خواطر حول وصية الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى بقلم الأستاذ العلامة سعيد فودة حفظه الله تعالى

خواطر حول
وصية الإمام فخر الدين الرازي
رحمه الله تعالى

بقلم
الأستاذ العلامة سعيد فودة
حفظه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد ،،

قال صاحب طبقات الشافعية الكبرى الإمام المحقق ابن السبكي: (8/90)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، إذناً خاصاً، أخبرنا الكمال عمر بن إلياس بن يونس المَرَاغي، أخبرنا التقي يوسف أبي بكر النسائي بمصر، أخبرنا الكمال محمود بن عمر الرازي، قال: سمعت الإمام فخر الدين يوصي بهذه الوصية لما احتُضِر لتلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصبهاني.
يقول العبد الراجي رحمة ربِّه، الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسن الرازي، وهو أول عهده بالآخرة وآخر عهده بالدنيا، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاسٍ، ويتوجه إلى مولاه كل آبق.
أحمد الله بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات شهاداتهم، وأحمده بالمحامد التي يستحقها، عَرَفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع ربِّ الأرباب.
وصلواته على ملائكته المقربين، والأنبياء والمرسلين، وجميع عباد الله الصالحين،
اعلموا أخلاّئي في الدين، وإخواني في طلب اليقين أن الناس يقولون: إن الإنسان إذا مات انقطع عمله وتعلقه عن الخلق، وهذا مخصص من وجهين الأول أنه إن بقي سنة عمل صالحٌ صار ذلك سبباً للدعاء والدعاء له عند الله تعالى أثر، الثاني ما يتعلق بالأولاد وأداء الجنايات.
أما الأول فاعلموا أني كنت رجلاً محباً للعلم، فكنت أكتب من كلِّ شيء شيئاً لأقف على كميته وكيفيته، سواءً كان حقاً أو باطلاً، إلا أن الذي نطق به في الكتب المعبتر، أن العالم المخصوص تحت تدبير مُدَبِّره المنـزه عن مماثلة التمحيزات، موصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة، ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتُ فيها فائدةً تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات. وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفيّة، فلهذا أقول:
كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة مِنْ وجوب وجوده ووحدته، وبراءته عن الشركاء كما في القدم والأزلية والتدبير والفعالية، فذلك هو الذي أقول به، وألقى الله به، وأما ما ينتهي الأمر فيه إلى الدقة والغموض، وكل ما ورد في القرآن والصحاح المتعين للمعنى الواحد فهو كما قال، والذي لم يكن كذلك أقول:
يا إله العالمين، إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فكل ما مدَّه قلمي أو خطر ببالي: فأستشهد وأقول: إن علمتَ مني أني أردتُ به تحقيق باطل أو إبطال حق، فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيتُ إلا في تقديسٍ اعتقدت أنه الحق، وتصورت أنه الصدق. فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذلك جُهْدُ المِقلِّ، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في ذلة، فأغثني وارحمني واستر زلتي واهج حَوْبتين يا مَنْ لا يزيد ملكه عرفانُ العارفين، ولا ينقص ملكه بخطا المجرمين، وأقول:
ديني متابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليها، اللهم يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات وما مقيل العثرات أنا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك وأنت قلت: أنا عند ظن عبدي بي. وأنت قلت “أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه” فهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم، فلا تخيِّب رجائي، ولا تردَّ دعائي، واجعلني آمناً من عذابك قبل الموت وبعد الموت وعند الموت، وسهَّل عليَّ سكرات الموت، فإنك أرحم الراحمين.
وأما الكتب التي صنفتُها، واستكثرتُ فيها من إيراد السؤالات فليذكرني مَنْ نظر فيها بصالح دعائه، على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فيحذف القول الشيء، فإني ما أردت إلا تكثير البحث، وشحذ الخاطر، والاعتماد في الكل على الله.
الثاني: وهو إصلاح أمر الأطفال، فالاعتماد فيه على الله.
ثم إنه سرد وصيته في ذلك إلى أن قال:
وأمرت تلامذتي، ومَنْ لي عليه حق إذا أنا مِتُّ، يبالغون في إخفاء موتي، ويدفنوني على شرط الشرع، فإذا دفنوني قرأوا علي ما قدروا عليه من القرآن، ثم يقولون: يا كريم، جاءك الفقير المحتاج، فأحسن إليه هذا آخر الوصية. انتهى كلام ابن السبكي.
أقول:
فانظر رحمك الله إلى هذه الوصية ما أدق معانيها، وأحلى مبانيها، وهي تدل على عمق علم الرازي، وحسن توكله على الله تعالى، وإخلاصه له في عمره كله إلى أن مات.
والإمام الرازي معلومٌ مَنْ هو، ولا يحط مِنْ قدره إلا مَنْ على قلوبهم غبَشٌ وانحراف، ولا يعرف حقيقة فضله إلا مَنْ طالع كتبه مريداً الاستفادة.
والإمام ابن الخطيب معلومٌ لدى الكافة أنه على طريقة الأشعري في الاعتقاد، بل هو الذي أسس من المتأخرين قواعد الطريقة وحقق مسائلها وردّ على مخالفيها، نشرهافي البلاد حتى اعتمدت كتبُه في معظم الأقطار ونسي الناس كتب المتقدمين، وعكفوا على كتبه، لجودتها ودقتها وحسن ترتيبها، وهذا كله معلوم.
ولكن، بعض الناس ممن لا تحصيل عندهم في علم أصول الدين، والذين لم تتشذب نفوسهم بمطالعة كتب القوم، وهؤلاء يتميزون بجلاقة في الطباع، وركاكة في الدماغ، وتعصب ظاهر – يدعون أنهم مجتهدون، وحقيقة حالهم التقليد الأعمى، وهؤلاء يغلب عليها التجسيم والتشبيه إما بلسان الحال أو المقال. هؤلاء الناس أجزم أنهم لا يتذوقون كلمات الإمام، ولا يعرفون من حاله إلا ما يسمعون ممن هو مثلهم في الصفات، وهم في هذا كاذبون.
وهؤلاء الناس، لم يظهروا في هذه الأوقات فقط، بل كانوا يظهرون ما بين زمان وزمان، عندما يجدون شوكةً تدافع عنهم وتحمي أغلوطاتهم مِن شوكات الحكام، ينبزون في مختلف الأعصار يدعون أنهم يسيرون على طريق السلف الصالح، وأنهم على عقيدة الإمام أحمد، وهم منهم براءٌ. وحالهم حقيقة ما وصفناه، بعيدون عن تذوق الحقائق، والشعور بالرقائق، قساة أجلاف.
وإحفاد هؤلاء، برزوا في هذا الزمان، تدعمهم بعض الدول، لمصالح سياسية لا تخفى على نبيه، وسبق أن نبهنا إليها، يستغلهم بعض الحكام وهؤلاء يسيرون خلفهم كالبله والعميان، ويوهمون الناس أنهم على شيء وليسوا هم على شيء.
ولا نريد أن نسترسل في وصف أحوالهم، فنحيد عن المقصود، فنقول وبالله التوفيق:
كثيراً ما سمعت منذ بداية مطالعاتي، منذ سنين عديدة، وكذا قرأتُ من كتب لبعض الناس مثل ابن تيمية وابن القيم، وغيرهم ممن سار على نهجهم أن الرازي كان على عقيدة، ثم غيرها في آخر حياته وتراجع عنها وكتب هذا في وصيته لطلبته !!
وأنا كنتُ في بداية الطلب أستغرب هذا، فالرازي الذي له هذا التفسير الذي يدل على علم واسع وعقل نبيه، وله كتب عديدة تدل على فضله ودقة تفكيره، هل كان في كل هذه الكتب على خطأ لم يتنبه إليه إلا عند الممات هذا غريب!!
أنا لا أنكر أنه ممكن، ولكنه يبقى غريباً، ولغرابته فالأصل في الإنسان الذي يسير على قواعد مطَّردة في النظر والتدبر أن لا يصدقه لأول نظرة، وإن كان الراوي ابن تيمية، هذا ما كنت أقوله في أيام صباي، وزاد هذا المعنى ثباتاً في نفسي ما صرتُ أعلمه وأتبينه على مر الأيام من أن ابن تيمية وغيره ممن يتبعه يخالف منهج الإمام الرازي في العقائد، بل هو تقريباً ضدٌّ له، ولما اتضح لي هذا المعنى، صرتُ لا أستبعد أن ابن تيمية يروج هذا القول وغيره في كتبه، لا لأن الرازي فعلاً تراجع عما كان يعتقد، بل ليستطيع ابن تيمية أن يتخذ من هذه الحادثة إن صحت -وهي لا تصح كما سنرى- مِعوَلاً يهدم به مذهب الرازي، ليتهيأ له أن يبني ما يريد بعد ذلك.
وبدا لي هذا التفسير في تلك الأيام منطقياً معقولاً، لا سيما وأنني كنت أقرأ لابن تيمية كثيراً، وكذلك للرازي، وكنتُ أرى الكثير من المسائل التي ينتقد فيها ابن تيمية الإمام الرازي غير محق فيها، وكان في بعض الأحيان يصور مراد الرازي على غير حقيقته، وأحياناً يبالغ في الرد عليه.
هذا كله وغيره كثير كان يخطر في خاطري في تلك الأيام، ولكن لم أكن مستطيعاً لإثبات التراجع أو ضده بشكل قطعي ولكن ترجيحاً، وسبب هذا أنني لم أطلع علىوصية الإمام، حتى حصلت على قِطَعٍ منها في بعض الكتب، وكان يترجح لي من هذه القطع أن الرازي لم يتراجع، وما نسبه التراجع إليه إلا تلبيس كما مضى، ولكن لم أستطع الجزم بعد التراجع، لأني لم استطع الحصول على النص الكامل للوصية.
وكنت عند هذا مطمئناً إلى ما وصلت إليه من الحكم، ولكن كنت أتمنى أن أحصل على النص الكامل ليزداد هذا الاطمئان.
وبقيت هكذا فترة، حتى يسر الله تعالى لي الحصول على قطعة كافية من الوصية، في كتاب الطبقات الكبرى لابن السبكي رحمه الله تعالى، وعندما ألقيتُ عليها نظرة أطمأن قلبي وجزمتُ بما كنت قد توصلت إليه بالنظر، واكتفيت بهذا.
ولكن قلت بعد مدَّةٍ، لا بد أن أوثق هذا الكلام كله لكي يكون حجة على كل من يخوض في هذا الأمر، فكتبت هذه الكلمات.
أقول –وبالله التوفيق-:
لقد بالغ هؤلاء “المتمسلفون” في ادعاءاتهم وشذوذهم، وبالغوا في المماداة في أغلاطهم، حتى تعدّوا على أئمة الإسلام واتهموهم زوراً وبغير وجه حق.
وقد رأينا تهافت ما ادعوا في حق الإمام الجويني، وما كذبوا به على الإمام السنوسي، وعندي الكثير من هذه المفتريات على العديد من الأئمة أدعوا الله تعالى أن يوفقني إلى تلخيصها لتكون شاهدة على افترائهم، وسنبين الآن ما يتعلق بالإمام الرازي رحمه الله تعالى.
يدَّعون أن الإمام الرازي تراجع عن مذهب الأشاعرة في مسألة الصفات والنصوص المعلومة التي يجري فيها الخلاف.
هذا هو مدعاهم، ويجب علينا نحن قبل أن نقول كلمتنا أن نوضح مدعاهم هذا ثم بعد اتضاحه فأنا أجزم أن تهافته سيظهر لكل من له عقلٌ سليم.
أولاً: يجب أن نُعَرِّف بمذهب الأشاعرة في هذه المسألة. فنقول:
مذهب أهل السنة والجماعة كلهم ومنهم الأشاعرة أن الله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وإن كل ما خطر على قلب بشر من صورة أو كيفية فيجب نفيه عنه تعالى، لأن الصورة والكيف منتفيان في الأصل عنه تعالى.
وهم يقولون بتنـزيه الله تعالى عن صفات البشر والحوادث والأجسام وكل ما يلزم عن كون الشيء جسماً وهي لوازم الأجسام مثل: الكون في الأمكنة والحركة والحجم والكيف والتركيب وغير ذلك.
وبناءً على هذا فالنصوص التي نقرأها في الكتاب والسنة، فيتوهم منها بعض الناس معنى لا يليق بالله تعالى مما مضى وغيره، ويقولون إن هذا هو الظاهر من هذه النصوص، فنقول: ليس هذا هو الظاهر، بل هذا هو ما تتخيله أنت ظاهراً، ولا ظاهرٌ إلا الحق، فتعالى الله تعالى أن يجعل كلامه ظاهراً في أمرٍ باطلٍ، وإنما الباطل هنا هو التوهم الذي ظهر في نفسك، وما هذا إلا لأنك ردئ فكرٍ وغير مدرك لأقلِّ ما يجب إثباته لله تعالى، فالظاهر إنما هو وهمٌ قام في فكر إنسانٍ جلف الطباع، تصور لطباعه هذه إن هذا المعنى هو الظاهر من النص.
فلما ظهرت هذه المشكلة عند فساد تذوق الناس للغة العربية وضعف عقائدهم في الله تعالى وغلبة الأمور الحسية والتوهمات النفسية، احتاج العلماء إلى أسلوب يعالجون به هذه المشكلة، ويكون هذا الأسلوب واضحاً متميزاً مدرَكاً مضبوطاً بقواعد تنسجم مع اللغة والأمور الصحيحة المعلومة من الدين بالضرورة، ويكون سهلاً ودقيقاً في نفس الوقت، متلائماً مع ما كان عليه السلف الصالح المشهود لهم بالخيرية، ملائماً لطباع عامة الناس قدر الاستطاعة.
فتوصل علماء الأمة من الأشاعرة إلى توضيح مذهب محقق لكل هذه الشروط متكون من مرتبتين: الأولى وهي الأصل سموها التفويض، والثانية وهذه لا يلجأ إليها إلا عند الحاجة سموها التأويل، كلا هاتين المرتبتين حقٌّ ولا تعارض بين الواحدة والأخرى.
ومعنى التفويض: هو تفويض هذه النصوص إلى الله تعالى وعدم الخوض فيها والإيمان بها على سبيل الإجمال، أي الإيمان بما علم الله أنه الحق، وإمرارها كما جاءت بلا كيف ولا معنى، مع تنـزيه الله تعالى عن الاتِّصاف بشيء من سمات نقص كما مر، وهذا هو الذي كان عليه جمهور السلف، كانوا لا يخوضون في هذه الأمور ولا يتكلمون فيها، بل ينهون عامة الناس عن الكلام فيها، ويأمرونهم بتنـزيه الله تعالى عن سمات النقص.
والمرتبة الثانية وهي التأويل ومعناها: هي أن اللفظ الذي توهم بعض الناس أن ظاهره هو التجسيم والتشبيه وإثبات الجوارح والأدوات والحركات وغير ذلك من معاني باطلة، وقد بيّنا نحن كيف توهم هؤلاء الناس هذا الوهم، ولما كان بعض الناس لا يكتفون بالطريق الإجمالي في تنـزيه الله كما مر في مرتبة التفويض، إمّا لفساد معتقدهم كالحشوية، أو لأنهم مفسدون في الدين ويستغلون هذه النصوص في التشكيك في أصول التوحيد ليسهل عليهم بعد ذلك نشر مذاهبهم الباطلة، أقول لما كانت هذه الأصناف موجودة في الناس ولا يخلو زمان منها، احتج إلى أسلوب تفصيلي لصدِّ مَنْ كانت هذه حالة. يتم بهذا الأسلوب تفهيمه أن اللفظ ليس ظاهره ما فهمته ولا هو ما تبادر إلى ذهنك أو توهمته، مما هو تشبيه محض مضاد للتوحيد، بل الظاهر هو معنى يليق بالله تعالى، ويتم بيان هذا الأمر لهؤلاء الناس بواسطة أسلوب التأويل الذي حاصله: أنه صرف اللفظ عن ظاهره المتوهم لمدى الأنفس الخبيثة أو الجلفة إلى معنى صحيح لقرينةٍ، وهذه القرينة إما أن تكون لفظية أو حالية.
وتفصيل هذا الأسلوب موضح في المطوَّلات، وقد لجأ بعض السلف إلى هذا الأسلوب لما واجهوا الحالات التي ذكرناها.
ومما مضى تبين أن كلا من الأسلوبين أو المرتبتين حق صريح ووارد عن السلف الصالح ولا تناقض بينهما؛ لأنهما في الحقيقة تكملان بعضهما البعض.
ويلاحظ من شرحنا لهذين الأسلوبين أنَّ الأصل هو التفويض، ولا يلجأ إلى الثاني إلا لأسباب إما تفهيم قاصرٍ عن إدراك الحق أو ردّ شبهة لمشكك خبيث الطبع والقصد؛ لغاية إعزاز الدين وإظهار أنه الحق الذي لا عوج فيه.
ما دام المذهب قد اتضح، وتجلى أنه بالحق صرح، نعود إلى الكلام عن الإمام فخر الدين الرازي، فنقول: هذا هو الذي كان عليه فخر الدين الرازي، وهذا هو الذي مات عليه الإمام، لم يحدث أنَّه تراجع عن هذا كله، ولا عن بعض منه. وبيان هذا كما يلي:
كان الإمام فخر الدين في بداية حياته ولدى اشتهاره وقبل حيون وفاته كثير المناظرات مع المبتدعة من الحشوية وغيرهم ممن ضل عن فهم المعنى الحق، وكان يجول في البلدان يتحدى من خالف مذهب الإسلام فيناظره ويبين له سقم كلامه وضعف حجته وبيانه.
ومعظم كتبه التي كتبها في حياته إما كانت رداً على الحشوية أو الفلاسفة أو على من غلط من المعتزلة وغيره من الناس.
ولم يصمد أمامه إنسان، فأخرس الألسنة وأزال الباطل وثبت دعائم الحق، على حسب الطاقة، رحمه الله.
والرجل عندما يكون هذا حاله لا بد أن يتمسك بأسلوب التأويل، الذي مرَّ بيانه فلا يمكن عند المناظرة مع هؤلاء الناس أن يقول لهم –خصوصاً الحشوية لأن الخلاف إنما هو معهم في هذه المسألة- فوِّضوا العلم إلى الله تعالى، كيف وهم يعتقدون أن ما يقولون به إنما هو كلام الله تعالى والظاهر الصريح الذي لا يجوز العدول عنه إلى غيره، بل لا بدَّ مِنْ بيان أن الأمر الذي يدعون أنه ظاهرٌ وواضح، هو في الحقيقة باطل لا شك في هذا، وهذا لا يتم إلا باستعمال أسلوب التأويل، فهو الآلة التي تذبح بها خِرَاف الباطل. وهذا هو ما كان عليه الإمام في عامة كتبه لأن حالة الناس الذين كان يواجههم كانت تفرض عليه ذلك.
فلما اقتربت الوفاة، وحان الانتقال إلى الدار الآخرة، عاد الإمام الفخر الرازي إلى الأصل، لأنَّ مطلوب المرء في تلك الحال إنما هو السلامة، وتفويض الأمر إلى الله تعالى هو السلامة، وقد بيَّنا ذلك في الرد على الشوكاني في رسالته التحف، فلتنظر هناك.
والناظر في وصيته المذكورة لا يرى فيها ثبرياً من مذهبه الذي كان عليه، بل يرى منها تفويض أمره إلى الله تعالى، والاعتراف بأنه لم يكن ليخوض في ما خاض فيه إلا اعزازاً للدين واستجابة لأمر الله تعالى بالذب عنه ضد الزائغين والمعتدين، فهو يتبرأ من كل خطأ وقع فيه لا على التعيين ويرجو أن يرحمه الله تعالى بما وفقه فيه من الإصابة. وهذا الحال هو حال المخلصين.
وهو ينبه في الوصية إلى أن أسلوب القرآن في تبليغ التوحيد هو خير الأساليب، وكيف ينكر هذا إنسانٌ والقرآن كلام الله تعالى ؟! ولكن الإنسان مطلوب منه الدفاع عن هذا الدين بقدر وسعه وطاقته. وبعد هذا أقول لمن أراد الحق:
أين ذكر الإمام الرازي في وصيته أنه تراجع عن مذهبه ؟
هل قال الإمام الرازي رحمه الله: إن الله في مكان وله حدٌّ وله جارحة إلى غير هذا من الترهات والتشبيه الذي تمتلئ به نفوس من يغلطون عليه ؟
كيف يقول بهذا وهو ينص في وصيته على “أن العالم المخصوص تحت تدبير مُدَبِّره المنـزه عنه مماثلة التحيزات” هذا كلامه، وهو نفىٌ صريح في أن الله ليس في مكان ولا في جهة ولا له بعض ولا أعضاء. وهذه هي الأمور التي يدعي هؤلاء الناس من الأغبياء أن الرازي رجع إليها، ونحن نرى من صريح كلامه أنه نفاها.
ونـزيد هنا كلاماً لمن أراد أن يستفيد:
الإمام الرازي كان يدعو إلى التفويض حتى قبل كتابة هذه الوصية أي في أثناء مصاولته للناس ومناظرته معهم، وعلى هذا لا يكون هناك أي وجه لكلام المتسلفة الأغبياء، ودليل هذا أنه قال في كتاب المعالم: “… فلم يبق إلا الإقرار بمقتضى الدلائل العقلية القطعية، وحمل الظواهر النقلية إما على التأويل وإما على تفويض علمها إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الحق” هذا كلامه في هذا الكتاب، وهو صريح أنه لا يقول بحرمة التفويض ولا بحرمة التأويل، ولكنه ترجح لديه أن التفويض هو الحق أي الأرجح وذلك لما ذكرناه من أنه الأسلم.
وذكر أيضاً هذا المعنى في كتاب الأربعين “… فلم يبق إلا أن تصدق الدلائل العقلية ويشتغل بتأويل الظواهر النقلية أو يفوض علمها إلى الله” هذا هو كلامه الذي يقطع كلام كل إنسانٍ بعده، فالأشاعرة عندهم فيما بينهم خلاف هل التأويل أرجح أو التفويض مع اتفاقهم على تنـزيه الله تعالى. أما خلافهم مع غيرهم من الحشوية ومع أذيال هؤلاء من المتمسلفة في هذا الزمان فهو دائر بين التنـزيه الذي يقول به الأشاعرة وأهل السنة، وبين التشبيه والتجسيم الذي يقول به هؤلاء، خذلهم الله تعالى.
وبهذا يكون قد ظهر بحول الله وقوته تهافت مَن ادعى أنَّ الإمام الرازي قد تراجع عن مذهبه، وبأن هذا ما هو الأكذب على أهل الحق
والحمد لله رب العالمين
13/8/1992م

Published in: on يوليو 24, 2009 at 2:01 م  اكتب تعليقُا  

الكتاب : دفع الشبه عن الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة المؤلف : الإمام أبو بكر بن محمد بن عبدالمؤمن الحصني الحسيني الشافعي

الكتاب : دفع الشبه عن الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة
المؤلف : الإمام أبو بكر بن محمد بن عبدالمؤمن الحصني الحسيني الشافعي
دفع الشبه عن الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة
تأليف
الإمام تقي الدِّين أبو بكر بن محمد بن عبدالمؤمن الحصني
________________________________________
ترجمة مختصرة للإمام الحصني:
قال صاحب شَذَرَات الذَّهَب (الجزء التاسع: الصفحات 273 ـ 275)، في وفيات عام (829هـ): وفيها الشيخ تقي الدِّين أبو بكر بن محمد بن عبدالمؤمن بن حريز بن سعيد بن داود بن قاسم بن علي بن علوي بن ناشي بن جوهر بن علي بن أبي القاسم بن سالم بن عبدالله بن عمر بن موسى بن يحيى بن علي الاصغر بن محمد التّقي(1) بن حسن العسكري(2) بن علي [الهادي] بن محمد
____________
(1) كذا الصواب، وفي المطبوع: المتّقي.
(2) لفظة «العسكري» سقطت من «ط».
________________________________________
بن الجواد بن علي الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
الحِصْني ـ نسبة إلى الحِصْن قرية من قرى حوران(1) ـ ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي(2) .
ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وتفقه بالشّريشي، والزُّهري، وابن الجابي، والصَّرْخَدي، والغَزّي، وابن غَنُّوم. وأخذ عن الصَّدر اليَاسُوفي، ثم انحرف عن طريقته. وحطّ على ابن تَيْمِيَّة(3) ، وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة.
وكان يميل إلى التقشف ويبالغ في الامر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وللناس فيه اعتقاد زائد.
ولخّص «المهمات» في مجلد، وكتب على «التنبيه».
قال القاضي تقي الدِّين الاسدي: كان خفيف الرّوح، منبسطاً، له نوادر، ويخرج إلى النُّزَه، ويبعث الطلبة على ذلك.
____________
(1) قال ياقوت في «معجم البلدان» (2/265): «حصن مَقْدِيَة»: هو من أعمال أذرعات من أعمال دمشق.
(2) ترجمته في «إنباء الغمر» لابن حجر العسقلاني 8/110 وفيه «محمد بن عبدالله» و«طبقات الشافعية» لابن قاضي شبهة (4/97 ـ 99) و«الضوء اللامع» للسخاوي (11/81) و«درر العقود الفريدة» للمقريزي (1/190 ـ 191)، وترجم له أيضاً: ابن خطيب الناصرية في تاريخ حلب، والرضيّ الغزّي في بهجة الناظرين، وله ترجمة في الفتاوى السهمية في ابن تيميّة.
(3) لفظة «تيمية» سقطت من «آ».
________________________________________
مع الدِّين المتين، والتَّحري في أقواله وأفعاله، وتزوَّج عدّة نساء، ثم انقطع وتقشَّف وانجمع، وكل ذلك قبل القرن(1) ، ثم ازداد بعد الفتنة تقشّفه وانجماعه، وكَثُرَت مع ذلك أتباعه، حتَّى امتنع من مكالمة الناس، ويُطلق لسانه في القُضاة وأصحاب الولايات.
وله في الزُّهد والتَّقلُّل من الدّنيا حكايات تضاهي ما نُقِلَ عن الاقدمين، وكان يتعصب للاشاعرة، وأصيب في سَمْعِهِ وبصره فضعف.
وشرع في عِمَارَة رِبَاط داخل باب الصغير، فساعده الناس بأموالهم وأنفسهم، ثم شرع في عِمَارَة خان السَّبيل ففرغ في مدة قريبة.
وكان قد جمع تآليف كثيرة قبل الفتنة، وكتب بخطّه كثيراً في الفقه والزُّهد.
وقال السخاوي: شَرَح «التنبيه»(2) و«المنهاج»(3) وشرح «مسلم» في ثلاث مجلدات، ولخّص «المهمات»(4) في مجلدين، وخرّجَ أحاديث «الاِحياء» مجلد(5) وشرح «النواوية» مجلد(6) ، و«أهوال القيامة»(7) مجلد، وجمع «سير
____________
(1) أي قبل دخول القرن التاسع الهجري.
(2) التنبيه لابي إسحاق الشيرازي، في الفقه الشافعي، والشرح (5) مجلدات.
(3) المنهاج للنووي، والشرح في (5) مجلدات.
(4) المهمات للاسنوي.
