم ندائه باسمه بل يقال يارسول الله يا نبي الله والظاهر استمرار ذلك بعد وفاته
________________________________________
وجاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري : انه صلي الله عليه وسلم وأن كان ذا أسماء وكني لكن لا ينبغي ان ينادي بشيء من تلك فيحرم نداؤه بها لقوله تعالي ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) مثل يا محمد ويا أحمد ويؤيده قول الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما انهم كانوا يقولون يا احمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز وجل إعظاما لنبيه صلي الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله يا رسول الله ( صلي الله عليه وسلم )
وقد اتفق ائمة الاسلام وفقهاء المذاهب ونصوا علي تحريم ندائه صلي الله عليه وسلم باسمه اخذ من هذه الآية الشريفة
وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تشير لذلك المعني قال الله تعالي :
” فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ” فهذا الثناء بالفلاح من الله تعالي للذين يعزرونه أي يعظمونه ويبجلونه بكل ما يرفع قدره ويعبر عن شرف مكانته العالية وان ذكر اسمه الشريف مجردا من لفظ السيادة لا يتفق مع التعظيم اللائق بجنابه الكريم وقال الله تعالي ايضا :
” لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ” سورة الفتح
وقرىء وتعززوه من التعزيز والتقدير ادبا وتخلقا بأخلاق القرآن حيث ناداه الله تعالي بقوله : ” يا ايها النبي “و ” يا ايها الرسول ” ولم يوجه له النداء باسمه صلوات الله وسلامه عليه وبين انه سبحانه رفع ذكره بين العالمين 0
قال الله تعالي : ” وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ” سورة الشرح
استحقاقه للسيادة صلي الله عليه وسلم :
ورفعة الذكر تكون بألفاظ التعظيم وألقاب التكريم ومنها السيادة التي جري العرف بها بين الناس وبذلك نكون مأمورين بها عند ذكره ومنهيين عن ضدها وهو ذكر الاسم الشريف مجردا عنها لانه بدونها غير مرفوع 0
________________________________________
وان ذكر السيادة يجب من باب سد الذرائع حتي لا يتوصل به الملاحدة الي اهانته وقد نص الامام الشافعي رضي الله عنه علي كراهة قول المرء قال الرسول –بالألف والام – وان الاولى والمستحب والمرغوب هو ان يقال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم بالاضافة التي هي غاية التشريف ونهاية الفخر والتعظيم لأن في اللفظ المقطوع عن هذه الأضافة ايهاما للنقص لاحتمال ان يراد به رسول غير الله تعالي فيتوصل به الملاحدة والزنادقة الي ذكره بغير الرسالة يوهمون انهم يقصدون رسول الله تعالي 0 والواقع انهم يقصدون غير ذلك فسدا لهذه الذريعة مع ما فيها من سوء الادب بعدم ذكره بالاضافه المشرفة رأي الامام الشافعي ذلك وإن ذكر اسمه الشريف صوات الله وسلامه عليه مجردا عن السيادة هو اليوم في عرفنا مثل ذلك بل اشد ولذلك تري المستشرقين وممن لا خلاق لهم هم الذين يذكرون الاسم الشريف مجردا
وعلي ذلك فلا يجوز ذكره عليه الصلاة والسلام من غير السيادة للتشبه بالكفار واتباعهم في اهوائهم لأنهم يذكرون النبي صلي الله عليه وسلم باسمه مجردا علي سبيل الاستهانة به قال الله تعالي :
” وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ” سورة التوبة
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابي سعيد بن المعلي قال : كنت اصلي بالمسجد فدعاني رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم اجبه ثم اتيته فقلت يارسول الله : اني كنت اصلي فقال عليه الصلاة والسلام :” الم يقل الله تعالي ” اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ” سورة الانفال
________________________________________
فاذا كانت اجابته مفروضة علينا ونحن بين يدي الله تعالي وما ذلك الا مراعاة للادب معه صلي الله عليه وسلم ومراعاة حرمته فذكره بالسيادة مطلوب من باب اولي , وقد قال بعض المفسرين عند قوله تعالي : ” وقولوا للناس حسنا ” المراد بالناس رسول الله صلي الله عليه وسلم والمراد بالحسن الحسن كما قرئ به ومن الحسن الذي نقوله للناس سيدي ومولاي فثبت من الآية الكريمة مطلوبية قول ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم بطريق الأولي
وأما ما يتعلل به الذين لم يتذوقوا قطرة من صافي شراب محبته صلوات الله وسلامه عليه علي عدم إطلاق السيادة له صلي الله عليه وسلم فهو الحديث الشريف ” السيد الله ” وقد أجاب عنه العارف بالله ابن عجيبة في حاشيته علي الجامع الصغير بان الحديث يبين ان الله هو الذي يحق له السيادة المطلقة اذ الخلق كلهم عبيده وأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قاله لما خوطب بما يخاطب به رؤساء القبائل من قولهم انت سيدنا ومولانا وكانوا قريبي عهد بالاسلام واراد الرسول صلي الله عليه وسلم ان يمكن العقيدة في نفوسهم بأن الخضوع التام للمالك الحقيقي وهو الله سبحانه وقد نقل عن الامام مالك رضي الله عنه امتناع اطلاق السيد علي الله اذا اريد بيان هذا المعني الذي قصده صلي الله عليه وسلم , ومما لا شك فيه ان هذه الشبهة ليس فيها أي احتمال للاستدلال علي اطلاق السيادة لأن الله تعالي مدح سيدنا يحيي عليه السلام بقوله سبحانه :
” وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ ” سورة آل عمران
فان ثبت لسيدنا يحيي كان لسيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من باب اولي وكنا مأمورين بطريق الاشارة الواضحة بل ان القرآن الكريم عبر عن لفظ السيد في غير ذلك الموضع في حق من لا يملكون الرفعة
________________________________________
قال تعالي : ” وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ” سورة يوسف ” إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا ” سورة الأحزاب وكذلك لفظ المولي قال تعالي : ” يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ” سورة الدخان
وكذلك تواترت السنة النبوية الشريفة في هذا المضمار وجاءت الأحاديث الكثيرة التي تطلق لفظ السيد علي غير الله تعالي قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :
” كل بني أدم سيد والرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها ” قال الذهبي رواته ثقات وكذلك مارواه البخاري في صحيحه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :
” وليقل المملوك سيدي وسيدتي فانهم المملوكون والرب الله عز وجل ” وفي رواية ابي داود ايضا :” وليقل سيدى ومولاي ” فاذا كان هذا بالنسبة للعبد مع سيده فكيف لا يكون لرسول الله صلي الله عليه وسلم وصدق الله العظيم : ” فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ” سورة الحج
وقد جاء في صحيح مسلم عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ان الله يقول للعبد يوم القيامة : ” الم اكرمك واسودك ” أي اجعلك سيدا فهذا الامتنان من الله تعالي بنعمة السيادة يدلنا علي انها شرف للانسان فكيف لانشرف بها افضل الخلق عليه الصلاة والسلام
وبذلك يتجلي لنا ان من يقول ان السيادة لا تطلق ال علي الله سبحانه وتعالي فقط فلا يعتد بقوله لأنه مخالف لمنهج القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية الشريفة
________________________________________
وكذلك ايضا ما يظنه بعض الناس حديثا نبويا وهو قولهم لا تسيدوني في الصلاة فهو لا يصح نسبته لرسول الله صلي الله عليه وسلم لأنه لحن فاحش وخطأ لغوي لا تجوز نسبته لا فصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه لأن الفعل سيد لم يرد في لغة العرب وانما سود ولذلك ادرك بعض الناس هذا المعني فقالوا ان الحديث بلفظ لا تسودوني في الصلاة ولكن هذا أيضا اشد البطلان وكذب وافتراء علي سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد اورده كثير من المحدثين في الموضوعات التي وضعت كذبا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وسئل عنه الامام جلال الدين السيوطي فأجاب بأنه لم يرد وانه باطل كما نص علي ذلك في الحاوي للسيوطي وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة انه لا اصل له وكذلك الامام جلال الدين المحلي والشمس الرملي وابن حجر الهيثمى وبعض فقهاء الشافعية والمالكية ونص عليه القاري في موضوعاته علي بطلانه وكذلك قولهم لا تعظموني ف المسجد فأنه باطل أيضا وقد جاء في كتاب كشف الخفا للحافظ العجلوني ما نصه :” قال في المقاصد – أي السخاوي – لا اصل له وقال الياجي في اوائل مولده المسمى بكنز العفاة فكذب مولد مفتري جـ2 ص 494 بل انه لو فرضانا مجرد احتمال وروده – مع ان هذا بعيد اشد البعد – ومع ان الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال فانه يمكن تأويله بما يناسب المقام كما اول العلماء حديث :” السيد الله ” لأن التزام الأدب معه صلي الله عليه وسلم مقدم علي امتثال الاوامر كما فعل سيدنا ابوبكر الصديق رضي الله عنه لما جاء سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يؤم الناس فتأخر ابوبكر فأمره ان يثبت مكانه فلم يمتثل ثم سأله بعد الفراغ من الصلاة عن ذلك فأبدي له انه انما فعل ذلك تأدبا معه صلي الله عليه وسلم قائلا : ما كان ينبغي لابن ابي قحافة ان يتقدم بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم ينكر عليه الرسول صلي الله عليه
________________________________________
وسلم ذلك وكذلك التزام سيدنا علي بن ابي طالب الادب دون امتثال الامر حين كتب الكتاب للمصالحة في الحديبية وكان فيه لفظ رسول الله فقال سهيل : والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبدالله فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ان رسول الله وان كذبتموني امحه – أي لفظ رسول الله – فقال سيدنا علي : والله لا أمحوه ومحاه النبي صلي الله عليه وسلم بيده الشريفة ولم ينكر علي الامام علي حسن ادبه قال العلماء المحققون وهذا من الادب المستحب فكذلك زيادة لفظ السيد عند ذكر اسمائه صلي الله عليه وسلم من الادب المستحب
ومن التزام الادب ايضا ان سيدنا عثمان ابن عفان رضي الله عنه اخر الطواف لما دخل مكة في قضية صلح الحديبية مع علمه بوجوبه علي من دخلها ادبا معه صلي الله عليه وآله وسلم ان يطوف قبله وقال : ما كنت لافعل حتي يطوف رسول الله صلي الله عليه وسلم فلم ينكر عليه سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد علمه بذلك 0
وبذلك تكون هذه الشبهة واهية لا اساس لها من الصحه وعلي فرض احتمال ورودها فانه يجب التزام الادب عند ذكر سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم
وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم قوله صلوات الله وسلامه عليه :
” انا سيد ولد آدم ولا فخر “
والسيد هو الذي يسود علي قومه أي يتقدم عليهم بما فيه من خصال الكمال والشرف التام وقيل هو الكامل الذي يحتاج اليه غيره وقال ابن عباس رضي الله عنهما : السيد الكريم علي ربه عز وجل وقال قتادة : السيد الذي لا يغلبه غضبه وفي رواية للامام احمد وابن ماجة والترمذي قوله عليه الصلاة والسلام :
” انا سيد ولد آدم يوم القيامة “
وفي رواية اخري ” انا سيد الناس يوم القيامة ” للامام احمد والبخاري ومسلم , وذلك شامل لسيدنا آدم عليه السلام لقوله صلي الله عليه وسلم :
” أدم فمن دونه من الانبياء يوم القيامة تحت لوائي “
________________________________________
بل ان هناك رواية صريحة في ذلك وهي قوله صلي الله عليه وسلم :
” انا سيد العالمين ” وفي رواية ابن نعيم في الدلائل قول سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم :” انا سيد المؤمنين اذا بعثوا “
ومما رواه الخطيب قوله صلي الله عليه وسلم : ” انا امام المسلمين وسيد المتقين ” فهذه الاحاديث الصحيحة التي بلغت حد التواتر وانه صلي الله عليه وسلم ولد أدم وسيد المؤمنين وسيد العالمين تدل دلالة لا لبس فيها علي ان لفظ السيادة واجب علي كل مسلم محب لرسول الله عليه الصلاة والسلام
وان هناك حديثا صريحا في طلب لفظ السيادة من المؤمنين رواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح فعن جابر بن عبدالله قال : صعد رسول الله صلي الله عليه وسلم علي المنبر فحمد الله واثني عليه ثم قال من انا ؟ قلنا رسول الله قال : نعم ولكن من أنا ؟ قلنا : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بم عبد مناف قال : ” انا سيد ولد أدم ولافخر فهذا الحديث الشريف يوضح لنا ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحب من اصحابه ان يجيبوه بلفظ السيادة الذي يبين فضله علي سائر العالمين من المرسلين وغيرهم وكذلك لفظ المولي ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الامام احمد في مسنده والترمذي والنسائي وابن ماجة قال صلي الله عليه وسلم : ” من كنت مولاه فعلي مولاه ” فرسول الله هو سيدنا ومولانا صلي الله عليه وسلم بنص الأحاديث الصحيحة المقطوع بها وكذلك الصحابة الاجلاء وآل بيته الكرام الاطهار هم سادتنا فقد روي البخاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال للسيدة فاطمة رضي الله عنها : ” يا فاطمة الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنات او سيدة نساء هذه الامة ” وفي صحيح مسلم :” يا فاطمة اما ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الامة ” 0
________________________________________
وفي رواية ابن سعد في الطبقات : ” اما ترضين ان تكوني سيدة نساء هذه الامة او نساء العالمين ” فيجب علينا ان نذكر سيدتنا ومولاتنا فاطمة بلفظ السيادة عند ذكرها وكذلك سيدنا ومولانا الحسن فقد روي البخاري ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال عندما رأي السيد الحسن” ان ابني هذا سيد ” وأيضا سيدنا ومولانا الحسين فقد اخرج الترمذي بسند صحيح ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة “
وكذلك ورد في حق سيدنا ومولانا ابي بكر الصديق رضي الله عنه وسيدنا ومولانا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه ابن ماجة ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
” ابوبكر وعمر سيدا كهول اهل الجنة من الاولين والآخرين الا النبيين والمرسلين ” 0 بل ان رسول الله صلي الله عليه وسلم علم اصحابه ذلك المعني بأجلي وضوح فقد روي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
ان اهل قريظة لما نزلوا علي حكم سعد بن معاذ ارسل اليه سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فجاء علي حمار فقال سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم :
” قوموا الي سيدكم او الي خيركم “
________________________________________
فهل بعد هذا البيان النبوي الكريم حجة لمن لا يطلق لفظ السيادة علي سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ومع ان النبي صلي الله عليه وسلم نهي اصحابه عن القيام له وكره ذلك ولكنه امر القيام لسعد رضي الله عنه فيجب ان ندرك ذلك المعني الذي اراده رسول الله صلي الله عليه ونبه اصحابه له ووصف به سعد بن معاذ وان الادب الاسلامي الكريم يدعو المؤمن للادب مع والده واستاذه بأن لا ينادي الابن اباه ومعلمه باسمه فقد ذكر الامام النووي في كتابه – الأذكار – في باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ ان ينادي اباه ومعلمه وشيخه باسمه , مارواه ابن السني ان رسول الله صلي الله عليه وسلم رأي رجلا ومعه غلام فقال : ياغلام من هذا ؟ قال : ابي قال ” فلا تمش امامه ولاتستسبه ولا تجلس قبله ولا تدعه بأسمه “
فاذا كانت هذه اخلاق الاسلام في معاملة اصحاب الفضل والعلم فكيف تكون المعاملة مع احب الخلق الي الله تعالي وهو الاب الحقيقي للمؤمنين قال الله تعالي :
” النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ” سورة الاحزاب
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : ” النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم وهو اب لهم ” وبذلك يظهر لكل من له قلب او ألقي السمع وهو شيهد ان ذكر رسول الله صلي الله عليه وسلم باسمه مجردا ينافي التعظيم المطلوب لجنايه العالي ومقامه الرفيع وأما ما يقوله بعض الناس بأنه لم يرد عن الصحابه ذكر لفظ السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم فهو ناشئ عن جهل مطبق وقصور محقق وهوي متبع فقد روي الامام احمد في مسنده عن سهل بن حنيف يقول : مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت منه فخرجت محموما فنمي ذلك الي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال :
” مروا ابا ثابت فليتعوذ ” قلت ياسيدي والرقي الصالحة قال : ” لارقية الا في نفس او حمة او لدغة”0
________________________________________
فهذا الحديث الشريف صريح اشد الصراحة في قول سهل بن حنيف لسيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم : ياسيدي وقد رواه النسائي أيضا بسند قوي وكذلك ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه :” اذا صليتم علي النبي صلي الله عليه وسلم فاحسنوا الصلاة عليه فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه وقولوا اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك علي سيد المرسلين وامام المتقين
وكان الصحابة ينادون بعضهم بعضا بهذا اللفظ الذي يشعر بالتكريم والاجلال فقد روي الحاكم في المستدرك بسند صحيح ان ابا هريرة رضي الله عنه لما رد السلام علي سيدنا ومولانا الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : وعليك السلام ياسيدي ثم قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول انه سيد
وماقاله الفاروق رضي الله عنه : ابوبكر سيدنا واعتق سيدنا – أي سيدنا ومولانا بلال رضي الله عنه
وكتب اليسرة النوبية مليئة بهذا المعني فمن اعماه التعصب الممقوت واتباع الآراء الضالة فلا نلتفت اليه ولا نعيره أي اهتمام لآنه محروم من محبته صلي الله عليه وسلم
فهذه الدلائل الساطعة والبراهين الدامغة من كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم لاتدع مجالا للشك في اطلاق السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم بل وللمؤمنين غير الفاسقين فقد اخرج البخاري في الادب المفرد وابو داود عن رسول الله صلي الله عليه وسلم انه قال : ” لا تقولوا للمنافق سيدا فانه ان يك سيدكم فقد اسخطتم ربكم عز وجل ” وان النهي عن قوله للمنافق دليل علي جوازه للمؤمن
وان السيادة تتفاوت مراتبها بحسب تفاضل الاعمال الصالحة والمنزلة عند الله تعالي فقد روي الحاكم بسند صحيح ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
” سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام الي امام جائز فأمره ونهاه فقتله “
________________________________________
فهذه السيادة لسيدنا حمزة رضي الله عنه بالنسبة للشهداء وهكذا نجد كل سيادة مقيدة بعمل معين او زمن معين ولكن السيادة الكاملة التامة لا تكون الا لسيد الخلائق جميعا ورحمة الكائنات كلها صلوات الله وسلامه عليه
وقد قال الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة النبوية :
ولا يحل الرفع فوق صوته * ولا ينادي باسمه بل نعمته
وقال ابن ذكري في همزيته :
لحرمة قدركم حرمت دعوتكم * باسمكم وذم النداء
وقال ابن عطاء الله في كتاب مفتاح الفلاح في كلامه عن الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم : وإياك ان تترك لفظ السيادة ففيها سر يظهر لمن لازم هذه العبادة
وقال ابوالعباس ابوني في أداب الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم : ومنها اذا امر في صلاته عليه صلي الله عليه وسلم علي اسم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم في بعض الكيفيات مجردا عن السيادة فليردد لفظ السيادة بلسانه فقط فذلك هو الأدب مع النبي صلي الله عليه وسلم واما الكتابة فانها تابعة للرواية من غير زيادة ولا نقصان اتفق الصالحون علي ذلك في القرن الثالث ووافقهم العلماء المجتهدون وقالوا يختص النبي صلي الله عليه وسلم بذلك لقوله صلي الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين : ” انا سيد ولد أدم “
وقال الامام محمد بن جعفر الكتاني في جواب له في هذه المسألة : ان ذكر الاسم الشريف بالسيادة ونحوها مما يدل علي التعظيم والتشريف امر متفق علي طلبه واستحبابه في الجملة امتثالا لقول الله تعالي :
” لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا “
وقوله جل شأنه ” لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ “
وقد نقل كلام ابن حجر م الدر المنضود ثم قال وفي عمدة المريد للشيخ ابراهيم اللقاني علي الجوهرة له في التوحيد قال استاذنا : ولا خلاف في استعمال السيد فيه عليه الصلاة والسلام وانما الخلاف في استعماله في الصلاة فكرهه قوم واجازه اخرون
________________________________________
واما الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم بالصيغ الواردة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال المحققون يزاد فيها لفظ السيادة سواء في الصلاة أو خارجها مستدلين بعمل سيدنا ابي بكر الصديق حيث تأخر عن المحراب مع قول النبي صلي الله عليه وسلم له مكانك وامتناع سيدنا علي بن ابي طالب عن محو اسمه من الصحيفة لأن الالتزام الادب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم اولي من امتثال الامر
واجابوا عن الاعتراض القائل بانه يجب الا يزاد في كلام النبي صلي الله عليه وسلم كما لا يزاد في القرآن الكريم بانه لا تصح التسوية بين القرآن والحديث في هذا المعني لامور منها : ان رواية الحديث تجوز فيها الحكاية بالمعني للعارف بالالفاظ ومدلولاتها كما هو مذهب جمهور المحدثين ولا يجوز ذلك في القرآن قطعا
ومنها ان الرواية يجوز فيها الادراج بتفسير غريب الحديث كما هو منصوص عليه لغير واحد وفعله ابن شهاب الزهرى ولا يجوز في القرآن
وأما الحديث الشريف : ” من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” أي ماليس من امره وما لم يسنه ولم يشهد الشرع باعتباره واما ما شهد الشرع باعتبار اصله فهو جائز اصله فهو جائز شرعا وهو من امره كالبدع المستحسنة كالاجتماع علي قيام رمضان , وذكر الصحابة في الخطبة وذلك لأن القربة اذا شهد الشرع باعتبار جنسها فهي مشروعة . وان لم يرد لها دليل خاص كما هو مقرر في قواعد الفقه واصوله , وذكر السيادة لرسول الله صلي الله عليه وسلم قربة قد شهد الشرع باعتبار جنسها وهو توقير النبي صلي الله عليه وسلم وتعظيمه فضلا عن النصوص الصريحة التي ذكرت قبل ذلك بل ان ما اختلفت في مشروعيته ففعله اولي كما نص عليه الامام العز بن ابن عبدالسلام ورجحه القرافي كما ذكره المواق في كتاب ( سنن المهتدين )
صيغ الصلاة عليه صلي الله عليه وسلم
________________________________________
المعلوم أن الصلاة علي الحبيب صلي الله عليه وآله وسلم وردت مرورية بصيغ كثيرة مختلفة مأثورة كما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم صيغ كثيرة اجتهدوا فيها بمزيد الثناء واستمطار صلاة الله تعالي ورحمته وبركاته علي خير خلقه صلي الله عليه وسلم مما يدل علي جواز تعدد هذه الصيغ وعدم التقيد بالمأثور. وقد ورد في كتاب ( نور الاسلام ) للشيخ عبدالكريم المدرس رواية عن سلامة الكندي : كان علي رضي الله تعالي عنه يعلمنا الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ( اللهم داحي المدحورات وبارئ المسموكات , اجعل شرائف صلواتك , ونواحي بركاتك و ورأف تحننك علي محمد عبدك , والدامغ لجيشات الاباطيل كما حمل , فأضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك واعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا علي نفاذ أمرك . حتي اوري قبسا لقابس آلاء الله تصل بأهله اسبابه , به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والاثم , وابهج موضحات الاعلام , ونائرات الاحكام , ومنيرات الاسلام , فهو أمينك المأمون , وخازن علمك المخزون , وشهيدك يوم الدين , وبعيثك نعمة , ورسولك بالحق رحمة , اللهم افسح له في عدنك , واجزه مضاعفات الخير من فضلك مهنئات له غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول , وجزيل عطائك المعلول , اللهم أعل علي بناء الناس بناءه , واكرم مثواه لديك ونزله , وأتمم له نوره وأجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة , ومرضي المقاله , ذا منطق عدل , وخطة فصل وبرهان عظيم )
________________________________________
وعنه أيضا في الصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ( ان الله وملائكته يصلون علي النبي , لبيك اللهم وسعديك , صلوات الله البر الرحيم , والملائكة المقربين , والنبيين , والصديقين , والشهداء , والصالحين , وما سبح لك من شيئ يارب العالمين علي محمد بن عبدالله خاتم النبيين , وسيد المرسلين , وامام المتقين , وخاتم النبيين , وسيد المرسلين , وامام المتقين , ورسول رب العالمين الشاهد البشير الداعي اليك باذنك السراج المنير وعليه السلام )
وعن عبدالله بن مسعود ( اللهم اجعل صلواتك , وبركاتك , ورحمتك علي سيد المرسلين , وامام لمتقين , وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك امام الخير ورسول الرحمة , اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الاولون والأخرون , اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي ابراهيم انك حميد مجيد , وبارك علي محمد وعلي آل محمد كما باركت علي ابرهيم وعلي آل ابراهيم ان حميد مجيد )
وكان الحسن البصري يقول من أراد ان يشرب بالكأس الاوفي من حوض المصطفي فليقل( اللهم صل علي محمد وعلي آله واصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته واصهاره وانصاره وأشياعه ومحبيه وأمته وعلينا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين )
وعن طاوس عن ابن عباس انه كا يقول : ( اللهم تقبل شفاعة محمد الكبري , وأرفع درجته العليا , وآته سؤله في الآخرة والأولي كما اتيت ابراهيم وموسي ) وعن وهيب بن الورد انه كان يقول في دعائه ( اللهم أعط محمدا أفضل ما سألك لنفسه , واعط محمد أفضل ما سألك له أحد من خلقك , واعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له الي يوم القيامة )
وعن ابن مسعود رضي الله عنه انه كان يقول : ( اذا صليتم علي النبي صلي الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ( رواه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة علي النبي )
عودة الي أدلة تسويده صلي الله عليه وسلم
________________________________________
وفي كتاب ( المهمات ) أن الإمام العز بن عبدالسلام سئل ايضا في الصلاى علي النبي صلي الله عليه وسلم هل الافضل ذكر السيادة فأجاب بان سلوك الادب هو المستحب كما فعل سيدنا ابوبكر عندما كان في المحراب وتأخر اجلالا لمقام رسول الله صلي الله عليه وسلم وكما فعل سيدنا علي عندما امتنع عن محو لفظ رسول الله صلي الله عليه وسلم
فاذا علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم كيف نصلي عليه وقال : ” قولوا اللهم صلي علي محمد ..” وجب علينا ان نقول اللهم صلي علي سيدنا محمد وقد افتي امام الحرمين من فقهاء الشافعية بذكر لفظ السيادة في التشهد في كل صلاة
وسئل ايضا الامام جلال الدين المحلي عن قوله صلي الله عليه وسلم : ” صوا كما رأيتموني أصلي ” وكيف يصح ان نخالف رسول الله صلي الله عليه وسلم ونزيد لفظ السيادة فأجاب بان هناك قاعدتين امتثال الامر والتزام الادب والارجح التزام الادب وبهذا افتي الامام عز الدين بن عبدالسلام وجماعه من فقهاء الشافعية وابن عبدالسلام من فقهاء المالكية
وقد نص كثير من الفقهاء بان من قال باسقاط لفظ السيادة من اسمه الشريف يؤدب الادب الشديد كما ذكره العلمي في نواز له ولذلك افتي الامام ابن عبدالسلام في قضية الطالب الذي قال لا يزاد في الصلاة عليه صلي الله عليه وسلم ذكر سيدنا بأن يؤدب وامر بسجنه فاختفي حتي شفع فيه فخلي سبيله كما جاء في كتاب اكمال الاكمال او صاحب المعيار
وروي عن الامام مالك – كما في كتاب بدائع الفوائد – لما سئل عن السيادة انه قال : كيف وهو صلي الله عليه وسلم قال عن الحسن ان ابني هذا سيد وقال للانصار لما اقبل سعد بن معاذ : قومو لسيدكم فهو سيد السادة وخير البشر صلوات الله وسلامه عليه
________________________________________
وقال الشيخ علي الشبراملسي في حاشيته علي شرح الشمس الرملي علي المنهاج في فقه الشافعية عند قوله والافضل الاتيان بلفظ السيادة كما قاله ابن ظهيرة والمحلي , وهو يقتضي العموم في جميع المواضع التي يذكر فيها اسمه عليه الصلاة والسلام وأن الادب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم عند ذكره في حياته وبعد مماته وقد ناظر الامام مالك ابا جعفر المنصور – الخليفة العباسي – وقال له : أن حرمته صلي الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا
وذكر التقي السبكي في ( كتاب تنزيل السكينة علي نادل المدينة ) ان سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان يمنع رفع الصوت في المسجد النبوي الشريف ولم يكن يفعل ذلك في المسجد الحرام وما ذلك الا للادب مع رسول الله صليي الله عليه وسلم وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تسمع الوتد يوتد والمسمار يضرب في البيوت القريبة فتقول : لا تؤذوا رسول الله صلي الله عليه وسلم
بل ان الرسول صلي الله عليه وسلم امرنا ان نكرم من تسمي باسمه الشريف فقد روي الحافظ السيوطي في الجامع الصغير ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ” اذا سميتم الولد محمد فأكرموه , واوسعو له في المجلس ولا تقبحوا له وجها “
وكذلك روي الحاكم والبزاز روايات اخري باسانيد قوية
فاذا كان الامر النبوي الكريم باكرام من تسمي باسمه فما بالك بصاحب الاسم ونبي الرحمة وشفيع الخلق وحبيب الحق صلوات الله وسلامه عليه
(( الفصل الخامس))
شبهات تتعلق بقدره الشريف صلى الله عليه وسلم
صلاة الفاتح
قد مر بنا مبحث صيغ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قول سيدنا الامام علي بن ابي طالب في الصيغة المأثورة عنه ( اجعل شرائف صلواتك ونواحي بركاتك ، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ، والمعلن الحق بالحق والدافع لجيشات الأباطيل).
________________________________________
وفي الصفحة (19) من حواره تهجم الشيخ ابن منيع على شرح السيد العلوى ( لصلاة الفاتح ) كما كرر تهجمه عليها في نهاية الصفحة (29) وسماها ( صلاة الفاتح المغلق ) معتبرا إياها من الشركيات والمكفرات والمنكرات والضلالات التي اقترفها السيد العلوي .. فهل يتجاهل الشيخ ابن منيع أوفلعله يجهل أنه صلى الله عليه واله وسلم أول الأنبياء في الخلق في عالم الأرواح وأخرهم في البعث في عالم الأشباح فهو ( الفاتح المغلق ) كما تهكم . ( والفاتح الخاتم ) كما يسميه أحبابه وجمهور أمته لما جاء في سنن الترمذي وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ( يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ، وفي رواية متى استنبئت ، وفي رواية متى كنت نبيا ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( كنت نبيا وأدم بين الروح والجسد ).
ولعله لم يطلع على نسبتها لسيدنا علي أولعله من الذين لايرون الأخذ ( بعمل الصحابي ) ولا يعتبرونه حجة .. وعلى كل حال فقد ذكر الشيخ يوسف النبهانيهذه الصيغة في كتابه (افضل الصلوات ) ص 137 كاملة كما يلي :
________________________________________
( اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه حق قدره ومقداره العظيم ) وللسدة التيجانية الصوفية تعلق خاص بهذه الصيغة وهي جزء هام من أورادهم المشهورة ، وقد نسبها الشيخ النبهاني للشيخ محمد شمس الدين البكري الذي يرجع نسبه لجده الخليفة الأول سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال إنه وجدها في ( كتاب مسالك الحنفا في الصلأة على النبي المصطفى ) للشهاب القسطلاني ومكتوب قلبها هذه العبارة (هذه أنفاس رحمانية وعوارف صمدانية لقطب دائرة الوجود وبدر أساتذة الشهود تاج العارفين سيدنا وأستاذنا ومولانا الشيخ محمد بن أبي الحسن البكري روح الله روحهما ونور ضريحهما وأعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاتهما في الدنيا والآخرة . أمين ) ا. ه ص 141 من ( أفضل الصلوات ) وقد تهجم ابن منيع على الشيخ البكري في صفحة 81 من حواره .
فماذا يقول الشيخ ابن منيع في قول القسطلاني (1) هل تغير الاسلام أم تغير القسطلاني أم تغير ( فهم ) ابن منيع والرئاسة لمعايير الاسلام والمسلمين ؟ وقديما قيل ( من قال هلك الناس فهو أهلكم) .
كل شيء به منوط
________________________________________
جاء في الصلاة المعروفة بالصلاة المشيشية قوله : في حق النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا شئ إلا هو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ) وقد أشكلت هذه الجملة على بعض الناس كما فعل الشيخ ابن منيع في ( حواره صفحة 17 منه ) وفهم منها أموراً غير مقصودة ولا مراده ولا يتصور أبداً أن تقع في ذهن مسلم يؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك جل جلاله وعظم شأنه ولو تدبرت معنى هذه الجملة لسهل عليك الخطب وهان عليك الأمر وعملت أن المسألة لم تخرج عن دائرة التوحيد لأن معناها أن حقائق الأشياء التي لا يتم الوصول إلى الله إلا بها لا تقبل ولا تعتبر إلا إذا جاءت من طريق المشرع وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقد قرر العلماء واتفقوا على أن أي عمل لا يكون مقبولاً إلا إذا كان صواباً مع الإخلاص ولا يكون صواباً إلا إذا كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما قال صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ . رواه مسلم .
فإذا كانت الأعمال جميعها لا تصح إلا إذا جاءت من طريقة ورضى عنها فهل هناك شئ له قيمه أو اعتبار أعلى من هذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (( الدنيا ملعونة ما فيها إلا ذكر الله وما وإلاه وعالما ومتعلماً )) رواه الترمذي وأبن ماجه والبيهقي وقال الترمذي : حديث حسن .
فذكر الله لا يصح إلا إذا كان عن طريقة فهو منوطاً به والعلم لا يصح إلا عن طريقة فهو منوط به فصار كل شئ به منوط .
وأما قوله : (إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ) فأن العاقل لو تدبر معناها بإمعان لعلم أنها تدل على حقيقة من حقائق التوحيد التي لم يختلف فيها أحد من المسلمين والتي هي أصل الشريعة التي من أجلها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل .
________________________________________
فالواسطه هم الرسل والموسوط هم الأمم ولولاهم لهلكنا وضللنا وسقطنا وهذا معنى قوله ( لذهب) أي لتلف وهو معنى قوله تعالى ( وكنتم على شفا حفره من النار فأنقذكم منها ) وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبوني تقحمون فيها ) رواه البخاري .
تنحل به العقد وتنفرج به الكرب
( اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضي به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتم ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى اله وصحبه في كل لمحة ونفس بعدد كل كل معلوم لك ) .
هذه الصيغة من الصيغ المشهورة عند الناس قديماً وحديثاً وهي مجربة لقضاء كثير من المقاصد وتحقيق المطالب وقد أشكل على بعضهم وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه تتنحل به العقد وتنفرج به الكرب من حيث أن الكرب إنما تنفرج بالله فهو الذي يفرج الهم ويكشف الغم وكذلك قضاء الحوائج ، وأقل الناس علما يعرف جواب هذه المشكلة
________________________________________
وهو أن قضاء الحوائج وتفريج الكربات إنما هو بالله سبحانه وتعالى فهو الفاعل حقيقة لا يشك في ذلك إلا كافر أو جاهل ، ونسبة هذه الأفعال للنبي صلى الله عليه وسلم أنما هي نسبة مجازيه . وهذا أمر ظاهر لا إشكال فيه جرت عليه عادة عامة الناس بل وجهلتهم أو جهالهم ، مع علمهم بهذه الحقيقة وإقرارهم بهذا الواقع مع اليقين الكامل والاعتقاد الجازم فان الواحد منا يقول فلان فرج كربتي ، وفلان أقال عثرتي ، وفلان أزال محنتي وقضى حاجتي ولا يخطر في بال أجهل واحد من هؤلاء ، أدنى اعتقاد يفيد استقلال الفاعل بفعل هذه الأمور دون الله ، فإذا كنا نجيز أمثال هذه التعبيرات والإطلاقات في عامة كلامنا وتعاملنا مع البشر فلم لا يجوز ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأولياء والصالحين ؟ وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يستعينون به ويستغيثون ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز وهؤلاء الصحابة الكرام يفزعون إليه صلى الله عليه وسلم عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه .
فهذا أعمى يطلب رد بصره
وهذا قتاده يطلب رد عينه
وهؤلاء يطلبون الغيث .
وهذا حسان بن ثابت يقول له أنت يارسول الله ركن المعتمدين وأنت عصمة اللائذين وجار المستجيرين وملاذ القاصدين في قصيدته المشهورة :-
يا ركن معتمد وعصمة لائذ وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيره الإله لحقه فحباه بالخلق الزكيّ الطاهر
________________________________________
وقد جاء في الأحاديث النبوية عن رسول الله صلى الله عليه أحاديث كثيرة تفيد أن الله سبحانه وتعالى يدفع العذاب عن أهل الأرض بالمستغفرين وعمار المساجد وان الله يرزق بهم أهل الأرض وينصرهم ويصرف عنهم البلاء والغرق . وأن من عباد الله من يرزق الله تعالى به الكون ويحفظ به الأرض ويمطر به الناس وأنهم أمان وحصن يفزع الناس إليهم في حوائجهم ويطلبون منهم المعروف والإحسان لأنهم أهل الإحسان ( كل هذا مع العلم الكامل أن الرزق والنصر والمطر والدفع والرفع والضر والنفع بيد الله سبحانه وتعالى .
روى البيهقي في الشعب عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله تعالى يقول : أني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في والمستغفرين بالأسحار صرفت عذابي عنهم ) .
وعن أبي الدراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرين مره كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض ) رواه الطبراني وهو حسن . كذا في الجامع .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن ، فبهم تسقون ، وبهم تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه أخر .)
( رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن . كذا في مجمع الزوائد ج 10 ص 62) .
فهل جهل ذلك الشيخ ابن منيع ؟
قبل أن يبادر للتكفير والتشريك !
________________________________________
كذلك من المعلوم أن أوّ الأرواح البشرية خلقاً هو روح السيّد الأعظم صلى الله عليه وسلم كما أخبر عن ذلك بقوله : (( كنت أول الناس في الخلق وأخرهم في البعث )) رواه أبو نعيم وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والديلمي كلهم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ((كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث)) . وهذه الرواية تفسر رواية ابن سعد وأن المراد من الناس الأنبياء ، فهو صلى الله عليه وسلم أولهم في عالم الأرواح وخاتمهم في عالم الأشباح صلى الله عليه وسلم ، وقد نبأه الله تعالى في عالم الأرواح قبل الأنبياء كلهم ،فيه فتحت النبوة في عالم الأرواح وبه ختمت في عالم الأشباح صلى الله عليه وسلم . فهو الفاتح وهو الخاتم .
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( قالوا : يارسول الله ، متى وجبت لك النبوة ؟ قال : وادم بين الروح والجسد )) وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو نعيم والبيهقي والحاكم وصححه ، ورواه البزار والطبراني أبو نعيم أيضا من رواية ابن عباس رضي الله عنهما .
وعن ميسرة الفجر قال : قلت : يارسول الله متى كنت نبيا ؟ قال: (( كنت نبيا وادم بين الروح والجسد )) رواه الامام أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني والحاكم وصححه وقال الحأفظ الهيثمي في رجال احمد والطبراني : رجالهما رجال الصحيح . ا.هـ .
(( الوحدة والتوحيد ))
________________________________________
مرت بنا آنفا صيغة الصلاة المروية عن سيدنا علي ومن بعده رضى الله تعالى عنه ، اجتهد ولده وحفيده شيخ الإسلام عبد السلام بن بشيش الإدريسي من ولد سيدنا إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فنظم صيغة جديدة ضمنها قوله : ( اللهم أقذف بي على الباطل فأدمغه ، وزج بي في بحار الأحدية ، انشلني من أوحال التوحيد ) فتسارع سوء الظن السيئ لألي النفوس التي همها الانتقاد لا حسن الاعتقاد ، فلم تتأن في طلب المعنى والتأويل ، بل سارعت ، كشأنها دائماً – إلى التبديع والتكفير والتضليل ، وإذا كنا نرجح رأي الأمام السيد أحمد الرفاعي عندما قال في كتابه الشهير ( البرهان المؤيد) معلقاً على بعض النصوص التي يلزمها التأويل : ( إياكم والقول ببعض هذه الأقاويل ، حسن الظن يلزمنا بسيدنا الشيخ ، ولكن أدبنا مع الدين ألزم ) ص 85 . إلا أننا نذكر – المشايخ والعلماء – بقوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) وقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ( التمس لأخيك سبعين عذراً ) فنقول لشرح معنى هذه العبارة التي التبست عليهم ( وزج بي في بحار الأحدية ، وانشلني من أوحال التوحيد ) : أن ( التوحيد) لغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد و ( التوحيد ) شرعاً أفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاده وحدانيته والتصديق بها ذاتاً وصفات وأفعالاً ، و (التوحيد) في اصطلاح أهل الحقيقة من الصوفية : تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الإفهام ويخيل في الأذهان والأوهام وقد هاجم ابن منيع هذه العبارة في صفحة (17) من حواره .
________________________________________
والمعروف أن الله تعالى أوضح لنا سورة (الإخلاص) أنه ( أحد) أي لا أحد معه ولا أحد بعده ولا أحد مثله ( ولم يكن له كفواً أحد ) وصاحب الورد والدعاء يسأل الله تبارك وتعالي أن يرزقه حقيقة التحقق بمعرفة كمال وجمال وجلال ( الأحدية ) وهي التوحيد وفي الوقت نفسه يسأله تعالى أن يحفظه ويحميه وينفذه من مخاطر وشحطات الإغراق والاستغراق والمغالاة في شهود آثار أحدية ذاته ووحدانيته تعالى ( كالقول بالوحدة والاتحاد) وغيره مما هلك فيه من هلك أو ضل وشطح من شحط لذلك قال الأمام السيد أحمد الرفاعي في كتابه الشهير ( البرهان المؤيد ) : ( التوحيد وجدان تعظيم في القلب يمنع من التعطيل والتشبيه ) . فصاحب الورد والدعاء أذن يستعيذ بالله تعالى من أن يتيه في ( أوحال ) التائهين والشاطحين والمنحرفين في ( التوحيد ) إذ كما قال الأمام الرفاعي في ( البرهان ) : (ما ثم اتصال ولا انفصال ، ولا حلول ولا انتقال ، ولا حركة ولا زوال ، ولا ممارسة ولا مجاوره ،ولا محاذاة ولا مقابلة ، ولا مماثلة ولا مجانسة ولا مشاكله ، ولا تجسد ولا تصور ولا انفعال ، ولا مماثلة لا مجانسة ولا تغير ) وكما ذكر في كتابه المذكور رضى الله عنه أنه ( سأل رجل الأمام مالكاً بن أنس رضى الله عنه عن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعاً ، وأمر به أن يخرج .
________________________________________
وقال إمامنا الشافعي رضى الله عنه لما سئل عن ذلك : آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك ، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك وقال الأمام أبو حنيفة رضى الله عنه : من قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض فقد كفر .. لأن هذا القول يوهم أن للحق تعالى مكاناً ، ومن توهم أن للحق مكاناً فهو مشبه . سئل الأمام جعفر الصادق بن محمد الباقر رضى الله عنهما : من زعم أن الله في شيء ، أو من شيء ، أو على شيء ، فقد أشرك إذ لو كان على شيء لكان محمولاً ولو كان في شيء لكان محصوراً ولو كان من شيء لكان محدثاً ) ا . هـ .
(( الفصل السادس ))
التبرك ليس شركاً ولا بدعه:
شجرة بيعة الرضوان
في الصفحة (23) من حواره أخذ الشيخ أبن منيع على الشيخ السيد المالكي ( رأيه في أن شجرة بيعة الرضوان لم يقطعها عمر إلا لأن الناس اختلفوا في تعيينها فقطعها لئلا تنسب لبيعة الرضوان والحال أنها ليست كذلك ) .
سبب قطع شجرة البيعة
ولا بد هنا من ملاحظة أن قطع عمر لشجرة البيعة ونحوه : أنما كان لمنع الشرك الذي كان لا يزال متمكناً أو قريباً من النفوس ، ولم يكن أبداً لمنع التبرك وفرق هائل بين الإشراك والتبرك الذي هو من تأكيد الإيمان بالله وقدرته ، وهو من أدلة استمرار آثار العمل الصالح ، وهذه الفعلة من عمر كانت مجرد اجتهاد في حكم سد الذريعه ، فليس هو بشريعة نبوية حاسمة ومن العجب أن هؤلاء الذين يستشهدون بفعل عمر هنا ، هم الذين يخالفون فعل عمر بصلاة التراويح عشرين ويصلونها ثمانية ، فليس الأمر هنا دينا وانما هو شهوة المخالفة .
قصد المعالم المباركة
________________________________________
وقصد الأماكن والمعالم المباركة التي يرجى فيها استجابة الدعاء والتوسل كالمساجد والبقاع التي لها خصوصية ، شرع منصوص ، وقد بينت كتب الحديث في أبواب الدعاء أن هناك أمكنه وأزمنة يكون الدعاء فيها أرجى من غيرها لقد آستها وطهارتها ونزاهتها عن الدنس والخطيئة كما حدث في ليل الإسراء لسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث – وهو في طريقة إلى المسجد الأقصى – نزل عن براقه ، فصلى في عدة أمكنه معينه ، في كتب الحديث والسيرة ومنها : طور سيناء ، ومولد عيسى ، ثم أن في مشاهد الحج واختيار أماكن معينة فيه للدعاء والتعبد ونحوه ، أكبر دليل على ذلك ويؤيده حديث شد الرحال إلى المساجد الثلاثة ، فقصد الأماكن والمعالم المباركة للزيارة والدعاء عمل مندوب إليه . وقد صح عن عمر رضي الله عنه قوله : لو كان مسجد قباء في كذا لذهبنا إليه ) .
التبرك بآثار الصالحين
والتبرك بآثار الصالحين جائز ، وقد نقل الحافظ العراقي في ( فتح المتعال ) بسنده أن الأمام أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره تبركاً ، قال : عندما رأى ذلك الشيخ ابن تيميه عجب ، قال : وأي عجب في ذلك وقد روينا أن الأمام أحمد تبرك بالشرب من ماء غسيل قميص الأمام الشافعي بل قد روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بأثار الشافعي .
وفي ( الحكاية المنثورة ) للأمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أصيب بدمل أعجزه علاجه ، فمسح به قبر الأمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ .
وفي تاريخ الخطيب : أن الأمام الشافعي كان يتبرك بزيارة قبر الأمام أبي حنيفة مدة أقامته بالعراق ، كما صح عنه أنه كان يتبرك بغسالة قميص الأمام أحمد ، (فكان يأخذ منها ما يسمح به وجهه وأعضاءه ، كما ذكره أصحاب ( الطبقات) وغيرهم
________________________________________
وفي صحيح السيرة : أنه كان مع خالد بن الوليد شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم يتبرك بها ، وما شهد بها مشهداً لا نصره الله كما رواه البيهقي وابو يعلي وآخرون .
وفي صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن أسماء بنت أبي بكر أنها اخرجت جبة طيالسية وقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فتحن نغلسها للمرضي فتستشفى بها .
وفي طبقات ابن سعد عن ابن قسيط والعتبي : (كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا رمانه المنبر التي تلي القبر بميامنهم (أي) تبركا وتوسلاً ثم استقبلوا القبله يدعون ) .
وروى ابن سعد كذلك عن عبد الرحمن بن عبد القادر ، أنه رأى ابن عمر رضى الله عنه واضعا يده عل مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه (أي تبركا..) كما ورى عنه أنه كان يضع يده على رمانه المنبر مكان يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمسح بها وجهه .
كذلك ثبت أن بلالا مرغ خدع على عتبات الحجرة النبوية باكياً بين الصحابه رضى الله عنهم يوم عاد من الشام إلىالمدينه ثم علم يرد أن أحدا من الصحابه أنكر عليه ولا على فاطمة فيما ورد عنها من التبرك بتربه القبر الشريف .
ولعل الأصل : ثبوت تبرك المسلمين بشعر النبي ووضوئه وسؤره وملابسه وبردته وإقراره صلى الله عليه وسلك لذلك .
تبرك السلفي الأول الصديق والسلفي الثاني الفاروق به
صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
________________________________________
ولا شك أن من أبرز الدلائل الدالة على مشروعية وندب واستحباب التبرك به صلى الله عليه وسلم وبآثاره الشريفة بعد وفاته فضلاً عن حياته ما فعله الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله عنه فانه طلب عند وفاته أن يدفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم ( بل عند قدميه الشريفين وكذلك طلب وألح الخليفة الثاني عمر الفاروق رضى الله عنه فانه كما ورد في صحيح البخاري استأذن أمنا عائشه رضى الله عنها مرتين أن طعن أن يدفن بجوار المصطفى صلى الله عليه وسلم فمرة أرسل ابنه عبد الله قائلاً لها يستأذنك أمير المؤمنين عمر ثم قال له : إذا أنا مت فاذهبوا بجنازتي إلى بيت عائشة وقفوا بي على الباب ثم قولوا : يستأذن عمر فإني عندها لم أعد أمير المؤمنين فإن أذنت وإلا فادفنوني في مقابر المسلمين ( فهل يدلنا المخالفون النافون للتبرك والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عن سر إصرار هذين الطودين الشامخين من أطواد الاسلام والخليفتين الراشدين اللذين قال عنها الصادق والمصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) رواه الامام أحمد والترمذي وابن ماجه والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن حذيفه بن اليمان وحديث العرباض بن ساريه ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) رواه الأمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه .. فهل يجوز بعد بيان ما سلف أن نتهم بالشرك ونضرب بالعصا وننظر شزراً وحنقاً إى من يريد أن يتبرك بأي أثار من أثار النبي صلى الله عليه وسلم سواء في مسجده الشريف ومنبره ومحرابه وشباك قبره المنيف أم في خارجه .. ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (.
(( الفصل السابع ))
التوسل
________________________________________
هذا وأود أن أنقل فيما يلي رأي أهل السنة والجماعة المستند إلى الأدله الشرعية المحكمة في موضوع التوسل فأقول وبالله التوفيق نقلا عن كتاب ( قضايا الوسيلة ) للشيخ محمد زكي أبراهيم :
أنواع التوسل :
من حيث أن أصل التوصل مشروع لا خلاف عليه كان الكلام في فروعه من الخلاقيات التي لا تتعلق بإيمان ولا كفر ولا توحيد ولا شرك وإنما محلها الجواز والمنع فحكمها الحلال والحرام أنه لا خلاف بين طوائف المسلمين إجماعا على ثلاثة أنواع من التوسل:-
النوع الأول :-
التوسل بالحي الصالح إلى الله تعالى كما في الحديث الضرير مع النبي صلى الله عليه وسلم الذي سوف يأتي بيانه .
النوع الثاني : -
توسل الحي بالعمل الصالح إلى الله تعالى كما في ( حديث الثلاثة أصحاب الغار والصخره) الذي أورده الأمام البخاري في صحيحه .
النوع الثالث :-
التوسل إلى الله بذاته تعالى وبأسمائه وصفاته ونحوها وبما أن هذه الأنواع متفق على مشروعيتها فلا داعي لسرد الأدله عليها
وأنما الخلاف هو على التوسل بالميت الصالح .. وقد أجازه جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعه ولديهم عليه الأدله النقلية المتعاضدة نكتفي هنا منها ( بحديث الأعمى ) من حيث أنه المحور الأكبر فيهذا الباب وعليه يدور النقاش .
حديث الأعمى في التوسل وقضاء الحاجه :
روى الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف أن رجلا أعمى اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أني أصبت في بصري فادع الله لي قال أذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم أني أٍألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمه يا محمد أني استشفع بك على ربي في رد بصري وفي روايه ( في حاجتي لتقضي لي اللهم شفعه في ) ( ثم قال صلى الله عليه وسلم ) وأن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ( وفي بعض روايات الحديث خلاف يسير في الألفاظ ليس بذى بال ) .
________________________________________
من هذا الحديث أخذ الفقهاء مندوبيه صلاة الحاجة فمن كانت له إلى الله حاجة صلى هذه الصلاة توجه إلى الله بهذا الدعاء مع ما يناسبة من الدعاء الأثور وغير المأثور مما تمس إليه الحاجة وما يشعر به صاحبها .
ومنطوق الحديث حجه في صحه التوسل بالحي ومفهومه حجه على صحه التوسل بالميت من أن يتوسل بالحي أو الميت ليس توسلا بالجسم ولا الحياة ولا بالموت ولكن بالمعنى الطيب الملازم للأنسان في الموت والحياة وماالجسم إلا حقيقة لصيانه هذا المعنى فاستوجب بهذا تكريمه حياً كان أو ميتا على أن قوله ( يا محمد) نداء للغائب الذي يستوي فيه الحي والميت فهو موجه إلى المعنى الكريم على الله والملازم للروح والذي هو موضع التوسل بالحي أو الميت على حد سواء .
حديث الأعمى والتوسل بالموتى :-
ومع هذا فقد أخرج الطبراني في معجمه الصغير عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقى ابن حنيف فشكا اليه ذلك ( أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد خلافه أبي بكر وعمر )
فقال له عثمان بن حنيف ( وهو الصحابي المحدث العالم بين يدين الله ) أيت الميضأة فتوضأ ثم أيت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل (( اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمه يا محمد : أني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي قال : وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك ) .
فانطلق الرجل يضع ماقال له ثم اتى باب عثمان بن عفان رضى الله عنه فجأه البواب حتى أخذ بيده فأدخله علي عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة ( الوسادة) فقال : ما حاجتك ؟!! فكر حاجته وقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة !!
وقال : ما كانت لك من حاجة فاذكرها !!
________________________________________
ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته ( يريد أن أبن حنيف كلمه ، أي توسط له عند عثمان بن عفان ) .
فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير . فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر !؟ فقال : يا رسول الله أنه ليس لي قائد ، وقد شق علي :
فقال صلى الله عليه وسلم : أيت الميضأة فتوضأ ، ثم صل ركعتين ثم ادع هذه الدعوات
قال ابن حنيف : فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط
وهذا نص صحابي قطعي صريح في صحة التوسل بالموتى وقد صحح هذه القصة ( البيهقي ، والمنذري ، والهيثمي ) كما سيأتي .
تحقيق صحة حديث الضرير : -
قال الطبراني : أنه حديث صحيح وذكر أن عثمان بن عمر تفرد به عن شعبه .
قال الشيخ ابن تيمية ( تأمل ) : أن الطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم يبلغه روايه روح بن عباد عن شعبه ، وذلك اسناد صحيح يبن أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر ( أ هـ)
نقول : ولو سلمنا بانفراده به عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة فهما ثقتان باجماع علماء الحديث وبهذا ينتفي تغريب الحديث عند الترمذي وكم من حديث صحيح ولكنه غريب كحديث ( انما الأعمال بالنيات) مثلاً .
قلنا : وبهذا يتحقق علمياً أن الحديث صحيح على شرط الشيخين ( البخاري ومسلم ) ومع هذا فبعض من في صدورهم غرض معين يضعف حديث الأعمى هذا من روايه الترمذي بحجة أن في سنده رجلا غير معروف والقاعدة عند علماء الحديث أن المجهول عند واحد إذا كان معلوماً عند غيره فالحجة للعالم به والمثبت مقدم على النافي عند جميع أهل العلم ، خصوصا أهل الحديث .
________________________________________
وقد قال الترمذي عنه ( حديث حسن صحيح غريب لا يعرف الا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر قال وهو غير الخطمي ( بفتح الخاء) ومعنى هذا : أن رواه هذا الحديث مع مجهولة أبي جعفر عند الترمذي : مقبولون بدرجة الحسن والصحة على الوجهين .
وعلماء الحديث الذين سبقوا الترمذي حققوا أن أبا جعفر ( هذا المجهول عند الترمذي ) هو الخطمي بعينه قال ابن أبي خيثمة : أبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمه : اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبه ثم روى الحديث من طريق عثمان عن شعبة عن أبي جعفر .
قال ابن تيمية : بعد أن روى حديث الترمذي : (( وسائر العلماء قالوا هو جعفر الخطمي وهو الصواب )) فتأمل
قلنا : وفي (تعريف التهذيب) للحافظ أبن حجر : أنه الخطمي وأنه صدوق ( من السادسة) وفي ( الاستيعاب) لابن عبد البر : أنه الخطمي كذلك ثم أن الحديث كذلك رواه البيهقي من طريق الحاكم وأقر تصحيحه وقد رواه الحاكم بسند على شرط الشيخين واقره الحافظ الذهبي واستشهد به الشوكاني وهما !! من هما !!
ومعنى هذا : أن جميع رجال السند معروفون لكبار أئمة الحديث كالذهبي ( وهو من هو تشددا) وابن حجر ( وهو من هو ضبطا، وحفظا ، وتحقيقا ) والحاكم ، والبيهقي والطبراني وابن عبد البر والشوكاني وحتى ابن تيمية .. الخ .
ثم ان هذا الحديث اخرجه البخاري في ( التاريخ الكبير) وابن ماجه في ( السنن ) ونص على صحته والنسائي في ( عمل اليوم واليله ) وأبو نعيم في ( معرفة الصحابه) والبيهقي في ( دلائل النبوه ) والمنذري في (الترغيب) والهيثمي في ( المجمع) والطبراني في ( الكبير) وابن خزيمه في صحيح وآخرون .
وقد نص على صحته نخو خمسة عشر حافظا وهكذا جاء الحديث كما قدمنا على شرط الصحيحين : البخاري ومسلم فلم يبق بعد هذا مطعن لطاعن أو مغمز لمغتمز في صحة الحديث .
________________________________________
وبالتالي في جواز التوسل بالحي والميت جميعا من طريق : العقل والعلم والعاطفة وفي الأمر سعة من شاء توسل ومن شاء ترك بلا فتنه ولا تأثيم بعد كل هذا التحقيق الدقيق.
موضوع توسل الصحابة بالعباس :-
ثم أن توسل الصحابة بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي أبداً صحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره إذ لا تنافي بين الأمرين بدليل أنه : بينما كانت طائفة تتوسل بالعباس لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم ( ومعنى هذا أنهم يتوسلون بالنبي نفسه ) كان بعضهم يتوسل إلى الله مستسقياً بالرسول في قبره فقد أخرج ابن أبي شبيه عن (مالك الدار) بسند صحيح ( كما في فتح الباري ) وأخرجه البخاري في ( التاريخ ) وابن أبي خيثمة والبيهقي في ( الدلائل ) : أن بلال بن الحارث المزني الصحابي أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الرمادة ( القحط) في عمر وقال : (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا ) … الخ .
وهو نص من فعل الصحابه في صحة التوسل بالميت وبما أنه لم ينكره عليه أحد فقد أخذ بالتتالي قوه الاجماع .
وقد روى ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) سبب توسل الصحابه بالعباس وهو لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره بل هو هو قلنا : لأن علة توسلهم به رضى الله عنه هي قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول وبعمه في وقت واحد وغلا فلماذا اختاروا العباس بالذات مع وجود غيره ؟
________________________________________
وكلام الحافظ في ( الفتح) يؤيد هذا الجانب شأن جمهور علماء المسلمين وهو معتضد بخبر فتح الكوي في سقف الحجرة المشرفة بأذن عائشة توسلا إلى الله في اللطف بالعباد كما روى عن أبي الجوزاء وأخرجه الدارمي في ( سننه ) وعلق عليه ( القاري) في شرح ( المشكاه) تأكيدا فالتوسل بالعباس بعد كل هذا فرع لا يتنافى مع الأصل – وهو التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم – لا عقلا ولا نقلا .
علماء الأصول والتوسل بالموتى :
وعلماء ( أصول الدين ) هم أهل الاختصاص في هذا المجال وليس لمنكر من بعد مقالهم مقال فقد اجازوا التوسل بصالحي الموتى وفي مقدمتهم : علامة الدنيا الأمام فخر الدين الرازي في ( المطالب لعاليه ) وأمام البيان العلامة سعد الدين التفتازاني في ( شرح المقاصد ) وأمام الأعجاز العلامة الشريف الجرجاني في حاشية ( المطالع ) ولهم في ذلك توجيهات وتفاصيل ونقول : فلسفات تؤكد ما يكون بين الزائر والمزور من المدد والافاضه والصلة الروحانية على نسبة منزلة كل منهما في الحياتين .
وفي ( مناسك) الأمام أحمد رواية أبي بكر المروزي ، في التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره وهناك صيغة طويله للتوسل به صلى الله عليه وسلم عند الحنابله ذكرها أبو الوفاء بن عقيل في ( التذكره ) فلا خلاف عند كبار الحنابله على ذلك .
وتوسل الأمام الشافعي بالأمام أبي حنيفه ( وهو ميت) مذكور في أوائل ( تاريخ الخطيب ) بسند صحيح . أ . هـ
( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ) ؟!
التوسل واستمداد المغفرة من الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
سخر الشيخ ابن منيع من قول السيد المالكي : (فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية ، وإمدادات محمدية ) وتساءل متهكماً : (وأما الإمدادات المحمدية فلا ندري ماهو مقصود المالكي بها ؟) كذلك هاجم ما أورده السيد المالكي في ( الذخائر) من صيغة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها : (( وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك يا رسول الله إلى ربي عز وجل )) راجع صفحه (75) من حواره .
ونحن نورد له فيما يلي قصه الأعرابي الذي وجد نفسه مذنبا فذهب يستمد مغفرة الله تعالى وغفوه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى وذلك فيما أخرجه أبن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست بحذائه فجاء أعرابي وذكر نحو ما سيأتي بل روى أبو سعيد السمعاني عن علي رضي الله عنه قال قد علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله سبحانه وتعالى ووعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ) الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي ، فنودي من القبر أنه قد غفر لك انتهى … ( فبأي حديث بعد يؤمنون ) ؟!!
عقيدتنا في التوسل :
________________________________________
نحن نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة لهم ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا ولو كان هذا التوسل شركا وتوجها إلى غير اله كما يزعمه المنكر فينبيغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حال الحياة أيضا وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب ومستحسن شائع في الدين ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا فما الدليل عليه ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كلياً ولا ليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة غايته أنه لم تكن هذه المسأله كليه .
________________________________________
نعم إن كان الزائر يعتقد أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والإلتجاء إليه كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون وكما يفعلون أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير فذلك مما يمنع ويحذ منه وفعل العوام لا يعتبر قط وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل هذا وإلى هذا التوسل أشار الأمام مالك رحمه الله تعالى للخليفة الثاني من بني العباس وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم سأل الأمام مالكاً وهو بالمسجد النبوي وقال له :- يا أب عبد الله استقبل القبله وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال مالك :- ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) النساء – وقد ذكره القاضي عياض في ( الشفاء) وساقه بإسناد صحيح وذكره السبكي في ( شفاء السقام ) والسمهودي في ( خلاصة الوفاء ) والعلامة القسطلاني في ( المواهب اللدنيه ) والعلامة ابن حجر في ( تحفة الزوار والجوهر المنظم ) وذكره كثير من أصحاب المناسك في آداب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ( راجع كتاب – طي السجل – للسيد محمد مهدي الرواس الرفاعي ) .
فهل الشيخ ابن منيع والمشايخ في الرئاسة لا يزالون مصرين على ما ورد في الحوار بصفحة (16) من ( أن الاستشفاع والاستجارة به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من أنواع الشرك الأكبر ) نسأل الله السداد في القول ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم .
________________________________________
والحاصل أن مذهب أهل السنة والجماعة صحه التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين كما دلت الأحاديث السابقة لأنا لا نعتقد تأثيرا ولا خلقا ولا إيجادا ولا إعداما ولا نفعا ولا ضرا إلا لله وحده لا شريك له فلا نعتقد تأثيراً ولا نفعا ولا ضرا للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار الخلق والإيجاد والتأثير ولا لغيره من الأحياء والأموات فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وكذا بالأولياء والصالحين لا فرق بين كونهم أحياءا أو أمواتا لأنهم لا يخلفون شيئا وليس لهم تأثير في شئ وأنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى والخلق والإيجاد والتأثير لله وحده لا شريك له ( ولأنه تسري بركه المكان على الداعي ) كما ذكر الأمام الشوكاني في كتابه ( تحفه الذاكرين ) بعده الحصن الحصين .
وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات حيث جوزوا بعض التوسلات بالأحياء لا للأموات فهم القريبون من الزلل لأنهم اعتبروا أن الأحياء لهم التأثير دون الأموات مع أنه لا تأثير أيجاد يا لغير الله سبحانه وتعالى على الإطلاق وأما الإفادة وفيض البركات والاستفادة من أرواحهم استفادة اعتيادية وتوجه أرواحهم إلى الله سبحانه وتعالى طالبين فيض الرحمه على ذلك المتوسل فهو شئ جائز وواقع وخال عن كل خلل بدون الفرق بين الأحياء والأموات .
________________________________________
فشبهه المانعين أن كانت من جهة إن الأموات أجساد هامدة جامدة ولا روح ولا أدراك ولا مجال للخطاب معهم فتلك ساقطة من الاعتبار بأن أجساد الأنبياء والرسل لا تبلى وأن حرم على الأرض أن تأكل لحومهم وأن أرواحهم باقية ثابتة، ولها أدراك بأذن الله تعالى ، وهو تعالى يعلمها بصلوات المسلمين وبتوسلات المتةسلين وحسبك في الموضوع خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في كلا صلاة عن التشهد بقولك : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أ . هـ . من ( نور الإسلام ) .
هذا وقد أجاد سماحة الشيخ عبد الكريم المدرس رئيس جمعية علماء بغداد نفع الله تعالى بحياته عندما ذكر في كتاب القيم ( نور الإسلام ) السالف :-
( أنه هناك أمور ينبغي التعرض لها بالزيادة بصيرة المسلمين :-
الأول – أنه هل للأموات أدراك وإطلاع على الزائر وشخصيته وفهم لأحواله ؟
الثاني – هل هناك فائدة تعود على الميت أولاً وعلى الزائر ثانياً ؟
الثالث – أنه هل يجوز للزائر التوسل بهم إلى الله سبحانه لحصول خير أو دفع شر ؟
فنقول أما الأول – فان كان الميت نبيا من الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) فلهم أدراك فقد ثبت أن الانبياء أحياء في قبورهم وان الأرض لا تأكل أجسادهم لما روى النسائي عن أوس بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء )) عليهم الصلاة والسلام واخرجه بن ماجه في سننه أيضا وروى البيهقي في كتاب الانبياء وصححه من حديث أنس رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال (( الانبياء أحياء في قبورهم يصلون )) وكذلك رواه أبو يعلي والبزار وابن عدي واخرج مسلم في باب فضائل موسى عليه السلام من روايه أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( مررت على موسى ليلة أسرى بي عيد لمزيد البحث والبيهقي في ( حياة الانبياء ).
________________________________________
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض على أعمالكم فان رأيت شرا استغفر لكم )) وذلك العرض كل يوم وقد عد من خصائصه صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من حياة الواردة في هذا الباب مما يدل مجموعها دلالة لا مريه فيها على حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رواه الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد 9/23) .
وكذلك الشهداء فقد ثبت أيضا أنهم أحياء في قبورهم وان كانت حياتهم دون حياة الأنبياء قال تعالى ((وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) سورة البقرة – أية (154) .
والصحيح الذي عليه أكثر الأئمة أن الثواب والعذاب على مجموع الروح والجسد لكن الجسد البرزخي ، لا هذا الجسد المادي المرئي المشهود لأنه ربما يحرق الإنسان فيصير بدنه هباء منبثاً أو يتفتت في القبر ومعنى الجسد البرزخي أنه يخلق الله تعالى لروح المتنعم أو المعذب جداً لطيفاً كجسد الملائكة التي لا فرق فيه بين المحل الكبير والصغير ولا يمنعه مانع من قبوله التنعيم والتعذب وتصور ذلك سهل لمن له المام بالوحي والرسالة ومن تأمل عجائب الملك والملكوت وغرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذه الأشياء فأن للنفس نشأت وهي في كل نشأة منها تشاهد صوراً تقضيها تلك النشأة فكما أنا نشاهد في المنام صوراً لا نشاهدها في اليقظة كذلك نشاهد في حال انخلاعنا عن البدن أموراً لم نكن نشاهدها في الحياة وإلى ذلك يشير قول من قال الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .
فأنا نصدق بأن القبر يوسع على الميت من أهل السعادة بمقدار ما يعلمه الله تعالى وأنه يبقى في النعيم إلى ما شاء الله .
________________________________________
وكذلك نصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت ولكننا لا نشاهد ذلك فان هذه اللعين لا تصلح لمشاهدة تلك الأمور الملكوتيه وكل ما يتعلق بالأخره فهو من عالم الملكوت .
قال في موضع آخر من الكتاب :-
وهذا ولا ينافي ذلك قوله تعالى : ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) لقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) فإنه لولا خلق الله للإسماع لم يكن إسماع لأي شخص من أي شخص حتى في لدنيا وفي حال اليقظة ولكن الله يسمعهم وإلا فكيف كان يتكلم صلى الله عليه وسلم مع قتلى بدر الواقعين في القليب وكيف يقول صلى الله عليه وسلم أن الموتى يسمعون قرع نعال المشيعين لهم وكيف كان مجال لتلقين الموتى بعد الدفن ؟
وان كانت شبهتهم من جهة أنه تأثير لما سوى الله تعالى فهي مدفوعة بأن المتوسلين لا يريدون منهم التأثير والإيجاد معاذ الله أن يتصور المسلم صحة شئ مخالف لقواعد الإيمان والإسلام والتوحيد .
وأن كانت الشبهة وقوع بعض ألفاظ غير سليمة من الخلل فهي مدفوعة بتداركها بأدنى عناية حول تربية المسلمين لترك الألفاظ غير السليمة واستعمال ما يناسب مقام العبودية .
وأما منع التوسل مطلقا فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة ومع صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمه وخلفها وجعل التوسل شركا وكفرا معارضة صريحة لقواعد الإسلام فان من قواعده عدم تكفير أي مسلم إلا بعد ثبوت مكفر منه لا يقبل التأويل واضلال للأمه المعصومة من الخطأ فضلا عن الكفر بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تجتمع أمتي على ضلالة )) الحديث المعروف المشهور الجلي الذي أدعي بعض المحدثين أنه متواتر ومخاصمة مع قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) إذ كيف تجتمع كلها أو أكثرها على ضلالة ؟ وهي خير أمة أخرجت للناس .
________________________________________
فإذا وقفنا وتوجهنا إلى الضريح الأنور وخاطبناه صلى الله وعليه وسلم فخطابنا معه له أصل في الدين وهو الخطاب معه في تشهدنا لكل صلاة ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم له روح عاليه الدرجات موهوبة من الله سبحانه بفضائل لا يعلمها بصلاة المصلين وخطاب الحاضرين والغائبين .
وإذا توسلنا به صلى الله عليه وسلم على معنى طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم فطلب الدعاء مشروع وروحانيته المنورة لا فرق بين عالم علاقتها المادية الدنيوية وعلاقتها البرزخيه بل والأرواح في البرزخ أصفى منها في عالم الدنيا .
وإذا توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم أي توسلنا بذاته الشريفة أو بجاهه العظيم أو بحقه الجسيم أي حق رعايته للعبودية الخالصة عند الله تعالى بمحض إحسانه ولطفه أو فضل طاعته وأعماله وجهاده في تبليغ الدين المبين فكل ذلك واقع في الروايات الصحيحة كما سمعت منا في أوجه التوسل به صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان القصد الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه الشفيع الأكرم المشفع وشفاعته ثابته لا شك فيها وقبول شفاعته ثابت بفضل الله وهو من خالص كرمه ورحمته تعالى لا حق لأحد في منعه وحجره أو إنكاره .
وما توهم الناس به من أنه اشتراك فهو توهم من تعامي عن حقيقة معنى الإشراك فانه عبارة عن أن يجعل العبد أحدا سوى الله تعالى شريكاً له في الألوهية والربوبية والخلق أي أن ذلك الشريك له نصيب من الصفات المذكورة وأين ذلك من التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم بصفة أنه عبد الله ونبيه ورسوله أكرمه بفضله وجعل له الشفاعة والوسيلة والمقام المحمود ؟
________________________________________
وقياس المسلمين على عباد الأصنام في ما حكاه الله تعالى عنهم من قولهم ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ونحوه ناشئ عن إغماض عن الحق وانحراف عن الواقع ، وتسوية بين الأمة الوثنية والجاهلة الضالة العمياء وبين الأمة المسلمة المؤمنة بالله وحدة لا شريك له ، الناشئة عن الملة الإسلامية الحنيفة المهتدية البيضاء ، التي تمرنت على الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين وخالق كل شئ ومعبود المكلفين . وكيف يتصور بمن أسلم وقرأ القرآن وفهم تعاليمه أن يظن تلك الظنون الفاسدة التى ظنها عباد الأصنام الجاهليون ؟ وكيف يتصور ذلك من العلماء الأعلام الدارسين لمعنى قوله تعالى ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم آله واحد ) ولإنذارات الرسول الكريم لعشيرته بعد نزول قوله تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ؟. ا . هـ .
هذا وقد يكون من المفيد كثيرا أقوال هؤلاء الأعلام : -
قال الإمام أبن الحاج المكي في ( المدخل ) والإمام القسطلاني في المواهب قد قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : ( لا فرق بين موته وحياته صلى الله عليه وسلم في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك جلي عنده لاخفاء به ) ا . هـ .
وقال القاضي ثم القاري ثم المناوي في التيسيير شرح الجامع الصغير الصغير للأمام السيوطي رحمهم الله تعالى : ( النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية أتصلت بالملأ الأعلى ولم يبقى لها حجاب فترى وتسمع الكل كالمشاهد ) . ا هـ .
وفي ,, المنقذ من الضلال ’’ للإمام الغزالي رحمه الله : ( أن أرباب القلوب في يقظتهم قد يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم منهم فوائد ) . ا . هـ .
وقد قال تلميذه الأمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي : ( رؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة ) ( أهل الحق – للمحدث محمد حافظ التيجاني ) .
________________________________________
وقد قرر الأمام الشيخ أبن القيم في كتابه ( الروح ) : أن للأرواح قوة وطاقة وقدرة لا يتصورها البشر ، حتى أن روحاً واحدة عظيمة تؤثر في جيش كامل ) .
الروح بعد مفارقتها للجسد :
والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت ، وتبقى هي مدركة تسمع من يزورها ، وتعرفه ، وترد عليه السلام ، وتحس لذة النعيم ، وألم الجحيم .
قال أبن تيمية رحمه الله تعالى : – (( وقد إستفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا ، وأن ذلك يعرض عليه ، وأنه يرى ويدري ما يفعل عنده ، ويسر بما كان حسناً ، ويتألم بما كان قبيحا )) ؟
وروي عن عائشة رضي الله عنها : بعد أن دفن عمر رضي الله عنه . كانت تستتر وتقول : ,, كان أبي وزوجي ، فأما عمر فأجبي ’’ .. تعني أنه يراها .
((وروى أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم ، فيعرفهم أحوالهم وأنه ولد لفلان ولد وتزوجت فلانة )) أهـ . (العقائد الإسلامية لسيد سابق صفحة 230 ) .
السؤال في القبر :
اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته قبر أم لم يقبر . فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رماداً ، ونسف في الهواء ، أو غرق في البحر لسئل عن أعماله ، وجوزي بالخير خيراً ، وبالشر شراً . وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معاً . وقال أبن القيم رحمه الله تعالى : ـ ( مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه ، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة ، وأنها تتصل بالبدن أحياناً ، ويحصل له معها النعيم أو العذاب ، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد ، وقاموا من قبورهم لرب العالمين ، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى . ) ا . هـ . ( المصدر السابق صفحة 231 )
________________________________________
وفي مسند الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، وصحيح أبي حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : ـ أن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم ، حين يولون عنه ، فأن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه ، والصيام عن يمينه والزكاة عن شماله ، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه ، فيؤتي من قبل رأسه فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ، ثم يؤتي عن يمينه ، فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ثم يؤتي عن يساره ، فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل . ثم يؤتي من قبل رجليه ، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان : ما قبلي مدخل ، فيقال له : اجلس فيجلس ، قد مثلت له الشمس ، وقد أخذت للغروب . فيقال له : هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول دعوني أصلي ، فيقولان : أنك ستصلي ، أخبرنا عما نسألك عنه ؟ أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ وما تشهد عليه ؟ فيقول : محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشهد أنه رسول الله جاء بالحق من عند الله . فيقال له : على ذلك حييت ، وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيقال له هذا مقعدك . وما أعد الله لك فيها ، فيزداد غبطة وسروراً ثم يسح له في قبره سبعون زراعاً . وينور له فيه . ويعاد الجسد لما بدىء منه . وتجعل نسمته في النسم الطيب ، وهي طير معلق في شجر الجنة ، قال : فذلك قول الله تعالى :(( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) نسأل الله سبحانه وتعلى أن يهدي المسلمين بنور العلم السليم إلى الصراط المستقيم بمنه وفضله أنه أرحم الراحمين .
________________________________________
وقلوبنا مملوءة بأمل أن ينتبه المسلم الزكي الزكي المنصف لملاحظة الحقائق ، وتنوير الأمة على ضوئها ، وإرشاد العامة وتأييد الخواص ، فالدين نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وليس من النصيحة اثارة الشكوك والأوهام وتضليل المسلمين من لدن القرون الأولى إلى يومنا . فأنه قد مضت قرون والمسلمون والرشد في قرن كما أنه لا ينبغي ولا يجوز بل يحرم الأقتداء بالحروروية المكفرين فإن رأينا نحن المسلمين أن لا نكفر أحد من أهل القبلة ، إلا بحجة قاطعة على كفره ، كما يجب الاجتناب كل الاجتناب عن الإنحراف ، ويجب علينا الاعتدال والوقوف وسط الطريق بلا إفراط وتفريط ، وإيتاء كل ذي حق حقه ، وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من الرسل وصحابته واتباعه واتباع التابعين صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وعنا ببركاتهم أجمعين . اللهم ارزقنا التصديق والتسليم ولا تجعلنا اللهم من الذين ذممتهم فقلت فيهم ( قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) الممتحنة ـ 13 .
(( الفصل الثامن ))
شبهات صغيرة والرد عليها
سعادة من راه صلى الله علية وسلم
كان الشيخ ابن منيع في ردها لمتهافت على الشيخ السيد محمد علوي المالكي يخبط عشواء ، فبالإضافة إلى تسرعه في السباب والشتيمة وتزيع صفات البدعة والكفر والشرك على خصمه ، غالى في إنكار وجحود جميع ما كتبه السيد وذكره حتى ما كان منه مؤيدا بأحاديث شريفة صحيحة فنراه يهاجم مانقله السيد المالكي في صفحة (54) من الهمزية من قول المحب البوصيري رحمه الله :
ليته خصني برؤية وجه زال عن كل من رآه العناء قائلا ( في صفحة 16 من حواره ):
________________________________________
(( وهذا كذب وباطل وقد رآه في حياته عليه الصلاة والسلام أقوام كثيرون فما زال عنهم عناؤهم ولا كفرهم ) .ا . هـ . والمتتبع لردود الشيخ ابن منيع ومن ساعده من المشايخ في الرئاسة العامة ممن شكرهم في خاتمة كتابه وأثنى عليهم ودعا الله تعالى لهم بالأجر في سبيل الدفاع عن العقيدة في صفحة 199 ـ أنهم ليسوا من ذوي الاطلاع الحسن على السنة وكتب الحديث النبوي الشريف التي هي المصدر الثاني بعد كتاب الله تعالى ، والا فكيف نفسر هذا الحكم القاطع من الشيخ ابن منيع واقرار زملائه واعوانه له فيه مع أن هناك حديثا صحيحا رواه الترمذي في سننه عن سيدنا جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :ـ ( لاتمس النار مسلما راني أو رأى من رأني ) الحديث رقم 3957 من سنن الترمذي ( طبعة القاهرة ) .
ولقد التبس على بعضهم كما التبس على الشيخ ابن منيع كيف يكون ذلك صحيحا مع أن هناك ( أقوام كثيرون رأوه صلى الله عليه وسلم فما زال عناؤهم وكفرهم ) كأبي لهب وأبي جهل والوليد وأبي ابن خلفوغيرهم .. فكان رفع الالتباس عن غشاوة أذهانهم في حقيقة ( أن أولئك إنما نظروا إلى النبي صلى الله علية وسلم في صورة ( يتيم أبي طالب ) لابصورة نبي الله ورسوله وحبيبه ورحمته للعالمين ) وصدق الله تعالى وكفى بقوله تعالى قولا إذ يقول :ـ (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) الأعراف ـ أية 197.
فمن المطالب الآنبالتوبة عن رأيه والاستغفار السيد المالكي أم الشيخ ابن منيع ( اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعة وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله علينا تشابها فنتبع الهوى ) أمين .
أين الاجماع ؟ !
قال الشيخ ابن منيع في حواره : ( لاشك أن علماء التفسير واللغة وأهل العلم مجمعون على أن النور في الآية الكريمة ـ كمشكاة فيها مصباح ـ إلى اخر الآية من سورة النور ـ نور الله تعالى وأن التشبيه تشبيه لنوره تعالىوتقدس ) ص 20.
________________________________________
وقد أوغل في الخطأ وأصدر حكما قاطعا دون الاستناد إلى مايجب من الأدلة الشرعية ونسب لعلماء التفسير واللغة وأهل العلم ما لم يصدر عنهم . والحق أن العلماء والمفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى : ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) سورة النور أية 35.
ففي هذه الآية الكريمة ذكر سبحانه النور ال1ي أظهر به وجود الأكوان والنور الذي أضاء به القلوب بالايمان :
فالأول أشار إليه بقوله تعالى : ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ))
فهو سبحانه الذي أفاض على السموات والأرض وما فيهن نور الوجود فأظهرها من ظلمة العدم الامكاني فإن النور هو ما كان ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره ، وما من ظاهر في الوجود إلا والذي أظهر وجوده هو أظهر وجودا منه ، ولا من نير إلا والذي نوره هو أقوى نورا منه فسبحان من أظهر الظاهرات بعد ماكانت في خفايا الظلمات ، وسبحان
من نور النيرات فأشرق نورها على الكائنات ، وسبحان من تجلى بنور الايجار على الظلمات العدمية فاشرقت بنور الوجود .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يتهجد في الليل قال : (( اللهم ربنا لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت مالك السموات والأرض ومن فيهن )) الحديث.
________________________________________
وجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم : (( أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض واشراقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ـ أن يحل بي سخطك أو أن ينزل علي غضبك ولك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بك )) .
وأما النور الذي أضاء القلوب بالايمان والمعرفة فهو المذكور في قوله تعالى : ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ )) فقد قال أبي بن كعب وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين : إن المعنى مثل نور الله تعالى في قلب عبده المؤمن .
وهذا هو نور الايمان والهداية المذكور في قوله تعالى : ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )) وقال تعالى : (( فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ )) الاية . روى ابن أبي حاتم وغيره انه قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : (( نور يقذف في القلب ))
وروى الترمذي وأحمد وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل )) .
فلم يترك سبحانه عباده في ظلمة بل ألقى عليهم من نوره ليعرفوه وليهتدوا بنوره إليه فمن تعرض لذلك النور أصابه فاهتدى ، ومن أعرض عن ذلك النور ضل وتركهم الله في ظلمات لا يبصرون لأنهم أعرضوا وتولوا . ومن البديهي في المحسوسات أن من توجه الى النور أضاء وجهه واستنار ومن أعرض عنه أظلم وجهه وحار .
قال الله تعالى : ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا )). الآية فالكافر يتخبط في الظلمات وأما المؤمن فهو على نور من ربه ويقول الشيخ عبد الله سراج الدين في ( الايمان بعوالم الآخرة ) :ـ
________________________________________
(( وهذا النور الايماني هو المذكور في الحديث الذي رواه أبو يعلي من حديث الفرات بن سليمان قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا يقوم أحدكم فيصلي أربع ركعات ويقول فيهن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( تم نورك فهديت فلك الحمد ، عظم حلمك فغفرت فلك الحمد بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد ))
الحديث كما في الحصن الحصين وشرح المواهب .
وإن أول القلوب وأعظم القلوب إضاءة بهذا النور وأوسع القلوب إشراقا بهذا النور وأكثرها نصيبا من هذا النور هو قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أفاض النور على سائر القلوب والذي أشرق على مرايا القلوب فانعكس فيها ذلك النور الايماني على حسب استعداد ذلك القلب وقابليته .
وقد قال كثير من المفسرين المحققين في قوله تعالى : ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ )) :
إن المراد بالمشكاة هو صدر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة هي قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم والمصباح هو النور الايماني المحمدي صلى الله عليه وسلم السراج المنير للقلوب والعقول والأسماع والابصار والافكار والوجوه والمدارك والأفهام .
وقد سماه الله تعالى بما سمى به شمس الضياء في علياء السماء ولكن وصفه بوصف أكمل وأجمل وأعلى وأسمى من وصف شمس السماء .
قال تعالى في وصف الشمس السمائية (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) . وقال تعالى في وصف الشمس المحمدية ( وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ) وشتان بين الشمس الوهاجة التي يضر وهجها وبين الشمس المنيرة )) ا. هـ .
نعاله صلى الله عليه وسلم :
________________________________________
في رده على الشيخ السيد محمد علوي المالكي انزلق الشيخ عبد الله بن منيع شطحات واسعة ، دلت على عدم ترويه والتماسه العذر لأخيه فقد هاجم السيد العلوي لأنه أورد شعرا لشاعر محب للنبي صلى الله عليه وسلم يمدح نعله الشريفة ( ص16) ولا أدري هل يجهل المعترض أن سيدنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ـ الذي كثيرا ما تترس ببعض أقواله في مهاجمة البدعة ـ يحمل في كتب الصحاح والسنة للشريفة أنه ( كان صاحب النعال والمشط والمكحلة والادواة ) وهو ابريق وضوئه صلى الله عليه وسلم كما أورد ذلك الامام البخاري وغيره ، إذ كان يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعليه إذا أراد الخروج ، ويخلعها من قدميه إذا هم بالدخول ويحمل له عصاه وسواكه وقد قال المرحوم الشيخ يوسف النبهاني شعرا :
ونعل خضعنا هيبة لوقارها * فإنا متى نخضع لهيبتها نعلو
فضعها على أعلى المفارق إنها * حقيقتها تاج وصورتها نعل
رحمك الله يا ابن أم عبد فقد علمتنا درسا في أن الاتباع وحده ليس كل شيء بل لابد معه من المحبة لأنه قد يتعبك من لا يحبك ويهواك خوفا أو طعما اللهم فاجعلنا من المحبين المتبعين فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) متفق عليه .
________________________________________
وقد حفلت كتب الصحاح والسيرة بالأحاديث الصحيحة المتواترة عن تبرك الصابة والتابعين رضوان الله عليهم بآثاره الشريفة صلى الله عليه وسلم من شعره ووضوئه خير بصاقه الشريف كما نقل ذلك الأمام ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد في هدي خير العباد ) وغيره . فهل بعد ذلك يهاجم السيد العلوي ويعاب هو أو غيره من المحبين إذا تشبهوا بالسلف الصالح ؟ وهل كان الشيخ ابن منيع يستنكف لو أتيح له ما شرف به الصحابي الجليل ابن مسعود من حمل نعله الشريفة صلى الله عليه واله وسلم حتى روي أنه كان ( يضعها في كمه ) وإذا كان الحنابلة وغيرهم من فقهاء أهل السنة والجماعة أجازوا تقبيل غلاف المصحف لأنه تشرف بمجاورة المصحف الشريف فهل يعد ( شركا وكفرا ) أم ( محبة وتبركا ) أن يقبل المحب شباك قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الشباك تشرف بمجاورة الضريح الشريف الطاهر ؟
هذا والملاحظ أن الشيخ ابن منيع ومن شاركه في أعداد وطبع هجومه وتهجمه على السيد الشيخ المالكي ، قليلو البضاعة العلمية وقليلو المطالعة فى كتب التراث الإسلامي الواسع العميم عدا مطالعتهم فقط لكتب الشيخين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى ، والا لعلموا أن الكثير من العلماء قد اهتموا وألفوا في موضوع نعله الشريف صلى الله عليه وسلم ، لأن من خصائصه صلى الله عليه وسلم اعتناء العلماء بنعله واهتمامهم بالبحث الدقيق والدراسة العميقة عن صفتها ومثالها ولونها وجنسها وعددها وحاملها ومدحها والثناء عليها والتفنن في ذلك شعرا ونثرا .
وقد اجتهد في تحقيق مثال نعله صلى الله عليه وسلم بالبحث في كتب السير أئمة فحول من الحفاظ وكبار المحدثين . فمنهم ابن العربي وابن عساكر وابن مرزوق والفارقي والسيوطي والسخاوي والتتائي والعراقي .
________________________________________
وامتدح النعل كثير من الأدباء المجيجين . فمنهم أبو الحسن ابن سعد البلانسي وأبو أمية إسماعيل بن سعد السعود بن عفير وشرف الدين عيسى بن سليمان الطنوبي المصري وأبو الحكم بن المرحل السبتي والحافظ أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي البلانسي والحافظ أبو الربيع سليمان الطلاعي وعلي أبو الحسن الرعيني وعلي أبو الحسن بن أحمد الخزرجي والامام أبو الخير محمد بن محمد الجزري والحافظ أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري السبتي والعلامة أحمد المقري ولهم في ذلك القصائد الطويلة المشتملة على عظيم الثناء والتوسل والتبرك بمثال نعله صلى الله عليه وسلم وليس المقصود النعال وإنما مقصود هم بذلك من لبس النعال وما المثال المكرم إلا وسيلة للقدم التي خص الله بأكمل الأوصاف صاحبها صلى الله عليه وسلم .
وما حب النعال شغفن قلبي * ولكن حب من لبس النعال
ويرحم الله الشيخ الفاكهاني الاسكندري المالكي إذ قال حين أبصر مثال النعل النبوي:
ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد ؟ أم الدنيا وما في زواياها ؟
لقال : غبار من تراب نعالها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها
________________________________________
هذا وقد ألف بعضهم رسائل خاصة في هذا الموضوع 000 ومنهم الأمام العلامة الشهاب أحمد المقري الذي ألف رسالة في ذلك وسماها ( فتح المتعال في مدح النعال ) وليس آخرهم علامة الهند الشهير الشيخ أشرف علي التهانوي الملقب بـ ( حكيم الأمة ) من كبار علماء ( جامعة ديوبند ) الإسلامية الشهيرة في الهند حيث ألف رسالة سماها ( نيل الشفا بنعل المصطفى ) وقد نقل القسطلاني والمقري عن العلماء تجارب في حصول كثير من البركة من جراء مسك وحمل مثال نعاله الشريف ( يراجع شرح المواهب للزرقاني على المواهب للقسطلاني ـ الجزء الخامس صفحة 48 طبع دار المعرفة ببيروت ) 000وقد أطنب العلامة المقري في كتابه ( فتح المتعال ) المشار إليه سابقا في تحديد الصفة المعتمدة والمثال المرجح لنعال الحبيب صلى الله تعالى علية واله وسلم وقال عن المثال الذي رجحه ( وهو معتمد ابن العربى وابن عساكر وابن نرزوق والفارقي والسيوطي والسخاوي والتتائي وغير واحد من الشيوخ ) وذكر اسانيدهم واسانيده ( في ان نعله صلى الله عليه وسلم كانت عند السيدة عائشة رضي الله عنها ثم لم تزل تنتقل وتحدى عليها نعال وعلى ما حذي عليها من النعال نعال اخرى ثم وثم الى ان رسم مثالها الشيوخ على الورق ونقلوه بالاسانيد حتى ألف فيه جماعة منهم ابو اليمن بن عساكر ورسمه في كتابه ا . هـ . ثم روي كتابه بالاسانيد وقري بالضبط حتى وصل الى المقري فرسمه في فتح المتعال من نسخة ابن عساكر المعتمدة التي عليها خطوط العلماء والحفاظ كالسيوطي والسخاوي الديلمي رحمهم الله . وممن اهتم بذلك وكتب عنه من المتأخرين العلامة الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله تعالى وأورد فيما كتب ( قال المناوي والقاري في شرح الشمائل قال ابن العربي والنعل لباس الأنبياء وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين . كما ذكر أن من أسمائه صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة ( صاحب النعلين ) لأن لباس النعال عادة العرب .
________________________________________
وقد صح أن نعله صلى الله عليه وسلم كانت مخصوفه أي طاقاً على طاق ليس فيها شعر ولها قبالان والقبال زمام النعل فكان صلى الله عليه وسلم يضع أحد الزمامين بين إبهام رجله والتي تليها والأخر بين الوسطى والتي تليها ويجمعها إلى السير الذي بظهر قدمه وهو الشراك وكان مثنى من سيرين وكانت من جلود البقره مخصره أي لها خصر ملسنه أي على هيئة اللسان معقبه أي لها عقب من سيور تضم به الرجل وقال بعض الحفاظ كانت صفراء ولبس الخفين ومسح عليهما صلى الله عليه وسلم ) أ . هـ .
وبعد ذلك فليقل الشيخ ابن منيع ما يشاء
ليلة المولد وليلة القدر
ذكر الحافظ الشيخ القسطلاني في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم مسألة المقارنه بين ليلة القدر وليلة المولد وقد أخطأ بعض الناس في فهم المراد من ذلك فظن أن هذا معناه المقارنة بين ليلة القدر وليلة المولد النبوي المتكررة في كل عام كما فعل الشيخ ابن منيع في الصفحة (15) من حواره وهجومه على السيد المالكي وهذا الفهم غير وارد أصلا … لأن المقصود بذلك ( هو ليلة المولد النبوي الحقيقة ) التي كانت قبل ليلة القدر بعشرات السنني وهي قد مضت وانقضت وانتهت … وهذا القول مبني على أن ليلة القدر كانت بطلب من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى قصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار الأمم السابقة فأكرمه الله تعالى بهذه الليلة وتفضل عليه وعلى الأمة بها بطلبه ومراجعته فصارت ليلة مولده هي أم الليالي وبسببها كان كل خير وفضل .
قال الشيخ الأمام القسطلاني في كتابه المواهب فان قلت :
إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلاً فأيهما أفضل ليلة القدر أو ليلة مولده صلى الله عليه وسلم .
أجيب بأن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:-
________________________________________
أحدها : أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم وليلة القدر معطاه له وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه ولا نزاع في ذلك فكانت ليلة المولد بهذا الاعتبار أفضل .
الثاني : أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم فيها ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليله القدر على الأصح المرتضى فتكون ليلة المولد أفضل .
الثالث : أن ليلة القدر وقع التفضل فيها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين فعمت به النعمه على جميع الخلائق فكانت ليلة المولد أعم نفعاً ( أ . هـ ) وهذا اجتهاد من القائل منسوب إليه ومحسوب عليه لم يقل فيه قال الله ولا قال رسول الله وإنما اجتهد برأيه وعلل ذلك بحيثيات متعددة وأستند فيه إلى ما يبرر رأيه وهذا يحتمل الخطأ والصواب والصحه والبطلان ولا أكثر من ذلك ونحن نعتقد اعتقاداً جازما لا شك فيه ولا ريب أن ليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق لقوله تعالى : ( ” إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ” ) .
إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم أرض الجنة لمن يستحق ذلك
ذكر بعض أهل العلم في خصائص النبي صلى اله عليه وسلم أنه له أن يقطع أرض الجنة لمن يستحقها من أهل التوحيد وممن ذكر ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي والقسطلاني والزرقاني .
________________________________________
قال المواهب وشرحه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع الأراضي قبل فتحها ولد أفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأرض بالشام وقال أنه صلى الله عليه وسلم يقطع أرض الجنة ما شاء منها لمن شاء فأرض الدنيا أولى ونقله عن الغزالي ابن العربي في القانون وأقره وأفتى به السبكي أيضا كذا في المواهب للقسطلاني وشرحه للزرقاني ( ج – 5 – ص 242) .
(أقول) هذا الأقطاع لأرض الجنة في الحقيقة لا يخرج عن حد معنى البشاره بالجنه فلا فرق بين البشارة بالجنه لشخص معين وبين البشارة بشيء معين كأرض أو قصر أو غرقه أو خيمه لشخص معين بل قد جاءت شواد كثيرة في هذا السنة فقد بشر صلى الله عليه وسلم كثيراً بالمغفرة وبشر كثيراً بدخول وببيت في الجنه وشجر في الجنة أما من غير تعيين الأشخاص فقد جاءت البشارات بذلك في كثير من الأحاديث بأن من فعل كذا بني الله له قصرا في الجنه ومن فعل كذا كان له كذا في الجنه ومن فعل كذا كان له من الحور العين كذا إلى آخر تلك البشارات التي وراها العلماء في الترغيب والترهيب للمنذري ورياض الصالحين للنووي وحادي الأرواح لابن القيم وحادي الأنام للملا .
ومعلوم أن أي شيء من هذا النوع أنما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التكريم والتقدير لبيان فضله ومقامه عند ربه وإلا فإنه مبلغ عن الله ومخبر عن مولاه بما كتبه وقضاه ومبشر بذلك الذي أذن بأرض فيها أو يقصر فيها أو ببيت فيها وهو المسمى ( بالإقطاع ) فانما يخبر عن حق ويتكلم عن صدق ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) .
________________________________________
فلو قال قائل صلى الله عليه وسلم له أن يبشر بالمغفرة أو بالجنة أو بقصر فيها فهل يشك مسلم في أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدم على هذا الأمر إلا بعلم يقتني عن وحي أو الهام أو رؤيا ؟ وهو يتصور أن يكون المقصود من هذا الأمر هو التصرف الذاتي المشارك لتصرف الله سبحانه وتعالى في المنع والإعطاء والنفع والضر ؟ حاشا وكلا أنه لا يوجد بين جهلة المسلمين من يعتقد ذلك ونحن نبرأ إلى الله منه خصوصاً أن قائل ذلك الكلام ( أعني الإقطاع في الجنة ) مؤمن موحد بالله يعرف أن محمد رسول الله بشر وأنه عبد الله ورسوله وأنه لا يملك من خصائص الربوبيه شيئاً وأنه لا يتصرف إلا بأذن الله ( أنما أنا قاسم والله معط ) .
هذا وقد جاء في الحديث الشريف ما يدل على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بهذه الضمانه في الإقطاع بقوله ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنه لمن ترك المراء وأن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وان كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) رواه أبو داود في باب حسن الخلق .
وقد جاء في الحديث أن الربيع – عمه أنس بن مالك كسرت ثنيه جاريه من الانصار فأتوا النبي الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أنس ! كتاب القصاص ) فرضى القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) متفق عليه ( مشكاة المصابيح ج 2 ص 1030) .
________________________________________
فهذا الصحابي الجليل أقسم على ما لا يدري وما حق له فيه وما لا علم له فيه والله سبحانه وتعالى أكرمه فحقق ظنه وبلغه أمله ولم يحنثه ولم يخيبه وأبر قسمه فيما حلف عليه . فهل ترى أن ذلك لا يكون لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيما لو أقدم علىشيء من أمور الدنيا أو الأخرة اعتمادا على عظيم رجائه في الله وكبير ظنه في مولاه … خصوصا وأن الله يقول (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) إن هذا ليس بكبير ولا كثير على صاحب المقام المحمود الذي يقول الله سبحانه وتعالى له : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) والذي يقول له كما جاء في صحيح مسلم ( أنا لن نخزيك في أمتك أبداً ) .
وفي الحديث : ( أنما أنا قاسم والله معط ) فبين صلى الله عليه وسلم أنه يقسم بين عباد الله والله تعالى يجيز تقسيمه ذلك ويوافق على عطائه ولا يخزنه فيما فعل ولا يخيبه لكرامته عنده لأنه لا يتحرك ولا يخطر على باله وهواه إلا ما يرضي مولاه وإذا كان الإيمان لا يكون كاملاً في المؤمن إلا إذا كان هواه تابعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بهواه هو صلى الله عليه وسلم ونحن نرى أن الكلام في هذه المسألة يدور بين الصواب والخطأ للاختلاف في ثبوت النص بعينه على المسألة ولا صله للإيمان والكفر بهذا البحث وأمثاله .
نسأل الله أن يعرفنا مقام هذا النبي الكريم …
مقاليد السموات والأرض
وهي من الخصائص التي اشتبهت على بعض الناس فنظر إليها من زاوية الألوهية فقط دون ملاحظة لمعانيها المتعددة كما فعل الشيخ أبن منيع في صفحة (9) وصفحة (19) وصفحة (22) من الحوار ) .
________________________________________
وأننا نعتقد اعتقاداً جازما لا شك فيه ولا ريب بأن مقاليد السموات والأرض هي سبحانه وتعالى والآية صريحة في ذلك بقوله ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فالضمير في قوله (( له )) يعود إلى الله سبحانه وتعالى لا شك فيه ولا ريب .فمقاليد السموات والأرض أن كانت بمعنى ( نه تعالى خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وهي كلها تحت تدبيره وقهره وكلاءته ) أقول : أن كانت المقاليد بهذا المعنى ( فهي خاصة بالله سبحانه وتعالى لا شريك له في ذلك ) وإن كانت بمعنى المفاتيح أي مفاتيح الخزائن فلا مانع أن يتفضل بها الله على من يشاء من عباده ويكرمه بها … وقد جاء تفسيرها بهذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن كما ذكره الطبري والقرطبي في التفسير .
ويشهد لهذا ما جاء في الحديث الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أوتيت مفاتيح خزائن الأرض ) وما جاء أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان والضياء المقدسي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بمقاليد الدنيا ) ورجاله رجال الصحيح وبذلك يسقط توهين ( ابن منيع ) عن ( ابن الجوزي) له فإن الأخير أورد في ( الموضوعات ) الضعيف بل الحسن والصحيح .