(5) قلت: لم أعثر على ذكر لكتابه المذكور عند السخاوي في «الضوء اللامع» ولكن ذكره ابن قاضي شهبة في «طبقاته» في معرض حديثه عن مؤلّفاته ولعلّ المؤلّف قد نقل عنه وعزا النقل للسخاوي. والله أعلم. (6) أي الاربعين النووية.
(7) في بعض المصادر: أهوال القبور.
________________________________________
نساء السَّلف العابدات» مجلد، و«قواعد الفقه» مجلد، و«تفسير القرآن إلى الانعام» آيات متفرّقة مجلد، و«تأديب القوم» مجلد، و«سير السالك» مجلد، و«تنبيه السالك على مضار(1) المهالك» ست مجلدات، و«شرح الغاية» مجلد، و«شرح النهاية» مجلد، و«قمع النّفوس» مجلد، و«دفع الشُّبه»(2) مجلد، و«شرح أسماء الله الحسنى» مجلد، و«المولد» مجلد.
وتوفي بخلوته بجامع المزَّاز بالشاغور، بعد مغرب ليلة الاربعاء خامس عشر جمادى الاخرة وصُلِّي عليه بالمصلى، صلَّى عليه ابن أخيه، ثم صُلِّي عليه ثانياً عند جامع كريم الدِّين، ودفن بالقُبيبات في أطراف العمارة على جادة الطريق عند والدته.
وحضر جنازته عَالَمٌ لا يحصيهم إلاّ الله، مع بعد المسافة وعدم علم أكثر الناس بوفاته، وازدحموا على حمله للتبرك به، وختم عند قبره ختمات كثيرة، وصلّى عليه أُمَمٌ ممن فاتته الصلاة على قبره، ورؤيت له منامات صالحة في حياته وبعد موته.
انتهى
____________
(1) في «ط»: «مظان» وما جاء في «آ» موافق لما عند ابن قاضي شهبة والسخاوي، وفي اسم الكتاب اختلاف.
(2) كتابنا هذا.
وفي كتاب البدر الطالع (1/166):
السيد أبو بكر بن محمد بن عبدالمؤمن بن حريز ـ بمهملتين وآخره زاي ـ العَلَوي الحسيني الحصني ثم الدمشقي الشافعي المعروف بالتقي الحصني (ولد) سنة 752هـ.
وأخذ العلم عن جماعة من أهل عصره وبرع، وقصده الطلبة وصنف التصانيف كشرح التنبيه في خمس مجلدات، وشرح أربعين النووي في مجلد. وشرح مختصر أبي شجاع في مجلد. وشرح الاسماء الحسنى في مجلد، وتلخيص مهمّات الاسنوي في مجلدين، وقواعد الفقه في مجلدين. وله في التصوّف مصنّفات و(مات) ليلة الاربعاء منتصف جمادى الاخرة سنة 829هـ.
وقال خير الدين الزركلي الوهابي في الأعلام (2/99):
الامام تقي الدين أبي بكر الحصنيّ الدمشقي (ت 829هـ):
تقي الدين الحصني: (752 ـ 829هـ: 1351 ـ 1426م)أبو بكر بن محمد بن عبدالمؤمن بن حريز بن معلّى الحسيني الحصني، تقي الدين: فقيه ورع من أهل دمشق. ووفاته بها. نسبته إلى الحصن (من قرى حوران) وإليه تنسب «زاوية الحصني» بناها رباطاً في محلة الشاغور بدمشق، وله تصانيف كثيرة منها: كفاية الاخبار ـ ط، شرح به الغاية في فقه الشافعية، ودفع شبه من شبه وتمرّد ونسب ذلك إلى الامام أحمد ـ ط، وتخريج أحاديث الاحياء، وتنبيه السالك على مظان المهالك. ست مجلدات، وقمع النفوس.
________________________________________
سبب تأليف الكتاب وموضوعه، ونسخته:
قال العلامة التقي محبّ السنة والذاب عنها بكل ما استطاع في هذا العصر الشيخ محمد زاهد الكوثري: في ظهر الاصل المقابل به بخط الحافظ محمد بن طولون:
(فائدة) سبب تكلّم المؤلّف رحمه الله تعالى في ابن تيمية وأتباعه ما نقل له عن الشيخ العلامة ناصر الدين التنكزي: أَنه اجتمع ببعض من ينتسب للحنابلة قال: فرأيته يقول بمسألة التناسخ، ولا يقطع لاطفال المسلمين بالجنة وسمع منه هذا القول شخص آخر.
ونُقل للشيخ المؤلف أيضاً: أنّ شخصاً قال عند هذا المبتدع المشار إليه «يا جاه محمد».
فقال: لا تقل «يا جاه محمد»!
وكذا نقل له عن شخص آخر قال ذلك عنده، فقال: لا تقل «يا جاه محمد»،
فإنّه قد بقي قفة عظام؟» نعوذ بالله العظيم من هذه الزلة الجسيمة.
وسمع هذا الكلام أيضاً ابن أخ الشيخ المؤلف، فاجتمع مع عمه فتذاكرا ما وقع فيه الجاهل المشار إليه، ثم قال: يا عمّ، لو تكلّمت في ذلك، فقال: أَنا مشغول بنفسي.
فقال: ما يخلّصك هذا عند الله عزّوجلّ، كيف يتعرّض هذا الجاهل للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحطّ مرتبته ومراتب النبيين ويتكلّم في الله بما لا يليق بجلاله، وغير ذلك مما هو زندقة؟؟! لا يخلّصك هذا عند الله مع تمكّنك من ردع هذا الزائغ عن تنزيه الله، وتعظيم رسوله عليه الصلاة والسلام.
فقال المؤلّف رحمه الله تعالى: ائتوني بشيء من كلام هذا الرجل، أنظر فيه، فإذا تكلّمتُ تكلمتُ على بصيرة…..
________________________________________
فأتي بأشياء من كلامه، فلمّا رأى كلامه، تكلّم بما تكلّم(رحمه الله)(1) :
قال شيخنا النعيمي ومن خطه نقلت: نقلتها من خطّ شيخنا شهاب الدين بن قرا، تلميذ المؤلّف ملخصاً لها:
انتهى ما وجدته بخط ابن طولون(2) في ظهر الاصل المذكور.
____________
(1) ولاحظ ما سيذكره المؤلّف عن سبب التأليف، في مقدمة الكتاب.
(2) فابن طولون هذا حافظ جليل له من المؤلّفات ما يقرب من ستمائة مؤلّف وتوفي سنة 953 سنة تسعمائة وثلاث وخمسين.
وشيخه عبدالقادر النعيمي له مؤلّفات جليلة وقد ترجم في الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة.
وابن قرا: هو الشهاب الخوارزمي المحدث، مترجم في الضوء اللامع.
قاله صاحب الاصل.
وترجمة المصنف مبسوطة في كتاب (الضوء اللامع في القرن التاسع) للحافظ محمد بن عبدالرحمن السخاوي، وفي (طبقات الشافعية) للتقي ابن قاضي شهبة وفي (الطبقات) للرضي الغزي العامري.
وله مؤلّفات ممتعة: كشرحه على صحيح مسلم في ثلاث مجلدات وشرحه على التنبيه في خمس مجلدات، وشرح على المنهاج كذلك، وطبع حديثاً شرحه على مختصر أبي شجاع في مجلدين، وكان من مفاخر الشافعية في عصره زهداً وعلماً وسيرة، وسنستوفي ترجمته إن شاء الله تعالى عند قيامنا بشرحه.
انتهى كلام الامام الكوثري.
كلمة لادارة المطبعة
للطبعة الاولى عام (1350هـ)
من عجائب الصدف أننا ما كدنا ننتهي من طبع آخر ملزمة من الكتاب البديع
(غوث العباد ببيان الرشاد) لحضرة صاحب الفضيلة ملك البيان وحامل لواء البرهان الاستاذ الشيخ مصطفى أبو سيف الحمامي أحد العلماء وخطيب المسجد الزينبي.
حتى ساق الله تعالى إلينا نسخة خطية جليلة من كتاب «دفع شبه من شبّه وتمرّد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام أحمد» للامام الهمام أبي بكر تقي الدين الحصني(رضي الله عنه).
________________________________________
عُني حضرة صاحب الفضيلة المرشد الجليل والعلامة النبيل الشيخ سلامة العزّامي النقشبندي باستنساخها ونقلها من نسخة أخرى خطية ليس في القطر المصري سواها ـ على ما نعلم ـ هي لحضرة صاحب الفضيلة البحاثة المعروف والجهبذ الشهير الشيخ محمد زاهد الكوثري.
ومن فضل الله علينا أن هيّأ لنا من الظروف ما مكننا بعد قليل من النسخة الاصلية التي بيد الشيخ الكوثري.
فرأينا أن يكون الجمع مع النسخة الفرعية والمقابلة في التصحيح على النسخة الاصلية ليخرج الكتاب كما نحب له من الصحة والاتقان.
وإنا نقدمه، بيد الفرح والسرور، إلى إخواننا في جميع أنحاء العالم الاسلامي، راجين أن يكون ذلك خدمة لهم ولديننا الحنيف الذي يعنينا ويهمّنا كثيراً أن نعيش ونموت في خدمته.
وربنا المسؤول ـ وهو أكرم الاكرمين ـ أن يحقق لنا هذه الامنية الغالية.
إدارة مطبعة دار إحياء الكتب العربية
القاهرة 1350هـ.
هذه النسخة:
اعتمدنا في تحقيق الكتاب على النسخة المطبوعة في دار إحياء الكتاب العربي، لاصحابها عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، في القاهرة عام (1350هـ) عن نسخة الامام المحقق العلامة الكوثري، مع تعليقاته الثمينة.
وقد اطلعنا على وجود نسخة للكتاب مخطوطة في مكتبة جستربتي بمدينة دبلن الايرلندية برقم (4) في المجموعة (3406) كتبت عام (830) أي بعام واحد بعد وفاة المؤلّف جاء ذكرها في مقال (ذخائر التراث العربي) المنشور في مجلة (المورد) البغدادية، العدد الاول السنة الاُولى.
وقد قمنا بتصحيح المطبوعة، وعرضها على المصادر التي اعتمدها المؤلّف، مثل كتاب (دفع شُبَه التشبيه) لابن الجوزيّ الحنبلي.
الذي نقل عنه المؤلّف قسماً كبيراً من عباراته واعتمدنا النسخة المطبوعة حديثاً في دار الامام النووي ـ في الاردن ـ عمّان، بضبط فضيلة الشيخ حازم نايف أبو عزان، وتحقيق وتقديم العلامة المحدّث السيد حسن السقاف.
________________________________________
وقد حاولنا تخريج ما أثبته المؤلف من الاحاديث الشريفة، حسب المتوفّر من المصادر، وتصحيح المطبوعة حسب الوارد فيها.
وكذلك تصويب العبارات التي وقع الخطأ في طباعتها، ومنها عبارة الصلاة البتراء التي وقعت في الكتاب، بعد ذكر الرسول، حيث أثبتناها مع ذكر (آله) حذراً من ذلك البتر، واتّباعاً للسنّة المطهّرة التي علّمتنا الصلاة والسلام على نبيّنا الاكرم، بذكر آله معه في ذلك التكريم.
ثم وضعنا عناوين لما جاء في الكتاب مستخدمين المعقوفات لتمييزها عما جاء من العناوين في الاصل المطبوع.
وقدّمنا الكتاب بتقديم احتوى على التعريف بالمؤلّف، حسب المصادر التي ترجمت لحياته.
والتعريف بالكتاب وذكر سبب تأليفه وبيان موضوعه، وعن نسخته هذه.
ونسأل الله أن يوفق المسلمين لقراءته والتزوّد مما أثبته المؤلّف فيه من حقائق، وأن يجزيه وإيانا على العمل الصالح، ويغفر لنا سيّئات أعمالنا آمين.
ونحمد الله على إحسانه وإفضاله، ونسأله الرضا عنا بجلاله وإكرامه، إنّه ذوالجلال والاكرام.
وآخر دعوانا أنّ الحمد لله ربّ العالمين.
[مقدّمة المؤلّف وسبب التأليف]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين: وصلّى الله على سيّد الاوّلين والاخرين، وأكرم
السابقين واللاحقين، وسلّم ومجّد وكرّم.
سبحان من بيده الضرّ والنفع، والوصل والقطع، والتفرقة والجمع، والعطاء والمنع، وفّق من أحبّ لتنزيهه، فحمى موضع نظره منه، وكذا السمع، وخذل من أبغض، فجرى لشقاوته على ما اعتاده وألِفه من رديء الطبع، فهبّ على الاوّل نسيمُ إسعاده، وعلى الثاني ريحُ إبعاده، لصدع قلبه بتمويه العدّو، فياله من صَدْعِ.
تقدّس وتمجّد بعزّ كبريائه وجلاله، وتفرّد بأوصاف عظمته وكماله، كما عمّ بجودهوإفضاله ونَواله. تقدّسوتبارك عن مشابهة العبيد،وتنزّه عن صفات الحدوث.
فمن شبّه فقد شابه السامرة وأبا جهل والوليد، ومن عطّل ما ثبت له من صفاته
________________________________________
بالادلة القاطعة فهو عن الحقّ مائل ومُحيد(1) ، وكلا القسمين سفيه وشقّي وغير رشيد، ومن ورائهما عذاب شديد.
ونال خِلَع الرضوان في دار الامان من نزّه، مع تزايد الكرامات ولديه مزيد.
فشتّان بين من هو راتع في رياض السلامة، ونُزُل الكرامة، في دار المقامة، وبين المطرود المبعود(2) ، وقد حقّ عليه الوعيد.
وبعدُ: فإنّ سبب وضعي لهذه الاحرف اليسيرة، ما دهمني من الحَيْرة من أقوام أخباث السريرة ; يُظهرون الانتماء الى مذهب السيّد الجليل الامام أحمد ; وهم على خلاف ذلك والفرد الصمد.
والعجب أنّهم يُعظّمونه في الملا، ويتكاتمون إضلاله مع بقيّة الائمة !
وهم أكفر مّمن تمرّد وجحد، ويضلّون عقول العوامّ وضعفاء الطلبة بالتمويه الشيطاني، وإظهار التعبّد والتقشّف، وقراءة الاحاديث، ويعتنون بالمُسنَد.
كلّ ذلك خُزَعْبَلات منهم وتمويه.
وقد انكشف أمرهم حتّى لبعض العوامّ، وبهذه الاحرف يظهر الامر ـ إن شاء الله تعالى ـ لكلّ أحد، إلاّ لمن أراد عزّ وجلّ إضلاله وإبقاءه في العذاب السرمد.
ومن قال بنفي ذلك ـ أي بنفي خلود العذاب وسرمديّته، وهو ابن تيميّة وأتباعه ـ فد تجرّأ على كلام الغفور، قال تعالى (والّذّين كَفَرُوا لَهمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا
____________
(1) كان ينبغي أن يقول: «حائد»، ولعلّه اختار ذلك مراعاة للسجع. انتهى. مصحّحه.
(2) اسم المفعول «مُبَعد»، فيقال فيه كما قيل فيما قبله. انتهى. مصحِّحه.
يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنْ عَذابِهْا كذلك نجزي كلَّ كَفُور)(1) .
وعلى العليم الحكيم في قوله تعالى: (يُرِيدونَ أن يخرجوا مِن النّار وما هُمْ بخارجين منها ولهم عذابٌ مُقيم)(2) .
والايات في ذلك كثيرة عموماً وخصوصاً.
ومنها قوله تعالى: (رَبّنا اصرفْ عَنّا عَذَاب جَهنم إنّ عذابها كان غراما)(3) والغرام المستمّر الذي لا ينقطع، فلو انقطع قدر نَفَس لا يسمى غراماً.
ومن ذلك قوله تعالى: (وجاء رَبُّك)(4) .
________________________________________
قال الامام أحمد: معناه جاء أمر ربك. قال القاضي أبو يعلى: قال الامام أحمد: المراد به قدرته وأمره، وقد بيّنه في قوله تعالى: (أو يأتي أمر رَبِّكَ)(5) .
يُشير إلى حمل المُطلق على المُقيَّد، وهو كثير في القرآن والسنّة والاجماع وفي كلام علماء الاُمة، لانّه لا يجوز عليه الانتقال سبحانه وتعالى.
ومثله حديث النزول.
ومّمن صرّح بذلك الامام الاوزاعي والامام مالك ; لانّ الانتقال والحركة من
____________
(1) سورة فاطر: 36.
(2) سورة المائدة: 37.
(3) سورة الفرقان: 65. (4) سورة الفجر: 22.
(5) سورة النحل: 33.
صفات الحَدَث، والله عزّ وجلّ قد نزّه نفسه عن ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى (إستوى على العرش)(1) .
فإذا سأل العامّي عن ذلك فيقال له: الاستواء معلوم، والكَيْف مجهول(2) ، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة(3) .
وسنوضّح ذلك إن شاء الله تعالى.
وإنّما أجاب الامام ربيعة بذلك، وتبعه تلميذه مالك ; لانّ الاستواء الذي يفهمه العوامّ من صفات الحدث، وهو سبحانه وتعالى ـ نزّه نفسه عن ذلك بقوله تعالى (ليس كمثله شيء)(4) ، فمتى وقع التشبيه ولو بزنة ذَرّة جاء الكفر بالقرآن.
قال الائمة: وإنّما قيل: السؤال بِدعة ; لانّ كثيراً مّمن يُنسب الى الفقه والعلم، لا
____________
(1) سورة الاعراف: 54.
(2) في (دفع شبه التشبيه) لابن الجوزي: والكيف غير معقول.
وعلّق محقّقه: أن «الكيف مجهول» غلط لانه يثبت لله تعالى كيفاً مجهولاً إلى آخر ما قال.
ولعل المراد بقولهم «الكيف؟» هو السؤال عن كيفية الاستواء؟ الذي يزعم الحشوية والمجسّمة بثبوته لله، حسب ظاهره وبلا تأويل !
وهو الذي تهرّبوا منه بالبلكفّة، أي بقولهم: بلا كيف! فليلاحظ.
(3) قاله ابن الجوزي في (دفع شبه التشبيه) ص110.
(4) سورة الشورى: 11.
يُدركون الغوامض في غير المتشابه، فكيف بالمتشابه؟!
فآيات المتشابه وأحاديثه لا يعلمها إلاّ الله سبحانه، والقرآن والسُنّة طافحان بتنزيهه عزّ وجلّ.
________________________________________
ومن أسمائه القُدّوس، وفي ذلك المبالغة في التنزيه ونفي خيال التشبيه.
وكذا في قوله تعالى:(قُلْ هُو الله أحد…الى آخره)(1) لما فيها من نفي الجنسيّة والبعضيّة، وغير ذلك مّما فيه مبالغة في تنزيهه سبحانه وتعالى.
وكان الامام أحمد (رضي الله عنه) يقول: أمِرّوا الاحاديث كما جاءت(2) .
وعلى ما قال جرى كبار أصحابه كإبراهيم الحربي وأبي داود والاثرم، ومن كبار أتباعه أبو الحسين المنادي، وكان من المحقّقين، وكذلك أبو الحسن التميمي، وأبو محمد رزق الله بن عبدالوهاب، وغيرهم من أساطين الائمة في مذهب الامام أحمد(3) .
وجروا على ما قاله في حالة العافية وفي حالة الابتلاء.
فقال تحت السياط: «فكيف أقول ما لم يقل».
وقال في آية الاستواء: «هو كما أراد».
فمن قال عنه: إنّه من صفات الذات، أو صفات الفعل، أو إنّه قال: إنّ ظاهره مراد، فقد افترى عليه، وحسيبه الله تعالى فيما نسب إليه مّما فيه إلحاقه ـ عزّ وجلّ ـ
____________
(1) سورة الاخلاص: 1.
(2) سنن الترمذي 4/692، لاحظ دفع شبه التشبيه ص111.
(3) نفس المصدر والموضع.
بخلقه الذي هو كفر صراح ; لمخالفته كلامه فيما نزّه نفسه به سبحانه وتعالى عمّا يقولون.
[القائلون بالتجسيم من أئمة الحنابلة !]
ومنهم ابن حامد(1) والقاضي تلميذه(2) وابن الزاغوني(3) ، وهؤلاء مّمن ينتمي الى الامام، ويتبعهم على ذلك الجهلة بالامام أحمد وبما هو معتمده مّما ذكرت بعضه، وبالغوا في الافتراء ; إمّا لجهلهم، وإمّا لضغينة في قلوبهم، كالمغيرة بن سعيد وأبي محمّد عبدالله الكرامي ; لانهم أفراخ السامرة في التشبيه ويهود في التجسيم.
____________
(1) الحسن بن حامد البغدادي الورّاق (توفي 403) كان من أكبر مصنفي الحنابلة وشيخهم، له شرح اُصول الدين، ردّ عليه ابن الجوزي في (دفع شبه التشبيه) ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ج17.
________________________________________
(2) هو القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن الفرّاء الحنبلي (توفي 458) هو صاحب كتاب الصفات نقل ابن الاثير في الكامل 10/52 قول التميمي فيه: لقد شان أبو يعلى الحنابلة شيناً لا يغسله ماء البحار. وقال في حوادث عام (429) فيها أنكر العلماء على ابن الفرّاء ما ضمنه كتابه من الصفات المشعرة بأنه يعتقد التجسيم.
وقال في حوادث (458) اتى في كتابه بكل عجيبة وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض.
وقد طبع هذا الكتاب بعض الوهابيّة الموحّدين! في هذا العصر !
(3) علي بن عبيدالله بن نصر الحنبلي (توفي 527) صاحب كتاب الايضاح، وهو من كتب التجسيم.
ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء 19/607.
وحُرِق المغيرة ومعه خمسة من أتباعه، كما أذكره(1) من بعد.
قال ابن حامد في قوله تعالى:(ويبقى وجه ربّكَ)(2) ، وفي قوله تعالى: (كُلُّ شيء هالك إلاّ وجههُ)(3) : «نُثبت لله وجهاً، ولا نثبت له رأساً»، وقال غيره: «يموت إلاّ وجهه».
وذكروا أشياء يَقْشَعِرُّ الجسد من ذكر بعضها.
قال أبو الفرج بن الجوزي(4) : رأيت من تكلّم من أصحابنا في الاُصول بما لا يصلح وانتدب للتصنيف، وهم ثلاثة: ابن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني، صنّفوا كُتباً شانوا بها المذهب.
وقد رأيتهم نزلوا الى مرتبة العوامّ، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ.
فسمعوا أنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً ويدين وأصابع وكفّاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفَخِذاً وساقين ورِجلين.
وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس.
____________
(1) في ص ؟؟.
(2) سورة الرحمن: 27.
(3) سورة القصص: 88.
(4) دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه ص97 ـ 104.
وقالوا: يجوز أن يُمَسّ ويَمُسّ ويُدني العبد من ذاته.
وقال بعضهم: ويتنفّس.
ثمّ إنّهم يُرضُون العوامّ بقولهم: لا كما يُعقل.
________________________________________
وقد أخذوا بالظواهر في الاسماء والاضافات، فسمّوا الصفات تسمية مُبتدعة ; لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل.
ولم يلتفتوا الى النصوص الصارفة عن الظواهر الى المعاني الواجبة لله سبحانه وتعالى، ولا الى إلغاء ما توجبه الظواهر من سِمات الحَدَث.
ولم يقنعوا أن يقولوا: صفة فعل ; حتّى قالوا: صفة ذات.
ثمّ لمّا أثبتوا أنّها صفات [ذات] قالوا: لا نحملها على ما توجبه اللغة، مثل اليد على النعمة أو القدرة، ولا المجيء على معنى البِرّ واللطف، ولا الساق على الشدّة، ونحو ذلك.
بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة.
والظاهر هو المعهود من نعوت الادميّين، والشيء إنّما يُحمل على حقيقته إذا أمكن، فإن صرف صارف حُمل على المجاز.
وهم يتحرّجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون: نحن أهل السُّنّة وكلامهم صريح في التشبيه.
وقد تبعهم خلق من العوامّ على ذلك لجهلهم ونقص عقولهم، وكفروا تقليداً، وقد نصحتُ للتابع والمتبوع.
[عتاب المؤلّف مع الحنابلة!]
ثمّ أقول لهم على وجه التوبيخ: ياأصحابنا أنتم أصحاب نقل وأتباع، وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول ]وهو تحت السياط[: «كيف أقول ما لم يقل؟!».
هل بلغكم أنّه قال: إنّ الاستواء من صفة الذات المقدّسة، أو صفة الفعل؟
فمن أين أقدمتم على هذه الاشياء؟!
وهذا كلّه ابتداع قبيح بمن ينكر البِدْعة ؟
ثمّ قلتم: إنّ الاحاديث تُحمل على ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة.
وإنّما يقال: تُمرّ كما جاءت، ولا تقاس بشيء.
فمن قال: «استوى بذاته»، فقد أجراه مجرى الحسّيّات، وذلك عين التشبيه.
فاصرفوا بالعقول الصحيحة عنه سبحانه ما لا يليق به من تشبيه أو تجسيم.
وأمِرّوا الاحاديث كما جاءت من غير زيادة ولا نقص.
فلو أنكم قلتم: نقرأ الاحاديث ونسكت، لما أنكر عليكم أحد.
________________________________________
ولا تُدخِلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ـ أعني الامام أحمد ـ ما ليس منه، فلقد كسوتم هذا المذهب شيناً قبيحاً ; حتّى لا يقال عن حنبليّ إلاّ مجسّم.
ثمّ زيّنتم مذهبكم بالعصبيّة لـ «يزيد بن معاوية»، وقد علمتم أنّ صاحب المذهب أجاز لعنته.
وقد كان أبو محمّد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهبَ شيناً قبيحاً لا يُغسل الى يوم القيامة(1) .
____________
(1) إلى هنا المنقول عن ابن الجوزي في (دفع شبه التشبيه) وبين المنقول والمطبوع هناك اختلاف، أثبتنا بعضه بين المعقوفات.
فالحاصل من كلام ابن حامد والقاضي وابن الزاغوني ـ من التشبيه والصفات التي لا تليق بجناب الحقّ ـ سبحانه وتعالى ـ هي نَزْعة سامرية في التجسيم، ونزعة يهودية في التشبيه، وكذا نزعة نصرانية.
فإنّه لمّا قيل عن عيسى (عليه السلام): إنّه روح الله سبحانه وتعالى، اعتقدت النصارى أنّ لله صفة هي روح ولجت في مريم(عليها السلام).
وهؤلاء وقع لهم الغلط من سوء فهمهم، وما ذاك إلاّ أنّهم سمّوا الاخبار أخبار صفات، وإنّما هي إضافات، وليس كلّ مضاف صفة.
فإنّه ـ سبحانهوتعالى ـ قال: (ونَفَخْتُ فيه مِن روحي)(1) ، وليسلله صفة تسمّى روحاً، فقد ابتدع من سمّى المضاف صفة، ونادى على نفسه بالجهل وسوء الفهم.
[تأرجح الحنابلة مع الهوى في التجسيم والتأويل]
ثمّ إنّهم في مواضع يؤوّلون بالتشهّي.
وفي مواضع أغراضِهم الفاسدة يُجرون الاحاديث على مقتضى العرف والحسّ، ويقولون ينزل بذاته، وينتقل ويتحرّك، ويجلس على العرش بذاته.