ويشهد له أيضا ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني رأيت في غداتي هذه كأني أوتيت بالمقاليد والموازين ) رواه ابن مردويه عن ابن عمر وذكر السيوطي في الدر المنثور .
وقد جاء عن عثمان رضى الله عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال : ( هي : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ) أخرجه بو يعلي ويوسف القاضي وأبو الحسن القطان وابن سني في عمل اليوم والليلة وذكره ابن كثير وحكم بغرابته ونكارته .
________________________________________
وجاء عن علي أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليه فقال : ( يا علي ، لقد سألت عن عظيم المقاليد أن يقول عشرا إذا أصبحت وعشراً إذا أمسيت : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ) ( تفسير القوطي ج 15/275والدر المنثور للسيوطي ج 5/333 وتفسيره ابن كثير سوره الشورى ) .
فمقاليد السموات والأرض بهذا المعنى قد أعطاها الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بل وأمثالها معها كما جاءت النصوص الداله على ذلك ومهما كانت درجاته فالقضية لا تنازع الربوبية في شئ والله سبحانه تعالى أكبر من ذلك وأجل وأعلى وأعز .. والمر واضح .
وقد جاء في الحديث ( أن مواضيع سوط في الجنه هو خير من الدنيا وما فيها ) وهذا يشمل السموات والأرض فإذا كان هذا سوط واحد من أتباع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكيف به عليه الصلاة وماذا تكون مقاليد السموات والأرض في جانب ماله من الفضل والمقام ؟!!
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن آخر أهل النار دخولاً الجنه ( أن الله يعطيه مثل الدنيا وعشرة أمثالها ومثله ومثله ) ثم يقول صلى الله عليه وسلم : ( ذلك أدنى أهل الجنة منزله ) .
فلماذا إذن سوء الظن واعتبار الأمر جداخلاً في البدع والخرافات والدعوه إلى الضلال والوثنية ) وأنه من الشركيات والضالات والمنكرات ) كما جاء في الكثير من صفحات الهجوم على السيد المالكي ؟
( القبر الشريف والكعبه المشرفة )
هاجم الشيخ ابن منيع السيد الشيخ المالكي لأنه قال (( إن زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم من كمال الحج وأنه ذكر عشر كرامات لزائر قبره الشريف )) ولنا على المهاجم التعقيب التالي :-
ذكر القاضي عياض في كتاب الشفاء أفضليه قبره صلى الله عليه وسلم على سائر بقاع الأرض .
________________________________________
فقال ( ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ) أ هـ الشفا ووافق على ذلك شارح الشفا الشيخ الخفاجي فقال : (بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله ) أ هـ من نسيم الرياض ج (3) ص (531) ) ونقل عن ابن عبد السلام مثل ذلك
رأي ابن تيميه :
أما الشيخ ابن تيميه فانه لم يوافق على هذا التفضيل ولكنه نقل ذلك عن عيا ولم يرد عليه بأكثر من أن قال أنه لم يوافقه أحد عليه وهذا نص كلامه في الفتاوي .
وسئل أيضا ( الفتاوي ج (27) ص (38) ) .
عن رجلين تجادلا فقال أحدهما : أن تربة محمد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من السموات والأرض وقال الخر الكعبة أفضل فمع من الصواب ؟
فأجاب : ( الحمد لله أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم فما خلق الله خلقاً أكرم عليه منه وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام بل الكعبه أفضل منه ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض ولم يسبقه أحد إليه ولا وافقه أحد عليه … والله أعلم ) .
رأي ابن القيم :
أما الشيخ الأمام ابن القيم فقد فتوى عن ابن عقيل من كبار أئمة الحنابله ولم يعلق عليها بشئ ولم يرددها فدل على أنه موافق عليها … وهذا نص كلامه :
( فائدة : قال ابن عقيل سألني سائل أيهما حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة أفضل وان أردت وهو فيها فلا والله لا العرش وحملته ولا جنه عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسد لو وزن بالكونين لرجح ) أ هـ بدائع الفوائد ج (3) ص (135) .
ابن القيم وفضل آل البيت
________________________________________
في كتابه ( الذخائر النبوية ) نقل السيد الشيخ محمد علوي المالكي عن الشيخ ابن القيم كلامه عن خصائص آل البيت النبوي ولم يقل أبدا أن مراده بذلك آل البيت المحمدي الذين هم ذريه نبيا محمد صلى الله عليه وسلم ومن زعم أن في ذلك إيهاما فقد أخطأ لأن الكلام الذي نقله يتضمن كلمات تدل بصراحة على المراد وتنفي الإيهام المزعوم والدليل على ذلك قوله في صفحة (286) : -
( وهذه الخصائص واضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت فلهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطلب له من الله أن يبارك عليه وعلى آله كما بارك على هذا البيت المعظم صلوات الله عليهم أجمعين ..
ومن بركاته أن الله أعطاهم من الخصائص ما لم يعط غيرهم فمنهم من اتخذه خليلاً ) (انتهى) .
فان أجهل طالب علم عندنا إذا قرأ هذه الجملة يعرف من هم آل البيت الذين أراد وأورد كلام ابن القيم في حقهم .
ويكفي في فضل آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحديث الذي أورده الشيخ ابن القيم في جلاء الإفهام ( ص 138) عن الأمام مسلم صاحب الصحيح بسنده إلى زيد بن أرقم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( وانا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله في أهل بيتي ) إلى أخر الحديث ( أ . هـ ) والحديث الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم عن زيد بن أرقم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أني تارك فيكم ماأن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) .
ثم قال ابن القيم : ( فأله صلى الله صلى عليه وآله وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقه ومنها أنهم لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة وإسحاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه صلى الله عليه وآله وسلم . فكذلك الصلاة على آله ) أ . هـ
________________________________________
ثم قال ابن القيم : ( فآله صلى الله عليه وآله وسلم لهم خواص منها حرمان الصدقة ومنها أنهم لا يرثونه ومنها استحقاقهم خمس الخمس ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم وقد ثبت أن تحريم الصدقة واستحقاق خمس الخمس وعدم توريثهم مختص ببعض اقاربه صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك الصلاة على آله ) أ . هـ
وقد قال الشيخ ابن تيتميه في ((رسالة العقيدة الواسطية )) وهو يذكر عقيده أهل السنة ويتبرأ من طريقه الروافض الذين يبغصون الصحابه ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقوله أو عمل :-
قال : (( ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال في يوم غدير خم اذكركم الله في أهل بيتي وقال أيضا للعباس عمه وقد شكا إليه أن بعض قريش تجفو بني هاشم فقال والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي ……
وقال أن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانه واصطفى من بني قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) أ . هـ
وقال في كتابه (( الإقتضاء )) صفحة (71) :-
( أن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم ورومهم وفرسهم وغيرهم وان قريشا أفضل العرب وان بني هاشم أفضل قريش وان بني هاشم أفضل قريش وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا ونسبا) أ . هـ
وقال في (( الاقتضاء )) صفحة (73) :-
( روى الترمذي عن المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله مغضبا وانا عنده فقال : ما أغضبك ؟ فقال : يا رسول الله مالنا ولقريش إذا تلاقوا بوجوه مبشرة وإذا لقونا بغير ذلك قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحمر وجهه ثم قال : والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله الخ …..
________________________________________
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال وروى أحمد في المسند مثل هذا عن المطلب بن ربيعه قال : دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم فقال : يارسول الله أنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ ايمان حتى يحبكم لله ولقرابتي قال ابن تيميه والحجه قائمة بالحديث ) أ . هـ
فليعلم ذلك الشيخ ابن منيع الذي أوهم قراءه في صفحة (17) من حواره أن تمجيد ومحبة آل البيت الكرام ( هو مذهب الرافضه الأثنى عشريه ) وليتق الله ثم يستغفره ويتوب إليه هو وكل من رضى بقوله … وكل من أراد أن يوهم الناس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أهل له ولا آل فعلق على قبره الشريف مدلسا قوله تعالى (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) وقد نزلت هذه الآيه كما يعلمون في نفي التبني ولم تنزل لتنفي أن له صلى الله عليه وسلم آل بيت كرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم .
عرض الأعمال على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
في صفحه (15) من حواره أنكر الشيخ ابن منيع على الشيخ السيد المالكي أنه صلى الله عليه وسلم ( تعرض عليه الأعمال ) أي أعمال أمته ولدينا في الرد عليه الأدلة الشرعية الآتيه :
قال الله تعالى : ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )) .
________________________________________
وجاء في الأحاديث النبوية ما يدل على أن أعمال المؤمنين تعرض على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم )) وقد قال الشيخ عبد الله سراج الدين في شرح هذا الحديث في كتابه ( الأيمان بعوالم الأخرة )
فأعمال المؤمنين تعرض عليه صلى الله عليه وسلم والحكمة في ذلك كما بين صلى الله عليه وسلم هي أن ما كان من أعمالهم خيرا حمد الله تعالى وفرح بها وباهي بها في ذلك العالم وما كان غير ذلك من هنات وسيئات استغفر الله لهم ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما جاء في حديث الحوض حيث قال صلى الله عليه وسلم ( وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني فأقول : أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي )) كما في الصحيحين فإن هذا محمول على المرتدين الذين ارتدوا بعده صلى الله عليه وسلم عن دينهم بدليل قوله : (( سحقاً لمن بدل من بعدي ) وذلك أنهم كفروا بعده صلى الله عليه وسلم واعمال الكفار من أمته لا تعرض عليه إذ لا فائدة لعرضها لأن الحكمة في هذا العرض فرحه ومباهاته بأعمالهم الصالحه واستغفاره لأعمالهم السيئة ويدلك على هذا قول عائشة رضى الله عنها كما في البخاري : (( إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم )) فقل : (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .
ومن جمله ما يعرض عليه صلى الله عليه وسلم ويسر ويفرح به صلوات المصلين عليه صلى الله عليه وسلم .
ومن جمله ما يعرض عليه صلى الله عليه وسلم ويسر ويفرح به صلوات المصلين عليه صلى الله عليه وسلم
________________________________________
روى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أكثروا على من الصلاة كل يوم جمعه فأنه مشهود تشهد الملائكة وإن أحداً لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها )) قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )) قال الحافظ المنذري رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه وابن حبان في صحيحة والحاكم وصححه .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( حيثما كنتم فصلوا على فإن صلاتكم تبلغني )) (( 1 قال المنذري رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن أ . هـ) وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من صلى علي بلغتني صلاته وصليت عليه وكتب له سوى ذلك عشر حسنات )) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به (2 راجع ( الترعيب ) للمنذري ) .
وقد أخرج البراز في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض على أعمالكم فما وجدت من خير حمدت الله وان وجدت شراً استغفرت الله لكم ) صححه الحافظ العراقي في (( طرح التثريب )) وصححه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وصححه الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى ونص الزرقاني في شرح المواهب اللدنية على أن إسناده جيد ونص كل من الشهاب الخفاجي وملا على قاري في شرح الشفا على أن إسناده صحيح ولا يعارضه حديث الحوض فأن أعمال أمته الإسلامية هي التي تعرض عليه أما من حيل بينهم وبين الشرب وأخذوا إلى جهة النار فهم من المرتدين أو المنافقين أو المصرين على الكبائر .
________________________________________
وهذا الحديث متواتر تواترا معنوياً لورود معناه من حديث جماعة من الصحابة يبلغ عددهم حد التواتر وهم : (1) عبد الله بن مسعود ولحديثه طرق تزيد على الخمسة (2) وأنس بن مالك ولحديثة طرق تزيد على الستة . (3) وأبو هريرة ولحديثة طرق تزيد على العشرة . (4) وعمار أبن ياسر . (5) وأبو أمامه . (6) وعلي بن أبي طالب . (7) وأبنه الحسن . (8) وابن عباس . (9) وأبو بكر الصديق . (10) وأوس بن أوس الثقفي . (11) وأبو الدرداء . (12) وأبو مسعود البدري الأنصاري . (13) وعمر بن الخطاب . (14) وابنه عبد الله بن عمر .
وروى كذلك مرسلا عن جماعة من التابعين منهم (1) بكر أبن عبد الله المزني . (2) والحسن البصري . (3) وخالد ابن معدان . (4) وابن شهاب الزهري . (5) ويزيد الرقاشي . (6) وأيوب السختياني .
وفي الباب آخرون كثيرون غير المذكورين من الصحابة والتابعين وهذا القدر كاف في أثبات التوتر المعنوي على الأقل خصوصا على رأي من يثبت التواتر الفعلي بسبعة أو عشرة وهو الذي رجحه الحافظ السيوطي وغيره .
وبذلك ثبت أن حديث عرض الأعمال هذا متواتر على جميع الاصطلاحات لوجود ما يزيد على العشرين في كل طبقة من طبقات رواته وقد تقرر في كتب الأصول والفقه والكلام أن منكر التواتر بعد قيام الحجه عليه يكفر .
وروى إسماعيل القاضي في ( فضل الصلاة على النبي ) عن ابن مسعود رضى الله عنه قوله ? إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ) .
يقول المتنطعون كذبا وزورا : هذا الحديث وان اشتهر على السنة كبار الناس وصغارهم فقد خلت منه جميع كتب السنة
ويقولون : ومع هذا فان الذي رواه وقفه على ( بكر ابن عبد الله المزني ) وهو تابعي مشهور ومع ذلك لم يذكر فيه الصحابي أحد من رواه السنة لا في صحيح الكتب ولا في ضعيفها وهو منقطع لا يصلح للاحتجاج به .
________________________________________
وقد كتب المحدث الثبت الشيخ عبد الله الصديق ما ملخصه : ( في كتاب قضايا الوسيلة ) :
أقول : والحديث المذكور حديث صحيح ولا مطعن فيه ولا مغمز ورد من حديث ابن مسعود وأنس بن مالك ومن مرسل بكر بن عبد الله المزني .
أما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فخرجه البزار في مسنده قال حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي دؤاد عن سفيان عن عبد الله ابن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن آمتي السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم ففففما فففرأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) قال البزار لا نعلي عن عبد الله إلا بهذا الإسناد ( أ . هـ ) .
قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من ( كطرح التثريب في شرح التقريب اناد جيد وقال الحافظ الهيثم في (( مجمع الزوائد )) والمحدث القسطلاني في ((شرح البخاري )) رجال اسناده رجال الصحيح وقال الحافظ السيوطي في كتاب المعجزات والخصائص )) اسناده صحيح وكذا قال علي القاري والشهاب الخفاجي وفي أول شرحيهما على ((الشفا )) .
واما حديث أنس فرواه الحرث بن أبي أسامه في مسنده وابن عدي في (( الكامل )) من طريق خراش عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فأن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت غير ذلك استغفرت لكم )
________________________________________
قال الحافظ العراقي في (( المغني )) إسناده ضعيف لضعف خراش أهقلت لكن له طريق آخر قال الحافظ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم اليورنارتي الأصبهاني في معجمه سمعت الشريف واضح بن أبي تمام الزينبي يقول : سمعت أبا علي بن تومه يقول اجتمع قوم يقول اجتمع قوم من الغرباء عند أبي حفص بن شاهين فسألوه أن يحدثهم أعلى حديث عنده فقال لأحدثنكم حديثا من عوالي ما عندي حدثنا عبد الله ابن محمد البغوي حدثنا شيبان بن فروخ الأيلي حدثنا نافع أبو هرمز السجساني سمعت أنس بن مالك يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (حياتي خير لكم ) الحديث .
وأخرجه ابن النجار في تاريخ بغداد عن معمر بن محمد الأصبهاني عن الحافظ أبي نصر اليونارتي به وهذا إسناد ضعيف أيضا لا تفاقهم على ضعيف أبي هرمز ( ولكنه مجبور )
وعن أنس حديث أخر أخرجه أبو نعيم في (( الحلية )) قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أحمد بن عيسى ابن ماهان الرازي حدثنا محمد بن مصفي حدثنا عباد كثير عن عمران وهو القصير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن أعمال أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة واشتد غضب الله على الزناة ) .
وأما مرسل بكر بن عبد الله المزني فأخرجه الحرث ابن أبي أسامة في مسندة قال حدثنا الحسن بن قتيبه حدثنا جسر بن فرقد عن بكر بن عبد الله المزني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله وما كان من سيء استغفرت الله لكم ) إسناده ضعيف ، لضعف الحسن بن قتيبه ( وهو مجبور بالمتابعات والشواهد وغيرها ) .
________________________________________
لكن خرجه إسماعيل القاضي المالكي من طريق آخر فقال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح صححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وقال أيضا حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا حماد بن سلمه عن كثير أبي الفضل عن بكر بن عبد الله به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح أيضاً .
وفي الباب عن سعيد الشامي والد عبد العزيز قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله وتعرض على الأنبياء وعلى الأباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوهم بياضا وإشراقا فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم ) رواه الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) من طريق عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد الشامي عن أبيه عن جده وكانت له صحبه وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الغفور وعن مجتهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنكم تعرضون على بأسمائكم ومسماكم فأحنوا الصلاة علي ) أخرجه عبد الرزاق .
________________________________________
وبالجملة فالحديث صحيح لا مطعن فيه ( 1 وذلك أنه كلما وجد سند ضعيف وجد بجواره سند صحيح وجاء الضعيف من طريق أخر يرفعه إلى رتبه الحسن المأخوذ عند العلماء أجمعين خصوصاً بعد ثبوت اعتضاده بما بابه ومعناه وبهذا ذهب ضعف الباب مرفوعا ومرسلا ومعتضدا ) وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من شيء وقبيح وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم قال ابن المبارك أخبرنا رجل الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ( ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي صلى اله عليه وسلم أمته غدوة وعشيا فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ويقول الله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أ . هـ
وقال القرطبي في التذكرة ( باب ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ) ثم أورد أثر سعيد بن المسيب السابق ثم قال : قد تقدم الأعمال تعرض على الله كل يوم أثنين وخميس وأنها تعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة قال ولا تعارض فأنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . ( أ . هـ)
وروى الطبراني باسناد ضعيف عن ابن عباس قال لما نزلت ( يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهدا) وقد كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن فقال : (انطلقا فبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا ) فأنه قد أنزل علي : ( يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهداً على أمتك ومبشرا بالجنة ونذيرا من النار وداعيا إلى شهادة إلا إله إلا الله بأذنه وسراجا منيرا بالقرآن ) فالقرآن كما ترى يؤيد حديث عرض الأعمال ويعضده .
________________________________________
فأن قيل قد أخبر الله تعالى عن هذه الأمة أنها تشهد على غيرها ولم يرد في حديث ولا أثر أن أعمال الأمم تعرض عليها فالجواب من وجهين :-
الأول : أن عرض الأعمال مما خص به نبينا عليه الصلاة والسلام كما خص في قبره بحياة أكمل من حياة الشهداء وبأن جسده لا يبلي .
الثاني : أنه ورد في الصحيحين أن هذه الأمة تشهد على أخبار نبيها وكلامه وذلك أنها إذا شهدت بأن الأنبياء بلغوا اممهم فيقال وما عليكم ؟ فتقول أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه وهكذا صح في الحديث وهو واضح لا خفاء به .
فان قيل : فما تقول فيما رواه الطبراني وغيره عن محمد ابن فضالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قارئاً يقرأ ، فلما بلغ قوله تعالى : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) الآية بكى حتى اضطرب لحياه وقال : (أي رب شهدت على من أنا بين ظهر أنيه فكيف بمن لم أر ) فربما يفهم بعض الجهلة من هذا أنه ينفي عرض الأعمال قلت هذا الحديث مؤيد لعرض الأعمال لا ناف له بل هو أحد الأسباب التي لأجلها أكرم الله نبيه بهذه الخصوصية حتى تكون شهادة على أمته عن مشاهدة وعيان كما أكرمه بعرض أمته مع الأمم الأخرى عليه وهو في المدينة كما ثبت في الصحيحين .
أما أن الحديث خلت منه جميع كتب السنة كطبقات ابن سعد ومسند البزار ومسند الحارث وتاريخ ابن النجار وطرح التثريب للحارث العراقي وبغية الباحث بزوائد مستند الحار ومجمع الزوائد كلاهما للحافظ الهيثمي والجامع الصغير الكبير ، والخصائص الكبرى الثلاثة للحافظ السيوطي وشرح البخاري للقسطلاني وكنز العمال للمتقي الهندي وغيرها .
أما عن راويه وقفة على بكر بن عبد الله المزني فهذا خطأ ناشئ عن جهل فان مثل هذا لا يسمى موقوفا ولا يمكن أن تنطبق عليه حقيقة الموقوف بحال من الأحوال وانما تنطبق عليه حقيقة المرسل لا غير .
________________________________________
أما أنه لم يذكر فيه الصحابي أحد من رواة السنة لا في صحيح الكتب ولا في ضعيفها فكذب مبنى جهل فان الحديث وارد من طريق ابن مسعود وأنس
وورد معناه من طريق سعيد الشامي ومجاهد كما تتقدم كل ذلك بل وصلت طرقه إلى عشرين طريقا فأنتقي القول بضعفه فهو صحيح من كل وجه ( أ . هـ) فهل يجوز بعد ذلك لعالم أو طالب على إنكار هذه الحقيقة الشرعية ؟!!
عرض الأعمال على الأقارب والعشيرة في البرزخ
قال الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عند أية : ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) الآية . قال : وقد ورد أن أعمال الإحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ ثم أورد حديث أبي داوود الطيالسي بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك )) ثم أورد حديث الإمام أحمد بإسناده عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا )) .
وروى الأمام ابن المبارك بإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول : إن أعمالكم تعرض على أمواتكم فيسرون ويساءون ثم يقول : اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند خالي عبد الله بن رواحه .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وأشراقا فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم )) أورده في الجامع الصغير وقال رواه الحكيم الترمذي عن والد عبد العزيز رامزا الحسنة.
________________________________________
وأورد أبو عبد الله القرطبي بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه قال : ليس يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ( أ . هـ )
قال أبو عبد الله ولا تعارض – أي بين ما جاء عن سعيد وبين ما تقدم فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ( أ . هـ ) من تفسير ابن كثير .
ومن خير ما نختم به ردنا علىانكار الشيخ ابن منيع وشيعته لهذه الحقيقة الشرعية قول الحافظ زين الدين بن رجب الحنبلي المتوفي سنة (795هـ) في كتابه المشهور ( لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ) في صفحة (91) من طبعه ( دار الجيل – بيروت ) (( أعمال الأمة تعرض على نبيها في البرزخ فليستح عبد أن يعرض على نبيه من عمله ما نهاه عنه ) .
( فبأي حديث بعده يؤمنون ) ؟!!
(( الفصل التاسع ))
المفهوم الصحيح
للسنة والبدعة
سبق أن وعدت في مقدمة هذا الكتاب بإفراد فصل خاص للحديث عن ( السنة والبدعة ) لأنه بسبب الفهم الخاطئ للسنة والبدعة والأحاديث النبوية الشريفة يثور كل هذا الغبار الذي يلبس ثوب التبديع والتشريك والتكفير لأهل القبله وأهل التوحيد من مخالفي بعض المشايخ وشيوخهم كما حصل من كل من الشيخين ابن منيع والتويجري بخاصة ومن معهم بعامة ولذلك رأيت أن أضمن كتابي هذا بحثا قيما في هذا الموضوع الخطير المختلف فيه وجدته وتسلمته من يد مؤلفه السيد عبد الله بن محفوظ باعلوي الحسيني الحضرمي رئيس القضاء الشرعي بحضر موت سابقا مخطوطا وأسأل الله تعالى أن يوقفه لنشره كاملا وقد اختصرت منه قبسات وفقرات فيها الفائدة والنفع إن شاء الله تعالى لمن كان له قلب أو ألقى السميع وهو شهيد .
(( السنة والبدعة ))
________________________________________
السنة والبدعة أمران متقابلان في كلام صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم فلا يتحدد أحدهما إلا بتحديد الآخر بمعنى أنهما ضدان ( وبضدها تتبين الأشياء ) وقد جرى كثير من المؤلفين إلى تحديد البدعة دون أن يقوموا بتحديد السنة أولا لأنها الأصل فوقعوا في ضيق لم يستطعوا الخروج عنه واصطدموا بادلة تناقض تحديدهم للبدعة ولو أنهم سبقوا إلى تحدي السنة لخرجوا بضابط لا يتخلف والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حث على السنة أولا ثم حذر من مقابلها البدعة كما ترى في الأحاديث الأتية :-
حديث جابر عند مسلم ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته : ويقول أما بعد فأن خير الحديث كتاب الله خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة ) وقد اخرجه البخاري موقوفا على ابن مسعود .
يوضحه حديث العرباض عند أبي داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وغيره : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب ودرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظه مودع فأوصنا فقال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع وان تأمر عليكم عبد حبشي فأنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة ) .
________________________________________
يوضحه أيضا حديث جرير عند مسلم ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سن في الإسلام سنه سيئة كان عليه وزرها ووز من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من اوزارهم شئ ) ومثل هذه الأحاديث أحاديث أخرى تدور حولها منها حديث ابن مسعود عند مسلم ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) وحديث أبي هريرة عند مسلم ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شئ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الآثم …) ألج فأنت ترى في الحديث الأول مقابلة المحدثة والبدعة بالهدى النبوي وأن هدى الرسول هو خير الهدى والشر في المحدث المناقض لهدية فهو البدعة .
وفي الحديث مقابلة واضحة – عليكم بسنتي وسنة الخلفاء … الخ واياكم ومحدثان الأمور فأن كل محدثة بدعة وفي الحديث الثالث السنة الحسنة مقابل بالسنة السيئة – من سن سنة حسنة ومن سن سنة الحسنة مقابل بالسنة السيئة من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة إذا فالسنة أولا وهي الأصل وما خرج عنها فهو البدعة فما هي السنة التي جاءت في حديث العرباض التي قابلها في الحديث بالبدعة .
________________________________________
السنة في لغة العرب والشرع هي الطريقة وهي هدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جابر ومنه قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتتبعن سنن من قبلكم – أي طريقتهم – وهو حديث صحيح مشهور كقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة إلى قوله ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة كما سبق .فطريقة الرسول صلى الله علية وآله في هدية وقبوله ورده هى السنة وهى أيضا مفسرة بذلك في حديث جرير . سنة حسنة وسنة سيئة يعني طريقة حسنة أو طريقة سيئة ولا يحتمل غير ذلك فليس المراد إذا ما يفهمه عامة الطلاب فضلا عن العوام أنها الحديث النبوي أو ما يقابل الفريضة فان الأول مصطلح المحدثين والثاني مصطلح الفقهاء والأصوليين وكلاهما محدث ليس مرادا هنا فسنة الرسول هي طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد وهى طريقة خلفائه الذين سلكوا طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد
إذا فما أحدث لابد من عرضة على سنة الرسول وطريقته في القبول والرد قال الراغب الاصفهاني في مفردات القرآن في مادة سنن صفحة 245 ما نصه فالسنن جمع سنة وسنة الوجه طريقته وسنة النبي صلى الله علية وسلم طريقته التي كان يتحراها وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته نحو :( سنة الله التي قد خلت من قبل ) ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، فتبيينه أن فروع الشرائع وان اختلفت صورها فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله وجواره ( أ. هـ) بحروفه وقال الحافظ ابن تيميه في كتاب الاقتضاء ما نصه : ( وسنة الجاهلية : كل عادة كانوا عليها فان السنة هي الطريق التي تتكرر لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أولا يعدونه عبادة ) ((أ.هـ ص 76 )).
________________________________________
وقال الحافظ في الفتح عند تفسير الفطرة في خصال الفطرة قال : والتعبير في بعض روايات الحديث بالنسبة بدل الفطرة يراد بها الطريقة لا التي تقابل الواجب وقد جزم بذلك أبو حامد والماوردي وغيرهما وقالوا هو كالحديث الآخر ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)..الخ ) . فإذا تأكدنا من مجموع هذه النصوص والنقول أن المراد بالنسبة التي قابلها الرسول بالبدعة هي ( الطريقة ) فعلينا أن نتعرف سنة الرسول صلى الله علية وآله وسلم فيما أحدث في زمنه صلى الله علية وآله وسلم مما لم يكن فعله قولا ولا أمر به أمرا خاصا ولكن فهمة من أجتهد وعملوه وعلينا أن نتتبع ذلك لنعرف طريقة الرسول صلى الله علية وآله وسلم في القبول والرد وهذا التتبع سيعطينا حكما يقينا لسنته فيما يحدث من أمور الخير بعده فما وافق فهو من السنة وما خالف سنته وهديه فهو من البدعة ومنها سنعرف ما يريد الرسول صلى الله علية وآله وسلم في قولة ( من دعا إلى هدى ومن دعا إلى خير ومن دعى إلى ضلاله ) في الأحاديث الصحيحة التي سبق وإن سقناها من الصحيح ، ونعرف ما يجب إن يقبل وما يجب أن يرد وسوف يتميز عندنا ما كان من السنة وما كان من البدعة ثم نتتبع بعد ذلك الأنواع التي حدثت في عهد الخلفاء لنعرف طريقتهم كذلك صورا من الأنواع التي ردها الرسول صلى الله علية وآله وسلم .. قد يقول قائل أن ما أقره الرسول صلى الله علية وآله وسلم يكون سنة باقراره له ونقول نعم هو كذلك ولا شك ولكنه ايضا دليل هاد إلى تعرف سنة الرسول وطريقته في القبول إذ كثير مما اقره لم يصبح سنة ولم يقل احد بإنه سنة لأن عمل الرسول صلى الله علية وآله وسلم هو الأفضل والأحرى بالاتباع ولكنة يعطينا صورة واضحة في إنه صلى الله علية وآله وسلم لا يرد شيئا من الخير الذي جاء به إذا لم يصادمه نصا ولم تترتب علية مفسده ولا يعارض هدية صلى الله علية وآله وسلم لكنه من الخير الذي جاء به وهذا معنى قول العلماء إن لم يكن الرسول صلى
________________________________________
الله علية وآله وسلم فعلة بخصوصه أو امر به امرا خاصا فهذه طريقة الرسول صلى الله علية وآله وسلم كما سنراها في عشرات من الأحاديث الصحيحة والحسنة ، وكذلك كان خلفاؤه الراشدون وصحابته الكرام الهداة المهديون وسنورد أدلة كثيرة من أفعالهم وهي سنة نبيهم صلى الله علية وآله وسلم ومن مجموع الأدلة لأنواع التي قبلها صلى الله علية وآله وسلم لأنها في جنس المشروع وما رده صلى الله علية وآله وسلم لأنه ليس من جنس المشروع أو فيه تشدد ورهبانية لم يرد الرسول صلى الله علية وآله وسلم لأمته الأخذ بها رفقا بهم أو لأنه يخالف نصا في الشريعة ليتضح تماما ما هي السنة وما هي البدعة فإليك أولا إنواعا كثيرة مما قبلة الرسول صلى الله علية وآله وسلم من صحابته ولم يكن فعله هو بل ربما يرى إن فيه مخالفة لما كان علية الرسول صلى الله علية وعلى آله وسلم ولكنه من المشروع.
(( الادلة التي توضح سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم فيما يحدث ))
________________________________________
اعلم يا أخي هدانا الله وإياك إلى الحق والصراط المستقيم أن هناك احاديث جمة جلها في الصحيح او من الصحيح تثبت ان عددا من الصحابة احدثوا اعمالا واذكارا وادعية ونحو ذلك لم يسبق للرسول صلى الله عليه واله وسلم فعلها او الامر بها ولكنهم فعلوها استنباطا واعتقادا انها من الخير الذي جاء به الاسلام ورسول الاسلام صلى الله عليه واله وسلم وحث على مثله عموما تحت مظلة قوله تعالى (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) . وقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم ( من سن في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء ) كما سبق . وهذا الحديث وان ورد في الصدقة فان القاعدة الاصولية المجمع عليها ( ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) وليس معنى ذلك ان لكل أحد أن يشرع فان الاسلام محدود القواعد والضوابط فلا بد ان يكون ما يسنه محفوظا بقواعده وضوابطه وشواهده . من هذا المنطلق . فعل ثير من الصحابة باجتهاداتهم امورا فكانت سنة الرسول وطريقته قبول ماكان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفه ورد ماكان مخالفا لذلك . فهذه سنته وطريقته التي سار عليها خلفاؤه وصحابته واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم ان ما يحدث يجب ان يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة المذمومة . وقد يسمون الأول ( بدعة حسنة ) من حيث اللغة باعتباره محدثا والافهوفي الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو ( سنة مستنبطة ) ما دامت شواهد الشريعة تشهد لها بالقبول . وعلى هذه البدعة اللغوية يحمل قول سيدنا عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح ( نعمت البدعة ) وانما انكر من انكر البدعة الحسنة لاخذه بظاهر الحديث وظاهر لفظ البدعة حتى لقد تجرأ بعضهم في الرد على الخليفة الراشد عمر فقال عند قوله ( نعمت البدعة ). قال ليس في
________________________________________
البدعة حسن . ولنترك هذا الآن لنورد الشواهد التي اشرنا اليها من عمل الصحابة وتصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم معهم فمن شواهد القبول وهذا الفصل معقود لها : ـ
1ـ الحديث الأول : ما رواه البخاري ومسلم والامام احمد عن ابي هريرة رضي الله عنه ان نبيا لله صلى الله عليه واله وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر يابلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام . فاني سمعت دف نعليك في الجنة ، قال ما عملت عملا ارجى عندي من اني لم اتطهر طهورا في ساعة من ليل او نهار الاصليت بذلك الطهور ما كتب لي . وفي حديث الترمذي وقال حسن صحيح قاله لبلال بم سبقتني الى الجنة ؟ قال ما أذنت قط الاصليت ركعتين ، وما اصابني حدث قط الا توضأت ورأيت ان لله علي ركعتين . فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم بها نلت ـ أي تلك المنزلة ـ ورواه الحاكم ، وقال صحيح على شرطهما واقره الذهبي .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح . يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل الى ما ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول صلى الله غليه واله وسلم (1 انظر فتح الباري ص 276 جـ 3 ) ومثل هذا حديث خباب في البخاري وفيه وهو اول من سن الصلاة لكل مقتول صبرا ركعتين ( 2 ص ـ 313ح8) فهذه الاحاديث صريحة في ان بلالا وخبابا اجتهدا في توقيت العبادة ولم يسبق من الرسول صلى الله عليه واله وسلم امرا ولا فعلا الا الطلب العام . وان الصلاة خير موضوع فاقلل منها أو استكثر كما في الحديث فلو ان احدا اراد ايقاعها في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها لكانت بدعة عند من يرى عموم النهي وغير بدعة عند من يرى تخصيص النهي بالنفل المطلق ومع ان الشافعية رحمهم الله يرون تخصيص النهي بغير المؤقت وذي السبب فانهم اختلفوا في سنة الوضوء فالإسلام الغزالي يمنع فعلهافيه ويقول يتوضأ ليصلي وليس يصلي لأنه توضأ فليست بذات سبب ولكل نهجه وفهمه واستدراكه رضوان الله عليهم اجمعين .
________________________________________
2ـ الحديث الثاني : ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الصلاة في باب ربنا لك الحمد . عن رفاعة بن رافع قال كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه واله وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه : فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها . قال الحافظ في الفتح يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش . ومثله ما رواه الصنعائي عبد الرزاق في المصنف عن ابن عمر قال : أن رجلا والناس في الصلاة . فقال حين وصل إلى الصف الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا . فلما قضى النبي صلى الله غليه واله وسلم صلاته قال من صاحب الكلمات قال الرجل أنا يا رسول الله . والله ما أردت بهن إلا الخير . قال : لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن . قال ابن عمر فما تركتهن منذ سمعتهن . ورواه النسائي في باب القول الذي يفتتح به الصلاة إلا انه قال لقد ابتدرها اثنا عشر ملكا . وفي رواية أخرى فيه قال عجبت لها وذكر كلمة معناها فتحت لها أبواب السماء وفيه قال ابن عمر ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقوله . والحديث في صحيح مسلم (1 والحديث في مسلم وانسائي وابو داود عن انس وحيث رافع الدرقي عند ابي داؤود ايضا وفي ابي داؤود عن عبد الله بن عامر وعن ابيه قال عطس شاب من الانصار خلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو في الصلاة . فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا من امر الدنيا والاخرة فلما انصرف الرسول صلى الله عليه واله وسلم . قال من القائل الكلمة وفيه فقال صلى الله عليه واله وسلم فما تناهت دون عرش الرحمن تبارك وتعالى .) فانظر وفقنا الله وإياك إلى الحق ـ كيف اقر الرسول صلى الله عليه واله وسلم زيادة
________________________________________
ذكر لم يؤثر عنه في الاعتدال وزيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء ذلك لأن الموضعين ، من مواضع الثناء على الله في الصلاة . انظر هذا مع قول بعض المتحذلقين أن القنوات في صلاة الفجر بدعة مع أن اصله مأثور عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وان شغبوا في حديث انس ومأثور عن بعض الصحابة . وروى عبد الرظاق عن ابن جريح عن عطاء قال قلت له القنوت في ركعتي الجمعة قال لم اسمع بالقنوت في المكتوبة إلا في الصبح وليس من غرضنا بحث موضوع القنوت وسنيته بل لنرى تشددهم في البدعة حتى في الدعاء في مواضع الدعاء في الصلاة فان هذه الأحاديث التي أشرنا إليها تبين أن ما كان من دعاء في موضع الدعاء في الصلاة من السنة وليس من البدعة في شيء لإقرار الرسول صلى الله عليه واله وسلم للصحابة يذلك فهو من جنس المأثور وما كان كذلك فهو من السنة وان كان غير وارد بلفظه فكيف لو كان لفظه مأثورا عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم ومحله ايضا مأثورا في الصلاة . وما يقال في القنوت يقال في الجهر بالبسملة مع ثبوته فان المشاغبة فيه لا تزال من هؤلاء التحذلقين (1 أحاديث أنس في القنوت قالوا إنها مضطربة وابن القيم يقول إنها كلها ثابتة وقد اخذ الأمام الشافعي بحدث أنس ( أما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ) ومثل حديث أنس في القنوت حديث في البسملة فيها نفس الاضطراب بل أشد لأنه في الطريق الواحد كما ذكر ابن عبد البر . والتباس إثباتها واجهر بها في البسملة كالجهر بها في بقية السور والفعل مقدم على الترك والإثبات مقدم على النفي وهذا معلوم ومقرر في الأصول وراجع تنوير الحوالك نقلا عن التمهيد ص ( 78و 79)) مع أن الواحد منهم يقرأ الفاتحة ولا يقرا البسملة أو على الأقل لا يجهر بها فإذا قرأ بعدها سورة جهر بالبسملة في أولها ياللعجب أليست الفاتحة سورة من سور القرآن مصدره بالبسملة في أولها وليتهم يعملون في
________________________________________
أنفسهم ولا ينكرون . والمقصود أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم اقر الصحابيين على أحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه وهذا موضع الاستدلال كما سبق وانه كان اجتهادا واستنباطا منهما .
3ـ الحديث الثالث : ما رواه البخاري في باب الجمع بين السورتين في الركعة . من كتاب الصلاة عن انس رضي الله عنه قال كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله احد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا انك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ باخرى فقال ما انا بتاركها أن أحببتم ان اؤمكم فعلت وان كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من افضلهم وكهوا ان يؤمهم غيره فلما اتاهم النبي صلى الله غليه واله وسلم اخبروه الخبر فقال : يا فلان ما يمعنك أن تفعل ما يأمرك بها أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال اني احبها فقال النبي (( صلى الله عليه واله وسلم )) حبك إياها ادخلك الجنة ـ صلى الله عليك يارسول الله . وأين من هديك هؤلاء المبدعة ؟
________________________________________
قال الحافظ في الفتح . قوله ما يمنعك وما يحملك سأله عن امرين فاجابه بقوله اني احبها وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزم للاول بانضمام شيء اخر اليه وهو اقامة السنة المعهودة في الصلاة . فالمانع مركب في المحبة والأمر المعهود والحامل له على الفعل المحبة وحدها ويوحي إلى أن في فعله زيادة على فعل النبي صلى الله عليه واله وسلم . فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث . (( أن المقاصد تغير أحكام الفعل لأن الرجل لو قال : (( أن الحامل له على أعادتها انه لم يحفظ غيرها مثلا لامكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهر صحة قصده فصوبه )) قال : وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس أية والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ومع هذا التقرير من الرسول صلى الله عليه واله وسلم وتبشير الرسول صلى الله عليه واله وسلم له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بان فعله هذا سنة ثابتة ذلك لأن ما واظب عليه الرسول صلى الله عليه واله وسلم هو الذي تنبغي المحافظة عليه ولكنه يعطينا الدليل على أن مثل هذا وان كان في صورته مخالفة لفعل الرسول في الجملة فان الأمر واسع لا كما يظن المتفيقهون وما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب .
________________________________________
4ـ الحديث الرابع : روى البخاري من كتاب التوحيد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لاصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله احد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه و آله وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن و أنا احب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخبروه أن لله يحبه . ومثله في مسلم فالحديث متفق عليه .قال الحافظ في الفتح :((قال ابن دقيق العيد هذا يدل على انه كان يقرأ بغيرها في كل ركعة وهذا هو الظاهرة . ويحتمل أن يكون المراد انه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الاخيرة ( أ .هـ.) أي وكلا الامرين لم يعهد فعله من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم و مع ذال اقره باعلا درجات الاقرار و هو التبشير بمحبة الله له ( 1 أنظر فتح الباري ص 125 جـ 17) ( أ . هـ) ومع كل هذا فلم نعلم أن أحداً من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحا كالحديث السابق ولا اختتاما كما هنا لن ما كان واظب عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الأفضل ولكن إقراره لمثل هذا يوضح سنته صلى الله عليه وآله وسلم في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات ولا يعتبر مثله حدثا مذموما كما يتسابق المتشددون إلى التبديع والتضليل في أفعاله . هذا وظاهر من سياق الحديثين ( هذا والذي قبله) أنهما قضيتان فحديث أنس الأول فيه الفاعل لتخصيص هذه السورة أمام قومه في مسجد قباء وفي حديث عائشة كان أمير سريه وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد وذاك كان يفتتح بها وهذا بشرة الرسول صلى الله عليه آله وسلم بحب الله له ذاك بشره بالجنة فالتعدد فيها واضح لا يحتما الجمع ولا التأويل .. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول صلى الله عليه آله وسلم (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ومع ذلك قبل هذه الاجتهادات لأنها لا تخرج عن
________________________________________
الهيئة التي حددها الشارع فكل حد لابد من الالتزام به وما عدى ذلك فالأمر متسع مادام داخلا في الأصل المطلوب هذه هي سنة الرسول وطريقته وهذا في غاية الوضوح ويؤخذ منها ما أصله العلماء أن كل عمل يشهد له الشرع من الطلب ولم يصادم نصا ولا يترتب عليه مفسده فليس داخلا في حدود البدعة بل هو من السنة وان كان غيره أفضل فالعبادات فيها الفضول وفيها الفاضل ولا يعاب ولا يبدع من استروح شيئا منها مادام الأصل عبادة والآن نأتي علي شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غير الصلاة لترى كيف أقرها الرسول صلى الله عليه وأله وسلم هو ؟ .
________________________________________
5- الحديث الخامس : حديث الرقيه وقد رواه البخاري في أكثر من موضع من صحيحه وهذا نصه في باب النفث في الرقيه ( عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رهطا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا في سفره سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفون فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط أن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء فهل عند أحد منكم شيء ؟ فقال بعضهم نعم والله أني لراق ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق فجعل سفل ويقرأ الحمد لله رب العالمين حتى لكأنما نشيط من عقال فأنطلق يمشي ما به قلبه فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم أقسموا وقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننتظر ما يأمرنا به فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له فقال : وما يدريك أنها رقيه أصبتم اقسموا وأضربوا لي معكم بسهم قال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة قول وما يدريك الخ هي كلمه تقال عند التعجب من الشيء وتستعمل في تعظيم الشيء أيضا وهو لائق هنا زاد شعبه في روايته ولم يذكر نهيا أي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزاد سليمان بن قند في روايته بعد قوله وما يدريك أنها رقيه ؟ فقلت يا رسول الله بشيء ألقي في روعى ( أ . هـ) وهذا صريح في أصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعيه الرقي بالفاتحة ولكنه شيء فعله باجتهاده ولما لم يكن فيه مخالفة للمشروع اقره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتب عليه مفسده وأن لم يكن من عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصا – وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أصبتم اقسموا واضربوا
________________________________________
لي معكم بسهم كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ .
6 – الحديث السادس : وقد وقعت للصحابه قصه أخرى في رجل مصاب في عقله فقرأ عليه بعضهم فاتحه الكتاب فبرأ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من طريق خارجه بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد فقالوا أنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل فرقاه بها ذكر ذلك الحافظ في الفتح .
7 – الحديث السابع : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على مبتلي في أذنه فأفاق فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما قرأت قال : افحسبتم أنما خلقناكم عبثا إلى أخر السورة فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لو أن رجلا مؤمنا قرأ بها على جبل لزال قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أبو يعلي وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن ومثله في المطالب العاليه للحافظ ابن حجر ( 1 صفحة 129 انظر ص 349 جـ 2 من المطالب ) وفي الحديث تقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن مسعود في قراءته الآيات من أخر سوره المؤمنون على المبتلي ولم يكن قد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانما هو شيء استنبطه باجتهاده ولما كان من الخير الذي يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية بالفاتحة عند البخاري والتي عند أصحاب السنن وهم قضيتان إحداهما لأبي سعيد والثانية لعمه خارجه ابن عبد الصلت وهذه الثاله لبن مسعود وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة ابن حجار وهي الحديث الثامن .
________________________________________
8 – الحديث الثامن : أخرج ابن حبان في صحيحه عن علاقة بن حجار السليطي التميمي أنه أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل راجعا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد فقال أهله أنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شيء ترقية ؟ فرقيته بفاتحه الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق ( أ . هـ ) من موارد الظمآن من زوائد ابن حبان للهيثمي ( 1 صفحة 130 انظر ص 276) .
9 – الحديث التاسع : في البخاري في فضائل قل هو الله أحد عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له ذلك وكان الرجل يتقالها فقال صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده أنها لتعدل ثلث القرآن .
قال الحافظ في الفتح القاري هو قتاده بن النعمان أخرجه أحمد بن طريف ابن الهيثم عن أبي سعيد قال بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله قل هو الله أحد لا يزيد عليها والذي سمعه لعله أخوه لأمه أبو سعيد وكانا متجاورين وبذلك جزم ابن عبد البر وقد خرج الدار قطني من طريق اسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ أن لي جارا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد ( أ . هـ) .
________________________________________
وفي الحديث إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم له على هذا التخصيص والاقتصار على هذه السورة في قيام الليل مع ما فيه من التخصيص الذي لم يكن من عمله ( صلى الله عليه وآله وسلم )) وفيه ما في سابقيه برقم (3 و 4 ) من الدلالة على جوازه تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ومع كل هذا فلم نجد من العلماء من قال بافضلية قيام الليل بها وحدها لأن ما كان عليه عمل الرسول من القراءة بالقرآن كله أفضل من ذلك ولكن عمله وما يشبهه داخل في نطاق السنة ولبس فيه ما يذم بل هو محمود على كل حال وفيه رد على المبدعين كالأحاديث السابقة والتي ستأتي .
10- الحديث العاشر : روى أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في صحيحة عن أبي بريده عن أبيه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد فإذا رجل يصلي يدعو (( اللهم أني أسألك باني اشهد أنك أنت الله لا أله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب ( أ.هـ) وهذا دعا أنشأه الصحابي فيما يظهر ولما كان مطابقا للمطلوب أقره صلى الله عليه وآله وسلم باعلا درجات الإقرار والرضاء ولم يعلم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علمه إياه فنصوص الشريعة فيها العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص وفيها الحقيقة والمجاز وما يجب أن يصار إليه عند التعارض إلى غير ذلك من القواعد الأصولية حتى قالوا : ( ما من عام إلا وخصص ) ولا يمنع وجود (كل ) من التخصيص كما سنراه في آيات الكتاب الكريم .
________________________________________
هذه القواعد : لو عرفها المبدعون لما أطلقوا ألسنتهم بالتبديع على أي من أنواع الخير ولما أطلقوا لأقلامهم العنان في اتهام الأئمة الأعلام مما يقبل أقل منه من الجهابذه فضلا عن الأقزام المتطفلين على موائد العلم المتعاملين وهم بالجهل موصوفون أنظر كيف يقولون عن الأئمة : (أنهم بتقسيم البدعة فتحوا للبدع والمحدثات الأبواب على مصاريعها ) ص (58) وحاشاهم لأنهم أفهم بكلام الله ورسوله من غيرهم وأخشى لله وأطوع له ومع هذا الاتهام الخطير فالمنقول عن الأمام الشافعي أنه ( البدعة بدعتان محمودة ومذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفا فهو مذموم ) فهل الشافعي معنى بهذه التهمة الشنيعة وهذا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضى الله عنه بقوله ( نعمت البدعة ) ويؤثر مثل ذلك ابن عمر فهل مشاقان لله ورسوله لأنه يلزم من قولهما أن في البدعه محمودا ومذموماً وهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم منهم النووي وابن عبد السلام والقرا في وابن العربي وخاتمة الحافظ ابن حجر فهل هؤلاء كلهم لا يفهمون كلام الله كلام الرسول ؟ استغفر الله العظيم من هذا الافك لماذا كل هذا لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال ( وكل بدعة ضلالة ) وهذه الكليه تقتضي عندهم شموله الضلالة لكل محدث والمؤلف لا يعرف قواعد الأصول وان في كلام الله وكلام رسوله كثير من الكليات والعمومات من العام المخصوص أو العام الذي اريد يه المخصوص ومع كل هذا فان لهم تقسيما أخر : البدعة المكفرة والبدعة المحرمة والبدعه المكروهة تحريما والبدعة المكروهه تنزيها لم يدخل الحكم الخامس وهو البدعة المباحة لأنهم يرون أن البدع مخصوصه بالعبادة فهم يقسمونها إلى دينية ودنيويه وكان المباح ليس من أحكام الدين وكأن البدع التي تكون في غير العبادات لا يشملها الحديث – وهذا أيضا تخصيص منهم لهذه الكليه التي يرفضون أن يقبل فيها تخصيص – والنبي صلى الله عليه وآله سلم يقول ( من أحدث في أمرنا
________________________________________
ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية في ديننا وشرع الله ودينه شامل لكل تصرفات المسلم عباداته ومعاملاته وأحكامه واقضيته وانكحته ومواريثه وكل أعماله وكلها تدخلها البدع المحرمة ومن أخطر هذه البدع العقائد التي خرجت بها طوائف من الدين .. وبدع الحكم وأخطرها الخروج عن شريعة الله وهذه البدعة التي تؤول إلى الكفر قد شملت معظم البلاد الإسلامية التي عمل لها أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم حتى اخرجوا المسلمين عن شريعتهم وعقيدتهم واضطروهم إلى التحاكم إلى الطاغوت الذي يسمونه القانون .. والعجيب والغريب أن الذين يعلمون على آثاره الخلافات في المسائل الفرعية ويبدعون فيها من يخالفهم لا نجد لهم صوتا ولا حرفا في المسائل الكبرى التي وقع فيها المسلمون في كل بلد مع أن العمل فيها فرض عين في هذه الأزمان مما يضع عليهم علامة استفهام ذلك لأن أثاره المسائل الخلافية في الفروع وفي هذا الزمن بالذات وهي المسائل التي وسعت المسلمين وأصحاب المذاهب من ذ القدم فأن أثارتها في هذا الزمن يفرق ولا يجمع مما يساعد على التناحر والتنافر والتراشق بالتهم والتبديع والتضليل ولا مصلحة للمسلمين في ذلك والعمومات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص أو كانت أو كانت من العام الذي أريد به الخصوص كقوله تعالى ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا )) وبالتأكيد فهي لم تدمر الأرض كلها ولا الكواكب وكقوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعا الملائكة كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه وذكر أكثر من عشرين موضعا بدلائلها أولها صلاة الجنازة والصدقة عن الميت ثم دعا المؤمنين وفي العموم الذي أريد به الخصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ) والحديث في البخاري وقد أجمع الشرح أنه ليس على عمومه
________________________________________
مع أن فيه الكلية ( كل )
ومن ذلك حديث مسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) وهو من صيغ العموم قطعا ليس على عمومه فان من صلى هاتين الصلاتين الفجر والعصر وترك ما عداهما من الصلوات والواجبات ليس مرادا قطعا فهو من العام الذي أريد به الخصوص أو من العام المخصوص بالنصوص ( قال الطيبي كما نقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره : أن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض فأنها في حكم الحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها : ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى : ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) فأن المراد بالناس في الأول المخبرين وهم لا شك عدد محدود والناس (الثاني) هم أبو سفيان وجماعته من مشركي مكه الذين قاتلوا الرسول والمسلمين في أحد وليس هم كل الناس كذلك قوله تعالى : ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)) – واسم الموصول من صيغ العموم ولكن مما لا شك فيه أن عيسى عليه السلام وأمة والملائكة وكلهم عبدوا من دون الله غير مرادين في الآية فهو من العام الذي أريد به الخصوص وكقوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) مع أن أبواب الرحمة لم تفتح عليهم . ومن ذلك قوله تعالى لتبيه : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) . فمن المعلوم أنه لا يشاورهم في التشريع والاحكام فعن ابن عباس رضي الله عنهما ( وشاورهم في الامر ) أي في بعض الامر وهو تفسير لا تلاوة فأذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر لم يكن لبشر ان يتقدم على الله ورسوله (1 انظر فتح الباري ص 103 جـ /17 كذلك قوله تعالى : ((لِتُجْزَى
________________________________________
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)) (2 فكل نفس وفي امثاله مخصوص بما لا يغفر الله واما ما يغفره فغير داخل في الكلية ) وفي الكتاب العزيز والسنة النبوية من هذه العمومات المخصوصة او التي يراد بها الخصوص شيء كثير يتسع لها مجلد كامل للمتتبع فكيف ينكر على جمهور من العلماء الراسخين قولهم في هذا الحديث (( كل بدعة ضلالة )) انه من العام المخصوص او الذي اريد به الخصوص واعتبرهم المؤلف ـ سامحه الله لذلك من المشاقين لله ورسوله والحادين لهما . وحاشاهم . قال النووي (3 راجع حاشية السيوطي على سنن النسائي ص 234جـ2) على قوله صلى الله عليه واله وسلم (( وكل بدعة ضلالة )) هذا عام مخصوص المراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها لا لصحة فهي المرادة بالبدع . وقال الحافظ ابو بكر ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي :ـ ( السابعة قوله : واياكم ومحدثات الامور .اعلموا علمكم الله ان المحدث على قسمين : محدث ليس له اصل الا الشهوة والعمل بمقتصى الارادة فهذا باطل قطعا ( أي ) وهو البدعة الضلالة . ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والائمة الفضلاء . قال وليس المحدث والبدعة مذمومان للنظر ( محدث وبدعة ) ولا لمعناهما فقد قال الله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) وقال عمر ( نعمت البدعة ) وانما يذم من البدعة ماخالف السنة ويذم من المحدث ما دعا الى ضلالة . وهذا هو عين ما سبق اليه الامام الشافعي رحمه الله وقرره في تقسيم المحدث الى محمود ومذموم وهكذا نجد الأئمة الذين جاؤوا بعد الشافعي مثل سلطان العلماء العز ابن عبد السلام من الشافعية والامام النووي وابن الأثير من الشافعية وابن العربي والقرا في من المالكية وغيرهم كثير اخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني كلهم اقروا تقسيم المحدث الى محمود ومذموم وانه قد تعتريه الاحكام الخمسة بحسب الاصل الذي يبنى عليه والشواهد التي تشهد له او عليه او لما يترتب عليه من المصالح
________________________________________
او المفاسد او مصادمة الشرع او موافقته وهذا لا محيص من القول به لمن عرف السنة وقواعدها من الاصول والفقة وهذا لا يتم الا لمن كان له الباع الطولي والفقه الصحيح والفهم العميق للشريعة ومقاصدها . وليس ذلك لكل مدع متطاول لا يعرف الا طرفا من العلم اذا وجد نصا تمسك به ضاربا عرض الحائط بكل ما عداه من نصوص وقواعد ومفاهيم وتقريرات أولى العلم وما اثر عن الصحابة ومن بعدهم اما جهلا او تجاهلا ظانا ان ذلك هو الصواب وكل ماعداه خطأ محاده لله ورسوله كالمؤلف رده الله الى الصواب ( حديث صفحة 135 روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال قال ابن مسعود ان الرجل ليحدث بالحديث فيسمعه من لا يبلغا عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليه فتنة وصدق ابن مسعود راجع ص 286جـ 11 المصنف ) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذ يقول ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ومفهوم الحديث واضح أن من لم يرد به خيرا لم يفقهه في الين فيقع في الجهل المركب فيجهل العلماء ومعلوم ان الفقه في الدين يسوق إلى النظر الفاحص وتتبع النصوص وحمل بعضها على بعض وأعمال كلام الله وكلام رسوله ما امكن وحمل أعمال علماء المسلمين واقوالهم على الخير ما وجد لذلك محملا إذ هو من باب حسن الظن بالمسلمين المأمور به بل هو من اوثق عرى الايمان كما في الحديث ثم مع تتبع الادله عليه ان يتعرف كلام العلماء الراسخين وهم الاكثرون علما والذين هم اعظم فهما وورعا وتعليقهم على هذه الادلة وما لهم فيها من جمع أو تأويل ثم ما جاء عن الصحابة الكرام قولا او عملا بما يفسر مراد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأنهم اعرف بمراده وقصده ممن جاء بعدهم هكذا كان علماء الدين رضي الله عنهم اجمعين ولهذا لن تجد فيما قرروه او استحبوه استنباطا ما يخالف نصا الا لمعارض ولا ظاهرا الا بتأويل ؟ مقبول ولا تجد بينهم من يبدع مخالفيه او يضلله لعلمه بان له متمسكا ومستدلا بما
________________________________________
يصلح له ترجيحه وان عارض ترجيح غيره ولهذا لا تجد عندهم اطلاق التبديع الا على الفرق المنحرفة في العقائد دون تكفير لهم ما داموا يشهدون ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة الا من جحد معلوما من الدين ضرورة فهذا الذي اعلنوا كفره اذ لا سبيل الى التأويل . وأما التبديع والتضليل للفرق المنحرفة في العقائد ( كالباطنية والقدرية والخوارج ) فهم الذين اجمع اهل السنة على تبديعهم وتضليلهم لتوافر النصوص وتظاهرها عليهم فالخوارج أول الفرق التي ظهرت بدعتها وتشددوا في مسلكهم حتى كفروا أمير المؤمنين عليا والصحابه الذين معه أخذ بالظواهر والعمومات التي نزلت في المشركين واشاعوا القول بالتفكير للمخالفين لهم في العقيدة واستباحوا دماءهم وأموالهم … أخرج ابن مردوية عن مصعب أبن سعد قال نظر رجل من الخوارج إلى سعد يعني ابن أبي وقاص رضي الله عنه فقال هذا من أئمة الكفر فقال سعد كذبت أنا قاتلت أئمة الكفر فقال آخر منهم هذا من الأخسرين أعمالا فقال سعد كذبت أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه الآية . ذكر الحافظ في الفت ( 1صفحة 136 راجع ص (40) جـ(10) فتح الباري) وروى الطبراني في الكبير والأوسط قال غزا عمارة بن قرض غزاه فممكث فيها ما شاء الله ثم رجع حتى إذا كان قريبا من الأهواز سمع صوت أذان أن فقال والله ما لي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث وقصد نحو الآذان يريد الصلاة فإذا هو بالازارفة ( قوم من الخوارج ) فقالوا ما جاء بك ياعدو الله فقال : ما أنتم أخواني ؟ قالوا أنت أخو الشيطان لنقتلك قال أما ترضون مني بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا أي شيء رضى به منك قال أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إلا الله وأنه رسول الله عليه وعلى آله وسلم فخلى عني قال فاخذوه فقتلوه قال في مجمع الزوائد رجال إسناده رجال الصحيح ( 2 صفحة 136 انظر مجمع الزوائد ص (126) جـ1) هذه البدعة الضلاله
________________________________________
وهذا ما وقع ويقع من اتباعهم في كل عصر وهو انما أتوا م حيث اغترارهم بأنفسهم أخذهم بظواهر الآيات والأحاديث فهم لا يرون الحق إلا معهم وكل من خالفهم فهو ضال مبتدع أو كافر كشرك بل لا يستمعون إلا من كان منهم وعلى شاكلتهم وينظرون إلى جمهور الأمة بالمنظار الأسود فأما مبتدعه أو مشركون خارجون عن الإسلام والمقصود أن واجب المسلم أن يحسن الظن بالمسلمين فضلا عن علماء الأمة لأن أثاره المسائل الفرعية التي اختلف العلماء فيها بطريقة تسيء الظن بهؤلاء المجتهدين أو تشي بشيء من ذلك فيه هدم للدين وتفرقة للأمة التي وسعها أختلاف الأئمة في الفروع منذ عصورها الأولى دون أن يفرق بينهم في العقيدة والاحترام والتضامن والتعاطف وكلهم متدينون غيورون على الدين لا كما يظن المتيفقهون في هذا العصر الذين يدعون الاجتهاد في مسائل الدين وهم أجهل الناس به وليس لديهم من أدوات الاجتهاد شيء إلا مجرد الدعوى بل هم مقلدون لأناس مشبوهين طلعوا على الأمة بالعلم والفقة والورع في الدين وكان لهم في الأمة كما يقول العلامة شيخ بن تيميه رحمة لسان صدق .
________________________________________
أنظر كلامه في كتاب ( جواب أهل العلم ) في معرض الرد على بعض المبتدعة في بعض الأقوال التي بنتحلها قال رحمه الله ( والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منها عن أحد من السلف اعني الصحابه والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والورع في الدين الذي لهم في الأمة لسان صدق في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم ) ( 1 صفحة 137 ( انظر ص (23) في كتاب جواب أهل العلم ) ( أ . هـ) وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا يقلدن أحدكم دينه رجلا فأن آمن أمن وأن كفر كفروا وأن كنتم ولا بد مقتدين فاقتدوا بالميت دون الحي فأن الحي لا يؤمن عليه الفتنه ( 2 صفحة 137(رواه الطبراني في الكبير وقال في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح انظر المجمع ص (180) جـ1 ) ( أ . هـ) والمقصود تحذير الشاب المسلم من القول على الله ورسوله بما لا يبلغ فيه درجة الفهم التام والإحاطة حتى لا يسلك مسالك الخوارج الذين ضللو خيار الأمة بآرائهم وأهوائهم واعتمادهم على عمومات الكتاب ولم يكن عندهم من العلم غير هذه الظواهر التي كثيراً ما يقع صاحبها في الخطأ فأن كان ولا بد فلنفسه فلا يجوز أن يطلق لسانه بالتبديع والتضليل لعلماء الأمة ولا لا تباعهم مالم تكن المسألة متفقا عليها بين العلماء لأن مسالك العلماء في فهم البدعة مختلفة اختلافاً كثيراً فمنهم من يعمم والتعميم فيه خطر لأنه قد يوقع الصحابة وخيار الأمة من التابعين ومن بعدهم فيه ومنهم من قسم وخصص تحرجاً من الوقوع في مثل ذلك وبعض المقسمين قالوا بدعة حقيقة وبدعة إضافية إلى آخر التقسيمات التي قد نشير إلى شيء منها فيما بعد وكل له مآخذه فعند الاختلاف لا يسع العاقل الحريص على دينه إلا أن يحكي أقوال العلماء والوقوف عند الحد الذي حده له الشارع وليعتبر بالخوارج واضرابهم فقد ضلوا بنص الأحاديث الصحيحة لاعتقادهم الحق فيما يعتقدونه ولم يكتفوا
________________________________________
بذلك بل ضللوا من خالفهم من الصحابه ومن بعدهم ممن لا يرى رأيهم ولهذا ذمم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحكم بأنهم مارقون من الدين مع أنهم أكثر الناس تمسكا بالدين ظاهرا وتشددا في العبادة ولكنهم أتوا من حيث غرورهم بأنفسهم ورميهم مخالفيهم بالضلال روى الأمامان البخاري ومسلم عن بي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أن بعدي م أمتي قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الدين كما السهم من الرمية لئن أدركتهم لا قتلنهم قتل عاد ) . وقال البخاري كان ابن عمر يراهم شر خلق الله وقال أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين علقه البخاري وقال الحافظ في الفتح وصله الطبري في تهذيب الآثار بإسناد صحيح ( أ . هـ) وأخرج أبو يعلي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أخافه عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام انفسخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك قال قلت يابني الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي ) قال : لبرامي الحافظ أبن كثير إسناده جيد . وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ( من قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما فان كان كما قال وإلا رجعت عليه ) واخرجا عن ابي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله ليس كذلك إلا حار عليه – أي رجع عليه ) ( 1 صفحة 138 ( هذه الأحاديث منقوله من كتاب مخطوط للعلامة المحدث الأصولي علي بن محمد بن يحيا علوي الخضرمي ) .
وقد روى الطبراني في ( الكبير) عن عبد الله بن عمر بإسناده حسن : ( كفوا عن أأهل لا إله إلا الله ) لا تكفرهم بذنب ( وفي رواية ) ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل .
________________________________________
ومثل الكفر والشرك وعدو الله ( اللعن) كما في الحديث وكذلك التبديغ والتضليل فأنهما قرينا الكفر والشرك والسبب الأعم في جميع ما سبق في الخوارج ومن نحا نحوهم في التبديغ والتضليل هو الغلو في الدين وعدم الفقه والتفقه في مقاصد الشريعة مع الإعجاب بالنفس ودعوى الإحاطة بالشريعة حتى لا ترى الحق إلا فيما تعتقده هي ولا تعتد بآراء العلماء وافهامهم ولا تعبا بمخالفتهم وهذه هي الروح الخارجية الممقوتة التي ركز الشارع عليها ذمهم وهي إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم من عداهم حتى أداهم ذلك إلى إطلاق التكفير والتضليل ثم استحلال دمائهم المعصومة فهي لا تحاول مطلقاً فرض المخارج الحسنة الممكنة التي هي من روح الإسلام والتي ربى الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها صحابته الكرام في تحمل الخلاف في الرأي دون أن يفرق كلمتهم أو يسيء بعضهم إلى بعض رضي الله عنهم وآخذ العلماء عنهم هذا الخلق الحسن فكانوا يحترمون الفهم في الكتاب والنة وأن خالف أفهامهم فيحكونه أمانة أخرج أبو القاسم الأصبهاني في ( الترغيب والترهيب) والخطيب في ( المتفق والمفترق) عن سعيد بن المسبب قال أن عمر رضي الله عنه وضع عشر كلمات حكم منها أن تضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منع ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سواء وأنت تجد لها في الخير محملا ( أ. هـ) فنسأل الله العلي القدير أن يجنب شبابنا وطلاب العلم منهم بالخصوص هذه الروح الخبيثة ويهديهم سواء السبيل حتى يعرفوا دينهم ويعتزوا برجالهم وعلماء الأمة الذين نقلوا إلينا هذا الدين واجهدوا أنفسهم وأعمارهم ليصل إلينا ثروة عظيمة تعتز بها الأمة الإسلامية وتراثا ضخماً لا يوجد في الدنيا له مثيل فقهاً ونقلاً ونقداً وتمحيصا وتقعيداً وحسبنا الله ونعم والوكيل وهنا نعود لما بدأناه من تحقيق السنة والبدعة لنرى أن تقسيم العلماء رضوان الله عليهم لم يكن من فراغ ولم يكن لمجرد الهوى والشهوة فضلاً عن المشاقة
________________________________________
لله ورسوله وحاشاهم … وقد كان الأمام حسن البنا رحمة الله يحذر اتباعه من الانشغال بمحاربة البدع الإضافية لأن في محاربة البدع الحقيقة شغلا ويريد بالبدع الحقيقة ما خالف الدين من المنكرات التي لا خلاف بين العلماء في حد منها وضررها على الدين وما أكثرها أخطرها بين المسلمين ومراده بالبدع الإضافية ما اندرج تحت أصل عام في الطلب ولكن صورته غير المأثورة كسائر المسائل المستنبطة والمختلف فيها بين الفقهاء وهذا منه إدراك لخطورة البدع الحقيقة وخطورة السكوت عنها والانشغال بغيرها أما الخلافات المذهبية فهي أمر ضروري والإجماع على أمر فرعي متعذر : ( فعلينا أن نعتقد الحق فيما بلغنا ونلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات ولا يكون حائلا بين ترابط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير ) وكلامه هذا من جملة التقسيمات التي الجأت اليها النصوص كما سترى ولما كان الكتاب الذي اشرت اليه ليس فيه تقعيد فاني اثرت قبل تتبع الرد على مواضع الخطأ ان اقدم بحثا عن السنة والبدعة فاذا عرفت السنة عرفت البدعة المضادة لها وان اتي في القسم الاول بالادلة التي تثبت أن سنة الرسول هي طريقته وأن طريقته الواضحة بالنصوص المتكاثرة هي قبول كل ما كان من الخير الذي جاء به ولم يصادم نصا ولم يخالف هدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم فهو من السنة وأن لم يسبق أن الرسول فعله بذاته أو أمر به وأن البدعة هي ما صادم نصا او خالف هدى الرسول صلى الله عليه واله وسلم أو ترتبت عليه مفسده وهذا هو معنى قول علمائنا أن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر الشرع والتي ليست هي مما طلبه الشرع بدليل خاص او عام كل ما كان كأن من الشرع وشهد له بالطلب دليل خاص او عام فليس هو بالبدعة الشرعية المرادة في الحديث وأن سمي بدعة باعتباره اللغوي الشاملة للحسن والقبيح . ولقد تتبعت ماكتبه المخالفون عن البدعة . فإذا علمهم كله محصور في حديث
________________________________________
واحد وهو قوله صلى الله عليه واله وسلم (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) ورمي كل أحاديث الرسول صلوات الله عليه واله ـ الدالة على حيازة كل خير ـ والتي يستفاد منها حكم جميع الحوادث فعند هؤلاء كل شيء حدث بعد عهد الرسول وأن كان من الخير ومن الأمور الدينية الموافقة لدين الله وتشملها أوامر الله . ( فالاستكثار من الخير خير ) . فعند هؤلاء هو بدعة ضلالة . وهذا علم لا يحتاج إلى جهد كبير ، ولكنه تضخم في نفوسهم . وأن هذا الحديث يجب أن يعرض على نصوص الأدلة الأخرى لأنه عام وقد عارضه في عمومة أدلة خاصة وعامة فاقول :
أولا : أن هذا الحديث عام أريد ( حديث صفحة 140 العام الذي أريد به الخصوص يكون من أول الأمر مستعملا في الخصوص أي يكون لفظ العام مجازا في الخصوص ) به الخصوص لأنه يخالف حوافز النصوص التي تدل على النظر في حكم الحادثة واستنباط الأحكام واستخراجها من الكتاب والسنة وهما يستوعبان كل أحكام الحوادث بواسطة دخولها في مضامين الكلام منطوقا أو مفهوما أو عموما أو خصوصا أو نصا أو ظاهرا أو غير ذلك .
ثانيا: وقد عهد العموم الذي أريد به الخصوص في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ألا ترى الى قوله تعالى : ((فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)) ولم يفتح لهم أبواب الرحمة . وقوله تعالى : ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ)) ولم تدمر الجبال والسموات والأرض . وقوله تعالى : ((وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)) ولم تؤت عرش سليمان . قال الامام القرطبي في تفسيره في الكلام على الفطرة التي فطر الله الناس عليها من سورة الروم قال ( والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب ) ثم ذكر ما قدمناه .
________________________________________
وقد أرسل النبي سرية بأمارة بعض أصحابه وامر أصحابه بالسمع والطاعة له فغضب فأجج نارا وأمرهم بدخولها بما أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم لهم بالسمع والطاعة ، فقالوا إنما أمنا وجاهدنا خوفا من النار فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم اخبروه فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وقد اخرج هذه القصة مسلم في صحيحه فلينظر لفظه . ومنه يعلم أن بعض العام يراد به الخصوص بحسب المعروف المعلوم بالعقل او الشرع وفي هذا الحديث نبه النبي صلى الله عليه واله وسلم أن عموم طاعته في هذا غير مراد . وفي البخاري والموطأ . ( كل بني أدم يأكله التراب الأعجب الذنب ) قال ابن عبد البر في التمهيد . ظاهر هذا الحديث وعمومة يوجب أن بنو أدم كلهم في ذلك سواء ألا انه قد روي أن أجساد الأنبياء والشهداء لا تأكلها . وهذا يدل على أن هذا اللفظ عموم يدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرناها فكأنه قال كل ما تأكله الأرض فأنها لا تأكل أجساد الأنبياء والشهداء . وحرم ( حديث صفحة 141 ذلك في قوله ( صلى الله عليه واله وسلم ) لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث رواه مالك والبخاري والترمذي وآبو داود وانسائي عن انس ) النبي صلى الله عليه واله وسلم الهجر فوق ثلاثة أيام مع انه صلى الله عليه واله وسلم هجر الثلاثة الذين تأخروا عن تبوك وأمر المؤمنين باعتزالهم وكذلك بعض الصحابة هجروا أناسا كما كان من علي مع أسامة رضي الله عنهما فالحديث مخصص . وقد جاء تخصيص العموم في عشرات الآيات ( أية صفحة 142 منها قوله تعالى ( من يعمل سوءا يجز به ) مخصوص بقوله تعالى : ( أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وهذه الآية تخصص آيات أخرى فيها هذا العموم. ويخصص قوله تعالى ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) بقوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) وقوله تعالى ( أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) بقوله
________________________________________
تعالى : ( فيكشف ما تدعون إليه أن شاء ) وهذا كثير وأنما هذه أمثله ) في كتاب الله حتى قيل ( ما من عام ألا خصص ) وقال جماعة من العلماء ( لا يعمل بالعام آلا بعد البحث عما يخصصه ) .
ثالثا : أ، النبي صلى الله عليه واله وسلم يؤيد فيما يحدث ما يوافق شريعته وينكر ما ليس موافقا لها فهذا عمر يقترح أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى وان يحجب أمهات المؤمنين قائلا : انه يدخل عليك البر والفاجر فانزل الله في موافقته القران لأنه اقترح ما هو اعظم المصالح الدينية . انظر هذا فقد اقره لما فيه من الخير . ولكن معاذا لما جاء من الشام سجد للنبي صلى الله عليه واله وسلم . ظانا أن ذلك من الخير اقتداء بما راه في الشام من تعظيم آهل الكتاب لرهبانهم وقديسيهم فان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اعظم لكن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى أن يسجد لاحد غير الله . وذلك لأن السجود غير موافق لشريعته الحنيفية فأنها مباينة لغلو أهل الكتاب في تقديسهم لأحبارهم ورهبانهم بالسجود لهم وجعل قبورهم مساجد فحرم رسول الله صلى عليه واله وسلم سلوك طريقتهم . واجاز اقتراح عمر لما فيه من المصلحة وعدم الفساد وانظر الأذان فانه ألفاظ معدودة لا تزيد ولا تنقص ومع ذلك لما جاءت الحاجة بسبب المطر إلى النداء فيه أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالنداء ( ألا صلوا في رحالكم ) وهذا يدل على أن الحكم يدور مع المصلحة والحاجة . واحكام الشريعة تارة تنقل مع العلة وتارة مع عدمها وقد يعرف العلة الصحابي منها في بساط الكلام مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم ولهذا قالوا أن فهم راوي الحديث يقدم على غيره كما يقدم تفسير الصحابي على غيره .
________________________________________
رابعا : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه بارك فعل أشياء كثيرة من الخير ليس فيها مفسدة ولا تخالف طريقة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في نظام شريعته ثم تبت عن الصحابة ما يقرب من التواتر المعنوي ( حديث صفحة 143 التواتر المعنوي هو أن يتفق جماعة كثيرة يؤمن تواطؤهم على الكذب على نقل حوادث مختلفة تتفق كلها على أمر عام وهذا الأمر العام هو الذي يقع فيه التواتر فقد عرف كرم حاتم وعدل عمر وعدل وعلم علي وشجاعته فأن التواتر في ذلك معنوي ) ذلك كثيرا من الخيرات بعد عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . مما تدخل تحت ارشاده وهديه وإن لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم تفعل في عهده . فهذا يدل على أنهم يخصون الدعة الضلالة بالبدعة المخالفة للشرع عقيدة أو عملا فمن أخذ بعمومات الشريعة في فعل الخير وإن لم يرد بعينة كقوله تعالى ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)). ولعموم الحث على الأعمال الصالحة وقول النبي صلى الله علية وآله وسلم (الصلاة خير موضوع ) ثم لم يخالف نظام الشريعة في أداء هذا الخير فقد قام بأعظم القرب.
________________________________________
وقد اخطأ بعض المتخذ لقين في إنكاره على الأمام زين العابدين على بن الحسين سبط الرسول صلى الله علية وآله وسلم لأن هذا الأمام كان له أوراد كبيرة من فعل الصلوات قال هذا المنكران هذا لم يفعله الرسول صلى الله علية وآله وسلم وكان عمله ماشيا على ما كان علية السلف و في مقدمتهم أصحاب رسول الله صلى الله علية وآله وسلم من الاستكثار من عمل الطاعات ففي البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله علية وآله وسلم ( من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بشيء احب مما افترضت علية وما يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببتة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذتي لاعيذنه ) ا هـ .وفي حديث آخر ( عليك بكثرة السجود فانك لن تسجد الله سجدة ألا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ) .نقله في رياض الصالحين . فكيف ينكر علية ذلك .
وهذا معاذ بن جبل ..قال هلال بن الأسود : كنا نمشي مع معاذ قال :اجلسوا نؤمن ساعة .وقد أخرجه ابن أبي شيبة (حديث صفحة 143 )(2) قال ابن أبي شيبة في كتاب الأيمان حدثنا وكيع نا الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال عن معاذ واخرجه أبو عبيد في الأيمان حدثني ابن مهدي عن سفيان عن جامع عن الأسود وعن معاذ واخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو عن علقمة وإسناد ابن عبيد ثقات كالذي قبله .
من طريق جامع بن شداد عن الأسود بن هلال بإسنادين رجالهما ثقات أئمة وأخرجه عن عمرو عن علقمة التابعي .
________________________________________
وهذا معاذ أعرف الناس بالحلال والحرام بشهادة رسول الله صلى الله علية وآله وسلم وعمر الخليفة الراشد وهما يفعلان هذا الخير ولم يرد عن النبي صلى الله علية وآله وسلم ألا أن الأمام احمد روى بإسناد حسن قال كان ابن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب النبي صلى الله علية وآله وسلم ، يقول : ( تعالى نؤمن ساعة فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله علية وآله وسلم . قال .يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي صلى الله علية وآله وسلم يرحم الله ابن رواحة أنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة )وقد علقه البخاري (1 صفحة 144 (كذا في كشف الخفا). وهذا عمر حكم في سواد العراق بعدم قسمته وابقاه لجميع المسلمين اولهم وآخرهم فإن قيل هذا في غير العبادات . قلنا قد خصصتم عموم هذا الحديث اعني ( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وهؤلاء الأنصار الذين تبوؤا الدار والأيمان كانوا يجتمعون لقراءة القرآن . ولكن اخذوا ذلك من عموم قوله صلى الله عليه واله وسلم ( ما اجتمع قوم يذكرون الله ألا حفتهم الملائكة ) الحديث وهو في صحيح مسلم .
________________________________________
خامسا : وقد أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم بالتمسك بما هو عليه واصحابه أي ومن اتبعهم على طريقتهم يدل عليه الحديث الذي يشيد بالعمل على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعدهم ( 2حديث صفحة 144 هو حديث ابي داؤود والترمذي عن العرباض وفيه فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) أي طريقتهم وهي طريقة الخلفاء الراشدين وهم ابو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وعمر بن عبد العزيز وكل خليفة راشد اخرهم المهدي ويمكن أن يشمل خلفاءه في الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء الذين يسيرون على نهجه بحديث ( العلماء ورثة الانبياء ) وبتفسير اولى الامر بالعلماء الذين يستنبطون الاحكام كما في الاية (3صفحة 144وهي اية النساء (83) ( ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) قال ابن مسعود : ( أن الله اختار محمدا واختار له اصحابه فما راه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) اخرجه احمد في مسنده . وقد اخطأ من نفى ذلك وهو حديث حسن وهذا ما يجعل لاقوالهم جلالة واحتراما فلا يقال فيما يفعلونه من الخبر الذي له اندراج تحت اصل عام انه بدعة ضلالة الا أن ما فعله النبي صلى الله عليه واله وسلم هو السنة .
سادسا : قد يفهم مما تقدم أن كل من احدث عبادة في غير محلها الثابت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم يكون ذلك جائزا وليس كذلك بل هو بدعة سيئة . فقد احدث بنو أمية بالهوى ولأغراض سياسية تقديم خطبة العيد على صلاتها فخالفوا النظام الذي رتبه النبي صلى الله عليه واله وسلم فهذا العمل وامثاله لا يدخل في الخير والأعمال الصالحة بخلاف الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها وأن لم يفعلها النبي صلى الله عليه واله وسلم لكنه في أصل عام ( والصلاة خير موضوع ) في أي وقت لا الصلاة فيه مكروهة ألا أن السنة أن لا يصلي قبلها ولا بعدها والعمل بالسنة أولى .ا.هـ من مخطوط السيد عبد الله الحداد نفع الله تعالى به .
________________________________________
رأي وجيه في شذوذ ( الشاطبي ) عن الجمهور في تقسيم البدعة :
( أقول) : وحيث أنه طالما تذرع المخالفون لجمهور أهل السنة والجماعة في مفهوم وتقسيم البدعة بآراء الشاطبي صاحب ( الاعتصام ) وتترسوا بها لرد آراء الجمهور في هذه المسألة ، أحببت أن أورد رأيا وجيها للمحدث الشيخ عبد الله محمد الصديق حيث يقول في رده على كتاب ( القول المبين ) :
قسم عز الذين ابن عبد السلام في قواعده الكبرى البدعة باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أو خلوها عنهما إلى أقسام الحكم الخمسة الوجوب والندب والحرمة والكراهة والاباحة ومثل لكل قسم منها وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة وكلامه في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبرا بالقواعد الفقيهة وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها . ومن مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك ؟ فجأة تقسيمه للبدعة مؤسسا على أساس من الفقه وقواعده متين ، ولذا وافقه عليه الإمام النووي والحافظ ابن حجر وجمهور العلماء وتلقوا كلامه بالقبول ورأوا أن العمل بع متعين في النوازل والوقائع التي تحدث مع تطور الزمان وأهله ، حتى جاء صاحب (الاعتصام ) فخرج عن جمهره العلماء وشذ بإنكار هذا التقسيم فبرهن بهذا الإنكار على أنه بعيد عن معرفة الفقه ، بعيد عن فهم قواعده المبينه على المصالح والمفاسد لا يعرف ما فيه مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله ولا يدري ما فيه مفسده فيطلب احتنابها بتركه ولا ما خلا عنها فيجوز فعله وتركة على السواء وأخيرا برهن عل أنه لم يتذوق علم الأصول تذوقا يمكنه من معرفة وجوه الاسنباط وكيفية استعمالها والتصرف فيها بما يناسب الوقائع وأن كان له في الأصول كتاب ( الموافقات ) فهو كتاب قليل الجدوى عديم الفائدة وأنما هو بارع في النحو له في شرح على ألفية ابن مالك في أربعة مجلدات دل على مقدرته في علم العربية على أنا وأن كنا نعلم أن للشاطبي دراية بعلم أصول الفقه على سبيل المشاركة فلا نشك في
________________________________________
أن سلطان العلماء فيه أمكن وعلمه بقواعده أتم وقواعده الكبرى خير شاهد على ذلك وأني لأعجب من الشاطبي كيف أنكر على سلطان العلماء ذلك التقسيم مع أنه بناءه كما قلنا على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها . ولم ينكر على المالكية القول ( بالاستصلاح ) الذي لم يعتبره الشارع ولا قبله جمهور العلماء بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكاماً كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له ؟! ما القول بهذا مع إنكار ذاك إلا تعصب مذهبي ظاهر ولا يمكنه أن يتمسك لإنكاره بحديث (( كل بدعه ضلالة )) لأن البدعة التي هي ضلالة من غير استثناء هي البدعة الاعتقاديه كالمعتقدات التي أحدثها المعتزله والقدرية والمرجئة ونحوهم على خلاف ما كان يعتقده السلف الصالح فهذه هي البدعة التي هي ضلالة لأنها مفسدة لا مصلحة فيها أما البدعة العملية بمعنى حدوث عمل له تعلق بالعبادة أو غيرها ولم يكن في الزمن الأول فهذا لا بد فيه من التقسيم الذي ذكره عز الدين أبن عبد السلام ولا يتأتى فيه القول بأنه ضلالة الإطلاق لأنه من باب الوقائع التي تحدث على ممر الزمان والأجيال من وجوه الاستنباط والشريعة إنما صلحت لكل زمان ومكان وكانت خاتمة التشريع الإلهية وأكملها بما حوته من قواعد عامة وضوابط كليه ، مع ما اوتية علماؤها من قوه الفهم في نصوصها ومعرفة بالقياس والاستصحاب وأنواعها إلى غير ذلك مما خلصت به شريعتنا الغراء ولو اتبعنا طريقة الشاطبي وحكمنا على كل عمل حدث بعد العصر الأول بأنه بدعة ضلالة من غير أن نعتبر ما فيه من مصلحة أو مفسدة لزم على ذلك إهدار جانب كبير من قواعده الشريعة وقياساتها وتضيق لدائرتها الواسعة وفي ذلك ما لا يخفي فظهر بهذا البيان الوجيز خطأ إنكار الشاطبي رحمة الله تعالى وصواب ما ذهب إليه عز الدين ابن عبد السلام ووافقه عليه جمهور العلماء ( أ . هـ) .
المولد النبوي الشريف :-
________________________________________
في بحث ( البدعة والسنة ) في هذا الكتاب ما يكفي لإثبات مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وحيث خصص كل من الشيخ ابن منيع في ( حواره ) والشيخ التويجري في ( رده القوى ) صفحات كثيرة لمهاجمة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وإثبات بدعيته فأني سوف إصدار بأذنه تعالى كتابا خاصا منفصلا حول هذا الموضوع وعلى قاعدة ( ما لا يدرك كله لا يترك جله ) أحببت أن لا يخلو كتابي هذا من رد مختصر مفيد يوضح مشروعية المولد النبوي الشريف بقلم فضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد ملا رمضان البوطي من علماء الشام المعروفين وعميد كلية الشريعة بجامعة دمشق
(( الفصل العاشر ))
ردا على الذين ينكرون الاحتفال بالمولد النبوي
ليس كل جديد بدعه
بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
البدعة ، بمعناها الاصطلاحي الشرعي ، ضلالة يجب الابتعاد عنها ، وينبغي التحذير من الوقوع فيها . ما في ذلك ريب ولا خلاف . وأصل ذلك قول رسول الله صلى الله علية وسلم فيما اتفق علية الشيخان (( من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد )) وقوله فيما رواه مسلم : (( إن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )).
ولكن ما هو المعنى المراد من كلمة (( بدعة )) هذه ؟
هل المراد بها معناها اللغوي الذي تعارف علية الناس فيكون المقصود بها إذن ، كل جديد طارئ على حياة المسلم ، مما لم يفعله رسول الله صلى الله علية وسلم ولا أحد من أصحابه ، ولم يكن معروفا لديهم ؟..
________________________________________
إن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال ألي حال ، وتنقلهم من طور إلى آخر .. ولا مطمع في إمكان التغلب على قانونها هذا ، وربطه بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة ، على مر الأزمنة والعصور . وحتى الفترة القصيرة التي عاشها النبي صلى الله علية وسلم مع أصحابه ، لم تجمد الحياة خلالها على نسق مطرد ثابت ، بل استقبل النبي واصحابه منها اطوارا اثر اطوارا .. ولكن ( لحسن حظ ذلك الرعيل الأول ) كان المصطفى صلى الله علية وسلم بين ظهر انيهم ، فكان يرحب بسنة الحياة هذه ، دون أي مقاومة لها أو ثورة عليها . فكم من عرف جديد أيده ،وكم من كشف طارئ على حياة الصحابة والعرب رحب به ودعا إليه ، بعد إن تأمل فرآه لا يخالف من أصول الدين واحكامه شيئا . بل ربما يسر سبيل أحيائه والأخذ به على خير وجه . حتى استظهر علماء الشريعة الإسلامية من ذلك ، القاعدة القائلة : الأصل في الأشياء الإباحة ، واستنبط من ذلك علماء الحنفية وآخرون .. إن العرف _ بقيود معينة _ مصدر لا يستهان به من مصادر الشريعة واحكامها .
لا يعقل _ إذن _ أن يكون المقصود بالدعة هذا المعنى اللغوي العام . بل ما رأينا واحدا من علماء المسلمين وفقهائهم ذهب في تفسير البدعة وتعريفها هذا المذهب العجيب . وانما تنطوي الكلمة على معنى اصطلاحي خاص ، فما هو ؟
البدعة والدين
أمامي تعريفات كثيرة للبدعة ، كلها يدور في فلك معنى اصطلاحي واحد ، وإن تخالفت من حيث الصياغة والأسلوب . ولكني اختار منها تعريفين عرفها بهما الأمام الشاطبي في كتابة الاعتصام وذلك لسببين : أحدهما _ إن الشاطبي يعد في مقدمة من خدم هذا البحث وتناوله بالشرح والتحليل من جوانبه . ثانيهما _ إنه يعد من اكثر العلماء المتقدمين محاربة للبدعة وتشددا في الابتعاد عنها .
________________________________________
التعريف الأول ، أنها (( طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله عز وجل ((والتعريف الثاني إنها )) طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشريعة)).
وانما رددها الشاطبي رحمه الله بين هذين التعريفين ، نظرا لرأي من حصر البدعة في العبادات ، ولرأي من عممها في سائر أنواع السلوك والتصرفات . على إنه مال فيما بعد إلى إن البدعة إنما تختص بالعبادات سواء منها القلبية وهي العقائد أو السلوكية وهي سائر أنواع العبادات الأخرى . ولا يعنينا الآن أن نقف عند هذا الترديد باي نظر أو تمحيص . إنما الذي يعنينا أن نلاحظ قولهم في التعريف : (( طريقة في الدين مخترعة )) أذن ، فلكي يأخذ السلوك معنى البدعة وحكمها ، يجب أن يمارسه صاحبه على أنه داخل في بنية الدين وأنه جزء لا يتجزأ منه ، مع أنه في واقع الأمر على خلاف ذلك 00 وتلك هي روح البدعة وسر تحذير الشارع منها ، وذلك هو الملاحظ في تسميتها : (( بدعة )) . والمستند الذي يشكل الدليل القطعي على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه 00)) إذ المقصود بـ (( أمرنا هذا )) الدين ، كما واضح ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما اخرجه الطحاوي : (( ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب : الزائد في دين الله والمكذب بقدر الله ، والمسلط بالجبروت يذل من أعز الله ويعز به من أذل الله ، والتارك لسنتي ، والمستحل لحرم الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله )) ويتضح من ذلك أن مناط إنكار البدعة وردها على صاحبها ، أن المبتدع يقحم في بنية الدين وجوهره ما ليس منه . ولما كان المشرع هو الله عز وجل ، لم يبق مجال لأي تزيد أو تغيير على شرعه . أما سائر الأفعال والتصرفات الأخرى ، التي قد تصدر من الإنسان ، دون أن يتصور أنها جزء من جوهر الدين أو مصلحة له ، دينية كانت أو دنيوية : فهي أبعد ما تكون عن احتمال
________________________________________
تسميتها بدعة ، وان كانت مستحدثة في حياة المسلمين غير معروفة لهم من قبل ، بل مالها أن تصنف إما تحت ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنة حسنة ، أو تحت ما سماه : سنة سيئة . وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه مسلم وغيره (( من سن في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها واجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) .
ما هو المعيار
ويحتاج بيان هذا الأمر إلى تفصيل طويل ولكننا نقتصر منه على الموجز التالي :
ـ أن كانت الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان ( مما لا يدخل في معنى البدعة التي تم بيانها ) تتعارض مع أوامر أو نواه ثابتة في الشرع ، لا فرق بين أن تكون هذه المخالفات مستحدثة أو تكون قديمة معروفة كالمباذل الأخلاقية والأندية التي فيها المنكرات . وأمرها واضح لا يحتاج إلى بحث .
________________________________________
ـ وان كانت مرسلة ، أي غير معارضة ولا موافقة لشيء من احكام الشرع وادابه التفصيلية . فهي تصبغ ، من حيث احكامها ، بلون الآثار والنتائج التي تحققها . أي فما كان منها مؤديا الى تحقيق واحدة من سلم المصالح الخمسة التي جاء الدين لرعايتها ( الدين والحياة والعقل والنسل والمال) فهو من قبيل السنة الحسنة ، ثم أنه يتفاوت ما بين الندب والوجوب ، حسب شدة الحاجة اليه لتحقيق تلك المصلحة ، اذ قد يكون من ضرورياتها الذاتية وقد يكون من حاجياتهم الاساسية ، وقد يكون من تحسيناتها المفيدة 000 وما كان منها متسببا إلى هدم واحدة من تلك المصالح أو الأضرار بها ، فهو من نوع السنة السيئة ، ثم إن درجة سوئه تتفاوت حسب مدى الضرر الذي قد يلحقه بتلك المصلحة ، فقد يكون مكروها وقد يصبح محرما . إما ما كان منه بعيدا عن أي تأثير ضار أو من قبيل العفو ، كما يعبر بعضهم . وإذا استوعبنا هذه الحقيقة أدركنا أنه ليس ثمة ما يسمى بالبدعة الحسنة ، كما توهم ذلك بعض الباحثين . بل البدعة لا تكون ألا ضلالة قبيحة ، وذلك لضرورة أنها تعني التزيد على الدين والإضافة اليه . وهو لا يمكن أن يكون حسنا بحال من الأحوال . وانما يدخل هذا الذي توهموه ( بدعة حسنة ) فيما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة الحسنة ، وهو ما اصطلح الأصوليون على تسميته فيما بعد بالمصالح المرسلة .
ومن أمثلة هذه السنة الحسنة تلك الاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة ، كبدء العام الهجري ، ومولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وعند ذكرى الإسراء والمعراج ، وذكرى فتح مكة وغزوة بدر ، ونحوها ، مما يتوخى من تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين ، سواء على مستوى الضرورات أو الحاجيات أو التحسينات .
ومن المفزوع منه أن ذلك كله مشروط بالا تستتبع هذه الأعمال آثارا ضارة تودي بجدوى ما حققته من المصالح أو تلحق الضرر بمصلحة مقدمة عليها .
((المولد )) ليس بدعة
________________________________________
هذا ما نعتقد أنه المنهج العلمي الذي لا بديل عنه ؛ عند الخوض في ذكر البدع ومحاربتها وجذب الناس عنها . ولا ريب أن أتباع المنهج العلمي يوصلنا إلى هذا القرار:
إن احتفالات المسلمين بذكرى مولده عليه الصلاة والسلام والمناسبات المشابهة ،لا تسمي بدعة قبل كل شيء . لأن أحدا من القائمين على أمرها لا يعتقد أنها جزء من جوهر لدين وأنها داخلة في قوامة وصلبه ،بحيث إذا أهملت أرتكب المهملون على ذلك وزرا. وإنما هي نشاطات اجتماعية يتوخي منها تحقيق خير ديني .
ثم أنها لا تدخل تحت ما يسمى بالسنة السيئة أيضاً ، أن روعي في أقامتها أن تخلو من الموبقات وأن تهذب عن كل ما قد يعود على الخير المرجو منها بالنقض أو الإفساد .
وإذا رأينا من يخلطها بما يسيء إلى نتائجها ، فأن التنبيه يجب أن يتجه إلى هذا الخلط ، لا إلى جوهر العمل بحد ذاته وإلا فكم من عبادة صحيحه مشروعة يؤديها أناس على غير وجهها فتؤدي إلى نقيض الثمرة المرجوه منها أفيكون ذلك مبررا للتحذير من أدائها والقيام بها ؟
نعم أن اجتماع الناس على سماع قصة المولد النبوي الشريف ، أمر استحدث بعد عصره النبوه بل ما ظهر إلا في الأوائل القرن السادس الهجري ولكن أفيكون ذلك وحده كافيا لتسميته بدعة والحاقه بما قال عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام : كل من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ؟ أذن فليجردوا حياتهم من كل ما استحداث بعد عهده عليه الصلاة والسلام – أن كانوا يستطيعون – فأن كل ذلك من البدع !! .
أقول بعد هذا كله : فلنفرض أننا مخطئون في فهم (( البدعة )) على هذا النحو وأن الصواب ما يقوله الآخرون من أن كل ما استحداثه الناس حتى مما لا يدخلونه في جوهر الدين وأحكامه ، بدعة محرمه ، فان المسألة تغدو عندئذ من المسائل المختلف المتخلف في شأنها والخاضعة للاجتهاد .
________________________________________
ومما هو معروف في آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن القائم بهذا الشأن ينبغي ( كلما وقف في موقف عام ) أن ينهي عن المنكرات المجمع على أنها كذلك ، ولا ينصرف عنها إلى النهي عما اختلف فيه المسلمون من المسائل الاجتهادية التي لا يكلف المجتهدون فيها بأكثر من الوقوف عندما قضت به اجتهاداتهم وفهومهم إذ الإمعان في النهي عن هذه المسائل لا يمكن أن ينتهي إلا إلى أثره أسباب الشقاق وتصديع وحده المسلمين وبث عوامل البغضاء فيما بينهم .
وأن في حياتنا ومن حولنا من المنكرات الشنيعة والمفاسد الخطيرة التي لا خلاف في مدى جسامتها وسوء آثارها ما يكفي الصف للقضاء عليها فلماذا نتشاغل عن هذا الذي اجمعت الأمة على أنه من المنكر الذي لا عذر في السكوت ثم نشتغل بالانتصار لاجتهاداتنا الشخصية ومحاربة ما يقابلها ويكافئها من الاجتهادات الأخرى ؟ ( أ . هـ) مقال الدكتور البوطي .
( خاتمه )
________________________________________
بحمده تعالى وفضله ومعونته وتوفيقه تم هذا الكتاب وأسأله تعالى أن يتقبله ويجعله فيه النفع وتقريب قلوب أمة حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وكلمتهم على الحق الذي أرسله تعالى به وهداه إليه ، لأنني حرصت فيه على تلمس وتقديم الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال وأعمال السلف الصالح رضوان الله عليهم كما حرصت على التزام أداب الأسلام وأحكامه فيما يتصل بأسلوب وطريقة الرد على المخالفين ومحاورتهم بالتي هي أحسن موقناً بأن ( الحكمة ضألة المؤمن ) وأنهم سوف يفيئون إلى الحق ويقبلونه متى عرفوه وأهتدوا أليه بأدلته الجليه الواضحة – فقد أن الأوان لهؤلاء الأخوان أن يرفعوا ( الحاجز النفسي ) الكثيف بينهم وبين جمهور المسلمين م نأهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي الرحيب وقد أن الأوان لأن يحج المسلم ويزور قبر نبيه صلى الله عليه وسلم ومسجده الشريف تحيطه عيون المودة والمحبة والأخاء وكيف ننتظر أن ننتصر على أعدائنا من اليهود والنصاري والمجوس وأعوانهم ونحن تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتى يبدع ويشرك ويكفر بعضنا بعضا والله سبحانه وتعالى يقول ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
والله تعالى من وراء القصد وهو ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به وهو المستعان وعليه التكلان وله الحمد في الأولي والآخرة صلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
أعده وكتبه ( الفقير إليه تعالى )
يوسف السيد هاشم الرفاعي
ص . ب (420) الصفاة
المنصورية – الكويت
موقع الطريقة القادرية – زاوية المكتبة الصوفية القادرية
________________________________________