ثم يقولون: لا كما يُعقل، يغالطون بذلك من يسمع من عامّي وسيّء الفهم.
وذلك عين التناقض، ومكابرة في الحسّ والعقل ; لانّه كلام متهافت يدفع آخره أوّله وأوّلُه آخره.
____________
(1) سورة الحجر: 29، سورة ص: 72.
وفي كلامهم: «نُنزّهه غير أنّنا لا ننفي عنه حقيقة النزول».
وهذا كلام من لا يعقل ما يقول.
________________________________________
ومثل قول بعضهم: المفهوم من قوله: (هُو اللهُ الحيّ القيُّومُ)(1) في حقه هو المفهوم في حقّنا إلاّ أنّه ليس كمثله شيء.
فانظر ـ أرشدك الله ـ كيف حكم بالتشبيه المساوي، ثمّ عقّبه بهذا التناقض الصريح؟!
وهذا لا يرضى أن يقوله من له أدنى رَويّة.
ولهم من مثل هذه التناقضات ما لا يحصى.
[تناقض دعواهم]
ومن التناقض الواضح في دعواهم في قوله تعالى: (الرحمنُ على العرشِ استوى)(2) أنّه مستقرّ على العرش.
مع قولهم في قوله تعالى: (أأمِنتُم مَنْ في السماءِ)(3) إنّ من قال: إنّه ليس في السماءِ فهو كافر. ومن المحال أن يكون الشيء الواحد في حيِّزينِ في آن واحد وفي زمن واحد، ومن المعلوم أنّ «في» للظرفية، ويلزم أنّه ـ سبحانه وتعالى ـ مظروف تعالى عن ذلك.
____________
(1) البقرة: 255، آل عمران: 2.
(2) سورة طه: 5.
(3) سورة الملك: 16.
وفي البخاري(1) من حديث أنس: (أنّه (عليه السلام) رأى نُخامة في القبلة، فشقّ ذلك عليه حتّى رُؤي في وجهه، فقال فحكّها بيده، فقال: إنّ أحدكم إذا قام في صلاته، فإنّه يُناجي ربّه، أو إنّ ربّه بينه وبين القبلة)(2) .
وفيه من حديث ابن عمر (رضي الله عنه): أنّه (عليه السلام) رأى نخامة في جدار الكعبة فحكّها، ثمّ أقبل على الناس، فقال: إذا كان أحدكم يصلّي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإنّ الله قِبَل وجهه إذا صلى».
وفي «صحيح مسلم»(3) وغيره من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): أنّه (عليه السلام) رأى نُخامة في القبلة فقال: (ما بال أحدكم يستقبل ربّه فيتنخّع أمامه، أيُحبّ أحدكم أن يستقبل فيُنخَّع في وجهه).
وفي الصحيحين(4) من حديث أبي موسى الاشعري (رضي الله عنه): أنّه (عليه السلام) قال: (يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم ; إنّكم ليس تدعون أصمّ ولا غائباً ; إنّكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم).
____________
________________________________________
(1) صحيح البخاري: 1 / 159ح 397 كتاب الصلاة / أبواب المساجد. ولاحظ فتح الباري (1/508)، وقال: فيه الردّ على من زعم أنّه على العرش بذاته.
(2) نفس المصدر السابق ح398. ولاحظ فتح الباري (1/509).
(3) صحيح مسلم: 2 / 76 كتاب الصلاة.
(4) صحيح البخاري: 4 / 541 ح 3986 كتاب المغازي، صحيح مسلم: 8 / 73 كتاب الذكر والدعاء والتوبة.
وفي رواية: (والذي تدعون أقرب الى أحدكم من عُنُق راحلته)(1) .
وفي الصحيح(2) : (أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه يذكرني).
وحديث المريض(3) : (أما لو عدته لَوَجدتني عنده).
وقال تعالى: (وناديناهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الايمنِ)(4) .
وقال تعالى: (ونوديَ مِنْ شاطيء الوادي الايمنِ في البقعة المباركةِ مِنَ الشجرةِ أنْ ياموسى إنّي أنا الله ربُّ العالمينَ)(5) .
وقال تعالى: (فأينما تُوَلّوا فَثمَّ وجهُ اللهِ)(6) .
وفي الترمذي(7) في حديث العنان، وفيه ذكر الارضين السبع ; وأنّ بين كلّ أرض والاُخرى كما بين السماء والارض، قال (عليه السلام): (والذي نفسي بيده لو دلّى
____________
(1) مسند أحمد: 4 / 402، وهو في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب 3/35.
(2) صحيح البخاري: 6 / 2694 ح 6970 كتاب التوحيد. ]وصحيح مسلم 8 / 91 كتاب التوبة [والنص بلفظ مسلم.
(3) كنز العمال: 15 / 824 ح 43277.
(4) سورة مريم: 52.
(5) سورة القصص: 30.
(6) سورة البقرة: 115.
(7) سنن الترمذي: 5 / 376 ـ 377 ح 3298 كتاب التفسير.
أحدكم بحبل لوقع على الله سبحانه وتعالى).
ومثل هذه الادلّة كثير، وكلّها قاضية بالكون السُّفلي دون العُلوي.
[الاستواء لغة وتأويلاً]
واعلم(1) أنّ الاستواء في اللغة على وجوه، وأصله افتعال من السواء، ومعناه ـ أي السواء ـ العدل والوسط، وله وجوه في الاستعمال:
منها: الاعتدال، قال بعض بني تميم: استوى ظالم العشيرة والمظلوم ; أي اعتدلاً.
ومنها: إتمام الشيء، ومنه قوله تعالى: (وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّه واستوى)(2) .
________________________________________
ومنها: القصد الى الشيء، ومنه قوله تعالى:(ثُمَّ استوى الى السَّماء)(3) ; أي قصد خلقها.
ومنها: الاستيلاء على الشيء، ومنه قول الشاعر:
ثُمّ استوى بِشرٌ على العراقِ … من غير سيف ودم مُهراقِ
____________
(1) من هنا ذكره ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه ص121 وانظر هامش ص123.
(2) القصص: 14.
(3) سورة البقرة: 29.
وقال آخر:
إذا ما غزا قوماً أباح حريمَهم … وأضحى على ما ملّكوه قد استوى(1)
ومنها: بمعنى استقرّ، ومنه قوله تعالى: (واستوت على الجُوديّ)(2) .
وهذه صفة المخلوق الحادث، كقوله تعالى: (وجَعَلَ لكُم مِن الفلكِ والانعامِ ما تركبُون لتستوُوا على ظُهورهِ)(3) .
وهو نزّه نفسه سبحانه عن ذلك في كتابه العزيز في غير ما موضع، وقطع المادّة في ذلك أنّ المسألة علميّة وكفى الله المؤمنين القتال والجدال.
[كلام ابن الجوزي الحنبلي في الردّ على المجسّمة]
قال أبو الفرج بن الجوزي: وجميع السلف على إمرار هذه الاية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل.
قال عبدالله بن وهب: كنّا عند مالك بن أنس ودخل رجل، فقال: يا أبا
____________
(1) إلى هنا عن (دفع شبه التشبيه) ص121.
(2) سورة هود: 44.
(3) سورة الزخرف: 12.
عبدالله (الرحمن على العرشِ استوى)(1) ، كيف استواؤه؟
فأطرق مالك وأخذته الرُّحَضاء(2) ، ثمّ رفع رأسه فقال: (الرحمنُ على العرشِ استوى) ، كما وصف نفسه، ولا يقال له: كيف، و«كيف» عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بِدعة أخرجوه، فأُخرج(3) .
كان ابن حامد يقول: المراد بالاستواء القعود(4) .
وزاد بعضهم: استوى على العرش بذاته، فزاد هذه الزيادة، وهي جُرأة على الله بما لم يقل.
قال أبو الفرج: وقد ذهب طائفة من أصحابنا الى أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ على عرشه ما ملاه، وأنّه يُقعِد نبيّه معه على العرش(5) .
ثمّ قال: والعجب من قول هذا: ما نحن مجسّمة !
________________________________________
وهو تشبيه محض، تعالى الله ـ عزّ وجلّ ـ عن المحلّ والحيّز ; لاستغنائه عنهما، ولانّ ذلك مستحيل في حقّه ـ عزّ وجلّ ـ ولانّ المحلّ والحيّز من لوازم الاجرام، ولانزاع في ذلك، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ منزّه عن ذلك ; لانّ الاجرام من صفات
____________
(1) سورة طه: 5.
(2) العرق الكثير يغسل الجلد.
(3) دفع شبه التشبيه ص122 وأنظر تعليقته.
(4) دفع شبه التشبيه ص128.
(5) دفع شبه التشبيه ص128.
الحدث، وهو عزّ وجلّ منزّه عن ذلك شرعاً وعقلاً، بل هو أزليّ لم يسبق بعدم ; بخلاف الحادث.
ومن المعلوم أنّ الاستواء إذا كان بمعنى الاستقرار والقعود لابدّ فيه من المماسة، والمماسّة إنّما تقع بين جسمين أو جُرمين.
والقائل بهذا شبّه وجسّم، وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقيّة، كما أبطل دلالة (ليس كمثله شيء)(1) .
ومن المعلوم في قوله تعالى (لتستووا على ظهورهِ)(2) أنّه الاستقرار على الانعام والسفن، وذلك من صفات الادميين.
فمن جعل الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار والتمكّن، فقد ساوى بينه ـ عزّ وجلّ ـ وبين خلقه.
وذلك من الامور الواضحة التي لا يقف في تصوّرها بليد، فضلاً عمّن هو حسن التصوّر جيّد الفهم والذوق، وحينئذ فلا يقف في تكذيبه (ليس كمِثِله شيء) وذلك كفر محقّق.
ثمّ من المعلوم أنّ (الاستواء) من الالفاظ الموضوعة بالاشتراك، وهو من قبيل المجمل، فدعواه أنّه بمعنى الاستقرار في غاية الجهل ; لجعله المشترك دليلاً على أحد أقسامه خاصّة.
فالحمار مع بلادته لا يرضى لنفسه أن يكون ضُحكة ; لجعله القسم قسيماً.
فمن تأمّل هؤلاء الحمقى وجدهم على جهل مركّب ; يحتجّون بالادلّة المجملة
____________
(1) سورة الشورى: 11.
(2) سورة الزخرف: 13.
التي لا دليل فيها قطعاً عند أهل العلم.
ويتركون الادلّة التي ظاهرها في غاية الظهور في الدليل على خلاف دعواهم، بل بعضها نصوص، كما قدّمته في حديث النخامة وغيرها. فتنبّه لذلك لتبقى على بصيرة من جهل أولئك.
________________________________________
ومن المعلوم أنّه ـ عزّ وجلّ ـ واجب الوجود كان، ولا زمان ولا مكان، وهما ـ أعني الزمان والمكان ـ مخلوقان.
وبالضرورة أنّ من هو في مكان فهو مقهور محاط به، ويكون مقدّراً ومحدوداً.
وهو ـ سبحانه وتعالى ـ منزّه عن التقدير والتحديد، وعن أن يحويه شيء، أو يحدث له صفة، تعالى الله عمّا يصفون وعمّا يقولون عُلوّاً كبيراً.
فإن قيل: ففي الصحيحين(1) من حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس (رضي الله عنه): أنّه ذكر المعراج، وفيه: (فعلا بي الجبّار تعالى، فقال وهو في مكانه: ياربّ خفّف عنّا) الحديث.
فالجواب: أنّ الحافظ أبا سليمان الخطابي قال: إنّ هذه لفظة تفرّد بها شريك، ولم يذكرها غيره، وهو كثير التفرّد بمناكير الالفاظ.
والمكان لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، إنّما هو مكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مقامه الاوّل الذي أُقيم فيه.
وفي الحديث: (فأستأذن على ربّي وهو في داره)(2) .
____________
(1) صحيح البخاري: 6 / 2732 ح 7079 كتاب التوحيد، وفي طبعة رقم 6963 صحيح مسلم: كتاب الايمان رقم 234 و235 و236 والصلاة 607.
(2) رواه البخاري لاحظ فتح الباري 13/422.
يوهم مكاناً، وإنّما المعنى في داره التي دوّرها لاوليائه.
وقد قال القاضي أبو يعلى في كتابه «المعتمد»: إنّ الله سبحانه وتعالى وتقدّس لا يوصف بمكان.
فإن قيل: يلزم من كلامكم نفي الجهات، ونفيها يحيل وجوده.
فالجواب: أنّ هذا السؤال ساقط فيه تمويه على الاغبياء، يجرون الجهات المتعلّقة بالادميّين بالنسبة الى الله عزّ وجلّ عن ذلك.
وأيضاً إن كان الموجود يقبل الاتصال والانفصال فمسلم، فأمّا اذا لم يقبلهما فليس خُلوّه من طرفي النقيض بمحال.
ويوضّح هذا: أنّك لو قلت: كلّ موجود لا يخلو أن يكون عالماً أو جاهلاً.
قلنا: إنْ كان ذلك الموجود يقبل الضدّين فنعم، فأمّا إذا لم يقبلهما كالحائط ـ مثلاً ـ فإنّه لا يقبل العلم ولا الجهل.
________________________________________
ونحن ننزّه الذي ليس كمثله شيء ـ سبحانه وتعالى ـ كما نَزَّهَ نفسه عن كلّ ما يدلّ على الحَدَث، وما ليس كمثله شيء لا يتصوره وهم، ولا يتخيّله خيال، والتصوّر والخيال إنّما هما من نتائج المحسوسات والمخلوقات تعالى عن ذلك.
ومن هنا وقع الغلط واستدراج العدوّ، فأهلك خلقاً، وقد تنبّه خلق لهذه الغائلة فسلّموا، وصرفوا عنه عقولهم الى تنزيهه سبحانه وتعالى فسَلِموا.
[مجموعة من الاحاديث المتشابهة]
ومن الاحاديث التي يحتجّون بها حديث عبدالرحمن بن عائش(1) ، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «رأيت ربّي في أحسن صورة، فقال لي: فيم يختصم الملا الاعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم ياربّ فوضع كفّيه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات وما في الارض»(2) .
وهذا الحديث قال الامام أحمد فيه: إنّ طرقه مضطربة، وقال الدارقطني: كلّ أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح، وقال البيهقي: رُوي من أوجُه كلّها ضعيفة.
وأحسن طرقه يدلّ على أنّ ذلك كان في النوم، ويدلّ على ذلك أنّه رُوي من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)، أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:(3) (أتاني آت في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملا الاعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع كفّيه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعرفت كلّ شيء يسألني عنه).
وروي من حديث ثوبان (رضي الله عنه) قال(4) : (خرج علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد صلاة
____________
(1) سنن الدارمي: 2 / 126، مسند أحمد: 4 / 66 و5 / 378.
(2) سنن الترمذي 5/369، تاريخ بغداد 8/152، والطبراني في الكبير 1/317، وابن الجوزي في الموضوعات 1/125، واللالىء المصنوعة 1/31، وسير أعلام النبلاء 10/113، وقال: وهو خبر منكر. وانظر الاسماء والصفات للبيهقي ص30 ودفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص148.
(3) كنز العمال: 15 / 897 ح 43544 عن ابن عبّاس، و15 / 898 ح 43545 عن معاذ، و16 / 245 ح44321 عن أنس.
(4) نفس المصدر السابق.
________________________________________
الصبح، فقال: إنّ ربّي أتاني الليلة في أحسن صورة، فقال لي: يا محمّد فيم يختصم الملا الاعلى؟ قلت لا أعلم ياربّ، فوضع كفّه بين كتفي حتّى وجدت برد أنامله في صدري، فتجلى لي ما بين السماء والارض)(1) .
ورُوي من وجوه كثيرة، فهي أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت.
مع أنّ عبدالرحمن لم يسمعه من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى وجه التنزّل فالمعنى راجع الى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمعنى رأيته على أحسن صفاته ; أي من الاقبال والرضا ونحو ذلك ; لانّ الصورة يعبّر بها ويراد الصفة.
كما في حديث (خلق الله آدم على صورته)(2) .
تقول: هذه صورة هذا الامر ; أي صفته، فيكون المعنى خلق الله آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والارادة.
مع أنّ هذا الحديث فيه علل:
منها: أنّ الثوري والاعمش كانا يدلِّسان ولم يذكرا أنّهما سمعا الحديث من حبيب بن أبي ثابت.
ومنها: أنّ حبيباً كان يدلّس، ولم يعلم أنّه سمعه من عطاء.
وهذا كلّه يوجب وهناً في الحديث.
ومع ذلك فالضمير يصحّ عوده الى آدم (عليه السلام)، فالمعنى أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق
____________
(1) في مجمع الزوائد 7/177 عن البزار في كشف الاستار 3/13 رقم 2128.
(2) البخاري: كما في فتح الباري 11/3، صحيح مسلم 4/2017 رقم 115، وانظر مسند أحمد 2/434، وفتح الباري 5/183، وانظر دفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص146.
آدم على صورته التي خلقه عليها ; تامّاً لم ينقله من نطفة الى علقة كبنيه.
قال الامام أبو سليمان الخطابي: وذكره تغلب في أماليه.
وقيل: إنّ الضمير يعود الى بعض بني آدم.
وخَلْق من العلماء سكتوا عن تفسير هذا الحديث.
فالمشبِّه لامُتمسَّك له بهذه الاحاديث لما ذكرناه، وتمسّكه بها يدلّ على جهله وزندقته عافانا الله ـ عزّ وجلّ ـ من ذلك.
ومن ذلك حديث القَدَم: (لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد ; حتّى يضع ربّ العزّة فيها قدمه) الحديث(1) .
________________________________________
وهذا يرجع الى الُمحْكم، قال الله تعالى: (وبَشّر الذّين آمنوا أنَّ لهم قَدَمَ صِدق عند ربِّهم)(2) .
وقال الحسن البصري: القدم في الحديث هم الذين قدّمهم الله من شرار خلقه وأثبتهم لها.
وقال البيهقي: عن النضر بن شميل: القدم هنا الكفّار الذين سبق في علم الله أنّهم من أهل النار.
وقال الازهري: القدم الذين تقدّم القول بتخليدهم في النار.
وقال ابن الاعرابي: القدم المتقدّم، وكلّ قادم عليها يسمى قدماً، والقدم جمع قادم، كما يقال: عيب وعائب.
____________
(1) البخاري: كما في، فتح الباري 8/594، وصحيح مسلم 4/2188، وانظر دفع شبه التشبيه ص170.
(2) سورة يونس: 2.
وروى الدارقطني: (حتّى يضع قدمه أو رِجله) وفي هذه دلالة على تغيير الرواية بالظنّ.
مع أنّ الرِّجْل في اللغة هي الجماعة ; ألا تراهم يقولون: رجل من جراد، فيكون المعنى يدخلها جماعة يُشبهون الجراد في الكثرة.
قال ابن عقيل: تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الامكنة، وهذا عين التجسيم، وليس الحقّ بذي أجزاء وأبعاض، فما أسخف هذا الاعتقاد وأبعده عن المكوّن تعالى الله عن تخايل الجسمية.
وذكر كلاماً مُطوّلاً بالغاً في التنزيه وتعظيم الله تعالى.
وقد تمسّك بهذا الحديث ابن حامد المشبّه، فأثبت لله سبحانه وتعالى صفات.
وزاد، فروى من حديث ابن عباس (رضي الله عنه) أنّه (عليه السلام) قال: (لمّا اُسري بي رأيت الرحمن على صورة شابّ أمرد نوره يتلالا، وقد نُهيتُ عن صفته لكم، فسألت ربّي أن يُكرمني بُرؤيته، فإذا كأنّه عروس حين كشف عنه حجابه مستو على عرشه).
وهذا من وضعه وافترائه وجرأته على الله ـ عزّ وجلّ ـ وعلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ومَنْ أعظم فريةً مّمن شبّه الله ـ عزّ وجلّ ـ بأمرد وعروس ؟
________________________________________
وكان بعض أئمة الحنابلة يتوجّع، ويقول: ليت ابن حامد هذا ومن ضاهاه لم ينسبوا الى أنّهم من أتباع الامام أحمد، فقد أدخلوا بأقوالهم المفتراة الشينَ على المذهب، والتعرّض الى الامام أحمد بالتشبيه والتجسيم، وحاشاه من ذلك، بل هو من أعظم المنزّهة لله عزّ وجلّ، وقد خاب من افترى.
وقال بعض أئمة الحنابلة المنزِّهين: مَنْ أثبت لله تعالى هذه الصفات بالمعنى
المحسوس، فما عنده من الاسلام خبر. تقدّس الله ـ عزّ وجلّ ـ عمّا يقولون عُلوّاً كبيراً.
وخوضهم في ذلك كلام من لا يعرف الله عزّ وجلّ.
وكذا خوضهم في الاحاديث خوض من لايعرف كلام الله تعالى ولا كلام أهل اللغة، فيُجرونها على المتعارف عند الخلق، فيقعون في الكفر.
ونوضّح ذلك إيضاحاً مُبيناً يدركه أبلد العوامّ، فضلاً عن أذكياء الطلبة والعلماء الاخيار، الذين جعل الله ـ عزّ وجلّ ـ قلوبهم معادن المعاني المرادة وكنوزها.
فمن ذلك ما في الصحيحين(1) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) في حديث الضيف، فيه: (لقد عجب الله من صنيعكما الليلة).
وفي أفراد البخاري(2) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): (عجب ربّك من قوم جيء بهم في السلاسل حتّى يُدخلهم الجنّة).
قال ابن الانباري: معنى «عجب ربّك» زادهم إنعاماً وإحساناً فعبّر بالعجب عن ذلك.
قال الائمة: لانّ العجب إنّما يكون من شيء يدهم الانسان، فيستعظمه ممّا لا
____________
(1) بهذا اللفظ في صحيح مسلم في الاشربة رقم 3830 وأنظر رقم 3829، وفي البخاري كتاب المناقب رقم 3514 بفظ: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، ومثله في تفسير القرآن رقم 4510، وانظر شرح النووي لمسلم 14/12، وفتح الباري لان حجر 7/119، وسنن الترمذي 5/409 رقم 3304، وعارضه الاحوذي 12/190.
(2) رواه البخاري في الجهاد والسير رقم 2788، بلفظ: «من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» وهو في أبي داود، الجهاد رقم 2302، ومسند أحمد بلفظ: عجب ربنا.
________________________________________
يعلمه، وذلك إنّما يكون في المخلوق، وأمّا الخالق فلا يليق به ذلك، فمعناه عظم قدر ذلك الشيء عنده ; لانّ المتعجّب من الشيء يعظم قدره عنده.
فالمعنى في حديث الضيف: عظم قدره وقدر زوجته عنده حتّى نوّه بذكرهما في أعظم كتبه، وعظم قدر المجيء بهم في السلاسل حتّى أدخلهم الجنّة، وجعلهم من أوليائه وأنصار دينه.
ومن ذلك حديث: (لَلّهُ أفرح بتوبة عبده)(1) ، ومعناه أرضى بها.
ومنه(2) قوله (كُلُّ حِزب بما لديهم فرحون)(3) ; أي راضون، ونحو ذلك مما هو كثير في القرآن، وكذا الاحاديث:
ومنها حديث النزول.
وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ينزل ربّنا كلّ ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثُلُث الليل الاخر ; يقول: من يدعوني فأستجب له….) الى آخره.
وهذا الحديث رواه عشرون نفساً من الصحابة رضي الله عنهم.
وقد تقدّم أنّه يستحيل على الله ـ عزّ وجلّ ـ الحركة والتنقل والتغيّر، لانّ ذلك من صفات الحدث، فمن قال ذلك في حقّه تعالى فقد ألحقه بالمخلوق، وذلك كفر صريح لمخالفة القرآن في تنزيهه لنفسه سبحانه وتعالى.
____________
(1) مسلم 8 / 91 كتاب التوبة.
(2) أي من هذا الاستعمال ا هـ مصححه.
(3) سورة المؤمنون: 53.
ومن العجب العجيب أن يقرأ أحدهم قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد) مع أنّ معدنه في الارض.
وقوله تعالى: (وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) .
فيالله العجب، من شخص لم يعرف نزول الجمل، كيف يتكلّم في تفصيلها.
وقد قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب) .
وقال تعالى: (قد أنزل الله إليكم ذِكراً) ، فنسب الانزال الى هاتين الغايتين إليه سبحانه وتعالى.
وقد قال تعالى: (مَن يُضلل اللهُ) أي ببدعته (فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون) ،والعَمَهُ في البصيرة، كما أنّ العمى في البصر، والعَمَه في البصيرة منه الهلكة أعاذنا الله من ذلك.
________________________________________
وروى أبو عيسى الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عُيينة وابن المبارك: أنّهم قالوا: أمّروا هذه الاحاديث بلا كيف(1) .
قال الائمة: فواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النُّقلة والحركة.
فإنّ النزول ـ الذي هو انتقال من مكان الى آخر ـ يفتقر الى الجسمية والمكان العالي والمكان السافل ضرورة.
كما في قوله تعالى: (يخافون ربّهم من فوقهم) فإنّ الفوقية باعتبار المكان لا تكون بالضرورة إلاّ في الاجرام والاجسام مركّبة كانت أو بسيطة، والربّ ـ سبحانه وتعالى ـ منزَّه عن ذلك، إذ هو من صفات الحدث.
____________
(1) سنن الترمذي 2/87 ذيل حديث 0659 و4/692، وقال: وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن يروي هذه الاشياء كما جاءت ونؤمن بها ولا تفسّر ولا تتوهّم ولا يقال: كيف.
وقال ابن حامد الراسم نفسه بالحنبلي: هو فوق العرش بذاته، وينزل من مكانه الذي هو فيه، فينزل وينتقل.
ولمّا سمع تلميذه القاضي منه هذا استبشعه، فقال: النزول صفة ذاتية، ولا نقول: نزوله انتقال.
أراد أنْ يغالط الاغبياء بذلك.
وقال غيره: يتحرّك إذا نزل.
وحكوا هذه المقالة عن الامام أحمد، فجوراً منهم، بل هو كذب محض على السيد الجليل السلفي المنزّه.
فإنّ النزول إذا كان صفة لذاته لزم تجدّدها كلّ ليلة وتعدّدها، والاجماع منعقد على أنّ صفاته قديمة، فلا تجدّد ولا تعدّد تعالى الله عمّا يصفون.
وقد بالغ في الكفر من ألحق صفة الحقّ بالخلق، وأدرج نفسه في جريدة السامرة واليهود الذين هم أشدّ عداوة للذين آمنوا.
ومنها: حديث الاصابع.
وهو في الصحيحين من حديث ابن مسعود (رضي الله عنه)قال: (جاء حَبْر الى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمّد إنّ الله يضع السماء على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والانهار على أصبع، وسائر الخلق على أصبع ـ وفي لفظ ـ والماء والثرى على أصبع، ثمّ يهزّهنّ.
________________________________________
فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: (وما قَدَروا الله حَقَّ قَدره) وفي لفظ: (فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تعجّباً وتصديقاً له)(1) .
____________
(1) صحيح البخاري 6/33، وانظر 8/174 و187 و202 ـ دار الفكر ـ، وفتح الباري 13/393 و398، وصحيح مسلم 8/25 ـ دار الفكر ـ.