التيسير والظفَر في التفضيل بين الملَك والبشر – عبد الكبير الإدريسي الكتاني

كتاب
التيسير والظفَر
في التفضيل بين الملَك والبشر

للطود الراسخ. والشهم الشامخ. الإمام الأشهر. الشيخ الأكبر
أبي الفيض سيدي محمد محيي الدين ابن الإمام أبي المكارم
الشيخ سيدي عبد الكبير. الإدريسي الكتاني الأثري
رضوان الله عليهما في الدارين…آمين

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

سئل كاتبه محمد بن عبد الكبير الكتاني عن مسألة؛ وهي: هل البشر أفضل من الملائكة أم الملائكة أفضل؟. فأجاب:

[تمهيد]
اعلم أنه قد اضطربت نقول العلماء فيمن هو أفضل بعد نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من المرسلين والملائكة. فتكلم كل بما ظهر له، وتشجع كل بما سنح وأُوضح له، وكل أخذ ذلك من قرائن الأحوال، ظواهر الكتاب والسنة الذي عليهما الاعتقاد وهم الكمال والإكمال. وسبب ذلك: عد نص صريح، أو قول من الأقوال اعتمد عليه بلا ترجيح.
فإذا علمت هذا وتقرر في ذهنك، وفهمته على ما هو عليه وخرج وراء عقلك؛ فلنصور الجواب بكلام أهل الأصول؛ إذ هم الأيمة الأعلام والعلماء الفحول، ثم بكلام أهل العلم والتحقيق، الذي ليس بع تحقيقهم تحقيق ولا تدقيق، ثم بكلام أهل الله وهم الصوفية، الذي عليهم التويل وهم الأجلة الأيمة.

[تحرير المسألة عند الأصوليين]
فنقول: قال الإمام صفي الدين ابن أبي منصور: “الذي نعتقده: أن جميع الرسل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة بأسرها، على خلاف بيننا وبين المعتزلة، وأن خواص الملائكة أفضل من عمم النبيين، وأن عموم النبيئين أفضل من جملة الملائكة، وأن عموم الملائكة أفضل من عموم المؤمنين؛ كل نوع يُتبَر فضله بما يقابله من النوع الآخر”.
“وأن النبوءات فاضلة بالمقام فضلا يشمل واسعهم وضيقهم؛ فليس لأحد عهم مشاركة بالمقام النبوي إلا بحكم الإرث التبعي”.
وقال كمال [2] الدين ابن أبي شريف في حاشيته على شرح “جمع الجوامع”: “الأفضل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: الأنبياء ثم الملائكة العلوية”. انتهى.
وقال صاحب “المواقف”: “لا نزاع في أن الأنبياء أفضل من الملائكة السُفلية الأرضية، وإنما النزاع في الملائكة العُلْوية السماوية”. انتهى.
وقال العلامة البرماوي رحمه الله: “الأنبياء من بني آدم كالرسل وغيرهم: أفضل من الملائكة، وخواصهم كالأنبياء أفضل من خواصهم، وعوامهم أفضل من عوامهم، وبنات آدم أفضل من الحور العين”. انتهى.
قال شيخ السنة الإمام البيهقي رحمه الله: “والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة، وعوام البشر أفضل من عوام الملائكة”. يعني: الصلحاء من البشر أفضل من الصلحاء من الملائكة.
وقال الإمام النسفي في عقيدته مانصه: “ورسل البشر أفضل من رسل الملائكة، ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة”. انتهى.
وقال القَسْطَلّاني في “المواهب اللدُنِّيَّة” مع شارحه الزرقاني: “واختلف: هل البشر أفضل من الملائكة أم الملائكة أفضل؟…ثالثها: الوقف. واختارخه الكيا الهرّاسي فقال: جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم – وهم: الأنبياء – أفضل من خواص الملائكة. واختاره الإمام فخر الدين في “الأربعين”. وفي “المحصِّل” قال ابن المنير: وفضلهم باعتبار الرسالة والنبوءة، لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية بمجردها، وإلا لكان كل البشر أفضل من الملائكة. معاذ الله”[3].
“وذكر الإمام فخر الدين أن: الخلاف في التفضيل بمعنى: أيهما أكثر ثوابا على الطاعات، ورد بذلك احتجاج الفلاسفة على تفضيل الملائكة بأنها نورانية عُلوية، والجسمانية ظلمانية سفلية، وقال: هذا لم يلاق محل النزاع. وبهذا يزول الإشكال في المسألة. وخواص الملائكة هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وحملة العرش، والمقرَّبون والكَروبيون والروحانيون. وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. أي: الصلحاء. قال التفتازاني: بالإجماع، بل بالضرورة؛ لعصمتهم جميعهم”.
“قال السيوطي: لكن رأيت لطائفة من الحنابلة أنهم فضلوا أولياء البشر على خواص الملائكة، وخالفهم ابن عقيل من أيمتهم، وقال: إن ذلك شناعة عظيمة عليهم، وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة، وجزم به الصفار والنسفي كلاهما من الحنفية. وذكر البلقيني أنه: المختار عند الحنفية، ومال إلى بعضه؛ وهو: أنه قد يوجد من أولياء البشر من هو أفضل من غير الخواص من الملائكة، وذهب الأكثرون إلى تفضيل جميع الملائكة على أولياء البشر، وجزم به ابن السُبكي في “جمع الجوامع” وفي منظومته”.
“والمراد بعوام بني آدم هنا: الصلحاء، لا ما اشتهر أنهم: مقابل العلماء، ولا ما في الأصول أنهم: خلاف المجتهدين لا الفسقة، كما نبه عليه العلامة كمال الدين ابن أبي شريف المقدسي. قال: ونص عليه البيهقي في “الشعب”، وعبارته: قد تكلم الناس قديما وحديثا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب الذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة [4]، والأولياء من البشر – قال السيوطي: وهم من عدا الأنبياء – أفضل من الأولياء من الملائكة – وهم: من عدى خواصهم كما أفاده السيوطي – انتهى كلام البيهقي”.
قال الزرقاني: “وإنما يوافق دعواهبتأويل أولياء البشر بالصلحاء الذين لا كبيرة لهم، ولا إصرار على صغيرة، لا بما عرفه التفتازاني أنه: العارف بالله وصفاته حسبما يمكنه، المواظب على الطاعات، المجتنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات”…انتهى.
قال القسطلاني: “وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة – أي: أهل السنة – كأبي إسحاق الإسفرائني والحاكم أبي عبد الله إلى تفضيل الملائكة، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله الحليمي، واختاره أيضا: الإمام فخر الدين في “المعالم”، وأبو شامة. قال البيهقي: وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول، والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به”. انتهى.

[أدلة من فضلوا الملائكة والجواب عنها]:
وتمسكوا بوجوه:
الأول: أن الملائكة أن الملائكة أرواح مجردة. قال الأموي: “هذا غير مُسلَّم، بل أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذا المفهوم ليس بمُسَلَّم”. انتهى.
كاملة بالعقل، مبرأة عن مباديء الشرور والآفات؛ كالشهوة والغضب والخيال والوهم، وعن ظلمات الهيولى والصورة. قوية على الأفعال العجيبة، لا تستثقل محل الأثقال، ولا تستصعب نقل الجبال، والرياح تهب بتحريكها، والسحاب تعرض وتزول بتصرفاتها، والزلازل تطوى بقوتها، عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط؛ لأنهم ناظرون إلى اللوح المحفوظ أبدا؛ فيعلمون ما وجد في الماضي وما سيوجد في المستقبل.
والجواب: أن مبنى ذلك الذي احتجوا به علا الأصول الفلسفية [5]؛ إذ هم القائلون بأنهم أرواح مجردة دون الأصول الإسلامية.
الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر؛ يتعلمون ويستفيدون منهم، بدليل قوله تعالى: {علمه شديد القوى}. [**/ **]، في جبريل، وقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين. على قلبك..}. [**/ **]، ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم.
والجواب: أن التعليم إنما هو من الله، والملائكة إنما هم مبلغون.
الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على الأنبياء؛ كقوله: {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}. [**/ **]، {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}. [**/ **]، وما ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة، لأن العرف شاهد بفضيلة المتقدم في الذكر، والأصل: تنزيل الشرع عليه، ويدل عليه: قول عمر القائل: “كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا، لو قمت الإسلام لأعطيتك!”.
والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوفود، أو لأن وجودهم أخفى، فالإيمان بهم أقوى، وبالتقديم أولى.
الرابع: قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون}. [**/ **]، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة من عيسى، إذ القياس في مثله: الترقي من الأدنى إلى الأعلى. يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا كذلك، فدل على فضل الملائكة على الأنبياء. ثم لا قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام.
لكن قد اعترض الفخر هذا الإشكال بوجوه: “بأن محمدا أفضل من المسيح، ولا يلزم من فضل الملائكة عليه فضلهم على محمد صلى الله عليه وسلم”.
“وبأن قوله: {ولا الملائكة المقربون}، صيغة جمع تتناول الكل، فتفيد أن مجموعهم أفضل من المسيح [6] لا أن كل واحد أفضل منه”.
“ولأن الواو حرف عطف؛ فتفيد الجمع المطلق لا الترتيب…”. انتهى باختصار.
قال القسطلاني: “والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له؛ لأنه مجرد لا أب له، وكان يبريء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بخلاف سائر العباد من بني آدم. فرد الله عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى؛ وهم: الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله تعالى، فالترقي والعلو إنما هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة في الاية على أفضلية الملائكة”. انتهى.
قال الزرقاني في شرح “المواهب”: “والقول الثالث: الوقف. حكاه الكلاباذي عن جمهور الصوفية. قال شارحه القونوي: وهو أسلم الأقوال، والسلامة لا يعدلها شيء، كيف وأدلة الجانبين متجاذبة وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها؟”.
“فالصواب: تفويض علمها إلى الله، واعتقاد أن الفضل لمن فضله الله ليس بشرف الجوهر؛ ليقال: الملائكة أفضل لأن جوهرهم أشرف؛ فإنهم خلقوا من نور وخلق البشر من طين وأصل إبليس وجوهره – وهو: النار – أشرف وأصفى من جوهر البشر، وما أفاده ذلك فضلا، ولا بالعمل؛ ليقال: عمل الملائكة :ثر، لأن إبليس أكثر عملا أيضا”.
“وقال في “منع الموانع” عن والده: ليست المسألة مما يجب اعتقاده ويضر الجهل به، ولو لقي الله سادجا منها بالكلية؛ لم يأثم”.
“قال القاضي تاج الدين: فالناس ثلاثة [7]:
رجل عرف أن الأنبياء أفضل، واعتقده بدليل.
وآخر جهل المسألة ولم يشتغل بها. وهذان لا ضرر عليهما.
وثالث قضى بأن الملائكة أضل، وهذا على خطر”.
“وهل من فضل الأنبياء على خطر؟. فالساذج أسلم منه، أو لأنه لاصابة الحق – إن شاء الله – ناج من الخطر، هذا موضع نظر، والذي كنت أفهمه عن الوالد: أن السلامة في السكوت، وأن الدخول في التفضيل بين هذين الصنفين الكريمين كذب على الله بلا دليل قاطع، ودخول في خطر عظيم، وحكم في مكان لسنا أهلا للحكم فيه، وجاءت أحاديث مشيرة إلى عدم الدخول في ذلك؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوني على يونس بن متّى. ونحوه، ولا خلاف أنه أفضل منه، فلعله إشارة إلى أنكم لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وما للسوقة والدخول بين الملوك. أعني بالسوقة: أمثالنا، وبالملوك: الأنبياء والملائكة. انتهى. وقد بسط في “الحبائك” المسألة”. انتهى من الزرقاني مع مصنفه بلفظهما.
وقال الشعراني في “اليواقيت والجواهر” ما نصه: “وأما عبارة الشيخ محيي الدين؛ فقال في الباب الثالث والسبعين من “الفتوحات”: اعلم أن المختار: عدم التفاضل بين المرسلين على التعيين بالعقل، مع إيماننا بأن بعضهم أفضل من بعض عند الله تعالى. إذ الخوض في مقام المرسلين غير محمد صلى الله عليه وسلم من الفضول. فعُلم أنا نعتقد تفاضلهم على الإبهام ولا بد؛ لقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}. [**/ **]، ولم يعين لنا من هو الأفضل. ومعلوم أنه: لا ذوق لنا في مقامات الأنبياء حتى نتكلم عليها، وغاية أمرنا: أن نتكلم بحسب الإرث المناسب لمقامنا. وأين المقام من [8] المقام؟!”.
“فلا ينبغي أن يتكلم في مقام الرسول إلا الرسول، ولا في مقام الأنبياء إلا نب، ولا في مقام الوارثين إلا رسول أو نبي أو ولي، أو من هو منهم، هذا هو الأدب الإلهي، ولولا أن محمدا أخبرنا أنه سيدي ولد آدم؛ لما ساغ لنا أن نفضله بعقولنا…”.
“وقال في الكلام على صلاة الجمعة من “الفتوحات”: لقد أطلعني الله تعالى على من الأفضل بعد محمد صلى الله عليه وسلم من الرسل على الترتيب، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تفضلوا بين الأنبياء. لعينت ذلك، ولكن تركته لما يؤدي إليه من تشويش بعض القلوب التي لا كشف عند أصحابها. ولكن من وجد نصا صريحا أو كشفا محققا قال به. انتهى”.
“وقال في الباب الثاني والستين وأربعمائة: لا تعرف مراتب الرسل والأنبياء إلا من الخام العام الذي يختم الله به الولاية المحمدية في آخر الزمان؛ وهو: عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. فهو الذي يترجم عن مقام الرسل على التحقيق؛ لكونه منهم. وأما نحن؛ فلا سبيل لنا إلى ذلك. انتهى”.
“وقال في شرحه لــ: “ترجمان الأشواق”: لا ذوق لنا في مقام الأنبياء حتى نتكلم عليه، إنما نراه كما نرى النجوم في الماء. انتهى”.
“وسمعت سيدي عليا الخوّاص رحمه الله يقول: الخوض في تفاضل الأنبياء على التعيين من غير كشف فضول، فإن نحو قوله: {منهم من كلم الله}. [**/ **]، وقوله: {اتخذ الله إبراهيم خليلا}. [**/ **] لا يؤخذ منه تفضيل أحدهما على الآخر على القطع؛ للجهل بأي المقامين أفضل: الخُلة أو الكلام. انتهى”.
“وسمعته – أيضا – يقول: من فاضل بين الرسل بعقله؛ فقد صدق عليه أنه فرق بين الرسل، وقد قال تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله}. [**/ **]، وإن كان المراد بالتفريق عند المفسرين: افيمان ببعض والكفر ببعض. فافهم [انتهى]. وذكر نحو الشيخ محيي الدين في [9] الباب الثالث والسبعين من “الفتوحات””. انتهى.
وقال الشعراني أيضا بعد كلام: “وأما التفاضل والخلاف المنسوب بين الأشعرية والمعتزلة من قولهم: الملك أفضل من خواص البشر، وعكسه؛ فقد قال الشيخ محيي الدين في كتابه: “لواقح الأنوار”: لم يظهر لي وجه الخلاف في التفاضل بين خواص البشر والملائكة؛ لأن من شرط التفاضل: أن يكون بين جنس واحد، والبشر والملك جنسان، فلا يقال مثلا: الحمار أفضل من الفرس، وإنما يقال: هذا الفرس أشرف من هذا الحمار!. اللهم إلا أن يقال: إن التفاضل حقيقة إنما هو في الحقائق التي هي: الأرواح، وارواح البشر ملائكة، فالملك إذا جزء من الإنسان، فالكل من الجزء، والجزء من الكل. هــ. فليتأمل هذا وما قبله من كلامه وليحرر”. هــ.
وقال في الباب السابع والأربعين من “الفتوحات”: “مما غلط فيه جماعة: قولهم: إنما كان ابن آدم أفضل من الملك؛ لكون ابن آدم له الترقي في العلم، والملك لا ترقي له. ولم يقيدوا صنفا ولا مرتبة من المراتب التي يقع بها التفاضل إلا كون ابن آدم يترقى بخلاف الملك…”.
“قال: وسبب غلطهم: عدم الكشف، ولو كشف لهم؛ لرأوا الترقي في العلم لازما لكل حيوان من الإنس والجن والملائكة…وغيرهم ممن اتصف بالموت دنيا وبرزخا وآخرة. ولو أن الملائكة لم يكن لها ترق في العلم، وحرمت المزيد فيه؛ ما قبلت الزيادة من آدم حين علمها الأسماء كلها، فإنه زادهم علما إلهيا بالأسماء لم تكن عندهم، فسبحوه تعالى وقدسوه”.
“فإن قلت: فإذًا؛ الملائكة مساوون لنا في الترقي في العلم”.
“فالجواب: نعم؛ بخلاف الترقي بالعمل، فلا أعمال لهم يترقون بها، كما لا نترقى نحن في الجنة بالأعمال التي نفعلها هناك؛ لزوال التكليف. فنحن وإياهم في ذلك سواء”. انتهى.
قال ابن العربي بعد كلام طويل [10]:
وليس يدرك ما قلنا سوى رجل قد جاوز الملأ العـــلوي والرسلا
ذاك الرســـول رسول الله أحمدنا رب الوســـيلة في أوصـــافه كملا
فإياك أن تنسب للشيخ القول بتفضيل الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم”. انتهى من “اليواقيت” باختصار جدا. وبقي كلام آخر طويل نقله الشعراني عن الشيخ أفضل الدين في “الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر” فانظره إن شئت.
قلت: وهذا الخلاف في غير نبينا سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال الزرقاني في شرح “المواهب اللدنية”: “أما هو؛ فأفضل الخلق إجماعا، لا يفضل عليه ملك مقرب ولا غيره، كما ذكره الرازي وابن السبكي والسراج البلقيني والزركشي…”. انتهى. وكذا حكى الأبّي وغيره الإجماع عليه.
وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، بحيث من أنكره فهو كافر؛ لقول ابن السُّبْكي: “خاتمة: جاحد المجمع عليه، المعلوم من الدين بالضرورة؛ كافر قطعا”. انتهى منه باختصار.
وقال النسَفي في عقائده: “وأفضل الأنبياء: محمد صلى الله عليه وسلم”. انتهى. منه بلفظه. وقال المقَّري رضي الله عنه وأرضاه، ونفعنا به:
نبينا أفضــــــــــــل بالإطباق من كل مخلوق على الإطلاق
وقال اللقاني في “الجوهرة”:
وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا؛ فمـــــل عن الشقــاق
قال شارحه عبد السلام: “المراد منه: العموم الشامل للعلوية والسفلية من البشر والجن والملك، في الدنيا والآخرة، في سائل خصال الخير ونعوت الكمال”. انتهى منه بلفظه.
قال العلامة عبد السلام: “وأفضليته صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقات مما أجمع المسلمون عليه، وهو مستثنى من الخلاف في التفضيل بين الملك [والبشر]؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: [أنا] أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر. وأن أمته أفضل الأمم؛ لقوله تعالى: {كنتم خير أمة [11] أخرجت للناس}. [**/ **]، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}. [*/ **]، أي: عدولا وخيارا. ولا شك أن أخيَريَّة الأمة إنما هي بحسب كمالها في الدين، وذلك تابع لكمال نبيها الذي تتبعه، فتفضيلها تفضيل له”.
“وأما قوله عليه الصلاة والسلام: لا تخيروني على موسى، ولا تفضلا بين الأنبياء. ونحوه؛ فمعناه: لا تخيروني تخيير مفاضلة في تفضيل يقتضي نقص المفضَّل عليه ولا يحتاج إلى أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل؛ لأنه مجرد احتمال كما قاله ابن اقْبرَسٍ، ويحتمل أنه قاله تأدبا وتواضعا”.
“فالواجب على كل مكلف اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الجميع؛ فيعصي منكره ويؤدب. إذا عرفت هذا الحكم المجمع عليه؛ فمل عن الشقاق – أي: المنازعة – فيه، واجزم به معتقدا صحته؛ لأنه لا يجوز الإقدام على خرق الإجماع”. انتهى منه بلفظه.
قلت: والخارق للإجماع هو: صاحب “الكشّاف” حيث قال بتفضيل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا التفات إليه. قال الزرقاني في شرح “المواهب”: “وما في “الكشّاف” من تفضيل جبريل؛ قال بعض المغاربة: جهل الزمخشري مذهبه؛ فإن المعتزلة مجمعون على تفضيل المصطفى. نعم؛ قيل: إن طائفة منهم خرقوا الإجماع – كالرمّاني – فتبعهم”. انتهى منه بلفظه.
قلت: وبما قدمناه عن الأبي من نقل الإجماع على تفضيل المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال: “إنه معلوم من الدين بالضرورة”، وأيدناه بكلام السبكي: “إن منكر المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعا”؛ يعلم قول العلامة عبد السلام: “فيعصي منكره ويؤدَّب”. هـ.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تفضلوني على يونس بن متّى”؛ فقال العلامة ابن سلطان في “شرح الشفا” ما نصه: “وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأجوبة؛ منها: أنه قاله تأدبا وتواضعا، ومنها: أنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضلهم؛ فلما [12] علم؛ قال: أنا سيد ولد آدم. وفي البخاري: أنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر. ومنها: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة كما ثبت سببه في “الصحيح” بورود: لا تفضلوني على موسى. كما سيجيء”.
“ومنها: أنه نهى عن تفضيل إلى نقص، لا عن كل؛ لثبوته في الجملة كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات}. [**/ **]. ومنها: أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوءة لا في ذوات الأنبياء وعموم رسالتهم، وزيادة خصائصهم ومزية حالاتهم، وهو معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم على ما رواه الشيخان: لا تفضلوا بين الأنبياء”. انتهى منه بلفظه.
وقال ابن جزي في تفسيره عند قوله تعالى: {تلك الرسل…}، ما نصه: “نص في التفضيل في الجملة من غير تعيين مفضول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء، ولا تفضلوني على يونس بن متى؛ فإن معناه: النهي عن تعيين المفضول لأنه تنقيصه، وذلك غيبة ممنوعة”. انتهى منه باختصار.
وقال العلامة العارف ابن عجيبة بعد كلام: “ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء، ولا تفضلوني على يونس بن متّى. فإن معناه: النهي عن تعيين المفضول؛ لأنه غيبة وتنقيص”. انتهى منه بلفظه في تفسيره.
وقال الزرقاني في شرح “المواهب” نقلا عن القاضي تاج الدين السبكي: “إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوني على يونس بن متى. أن المراد به: لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وإلا؛ فنحن قاطعون بأنه أفضل من يونس عليهما الصلاة والسلام. بالمعنى. ونقله عبد السلام في شرح “الجوهرة””. انتهى.
هذا حاصل ما لهم، وما فيهم، وما منهم، وما لهم. وكتبه عبد ربه: محمد بن عبد الكبير الكتاني، منحه الله دار التهاني بمنه…آمين.

قال ناسخه الإمام الباقر الكتاني رضي الله عنه: “قال شقيقي الشيخ محمد المهدي الكتاني عقبه: وألفه وهو ابن ست عشرة سنة بفضل من الله، والحمد لله وله المنة. انتهى”.
“قلت: قرأت في “شذرات الذهب” في ترجمة الإمام العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791، نقلا عن بعضهم: أن السعد المذكور فرغ من تأليف شرح الزنجاني حين بلغ ست عشرة سنة. انتهى من ص320 ج6″.

الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)

الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية
المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)
الدُّرَّةُ الْمُضِيَّة
في الرَّدِّ علَى ابنِ تَيمِيَّة
تصنيف
الإمام الفقيه الأصولي المجتهد النظَّار
تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي
السبكي الأنصاري الشافعي
رحمه الله تعالى
(683 – 756 هـ)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
والصلاة والسلام على سيدنا محمَّدٍ الذي نصر دينه بالجلاد والجدال، وتكفَّلَ لأمَّته أن لا يزالوا على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرَهم الدجال، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الذين وصفهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وألحق التابعين بإحسان في رضاه بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد …
فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا أول للمخلوقات[1]!!، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة[2].
وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون[3]، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل.
وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث.
وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب[4]!!
———————-
[1] وقد ردَّ عليه في هذه المسألة الإمام الإخميمي، في رسالة مفردة، مطبوعة مع تعليقات نفيسة للأستاذ العلامة سعيد فودة حفظه الله تعالى، ومنشورة على صفحات الانترنت في موقع الإمام الرازي. (جلال)
[2] للاطلاع على آراء ابن تيمية العقائدية، والوقوف على ما خالف فيه أهل السنة والجماعة، انظر لزاماً (الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية) تصنيف الأستاذ العلامة أبي الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى، وهو مطبوع، وقد امتاز عن غيره من الكتب بالدِّقة والتحقيق، وقد اشترط أن كل رأي ينسبه إلى ابن تيمية ينقل فيه عدة نقول من كلامه من كتبه المتفرقة، ولذا لم يستطع مدافعوه أن يجيبوا عمَّا فيه، ولا أن يشاغبوا عليه، ولا يغرنك في هذا الباب الدعاية الكبيرة التي حظي بها ابن تيمية في هذا العصر، فلذلك أسبابه السياسية المعروفة. (جلال)
[3] وذلك أنهم يمنعون البحث في مسائل العقائد، ويعتبرون الحديث عنها من البدع المحدثة في الدين، مع أن ابن تيمية قد غاص في مذموم الكلام بغير إتقان، ففاه بما لا يقبله شرع، ولا يصدق به عقل صحيح، ولا يغرنك دعاوى التحقيق في مقلديه اليوم، فجلهم لا يتقن علوم العقائد، وعند المباحثة يتجلى مدى ما هم عليه من زيع، والله المستعان. (جلال)
[4] حتى تعدى ذلك إلى زماننا، رغم بعد الزمان، فدعا أهلُ الجهل إلى ترك أحكام الطلاق بالجملة، وسهلوا على الناس عدم إيقاعه لأدنى خلاف شاذ أو قول باطل لا اعتداد به، فأحلوا الفروج المحرمة، وخالفوا أمر الله تعالى في هذا الباب.
وقد تصدى الإمام الكوثري رحمه الله تعالى لبعض هذه المحاولات في كتابه (الإشفاق على أحكام الطلاق)، بين فيها مدى خطورة الأمر، ودحض بالدليل والبرهان تسهيلات المتساهلين، رحمه الله تعالى. (جلال)
________________________________________
وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء.
ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين وأهل البلاد البرَّانية، ولبَّس عليهم مسألة اليمين بالطلاق حتى أوهمهم دخولها في قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية، وكذلك في قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم).
فعسر عليهم الجواب وقالوا: هذا كتاب الله سبحانه!!
وبقي في قلوبهم شُبَهٌ من قوله، حتى ذاكرني بذلك بعض المشايخ ممن جمع علماً وعمَلاً، وبلغ من المقامات الفاخرة الموصلة إلى الآخرة أملاً، ورأيتُه متطلعاً إلى الجواب عن هذه الشبهة، وبيان الحق في هذه المسألة على وجه مختصر يفهمه من لم يمارس كتب الفقه ولا ناظر في الجدل، فكتبت هذه الأوراق على وجهٍ ينتفع به من نوَّر الله قلبه وأحب لزوم الجماعة، وكره تبعية من شذَّ من الشياطين، وبالله أستعين وعليه توكلتُ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد رتبت الكلام على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان حكم هذه المسألة.
الفصل الثاني: في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور.
الفصل الثالث: في الجواب عن ذلك الاستدلال بخصوصه تفصيلاً.
الفصل الأول
[بيان مجمل عن أنواع الطلاق]
اعلم أن الطلاق يقع على وجهٍ محرَّمٍ، ويسمى طلاقَ البدعة، كالطلاق في الحيض، وعلى وجهٍ غير محرم ويسمى الطلاق السني.
وقد أجمعت الأمة على نفوذ الطلاق البدعي كنفوذ السني، إلا ما يحكى في جمع الثلاث على قولنا إنه بدعي، فإذا طلق امرأته على الوجه المنهي عنه، وهذا ليس فيه بين الأمة خلافٌ يعتبر.
إلا أن الظاهرية الذين يخالفون الإجماع في مسائل من الطلاق وغيره خالفوا في هذه المسألة، وهم محجوجون بالإجماع[1] والحديث، فقد طلَّق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء)، وهو في الصحيحين.
وفي لفظٍ قال ابن عمر: (فطلقها وحسبت لها التطليقة التي طلقها)، وهو في الصحيح، مع أن أهل الظاهر يقولون لو طلقها في الحيض ثلاثاً نَفَذَ، وكذلك لو طلقها في طُهرٍ مسها فيه.
والقصدُ أن الطلاق في الحيض على وجه البدعة نافذٌ على ما دلَّ عليه الحديث المذكور.
—————————-
[1] وولع مبتدعة العصر ومدعو الاجتهاد ممن لم يحقق شروطه ولا شم رائحته، بإنكار حجية الإجماع، والتقليل من شأنه، ظاهرٌ في كل كتاباتهم، وما فتئوا يصيحون بعدم حجيته وعدم إمكانية وقوعه، وكل ذلك باطل عند علماء الأصول، كما تجده مفصلاً في تلخيص إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب الأصول. (جلال)
________________________________________
وما ورد في بعض روايات هذا الحديث أن عبد الله بن عمر قال: (فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً) متأوَّلٌ عند العلماء، ومحمولٌ على معنى الرواية الأخرى.
وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير وجهٍ الاعتدادُ بتلك الطلقة وإنفاذُها عليه، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) يعني لقبل عدتهن، وقد قرئ كذلك.
والمراد أن يوقع الطلاق على وجه تستقبل المرأة العدّة بعدَه، وإذا وقع الطلاق في الحيض لم تعتد المرأة بأيام بقية الحيض من عدتها، فتطول عليها العدة.
وقيل ليطلق في الطهر فربما كان الطلاق في الحيض لعدم حل الوطء فيه.
وقد جاء في بعض ألفاظه هذا الحديث: (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، يعني في هذه الآية فقد دل الكتاب والسنة على أن الطلاق في الحيض محرم ومع ذلك فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بنفوذه والاعتداد به، وإن كان قد خالف الوجه الذي شرع الطلاق فيه، فرأينا الشرع أوقع بدعة الطلاق كما أوقع سنته، وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه، وكذلك إذا جمع الطلقات الثلاث في كلمةٍ فهو مخالفٌ لوجه السنة في قول جماعة من السلف، بل أكثرهم، ومع ذلك يلزمونه الثلاث.
وقد أتى ابنَ العباس رجلٌ فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إنَّ عمك عصى الله، فأندمه الله ولم يجعل له مخرجاً.
وعن أنس قال كان عمر رضي الله عنه إذا أتى برجل طلق امرته ثلاثاً في مجلس واحدٍ أوجعه ضرباً وفرق بينهما.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس قال: أثم وحرمت عليه امرأته.
وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما قال:من طلق امرأته ثلاثاً فقد عَصَى ربَّه، وبانت منه امرأته.
فهذه أقوال الصحابة في إثم من جمع الطلقات الثلاث لمخالفته السنة، ومع ذلك يوقعونها عليه، وما ذلك إلا لقوة الطَّلاق ونفوذه.
________________________________________
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة)، فجعل هزل الطلاق جداً.
ولم نعرف بين الأمة خلافاً في إيقاع طلاق الهازل، وما ذلك إلا لأنه أطلق لفظ الطلاق مريداً معناه، ولكنه لم يقصد حِلَّ قَيدِ نكاحِ امرأته بذلك ولا قصد إيقاع الطلاق عليها، بل هزل ولعب، ومع ذلك فلم يعتبر الشارع قصده وإنما ألزمه موجب لفظه الذي أطلقه وواخذه به، وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه.
ثم إن الطلاق يكون منجَّزاً، ويكون معلَّقاً على شرط:
فالمنجز كقوله: (أنت طالق)، والمعلَّق كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق)، وقد أجمعت الأمة على وقوع المعلَّق كوقوع المنجَّز، فإن الطلاق مما يقبل التعليق، لم يظهر الخلاف في ذلك إلا عن طوائف من الروافض.
ولما حدث مذهب الظاهرية المخالفين لإجماع الأمة المنكرين للقياس خالفوا في ذلك فلم يوقعوا الطلاق المعلّق، ولكنهم قد سبقهم إجماع الأمة فلم يكن قولهم معتبراً؛ لأن من خالف الإجماع لم يعتبر قوله، وقد سبق إجماع الأمة على وقوع الطلاق المعلق قبل حدوث الظاهرية.
وإنما اختلف العلماء إذا علَّق الطلاق على أمرٍ واقع أو مقصودٍ، كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق)، هل يتنجز الطّلاقُ من حين علَّق ولا يتأخر إلى وقوع الشرط، وهو مجيء رأس الشهر، أو يتأخر إلى مجيء رأس الشهر؟
فيه قولان للعلماء مشهوران؛ لأنه لمّا عُلِّق على شرط واقع فقد قصد إيقاع الطلاق ورضي به فتنجز من وقته.
وهذا ابن تيمية لم يخالف في تعليق الطلاق، وقد صرَّح بذلك، فليس مذهبه كمذهب الظاهرية في منع نفوذ الطلاق المعلق.
________________________________________
ثم إن الطلاق المعلَّق منه ما يعلق على وجه اليمين، ومنه ما يعلَّق على غير وجه اليمين: فالطلاق المعلَّق على غير وجه اليمين كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق) أو (إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق)، والذي على وجه اليمين كقوله: (إن كلمت فلاناً فأنت طالق) أو (إن دخلت الدار فأنت طالق) وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علَّق الطلاق على هذا الوجه ثم وجد المعلق عليه وقع الطلاق.
وهذه المسألة التي ابتدأ ابن تيمية بدعته، وقصد التوصل بها إلى غيرها إن تمت له.
وقد اجتمعت الأمة على وقوع الطلاق المعلَّق، سواء كان على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين، هذا مما لم يختلفوا فيه وإجماع الأمة معصوم من الخطأ.
وكل من قال بهذا من العلماء لم يفرِّق بين المعلَّق على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين، بل قالوا: الكلُّ يقع.
وقد لبَّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة، وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الإسلام.
وقد نقل إجماع الأمة على ذلك أئمة لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم.
فممن نقل ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه، وناهيك به فانه الإمام القرشي الذي ملأ طبق الأرض علماً، وثناء إمام هذا المبتدع الذي ينتسب إليه وهو برئ من بدعته -وهو الإمام أحمد رضي الله عنه- على الشافعي معروف، وتبعيته له ومشيه في ركابه وأخذه عنه مشهور.
وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما.
وكذلك نقله أبو ثور وهو من الأئمة أيضاً.
وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطَّبري، وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة.
وكذلك نقل الإجماع الإمام أبو بكر بن المنذر.
ونقله أيضاً الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد ابن نصر المروزي.
________________________________________
ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه (التمهيد) و(الاستذكار)، وبسط القول فيه على وجهٍ لم يبق لقائل مقالاً.
ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب (المقدمات) له.
ونقله الإمام الباجي في (المنتقى)، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصُّوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصاً عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخل فيها الكفارة، وذكرَ[1] العتقَ وذكر الأثر الذي استدل به ابن تيمية فيه، وهو خبر ليلى بنت العجماء، الذي بنى ابن تيمية حجَّته عليه وعلَّله وردَّه، وأخذ بأثر آخر صحَّ عنده، وهو أثر عمان بن حاضر، وفيه فتوى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر رضي الله عنهم بإيقاع العتق على الحانث في اليمين به، ولم يعمل بأثر ليلى بنت العجماء، ولم يُبقِ في المسألة إلباساً رضي الله عنه، بل كان قصده الحق.
وإذا كانت الأمة مجمعة على وقوع الطلاق لم يجز لأحد مخالفتهم، فإن الإجماع من أقوى الحجج الشرعية، وقد عصم الله هذه الأمة عن أن تجتمع على الخطأ فان إجماعهم صواب.
وقد أطلق كثيرٌ من العلماء القول بأن مخالف إجماع الأمة كافرٌ.
وشرطُ المفتي أن لا يفتي بقول يخالف أقوال العلماء المتقدمين، وإذا أفتى بذلك ردتْ فتواه ومُنع من أخذ بقوله.
ودل الكتاب والسنة على أنه لا يجوز مخالفة الإجماع قال الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)، فقد توعد على مخالفة سبيل المؤمنين واتباع غير سبيلهم بهذا الوعيد العظيم، ومخالف إجماع الأمة متبع غير سبيل المؤمنين فكيف يعتبر قوله.
—————————–
[1] أي الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى .
________________________________________
وقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط الخيار، والشهداء على الناس العدول عليهم، فلا يجتمعون على الخطأ.
وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا يدل على أن مجموعهم يأمرون بكلِّ معروف وينهون عن كل منكر، فلوا أجمعوا على الخطأ لأمروا ببعض المنكر ونهوا عن بعض المعروف، ومحال أن يتصفوا بذلك وقد وصفهم الله بخلافه!!
وقد ورد في الأحاديث ما يدلُّ مجموعه على عصمة جماعتهم لهن عن الخطأ والضلال، والمسألة مبسوطة مقررة في موضعها.
والقصد هنا أن الأمةَ مجتمعةٌ على وقوع هذا الطلاق، فمن خالفهم فقد خالف الجماعة وخالف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بلزوم الجماعة، وكان الشيطان معه فان الشيطان مع الواحد.
ثم إن هذا المبتدع ابن تيمية ادَّعى أن هذا القول قال به طاوس، واعتمد على نقلٍ شاذٍ وجَدَه في كتاب ابن حزم الظاهري عن مصنف عبد الرزاق.
ولم يُنقل هذا القول عن أحدٍ بخصوصه في الطلاق إلا عن طاوس كما ذكر وعن أهل الظاهر.
أما طاوس فقد صحَّ النقل عنه بخلاف ذلك، وقد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة، ونقل ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها كتاب (السنن) لسعيد بن منصور، ومنها (مصنف عبد الرزاق) الذي ادعى المخالف أن النقل عنه بخلاف ذلك، وقد وَضَحَ كذبه في هذا النقل، فإن المنقول في مصنَّف عبد الرزاق عن طاوس خلاف هذا الذي نسبه ابن تيمية، والأثر الذي نقله عن طاوس إنما ذكره عبد الرزاق في طلاق المكره، فلبس ابن حزم الظاهري النقل وتبعه هذا المبتدع.
وعن كلام طاوس لو صحَّ عنه أجوبةٌ كثيرة غير هذا مبينة في كتابنا (الرد على ابن تيمية).
________________________________________
وأما أهل الظاهر فيقولون إن الطلاق المعلَّق كلَّه لا يقع، ولم يقل ابن تيمية بذلك، وهم مخالفون للإجماع لا يعتبر قولهم، ويقولون إن الطلاق المعلَّق على وجه اليمين لا كفارة فيه، ولم يقل ابن تيمية بذلك، فهو مخالف لهم في بدعته متمسك بقولهم الذي لا يعتبر.
وقد قال ابن حزم: إن جميع المخالفين له لا يختلفون في أن اليمين بالطلاق والعتق لا كفارة في حنثه، بل إما الوفاء بالمحلوف عليه أو باليمين.
وقال هذا المبتدع: إن هذه المسألة لم يتكلم فيها الصحابة، لأنه لم يكن يحلف بالطلاق في زمانهم، ثم بعد هذا القول نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم أنهم يقولون بقوله فكذب أولاً وآخراً:
أما كذبه أولاً فلأنه قال: (إن الصحابة لم تتكلم في هذه المسألة)، وليس كذلك، ففي صحيح البخاري فتوى ابن عمر رضي الله عنهما بالإيقاع.
قال البخاري: قال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء.
وهذه فتوى ظاهرها في هذه المسألة بإيقاع الطلاق البتة إن خرجت، وهو وقوع المعلَّق عليه، وبه يحصل الحنث، فأوقع ابن عمر الطلاق على الحالف به عند الحنث في يمينه، ومن مثل ابن عمر رضي الله عنهما في دينه وعلمه وزهده وورعه وصحة فتاويه؟!
ولا يُعرَفُ أحدٌ من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى ولا أنكرها عليه، وقد قضى علي رضي الله عنه في يمين بالطلاق بما يقتضي الإيقاع، فإنهم رفعوا الحالف إليه ليفرقوا بينه وبين الزوجة بحنثه في اليمين فاعتبر القضية، فرأى فيها ما يقتضي الإكراه، فردَّ الزوجة عليه لأجل الإكراه، وهو ظاهرٌ في أنه يرى الإيقاع لولا الإكراه.
وفي (سنن البيهقي) بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق ففعلته، قال: هي واحدة، وهو أحقُّ بها، فأوقع الطلاق واحدة عند الحنث بمقتضى اللفظ ولم يوجب كفارة.
________________________________________
ومن مثل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنيف مليء علماً)، وقال: (من أراد أن يقرأ القرآن غضَّاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)، ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وقول الصحابة حجَّةٌ شرعيةٌ في قول جمهور العلماء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أنهم كالنجوم يُهتدى بهم، فلا هدي أتمَّ من هديهم.
وأما كذبه ثانياً فلأنه قال: (لم يكن يحلف بالطلاق في عهد الصحابة)، وهذه وقائع فيها الحلف بالطلاق.
ونُقلت أيضاً حكومة أخرى وقعت عند علي رضي الله عنه في رجل حلف بالطلاق أنه لا يطأ امرأته حتى يعظم ولده، بل نقل عن بعض الصحابة أنه حلف بالطلاق وهو أبو ذر رضي الله عنه لما سألته امرأته عن الساعة التي يستجاب الدعاء فيها يوم الجمعة وأكثرت فقال لها: (زيغ الشمس) يشير إلى ذراع فإن سألتني بعدها فأنت طالق، فحلف عليها بالطلاق أن لا تعاود المسألة، وفي ذلك آثار كثيرة غير هذا مذكورة في المصنَّف المبسوط.
وأما كذبه آخراً فلأنه نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم القول بأن الطلاق لا يقع، وأنه تجب الكفارة، مع اعترافه أن ذلك لم يقع في عهدهم.
وهذه مكابرة قبيحة وكذبٌ صريح، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (كل يمين وإن عظمت ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين)، فاستشنت يمين الطلاق ويمين العتاق من الكفارة.
وهذا الأثر نقله ابنُ عبد البر في (التمهيد) وفي (الاستذكار) بهذا اللفظ مسنداً، ونقلَه هذا المبتدع فأسقط منه قولها: (ليس فيها طلاق ولا عتاق) ليوهم أن عائشة رضي الله عنها تقول بالكفارة في يمين الطلاق والعتق، (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه إلا الإفتاء بالوقوع.
________________________________________
وأما التابعون رضي الله عنهم فأئمة العلم منهم معدودون معروفون، وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم، ولم ينقل هذا المبتدع عن أحدٍ منهم بعينه نصَّاً في هذه المسألة غير ما نسبه إلى طاوس، مع أنه يدعي إجماعهم على قوله مكابرة كما فعل في الصحابة.
وقد نقلنا من الكتب المعروفة الصحيحة (كجامع عبد الرزاق) و(مصنف ابن أبي شيبة) و(سنن سعيد بن منصور) و(السنن الكبرى للبيهقي) وغيرها فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد، وكلهم بالأسانيد الصحيحة أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين ولم يقضوا بالكفارة، وهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، وشريح، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وأبو مخلد.
والفقهاء السبعة فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله بن عمر وسليمان بن يسار، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدَّماً على غيرهم.
وأصحاب ابن مسعود السادات وهم: علقمة والأسود ومسروق وعبيدة السلماني وأبو وائل شقيق بن سلمة وطارق ابن شهاب وزر بن حبيش.
وغير هؤلاء من التابعين مثل ابن شبرمة وأبو عمرو الشيباني وأبو الاحوص وزيد بن وهب والحكم وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمرو.
كل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في ذلك، ومن هم علماء التابعين غير هؤلاء.
فهذا عصر الصحابة وعصر التابعين كلهم قائلون بالإيقاع، ولم يقل أحدٌ أن هذا مما يجري به الكفارة.
وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة كلها تشهد بصحة هذا القول، كأبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وابن جرير الطبري، وهذه مذاهبهم منقولة بين أيدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة.
________________________________________
فإذا كان الصدر الأول وعصر الصحابة رضي الله عنهم وعصر التابعين لهم بإحسان بعدهم وعصر تابعي التابعين لم ينقل عنهم خلاف في هذه المسألة، وهذا المبتدع يسلِّم أنَّ بعد هذه الأعصار الثلاثة لم يقل إمام مجتهد بخلاف قولنا، فكيف يسوغ مخالفة قولٍ استقر من زمن النبي صلى الله عليه وسلم والى الآن، بقولِ مبتدِعٍ يقصد نقض عرى الإسلام ومخالفة سلف الأمة ؟!
أكان الحقُّ قد خفي عن الأمة كلها في هذه الأعصار المتتابعة حتى ظهر هذا الزائغ بما ظهر به؟!!
هيهات هيهات وهذا واضح لذوي البصائر وأرباب القلوب المنورة بنور اليقين، (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين) ولكن قد عميت البصائر والناس سراع إلى الفتنة، راغبون في المحدثات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة ضلالة).
الفصل الثاني
في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور
وذلك أنَّ الناس على قسمين:
عالم مجتهد متمكن من استخراج الأحكام من الكتاب والسنة أو عامي مقلد لأهل العلم:
ووظيفة المجتهد إذا وقعت واقعة أن يستخرج الحكم فيها من الأدلة الشرعية، ووظيفة العامية أن يرجع إلى قول العلماء،
وليس لغير المجتهد إذا سمع آية أو حديثاً أن يترك به أقوال العلماء، فإنه إذا رآهم قد خالفوا ذلك مع علمهم به عَلِمَ أنهم إنما خالفوه لدليلٍ دلَّهم على ذلك، وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال: (ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وللمفسرين في الآية كلامٌ ليس هذا موضع ذكره، والقصد أنَّ غير العالم المجتهد -ولا سيما العوام-، إذا سمعوا آية فيها عمومٌ أو إطلاقٌ لم يكن لهم أن يأخذوا بذلك العموم أو الإطلاق إلا بقول العلماء، ولا يعمل بالعمومات والإطلاقات إلا من عَرَفَ الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز.
________________________________________
فإذا سمع قوله تعالى: (أو مما ملكت أيمانكم) وأخذ بعمومه في الجمع بين الأختين المملوكتين كان مخطئاً، فإذا سمع معه قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) قال: هذا يعم الأختين المملوكتين والمنكوحتين، فيتحير بأي العمومين يعمل ؟ فإذا سمع قول عثمان رضي الله عنه: (أحلتها آية وحرمتها آية والتحريم أولى)، عَلِمَ أنَّ العمل على دليل التحريم، وله ترجيحات أُخَر غير هذا يعرفها العلماء، فيعلم العامي أنه لا يمكنه الاستقلال بأخذ الحكم من الكتاب.
وكذلك إذا سمع الأدلة الدالة على تحريم اللواط والتأكيد، وسمع قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، فقد يخطر له أنَّ هذا يقتضي حل المملوك، وقد خطر ذلك لبعض الجهال، فإذا أخذ بهذا العموم ضلَّ.
وقد قال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه: إن من تأول هذا التأويل سَقطَ عنه الحدُّ، وأخطأ في هذا القول خطأً عظيماً.
وكذلك إذا سمع أنَّ قائلاً قال: يحل وطأ الزوجة في الدبر مستنداً إلى قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شيءتم)، ظَنَّ ذلك صحيحاً، وأن القرآن دلَّ على حِلِّ ذلك، وهو مخطئ؛ لأن هذا القول شاذٌّ، يقال إنه رواية عن مالك ولم يصح، والمالكية ينكرونه، وصحَّ عن مالك تحريم ذلك، والآية دالَّة على التحريم بخلاف ما يظن الجهال، فإن الحرث لا يكون إلا في موضع البذر، والحديث الصحيح في سبب نزول الآية يوضح المعنى، وهو أن اليهود كانوا يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شيءتم) أي كيف شيءتم، وفي الحديث الصحيح: (في صمام واحد)، وفي لفظٍ: (غير أن لا تأتوا في غير المأتي).
فإذا لم يجمع الإنسان بين الأدلة، وبين الكتاب والسنة، ويعرف سبب نزول الآية ومحملها، لا ينبغي أن يأخذ بظاهر من فهمه لا يعرف ما وراءه.
________________________________________
وإذا سمع العامي الحديث: (من شرب الخمر فاجلدوه) إلى أن قال في الرابعة: (فإن شربها فاقتلوه)، فعمل به وقتل الشارب في الرابعة كان مخطئاً؛ لأن الأمة أجمعت على ترك العمل بهذا الحديث.
وكذلك إذا سمع حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوف ولا مطر)، وقد رواه مسلم من طرق عدة، فيقول العامي بهذا الحديث، ولا يعلم أن الأمة أجمعت على ترك العمل به، إلا ما يروى عن ابن سيرين انه يجوز الجمع في الحضر للحاجة، وقد روى أبو العالية أنَّ عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (واعلم أنَّ جمع ما بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر)، وقد أخرجَ هذين الحديثين الترمذيّ، وقال في آخر كتابه: (ليس في كتابي هذا حديثٌ ترك العمل به بالإجماع سوى حديثين) فذكر هذين الحديثين.
وكذلك حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة، فلما رآهم عمر قد تتابعوا فيه قال: أجيزوهن عليهم، وهذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع، ومحمول عند العلماء على معان صحيحة، وقد صحت الرواية عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة.
فإذا سمعه العامي وحده وقف عنده ولم يعلم أنه معارض بما يدفعه، ومردود الظاهر بإجماع الأمة.
وأحاديث المتعة صحيحة، وقد صَحَّ فعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وصحَّ النهي عنها، فأبيحت مرتين ونسخت مرتين، فإذا سمع العامي الأحاديث الصحيحة بإباحتها ظَنَّ أنها مباحة ولم يعلم أن ذلك نسخ، وقد وقع هذا للمأمون وهو خليفة، فنادى بتحليل المتعة، فدخل عليه القاضي يحيى ابن أكثم وقال له: أحللت الزنى، وعرَّفه الحديث الصحيح في النسخ، ولم يكن سمعه، فنادى من وقته بتحريم المتعة.
________________________________________
وحديث قدامة بن مظعون رضي الله عنه صحيحٌ، وكان قد شرب الخمر فرفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه فاعترف وذكر أنه إنما شربها متأولاً قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فما طعموا) فردَّ عليه عمر وقال: (أخطأت التأويل ألم يقل الله سبحانه: (إذا ما اتقوا وآمنوا).) ولم يجعل تأويله موجباً لإسقاط الحد، بل حدَّه؛ لأنه لم يستنبط الحكم استنباطاً صحيحاً، ولكنَّه أخذ بعموم نفي الجناح في كل مطعوم وغفل عن القيد المخصص وهو قوله: (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية.
وهذا يوضح أن العمل بالعموم بمجرده من غير نظر في أدلَّة التخصيص والتقييد خطأٌ من العاملِ به، وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بذكرها.
والآية التي احتجَّ بها هذا المبتدِع وهي قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) إلى آخر الآية والآية الأخرى وهي قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إذا سمعها العامي يظن دخول يمين الطلاق في ذلك وقال: هي يمين، والله جعل في كل يمين كفارة، واعتقد صحَّة قول هذا المبتدع وتلبَّس عليه باطله، فإذا اعترف أنه لا ينبغي له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له مخصّص ويعرف ما يعارضه من الأدلة فوَّضَ الأمر إلى أهله، وعلم أن فوق كل ذي علم عليم.
وكذلك لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم ما في السنة مما يبينه أو يخصصه أو يقيِّده قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول لا أدري ما سمعنا في كتاب الله اتبعناه)..الحديث.
________________________________________
والحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا لي نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول إليه صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعضٍ وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها لم يخرجوا منها أبداً)، وقال: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)، ولم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بإطلاق قوله: (اسمعوا له وأطيعوا)، لما دلت الأدلة على أنَّ الطاعة إنما تكون فيما وافق الحق، ولا طاعة في المعصية، مع أنَّهم قد لا يكونون ممن سمع تلك الأدلة، فإن الممتنعين من الدخول فيها لم يأخذوا إلا بأنهم إنما أسلموا ليسلموا من النار، فكيف يؤمرون بالدخول فيها، فقيدوا إطلاق الأمر بالسمع والطاعة بدليل قياسي، ومع عدم علمهم بتلك الأدلة لم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل حكم باستمرارهم بالنار لو دخلوها لتقصيرهم في البحث عن الأدلة في محل الإشكال.
فمن لم يعرف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة لم يكن له أن يقف عند دليل يسمعه من غير إمام يرشده.
وقد نقل عن جماعة من الأئمة أنه ليس في القرآن عمومٌ إلا وقد دخله التخصيص، إلا قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم)، وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) إذا أريد بالوجه الذات والصفات المقدسة، حتى قالوا في قوله: (خالق كل شيء) ليس محمولاً على عمومه، بل هو مخصوص، فإن الله سبحانه شيء وليس مخلوقاً تعالى عن ذلك.
________________________________________
وفي هذا ومثله كلامٌ لا يليق بهذا الموضع، فعلمنا من ذلك أن قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) الآية، وقوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) لا يعمل بعمومه حتى ننظر فيما يخصصه أو يعارضه من كتاب أو سنة، فإذا تحقق المراد منه وأي مخرج خرج تبين ما فيه من الدليل أو عدمه.
ولكن هذا المبتدع قصده الترويج على العوامِ ومَن لا يعرف شروط الأدلة وكيفية استخراج الحكم، ويهوِّل عليهم بقوله: هذا نص القرآن وهذا قول الله، فتنخلع أفئدتهم لقوله، ولا يعلمون ما وراء ذلك.
الفصل الثالث
في الجواب عن استدلاله بالآيتين المذكورتين على وجه التفصيل
أما الآية الأولى وهي قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون).
وإنما يتم الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه.
والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة، قال الله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم).
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا) قولان:
أحدهما: أن المراد لا تجعلوا اليمين بالله تعالى متعرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، فتحلفوا لا تفعلوا ذلك، فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البرِّ والتقوى، فنهاهم الله عن اليمين على ذلك، ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع؛ ليكون طريقاً لحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح.
________________________________________
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير).
والقول الثاني: أن المراد لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم، فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء، وقوله: (أن تبروا) معناه إرادة أن تبروا، يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر.
ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم، ولا شك أن اليمين بالله تعالى مراده في الآيتين هي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلاً، فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا فإذا قال: والله لا أفعل أو والله لأفعلن فقد أكَّد عقده بهذا الاسم المعظم، كأنه يقول: إن فعلت كذا فقد خالفت موجب تعظيم ما عقدت به اليمين من الاسم المعظم، ولست معظماً له حقَّ تعظيمه.
هذا موضوع اليمين فإذا عقدها على الوجه ثم خالف موجبها وحنث فقد لزمه ما ألزم نفسه من انتهاك حرمة الاسم بالمخالفة، فجعل الله سبحانه الكفَّارة جابرة لهذا الأمر الذي ألزمه نفسه تعظيماً لاسمه المستحق للتعظيم.
وهذا أمرٌ لا يستحقه غير الله عز وجلَّ، فلا يشاركه غيره فيه، ولهذا نهي عن الحلف بغير الله عز وجل.
ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز لأحدٍ الحلف بها، ومن ههنا قال أهل الظاهر: لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله عز وجل وصفاته، ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك.
وممن قال بهذا القول الشعبي والحكم والحارث العكلي وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن، نقله ابن عبد البر وقال: هو الصواب عندنا، والحمد لله.
وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمانٍ غيرها، لكن على سبيل الإلحاق بها؛ لوجود علة وجوب الكفارة عندهم.
هذه أقوال المعتبرين من العلماء، وقد شذَّ بعضهم بأقوال لا يعرج عليها ولا يتأتى بيان ذلك إلا بتفصيل أنواع الأيمان، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى.
________________________________________
هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:
أحدهما: أن يمين الطلاق لا كفارة فيها، ولو قلنا هي يمين.
والثاني: أن عموم الآية مخصوصٌ، فلا تجب الكفارة في كلِّ ما يطلق عليه اسم اليمين لغةً، وإذا كانت الكفارة لا تجب في كل ما يسمى يميناً في اللغة لم تبق الاية الكريمة مجراة على عمومها.
وحينئذ فالآية إما محمولة على اليمين الشرعية، أو على اليمين اللغوية، والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند المحققين من العلماء، فإذا كان للفظٍ معنى في اللغة ومعنى في الشرع إما يقاربه وإما يباينه، ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع حملناه على معناه في الشرع، فإن تعذَّر حملناه على معناه في اللغة والعرف.
وههنا في الآية زيادة، وهي أنَّ الحمل فيها على الموضوع اللغوي يوجب تخصيص عمومها، والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب ذلك، وما سَلِم من التخصيص أو كان أقل تخصيصاً كان أولى، فيتعين حمل الأيمان في الآية الكريمة على المعنى الشرعي.
واليمين الشرعية هي ما شرع الحلف به أو لم يكره شرعاً ولم يحرم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)، وهو في الصحيحين، وفي لفظٍ لمسلم: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: (لا تحلفوا بآبائكم).
وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عزَّ وجل، وما نهى عنه لم يكن شرعياً، ولا فرق بين اليمين باسم الله عز وجل أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا، والكل شرعي ينعقد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول: (لا ومقلب القلوب).
________________________________________
وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها)، ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا ورب الكعبة)، فكل هذه أيمان شرعية؛ لأن المعنى في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على وجه لا يليق بغير الله عز وجل، فبأي اسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته حَلَفَ لم يكن معظِّماً لغير الله تعالى.
فإذا كانت اليمين الشرعية هي اليمين بالله عز وجل وصفاته، كانت الآية محمولة على ذلك، فدلت الآية على أن كل يمين بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث؛ لأن اللفظ شرعي فيحمل على المعنى الشرعي، وتكون الآية على عمومها في كل الأيمان الشرعية؛ فلا تكون الآية دالة على إيجاب الكفارة في شيء من الأيمان سوى الأيمان الشرعية، وهي الأيمان بالله وبأسمائه وصفاته.
ولا تدخل اليمين بالطلاق ولا غيرها في ذلك.
ثم إن العلماء رأوا أن بعض الأيمان ملحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة، فألحقوه بذلك لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لأجله فيها، وعند هذا اختلف نظرهم فمنهم من يلحق أنواعاً كثيراً، ومنهم من يلحق أقل من ذلك على اختلاف نظرهم واجتهادهم.
ويوجد هذا الاختلاف للصحابة والتابعين ومن بعدهم، فنتكلم فيما وعدنا به من تفصيل الأيمان التي جوَّزَ فيها العلماء المعتبرون الكفارة، ثم نتكلم على الطلاق والعِتَاق.
فمنها النَّذر الذي يسمى نذر اللجاج والغضب والغلق وقد قيل فيه بالوفاء، وقيل: بالكفارة على وجه التخيير.
فاعلم أن النذر في أصله قربة، ووضعه الأصلي أن يعلق التزام قربة على مطلوبٍ يريده: إما جلب نعمة أو دفع نقمة كقوله: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ صوم شهر، أو إن ردَّ الله تعالى الغائب فلله علي أن أتصدق بكذا.
________________________________________
وهذا نذر شرعي، ويسمى عند الفقهاء نذر التبرر والوفاء اللازم، فإذا حصل ما طلبه وهو المعلَّق عليه وجب عليه الوفاء بما نذر، ولا تجزئة في ذلك كفارة يمين.
هذا أصلُ البابِ ووضعه في الشرع، فإن التزم قربةً على غير مطلوب كقوله: لله علي أن أصوم كذا أو أن أتصدق بكذا، فهل يسمى هذا نذراً ؟ فيه خلاف، وأكثر العلماء على أنه نذر يجب الوفاء به.
ولكن أصل الباب هو التَّعليق، ثم إنَّ الناس توسعوا في ذلك فصاروا يعلِّقون لزوم القربة على ما يريدون الحثَّ عليه أو المنع منه، كقول القائل: إنْ كلمت فلاناً فعليَّ صوم شهر، وإنْ لم أعطِ فلاناً كذا فعليَّ صدقة وما أشبه ذلك، فهذا تعليقُ قربةٍ على أمرٍ يطالب وقوعه أو المنع منه، فهو تعليق قربة على مطلوب فمن هذا الوجه هو نذر يشبه نذر التَّبرر؛ لما فيه من صريح التعليق للقربة على مطلوب.
وفي معناه شبه اليمين من جهة أنَّه لا على التزام القربة على وجه التِّقرب، بل قصد حثّ نفسه أو منعها بما علّق من لزوم القربة التي إن خالف ولم يلتزمها عند وقوع الشرط فقد ترك حق الله ولم يقم به ولم يعظمه حق تعظيمه، فصار ذلك في المعنى كقول القائل: والله لأفعلن أو والله لا أفعل، فإنَّ معنى كلامه إني إنْ فعلت فقد خالفت ما عقدت به قولي من الاسم المعظَّم، فلست معظماً له حق تعظيمه، فصار في هذا النَّذر شبه من اليمين في المعنى، وهو بلفظ النذر لأجل الذي يجب الوفاء به، وقد مدح الله قوماً على الوفاء بالنذر فقال تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شرُّه مستطيراً) وذم النبي صلى الله عليه وسلم قوماً على ترك الوفاء بالنذر، فقال في حديث عمران بن حصين، وهو في الصحيح، (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، (ثم إن من بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ،ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن).
________________________________________
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وهو حديث صحيح.
فأوجب أولاً الوفاء، وهذا قول مالك رضي الله عنه في المشهور عنه ومن تبعه، وقول ربيعة وإحدى الروايات عن أبي حنيفة، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال بوجوب الوفاء.
روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الهيثم بن سنان أنه سمع ابن عمر وسأله بعض أهله أنه كسى امرأته كسوةً فسخطتها، فقالت: إن لبستها في رتاج الكعبة، قال ابن عمر: لتجعل مالها في رتاج الكعبة، قال: إنما مالها في الغنم والإبل، قال ابن عمر: لِتَبِع الغنم والإبل في رتاج الكعبة.
وروي عن أنس رضي الله عنه مثل ذلك عن مالك بن دينار، وأن امرأة أتته فقالت: إن زوجها كساها كسوة وأنها غضبت فجعلتها هدية إلى بيت الله إن لبستها، قال: فانطلقت إلى أنس فسألته فقال: إن لبستها فلتهدها، وإسناد هذا الأثر أيضاً جيد.
ونقل هذا القول وهو وجوب الوفاء عن إبراهيم النخعي.
وإنما سقت هذه الأقوال لأن هذا المبتدع قال: إن القول بوجوب الوفاء لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد صحَّ ذلك عمَّن ذكرنا.
وسيأتي أثر آخر فيه ابن عمر وابن عباس والزبير وجابر رضي الله عنهم إن شاء الله تعالى.
وقال طائفة أخرى: يكفِّر إن شاء ولا يلزمه الوفاء به، وهؤلاء أجروا هذا النذر مجرى اليمين لما ذكرنا من حصول المعنى الذي شرعت الكفارة في اليمين لأجله، وهو أنه عقد يمينه بما التزمه من طاعة الله التي إن خالف عند لزومها فقد انتهك حرمة الحق، فجبره بكفارة يمين كما يجبر انتهاك حرمة الاسم المعظم إذا حنث بكفارة يمين.
وقد أفتى بذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: إن هذا قول عائشة رضي الله عنها وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الشافعي في ذلك: يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
________________________________________
ومن العلماء من يفرق بين التزام الحج وغيره فيقول: إن التزم حجا لزمه وإن التزم غيره كان له الخروج بكفارة يمين.
ومنهم من فرَّق أن يكون قد التزم صدقةَ مالِه كلِّه أو جعله في سبيل الله فقال: يجزئه الثلث من ماله؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر، فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجزئ عنك الثلث).
وفي الصحيحين في حديث كعب بن مالك -أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم-، أنه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك)، قال: قلتُ: إني أمسك سهمي بخيبر.
ومنهم من أوجب الصدقة بقدر الزكاة، ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وسيأتي الأثر بذلك إن شاء الله تعالى.
والقول بأن يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين هو القول المرضي، وهو قول كثيرٍ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وسببه ما ذكرنا أن اللفظ لفظ نذر والمعنى معنى يمين، فإن وفَّى فقد أتى بموجب اللفظ، وإن كفَّر فقد أتى بموجب المعنى، فهذا النوع يلحق بالأيمان الشرعية من هذا الوجه، وليس يميناً في الحقيقة بما يعظم كالكعبة والنبي فلا كفارة فيها.
وفي مذهب أبي حنيفة قول إنه تجب الكفارة بالحلف بالنبي؛ لأن حقه من حق الله عز وجل فأشبه اليمين بالله، وهو ضعيف وجمهور العلماء على خلافه.
وأما الحلف بملة غير الإسلام فليس من الأيمان الشرعية، ولا ينبغي أن يعتقد دخوله في قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم)، لأنها يمين محرمة، والمحرم لا يكون شرعياً.
وأكثر العلماء على أن لا كفارة فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، وان كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالماً)، وفيه غير ذلك.
________________________________________
وورد فيه أن كفارته قول لا إله إلا الله، وفي مذهب أبي حنيفة إيجاب الكفارة، وهذه اليمين لا تحتاج إلى ذكرها.
لكن هذا المبتدع جعل إيجاب من وأوجب الكفارة فيها حجة له، وقال: لو لزمه ما التزم لحكم بكفره؛ لأنه التزم الكفر في قوله: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، وهذا خطأ، فإن التكفير مداره على اعتقاد القلب، واللسان ترجمان ذلك، فإذا صدر منه لفظ دلَّ على كفره في عقد قلبه حكمنا بكفره، وإذا صدر منه لفظ لا يدل على كفره في قلبه لم نحكم بكفره، وإن تلفظ بالكفر، ولهذا لم نحكم بكفر المكره على التلفظ بالكفر، وقد قال الله تعالى: (إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان)، والقائل: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، لا يقوله ليكون يهودياً أو نصرانياً بقلبه، ولكنه يمنع نفسه من الفعل لئلا يلزمه أن يكون يهودياً أو نصرانياً، والممتنع من الفعل خشية من هذا اللزوم لم يعقد قبله على الكفر، وإنما عقده على الإيمان، فلم نحكم بكفره.
وأما الطلاق فمداره على إطلاق اللفظ للمعنى، وان لم يقصد به حل قيد النكاح، ولهذا اختلف العلماء في إيقاعه على المكره والسكران، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين بوقوع طلاق السكران، بل الأكثرون على ذلك، فلم يعتبروا فيه قصد حل قيد النكاح، ولهذا يلزم الهازل ويقع عليه، وما ذلك إلا لإطلاق اللفظ.
وإنما كفر الهازل بالكفر لأن كفره دلَّ على استهانته بالدين بقلبه، فهو كافر بعقد القلب الذي دلَّ عليه لفظه، والمطلِّق بالهزل مطلق اللفظ، لا بعقد القلب على الطلاق، فلا يقاس أحد البابين على الآخر.
وأما إيجاب الكفارة في مذهب أبي حنيفة في يمين الكفر فلأنه إذا قال: إن فعلت كذا فأنا كافر، كان قد علَّق يمينه بتعظيم حق الله عز وجل على أن يكفر به، فأشبه تعظيم اسم الله أن تنتهك حرمته إذا حلت به، فألحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة فله وجه من القياس، وان كان الأصح أن الكفارة لا تجب.
________________________________________
وأما يمين العتق وهو ما إذا قال: إن فعلت كذا فعبدي حر، فإن جمهور العلماء على لزوم العتق عند الحنث، وأنه لا تجزئ في ذلك كفارة يمين، هذا هو القول المشهور الذي استقرت عليه المذاهب المتبوعة، حتى قال بعضهم: إن الأمة مجمعة عليه.
وروي عن أبي عبيد وأبي ثور أنهما قالا: تجزئ فيه الكفارة، وأما الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فقالوا بالعتق، وهو مذهب عامة علماء الأمصار.
وما يروى من أثر ليلى بنت العجماء أنها حلفت بالهدي والعتاق لتفرقن بين عبدها وأمتها، فأفتاها ابن عمر وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما بالكفارة، فهذا الأثر تختلف الألفاظ في روايته روي من عدة [طرق]، ومداره على أبي رافع مولى ليلى بنت العجماء، وبعضهم يذكر فيه العتق وبعضهم لا يذكره، وقد ذكرنا عنه عدة أجوبة في الكتاب المطول ظاهرة، وقد ذكر هذا الأثر الإمام أحمد، ولم يأخذ به، بل قال بلزوم العتق، وروى أثراً يعارضه عن عثمان بن حاضر، قال: حلفت امرأة من ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله وجاريتي حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء ذكره زوجها أن تفعله، فذكر ذلك لابن عمر وابن عباس فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها مالي في سبيل الله فلتتصدق بزكاة مالها.
وروي هذا الأثر من طرق وفيه أيضاً فتوى ابن الزبير وجابر بن عبد الله بذلك، فهؤلاء أربعة من الصحابة وعلمائهم أفتوا بالعتق.
وقد أخذ بهذا الأثر الإمام أحمد بن حنبل إمام هذا المبتدع في غير بدعته، ورد خبر ليلى بنت العجماء.
وقال الشيخ موفق الدين المقدسي الحنبلي: إن أحمد رضي الله عنه قال في خبر ليلى بنت العجماء: إن الصحابة قالوا لها: كفِّري يمينك واعتقي جاريتك، وقال: هذه زيادة يجب قبولها، فاتفق الخبران على لزوم العتق.
وقول عائشة: (كل يمين ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين) يدل على أنها لا ترى في العتق كفارة.
________________________________________
وقال الشافعي رضي الله عنه لما ذكر الكفارة في نذر اللجاج والغضب إن هذا مذهب عائشة وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من قال هذا يقوله في كل ما يحنث فيه سوى العتق والطلاق.
فالشافعي قد نقل عن عائشة والصحابة القائلين بالكفارة في نذر اللجاج والغضب أنهم لا يقولون بالكفارة في العتق والطلاق.
ثم إذا قلنا بالقول الشاذ الضعيف في إيجاب الكفارة في العتق فسببه أن العتق قربة، فإذا التزمه فقد التزم قربة على تقدير المخالفة، كما التزمها بالنذر الذي يخرج مخرج اليمين تجزئه الكفارة؛ لكونه قربة ملتزمة على تقدير الحنث، فشبهوه باليمين من هذا الوجه كما قدمنا؛ لكونه التزم قربة لله إن خالف ترك تعظيم حق لله فيها، وهذا المعني موجود في التزام العتق فقالوا فيه بالكفارة، هذا توجيه المذهب الشاذ.
ومن هنا يخرج الفرق بينه وبين الطلاق، فإن الطلاق يعلَّق ويقع معلقاً كما يقع منجَّزاً بالإجماع، فإذا علَّقه على وجه اليمين فهو لفظ تعليق، ولفظ التعليق في الطلاق نافذ، وما عرض له من معنى اليمين لا يؤثر في إيجاب الكفارة، لأن الطلاق ليس قربة حتى يقال: التزم قربة إن تركها عند الحنث لم يعظم حق الله فيها، كما أنه إذا حلف باسمه فخالف لم يعظم حرمة اسمه، فلم تجب الكفارة فيه؛ لأنها شرعت هناك للجبر في حرمة اسم الله وفي القربة إليه، وليس كذلك في الطلاق فنفذ تعليقه على وجهه.
________________________________________
ومن وجه آخر أنَّا إذا أوجبنا الكفارة في باب القربة أمكننا أن نوجبها على وجه التخيير فنقول: قد لزمك ما التزمت من القربة، فان شئت أن تقوم به فلك، وإن شئت أن تخرج منه بكفارة يمين فلك، وأما الطلاق فلا يقع مخيراً إن شاء أمضاه بعد وقوعه وإن شاء دفعه بكفارة، هذا لا يقوله عاقل ولا من مارس الشريعة ولا من فهم مقاصدها، فإن الطلاقَ حَلُّ قيد النكاح، فإذا انحلَّ فليت شعري ماذا عقده بعد حلّه، ولا سيما في يمين الثلاث وقد قال الله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل به من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
فلو فكَّر المسكين في منتهى قوله لاستحيا من الله ومن الناس، ولكن غَطَّى عليه الهوى ومحبة الرياسة والطاعة وقبول الكلمة !! اللهم أعذنا من هذه البلوى، وقنا شر الهوى وحظوظ النفوس برحمتك.
ثم إنا نقول: قد أجمعت الأمة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في أيمان الكفارة، فلا مَعدِلَ عن الإجماع، إذ لا يُعارض الإجماعُ بدليلٍ غيره، هذا أيضاً لم يقله أحد من المسلمين.
ثم إن هذه الأيمان التي ذكرناها هل تسمى أيماناً ؟
فيه خلافٌ، والأصح أنها لا تسمى أيماناً.
قال ابن عبد البر: وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند أهل التحصيل والنظر، وإنما هو طلاقٌ بصفةٍ أو عتقٌ بصفةٍ إذا أوقعه مُوقِعٌ وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء، كلٌّ على أصله.
وقول المتقدمين: (الأيمان بالطلاق والعتق) إنما هو كلامٌ خرج على الامتناع والمجاز والتقريب، وأما الحقيقة فإنما هو طلاقٌ على وصف وعتق على وصف ما، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عز وجل.
فقد تبيَّن خروج يمين الطلاق من الآية الكريمة.
وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم)، فإن هذا المبتدع تعلَّق بها بناء على أنَّ الكفارةَ وجبت في التحريم خاصَّةً، وأن الله سبحانه وتعالى جعله يميناً وأجراه مجرى اليمين في الكفارة.
________________________________________
ونبَّه على دخوله في الآية المذكورة قبلها، وهذا ليس كذلك؛ فإن هذه الواقعة قد قيل إنها في قصة ماريّة، وقيل في قصة العسل.
ومن العلماء من لم يذكر فيها يميناً بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم، وعلى هذا القول يخرج الجواب ممَّا تقدم.
والنبي صلى الله عليه وسلم توقف عن الكفارة حتى قال له الله سبحانه ما قال، فلو كان الحرام يسمى يميناً حقيقةً لعلم دخوله في الآية الأولى، فلمَّا احتاج إلى إعلام الله إياه دلَّ على أنه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي.
وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء، وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الإطلاق، فلا يدخل في الآية الكريمة إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي.
هذا على قول من يوجب الكفارة لكونه تحريماً، وأما من لم يقل بذلك فيقول: الكفارة ليمين بالله تعالى اقترنت بالتحريم.
وقد قال هذا المبتدع: من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم حَلَفَ مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحدٌ!!
وقد روى البيهقي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فجعل الحلال حراماً، وجعل في اليمين الكفارة.
وروى أبو داود مرسلاً عن قتادة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فدخلت فرأت معه فقالت: في بيتي وفي يومي!! فقال: (اسكتي فوالله لا أقربها وهي علي حرام).
وقد روى البيهقي مرسلاً أيضاً عن مسروق أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال: (هي علي حرام)، فنزلت الكفارة ليمينه، وأُمر أن لا يحرم ما أحل الله له.
________________________________________
وأما قصَّة العسل وهي أشهر في سبب نزول الآية، فروى البيهقي أن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فليقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب، ولن أعود له، فنزلت (لم تحرم ما أحل الله لك) إلى (إن تتوبا إلى الله) لعائشة وحفصة (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً) لقوله: بل شربت عسلاً.
قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن محمد، ورواه مسلم عن محمد بن حاتم، كلاهما عن حجاج.
قال البخاري: وقال إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريح عن عطاء في هذا الحديث: (ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً).
قال ابن عبد البر: وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك): والله لا أشرب العسل بعدها.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف بالله فالكفارة لليمين بالله.
وهذا معني قول عائشة: فجعل الحلال حراماً، وجعل في اليمين الكفارة، فلم تكن الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى، ولا يحتاج إلى الجواب عن الآية والله أعلم.
________________________________________
[الخاتمة]
فهذه لمعة إقناعية لمن نظرها بعين الإنصاف، ووراء هذا من الأبحاث العقلية والمنقولات الصحيحة والنظر الفقهي ما لا يسعه إلا كتاب مطوَّل.
وقد ذكرنا في كتابنا في الردِّ عليه كثيراً منها ومن دقيقها طرد الباب كلِّه وجعل إيقاع الطلاق في اليمين بالطلاق نظيرَ إيجاب الكفارة في اليمين بالله تعالى عند الحنث، ومقتضى قياسه، فالعلةُ التي أوجبت ثبوت الكفارة في اليمين بالله تعالى هي بعينها التي اقتضت إيقاع الطلاق وإيقاع العتق عند الحنث.
هذا ما لا يفهمه إلا الفقيه المحقق، ولا يدركه من دأبه التخبيط والهذر، وهو في التحقيق على مفاوز.
أعاذنا الله من هوى يسد باب الإنصاف، ويصدُّ عن جميل الأوصاف بمنِّه وكرمه.
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
________________________________________
________________________________________

الكتاب : إعلام النبيل بجواز التقبيل المؤلف: السيد المحدث عبدالله بن الصديق الغماري الحسني

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : إعلام النبيل بجواز التقبيل
المؤلف: السيد المحدث عبدالله بن الصديق الغماري الحسني
إعلام النبيل بجواز التقبيل

لأبي الفضل
عبد الله محمد الصديق الغماري
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العلمين . والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين . سيدنا محمد وآله الأكرمين . ورضي الله عن الصحابة والتابعين . وبعد : فقد كنت طبعت جزء ” إعلام النبيل ، بجواز التقبيل ” سنة 1351 هجرية ، وبالرغم من نفاذه منذ مدة ، لم أهتم بإعادة طبعه ، حتى كان من نحو سنة كثر الطلب عليه من جهات متعددة ، بمصر والشام ونيجيريا وغيرها ، فاعتزمت طبعه ثانية بزيادات لم تكن في الطبعة الأولى ، والله المسئول أن ينفع به في هذه المرة كما نفع به في المرة السابقة ، إنه جواد كريم .
عبد الله محمد الصديق الغماري
خادم الحديث الشريف
________________________________________
الأبواب
في ذكرما ورد من تقبيل النبي صلى الله عليه و على آله و سلم لغيره .
في ذكر ما مورد من تقبيل الصحابة وغيرهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
في ذكر ما ورد من التقبيل عن الصحابة رضي الله عنهموغيرهم .
خاتمه وتشمل مسائل
———————————
مقدمة
الحمد لله وكفى : والصلاة والسلام على نبينا المصطفى . وعلى آله ومن به اقتفى . هذا جزء سميته ” إعلام النبيل بجواز التقبيل ” جعلته جواباً لمن سألني عن تقبيل اليد وغيرها كالرأس ، أله أصل في السنة المطهرة ؟ أم هو من البدع المبتكرة المنكرة ؟(1) والله أساءل أن يوفقني فيه للصواب . إنه الكريم الوهاب .

__________
(1) لأن بعض الناس يزعمون أنه بدعة منكرة . ويبالغون فيسمونه السجدة الصغرى . وهذا غلو قبيح .
________________________________________
باب :
في ذكرما ورد من تقبيل النبي صلى الله عليه و على آله و سلم لغيره .
روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي ومستدركالحاكم من طريق إسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة عليها السلام برسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم وكان إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه ؛ وكانت هي إذا دخل عليها قامت إليه(1) مستقبلة وقبلت يده ،
قال الترمذي : حسن غريب من هذا الوجه ، وقال الذهبي : حديث صحيح .
وأخرج ابن الأعرابي من طريق حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم كان إذا قدم من مغازيه قبل فاطمة عليها السلام ، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال :قبل رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم الحسن بن علي عليهما السلام ، وعنده الأقرع بن حابس ، فقال : إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت أحداً منهم ، فنظرإليه رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم . ثم قال : ” من لا يرحم لا يرحم ” .
وروى أبو يعلي عن عائشة رضي الله عنها قال : رايت النبي صلى الله عليه و على آله و سلم التزم عليه السلام وقبله . ويقول . ” بأبي الوحيد الشهيد بأبي الوحيد الشهيد “
وروينا في مصنف ابن أبي شيبة وسنن أبي داود وجزء القبل لابن الأعرابي من طريق علي بن مسهر عن الألجح عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم تلقى جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبل ما بين عينيه ، وأخرجه الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي إلا أنه مرسل .
وقد وصله البغوي في معجم الصحابة وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب من حديث عائشة .
لكن في سنده محمد بن عبد الله ابن عبيد ابن عمير وهو ضعيف كما قال الحافظ .
__________
(1) يؤخذ من هذا استحباب القيام لذوي الفضل احتراماً لهم واعظاماً وللنووي في ذلك جزء مطبوع .
________________________________________
ورواه الدار قطني في السنن عن عائشة . وبين في العلل أنه ورد عنها من طريقين ضعيفين ووصله البيهقي في الشعب من طريق خالد بن سعيد عن الشعبي عن الله بن جعفر به نحوه ورواه البزار في مسنده من طريق عبد الرحمن بن أبي مليكة عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه به ، ورواه الحاكم من طريق الأجلح عن الشعبي عن جابر به .
ووصله الطبراني أيضاً في معجمه الصغير من حديث أبي جحيفة فقال : حدثنا أحمد بن خالد بن مسرح – بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه مشدداً – الحراني بحران ثنا عمي الوليد بن عبد الملك ابن مسرح ثنا مخلد بن يزيد عن مسعر بن كدام عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : قدم جعفر بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم من الحبشة ، فقبل رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ما بينعينيه ، وقال ” ما أدري أنا بقدوم جعفر أسر ؟ أم بفتح خيبر ؟ ” ضعيف لضعف شيخ الطبراني ، وأخرجه في المعجم الكبيرمن طريق أخر عن أبي جحيفة ، قال الحافظ الهيثمي : فيه أنس بن سلم لم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات .
قلت : فيكون مرسل الشعبي بإنضمام هذه الأحاديث الضعيفة إليه صحيحاً محتجابة ، حسبما تقرر في علمي أصول الفقه ومصطلح الحديث .
ورواه الحاكم عن ابن عمر قال ، وجه رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة . فلما قدم منها اعتنقه النبي صلى الله عليه و على آله و سلم وقبل بين عينيه ، وذكر بقية الحديث في تعليمه صلاة التسابيح “
ثم قال الحاكم : إسناده صحيح لا غبار عليه ، ووافقه الذهبي ، وهذا مما يرد على من زعم وضع حديث صلاة التسابيح أو ضعفه (1)
__________
(1) وهم طائفة الحافقية المتنطعين ومن على شاكلتهم إذ يردون كل حديث لا يوافق مزاجهم
________________________________________
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال حدثني أمي ام الفضل : أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم رأى العياس مقبلاً فقام إليه(1) وقبل ما بين عينيه ، وأقعده عن يمينه . ثم قال : ” هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه ” الحديث
قال الحافظ الهيثمي : إسناده حسن .
وأخرج الترمذي من طريق محمد بن اسحق عن محمد بن مسلم الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : قدم زيد ابن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم عرياناً يجرثو به ، والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله .
قال الترمذي حديث حسن .
ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة عن عائشة قالت بلغ النبي صلى الله عليه و على آله و سلم أن امرأة من بني فزارة يقال لها أم قرفة جهزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها وقالت : اذهبوا إلى المدينة فاقتلوا محمداً ، فقال : ” اللهم اثكلها بولدها ” وبعث إليهم زيد ابن حارثة في بعث ، فالتقوا ، فقتل زيد بن فزارة ، وقتل أم قرفة وولدها فأقبل زيد حتى قدم المدينة ، الحديث
وروى الطبراني بإسناد جيد كما قال الدميري في حياة الحيوان عن أبي هريرةرضي الله عنه قال سمعت أذناي هاتان وأبصرت عيناي هاتان رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم وهو آخذ بكفيه جميعاً حسناً أو حسيناً وقدماه على قدمي رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم وهو يقول ” حزقة حزقة ،(2) ترق عين بقة ” فيرقي الغلام فيضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ، ثم قال صلى الله عليه و على آله و سلم ” افتح فاك ” ثم قبله ، ثم قال ” اللهم من أحبه فإني أحبه ” أي فأني أحب من أحبه ، وهذه بشارة عظيمة لمحب الحسن والحسين عليهما السلام ، بأن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم يحبه .
__________
(1) يؤخذ منه استحباب القيام على سبيل التعظيم لذوي المزايا الدينية .
(2) بضم أوله وثالثه ، هو الضعيف المتهالك البطيء الحركة .
________________________________________
وروينا في مسند أحمد من طريق عبد الله بن الحارث قال : كان النبي صلى الله عليه و على آله و سلم يصف عبد الله بن عباس وأخويه عبيد الله وكثيراً و يقول ” من سبق إلي فله كذا ” فيستبقون إليه ، فيقعون على ظهره وصدره ، فيلتزمهم ويقبلهم .
قال الحافظ الهيثمي إسناده حسن وأخرج قاسم بن أصبغ عن أبي الهيثم أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم لقيه فاعتنقه وقبله ، قال الحافظ سنده ضعيف ، وأخرج الخطيب في المتفق بإسناد واه .
وأبو موسى في الذيل بإسناد مجهول كما قال الحافظ من طريق الحسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم لما رجع من تبوك استقبله سعد بن معاذ الأنصاري فقال : ” ما هذا الذي أرى بيدك ” ؟ قال : من أثر المر والمسحاة أضرب وأنفق على عيالي فقبل النبي صلى الله عليه و على آله و سلم يده وقال ” هذه يد لا تمسها النار ” (1) .
قلت : سعد بن معاذ هذا صحابي آخر غير ذاك المشهور ، نبه عليه الحافظ في الإصابة .
والمر بفتح الميم وشد الراء – مقبض المسحاة .
ورواه الحافظ حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان قال : حدثنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور ببغداد وأبو العباس بن بطانة بالبصرة قالا : ثنا محمد بن مخلد ، قال أبو الفتح قرئ علي محمد بن مخلد العطار وأنا أسمع في كتاب المعجم حدثكم أبو سعيد محمد بن إسحق بن إسماعيل بن الصلت المسمار البلخي ثنا محمد بن تميم يعمي الفريابي ثنا عبد الله بن عيسى الجرجاني حدثنا عبد الله بن المبارك عن مسعر بن كدام عن ابن عون عن أنس بن مالك قال أقبل النبي صلى الله عليه و على آله و سلم من غزوة تبوك فاستقبله سعد بن معاذ فصافحه النبي صلى الله عليه و على آله و سلم ثم قال ” يا سعد ما هذا الذي أرى بيك ؟ ” فقال ، يا رسول الله اضرب بالمر والمسحاة فانفقه على عيالي ، قال :فقبل يده وقال ” لا تمسها النار أبداً “
__________
(1) يؤخذ منه الحصن على العمل وطرح التواني والكسل .
________________________________________
ثم رواه من طريق أبي بكر محمد ابن سعيد بن حم البخاري ثنا أحمد بن أحيد بن حمدان ثنا أبو عمر وقيس بن أنيف ثنا محمد بن تميم الفريابي ثنا عبد الله بن عيسى الحراني حدثنا عبد الله ابن المبارك عن مسعر عن عون عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم بذلك .
وروى الخطيب وأبو نعيم والدليمي وابن عساكر من طريقين عن البخاري قال : ثنا عمرو بن محمد بن جعفر ثنا أ[و عبيدة معمر بن المثني ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كنت قاعدة أغزل والنبي صلى الله عليه و على آله و سلم يخصف نعله فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نوراً فبهت ، فقال : ” مالك بهت ؟ ” قلت : جعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نوراً ، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره حيث يقول :
ومبرأ من كل حيضة * وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه * برقت بروق العارض المتهلل
فوضع رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ما كان في يده وقام إلي فقبل ما بين عيني وقال ” جزاك الله يا عائشة خيراً ، فما أذكر أني سررت كسروري بكلامك “
قال أبو علي صالح بن محمد البغدادي : لا أعلم أن أبا عبيدة حدث عن هشام بن عروة شيئاً ،
قال : لكن الحديث حسن عندي حين صار مخرجه محمد بن إسماعيل البخاري اهـ
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن الأعرابي في جزء القبل عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم قبل عثمان بن مظعون حتى رأيت الدموع تسيل على خده ،
قال الترمذي : حديث حسن صحيح ،
وأخرجه الطبراني من طريق عائشة بنت مظعون أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم قبل عثمان بن مظعون على خده بعد ما مات ،
قال الحافظ الهيثمي . في إسناده عبد الرحمن بن عفان الحاطبي وهو ضعيف .
________________________________________
” تنبيه “
قال ابن علان في شرح الأذكار : في صحيح البخاري أنه لما توفي عثمان بن مظعون جاء صلى الله عليه و على آله و سلم وكشف عن وجهه وقبله وبكى أهله .
قلت : راجعت المواضع التي فيها هذا الحديث من الصحيح ، وهي :
” باب” الدخول على الميت من كتاب الجنائز ،
” باب” القرعة من كتاب الشهادات ،
” باب ” هجرة النبي صلى الله عليه و على آله و سلم ، وأصحابه إلى المدينة من كتاب الهجرة
” بابا” رؤية النساء والعين الجارية من كتاب التعبير
فلم أجد في شيء منها ذكراً للتقبيل ولا للبكاء ، فهو غير موجود في البخاري جزماً ، وقد صرح الحاكم في المستدرك بأن الشيخين لم يخرجاه والله أعلم .
________________________________________
باب :
في ذكر ما مورد من تقبيل الصحابة وغيرهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
تقدم حديث عائشة أن فاطمة عليها السلام كانت إذا دخل عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قامت إليه وقبلت يده .
وأخرج الحافظ أبو بكر ابن المقري في جزء تقبيل اليد عن جابر أن عمر رضي الله عنه قبل يد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأخرج ابن جريرو ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ) الآية ، قال : غضب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً فقال ” سلوني فانكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ” فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد الله ابن حذافة – وكان يطعن فيه – فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قال : ” أبوك فلان ” فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر فقبل رجله ، وقال : يا رسول الله رضينا بالله رباً وبك نبياً وبالقرآن اماماً ، فاعف عنا عفا الله عنك ، فلم ينزل به حتى رضي فيومئذ قال الولد للفراش وللعاهر الحجر ” وأنزل عليه ( قد سألهم قوم من قبلكم )
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن الأعرابي في جزء القبل كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد أن عبد الرحمن بن أبي ليلي حدثه أن ابن عمر حدثه قال : كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحاص الناس(1) حيصة فكنت فيمن حاص فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الرزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة ثم بتنا ، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فان كانت لنا توبة والا ذهبنا ، فأتيناه قبل صلاة الغداة ، فخرج فقال ” من القوم ” ؟ فقلنا : نحن الفرارون فقال ” بل أنتم العاكرون(2) أنا فئتكم وانا فئة المسلمين ” قال : فأتيناه حتى قبلنا يده .
قال الترمذي : حديث حسن ، ورواه سعيد بن منصور وابن سعدو ابن أبي شيبة وعبد بن حمي وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردوية والبيهقي في الشعب عن ابن عمر به أيضاً .
وأخرج أحمد ولبخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن الأعرابي في جزء القبل والبغوي في معجم الصحابة من طريق مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال : حدثتني جدتي أم أبان بنت الوازع بن زارع عنجدها زارع – وكان في وفد عبد القيس – قال : لما قدمنا المدينة جعلنا نتبادؤ من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورجليه(3) حسنه الحافظ ابن عبد البر وجودهالحافظ .
وأخرجه أبو يعلى والطبراني والبيهقي من حديث مزيدة بن مالك العصري باسنادجيد كما قال الزرقاني في شرح المواهب .
__________
(1) أي طلبوا والهرب
(2) بتشديد الكاف أي الراجعون إلى الحرب مرة بعد مرة .
(3) هذا يقتضي أنهم كانوا يخرون على رجلي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقبلوهما ولو كان هذا العمل سجوداً كما يقول التخرصون – لنهاهم عنه ، كما نهى غيرهم أن يسجد له ، وقال ” لا يسجد أحد لأحد ” كما سيأتي قريباً .
________________________________________
وأخرج أبو بكر ابن المقري(1) في جزء تقبيل اليد من حديث أسامة بن شريك قال : قمنا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبلنا يده كذاعزاه الحافظ مختصراً وقال سنده قوي .
قلت . وأخرجه ابن الأعرابي(2) بلفظ آخر فقال في جزء القبل .
حدثنا أبو سعيد الحارثي أملاه ثنا سعيد بن عامر ثنا شعبة ثنا زياد ابن علاقة عن أسامة بن شريك قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعنده أصحابه على رؤسهم الطير فجاء الأعراب فسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ثم قام وقامالناس ، فجعلوا يقبلون يده ، فأخنتها فوضعتها على وجهي فإذا هي أطيب من ريح المسك وأبرد من الثلج .
وروى أحمد من طريق أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن عثمان عن خزيمة بن ثابت أنه رأى في منامه يقبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبره بذلك ونام له صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبل جبهته .
عمارة ، قال الحافظ الهيثمي : لم يرو عنه غير أبي جعفر الخطمي ، وقال تلميذه الحافظ : معروف النسب ، لكن لم أرى فيه توثيقاً .
وأبو جعفر أخرج له الأربعة ، ووثقه ابن معين والنسائي والطبراني وصحح له الحاكم حديث توسل الضرير على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي .
وبقية رجال الإسناد ورجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي .
__________
(1) هو محمد بن إبراهيم بن علي الأصبهاني ، حافظ أصبهان توفي سنة 281 هجرية ، وكان ثقة ثبتا . وسماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولياء الله تعالى في مبشرة رأها الصاحب بن عباد .
(2) هو أبوسعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الحافظ الثقة التثبيت الصوفي تلميذ الجنيد ، وشيخ الحرم ، له كلام في التصوف عظيم أثنى عليه الذهبي في تذكرة الحافظ وقال : كان ثقة ثبتا عارفاً عابدا ربانياً كبير القدر بعد الصيت توفي سنة 340 وله 94 سنة .
________________________________________
وأخرج الحافظ أبوبكر بن المقري في جزء تقبيل اليد ، والبيهقي في الدلائل عن أبي لبابة أنه قبل يد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما نزلت توبته .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن كعب بن مالك قال : لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبلت يده وركبتيه . رواه الحافظ أبو بكر ابن المقري في جزء تقبيل اليد وزاد أن صاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فعلا ذلك .
وإسناد ضعيف كما قال الحافظ العراقي في المغني .
وأخرج ابن الأعرابي في جزء القبل قال : حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا شاذ بن فياض ثنا رافع بن سلمة قال سمعت أبي يحدث عن سالم – يعني ابن أبي الجعد الأشجعي – قال : عن رجل من أشجع يقال له زاهر بن حرام – بالراء وقيل بالراى – الأشجعي قال : كان رجلاً بدوياً ، وكان لا يأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السوق يبيع سلعة ولم يكن أتاه فاحتضنه من ورائه بكفيه ، فالتفت فأحس برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبل كفيه ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” من يشتري العبد ؟ ” قال : إذن تجدني كاسداً ، قال : “ولكنك عند الله ربيح ” .
وقال ابن الأعرابي أيضاً : حدثنا إسحق بن إبراهيم الدبري قال : قرأنا علي عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن الحسن عن سوادة بن عمرو – وكان يصيب من الخلوق(1) فنهاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ثم لقيه ذات يوم مختضباً به . وفي يد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جريدة فطعنه في بطنه وقال ” ألم أنهك عن هذا ؟ ” فقال : أقدني يا رسول الله ، فكشف عن بطنه ،فطفق يقبل بطن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ورواه البغوي في معجم الصحابة من طريق عمرو بن سليط عن الحسن عن سوادة به .
__________
(1) بفتح أوله وضم ثانيه طيب مركب من الزعفران وغيره تغلب عليه الصفرة وهو من طيب النساء .
________________________________________
وأخرج أبو داود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلي عن أسيد بن حضير رجل من الأنصار قال : بينما هو يحدث القوم – وكان فيه مزاح – بينما يضحكهم . فطعنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خاصرته بعود ، فقال : أصبرني(1) قال ” اصطبر ” قال : إن عليك قميصاً ، وليس على قميص ، فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قميصه ، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ، قال : إنما أردت هذا يا رسول الله . إسناده على شرط الشيخين .
وأخرج ابن إسحق عن حبان بن واسع عن أشيخ من قومه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدل الصفوف في يوم بدر ، وفي يده قدح ، فمر بسواد من غزية فطعن في بطنه ، فقال أوجعتني فأقدني فكشف عن بطنه فاعتنقه وقبل بطنه فدعا له بخير ، ورواه عبد الرازق عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتخطى بعرجون فأصاب به سواد بن غزية ، الحديث .
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عمر أن امرأة شكت زوجها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال لها ” أتبغضينه ؟ ” قالت نعم ، قال ” أدنيا رؤسكما ” فوضع جبهتها على جبهة زوجها ، ثم قال ” اللهم ألف بينهما وجب أحدهما إلى صاحبه ” ثم لقيته المرأة بعد ذلك فقبلت رجليه ، فقال ” كيف أنت وزوجك ؟ ” قالت : ما طارف ولا تالد ولا ولد بأحب إلي منه ، فقال ” أشهد أني رسول الله ” قال عمر : وأنا أشهد أنك رسول الله .
__________
(1) بفتح الهمزة أي مكني من الاقتناص ، وقوله : اصطبر أي اقتص .
________________________________________
وروى أبو يعلي وأبو نعيم عن جابر بن عبد الله نحوه ، وفي مغازي الواقدي وغيرها في قصة فتح مكة وإهدار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دم نفر ، وأمره بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة ، منهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح ،فلم يرع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا عثمان آخذا بيد ابن أبي سرح واقفين بين يديه ، فأقبل عثمان على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال : يا رسول الله إنه أمه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه ، وكانت تلطفني وتتركه ، فهبه لي ، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وجعل عثمان كلما أعرض عنه رسول الله بوجهه استقبله فيعيد إليه هذا الكلام ، وإنما أعرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه ، لأنه لم يؤمنه ، فلما رأى أن لا يقوم أحد وعثمان قد أكب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبل رأسه وهو يقول يا رسول الله بايعه فداك أبي وأمي فقال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” نعم” ولتنظر بقية الحديث في كتب المغازي والسير . وفي كتاب ” الصارم السلول على شاتم الرسول ” لأبي العباس ابن تيمية ، وهو من أجود مؤلفاته وأنفعها.
________________________________________
وأخرج ابن الأعرابي والبزار واللفظ له من طريق صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال أرني آية ، قال ” اذهب إلى تلك الشجرة فادعها ” فذهب إليها فقال إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعوك ” فمالت عن كل جانب منها حتى قلعت عروقها ، ثم أقبلت حتى جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأمرها أن ترجع ، فقام الرجل فقبل رأسه ويديه ورجليه وأسلم ، ولفظ ابن الأعرابي : فقال الرجل ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له ، فقبل رأسه ورجليه(1) ، ثم قال : ائذن لي أن أسجد لك ، قال ” لا يسجد أحد لأحد ” .
صالح بن حيان قال الحافظ الهيثمي ضعيف ، قلت : وبه تعقب الذهبي تصحيح الحاكم للحديث ، وإن كان الحافظ العراقي حكي في المغني تصحيحه ولم يتعقبه.
وأخرج الترمذي وابن ماجة عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي ، قال له صاحبه لا تقل نبي ، إنه لو سمعك كان له أربعة أعين .فأتيا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسألاه عن تسع آيات بينات ، فذكر الحديث ، وقال في آخره : فقبلا يديه ورجليه .
قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وصححه الحاكم أيضاً .
__________
(1) هذا صريح في التفرقة بين تقبيل رجل الشخص على وجهه التعظيم وبين السجود له ، فمن يزعم أن تقبيل الرجلين سجود ، أو يشبه السجود فهو كاذب في زعمه.
________________________________________
وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن كعب قال كان اسلام أبي بكر الصديق بوحي من السماء وذلك أنه كان تاجراً بالشام فرأي رؤيا فقصها على بحيراء الراهب فقال له من أين أنت ؟ قال من مكة ، قال : من أيها ، قال : من قريش ، قال : فإيش أنت ؟ قال : تاجر ، قال : صدق الله رؤياك ، فانه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته بعد موته ، فأسرها أبو بكر حتى بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاءه فقال : يا محمد ، ما الدليل على ما تدعي ؟ قال ” الرؤيا التي رأيت بالشام ” فعانقه وقبل بين عينيه وقال : أشهد أنك رسول الله .
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح / والطبراني باسناد رجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي ، عن عائشة – في قصة الافك – قالت . ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” أبشري يا عائشة فإن الله قد أنزل عذرك ” وقرأ عليها القرآن ، فقال أبوها : قومي فقبلي(1) رأس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقلت : أحمد الله لا اياكما .
وأخرج أحمد والبخاري والنسائي عن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه دخل فبصر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مسجى ببرده فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله وأخرج البخاري والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس وعائشة أن أبا بكر رضي الله عنه قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد موته ” تنبيه” ذكر الشيخ زروق في شرح الرسالة حديث أبي سعيد الخدري أن أباه استشهد في أحد ، فخرج من الناس يلقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين الدفع إلى المدينة قال : قبلت يد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال ، ” سعد ؟ ” قلت : نعم ، قال ” أجرك الله في أبيك ” ثم قال صحيح ، قلت : لم أقف على إسناد هذا الحديث بهذا السياق والله أعلم .
__________
(1) يؤخذ منه أن التقبيل في مثل هذه المناسبات الجميلة ، كان معروفاً عندهم شائعاً بينهم من غير نكير .
________________________________________
” فصل “
أخرج أبو يعلى وأبونعيم وابن عساكر عن شداد بن أوس أن رجلاً من بني عامر سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ما حقيقة أمرك ؟ فقال : ” بدو شأني أني دعوة إبراهيم وبشري أخي عيشى ، وأني كنت بكر أمي ” وذكر الحديث في ولادته ، ونشأته ، واسترضاعه في بني ليث بن بكر ، وشق صدره ، وقال فيه ” ثم قال الثالث(1) لصاحبه تنح ، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني انهاضاً لطيفاً ثم قال للأول : زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ، ثم قال : زنه بألف من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ، فقال دعوه فلو وزنتوه بأمته كلها لرجحهم ، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب الله لم ترك ، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك ” .
__________
(1) أي من الملائكة ، لزن الذين تولوا شق صدره الشرف من الملائكة ثلاثاُ تولى أحدهم شق صدره وغسل زمعائه ، واستخرج الثاني قلبه الشريف وأخرج منه مضغة سوداء وختمه بنور النبوة ، أما الثالث فلأم شق صدره بيده .
________________________________________
وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق محمد بن زكريا الغلابي عن يعقوب بن جعفر بن سليمان عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده العباس بن عبد المطلب قال كانت حليمة تخبر أنها لما فطمت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكلم فقال ” الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ” وذكرت قصة شق صدره وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لمرضعته ومن معها بعد أن حكى لهم قصة شق صدره الشريف ” وقام الثالث فقال : تنحيا ، فقد أنجزتما ما أمركما الله به فيه ثم دنا مني فأمر يده من مفرق صدري إلى منهى عانتي ، وقال زنوه من امته بعشرة فوزنزني فرجحتهم ، ثم قال : دعوه ، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجح بهم ، ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضاً لطيفاً ، فأكبو علي وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا يا حبيب الله لن تراع ، ولو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك ” في هذين الحديثين من الفقه – مضموماً إلى ما فيهما من دلالة على مشروعية التقبيل – أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرجح أمته عقلاً ، وأشدها ذكاء ، وأقواها فطنة ، وأنه لا يوجد في الصحابة – فضلاً عن غيرهم – من يوازيه في فهم شيء من من أمور الدين ومسائل التشريع ، وكشف أسرار القرآن . ذلك أن الملائكة الذين شقوا صدره الشريف ، وزنوه بألف من أمته فرجع بهم ، وأخبروا أنهم لو وزنوه بأمته لرجح بهم ومعلوم بالضرورة العقلة أن الملائكة لم يقصدوا بالوزن معرفة ثقل الأجسام وخفتها ، وإنما قصدوا الموازنة بينه وبين أمته عليه السلام في المعاني الإنسانية السامية من رجاحة العقل ، وشفوف النظر ورحابة الصدر ، ونحو ذلم مما أهله لتحمل أعباء أعظم رسالة ظهرت على وجه الأرض ، يؤيد هذا ما أخرجه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن وهب بن منبه قال : قرأت أحد وسبعين كتاباً فوجدت في جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء انقضائها من العقل في جنب عقل محمد صلى الله عليه وعلى آله
وسلم إلا كحبة رمل من بين جميع رمال الدنيا ، وأن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرجح الناس عقلاً وأرجحهم رأياً . فمن الضلال البين ما زعمه بعض المبتدعة في كتيب له أن عمر رضي الله عنه وغيره اجتهدوا في فهم الآيات وأنهم كانوا أصوب من فهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هكذا زعم ذاك المبتدع قاتله الله .
________________________________________
باب :
في ذكر ما ورد من التقبيل عن الصحابة رضي الله عنهموغيرهم .
روينا في جزء القبل لابن الأعرابي قال : أخبرنا يحيى بن أبي طالب أنا عبد الوهاب أنا إسماعيل ابن مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : لما قتل أبي يوم أحد أتيته وهو مسجى فجعلت أكشف عن وجهه أقبله ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يراني ولم ينهني .
وأخرج ابن الأعرابي أيضاً قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا سليك ثنا وكيع عن مالك بن مغول عن أبي حصين عن مجاهد قال : لما نزل عذرها – يعني عائشة – قام إليها أبو بكر رضي الله عنهما فقبل رأسها . وهذا مرسل .
وأخرج البخاري وأبو داود من طريق إبراهيم ابن يوسف عن أبيه اسحق عن البراء بن عازب قال : دخلت مع أبي بكر رضي الله عنه أول ما قدم المدينة فإذا عائشة ابنته مضطجعة ، قد أصابتها حمى ، فأتاها أبو بكر فقال لها : كيف أنت يا بنية ؟ وقبل خدها .
وأخرج سفيان في الجامع عن مسعر عن زياد بن الفياض عن تميم بن سلمة قال : لما قدم عمر رضي الله عنه الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فصافحه وقبل يده ، فكان تميم يرى أن تقبيل اليد سنة ، وكذا أخرجه ابن الأعرابي وابن المقري كلاهما في جزء القبل وعبد الرازق في المصنف والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي وابن عساكر ، وإسناده على شرط مسلم إلا أنه منقطع ، فإن تميماً لم يدرك القصة ، لكن له طريق آخر قال عبد الرازق في المصنف أخبرنا معمر حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال فذكره ، وهذا إسناد على شرط الشيخين .
________________________________________
وأخرج البخاري في الأدب المفرد قال حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا سفيان بن حبيب ثنا شعبة ثنا عمرو عن ذكوان عن صهيب رضي الله عنه قال : رأيت عليا عليه السلام يقبل يد العباس ورجليه إسناده صحيح.
وروى عبد الرزاق وأمد وأبو يعلى والطبراني وابن منده بإسناد صحيح عن أنس – في حديث طويل أن العباس رضي الله عنه قبل عبداً له بين عينيه ، وانظر تتمةالحديث في ص 128 ج 3 من المسند طبعة أولى.
وأخرج الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة أنه لقي الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل بطنك فاكشف الموضع الذي قبله حتى أقبله فكشف له الحسن فقبله ، صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وأخرجه ابن عساكر عن عما بن أبي عمار أن زيد بن ثابت قربت له دابة ليركبها ، فأخذ ابن عباس بركابه فقال زيد تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا ، فقال زيد : أرني يدك ، فأخرج يده فقبلها فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا . وراه الدينوري في المجالسة من طرق ابن المبارك عن داود ابن أبي هند عن الشعبي قال : ركب زيد بن ثابت دابة الخ ، وهذا إسناد على شرط مسلم .
وأخرج ابن الأعرابي قال حدثنا عباس الدوري ثنا شبابة ثنا هشام بن الغز ثنا حيان أبو النضر قال : قال لي واثلة بن الأسقع وهو صحابي – قدني إلى يزيد بن الأسود فإنه بلغني أنه ألم به ، فقدته فلما دخل عليه قلت : إنه ثقيل ، قد وجه وذهب عقله ، فقال : نادوه ، فقلت : هذا أخوك واثلة ، فلما سمع أن واثلة جاءه جعل يلتمس بيده ، فعرفت ما يريد ، فأخذت كف واثلة فجعلتها في يده، فجعل يقبل كفه ، ويضعها مرة على فؤاده ، ومرة على وجهه ، وعلى فيه .
________________________________________
وأخرج ابن ابي حيثمة في التاريخ عن ابن عمر أنه كان يقبل ابنه سالماً ويقول : أعجبوا من شيخ يقبل شيخاً ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأحمد من طريق ابن عيينه عن ابن جدعان قال : قال ثابت لأنس : أمسست بيدك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ : قال : نعم ، فقبلها ، وأخرج أبو يعلى عن ثابت قال : كنت إذا أتيت أنساً يخبر بمكاني ، فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما فأقول بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأقبل عينيه وأقول بأبي هاتينالعينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة ، قلت : فهو إسناد صحيح .
وأخرج أبو يعلى عن جميلة أم ولد انس بن مالك قالت : كان أنس إذا أتاه ثابت يقول : يا جارية هاتي لي طيباً أمسح يدي فإن ابن أم ثابت لا يرضي حتى يقبل يدي.
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب المفرد وابن الأعرابي من طريق عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن رزين قال : مررنا بالربذة فقيل لنا ههنا سلمة بن الأكوع قأتيناه فسلمنا عليه ، فأخرج يديه فقال بايعت بهاتين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأخرج كفاله ضخمة كأنها كف بعير ، فقمنا إليها فقبلنهاها .
وأخرج أبو بكر ابن المقري في جزء تقبيل اليد من طريق أبى مالك الأشجعي قال : قلت لابن أبي أو في : ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فناولنيها فقبلتها .
وقال أبو داود : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا المعتمر عن اياس بن دغفل قال : رأيت أبا نضرة قبل خد الحسن بن علي عليهما السلام ، قال النووي . اسناد صحيح مليح ، قلت أراد بملاحته علوه.
________________________________________
وقال ابن الأعرابي ، ثنا محمد بن إسماعيل – يعني الصائغ – ثنا الحسن بن علي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا عاصم بن بهداة قال ما قدمت على أبي وائل قط من سفر إلا قبل كفي . قلت : عاصم أحد أئمة القراء .
وأخرج ابن الأعرابي أيضاً من طريق سفيان عن مالك بن مغول عن طلحة – يعني ابن مصرف – قال قبل خيثمة يدي ، وقال مالك : قبل طلحة يدي .
وأخرج أيضاً من طريق ابن أبي الحواري ثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة قال : دخلتعلى خيثمة فقبل يدي وقبلت يده .
وأخرج أيضاً قال : ثنا محمد بن علي الصائغ ثنا الحسن قال قال لي حسين الجعفي : ربما فعله لي سفيان – يعني ابن عيينة – يعني يقبل يده وقال أيضاً : ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت أن أنسا دفع إلى أبي العالية تفاحة فجعلها في كفه وجعل يمسها ويقبلها ويمسها بوجهه ، ويقول : تفاحة مست كفا مست كف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قلت : هذا إسناد على شرط مسلم .
قال النووي في الأذكار : وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهاد الأمة وعبادها رضي الله عنه أنه كان يأتي أبا داود السجستاني – يعني صاحب السنن – ويقول : أخرج لسانك الذي تحدث بهحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأقبله ، فيقبله .
________________________________________
“خاتمة”
تشتمل على ثلاث مسائل:
” الأولى ” تقبيل اليد وغيرها كالرأس والخد والرجل يستحب في حالتين:
” إحداهما ” إذا كان تعظيماً واحتراماً للشخص لأجل مصلحة دينية كعلم أو زهد أو صلاح أو نحو ذلك ،
” ثانيهما ” إذا كان على وجه العطف والشفقة والملاطفة كتقبيل الإنسان لأولاده وأقاربه ونحو ذلك ، ويجوز في حالة ما إذا كان عند الوداع في سفر أو عند القدوم منه ،
ويكره التقبيل في حالة ما إذا كان لأجل مصلحة دنيوية كتقبيل يد غني أو ذي جاه كحاكم ونحوه، وقال بعض العلماء يحرم التقبيل في هذه الحالة بل نص المتولي في التتمة على أنه لا يستحب الدخول على الأغنياء والسلاطين لمرض قلوبهم بالغفلة عن الله ،
ويحرم التقبيل للأجنبية أو الأمرد لأنه يؤدي إلى الشهوة المحرمة بالإجماع ، فما يفعله الغربيون والمقلدون لهم من الشرقيين المستغربين في الحفلات من تقبيل يد النساء هو – مع حرمته – نوع من الإباحية البشعة ، أما تقبيل غير الأعضاء فقد تقدم أن أبا العالية قبل تفاحة تبركاً بمسها لكف أنس رضي الله عنه ، وأجاز أحمد تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأجاز ابن أبي الصيف والمحب الطبري تقبيل قبور الصالحين ، وكثير من العلماء قالوا بكراهة ذلك .
” الثانية ” قال ابن أبي زيد في الرسالة : وكره مالك تقبيل اليد وأنكر ما روي فيه ، أهـ
قال شراح الرسالة إنما كرهه لما يدعو إليه من الكبر والنخوة ورؤية النفس ومساعدتها في حظها اهـ
زاد زروق : وإنكار مالك لما روي في تقبيل اليد إن كان من جهة الرواية فمالك حجة فيها لأنه إمام حديث اهـ
________________________________________
قلت : نعم ، كان الإمام مالك حجة في الحديث وشيخاً من شيوخ السنة ، ولكن إنكاره لما ورد في تقبيل اليد لايكون حجة في نفيه ، لثبوت تقبيل اليد وغيرها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن الصحابة من طرق كثيرة تبلغ حد التواتر ، ومالك معذور في إنكاره لأنه لم يصله ذلك بطريق صحيح ، كما فاتته أحاديث كثيرة لم تصله(1) ووصلت غيره من أئمة الحديث ، بل أنكر الإمام مالك وجود أويس القرني ، مع أنه تابعي معروف ، والحديث في فضله ثابت في صحيح مسلم ،فهل يجوز إن نقلد مالكاً في إنكار أويس القرني ؟ ونتغاضى عن الحقيقة والواقع ؟ كلا فكذلك لا يجوز أن ننكر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن الصحابة والتابعين من تقبيل اليد وغيرها . بالطرق الكثيرة البالغة حد التواتر ، لأننا مكلفون باتباع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
” الثالثة ” قد يعارض من ينكر التقبيل ما تقدم من الأحاديث
– بما رواه الترمذي وابن ماجة من طريق حنظلة بن عبيد الله عن أنس قال : قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال: ” لا ” ، قال: أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : ” لا ” قال: فيأخذ بيده و يصافحه ؟ قال: ” نعم “
__________
(1) لأنه لم يرحل ولم يغادر الحجاز قط ففاقته بسبب ذلك حديث كثير .
________________________________________
– بما رواه الطبراني وأبو يعلى وابن عدي من طريق يوسف بن زياد عن عبد الرحمن ابن زياد الإفريقي عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة قال : دخلت يوماً في السوق مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجلس إلى البزار فاشترى سراويل بأربعة دراهم ، وكان لأهل السوق وزان ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” اتزن وأرجح ” فقال الوزان : إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد ، قال أبو هريرة : فقلت له كفى بك من الوهن والجفاء ألا تعرف نيك فطرح الميزان ، ووثب إلى يد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يريد أن يقبلها ، فجذب يده منه ، وقال ” هذا إنما تفعله الاعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم ” .
– بما رواه ابن عدي في الكامل والمحاملي في الأمالي وابن شاهين في الأفراد من طريق عمرو بن عبد الجبار السنجاري عن عمه عبيدة بن حسان عن قتادة عن أنس مرفوعاً ” قبلة المؤمن أخاه المصافحة ” .
فيجاب بوجوه :
” الأول ” أن هذه الأحاديث لا تصلح للمعارضة لضعفها ، بل منها ما عد في الموضوعات .
– ” أما الحديث الأول ” فضعفه أحمد والبيهقي كما نقله الحافظ العراقي في المغني ، لأن في سنده حنظلة ، قال فيه أحمد وابن معين والنسائي : ضعيف الحديث ، زاد أحمد : يروى عن أنس أحاديث كثيرة مناكير ، وقال ابن حبان في الضعفاء : اختلط بآخره حتى كان لا يدري ما يحدث به فاختلط حديثه القديم بحديثه الأخير ، تركه يحيى القطان
– ” وأما الحديث الثاني ” فأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، ونقل عن الدارقطني أنه قال في الأفراد : الحمل فيه على يوسف بن زياد لأنه مشهور بالأباطيل ، ولم يروه عن الإفريقي غيره ، وعن ابن حبان أنه قال في الإفريقي يروي الموضوعات عن الأثبات ،
– ” وأما الحديث الثالث ” فقال عنه ابن عدي غير محفوظ ، وأعله بأن عمراً روى عن عمه مناكير ،
________________________________________
” الثاني ” أن هذه الأحاديث على فرض صحتها – وهو بعيد – لا تصلح للمعارضة أيضاً ، لأن أحاديث التقبيل أكثر عدداً ، وأصح سنداً ،
” الثالث ” تحمل هذه الأحاديث على ما إذا كان الباعث على التقبيل مصلحة دنيوية كغنى أو جاه أو رياسة مثلاً ، أو على ما قاله الإمام مالك فيما سبق بأن كان يدعو إلى الكبر والنخوة ورأوية النفس ومساعدتها في حظها . ولا شك أن التقبيل إذا أدى إلى هذه الأشياء أو كان الباعث عليه التقرب إلى غني أو ذي جاه فانه يكره بلا خلاف ، ولا يبعد تحريمه حينئذ كما صرح به بعض علماء الشافعية ، أما إذا خلا من ذلك كله فهو مستحب أو جائز على ما قدمنا تفصيله أول الخاتمة ، وبالله التوفيق .
هذا آخر الجزء والحمد الله على إكماله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله .
يوم الاثنين 15 ربيع النبوي سنة 1375 .
________________________________________

الكتاب : إظهار الحق بوجوب الدفاع عن سيد الخلق تأليف : أبي الفضل أحمد بن منصور بن إسماعيل قرطام الفلسطيني المالكي الأشعري