قال الائمة ـ منهم أبو سليمان الخطابي ـ: لا نثبت لله صفة إلاّ بالكتاب، أو خبر مقطوع بصحّته مستند الى أصل في الكتاب أو السُّنّة المقطوع بصحّتها(1) ، وما كان بخلاف ذلك فالواجب التوقّف عن إطلاق ذلك، ويتأوَّل على ما يليق بمعاني الاُصول المتّفق عليها من أقوال أهل العلم مع نفي التشبيه.
وقال غيره: قد نفى الله تعالى التشبيه عنه في قوله تعالى:(وما قدروا الله حقّ قدره والارض جميعاً قبضته يومَ القيامةِ والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ سُبحانه وتعالى) دفعاً لما يتبادر إليه الفهم باعتبار المحسوسات.
قال الائمة: معناه ما عرفوه حقّ معرفته.
وقال المبّرد: ما عظّموه حقّ عظمته.
وقبضة الله ـ عزّوجلّ ـ عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته.
واليمين ـ في كلام العرب ـ بمعنى الملك والقدرة، كما قال تعالى: (لاخذنا منه باليمين) أي بالقوة والقدرة.
وأشعار العرب في ذلك أكثر جدّاً من أن تُذكر، وأشهر من أن تُنشد وتُبرز وتُظهر.
وفي الحديث (الحجرُ الاسودُ يمينُ الله تعالى).
وقال تعالى (يدُ الله فوق أيديهم) .
وقال أبو الوفاء بن عقيل ـ من أصحاب الامام أحمد ـ: (ما قدروا الله حقّ قدره)
____________
(1) لو لاحظ المتكلمون في هذه المواضيع هذا الاصل لاستراحوا وأراحوا أنتهى. مصحِّحه.
إذ جعلوا صفاته تتساعد وتتعاضد على حمل مخلوقاته، وإنّما ذكر الشرك في الاية ردّاً عليهم.
وفي معنى هذا الحديث قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلّبها كيف شاء)(1) .
وفي ذلك إشارة الى أنّ القلوب مقهورة لمُقلِّبها.
________________________________________
قال الخطابي: واليهود مشبّهة، ونزول الاية دليل على إنكار الرسول عليهم، ولهذا ضحك(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه الانكار.
وليس معنى الاصابع معنى الجارحة لعدم ثبوته، بل يُطلق الاسم في ذلك على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه !
وقال غيره من حمل الاصابع على الجارحة فقد ردّ على الله ـ سبحانه وتعالى ـ في قوله: (سبحانه) وأدخل نفسه في أهل الشرك ; لقوله تعالى: (سبحانه وتعالى عمَّا يشركون) .
وهو ـ عزّ وجلّ ـ يذكر في كتابه المبين التحرّس عمّا لا يليق ; دفعاً وردّاً لاعدائه، كقوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً، سبحانه) وقال تعالى: (وخَرقوا له بَنين وبنات بغير علم، سبحانه) ونحو ذلك، وآكد من ذلك قوله: (وأنّه تعالى جدُّ ربِّنا ما اتخذ صاحبةً ولا ولداً) قدّم تنزيهه ـ عزّ وجلّ ـ أوّلاً في هذه الاية.
والقرآن طافح بذلك.
ومنها: ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لمّا قضى
____________
(1) رواه مسلم 4/2045 رقم 17، ومسند أحمد 2/168، والترمذي 4/449 برقم 2141، ومستدرك الحاكم 2/288.
الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: أنّ رحمتي غلبت غضبي) وفي لفظ: «سبقت».
قال القاضي المشبِّه ـ تلميذ ابن حامد ـ: ظاهر قوله: «عنده» التقرب من الذات.
وما قاله يستدعي القرب والمساحة، وذلك من صفات الاجسام، وقد عمي عن قوله تعالى: (مسومة عند ربِّكَ) .
ومن المعلوم أنّك تقول: عندي فوق الغرفة كتاب كذا، وهو في موضع شاسع نازل عن الغرفة بمسافة بعيدة.
ثمّ إنّ هذا القاضي روى عن الشعبي أنّه قال: إنّ الله قد ملا العرش حتّى أنّ له أطيطاً كأطيط الرَّحْل، وهو كذب على الشعبي(1) .
وقال بعضهم: (ثم استوى على العرش) قعد عليه.
وقال ابن الزاغوني: خرج عن الاستواء بأربع أصابع(2) .
ولهم ولاتباعهم مثل ذلك خبائث كلّها صريحة في التشبيه والتجسيم، لا سيما في مسألة الاستواء.
________________________________________
وهو ـ سبحانه وتعالى ـ متنزه عمّا لا يليق به من صفات الحَدَث.
ثمّ إنّ هؤلاء الجمادات وأعالي الجهلة، يلزمهم أن يقولوا في الحديث الذي رواه مسلم وغيره ما لم يمكن القول به من أجهل الناس: (ولا يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنوافل حتّى أُحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به،
____________
(1) دفع شبه التشبيه ص249.
(2) دفع شبه التشبيه ص248.
ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها…) الى آخره.
وبالضرورة لا يكون سبحانه جارحةً لعبده، ومع هذا يلزم التعدّد بحسب المتقرّبين والتجزئة والتفرقة، وغير ذلك مّما لا يقوله حمار، بل ولا جماد، تعالى الله وتقدّس عن ذلك.
قال ابن الجوزي: وهؤلاء وأتباعهم جهلوا معرفة ما يجوز على الله وما يستحيل عليه.
ومن أعجب ما رأيت لهم، ما ذكروا عن ابن أبي شيبة أنّه قال في كتاب العرش: إنّ الله قد أخبرنا: أنّه صار من الارض الى السماء، ومن السماء الى العرش، فاستوى على العرش.
ثمّ قال: ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعابنا الناس بكلامهم.
ولو فهموا أنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يوصف بما يوصف به الخلق، لما بنوا أمورهم وقواعدهم على المحسوسات التي بها المساواة بينه وبين خلقه، وفي ذلك تكذيبه في تنزيهِهِ وتقديسِهِ نفسَهُ عزّ وجلّ.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: تحسب الجهلة أنّ الكمال في نسبة النقائص إليه فيما نزّه نفسه عنه عزّ وجلّ، والذي أوقعهم في ذلك القياسُ المظنون، وكيف يكون له حكم الدليل وقد قضى عليه دليل العقل بالردّ؟!
[اختلاف الناس في هذه الاخبار]
قال أبو الفرج بن الجوزي: والناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب:
إحداها: إمرارها على ماجاءت من غير تفسير ولا تأويل إلاّ أن تقع ضرورة،
كقوله تعالى: (وجاء ربُّكَ) أي جاء أمره، وهذا مذهب السلف.
المرتبة الثانية: التأويل وهو مقام خطر.
________________________________________
المرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضى الحسّ، وقد عمّ جهله الناقلين ; إذ ليس لهم علوم المعقولات التي بها يعرف ما يجوز على الله ـ عزّ وجلّ ـ وما يستحيل.
فإنّ علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه، فإذ عدموها تصرّفوا في النقل بمقتضى الحسّ.
ولو فهموا أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا جارحة ولا تغير، لما بقوا على الحسّيات التي فيها عين التشبيه وهو كفر بالقرآن أعاذنا الله من ذلك.
ولا شكّ أنّ مذهب السكوت أسلم وقد ندم خلق من أكابر المتكلّمين على الخوض في ذلك.
قال أبو المعالي الجويني في آخر عمره: «خليتُ أهل الاسلام وعلومهم، وركبتُ البحر الاعظم، وغُصْتُ في الذي نهوا عنه، والان رجعتُ الى قولهم: عليكم بدين العجائز، فإن لم يُدركني الحقّ بلطفه وأموت على دين العجائز، وإلاّ فالويل لابن الجويني».
قال أبو الوفاء بن عقيل: معنى دين العجائز أنّ المدقّقين بالغوا في البحث والنظر، ولم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليل، فوقفوا مع المراسم واستطرحوا، وقالوا: لاندري.
وسئل الامام أحمد ـ قدس الله روحه ـ عن الاستواء، فقال «هو كما أخبر، لا كما يخطر بالبشر».
فانظر ـ وفقك الله وارشدك الى الحقّ ـ الى هذه العبارة ما أرشقها وعلى اتباعه
ما أشققها(1) ، اعتقاد قويم ومنهاج سليم.
____________
(1) لعله «ماأشقها» بحذف إحدى القافين، أو بإبدال إحداهما فاء. انتهى.مصحِّحه.
[اتهام الامام أحمد بالتجسيم]
قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي ـ واسمه عبدالرحمن بن علي ـ: لمّا رأى الحُسّاد للامام أحمد ما حصل له من الرفعة ونفاسة مذهبه ; لتشييده بالكتاب والسُّنّة، انتموا الى مذهبه ليُدخلوا عليه النقص والخلل وصرف الناس عنه ; حسداً من أنفسهم، فصرّحوا بالتشبيه والتجسيم، ولم يستحيوا من الخبير العليم، ونسبوه إليه افتراء عليه.
ومن نظمه في ذلك:
ولمّا نظرتُ في المذاهبِ كلّها … طلبتُ الاسدَّ في الصواب وماأغلو
________________________________________
فألفيتُ عند السير قول ابن حنبل … يزيد على كلّ المذاهب بل يعلو
وكلّ الذي قد قاله فمشيَّد … بنقل صحيح والحديث هو الاصلُ
وكان بنقل العلم أعرف من روى … بِقوم من السادات ما شانهم عظم(1)
ومذهبه أن لا يشبّه ربّه … ويتبع في التسليم من قد مضى قبلُ
____________
(1) الشطر الثاني، لم يرد في المطبوعة في مصر، وأخذناه من المصدر.
يشير الى صاحبه الامام الشافعي وغيره من علماء السلف كما أذكر.
قام له الحُسّاد من كلّ جانب … فقام على رِجْل الثبات وهم زلّوا
كان له أتباعُ صدق تتابعوا … فكم أرشدوا نحو الهدى وَلَكم دلّوا
جاءك قوم يدّعون تمذهباً … بمذهبه ما كلّ زرع له أُكلُ
مالوا الى التشبيه أخذاً بصورة الـ … ـذي نقلوه في الصفات وهم غُفلُ
قالوا: الذي قلناهُ مذهبُ أحمد … فمال الى تصديقهم من به جهلُ
صار الاعادي قائلين لكلّنا: … مشبِّهة قد ضرّنا الصحبُ والخلُّ
قد فضحوا ذاك الامام لجهلهم … ومذهبُهُ التنزيهُ لكن هُمُ اختلّوا
َعمري لقد أدركتُ منهم مشايخاً … وأكثر ما أدركته ماله عقلُ(1)
وحذفت أبياتاً من هذه القصيدة ; لانّي في هذه الورقات على سبيل الاقتصاد والرمز الى منهج الحقّ والرشاد.
[كلام الامام الشافعي وأبي حنيفة ومالك، في التأويل]
وسُئل الامام الشافعي ـ قدّس الله روحه ـ عن الاستواء ؟ فقال: «آمنتُ بلا تشبيه، وصدّقت بلا تمثيل، واتهمتُ نفسي في الادراك، وأمسكتُ عن الخوض فيه كلّ الامساك».
وهذا شأن الائمّة، يُمسكون أعنّة الخوض في هذا الشأن، مع أنّهم أعلم الناس به، ولا يخوض فيه إلاّ أجهل الناس به.
وسئل الامام أبو حنيفة ـ قدّس الله روحه ـ عن ذلك ؟ فقال: «من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الارض فقد كفر ; لانّ هذا القول يؤذن أنّ لله سبحانه وتعالى مكاناً، ومن توهّم أنّ لله مكاناً فهو مُشبِّه».
________________________________________
وسئل الامام مالك عن الاستواء ؟ فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بِدعة».
فنفى العلم بالكيف، فمن استدلّ بكلامه على أنّه ـ سبحانه وتعالى ـ فوق عرشه، فهو لجهله وسوء فهمه.
____________
(1) أورد القصيدة كاملة ابن الجوزي في (دفع شبه التشبيه) ص275 ـ 277.
وقال الامام مالك عند قوله: (فلا تَضربوا لله الامثالَ) من وصف شيئاً من ذاته سبحانه وتعالى، مثل قوله تعالى: (قالتِ اليهودُ يدُ الله مغلولةٌ غُلّت أيديهم) (فأشار بيده الى عنقه) قُطعت، وكذا السمع والبصر يقطع ذلك منه ; لانّه شبّه الله بنفسه.
وقال مالك (رضي الله عنه): «الاستواء معلوم» يعني عند أهل اللغة.
وقوله: «والكيف مجهول» أي بالنسبة الى الله عزّ وجلّ ; لانّ الكيف من صفات الحدث، وكلّ ما كان من صفات الحدث فالله ـ عزّ وجلّ ـ مُنزّه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقّق عند جميع أهل السُّنة والجماعة.
وقوله: «والايمان به واجب» أي على الوجه اللائق بعظمته وكبريائه.
وقوله: «والسؤال عنه بِدعة» لانّ الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا عالمين به وبمعناه اللائق بحسب اللغة، فلم يحتاجوا الى السؤال عنه فلّما ذهب العالمون به، وحدث من لم يعلم أوضاع لغتهم، ولا له نور كنورهم، شرع يسأل الجهلة بما يجوز على الله عزّ وجلّ، وفرح بذلك أهل الزيغ، فشرعوا يُدخلون الشُّبَهَ على الناس، ولذلك تعّين على أهل العلم أن يبيَّنوا للناس، وأن لا يهملوا البيان ; لقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذينَ أُتوا الكتابَ لتبيِّنُّنَه للنَّاس ولا تكتُمُونهُ) .
فهذه(1) الائمّة التي(2) مدار الامّة عليهم في دينهم، متّفقون في العقيدة، فمن زعم أنّ بينهم اختلافاً في ذلك، فقد افترى على أئمّة الاسلام والمسلمين، والله حسبه، وسيجزي الله المفترين.
____________
(1) لعله فهؤلاء انتهى.مصححه.
(2) لعله الذين انتهى. مصححه.
________________________________________
وفي الصحيحين من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهليّة).
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الشيطان ذئب الانسان كذئب الغنم ; يأخذ القاصية والنافرة والشاذّة، إياكم والشِّعاب، وعليكم بالعامّة والجماعة والمساجد). رواه الطبراني وغيره من حديث معاذ (رضي الله عنه)، ورواه الامام أحمد، ورجاله ثقات(1) .
وسُئل الامام أحمد عن الشافعي ؟ فقال: «ماالذي أقول فيه، وهو الذي أخرج من قشور التشبيه لبابها، وأطلع على معارفها أربابها، وجمع مذهبه أكنافها وأطنابها، فالمحدّثون صيادلة والشافعي طبيبهم، والفقهاء أكابر والشافعي كبيرهم، وما وضع أحد قلمه في محبرة إلاّ وللشافعي عليه منّة».
وكان كثير الدعاء للشافعي، قال له ابنه عبدالله: أيَّ شيء كان الشافعي، فإنّي أسمعك تُكثر الدعاء له؟ قال: «يابُنيّ كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟».
[كلام السلف في التأويل]
وسئل بعض أئمّة السلف عن قوله تعالى (الرحمن على العرشِ استوى) ؟
فقال: الرحمن ـ جلّ وعلا ـ لم يزل والعرش مُحدَث بالرحمن استوى، ثمّ قال: كلّ ما ميّزتموه بأذهانكم وأدركتموه في أتمّ عقولكم، فهو مصروف إليكم ومردود عليكم، محدث ومصنوع مثلكم ; لانّ حقيقته عالية عن أن تلحقه عبارة، أو يدركه وهم،أو يُحيط به علم، كلاّ، كيف يُحيط به علم وقد اتّفق فيه الاضداد بقوله سبحانه
____________
(1) في مجمع الزوائد للهيثمي 2/23 عن أحمد وفي 5/219 عن أحمد والطبراني، وكنز العمال 1/206 رقم 1026 و1027 و7/581 رقم 20355.
وتعالى: (هو الاوّل والاخرُ والظَّاهر والباطنُ) ؟!
أيّ عبارة تُخبر عنه؟! حقيقة الالفاظ كلام، قصرت عنه العبارات،وخرست عنه الالسنة بقوله: (ليس كمثله شيء) تعالى الله وتقدّس عن المجانسة والمماثلة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الاية: معناها ليس له نظير.
________________________________________
وقال أهل التحقيق: ذكر العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته ; إذ الذات ممتنعة عن الاحاطة بها والوقوف عليها، كما أشار الى ذلك في قوله تعالى: (الله لا إله إلاّ هو ربُّ العرشِ العظيم) .
فسبحانه هو المنزّه عن الشبيه، القدّوس المبرّأ عن الافات، والمُسبَّح بجميع اللغات، السلام السالم من نقائص المخلوقات،الصمد السيّد الذي لا يُشبهه شيء من المصنوعات والمخلوقات، الغنيّ عن الاغيار، تبارك وتعالى عن أن تحويه الجهات، الفرد الذي لا نظير له، المنفرد بصفات الكمال والقدرة، ومن بعض مقدوراته الكرسيّ والعرش والارضون والسموات، شهد لنفسه بالوحدانية، ونزّهها بالايات البيّنات، فصفاته لا يوصف بها غيره.
ومن تعرّض لذلك فقد طعن في كلامه، وضاهى أهل العناد، فاستوجب اللعن وأشدّ العقوبات.
[قول البغدادين في التأويل]
قال البغداديّون في قوله تعالى: (بديع السمواتِ والارضِ وإذا قضى أمراً فإنّما يقولُ له كن فيكونُ)(1) : كلّ صُنع صنعه ولا علّة لصنعته، ليس لذاته مكان ;
____________
(1) البقرة: 117.
لانّه قبل الكون والمكان، وأوجد الاكوان بقوله: (كُنْ) أزال العلل عن ذاته بالدرك(1) وبالعبارة عنه وبالاشارة، فلا يبلغ أحد شيئاً من كنه معرفته ; لانّه لا يعلم أحد ما هو إلاّ هو، حيّ قيّوم لا أوّل لحياته، ولا أمد لبقائه، احتجب عن العقول والافهام، كما احتجب عن الابصار فعجز العقل عن الدرك، والدرك عن الاستنباط،وانتهى المخلوق الى مثله، وأسنده الطلب الى شكله. انتهى.
وقولهم: «كلّ صنع» عبّروا بالمصدر عن اسم المفعول، كقوله تعالى: (هذا خلقُ الله)(2) .
ومن الجهل البيّن أن يطلب العبد المقهور بـ «كُنْ» درك ما لا يُدرك، كيف ؟ وقد تنزّه عن أن يُدرك بالحواسّ، أو يتصوّر بالعقل الحادث والقياس، مَنْ لا يدركه العقل من جهة التمثيل، ويُدركه من جهة الدليل.
________________________________________
فكلّ ما يتوهّمه العقل لنفسه فهو جسم، وله نهاية في جسمه وجنسه ونوعه وحركته وسكونه، مع ما يلزمه من الحدود والمساحة ; من الطول والعرض وغير ذلك من صفات الحدث، تعالى عن ذلك.
فهوالكائن قبل الزمانوالمكان، وهوالاوّل قبل سوابق العدم،الابدي بعد لواحق القِدَم، ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، جلّت ذاته القديمة ـ التي لم تُسبق بعدم ـ أن يكون لها صفة حادثة،كما يستحيل أن يكون للذات الحادثة صفة قديمة.
قال تعالى: (أولا يذكُرُ الانسانُ أنَّا خلقناهُ مِنْ قبلُ ولم يكُ شيئاً)(3) .
____________
(1) قوله «بالدرك» متعلق بمحذوف فيما يظهر، تقديره: وأعجز الخلقَ عن أن يحيطوا به بالدرك… الى آخره. والدرك: الادراك. انتهى مصحّحه.
(2) لقمان: 11.
(1) مريم: 37.
[كلام يحيى بن معاذ في التأويل]
وسأل بعض المخبثين(2) الطوية للامام العالم العلامة الجامع بين العلوم السَّنّية والمناهج العَلِية ; يحيى بن معاذ الرازي، فقال له: أخبرنا عن الله؟ فقال: إله واحد. فقال له كيف هو؟ قال: إله قادر. قال: فأين هو؟ قال: بالمرصاد.
فقال السائل: لم أسألك عن هذا. فقال: ما كان غير هذا فهو صفة المخلوق، فأمّا صفته فالذي أخبرتك عنه.
فالسائل سأل عن الذات والكيفية، فأجابه هذا الحَبْر بالصفات الجلاليّة القُدسيّة.
وهذا أخذه من قصة سيّدنا موسى (عليه السلام) مع فرعون اللعين لمّا قال له موسى (عليه السلام): (إنّي رسول ربِّ العالمينَ) فسأله فرعون (وما ربُّ العالمينَ)(3) فقال موسى (ربُّ السمواتِ والارضِ وما بينهما إنْ كنتم موقنين)(4) .
____________
(2) لعله «خبيثي…» الى آخره، وقوله «للامام» لعلّ اللام الاولى من تصّرفات النُّساخ، وهذا ظنّنا في كلّ ما تقدّم أو يجيء في هذا الكتاب من الالفاظ التي تخالف اللغة ; لانّ الامام الحصني أجلّ من أن يخفى عليه مثل ذلك. انتهى. مصحّحه.
(3) الزخرف: 46.
(4) الدخان: 7.
________________________________________
فضمّن الجواب العدول عمّا سأل ; لانّه عدل فيه عن مطابقة السؤال ; لانّ فرعون سأل عن ماهيّته سبحانه وتعالى، وموسى أجابه عن قدرته وصفاته، فجاز له ـ حين خلط في السؤال وأخطأ، وسأل عمّا لا يمكن إدراكه ـ العدولُ عن سؤاله.
فقال فرعون: (ألا تستمعونَ)(1) أنا أسأله عن شيء، فيجيب عن غيره.
فقال موسى (عليه السلام) (ربُّكم وربُّ آبائِكم الاولينَ)(2) .
فلما قال موسى (عليه السلام) ذلك استشعر فرعون أنّه أخطأ في السؤال، فخشي أن يدرك ذلك جلساؤه، فقال: (إنَّ رسولَكُم الذي أُرسل إليكم لمجنونٌ) رماه بذلك حتّى يتخلص ويصير موسى (عليه السلام)في مقام لا يُلتفت الى قوله، ولا يؤخذ به.
فتأمّل ـ أرشدك الله عزّ وجلّ وهداك الى الحقّ ـ كيف أنّ ذلك معلوم عند الانبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغيرهم عدم العلم بالذات والكيف ؟
فلا أجهل ولا أعمى بصيرة مّمن فرعون أهدى منه في معرفته بالعجز عن درك ذاته !
[قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة بالتأويل]
قال الامام الحافظ محمّد بن علي الترمذي ـ صاحب التصانيف المشهورة ـ:
____________
(1) الشعراء: 25.
(2) الدخان: 8.
«من جهل أوصاف العبودية فهو بنعت الربوبيّة أجهل».
وقال أهل التحقيق من أهل السُّنّة والجماعة: «من اعتقد في الله ـ عزّ وجلّ ـ ما يليق بطبعه كالعامّي، فهو مشبّه.
فإنّه ـ عزّ وجلّ ـ منزّه عن كلّ ما يصفه الادمي أو يتخيّله ; لانّ ذلك من صفات الحدَث تعالى وتقدّس عن ذلك».
فإيمان العاميّ لضعف علمه وعقله يقبل التشكيك(1) .
[مجموعة من تأويلات ابن عباس]
________________________________________
قال ابن عبّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون) : هم الذين شبّهوا الله سبحانه وتعالى بخلقه، يؤمنون به مُجملاً، ويكفرون به مفصّلاً، حملهم على ذلك زُخرفُ العدوّ وإغواؤه، بدسيسة عدم علمهم بغوائل النفس الامّارة بالسوء وعدم تأمّلهم قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السمواتِ والارضِ ولا خلقَ أنفسِهم)(2) ، وفي ذلك إشارة الى عجز الخليقة أن تدرك بعض صفات ذواتها في ذاتها، أو تدري كيف كُنهها في أنفسها،بعدم شهودهم خلق السموات والارض وخلق أنفسها، فلم تملك أن تحتوي علم أنفسها في أنفسها، فكيف تدري أو تدرك شيئاً من صفات مُوجدها
____________
(1) هذا الكلام ليس على عمومه، فإنّ من العامّة من يندهش العالم لِمبلغ كمال إيمانه بالله عزّ وجلّ، وقد يصدق ذلك في بعض العوامّ الذين لم ينشأوا في حجور أهل الدين، ولم يختلطوا بهم، وهم أندر من الكبريت الاحمر بين طبقات العوّام. انتهى. مصحّحه.
(2) الكهف: 51.
من العدم وبارئها ومالكها؟!
وقال تعالى: (ومن كلِّ شيء خلقنا زوجين)(1) (سُبحانَ الذي خلق الازواج كُلَّها)(2) ، وفي ذلك إشارة ظاهرة الى عجزك عن إدراك كُنه بعض المخلوقات على اختلاف ذواتها وصفاتها، وفي بعضها ما لا يخطر على قلب بشر، فكيف بالخالق الذي نزّه نفسه بقوله تعالى:(ليس كمثله شيء) ؟!
وهو ـ سبحانه وتعالى ـ مباين لخلقه من كلّ وجه لا يسعه غيره ولا يحجبه سواه، تقدّس أن يدركه حادث أو يتخيّله وَهم أو يتصوّره خيال، كل ذلك محال.
________________________________________
فهو الملك القُدّوس المنزّه في ذاته وصفاته عن مشابهة مخلوتاته، وأنت من مخلوقاته ; ركّبك على منوال عجيب، وجعلك في أحسن صورة وأعجب ترتيب، مع تنقّل تارات من ماء مهين، فقال عزّ وجلّ: (ولقد خلقنا الانسانَ من سلالة من طين * ثمَّ جعلناه نطفةً في قرار مكين * ثمّ خلقنا النُّطفةَ علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضفة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثمَّ أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)(3) .
الانسان هنا هو آدم (عليه السلام) وسلالته ; لانّه سلّةٌ من كلّ تربة، وكان (عليه السلام) يتكلم بسبعمائة ألف لغة.
____________
(1) الذاريات: 49.
(2) يس: 36.
(3) المؤمنون: 12 ـ 14.
وقوله تعالى: (ثمّ جعلناه) أي الانسان (نطفةً في قرار مكين) أي حرز منيع، وهو الرحم (ثم خلقناه علقةً) أي دماً (فخلقنا العلقة مضغةً) أي قدر ما يُمضغ (فخلقنا المضغة عظاماً) وبين كل خلقتين أربعون يوماً (فكسونا العظام لحماً ثمَّ أنشأناه خلقاً آخر) وهو نفخ الروح فيه.
قاله ابن عبّاس ومجاهد والشعبي وغيرهم.
وقيل: نبات الاسنان والشعر، قاله قتادة.
وقيل: ذكراً أو أنثى، قاله الحسن، وقيل غير ذلك.
(فتبارك الله أحسن الخالقينَ) أي المصوّرين والمقدّرين.
________________________________________
تنزّه سبحانه وتعالى بعد ذكر هذه الاطوار. المعنى: أنّ مَن هذه مِن بعض مقدوراته، يستحقّ التعظيم والتنزيه ; لانّ هذه التارات والتنقّلات إنشاء بعد إنشاء، في غاية الدلالة على كمال القدرة ووصف الالوهية، ثمّ الانشاء الاخر أن شقّ الشقوق وخرق الخروق، وأخرج العصب وجعل العروق كالانهار الجارية، وركّبها على منوال غريب، مع كونه خلقاً سويّاً، فأظهر يد القدرة والايات الظاهرة، وكمال الصنع والحكمة الباهرة، وأودع فيه الروح والحركة والسكون والادراك والتمييز، ولغات الكلام والعلم والمعرفة والفهم والفطنة والفراسة، وغير ذلك مّما يليق بهذا النوع الانساني الحيواني الى غير ذلك مّما يطول عدّه، ويعسر تقديره وحدّه (فتبارك الله أحسنُ الخالقين) .
ولو قيل لك: أخبرني عن قدر عروقك رقّة وثخانة وطولاً وقصراً، أو عن حقيقة بعض ما في باطنك من أي نوع كان، لعجزت عن بيان ذلك ولخرست، وأنت وجميع هذا النوع الانساني نُتفة تراب جعله بشراً منتشراً.
فتعالى الله وتبارك أن يخوض في ذاته وصفاته إلاّ من عَدِم الرشاد، وسلك سبيل الفساد والعناد، وصيّر نفسه أخسّ العباد.
فمن حقّق نظره واستعمل فكره، وجد نفسه أجهل الجاهلين بعظمة هذا العظيم.
فلا يقدّره أحد قدره ولا يعرفه سواه، وإن قرّبه وأدناه فسبحانه ما اثنى عليه حقّ ثنائه غيرُه، ولا وصفه بماغ يليق به سواه عجز الانبياء والمرسلون عن ذلك، قال أجلّهم قدراً وأرفعهم محلاً وأبلغهم نُطقاً، مع ما أُعطي من جوامع الكَلِم: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك».
ومن تأمل كلام الله ـ عزّ وجلّ ـ وجده محشواً بتنزيهه تارةً بالتصريح ; وتارة بالتلويح، وتارة بالاشارات، وتارة بما تقصر عنه العبارات.
________________________________________
وهؤلاء(1) العلماءُ ورثة الانبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين قربوا من درجة النبوّة، لانّهم دلّوا الناس على ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلا، ويرجح مدادهم على دم الشهداء، ويستغفر لهم من في السموات والارض حتّى الحيتان في الماء، وهم أمناء الله ـ عزّ وجلّ ـ في أرضه، وأحدهم على الشيطان أشدّ من ألف عابد.
وقد قيل في قوله تعالى: (ربِّ زدني علماً)(2) : أي زدني علماً بالقرآن ومعانيه.
وهؤلاء لهم علم لَدُنيّ يرد على قلوبهم من غيب الهدى، لها جَوَلان في
____________
(1) معطوف على الانبياء أي عجزوا كما عجز الانبياء عن وصف ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ كما ينبغي له ويليق به، ولولا ما علّمهم الله تعالى في دينه ما عرفوا ما عرفوا من وحيه، وإنّما قلنا بذلك العطف ; لانّه لم يحيء بعدهم حديث عنهم، فليعلم. انتهى.مصحّحه.
(2) الكهف: 114.
الملكوت، فترجع الى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يلقي إليها عالم علمه.
ومن ثمرة ذلك حصول الخشية وتزايد الخوف، والعمل بالاخلاص والصدق والزهد وصون النفس عن مواطن الهلكة، وإلاّ هلك وأهلك غيره.
ومثل العالم كمثل السفينة إذا انخرقت غرقت وغرق أهلها، فواجب على العالم أن يحترز لئلا يَهلك ويُهلك غيره، فيلقى الله بذنوبه وذنوب غيره، فيضاعف عليه العذاب.
[قول محمد بن المنكدر بالتأويل]
قال محمد بن المنكدر ـ وهو من سادة التابعين، وكانت عائشة رضي الله عنها تحبّه وتُكرمه وتَبِّره: الفقيه يدخل بين الله ـ عزّ وجلّ ـ وبين عباده،فلينظر كيف يدخل ؟
وصدق ونصح قدّس الله روحه.
وهذا شأن السلف بذلوا النصيحة للاسلام والمسلمين، وكانوا شديدين على من خالف، ولا سيّما لما ظهر أهل الزيغ، وتظاهروا بالتنويه بذكر آيات المتشابه وأحاديثه، بالغوا في التحذير منهم ومن مجالستهم، وكانوا يقولون: هم الذين عنى الله ـ عزّ وجلّ ـ في قوله تعالى: (فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منهُ ابتغاء الفتنةِ)(1) الاية.
________________________________________
وكذا قالت عائشة رضي الله عنها.
وكانوا يقولون ـ إذا جلس أحد للوعظ والتذكير ـ: تفقدوا منه أموراً، ولا تغترّوا بكلّ واعظ، فإنّ الواعظ إذا لم يكن صادقاً ناصحاً سليم السريرة من الطمع
____________
(1) آل عمران: 7.
والهوى هلك وأهلك.
وذكروا أشياء ببعضها تنطفيء نار الشبه التي بها يموّه أهل الزيغ.
ومن لا يقبلها فما ذاك إلاّ أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يريد إهلاكه وحشره في زمرة السامرة واليهود والزنادقة، ومن يرد الله ـ عزّ وجلّ ـ إضلاله فلا هادي له (والله يحكم لا معقب لحكمه) (لا يُسأل عمّا يفعل) قسّم الخلق الى شقيّ وسعيد، فهو الفعّال لما يريد، فمن اتبع هداه فلا يضلّ ولا يشقى، ومن اتبع هوى نفسه الامّارة وأهل الزيغ والضلالة، وحاد عن سبيل من بهم يُقتدى هلك في المرقى.
ولنرجع الى قول السلف رضي الله عنهم: إذا جلس شخص للوعظ فتفقدوا منه أُموراً إن كانت فيه، وإلاّ فاهربوا منه، وإياكم والجلوس إليه، وإلاّ هلكتم من حيث طلبتم النجاة.
قالوا ذلك حين ظهر أهل الزيغ والبدع، وكثرت المقالات، وذلك بعد وفاة عمر رضي الله عنه وحديث حذيفة رضي الله عنه يدلّ لذلك واللفظ لمسلم.
[حديث حذيفة في الفتن ونبوغ الاهواء]
قال حذيفة: (كنّا عند عمر رضي الله عنه، فقال: أيّكم سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلّكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره، قالوا: أجل. قال: تلك تُكفّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيّكم سمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة رضي الله عنه: فأسكت القومُ، فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك.
قال حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: تُعرض الفتنُ على القلوب كالحصير، فأيّ قلب أُشرِبَها نُكِت فيه نُكتة سوداء، وأيّ قلب أنكرها نُكِت فيه نُكتة بيضاء ; حتّى يصير على قلبين: على أبيض مثل الصفاة، فلا تضرّه
________________________________________
فتنة مادامت السموات والارض، والاخر أسود مرباداً كالكوز مجْخيّاً ; لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلاّ ما أُشرب من هواه.
قال حذيفة (رضي الله عنه): وحدّثته: أنّ بينك وبينها باباً مُغلقاً يوشك أن يُكسر.
قال: قال عمر (رضي الله عنه): أكسر لا أبا لك، فلو أنّه فتح لعلّه كان يعاد. قال: لا، بل يُكسر.
وحدّثته: أنّ ذلك الباب رجل يُقتل أو يموت حديثاً ليس بالاغاليط.
قال أبو خالد: فقلت لسعيد: يا أبا مالك ما «أسود مرباداً»؟
قال: شدة البياض في السواد.
قال قلت: فما «الكوز مجخيّاً»؟ قال: منكوساً(1) .
فقوله: «ليس بالاغاليط» يعني أنّه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
والفتن كلّ أمر كشفه الاختبار عن أمر سوء، وأصله في اللغة الاختبار، وشُبّهت بموج البحر ; لاضطرابها ودفع بعضها ببعض وشدّة عظمها وشيوعها.
وقوله: «تعرض الفتن على القلوب» أي تلصق بعرض القلوب ; أي بجانبها كالحصير تلصق بجنب النائم، وتؤثر فيه لشدة التصاقها.
وهذا شأن المشبّهة تلصق فتنة التشبيه في قلوبهم وتؤثّر، وتحسن لعقولهم ذلك حتّى يعتقدوا ذلك ديناً وقرباناً من الله عزّ وجلّ، وما يقنع أحدهم حتّى يبقى داعية وحريصاً على(2) إفتان من يقدر على إفتانه، كما هو مشاهد منهم.
____________
(1) صحيح مسلم: كتاب الايمان الحديث 207، والبخاري في مواقيت الصلاة رقم 494 وفي الزكاة 1345 وفي الصوم 1762 وفي المناقب 3321 وفي الفتن 6567، والترمذي في الفتن 2184، وابن ماجة في الفتن 3945، وأحمد في المسند رقم 22322.
(2) يريد: فتنة من يقدر على فتنته أو فتن أو فتون… الى آخره. أنتهى. مصحّحه.
وإلى مثل ذلك قوله «أُشرِبها» أي دخلت فيه دخولاً تامّاً وألزمها وحلّت منه محلّ الشراب ومنه قوله تعالى: (وأُشربوا في قلوبهم العجلَ)(1) أي حبّه.
فقوله: «إنّ بينك وبينها باباً مُغلقاً» معناه أنّ تلك الفتن لا تفتح، ولا يخرج منها شيء في حياتك.
________________________________________
وقوله: يُوشك ـ هو بضم الياء وكسر الشين ـ معناه أنّه يكسر عن قرب، والرجل هو عمر، وقد جاء مبيّناً في الصحيح.
والحاصل: أنّ الحائل بين الناس وبين الفتن هو عمر (رضي الله عنه) ما دام حيّاً، فإذا مات دخلت.
ومبدأ الفتن هو الذين شَرِقوا(2) بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ; لعلمهم أنّ الدين لا يتمّ إلاّ بهما ; لانّ عندهم علماً بذلك، وكانوا يُظهرون الاسلام ويقرؤون شيئاً من القرآن، وكانوا يرمزون الى التعرّض بالنقص حتّى في النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى أنّ منهم من كان يؤمّ الناس ولا يقرأ في الجهرية إلاّ بعبس ; لما فيها من العتاب مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لاجل ابن أُمّ مكتوم، وهمّ (رضي الله عنه) على(3) قتاله.
وتظاهر شخص بسؤال: ماالذاريات ذَرْواً؟ فقال عمر (رضي الله عنه): اللّهمّ أمكني منه،
____________
(1) البقرة: 63.
(2) أي غَصّوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) وبصاحبيه، فلم يستطيعوا أن ينفذوا ما يضمرون من الكيد للاسلام في وجودهم ; لعلمهم… الى آخره. انتهى.
(3) «على» موضع الباء. انتهى.مصحّحه.
فمرّ يوماً، فقيل له: هوذا، واسم الرجل صبيغ، فشمّر عمر (رضي الله عنه) عن ذراعيه وأوجعه جلداً. ثمّ قال: أرحِلوه، فاركبوه على راحلته، فقال: طيفوا به في حيّه ليعلم الناس بذلك(1) .
وكان (رضي الله عنه) شديداً في دين الله ـ عزّ وجلّ ـ لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد ذكرت نبذة يسيرة من سيرته في كتاب «قمع النفوس».
ولما كان أواخر القرن الاوّل اتّسع الامر من القُصّاص.
________________________________________
وتظاهر شخص يقال له المغيرة بن سعيد، وكان ساحراً، واشتهر بالوصّاف، وجمع بين الالحاد والتنجيم، ويقول: إنّ ربه على صورة رجل على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء، ويقول ما لا ينطق به، ويقول: إنّ الامانة في قول الله تعالى: (إنّا عرضنا الامانةَ على السمواتِ والارضِ والجبالِ)(2) ، هي أن لا يُمنع عليٌّ الخلافة، وقوله تعالى:(وحَمَلَها الانسانُ إنّه كانَ ظلوماً جَهولاً)(3) هو أبو بكر (رضي الله عنه)، وقال عمر (رضي الله عنه) لابي بكر أن يحملها ويمنع عليّاً منها، وضمن عمر أنّه يعيّن أبا بكر بشرط أن يجعل أبو بكر الخلافة له بعده، فقبل أبو بكر منه، وأقدما على المنع متظاهرين.
ثمّ وصفهما بالظلم والجهل، فقال: وحملها أبو بكر إنّه كان ظلوماً جهولاً، وزعم أنّه نزل في حقّ عمر (رضي الله عنه) (كمثلِ الشيطانِ إذ قال للانسانِ أكفرْ…)
____________
(1) ونفاه بعد ذلك(رضي الله عنه)، ولم يرجعه حتّى صدقت توبته. انتهى. مصحّحه.
(2) الاحزاب: 72.
(3) الاحزاب: 72.
(1) الاية، وكان يقول بتكفير سائر الصحابة رضي الله عنهم إلاّ لمن ثبت مع عليّ (رضي الله عنه).
وكان يقول: إنّ الانبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لم يختلفوا في شيء من الشرائع، وكان يقول بتحريم إنكار المنكر قبل خروج الامام.
وقال لمحمّد الباقر: أقِرّ أنّك تعلم الغيب حتّى أجبي لك العراق، فانتهره وطرده.
وكذا فعل بجعفر الصادق ـ ولد محمّد الباقر ـ فقال: أعوذ بالله.
وكان يقول: انتظروا محمد بن عبدالله الامام، فإنّه يرجع ومعه ميكائيل وجبريل يتبعانه من الركن والمقام.
وكان له خبائث،فلمّا كان في السنة التاسعة عشرة والمائة ظفر به خالد بن عبدالله القسري، فأحرقه وأحرق معه خمسة من أتباعه(2) .
فهذا شأن أهل الزيغ.
واستمرّ الامر على ذلك، إلاّ أنّهم سلكوا مسلك المكر والحيلة بإظهار
____________
(1) الحشر: 16.
________________________________________
(2) جمع المؤلّف في الحديث عن المغيرة بن سعيد بين هذه الخرافات وخلط فيها بين الحقّ والباطل نقلاً عن أعداء آل محمد(صلى الله عليه وآله) تشويهاً لسمعتهم وإبعاداً للناس عنهم وعن مآثرهم ومكارمهم ومعارفهم، فليتروّ القارىء في أكثر هذه المنقولات، وليقرأها بحذَر!
فإنّ أكثر أهل هذا الشأن هم أهل الحديث، والمنتسبونَ إلى السلفيّة والمذهب الحنبليّ كما صرّح المؤلّف في مواضع، ومن الكراميّة والجهميّة، وهم أبعد الناس من آل محمد ومن مذهب أهل البيت.
الكبّ(1) على سماع الحديث، ويكثرون من ذكر أحاديث المتشابه ويجمعونها ويسردونها على الناس والعوامّ.
ثم كثرت المقالات في زمن الامام أحمد وكثر القُصّاص، وتوجّع هو وابن عُيينة وغيرهما منهم، وكان الامام أحمد يقول: كنت أودّ لو كان قصّاصاً صادقاً نصوحاً طيّب السريرة.
[بدعة الكرامية والحنابلة]
ونبغ في زمنه محمّد بن كرام السجستاني، وترافق مع الامام أحمد، وأظهر حسن الطريقة حتّى وثقه هو وابن عيينة، وسمع الحديث الكثير، ووقف على التفاسير، وأظهر التقشّف مع العفّة ولين الجانب، وكان ملبوسه جلد ضأن غير مخيط، وعلى رأسه قَلَنسُوة بيضاء، ثم أخذ حانوتاً يبيع فيه لبناً، واتّخذ قطعة فَرْو يجلس عليها، ويعظ ويذكّر ويحدّث ويتخشّع.
حتّى أخذ بقلوب العوامّ والضعفاء من الطلبة لوعظه وبزهده ; حتّى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون الفاً، وكان من غلاة المشبهة، وصار يُلقي على العوامّ الايات المتشابهة والاخبار التي ظواهرها يوافق عقول العوامّ وما ألفوه.
ففطن الحُذّاق من العلماء، فأخذوه ووضعوه في السجن، فلبث في سجن نيسابور ثمانيَ سنين.
ثمّ لم يزل أتباعه يسعون فيه حتّى خرج من السجن، وارتحل الى الشام، ومات بها في زعر، ولم يعلم به إلاّ خاصّة من أصحابه، فحملوه ودفنوه في القدس الشريف، وكان اتباعه في القدس أكثر من عشرين ألفاً على التعبّد والتقشّف، وقد
____________
________________________________________
(1) يريد «الاكباب». انتهى. مصحّحه.
زيّن لهم الشيطان ما هم عليه وهم من الهالكين وهم لا يشعرون، واستمرّ على ما هم عليه خَلق شأنهم حمل الناس على ما هم عليه إلى وقتك هذا.
قال الله تعالى: (أفمن زُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسناً)(1) قال سعيد بن جبير: هذه الاية نزلت في أصحاب الاهواء والبدع. المعنى: أنّه ركض في ميادين الباطل، وهو يظنّها حقّاً.
وكان ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ يقول عند هذه الاية: إنّ الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها.
والبدعة هي استحسان ما يسوق إليه الهوى والشبهة مع الظنّ بكونها حقّاً.
وهؤلاء يُنزع من قلوبهم نور المعرفة، وسراج التوحيد من أسرارهم، ووُكلوا الى ما أختاروا، فضلّوا وأضلّوا (ويحسبون أنّهم على شيء ألا إنّهم همُ الكاذبونَ)(2) حتّى ينكشف لهم الامر.
كما قال الله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبونَ)(3) قيل: عملوا أعمالاً ظنّوا أنّها في كفّة الحسنات، فإذا هي في كفة السيئات.
وهذه الاية قيل: إنّها في أهل البدع، يتصوّر(4) ويعتقد ـ مع تمام الورع
____________
(1) فاطر: 8.
(2) المجادلة: 18.
(3) الزمر: 47.
(4) أي أحدهم انتهى. مصحّحه.
والزهد وتمام الاعمال الصالحة وفعل الطاعات والقُرُبات ـ ما عاقبته خطرة، ومن ذلك أن يعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله ما هو خلاف الحقّ، ويعتقده على خلاف ما هو عليه ; إمّا برأيه ومعقوله الذي يُحاكي به الخصوم، وعليه يُعوّل وبه يغترّ، قد زيّن له العدّو وحلاّه له حتّى اعتقده ديناً ونعمة، وإمّا أخذاً بالتقليد مّمن هذه حاله. وهذا التقليد كثير في العوامّ، لا سيّما من يعضد بدعته واعتقاده بظاهر آية أو خبر، وهو على وفق الطبع والعادة.
وقد أهلك اللعين بمثل هذا خلقاً لا يُحصون حتّى إنّهم يعتقدون أنّ الحقّ في مثال ماهم عليه، وأنّ غيرهم على ضلالة.
________________________________________
ومثل هؤلاء ومن اتّبعوهم إذا بدا لهم ناصية مَلَك الموت، انكشف لهم(1) ـ ما اعتقدوه حقّاً ـ باطلاً وجهلاً، وخُتم لهم بالسوء، خرجت أرواحهم على ذلك، وتعذّر عليهم التدارك، وكذا كلّ اعتقاد باطل.
ولا يفيد زوال ذلك كثرة التعبّد وشدّة الزهد وكثرة الصوم والحجّ، وغير ذلك من أنواع الطاعات والقربات، لانّها تبع لامر باطل.
ولا ينجو أحد إلاّ بالاعتقاد الحقّ وقد قال تعالى: (فماذا بعد الحقِّ إلاّ الضَّلالُ)(2) وهذه الاية صريحة في أنّه ليس بين الحقّ والباطل واسطة.
والباطل هو الذهاب عن الحقّ، مأخوذ من ضلّ الطريق، وهو العدول عن سمته.
____________
(1) في الاصل: انكشف لهم بطلان ما اعتقدوه…» وهو من سهو القلم، والصحيح حذف كلمة «بطلان». ولعلّ «بطلان» من زيادة النسّاخ.انتهى. مصحّحه.
(2) يونس: 32.
والحقّ هو الصراط المستقيم الذي في قوله تعالى: (وأنّ هذا صراطي مُستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السُّبلَ فتَفَرقَ بكم عن سبيلهِ ذلكم وصَّاكم به لعلّكم تتّقون)(1) وصف الله تعالى صراطه ـ وهو دينه ـ بالاستقامة، وأمر باتّباعه.
والمستقيم هو الذي لا اعوجاج فيه، فمن اتّبعه أوصله الى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
قال سهل: الصراط المستقيم هو الاقتداء والاتّباع وترك الهوى والابتداع.
ثمّ إنّه تعالى نهى عن اتّباع السُّبل ; لما فيها من الحِيَدَة عن طريق الاستقامة، فقال: (ولا تَتّبِعُوا السُّبلَ فتفرَّقَ بِكم عن سبيله) أي تميل بكم عن طريقه ـ التي ارتضى، وبه(2) أوصى ـ الى سُبُل الضلالات من الاهواء، فتهلكوا.
قيل لعبدالله بن مسعود (رضي الله عنه): ما الصراط المستقيم؟ فقال: «ما تركنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)في أدناه وطرفه في الجنّة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به الى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به الى الجنّة، ثمّ تلا: (وأنَّ هذا صراطي مُستقيماً) الاية.
________________________________________
فأشار (رضي الله عنه)بالرجال الذين على الجوادّ الى علماء السوء وأهل البدع، وأشار بقوله: «يدعون من مرّ بهم» الى الوعّاظ الذين هم سبب هلاك من قعد إليهم.
____________
(1) الانعام: 153.
(2) راعى في وصف الطريق بـ «التي» جواز تأنيثها، وراعى في رجوع الضمير إليها «به» جواز تذكيره، فليعلم. انتهى. مصحّحه.
ولهذا بالغ السلف رضي الله عنهم في التحذير من مجالسة كلّ أحد، وقالوا: إذا جلس للوعظ فتفقدّوا منه أموراً، فإن كانت فيه فأهربوا منه، وإلاّ هلكتم من حيث ظننتم النجاة.
منها: إن كان مبتدعاً فاحذروه واجتنبوه، فانه على(1) لسان الشيطان ينطق، ومن نطق على لسان الشيطان فلا شكّ ولا ريب في إغوائه، فيهلك الانسان من حيث يظنّ السلامة.
وأيضاً ففي المشي إليه ومجالسته تعظيم له وتوقير.
روى ابن عدي من حديث عائشة رضي الله عنها: (من وقّر صاحب بِدْعة فقد أعان على هدم الاسلام)، ورواه الطبراني في مُعجمه الاوسط، ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث عبدالله بن بشر، وبهذا وغيره يجب التبرّي من أهل البدع والتباعد.
قال بعض السلف: «من بشّ في وجه مبتدع أو صافحه فقد حلّ عُرى الاسلام عروة عروة».
وقال شخص من أهل الاهواء لايّوب السختياني (رضي الله عنه): أكلّمك كلمة. فقال: لا والله ولا نصف كلمة.
وكان يقول: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلاّ ازداد من الله بُعداً.
قال (رضي الله عنه): كنّا ندخل على أيّوب السختياني، فإذا ذكرنا له حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي حتّى نرحمه.
وكان يقول: إذا بلغني موت أحد من أهل السُّنّة فكأنّما يسقط عضو من
____________
(1) «على» بمعنى عن أو الباء. انتهى.مصحّحة.
أعضائي.
وكان يقول: والله ما صدق عبد إلاّ سرّه ألاّ يراه أحد(1) .
________________________________________
وكان يونس بن عبيد يقول: احفظوا عنّي ثلاثاً متُّ أو عشتُ: لا يدخلنّ أحد على سلطان يعظه أو يعلّمه، ولا يخلونّ بأمرأة شابة وإن أقرأها القرآن، ولا يمكّن سمعه من ذي هوىً، وأشدها الثالثة ; لما فيها من الزيغ أعاذنا الله من ذلك.
وكان يقول: ما يزال العبد بخير ماأبصر ما يفسد عمله.
ويونس هذا تابعي من أصحاب الحسن البصري.
وكان أبو عبدالله الاصبهاني من عباد الله الصالحين ومن البكّائين، ولم يكن بأصبهان أزهد منه ولا أورع منه، قال: وقفت على علي بن ماشاذة، وهو يتكلّم على الناس.
فلمّا جاء الليل رأيت ربّ العزة في النوم، فقال لي: وقفت على مبتدع وسمعت كلامه لاحرمنّك النظر في الدنيا، فاستيقظ وعيناه مفتوحتان لا يبصر بهما شيئاً.
وقال الحميدي: سمعت الفضيل يقول: من وقرّ صاحب بدعة أورثه الله عمًى قبل موته.
قيل: أراد أيضاً عمى البصيرة.
____________
(1) أي وهو يعمل الصالحات، وهو كلام جليل، فليفكّر فيه القارىء طويلاً لعله يتحقق به. انتهى. مصحّحه.
[البدعة وأسبابها]
وأعلم: أنّ الكلام على البدعة وأهلها فيه طول جدّاً، وقد ذكرت جملة منه في «تنبيه السالك على مظانّ المهالك».
ومنها: أن يكون الواعظ سيء الطعمة، فإنّه إنّما ينطق بالهوى ; لانّ مثل هذا يوقع الناس في الحرام،أو ربّما اعتقدوا حلّه ; لانّهم يقتدون به في فعله بواسطة قوله.
ومنها: أن يكون رديء العقل أحمق، فانه يفسد بحمقه أكثر مما يصلح،والاحمق هو الذي يضع الشيء في غير موضعه ويعتقد أنّه يصيب.
قال عيسى (عليه السلام): «أبرأت الاكمه والابرص وأعياني الاحمق».
فالاحمق مقصوده صحيح، ولكن سلوكه للطريق فاسد، فلا يكون له رؤية صحيحة في طريق الوصول الى الغرض، ويختار ما لاينبغي أن يختار، وهذا واجب الاجتناب.
بخلاف صاحب العقل الصحيح، فإنّه يُثمر حسن النظر وجودة التدبير وثقافة الرأي وإصابة الظنّ، والتفطن لدقائق الادلّة والاعمال وخفايا النفس الامّارة وغرور الشيطان.
________________________________________
ومنها: أن يذكر الادّلة التي هي رجاء وتوسعة على النفوس، ويسكت عن آيات الخوف والرهبة وكذا الاخبار والاثار ; لانه بذلك يحلّ من القلوب الزواجر، ويسهل ارتكاب المعاصي، لا سيّما إذا علم منه ارتكاب شيء ولو كان مكروهاً، فانه يوقع الناس في ورطة عظيمة.
قال: «إذا عبث العلماء بالمكروه عبث العوامّ بالحرام، وإذا عبث العلماء بالحرام كفر العوامّ» ; معناه: أنّهم يعتقدون حلّه لارتكاب العلماء ذلك ; لانّهم القادة وعليهم المعوّل في التحليل والتحريم.