الكتاب : إظهار الحق بوجوب الدفاع عن سيد الخلق
تأليف : أبي الفضل أحمد بن منصور بن إسماعيل قرطام الفلسطيني المالكي الأشعري
إظهار الحق
بوجوب الدفاع عن
سيد الخلق
بقلم
خادم العلم الشريف أبي الفضل
أحمد بن منصور بن اسماعيل قرطام
الفلسطيني المالكي الأشعري
كان الله له ولوالديه ولعامة المسلمين
بمنه وكرمه
آمين
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفانا للإسلام وجعلنا من أتباع خير الأنام، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، القائل فيما رواه عن ربه في الحديث القدسي:”من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب” أخرجه البخاري في كتاب الرقائق باب (38).
والقائل كذلك:” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب (8).
ومن أَجَلِّ وأَوْكَد مظاهر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفاع عنه وعدم إذايته في أبويه وآله وصحبه؛ لأنَّ في إذايتهم إذاية له صلى الله عليه وسلم، وفي إذايته إذاية لله تعالى.
ومما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمس من شرف نبوته وشرف نسبه القول بدخول أبويه الشريفين جهنم والعياذ بالله قال تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللهَ ,رَسُولَهُ لَعنَهُمُ اللهُ فِى الدُّنيَا ,الأَخِرَةِ ,أَعَدَّ لَهُم عَذَاباً مُّهِيناً ” سورة الأحزاب آية (57) ,لسائل أن يسأل ما الفائدة من طرح هذه المسالة أو التكلم فيها أصلا لما فيها من خطر إفساد عقيدة العوام وإثارة الاختلاف في صفوف المسلمين ؟ في حين أنها مسألة لم يكلفنا الله بها ولم يتعبدنا بها فلا يضرنا جهلها ولا ينفعنا علمها لأنه لو مات أي إنسان وهو لا يعلم هذه المسألة لا ضير عليه قطعا باتفاق من يعتد به من أكابر علماء أهل السنة والجماعة كالإمام أبي حنيفة ونصه في ذلك صريح في كتابه الفقه الأكبر والإمام مالك والشافعي وأحمد رضى الله عنهم أجمعين. أما من خالفهم من الخارجين عن الصف القائلين بعذاب أبوى النبي صلى الله عليه وسلم فيروجون فتنتهم لمرض في قلوبهم قال تعالى:” فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلَهُ ” سورة آل عمران آية (7) وعمدتهم في ذلك حديثين من الآحاد وهما:
حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي”
ما رواه مسلم أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي قال: في النار فلما قضى دعاه فقال:” إن أبي وأباك في النار “
________________________________________
والمتأمل في هذين الحديثين يستطيع أن يتبين علتهما وذلك لمعارضتهما لصريح القران كقوله تعالى:” وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء آية (15) ولقوله تعالى:” ذَلِكَ أَن لَّم يَكُن رَّبُّكَ مُهلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهلُهَا غَافِلُونَ ” سورة الأنعام آية (131) والقوم الذين بعث فيهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين منهم أبويه لم يأتهم نذير قبله لصريح قوله تعالى:” وَمَا أَرسَلنَا إِلَيهِم قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ ” سورة سبأ آية (44) ولقوله تعالى:” لِتُنذِرَ قَوماً مَّا أَتَهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ ” سورة السجدة آية (3) فمعارضة هذين الحديثين المخالفين لفظاً ومعناً لصريح القرآن الذي هو قطعي الثبوت مع عدم إمكانية الجمع بينهما سقط الاحتجاج بهما وتمسكنا بالقرآن كما هو مقرر وحسب قواعد الشريعة قال الإمام النووي في شرح المهذب ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره والقاعدة عند علماء أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتُريدية بل وجميع العقلاء أن خبر الآحاد متى عارض الكتاب والسنة المتواترة أو الإجماع المعتبر لفظا ومعنى مع عدم امكانية الجمع بحال سقط الاستدلال به، وكذلك اتفقوا على العمل به في العمليات دون الاعتقاديات، بمعنى أن مسائل العقائد مبنية على القطعيات التي تفيد العلم اليقيني والتي يكفر منكرها. بخلاف الآحاد الذي لا يفيد إلا الظن وبالتالي ما ينبني عليه من الاحكام لأن غالبه محل خلاف بين العلماء إلا ما أجمعوا عليه فيرتفع فيه الخلاف لأجل الإجماع وليس لذات الدليل وهذه قاعدة قل من يعلمها ممن ينتسبون للعلم اليوم فمن باب الأولى عامة الناس، وهذا لا يخالف ما قلناه سابقا من أن مسألة نجاة أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينها ليست من المسائل العقائدية. ولكن من العقيدة التي يجب على كل مؤمن أن يعتقدها ولا يجوز له جهلها
________________________________________
فضلاً عن إنكارها هي أن أهل الفترة ناجون وإن بدلوا وغيروا بدليل النصوص القرآنية القطعية السابقة الذكر وأبوي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة بلا خلاف.
فصل
قال مولانا المنعم الفقيه الأصولي المحدث المفسر النحرير واللغوي الكبير علامة المغرب بل الدنيا سيدي عبد الله بن الصديق الغماري عليه من الله رحمة الباري وطيب الله ثراه وجعلنا على خطاه في كتابه الموسم ” بالخواطر الدينية ” أهل الفترة هم الذين عاشوا في زمن لم يكن فيه نبي ولا رسول بعث اليهم، كالعرب الذين عاشوا في الفترة والتي بين سيدنا اسماعيل ونبينا عليهما السلام وكذلك أهل الكتاب الذين عاشوا في الفترة التي بين سيدنا عيسى ونبينا عليهما السلام والحكم فيهم عند الجمهور أنهم ناجون ولو غيروا وبدلوا لقوله تعالى:” وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء آية (15) وغيرها من الأيات والتي مر بعضٌ منها، وأجابوا عن تعذيب بعض أهل الفترة بأنها آحاد لا تقوى على معارضة القرأن زيادة على أنها تحتمل التأويل أما من أشرك من أهل الفترة وغير بابتداع أمور شركية مثل عمرو بن لحي وهو أول من أدخل الأصنام إلى مكة فيعذب لورود نص فيه بعينه، ولا يُعترض علينا بالقاعدة التي تقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لأن ذلك يتعارض مع صريح القرأن فتعين أن يكون حكما خارج على غير قياس. أما بعد البعثة المحمدية التي عمَّت غالب أهل الأرض جميعا فلا يوجد أهل فترة ولكن قد يعترض علينا بوجود من لم تبلغه الدعوة وهو اعتراض قد يكون صحيح فلو افترضنا وجود شخص ما في بعض مجاهل القارة الافريقية أو غابات أمريكا مثلا لم يسمع بالإسلام ولا عرف شيئا عن توحيد الله تعالى ولم يسمع بأن هناك نبي اسمه محمد صلى الله عليه وسلم وعاش بين الغابات فإنه ناج بلا شك حتى ولو اعتنق بعض الديانات كالنصرانية مثلا ذلك لأن بلوغ الدعوة شرط في توجه الخطاب التكليفى للشخص فحيث لم تبلغه
________________________________________
الدعوة بدون تقصير منه لا يكون مكلفا. وأما الذين ولدوا بين أبوين يهوديين أو نصرانيين وبلغتهم دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأي وجه من الوجوه فهم كفار بلا نزاع بحيث لو خير أحدهم بين الإسلام والموت لاختار الموت على الإسلام. انتهى بتصرف.
فصل
أما ما جاء في قوله تعالى ” مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَستَغفِرُواْ لِلمُشرِكِينَ ولَو كَانُواْ أُوْلِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجحِيمِ” سورة التوبة آيه (113).
فلا يحتج به على أهل الفترة وذلك لأن هذه الأية نزلت في أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تتعلق بوالديه لا من قريب ولا من بعيد ولا تصريحا ولا تلويحا لما هو مقرر ومعلوم ومشهور وذلك لأن أبا طالب أدرك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأبى أن يسلم، أما أبواه فلم يدركا البعثة فأين هذا من هذا….؟ ويقوي ذلك ما رواه أبو داود والبيهقي من أن سيدنا على كرم الله وجهه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” إن عمك الشيخ الضال قد مات فقال: إذهب فواره وفي رواية:” إن عمك الشيخ الكافر.
فصل
يجب أن يعلم بأن القاعدة العامة المتفق عليها في كيفية إقرار الحكم الشرعي أنه لا يؤخذ من دليل واحد غالبا بل هو نتيجة لمجموعة من الضوابط المشتركة بين الايات والأحاديث التي تبنى على بعض القواعد الأصولية والحديثية والعقائدية واللغوية التي لا غنى عنها لفهم معاني النصوص التي أُستُقرئت وضُبِطَت الشريعة الغراء من خلالها قبل النظر واصدار الحكم الشرعي ونحن بحمد الله وتوفيقه نبين بعض هذه القواعد التى لا بد منها لفهم هذين الحديثين على وفق ما اتفق عليه كبار أهل الحل والعقد من نقاد علماء أهل السنة والجماعة من حفاظ وأصوليين وغيرهم أن من أسباب رد الحديث:
مخالفته لصريح القرآن لفظاُ ومعنى مع عدم امكانية تأويله ليوافق القرآن بلا تكلف.
________________________________________
مخالفته لصريح العقل السليم لأن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة وإن كنا لا ندركها غالبا ولأن العقل شاهد من شواهد الشرع فالشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول.
أنه لا يستدل في العقائد إلا بالمتواتر أو المشهور خلافا لأبي حنيفة رضى الله عنه الذى يرى أنه يجوز الاستدلال بخبر الأحاد في العقائد بشرط أن لا يكون له معارض من القرآن أو من السنة المتواترة أو المشهورة.
وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لا عنده رضى الله عنه ولا عند غيره من باب الأولى لأن القاعدة عنده أن الظني لا يقوى على معارضة القطعي والقرآن عنده قطعي الثبوت ويمثل له بهذه الأية:” ومَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء أية (15) ويؤيد ذلك ما قاله الأصوليون من أن ” عدم الاستفصال يؤدى إلى تعلق الحكم في عموم المقال ” وهذه الأية تدخل تحت هذه القاعدة ” وكذلك قولهم أيضا ” الأعراض في موضع البيان يفيد الحصر ” وهو يتطابق مع هذه الأية، أن كل من لم يأته رسول لا يعذب إلا ما خرج على غير قياس هذا في كيفية العمل إذا ما عارض الحديث القرأن أما إذا ما عارض الحديث الحديث فكلامهم في هذا الباب كثير ينحصر في ثلاثه قواعد عند الأصوليين والمحدثين:
إذا ما ثبت حديثان صحيحان سنداً ومتناً متعارضان في اللفظ متفقان في المعنى يجب الجمع بينهما عملا بقاعدة ” ما أمكن الجمع جمع “
إذا كان الحديث الأول صحيح والثاني ضعيف يقدم الصحيح على الضعيف باجماع أهل هذا الفن.
________________________________________
إذا كان الحديثان صحيحان ومختلفان لفظا ومعنى بمعنى لا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه الصحيحة فينظر الى ما هو قديم وما هو جديد فيكون القديم منسوخ والجديد ناسخ لاستحالة الجمع بينهما مع الجزم بثبوتهما والمعلوم أن السنة لا تتعارض فتعين النسخ وكان لزاما معرفة التاريخ فإن لم يعلم القديم من الجديد وجب إسقاط العمل بكلا الحديثين وتعين البحث عن دليل أخر لاجتناب الترجيح بغير مرجح وهو حرام… حرام…. حرام…. بإتفاق الجميع.
فصل
في كيفية نقد هذين الحديثين كل على حده
حديث ” إستأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي “و في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم بكى وأبكى من حوله فإن هذا الحديث لا يصح الاستدلال به على أن والدته صلى الله عليه وسلم في النار لعدة أمور:-
أن هذا الحديث يعارض معارضة صريحة قول الله تعالى:” وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الاسراء أية (15) وقوله تعالى:” وَمَا أَرسَلنَا إِلَيهِم قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ ” سورة سبأ آية (44).
أن بكائه صلى الله عليه وسلم على أمه لا يدل على أنها من أهل النار بأي وجه من الوجوه بدليل أنه بكى على إبنه إبراهيم كما في الصحيحين إذ قال:” تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون”.
إن الله تعالى أذن له بزيارة قبرها يدل على أنها مؤمنة وليست كافرة من أهل النار وإلا لتعارض صدر الحديث مع عجزه ناهيك أيضا أن الله تعالى قد نهاه أن يقوم على قبور الكفار والمنافقين بقوله عز من قائل:” ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنهُم مَّاتَ أَبَداً ولا تَقُم عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُم كَفَرُواْ بِاللهِ ورَسُولِهِ ومَاتُواْ وهُم فَاسِقُونَ ” آية (84) من سورة التوبة وحاشى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف أمر الله تعالى ومن يظن ذلك فليس له نصيب من الإيمان في شيء.
________________________________________
حديث أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال: في النار ” فلما قفى دعاه فقال:” إن أبي وأباك في النار ” الحديث فمما يجب أن يعلم أن لهذا الحديث ثلاثة طرق:-
السند الأول عن طريق حماد بن سلمة عن ثابت وهي التي جاء فيها: إن أبي وأباك في النار.
السند الثاني عن طريق معمر عن ثابت وهي خالية من ذكر ” إن أبي وأباك في النار”.
السند الثالث عن طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص وهي خالية أيضا من ذكر إن أبي وأباك في النار غير أنها تنتهي بقوله صلى الله عليه وسلم:” حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار” فالطريقه الأولى في سندها ثابت وحماد بن سلمة. أما ثابت فهو عند بعضهم ثقة ولكن ذكره ابن عدي في الضعفاء وعلل الحديث فقال:” إنه وقع في أحاديثه ما ينكر، وهذا الحديث منها وأمَّا حماد فقال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة ” فتح الباري”: حماد بن سلمة بن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات إلا أنه ساء حفظه في الآخر. وقال السيوطي عن حماد بن سلمة في كتابه ” مسالك الحنفا في نجاة والدي المصطفى ” إن حماد تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد في آخر حياته لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا ولا خرَّج له مسلم في اصول الدين إلا من روايته عن ثابت. قال الحاكم في المدخل ” ما خرج مسلم لحماد إلا من حديثه عن ثابت. انتهى.
________________________________________
أما السندان الثاني والثالث ففي سند الرواية الثانية معمر عن ثابت عن أنس عوضاً عن حماد عن ثابت والرواية الثالثة جاءت بالسند الأتي فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:” أين أبي ؟ قال:” في النار” قال:” فأين أبوك” قال:” حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ” ويُلاحظ أن السند الأول ذكر فيه حماد عن ثابت والسند الثاني ذكر فيه معمر عن ثابت ومن المعروف أن معمرا أثبت من حماد بدليل أن حماداً تُكلِّم في حفظه كما سلف ولم يتكلم أحد في معمر. قال السيوطي في نفس المرجع المذكور وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا اسْتُنكر شيءٌ من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت أي فتكون روايته أوثق وأثبت وأقرب الى الصحة. وأما سند الرواية الثالثه فقد قال السيوطي في نفس المرجع ” وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين المصير اليه والاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره ” قلت وذلك لصحة سنده وقوة ودقة متنه وخلوه من الشذوذ والعلة لا سيما عدم معارضته لصريح القرآن.
فصل
________________________________________
لو فرضنا أن الحديث بالطريقة الأولى ثبت وصح فيجب علينا أن نأوله بما يقبل التأويل، وذلك لوجوب التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلزم تخريج الحديث عن ظاهره ولما ذكرناه سابقاً أنه خبر أحاد يقبل الأحتمال والتأويل والقاعدة تقول:” أنَّ ما دخله الإحتمال سقط به الاستدلال”، زيادة على مخالفته لصريح القرآن وكما أشرنا اليه سابقا إلا أن بعض علمائنا لم يذهبوا إلى إسقاطه وأولوه بما يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:” إن أبي وأباك في النار ” قصد بذلك عمه أبو طالب لأنه هو الذي حضر البعثة ولأن في اللغة يطلق الأب ويراد به العم ودليل ذلك من القرأن قوله تعالى:” أَم كُنتُم شُهَدَاءَ إِذ حَضَرَ يَعقُوبَ المَوتُ إِذ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعبُدُونَ مِن بَعدِى قالوا نَعبُدُ إِلَهَكَ وإِلََه ءَابَائِكَ إِبرَاهِيمِ وإِسمَاعِيلَ وإِسحَقَ إِلَهاً وَاحِداً ونَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ ” سورة البقرة أية (133) فإسماعيل ليس أبا ليعقوب فهو عمه وسماه الله أبا له.
قال ابن الجوزي في كتابه:” نزهة الأعين النواظر” وذكر أهل التفسير أن الأب في القران على أربعة أوجه:
أحدهما: الأب الأدنى ومنه قوله تعالى: ” وَأُمِهِ وَأَبِيهِ ” سورة عبس آية (35) وقوله:” ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ ” سورة النساء آيه (11).
ثانيهما: الجد ومنه قوله تعالى:” مِلَّةَ أَبِيكُم إِبرَاهِيم ” سورة الحج آية (78).
والثالث: العم ومنه قوله تعالى:” نَعبُدُ إِلَهَكَ وإِلََه ءَابَائِكَ إِبرَاهِيمِ وإِسمَاعِيلَ ” سورة البقرة آية (133).
و الرابع: الخالة ومنه قوله تعالى:” وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى العَرشِ “سورة يوسف آية (100).
________________________________________
و من الوجه الثالث ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم:” إحفظوني في العباس فإنه بقية أبائي “مع أنه عمه وهذا الحديث ” إن أبي وأباك في النار ” مردود إن قلنا أن قوله فيه أبي ” هو أبوه عبد الله بن عبد المطلب وذلك لأن أباه عبد الله من أهل الفترة لأنه لم يدرك بعثته صلى الله عليه وسلم قطعا ولأنه من قوم لم يأتهم رسول بدليل الأيات السابقه ولأن لفظة الأب في اللغة تحتمل الجد والعم والأب الأدنى وحَملُها على واحد بعينه تحتاج الى قرينة والقرينة الظاهرة في الحديث تدل على العم وحملها على أب النبي صلى الله عليه وسلم فيه تهكم وهو في شرعنا ممنوع وهذا مما فهمه الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم عندما بوب له ” أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين” والمراد بذلك أبو طالب الذي أدرك بعثته صلى الله عليه وسلم وأبى أن ينطق بالشهادة ومات على الكفر كما ذكرنا سابقاً من حديث علي كرَّم الله وجهه والإجماع منعقد على وجوب تكفير الأبي الممتنع وأنه خالد مخلد في نار جهنم قال سيدي أبو عبد الله الفاسى المالكي في كتابه مراصد المعتمد في مقاصد المعتقد:
و من يكن ذا النطق منه ما اتفق فإن يكن عجزا يكن كمن نطق
و إن يكن ذلك عن إباء فحكمه الكفر بلا امتراء
و إن يكن لغفلة فكالإبا وذا لسنةِ عياض نسبا
و قيلَ كالنطقِ وللجمهورِ نسبَ والشيخ أبي منصور
و هذا ينطبق على أبي طالب فقد عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لا اله الا الله فأبى رواه البخاري.
فصل
مما يستدل به على نجاة أبوي المصطفي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة
________________________________________
أولاً: قوله تعالى:” ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً ” سورة الإسراء أية (15) فالآية عامة وصريحة في أن الله تعالى لا يعذِّب أحداً حتى يرسل الرسل قال الألوسي صاحب روح المعاني في تفسيره عند شرح هذه الآية:” وما صح وما استقام بل استحال في السنة الإلهية المبنية على الحكم البالغة أو في قضائنا السابق أن نعذب أحداً بنوع من أنواع التعذيب دنيويا أو أُخروياً على فعل شيء أو ترك شيء أصلياً كان أو فرعياً حتى نبعث إليه رسولاًً يهدي إلى الحق ويبين الشريعة ” أ هـ، مع وجوب العلم انه يجوز عقلاً على الله تعالى أن يعذب من يشاء من عبيده بذنب أو بغير ذنب مصداقاً لقوله تعالى :” لا يُسئَلُ عَمَّا يَفعَلُ وهُم يُسئَلُونَ ” سورة الأنبياء آية (23) إلا أنه سبحانه وتعالى ببالغ حكمته وكمال عدله وبمحض فضله قد منَّ علينا بإبطال هذا الحكم العقلي بحكمٍ شرعي ” ويسمى بالمستحيل العَرَضي ” أى لا يعذب أحد إلا بعد إرسال الرسل.
ثانياً: قوله تعالى:” ولَولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيهِم فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَولا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ ” سورة القصص آية (47) أي أن الحامل على إرسال الرسل تعللهم بهذا القول واحتجاجهم به.
ثالثاً:” ومَا كَانَ رَبُكُّ مُهلِكَ القُرَى حَتَّى يَبعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَاتِنَا ” سورة القصص آية (59) قال ابن جُزَيْ في تفسيره ” التسهيل لعلوم التنزيل ” أُمُّ القرى مكة لأنها أوَّل ما خلق الله من الأرض ولأنَّ فيها بيت الله، والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى بأن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أمِّ القرى فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم وإقامة الحجة عليهم. أ هـ
________________________________________
رابعاً:” قوله تعالى:” ولَو أَنَّا أَهلَكَنهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَولا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَتِكَ مِن قَبلِ أَن نَّذِلَّ ونَخزَى ” سورة طه آية (134).
خامساً: قوله تعالى:” ومَا أَهلَكنَا مِن قَريَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ، ذِكرَى ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ ” سورة الشعراء آية (208،209).
سادساً: قوله تعالى:” وهُم يَصطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخرِجنَا نَعمل صَالِحاً غَيرَ الَّذِى كُنَّا نَعمَلُ أَوَلَم نُعَمِّركُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ” سورة فاطر آية (37).
سابعاً: قوله تعالى:” أَم يَقُولُونَ افتَرَاهُ بَل هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوماً مَّا أَتَهُم مِّن نَّذِيرٍ مّن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ ” سورة السجدة آية(3)
ثامناً: قوله تعالى:” وهَذَا كِتَابَ أَنزلنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُواْ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ، أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِن قَبلِنَا وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِم لَغَافِلينَ، أَو تَقُولُواْ لَو أَنَّا أُنزلَ عَلَينَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهدَى مِنهُم فَقَد جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم وهُدًى ورَحمةٌ ” سورة الأنعام آية (155،156،157) والآيات في هذا الباب كثيرة جداً لمن أراد أن يتبصر فعليه بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أما ما جاء في السنة:
________________________________________
أولاً: ما أخرجه مسلم في كتاب المناقب ما نصه: حدَّثنا محمد بن مهران الرازي ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم جميعاً عن الوليد قال ابن مهران حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شدَّاد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” إنَّ الله عزَّ وجلَّ اصطفى كِنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كِنانة واصطفى من قريشٍ بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ” ووجه الدليل من الحديث أن الإصطفاء يشعر بالنجاة والقرأن يشهد لذلك الإصطفاء بآياتٍ كثيرة إذ أنَّ الله لا يصطفي المشركين الأنجاس، إنما يصطفي الموحدين الطاهرين فعبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم إصطفاه الله.
ثانياً: روى أبو نعيم في دلائل النبوة:” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفَّى مهذَّبا لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما ” فوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك قال تعالى يصف المشركين:” إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسُ ” سورة التوبة آية(28).
ثالثاً: أخرج البخاري في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب المناقب حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ” ووجه الدليل من الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القرون التي سبقته وقرنه الذي بعث فيه بالخيرية والمراد بالقرون أهله الذين عاشوا قبله ومعه وهم أصوله وذلك بصريح الحديث.
قال الحافظ زين الدين العراقي في مورده الهني ومولده السني:
حفظ الإله كرامةً لمحمدٍ ءاباءهُ الأمجادُ صوناً لاسمهِ
تركوا السفاح فلم يصيبهم عارهُ من ءادمٍ وإلى أبيهِ وأمهِ
________________________________________
رابعاً: ما ذكره القسطلاني في كتابه المواهب اللدنية قال: “روى الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت:” شهدت آمنة أمَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت بها ومحمد صلى الله عليه وسلم يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه وقالت أبيات شعر ثم قالت كل حيٍّ ميِّت وكل جديد بال وكل كثير يفنى وأنا ميِّتة وذكري باقٍ وقد تركت خيراًَ وولدت طهراً ثم ماتت فكنَّا نسمع نوح الجنِّ عليها، أخرج الإمام أحمد وصححة الحاكم من حديث العرباض ابن سارية السلمى قال ” ورؤيا أمى التى رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك أمهات النبيين يرين ” بمعنى أى يلهمن.
أفمن كان آخر كلامه هذه الحكم الدالة على سلامة فطرته ومن يبشر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كانت الجن تنوح عليه أسفاً على فراقه يُقال فيه أنَّه من أصحاب النَّار.
فصل
روى البيهقي في كتابه دلائل النبوة بسنده المتصل إلى الإمام الشافعي أنه قال: ما من معجزةٍ كانت لنبيٍ من الأنبياء إلا وكان لنبينا مثلها.
________________________________________
قال القرطبي في التذكرة: إنَّ فضائله صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فلا يمتنع أن يكون إحياءُ والديه ممَّا فضَّله به وأكرمه قال: وليس إحياؤهما وإماتتهما ممتنعا عقلاً وشرعاً فقد ورد في الكتاب العزيز إحياءُ قتيل بني اسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أحيى الله على يديه جماعة من الموتى مثل ما روي عن الحسن بن عليَّ رضي الله عنهما قال: اتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنَّية له في وادي كذا فانطلق معه الى الوادي وناداها باسمها: ” يا فلانة، أجيبي بإذن الله ” فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك: فقال لها:” إنَّ أبويك قد أسلما، فإن أحببت أن أردك عليهما ؟ قالت: لا حاجة لي فيهما وجدت الله خيرا منهما. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر شاةً مصلية سمَّمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم فقال:” ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة ” وروى هذا الحديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما وفيه:” أخبرتني هذه الذراع ” رواه أبو داود فمِمَّا أكرم به الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن وهب على يده الحياة والإدراك حتى للجمادات الخالية من مقومات الحياة، انتهى كلام القرطبي بتصرف.
________________________________________
قلت: وروى مسلم في كتابه الفضائل عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إني لأعرف حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ” وكذلك كلام الشجر رواه الدارمي وحديث الذئب رواه أحمد وحديث العذق رواه أحمد أيضا والترمذي وكلام الجمل رواه أبو نعيم في الدلائل وحنين الجزع رواه البخاري وشهادة الضب رواه أبو نعيم أيضا في الدلائل وشهادة زيد بن خارجة الأنصاري بعد ما مات لنبينا صلى الله عليه وسلم بالرسالة رواه البيهقى وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة أخرجه أبو داود في الدِّيِّات وغير ذلك كثير مما يصعب تتبعه في هذه العجالة مع التنبيه أن كلام الموتى معهود ومعروف أما كلام الشجر والحجر والجمل وغير ذلك فإنه لعمري غير معهودٍ ومألوف ولله در البوصيري حيث يقول:
إن كان موسى سقى الأسباط من حجر
فإن في الكف معنىً ليس في الحجر
إن كان عيسى برا الأعمى بدعوته
فكم براحته قد ردَّ من بصر
فصل
في إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم وإيمانهما به
أولا: ومما لا شك فيه بأن حديث إحيائهما ضعيف عند الحفاظ وعدم حاجتنا له بذاته للإحتجاج به على نجاتهما بعد كل ما بيَّنَّاه آنفاً ولكن لا بأس أن نورده زيادةً للفائدة وطمأنةً للقلوب ولمعرفة طريقة العمل مع مثل هذه الأحاديث قبل الإسراع إلى الاعتراض لأنَّ كل ذلك غير ممدوحٍ عند أهل النظر فقد روى الطبراني بسنده عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل الحجون حزيناً أقام به ما شاء الله ثم رجع مسروراً قال:” سألت ربي عز وجل فأحيى لي أمي فآمنت بي ثم ردَّها ” وروي من حديث عائشة أيضا إحياء أبويه صلى الله عليه وسلم حتى آمنا به. أورده السهيلي و الخطيب البغدادي وقد مرَّ معنا في الفصل السابق قول القرطبي إن إحياءهما ليس ممتنعا لا شرعا ولا عقلا.
________________________________________
قلت: بل الشواهد التي تواترت في إحياء الأموات وكلام الجمادات معجزة وكرامة له صلى الله عليه وسلم مع خلو الجمادات من مقومات الحياة وما كان من إحياء قتيل بني إسرائيل ونفخ الروح في الطير لسيدنا عيسى عليه السلام وهي من الطين فتصبح طائراً حقيقياً أفبعد هذا يمتنع إحياء أبويه للإيمان به صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك زيادةً في إكرامه وتفضيله ومعجزةً من معجزاته التي أيَّده الله بها وأظهرها على يديه صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ” رواه أبو نعيم في الدلائل وقد قال تعالى:” إِنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ” سورة التوبة أية (28) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً فكيف بأبائه انتهى كلام الرازي، وقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال:
حبا الله النبي مزيد فضلٍ على فضلٍ وكان به رؤوفا
فأحيى أمَّه وكذا أباه لإيمانٍ به فضلاً لطيفا
فسلم فالقديم بذا قديرٌ وإن كان الحديث به ضعيفا
________________________________________
فاعلم أخي المؤمن إنَّ الله جعل نبيَّه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين حتى لعمَّيه أبي طالب وأبي لهب اللذين سمعا بدعوته وصمَّما على الكفر به حتى ماتا فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر عنده عمه أبو طالب فقال:” لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاحٍ من نار يبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه ” وعن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيءٍ فإنَّه قد كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال: ” نعم، هو في ضحضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار “رواه البخاري في المناقب ومسلم في باب الإيمان وعن العباس أيضا أنه رأى أبا لهب في النوم بعد وفاته فسأله عن حاله فقال:” لم ألقَ خيراً بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة وإنه ليخفف عليَّ في كل يوم اثنين ” رواه البخاري فهذه السنة النبوية جاءت تخبر أن الله تعالى جعل الأول من أهون أهل النار عذابا مع أنه مخلدٌ فيها وأنَّ الثاني يخفَّف عنه العذاب كل يوم اثنين مع أنه مخلد فيها مع أنه هناك كلام عند أهل الأصول على هذا النوع من الأحاديث ولكن ليس هذا محله. فكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم رحمة لوالديه وقد ماتا على الفطرة مع أنهما من أهل الفترة كما يعتقد جمهور الأمة قال الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه العلماء مراتب والأقوال مراتب فلا عبرة بقول القائل بلا بيان ولا أدلة ولا برهان وإلا لصحت دعوة كل مدَّعٍ وأنكر وجود الشمس في رابعةِ النهار، فنرجوا أن نكون وُفِّقنا في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإظهار الحق ودحض الباطل قاطعين الطريق على كل لجَّاج ومحجاج فقد قال الامام السيوطي رحمه الله:
هذه أدلة لو تفرد بعضها لكفى فكيف بها إذا تتألف
و بحسب من لم يرتضيها صمته أدبا ولكن أين من هو منصف
صلى الإله على النبي محمد ما جدد الدين الحنيف محنف
خاتمة
________________________________________
أيها القارئ المنصف الكريم نرجوا أن تقرأ رسالتنا هذه بتمعنٍ وتبصرٍ وإنصافٍ وروحٍ عاليةٍ، فوالله ما كتبناها إلا محبة للخير وعملاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم” رواه الحاكم عن ابن مسعود.
وهل يوجد شيء أهم من الدفاع عن رسولنا الكريم وقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده” رواه البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” رواه مسلم في كتاب الإيمان، ولقد أوصانا علماؤنا ولا يزالون يوصوننا بالتثبت في النقل، لأنَّ العلم أمانة وعدم التثبت فيه غدرٌ وخيانة، وقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بسنده المتصل لابن سيرين أنه قال: “إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم” فلا تغتر أخي المؤمن بمن يروَّجون خبر كفر أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم ويحرمون زيارة قبره الشريف ويعتبرون ذلك شرك، والمنصف منهم يعتبره سفر معصية وعلى قولهم هذا لا يسلم من الشرك أو المعاصي جميع علماء المسلمين زياده على عامتهم، لأن نجاة والدي المصطفى وزيارة قبره الشريف هو ما عليه علماء المسلمين من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة بعيداً عن أي تعصب وتطرفٍ، وذلك بما تناقلوه عن الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح وغيرهم من شموس هذه الأمة وأعلامها الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم شيئا ” رواه احمد والشيخان عن معاوية قال الامام أحمد رضى الله عنه إذا لم يكونوا أهل العلم فلا أدرى من هم فلا تغتر واتبع ما كان من الأثر وما عليه أهل الفهم من أصحاب الحل والعقد وأتقياء البشر وتمسك بأصحاب هذه المدارس واهجر كل من قوله دارس وتثبت بالأساس كما قال الإمام المشهور بالرَّواس:
إتبع أهل الهدى على علم فأهل الهدى مثل النجوم الزواهر
________________________________________
و إن أخا علم به الزيغ كامن أضر على الاسلام من ألف كافر
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام وما لها علينا من الفضل والجود والكرم والإحسان الحمد لله العليم المنَّان الشكر لله العظيم السلطان اللهم اختم لنا بخيرك يا رحمن اللهم اختم لنا ولوالدينا ولجميع المؤمنين بالسعادة والغفران وشفع فينا سيد ولد عدنان لدفاعنا عنه وأمّه وآبائه الكرام.
قاله بلسانه وأعاد صياغته ببنانه العبد الفقير إلى ربه المقصر بحق دينه ووطنه وأشياخه وأهله أبو الفضل أحمد بن منصور قرطام المالكي الحنفي الشافعي الحنبلى الأشعري الماتريدي الأيوبي الأب الحسيني الأم كان الله له ولمشايخه ولوالديه ولجميع المؤمنين بمنه وفضله آمين.
غزة 14 ربيع الثاني على الساعة الثانية بعد الظهر
من يوم الثلاثاء الموافق له 25/6/2002 رومي.
ولله در القائل
وما من كاتب إلا سيفنى
ويبقى الدهرَ ما كتبتْ يداهُ
فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيءٍ
يسركَ في القيامة أن تراهُ
أجلُّ ما كسبتْ يد الفتى قلمُ
وخيرُ ما جمعت يدُ الفتى كُتُبُ
________________________________________

الكتاب : إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي المؤلف : الإمام المحدث السيد عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني

الكتاب : إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي
المؤلف : الإمام المحدث السيد عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني
تعليق : السيد حسن بن علي السقاف
الناشر : مكتبة الإمام النووي – عمَّان
إرغام المبتدع الغبي
بجواز التوسل بالنبي
للامام المحدث الاصولي الشريف عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني
ويليه الرد على الألباني المسمى ببيان نكث الناكث المعتدي بتضعيف الحارث
لمحدث المغرب السيد عبد العزيز الغماري الحسني قدم لهما وعلق عليهما حسن بن علي السقاف
______________________________________