ومنها: أن يتعرّض لايات المتشابه وكذلك الاخبار، ويجمعها ويسردها ويكرّر
الاية والخبر مراراً ; لانّه يوقع العامّي فيما اعتاده وألفه، فيُجري صفات الخالق سبحانه وتعالى على ما ألفه وجرى عليه طبعه، ويزيّنه الشيطان له بغروره، لا سيّما إن كان الواعظ مّمن يُظهر زهداً وورعاً وشفقة على الناس، فكم من شخص حسن الظاهر خبيث الباطن، جميل الظاهر قبيح السرائر والضمائر.
والسلف رضي الله عنهم لهم اعتناء بشدّة مجانبة هذا والتباعد عنه.
ومنها: أن يكون متهماً بالرفض وبسبّ الصحابة رضي الله عنهم.
وهؤلاء نبّه مالك (رضي الله عنه) على أنّهم من سلالة المنافقين، وأوضح ذلك نوّر الله تعالى قلبه، فقال: أرادوا أن يقدحوا في النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء فلم يجدوا مساغاً، فقدحوا في الصحابة ; لانّ القدح في الرجل قدح في صاحبه وخليطه، وهؤلاء كفّار لا ستحلالهم سبّ أفضل الخلق بعد الانبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام.
ومنهم: أقوام يُلبسون على الناس بقراءة البخاري وغيره، وهم لا يعتقدون البخاري، ويسمّونه فيما بينهم بالفشاري، ولهم خبائث عديدة كلّ واحدة كفر محقّق.
وبقي أُمور لا أطوّل بذكرها.
________________________________________
فمن أراد الله به خيراً حماه عن مجالسة هؤلاء ; لانّ القلب سريع الانقلاب وقبول الرخص والشبه، فإذا علقت به الشبهة والريبة فبعيد أن ترتفع عن قلبه غشاوة ما وقر فيه، وأقلّ ما ينال القلب التردّد والحيرة، وذلك عين الفتنة ومراد الشيطان.
فّان كان الذي دخلت قلبه الشبهة عاميّاً، والمبتدع أدخلها عليه بـ «قال الله عزّ وجلّ وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» فبعيد أن يرجع ويتقشّع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة لتحكّم الشبهة بالدليل، وهذا من الهالكين إلاّ أن يتداركه الله
برحمته.
لانّ عمدة الناس الكتاب والسُّنّة، والهلكة الجهلة يفهمونهما على غير المراد منهما على الوجه المرضيّ.
فمن حقّ العبد الطالب للنجاة حراسة قلبه وسمعه عن خزايا خُزعبلات المبتدعة وتزويق كلامهم، وأن لا يغترّ بتقشّفهم وكثرة تعبّدهم وزهدهم ووصفهم لانفسهم، فإنّ ذلك من أقوى حبائلهم التي يصطادون بها، وبها تتشرّب القلوب لبدعتهم، لا سيّما من قلبه مشغوف بحبّ الدنيا، إذا رأى زاهداً فيها، مع إكبابه على الكتاب والسُّنّة،مع الورع والزهد والعفّة والقناعة، فلا شكّ ولا ريب أنّه يرغب فيه غاية الرغبة، ويميل إليه غاية الميل، ولا يصدّه عنه صادّ، كما هو مشاهد من العوامّ ومحبّتهم ورغبتهم لمن هو بهذه المثابة.
فتنبّه لذلك، فقد أوضحتُ طريق السلامة والتباعد من مظانّ الهلكة.
فكم من شخص قصدُهُ صالحٌ، قد هلك بمثل هؤلاء إخوان الشياطين وهو لا يشعر.
وعليك بالاقتداء بالاطباء ; أعني أطباء القلوب، وهم الانبياء (عليهم السلام) ; لانهم العالمون بأسباب الحياة الاُخروية، ثمّ أتباعهم الذين أخذوا عنهم، وشاهدوا منهم مالم يشاهده غيرهم. شعر:
ن كان يرغب في النجاة فما لَهُ … غير اتّباع المصطفى فيما بدا
اتْبعْ كتاب الله والسنن التي … صحّت فذاك إذا اتّبعتَ هو الهدى
الدينُ ما قال النبيُّ وصحبُهُ … فإذا اقتديت بهم فنِعْم المُقتدى
________________________________________
فسبحان الحليم الودود، الممهل الكريم العميم الجود، العالم بخفايا الضمائر ودبيب النملة على الصخرة في الليالي السود. ويرى جريان الماء في العود. القادر فكلّ ما سواه بقدرته موجود. نزّه نفسه بنفسه لعجز خلقه عن ذلك، فتعالى عن الاشكال والامثال والجهات والحدود، صفاته قديمة ثابتة بالنقل والعقل، فمن عطّل وقع في الجحود، وتنزيهه عن النقائص والاشباه محقّق ومعلوم، والتشبيه مذهب السامرة واليهود. وكفّ الكيف مشلولة بل مقطوعة، وباب التشبيه مردوم ومسدود، فمن فتحه هجمت عليه نار الوعيد، فأهلكته كما هلك فرعون ونمرود، وأصحاب الاخدود وعاد وثمود، فنسأل الله العافية من الفتن ومن أسبابها ومن النار ذات الوقود، ونتوسّل إليك بسيّد الاوّلين والاخرين محمّد، كما توسّل به أبو البشر فقبلته، فهو أحمد المحمود، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، فهو أعظم الوسائل، ولا يخيب من توسّل به ولو كان من أهل الجحود.
[التوسّل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن]
قال الله تعالى: (وكانوا) أي اليهود (مِنْ قَبْلُ) أي بعث محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)(يستفتحون) أي يستنصرون (على الذين كفروا)(1) وهم مشركو
____________
(1) البقرة: 89.
العرب، كانوا يقولون إذا حَزَبَهُمْ أمر أو دهمهم عدوّ: «اللّهمّ انصرنا بجاه النبيّ المبعوث آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة»، فكانوا يُنصرون، وكانوا يقولون لاعدائهم كغطفان وغيرها من المشركين: «قد أطلّ زمانُ نبيٍّ يخرج بتصديق ما قلناه، فنقتلكم معه قتل عاد وثمود».
فانظر ـ أرشدك الله ـ الى قدره ودُنوّ منزلته عند ربّه، كيف قبل عزّ وجلّ التوسّل به من اليهود،مع علمه سبحانه بأنهم يكفرون به، ولا يوقّرونه ولا يعظّمونه، بل يؤذونه، ولا يتّبعون النور الذي أُنزل معه ؟
فمن مَنع التوسّل به فقد نادى على نفسه، وأعلم الناس بأنّه أسوأ حالاً من اليهود.
شعر:
________________________________________
نت الملاذُ لنا وأنت المرتجى … وبك اللياذُ وأنت ملجأُ مَن لَجا
سيّد الكونينِ يامَن قد سما … معراجُه فوق السماءِ وعرَّجا
سيّد الثقلين والحكم الهدى … والمقصد الاسنى لابواب الرجا
سيّداً مَن أمَّ بابَ مقامه … ألفاهُ خير مقامِ سُؤْل يُرتجى
سيّداً ما أمَّهُ من ضامهُ … ريبُ الزمان بخَطبه إلاّ نجا
سيّداً جعل الالهُ وجودَهُ … للعالمين المرتجى والمُلتجا
خاتم الرُّسُل الكرامِ ومن بهِ … ربُّ البريّةِ كلَّ همٍّ فرَّجا
غيره:
كن مستجيراً بالذي نالَ رفعةً … الى عزّها ذلَّ الملوكُ الاكاسرُ
بيٌّ لهُ جاهٌ عريض ومَنصَبٌ … عظيمٌ له تُعزى العُلى والمفاخرُ
ليلٌ جميلٌ راحمٌ مُتعطِّفٌ … فصيحٌ مليحٌ كاملُ الحُسنِ باهرُ
لا يا رسولَ الله يا غاية المُنى … لقد نلتَ فخراً ما لادناه آخرُ
يا دُرة الانباء ياجوهر الورى … هنيئاً لنفس في هواك تُتاجرُ
قد ربحتْ في بيعها وتنعّمت … وقد سَعِدت يادرّها والجواهرُ
بيبي رسولَ الله كُنْ لِيَ شافعاً … أغِثْني أجِرْني يومَ تُبلى السرائرُ
جاهك آمالُ الضعيف تعلّقتْ … إذا نُصب الميزانُ والعقلُ طائرُ
كن شافعي عند الاله فإنّه … حليمٌ كريمٌ غافرُ الذنبِ ساترُ
ضى العُمرُ في لهو وزهو وغفلة … وإنّي عن الفعل الحميد لقاصرُ
ياربِّ دارِكْنا بعفو ورحمة … فأنت جيملُ العفو للكسرِ جابرُ
خُذْ بنواصينا وطهِّرْ قُلوبَنا … ومُنَّ بعفو منكَ فالعفوُ غامرُ
صلِّ على البدرِ الذي من جبينِهِ … بَدا الشمسُ والاقمارُ والنجمُ زاهرُ
نجزتُ هذه الاحرف المباركات على قارئها ومستمعيها، المتأسّين بأهل الحقّ، التابعين للصفوة من أولي المعجزات، المنزِّهين لربّ العالمين، والمعظّمين لسيّد الاوّلين والاخرين، وسائر الانبياء والمرسلين، وسرج هذه الاُمّة من بعدهم، كالصدّيقين وسائر الصحابة والتابعين لهم بأحسان الى يوم الدين.
[ابن تيمية الحرّاني وآراؤه]
________________________________________
وكنتُ قد عزمت على أن أقتصر على ذلك ; لانّ في بعض ما ذكرته وقاية من المقت والمهالك.
ثمّ قيل لي وكُرِّر عليّ: إنّ أهل التشبيه والتجسيم والمزدرين بسيّد الاولين والاخرين ـ تبعاًلسلالة القردةوالخنازير ـ لهم وجودوفيهم كثرة، وقدأخذوا بعقول كثير من الناس ; لما يزيِّنون لهم من الاطراء على قدوتهم، ويُزخرِفون لهم بالاقوال والافعال، ويموِّهون لهم بإظهار التنسّك، والاقبال على كثرة الصلاة والصوم والحجّ والتلاوة، وغير ذلك مّما يحسن في قلوب كثير من الرجال، لا سيما العوامّ المائلين مع كلّ ريح أتباع الدجّال، فانقادوا لهم بسبب ذلك، وأوقعوهم في اسر المهالك.
فرأيت بسبب هذه المكايد والخزعبلات أن أتعرض لسوء عقيدتهم ; قمعاً لهذا الزائغ عن طريق أهل الحقّ، وهم الائمة الاربعة المقتدى بهم والمعوّل عليهم في جميع الاعصار والاقطار ; لانّهم النجوم الذين بهم يُهتدى.
وقد بالغ جمع من الاخيار من المتعبّدين وغيرهم من العلماء، كأهل مكّة وغيرها، أن أذكر ما وقع لهذا الرجل من الحِيَدة عن طريق هذه الائمة ولو كان
أحرفاً يسيرة ; إما بالتصريح أو بالتلويح مشيرة، فاستخرتُ الله ـ عزّ وجلّ ـ في ذلك مدّة مديدة.
ثم قلت: لا أبا لك، وتأملت ما حصل وحدث بسببه من الاغواء والمهالك، فلم يسعني عند ذلك أن أكتم ما علمت، وإلاّ ألجمتُ بلجام من نار ومقت.
وها أنا أذكر الرجل، وأُشير باسمه الذي شاع وذاع، واتّسع به الباع، وسار بل طار في أهل القرى والامصار.
وأذكر بعض ما أنطوى باطنه الخبيث عليه، وما عوّل في الافساد بالتصريح أو الاشارة إليه.
ولو ذكرت كثيراً مّما ذكره ودوّنه في كتبه المختصرات، لطال جدّاً، فضلاً عن المبسوطات.
وله مصنّفات أُخر لا يمكن أن يطّلع عليها إلاّ من تحقّق أنّه على عقيدته الخبيثة،ولو عصر هو واتباعه بالعاصرات ; لما فيها من الزيغ والقبائح النحسات.
________________________________________
قال بعض العلماء من الحنابلة في الجامع الاُموي في ملا من الناس: لو اطّلع الحصني على ما اطّلعنا عليه من كلامه، لاخرجه من قبره وأحرقه وأكّد هؤلاء أن أتعرّض لبعض ما وقفت عليه.
وما أفتى به مخالفاً لجميع المذاهب، وما خطِىء فيه وما انتقد عليه.
وأذكر بعض ما اتّفق له من المجالس والمناظرات، وما جاءت به المراسيم العاليات.
وأتعرض لبعض ما سلكه من المكايد التي ظنّ بسببها أنّه تخلص من ضرب السياط والحبوس وغير ذلك من الاهانات، وهيهات.
[انتساب ابن تيمية إلى مذهب أحمد بن حنبل!]
فأوّل شيء سلكه من المكر والخديعة أن انتمى الى مذهب الامام أحمد، وشرع يطلب العلم ويتعبّد، فمالت إليه قلوب المشايخ، فشرعوا في إكرامه والتوسعة عليه، فأظهر التعفّف فزادوه في الرغبة فيه والوقوع عليه، ثمّ شرع ينظر في كلام العلماء، ويعلّق في مسودّاته حتّى ظنّ أنّه صار له قوّة في التصنيف والمناظرة، وأخذ يدوّن ويذكر أن جاءه استفتاء من بلد كذا، وليس لذلك حقيقة، فيكتب عليها صورة الجواب، ويذكر مالا ينتقد عليه، وفي بعضها ما يمكن أن ينتقد، إلاّ أنّه يشير إليه على وجه التلبيس ; بحيث لا يقف على مراده إلاّ حاذق عالم متفنّن، فإذا ناظر أمكنه أن يقطع من ناظره إلاّ ذلك المتفنّن الفطن.
[خداعه لعوامّ الناس]
________________________________________
ثمّ شَرَع يتلقى الناس بالاُنس وبسط الوجه ولين الكلام، ويذكر أشياء تحلو للنفوس، لاسيّما الالفاظ العذبة، مع اشتمالها على الزهد في الدنيا والرغبة في الاخرة، فطلبوا منه أن يُذكّر الناس ففعل، فطار ذكره بالعلم والتعبّد والتعفف، ففزع الناس إليه بالاسئلة، فكان إذا جاءه أحد يسأله عن مسألة، قال له: عاودني فيها، فإذا جاءه قال: هذه مسألة مشكلة، ولكن لك عندي مخرج أقوله لك بشرط، فإني أتقلدها في عنقي، فيقول: أنا أوفي لك، فيقول: أن تكتم عليّ، فيعطيه العهود والمواثيق على ذلك، فيفتيه بما فيه فرجه ; حتّى صار له بذلك أتباع كثيرة يقومون بنصرته أن لو عرض له عارض.
ثمّ إنّه علم أنّ ذلك لا يخلّصه، فكان إذا كان في بعض المجالس، قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قد انفتقت فتوق من أنواع المفاسد يبعد ارتتاقها، ولو كان لي حكم لكنت أجعل فلاناً وزيراً، وفلاناً محتسباً، وفلاناً دويداراً، وفلاناً أمير
البلد، فيسمع أولئك وفي قلوبهم من تلك المناصب، فكانوا يقومون في نصرته.
[محايلته للعلماء]
ثمّ اعلم: أنّ مثل هؤلاء قد لا يقدرون على مقاومة العلماء إذا قاموا في نحره، فجعل له مَخْلصاً منهم ; بأن ينظر الى من الامر إليه في ذلك المجلس، فيقول له: ما عقيدة إمامك، فإذا قال: كذا وكذا، قال: أشهد أنّها حقّ، وأنا مخطيء، واشهدوا أني على عقيدة إمامك، وهذا كان سبب عدم إراقة دمه، فإذا انفضّ المجلس أشاع أتباعه أنّ الحقّ في جهته ومعه، وأنّه قطع الجميع ; ألا ترون كيف خرج سالماً حتّى حصل بسبب ذلك افتتان خلق كثير، لا سيّما من العوامّ.
فلمّا تكرر ذلك منه علموا أنّه إنّما يفعل ذلك خديعة ومكراً، فكانوا مع قوله ذلك يسجنونه، ولم يزل ينتقل من سجن الى سجن حتّى أهلكه الله ـ عزّ وجلّ ـ في سجن الزندقة والكفر.
[التزام ابن تيميّة للتقيّة]
________________________________________
ومن قواعده المقرّرة عنده، وجرى عليها أتباعه، التوقّي بكلّ ممكن حقّاً كان أو باطلاً ولو بالايمان الفاجرة ; سواء كانت بالله ـ عزّ وجلّ ـ أو بغيره.
وأمّا الحلف بالطلاق فإنه لا يوقعه، ألبتّة، ولا يعتبره سواء كان بالتصريح أو الكناية أو التعليق أو التنجيز، وهذا مذهب فرقة الشيعة، فإنهم لا يرونه شيئاً، وإشاعته هو وأتباعه أنّ الطلاق الثلاث واحدة خُزَعْبَلات ومكر، وإلاّ فهو لا يوقع طلاقاً على حالف به ; ولو أتى به في اليوم مائة مرة على أيّ وجه ; سواء كان حثاً أو منعاً أو تحقيق خبر، فاعرف ذلك، وأنّ مسألة الثلاث إنّما يذكرونها تستّراً
وخديعة وقد وقفتُ على مصنّف له في ذلك(1) ، وكان عند شخص شريف زينبي، وكان يردّ الزوجة الى زوجها في كلّ واقعة بخمسة دراهم، وإنّما أطلعني عليه لانّه ظنّ أنّي منهم، فقلت له: ياهذا أتترك قول الامام أحمد وقول بقيّة الائمة بقول ابن تيميّة؟!
فقال: أشهد عليّ أنّي تُبتُ.
وظهر لي أنّه كذب في ذلك، ولكن جرى على قاعدتهم في التستّر والتقيّة، فنسأل الله العافية من المخادعة، فإنّها صفة أهل الدَّرك الاسفل(2) .
[تزوير ابن تيميّة في المصنّفات والمصادر]
ثمّ اعلم قبل الخوض في ذكر بعض ما وقع منه وانتقد عليه: أنّه يذكر في بعض مصنّفاته كلام رجل من أهل الحقّ، ويدسّ في غضونه شيئاً من معتقده الفاسد، فيجري عليه الغبّي بمعرفة كلام أهل الحقّ فيهلك، وقد هلك بسبب ذلك خَلق كثير.
وأعمق من ذلك أنه يذكر: أنّ ذلك الرجل ذكر ذلك في الكتاب الفلاني، وليس لذلك الكتاب حقيقة، وإنّما قصده بذلك انفضاض المجلس، ويؤكّد قوله بأن يقول: ما يبعد أنّ هذا الكتاب عند فلان، ويسمّي شخصاً بعيد المسافة،كلّ ذلك خديعة
____________
(1) هذا شىء مدهش جدّاً، ولو أنّ الذي يحكيه ]غير[ الامام الحصني المعروف بشحّه على دينه، ما وجد ما يحكيه الى القلوب سبيلاً. انتهى. مصحّحه.
________________________________________
(2) لا يتردّد عاقل في أن ما سيحكيه الامام الحصني بعدُ فعلُ دجاجلة لا علماء، فليقرأه العاقل، وليعجب كيف يكون من هذه بلاياهم أئمة في دين الله؟! انتهى. مصحّحه.
ومكر وتلبيس لاجل خلاص نفسه، ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله.
ولهذا لم يزل فيهم التعازير والضرب بالسياط والحبوس وقطع الاعناق، مع تكتمهم ما يعتقدونه والمبالغة في التكتم ; حتّى أنّهم لا ينطقون بشيء من عقائدهم الخبيثة إلاّ في الاماكن الخفية، بعد التحرّز وغلق الابواب والنطق بما هم عليه بالمخافتة، ويقولون: إنّ للحيطان آذاناً.
[أساليب التيميّة في خداع المسلمين]
ومن جملة مكرهم وتحيّلهم: أنّ الكبير منهم المشار إليه في هذه الخبائث، له أتباع يُظهرون له العلم والعظمة والتعبّد والتعفّف ; يخدعون بذلك أرباب الاموال، لاسيما الغرباء، فيدفع ذلك الغريب أوغيره الى ذلك الشيخ شيئاً،فيأبىويُظهر التعفّف، فيزداد ذلك الرجل حرصاً على الدفع، فلا يأخذ منه إلاّ بعد جهد، فيأخذها ذلك الخبيث، ولا عليه من أطّلاع الله تعالى على خبث طوّيته، ويدفع بعضها الى بعض اتباعه والى غيرهم، ويتمتّع هو وخواصّه بالباقي، ولهم يد وقدرة على ذلك.
ومن جملة مكرهم من هذا النوع أن يكسو عشرة مساكين قمصاناً أو غيرها، ثمّ يقولون: انظروا هذا الرجل كيف يجيئه الفتوح فيؤثركم بها وغيركم، ويترك نفسه وعياله وأصدقاءه، وهكذا كان السلف، ويكون قد أخذ أضعاف ما دفع، وكثير من الناس في غفلة من هذا.
ولولا أنّ ذلك من جملة النصيحة لماذكرته ولما تعرضت له، وكان ما في نفسي شاغلاً عن ذلك، إلاّ أنّه كما قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بسبب نجدة الحروري المبتدع: «لولا أن أكتم علماً لما كتبت إليه» ; يعني جواب ما كتب إليه بأن
يعلّمه مسائل، والقصة مشهورة حتّى في صحيح مسلم(1) .
________________________________________
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلِجام من نار) رواه غير واحد ـ من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) ـ منهم أبو داود، وكذا الترمذي، وحسنّه، والحاكم وصحّحه(2) .
ثمّ إن كان المال المدفوع زكاة فلا تبرأ الذمّة بدفعه إليهم ; لانّهم ليسوا من أهلها، فليتنّبه لذلك فإنّه قد يخفى مع ظهوره، وقد تشكّك في ذلك وتلاعب الشيطان به، فلنأخذه بجانب الاحتياط منه، فإنّه طريق السلامة. والله أعلم.
وأعلم أني لو أردت أن أذكر ما هم عليه من التلبيسات والخديعة والمكر، لكان لي في ذلك مزيد وكثرة وفيما ذكرته أُنموذج ينبّه بعضه على غيره، لا سيّما لمن له أدنى فراسة وحسن نظر بموارد الشرع ومصادره، التي أشار إليها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضها صرّح به تصريحاً ظاهراً، لا يخفى إلاّ على أكمه لا يعرف القمر.
وفي الصحيحين من حديث عليّ (رضي الله عنه)، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الاسنان سفهاء الاحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة).
____________
(1) صحيح مسلم: في الجهاد والسير رقم 3377، وانظر مسند أحمد رقم 1866، وسنن أبي داود في الجهاد رقم 2351.
(2) سنن ابي داود في العلم رقم 3173، وكذا الترمذي برقم 2573، والحاكم في المستدرك 1/101.
وفي صحيح مسلم من حديث علي (رضي الله عنه)، قال: سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: (يخرج قوم من أمّتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم الى قراءتهم بشيء، وليس صلاتكم الى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم الى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنّه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرميّة)(1) .
________________________________________
وفي الصحيحين(2) من حديث ابن عمر (رضي الله عنه)، قال: سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول وهو على المنبر: (ألا إنّ الفتنة هنا ـ ويشير الى المشرق ـ من حيث يطلع قرن الشيطان)، وفي رواية: (إنّ الفتنة ههنا) ثلاثاً، وفي رواية: (خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من بيت عائشة رضي الله عنها، فقال: رأس الكفر ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)(3) .
هذا المبتدع من حرّان الشرق ; بلدة لا تزال يخرج منها أهل البدع، كجعد وغيره.
وفي سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخُدري وأنس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: (سيكون في أمّتي اختلاف، وفرقة يحسنون القيل ويسيئون الفعل،
____________
(1) صحيح مسلم في الزكام رقم 1773.
(2) البخاري في بدء الخلق رقم 3037، والمناقب رقم 3249، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة رقم 5167 ـ 5172، والترمذي في الفتن 3194، ومسند أحمد رقم 4450.
(3) صحيح البخاري 4/179 و6/115، 8/52، ومسند أحمد ـ مسند المكثرين ـ رقم 4521، والنسائي 7/118، وصحيح مسلم 3/114، والبيهقي 8/170، والترمذي 3/326 عن عبدالله
يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، هم شرّ الخلق. طُوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يَدْعُو الى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، من قتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله وما سيماهم؟ قال: التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم)(1) أي اقتلوهم، والتسبيد هو الحلق واستئصال الشعر، وقيل: ترك التدهّن وغسل الرأس وغير ذلك.
والاحاديث في ذلك كثيرة، وفي واحد كفاية لمن أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ به الرشد والهداية.
فقد أوضحهم سيّد الناصحين(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ باعتبار أوصافهم وأماكنهم ـ إيضاحاً جليّاً لا خفاء فيه لا جهالة، فلا يتوقّف في معرفتهم بعد ذلك إلاّ من أراد الله تعالى إضلاله.
[التحذير من عقائد التيمية أهل الزيغ]
________________________________________
وإذا تمهّد لك هذا أيّها الراغب في فكاك نفسك من رِبْقة عقائد أهل الزيغ
الضالين المضلين، والاقتداء بأهل السلامة في الدين.
فاعلم: أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبّع ما تشابه في الكتاب والسُّنّة ابتغاء الفتنة، وتبعه على ذلك خَلْق من العوامّ وغيرهم ممّن أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به(2) ، ولا لي أنامل تُطاوعني على رسمه وتسطيره.
لما فيه من تكذيب ربّ العالمين في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين.
____________
(1) سنن أبي داود كتاب السنة رقم 4137.
(2) ليتأمل هذا جدّاً، فإنّه عجيب. انتهى. مصحّحه.
وكذا الازدراء بأصفيائه المنتجبين وخلفائهم الراشدين وأتباعهم الموّفقين.
فعدلت عن ذلك الى ذكر ما ذكره الائمة المتّقون، وما اتّفقوا عليه من تبديعه وإخراجه ببعضه من الدين، فمنه ما دُوّن في المصنّفات، ومنه ما جاءت به المراسيم العليات، وأجمع عليه علماء عصره مّمن يرجع إليهم في الامور الملمّات والقضايا المهمات، وتضمّنه الفتاوي الزكيّات من دنس أهل الجهالات، ولم يختلف عليه أحد، كما اشتهر بالقراءة والمناداة على رؤوس الاشهاد في المجامع الجامعة ; حتّى شاع وذاع، واتّسع به الباع حتّى في الفوات.
[المرسوم السلطاني بشأن ابن تيمية]
فمن ذلك نسخة المرسوم الشريف السلطاني(1) ، ناصر الدنيا والدين محمّد بن قلاوون ـ رحمه الله تعالى ـ وقُرىء على منبر جامع دمشق، نهار الجمعة سنة خمس وسبعمائة. صورته(2) :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تنزّه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المِثْل، فقال تعالى: (لَيسَ كمثلِهِ شيء وهو السميعُ البصيرُ)(3) .
____________
(1) لفظ «ناصر الدين» صفة لموصوف محذوف قطعاً ليستقيم الكلام، والتقدير الصادر من السلطان ناصر الدين… الى آخره. أنتهى. مصحّحه.
(2) لاحظ الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ص145.
(3) الشورى: 11.
________________________________________
نحمده على ما ألهمنا من العمل بالسُّنّة والكتاب، ورفع في أيّامنا أسباب الشكّ والارتياب.
ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ; شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير، وينزّه خالقه عن التحيّز في جهة ; لقوله تعالى: (وهو معكمْ أينما كنتُمْ واللهُ بما تعملونَ بصيرٌ)(1) .
ونشهد أنّ سيّدنا محمّداً عبده ورسوله الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك سبيل مرضاته، وأمر بالتفكّر في الايات، ونهى عن التفكر في ذاته،(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه الذين علا بهم منارُ الايمان وارتفع، وشيّد الله بهم من قواعد الدين الحنيفي ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحقّ ومال الى البدع.
وبعدُ:
فإنّ القواعد الشرعية ; وقواعد الاسلام المرعيّة، وأركان الايمان العلمية، ومذاهب الدين المرضيّة، هي الاساس الذي يُبنى عليه، والموئل الذي يرجع كلّ أحد إليه، والطريق التي من سلكها فاز فوزاً عظيماً، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذاباً أليماً: ولهذا يجب أن تنعقد أحكامها: ويؤكد دوامها: وتصان عقائد هذه الاُمة عن الاختلاف: وتُزان بالرحمة والعطف والائتلاف: وتُخمد ثوائر البدع، ويُفرّق من فرقها ما اجتمع.
وكان ابن تيميّة في هذه المدّة قد بسط لسان قلمه، ومدّ بجهله عنان كلمه، وتحدّث بمسائل الذات والصفات، ونصّ في كلامه الفاسد على أمور منكرات، وتكلّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما اجتنبه الائمة الاعلام الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الاسلام، وانعقد على خلافه إجماع العلماء
____________
(1) الحديد: 4.
والحكّام، وشهر من فتاويه ما استخفّ به عقول العوامّ، وخالف في ذلك فقهاء عصره، وأعلام علماء شامه ومصره، وبثّ به رسائله الى كلّ مكان، وسمّى فتاويه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
________________________________________
ولمّا اتّصل بنا ذلك، وما سلك به هو ومريدوه، من هذه المسالك الخبيثة وأظهروه، من هذه الاحوال وأشاعوه، وعلمنا أنّه استخفّ قومه فأطاعوه، حتى اتّصل بنا أنّهم صرّحوا في حقّ الله سبحانه بالحرف والصوت والتشبيه والتجسيم.
فقمنا في نصرة الله، مشفقين من هذا النبأ العظيم، وأنكرنا هذه البدعة، وعزنا(1) أن يشيع عمّن تضّمنه ممالكه هذه السمعة، وكرهنا ما فاه به المبطلون، وتلونا قوله تعالى: (سبحانَ ربِّك ربِّ العزةِ عمّا يصفونَ)(2) .
فإنّه ـ سبحانه وتعالى ـ تنزّه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير،(لا تدركه الابصارُ وهو يدركُ الابصارَ وهو اللَّطيفُ الخبيرُ)(3) .
فتقدمت مراسيمنا باستدعاء ابن تيميّة المذكور الى أبوابنا، حين ما سارت فتاويه الباطلة في شامنا ومصرنا، وصرّح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فهم إلاّ وتلا
____________
(1) هذه الفقرة محرّفة، ومعناها ليس بظاهر، والذي يظهر أنّ أصلها: «وعُذنا» أن يشيع عمّن تضمّه ممالكه هذه السمعة» يستعيذ السلطان بالله أن يشيع عنه هو تلك السمعة ; لانّ الرجل في مملكته. انتهى. مصحّحه.
(2) الصافات: 180.
(3) الانعام: 103.
قوله تعالى: (لقد جئت شيئاً نُكراً)(1) .
ولمّا وصل إلينا الجمع أولوا العقد والحلّ، وذوو التحقيق والنقل، وحضر قضاة الاسلام، وحكّام الانام، وعلماء المسلمين، وأئمة الدنيا والدين، وعُقد له مجلس شرعيّ في ملا من الائمة وجمع، ومن له دراية في مجال النظر ودفع.
فثبت عندهم جميع ما نُسب إليه، بقول من يُعتمد ويُعوّل عليه، وبمقتضى خطّ قلمه الدالّ على مُنْكَرِ معتقده(2) .
وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته الخبيثة منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه تالين: (ستُكتَبُ شهادَتُهم ويُسألوُنَ)(3) .
وبلغنا أنّه قد استُتِيبَ مراراً فيما تقدّم، وأخّره الشرع الشريف لما تعرّض لذلك وأقدم، ثمّ عاد بعد منعه، ولم يدخل ذلك في سمعه.
________________________________________
ولمّا ثبت ذلك في مجلس الحاكم المالكي، حكم الشرع الشريف أن يُسجن هذا المذكور، ويُمنع من التصرّف والظهور.
ويكتب مرسومنا هذا بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبيه في اعتقاد مثل ذلك، أو يعود له في هذا القول متّبعاً، أو لهذه الالفاظ مستمعاً، أو يسري في مسراه، أو يفوه بجهة العلّو بما فاه، أو يتحدّث أحد بحرف أو صوت، أو يفوه بذلك الى الموت، أو ينطق بتجسيم، أو يحيد عن الطريق
____________
(1) الكهف: 74.
(2) ليحفظ هذا، ثمّ ليحفظه المغررون. انتهى. مصحّحه.
(3) الزخرف: 19.
المستقيم، أو يخرج عن رأي الائمة، أو ينفرد به عن علماء الاُمّة، أو يحيّز الله سبحانه وتعالى في جهة، أو يتعرّض الى حيث وكيف، فليس لمعتقد هذا إلاّ السيف(1) .
فليقف كلّ واحد عند هذا الحدّ، ولله الامر من قبل ومن بعد.
وليلزم كلّ واحد من الحنابلة بالرجوع عن كلّ ما أنكره الائمّة من هذه العقيدة، والرجوع عن الشبهات الذائعة الشديدة، ولزوم ما أمر الله تعالى به، والتمسك بمسالك أهل الايمان الحميدة، فإنّه من خرج عن أمر الله فقد ضلّ سواء السبيل.
ومثل هذا ليس له إلاّ التنكيل، والسجن الطويل مستقرّه ومقيله وبئس المقيل.
وقد رسمنا بأن يُنادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية، وتلك الجهات الدنيّة والقصيّة: بالنهي الشديد، والتخويف والتهديد، لمن اتّبع ابن تيميّة في هذا الامر الذي أوضحناه.
ومن تابعه تركناه في مثل مكانه وأحللناه، ووضعناه من عيون الامّة كما وضعناه، ومن أصرّ على الامتناع، وأبى إلاّ الدفاع، أمرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم، وأسقطناهم من مراتبهم مع إهانتهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا ولاية، ولا شهادة ولا إمامة، بل ولا مرتبة ولا إقامة.
فإنّا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد، وأبطلنا عقيدته الخبيثة التي أضلّ بها كثيراً من العباد أو كاد، بل كم أضلّ بها من خلق، وعاثوا بها في الارض الفساد.
____________
________________________________________
(1) لينظر هذا كذلك. انتهى. مصحّحه.
ولتثبت المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك، وتسيّر المحاضر بعد إثباتها على قضاء المالكية. وقد أعذرنا وحذّرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا.
وليُقرأ مرسومنا الشريف على المنابر; ليكون أبلغ واعظ وزاجر، لكلّ باد وحاضر.
والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه.
وكُتب ثامن(1) عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة(2) .
[تاريخ ابن تيمية كما نقله المؤرّخ ابن شاكر]
وأزيد على ذلك ما ذكره صاحب «عيون التواريخ»، وهو ابن شاكر، ويعرف بصلاح الدين الكتبي وبالتريكي، وكان من أتباع ابن تيميّة، وضُرب الضرب البليغ ; لكونه قال لمؤذّن في مأذنة العروس وقت السحر: أشركت، حين قال:
لا يارسول الله أنتَ وسيلتي … الى الله في غفران ذنبي وزلّتي
وأرادوا ضرب عنقه، ثمّ جدّدوا إسلامه.
____________
(1) كذا بالاصل، والمعنى ظاهر، ولعلّ الاصل في ثامن وعشرين من شهر… الخ، وكذا ما يأتي يقال فيه ذلك. انتهى. مصحّحه.
(2) إنّ في ذلك لعبرة لاولي الابصار. انتهى. مصحّحه.
وإنّما أذكر ما قاله لانه أبلغ في حقّ ابن تيميّة في إقامة الحجّة عليه، مع أنّه أهمل أشياء من خبثه ولؤمه، لما فيها من المبالغة في إهانة قدوته. والعجب أنّ ابن تيميّة ذكرها، وهو سكت عنها:
كلام ابن تيميّة في الاستواء ووثوب الناس عليه:
فمن ذلك ما أخبر به ابو الحسن علي الدمشقي ـ في صحن الجامع الاموي ـ عن أبيه، قال: كنّا جلوساً في مجلس ابن تيميّة، فذكر ووعظ وتعرّض لايات الاستواء، ثمّ قال: (واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا).
قال: فوثب الناس عليه وثبة واحدة، وأنزلوه من الكرسي، وبادروا إليه ضرباً باللكم والنعال وغير ذلك ; حتّى أوصلوه الى بعض الحكّام.
واجتمع في ذلك المجلس العلماء، فشَرَع يناظرهم، فقالوا: ما الدليل على ما صدر منك؟
فقال: قوله تعالى: (الرحمنُ على العرشِ استوى)(1) .
فضحكوا منه، وعرفوا أنّه جاهل لا يجري على قواعد العلم.
________________________________________
ثمّ نقلوه ليتحققوا أمره. فقالوا: ما تقول في قوله تعالى: (فأينما تُولُّوا فثمّ وجه الله) ؟
فأجاب بأجوبة تحقّقوا أنّه من الجهلة على التحقيق، وأنّه لا يدري ما يقول.
____________
(1) طه: 5.
وكان قد غرّه بنفسه ثناء العوامّ عليه، وكذا الجامدون(1) من الفقهاء، العارون عن العلوم التي بها يجتمع شمل الادّلة على الوجه المرضي.
وقد رأيت في فتاويه ما يتعلّق بمسألة الاستواء، وقد أطنب فيها، وذكر أموراً كلّها تلبيسات وتجرّيات خارجة عن قواعد أهل الحقّ، والناظر فيها إذا لم يكن ذا علوم وفطنة وحُسن رويّة، ظنّ أنّها على منوال مرضيّ.
ومن جملة ذلك بعد تقريره وتطويله: «إنّ الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله تعالى: (هو الذي خلق السمواتِ والارضَ في ستةِ أيّام ثمّ استوى على العرشِ يعلم ما يَلجُ في الارضِ وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصيرٌ) ، فأخبر: أنّه فوق العرشِ يعلم كلّ شيء، وهو معنا أينما كنّا».
هذه عبارته بحروفها.
فتأمّل ـ أرشدك الله تعالى ـ هذا التهافت، وهذه الجرأة بالكذب على الله تعالى: أنه ـ سبحانه وتعالى ـ أخبر عن نفسه أنّه فوق العرش، ومحتجاً بلفظ الاستواء الذي هو موضوع بالاشتراك، ومن قبيل المجمل.
وهذا وغيره مما هو كثير في كلامه يتحقّق به جهله وفساد تصوّره وبلادته.
وكان بعضهم يسمّيه: حاطب ليل، وبعضهم يسمّيه: الهدار المهذار.
وكان الامام العلامة شيخ الاسلام في زمانه أبو الحسن علي بن إسماعيل القونوي يصرّح بأنّه من الجهلة، بحيث لا يعقل ما يقول.
____________
(1) كذا بالاصل، وليس بخفيّ أنّ لفظ «الجامدين» حقّها الجامدون، وكذا العارون. انتهى. مصحّحة.
ويخبر أنه أخذ مسألة التفرقة(1) عن شيخه، الذي تلقّاها عن أفراخ السامرة واليهود الذين أظهروا التشرّف بالاسلام.
________________________________________
وهو(2) من أعظم الناس عداوة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقَتَلَ عليٌّ رضي الله عنه واحداً منهم، تكلّم في مجلسه كلمة فيها ازد راء بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد وقفت على المسألة ; أعني مسألة التفرقة التي أثارها اليهود ; ليزدروه بها، وبحثوا فيها على قواعد مأخوذة من الاشتقاق، وكانوا يقطعون بها الضعفاء من العلماء، فتصدّى لهم الجهابذة من العلماء، وأفسدوا ما قالوه بالنقل والعقل والاستعمال الشرعي والعرفي، وأبادوهم بالضرب بالسياط وضرب الاعناق، ولم يبقَ منهم إلاّ الضعفاء في العلم، ودامت فيهم مسألة التفرقة حتّى تلقّاها ابن تيميّة عن شيخه، وكنت أظنّ أنّه ابتكرها.
واتفق الحُذّاق في زمانه من جميع المذاهب على سوء فهمه وكثرة خطئه، وعدم إدراكه للمآخذ الدقيقة وتصوّرها، عرفوا ذلك منه بالمفاوضة في مجالس العلم.
[تاريخ ابن تيمية الاسود]
ولنرجع الى ما ذكره ابن شاكر في تاريخه ; ذكره في الجزء العشرين.
قال: وفي سنة خمس وسبعمائة في ثامن رجب، عُقد مجلس بالقضاة والفقهاء بحضرة نائب السلطنة بالقصر الابلق، فسُئل ابن تيميّة عن عقيدته ؟ فأملى
____________
(1) ظاهر أنّها الفوقية، وكذا ما يأتي بعد كالسياق أو التفرقة حياة الرسول ومماته. أنتهى. مصحّحه.
(2) ظاهر أنّ اللفظ هم لا هو. أنتهى. مصحّحه.
شيئاً منها.
ثمّ أُحضرت عقيدته الواسطيّة، وقرئت في المجلس، ووقعت بحوث كثيرة، وبقيت مواضع أُخّرت الى مجلس ثان، ثمّ اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشر رجب.
وحضر المجلس صفي الدين الهندي، وبحثوا، ثمّ اتفقوا على أنّ كمال الدين بن الزملكاني يحاقق ابن تيميّة، ورضوا كلّهم بذلك، فأفحم كمالُ الدين ابنَ تيميّة، وخاف ابن تيميّة على نفسه، فأشهد على نفسه الحاضرين أنّه شافعيّ المذهب، ويعتقد ما يعتقده الامام الشافعي، فرضوا منه بذلك وانصرفوا.
________________________________________
ثمّ إنّ أصحاب ابن تيميّة أظهروا أنّ الحقّ ظهر مع شيخهم، وأنّ الحقّ معه، فأُحضروا الى مجلس القاضي جلال الدين القزويني، وأحضروا ابن تيميّة وصُفع ورُسم بتعزيره، فشفّع فيه، وكذلك فعل الحنفي باثنين من أصحاب ابن تيميّة.
ثمّ قال: ولمّا كان سَلخُ رجب جمعوا القضاة والفقهاء، وعُقد مجلس بالميدان أيضاً، وحضر نائب السلطنة أيضاً، وتباحثوا في أمر العقيدة، وسلك معهم المسلك الاوّل.
فلمّا كان بعد أيّام ورد مرسوم السلطان ; صحبة بريديّ من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة نجم الدين بن صصري وبابن تيميّة، وفي الكتاب: تعرّفونا ما وقع في سنة ثمان وتسعين في عقيدة ابن تيميّة.
فطلبوا الناس وسألوهم عمّا جرى لابن تيميّة في أيّام نُقل عنه فيها كلام قاله، وأحضروا للقاضي جلال الدين القزويني العقيدة التي كانت أُحضرت في زمن قاضي القضاة إمام الدين، وتحدّثوا مع ملك الامراء في أن يكاتب في هذا الامر، فأجاب، فلمّا كان ثاني يوم وصل مملوك ملك الامراء على البريد من مصر، وأخبر أنّ الطلب على ابن تيميّة كثير، وأنّ القاضي المالكي قائم في قضيّته قياماً عظيماً،
وأخبر بأشياء كثيرة من الحنابلة وقعت في الديار المصرية، وأنّ بعضهم صُفع، فلمّا سمع ملك الامراء بذلك انحلّت عزائمه عن المكاتبة، وسيّر شمس الدين بن محمّد المهمندار الى ابن تيميّة، وقال له:
قد رسم مولانا ملك الامراء بأن تسافر غداً، وكذلك راح الى قاضي القضاة، فشرعوا في التجهيز، وسافر صحبة ابن تيميّة أخواه عبدالله وعبدالرحمن، وسافر معهم جماعة من أصحاب ابن تيميّة.
وفي سابع شوّال وصل البريدي الى دمشق، وأخبر بوصولهم الى الديار المصريّة، وأنّه عقد لهم مجلس بقلعة القاهرة بحضرة القضاة والفقهاء والعلماء والامراء: فتكلّم الشيخ شمس الدين عدنان الشافعي وادّعى على ابن تيميّة في أمر العقيدة، فذكر منها فصولاً.
________________________________________
فشرع ابن تيميّة فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وتكلّم بما يقتضي الوعظ، فقيل له: ياشيخ إنّ الذي تقوله نحن نعرفه، وما لنا حاجة الى وعظك، وقد أدُّعي عليك بدعوى شرعية فأجب.
فأراد ابن تيميّة أن يعيد التحميد، فلم يمكّنوه من ذلك، بل قيل له: أجب.
فتوقّف، وكُرِّر عليه القول مراراً، فلم يزدهم على ذلك شيئاً، وطال الامر، فعند ذلك حكم القاضي المالكي بحبسه وحبسِ أخويه معه.
فحبسوه في بُرج من أبراج القلعة فتردّد إليه جماعة من الامراء، فسمع القاضي بذلك، فاجتمع بالامراء، وقال: يجب عليه التضييق إذا لم يقتل، وإلاّ فقد وجب قتله، وثبت كفره.
فنقلوه الى الجُبّ بقلعة الجبل، ونقلوا أخويه معه بإهانة.
وفي سادس عشر ذي القعدة وصل من الديار المصرية قاضي القضاة نجم
الدين بن صصري، وجلس يوم الجمعة في الشباك الكمالي، وحضروا القرّاء والمنشدون، وأُنشدت التهاني، وكان وصل معه كتب ولم يعرضها على نائب السلطنة، فلمّا كان بعد أيّام عرضها عليه، فرسم ملك الامراء بقراءتها والعمل بما فيها أمتثالاً للمراسيم السلطانية.
وكانوا قد بيّتوا على الحنابلة كلّهم بأن يحضروا الى مقصورة الخطابة بالجامع الاُموي بعد الصلاة،وحضر القضاة كلّهم بالمقصورة، وحضر معهم الامير الكبير ركن الدين بيبرس العلاني، وأحضروا تقليد القضاة نجم الدين بن صصري، الّذي حضر معه من مصر باستمراره على قضاء القضاة وقضاء العسكر ونظر الاوقاف وزيادة المعلوم، وقرىء الكتاب الذي وصل على يديه، وفيه ما يتعلّق بمخالفة ابن تيمية عقيدته وإلزام الناس بذلك، خصوصاً الحنابلة، والوعيد الشديد عليهم، والعزل من المناصب، والحبس وأخذ المال والروح ; لخروجهم بهذه العقيدة عن الملّة المحمّدية.
________________________________________
ونسخة الكتاب نحو الكتاب المتقدّم، وتولّى قراءته شمس الدين محمّد بن شهاب الدين الموقع، وبلغ عنه الناس ابن صبح المؤذّن، وقُرىء بعد تقليد الشيخ برهان الدين بالخطابة، وأحضروا بعد القراءة الحنابلة مُهانين بين يدي القاضي جمال الدين المالكي بحضور باقي القضاة، واعترفوا أنّهم يعتقدون ما يعتقده محمّد ابن إدريس الشافعي (رضي الله عنه).
وفي سابع شهر صفر سنة ثمان عشرة، ورد مرسوم السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الطلاق الذي يُفتي بها ابن تيميّة.
وأمر بعقد مجلس له بدار السعادة، وحضر القضاة وجماعة من الفقهاء، وحضر ابن تيميّة وسألوه عن فتاويه في مسألة الطلاق، وكونهم نهوه وما انتهى، ولا قبل مرسوم السلطان، ولا حكم الحكام بمنعه، فأنكر.
فحضر خمسة نفر، فذكروا عنه: أنه أفتاهم بعد ذلك، فانكر وصمّم على الانكار، فحضر ابن طليش وشهود شهدوا أنّه أفتى لحّاماً اسمه قمر مسلماني في بستان ابن منجا.
فقيل لابن تيميّة: اكتب بخطك: أنك لا تُفتي بها ولا بغيرها، فكتب بخطّه: أنه لا يُفتي بها وما كتب بغيرها.
فقال القاضي نجم الدين بن صصري: حكمتُ بحبسك واعتقالك.
فقال له: حكمك باطل ; لانّك عدوّي، فلم يُقبل منه، وأخذوه واعتقلوه في قلعة دمشق.
وفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة يوم عاشوراء، أُفرج عن ابن تيميّة من حبسه بقلعة دمشق، وكانت مدّة اعتقاله خمسة أشهر ونصفاً.
وفي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة في السادس عشر في شعبان، قدم بريدي من الديار المصرية، ومعه مرسوم شريف باعتقال ابن تيميّة.
فاعتقل في قلعة دمشق، وكان السبب في اعتقاله وحبسه أنّه قال: لا تُشدّ الرحال إلاّ الى ثلاثة مساجد، وإنّ زيارة قبور الانبياء لا تُشد إليها الرواحل كغيرها، كقبر إبراهيم الخليل وقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
________________________________________
ثمّ إنّ الشامييّن كتبوا فُتيا أيضاً في ابن تيميّة ; لكونه أوّل من أحدث هذه المسألة، التي لا تصدر إلاّ مّمن في قلبه ضغينة لسيّد الاولين والاخرين.
فكتب عليها الامام العلاّمة برهان الدين الفزاريّ نحو أربعين سطراً بأشياء، وآخر القول أنّه أفتى بتكفيره.
ووافقه على ذلك الشيخ شهاب الدين بن جهبل الشافعي، وكتب تحت خطّه: كذلك المالكي.
وكذلك كتب غيرهم.
ووقع الاتّفاق على تضليله بذلك وتبديعه وزندقته.
ثمّ أراد النائب أن يعقد لهم مجلساً، ويجمع العلماء والقضاة، فرأى أنّ الامر يتّسع فيه الكلام، ولابدّ من إعلام السلطان بما وقع، فأخذ الفتوى وجعلها في مطالعه وسيّرها.
فجمع السلطان لها القضاة، فلمّا قرئت عليهم أخذها قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وكتب عليها: القائل بهذه المقالة ضالّ مبتدع.
ووافقه على ذلك الحنفي والحنبلي، فصار كفره مُجمعاً عليه(1) .
ثمّ كُتب كتاب الى دمشق بما يعتمده نائب السلطنة في أمره.
وفي يوم الجمعة عاشر شهر شعبان حضر كتاب السلطان الى نائب البلد، وأمره أن يُقرأ على السدّة في يوم الجمعة فقُرىء، وكان قارىء الكتاب بدر الدين ابن الاعزازي الموقع والمبلغ ابن النجيبي المؤذّن.
ومضمون الكتاب بعد البسملة: أدام الله تعالى نعمه، ونوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته التي جهّزها بسبب ابن تيميّة، فوقفنا عليها، وعلمنا مضمونها في أمر المذكور وإقدامه على الفتوى بعد تكرير المراسيم الشريفة بمنعه ; حسب ما حكم به القضاة وأكابر العلماء.
وعقدنا بهذا السبب مجلساً بين أيدينا الشريفة، ورسمنا بقراءة الفتوى على القضاة والعلماء.
فذكروا جميعاً من غير خلف: أنّ الذي أفتى به ابن تيميّة في ذلك خطأ مردود عليه، وحكموا بزجره وطول سجنه ومنعه من الفتوى مطلقاً.
وكتبوا خطوطهم بين ايدينا على ظاهر الفتوى المجهّزة بنسخة ما كتبه ابن
____________
(1) لينظر هذا المغرورون. انتهى. مصحّحه.
تيميّة.
________________________________________
وقد جهّزنا الى الجناب العالي طيّ هذه المكاتبة، فيقف على حكم ما كتب به القضاة الاربعة.
ويتقدم اعتقال المذكور في قلعة دمشق، ويُمنع من الفتوى مطلقاً، ويُمنع الناس من الاجتماع به والتردّد اليه تضييقاً عليه، لجرأته على هذه الفتوى.
فيحيط به علمك الكريم، ويكون اعتماده بحسب ما حكم به الائمة الاربعة، وأفتى به العلماء في السجن للمذكور وطول سجنه.
فإنّه في كلّ وقت يُحدث للناس شيئاً منكراً، وزندقة يشغل خواطر الناس بها، ويُفسد على العوامّ عقولهم الضعيفة وعقلياتهم وعقائدهم.
فيمنع من ذلك، وتسدّ الذريعة منه.
فليكن عمله على هذا الحكم، ويتقدّم أمره به.
وإذا اعتمد الجناب الرفيع العالي هذا الاعتماد الذي رسمنا به في أمر ابن تيمية، فيتقدم منع من سلك مسالكه، أو يُفتي بهذه الفتاوى، أو يعمل بها في أمر الطلاق، أو هذه القضايا المستحدثة.
وإذا اطّلع على أحد عمل بذلك، أو أفتى به، فيعتبر حاله، فإن كان من مشايخ العلماء، فيعزّر تعزير مثله.
وإن كان من الشبّان الذين يقصدون الظهور ـ كما يقصده ابن تيميّة ـ فيؤدّبهم ويردعهم ردعاً بليغاً، ويعتمد في أمرهم ما يُحسم به موادّ أمثاله ; لتستقيم أحوال الناس، وتمشي على السداد، ولا يعود أحد يتجاسر على الافتاء بما يخالف الاجماع، ويبتدع في دين الله ـ عزّ وجلّ ـ من أنواع الاقتراح ما لم يسبقه أحد إليه.
فالجناب العالي يعتمد هذه الامور التي عرّفناه إيّاها الان وسدّ الذرائع
فيها.
وقد عجّلنا بهذا الكتاب، وبقيّة فصول مكاتبته تصل بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وكتب في سابع عشرين رجب سنة ستٍّ وعشرين وسبعمائة.
[فتوى الائمة الاربعة بكفر ابن تيمية]
صورة الفتوى من المنقول من خطّ القضاة الاربعة بالقاهرة على ظاهر الفتوى:
الحمد لله، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إنّ زيارة الانبياء والصالحين بدعة.
وماذكره من نحوذلك، وأنّه لايرخّص بالسفر لزيارة الانبياء،باطل مردود عليه.
________________________________________
وقد نقل جماعة من العلماء: أنّ زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فضيلة وسُنّة مجمع عليها. وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يُزجر عن مثل هذه الفتاوي الباطلة عند الائمة والعلماء، ويُمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس(1) إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ; ليحتفظ الناس من الاقتداء به.
وكتبه محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي.
وكذلك يقول محمّد بن الجريري الانصاري الحنفي: لكن يُحبس الان جزماً مطلقاً.
وكذلك يقول محمّد بن أبي بكر المالكي ويبالغ في زجره حسبما تندفع به المفسدة وغيرها من المفاسد.