________________________________________
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اختص سيدنا محمدا بالرسالة واجتباه ، فتوسنا واستغثنا به إلى من اختاره واصطفاه ، وجعله افضل الخلق بالكمال ، بما جمله به من الجلال والجمال ، واختاره وبعثه لاظهر كلمة الحق بعد ان مد الضلال رواقه ، فلم يزل بإعزاز الشرع قائما ، ولساعات زمانه في طلب رضا الله قاسما ، لا ينحرف عن مقاصد الصواب ولا يميل ، ولا يخلي مطايا جده في تقوية الدين مما تابع فيه الرسيم والذميل ، إلى ان ازال عن القلوب صدأ الشكوك وجلا ، وأجلى مسعاه عن كل ما اودع نفوس احلاف الباطل والحاقدين وجلا ، ومضى وقد اضاء للايمان هلال أمن سراره ، ورضي لابادة الشرك حساما لا ينبو قط غراره ، فصلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، ورضي عن صحابته المنتخبين ، صلاة يتصل الاصيل فيها بالغدو ، ونرى قيمتها في الاجر وافية العلو . أما بعد : فالتوسل والاستغاثة والتشفع بسيد الانام ، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصباح الظلام ، من الامور المندوبات المؤكدات ، وخصوصا عند المدلهمات ، وعلى ذلك سار العلماء العاملون ، والاولياء العابدون ، والسادة المحدثون ، والائمة السالفون ، كما قال السبكي فيما نقل عند صاحب فيض القدير (2 / 135) : ويحسن التوسل والاستعانه (1) والتشفع بالنبي إلى ربه ولم ينكر ذلك احد من السلف ولامن الخلف . . . أه‍ . حتى نص السادة الحنابلة في مصنفاتهم الفقهية عل استحباب التوسل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوا ذلك عن الامام احمد انه استحبه كا في كتاب الانصاف فيما ترجح من الخلاف (2 / 456) وغيره ونقل ابن كثير في البداية (14 / 45) ان ابن تيمية أقر أخيرا في المجلس الذي عقده له العلماء العاملون الربانيون
________________________________________
(1) وقد تصحفت وصوابها الاستغاثة أه‍ (*)
________________________________________
[ 4 ]
________________________________________
المجاهدون بالتوسل واصر على انكار الاستغاثة . مع انه يقول في رسالة خاصة له في الاستغاثة بجوازها بالنبي فيما يقدر عليه المخلوق . واعتمد الامام الحافظ النووي استحباب التوسل والاستغاثة في مصنفاته كا في حاشية الايضاح على المناسك له (ص 450) و (ص 498) من طبعة اخرى وفي شرح المهذب المجموع (8 / 274) وففي الاذكار (ص 307) من طبعة دار الفكر في كتاب اذكار الحج وص (184) من طبعة المكتبة العلمية وهو مذهب الشافعية وغيرهم من الائمة المرضيين المجمع على جلالتهم وثقتهم وإني أود ان أسرد بعض الادلة من الاحاديث الصحيحة الثابتة عند علماء المسلمين وائمة الحفاظ والمحدثين ، والتى لم تضرها محاولة تلاعب المتلاعبين في الطعن في اسانيدها ، وغير ذلك من طرق التلاعب والتدليس التي بينتها ومثلت عليها في بهجة الناظر في الفصل الرابع . ولا يعرف الحق كا هو معلوم بالجعجعة وكثرة الكلام ونفخ الكتب بتكثير عدد الصفحات وانما يعرف الحق بالبراهين العلمية ، والادلة الواضحة الجلية ، وان كانت قليلة العبارات ، فهي كثرة التعبيرات والاشارات ، وقد ارشد إلى ذلك سيدنا رسول الله صلى اللة عليه وسلم في قوله (اوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا) . وإني ابدأ بعرض بعض أدلة التوسل ثم أردفها بأدلة الاستغاثة المندوبة التي ارشدت إليها السنة الغراء فأقول : أدلة التوسل : (1) حديث الشفاعة المتواتر والمروي في الصحيحين وغيرهما من ان الناس يتوسلون بسيد الانام عند اشتداد الامر عليهم يوم القيامة ويستغيثون به ولو كان التوسل والاستغاثة من الكفر والشرك لم يشفع النبي للناس يؤمئذ ولا يأذن الله له بالشفاعة للمشركين والكفار على زعم من يكفر عباد الله بالالاف ، ويحاول تهييج العامة والسذج على من اظهر كفر من قال بقدم العالم المجمع على كفر قائله ومعتقده ، وايضا لو كان التوسل شركا أو كفرا لبينه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اخبر اصحابه بحديث
________________________________________
الشفاعة . فلما لم يكن كفرا بنص
________________________________________
[ 5 ]
الاحاديث المتواترة كان امرأ مندوبا إليه في الدنيا والاخرة لان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومن قال ان التوسل والاستغاثة كفر في الدنيا ليس كفرا في الآخرة قلنا له : إن الكفر كفر سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . قبل موته صلى الله عليه وسلم وبعد موته لا فرق . وان ادعيت الفرق فأت لنا بدليل شرعي مخصص مقبول معتبر . (2) حديث سيدنا عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال : (إن رجلا ضريرأ اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله ان يعافينى فقال : إن شئت دعوت وان شئت صبرت وهو خير قال فادعه . فأمره ان يتوضأ ويحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء : اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى اتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى اللهم شغعه في . قال سيدنا عثمان : فعاد وقد أبصر) . رواه الترمذي والنسائي والطبراني والحاكم وأقره الذهبي والبيهقي بالاسانيد الصحيحة . وللحديث تتمة صحيحة تأتي في (ارغام المبتدع الغبي) . (3) حديث سيدنا علي رضي الله عنه وكرم وجهه : أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي رضي الله عنهما قال : اللهم بحقى وحق الانبياء من قبلى اغفر لامى بعد أمي ” رواه الطبراني والحاكم مختصرأ وابن حبان وغيرهم وفي اسناده روح بن صلاح قال الحاكم ثقة وضعفه بعضهم والحديث صحيح . (4) وروى الامام البخاري في صحيحه : ” ان سيدنا عمر رضى الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ومن قوله توسلا به : اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا صلى الله عليه وسلم وانا نتوسل اليك بعم نبينا قال فيسقون . وفي الحديث اثبات التوسل به صلى الله عليه وسلم وبيان جواز التوسل بغيره كالصالحين من آل البيت ومن غيرهم . كما قال الحافظ في فتح الباري (2 / 497)
________________________________________
________________________________________
[ 6 ]
وأما أدلة الاستغاثة : (1) فما روى البخاري في صحيحه وغيره من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديث الشفاعة بلفظ : (ان الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده اهل الجمع كلهم) . وهذا صريح في الاستغاثة وهي عامة في جميع الاحوال ، مع لفت النظر أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره يبلغه سلام من يسلم عليه وكلام من يستغيث به لان الاعمال تعرض عليه كما صح فيدعو الله لاصحاب الحاجات . (2) روى الامام احمد بسند حسن كما قال الامام الحافظ ابن حجر في الفتح (8 / 579) عن الحارث بن حسان البكري رضي الله عنه قال : خرجت انا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الحديث وفيه – فقلت – اعوذ بالله وبرسوله ان أكون كوافد عاد ، قال – أي سيدنا رسول الله – وما وافد عاد ؟ وهو اعلم بالحديث ولكنه يستطعمه . . . الحديث . وقد استغاث الرجل بالله وبرسوله ولم يكفره سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خالف إلالباني ذلك فكفر كل مستغيث به صلى الله عليه وسلم كما في توسله ص 7 الطبعة الثانية وقلده في هذه البدعة اصحابه والمتعصبين له وانكروا على من كفر من العلماء مثبت قدم العالم نوعا ومن قال بالحد والجهة والاستقرار وغير ذلك من طامات نسأل الله لهم الهداية وان يردهم إلى دينه والى الحق ردا جميلا . وان يخلصهم من أهوائهم وعنادهم الذى بنوه على سوء فهم كبيرهم الذي علمهم السحر أو فساد قصده وقد يجتمعان . (3) قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الاعمى الصحيح عندما علم الرجل ان يقول : (يا محمد اني اتوجه بك إلى الله) . في كل زمان ومكان .
________________________________________
[ 7 ]
________________________________________
وهذه استغاثة صريحة ، وقد اعتمدها العلماء المحدثون والحفاظ في كتب السنة في صلاة الحاجة حاثين الامة عليها . (4) جاء في البخاري ان النبي صلى اللله عليه وسلم قص على اصحابه قصة السيدة هاجر هي وابنها في مكة قبل ان تبنى الكعبة بعد ان تركهما سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام وفي ما قصه أنها لما سمعت صوتا عند الطفل قالت : ” إن كنت ذا غوث فأغث ” فاستغاثت فإذا بجبريل عليه السلام فغمز الارض بعقبه فخرجت زمزم . ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أنها كفرت كما يزعم الالباني ولم ينبه ان تلك الاستغاثة منها كفر البتة . وهى تعلم ان صاحب الصوت لن يكون رب العالمين المنزه عن الزمان والمكان . وهناك ادلة كثيرة بجواز التوسل والاستغاثة وندبهما افردتها برسالة خاصة اسميتها (الاغاثة بأدلة الاستغاثة) وقد اقتصرت هنا على بعضها وفيها بيان لمن القى السمع وهو شهيد هذا إذا كان قلبه نظيفا لا يحب رمي عباد الله بالشرك بمجرد مخالفتهم لمزاجه وأراد اقتفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأختم الاستدلال ببيان مسألة هامة جدا وهى استدلال أخير على التوسل والاستغاثة من احد الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واقرار الباقين من الصحابة له وعلى رأسهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (2 / 495) حيث قال : روى ابن ابي شيبة باسناد صحيح (وصححه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 92 من طريق البيهقي) عن أبي صالح السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : أصاب الناس قحط شديد في زمن عمر فجاء رجل الي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا فاتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر واقرئه السلام واخبره أنهم يسقون اسناده صحيح وقد ضعف هذا الاثر الصحيح الالباني بحجج أوهى من بيت العنكبوت في توسله ص (119 – 121) وزعم ان مالك الدار مجهول . ونقل ترجمته من كتاب
________________________________________
الجرح والتعديل لابن ابي حاتم فقط ليوهم قراءه انه لم يرو عنه الا رجل واحد وهو ابو صالح السمان ، وقد تقرر عند الالبافي بما ينقله عن بعض العلماء من غير المتفق عليه ان الرجل يبقى مجهولا حتى يروى عنه اثنان فأكثر . ثم
________________________________________
[ 8 ]
قال لينصر هواه ان المنذري والهيثمي لم يعرفا مالك الدار فهو مجهول ولا يصح السند لوجود مجهول فيه ثم تبجح قائلا : وهذا علم دقيق لا يعرفه الا من مارس هذه الصناعة . ونحن نقول له بل هذا تدليس وغش وخيانة لا يدريه الا من امتلا قلبه حقدا وعداء على السنة والتوحيد واهلهما . وقد تبعه على هذا الغش والتدليس وزاد عليه احد الاغبياء المتعصبين اللاهثين وراء بريق الدراهم في كتاب له ملاه من هذه البضاعة . تخيل فيه انه رد التوسل وهيهات وهو لم يقرأ العلوم وخاصة ملحة الاعراب على احد ولم يكن له في حياته استاذ يهذب أو شيخ يدرب الا التلقي من صفحات دفاتر هذا الالباني . ونقول في بيان نسف ما قاله الالباني من جهالة مالك الد ار : إذا صرح المنذرى والهيثمي بأنهما لا يعرفانه فنقول للباحث عن الحق اذن لم يصرحا بتوثيق له أو تجريح لانهما لا يعرفانه . لكن هناك من يعرفه وهم ابن سعد والبخاري وعلى ابن المديني وابن حبان والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم . فهل يا الباني ينقل كلام من عرفه أم كلام من جهله ؟ ! ! . العجيب ان الالباني يحبذ كلام من جهل حاله ويختاره ويفضله على كلام من علم حاله الذى يستره الالباني ولا يحب ان يطلع عليه احد . وما سأنقله من اقوال الائمة الحفاظ الذين عرفوه في توثيقه كاف في اثبات ما يقوله السيد عبد الله الغماري وغيره من المحدثين والمشتغلين في علم الحديث من ان الالباني يعرف الصواب في كثير من الامور لكنه غاش مدلس خائن مضلل لا يؤتمن على حديث واحد . وقد صرح بذلك كثير من اهل العلم كالسيد احمد الغماري والسيد عبد الله والسيد عبد العزيز المحدثون
________________________________________
والشيخ عبد الفتاح ابو غدة والمحدث حبيب الرحمن الاعظمي محدث الهند والباكستان والشيخ اسماعيل الانصاري والشيخ محمد عوامة والشيخ محمود سعيد والشيخ شعيب الارناؤوط وغيرهم عشرات من اهل هذا الفن والمشتغلين به . فأهل الحديث شهدوا بأن هذا الرجل لا يعتمد كلامه في التصحيح والتضعيف لانه يصحح ويضعف حسب الهوى والمزاج وليس حسب القواعد العلمية ومن تتبع اقواله وما يكتبه تحقق ذلك . ويكفينى ان اقول في مالك الدار ان ابن سعد قال في الطبقات (5 / 12) : مالك الدار مولى عمر بن الخطاب روى عن ابي بكر وعمر ثم قال وكان معروفا .
________________________________________
[ 9 ]
وقال الحافظ ابن حجر في الاصابة في ترجمته ترجمة رقم (8356) : له ادراك اي انه معدود من الصحابة ويكفيه في ذلك توثيقا ثم ذكر أنه روى عنه اربعة رجال وهم ابو صالح السمان وابناه عون و عبد الله ابنا مالك و عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي . ثم قال : قال علي بن المدينى : كان مالك الدار خازنا لعمر أه‍ بمعناه ملخصا . وبذلك نعلم ان سيدنا عمر وسيدنا عثمان قد وثقاه إذ قد ولياه بيت مال المسلمين وفي ذلك اقوى توثيق له ايضأ . – وقد نقل الحافظ الخليلي في كتابه الارشاد (/) الاتفاق عل توثيق مالك الدار فقال هناك : ” متفق عليه أثنى عليه التابعون ” . فقد ذهب كلام الالباني هباء وللموضوع توسع في رسالة لنا خاصة اسميناها بالباهر . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 11 ]
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الاكرمين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين . وبعد ، فإن الشيخ الالباني سامحه الله تعالى صاحب غرض وهوى ، إذا رأى حديثا أو اثرا لا يوافق هواه فإنه يسعى في تضعيفه بأسلوب فيه تدليس وغش (1) ، ليوهم قراءه انه مصيب ، مع انه مخطئ بل خاطئ غاش ، وبأسلوبه هذا ضلل كثيرا من أصحابه الذين يثقون به ويظنون انه على صواب ، والواقع خلاف ذلك . ومن المخدوعين به من يدعى حمدي السلفي (2) الذي يحقق المعجم الكبير ، فقد أقدم بجرأة على تضعيف أثر صحيح لم يوافق هواه كما لم لرافق هوى شيخه (3) وكان كلامه في تضعيفه هو كلام شيخه نفسه . فأردت ان ارد الحق إلى نصابه ، ببيان بطلان كلام الخادع والمخدوع به ، وعلى الله اعتمادي ، واليه تفويضي واستنادي . روى الطبراني في المعجم الكبير (9 / 17) من طريق ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم عن ابي جعفر الخطمي المدني عن ابي أمامة بن سهل بن حنيف عن
________________________________________
________________________________________
(1) كما ضعف الاثر الصحيح الذي قال عنه ابن حجر العسقلاني في الفتح (2 / 495) : روى ابن ابي شيبة باسناد صحيح عن ابي صالح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : (اصاب الناس‍ قحط شديد في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا ، فأتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر واقرئه السلام وأخبرهم انهم يسقون) ضعفه الالباني بجهالة مالك الدار مع انه ثقة بإجماع الصحابة وغيرهم زمن سيدنا عمر وسيدنا عثمان رضي الله عنهما ولم يجرحه أحد البتة وغير ذلك مما بسطناه في غير هذا الموضوع فهذا الاثر صحيح وقد ضعفه الالباني لانه مخالف لهواه بحجج واهية غير مقبولة حسب الموازين العلمية ، فتأمل . (2) وقد أساء هذا المقلد غاية الاساءة في ترجمة الحافظ أحمد الغماري في مقدمة تعليقاته على (فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب) فاتهمه وبهته بما هو برئ منه . (3) مع انه من المعلوم لا يجوز التصحيح والتضعيف الا من الحافظ كما هو في كتب المصطلح . (*)
________________________________________
[ 12 ]
________________________________________
عمه عثمان بن حنيف رضي الله عنه : أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ، ولا ينظر في حاجته ، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد ، فصل فيه ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة ، يا محمد اني اتوجه بك إلى ربي فتقضي لى حاجتى ، وتذكر حاجتك ، ورح إلي حتى أروح معك . فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم اتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده ، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة ، وقال له ما حاجتك فذكر حاجته ، فقضاها له ، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فائتنا . ثم ان الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف ، فقال له : جزاك الله خيرا ، ما كان ينظر في حاجتى ولا يلتفت الي حتى كلمته في . فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أو تصبر ؟ فقال : يا رسول الله انه ليس لي قائد وقد شق علي . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات) قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث ، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ” . صححه الطبراني ، وتعقبه حمدى السلفي بقوله : لا شك في صحة الحديث المرفوع ، وانما الشك في هذه القصة التي يستدل بها على التوسل المبتدع ، وهي انفرد بها شبيب كا قال الطبراني ، وشبيب لا بأس بحديثه ، بشرطين ان يكون من رواية ابنه احمد عنه ، وان يكون من رواية شبيب عن يونس بن يزيد . والحديث رواه عن شبيب ابن وهب وولداه اسماعيل واحمد ، وقد تكلم الثقات في رواية ابن وهب عن شبيب ، في شبيب ، وابنه اسماعيل لا يعرف ، وأحمد وان
________________________________________
روى القصة عن ابيه الا انها ليست من طريق يونس بن يزيد ، ثم اختلف فيها على احمد ، ورواه ابن السنى في عمل اليوم والليلة والحاكم من ثلاثة طرق بدون ذكر القصة ، ورواه الحاكم من طريق عون بن عمارة البصري عن روح بن القاسم به ، قا أي شيخنا محمد
________________________________________
[ 13 ]
ناصر الدين الالباني : وعون هذا وان كان ضعيفا فروايته اولى من رواية شبيب لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن ابي جعفر الخطمي . (4) أ ه‍ . وفي هذا الكلام تدليس وتحريف نبينه فيما يلي . (اولا) : هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة (5) من طريق يعقرب بن سفيان حدثنا
________________________________________
(4) وفي هذا الكلام من الاباني كتمان لتمام ما رواه وذكره الحاكم في المستدرك (1 / 526) : والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون أ ه‍ ، فكتم الالباني هذا ورمى خصومه بكتم ما فيه عكس مصالحهم كما يدعى ، كما فعل مثلا في متدمته الجديدة الي اسفرت عن اخلاقه في آداب زفافه الذي خالف فبه الحدث والاجماع . سهل الله الرد عليه قريبا .
________________________________________
________________________________________
(5) انظر دلائل النبوة بتحقيق القلعجي (6 / 166 – 168) وقد اورد البهيقى في الدلائل (6 / 167) القصة اولا من طريق اسماعيل بن شبيب حدثنا ابي عن روح بن القاسم ثم (ص 168) ثم ثني بذكر ان القصة مروية من طريق أحمد ابن شبيب ، وقال : وهذه زيادة الحقتها به في شهر رمضان سنة اربع واربعين . فتكون القصة مروية عند البيهقي في الدلائل من طريق احمد ابن شبيب عن أبيه عن روح ، وقد صحح الحاكم في المستدرك (1 / 527) هذا السند على شرط البخاري واقره على ذلك الذهبي ، وهو الموافق لكلام الحافظ في التقريب (2739) طبعة محمد عوامة) : لا بأس بحديثه من رواية ابنه احمد عنه . . . وقول الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري (ص 409) : قلت : اخرج البخاري من رواية ابنه عن يونس احاديث . ولم يخرج من روايته عن غير يونس ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا . أه‍ . أقول : وقول الحافظ : (ولم يخرج من روايته عن غير يونس احاديث) ليس تصريحا من الحافظ بضعف رواية شبيب عن غير يونس ولا إشارة كما توهم الالباني واستنبط في (التوسل انواعه وأحكامه 87 الطبعة ا لثانية) لوجوه : 1) انه اراد ان يدفع عن رواية شبيب أي شائبة طعن لانه ذكر عن ابن عدي ان روايته عن يونس مستقيمة وقد قوعت في البخاري عن يونس وهي المثهود لها بالصحة والاستقامة ولم تقع عن غيره ، فليس في ذلك كله أي طعن اشارة أو تمريحا برواية شبيب غير يونس ، وانما المراد بيان اقوى رواياته واكثرها استقامة هي التي وقعت في البخاري . وأما قول الحافظ : (ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا) فمراده انه لما نقل الطعن في رواية ابن وهب عن شبيب بأن فيها مناكير اراد ان يبرئ روايته في البخاري من طريق ابن وهب عنه ، فلما ذكر الحافظ ان رواية شبيب من طريق ابن وهب عنه منكرة ، ولم ينقل في روايته عن يونس الايلى طعن اتتضح المراد الذى قررناه ، والذي يوافق : 2) ما ذكره الحافظ في التقريب عنه ، انه إذا روي الحديث من طريق ابنه
________________________________________
احمد عنه فهو لا باس به . 3) ان الحافظ كالحاكم والذهبي حكموا على رواية احمد بن شبيب عن ابيه عن روح بانها على شرط (*)
________________________________________
[ 14 ]
احمد بن شبيب (6) بن سعيد ثنا أبي عن روح بن القاسم (7) عن ابي جعفر الخطمى عن ابى امامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ان رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فذكر القصة بتمامها . ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الامام الثقة ، بل هو فوق الثقة ، وهذا اسناد صحيح . البخاري ، ومعنى ذلك انها صحيحة وهذا الذي يوافق كلام الحافظ ، ويبطل ما استنبطه الاباني من كلام الحافظ في مقدمة فتح الباري فليتأمل . 4) ان الحافظ ايضا صححوا هذه القصة ، كالمنذري في الترغيب والترهيب (1 / 476) باقراره للطبراني ، والهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 279) ايضا ، وقبلهما الامام الحافظ الطبراني في معجمه الصغير (1 / 307 الروض الداني) وغيرهم . 5) انه لم ينقل الالباني عن حافظ واحد انه نص على تضعيف القصة مع ملاحظة هؤلاء الحفاظ من الائمة الاعلام كالمنذري والهيثمي وغيرهما لم ينصوا على ان هذا بدعة أو شرك ، بل ذكروها في ابواب صلاة الحاجة ناصين على التصحيح مقرين له ، غير معقبين عليه بالضعف والنكارة أو الشرك والبدعة كما فعل الاباني القاصر في هذا العلم . 6) وقد تقرر في علم المصطلح اتفاق الحفاظ على عدم جواز التصحيح والتضعيف لغير الحافظ ، ولا عبرة بقول أمثال الالباني الذين هم ليسوا حفاظا ولم يتلقوا هذا العلم عن أهله ، فهل نصغي للائمة الحفاظ اهل هذا الشأن ام إلى الالباني الذي ظهر خطله ؟ ا . وبهذا كله يسقط قول الالباني في توسله ص 88 حيث قال : ومن عجائب التعصب واتباع الهوى ان الشيخ الغماري اورد روايات هذه القصة في المصباح ص 12 – 17 . . ثم لم يتكلم عليها مطلتا لا تصحيحا ولا تضعيفا والسبب واضح ، اما التصحيح فغير ممكن صناعة واما التضعيف فهو الحق ولكن . .
________________________________________
.) أه‍ كلامه بشينه ومينه ، وقد تبين ان التصحيح هو الصحيح الثابت صناعة وان التضعيف هو لتعصب الالباني واتباع هواه وما يوحيه إليه شيطانه ، وبان ان هذه الوصمة هي صفة الالباني وليست صفة الامام الحافظ المحدث الحجة سيدي عبد الله والحمد لله . تماما كما قالوا : ” رمتني بدائها وانسلت ” . (6) احمد بن شبيب قال الذهبي في الميزان (1 / 103 – 104) : صدوق ، ثم نقل عن الازدي أنه قال منكر الحديث ، ثم رد عليه وقال : قلت : قد وثقه ابو حاتم أ ه‍ ، قلت : وهو من رجال البخاري كما في الجمع (1 / 10 – 18) . (7) قال الحافظ في التقريب (1970 طبعة محمد عوامة) : ثقة حافظ من رجال البخاري ومسلم وابو داود والنسائي وابن ماجه . (*)
________________________________________
[ 15 ]
________________________________________
فالقصة صحيحة جدا ، وقد وافق على تصحيحها ايضا الحافظ المنذري في الترغيب (ج 2 / 6 06) (8) والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 279) . (ثانيا) : احمد بن شبيب من رجال البخاري ، روى عنه في الصحيح وفي الادب المفرد ، وثقه ابو حاتم الرازي وكتب عنه هو وأبو زرعة ، وقال ابن عدي : وثقه أهل البصرة وكتب عنه علي ابن المديني (9) . وأبوه شبيب بن سعيد التميمي الحبطي البصري ابو سعيد من رجال البخاري أيضا (*) روى عنه في الصحيح وفي الادب المفرد . وثقه ابو زرعة وابو حاتم والنسائي والذهلي والدارقطني والطبراني في الاوسط . قال ابو حاتم : كان عنده كتب يونس بن زيد ، وهو صالح الحديث لا بأس به : وقال ابن عدي : ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة . وقال ابن المدينى : ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب صحيح ، هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب ، وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد ، بل صرح ابن المديني بأنه كتابه صحيح . وابن عدي انما تكلم على نسخة الزهري عن شبيب فقط ، ولم يقصد جميع رواياته ، فما ادعاه الالباني تدليس وخيانة . يؤكد ذلك ان حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن ا لزهري ! ! وانما رواه عن روح بن القاسم ، ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السنى والحاكم ، لون آخر من التدليس (10) لان من
________________________________________
(8) في الطبعة الواقعة في 4 مجلدات في (1 / 476) . (9) انظر تهذيب التهذيب (1 / 31 – 32) . (*) وقد انغر كاتب متعصب بكلام الالباني في اكتوبة اسماها بالزهر ص 79 بان شبيب متكلم في حفظه كما أوهم كلام بعضهم في التهذيب 4 / 270 فأبان عن غباء وتدليس . (10) ولا شك ان تدليسه على الطلبة والضعفاء في هذا الفن له الوان واشكال . (*)
________________________________________
[ 16 ]
________________________________________
المعلوم عند اهل العلم ان بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملا ، وبعضهم يختصر منه ، بحسب الحاجة . والبخاري يفعل هذا ايضا ، فكثيرا ما يذكر الحديث مختصرا أو يوجد عند غيره تاما . والذي ذكر القصة في رواية البهيقي إمام فذ يقول عنه ابو زرعة الدمشقي : قدم علينا رجلان من نبلاء الناس احدهما وارحلهما يعقوب بن سفيان (1) يعجز اهل العراق ان يرو مثله رجلا . وتقديمه رواية عون (12) الضعيف على من زاد القصة ، لون ثالث من التدليس والغش . فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصرا ثم قال : تابعه شبيب ابن سعيد الحبطى عن روح بن القاسم زيادات في المتن والاسناد ، والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون ، هذا كلام الحاكم ، وهو يؤكد ما تقرر عند علماء الحديث والاصول ان زيادة الثقة مقبولة ، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ (13) . والالباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه لذلك ضرب عنه صفحا ، وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عنادا وخيانة (14) . (ثالثا) : تبين مما اوردناه وحققناه في كشف تدليس الالباني وغشه ان القصة صحيحة جدا رغم محاولاته وتدليساته وهى تفيد جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله ، لان الصحابي راوي الحديث ، فهم ذلك ، وفهم الراوي له قيمته العلمية ، وله وزنه في مجال الاستنباط . وانما قلنا ان القصة من فهم الصحابي ، على سبيل التنزل ، والحقيقة ان ما فعله عثمان بن حنيف من ارشاده الرجل إلى التوسل ، كان تنفيذا لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت في حديث الضرير .
________________________________________
(11) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (11 / 338) . (12) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (8 / 154) . (13) كما تقرر عند الحفاظ واهل الشأن . (14) كما ضرب صفحا عن ترجمة مالك الدار في الاصابة وطبقات ابن سعد وثقات ابن حبان وكم لذلك من ا شتبا ه . (*)
________________________________________
[ 17 ]
________________________________________
قال ابن ابي خيثمة (15) في تاريخه : حدثنا مسلم بن ابراهيم (16) ثنا حماد بن سلمة (17) أنا ابو جعفر الخطمي (18) عن عمارة بن خزيمة (19) عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه : ان رجلا اعمى اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اني أصبت في بصري فادع الله لى قال : ” اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد اني استشفع بك عن ربي في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصرى وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ” اسناد ه صحيح . والجملة الاخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل به عند عروض حاجة تقتضيه . وقد أعل ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية . بينت بطلانها في غير هذا المحل (2) ، وابن تيمية جرئ في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه . ولو كان في الصحيح (21) .
________________________________________
________________________________________
(15) هو الحافظ الحجة الثقة أحمد بن ابي خيثمة زهير بن حرب النسائي ابو بكر الحافظ ابن الحافظ ، قال الداقطني ، ثقة مأمون . انظر سير اعلام النبلاء (11 / 492) . (16) من رجال الستة ، انظر تهذيب التهذيب (10 / 109) . . (17) في التقريب (1498) ثقة عابد . من رجال مسلم والاربعة . (18) اسمه عمير بن يزيد بن عمير ترجمته في التهذيب (8 / 134) . وهو ثقة . (19) ترجمته في التهذيب (7 / 364) وهو ثقة . (20) بينها في كتابه (ممباح الزجاجة – طبعة عالم الكتب ص 37) ودحض كلام ابن تيمية ومنه يتبين سقوط كلام الالباني في (توسله ص 83) حيث اعترض على الشيخ وانه وضع القاعدة التى جلبها من نخبة الفكر في غير محلها . والحمد لله . (21) أو صحيحا في غير صحيح البخاري ومسلم : كحديث السيدة عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم : ” كان يقصر الصلاة في السفر ويتم ويفطر ويصوم) قال الدراقطني : هذا اسناد صحيح . وانظر سنن البيهقي (3 / 142) والجوهر النقي اسفل الصحيفة للتركماني ، فقال ابن القيم في زاد المعاد : وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول : هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أفاده السيد عبد الله في كتابه المبح السافر (ص 37) فانظره . وتأمل . وفي لسان الميزان (6 / 319) ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة يوسف بن الحسن الرافضي ، ان ابن تيمية رداحاديثا جيادا وغير ذلك . (*)
________________________________________
[ 18 ]
________________________________________
مثال ذلك : روى البخاري في صحيحه حديث : ” كان الله ولم يكن شئ غيره وهو موافق لدلائل النقل والعقل والاجماع المتيقن . لكنه خالف رأيه في اعتقاده قدم العالم ، فعمد إلى رواية للبخاري ايضا في هذا الحديث بلفظ ” كان الله ولم يكن شئ قبله ” فرجحها على الرواية المذكورة ، بدعوى انها توافق الحديث الآخر ” انت الاول فليس قبلك شئ ” . قال الحافظ ابن حجر (22) : مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الاولى لا العكس ، والجمع مقدم عل الترجيح بالاتفاق . أه‍ . قلت : تعصبه لرأيه اعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض ، لان رواية ” كان شئ ” . مثال ثان : حديث امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الابواب الشارعة في المسجد وترك باب علي عليه السلام ، حديث صحيح ، أخطأ ابن الجوزى بذكره في الموضوعات . ورد عليه الحافظ في القول المسدد (23) . وابن تيمية لانحرافه عن علي عليه السلام كما هو معلوم . لم يكفه حكم ابن الجوزى . بوضعه فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه ، وامثلة رده للاحاديث التي يردها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها . (رابعا) : ونقول على سبيل التنزل : لو فرضنا ان القصة ضعيفة تطيبا لخاطر الالباني ، وان روايهة ابن ابي خيثمة معلولة كما في محاولة ابن تيمية (24) ، قلنا في حديث توسل
________________________________________
(22) في فتح الباري (13 / 410) . (23) القول المسدد (طبقة عالم الكتب ص 10 – 11) . (24) اي لو سلم ذلك جدلا ، مع كون ادعاء ضعف القصة وما اشبه ذلك باطلا قطعا . (*)
________________________________________
[ 19 ]
________________________________________
الضرير كفاية وغناء ، لان النبي حين علم الضرير ذلك التوسل ، دل على مشروعيته في جميع الحالات . ولا يجوز ان يقال عنه : توسل مبتدع ، ولا يحوز تخصيصه بحال حياته صلى الله عليه وسلم ، ومن خصصه فهو المبتدع حقيقة لانه عطل حديثا صحيحا وابطل العمل به ، وهو حرام . والالباني عفا الله عنه جرئ على دعوى التخصيص والنسخ لمجرد خلاف رأيه وهواه . فحديث الضرير لو كان خاصا به ، لببنه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما بين لابي بردة ان الجذعة من المعز تجزئه في الاضحية ولا تجزئ غيره ، كما في الصحيحين . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (25) . ” اعتذار وجوابه ” قد يقال : الداعي إلى تخصيصي الحديث بحال حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه من ندائه ، وهو عذر مقبول . والجواب : ان هذا اعتذار مردود (26) ، لانه تواتر عن النبي صلى عليه وسلم تعليم التشهد في الصلاة ، وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه (السلام عليك ايها النبي) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوى ابو بكر وعمر (27) ، وابن الزبير ومعاوية ، واستقر عليه الاجماع كما يقول ابن حزم (28) وإبن تيمية (29) والالباني لابتداعه خالف هذا كله ، وتمسك بقول ابن مسعود ، فلما مات قلنا السلام على النبي ، ومخالفة التواتر والاجماع ، هي عين الابتداع .
________________________________________
(25) كما هو مقرر في الاصول . (26) كما وضح ذلك المصنف في كتابه (القول المقنع في الرد على الالبناني المبتدع (ص 13 – 18) فلينظر فانه مهم . (27) كما ثبت ذلك بالاسانيد الصحيحة في الموطأ ومصنف ابن ابي شيبة ومصنف عبد الرزاق ومعاني الاثار . (28) كما في الفصل في النحل لابن جزم (1 / 89) . (29) في كتابه الجواب الباهر . (*)
________________________________________
[ 20 ]
________________________________________
مع انه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان اعمالنا تعرض عليه (30) ، وكذلك صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم ، تعرض عليه ، وثبت ان لله ملالكة سياحين في الارض يبلغونه سلام امته ، وثبت بالتواتر والاجماع ان النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره (31) ، وان جسده الشريف لا يبلى ، فكيف يمتنع مع هذا نداؤه في التوسل به (32) وهل هو إلا مثل ندائه في التشهد ! . ولكن الالباني عنيد شديد العناد ، والالبانيون عندهم عناد ، وصلابة في الرأي ، أخبرني بذلك عالم الباني حضر على في تفسير البيضاوي وشرح التحرير لابن امير الحاج ، وكان وديعا هادئ الطبع ، وهو تلميذ لى .
________________________________________
________________________________________
(30) كما جاء في الحديث الصحيح : ” حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم تعرض علي اعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رايت من شر استغفرت لكم ” وهو من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود ، واوله : ” ان لله ملائكة سياحبن يبلغوني عن امتي السلام ” ثم قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حياتي . . .) الحديث . قال العراقي في طرح التثريب : اسناده جيد أه‍ . اي صحيح . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجال اسناده رجال الصحيح أه‍ . وقال السيوطي في الخصائص الكبرى : اسناده صحيح وكذا علي القارى والخفاجي ، وقد جمع الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11 / 385) بينه وبين حديث (انك لا تدرى ما احدثوا بعدك) ونقل الجمع عن خمسة من الحفاظ ، فانظره . (31) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر (طبعة دار الكتب العلمية) ص 135 ، حديث رقم (115) حياة الانبياء في قبورهم . (32) قال العلامة ابن حجر الهيثمى في قصيدة له شرحها الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي : تواترت الادلة والنقول فما يحصي المصنف ما يقول بأن المصطفى حي طرئ هلال ليس يطرقه أفول وأن الجسم منه بقاع لحد كورد لا يدنسه الذبول وأن الهاشمي بكل وصف جميل لا يغيره الحلول ويسمعهم إذا صلوا عليه باذنيه فقصر يا ملول ومن لم يعتقد هذابطه يقينا فهو زنديق جهول عبيد هيتمي مستجير بمن حطت بساحته الحمول وجاء في حديث اوس بن اوس مرفوعا : ” ان الله حرم على الارض اجساد الانبياء ” وهو حديث صحيح رواه ابو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم . (*)
________________________________________
[ 21 ]
________________________________________
هذا موجز ردنا لدعوى الالباني . اما من يدعى حمدى السلفي فليس هناك ، وانما هو مجرد مخدوع يردد الصدا (33) . (خامسا) : والذي اقرره هنا ، ان الالباني غير مؤتمن في تصحيحه وتضعيفه ، بل يستعمل في ذلك انواعا من التدليس والخيانة في النقل ، والتحريف في كلام العلماء (34) ، مع جرأته على مخالفة الاجماع * ، وعلى دعوى النسخ بدون دليل ، وهذا يرجع إلى جهله بعلم الاصول ، وقواعد الاستنباط ، ويدعى انه يحارب البدع مثل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتسويده في الصلاة عليه (35) ، وقراءة القرآن على الميت ! ! لكنه يرتكب اقبح البدع بتحريم ما أحل الله ، وشتم مخالفيه بأقذر الشتائم خصوصا الاشعرية والصوفية ، وحاله في هذا كحال ابن تيمية ، تطاول على الناس فأكفر طائفة من العلماء ، وبدع طائفة اخرى ، ثم اعتنق هو بدعتين لا يوجد اقبح منهما : احداهما قوله بقدم العالم (36) ، وهي بدعة كفرية (37) والعياذ بالله تعالى .
________________________________________
________________________________________
(33) يعني لا صلة له بعلم الحديت ولا معرفة وانما هو مقلد هذا الجاهل . (34) ويتضح ذلك لمن طالع كتاب : ” تنبيه المسلم إلى تعدى الالباني على صحيح مسلم ” وكتاب ” وصول التهاني ” للمحقق البحاثة محمود سعيد و ” بيان نكث الناكث ” للسيد المحدث عبد العزيز الغماري متعنا الله بحباته . وغير ذلك من الكتب المفيدة . (*) وقد صنفت في الرد عليه في انكاره الاجماع كتابا اسميته (احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الاجماع فهو كاذب) فلينظر . (35) اعلم ان حديت ” لا تسيدوني في الصلاة ” كذب موضوع نص على ذلك جماعة منهم الحافظ السخاوى في المقاصد الحسنة وعلي القارى في موضوعاته الكبرى والصغرى ، والعجلوني في كشف الخفاء وابن حجر الهيتمي في المنهاج القويم . وعندنا معاشر الشافعية تسويد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة الابرهيمية وغيرها سنة ، وقد اعتمد ذلك الرملي والزيادي والحلبي وابن ظهيرة ، وقال ابن حجر في الايعاب : الاولى سلوك الادب اي فيأتي بسيدنا ، افادة العلامة الكردى في الحواشي المدينة (1 / 174 طبعة مكتبة الغزالي) وكذا غيره . (36) قال ذلك في عدة من كتبه كمنهاج السنة (1 / 109) والموافقة (2 / 75) من الطبعة الواقعة في هامش منهاج السنة في مجلدين . (37) باجماع العلماء وقد نقل ذلك خلائق حتى ابن حزم في مراتب الاجماع (167) وهذا الاجماع مدعم بنصوص الكتاب والسنة والتي فصلناها في كتابنا ، (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فليراجع . (*)
________________________________________
[ 22 ]
________________________________________
والاخرى انحرافه عن علي عليه السلام (38) ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ” لا يحبك الا مؤمن ولا يبعضك الا منافق ” وهذه عقوبة من الله لابن تيمية (39) الذى يسميه الالباني شيخ الاسلام (40) ، ولا ادري كيف يعطي هذا اللقب وهو يعتقد عقيدة تناقض الاسلام ؟ ! ! واظن بل اجزم ان الحافظ ابن ناصر لو اطلع على عقيدته وما فيها من طامات ، لما كتب في الدفاع عنه كتاب الرد الوافر (41) ، لانه كتبه وهو مغرور بمن اثنى عليه ،
________________________________________
________________________________________
(38) نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة (1 / 114) ان ابن تيمية خطا امير المؤمنين عليا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف نص الكتاب ، وان العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في سيدنا علي ، ولقوله ايضا فيه : أنه كان مخذولا ، وانه قاتل للرياسة لا للديانة فمن شاء فليراجع الدرر الكامنة . وقال ابن تيمية في منهاج السنة (2 / 203) ما نصه : (وليسس علينا ان نبايع عاجزا عن العدل علينا ولا تاركا له . . .) وانظر لزاما التوفيق الربنني في الرد على ابن تيمية الحراني (ص 85) والفرق بين الفرق (ص 350 – 351) . (39) انظر كتاب الصبح السافر في تحقيق صلاة المسافر للسيد عبد الله بن محمد بن الصديق مؤلف هذا الكتاب (ص 54) . (40) انظر القول المقنع في الرد على الاباني المبتدع للمؤلف ص (9) . والالباني حريص كل الحرص على نلقيب ابن تيمية بشيخ الاسلام مع انه لقب مبتدع لا اصل له عن السلف الا ما جاء باسناد واه عن عبد الله بن ابي رأس المنافقين : أنه رأى ابا بكر رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ، فقال لاصحابه انظروا كيف أصرف هؤلاء السفهاء فقتدم إلى ابي بكر فصافحه وسماه شيخ الاسلام نفاقأ ومداهنة ، ثم ان الاسلام دين الله انزله على رسوله (محمد صلى الله عليه وسلم) فكيف يكون احد شيخا له ؟ ! والعجيب في امر هذا الاباني انه يحرص على ابن تيمية بهذا اللقب المبتدع ويعيب على الذين يسودون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عليه ويعتبر لفظ السيادة (الواردة في القرآن والسنة) بدعة ؟ ! ويعتبر الذين يذكرونها مبتدعة ! مع ان سيادته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالتواتر . ومعلومة بالضرورة لكل مسلم ا . ه‍ فأقول : وكتاب الرد الوافر هذا من فرح بما فييه فقد فرح في غير مفرح حقا ، وماذا يفيد ثناء الناس على رجل ثبت الزيغ في كتبه ؟ ! ومن قال بقدم العالم وقيام الحوادث بذات الله تعالى وغيرها من الطامات المستشنعة لا ينفعه مديح
________________________________________
المادحين ولا ثناء المثنين وخصوصأ إذا علم ايضا ان اقوال من نقل ثناءهم لديه ، مسطرة في كتبهم ومؤلفاتهم بذمهم عليه . فليستيقظ المخدعون . (*)
________________________________________
[ 23 ]
وكذلك الالوسي ابن صاحب التفسير ، لو عرف عقيدته على حقيقتها ، ما كتب جلاء العينين . وشواذ الالباني في اجتهاداته الاثمة ، وغشه وخيانته في التصحيح والتضعيف حسب الهوى ، واستطالته على العلماء وافاضل المسلمين . كل ذلك عقوبة من الله له ، وهو لا يشعر ، فهو من الذين (يحسبون انهم يحسنون صنعا الا ساء ما يظنون) . نسأل الله العافية مما ابتلاه به ، ونعوذ بالله من كل سوء . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الاكرمين . (الحا ق) قال الدرامي في سننه (42) : حدثنا ابو النعمان ثنا سعيد بن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا ابو الجوزاء اوس بن عبد اللة قال : قحط اهل المدينة قحطا شديدا ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فافتحوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا . فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الابل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق . ضعف الالباني هذا الاثر بسعيد بن زيد ، وهو مردود لان سعيدا من رجال مسلم ووثقه يجيى بن معين (43) .
________________________________________
________________________________________
(42) رواه الدارمي في سننه في المقدمة (1 / 42) وكذا (1 / 43) باب 5 من الطبعة الهندية باسناد صحيح . (43) ذكر الالباني تضعيفه في كتاب (التوسل انواعه واحكامه الطبعة الثانية ص (128) : واحتج بحجج باطلة على عادته في تمويهاته ، حيث نقل كلام ابن حجر في التقربب الذي يوافق هواه ولم ينقل من هنالك انه من رجال مسلم في صحيحه ، فلننتبه إلى هذا التدليس وهذه الخيانة التي تعود عليها هذا الرجل الذي يصف اعدائه بكتمان الحق وما يخالف آرائهم كما في مقدمته الجدبدة لاداب زفافه والتى حلاها بما دل على اختلاطه من هجر وخنا . ثم اردف ذلك بنقل ترجمة ” سعيد بن زيد ” من الميزان للذهبي زيادة في الكتم والتعمية ، وقد خان فلم يذكر ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (4 / 29) من نقل اقوال موثقيه زيادة على انه من رجال مسلم في الصحيح فقد قال البخاري حدثنا مسلم هو ابن ابراهيم ثنا سعيد بن زبد ابو الحسن (*)
________________________________________
[ 24 ]
وضعفه ايضا باختلاط ابي النعمان (44) ، وهو تضعيف غير صحيح لان اختلاط ابي النعمان لم يؤثر في روايته ، قال الدارقطني : تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاط حديث منكر وهو ثقة . وقول ابن حبان : وقع في حديثه المناكير الكثيرة بعد اختلاطه ، رده الذهبي فقال : لم يقدر ابن حبان ان يسوق له حديثا منكرا والقول
________________________________________
________________________________________
صدوق حافظ . وقال الدوري عن ابن معين ثقة ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، وقال العجلي : بصري ثقة وقال ابو زرعة سمعت سليمان بن حرب يقول ثنا سعيد بن زيد وكان ثقة ، وقال ابو جعفر الدارمي ثنا حبان بن هلال ثنا سعيد بن زيد وكان حافظا صدوقا ، وقال ابن عدى : وليس له من منكر لا يأتي به غيره وهو عندي في جملة من ينسب إلى الصدق أ . ه‍ فإذا تأملنا هذه النقول في توثيقه ووصفه بالحفظ والصدق وخصوصا من البخاري ومسلم الذي روى له في صحيحه ، ثم تأملنا قول الالباني في اقتصاره على نقل كلام بعض الجارحين عرفنا حقا انه معدوم الامانة العلمية وانه متغافل ، يرمى الاخرين بالتغافل حيث رمى الامام المحدث عبد الله كما في توسله ص (129) في الحاشية بالتغافل ولم يكن كذلك . وقد اثبت الله تعالى لنا ان هذه وصمة الالباني المخلط والحمد لله . (44) فقد خان في ذلك ، ونقل في توسله ص (128) ان البرهان الحلبي ذكر ابا النعمان في (الاغتباط بمن رمى بالاختلاط ص 23) تعمية على مقلديه ومن يقرأ له ، وينبغي ان نعلم ان المذكورين ممن رموا بالاختلاط في الكتاب المذكور منهم من ضرهم الاختلاط في حديثهم ومنهم من لم يضره الاختلاط في حديثه لانه لم يحدث زمن الاختلاط أو غير ذلك ومنهم ابو النعمان ، وقد وضح ذلك الذهبي كما في الميزان (4 / 8) فنقول للالباني الخساف المتهور المتغافل : لم يغفل الشيخ الغماري عن ذلك الاختلاط لانه محدث حافظ ولكنك غفلت ايها اللماز الهماز فتب إلى الله فقد قرب الرحيل وما اظنك تذكره كما لا اظن انك تقرأ قرانا لتتعظ فيا خيبة من خدع بك ويا خسارة من اتبع هواك (تنبيه) : وأما جواب الالباني عما قاله في توسله ص (128) على النقطة الثانية من ان (الاثر موقوف على عائشة ولو صح لم تكن حجة) أ . ه‍ . فجوابه : انه صحيح بلا شك وريب ، وهو حجة من وجهين : الاول : ان بصحته سقط كلام الابانى وتمويهه في التضعيف وثبت ان التوسل مذهب للسيدة عائشة ام المؤمنين
________________________________________
ايضا وغير ذلك مما لا نود الان الاطالة به . ففيه ان الصحابة توسلوا واستغاثوا به صلى الله عليه وسلم بعد موته . والثاني : انه اتفاق من حضر من المسلمين صحابة ممن كانوا صحابة وغيرهم وفى ذلك تثبيت مع اثر عثمان بن حنيف في ارشاد الرجل للتوسل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، واثرابن ابي شيبه الصحيح عن مالك الدار الثقة ما يثبت ان الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم توسلوا به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بلا ريب . واما ما نقله الالباني من التعليل المهلهل عن ابن تيمية فباطل كما رده المصنف مع ان ابن تيمية رجع عن تحريم التوسل فاباحه وبقي محرما للاستغاثة بعد استتابته بمحضر من العلماء كما نقل ذلك تلميذه ابن كثير في البداية والنهاية (14 / 45) فليراجع . (*)
________________________________________
[ 25 ]
فيه ما قال الدارقطني (45) ، وابن تيمية كذب اثر عائشة ، ولا عبرة به ، لجرأته على تكذيب ما يخالف هواه . والحمد لله رب العالمين .
________________________________________
(45) حيث قال كما في الميزان (4 / 81) : تغير باخرة ، وما ظهر له بعد اختلاطه حديت منكر وهو ثقه أه‍ . اقول وهو من رجال البخاري ومسلم والاربعة . فتأمل . والحمد لله رب العالمين . (*)
______________________________________
________________________________________
الرد على الألباني المسمى بيان نكث الناكث المتعدي بتضعيف الحارث
تأليف السيد العلامة المحدث عبد العزيز بن محمد بن الصديق
عفا الله عنه آمين
الطبعة الثالثة
1410 ه‍ – 1990 م
________________________________________
[ 29 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين . والصلاة والسلام على اشرف المرسلين ، سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله الطاهرين الاكرمين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد ، فقد قرأت كلاما للالباني في مقدمة لكتاب علق عليه ، يقول فيه في حق كتابي : ” الباحث ، عن علل الطعن في الحارث ” بعد كلام دعاه إليه حب الشغب والخصام ، وحمله عليه ما عرف به واشتهر عنه من تسليط لسانه الاعجمي على عباد الله تعالى بدون ذنب اكتسبوه ولا اثم اقترفوه ، حتى امتد منه ذلك إلى ائمة السلف واصحاب المذاب المتبوعة شرقا وغربا ، المشهود لهم بالفضل والدين بين الخاص والعام ، والمتفق على جلالتهم في العلم ، وعلو درجتهم في الاجتهاد ، وعظيم مكانتهم في خدمة الاسلام والمسلمين . وتطاول على مقام اكابر الحفاظ ، كالمنذري الحافظ المتقن – رحمه الله تعالى – وغيره بدون ادنى سبب يوجب ذلك التطاول على مقامهم في خدمة الحديث النبوى . وكتبه لا تخلو من التهجم على الائمة من السلف والخلف ، الامر الذي يدل على شئ في نفسه ، والله تعالى اعلم بمراده منه . والا ، فلو كان غرضه بيان الحقيقة ونشر العلم وتعريف الناس بصواب من أخطأ ، لسلك في ذلك مسلك المخلصين من اهل العلم الناصحين ، ولاتبع طريقهم في التعليم والتبليغ ، ونهج ما كانوا عليه من القول الحسن والجدال بالتى هي احسن . لان مرادهم – رضي الله تعالى عنهم – كان هو رد الحق إلى نصابه والتعريف بما يجب الاخذ به ، وكل ذلك لا يحتاج إلى الطعن والقدح والذم وجلب العبارات الشائنة المشينة ، واهل الاخلاص من أهل العلم برءاء من هذه الصفات الذميمة .
________________________________________
[ 30 ]
________________________________________
لانها من صفات النفاق – نسأل الله السلامة منها لنا ولاخواننا – كا ورد في الحديث في بيان آية المنافق : ” وإذا خاصم فجر ” . وقال الشاعر : إن المنافق معلوم سجيته همز ولمز وإيماء واغماض والمقصود : إن الالباني قال بعد كلام في تلك المقدمة في شأن كتابي : ” الباحث ، عن علل الطعن في الحارث ” ما نصه : حتى ان أحدهم الف رسالة خاصة في توثيق الحارث الاعور الشيعي . فدل هذا الكلام منه على امرين ، أبان بهما عن جهل عظيم وتصور فاضح . أما الجهل : فما يفهم منه القاصر في العلم من اني تفردت بتوثيق الحارث الاعور الهمداني ، وخرجت بذلك عن سبيل اهل الحديث ، وسلكت غير الجادة بتوثيقه . ومن طالع كتادبي ” الباحث ” ، يعلم بطلانه وفساده وبعده عن الحقيقة ، وأنه كلام الغرض منه الشغب والرغبة في الجدال ونشر الخصام بين الناس بدون فائدة تعود على احد من اهل العلم من ذلك . لان الحارث الاعور الهمداني الذى وثقته وبينت بطلان جرح من جرحه ، مثله مثل سائر رواة الصحيح الذين اختلف فيهم ائمة الجرح ، ما بين مادح وقادح ومجرح وموثق ، كما يعلم ذلك من تتبع احوال رجال الصحيحين . وكا أشرت إلى بعض الامثلة في ذلك في خاتمة كتاب ” الباحث ” . بل من يتتبع أحوال الرجال ويطلع على كتب الجرح والتعديل ، يحصل عنده العلم اليقين أنه لا يوجد راو ، مهما علا قدره وسمت منزلته ، لم يتناوله جرح ، ولو بالتدليس مثلا . حتى قال بعضهم : من أخذ بالقواعد المصطلح عليها في راوي الحديث الصحيح لم يمكنه ان يصحح الا الحديث بعد الحديث ، لعدم سلامة راو مطلقا من جرح وتضعيف ، ولو بأقل وجوه الجرح كا قلنا واضعفها .
________________________________________
[ 31 ]
________________________________________
وإذا كان هذا حال سائر الرواة الا النادر منهم جدأ ، فلا ينبغي ان يحمل باللوم على من اختار توثيق الحارث . لا سيما إذا كان ذلك الاختيار مبنيا على القواعد المقرر عند ائمة الحديث ، ومدعما بالادلة السالمة من الوهن والضعف ، كما بينت ذلك في ” الباحث ” ذلك الكناب الذي اعجب له كل من قرأه من اهل العلم السالمين من داء الشغب والشغف بنشر الحلاف بين المسلمين ، في الوقت الذي هم فيه احوج ما يكونون إلى الوفاق والالتئام والوئام ، وجمع الكلمة على خدمة الاسلام ، وتوحيد القلوب على صد الهجمات والغارات الموجهة من اعداء الاسلام ضد المسلمين في شرق الارض وغربها ، وطرح الترهات والخزعبلات التي يراها الجاهلون ومن في قلوبهم مرض انها من صميم الدين ، وليست من الدين لا في قبل ولا في د بير . وانما أثارها المثيرون وأخرجها المضلون من زوايا الاهمال ومخابئ النسيان ، تلبية لنداء الشر واجابة لدعوة الشيطان في التفرقة ورفع لواء التنافر والتناحر وايغار الصدور بين اهل لا اله الا الله ، ليسهل اجتياحهم على عدوهم ، والقضاء عليهم في عقر دارهم ، رغم ما هم فيه من بلاء . والالباني نفسه يعلم هذا ويلمسه ، بل ويسمعه ويشاهده . ووطنه الذي ينتمي إليه ، وعرف بالانتساب إليه ، يحكمه الشيوعيون بل المتطرفون منم ، وانا لله وانا إليه راجعون ، واخوانه يذوقون الويل والعذاب من تسلطهم ، فكان ينبغي للالباني قبل الهجوم على العلماء وأئمة السلف والسعي بين المسلمين بالفرقة بقصد أو بدون قصد ، ان يكرس جهوده ويوجه لسانه على الاقل لدعوة الالبانيين اخوانه للجهاد وقتال الشيوعيين الملاحدة . مع اني لم اسمع عنه شيئا يتعلق بهذا الامر مطلقا . بل كان الواجب عليه ان يكون اول الحاملين للسلاح لتحرير بلاده من حكم الملاحدة ، وعند ذلك يعطي الدليل والف دليل على غيرته على الاسلام ، ونصيحته لدينه ، والدفاع عن اهل ملته . أما حمل القلم وتجريد اللسان للطعن في ائمة
________________________________________
المسلمين وحماة الشريعة من رجال السلف والخلف والدعوة إلى الخلاف والشقاق في امور تافهة للغاية ، فذلك لا
________________________________________
[ 32 ]
يجمل صدوره من مسلم عامي ، فضلا عمن يدعي خدمة الاسلام ونشر السنة المحمدية ، وينصب نفسه لارساء القواعد (للدولة الاسلامية) إلى درجة ان يدخل من اجل ذلك في مداخل لا قبل له بها ، ولا تقرها السنة النبوية التي نصب نفسه للدعوة إليها . لان صاحبها – عليه الصلاة والسلام – أمرنا ان لا ننازع الامر أهله . اقول : لا يجمل بمسلم عامي في هذا الوقت الذي اصاب البلاد الاسلامية سرطان الارتداد ، ونبذ الدين ، والخروج منه جملة ، بما دخل إليها بواسطة عملاء الشيوعية الملحدة ، والصليبية والصهيونية ، وغيرهم من عملاء المذاهب الضالة الهدامة ، كالوجودية والبهائية والقاديانية والماسونية . حتى صار تسعون بالمئة من الشباب ملحدا مارقا منحلا ، لا يقر بدين ولا يقول بعقيدة . لا يجمل بمسلم ابدا في هذا الوتت العصيب الذي خرج فيه الناس من دين الله أفواجا ، ان يسعى السعي الحثيث ، ويعمل جهده ، ويصرف طاقته الفكرية والمادية ، في نشر الخلاف وبث الشقاق بين البقية الباقية من المسلمين اهل لا اله الا الله ، الذين لا يستطيع الالباني مهما حاول من مغالطات وارتكب من شذوذ ان يخرجهم عن دائرة جماعة اهل السنة عند السلف والخلف . والذين لا يجوز لاجل ذلك تكفيرهم ، أو منع الصلاة خلفهم ، وعليهم ، أو معاملتهم بغير ما يعامل به المسلم الذي حرم الله تعالى دمه وماله وعرضه . لانهم من أهل لا اله الا الله التي يثقل بها ميزانهم يوم يقوم الناس للحساب ، مهما ارتكبوا من موبقات ، ومهما خرجوا عن الطريق وفعلوا وفعلوا . كما يشهد بذلك حديث (البطاقة) وهو معروف مشهور متداول بين أهل الحديث خصه كثير منهم بالتأليف والتصنيف ، لانه حديث قاصم لظهر كل من يريد ان يحجر على اهل لا اله الا الله رحمة الله تعالى وفضله
________________________________________
ومغفرته التي وعد بها قائلها ، فيدخل الجنة منهم من أتبعه ورأى رأيه ، ويدخل النار من خالفه ، ولو كانت المخالفة في الامور التافهة التى لا تغني العامل بها ولا تسمنه من جوع .
________________________________________
[ 33 ]
أقول : لا يجمل بالمسلم الناصح ، ان يسعى بين جماعة المسلمين – في هذا الوقت – بالتفرقة وبث الشقاق والخلاف في امور تافهة للغاية . إثمها اكبر من نفعها ان كان فيها نفع ، والا فإثمها محقق ، وضررها قد ظهر للعيان ، وأصاب ما تبقى من هذه الطائفة المسلمة ، طائفة أهل السنة والجماعة في صميم مجتمعها ، بما نجم عنه من الخلاف والتنافر والتناحر وتقريق الشمل واللمز بالتبديع ، بل والتكفير ، بما لا يعد كفرا ولا بدعة ، حتى وصل ضرر ذلك إلى المصلين في مساجدهم ، وأهل العلم في حلقة علمهم ودرسهم (1) . وكل ذلك – والعياذ بالله تعالى – بسبب هذه الاباطيل والخلافات الواهية ، التى كرس لها المنتونون جهدهم بنشرها بين العامة وضعفاء العتول من طلبة العلم . فعم البلاء بها ، واتسع خرقها على الرقع وتنكرت بسببها القلوب بعد ان كانت مؤتلفة ، وبلغ الحال إلى تعدد الجماعات في الوقت الواحد في المسجد الواحد . والى إعراض الاب عن ابنه ، والابن عن أييه ، ومخاصمة الاخ لاخيه ، ورمي المسلم أخاه بالبدعة والضلال ، والخروج عن الاسلام ، وترك التحية بينهما بالسلام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ولنرجع إلى بيان جهل الالباني ، فيما اعترض به على من وثق الحارث . فنقول : إن الحارث ثقة عدل رضي ، وثقة جماعة السلف والخلف ، واعتمدوا على روايته ، واحتجوا بحديثه ، لانه امام من أئمة العلم والحديث في الكوفة . وروى عنه الاكابر من رجال العلم ، وقدمه اهل الكوفة على غيره ، في العلم ، وفي الصلاة بهم ، في الوقت الذي كانت فيه عامرة بسادات التابعين وأئمة العلم والرواية . حتى كانوا يقدمونه على المشاهير من ائمة التابعين ، كعبيدة السلماني ،
________________________________________
وعلقمة ، ومسروق ، وشريح .
________________________________________
(1) حتى ان اتباع الالباني ومقلديه في امريكا كانوا وما يزالون سببا لاغلاق مساجد عديدة من قبل البوليس الامريكي لاجل ما فعلوه وسببوه من فتن وخلافات وشجار في تلك المساجد أه حسن . (*)
________________________________________
[ 34 ]
ولو لم يكن دليل على توثيق الحارث ، وجعله في الطبقة الاولى من اهل العدالة ، وتقديمه على اغلب رجال الصحيح الا هذا ، لكان كافيا لاهل العلم في ذلك ، ومغنيا عن غيره من الادلة . لان من المقرر عند أهل الحديث ، أن من الامور التي يعرف بها عدالة الراوي وكونه ثقة ، شهرته بذلك بين اهل بلده ووطنه ، وربما كان عندهم هذا اعلى وارقى في التعديل والتوثيق من ثناء رجل واحد من ائمة الجرح عليه . وهو وجيه من جهة النظر – كا لا يخفى – لما تفيده الشهرة من العلم بذلك مالا يفيده تعديل الرجل الواحد . وقليل من الرواة الثقات من تكون لهم هذه المكانة في الشهرة بالعلم والرواية التى تغني عن الثناء عليه والنص على ذلك من إمام من أئمة الجرح . فلو قال قائل : إن الحارث الهمداني من الطبقة الاولى والدرجة المثلى في العدالة والضبط ، وان حديثه من الصحة والثبوت بما تقتضيه منزلته في ذلك ، لكان صادقا في قوله ، مؤيدا بالدليل الذي لا يمكن نقضه ، يضاف إلى هذا توثيق الائمة من اهل عصره له ، واخذهم عنه ، وشهادتهم له بالتفوق في العلم على غيره . وأول من اعتمد عليه في الرواية عنه والاخذ منه سيدا شباب أهل الجنة – الحسن والحسين – عليهما السلام . فقد روى ابن سعد في الطبقات 6 / 168 عن الشعبي ، قال : لقد رأيت الحسن والحسين يسألان الحارث الاعور عن حديث علي . ورواه ايضا ابن ابي حاتم ، في ا لجرح 1 / 2 / 79 . فهذا الشعبى نفسه يخبر انه رأى الحسن والحسين عليهما السلام يسألان الحارث عن حديث علي عليه السلام . وفي هذا اعظم دليل واكبر حجة واقوى برهان على
________________________________________
أنه ثقة عندهما ، عنده من حديث علي والدهما – عليه السلام – ما لا يوجد عند غيره . قد يقول قائل : إن الرواية عن شيخ لا تدل على كون الراوي عنه يوثقه .
________________________________________
[ 35 ]
إلا أنا نقول : مثل الحسن والحسين في العلم والجلالة في الدين ، لا يأخذ الحديث عمن عرف بالكذب وعدم الصدق في الرواية . لانهما يعلمان قبح ذلك ، وأنه لا فائدة في الاخذ عن الكذاب ، بل فيه الاثم . لان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو احد الكذابين . ومن روى عن الكذاب ونشر حديثه بين الناس فهو داخل في هذا الوعيد . وحاشا الحسن والحسين – عليهما السلام – أن يجهلا هذا الوعيد أو يستخفا بهذه الكبيرة حتى يستجيزا الرواية عن الكذاب . فرواية الحسن والحسين عن الحارث ترد طعن الشعبي فيه بالكذب ، وتظهر انه اراد به – إن سلم ذلك له – الكذب في الرأي ، كا قال أحمد بن صالح المصري . ولهذا قال الحافظ الكبير ابو حفص ابن شاهين في : (الجزء الذي ذكر فيه من اختلف فيه العلماء ونقاد الحديث ، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه ، ومن قيل فيه قولان) وهو مطبوع في آخر تاريخ جرجان : 559 قال بعد ان ذكر قول الشعبي الحارث الاعور أحد الكذابين ما نصه : قال ابو حفص : وفي هذا الكلام من الشعبي في الحارث نظر ، لانه قد روى هو أنه رأى الحسن والحسين يسألان الحارث عن حديث علي . وهذا يدل على ان الحارث صحيح في الرواية عن على ، ولولا ذلك لما كان الحسن والحسين ، مع علمهما وفضلهما ، يسألان الحارث ، لانه كان وقت الحارث من هو ارفع من الحارث من اصحاب علي ، فدل سؤالهما للحارث على صحة روايته . ومع ذلك ، فقد قال يحيى بن معين : ما زال المحدثون يقبلون حديثه . وهذا من قول يحيى بن معين الامام في هذا الشأن زيادة لقبول حديث الحارث وثقته . وقد وثقه احمد بن صالح المصري امام أهل مصر في الحديث ، فقيل لاحمد بن
________________________________________
________________________________________
[ 36 ]
صالح ، قول الشعبى : حدثنا الحارث وكان كذابا ، قال احمد بن صالح : لم يكن بكذاب ، وانما كان كذبه في رأيه . ا ه‍ كلام ابن شاهين ، في الجزء المذكور . فمن الذي يعترض بعد هذا على من يقول بتوثيق الحارث ؟ ! ومما لا شك فيه ان الحارث كان عنده من حديث على – عليه السلام – مالا يوجد عند غيره ، كما يدل على ذلك ما رواه ابن سعد 6 / 168 عن علباء بن أحمر : ان علي بن ابي طالب – عليه السلام – خطب الناس فقال : من يشتري علما بدرهم . فاشترى الحارث الاعور صحفا بدرهم . ثم جاء بها عليا ، فكتب له علما كثيرا ، ثم إن عليا خطب الناس بعد فقال : يا أهل الكوفة ، غلبكم نصف رجل . وهذه ايضا شهادة من علي – عليه السلام – بفضل الحارث ، وأنه من اهل العلم الذين يؤخذ عنهم ، وأنه غلب أهل الكوفه في العلم ، ولو كان متهما في ذلك لبين علي أمره وحذرهم منه . ولم يوثق احد على لسان علي بن ابي طالب – عليه السلام – فوق المنبر على رؤوس الناس كما وثق الحارث ، وهذا هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدمون الحارث الاعور في صلاتهم ، لانه كان اعلمهم بالسنة . ومن كان كذلك فهو اولى بالامامة ، وكانوا يقدمونه في صلاتهم على الجنائز لانه افضلهم ، وأهل الفضل اولى بالصلاة على الجنازة . فقد روى ابن سعد في الطبقات 6 / 168 قال : أخبرنا الفضل ابن دكين ، حدثنا زهير بن معاوية ، عن ابي إسحاق : أنه كان يصلى خلف الحارث الاعور ، وكان امام قومه ، وكان يصلى على جنائزهم ، فكان يسلم – إذا صلى على الجنازة – عن يمينه مرة واحدة . وهذا ايضا هو السبب في كون اهل الكوفة كانوا يقدمون الحارث الاعور على ائمة العلم من اهل الكوفة ، كعبيدة السلماني ، وعلقمة ، ومسروق ، وشريح . قال ابن سيرين : أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة : من بدأ بالحارث ثنى بعبيدة ، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ، ثم علقمة الثالث لا شك فيه ، ثم مسروق ، ثم
________________________________________
شريح .
________________________________________
[ 37 ]
قال ابن سيرين : إن قوما آخرهم شريح لقوم لهم شأن . ا ه‍ . انظر ” المعرفة والتاريخ ” ليعقوب بن سفيان 2 / 557 و ” تهذيب الكمال ” 1 / 215 و ” تهذيب التهذيب ” 2 / 146 و ” الميزان ” 1 / 203 . وفي بعض الروايات ، قال ابن سيرين : وان قوما آخرهم شريح لقوم خيار . وفي اللفظ الذي ذكره الذهبي في ” الميزان ” قال ابن سيرين : وفاتني الحارث فلم أره ، وكان يفضل عليهم ، وكان أحسنهم . ا ه‍ . وهذا ايضا توثيق من ابن سيرين – التابعي الجليل – للحارث ، وشهادته له بالفضل على عبيدة ومسروق وعلقمة وشريح . فيضم . إلى من وثقه من أئمة التابعين المعاصرين له . وانظر كيف اخبر ابن سيرين بأن اهل الكوفة كانوا في شأن تقديم الحارث على عبيدة السلماني مختلفين ، منهم من يقدمه على عبيدة ، ومنهم من يقدم عبيدة عليه . أما ابن سيرين نفسه ، فجزم بأن الحارث أفضل الخمسة وأحسنهم كما ذكر الذهبي ذلك ، في ترجمة الحارث من ” الميزان ” 1 / 203 . وعلى حسب رواية الذهبي ، فإن خلاف أهل الكوفة إنما كان في الثلاثة ، أيهم أفضل ، علقمة ومسروق وعبيدة ، وأما الحارث ، فكان مقدما عندهم على الجميع . مما يدل على علو مكانة الحارث في نفوسهم ، وأنه مقدم على اكابر التابعين الكوفيين . وبالوقوف على ما كان لعبيدة وعلقمة ومسروق وشريح من المنزلة الرفيعة عند اهل الحديث والفقه من السلف ، لا سيما المعاصرون لهم ، يظهر لك منزلة الحارث في العدالة والثقة والتفوق في العلم . وأنه ممن يجب ان يكون في مقدمة رجال الصحيح ، بل يجب ان يكون سنده عن علي – عليه السلام – اصح الاسانيد من غير شك ، لانهم قالوا فيما ذكروه في اصح الاسانيد : محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن علي . فإذا ثبت عندنا ان الحارث كان مقدما عند اهل الكوفة على عبيدة ، وانه افضل منه واعلم ، كما قال ابن سيرين ، كان بلا شك على ما يقتضيه النظر أن
________________________________________
حديثه عن
________________________________________
[ 38 ]
علي – عليه السلام – اصح من حديث عبيدة السلماني ، عنه . وكذلك قالوا فيما قالوه في اصح الاسانيد : ابراهيم النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود . فيقتضي هذا ايضا ان يكون حديث الحارث عن ابن مسعود اصح من حديث علقمة عنه ، لاتفاق اهل الكوفة على تقديم الحارث على علقمة . كما حكى ابن سيرين ذلك من غير خلاف بينهم . بل ابن سيرين نفسه شهد بأن الحارث افضلهم واحسنهم . وأما تكذيب الشعبى له ، فقد رده عليه ائمة الجرح وحكموا ببطلانه . بل جعلوا طعن ابراهيم النخعي في الشعبي بكذبه في السماع من مسروق عقوبة من الله تعالى له ، حيث تعدى على الحارث في لمزه بالكذب . وقد ذكرت القصة في ” الباحث ” وحتى لو لم يرد أحد طعن الشعبى في الحارث فهو باطل ، لانه غير مفسر ولا مبين السبب ، وهو مردود اتفاتا . لا سيما إذا كان معارضا بالتوثيق ممن هو ارجح منه ، وهو العدد الجم من الائمة الذين وثقوه ورووا عنه واثنوا عليه بالفقه والعلم وسعة الرواية . حتى فضلوه – لاجل ذلك – على علقمة ومسروق وشريح ، بل وعبيدة السلماني كما ذكرنا . ولم يخرج تكذيب الشعبي له عن ان يكون من كلام الاقران في بعضهم بعضا ، وذلك معروف مشهور بين اهل العلم ، وعقد له ابن عبد البر في ” جامع بيان العلم ” بابا خاصا استوفى الكلام فيه على ذلك . انظر 2 / 150 منه . ولذلك لم يلتفت اهل الجرح إلى من تكلم فيه بسبب المعامرة كما يعلم ذلك من كتب الرجال ، ولو عملوا بمقتضاه لما بقي في يدهم راو واحد يحتج به . بل قال الذهبي رحمه الله تعالى – في مقدمة رسالته ” في الرواة الثقات المتكلم فيهم . بما لا يوجب ردهم ” بعد كلام ما نصه :
________________________________________
[ 39 ]
________________________________________
وما زال يمر بالرجل الثبت ، وفيه مقال من لا يعبأ به ، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والائمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما . ثم قال بعد كلام : وهكذا كثير من كلام الاقران بعضهم في بعض ، ينبغى ان يطوى ولا يروي ، ويطرح ولا يجعل طعنا . ا ه‍ كلام الذهبي رحمه الله . قلت : ولو عملنا بكلام الاقران في بعضهم البعض ، لطرحنا – لاجل ذلك – حديث الشعبي نفسه ، فقد كذبه إبراهيم النخعي في دعواه السماع من مسروق ، لا سيما وقد فسر جرحه له ، وبين سببه . ومع ذلك لم يلتفت أحد إلى كلام إبراهيم النخعي في الشعبى ، لانه صدر عن أمر خارج عن حقيقته ، فلا يعتبر به . وتكذيب الشعبي للحارث من هذا الباب ، فلذلك روى عنه الشعبى ايضا واخذ عنه العلم لما زال ما في نفسه عنه ، وذهب وحر صدره . والشعبى – رحمه الله تعالى – كان سريع التكذيب والطعن في كل من حدث بما لم يسمعه من الحديث ولم يبلغه . ومعلوم ان الحارث كان اعلم بحديث على – عليه السلام – من الشعبى ، فلما سمع منه ما لم يبلغه من حديث علي عليه السلام – سارع إلى تكذيبه ، وهكذا حاله حتى مع الصحابة ، فكيف بالحارث ! ؟ فقد نقل الحافظ الذهبي في ترجمة الشعبى من ” تذكرة الحفاظ ” 1 / 83 عن الحاكم ، عن ربيعه بن يزيد ، قال : قعدت إلى الشعبى بدمشق في خلافة عبد الملك ، فحدث رجل من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : ” اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، واطيعوا الامراء ، فان كان خيرا فلكم . وان كان شرا فعليهم وأنتم منه براء ” فقال له الشعبي : كذبت . فهذه القصة فيها دليل بين على ان الشعبى كان سريع التكذيب لمن حدث بما لم يبلغه ، فمن جعل طعن الشعبى في الحارث بالكذب حجة فليجعله في تكذيب هذا الصحابي كذلك ، مع اني اكاد أجزم بأن تكذيب الشعبي للحارث انما هو من جهة رأيه لا غير .
________________________________________
________________________________________
[ 40 ]
والا لما أخذ عنه وتعلم منه ، وهو معدود من الرواة عن الحارث . لا سيما والكذب لم يكن له سوق بين التابعين ، ولا له رواج على لسانهم ، وإذا وقع منهم فعلى سبيل الغلط والوهم والخطأ . وهذا شأن عامتهم ، فكيف بعلمائهم وساداتهم كالحارث ! ؟ وما صار التابعون يأخذون الحذر من الرواة ويحتاطون في الاخذ حتى وقعت الفتنة ، فلما وقعت ، نظروا من كان من اهل السنة اخذوا حديثه ، ومن كان من اهل البدع تركوا حديثه – كما قال ابن سيرين – رحمه الله تعالى . وهذا الاحتياط لم يكن منهم لاجل انتشار الكذب بينهم ، وانما كان لاجل المذهب والخروج عن جماعة اهل السنة . ثم بعد ان قررت هذا ، وسنح في الفهم عند كتابة هذه السطور ، وجدت الذهبي – رحمه الله تعالى – يقول في رسالته : ” في الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ” : 4 بعد كلام ما نصه : واما التابعون ، فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط وأوهام ، فمن ندر غلطه في جنب ما قد حمل احتمل ، ومن تعدد غلطه وكان من اوعية العلم اغتفر له ايضا ، ونقل حديثه ، وعمل به على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته ، كالحارث الاعور ، وعاصم بن ضمرة ، وصالح مولى التوأمة ، وعطاء بن السائب ، ونحوهم ، ومن فحش خطؤه وكثر تفرده لم يحتج بحديثه ، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الاولين ، ويوجد ذلك في صغار التابعين فمن بعدهم . أه‍ . كلامه . فأفاد هذا التقرير ، من الحافظ الناقد المتقن الذهبي – رحمه الله تعالى – فيما يتعلق بالحارث امورا : أولها : ان الحارث لم لكن كذابا كما زعم الشعبى ، لان الكذب لم يكن يصدر من التابعين عمدا . ثانيها : ان حديثه يعمل به في الاحكام وينقل بين الناس ، ولهذا احتج اصحاب كتب السنة بحديثه للمعنى الذي ذكره الذهبي ، والتردد في ذلك لا يضر ، فقد
________________________________________
[ 41 ]
________________________________________
ذكرت ان ذلك التردد لا أساس له ولا دليل عليه ، وأن الحارث ثقة يعمل بحديثه قولا واحدا على حسب القواعد المقررة . ثالثها : إن الحارث لم يقع منه تفرد في حديثه ، وإنه لم يكن ممن فحش خطؤه وكثر همه ، لانه كان من التابعين الاولين ، وإنما ذلك يوجد في صغار التابعين فمن بعدهم . فأين يذهب الالباني من هذا الكلام الذي قرره الذهبي الحافظ الناقد ، الذي ما اتى بعد يحيى بن معين خبير بأحوال الرجال مثله ، في شأن الحارث وحكمه فيه بأنه ممن يعمل بحديثه وينقل عنه ! ؟ ومعلوم ان الذهبي لم يكن له بالتشيع صلة ، ولا له بالشيعة رابطة ، حتى يتهم هو الاخر بأنه قال ما قال لاجل تشيعه . فظهر من هذا ان الالباني ليس له معرفة بالرجال ، ولا له غوص في نقل عبارات اهل الجرح . وانما شأنه فاصر على جمع طرق الحديث ، وذكر الصفحات بأرقامها التي يوجد فيها الحديث لا غير ، وكون السند فيه ثقة أو ضعيفا ، أما نقد الرجال والكلام على علل الحديث الخفية التي هي اهم علوم الحديث ، فهذا لا يعلمه ولا يدريه ، ولا شأن له به في كلامه على الاسانيد ، كما يظهر من كتبه وتعاليقه . فتجده يصحح ما هو موضوع ، ويضعف ما هو صحيح ، ويحكم بوقف ما هو مرفوع . ولكنه اغتر بفراغ الجو وخلو البلاد ممن يشتغل بالحديث على الوجه الصحيح ، (1) ولم يجد بين أهل العلم من يتفرغ لبيان اوهامه وسقطاته واغلاطه التى ارجوا ان يهئ
________________________________________
________________________________________
(1) قلت : وخصوصأ بلاد الشام فليس فيخت محدث البتة والشيخ بدر الدين الذي شهروا بأنه محدث لم يكن كذلك ويشهد لذلك عدم تخرج تلامذة به يعرفون الحديث مع علم وجود كتب حديث من تصنيفه تدل علي انه محدث وكل من عرفته أو سمعت عنه يشهد له بأنه محدث هو حقيقة لا يعرف الحديث ، وانما يتناقل الناس ذلك دون تمحيص وادراك وقد نقل الحافظ الشريف احمد الغماري في بعض كتبه بانه حضر عليه فوجده لا يعرف الحديث . وليى هذا طعنا بالشيخ البتة وانما هو اخبار بالواقع أه‍ حسن . (*)
________________________________________
[ 42 ]
________________________________________
الله تعالى الفرصة لبيانها ، حتى يعلم الطلبة انه محدث الاوراق والصحف . واعظم دليل على هذا ما وقع له في شأن الحارث ، مع وقوفه على قول الذهبي في ترجمة الحارث في ” الميزان ” ان الجمهور على توهينه ، فأخذ ذلك منه مسلما ، ورأى ان ذلك هو الحق ، لانه ليس له أهلية لمعرفة صواب كلام اهل الجرح من خطئه ، وحقه من باطله ، والا لو كانت له اهلية وكفاءة ، وكان محدثا على طريق النقاد ، لتتبع كلام اهل الجرح وسبر اقوالهم ، ليعلم هل قول الذهبي في الحارث ان الجمهور على توهينه صواب ام خطأ ؟ حق ام باطل ؟ لان الذهبي ، وإن كان حافظا ناقدا ، لكنه له اوهام واغلاط في كلامه على بعض الرجال ، من لم يتنبه لها يقع في حبالتها . كما يقع له ايضا اوهام في تصحيح الاحاديث وتضعيفها ، وتساهل في الكلام على اسانيدها ، كما يعلم ذلك من قرأ تلخيص المستدرك له ، ومن ذلك قوله في الحارث إن الجمهور على توهينه ، فإنه وهم محض ، وتسرع في القول لا غير . ولو تتبع الالباني ، كلام اهل الجرح في الحارث – كما حصل لنا – ونظر في مخرج جرح المجرحين له ، لعلم وتحقق أن الجمهور الذى قال الذهبي أنه اتفق على توهين الحارث لا يوجد الا في (الميزان) للذهبي – رحمه الله تعالى – وأنه لا حقيقة له في الحارج مطلقا ، كما يقولون في العنقاء . لان الجمهور الذي يخرج منه الحسن والحسين ، ومعهما والدهما – عليهم السلام – وأهل الكوفة جميعا ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير ، وابن معين ، واحمد بن صالح المصري ، وحبيب بن ابي ثابت ، والنسائي ، وابو بكر بن ابى داود ، وابو حفص ابن شاهين ، وابن عبد البر ، وغيرهم كثير ممن وثقه واثنى عليه . بل قال ابن معين : ما زال المحدثون يقبلون حديثه . الجمهور الذي يخرج منه هذا العدد الجم من ائمة السلف والخلف ، لجدير ان ينبذ نبذ النواة ، ويطرح في زوايا الترك والاهمال ، ويسدل عليه ستار النسيان . ويكفى في رد دعوى الذهبي – رحمه الله تعالى – هذه
________________________________________
في كون الجمهور على هين الحارث :
________________________________________
[ 43 ]
انه كان معدودا من سرج الكوفة – كا قال سعيد بن جبير – رضي الله تعالى عنه لهذا ذكره ابو اسحاق الشيرازي – رحمه الله تعالى – في فقهاء التابعين بالكوفة ، وقد ذكر منهم علقمة بن قيس ، والاسود بن يزيد بن قيس ، والنخعي ، ومسروق ، وشريح بن الحارث القاضى ، والحارث الاعور . وقال – بعد ان ترجم لهؤلاء الستة ما نصه – : وهؤلاء الستة الذين ذكرناهم اصحاب عبد الله بن مسعود ، وقال سعيد بن جبير : كان اصحاب عبد الله سرج هذه القرية . وقال فيهم الشاعر : وابن مسعود الذى سرج القرية اصحابه ذوو الاحلام وله جماعة من غير هؤلاء من الاصحاب . قال الشعبي : ما كان من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افقه صاحبا من عبد الله بن مسعود ، انظر ” طبقات الفتهاء ” لابي اسحاق الشيرازي : 80 . وقد اقتصر أبو إسحق الشيرازي في هذه الطبقات على ذكر فقهاء الامصار الذين لا يسع الفقيه جهلهم لحاجته إليهم في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الاجماع ويعتد به في الخلاف ، وذكر ما دل على علمهم من ثناء الفضلاء عليهم . انظر ” الطبقات ” : 31 . فالذي يتمسك بقول الذهبي في توهين الحارث بعد هذا هو الواهي حقيقة . وأرى ان الذهبي نفسه – رحمه الله تعالى – ناقض نفسه في دعواه توهين الجمهور للحارث ، حيث قال في كلامه السابق ، الذي ذكره في رسالة ” الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ” : ان الحارث وشبهه يعمل بحديثه . وينقل على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته . فجعله ممن تردد الائمة في الاحتجاج به ، وهذا يرد دعوى توهين الجمهور له . وكذلك ناقض الذهبي نفسه حيث قال : مع روايتهم لحديثه في الابواب ، وهذا الشعبى يكذبه ثم يروى عنه ، والظاهر انه يكذب في لهجته وحكاياته واما في
________________________________________
[ 44 ]
________________________________________
الحديث النبوي فلا ، وكان من اوعية العلم . . . الخ كلامه المذكور ، في ” الميزان ” 1 / 202 . فرواية أهل الحديث لحديثه في الابواب دليل على انه لم يوهنوه ، كما ذكرت ذلك‍ في ” الباحث ” . وأما قوله : والظاهر انه كان يكذب في لهجته ، فباطل ايضا ، بل من أبطل ا لباطل . لان المقرر عند اهل الحديث ان الراوي إذا كان يكذب في لهجته وكلامه ولا يكذب في حديثه ، فروايته ايضا غير مقبولة . لان العدالة لا تتجزأ ولا تتبعض ، فلا يكون الراوي ثقة عدلا في جهة ، وكذابا فاسقا في جهة اخرى . وهذا مما تشترك فيه الرواية مع الشهادة . بخلاف الضبط ، فقد يكون الراوي ضابطا في شيخ ، ضعيفا في اخر ، كما هو معلوم لصغار الطلبة . اما العدالة فلا تتبعض ولا تتجزأ مطلقا ، لا سيما وقد قالوا في تعريف الثقة : هو الذى يجتنب الكبائر ولا يتظاهر بخوارم المروءة . وهل هناك كبيرة اعظم وأقبح من الكذب ، والاخبار بغير الواقع ! ؟ وان كان بعغى رجال الحديث قبل رواية الرجل الذي يكذب في لهجته وكلامه ، ولا يكذب في حديثه . وذلك مذكور في المصطلح ، ويظهر ان الذهبي – رحمه الله تعالى – مشى على هذا القول في توجيه طعن الشعبى بالكذب في الحارث . وهو مردود عقلا ونقلا ، ولا يتمشى مع القواعد المقررة ، فكن منه على بال . والمقصود بعد هذا ، أن الحارث ثقة عدل رضي ، وثقة الائمة من رجال السلف والخلف . بل لو قلت : الاتفاق قد حصل ووقع على توثيقه ، الا ما شذ من الاقوال المخالفة للجمهور لكنت صادقا في ذلك ، ومن خالف الجمهور في ذلك فخلافه مردود بما تقتضيه القواعد المقررة التى لا يمكن نقضها وردها ، كما بينت ذلك ، في ” الباحث ” . ولاجل ذلك احتج به اصحاب السنن ، وذكروا حديثه في الابواب ، فإنه لا نى لذلك الا كونه حجة صالحا للعمل .
________________________________________
[ 45 ]
________________________________________
بل قال الذهبي في ” الميزان ، 1 / 23 : والنسائي مع تعنته في الرجال ، قد احتج به وهذه شهادة من النسائي بأن الطعن الذي وقع في الحارث ، مردود غير مقبول ، ولا يلتفت إليه ، لانه ما دام متعنتا في الرجال – والمتعنت المتشدد – يرد حيث الراوي بما لا يكون جرحا ، فكيف إذا جرح بالكذب ! ؟ . فاحتجاجه بالحارث ، مع هذا ، دليل واضح على أنه ثقة ؟ وان الطعن الذي قيل فيه ، لا أساس له يستند عليه ، وأن حديثه صحيح كسائر أحاديث الثقات . ولهذا صرح بصحته الامام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر – رحمه الله تعالى – حيث قال في ” التمهيد ” 4 / 287 في الكلام على الصلاة الوسطى بعد كلام ما نصه : والصحيح عن على من وجوه شتى صحاح أنه قال في الصلاة الوسطى : صلاة العصر . وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، رواه عنه جماعة من اصحابه ، منهم عبيدة السلماني ، وشتير بن شكل ، ويحيى الجزار ، والحارث . والاحاديث في ذلك صحاح ثابتة ، أسانيدها حسان . أ ه‍ . والالباني لشذوذه وجهله بالجرح والتعديل ، وأخذه الاقوال في ذلك من غير نقد لها ولا بحث ولا تحقيق ولا تمحيصي ، خالف عمل هؤلاء الائمة من السلف والخلف في توثيق الحارث وتصحيح حديثه ، وصار يحكم على حديث الحارث بالوضع اغترارا منه بكلام الذهبي في دعواه ان الجمهور على توهينه . كما وقع منه في كلامه ، على حديث : الانبياء قادة ، والفقهاء سادة ، ومجالسهم زيادة . فقد ذكره في ” الضعيفة ” 1 / 54 وقال : موضوع ، أخرجه الدارقظى ، والقضاعي في ” مسند الشهاب ” ، من طريق ابي اسحاق ، عن الحارث ، عن علي بن أبي طالب مرفوعا . ثم قال الالباني : وهذا سند ضعيف جدا . الحارث : هو ابن عبد الله الهمداني الاعور ز قد ضعفه الجمهور . + وقال ابن المدينى : كذاب . وقال شعبة : لم يسمع ابو إسحاق منه الا اربعة احاديث . . . الخ كلامه .
________________________________________
[ 46 ]
________________________________________
وقد أظهر في هذا الكلام من الجهل ما يضحك منه صغار الطلبة ، لانه فضح به نفسه ، واظهر للناس صدق قولنا فيه : إنه محدث الاوراق والصحف ، ولا يغوص لاستخراج علل أسانيد الاحاديث الخفية ، ولا يغوض لاستخراج علل اسانيد الاحاديث الخفية ، ولا يتتبع الطرق ويعتبر بها ، كا هو مقرر عند اهل هذا العلم ، وانما غايته كغيره ممن يتعاطى الاشتغال بالحديث ان يرجع إلى رجل من رجال السند ، فيكتفي بما قيل فيه في الطعن في الحديث ، وان كان ذلك الراوي المسكين لا ناقة له ولا جمل في علة الحديث ، وهذا صنيع المبتدئين البسطاء في هذا الفن . ولبيان تهوره هذا اقول : ان الحارث برئ من هذا الحديث براءة الذئب من دم يوسف . ولا علاقة له به مطلقا . والالباني اوقعه في هذا الخطأ القبيح والغلط الشنيع ، تقليده لابي الطيب العظيم آبادي ، فهو الذى اقتصر على إلصالق التهمة في هذا الحديث بالحارث في كتابه : ” التعليق المغنى على الدارقطني ” 3 / 80 وذلك قصور منه . واعتماد الالباني عليه – لعدم وصوله إلى درجة الاجتهاد في الكلام ، على الرجال أوقعه كما قلنا فيما كشف به عن جهله . وذلك ان الحديث رواه الدارقطني في آخر كتاب البيوع من ” سننه ” 3 / 80 والخطيب في ” الفقيه والمتفقه) 1 / 32 من طريق الهيثم بن موسى المروزي ، عن عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ، عن إسرائيل ، عن ابي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي – عليه السلام – به مرفوعا . فالقاعدة المقررة ، عند اهل العلم بالحديث ، والامر الذى عليه العمل عندهم ، وهو الذي يقتضيه النظر ايضا : إن الحديث يجب ان يعلل اولا بالهيثم بن موسى المروزى المجهول ، فإفي لم أقف له على ترجمة فيما لدي من كتب الرجال ، وانما الذي وجدته عنه هو ذكر الخطيب له في ” تاريخ بغداد ” في ترجمة إسحاق بن البهلول ، الذين أخذ عنهم الفقه ، فقال : وذكر اهله أنه كان فقيها ، حمل الفقه عن الحسن بن زياد اللؤلؤي ، وعن الهيثم بن موسى صاحب ابي
________________________________________
يوسف القاضى . فهذا ما وجدته عنه . فالرجل في عداد المجهولين فيما يظهر .
________________________________________
[ 47 ]
فكان يجب على الالباني – لو كان بصيرا بنقد الاسانيد – أن يبدأ في الكلام على سند الحديث الذي أعله بالحارث من أوله ليسلم له التعليل . وإلا ، فما دام السند لم يثبت إلى الحارث ، فمن قال له : انه من صنعه . هذا لا يقوله طالب في هذا العلم ابدا . ثم بعد هذا ، هناك علة اكبر من علة وجود هذا الرجل المجهول : وهى علة العلل التي يجزم بسببها طالب الحديث بأن الحارث برئ من هذا الحديث ، وأنه لا يرميه به الا الرجل العامي في هذا العلم . وهذه العلة هي عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ، شيخ الهيثم بن موسى ، فإنه ضعيف جدا . قال البخاري : ليس بالقوي عندهم . وقال ابن معين : ضعيف . وقال مسلم : ذاهب الحديث . وقال ابن عدي : الضعف على رواياته بين . وقال ابو داود : متروك الحديث . وتال ابو القاسم البغوي : ضعيف الحديث . وقال ابو زرعة الدمشقي : سألت أبا مسهر . فقلت . عبد العزيز بن الحصين ممن يؤخذ عنه ؟ فقال : أما اهل الحزم فلا يفعلون . وقال ابن المدينى : روى عنه معن وغيره ، بلاء من البلاء ، وضعفه جدا . وقال النسائي في ” التمييز ” : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه . وقال الحافظ في ” اللسان ” : واعجب من كل ما تقدم ان الحاكم أخرج له في ” المستدرك ” وقال : إنه ثقة . انظر ” اللسان ” 4 / 28 . وقال الذهبي في ” المغنى ” 2 / 397 : ضعفه يحيى والناس . وكذلك قال في ” ديوان الضعفاء ” : 195 . فوجود عبد العزيز بن الحصين هذا هو الذى يجب ان يعلل به الحديث ، كما هي قاعدة اهل العلم في مثل هذا ، لانه لم يوثقه احد ، وقيل فيه : إنه متروك غير ثقة .
________________________________________
[ 48 ]
________________________________________
فكيف يترك تعليل السند به ويرحل إلى الحارث الذى وثقه الجمهور – كما قلنا – وعمل اهل السنة بحديثه . واحتجوا به ، كأنه لا يوجد ضعيف في السند إلا هو . فتنبه لهذا تعلم قصور الالباني في كلامه على أسانيد الحديث ، وأنه صحفي لا غير . وحتى لو سلمنا له ان الحارث ضعيف وكذاب – كما قال – ولكن من يثبث لنا انه هو صاحب الحديث ما دام الطريق إليه فيها متروكا وغير ثقة ؟ ! ولو سلمنا له سلامة السند من كل هذا ، وان التهمة فيه من جهة الحارث وحده ، ولكن ما زالت في الطريق إلى الصاق التهمة بالحارث علة أخرى تحول عند اهل الحديث دون الصاق التهمة به . وهذه العلة هي تدليس أبي اسحاق السبيعي ، فإنه كان مدلسا ، وقد عنعن في روايته عن الحارث ، وعنعنة المدلس لا يقبلها احد من أهل العلم مطلقا ، لا عند المحدثين ولا عند غيرهم . وأبو إسحاق السبيعى ذكره الحافظ – رحمه الله تعالى – في المرتبة الثالثة ، من ” طبقات المدلسين ” : 14 وقال : مشهور بالتدليس . بل نقل الحافظ في ” تهذيب التهذيب ” 8 / 66 عن الجوزجاني : أنه قال : كان قوم من اهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم – يعني التشيع – هم رؤوس محدثي الكوفة : أبو إسحاق ، والاعمش ، ومنصور ، وزبيد ، وغيرهم من اقرانهم ، احتملهم الناس على صدق السنتهم في الحديث ، ووقفوا عندما ارسلوا ، لما خافوا ان لا تكون مخارجها صحيحة . فأما أبو إسحاق ، فروى عن قوم لا يعرفون ، ولم ينتشر عند أهل العلم الا ما حكى ابو إسحاق عنهم . وهذا الكلام الذي قاله الجوزجاني – وان كان مردودا من جهة الطعن بالتشيع – فإنه اخبر فيه بأن أبا إسحاق يروي عمن لا يعرف ، ويرسل عنهم . فيجب على قوله هذا ترك عنعنته – كما هو معلوم – لاحتمال أنه أخذه عمن لا يعرف . ولهذا قال معن : أفسد حديث أهل الكوفة الاعمش وأبو إسحاق للتدليس . فهذه العلة وحدها تدفع التهمة عن الحارث ، وتظهر ان من ضعف الحديث
________________________________________
________________________________________
[ 49 ]
بسببه بعيد عن صناعة الحديث بعد السماء عن الارض . ومن الامور التي تدل على تصور الالباني : أنه اقتصر في كلامه على الحارث على قوله : ضعفه الجمهور . وقال ابن المديني : كذاب . وترك ذكر العدد الكبير الذي وثقه واثنى عليه كما ذكر ذلك في ترجمة الحارث من كتب الجرح . وقد ذكرت ذلك فيما سبق . والمقرر عن المحدثين والذى عليه عملهم : أنه يجب أن يذكر في الراوي ما قيل فيه من جرح وتعديل ومدح وذم ليعرف منزلة قول الجارح من المادح ، فإن عبارات المجرحين يظهر الخلل فيها من أقوال الموثقين للراوي نفسه كما هو معلوم . ولعلي أشرت إلى هذا في ” الباحث ” ، من ذلك : ان الجرح لا يقبل الا مفسرا كما اجمع عليه اهل النقد من أهل الحديث ، اللهم الا إذا كان الراوى لم يوثق مطلقا . أما إذا كان الراوى وثقة جماعة وجرحه اخرون بجرح غير مفسر ، فالجرح مردود غير مقبول قولا واحدا بدون خلاف من احد . كما هو الحال في الحارث ، فان المجرحين له لم يفسروا جرحهم له ، ولم يبينوا أسبابه ، فيطرح جرحهم ويترك ويعمل بقول من وثقه ، وهو الجمهور من السلف والخلف . ولكن الالباني اقتصر على قوله : انه كذاب ، والجمهور على تضعيفه . ونحن لا نكون مثله ، فنقول : إنه يشم منه رائحة النصب ، وقد عابوا على ابن الجوزي في كتابه في الرجال صنيعه الذى تفرد به عن اهل الحديث ، وهو الاقتصار على ذكر ما قيل في الرجل من الجرح دون التعديل ، لان ذلك ينافي الامانة اولا ، ويضلل الباحث عن حال الرجال ثانيا . ومما يضحك ويجعل حبوتك تنحل عجبا من هذا الالباني : أنه جعل قول شعبة : لم يسمع ابو اسحق منه إلا أربعة أحاديث ، مما يجرح به الحارث ، مع ان هذا لا دخل له في باب الجرح مطقا عند اهل الحدث النقاد ، وانما هو اخبار عن كون ابي اسحاق لم يكن من المكثرين عن الحارث لا غير . كما ان عددا من المشاهير الثقات من رجال الصحيح لم يرو عنهم بعضى الائمة الا حديثا واحدا ، فضلا عن
________________________________________
اربعة .
________________________________________
[ 50 ]
ولم يقل أحد ان ذلك جرح لهم ، وهذا موضوع معروف بين اهل الحديث ، والفوا فيه التآليف ، بل يوجد هذا حتى في الصحابة ، ففيهم عدد كبير لم يرو عنهم الرواة الا حديثأ واحدا أو ثلاثة أو اربعة . وحتى لو سلمنا للالباني فهمه ، فإن هذا يكون حجة عليه في رمي الحارث بهذا الحديث ، لانه يدل على ان أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث ، فلماذا يرميه به اذن ، ويتهمه بوضعه هذا ؟ ! والله انه الدخول فيما لا يحسنه الانسان . ومن جهله ايضا ، ظنه ان توثيق الراوي لشيخه لا يتم حتى يروي عنه العدد الكبير من الاحاديث . ولهذا اعتمد على قول شعبة هذا ، مع أن هذا الشرط لا تجده الا في مخيلة الالباني . والا فلا فرق في ذلك بين ان يروي شيخ حديثا واحدا أو مئة في الدلالة على كونه ثقة عنده ان قلنا : إن الرواية عن الشيخ تدل على كونه ثقة عند الراوى عنه . والمسألة فيها نزاع شهير مذكور في محله . ثم مما يعرفك بضعف الالباني في هذا العلم ، وقصوره فيه ، وعدم اتباعه للمقرر فيه عند أهله ، أنه حكم على الحديث اولا بأنه موضوع ، ثم قال بعد ان ذكر سند الحديث الذي علقه من طريق أبي اسحاق ، عن الحارث ، عن علي بن ابي طالب : وهذا سند ضعيف جدا . فحكمه اولا بأن الحديث موضوع – وهو شر الضعيف لانه لا درجة بعده مطلقا – ثم حكمه على السند بأنه ضعيف جدا ثانيا ، تناقض عظيم ، وجهل كبير ، يعلمه طلبة ” نخبة الفكر ” لان السند الضعيف جدا لا يصل ان يكون به الحديث موضوعا . بل يحتمل ان يكون واهيا يرتفع إلى درجة الضعيف . بخلاف الحديث الموضوع ، فإنه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقا ، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد . وهذا امر معلوم لا يحتاج إلى شرحه للالباني ، وعليه بقرءة ” النخبة ” ليعلمه ، وفي الوقت الذي نجد فيه الالباني يرفض الاعتماد في التصحيح والتضعيف على الحفاظ النقاد ، لان ذلك يكون غالبا فيما
________________________________________
لا يوافق هواه . ولا يتمشى مع رأيه ، نراه هنا يؤيد قوله ورأيه في الحارث بما لا يعد تأييدا عند
________________________________________
[ 51 ]
العلماء ، وذلك في قوله : وفي ” الكشف ” قال القاري : هو موضوع كما في ” الخلاصة ” . كأن الالباني يرهب خصومه ويرفع في وجههم السلاح الفتاك إذا ارادوا معارضته في الحكم على الحارث بالكذب بقول القاري : هو موضوع ، كأن القاري – رحمه الله تعالى – يحيى بن معين ، أو علي بن المديني ، أو الحافط ابن الحجر ، أو المنذري ، رضي الله عنهم جميعا . مع أنه لا يعد في هذا العلم شيئا مذكورأ ، ولا هو فيه بالرتبة التي يذكر بسببها بيه اهل الحديث ، كما تدل كتبه ومصنفاته ، بل إذا رأيت الذي يشتغل بالحديث يذكر في كتبه القاري محتجا به ومستشهدا بكلامه ، فاعلم انه لا ياتي منه شئ في هذا العلم . وفي الختام ، اراد الالباني ان يجهز عل الحديث مرة واحدة ، ولا يدع للنزاع معه طريقا ، فتناول الطعن في الحديث من جهة معناه ، فقال : ولوائح الوضع عليه ظاهرة . وهذا منه مجرد تحكم بالهوى ، ودفع بالصدر ، والا فما الذي يلوح عليه من علامات الوضع ؟ ومعناه واضح ظاهر لذى عينين ، وورد ما يشهد له في احاديث كثيرة . وورد موقوفا عن ابي مسعود ، بلفظ : المتقون سادة ، والفتهاء قادة ، ومجالسهم زيادة . رواه الطبراني في ” الكبير ” . قال الهيثمي في ” المجمعع ” 1 / 126 : ورجاله موثقون . فالحكم على الحديث بأن لوائح الوضع عليه ظاهرة ، من غير ان يكون هناك دليل شرعى يشهد بفساد ذلك المعنى ، أو دليل عقلي قاطع على ذلك ، جرأة عظيمة من صاحبه ، وهو يفتح الباب امام الجهلة المتنطعين لرد الاحاديث الثابتة لمجرد عدم فهمهم لمعناها ، وقصور عقلهم عن إدراك مراد الشارع منها . وبعد ، فقد تبين مما ذكرناه في هذه السطور ، وأشرنا إليه في هذه الورقات اليسيرة ، ان القول بأن الحارث ثقة ، هو قول الجمهور ، وهو الذي مشى عليه اصحاب
________________________________________
السنن ، وعليه كان اهل الكوفة ، وقد كانت عامرة بالائمة من علماء التابعين وفقهائهم وغيرهم ، وإن القول بأنه غير ثقة لا نصيب له من الصواب ،
________________________________________
[ 52 ]
لانه لا يؤيده دليل ولا برهان ، ولا تشهد له قواعد علم الحديث التى يحتكم إليها عند الخلاف ، ويرجع إلى فصلها عند النزاع . وان كان الالباني لا يقول بقاعدة ، ولا يرجع إلى أصل يحتكم إليه . وهو يخترع القواعد على حسب ما يظهر له ويريد فهمه ، ولهذه تجده في كلامه على الاحاديث يصحح ويضعف ويثبت ويبطل بما يخالفه هو نفسه إذا اقتضى نظره وجداله وخصامه ولدده ذلك . لان قواعده مبعثرة ، فلا هي تابعة لاهل الحديث ، ولا لاهل الاصول ، ولا للفقهاء ، وغرضه بذلك الهرب من الوقوع في يد خصمه إذ وقع في نزاع فيما يختاره من الاقوال الشاذة الواهية وهي كثيرة ، في صفة صلاته ، وتجهيز جنازته ، وحجاب امرأته ، وحلية نسائه ، وسلسلة احاديثه ، بحيث لو تتبعها الانسان لاخرج منها كتابا مفيدا للفكاهة وقت الاستراحة من العمل الشاق ، يصلح ان يكون ذيلا لكتاب : ” أخبار الحمقى والمغفلين ” لابن الجوزي – رحمه الله تعالى – . ومن شذوذه المضحك : ما وقع منه في شأن الحارث من جزمه بكذبه ، واعتراضه علي في توثيقي له ، الامر الذي يوهم الغر المبتدئ أني تفردت بذلك عن الجمهور . وهو اعتراض – كما قلت – ينبئ عن جهل ، وعجز ، وقلة اطلاع ، وتهجم على القول لمجرد النزاع والجدال ونشر الخصام لا غير . ولولا ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : ” اتركوا الترك ” لخضنا معه في بيان اوهامه الساقطة ، وأقواله الخارجة عن اجماع المسلمين ، في المصطلح والحديث وفي الاصول ، الذي ظهر من كلامه فيه أنه لا يتقنه ، ولا يحسن معرفته ، ولذلك يخالف قواعده المقررة عند أهله . وكذلك أقواله في الفروع التي خالف فيها اجماع السلف والخلف ، رغبة في التفرقة وبث الشقاق والخلاف ، فيما لا يفيد ولا
________________________________________
ينفع المسلمين ، بل يضرهم وينفع غيرهم ، الامر الذى يدل على دغل ، والعياذ بالله تعالى .
________________________________________
[ 53 ]
وكذلك أقواله الشائنة فيما يتعلق بذات الله تعالى ، مما يدل على انه لا يعرف ما يستحيل وصف الحق تعالى به ، كقوله : العصمة لله تعالى . (1) وهي كلمة لا تصدر الا من جهلة العوام ، ومن دخل في دين الاسلام عن كبر . ولكن يكفي في ذلك ما ذكرناه وأشرنا إليه ، وقد قالوا : يكفى من القلادة ما أحاط بالعنق . وبالله تعالى التوفيق ، ومنه وحده المعونة والتأييد .
________________________________________
(1) وكاقراره لشارح الطحاوية في ما ذكره في الشرح من أغلاط كقدم نوع العالم واثبات الحد لله دون ان يعلق على تلك العبارات بالانكار وغير ذلك وقد بينا ذلك في رسائل عديدة . (*)
________________________________________
[ 54 ]
________________________________________
الفصل وأما قصوره الذي أظهره في الاعتراض علي في توثيق الحارث لكونه شيعيا ، فهو أن توثيق الشيعي ليس بأمر منكر ، ولا بالطريق الصعب ، ولا بالسبيل الوعر . بل الراوي الشيعي كغيره من الرواة ، ان كان ثقة ضابطا فحديثه صحيح مقبول ، يجب الاخذ به ويحرم رده . وعلى هذا عمل أهل الحديث قاطبة ، وفي متدمتهم الامامان : البخاري ومسلم . فلا يحصى كم عدد رواتهما من الشيعة ، بل وممن وصفوا بالغلو في التشيع . فإخراج احاديثهم في صحيحعهما أعظم دليل على ان الشيعي كغيره من الرواة في صحة حديثه إذا ثبت عدالته وضبطه . وكتب الرجال ، ك‍ ” تهذيب الكمال ” و ” تهذيب التهذيب ” و ” الميزان ” و ” لسان الميزان ” وغيرها ، مملوءة بالرواة الشيعة الذين وثقهم أئمة الجرح والتعديل . بل تجد الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – يذكر في ” لسان الميزان ” رجالا من الشيعة ينقلهم من كتب رجال الشيعة للكشي والنجاشي ، وينص على توثيقهم ، ولو تتبع الانسان ” اللسان ” لاخرج عددا كبيرا منهم . فلا يرد حديث الثقة الشيعي الا من قصر نظره وقل علمه ولم يدر ما اتفق عليه أئمة الحديث والسنة من الاحتجاج بحديث الشيعي الثقة . وكيف يردون حديثه ولا يوثقونه لاجل تشيعه ، والتشيع كان فاشيا في التابعين . فلو رد حديث الثقة الموصوف بالتشيع لرددنا من أجل ذلك جملة كبيرة من احاديث التابعين ، وذلك يذهب عدد كبير من الاحكام الشرعية ادراج الرياح ، وهذا لا يقول به أحد ، ولم يقل به أحد ، ولن يقول به احد ، اللهم الا الرجل القصير النظر ، الذي لا يميز بين الليل والنهار . قال الذهبي – رحمه الله تعالى – في ترجمة أبان بن تغلب 1 / 5 : شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقة ، وعليه بدعته .
________________________________________
[ 55 ]
________________________________________
ثم قال بعد ان ذكر من وثقه من الائمة – ما نصه : غلو التشيع ، أو التشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعن وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الاثار النبويهة ، وهذه مفسدة بينة . فرد حديث الشيعي الثقة مفسدة بينة ، كما قال الذهبي – رحمه الله تعالى – لما يترتب على ذلك من ذهاب جملة من الاحاديث النبوية . فلهذا كان عمل اهل الحديث سلفا وخلفا ، وفي متدمتهم : البخاري ومسلم ، على الاحتجاج بحديث الشيعي الثقة . فمن رد حديثه ، ورأى توثيقه منكرا ، وعملا غير مشروع ، وأمرا لا يجوز ، فهو شاذ ، خارج عن إجماع اهل الحديث ، فلا يعتبر به ، ولا يلتفت إلى كلامه . وصدور ذلك منه يدل على قصوره في علم الحديث ، وعدم معرفته بما اجمعوا عليه من مسائله بينهم . ويكفي في الدلالة على ان الشيعي محتج بحديثه مقبول الرواية ، إذا كان ثقة ، وأن هذا هو الذي عليه جماعة أهل الحديث واتفقت الامة معهم في ذلك ، إخراج البخاري ومسلم لحديثه ، فإن ذلك دليل على إطباق الامة ، سلفها وخلفها ، على الاحتجاج بالشيعي لاطباق الامة على قبول حديث الصحيحين والاحتجاج بهما والحكم عليهما بأنهما أصح الكتب بعد القرآن . فهذا وحده كاف في كون الشيعي الثقة مجمعا على الاحتجاج به ، مقبول الرواية . ومن خالف ذلك فقد خرج عن هذا الاجماع ، ورد ما أجمعت الامة على قبوله ، والله تعالى يقول : (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) ” سورة النساء الاية 115 ” وكفى هذا فسادا لقول الالباني في الاعتراض على توثيق الحارث الشيعي . قال الحافظ – رحمه الله تعالى – في مقدمة ” الفتح ” (384) : ينبغي لكل منصف ان يعلم ان تخريج صاحب الصحيح لاي راو كان مقتضيا لعدالته عنده وصحة ضبطه ، وعدم غفلته ، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من اطباق جمهور الائمة على تسمية الكتاببن بالصحيحين . وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح ، فهو بمثابة
________________________________________
إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما .
________________________________________
[ 56 ]
ثم قال بعد كلام : وقد كان ابو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح : هذا جاز القنطرة . يعني بذلك : أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه . وقال الشبخ ابو الفتح القشيري في مختصره : وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه الا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذى قدمناه من اتفاق الناس – بعد الشيخين – على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما . ثم قال الحافظ : (قلت) : فلا يقبل الطعن في أحد منهم الا بقادح واضح ، لان اسباب الجرح مختلفة . . . الخ كلامه ، وهو دال على ان التشيع لا دخل له في عدالة الراوي ، ولا علاقة بضعفه . وأنه إذا ثبت براءة الشيعي من الكذب والغفلة ، فحديثه صحيح يحتج به ، ولو كان غالبا في التشيع ، فإن ذلك لا يضره ايضا في العدالة ، لان الغلو في التشيع ليس مفسقا لصاحبه ، ولا يعد به من المبتدعة الخارجين عن الجماعة ، كما بين ذلك الحافظ في مقدمة ” الفتح ” . بل أغلب التابعين كان على هذا كما قال الذهبي ، ومع ذلك ما رد حديثهم أحد . وفي الصحيحين احاديث كثيرة ، من رواية اهل الغلو في التشيع . وبذلك يكون ايضا اجماع الامة على قبول حديث الشيعي الغالي في التشيع – كما تقدم – في كلام الحافظين : ابن دقيق العيد ، وابن حجر – رحمهما الله تعالى – . وذكر الذهبي في ترجمة ابي احمد الحاكم ، من ” تذكرة الحافظ ” 3 / 978 : قال ابو احمد الحاكم : سمعت أبا الحسين الغازي يقول : سألت البخاري عن ابي غسان . فقال : عم تسأل عنه ؟ . قلت : شأنه في التشيع . فقال : هو على مذهب ائمة اهل بلدة الكوفيين ، ولو رأيتم عبيد الله وأبا نعيم وجميع مشايخنا لما سألتمونا عن ابي غسان . قلت : ولو تتبعت تراجم أئمة الكوفة لما وجدت واحدا منهم لم يوصف بالتشيع ، وأغلبهم له رواية في الصحيحين ، بل منهم من
________________________________________
كان من سادات اهل
________________________________________
[ 57 ]
الحديث ورؤوس محدثي الكوفة ، مثل : أبي اسحاق السبيعي ، والاعمش ، ومنصور بن زبيد ، والشعبي . وان كان الذهبي يقول في حق الشعبى : ان تشيعه يسير كما نقل ذلك صاحب (الروض الباسم ، في الذب عن سنة ابي القاسم) 1 / 148 عن (النبلاء) للذهبي ، أنه قال : روى الشعبي عن حذيفة انه تكلم في ابي موسى بكلام يقتضى أنه منافق ، ثم قال : في الشعبي تشيع يسير . وقول من قال : ان الشعبي يقبل حديثه فيما لا يؤيد مذهبه ولا يوافق رأيه ، باطل ايضا . فالعمدة في الرواية على العدالة والضبط ، فإذا ثبتا في الراوي فلا معنى للنظر في شئ زائد عنهما ، الا التعنت والتمحل في رد ما لا يوافق الهوى . ولا يجوز في العقل ، ان يكون الرجل حجة ثبتا ثقة في حديث ويكون في الوقت نفسه كذابا متهما باطل الرواية في حديث آخر . والثقة على هذه الصورة ، لا يوجد الا في مخيلة النواصب ، ومن تبعهم من الجهلة . وأما المسلمون عموما ، لا فرق بين عالمهم وجاهلهم ، فالثقة عندهم : هو الذى يجتنب الكبائر ، ولا يعتمد الولوج في الصغائر ، ولا يتظاهر بخوارم المروعة . وإذا ارتكب كبيرة ، وتظاهر بها ، أو عرفت عنه ، فهو فاسق لا يقبل حديثه مطلقا بتاتا ، سواء كان صادقا فيه أو لم يكن . وعلى هذا اصطلح عباد الله تعالى في شرق الارض وغربها ، لان الله تعالى يقول : (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فأطلق سبحانه الامر بالتبين في نبأ الفاسق ، ولم يخص منه نوعا دون نوع . وأول من أظهر هذه الزيادة ، وهي ان الشيعي الثقة لا يقبل حديثه المؤيد لمذهبه وأدخالها في تقييد حديث الشيعي الثقة أبو إسحاق الجوزجاني ، وهو ناصبي مشهور ، له صولات وجولات وتهجمات شائنة في القدح في الائمة الذين وصفوا
________________________________________
[ 58 ]
________________________________________
بالتشيع ، حتى دعاه ذلك إلى الكلام في اهل الكوفة كافة ، وأخذ الحذر منهم ومن روياتهم . وهذا معروف عنه ، مشهور له ، حتى نصوا على عدم الالتنات إلى طعنه في الرجال الكوفيين ، أو من كان على مذهبهم في التشيع ، لانه خارج عن هوى وتعصب وغرض . ولاجل ذلك لم يلتفت إلى زيادة هذه في تقييد حديث الثقة الشيعي ، بأن لا يكون مؤيدا لمذههه ، أهل الحديث ، ولم يعملوا بها ، واقتصروا على ما يشهد له العقل من وجوب حديث الراوي إذا كان ثقة ضابطا ، بدون ان كون ذلك القبول مقيدا بباب دون باب ، أو معنى دون معنى ، لان ذلك لا يتفق مع شواهد العقل وقواعد النقل . والالباني لقصوره وجهله ، وعدم اطلاعه على ما عليه العمل عند اهل الحديث من قبول رواية الشيعي الثقة ، وان كانت موافقة لمذهبه ، صار يستند ويعتمد على ما زاده الجوزجاني من هذا الشرط الباطل الذي لا يؤيده عقل ولا نقل ، فيضعف الاحاديث بسببها ، ويجعلها حجة على الوضع ، وكون الحديث كذبا ، كما فعل في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : ” أنا سيد ولد ادم ، وعلي سيد العرب ” . فإنه حكم بوضعه في مقدمة كتبها لبعضي الرسائل ، مستدلا على وضعه بان روح التشيع واضحة في الحديث . ولا ادري أين هذا التشيع الذي وضح له من الحديث ! ؟ مع ان الحديث له شواهد وطرق ، وعلى قوله هذا وقاعدته الفارغة ينبغي ألا نقبل حديثا في فضل علي عليه السلام ، ولو تواتر ، لا سيما إذا كان يخبر بفضل لعلي لا يوجد لغيره من الصحابة – رضوان الله عليهم اجمعين – كحديث : (من كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره) . وهكذا إذا اتبع الانسان كل جاهل ، وأجاب كل صارخ ، ولم يعمل النظر ويبحث عن الاقوال قبل قائلها ، فإنه يرد السنة الصحيحة جملة ، ويعطى مع ذلك السلاح لاعداء الدين وملاحدة العصر في رد مالا يعجهم ويوافق هواهم من حديث سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم .
________________________________________
________________________________________
[ 59 ]
وقوله : إن الصحابة كانوا يقولون في عهد ابي بكر : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، إذا اتفق الصحابة على هذا الترتيب ، فإنما كان ذلك في الخلافة ، أما في التفضيل والفضل ، فالخلاف في ذلك معروف معلوم لكل من له علم واطلاع (1) . والمقصود بعد هذا : هو بيان ان رد حديث الثقة الشيعي إذا كان يؤيد مذهبه لم يصدر الا من النواصب ومن لف حولهم واختار قولهم ودار في فلكهم . وأما أهل الانصاف ، من أئمة الحديث سلفا وخلفا ، فلا يقولون بهذا الهراء الذي لا طائل تحته ، والذي يدل على التخريف والتحريف . ولهذا احتج الشيخان بما رواه الشيعة الثقات من الاحاديث التي تؤيد مذهبهم ، كحديث : ” أنت مني بمنزلة هارون من موسى فتد رواه البخاري ، من طريق عبيد الله بن موس العبسي ، وقد كان شديد التشيع . وكذلك حديث : ” لا يحبك الا مؤمن ، ولا يبغضك الا منافق ” رواه مسلم في ” صحيحه ” ، من طريق عدي بن ثابت ، وقد كان شيعيا غاليا ، بل كان داعية . وتبعهم على ذلك بقية الائمة الذين جمعوا الصحاح والفوا السنن ، فقد رووا في هذه المصنفات العدد الكثير من حديث الشيعة فيما يؤيد مذهبهم ، وصرحوا بصحتها أو صحة أكثرها . وكل هذا يدل على ان ما زاد ه الجوزجاني ، وتبعه عليه الجهلة من النواصب ومبغضي آل البيت ، مع كون حديث الشيعي الثقة لا يقبل إذا كان يؤيد مذهبه ، وينصر رأيه ، باطل لا أصل له ، ولا يشهد له عقل ، ولا يؤيده نظر . ولولا ضيق الوقت ، لذكرنا العدد الكبير من الاحاديث التى رواها الشيعة الثقات فيما يؤيد مذهبهم ، وصححها الائمة ، وأخرجوها في كتبهم .
________________________________________
________________________________________
(1) قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (1 / 94) التشيع في عرف المتقدمين : هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما وربما اعتقد بعضهم ان عليا افضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان معتقدا ذلك ورعا دينا صادقا مجتهدا فلا ترد روايته بهذا . . . أه‍ قلت : وكان في المحابة ومن بعدهم من يعتقد ان افضل الناس بعد النبي هو سيدنا علي وذلك مشهور وذكره الذهبي في السير فتأمل . (*)
________________________________________
[ 60 ]
ولعلنا نجد فرصة لتفصيل الكلام في هذا الموضوع تفصيلا كافيا لذوي الانصاف رادعا لاهل الاعتساف . أما هذا الجزء ، فقد كتبته على عجل ، تلبية لرغبة بعضى الاخوان في التعجيل ببيان فساد دعوى المتطفل – فميا زعمه – في الاعتراض علي في توثيق الحارث بن عبد الله الهمداني . وكان الفراغ من هذا الجزء ، صباح يوم الاحد ، الحادي والعشرين من جمادى الثانية ، سنة أربع وأربع مئة وألف . والحمد لله أولا واخرا ، وصلى الله على خاتم الانبياء وسيد المرسلين ، وعلى آله الابرار الاكرمين ، وسلم تسليما إلى يوم الدين .
________________________________________
مؤلفات السيد عبد الله بن الصديق الحسني
1) تشييد المباني لتوضيح ماحوته الأجرومية من الحقائق والمعاني
2) إعلام النبيل بجواز التقبيل
3) الابتهاج بتخريج أحاديث المناهج للبيضاوي
4) إتحاف الأذكياء بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء
5) تنوير البصيرة ببيان علامات الكبيرة
6) الصبح السافر في تحرير صلاة المسافر
7) فتح المعين بنقد كتاب الأربعين الأبي إسماعيل الهروي
8) خواطر دينية (3أجزاء)
9) الرؤيا في القرآن والسنة
10) المهدي المنتظر
11) كمال الإيمان في التداوي بالقرآن
12) الحجج البينات في التداوي بالقرآن
13) واضح البرهان على تحريم الخمر والحشيش في القرآن
14) فتح الغني الماجد ببيان حجية خبر الواحد
15) الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة
16) بيان صحيح الأقاويل في تفسير آية بني إسرائيل
17) عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى في آخر الزمان
18) قرة العين بأدلة إرسال النبي إلى الثقلين
19) نهاية الآمال في صحة حديث عرض الأعمال
20) نهاية التحرير في حديث توسل الضرير
21) المعارف الذوقية في أذكار الطريقة الصديقية
22) الأربعين الصديقية
23) تخريج أحاديث اللمع للشيرازي
24) فضائل النبي في القرآن
25) النفحة الإلهية في الصلاة على خير البرية
26) تمام المنة في بيان الخصال الموجبة للجنة
27) الأحاديث المختارة
28) الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين
29) جزء البيان المشرق بوجوب صيام المغرب برؤية المشرق
30) كيف تشكر النعمة ؟
31) رفع الإشكال عن مسألة المحال
32) القول السديد في حكم اجتماع الجمعة والعيد ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة
33) الحاوي في فتاوى الحافظ أبي الفضل عبد الله بن الصديق (طبع الجزء الأول والثالث)
34) إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد
35) القول الجزل فيما لا يعتذر فيه بالجهل
36) القول المسموع في بيان الهجر المشروع
37) الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين
________________________________________
38) سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق
39) دفع الشك والارتياب عن تحريم نساء أهل الكتاب
40) إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي
41) الأربعين المنتقاة في فضائل مولانا رسول الله
42) التحقيق الباهر في معنى الإيمان بالله واليوم الآخر
43) الرأي القويم في وجوب إتمام المسافر خلف المقيم
44) توضيح البيان لوصول ثواب القرآن
45) أسانيد الكتب السبعة في الحديث
46) قصة آدم عليه السلام
47) قصة إدريس عليه السلام
48) قصة هاروت وماروت
49) قصة داود عليه السلام
50) كشف أنواع الجهل فيما قيل في نضرة السدل
51) السيف البتار لمن سب النبي المختار
52) تعريف أهل الإسلام بأن نقل العضو الحرام
53) إسماع الصم لتحريم غسل الابن للأم
54) الأدلة الراجحة على فرضية قراءة الفاتحة
55) أجوبة هامة في الطب
56) غاية الإحسان في فضل زكاة الفطر وفضل رمضان
57) بدع التفاسير
58) الأربعين الغمارية في شكر النعمة
59) التنصل والانفصال من فضيحة الإشكال
60) حسن التلطف في بيان وجوب سلوك التصوف
61) تنبيه الباحث المستفيد إلى ما في الأجزاء المطبوعة من التمهيد . صحح المؤلف رحمه الله تعالى فيه بعض الأخطاء التي وقعت في كتاب التمهيد للحافظ ابن عبد البر من طرف المصححين أو المحققين له
62) جواهر البيان في تناسب سور القرآن
63) إعلام النبيه بسبب براءة إبراهيم من أبيه
64) سلسلة الطريقة الشادلية الصديقية
65) الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء
66) حسن البيان في ليلة النصف من شعبان
67) فضائل القرآن ـ جزءين ـ
68) النفحة الذكية في أن الهجر بدعة شركية
69) منحة الرؤوف المعطي ببيان ضعف وقوف الشيخ الهبطي
70) الحجة البينة لصحة فهم عبارة المدونة
71) إتحاف النبلاء بفضل الشهادة وأنواع الشهداء
72) الإعلام بأن التصوف من شريعة الإسلام
73) الإحسان في تعقب الإتقان للسيوطي
74) توجيه العناية لتعريف علم الحديث رواية ودراية
75) قمع الأشرار عن جريمة الانتحار
________________________________________
76) سمير الصالحين ـ جزءين ـ
77) إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر الزمان
78) التنصيص على أن الحلق ليس بتنميص
79) إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة
80) حسن التفهم والدرك لمسألة الترك
81) استمداد العون لإثبات كفر فرعون
82) كان قد بدأ في جمع أسماء الرجال الذين قال عنهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد لم أعرفه أو لم أجد ترجمة غير أنه لم يكمله
83) ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة
له تعليقات وتحقيقات على كتب تربو على العشرين منها :
تعليق على مسند أبي بكر للسيوطي
تعليق على مسند عمر للسيوطي
تعليق على مسند عثمان للسيوطي
تعليق على بداية السول في تفضيل الرسول لعز الدين بن عبد السلام
تعليق على شرح الأمير لمختصر خليل
تعليق على كتاب : تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق
تعليق على كتاب : تأييد الحقيقة العلية للسيوطي
تعليق على المقاصد الحسنة للسخاوي
________________________________________
مؤلفات الحافظ سيدي أحمد بن الصديق
1) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون، أو المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي.
2) إتحاف الأديب بما في تعليق إعلام الأريب
3) إتحاف الأذكياء بإثبات نبوة خالد بن سنان بين عيسى وبين سيد الأنبياء، أو إعلام الأذكياء بنبوة خالد بن سنان بعد المسيح وقبل خاتم الأنبياء.
4) إتحاف الحفاظ المهرة بأسانيد الأصول العشرة، وهي: موطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أبي حنيفة، ومسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
5) إتحاف الفضلاء والخلان بالكلام على حديث الممسوخين من النجوم والحيوان
6) الإجازة للتكبيرات السبع على الجنازة
7) الأجوبة الصارفة عن إشكال حديث الطائفة.
8) الأحاديث المسطورة في القراءة في الصلاة ببعض السورة.
9) إحياء المقبور بأدلة بناء المساجد والقباب على القبور.
10) الأربعون البلدانية للطبراني، استخرجها من المعجم الصغير.
11) الأربعون المتتالية بالأسانيد العالية.
12) إرشاد المربعين إلى طرق حديث الأربعين، أي (من حفظ على أمتي
أربعين حديثا…)الحديث.
13) إزاحة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحضر من غير مرض ولا مطر، أو إنالة الوطر برفع الحرج عمن جمع بين الصلاتين في الحضر من غير مرض ولا مطر.
14) أزهار الروضتين فيمن يؤتى أجره مرتين.
15) الأزهار المتكاثفة في الألفاظ المترادفة.
16) الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة، أي حديث: ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع).
17) الاستعاضة بحديث وضوء المستحاضة.
18) الاستنفار لغزو التشبه بالكفار.
19) الاستئناس بتراجم فضلاء فاس.
20) الأسرار العجيبة في شرح أذكار ابن عجيبة.
21) إسعاف الملحين ببيان وضع حديث (إذا ألف القلب الإعراض عن الله ابتلي بالوقيعة في الصالحين).
22) الإسهاب في المستخرج على مسند الشهاب.
23) الإشراف على طرق الأربعين المسلسلة بالأشراف.
24) إظهار ما كان خفيا من بطلان حديث (لو كان العلم بالثريا). وهو رد على الشيخ زاهد الكوثري في كتابه “تأنيب الخطيب”.
25) الإعلان بالبراءة من حديث(من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)
26) اغتنام الأجر من حديث”الإسفار بالفجر”. حكم فيه بعدم تواتر هذا الحديث، الذي عده السيوطي متواترا في “الأزهار المتناثرة”، ومحمد بن جعفر الكتاني في “نظم المتواثر”.
27) الإفضال والمنة برؤية النساء لله في الجنة.
28) إقامة الدليل على حرمة التمثيل.
29) الإقليد بتنزيل كتاب الله على أهل التقليد.
30) الإقناع بصحة صلاة الجمعة خلف المذياع.
31) الإلمام بطرق المتواتر من حديثه عليه الصلاة والسلام. ألفه المؤلف بطلب من شيخه عمر حمدان المحرسي، في إطار تخريج أحاديث “نظم المتناثر من الحديث المتواتر” كما صرح بذلك في البحر العميق.
32) الأمالي الحسينية. وهي مجالس كان يمليها “بالمشهد الحسيني” بمصر كل يوم الجمعة.
________________________________________
33) الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة في أسماء كتب السنة المشرفة. وهو تعقيبات على “الرسالة المستطرفة” لمحمد بن جعفر الكتاني، كتبها في مجلس واحد بمعتقله بآزمور.
34) إياك من الاغترار بحديث (اعمل لدنياك) . وهو أصل كتاب “سبل الهدى” الآتي ذكره.
35) الائتساء في إثبات نبوة النساء.
36) إيضاح المريب من تعليق أعلام الأريب.
37) البحر العميق في مرويات ابن الصديق، وهو هذا الكتاب. وسيأتي الكلام عنه.
38) بذل المهجة، منظومة تائية في ستمائة بيت في التاريخ.
39) البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي.
40) بعر النعجة في أخبار طنجة.
41) بلوغ الآمال في فضائل الأعمال.
42) بيان الحكم المشروع بأن الركعة لا تدرك بالركوع
43) بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري
44) بيان غربة الدين بواسطة العصريين المفسدين.
45) البيان والتفصيل لوصل ما في الموطأ من البلاغات والمراسيل.
46) بيصرة المقلعين في شرح طوائف المبتدعين
47) تبصرة المخلصين على سيرة المقنعين
48) تبيين البله ممن أنكر حديث (ومن لغا فلا جمعة له). وهو رد على الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه ” عقد اليواقيت والزبرجد في أن (ومن لغا فلا جمعة له) مما نقب عنه في الأخبار فلم يوجد”. إذ أنكر فيه وجود هذا الحديث. والحديث باللفظ المذكور خرج في تاريخ واسط لبحشل من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ? وآله: (من تكلم يوم الجمعة، والإمام يخطب فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له)
49) تبيين المبدأ بتواتر حديث (بدأ الدين غريبا وسيعود كما بدأ).
50) تحسين الخبر الوارد في الجهاد الأكبر. وهو رد على سؤال ورد عليه من والده حول حديث “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.
51) تحسين السمعة بتعيين موقف المؤذن يوم الجمعة. ويسمى أيضا ” تزيين السمعة بتعيين موقف المؤذن يوم الجمعة”.
52) تحسين الفعال بالصلاة في النعال.
________________________________________
53) تحفة الإشراف بإجازة الحبيب محمد بن عبد الهادي السقاف. وهو نص إجازة الشيخ الحبيب محمد عبد الهادي السقاف.
54) تحفة المريد بما ورد في حلة أهل التجريد.
55) تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال.
56) تخريج أحاديث الشفا.
57) تخريج الدلائل لما في رسالة القيرواني من الفروع والمسائل . كتب منه مجلدا إلى كتاب النكاح، ثم عدل عن التطويل فشرع في آخر مختصرا، وسماه “مسالك الدلالة على مسائل الرسالة”.
58) تذكرة الرواة.
59) ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، أو مفتاح مسند الإمام أحمد.
60) تسهيل سبيل المحتذي بتهذيب وترتيب سنن الترمذي .
61) تشنيف الآذان باستحباب ذكر السيادة عند اسمه عليه الصلاة والسلام في الأذان.
62) التصور والتصديق بأخبار الشيخ سيدي محمد بن الصديق.
63) تعريف الساهي اللاه بتواتر حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)
64) التعريف لما أتى به حامد الفقي في تصحيح الطبقات من التصحيف والتحريف .
65) تعريف المطمئن بوضع حديث (دعوه يئن).
66) التقييد النافع لمن يريد مطالعة الجامع الصغير.
67) التنكيل والتقتيل لمن أباح التمثيل.
68) تنوير الأبصار والبصائر بتكفير ما تقدم وما تأخر من الكبائر والصغائر.
69) تنوير الحلبوب في مكفرات الذنوب. وهو أول كتاب شرع فيه المؤلف، استدرك فيه على “شفاء الأسقام” لشيخة محمد بن جعفر الكتاني. وقد رتبه على الأبواب الفقهية.
70) توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار.
71) جزء في الأحاديث التي لا أصل لها في الإحياء.
72) الجمع بين الإيجاز والإطناب في المستخرج على مسند الشهاب.
73) جمع الطرق والوجوه لتصحيح حديث (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه)،
أو نيل الطالب ما يرجوه من جمع الطرق والوجوه لحديث (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه).
74) جهد الأيمان بتواتر حديث (الإيمان يمان)
75) الجواب المفيد للسائل والمستفيد.
________________________________________
76) جؤنة العطار في طرق الفوائد ونوادر الأخبار.
77) الحسبة على من جوز صلاة الجمعة بلا خطبة.
78) الحسن والجمال والعشق والحب من الأحاديث المرفوعة خاصة.
79) حصول التفريج بأصول التخريج أو كيف تصير محدثا.
80) الحنين بوضع حديث الأنين.
81) درء الضعف عن حديث (من عشق فعف).
82) دفع الرجز بإكرام الخبز وهو في طرق حديث (أكرموا الخبز).
83) الرغائب في طرق حديث (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).
84) رفض اللي بتواتر حديث (من كذب علي).
85) رفع المنار بطرق حديث (من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار).
86) رفع شأن المنصف السالك وقطع لسان المتعصب الهالك بإثبات سنية القبض في الصلاة على مذهب مالك.
87) رياض التنزيه في فضل القرآن وفضل حامليه.
88) زجر من يؤمن بطرق حديث (لا يزني الزاني وهو مؤمن)
89) الزواجر المقلقة لمن أنكر التداوي بالصدقة. ألفه بسبب أسئلة واردة عن والده حول حديث “داووا مرضاكم بالصدقة”.
90) سبحة العقيق في أخبار والده الشيخ سيدي محمد بن الصديق. وقد ألفه في ترجمة والده، ثم اختصره في كتابه “التصور والتصديق” وهو مطبوع ومتداول، وقد تقدم ذكره.
91) سبل الهدى في بيان حديث (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا). وهو اختصار لكتابه “إياك من الاغترار بحديث اعمل لدنياك”.
92) سير الركائب النجيبة بأخبار الشيخ ابن عجيبة، عرف فيه بالشيخ أحمد بن محمد بن عجيبة الحسني الشهير(ت1224هـ/1409م).
93) السيف القلمي لإبادة جهل العمرتي والعلمي.
94) شد الوطأة على منكر إمامة المرأة.
95) شرف الإيوان في حديث ” الممسوخ من الحيوان “
96) شرح الترغيب والترهيب، شرع فيه ولم يتمه.
97) شرح سنن أبي داود، شرع فيه ولم يتمه.
98) شرح مسلم، شرع فيه ولم يتم.
99) شرح منظومة الزرقاني فيمن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
100) شمعة العنبر ببدعة آذان الجمعة على المنارة وعند المنبر، أو شن الغارة على بدعة الآذان عند المنبر وعلى المنارة.
________________________________________
101) شهود العيان بثبوت حديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
102) شوارق الأنوار المنيفة بظهور النواجيذ الشريفة.
103) صدق اللهجة في أخبار طنجة.
104) صرف النظر عن حديث( ثلاث يجلين البصر).
105) صفع التياه لإبطال حديث (ليس بخيركم من ترك دنياه). ألفه ردا على الشيخ عبد الحي الكتاني كما صرح بذلك في البحر العميق. وقال في “صفع التياه”: ( ذكر بعضهم في كتاب له في السيرة النبوية مقدمة في فضل الدنيا ومرحها والحث عليها…).
106) صلة الوعاة بالمرويات والرواة، وهو معجمه الكبير كما صرح بذلك في البحر العميق. وهو من الكتب التي ألفها بالسجن. قال: كتب منه نحو عشرين كراسا وهو في فهرسة له مرتبة على رواة الكتب مع اتصاله بهم.
107) الصواعق المنزلة على من صحح حديث البسملة، وهو رد على “الرحمة المرسلة” للشيخ عبد الحي الكتاني.
108) طباق الحال الحاضرة بخبر سيد الدنيا والآخرة.
109) الطرق المفصلة لحديث أنس في قراءة البسملة.
110) العتب الإعلاني لمن وثق صالحا الفلاني، وهو رد أيضا على الشيح عبد الحي الكتاني.
111) العقد الثمين في الكلام في حديث “إن الله يبغض الحبر السمين”.
112) عواطف اللطائف من أحاديث عوارف المعارف. وهو يتناول أحاديث “عوارف المعارف” لأبي حفص عمر بن محمد السهروردي. وهو عمل لم يسبق إليه إذ أنه تخريج ومستخرج في آن واحد كما قال الشيخ محمود سعيد ممدوح.
113) غنية العارف بتخريج أحاديث ” عوارف المعارف ” ، وهو مختصر كتابه “عواطف اللطائف”.
114) فتح الملك العلي في صحة حديث “باب مدينة العلم علي”.
115) فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب .
116) فصل القضاء في تقديم ركعتي الفجر على الصبح عند القضاء.
117) فك الربقة بتواتر حديث الثلاث والسبعين فرقة
118) فهرسة محمد بن الصديق(والد المؤلف).
119) قطع العروق الوردية من أصحاب البروق النجدية .
120) كتاب في استيعاب الأحاديث الواردة عن الرسول ?، كتب منه مجلدا.
________________________________________
121) الكسملة بتحقيق الحق في أحاديث الجهر بالبسملة.
122) كشف الخبي بجواب الجاهل الغبي.
123) كشف الرين بطرق حديث “مر على قبرين”
124) لب الأخبار المأثورة في مسلسل عاشوراء
125) لثم النعم بنظم الحكم لابن عطاء الله
126) ليس كذلك في الاستدراك على الحفاظ
127) المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار.
128) مجمع فضلاء البشر من أهل القرن الثالث عشر. قال الشيخ عبد السلام ابن سودة: رتبه على حروف المعجم، ذكر فيه جل المشاهير في هذه المائة بالمغرب وغيره، يقع في مجلدين.
129) مختصر الزهد للبيهقي سماه “طرفة المنتقي”.
130) مدارك الاستقالة من ضعيف مسالك الدلالة.
131) المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي.
132) مد الموائد لبسط ما في سنن البيهقي من الفوائد.
133) مسالك الدلالة على مسائل الرسالة.
134) مسامرة النديم بطرق حديث دباغ الأديم.
135) المستخرج على الشمائل، مجلد كبير.
136) المسك التبتي في طرق حديث (نضر الله امرءا سمع مقالتي).
137) مسند الجن.
138) المسهم بطرق حديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
139) مسند المجالسة، وهو ترتيب أحاديث كتاب “المجالسة” للدينوري على مسانيد الصحابة.
140) المشيخة المجردة.
141) مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البشرية.
142) مطالع البدور في جوامع أخبار البرور.
143) معجم الشيوخ.
144) المعجم الصغير
145) المعجم الوجيز للمستجيز.
146) مغني النبيه عن المحدث والفقيه.
147) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير .
148) مفتاح الترتيب لأحاديث تاريخ الخطيب.
149) مفتاح المعجم الصغير للطبراني.
150) مناهج التحقيق في الكلام على سلسلة الطريق، مجلد متوسط.
151) المناولة بطرق حديث المطاولة. وهو حديث “أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا”.
152) المنتده بتواتر حديث”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”
________________________________________
153) المنتقى من مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، أو اختصار مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا.
154) المنحة بما اختلف فيه من الوضع إلى الصحة.
155) المنح المطلوبة في استحباب رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة، ألفه رداً على من يدعي أن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات بدعة مذمومة.
156) منية الطلاب بتخريج أحاديث الشهاب، مجلد كبير، ألفه وهو لا زال في بداية الطلب.
157) موارد الأمان بطرق حديث (الحياء من الإيمان) .
158) المؤانسة بالمرفوع من أحاديث المجالسة للدينوري .
159) المؤذن في أخبار جده سيدي أحمد بن عبد المؤمن.
160) الموضوعات، كتب منه مجلد ضخم.
161) الميزانيات، وهي الأحاديث التي أسندها الذهبي في الميزان.
162) نصب الجرة لنفي الإدراج عن حديث إطالة الغرة. وهي حول حديث “إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل”.
163) نفث الروع بأن الركعة لا تدرك بالركوع، وهو اختصار كتابه “بيان الحكم المشروع” تقدم في حرف “ب” مع زوائد أخرى.
164) نيل الحظوة بقيادة الأعمى أربعين خطوة.
165) نيل الزلفة بتخريج أحاديث التحفة المرضية. وهو من مؤلفاته التي ألفها في بداية الطلب كما صرح بذلك في هذا الكتاب “البحر العميق”.
166) هداية الرشد لتخريج أحاديث بداية ابن رشد.
167) الهدى المتلقى في طرق حديث (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا).
168) هدية الصغراء بتصحيح حديث (التوسعة على العيال يوم عاشوراء).
169) وسائل الخلاص من تحريف حديث(من فارق الدنيا على الإخلاص).
وشي الإهاب في المستخرج على مسند الشهاب، في ثلاثة مجلدات.
________________________________________
مؤلفات السيد عبدالحي بن الصديق الحسني
1- تبيين المدارك لرجحان سنية تحية المسجد وقت خطبة الجمعة في مذهب مالك .
2- مؤلف كتاب أصول التشريع الإسلامي يبطل العمل بحديث رسول الله وبيان جهله بالقواعد الحديثية والأصولية والنصوص الفقهية.
3- رسالة : ثبوت الأجر ببيان حكم صلاة الوتر بعد الفجر.
4- الإقناع باعتبار خلاف داود في الإجماع
5- رخص الطهارة والصلاة وتشديدات الفقهاء
6- حكم التيمم في الكتاب والسنة
7- رسالة : مفتاح الذريعة إلى معرفة حكم الاقتصاص من الذكر والأنثى في الشريعة.
8- حكم اللحم المستورد من أوربا
9- حكم الدخان وطابة والصلاة خلف متعاطيهما
10- الإهلال بجواب السؤال عن حكم أغلال
11- المجتبى (( وهو شبيه : جؤنة العطار لشقيقه السيد أحمد ، والسفينة لشقيقه السيد عبدالعزيز..))
12- إقامة الحجة على أن الأئمة الأربعة لم يحيطوا بالسنة
13- اختصار كتاب الترخيص بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام على جهة البر والتوقير والاحترام ، لاعلى جهة الرياء والإعظام
للإمام محيي الدين النووي رضي الله عنه
14- نقد مقال (( في الرد على عبدالله كنون رئيس رابطة علماء رابطة المغرب )) .
15- الحجة الدامغة على بطلان دعوى من زعم أن حالق اللحية ملعون وصلاته باطلة.
16- أريج الآس في إبطال فتوى عالم فاس
17- جزء في استحباب المصافحة عقب الصلوات المكتوبة
18- إتحاف الطلاب الأماجد بأدلة جواز الصلاة على الميت في المساجد
19- الإعلام بما خالف فيه الأئمة الأربعة السنة الصحيحة من الأحكام
20- بذل الماعون في مسألة أ/أماوون.
21- فتاوى شرعية
22- رسالة حول حكم تولية المرأة القضاء
23- البدائع ( جمع فيه فوائد مختلفة)
________________________________________

الكتاب : وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني المؤلف : الشيخ المحدث محمود سعيد ممدوح

وصول التهاني
بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني

بقلم
محمود سعيد ممدوح
_________________________
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمدلله ولي النعم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خير الذاكرين وعلى آله المطهرين وأصحابه أولي الفضل والكرم والتمكين.
وبعد
فهذه هي الطبعة الثالثة من رسالة { وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني } أقدمها للقراء الكرام ، بعد أن نفدت الطبعتان السابقتان ، بسبب الإقبال الذي حدث على الرسالة المذكورة ، مما دفع بعض المحبين إلى تصويرها رغبة في الانتفاع بها بعد نفاد نسخها .
وكانت قد أثيرت ضجة ، وحصل وعيد وتشديد حول أمرٍ صغيرٍ ، ألا وهو التسبيح بالسبحة ، والذي اعتاده الناس طبقة بعد طبقة باختلاف المذاهب ، وتواتر استعمالها عن العلماء من كل جانل ، وكان من شأن هذه الضجة رمي عباد الله – الذين استعانوا بالمسبحة لضبط أعداد أذكارهم – بالبدعة !! وهكذا شأن المشددين الذين يسارعون بإعلان الإنكار ، والرمي بالبدعة ، ويتبع ذلك التضليل، والهجر ، والرد ، وتشديد النكير ، واللمز بالألقاب … و … و … في قائمة طويلة من المفتريات المعروفة .
ومنشأ ذلك هجر أدب الاختلاف ، وكأن هذا الأدب العظيم لبس ثوب الابتداع عندهم .
ومن علامات هذا الهجر أنهم يعمدون إلى مسائل خلافية ، فيحصرون الحق فيما زعموه حقاً ، ولم يقف الأمر عند ذلك بل تعدى إلى أنهم جعلوا حقهم علامةً على الرأي القويم ، وبرهان ابتداع وضلالة لمن خالفهم ، دون نظر حتى لاختلاف السلف أنفسهم في المسألة المتنازع فيها .

ومن شواهد ذلك أنك ترى اتفاق الأمة على صحة أحاديث الصحيحين ، بينما تراهم يوهنون أمر الصحيحين ، وينظرون في أسانيدهما ، فيصححون ويضعفون ما يرونه ، وهم متعقبون في عملهم . ولم يقتصر الأمر على ذلك بل قاموا بنقل أوهامهم في مشروع تجاري قسموا فيهالسنن الأربعة إلى صحيح وضعيف .
وإذا تعقبهم في تخبطهم ذو حرص على السنة ، قاموا وقعدوا وأرعدوا وتوعدوا ، ونبزوه بالألقاب ، وعدوه من أعداء السنة وأهل التوحيد … إلخ .
والشيطان يلبس عليهم ، فيظنون أن التجريح والتبديع والتشهير هو من الانتصار لدين الله تعالى ولمنهج السلف الصالح ، فيبيحون لأنفسهم الغيبة ونهش الأعراض والغمز واللمز .
وإذا ضم إلى ما سبق طلب الشهرة كانت الطامة الكبرى . وللأسف فالكتيبات التي تضم هذه الخصائص مجتمعة ، متوافرة بين أيدي فئة عريضة من الشباب ، وهي توزع بالمجان !!! ، أو تباع بأسعار زهيدة !!! . فإلى الله المشتكى .
ولهم في ذلك ألسن معروفة ، وأقلام مبذولة ، ومن هذه الأقلام مما يتعلق بهذه الرسالة علي حسن عبد الحميد الحلبي (1) الذي كتب في التعقيب على رسالة سماها (إحكام المباني في نقص وصول التهاني ) .
ورسالته (كشف المتواري) تدلك عليه وقد كفر فيها إمام من أئمة المسلمين الذين جمعوا بينالعلم والعمل إضافة للإنتساب للجناب النبوي الشريف من أبويه ، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ، وعند الله تلتقي الخصوم ولئن صبرتم لهو خير الصابرين .
وهو كغيره له الحق فيما يراه مجانباً للصواب ، فلا أحد جمع الحق إلا المعصوم (ص) .
بيد أنني لما نظرت في (إحكام المباني … ) ورأيت ما فيها من أخطاء وأوهام ، وتناقضات ، واعترافات بأوهام الذي صنفت الرسالة المذكورة للدفاع عنه – أعني الألباني – قلت : الصواب أن تسمى هذه الرسالة ( إحكام المباني في تأييد وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني ) .
_____________________
(1) ومن أراد الوقوف على حاله فعليه برسالة (الصلاة بين السواري) للأستاذ / حسن بن عبد المنان المقدسي ففيه.ا اعتراف علي الحلبي بسرقة كتب غيره ، وفي ص (8 ، 9 ) من الرسالة المذكورة كلام على (الكشف الجلي عن سرقات الحلبي علي ) . وانظر إذا شئت (الكشف المثالي عن سرقات سليم الهلالي ) للأستاذ / أحمد الكويتي (ص 87 ، 104)

وقد بدت لي ملاحظات على رسالة علي الحلبي في التعقيب علىَّ أذكرها في النقاط الآتية :
يلاحظ عليه سعيد للانتصار للألباني ، والانتصار له فقط هو الغاية والمراد ، ولا يزيد عنترديد كلامه ، والنفخ في بوقه ،وكتاباته تفضح دخيلته وتكشف مدى تعصبه ، بحيث أصبح الألباني المتكلم وهو الصدى .
ولذلك أكثر من نقل كلام الألباني من (الرد على التعقب الحثيث) مع تنزيل الألباني منزلة الدليل !!! (ص 28 – 29 ) .
وإذا احتج الألباني في رجل ، انتصر له (ص 48 ، 76 ) .
وإذا أخطأ الألباني ، يقول : لم ينشط للمراجعة (ص 36 ، 41 ) .
وإذا خالف الأئمة ، وقف وراءه يدفعه ، ويؤيد شذوذه (ص 78 ) .
وإذا قصر الألباني في البحث عن طرق الحديث ، مر عليه وطواه وكأنه لم يفعله (ص 44 – 49 ) .
وإذا قوَّل الألباني الحاكم والذهبي مالم يقولاه ، سكت ومشى وكأن الأمر لا يعنيه (ص 24)
والقائمة طويلة …
وقد ظهر أثر تقليده للألباني في حمله لتناقضاته – وما أكثرها – فهو يدفع عنه ، ولكن ماذا يفعل في تناقضاته؟ فالرجل لا حل له.
فاعترض عليَّ لأنني قلت بقبولحديث حديج بن معاوية في المتابعات (ص45) . اعترض عليَّ ، وغاب عنه أن الألباني يوافقني على ذلك في صحيحته (4/567) وهذا التناقض بمفرده يهدم تعقبه عليَّ ، لأن ناتجه هو تحسين صفية في التسبيح بالنوى .
وبيان ذلك أن حديث صفية بن حيي رضي الله تعالى عنها في التسبيح بالنوى ضعفه الألباني باثنين هما :
أ – كنانة مولى صفية .
ب – هاشم بن سعيد الكوفي .
أما أولهما فقد تراجع عن تضعيفه في الطبعة الجديدة من ضعيفته تحت مطرقة البحث الذي سيأتي إنشاء الله تعالى (ص 57) .
وأما ثانيهما فأصر الألباني على تضعيف الحديث به ، وما درى أن هاشم بن سعيد الكوفي له متابع قوي ، وبالتالي يحسن الحديث ، وينهدم بذلك كلام الألباني في بدعية السبحة . فهرب الألباني ولم يذكر المتابعة ، ولم يشر إلى هذه المتابعة حتى في الطبعة الجديدة من ضعيفته .
________________________________________

أما علي الحلبي فماذا فعل ؟ .
لم يستطع إلا مواجهة الحقيقة وهي وجود متابع لهاشم بن سعيد الكوفي ، والمتابع هو حديج بن معاوية ينبغي أن يضعف ، لأنه إذا قواهم انهدم به كلام الألباني . وإذا قوَّى المتابعة ، فالثبور والحبور والويل له ، لأنه يكون بذلك قد فعل عظيماً ، كيف لا وفيه إظهار قصور وشذوذ الألباني ، ومغاضبة الألباني تعني موالاة غيره .. !! فسارع عليَّ الحلبي بتضعيف متابع هاشم بن سعيد الكوفي ألا وهو حديج بن معاوية ولم يفته أن يشنع عليَّ (ص 45) وما درى المسكين أن الألباني حسن حديث حديج بن معاوية كما تقدم في المتابعات ، فالتشنيع لاحق بالألباني – ولابد – من الحلبي . فماذا يفعل علي الحلبي في هذا المتناقض ؟.
نعوذ بالله من الهوى و العصبية .
ومن وقوعه في تناقض الألباني أيضاً أنه اعترض عليَّ لاعتمادي على كلام الأئمة المصرح بضعف إبراهيم بن المهاجر (ص60 – 61) وفاته أن الألباني الذي ينفخ في بوقه فعل ذلك في ضعيفته (3/448) ، وانظر ما سيأتي (ص 57 – 60 ) .
والقائمة طويلة أيضاً .
* * *
2 – رأيته يقوي ما يوافقه ويضعف ما يخالفه .
وأوضح مثال لذلك حديث (واعقدن بالأنامل ، فإنهن مسؤلات مستنطقات ) .
هذا الحديث في إسناده رجل هو هانئ بن عثمان انفرد بتوثيقه ابن حبان ، وأمه حميضة بنت ياسر تفرد عنها ابنها المذكور . وهما في التقريب مقبولان ، وحيث لا متابع لهما فاللين لاصق بهما كما هو اصطلاح الحافظ في التقريب .
ومن العجب أن الألباني ضعف عشرات الأحاديث بوجود مثل أحد الراويين المذكورين في إسناد واحد ، فما بالك بوجود اثنين في نسق واحد ، وانظر إيضاح ذلك في (ص 78 – 81) .
* * *
إنه يقول بتوثيق الرواة في مكان (ص46) ويناقض نفسه في نفس الرواة ، ونفس الرسالة (ص 39) فعند احتجاجهم كانوا من الثقاة ثم انقلبوا عندما لم يطلبهم !
* * *
4 – إنه جرئ على مخالفة الأئمة .
________________________________________
ومثال ذلك حديث سعيد بن أبي وقاص في التسبيح بالنوى أو الحصى ، صححه أو حسنه عدد كبير من الأئمة الحفاظ ، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والضياء المقدسي وابن حجر

والسيوطي وغيرهم ، فخالفهم لينتصر للألباني .
مثال آخر صحبة أبي صفية مولى رسول الله (ص) لا تعرف إلا من طريق فيه التسبيح بالنوى ، واعتمده كل من صنف في الصحابة ، ومعهم إمام المحدثين البخاري وكذا ابن أبي حاتم … وهم السعداء لا يشقى جليسهم .
فضرب هذا المقلد – الذي يدور في فلك الألباني – بكلام الأئمة عرض الحائط ، لينفخ في بوق الألباني لا غير وانظر بيان ذلك (ص 66 – 68 ) .
ومثال ثالث عندما نقلت عن الحافظ السيوطي (ص 47) قوله : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدون بها ولا يرون ذلك مكروهاً . اهـ .
عقب على كلام السيوطي رحمه الله تعالى فقال : (باطل) هكذا بكل جرأة (باطل) .
رغم أنني ذكرت هناك مقالات أربعة هم : ابن تيمية ، وابن القيم ، والشوكاني ، والمباركفوري ، في جواز استعمال السبحة وانظر هنا (ص 78 – 80 ) . وهكذا من جهل موقعه وتحويشه ترك الأدب هاج وماج ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت .
* * *
5- كلامه على البدعة الذي ذكره (ص 7- 11 ) لا يسلم له وهو خطأ .
والمحدثات لم يسلم منها أحد ، ولكنهم يختلفون في تسميتها لا غير ، والقول بتقسيم المحدثات جاء عن عدد من الأئمة . ويكفي اللبيب في هذه العجالة ما جاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه :
المحدثات من الأمور ضربان :
أحدهما : ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً ، فهذه البدعة الضلالة
والثانية : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة .
وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه ، يعني أنها محدثة لم تكن ، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى . اهـ انظر كتاب (مناقب الشافعي) للإمام البيهقي (1/469) .
________________________________________
وإذا سلمنا للمخالفين كلامهم في البدعة ، فلا يخلو مسلم من بدعة ، فإنارة المساجد بالمصابيح الحديثة ، ومكبر الصوت ، ووضع مبردات الماء في المساجد ، وفرشها ، وطبع الكتب … و … و … كل ذلك من البدع نعوذ بالله من المناكد .
* * *
6- إنه لا يدقق النظر في الكلام الذي يخالفه ، فيسارع بنقضه مع محاولة إظهار تناقضي .

مثال ذلك ذكرت كما سيأتي في (ص 48) أن فعل الصحابة ليس بحجة مع سنة رسول الله (ص) ،وأن فعل أحدهم ليس بحجة على فعل الآخرين منهم ، وهذا حق لا مرية فيه .
بيد أن الآثار الواردة عن الصحابة هي حجة بنفسها عند المخالف ، فما بالك وهي توافق المرفوع ، وهذا حق أيضاً .
فالمرفوع – وإن كان ضعيفاً في نظر المخالف – فإنه يتقوى عند ذلك بالموقوف .
ألا ترى تقوية المرسل عند الشافعي رضي الله عنه بفتوى الصحابي .
ولما وجد – علي الحلبي – آثاراً قد استدللت أو استأنست بها ، وآثاراً – وهي لم تصح – أعرضت عنها اعتبره تناقضاً . والفرق بينهما واضح ، وعليه يصدق قول القائل :
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
* * *
7- أورد لمحة تاريخية عن السبحة (ص 89 – 92 ) في آخر رسالته فاستدل بكلام من لا يعتد بكلامه ، لعدم معرفته بالآثار في باب العمدة فيه على الأثر فقط ، ومما زاد الطين بلة اعتماده كلام المستشرقين ، ممن لا يدينون بدين الإسلام .
ثم لك أن تعجب منه إذ استدل بكلام المشركين على بدعية السبحة .
وعندما قال الحافظ جلال الدين السيوطي : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة .اهـ قال علي الحلبي : (ص 83) (باطل) .
أهكذا يكون الإنصاف ؟ كلا إنه التعصب والاعتساف .
* * *
8- حمدت له اعترافه بصوابي – تحت ما رآه من تحقيق في وصول التهاني – انظر كتابه (ص 36، ك ، 58 ، 76 ) أضف إليه اعترافاته الأخرى على الألباني في أنواره الكاشفة ودراساته حول صحيح مسلم وغير ذلك .
* * *
________________________________________
وهذه الاعترافات منه على الألباني – والذي لم يستطع أن يفر منها وفر من عشرات غيرها – مستغنية عن الإفاضة في التعليق عليها غير أن الأمر لا ينبغي أن يخلى من نصيحتين :
الأولى : ينبغي على الألباني أن يراجع ما كتبه وينقحه ، وينظر في مئات التناقضات الواقعة في كتبه لأن أوهامه وتناقضاته متعدية ، فهي لا تقتصر على أوهامه (تحقيقاته !!) بل إنه ينقل هذه الأوهام إلى مشاريع تجارية ، تسمى صحيح … وضعيف … !
نعم رأيته يعترف في مقدمة ضعيفته (1/6) برجوعه عن قوله في كنانة – مولى صفية – مجهول
الحال إلى أنه صدوق تبعاً لما ذكرته في [وصول التهاني (ص 14 - 17)] . ولكن ماذا أفاد هذا الرجوع ؟.
لم يفد شيئا لأنه كابر وأغمض عينيه على ما يثبت به الحديث كما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى (ص 32 – 35) .
الثانية : الذي يظهر لي من عمل الألباني في الرجال ، أنه لا يعتمد على الأصول ، ويرجع غالباً لكتاب واحد فقط . ويعتمد على المختصرات ، كالمغني للذهبي ، والتقريب للحافظ ، وقد نبهت على ذلك في مقدمة ( النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح ) للحافظ العلائي .
وقد اعترف علي الحلبي بذلك ، فقال في رده علي – حاشية – (ص 36) : ولم ينشط شيخنا حفظه الله لمراجعة التهذيب … إلخ .
وقال نحو ذلك في (ص 41 ، 76 ) وغير خفي أن من يريد أن يحكم على الأحاديث بالصحة والضعف ، ينبغي له أن يستفرغ الوسع . وإلا … نسأل الله العافية .
أما أخطاؤه وتناقضاته في الرجال – وخاصة المستور – فحدث ولا حرج ، وقد ذكرت جملة وافرة من ذلك في كتابي ( حصول المأمول بتفصيل أحوال الراوي المجهول) والأمر يحتمل أكثر من ذلك .
* * *
وأرجو من إخواننا الأفاضل أن يتدبروا ما تم تحريره في هذا الجزء وأن يتحرروا من التعصب وأن يكون الإنصاف هو ديدنهم .
اللهم ثبت قلوبنا على الحق ، إنك على كل شيء قدير .
________________________________________
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وآله وأصحابه كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون ، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .
وكتب
محمود سعيد ممدوح
عفي عنه
في ليلة الاثنين 24 صفر الخير سنة 1415 هـ
________________________________________
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا

، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه ، وعلى آله الطاهرين ، وأصحابه والتابعين .
أما بعد : فقد اطلعت على ما كتبه الشيخ محمد ناصر الألباني بشأن السبحة ، وحكمه عليها بأنها بدعة (ضعيفته 1/110 – 117) وهو حكم فيه نظر ، ومجانبة الألباني للصواب في ظاهرة .
وقد وجدته حكم على الأحاديث النبوية الشريفة بما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث ، فضعف الصحيح ، وجود الضعيف ، واستدل بالموقوف الضعيف ، بل لم يعط الموضوع حقه من البحث والتنقيب عن أفعال الصحابة رضوان الله عليهم ، فحكم على ما فعلوه بأنه بدعة ، إلى غير ذلك مما ستراه إن شاء الله تعالى .
وقد سميت هذا الجزء ( وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني ) .
وكنت أود ألا أكتب في هذا الموضوع ، ولكن دفعني للكتابه فيه اتباع بعض الناس للقول بأن السبحة بدعة من الذين لا معرفة لهم بالحديث وغيره ، ينهون عن التقليد ، ويتكلمون في عباد الله الصالحين ، وهم من أشد الناس تقليداً .
اتبعوا هذا القول المنكر المردود ، وشنعوا على عباد الله الذين استعانوا بالسبحةلضبط ذكر الله تعالى ، فعطلوا وضايقوا وشنعوا ، بل سعى بعضهم إلى
قطع السبح التي يسبح بها ، نسأل الله السلامة والعافية .
وهذا الجزء الذي حررته نصيحة لهم ، فهم إخواننا ، ولهم حق علينا بلا ريب . قال تعالى : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } .
وأرجو ممن وقف عليه أن ينظر إليه بعين الإنصاف ، وليتجنب التعصب والاعتساف . اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
* * *
واعترافاً بفضل السابقين ، فنحن عالة عليهم ، ومنهم آخذون ، أقول: صنف في السبحة جماعة من الأعيان منهم :
الحافظ جلال الدين السيوطي، ورسالته مطبوعة في الجزء الثاني من الحاوي بعنوان المنحة في السبحة .
العلامة محمد بن علان الصديقي المتوفى سنة 1057 هـ ، سماه (إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح) ذكره في شرحه على الأذكار (1/252) . ولم أقف عليه .
العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في جزء سماه نزهة الفكر في سبحة الذكر وقفت عليه ، وقد طبع في الهند .
والسيوطي واللكنوي رحمهما الله لم يتكلما على الأسانيد بما يفيد ، بل أكثرا من العزو فقط .
هذاوقد تعقب فضيلة الشيخ عبد الله الهرري في جزئين ما كتبه الألباني عن السبحة ، ولكن في

رده إعوازاً شديداً وأخطاءً حديثية عديدة . إلا أنه أجاد إلى حد ما في الكلام على الحديث الأول : (نعم ذكر المسبحة) وعلى ذلك لا أتكلم عليه بل أبدأ بعون الله تعالى تعقبي بما ستراه .
* * *
قال الألباني في ضعيفته (1/114) ما نصه :
غاية ما روي في هذا حديثان أوردهما السيوطي في رسالته المشار إليها فلا بد من ذكرهما وبيان علتهما :
الأول : عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله (ص) على امرأة وبينيديها نوى أو حصى تسبح به . فقال : أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا – أو أفضل – فقال : سبحان الله عدد ما خلق في السماء … الحديث .
رواه أبو داود (1/235) والترمذي (4/277 – 278 ) والدورقي في مسند سعد (130 / 1 ) والمخلص (1/17/2) والحاكم (1/547 – 548) من طريق عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها .
وقال الترمذي : حديث حسن .
________________________________________
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي . فأخطأ لأن خزيمة هذا مجهول .
قال الذهبي نفسه في الميزان : لا يعرف ، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال ، وكذا قال الحافظ في التقريب أنه لا يعرف .
وسعدبن أبي هلال مع ثقته ، حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط . فأنى للحديث الصحة أو الحسن ؟! .
انتهى كلام الألباني .
* * *
أقول وبالله التوفيق ومنه العون والسداد :
عزى الألباني الحديث لجماعة ، ثم للحاكم من طريق عمرو بن الحارث ، حدثه عن خزيمة … إلخ .
وقد وهم في قوله عن (خزيمة) فليس في المستدرك ذكر لخزيمة أبداً لا في هذا الحديث إو في غيره ، بل الذي في المستدرك رواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة مباشرة بدون واسطة بينهما .
وهو كذلك في مختصر المستدرك للذهبي الذي وافق الحاكم على تصحيح الحديث ، فخطأهما الألباني بدون حق .
ثم كأن الألباني يستدرك على الذهبي فيقول : لأن خزيمة هذا مجهول قال الذهبي نفسه في
الميزان : لا يعرف . اهـ .
قلت : في كلام الألباني أوهام :
الأول : الحكم على خزيمة من قبل الألباني بالجهالة خطأ لا يقوله الحذاق ، وهم يعبرون في مثل هذه الحالة بقولهم: لا أعرفه أو لا يعرف . وقد نبه على الفرق بينهما الحافظ في اللسان (1/432) وذكرت ذلك في التعليق على النقد الصحيح للحافظ العلائي (ص77) عند ذكر وهم مماثل للألباني .
الثاني : الانتقاد على الحاكم والذهبي خطأ ، لأن الحاكم والذهبي صححا سعيد بن أبي هلال عن عائشة ، فالاعتراض عليهما فيه نظر .
الثالث : خزيمة حديثه مقبول ، ولا يحكم عليه بالجهالة فقد وثقه ابن حبان (الثقات 2/268) وحسن له الترمذي ، ومقتضى هذا أنه صدوق عنده .
قال الحافظ في تعجيل المنفعة (ص 153) : ( وقال الترمذي : حسن غريب ، وهذا يقتضي أنه صدوق معروف عنده). اهـ .
_____________________________
ولا يعترض على الحافظ بتعريف الترمذي للحديث الحسن المذكور في كتاب العلل من جامعه (5/758) فإن الترمذي عرف نوعاً واحداً من الحديث الحسن وهو الحسن لغيره الذي يجيء من غير وجه ، ولم يعرف الحسن لذاته الذي يحسن من وجه واحد فقط ، وعليه يتنزل كلام الحافظ .
والحاصل أن توثيق ابن حبان وتحسين الترمذي لحديث خزيمة يجعلان الرجل مقبول الحديث ، وإن لميرو عنه إلا سعيد ابن أبي هلال ، فإنه قد تقرر في علم الحديث أن الراوي إذا زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل ، مع رواية واحد عنه فقط ، قبل حديثه. وخزيمة قد زكاه الترمذي وابن حبان فلا يمكن أن تنفك إلا عن قبول حديثه ,إلا تكن قد خالفت القواعد . والله أعلم .
ثم اعلم يا أخي الآتي :
قال الحاكم في المستدرك (1/547) : حدثنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني ، ثنا حرملة بن يحيى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها رضي الله تعالى عنه أنه دخل مع النبي (ص) على امرأة … الحديث . صححه الحاكم ووافقه الذهبي . وله متابعة(1) عند ابن حبان ، لم يذكرها الألباني ، رغم أن السيوطي عزاها في (المنحة في السبحة) لابن حبان … !!!
قال ابن حبان في صحيحه : أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم حثنا حرملة بن يحيى ، أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد ابن أبي هلال حدثه عن عائشة بن سعد به .

(1) اعتراض صاحب إحكام المباني (ص 24) على قولى (وله متابعة) فما أصاب فأنني ذكرت سند الحاكم من أوله : الجرجاني ثنا العسقلاني ، والعسقلاني هذا له متابعة – وهي تامة- وهي رواية عبد بن محمد بن سلم عن حرملة ، فعبد الله بن سلم والعسقلاني كلاهما يرويان السند نفسه عن حرملة . فهي متابعة تامة كما لا يخفى .
___________________________
هذا سند صحيح لا غبار عليه ، وأنت ترى ألا وجود لخزيمة فيه وعبد الله بن سلم ثقة (النبلاء 14/306 ، والأنساب 426/ب) وحرملة وشيخه ابن وهب إمامان ثقتان ، وكذا عمرو ابن الحارث .
أما سعيد ابن أبي هلال فثقة ، أخرج له الجماعة ، ولد بمصر سنة (70) ونشأ بالمدينة ، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام ، وتوفى – كما في الثقات (6/374) – سنة 149 .
وعائشة بنت سعد مدنية تابعية ثقة ، روى عنها أهل المدينة ماتت سنة 117 .
وقد وثقها العجلي وابن حبا نواحتج بها البخاري في صحيحه فهي ممن جاوزت القنطرة ، وقال الحافظ في التقريب (ص 751) : ثقة من الرابعة ، عمرت حتى أدركها مالك ، ووهم من زعم أن لها رؤية . اهـ .
وهذا غاية ما يطلب للحكم على الراوي بالثقة وقبول حديثه .
أما ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/699) والخطيب في الكفاية (ص 161) عن الإمام مالك بن أن قال : دخلت على عائشة بنت سعد بن أبي وقاص فسألتها عن بعض الحديث فلم أرض أن آخذ منها شيئاً لضعفها ، قال مالك : وقد أدركت رجالاً كثيراً ، منهم من أدرك الصحابة فلم أسأله عن شيء – كأنه يضعف أمرهم – اهـ .
فإن كلام الإمام مالك في أمور :
الأول : إن صح كلام مالك فهو جرح غير مفسر ، ينبغي ألا يؤخذ به في مقابل توثيق الأئمة لعائشة بنت سعد والذي تقدم .
الثاني : الذي يظهر أن الأمر خارج عن التضعيف بالمعنى الإصطلاحي فإن مالكاً أدرك عائشة بعد ان كبرت ولم يذكر سبباً لعدم رضاه بالأخذ ، فهي لم تعرف بالضعف أو اشتهرت ببدعة ، فلم يبق إلا الأمر الخارج عن الرواية ، وما هو إلا رحمة الإمام مالك بها لكبر سنها وضعفها ، لم يشأ أن يجهدها .
الثالث : أما تعقيب يعقوب بن سفيان الفسوي على قول مالك : وقد أدركت … كأنه يضعف أمرهم . اهـ .

قلت : هذا ظن لا تقوم به حجة وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من مقدمة الفتح (ص397) وروى عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه قال : كان ببغداد وكأنه ضعفه . قلت – أي الحافظ – : هذا ظن لا تقوم به حجة . اهـ .
الرابع : إن مالكاً قد روى عنها كما صرح بذلك الخليلي في الإرشاد (1/221) ، ولم يرو مالك عن امرأة غيرها ، فروايته عنها توثيق منه لها ، لأنه لا يروي إلا عن ثقة ، ثم رجوعه إليها بمثابة زيادة توثيق ، فهو ما روى عنها بعد ضعفها – إن صح – إلا ببينة قوية استبانت له ، فتدبر .
فلا تنظر بعد اتغيب من يسعى لرد توثيق الرواة انتصاراً لرأيه .
وفي مسند البزار حديثان برواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد رورى لها حديثين من هذا الطريق أحدهما حديث التسبيح بالنوى (4/40) وقالالبزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلامن هذا الوجه . اهـ – أي الوجه الذي ليس فيه خزيمة ، فتدبر . وله شاهد(1)(1) موقوف عن عمر رضي الله عنه ذكره ابن أبي شيبة في المصنف (2/391) وفي طبعة دار الفكر (2/283) .
والحاصل أن سند حديث سعد بن أبي وقاص صحيح سواء رواه سعيد بن أبي هلال عن خزيمة أو عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه . وما ذكرته كافٍ في نقص كل ما كتبه الألباني ,هدمه .
وهنا نسأل إخواننا الذين يبدعون ويتعدون ، لماذاتقلدون الألباني ؟ كان الأولى لكم الأخذ بأقوال الأئمة أهل هذا الشأن .
فاعن به ولا تخض بالظن ولا تقلد غير أهل الفن
أو إذا كنتم من أهل النظر ، فهلا تتبعتم الطرق ، ونظرتم في الأسانيد ، وعند ذلك يتبين الصواب ، فلنستغفر الله تعالى عما بدر منا ، إنه كان غفاراً .
فصل
______________
(1) أما صاحب إحكام المباني (ص 25 ) فأراد أن يتعقبني فتكلم على موقوف على سعد رضي الله عنه ، وهو ليس بشاهد ، ولم يتكلم على شاهد عمر المذكور أعلاه وتزيد فيما لم أتكلم عليه فهو يجاهد في غير عدو .
فإن قيل : أعل الألباني الحديث بسعيد ابن أبي هلال فقال : سعيد بن أبي هلال مع ثقته ، حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط ، فأنى للحديث الصحة أو الحسن ! انتهى كلام الألباني .
أجيب بأن سعيداً وثقه أبو حاتم والدار قطني والعجلي وابن سعد وابن خزيمة وابن حبان والخطيب وابن عبد البر وآخرون ، واحتج به الجماعة ، وفي هذا القدر كفاية لتصحيح حديثه والاحتجاج به في الصحيحين كما فعل البخاري ومسلم .
أما غمزه والكلام فيه بغير حجة ، فهذا عمل لا يصح أن يصدر من مطلع ، فالقائم به نادى على نفسه بعدم الاطلاع ، فمن من الرواة سلم من الكلام فيه ؟ هذا من النادر ، بل شيخ الصناعة الإمام البخاري تكلم فيه بما هو مدفوع .
وكان يكفي الألباني الرجوع إلى مقدمة الفتح بدلاً من تسويد الورق بالكلام في عباد الله الثقات .
قال الحافظ (ص 406) مقدمة الفتح) : وشذ الساجي فذكره في الضعفاء وقال أيضاً (ص 462): ذكره الساجي بلا حجة ، ولم يصح عن أحمد تضعيفه . اهـ .
وبذلك يتبين أن حكاية الساجي عن أحمد لم تصح ، وإن صحت فهي غير مقبولة لأن البخاري ومسلماً أخرجا له في الأصول ، والحفاظ متوافرون على تصحيح حديثه .
فتضعيف سعيد بن أبي هلال غير وارد إلا في مخيلة من يصحح ويضعف تبعاً لهواه ، ولذلك لم يذكره الحافظ المتقن سبط ابن العجمي في كتابه الاعتباط بمن رمي بالاختلاط ولا ابن الكيال في الكواكب النيرات ، والقاعدة عند المحدثين – جزاهم الله خيراً – أن التعديل يقدم على الجرح غير المفسر ، فكيف إذا كان هذا الجرح لم يثبت عن صاحبه ، فتدبر .
وبهذا يتبين لك خطأ الألباني في دعواه اختلاط سعيد بن أبي هلال التي أن يوهم العامة بها أن حديثه غير صحيح ولا حسن ، ليسلم له رأيه في تضعيف الحديث المذكور .
________________________________________
ومع هذا البيان الواضخ تمسك صاحب إحكام المباني (ص30 ) بكلام الألباني وعض عليه بنواجذه ، فبعد تسليمه بتوثيق سعيد بن أبي هلال رأى أنه قد اختلط ، وهذا معنى تضعيف أحمد له والاختلاط لا ينافي التوثيق وهذا يعني رد حديثه .
قلت : قال الحافظ في التقريب (ص 242): صدوق ، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً ، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط . اهـ
فبين الحافظ أن عمدة ابن حزم في تضعيفه حكاية الساجي عن أحمد أنه اختلط ، وإذا كان قول ابن حزم مضعفاً بقول الحافظ ( لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً ) دل ذلك على أن ما اعتمد عليه ضعيف أيضاً .
فالحافظ ينبه علىعلى خطأ ابن حزم فقط ، وبالتالي خطأ ما اعتمد عليه لأنه أصله ، أما أن يفهم من كلام الحافظ أن يثبت الاختلاط وهو يقول في مقدمة الفتح (ص 426) : لم يصح عن أحمد تضعيفه . اهـ أي اختلاطه .
ثم إن الحفاظ توافروا على قبول حديث الرجل وعملهم أقوى دليل على توثيقه وعدم الإلتفات لأي قول فيه .
أما ما ذكره البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة (2/361) قال : قال لي أبو زرعة : خلد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان ، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما . قال أبو حاتم : أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان . اهـ .
قلت: دع عنك (ربما) ، (وأخاف) ونحو ذلك من الألفاظ المحتملة التي لا تفيد إلا الظن المرجوح ، والتي تتهاوى أما توثيق الأئمة لخالد بن يزيد وسعيد بن أبي هلال المحتج بحديثهما في الصحيحين .
ومما ينبهك أن هذا الظن المرجوح لم يلتفت إليه أحد أن أبا حاتم نفسه يقول عن خالد بن يزيد المصري : لا بأس به . وقال مثله تماماً في سعيد بن أبي هلال .
وإذا كان قد ثبت عند أبي حاتم تدليس هذين العلمين عن المتروكين لسارع بإعلان ضعفهما وأبو حاتم – رحمه الله تعالى – جراح مشهور .
* * *
فصل
______________________
اعترض معترض على طريق سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد الي لا يوجد فيه خزيمة ، بأن خزيمة سقط منه ، وأن سعيد بن أبي هلال لا يروي عن عائشة ، بدليل أن الحافظ في التهذيب لم يذكره في الرواة عن عائشة .
وثم اعتراض ثالث وهو أن بإسناده إرسالاً خفياً .
وجوب الاعتراض الأول .
إن هذه دعوى بدون دليل ، فعليه بالدليل وهيهات ، والسنة فيها الكثير من أمثال ارواية بنزول ثم بعلو .
فيكون سعيد بن أب هلال كان يرويه عن خزيمة عن عائشة مرة ، ومرة أخرى عن عائشة بدون واسطة ، وما دام الراوي ثقة ، وأدرك عائشة إدراكاً بيناً ، وكانت مشهورة برواية ، بحيث إنهم ذكروا في ترجمتها أن مالكاً – رحمه الله تعالى – لم يرو إمرأة غيرها ، تبين لك شهرتها واتساع روايتها .
فرواية سعيد الثقة المكثر عنها واردة لا يردها إلا مكابر .
ولهذا صحح هذا الطريق جماعة من الحفاظ منهم الذهبي ، وقبله ابن حبان والحاكم في صحيحيهما .
اعترض معترض على طريق سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد الي لا يوجد فيه خزيمة ، بأن خزيمة سقط منه ، وأن سعيد بن أبي هلال لا يروي عن عائشة ، بدليل أن الحافظ في التهذيب لم يذكره في الرواة عن عائشة .
وثم اعتراض ثالث وهو أن بإسناده إرسالاً خفياً .
وجوب الاعتراض الأول .
إن هذه دعوى بدون دليل ، فعليه بالدليل وهيهات ، والسنة فيها الكثير من أمثال ارواية بنزول ثم بعلو .
فيكون سعيد بن أب هلال كان يرويه عن خزيمة عن عائشة مرة ، ومرة أخرى عن عائشة بدون واسطة ، وما دام الراوي ثقة ، وأدرك عائشة إدراكاً بيناً ، وكانت مشهورة برواية ، بحيث إنهم ذكروا في ترجمتها أن مالكاً – رحمه الله تعالى – لم يرو إمرأة غيرها ، تبين لك شهرتها واتساع روايتها .
فرواية سعيد الثقة المكثر عنها واردة لا يردها إلا مكابر .
ولهذا صحح هذا الطريق جماعة من الحفاظ منهم الذهبي ، وقبله ابن حبان والحاكم في صحيحيهما .
فالسند متصل إن شاء الله تعالى على مذهب من يشترط اللقاء ومذهب من لم يشترطه .
* * *
وجوب الاعتراض الثاني :
إن هذا اعتراض ضعيف ، ولكنني أجيب عليه حتى لا يلتبس على المعترض أمثاله .
قال الحافظ في مقدمة التهذيب (1/3-4): ثم إن الشيخ رحمه الله – أي الحافظ المزي – قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه ، ورتب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة ، وحصل من ذلك على الأكثر ، ولكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره … إلخ .
وزد عليه أن رواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة خارج الكتب الستة ، ومصنفات أصحابها ، والحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى ، غالب بل كل ما يذكره في الترجمة من الرواة في الكتب الستة فقط ، ولم يعتن بذكر غيرهم كما هو معلوم من مراجعة تهذيب الكمال له ، فإنه رحمه الله تعالى قد علم على موضع رواية كل راو عن شيخه في الكتب المذكورة ، ولم يخرج عنها ، وهذا شرط كتابه .
_____________________________
نعم قد يذكر المزي بعض ما يقع له من الرواة عرضاً ، وفرقٌ بين من يعتني بذكرهم ومن يذكر عرضاً .
وقد سلم لي – المعترض – صاحب إحكام المباني (ص33) هذا الجواب وإن لف بعد بما لا فائدة فيه .
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
* * *
فصل
ذكرت في رسالتي هذه (وصول التهاني ) حديث سعد بن أبي وقاص من طريق سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد مباشرة ، وبينت أن المعاصرة بينهما متحققة ، فروايته عنها صحيحة على شرط مسلم والجمهور ، وبينت تصحيح ابن حبان والحاكم والذهبي لهذا الطريق ، فاستدركت بذلك على الألباني الذي عزى الحديث للحاكم ، على أن فيه ابن خزيمة ، فخطأه بدون حق بل وأخطأ عليه ، لأن الحديث عند الحاكم ليس فيه خزيمة ، وكان على صاحب إحكام المباني أن يذكر وهم شيخه ويعتره بصحة استدراكي عليه ، ولكنه لم يفعل لأنه مصدرو بداء الانتصار للرأي الذي يقوله الألباني حتى ولو أخطأ فيه الخطأ البين .
فماذا فعل في هذا الإشكال ؟ .
سعى لتضعيف الطريق الذي فيه خزيمة فأتى بوجهين غاية في النكارة لا بد من ذكرهما وبيان ما فيهما .
أما عن الأول فذكر أن خمسة رووه عن عبد الله بن وهب بإثبات خزيمة بن سعيد بن أبي هلال وعائشة بنت سعد ؟ وهو الوجه الأول .
ورواه حرملة بن يحيى ، وهارون بن معروف عن عبد الله بن وهب ، بدون خزيمة وهو الوجه الثاني .
ثم رجح رواية الخمسة على الاثنين .
قلت : هذا تعليل خطأ – ولا بد – لأنه بعيد جداً عن قواعد الحديث ، وبيان ذلك في الآتي :
أن الجمع بين الطرق ، وإعمال الجميع واجب ، يجب المصير إليه والوقوف عنده والأخذ به ، فلا يصار إلى غيره إلا إذا تعذر الجمع وحيث سهل الجمع وأمكن إعماله بدون تكلف ، فلا وجه للترجيح ، وهذا واضح ولا يحتاج لبيان .
تقرر في علم الحديث أن المخالفة إذا كانت من ثقة لمن هو أوثق منه فرواية الأوثق محفوظة ، والرواية الأخرى شاذة وهذا قد يصح هنا بشرطين :
________________________________________
أ – تفررد حرملة بن يحيى بهذا الوجه .
ب – إذا تعذر الجمع .
وعن الشرط الأول : فحرملة بن يحيى لم ينفرد بهذا الوجه بل تابعه هارون بن معروف عند أبي يعلى ، وهو ثقة ثبت محتج به في الصحيحين .
وعن الشرط الثاني : فالجمع متعين لأن الحديث إذا كان قد صح إلى عبد الله بن وهب فيكون قد رجع إلى سعيد ابن أبي هلال الثقة الذي احتج به الجماعة ، وقد كان يرويه على الوجهين ، فلعله سمعه من خزيمة ، أولاً ثم لقي عائشة عائشة بنت سعد فرواه عنها مباشرة وهو ثقة غير معروف بالتدليس ، فيحتمل منه هذا .
فالإسناد كيفمادار دار على ثقة ، وكيفما دار كان متصلاً أيضاً ، فلا وجه للتعليل بترهات لا معنى لها ، فلا يقضي لحرملة بن يحيى ومتابعة هارون بن معروف على الآخرين ، بل الصحيح أن الطريقين صحيحان .
وقد أكثر الشيخان من إخراج مثل هذا ، وليس الخبر كالمعاينة . والله أعلم .
وأما عن الوجه الثاني فإنه قد بناه على صحة ما ذهب إليه في الوجه الأول وقد تبين بعده عن الصواب .
وأما جواب الاعتراض الثالث :
وهو الخاص بدعوى وجود إرسال خفي في إسناده فيجاب عليه من وجوه :
الوجه الأول : أن الإرسال الخفي : هو رواية من عاصره ولم يسمع منه فبفترق بذلك عن رواية المدلس وهو روايته عمن سمع منه مالم يسمعه كما حققه الحافظ في النكت وغيرها .
ولما كان سعيد بن أبي هلال قد أدرك عائشة بنت سعد (فعن) منه محمولة على اللقاء المفيد للسماع كما هو مذهب مسلم والجمهور ، ولم نجد من صرح بعدم سماعه منها .
الوجه الثاني : قال الحافظ العلائي في جامع التحصيل (ص 151) : الحكم بالإرسال – أي الخفي – تارة يكون بالإعتبار لرواية الأكثر وتارة يكون بالتصريح بالسماع من الأدون ، وتارة لقرينة تنضم إلى ذلك .
أما عن الأول وهو الاعتبار برواية الأكثر ، فالحديث هنا ليس له إلا مخرج واحد تفرد به عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال وعنه عبد الله بن وهب .
________________________________________
وأما عن الثاني وهو التصريح بالسماع فلم يصرح سعيد بن أبي هلال بسماعه للحديث من خزيمة أو من عائشة وها هي الكتب التي خرجت الحديث بين أيدينا .
فلم يبق إلا القرينة ، والقرينة هنا معنا وليست علينا ، فإنه كما تقدم أن هذا التعليل بالإرسال الخفي خارج عن محل البحث وأن (عن) تحتمل السماع من غير المدلس هذه واحدة .
والأخرى أن التعليل بالإرسال غالباً ما تجد نصاً من أحد الحفاظ الجهابذة عليه ، وأنت تراهم قد صححو الحديث أو حسنوه ، كابن حبان والحاكم والذهبي والحافظ وغيرهم ، ولم يذكروا هذا التعليل الذي لا مستند له ، بل لم نجد أحداً نص على تضعيف هذا الحديث ، سواء ذكر خزيمة أو لم يذكر ، إلا من سارع بإعلان المخالفة ، وشايعه المتتبع والمقلد لأوهامه وتناقضاته ، وأخطائه ، والله أعلم بالصواب .
وبعد أن تبين لك صحة حديث سعد بن أبي وقاص في التسبيح بالنوى من وجه وتحسينه من وجه آخر – وهذا عمل الحفاظ المتقنين – تعلم قيمة قول الألباني : فأنى للحديث الصحة أو الحسن .
* * *
فصل
ثم قال الألباني في ضعيفته (1/114 – 115) :
الثاني : عن صفية قالت : دخل علي النبي (ص) وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال : يا بنت حيي ما هذا ؟
قلت : أسبح بهن .
قال : قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا .
قلت : علمني يا رسول الله .
قال : قولي سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء .
أخرجه الترمذي (4/274) ، وأبو بكر الشافعي في الفوائد (72/255/1) والحاكم (1/547) . من طريق هاشم بن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها .
وضعفه الترمذي بقوله : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي ، وليس إسناده بمعروف ، وفي الباب عن ابن عباس .
________________________________________
وأما الحاكم فقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وهذا منه عجب ، فأن هاشم بن سعيد هذا أورده هو في الميزان وقال : قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال ابن عدي : مقدار ما يرويه لا يتابع عليه . ولهذا قال الحافظ في التقريب : ضعيف .
وكنانة هذا مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان .
انتهى كلام الألباني .
* * *
ومن تناقض الألباني أنه يعمد إلى مثل كنانة فيحسن حديثه تماماً ، بينما يضعف كنانة(1) هنا …!
وخذ هذين النصين(2) من كتبه :
قال في إروائه (5/21): طلحة بن عبد الله لم يوثقه غير ابن حبان ، لكن روى عنه جماعة فهو حسن الحديث إن شاء الله ، وفي التقريب : مقبول . انتهى بنصه .
وسلم لي أيضاً صاحب إحكام المباني تعقبي (ص40) واعتذر عن الألباني بأنه في سند أثر موقوف حول بعض مسائل العقيدة . قلت : قواعد الاصطلاح لا تفرق بين المرفوع والموقوف فكله نظر في الإسناد ثم كونه في العقيدة أدعى للتشدد . فتأمل .
________________
(1) بل يعمد إلى أقل من كنانة فيقبل حديثه ، قال في مختصر العلو (ص 173) عن سند فيه صالح بن الضريس : (وهذا سند لا بأس به فإن صالحاً هذا أورده ابن أبي حاتم (2/1/406 – 407) . وقال روى عنه محمد بن أيوب ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وقد روى عنه الذهلي . اهـ .
(2) وقد سلم لي صاحب إحكام المباني (ص 41 – 42 ) الكلام على هذين النصين لكنه كابر فقال معترفاً على شيخه بالتقصير : فليس من الممكن أن يراجع المحدث ترجمة … إلخ . قلت : لا بد أن يستفرغ الناظر في الرجال وسعه عند الكلام على الرجال ، فهذا دين الله فاتقوا الله في دينكم ، وإلا فليبحث له عن عمل آخر ، وهذا اعتراف آخر ممن يدور في فلك الألباني (وعلى نفسها جنت براقش)
ثم إذا كان هذا المعترض يدعو للتساهل في الموقوف فما بالنا نراه يتشدد في الآثار التي ذكرتها في آخر رسالتي . نعوذ بالله من التعصب المؤدي للتناقض . وقال في إرواء غليله (1 /242) : (الحسن بن محمد العبدي أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/2/35) فقال : روى عن أبي زيد الأنصاري ، روى عنه علي ابن المبارك الهنائي . قلت – أي الألباني -: فقد روى عنه إسماعيل بن مسلم أيضاً كما ترى وهو العبدي القاضي ، وبذلك ارتفعت جهالة عينه ، وقد ذكره ابن الحبان في الثقات (4 /124) ثم هو تابعي ) اهـ فانظر إلى مجهول الحال الذي يحسن حديثه ، بينما يرد حديث كنانة بقوله : كنانة مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان ، ثم يذكر تساهل ابن حبان في الحاشية ..!! واعترض علي صاحب إحكام المباني (ص41) فقال : هذا ما نقله محمود سعيد وهو نقل مبتور ، بتر منه أهم شيء فيه ثم صرح بأنه قول الألباني : وقد روى أمراً شاهده فالنفس تطمئن إلى مثل هذه الرواية . اهـ .
وجوابه سهل : هب أن كذاباً شاهد أمراً ثم رواه فهل هذا يقوي من روايته . !! فالعبرة بحال الراوي لا غير .
ويقول في صحيحته (2/517) بعد تصحيحه لحديث مالك بن الخير الزيادي : والزيادي ترجمع ابن أبي حاتم (4/1/208) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً لكن روى عنه جماعة من الثقات ، وثقة ابن حبان . اهـ .
وقبل أن أنهي الكلام على هذه المؤاخذة ، لنا وقفة مع الشيخ الألباني : فإنه قال في الحاشية (ص 98) : أشار – أي الحافظ – في التقريب إلى أنه – أي كنانة – لين الحديث .
بينما نص عبارة الحافظ في التقريب هي : كنانة مولى صفية يقال اسم أبيه نبيه ، مقبول ضعفه الأزدي بلا حجة من الثالثة ب خ ت انتهى .
والحافظ بين في المقدمة الفرق بين المقبول واللين ، فالأول وهو المقبول له متابع – وقد توبع كنانة – وهو أحسن حالاً من الثاني أي اللين .
فما الداعي لتغيير كلام الحافظ والتصرف فيه . ؟!
________________________________________
وما اسم هذا الفعل يا فضيلة الشيخ . ؟
هل هو إخبار بغير الواقع أم لا . ؟!
المؤاخذة الثانية : في الكلام على هاشم بن سعيد الكوفي ، فقال عنه أحمد : لا أعرفه ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو حاتم الرازي .
وقال ابن عدي بعد أن ذكر له بعض الأحاديث : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه .
قلت : أما قول ابن معين : (ليس بشيء) فقد يكون معناه أن الراوي قليل الحديث قال الحافظ في مقدمة الفتح (ص 421) في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين من قوله في بعض الروايات (وليس بشيء) يعني أن أحاديثه قليلة جداً . اهـ .
فإن قيل قد يعني ابن معين بقوله (ليس بشيء ) التضعيف ، وعليه بنى صاحب إحكام المباني الرد عليَّ (ص 38 ) .
فهذا يجاب عنه بأن الحمل على الأول وهو قلة روايته أولى، لموافقتة للواقع ، فإن هاشم بن سعيد الكوفي كان قليل الرواية ، حتى أن بعضهم لم يعرفه بسبب قلة روايته أو ندرتها ، وقد قال عنه الذهبي في الديوان : كوفي مقل .
أما قول الإمام أحمد : لا أعرفه فإنه لا يضره ، فقد عرفه غيره .
وكذا كلام بن عدي لا يضره لأنه قال : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه اهـ .
والرجل قد توبع وستأتي هذه المتابعة إن شاء الله تعالى .
بقى لنا توثيق ابن حبان وتضعيف أبي حاتم ، فيكون الراوي فيه لين أو ضعف قريب ، ولذلك أرى أن أعدل الأقول فيه قول الحافظ الذهبي في الكاشف (3/217) : ضعف .
فيكون سند حديث صفية رشي الله تعالى عنها فيه ضعف من هذا الوجه فقط ، ولكن المتن حسن نظراً لما له من متابع بل وشاهد .
المؤاخذة الثالثة : الشاهد للمتن قريب جداً ، وهو حديث سعد بن أبي وقاص المذكور ، فهو شاهد قوي للمتن ، فيكون الحديث حسناً لغيره به فقط .
________________________________________
وإذا كان حديثا سعد وصفية رضي الله عنهما ضعيفين في نظر المعارض ، فلماذا لا يقوي كل منهما الآخر ، فيصير كل منهما شاهداً للآخر ، فيكون الحديث حسناً لغيره ، هذا إذا قلنا برأي الألباني الذي ضعف الحديثين .
وهو ملزم بهذا التقرير الذي تؤيده القواعد الحديثية ، وبه أيضاً ينهدم كل ما كتبه الألباني عن السبحة .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
المؤاخذة الرابعة : أما المتابعة فقد توبع هاشم بن سعيد الكوفي ، أخرج هذه المتابعة الطبراني عن روح بن الفرج ، ثنا عمرو بن خالد ، ثنا حديج بن معاوية ، ثنا كنانة مولى صفية بن حيي رضي الله عنها .
وانظر أمالي الأذكار – المجلس الخامس عشر – مصورة بمكتبة الحرم المكي الشريف .
وروح بن الفرج القطان المصري ثقة ، من مشايخ الطبراني والطحاوي .
وعمرو بن خالد ، ثقة ثبت ، من رجال البخاري .
وحديج بن معاوية فيه مقال طويل ، حاصله ما قاله الحافظ في التقريب : صدوق يخطئ .
فهذه متابعة قوية لهاشم بن سعيد الكوفي ، فيكون الحديث حسناً بلا ريب ، ولذا حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار (ل 177 /1) .
ألا يكفي هذا بمفرده لهدم كل ما كتبه الألباني ؟
* * *
تنبيه :
حاول صاحب إحكام المباني (ص 44 – 47 ) رد هذه المتابعة فذكر وجهيم مردودين :
أولهما بالنظر لحال حديج بن معاوية .
وثانيهما بالنظر إلى الإسناد .
أما عن الوجه الأول فقد قال عن حديج بن معاوية : ليس فيه توثيق معتد به صريح إلا قول أحمد (فيه لا أعلم إلا خيراً) ومع ذلك فهو ليس صريحاً ثم ذكر كلام من ضعفه .
قلت : لن أسترسل معك في تقرير حال حديج بن معاوية وأكتفي بإحالته لكتب الألباني – الذي كتب للدفاع عنه – فإنه قال عنه في صحيحته (4/567) : وهو – أي حديج بن معاوية – صدوق يخطئ كما قال الحافظ في التقريب فهو ممن يستشهد به . اهـ .
________________________________________
ثم عدم قبول حديث حديج ابن معاوية في المتابعات خطأ مخالف للقواعد ، فالرجل كان صدوقاً في نفسه ، ومن تكلم فيه فبسبب سوء حفظه لا غير ، ولم يتهم بالكذب فمثله يحسن حديثه في المتابعات – ولا بد – بل ترى الألباني يحسن في المتابعات من حاله أقوى من حديج بن معاوية في الضعف ، والقائمة طويلة ولها مكانها …
وأما الوجه الثاني فهو بالنظر إلى الإسناد .
فاعتراضه (ص 46) حاصله : أن هذه المتابعة لم تصح ، وهي ترجع إلى أصل الحديث ، وهو هاشم بن سعيد عن كنانة عن صفية واستدل على ذلك بأمرين :
أولهما : قول الترمذي : لا نعرفه من هذا الوجه إلامن حديث هاشم بن سعيد الكوفي .
ثانيهما : أن ثلاثة من الثقات قد رووه عن كنانة بإثبات هاشم وهو:
عبد الله بن يزيد(1) .
عبد الصمد بن عبد الوارث .
شاذ بن فياض .
ولم يروه عن كنانة مباشرة إلا حديج بن معاوية ، والثلاثة أرجح .
قلت : قول الترمذي لا يصلح دليلاً لنفي وجه آخر، فكم صرح الترمذي ومن في طبقته بعدم العلم بوجود وجه آخر ثم يأتي من يتأخر عنهم فيذكر طرقاً لم تقع لغيره (*) ، فالترمذي قال ذلك حسبما وقع له ، فهو مبلغ علمه لا غير .
على أن عبارة الترمذي لا تخلو من نكته ، وهي أنه نفى معرفته فقط ، ولم ينف الوقوع كما ادعى المعارض ، فلله دره ما أضبط ألفاظه .
على أننا ونحن بصدد الكلام على عبارة الترمذي على أمرين :
الأمر الأول : أن نصدق قول الترمذي وفق مراد المعترض ، ونكذب الواقع المحسوس ، وهو وجود متابعة لهاشم بن سعيد الكوفي ، ومتابعة أخرى لكنانة ، سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى .
(*) ولحافظ العصر السيد أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى مصنف سماه (ليس كذلك) خاص بالاستدراك على الحفاظ المتقدمين في نحو ذلك ، عندى مجلد منه .
_____________________
(1) صوابه يزيد بن مغلس بن عبد الله بن يزيد الباهلي . كما في الكامل والتهذيب وغيرهما وليس عبد الله بن يزيد كما يقول صاحب إحكام المباني .
________________________________________
فلا بد أن الواقع أقوى من غيره ، ومن علم حجة على من لم يعلم ، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر ، هذا مع الاعتراف بالفضل والإمامة للسابق .
أما عن الأمر الثاني الذي حاول أن يرد به هذا المتبعة فأقول وبالله التوفيق :
كلام المعترض فيه نظر ، ولا أدري لماذا هذا التسرع في النظر في الأسانيد ، فالخلاف ليس بين الثلاثة الذين ذكرهم وحديج بن معاوية .
ذلك أن الخلاف – وهو لا وجود له إلا في مخيلة المعترض – يقع بين عمرو بن خالد والثلاثة المذكورين .
فعمرو بن خالد قال : ثنا حديج بن معاوية ثنا كنانة .
والثلاثة قالوا : عن هاشم بن سعيد عن كنانة .
فحديث حديج متابع ، وليس مخالفاً كما ادعى المعترض فهو متسرع ! .
إذا علم ذلك وأراد أحد المفاضلة بين الروايات :
فعمرو بن خالد – صاحب المتابعة – ثقة ، أكثر البخاري من إخراج حديثه ، وهو أوثق من الثلاثة ، ولم يخل أحدهم من غمز .
ويؤيد عمرو بن خالد متابعة يزيد بن معتب لكنانة مولى صفية التي ستأتي (ص 41 – 42 )
فلا بد أن الواقع أقوى من غيره ، ومن علم حجة على من لم يعلم ، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر ، هذا مع الاعتراف بالفضل والإمامة للسابق .
أما عن الأمر الثاني الذي حاول أن يرد به هذا المتبعة فأقول وبالله التوفيق :
كلام المعترض فيه نظر ، ولا أدري لماذا هذا التسرع في النظر في الأسانيد ، فالخلاف ليس بين الثلاثة الذين ذكرهم وحديج بن معاوية .
ذلك أن الخلاف – وهو لا وجود له إلا في مخيلة المعترض – يقع بين عمرو بن خالد والثلاثة المذكورين .
فعمرو بن خالد قال : ثنا حديج بن معاوية ثنا كنانة .
والثلاثة قالوا : عن هاشم بن سعيد عن كنانة .
فحديث حديج متابع ، وليس مخالفاً كما ادعى المعترض فهو متسرع ! .
إذا علم ذلك وأراد أحد المفاضلة بين الروايات :
فعمرو بن خالد – صاحب المتابعة – ثقة ، أكثر البخاري من إخراج حديثه ، وهو أوثق من الثلاثة ، ولم يخل أحدهم من غمز .
ويؤيد عمرو بن خالد متابعة يزيد بن معتب لكنانة مولى صفية التي ستأتي (ص 41 – 42 ) وليس فيها ذكر لهاشم بن سعيد ، فتأمل .
* * *
فائدة
مع كامل التنزل مع المعترض، هب أن إسقاط هاشم بن سعيد وهم من الرواة والصواب إثباته كما يدعي صاحب إحكام المباني.
قلت : التعليل بذلك ليس بجيد ، لأن الحديث يكون بذلك من المزيد في متصل الأسانيد لتسلسل الرواة بالتحديث فإن روح ابن الفرج قال : ثنا عمرو بن خالد ثنا حديج بن معاوية ثنا كنانة . فإذا رواه عمرو بن خالد عن حديج بن معاوية عن هاشم بن سعيد عن كنانة فهو من المزيد في متصل الأسانيد أو روى بالوجهين .
وكفي تحاملاً ودفعاً بالصدر وتعصباً للأشخاص وهو يؤدي إلى رد السنة الصحيحة ، ولو أعلمنا هذا التعصب في الأحاديث الشريفة ، لما صح لنا منها إلا القليل .
فإلى الله المشتكى من هؤلاء ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
المؤاخذة الخامسة : وكنانة لم ينفرد بالحديث فقد أخرج الطبراني في الدعاء متابعة له ، قال الطبراني في الدعاء :
___________________________
حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا أبي قال : وجدت في كتاب أبي بخطه : ثنا مستلم ابن سعيد ، عن منصور بن زاذان ، عن يزيد – يعني بن متعب – مولى صفية بنت حيي رضي الله عنها .
قلت : شيخ الطبراني حافظ وثقة صالح جزرة ، وفي ترجمته ما يحتاج إلى التحرير ، لكنه يصلح المتابعات ولا ريب (1). (1) انظر الميزان (3/642) .
ووالده حافظ ثقة ، وكذا جده .
ومستلم قال عنه الحافظ : صدوق ربما وهو . التقريب (2/214) .
ومنصور ثقة ، احتج به الجماعة . التهذيب (10 / 306) .
ويزيد لم أجد له ترجمة مفردة لكنه مذكور في ترجمة صفية رضي الله تعالى عنها في الإصابة (4/348) ، وهو تابعي ، وروى عنه ثقة ، فاذكر ما ذكرته بشأن كنانة سابقاً .
وزد عليه قول الذهبي : وأما المجهولون من الرواة ، فإن كان رجل من كبار التابعين أو أوساطهما احتمل حديثه ، وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول ومن ركاكة الألفاظ اهـ . من مقدمة المغني (ص ك ) .
ويزيد من معتب مثل كنانة من الثالثة ، وهم أواسط التابعين فكلاهما من موالي صفية ، فالرجل على شرط ابن حبان في ثقاته ، ومثله يحسن حديثه في متابعات .
فلا تنظر بعد هذا البيان لتشغيب صاحب إحكام المباني ( ص 49) فإنه يخالف القواعد تعصباً للألباني ، وهذا المتابعة ثابتة ثبوت الجبال الرواسي .
وأخرجه الطبراني في الأوسط بنفس السند (2/ل 34 ب ) ، وانظر الدعاء له (ل 193 أ ) .
فهذه متابعة قوية لكنانة . فهل يمكن أن يرد بعد هذا حديث صفية رضي الله عنها أو يضعف ؟
* * *
تنبيه :
____________
(1) والألباني يقول عنه في صحيحته (4/156) : وفيه كلام ، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن . اهـ لكنه يتناقض ، ويضعف حديثه في إرواء الغليل (7/107) ، وحاصل ما تقدم أن حديث صفية حسن ، كما قال الحافظ .
________________________________________
قال الألباني في رده على الشيخ الحبشي بعد كلام : فعلى الشيخ – أي الحبشي – أن يفتش عن لفظ هذا الطريق – الذي فيه متابعة لكنانة – ، وينظر إن كان فيه هذا العد – أي العد بالنوى – فإن ثبت فيه ، وخلا عما يخدش في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ ، ثبت دعواه ، وإلا فدون ذلك خرط القتاد . انتهى كلام الألباني ( ص 38 ) .
قلت : الحمد لله تعالى قد فتشت عن لفظ الحديث ، ورأيت كتاب الدعاء للطبراني قبل طبعه ، الذي أحال عليه الحافظ – جزاه الله خيرا – وفيه ذكر النوى ، وخلا أيضاً عما يخدش في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ .
وهذا يظهر تقصير الألباني ، الذي يدعي دعاوى كبيرة ، فكان ينبغي أن يتوقف في الحكم على الحديث ، أو يقلد الحافظ حتى يرجع إلى الأمالي وهي موجودة ، ولكن ليس فيها ذكر سند الطراني في الدعاء . ثم كان عليه أيضاً أن يرجع إلى الدعاء للطبراني لينظر في سند الحديث ثم يحكم عليه ، علماً بأن الطبراني اخرج نفس الحديث سنداً ومتناً في المعجم الأوسط . ولكنه اكتفى برأيه ، ولم يرجع إلى الأصول ، ولم يرجع إلى أصل الأمالي ، ثم بعد ذلك جمع ما كتبه في السلسلة الضعيفة ، وطبعت مرات على ما فيها من أخطاء وكثر القول بضعف حديثي ضغيه وسعد رضي الله عنهما ، وهذا ليس من صنيه أهل هذا الشأن ، فإن المراجعة والإتقان وضبط ما كان وإصلاح الخطأ أولى من الإكثار ، كما أشار إلى ذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحة (1/46 – 47 ) .
تنبيه آخر :
اعترف الألباني بعد بحثي المتقدموبياني له بأن كنانة مولى صفية ليس بمجهول بل هو صدوق ، وحدثه مقبول ، كذا في ضعيفته (1/6 ، 190 – 91 1) .
ولكنه أصر على تضعيف الحديث فقال :
وعليه فعلة الحديث هاشم فقط . اهـ . كذا في الطبعة الجديدة من ضعيفته .
وأشار إلى تفرد هاشم بن سعيد الكوفي بالحديث في ( 1 / 6 ) .
________________________________________
قلت : تقدمت متابعة حديج بن معاوية لهاشم بن سعيد الكوفي عن كنانة . وحديج ابن معاوية رأيت الألباني يحسن له في المتابعات كما تقدم بل أكثر من هذا أنه ذكره في الرواة عن كنانة – تبعاً لي – مع توثيقه في (1/190 ) .
فالحديث حسن ، فلكل من كنانة وهاشم بن سعيد الكوفي متابع قوي . وانظر المقدمة (ص 7 – 8 ) .
* * *
فصل
ثم قال الألباني :
ومما يدل على ضعف هذين الحديثين أن القصة وردت عن ابن عباس بدون ذكر الحصى ، ولفظه قال : عن جويرية أن النبي (ص) خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : ما زلت على الحال التي فارقتكى عليها ؟ قالت : نعم ، قال النبي (ص) : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن :
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته .
أخرجه مسلم (8/83- 84) ، والترمذي (4/274) وصححه ، وابن ماجه (2/423) ، وأحمد (6/325، 430 ) .
فدل هذا الحديث الصحيح على أمرين :
الأول : أن صاحبة القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث .
الأول : أن صاحبة القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث .
الثاني : أن ذكر الحصى في القصة منكر ، ويؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم يعدون لاحصى ، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق أحدها ، ولو كان ذلك مما أقره (ص) لما خفي عن ابن مسعود إن شاء الله .
وقد تلقى هذا الإنكار منه بعض مكنتخرج من مدرسته ألا وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي ، فكان ينهى إبنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها، رواه إبن أبي شيبة في المصنف (2/89/2) بسند جيد . انتهى كلام الألباني .
* * *
أقول وبالله تعالى التوفيق :
هذا الكلام عليه مؤاخذات :
المؤاخذة الأولى : قوله : عن صاحبت القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث الثاني . اهـ .
________________________________________
قد مر بك أن حديث صفية حسن ، وحديث سعد صحيح ، فتكون القصة قد تعددت مرة مع صفية ومرة مع إمرأة ومرة مع جويرية . وهذا كثير جداً في أسباب الورود فالجمع أولى بدلاً من الإقتصار على رواية جويرية ، مادام ان الأسانيد قد رواها الأئمة بأسانيد صحيحة أو حسنة .
فلا تعارض حينئذٍ ، وإعمال كل الأدلة واجب كما هو مقرر ، وهذا الطريقة يعرفها صغار طلبة العلم ، فلماذا التحكم بقصر القصة على رواية جويرية رضي الله تعالى عنها ؟
المؤاخذة الثانية : أما الحكم على أن ذكر الحصى في القصة فخطأ من الألباني ، وهو فرع ناتج عن حكمه المخطئ الذي نشأ عن عدم البحث والتتبع وقد أده كل ذلك إلى تضعيف حديثي سعيد وصفية الثابتين كما تقدم .
* * *
تنبيه :
والعجب من صاحب إحكام المباني الذي استعاذ بالله من التقليد (ص 26 ) فإنه في الواقع استعاذ من تقليد أحد إلا الألباني ، فإنه لا يزال يصر على ترديد صدى كلامه والدوران في فلكه ، تى في ذكر نكارة الحصى التي لم يسبق إليها !! .
وكلام الحافظ في أمالي الأذكار (1/78) لا يؤيده فإنه احتمل أن تكون المرأة المبهمة جويرية ، ثم استدرك قائلاً : لكن سياقه بغير هذا اللفظ .
ثم احتمل أن تكون صفية ، ولكنه استدرك قائلاً ولكن باختصار ، وفيه ذكر عدد النوى الذي كانت تسبح به . اهـ .
فالحافظ – رحمه الله تعالى – احتمل احتمالاً ، ثم استدرك على الاحتمال ، فسقط هذا الاحتمال وبقي كل حديث قائم بنفسه . فالحافظ لم يقنع بأن المرأة المبهمة هي جويرية أو صفية فلم يجزم في محل الاحتمال ، وهذا سبيل أهل العلم .
ثم إن دعوة النكارة لا تصح على قواعد الحدثين البتة لأنها تفترض مخالفة الضعيف للقة وهذه ثلاثة أحاديث مخارجها مختلفة ومتباعدة ، فكيف تصح دعاوى النكارة هنا ؟ ومن خالف من ؟ نعوذ بالله من الهوى والتخبط .
________________________________________
المؤاخذة الثالثة : أما قول الألباني : يؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم … إلى قوله إن شاء الله . اهـ ففيه نظر .
اعلم وفقني الله وإياك إلى اتباع الحق أن هذا الإنكار لم يثبت ، وهاك الأثر الذي اعتمده الألباني في ضعيفته (1 /112) قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص12) : أنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال : مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه ، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله ، ثم قال : لقد سبقتم ، ركبتم بدعة ظلماً ، أو لقد غلبتم أصحاب محمد (ص) علماً .
قلت : هذا إسناد ضعيف للانقطاع الذي بين الصلت بن بهرام وابن مسعود رضي الله عنه لأن بن بهرام وإن كان ثقة ، لكنه من أتباع التابعين ، التهذيب (4/432) .
ثم لماذا يستدل الألباني بهذا الأثر الضعيف الموقوف على أن ذكر الحصى منكر ؟ وهل رأيت – أخي القارئ – من يجعل الموقوف الضعيف حكماً على المرفوع الصحيح ؟! … إلى الله المشتكى .
فمن المعروف أن فعل الصحابة ليس بحجة مع سنة رسول الله (ص) ، فما بالك وقد خالفه جمع من الصحابة كما سيأتي في بيان ذلك ! فما بالك ولم يصح هذا الفعل عن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه !. ومن المعلوم أيضاً أن فعل أحد الصحابة ليس بحجة على الآخرين ، فلو صح أثر ابن مسعود لم يكن حجة على غيره ، والله أعلم .
______________________
والألباني قال في (ص 1/112) عن أثر بن مسعود : (وسنده صحيح إلى الصلت ) . أي أن سنده فيه انقطاع أي ضعف ، وأضف إلى ضعف السند ، النكارة التي في المتن ، فكيف يتعدى هذه الصحابي المجتهد الجليل رضي الله عنه على هذه المرأة ، ثم يضرب عبداً من عباد الله برجله … هل هذا هدي سيدنا رسول الله (ص) ؟! . ولماذا يحتج هنا بالموقوف الضعيف في الأحكام الشرعية وهو مردود اتفاقاً ، بينما يرد العمل الحديث الضعيف في الفضائل والمناقب ، وهو مقبول اتفاقاً .(1) وهكذا تجد التعصب والتناقض يوقفان المرء موقع السقوط .
تنبيه :
قال الألباني في ضعيفته (1/112) ثم روى – أي ابن وضاح – عن أبان ابن أبي عياش قال سألت الحسن عن النظام – خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما – من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به ؟ فقال : لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي (ص) ولا المهاجرات . وسنده ضعيف(2) . (!) اهـ
لا أدري لماذا سود الألباني الورق ، وأتى بهذا الأثر الموضوع الذي لا قيمة له بالمرة ، لا في الشواهد ولا في المتابعت ؟ فإن في سنده أبان ابن أبي عياش كذاب مشهور ، فاعجب ألف مرة لقول الألباني سنده ضعيف ، فإن البون كبيربين الضعيف والموضوع .
والمصنفون في الرجال ترجموا لأبان ابن أبي عياش بما يكشف عن حاله ، لكنني أنقل ما نقله الألباني عنهم لترى تناقضه الغريب ولتعجب معي من صنيعه .
قال الألباني في ضعيفته حديث رقم (55) : أبان هو ابن أبي عياش الزاهد البصري ، قال أحمد : متروك الحديث ، وقال شعبة : لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان ، قلت – أي الألباني – : ولا يجوز أن يقال مثل هذا إلا فيمن هو كذاب معروف بذلك ، وقد كان شعبة يحلف على ذلك . اهـ .
__________________
(1) وتفصيل ذلك في جزء سميته ( التعريف بجواز العمل بالحديث الضعيف ) .
(2) ثم غير الألباني كلامه بعد أن بينت له تناقضه في أبان بن أبي عياش في الطبعة السابقة فقال (1/186) : لكن سنده ضعيف جداً .اهـ
______________
وانظر الأحاديث رقم (129 ، 309 ، 311 ، 463) .
وكان الأولى أن يعترف بتقصيره ويشكر لمن أرشده ، ويحذف هذا الأثر تماماً . فلا فائدة في إيراده . وكان قد حكم على حديث أبان بن أبي عياش بالوضع أكثر من مرة في ضعيفته انظر (1/135 ، 253 ، 479 ، 482 ، 676 ) .
فانظر – رحمك الله – كيف يرى أن أبان كذاب معروف بذلك ، بينما يحكم على أثره في ص (112) بأنه ضعيف فقط .
بل إن أبان متهم بالكذب عن الحسن بالذات . قال أبو عوانة : كنت لا أسمع بالبصرة حديثاً إلا جئت به ، فحدثني – أي أبان – به عن الحسن حتى جمعت مصحفاً ، فما استحل أن أروي عنه . اهـ الميزان (1/11) . فالله المستعان على هذا التناقض .
وبعد فالذي يستشهد بالموضوع المتحقق وضعه عنده ، ولكن عن طريق تغيير حقيقة الحكم على السند لا شك أن يضحك على العوام بغية ترويج فكرته في بدعية السبحة .
تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني
المؤلف : الشيخ المحدث محمود سعيد ممدوح
وصول التهاني
بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني

بقلم
محمود سعيد ممدوح
________________________________________
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمدلله ولي النعم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خير الذاكرين وعلى آله المطهرين وأصحابه أولي الفضل والكرم والتمكين.
وبعد
فهذه هي الطبعة الثالثة من رسالة { وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني } أقدمها للقراء الكرام ، بعد أن نفدت الطبعتان السابقتان ، بسبب الإقبال الذي حدث على الرسالة المذكورة ، مما دفع بعض المحبين إلى تصويرها رغبة في الانتفاع بها بعد نفاد نسخها .
وكانت قد أثيرت ضجة ، وحصل وعيد وتشديد حول أمرٍ صغيرٍ ، ألا وهو التسبيح بالسبحة ، والذي اعتاده الناس طبقة بعد طبقة باختلاف المذاهب ، وتواتر استعمالها عن العلماء من كل جانل ، وكان من شأن هذه الضجة رمي عباد الله – الذين استعانوا بالمسبحة لضبط أعداد أذكارهم – بالبدعة !! وهكذا شأن المشددين الذين يسارعون بإعلان الإنكار ، والرمي بالبدعة ، ويتبع ذلك التضليل، والهجر ، والرد ، وتشديد النكير ، واللمز بالألقاب … و … و … في قائمة طويلة من المفتريات المعروفة .
ومنشأ ذلك هجر أدب الاختلاف ، وكأن هذا الأدب العظيم لبس ثوب الابتداع عندهم .
ومن علامات هذا الهجر أنهم يعمدون إلى مسائل خلافية ، فيحصرون الحق فيما زعموه حقاً ، ولم يقف الأمر عند ذلك بل تعدى إلى أنهم جعلوا حقهم علامةً على الرأي القويم ، وبرهان ابتداع وضلالة لمن خالفهم ، دون نظر حتى لاختلاف السلف أنفسهم في المسألة المتنازع فيها .
ومن شواهد ذلك أنك ترى اتفاق الأمة على صحة أحاديث الصحيحين ، بينما تراهم يوهنون أمر الصحيحين ، وينظرون في أسانيدهما ، فيصححون ويضعفون ما يرونه ، وهم متعقبون في عملهم . ولم يقتصر الأمر على ذلك بل قاموا بنقل أوهامهم في مشروع تجاري قسموا فيهالسنن الأربعة إلى صحيح وضعيف .
وإذا تعقبهم في تخبطهم ذو حرص على السنة ، قاموا وقعدوا وأرعدوا وتوعدوا ، ونبزوه بالألقاب ، وعدوه من أعداء السنة وأهل التوحيد … إلخ .
والشيطان يلبس عليهم ، فيظنون أن التجريح والتبديع والتشهير هو من الانتصار لدين الله تعالى ولمنهج السلف الصالح ، فيبيحون لأنفسهم الغيبة ونهش الأعراض والغمز واللمز .
وإذا ضم إلى ما سبق طلب الشهرة كانت الطامة الكبرى . وللأسف فالكتيبات التي تضم هذه الخصائص مجتمعة ، متوافرة بين أيدي فئة عريضة من الشباب ، وهي توزع بالمجان !!! ، أو تباع بأسعار زهيدة !!! . فإلى الله المشتكى .
ولهم في ذلك ألسن معروفة ، وأقلام مبذولة ، ومن هذه الأقلام مما يتعلق بهذه الرسالة علي حسن عبد الحميد الحلبي (1) الذي كتب في التعقيب على رسالة سماها (إحكام المباني في نقص وصول التهاني ) .
ورسالته (كشف المتواري) تدلك عليه وقد كفر فيها إمام من أئمة المسلمين الذين جمعوا بينالعلم والعمل إضافة للإنتساب للجناب النبوي الشريف من أبويه ، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ، وعند الله تلتقي الخصوم ولئن صبرتم لهو خير الصابرين .
وهو كغيره له الحق فيما يراه مجانباً للصواب ، فلا أحد جمع الحق إلا المعصوم (ص) .
بيد أنني لما نظرت في (إحكام المباني … ) ورأيت ما فيها من أخطاء وأوهام ، وتناقضات ، واعترافات بأوهام الذي صنفت الرسالة المذكورة للدفاع عنه – أعني الألباني – قلت : الصواب أن تسمى هذه الرسالة ( إحكام المباني في تأييد وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني ) .
__________
(1) ومن أراد الوقوف على حاله فعليه برسالة (الصلاة بين السواري) للأستاذ / حسن بن عبد المنان المقدسي ففيه.ا اعتراف علي الحلبي بسرقة كتب غيره ، وفي ص (8 ، 9 ) من الرسالة المذكورة كلام على (الكشف الجلي عن سرقات الحلبي علي ) . وانظر إذا شئت (الكشف المثالي عن سرقات سليم الهلالي ) للأستاذ / أحمد الكويتي (ص 87 ، 104)
________________________________________
وقد بدت لي ملاحظات على رسالة علي الحلبي في التعقيب علىَّ أذكرها في النقاط الآتية :
يلاحظ عليه سعيد للانتصار للألباني ، والانتصار له فقط هو الغاية والمراد ، ولا يزيد عنترديد كلامه ، والنفخ في بوقه ،وكتاباته تفضح دخيلته وتكشف مدى تعصبه ، بحيث أصبح الألباني المتكلم وهو الصدى .
ولذلك أكثر من نقل كلام الألباني من (الرد على التعقب الحثيث) مع تنزيل الألباني منزلة الدليل !!! (ص 28 – 29 ) .
وإذا احتج الألباني في رجل ، انتصر له (ص 48 ، 76 ) .
وإذا أخطأ الألباني ، يقول : لم ينشط للمراجعة (ص 36 ، 41 ) .
وإذا خالف الأئمة ، وقف وراءه يدفعه ، ويؤيد شذوذه (ص 78 ) .
وإذا قصر الألباني في البحث عن طرق الحديث ، مر عليه وطواه وكأنه لم يفعله (ص 44 – 49 ) .
وإذا قوَّل الألباني الحاكم والذهبي مالم يقولاه ، سكت ومشى وكأن الأمر لا يعنيه (ص 24)
والقائمة طويلة …
وقد ظهر أثر تقليده للألباني في حمله لتناقضاته – وما أكثرها – فهو يدفع عنه ، ولكن ماذا يفعل في تناقضاته؟ فالرجل لا حل له.
فاعترض عليَّ لأنني قلت بقبولحديث حديج بن معاوية في المتابعات (ص45) . اعترض عليَّ ، وغاب عنه أن الألباني يوافقني على ذلك في صحيحته (4/567) وهذا التناقض بمفرده يهدم تعقبه عليَّ ، لأن ناتجه هو تحسين صفية في التسبيح بالنوى .
وبيان ذلك أن حديث صفية بن حيي رضي الله تعالى عنها في التسبيح بالنوى ضعفه الألباني باثنين هما :
أ – كنانة مولى صفية .
ب – هاشم بن سعيد الكوفي .
أما أولهما فقد تراجع عن تضعيفه في الطبعة الجديدة من ضعيفته تحت مطرقة البحث الذي سيأتي إنشاء الله تعالى (ص 57) .
وأما ثانيهما فأصر الألباني على تضعيف الحديث به ، وما درى أن هاشم بن سعيد الكوفي له متابع قوي ، وبالتالي يحسن الحديث ، وينهدم بذلك كلام الألباني في بدعية السبحة . فهرب الألباني ولم يذكر المتابعة ، ولم يشر إلى هذه المتابعة حتى في الطبعة الجديدة من ضعيفته .
________________________________________
أما علي الحلبي فماذا فعل ؟ .
لم يستطع إلا مواجهة الحقيقة وهي وجود متابع لهاشم بن سعيد الكوفي ، والمتابع هو حديج بن معاوية ينبغي أن يضعف ، لأنه إذا قواهم انهدم به كلام الألباني . وإذا قوَّى المتابعة ، فالثبور والحبور والويل له ، لأنه يكون بذلك قد فعل عظيماً ، كيف لا وفيه إظهار قصور وشذوذ الألباني ، ومغاضبة الألباني تعني موالاة غيره .. !! فسارع عليَّ الحلبي بتضعيف متابع هاشم بن سعيد الكوفي ألا وهو حديج بن معاوية ولم يفته أن يشنع عليَّ (ص 45) وما درى المسكين أن الألباني حسن حديث حديج بن معاوية كما تقدم في المتابعات ، فالتشنيع لاحق بالألباني – ولابد – من الحلبي . فماذا يفعل علي الحلبي في هذا المتناقض ؟.
نعوذ بالله من الهوى و العصبية .
ومن وقوعه في تناقض الألباني أيضاً أنه اعترض عليَّ لاعتمادي على كلام الأئمة المصرح بضعف إبراهيم بن المهاجر (ص60 – 61) وفاته أن الألباني الذي ينفخ في بوقه فعل ذلك في ضعيفته (3/448) ، وانظر ما سيأتي (ص 57 – 60 ) .
والقائمة طويلة أيضاً .
* * *
2 – رأيته يقوي ما يوافقه ويضعف ما يخالفه .
وأوضح مثال لذلك حديث (واعقدن بالأنامل ، فإنهن مسؤلات مستنطقات ) .
هذا الحديث في إسناده رجل هو هانئ بن عثمان انفرد بتوثيقه ابن حبان ، وأمه حميضة بنت ياسر تفرد عنها ابنها المذكور . وهما في التقريب مقبولان ، وحيث لا متابع لهما فاللين لاصق بهما كما هو اصطلاح الحافظ في التقريب .
ومن العجب أن الألباني ضعف عشرات الأحاديث بوجود مثل أحد الراويين المذكورين في إسناد واحد ، فما بالك بوجود اثنين في نسق واحد ، وانظر إيضاح ذلك في (ص 78 – 81) .
* * *
إنه يقول بتوثيق الرواة في مكان (ص46) ويناقض نفسه في نفس الرواة ، ونفس الرسالة (ص 39) فعند احتجاجهم كانوا من الثقاة ثم انقلبوا عندما لم يطلبهم !
* * *
4 – إنه جرئ على مخالفة الأئمة .
________________________________________
ومثال ذلك حديث سعيد بن أبي وقاص في التسبيح بالنوى أو الحصى ، صححه أو حسنه عدد كبير من الأئمة الحفاظ ، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والضياء المقدسي وابن حجر والسيوطي وغيرهم ، فخالفهم لينتصر للألباني .
مثال آخر صحبة أبي صفية مولى رسول الله (ص) لا تعرف إلا من طريق فيه التسبيح بالنوى ، واعتمده كل من صنف في الصحابة ، ومعهم إمام المحدثين البخاري وكذا ابن أبي حاتم … وهم السعداء لا يشقى جليسهم .
فضرب هذا المقلد – الذي يدور في فلك الألباني – بكلام الأئمة عرض الحائط ، لينفخ في بوق الألباني لا غير وانظر بيان ذلك (ص 66 – 68 ) .
ومثال ثالث عندما نقلت عن الحافظ السيوطي (ص 47) قوله : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدون بها ولا يرون ذلك مكروهاً . اهـ .
عقب على كلام السيوطي رحمه الله تعالى فقال : (باطل) هكذا بكل جرأة (باطل) .
رغم أنني ذكرت هناك مقالات أربعة هم : ابن تيمية ، وابن القيم ، والشوكاني ، والمباركفوري ، في جواز استعمال السبحة وانظر هنا (ص 78 – 80 ) . وهكذا من جهل موقعه وتحويشه ترك الأدب هاج وماج ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت .
* * *
5- كلامه على البدعة الذي ذكره (ص 7- 11 ) لا يسلم له وهو خطأ .
والمحدثات لم يسلم منها أحد ، ولكنهم يختلفون في تسميتها لا غير ، والقول بتقسيم المحدثات جاء عن عدد من الأئمة . ويكفي اللبيب في هذه العجالة ما جاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه :
المحدثات من الأمور ضربان :
أحدهما : ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً ، فهذه البدعة الضلالة
والثانية : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، وهذه محدثة غير مذمومة .
وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه ، يعني أنها محدثة لم تكن ، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى . اهـ انظر كتاب (مناقب الشافعي) للإمام البيهقي (1/469) .
________________________________________
وإذا سلمنا للمخالفين كلامهم في البدعة ، فلا يخلو مسلم من بدعة ، فإنارة المساجد بالمصابيح الحديثة ، ومكبر الصوت ، ووضع مبردات الماء في المساجد ، وفرشها ، وطبع الكتب … و … و … كل ذلك من البدع نعوذ بالله من المناكد .
* * *
6- إنه لا يدقق النظر في الكلام الذي يخالفه ، فيسارع بنقضه مع محاولة إظهار تناقضي .
مثال ذلك ذكرت كما سيأتي في (ص 48) أن فعل الصحابة ليس بحجة مع سنة رسول الله (ص) ،وأن فعل أحدهم ليس بحجة على فعل الآخرين منهم ، وهذا حق لا مرية فيه .
بيد أن الآثار الواردة عن الصحابة هي حجة بنفسها عند المخالف ، فما بالك وهي توافق المرفوع ، وهذا حق أيضاً .
فالمرفوع – وإن كان ضعيفاً في نظر المخالف – فإنه يتقوى عند ذلك بالموقوف .
ألا ترى تقوية المرسل عند الشافعي رضي الله عنه بفتوى الصحابي .
ولما وجد – علي الحلبي – آثاراً قد استدللت أو استأنست بها ، وآثاراً – وهي لم تصح – أعرضت عنها اعتبره تناقضاً . والفرق بينهما واضح ، وعليه يصدق قول القائل :
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
* * *
7- أورد لمحة تاريخية عن السبحة (ص 89 – 92 ) في آخر رسالته فاستدل بكلام من لا يعتد بكلامه ، لعدم معرفته بالآثار في باب العمدة فيه على الأثر فقط ، ومما زاد الطين بلة اعتماده كلام المستشرقين ، ممن لا يدينون بدين الإسلام .
ثم لك أن تعجب منه إذ استدل بكلام المشركين على بدعية السبحة .
وعندما قال الحافظ جلال الدين السيوطي : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة .اهـ قال علي الحلبي : (ص 83) (باطل) .
أهكذا يكون الإنصاف ؟ كلا إنه التعصب والاعتساف .
* * *
8- حمدت له اعترافه بصوابي – تحت ما رآه من تحقيق في وصول التهاني – انظر كتابه (ص 36، ك ، 58 ، 76 ) أضف إليه اعترافاته الأخرى على الألباني في أنواره الكاشفة ودراساته حول صحيح مسلم وغير ذلك .
* * *
________________________________________
وهذه الاعترافات منه على الألباني – والذي لم يستطع أن يفر منها وفر من عشرات غيرها – مستغنية عن الإفاضة في التعليق عليها غير أن الأمر لا ينبغي أن يخلى من نصيحتين :
الأولى : ينبغي على الألباني أن يراجع ما كتبه وينقحه ، وينظر في مئات التناقضات الواقعة في كتبه لأن أوهامه وتناقضاته متعدية ، فهي لا تقتصر على أوهامه (تحقيقاته !!) بل إنه ينقل هذه الأوهام إلى مشاريع تجارية ، تسمى صحيح … وضعيف … !
نعم رأيته يعترف في مقدمة ضعيفته (1/6) برجوعه عن قوله في كنانة – مولى صفية – مجهول الحال إلى أنه صدوق تبعاً لما ذكرته في [وصول التهاني (ص 14 - 17)] . ولكن ماذا أفاد هذا الرجوع ؟.
لم يفد شيئا لأنه كابر وأغمض عينيه على ما يثبت به الحديث كما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى (ص 32 – 35) .
الثانية : الذي يظهر لي من عمل الألباني في الرجال ، أنه لا يعتمد على الأصول ، ويرجع غالباً لكتاب واحد فقط . ويعتمد على المختصرات ، كالمغني للذهبي ، والتقريب للحافظ ، وقد نبهت على ذلك في مقدمة ( النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح ) للحافظ العلائي .
وقد اعترف علي الحلبي بذلك ، فقال في رده علي – حاشية – (ص 36) : ولم ينشط شيخنا حفظه الله لمراجعة التهذيب … إلخ .
وقال نحو ذلك في (ص 41 ، 76 ) وغير خفي أن من يريد أن يحكم على الأحاديث بالصحة والضعف ، ينبغي له أن يستفرغ الوسع . وإلا … نسأل الله العافية .
أما أخطاؤه وتناقضاته في الرجال – وخاصة المستور – فحدث ولا حرج ، وقد ذكرت جملة وافرة من ذلك في كتابي ( حصول المأمول بتفصيل أحوال الراوي المجهول) والأمر يحتمل أكثر من ذلك .
* * *
وأرجو من إخواننا الأفاضل أن يتدبروا ما تم تحريره في هذا الجزء وأن يتحرروا من التعصب وأن يكون الإنصاف هو ديدنهم .
اللهم ثبت قلوبنا على الحق ، إنك على كل شيء قدير .
________________________________________
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وآله وأصحابه كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون ، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .
وكتب
محمود سعيد ممدوح
عفي عنه
في ليلة الاثنين 24 صفر الخير سنة 1415 هـ
________________________________________
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومنسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه ، وعلى آله الطاهرين ، وأصحابه والتابعين .
أما بعد : فقد اطلعت على ما كتبه الشيخ محمد ناصر الألباني بشأن السبحة ، وحكمه عليها بأنها بدعة (ضعيفته 1/110 – 117) وهو حكم فيه نظر ، ومجانبة الألباني للصواب في ظاهرة .
وقد وجدته حكم على الأحاديث النبوية الشريفة بما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث ، فضعف الصحيح ، وجود الضعيف ، واستدل بالموقوف الضعيف ، بل لم يعط الموضوع حقه من البحث والتنقيب عن أفعال الصحابة رضوان الله عليهم ، فحكم على ما فعلوه بأنه بدعة ، إلى غير ذلك مما ستراه إن شاء الله تعالى .
وقد سميت هذا الجزء ( وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الألباني ) .
وكنت أود ألا أكتب في هذا الموضوع ، ولكن دفعني للكتابه فيه اتباع بعض الناس للقول بأن السبحة بدعة من الذين لا معرفة لهم بالحديث وغيره ، ينهون عن التقليد ، ويتكلمون في عباد الله الصالحين ، وهم من أشد الناس تقليداً .
اتبعوا هذا القول المنكر المردود ، وشنعوا على عباد الله الذين استعانوا بالسبحةلضبط ذكر الله تعالى ، فعطلوا وضايقوا وشنعوا ، بل سعى بعضهم إلى
قطع السبح التي يسبح بها ، نسأل الله السلامة والعافية .
وهذا الجزء الذي حررته نصيحة لهم ، فهم إخواننا ، ولهم حق علينا بلا ريب . قال تعالى : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } .
وأرجو ممن وقف عليه أن ينظر إليه بعين الإنصاف ، وليتجنب التعصب والاعتساف . اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
* * *
واعترافاً بفضل السابقين ، فنحن عالة عليهم ، ومنهم آخذون ، أقول: صنف في السبحة جماعة من الأعيان منهم :
الحافظ جلال الدين السيوطي، ورسالته مطبوعة في الجزء الثاني من الحاوي بعنوان المنحة في السبحة .
العلامة محمد بن علان الصديقي المتوفى سنة 1057 هـ ، سماه (إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح) ذكره في شرحه على الأذكار (1/252) . ولم أقف عليه .
العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في جزء سماه نزهة الفكر في سبحة الذكر وقفت عليه ، وقد طبع في الهند .
والسيوطي واللكنوي رحمهما الله لم يتكلما على الأسانيد بما يفيد ، بل أكثرا من العزو فقط .
هذاوقد تعقب فضيلة الشيخ عبد الله الهرري في جزئين ما كتبه الألباني عن السبحة ، ولكن في رده إعوازاً شديداً وأخطاءً حديثية عديدة . إلا أنه أجاد إلى حد ما في الكلام على الحديث الأول : (نعم ذكر المسبحة) وعلى ذلك لا أتكلم عليه بل أبدأ بعون الله تعالى تعقبي بما ستراه .
* * *
قال الألباني في ضعيفته (1/114) ما نصه :
غاية ما روي في هذا حديثان أوردهما السيوطي في رسالته المشار إليها فلا بد من ذكرهما وبيان علتهما :
الأول : عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله (ص) على امرأة وبينيديها نوى أو حصى تسبح به . فقال : أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا – أو أفضل – فقال : سبحان الله عدد ما خلق في السماء … الحديث .
رواه أبو داود (1/235) والترمذي (4/277 – 278 ) والدورقي في مسند سعد (130 / 1 ) والمخلص (1/17/2) والحاكم (1/547 – 548) من طريق عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها .
وقال الترمذي : حديث حسن .
________________________________________
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي . فأخطأ لأن خزيمة هذا مجهول .
قال الذهبي نفسه في الميزان : لا يعرف ، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال ، وكذا قال الحافظ في التقريب أنه لا يعرف .
وسعدبن أبي هلال مع ثقته ، حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط . فأنى للحديث الصحة أو الحسن ؟! .
انتهى كلام الألباني .
* * *
أقول وبالله التوفيق ومنه العون والسداد :
عزى الألباني الحديث لجماعة ، ثم للحاكم من طريق عمرو بن الحارث ، حدثه عن خزيمة … إلخ .
وقد وهم في قوله عن (خزيمة) فليس في المستدرك ذكر لخزيمة أبداً لا في هذا الحديث إو في غيره ، بل الذي في المستدرك رواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة مباشرة بدون واسطة بينهما .
وهو كذلك في مختصر المستدرك للذهبي الذي وافق الحاكم على تصحيح الحديث ، فخطأهما الألباني بدون حق .
ثم كأن الألباني يستدرك على الذهبي فيقول : لأن خزيمة هذا مجهول قال الذهبي نفسه في الميزان : لا يعرف . اهـ .
قلت : في كلام الألباني أوهام :
الأول : الحكم على خزيمة من قبل الألباني بالجهالة خطأ لا يقوله الحذاق ، وهم يعبرون في مثل هذه الحالة بقولهم: لا أعرفه أو لا يعرف . وقد نبه على الفرق بينهما الحافظ في اللسان (1/432) وذكرت ذلك في التعليق على النقد الصحيح للحافظ العلائي (ص77) عند ذكر وهم مماثل للألباني .
الثاني : الانتقاد على الحاكم والذهبي خطأ ، لأن الحاكم والذهبي صححا سعيد بن أبي هلال عن عائشة ، فالاعتراض عليهما فيه نظر .
الثالث : خزيمة حديثه مقبول ، ولا يحكم عليه بالجهالة فقد وثقه ابن حبان (الثقات 2/268) وحسن له الترمذي ، ومقتضى هذا أنه صدوق عنده .
قال الحافظ في تعجيل المنفعة (ص 153) : ( وقال الترمذي : حسن غريب ، وهذا يقتضي أنه صدوق معروف عنده). اهـ .
________________________________________
ولا يعترض على الحافظ بتعريف الترمذي للحديث الحسن المذكور في كتاب العلل من جامعه (5/758) فإن الترمذي عرف نوعاً واحداً من الحديث الحسن وهو الحسن لغيره الذي يجيء من غير وجه ، ولم يعرف الحسن لذاته الذي يحسن من وجه واحد فقط ، وعليه يتنزل كلام الحافظ .
والحاصل أن توثيق ابن حبان وتحسين الترمذي لحديث خزيمة يجعلان الرجل مقبول الحديث ، وإن لميرو عنه إلا سعيد ابن أبي هلال ، فإنه قد تقرر في علم الحديث أن الراوي إذا زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل ، مع رواية واحد عنه فقط ، قبل حديثه. وخزيمة قد زكاه الترمذي وابن حبان فلا يمكن أن تنفك إلا عن قبول حديثه ,إلا تكن قد خالفت القواعد . والله أعلم .
ثم اعلم يا أخي الآتي :
قال الحاكم في المستدرك (1/547) : حدثنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني ، ثنا حرملة بن يحيى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها رضي الله تعالى عنه أنه دخل مع النبي (ص) على امرأة … الحديث . صححه الحاكم ووافقه الذهبي . وله متابعة(1) عند ابن حبان ، لم يذكرها الألباني ، رغم أن السيوطي عزاها في (المنحة في السبحة) لابن حبان … !!!
قال ابن حبان في صحيحه : أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم حثنا حرملة بن يحيى ، أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد ابن أبي هلال حدثه عن عائشة بن سعد به .
__________
(1) اعتراض صاحب إحكام المباني (ص 24) على قولى (وله متابعة) فما أصاب فأنني ذكرت سند الحاكم من أوله : الجرجاني ثنا العسقلاني ، والعسقلاني هذا له متابعة – وهي تامة- وهي رواية عبد بن محمد بن سلم عن حرملة ، فعبد الله بن سلم والعسقلاني كلاهما يرويان السند نفسه عن حرملة . فهي متابعة تامة كما لا يخفى .
________________________________________
هذا سند صحيح لا غبار عليه ، وأنت ترى ألا وجود لخزيمة فيه وعبد الله بن سلم ثقة (النبلاء 14/306 ، والأنساب 426/ب) وحرملة وشيخه ابن وهب إمامان ثقتان ، وكذا عمرو ابن الحارث .
أما سعيد ابن أبي هلال فثقة ، أخرج له الجماعة ، ولد بمصر سنة (70) ونشأ بالمدينة ، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام ، وتوفى – كما في الثقات (6/374) – سنة 149 .
وعائشة بنت سعد مدنية تابعية ثقة ، روى عنها أهل المدينة ماتت سنة 117 .
وقد وثقها العجلي وابن حبا نواحتج بها البخاري في صحيحه فهي ممن جاوزت القنطرة ، وقال الحافظ في التقريب (ص 751) : ثقة من الرابعة ، عمرت حتى أدركها مالك ، ووهم من زعم أن لها رؤية . اهـ .
وهذا غاية ما يطلب للحكم على الراوي بالثقة وقبول حديثه .
أما ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/699) والخطيب في الكفاية (ص 161) عن الإمام مالك بن أن قال : دخلت على عائشة بنت سعد بن أبي وقاص فسألتها عن بعض الحديث فلم أرض أن آخذ منها شيئاً لضعفها ، قال مالك : وقد أدركت رجالاً كثيراً ، منهم من أدرك الصحابة فلم أسأله عن شيء – كأنه يضعف أمرهم – اهـ .
فإن كلام الإمام مالك في أمور :
الأول : إن صح كلام مالك فهو جرح غير مفسر ، ينبغي ألا يؤخذ به في مقابل توثيق الأئمة لعائشة بنت سعد والذي تقدم .
الثاني : الذي يظهر أن الأمر خارج عن التضعيف بالمعنى الإصطلاحي فإن مالكاً أدرك عائشة بعد ان كبرت ولم يذكر سبباً لعدم رضاه بالأخذ ، فهي لم تعرف بالضعف أو اشتهرت ببدعة ، فلم يبق إلا الأمر الخارج عن الرواية ، وما هو إلا رحمة الإمام مالك بها لكبر سنها وضعفها ، لم يشأ أن يجهدها .
الثالث : أما تعقيب يعقوب بن سفيان الفسوي على قول مالك : وقد أدركت … كأنه يضعف أمرهم . اهـ .
________________________________________
قلت : هذا ظن لا تقوم به حجة وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من مقدمة الفتح (ص397) وروى عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه قال : كان ببغداد وكأنه ضعفه . قلت – أي الحافظ – : هذا ظن لا تقوم به حجة . اهـ .
الرابع : إن مالكاً قد روى عنها كما صرح بذلك الخليلي في الإرشاد (1/221) ، ولم يرو مالك عن امرأة غيرها ، فروايته عنها توثيق منه لها ، لأنه لا يروي إلا عن ثقة ، ثم رجوعه إليها بمثابة زيادة توثيق ، فهو ما روى عنها بعد ضعفها – إن صح – إلا ببينة قوية استبانت له ، فتدبر .
فلا تنظر بعد اتغيب من يسعى لرد توثيق الرواة انتصاراً لرأيه .
وفي مسند البزار حديثان برواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد رورى لها حديثين من هذا الطريق أحدهما حديث التسبيح بالنوى (4/40) وقالالبزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلامن هذا الوجه . اهـ – أي الوجه الذي ليس فيه خزيمة ، فتدبر . وله شاهد(1)(1) موقوف عن عمر رضي الله عنه ذكره ابن أبي شيبة في المصنف (2/391) وفي طبعة دار الفكر (2/283) .
والحاصل أن سند حديث سعد بن أبي وقاص صحيح سواء رواه سعيد بن أبي هلال عن خزيمة أو عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه . وما ذكرته كافٍ في نقص كل ما كتبه الألباني ,هدمه .
وهنا نسأل إخواننا الذين يبدعون ويتعدون ، لماذاتقلدون الألباني ؟ كان الأولى لكم الأخذ بأقوال الأئمة أهل هذا الشأن .
فاعن به ولا تخض بالظن ولا تقلد غير أهل الفن
أو إذا كنتم من أهل النظر ، فهلا تتبعتم الطرق ، ونظرتم في الأسانيد ، وعند ذلك يتبين الصواب ، فلنستغفر الله تعالى عما بدر منا ، إنه كان غفاراً .
فصل
__________
(1) أما صاحب إحكام المباني (ص 25 ) فأراد أن يتعقبني فتكلم على موقوف على سعد رضي الله عنه ، وهو ليس بشاهد ، ولم يتكلم على شاهد عمر المذكور أعلاه وتزيد فيما لم أتكلم عليه فهو يجاهد في غير عدو .
________________________________________
فإن قيل : أعل الألباني الحديث بسعيد ابن أبي هلال فقال : سعيد بن أبي هلال مع ثقته ، حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط ، فأنى للحديث الصحة أو الحسن ! انتهى كلام الألباني .
أجيب بأن سعيداً وثقه أبو حاتم والدار قطني والعجلي وابن سعد وابن خزيمة وابن حبان والخطيب وابن عبد البر وآخرون ، واحتج به الجماعة ، وفي هذا القدر كفاية لتصحيح حديثه والاحتجاج به في الصحيحين كما فعل البخاري ومسلم .
أما غمزه والكلام فيه بغير حجة ، فهذا عمل لا يصح أن يصدر من مطلع ، فالقائم به نادى على نفسه بعدم الاطلاع ، فمن من الرواة سلم من الكلام فيه ؟ هذا من النادر ، بل شيخ الصناعة الإمام البخاري تكلم فيه بما هو مدفوع .
وكان يكفي الألباني الرجوع إلى مقدمة الفتح بدلاً من تسويد الورق بالكلام في عباد الله الثقات .
قال الحافظ (ص 406) مقدمة الفتح) : وشذ الساجي فذكره في الضعفاء وقال أيضاً (ص 462): ذكره الساجي بلا حجة ، ولم يصح عن أحمد تضعيفه . اهـ .
وبذلك يتبين أن حكاية الساجي عن أحمد لم تصح ، وإن صحت فهي غير مقبولة لأن البخاري ومسلماً أخرجا له في الأصول ، والحفاظ متوافرون على تصحيح حديثه .
فتضعيف سعيد بن أبي هلال غير وارد إلا في مخيلة من يصحح ويضعف تبعاً لهواه ، ولذلك لم يذكره الحافظ المتقن سبط ابن العجمي في كتابه الاعتباط بمن رمي بالاختلاط ولا ابن الكيال في الكواكب النيرات ، والقاعدة عند المحدثين – جزاهم الله خيراً – أن التعديل يقدم على الجرح غير المفسر ، فكيف إذا كان هذا الجرح لم يثبت عن صاحبه ، فتدبر .
وبهذا يتبين لك خطأ الألباني في دعواه اختلاط سعيد بن أبي هلال التي أن يوهم العامة بها أن حديثه غير صحيح ولا حسن ، ليسلم له رأيه في تضعيف الحديث المذكور .
________________________________________
ومع هذا البيان الواضخ تمسك صاحب إحكام المباني (ص30 ) بكلام الألباني وعض عليه بنواجذه ، فبعد تسليمه بتوثيق سعيد بن أبي هلال رأى أنه قد اختلط ، وهذا معنى تضعيف أحمد له والاختلاط لا ينافي التوثيق وهذا يعني رد حديثه .
قلت : قال الحافظ في التقريب (ص 242): صدوق ، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً ، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط . اهـ
فبين الحافظ أن عمدة ابن حزم في تضعيفه حكاية الساجي عن أحمد أنه اختلط ، وإذا كان قول ابن حزم مضعفاً بقول الحافظ ( لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً ) دل ذلك على أن ما اعتمد عليه ضعيف أيضاً .
فالحافظ ينبه علىعلى خطأ ابن حزم فقط ، وبالتالي خطأ ما اعتمد عليه لأنه أصله ، أما أن يفهم من كلام الحافظ أن يثبت الاختلاط وهو يقول في مقدمة الفتح (ص 426) : لم يصح عن أحمد تضعيفه . اهـ أي اختلاطه .
ثم إن الحفاظ توافروا على قبول حديث الرجل وعملهم أقوى دليل على توثيقه وعدم الإلتفات لأي قول فيه .
أما ما ذكره البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة (2/361) قال : قال لي أبو زرعة : خلد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان ، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما . قال أبو حاتم : أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان . اهـ .
قلت: دع عنك (ربما) ، (وأخاف) ونحو ذلك من الألفاظ المحتملة التي لا تفيد إلا الظن المرجوح ، والتي تتهاوى أما توثيق الأئمة لخالد بن يزيد وسعيد بن أبي هلال المحتج بحديثهما في الصحيحين .
ومما ينبهك أن هذا الظن المرجوح لم يلتفت إليه أحد أن أبا حاتم نفسه يقول عن خالد بن يزيد المصري : لا بأس به . وقال مثله تماماً في سعيد بن أبي هلال .
وإذا كان قد ثبت عند أبي حاتم تدليس هذين العلمين عن المتروكين لسارع بإعلان ضعفهما وأبو حاتم – رحمه الله تعالى – جراح مشهور .
* * *
فصل
________________________________________
اعترض معترض على طريق سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد الي لا يوجد فيه خزيمة ، بأن خزيمة سقط منه ، وأن سعيد بن أبي هلال لا يروي عن عائشة ، بدليل أن الحافظ في التهذيب لم يذكره في الرواة عن عائشة .
وثم اعتراض ثالث وهو أن بإسناده إرسالاً خفياً .
وجوب الاعتراض الأول .
إن هذه دعوى بدون دليل ، فعليه بالدليل وهيهات ، والسنة فيها الكثير من أمثال ارواية بنزول ثم بعلو .
فيكون سعيد بن أب هلال كان يرويه عن خزيمة عن عائشة مرة ، ومرة أخرى عن عائشة بدون واسطة ، وما دام الراوي ثقة ، وأدرك عائشة إدراكاً بيناً ، وكانت مشهورة برواية ، بحيث إنهم ذكروا في ترجمتها أن مالكاً – رحمه الله تعالى – لم يرو إمرأة غيرها ، تبين لك شهرتها واتساع روايتها .
فرواية سعيد الثقة المكثر عنها واردة لا يردها إلا مكابر .
ولهذا صحح هذا الطريق جماعة من الحفاظ منهم الذهبي ، وقبله ابن حبان والحاكم في صحيحيهما .
فالسند متصل إن شاء الله تعالى على مذهب من يشترط اللقاء ومذهب من لم يشترطه .
* * *
وجوب الاعتراض الثاني :
إن هذا اعتراض ضعيف ، ولكنني أجيب عليه حتى لا يلتبس على المعترض أمثاله .
قال الحافظ في مقدمة التهذيب (1/3-4): ثم إن الشيخ رحمه الله – أي الحافظ المزي – قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه ، ورتب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة ، وحصل من ذلك على الأكثر ، ولكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره … إلخ .
وزد عليه أن رواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة خارج الكتب الستة ، ومصنفات أصحابها ، والحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى ، غالب بل كل ما يذكره في الترجمة من الرواة في الكتب الستة فقط ، ولم يعتن بذكر غيرهم كما هو معلوم من مراجعة تهذيب الكمال له ، فإنه رحمه الله تعالى قد علم على موضع رواية كل راو عن شيخه في الكتب المذكورة ، ولم يخرج عنها ، وهذا شرط كتابه .
________________________________________
نعم قد يذكر المزي بعض ما يقع له من الرواة عرضاً ، وفرقٌ بين من يعتني بذكرهم ومن يذكر عرضاً .
وقد سلم لي – المعترض – صاحب إحكام المباني (ص33) هذا الجواب وإن لف بعد بما لا فائدة فيه .
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
* * *
فصل
ذكرت في رسالتي هذه (وصول التهاني ) حديث سعد بن أبي وقاص من طريق سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد مباشرة ، وبينت أن المعاصرة بينهما متحققة ، فروايته عنها صحيحة على شرط مسلم والجمهور ، وبينت تصحيح ابن حبان والحاكم والذهبي لهذا الطريق ، فاستدركت بذلك على الألباني الذي عزى الحديث للحاكم ، على أن فيه ابن خزيمة ، فخطأه بدون حق بل وأخطأ عليه ، لأن الحديث عند الحاكم ليس فيه خزيمة ، وكان على صاحب إحكام المباني أن يذكر وهم شيخه ويعتره بصحة استدراكي عليه ، ولكنه لم يفعل لأنه مصدرو بداء الانتصار للرأي الذي يقوله الألباني حتى ولو أخطأ فيه الخطأ البين .
فماذا فعل في هذا الإشكال ؟ .
سعى لتضعيف الطريق الذي فيه خزيمة فأتى بوجهين غاية في النكارة لا بد من ذكرهما وبيان ما فيهما .
أما عن الأول فذكر أن خمسة رووه عن عبد الله بن وهب بإثبات خزيمة بن سعيد بن أبي هلال وعائشة بنت سعد ؟ وهو الوجه الأول .
ورواه حرملة بن يحيى ، وهارون بن معروف عن عبد الله بن وهب ، بدون خزيمة وهو الوجه الثاني .
ثم رجح رواية الخمسة على الاثنين .
قلت : هذا تعليل خطأ – ولا بد – لأنه بعيد جداً عن قواعد الحديث ، وبيان ذلك في الآتي :
أن الجمع بين الطرق ، وإعمال الجميع واجب ، يجب المصير إليه والوقوف عنده والأخذ به ، فلا يصار إلى غيره إلا إذا تعذر الجمع وحيث سهل الجمع وأمكن إعماله بدون تكلف ، فلا وجه للترجيح ، وهذا واضح ولا يحتاج لبيان .
تقرر في علم الحديث أن المخالفة إذا كانت من ثقة لمن هو أوثق منه فرواية الأوثق محفوظة ، والرواية الأخرى شاذة وهذا قد يصح هنا بشرطين :
________________________________________
أ – تفررد حرملة بن يحيى بهذا الوجه .
ب – إذا تعذر الجمع .
وعن الشرط الأول : فحرملة بن يحيى لم ينفرد بهذا الوجه بل تابعه هارون بن معروف عند أبي يعلى ، وهو ثقة ثبت محتج به في الصحيحين .
وعن الشرط الثاني : فالجمع متعين لأن الحديث إذا كان قد صح إلى عبد الله بن وهب فيكون قد رجع إلى سعيد ابن أبي هلال الثقة الذي احتج به الجماعة ، وقد كان يرويه على الوجهين ، فلعله سمعه من خزيمة ، أولاً ثم لقي عائشة عائشة بنت سعد فرواه عنها مباشرة وهو ثقة غير معروف بالتدليس ، فيحتمل منه هذا .
فالإسناد كيفمادار دار على ثقة ، وكيفما دار كان متصلاً أيضاً ، فلا وجه للتعليل بترهات لا معنى لها ، فلا يقضي لحرملة بن يحيى ومتابعة هارون بن معروف على الآخرين ، بل الصحيح أن الطريقين صحيحان .
وقد أكثر الشيخان من إخراج مثل هذا ، وليس الخبر كالمعاينة . والله أعلم .
وأما عن الوجه الثاني فإنه قد بناه على صحة ما ذهب إليه في الوجه الأول وقد تبين بعده عن الصواب .
وأما جواب الاعتراض الثالث :
وهو الخاص بدعوى وجود إرسال خفي في إسناده فيجاب عليه من وجوه :
الوجه الأول : أن الإرسال الخفي : هو رواية من عاصره ولم يسمع منه فبفترق بذلك عن رواية المدلس وهو روايته عمن سمع منه مالم يسمعه كما حققه الحافظ في النكت وغيرها .
ولما كان سعيد بن أبي هلال قد أدرك عائشة بنت سعد (فعن) منه محمولة على اللقاء المفيد للسماع كما هو مذهب مسلم والجمهور ، ولم نجد من صرح بعدم سماعه منها .
الوجه الثاني : قال الحافظ العلائي في جامع التحصيل (ص 151) : الحكم بالإرسال – أي الخفي – تارة يكون بالإعتبار لرواية الأكثر وتارة يكون بالتصريح بالسماع من الأدون ، وتارة لقرينة تنضم إلى ذلك .
أما عن الأول وهو الاعتبار برواية الأكثر ، فالحديث هنا ليس له إلا مخرج واحد تفرد به عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال وعنه عبد الله بن وهب .
________________________________________
وأما عن الثاني وهو التصريح بالسماع فلم يصرح سعيد بن أبي هلال بسماعه للحديث من خزيمة أو من عائشة وها هي الكتب التي خرجت الحديث بين أيدينا .
فلم يبق إلا القرينة ، والقرينة هنا معنا وليست علينا ، فإنه كما تقدم أن هذا التعليل بالإرسال الخفي خارج عن محل البحث وأن (عن) تحتمل السماع من غير المدلس هذه واحدة .
والأخرى أن التعليل بالإرسال غالباً ما تجد نصاً من أحد الحفاظ الجهابذة عليه ، وأنت تراهم قد صححو الحديث أو حسنوه ، كابن حبان والحاكم والذهبي والحافظ وغيرهم ، ولم يذكروا هذا التعليل الذي لا مستند له ، بل لم نجد أحداً نص على تضعيف هذا الحديث ، سواء ذكر خزيمة أو لم يذكر ، إلا من سارع بإعلان المخالفة ، وشايعه المتتبع والمقلد لأوهامه وتناقضاته ، وأخطائه ، والله أعلم بالصواب .
وبعد أن تبين لك صحة حديث سعد بن أبي وقاص في التسبيح بالنوى من وجه وتحسينه من وجه آخر – وهذا عمل الحفاظ المتقنين – تعلم قيمة قول الألباني : فأنى للحديث الصحة أو الحسن .
* * *
فصل
ثم قال الألباني في ضعيفته (1/114 – 115) :
الثاني : عن صفية قالت : دخل علي النبي (ص) وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال : يا بنت حيي ما هذا ؟
قلت : أسبح بهن .
قال : قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا .
قلت : علمني يا رسول الله .
قال : قولي سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء .
أخرجه الترمذي (4/274) ، وأبو بكر الشافعي في الفوائد (72/255/1) والحاكم (1/547) . من طريق هاشم بن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها .
وضعفه الترمذي بقوله : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي ، وليس إسناده بمعروف ، وفي الباب عن ابن عباس .
________________________________________
وأما الحاكم فقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وهذا منه عجب ، فأن هاشم بن سعيد هذا أورده هو في الميزان وقال : قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال ابن عدي : مقدار ما يرويه لا يتابع عليه . ولهذا قال الحافظ في التقريب : ضعيف .
وكنانة هذا مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان .
انتهى كلام الألباني .
* * *
ومن تناقض الألباني أنه يعمد إلى مثل كنانة فيحسن حديثه تماماً ، بينما يضعف كنانة(1) هنا …!
وخذ هذين النصين(2) من كتبه :
قال في إروائه (5/21): طلحة بن عبد الله لم يوثقه غير ابن حبان ، لكن روى عنه جماعة فهو حسن الحديث إن شاء الله ، وفي التقريب : مقبول . انتهى بنصه .
وسلم لي أيضاً صاحب إحكام المباني تعقبي (ص40) واعتذر عن الألباني بأنه في سند أثر موقوف حول بعض مسائل العقيدة . قلت : قواعد الاصطلاح لا تفرق بين المرفوع والموقوف فكله نظر في الإسناد ثم كونه في العقيدة أدعى للتشدد . فتأمل .
__________
(1) بل يعمد إلى أقل من كنانة فيقبل حديثه ، قال في مختصر العلو (ص 173) عن سند فيه صالح بن الضريس : (وهذا سند لا بأس به فإن صالحاً هذا أورده ابن أبي حاتم (2/1/406 – 407) . وقال روى عنه محمد بن أيوب ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وقد روى عنه الذهلي . اهـ .
(2) وقد سلم لي صاحب إحكام المباني (ص 41 – 42 ) الكلام على هذين النصين لكنه كابر فقال معترفاً على شيخه بالتقصير : فليس من الممكن أن يراجع المحدث ترجمة … إلخ . قلت : لا بد أن يستفرغ الناظر في الرجال وسعه عند الكلام على الرجال ، فهذا دين الله فاتقوا الله في دينكم ، وإلا فليبحث له عن عمل آخر ، وهذا اعتراف آخر ممن يدور في فلك الألباني (وعلى نفسها جنت براقش) .
________________________________________
ثم إذا كان هذا المعترض يدعو للتساهل في الموقوف فما بالنا نراه يتشدد في الآثار التي ذكرتها في آخر رسالتي . نعوذ بالله من التعصب المؤدي للتناقض . وقال في إرواء غليله (1 /242) : (الحسن بن محمد العبدي أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/2/35) فقال : روى عن أبي زيد الأنصاري ، روى عنه علي ابن المبارك الهنائي . قلت – أي الألباني -: فقد روى عنه إسماعيل بن مسلم أيضاً كما ترى وهو العبدي القاضي ، وبذلك ارتفعت جهالة عينه ، وقد ذكره ابن الحبان في الثقات (4 /124) ثم هو تابعي ) اهـ فانظر إلى مجهول الحال الذي يحسن حديثه ، بينما يرد حديث كنانة بقوله : كنانة مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان ، ثم يذكر تساهل ابن حبان في الحاشية ..!! واعترض علي صاحب إحكام المباني (ص41) فقال : هذا ما نقله محمود سعيد وهو نقل مبتور ، بتر منه أهم شيء فيه ثم صرح بأنه قول الألباني : وقد روى أمراً شاهده فالنفس تطمئن إلى مثل هذه الرواية . اهـ .
وجوابه سهل : هب أن كذاباً شاهد أمراً ثم رواه فهل هذا يقوي من روايته . !! فالعبرة بحال الراوي لا غير .
ويقول في صحيحته (2/517) بعد تصحيحه لحديث مالك بن الخير الزيادي : والزيادي ترجمع ابن أبي حاتم (4/1/208) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً لكن روى عنه جماعة من الثقات ، وثقة ابن حبان . اهـ .
وقبل أن أنهي الكلام على هذه المؤاخذة ، لنا وقفة مع الشيخ الألباني : فإنه قال في الحاشية (ص 98) : أشار – أي الحافظ – في التقريب إلى أنه – أي كنانة – لين الحديث .
بينما نص عبارة الحافظ في التقريب هي : كنانة مولى صفية يقال اسم أبيه نبيه ، مقبول ضعفه الأزدي بلا حجة من الثالثة ب خ ت انتهى .
والحافظ بين في المقدمة الفرق بين المقبول واللين ، فالأول وهو المقبول له متابع – وقد توبع كنانة – وهو أحسن حالاً من الثاني أي اللين .
فما الداعي لتغيير كلام الحافظ والتصرف فيه . ؟!
________________________________________
وما اسم هذا الفعل يا فضيلة الشيخ . ؟
هل هو إخبار بغير الواقع أم لا . ؟!
المؤاخذة الثانية : في الكلام على هاشم بن سعيد الكوفي ، فقال عنه أحمد : لا أعرفه ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو حاتم الرازي .
وقال ابن عدي بعد أن ذكر له بعض الأحاديث : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه .
قلت : أما قول ابن معين : (ليس بشيء) فقد يكون معناه أن الراوي قليل الحديث قال الحافظ في مقدمة الفتح (ص 421) في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين من قوله في بعض الروايات (وليس بشيء) يعني أن أحاديثه قليلة جداً . اهـ .
فإن قيل قد يعني ابن معين بقوله (ليس بشيء ) التضعيف ، وعليه بنى صاحب إحكام المباني الرد عليَّ (ص 38 ) .
فهذا يجاب عنه بأن الحمل على الأول وهو قلة روايته أولى، لموافقتة للواقع ، فإن هاشم بن سعيد الكوفي كان قليل الرواية ، حتى أن بعضهم لم يعرفه بسبب قلة روايته أو ندرتها ، وقد قال عنه الذهبي في الديوان : كوفي مقل .
أما قول الإمام أحمد : لا أعرفه فإنه لا يضره ، فقد عرفه غيره .
وكذا كلام بن عدي لا يضره لأنه قال : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه اهـ .
والرجل قد توبع وستأتي هذه المتابعة إن شاء الله تعالى .
بقى لنا توثيق ابن حبان وتضعيف أبي حاتم ، فيكون الراوي فيه لين أو ضعف قريب ، ولذلك أرى أن أعدل الأقول فيه قول الحافظ الذهبي في الكاشف (3/217) : ضعف .
فيكون سند حديث صفية رشي الله تعالى عنها فيه ضعف من هذا الوجه فقط ، ولكن المتن حسن نظراً لما له من متابع بل وشاهد .
المؤاخذة الثالثة : الشاهد للمتن قريب جداً ، وهو حديث سعد بن أبي وقاص المذكور ، فهو شاهد قوي للمتن ، فيكون الحديث حسناً لغيره به فقط .
________________________________________
وإذا كان حديثا سعد وصفية رضي الله عنهما ضعيفين في نظر المعارض ، فلماذا لا يقوي كل منهما الآخر ، فيصير كل منهما شاهداً للآخر ، فيكون الحديث حسناً لغيره ، هذا إذا قلنا برأي الألباني الذي ضعف الحديثين .
وهو ملزم بهذا التقرير الذي تؤيده القواعد الحديثية ، وبه أيضاً ينهدم كل ما كتبه الألباني عن السبحة .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
المؤاخذة الرابعة : أما المتابعة فقد توبع هاشم بن سعيد الكوفي ، أخرج هذه المتابعة الطبراني عن روح بن الفرج ، ثنا عمرو بن خالد ، ثنا حديج بن معاوية ، ثنا كنانة مولى صفية بن حيي رضي الله عنها .
وانظر أمالي الأذكار – المجلس الخامس عشر – مصورة بمكتبة الحرم المكي الشريف .
وروح بن الفرج القطان المصري ثقة ، من مشايخ الطبراني والطحاوي .
وعمرو بن خالد ، ثقة ثبت ، من رجال البخاري .
وحديج بن معاوية فيه مقال طويل ، حاصله ما قاله الحافظ في التقريب : صدوق يخطئ .
فهذه متابعة قوية لهاشم بن سعيد الكوفي ، فيكون الحديث حسناً بلا ريب ، ولذا حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار (ل 177 /1) .
ألا يكفي هذا بمفرده لهدم كل ما كتبه الألباني ؟
* * *
تنبيه :
حاول صاحب إحكام المباني (ص 44 – 47 ) رد هذه المتابعة فذكر وجهيم مردودين :
أولهما بالنظر لحال حديج بن معاوية .
وثانيهما بالنظر إلى الإسناد .
أما عن الوجه الأول فقد قال عن حديج بن معاوية : ليس فيه توثيق معتد به صريح إلا قول أحمد (فيه لا أعلم إلا خيراً) ومع ذلك فهو ليس صريحاً ثم ذكر كلام من ضعفه .
قلت : لن أسترسل معك في تقرير حال حديج بن معاوية وأكتفي بإحالته لكتب الألباني – الذي كتب للدفاع عنه – فإنه قال عنه في صحيحته (4/567) : وهو – أي حديج بن معاوية – صدوق يخطئ كما قال الحافظ في التقريب فهو ممن يستشهد به . اهـ .
________________________________________
ثم عدم قبول حديث حديج ابن معاوية في المتابعات خطأ مخالف للقواعد ، فالرجل كان صدوقاً في نفسه ، ومن تكلم فيه فبسبب سوء حفظه لا غير ، ولم يتهم بالكذب فمثله يحسن حديثه في المتابعات – ولا بد – بل ترى الألباني يحسن في المتابعات من حاله أقوى من حديج بن معاوية في الضعف ، والقائمة طويلة ولها مكانها …
وأما الوجه الثاني فهو بالنظر إلى الإسناد .
فاعتراضه (ص 46) حاصله : أن هذه المتابعة لم تصح ، وهي ترجع إلى أصل الحديث ، وهو هاشم بن سعيد عن كنانة عن صفية واستدل على ذلك بأمرين :
أولهما : قول الترمذي : لا نعرفه من هذا الوجه إلامن حديث هاشم بن سعيد الكوفي .
ثانيهما : أن ثلاثة من الثقات قد رووه عن كنانة بإثبات هاشم وهو:
عبد الله بن يزيد(1) .
عبد الصمد بن عبد الوارث .
شاذ بن فياض .
ولم يروه عن كنانة مباشرة إلا حديج بن معاوية ، والثلاثة أرجح .
قلت : قول الترمذي لا يصلح دليلاً لنفي وجه آخر، فكم صرح الترمذي ومن في طبقته بعدم العلم بوجود وجه آخر ثم يأتي من يتأخر عنهم فيذكر طرقاً لم تقع لغيره (*) ، فالترمذي قال ذلك حسبما وقع له ، فهو مبلغ علمه لا غير .
على أن عبارة الترمذي لا تخلو من نكته ، وهي أنه نفى معرفته فقط ، ولم ينف الوقوع كما ادعى المعارض ، فلله دره ما أضبط ألفاظه .
على أننا ونحن بصدد الكلام على عبارة الترمذي على أمرين :
الأمر الأول : أن نصدق قول الترمذي وفق مراد المعترض ، ونكذب الواقع المحسوس ، وهو وجود متابعة لهاشم بن سعيد الكوفي ، ومتابعة أخرى لكنانة ، سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى .
(*) ولحافظ العصر السيد أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى مصنف سماه (ليس كذلك) خاص بالاستدراك على الحفاظ المتقدمين في نحو ذلك ، عندى مجلد منه .
__________
(1) صوابه يزيد بن مغلس بن عبد الله بن يزيد الباهلي . كما في الكامل والتهذيب وغيرهما وليس عبد الله بن يزيد كما يقول صاحب إحكام المباني .
________________________________________
فلا بد أن الواقع أقوى من غيره ، ومن علم حجة على من لم يعلم ، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر ، هذا مع الاعتراف بالفضل والإمامة للسابق .
أما عن الأمر الثاني الذي حاول أن يرد به هذا المتبعة فأقول وبالله التوفيق :
كلام المعترض فيه نظر ، ولا أدري لماذا هذا التسرع في النظر في الأسانيد ، فالخلاف ليس بين الثلاثة الذين ذكرهم وحديج بن معاوية .
ذلك أن الخلاف – وهو لا وجود له إلا في مخيلة المعترض – يقع بين عمرو بن خالد والثلاثة المذكورين .
فعمرو بن خالد قال : ثنا حديج بن معاوية ثنا كنانة .
والثلاثة قالوا : عن هاشم بن سعيد عن كنانة .
فحديث حديج متابع ، وليس مخالفاً كما ادعى المعترض فهو متسرع ! .
إذا علم ذلك وأراد أحد المفاضلة بين الروايات :
فعمرو بن خالد – صاحب المتابعة – ثقة ، أكثر البخاري من إخراج حديثه ، وهو أوثق من الثلاثة ، ولم يخل أحدهم من غمز .
ويؤيد عمرو بن خالد متابعة يزيد بن معتب لكنانة مولى صفية التي ستأتي (ص 41 – 42 ) وليس فيها ذكر لهاشم بن سعيد ، فتأمل .
* * *
فائدة
مع كامل التنزل مع المعترض، هب أن إسقاط هاشم بن سعيد وهم من الرواة والصواب إثباته كما يدعي صاحب إحكام المباني.
قلت : التعليل بذلك ليس بجيد ، لأن الحديث يكون بذلك من المزيد في متصل الأسانيد لتسلسل الرواة بالتحديث فإن روح ابن الفرج قال : ثنا عمرو بن خالد ثنا حديج بن معاوية ثنا كنانة . فإذا رواه عمرو بن خالد عن حديج بن معاوية عن هاشم بن سعيد عن كنانة فهو من المزيد في متصل الأسانيد أو روى بالوجهين .
وكفي تحاملاً ودفعاً بالصدر وتعصباً للأشخاص وهو يؤدي إلى رد السنة الصحيحة ، ولو أعلمنا هذا التعصب في الأحاديث الشريفة ، لما صح لنا منها إلا القليل .
فإلى الله المشتكى من هؤلاء ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
المؤاخذة الخامسة : وكنانة لم ينفرد بالحديث فقد أخرج الطبراني في الدعاء متابعة له ، قال الطبراني في الدعاء :
________________________________________
حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا أبي قال : وجدت في كتاب أبي بخطه : ثنا مستلم ابن سعيد ، عن منصور بن زاذان ، عن يزيد – يعني بن متعب – مولى صفية بنت حيي رضي الله عنها .
قلت : شيخ الطبراني حافظ وثقة صالح جزرة ، وفي ترجمته ما يحتاج إلى التحرير ، لكنه يصلح المتابعات ولا ريب (1). (1) انظر الميزان (3/642) .
ووالده حافظ ثقة ، وكذا جده .
ومستلم قال عنه الحافظ : صدوق ربما وهو . التقريب (2/214) .
ومنصور ثقة ، احتج به الجماعة . التهذيب (10 / 306) .
ويزيد لم أجد له ترجمة مفردة لكنه مذكور في ترجمة صفية رضي الله تعالى عنها في الإصابة (4/348) ، وهو تابعي ، وروى عنه ثقة ، فاذكر ما ذكرته بشأن كنانة سابقاً .
وزد عليه قول الذهبي : وأما المجهولون من الرواة ، فإن كان رجل من كبار التابعين أو أوساطهما احتمل حديثه ، وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول ومن ركاكة الألفاظ اهـ . من مقدمة المغني (ص ك ) .
ويزيد من معتب مثل كنانة من الثالثة ، وهم أواسط التابعين فكلاهما من موالي صفية ، فالرجل على شرط ابن حبان في ثقاته ، ومثله يحسن حديثه في متابعات .
فلا تنظر بعد هذا البيان لتشغيب صاحب إحكام المباني ( ص 49) فإنه يخالف القواعد تعصباً للألباني ، وهذا المتابعة ثابتة ثبوت الجبال الرواسي .
وأخرجه الطبراني في الأوسط بنفس السند (2/ل 34 ب ) ، وانظر الدعاء له (ل 193 أ ) .
فهذه متابعة قوية لكنانة . فهل يمكن أن يرد بعد هذا حديث صفية رضي الله عنها أو يضعف ؟
* * *
تنبيه :
__________
(1) والألباني يقول عنه في صحيحته (4/156) : وفيه كلام ، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن . اهـ لكنه يتناقض ، ويضعف حديثه في إرواء الغليل (7/107) ، وحاصل ما تقدم أن حديث صفية حسن ، كما قال الحافظ .
________________________________________
قال الألباني في رده على الشيخ الحبشي بعد كلام : فعلى الشيخ – أي الحبشي – أن يفتش عن لفظ هذا الطريق – الذي فيه متابعة لكنانة – ، وينظر إن كان فيه هذا العد – أي العد بالنوى – فإن ثبت فيه ، وخلا عما يخدش في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ ، ثبت دعواه ، وإلا فدون ذلك خرط القتاد . انتهى كلام الألباني ( ص 38 ) .
قلت : الحمد لله تعالى قد فتشت عن لفظ الحديث ، ورأيت كتاب الدعاء للطبراني قبل طبعه ، الذي أحال عليه الحافظ – جزاه الله خيرا – وفيه ذكر النوى ، وخلا أيضاً عما يخدش في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ .
وهذا يظهر تقصير الألباني ، الذي يدعي دعاوى كبيرة ، فكان ينبغي أن يتوقف في الحكم على الحديث ، أو يقلد الحافظ حتى يرجع إلى الأمالي وهي موجودة ، ولكن ليس فيها ذكر سند الطراني في الدعاء . ثم كان عليه أيضاً أن يرجع إلى الدعاء للطبراني لينظر في سند الحديث ثم يحكم عليه ، علماً بأن الطبراني اخرج نفس الحديث سنداً ومتناً في المعجم الأوسط . ولكنه اكتفى برأيه ، ولم يرجع إلى الأصول ، ولم يرجع إلى أصل الأمالي ، ثم بعد ذلك جمع ما كتبه في السلسلة الضعيفة ، وطبعت مرات على ما فيها من أخطاء وكثر القول بضعف حديثي ضغيه وسعد رضي الله عنهما ، وهذا ليس من صنيه أهل هذا الشأن ، فإن المراجعة والإتقان وضبط ما كان وإصلاح الخطأ أولى من الإكثار ، كما أشار إلى ذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحة (1/46 – 47 ) .
* * *
تنبيه آخر :
اعترف الألباني بعد بحثي المتقدموبياني له بأن كنانة مولى صفية ليس بمجهول بل هو صدوق ، وحدثه مقبول ، كذا في ضعيفته (1/6 ، 190 – 91 1) .
ولكنه أصر على تضعيف الحديث فقال :
وعليه فعلة الحديث هاشم فقط . اهـ . كذا في الطبعة الجديدة من ضعيفته .
وأشار إلى تفرد هاشم بن سعيد الكوفي بالحديث في ( 1 / 6 ) .
________________________________________
قلت : تقدمت متابعة حديج بن معاوية لهاشم بن سعيد الكوفي عن كنانة . وحديج ابن معاوية رأيت الألباني يحسن له في المتابعات كما تقدم بل أكثر من هذا أنه ذكره في الرواة عن كنانة – تبعاً لي – مع توثيقه في (1/190 ) .
فالحديث حسن ، فلكل من كنانة وهاشم بن سعيد الكوفي متابع قوي . وانظر المقدمة (ص 7 – 8 ) .
* * *
فصل
ثم قال الألباني :
ومما يدل على ضعف هذين الحديثين أن القصة وردت عن ابن عباس بدون ذكر الحصى ، ولفظه قال : عن جويرية أن النبي (ص) خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : ما زلت على الحال التي فارقتكى عليها ؟ قالت : نعم ، قال النبي (ص) : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن :
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته .
أخرجه مسلم (8/83- 84) ، والترمذي (4/274) وصححه ، وابن ماجه (2/423) ، وأحمد (6/325، 430 ) .
فدل هذا الحديث الصحيح على أمرين :
الأول : أن صاحبة القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث .
الأول : أن صاحبة القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث .
الثاني : أن ذكر الحصى في القصة منكر ، ويؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم يعدون لاحصى ، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق أحدها ، ولو كان ذلك مما أقره (ص) لما خفي عن ابن مسعود إن شاء الله .
وقد تلقى هذا الإنكار منه بعض مكنتخرج من مدرسته ألا وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي ، فكان ينهى إبنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها، رواه إبن أبي شيبة في المصنف (2/89/2) بسند جيد . انتهى كلام الألباني .
* * *
أقول وبالله تعالى التوفيق :
هذا الكلام عليه مؤاخذات :
المؤاخذة الأولى : قوله : عن صاحبت القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث الثاني . اهـ .
________________________________________
قد مر بك أن حديث صفية حسن ، وحديث سعد صحيح ، فتكون القصة قد تعددت مرة مع صفية ومرة مع إمرأة ومرة مع جويرية . وهذا كثير جداً في أسباب الورود فالجمع أولى بدلاً من الإقتصار على رواية جويرية ، مادام ان الأسانيد قد رواها الأئمة بأسانيد صحيحة أو حسنة .
فلا تعارض حينئذٍ ، وإعمال كل الأدلة واجب كما هو مقرر ، وهذا الطريقة يعرفها صغار طلبة العلم ، فلماذا التحكم بقصر القصة على رواية جويرية رضي الله تعالى عنها ؟
المؤاخذة الثانية : أما الحكم على أن ذكر الحصى في القصة فخطأ من الألباني ، وهو فرع ناتج عن حكمه المخطئ الذي نشأ عن عدم البحث والتتبع وقد أده كل ذلك إلى تضعيف حديثي سعيد وصفية الثابتين كما تقدم .
* * *
تنبيه :
والعجب من صاحب إحكام المباني الذي استعاذ بالله من التقليد (ص 26 ) فإنه في الواقع استعاذ من تقليد أحد إلا الألباني ، فإنه لا يزال يصر على ترديد صدى كلامه والدوران في فلكه ، تى في ذكر نكارة الحصى التي لم يسبق إليها !! .
وكلام الحافظ في أمالي الأذكار (1/78) لا يؤيده فإنه احتمل أن تكون المرأة المبهمة جويرية ، ثم استدرك قائلاً : لكن سياقه بغير هذا اللفظ .
ثم احتمل أن تكون صفية ، ولكنه استدرك قائلاً ولكن باختصار ، وفيه ذكر عدد النوى الذي كانت تسبح به . اهـ .
فالحافظ – رحمه الله تعالى – احتمل احتمالاً ، ثم استدرك على الاحتمال ، فسقط هذا الاحتمال وبقي كل حديث قائم بنفسه . فالحافظ لم يقنع بأن المرأة المبهمة هي جويرية أو صفية فلم يجزم في محل الاحتمال ، وهذا سبيل أهل العلم .
ثم إن دعوة النكارة لا تصح على قواعد الحدثين البتة لأنها تفترض مخالفة الضعيف للقة وهذه ثلاثة أحاديث مخارجها مختلفة ومتباعدة ، فكيف تصح دعاوى النكارة هنا ؟ ومن خالف من ؟ نعوذ بالله من الهوى والتخبط .
________________________________________
المؤاخذة الثالثة : أما قول الألباني : يؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم … إلى قوله إن شاء الله . اهـ ففيه نظر .
اعلم وفقني الله وإياك إلى اتباع الحق أن هذا الإنكار لم يثبت ، وهاك الأثر الذي اعتمده الألباني في ضعيفته (1 /112) قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص12) : أنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال : مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه ، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله ، ثم قال : لقد سبقتم ، ركبتم بدعة ظلماً ، أو لقد غلبتم أصحاب محمد (ص) علماً .
قلت : هذا إسناد ضعيف للانقطاع الذي بين الصلت بن بهرام وابن مسعود رضي الله عنه لأن بن بهرام وإن كان ثقة ، لكنه من أتباع التابعين ، التهذيب (4/432) .
ثم لماذا يستدل الألباني بهذا الأثر الضعيف الموقوف على أن ذكر الحصى منكر ؟ وهل رأيت – أخي القارئ – من يجعل الموقوف الضعيف حكماً على المرفوع الصحيح ؟! … إلى الله المشتكى .
فمن المعروف أن فعل الصحابة ليس بحجة مع سنة رسول الله (ص) ، فما بالك وقد خالفه جمع من الصحابة كما سيأتي في بيان ذلك ! فما بالك ولم يصح هذا الفعل عن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه !. ومن المعلوم أيضاً أن فعل أحد الصحابة ليس بحجة على الآخرين ، فلو صح أثر ابن مسعود لم يكن حجة على غيره ، والله أعلم .
________________________________________
والألباني قال في (ص 1/112) عن أثر بن مسعود : (وسنده صحيح إلى الصلت ) . أي أن سنده فيه انقطاع أي ضعف ، وأضف إلى ضعف السند ، النكارة التي في المتن ، فكيف يتعدى هذه الصحابي المجتهد الجليل رضي الله عنه على هذه المرأة ، ثم يضرب عبداً من عباد الله برجله … هل هذا هدي سيدنا رسول الله (ص) ؟! . ولماذا يحتج هنا بالموقوف الضعيف في الأحكام الشرعية وهو مردود اتفاقاً ، بينما يرد العمل الحديث الضعيف في الفضائل والمناقب ، وهو مقبول اتفاقاً .(1) وهكذا تجد التعصب والتناقض يوقفان المرء موقع السقوط .
تنبيه :
قال الألباني في ضعيفته (1/112) ثم روى – أي ابن وضاح – عن أبان ابن أبي عياش قال سألت الحسن عن النظام – خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما – من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به ؟ فقال : لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي (ص) ولا المهاجرات . وسنده ضعيف(2) . (!) اهـ
لا أدري لماذا سود الألباني الورق ، وأتى بهذا الأثر الموضوع الذي لا قيمة له بالمرة ، لا في الشواهد ولا في المتابعت ؟ فإن في سنده أبان ابن أبي عياش كذاب مشهور ، فاعجب ألف مرة لقول الألباني سنده ضعيف ، فإن البون كبيربين الضعيف والموضوع .
والمصنفون في الرجال ترجموا لأبان ابن أبي عياش بما يكشف عن حاله ، لكنني أنقل ما نقله الألباني عنهم لترى تناقضه الغريب ولتعجب معي من صنيعه .
قال الألباني في ضعيفته حديث رقم (55) : أبان هو ابن أبي عياش الزاهد البصري ، قال أحمد : متروك الحديث ، وقال شعبة : لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان ، قلت – أي الألباني – : ولا يجوز أن يقال مثل هذا إلا فيمن هو كذاب معروف بذلك ، وقد كان شعبة يحلف على ذلك . اهـ .
__________
(1) وتفصيل ذلك في جزء سميته ( التعريف بجواز العمل بالحديث الضعيف ) .
(2) ثم غير الألباني كلامه بعد أن بينت له تناقضه في أبان بن أبي عياش في الطبعة السابقة فقال (1/186) : لكن سنده ضعيف جداً .اهـ
________________________________________
وانظر الأحاديث رقم (129 ، 309 ، 311 ، 463) .
وكان الأولى أن يعترف بتقصيره ويشكر لمن أرشده ، ويحذف هذا الأثر تماماً . فلا فائدة في إيراده . وكان قد حكم على حديث أبان بن أبي عياش بالوضع أكثر من مرة في ضعيفته انظر (1/135 ، 253 ، 479 ، 482 ، 676 ) .
فانظر – رحمك الله – كيف يرى أن أبان كذاب معروف بذلك ، بينما يحكم على أثره في ص (112) بأنه ضعيف فقط .
بل إن أبان متهم بالكذب عن الحسن بالذات . قال أبو عوانة : كنت لا أسمع بالبصرة حديثاً إلا جئت به ، فحدثني – أي أبان – به عن الحسن حتى جمعت مصحفاً ، فما استحل أن أروي عنه . اهـ الميزان (1/11) . فالله المستعان على هذا التناقض .
وبعد فالذي يستشهد بالموضوع المتحقق وضعه عنده ، ولكن عن طريق تغيير حقيقة الحكم على السند لا شك أن يضحك على العوام بغية ترويج فكرته في بدعية السبحة .
فهل الأمانة العلمية تستدعي هذا العمل ؟
ولو كان الشيخ البوطي أو الصابوني أو غيرهما من الذين يرد عليهم الألباني فعلوا فعلته لأنزل عليهم وابلاً من الشتائم والاستهزاءات وغير ذلك . ورحم الله من كان عفيف اللسان منصفاً .
قوله : وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق إحداها .
أقول : أما الذي سبق فلا قيمة له هنا وتبين أنه ضعيف .
أما قوله من (طرق) ففيه إيهام أن هذه الطرق صحيحة أو حسنة معمول بها ، والأمر ليس كذلك ، وإليك بيان هذه الطرق .
الأول : قال ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص 11) : أنا أسد / عن عبد الله بن رجاء عن عبيسد الله بن عمر ، عن يسار أبي الحكم أن عبد الله ابن مسعود حدث : أن أناساً بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم بين يديه كومة حصى ، قال : فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد ، ويقول : لقد أحدثتم بدعة ظلماً ، أو قد فضلتم أصحاب محمد (ص) علماً . اهـ
قلت : (يسار) تصحيف من الناسخ والصواب (سيار) ثقة ولكنه من أتباع التابعين ، التهذيب (4/291) .
________________________________________
ففي السند انقطاع .
أضف إلى هذه النكارة الواضحة في المتن كيف يرمي هذا الصحابي الجليل عباد الله بالحصى في المسجد ثم يرغمهم على الخروج منه فيخالف بذلك قوله (ً) : ما كان الرفق في شيء إلا زانه … الحديث . رواه مسلم عن عائشة .
قد يقول قائل : إن الطريقين السابقين لأثر ابن مسعود – طريق الصلت وطريق سيار – يقوي كل منهما الآخر فيكون هذا الأثر حسناً .
والجواب عليه أن الانقطاع لا يتقوى بمثله لاتخاذ المخرج ، ولا احتمال أن يكون هناك أكثر من راو