____________
(1) ظاهر أنّ اللفظ «ويحبس» لا يجلس. أنتهى. مصحّحه.
وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي.
ووجدوا صورة فتوى أخرى يقطع فيها: بأنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور الانبياء معصية بالاجماع مقطوع بها.
وهذه الفتوى هي التي وقف عليها الحكّام، وشهد بذلك القاضي جلال الدين محمّد بن عبدالرحمن القزويني، فلمّا رأوا خطّه عليها تحققوا فتواه، فغاروا لرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)غيرة عظيمة، وللمسلمين الذين ندبوا الى زيارته، وللزائرين من أقطار الارض، واتّفقوا على تبديعه وتضليله وزيغه، وأهانوه ووضعوه في السجن.
وذكر الشيخ الامام العلاّمة شمس الدين الذهبي بعض محنته، وأنّ بعضها كان في سنة خمس وسبعمائة، وكان سؤالهم عن عقيدته وعمّا ذكر في الواسطيّة، وطلب وصوّرت عليه دعوى المالكي، فسجن هو وأخواه بضعة عشر شهراً، ثمّ أُخرج، ثمّ حبس في حبس الحاكم.
وكان مّما أُدّعي عليه بمصر أن قال: الرحمن استوى على العرش حقيقة، وأنّه تكلّم بحرف وصوت.
ثمّ نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيميّة حلّ ماله ودمه(1) .
[حكم ابن حيان على ابن تيمية بالتشبيه]
________________________________________
وذكر أبو حيّان النحوي الاندلسي في تفسيره المسمّى بـ «النهر» في قوله تعالى: (وَسِعَ كُرسيُّهُ السَّمواتِ والارضَ) ما صورته: وقد قرأت في كتاب لاحمد ابن تيميّة هذا الذي عاصرناه، وهو بخطّه سمّاه «كتاب العرش»: إنّ الله يجلس
____________
(1) ليتأمل العاقل هذا، ثمّ ليتأمّله. انتهى. مصحّحه.
على الكرسيّ، وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
تحيّل عليه التاج محمّد بن علي بن عبدالحقّ، وكان من تحيّله عليه أنّه أظهر أنّه داعية له حتّى أخذ منه الكتاب، وقرأنا ذلك فيه.
ورأيت في بعض فتاويه: أنّ الكرسي موضع القدمين.
وفي كتابه المسمّى بـ «التدمرية» ما هذا لفظه بحروفه ـ بعد أن قرّر ما يتعلق بالصفات المتعلّقة بالخالق والمخلوق ـ: ثمّ من المعلوم أنّ الربّ لمّا وصف نفسه: بأنّه حيّ عليم قادر، لم يقل المسلمون: إنّ ظاهر هذا غير مراد ; لانّ المفهوم ذلك في حقّه مثل مفهومه في حقّنا.
فكذلك لمّا وصف نفسه: أنّه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أنّ ظاهره غير مراد ; لانّ مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقّنا.
هذه عبارته بحروفها، وهي صريحة في التشبيه المساوي، كما أنّه جعل الاستواء على العرش مثل قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره) تعالى الله وتقدّس عن ذلك.
وقال في كلام حديث النزول المشهور: أنّ الله ينزل الى سماء الدنيا الى مَرْجة خضراء، وفي رجليه نعلان من ذهب. هذه عبارته الزائغة الركيكة.
وله من هذا النوع وأشباهه مغالاة في التشبيه ; حريصاً على ظاهرها واعتقادها، وإبطال ما نزّه الله تعالى به نفسه في أشرف كتبه، وأمر به عموماً وخصوصاً، وذكره إخباراً عن الملا الاعلى والكون العُلوي والسُّفلي، ومن تأمّل القرآن وجده مشحوناً بذلك.
وهذا الخبيث لا يعرُج على ما فيه التنزيه، وإنّما يتتبّع المتشابه، ويُمعن الكلام فيه، وذلك من أقوى الادّلة على أنّه من أعظم الزائغين.
________________________________________
ومن له أدنى بصيرة لا يتوقّف فيما قلته ; إذ القرائن لها اعتبار في الكتاب
والسُّنّة، وتفيد القطع، وتفيد ترتّب الاحكام الشرعية، لا سيّما في محلّ الشُّبه.
قال بعض السلف رضي الله عنهم: الاعراض عن الحقّ والتسخّط له علامة الركون الى الباطل، وطريق الحقّ دقيق وبعيد، والصبر معه شديد، والعدوّ لا يزال عنه يحيد، وأثقال الحقّ لا يحملها إلاّ مطايا الحقّ.
وقال بعض السلف: داعي الحقّ داعي رشد، ليس للشيطان فيه يد، ولا للنفس فيه نصيب. وداعي الباطل من نزغات الشيطان وهوى النفس، ومتّبعها هالك لا محالة ; لانّه عاص في صورة طائع، ومُبعِد في صورة مُقرِّب.
وصدق ونصح (رضي الله عنه)، فقد هلك بسبب ذلك خلق لا يُحصون عدّاً، ولا يمكن ضبطهم حدّاً.
قال العلماء: إنّ وسوسة التشبيه من إبليس، فالردّ عليه وابطال وسوسته أن يقول في نفسه: كلّ ما تصوّر في صدري فالربّ بخلافه، فإنّه لا يتصوّر في صدري إلاّ مخلوق له كيفيّة ومِثْل، والربّ ـ سبحانه وتعالى ـ لا مِثْل له ولا كيفية، فما مثل في صدري فهو غير ربي، فهو ـ سبحانه وتعالى ـ موحّد الذات والصفات.
[التوحيد والعدل في كلام الائمة]
وسُئل علي (رضي الله عنه) عن التوحيد والعدل، فقال: (التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه).
وقال يحيى بن معاذ: التوحيد في كلمة واحدة ما تصوّر في الاوهام فهو بخلافه.
وقال علي (رضي الله عنه): (ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود).
وقال (رضي الله عنه): (أوّل الدين معرفته، وكمالُ معرفته التصديق به، وكمالُ التصديق به
توحيده، وكمالُ توحيده الاخلاص له، وكمالُ الاخلاص له نفي الصفات الُمحدَثة عنه، فمن وصفه بحادث فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه(1) ، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه)(2) .
________________________________________
قال المحقّقون: من اعتقد في الله ـ سبحانه وتعالى ـ ما يليق بطبعه فهو مشبّه ; لانه ـ سبحانه وتعالى ـ منزّه عمّا يصفه به أو يتخيّله ; لانّ ذلك من صفات الحَدَث.
وسُئل ـ أعني عليّاً (رضي الله عنه): بمَ عرفت ربّك؟ فقال: (عرفتُه بما عرّف به نفسه ; لا يُدرك بالحوّاس، ولا يُقاسُ بالناس، قريب في بُعده، بعيد في قُربه، فوق كلّ شيء ولا يقال تحته شيء وأمام كلّ شيء، ولا يقال أمامه شيء، وهو في كلّ شيء لا كشيء في شيء فسبحان من هو هكذا وليس هكذا غيره)(3) .
وقال أيضاً (رضي الله عنه): (عرّفنا الله ـ سبحانه وتعالى ـ نفسه بلا كيف، وبعث سيّدنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغ القرآن، وبيان المفصّلات للاسلام والايمان، وإثبات الحجّة وتقويم الناس على منهج الاخلاص، فصدّقته بما جاء به).
وقال الامام الحافظ محمّد بن علي الترمذي صاحب التصانيف المشهورة: من جهل أوصاف العبوديّة فهو بنعت الربوبيّة أجهل.
____________
(1) قوله: «ثنّاه» هي ثنّاه. انتهى. مصحّحه.
(2) نهج البلاغة، الخطبة الاولى ص39 تحقيق الدكتور صبحي الصالح.
(3) لاحظ هذه النص في كتب الشيعة الامامية: المحاسن للبرقي ص239، والكافي للكليني 1/85، والتوحيد للصدوق ص285.
قال جعفر ]الصادق[ في قوله تعالى: (قل هو اللهُ أحدٌ) : (هو الذي لم يُعطِ لاحد من معرفته غير الاسم والصفة).
وقيل: هو الذي لا يدرك حقيقة نعوته وصفاته إلاّ هو.
وقوله تعالى (الله الصمد) قيل هو الذي أيست العقول من أن تطّلع عليه، أو تُدرك ما وصف به نفسه ونسب إليه.
وقيل: هو السيّد الذي لا نهاية لسؤدده.
وقيل: هو المصمود إليه في الحوائج.
وقيل: هو الذي لا يستغني عنه شيء من الاشياء.
وقال ابن عبّاس (رضي الله عنه): معناه الذي لا جوف له. وقيل غير ذلك.
وقوله: (لم يلد ولم يُولد) نفي الجنسية والبعضية.
________________________________________
وقوله: (ولم يكنْ له كفواً أحدٌ) نفي الشريك والنظير، فهو الذي لا نظير له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله.
فتعالى أن تُدركه الاوهام والعقول والعلوم، بل هو كما وصف نفسه، والكيفية عن وصفه غير معقولة ولا موهومة، كيف يكون ذلك؟ وهو قديم الذات والصفات، والتخيّل إنّما يكون في المحدثات.
وسئل الامام العلاّمة أبو الحسن الدينوري عن الاستدلال بالشاهد على الغائب، فقال: كيف يستدلّ بصفات من يشاهد ويعاين وذو مثل على من لا يُشاهد ولا يُعاين في الدنيا ولا نظير له ولا مثل؟!
هذا من جهل الجاهلين بالايات التي قلبوا بها حقائق الامور، فجعلوا الايات صفات، ومعنى الايات العلامات.
وهو كلام إمام محقّق، وقد زلّ خلق كثير بمثل ذلك.
فسبحان الاحدي الذات، العليّ الصفات، المنزّه عن الالات، المقدّس عن
الكيفيات، المنزّه عن مشابهة المخلوقات، تعالى عمّا يقوله من الالحاقات.
كيف يُقاس القادر بالمقدورات والصانع بالمصنوعات؟! وهي من آياته البيّنات الظاهرات.
رفع السموات، وبسط الارض وثبتها بالاوتاد الراسيات، وأتحفها بالمُزن الماطرات، فزهت بأنواع النباتات المختلفات، كذلك يحيي الموتى. (إعلموا أنّ الله يُحيي الارض بعد موتِها قد بيَّنّا لكم الاياتِ) .
قال أرباب البصائر وذوو التحقيقات: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم من جهة المعنى، ولا لصفته صفة من جميع الوجوه إلاّ من جهة موافقة اللفظ.
وكما لم يجز أن يظهر من مخلوق صفة قديمة، كذلك يستحيل أن يظهر من الذات الذي ليس كمثله شيء صفة حديثة.
وأنّ التكرار من حدوث الصفة، جلّ ربّنا أن يحدث له صفة أو أسم ; إذ لم يزل بجميع صفاته واحداً، ولا يزال كذلك.
وكلّ أمور التوحيد والتفريد خرجت(1) من هذه الكلمة(ليس كمثله شيء) .
________________________________________
لانّه ما عبّر عن الحقيقة بشيء إلاّ والعلّة مصحوبة والعبارة منقوضة ; لان الحقّ لا ينبعث(2) أقداره إلاّ على إقراره ; لانّ كلّ ناعت مشرف على المنعوت، وجلّ ربّنا أن يشرف عليه مخلوق، احتجب عن خلقه بخلقه، ثمّ عرّفهم صنعه
____________
(1) أي ظهرت للمؤمنين وفهموها من هذه الكلمة. انتهى. مصحّحه.
(2) قوله: «لا ينبعث» هو لا ننعت... الى آخره. بدليل قوله بعد ذلك: «لانّ كلّ ناعت...» الى آخره. انتهى. مصحّحه.
بصنعه، وساقهم الى أمره بأمره، فلا يمكن الاوهام أن تناله، ولا العقول أن تختاله(1) ، ولا الابصار أن تمثله، ولا الاسماع أن تشتمله(2) ، ولا الاماني أن تمتنحه.
هو الذي لا قبل له، ولا مفرّ(3) عنه ولا معدل، ولا غاية وراءه ولا مثل. ليس له أمد ولا نهاية ولا غاية ولا ميقات ولا انقضاء، ولا يستره حجاب، ولا يقلّه مكان ولا يحويه هواء، ولا يحتاطه(4) فضاء، ولا يتضمّنه خلاء (ليس كمثلهِ شيء وهو السميعُ البصيرُ) .
قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: معنى الاية ليس له نظير.
وقيل: الكاف صلة ; أعني زائدة، فالمعنى: ليس مثله شيء.
وقيل: المثل صلة، فالمعنى ليس كهو شيء، فأدخل المثل للتأكيد.
فمن الجهل البيّن أن يطلب العبد درك ما لا يُدرك، وأن يتصوّر ما لا يُتصوَّر.
كيف ؟
وقد نزّه نفسه بنفسه عن أن يدرك بالحوّاس، أو يُتصور بالعقل الحادث
____________
(1) يريد: أن تتخيّله. انتهى. مصحّحه.
(2) لعلّها تشمله ; أي هو ليس من جنس الاصوات فتسمعه الاسماع. انتهى. مصحّحه.
(3) لعلّها مفرّ. أنتهى. مصحّحه.
(4) لعلّ الاصل«لا يحيط به...» الى آخره. أنتهى مصحّحه. عبارة المصنّف صحيحة لمجيء «احتاط» بمعنى «أحاط».
والقياس، فلا يدركه العقل الصحيح من جهة التمثيل، ويدركه من جهة الدليل.
________________________________________
فكلّ ما يتوهّمه العقل فهو جسم، وله(1) نهاية في جسمه وجنسه ونوعه وحركته وسكونه، مع ما يلزمه من الحدود والمساحة، ومن الطول والعرض، وغير ذلك من صفات الحدث، تعالى الله عن ذلك.
فهو الكائن قبل الزمان والمكان المحدَثين، وهو الاوّل قبل سوابق العدم، الابدي بعد لواحق القدم، ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، جلّت الذات القديمة الواجبة الوجود ـ التي لم تُسبق بعدم(2) أن تكون كالصفة الحديثة.
قال تعالى: (أو لا يَذكرُ الانسان أنّا خلقناهُ مِن قبلُ ولم يكُ شيئاً) .
فهو ـ سبحانه وتعالى ـ احتجب عن العقول والافهام كما احتجب عن الادراك والابصار، فعجز الخلق عن الدَّرك، والدَّرك عن الاستنباط، وانتهى المخلوق الى مثله، وأسنده الطلب الى شكله.
قال الصدّيق (رضي الله عنه): «العجز عن درْك الادراك إدراك».
وقال (رضي الله عنه): «سبحان من لم يجعل للخلق سبيلاً الى معرفته إلاّ بالعجز عن معرفته».
فهو سبحانه عليم قدير سميع بصير، لا يوصف علمه وقدرته وسمعه وبصره بما يوصف به المخلوق ولا حقيقته.
كذلك عُلّوه واستواؤه ; إذ الصفة تتبع الموصوف.
فإذا كانت حقيقة الموصوف ليست من جنس حقائق سائر الموصوفات،
____________
(1) قوله: ولا نهاية صوابه وله نهاية الى آخره. كما هو ظاهر. انتهى. مصحّحه.
(2) قوله: «بقدم» هو بعدم، كما هو واضح. انتهى مصحّحه.
فكذلك حقيقة صفاته.
فأجهل الناس وأحمقهم وأجحدهم للحقّ، مَن يُشبّه من ليس كمثله شيء بالمخلوق المصنوع في شيء من صفاته وأفعاله وذاته (تعالى الله عمّا يقولونَ علوّاً كبيراً) .
لانّه ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته مصون عن الظنون الكاذبة والاوهام السخيفة.
وقيل في قوله تعالى: (وما قدروا الله حقَّ قدره) أي ما وصفوه حقّ وصفه.
وقيل: ما عظّموه حقّ عظمته.
وقيل: ما عرفوه حقّ معرفته، وقيل غير ذلك.
________________________________________
قال بعض أهل المعاني والقلوب: لا يعرف قدر الحقّ إلاّ الحقّ، وكيف يقدر أحد قدره وقد عجز عن معرفة قدره الوسائط والرسل والاولياء والصدّيقون؟
ثم قال: ومعرفة قدره أن لا تلتفت عنه الى غيره، ولا تغفل عن ذكره، ولا تفتر عن طاعته ; إذ ذاك(1) عرفت قدر ظاهر قدره، وأمّا حقيقة قدره فلا يقدر قدرها إلاّ هو.
وصدق ; لانّ الخلق تعجز عن تنزيهه بما يستحقّه من كمال صفاته وعظم ذاته.
____________
(1) أي لو كنت كما ذكر قد الخ أنتهى. مصحّحه.
[في التسبيح]
ولهذا نزّه سبحانه نفسه بقوله: (سبحان ربِّك ربِّ العزّة عمَّا يصفون) ، وفي هذا غاية الحثّ على كثرة التنزيه ودوامه، مع أمره لاكمل خلقه في قوله تعالى: (سبّح اسم ربّك الاعلى) ، مع غير ذلك مّما في أشرف الكتب مّما أذكر بعضه.
فقوله: (سبّح اسم ربِّك) أي قل: سبحان ربّي الاعلى، والمعنى: نزّه اسم ربّك واذكره وأنت له معظّم.
وقيل:نزّه عن المعاني المفضِية الى نقصه.
وقيل: نزّه اسمه عن الكذب إذا أقسمت به.
وقيل: لفظ اسم زائد، وفي الكلام حذف، المعنى: نزّه مسمّى ربّك الذي خلق فسوّى، أي مخلوقه ; بأن خلقه مستوياً بلا تفاوت فيه وفي أعضائه، وغير ذلك من مخلوقاته، فإنّ مَنْ هذا من بعض مصنوعاته يستحقّ التنزيه، فكيف بمخلوقات اُخر يعجز الخلق عن إدراكها لعظمها؟! وكلّها على اختلاف أجناسها وأنواعها، كلٌّ يسبّحه بلغته،وبما يليق بجلاله.
قال تعالى: (يسبّحُ لهُ السمواتُ السَّبعُ والارضُ ومن فيهنَّ وإن من شيء إلاّ يسبَّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) .
وقال: (والطيرُ صافات كلٌّ قد عَلِمَ صلاتهُ وتسبيحهُ) .
قال مجاهد: تسبيح المخلوقات هو تنزيه خالقها وتوحيده بما يستحقّه ; من كمال صفات عظم ذاته.
قيل: يفقه تسبيحهم العلماء الرّبّانيون الذين انفتحت أسماع بصائرهم والمنوّرون البصائر الذين يشاهدون كلّ شيء مرقوماً عليه بقلم القُدرة: هو الملك القُدّوس.
________________________________________
وقال مجاهد: كلّ الاشياء تسبّح حيواناً وجماداً، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده.
وروى ابن السني: أنّه (عليه السلام) قال: (ما تستقبل الشمس فيبقى شيء من خلق الله تعالى إلاّ سبّح الله تعالى وحمده، إلاّ ما كان من الشيطان وأغبياء بني آدم. فقيل: ما أغبياء بني آدم؟ فقال: شرار الخلق).
وقال شهيب(1) بن حوشب: حملة العرش ثمانية: أربعة يقولون: سبحانك اللّهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللّهمّ وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
[في التقديس]
وقال: (هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملكُ القدّوس) فالملك اسم من أسمائه تعالى، وكذا مليك، وهو صفة مبالغة في الملك، قال تعالى: (عند مليك مقتدر) فالملك هو المُستغني عن كلّ شيء، ويفتقر إليه كلّ شيء، ونافذ حكمه في مملكته طوعاً أو كرهاً.
وقيل: هو القادر على الابداع والانشاء والاعدام، وهذا على الحقيقة لا يكون إلاّ لله ـ عزّ وجلّ ـ أبدع المكوِّنات العُلويّات والسُّفليّات الجليّات والخفيّات، أبدعها بقدرته ورتّبها على اختلاف أطوارهابحكمته، فكلّ مابرز فهو مقهور الوجود بـ «كُنْ»، وكلّ ما انعدم فهو مقهور العدم بـ «كُنْ».
وبهذا يُعلم أنّ إطلاق الملك على ما سواه أمر مجازيّ، إذ المملوك لا يكون مالكاً ; لانّ من هو تحت قهر الاغيار فهو كالعدم.
ولهذا لمّا تحقّق أرباب القلوب أنّ الملك لله ـ عزّ وجلّ ـ تحقّقاً قلبيّاً، سكنت
____________
(1) معروف هذا الاسم بـ «شهر». انتهى. مصحّحه.
أنفسهم عن وصف الاضافات، وتبرّؤوا من الحول والقوّة حتى بالاشارات، فلا يقول: منّي، ولا لي ; حتّى قيل لبعضهم: ألك ربّ؟ فقال أنا عبد، وليس لي نملة، ومن أنا حتّى أقول: لي.
فهذا وأمثاله صفّى نفسه عن رعونة البشريّة وهواها، وفكّ رِبقة رِقّ خيالاتها الباطلة ومُناها، ومحض رقّ العبودية لمولاها.
________________________________________
فترى الملوك الجبابرة مع جبروتهم يخضعون ويتذلّلون له. ولهذا تتّمات ليس هذا المقام مقامها ; إذ الغرض التنزيه.
والقُدُّوس من أسمائه ـ عزّ وجلّ ـ سمّى نفسه بذلك ليُرشدك الى تقديسه، كما أشار الى ذلك بقوله تعالى: (يُسبِّحونَ اللَّيل والنَّهار لا يفترونَ) .
وفيه الحثّ على دوام التقديس.
فالقُدُّوس قيل: هو المنزّه عمّا لا يليق به من الاضداد والانداد.
وقيل: هو المنزّه والمطهّر من النقائص والعيوب.
وهاتان غير مرضيّين عند المحقّقين.
قال حجّة الاسلام الغوّاص الغزالي: «وهذا في حقّ الباري ـ سبحانه وتعالى ـ يقارب ترك الادب، كما أنّه ليس من الادب أن يقال لملك: ليس بحائك ولا بحجّام ; لانّ نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود، وفي ذلك الايهام نقص.
بل القدّوس: المنزّه عن كلّ وصف يُدركه حِسّ، أو يتصوّره وَهْم، أو يسبق إليه فكر، أو يهجس به سِرّ، أو يختلج به ضمير، أو يسنح له خفيّ خيال».
وقد أجاد (رضي الله عنه).
[فائدة جليلة للمنزّه والمشبّه]
وههنا فائدة جليلة للمنزّه والمشبِّه: وهي أنه ينبغي للعبد أن يجعل له حظّاً
وافراً من تكرير هذا الاسم والامعان في معناه، فإن كان منزَّهاً عطف ذلك عليه، وقدّس نفسه وقلبه وبدنه:
أمّا نفسه فيطهّرها من الاوهام المذمومة، كالغضب والحقد والحسد والغشّ وسوء الظنّ والكبر وحبّ الشرف والعُلوّ وحبّ الدنيا ولوازمها وغير ذلك، ويبدلها بالاوصاف المحمودة، فيطهّرها أيضاً عن العاهات والشهوات، وما تدعو إليه من المستحسنات والمألوفات ; إذ هي أزّمة الشيطان يقود بها الى ارتكاب الموبقات.
________________________________________
وأمّا القلب فيطهّره بالعقد الصحيح المطابق الجازم، وبالمبادرة الى امتثال الاوامر واجتناب النواهي والاهواء، وتحقيق الاخلاص نيّة وقولاً وعملاً، وبالرضا بما جرى، فلا يأسف على فائت ولا يفرح بآت، وذلك يرجع الى ذوق حلاوة الايمان القلبي لا العملي، وعلامته تقديس القلب عن ملاحظة الاكوان، ولا يرى الاغيار إلاّ على العدم الاصلي، فلا يتحرّك في ظاهره ولا باطنه حتّى في أنفاسه إلاّ بالله عزّ وجلّ.
وأما البدن فيطهّره بماء الجوع، ويكفنّه بدوام التقشّف، ويحنّطه بالعُزلة، ويطيّبه بدوام الذكر والفكر، ويدفنه في لحد الخوف، فإذا قدّسه بذلك ذهب مغناه، وبقي معناه.
فإذا اجتمعت له هذه التقديسات ذهبت أوصافه القواطع والموانع، ولاح له خزائن أسرار الايات في معارج ترداد الايات، فأثمر له ذلك كشف أسرار الملكوتيات، فيثمر له ذلك الشوقَ إلى رؤية مطلوبه، فلا شيء أشهى إليه من الموت ; لانّه لا سبيل الى الوصول الى محبوبه إلاّ به، فمن أراد أن يجلسه في حضرة القُدس على منابر التقديس، فليجرِ على هذا التأسيس.
ومرّ إبراهيم بن أدهم ـ قدس الله روحه ـ بسكران مطروح على قارعة الطريق
وقد تقيأ، فنظر إليه وقال: بأي لسان أصابته هذه الافة، وطهّر فمه ومضى.
فلمّا أفاق السكران أُخبر بما فعله به إبراهيم، فخجل وتاب، وحسنت توبته.
فرأى إبراهيم فيما يرى النائم كأنّ قائلاً يقول: غسلت لاجلنا فمه، فلا جرم أنّا طهّرنا لاجلك قلبه.
وأمّا المشبّه والمجسِّم فلانّه بتكرار هذا الاسم يتعقّل معناه، فيضيء له نوره، فينكشف له حجاب الضلال، فإذا حقّق المعنى المراد منه ظهر له نوره، فأحرق حجاب الضلال، فصفا قلبه للحقّ وزاح الباطل.
وقد وقع ذلك لبعض الغُلاة في التشبيه والتجسيم، مرّ يوماً على هذه الاية (هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملك القُدُّوس) ، فكرّر هذا الاسم وتعقّل معناه، فقال: والله أنا لفي ضلال مُبين بيّن.
________________________________________
فبادر في الحال، وأتى بالشهادتين، وقال: والله لا يخلّصني إلاّ استئناف العمل.
فانظر ـ أرشدك الله تعالى ـ الى بركة تكرير هذا الاسم العظيم في حقّ أهل التنزيه والتشبيه، والله أعلم.
[حقيقة التوحيد في الذات والافعال]
ثمّ تمام التقديس لا يحصل إلاّ بالتمكّن بعد كمال التوحيد، وحقيقة التوحيد تكون باعتبار الذات وباعتبار الفعل:
فتوحيد الذات ينفي الحدوث، وثبوت الاحديّة ينفي الاضداد، وثبوت الذات ينفي التشبيه، ويحيّر العقل في بحر الادراك.
وأما توحيد الافعال فهو شهود القدرة في المقدور، ثمّ الاستغراق في أنوار
العظمة، فيغيب بذلك عن الموجودات، وتبقى القدرة بارزة بأسرار التوحيد، ثمّ الاستغراق في أنوار المحو، فيغيب عن رؤية القدرة بالقادر.
ومن مقدوراته ـ جلّ وعلا ـ ما ذكره في قوله تعالى: (يوم يقومُ الرُّوحُ) .
قال أبو الفرج بن الجوزي: رُوي عن عليّ (رضي الله عنه) في تفسيرها: (أنّ الروح مَلَكٌ عظيم، له سبعون ألف وجه، في كلّ وجه سبعون ألف لسان، لكلّ لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلّها، يخلق الله ـ عزّ وجلّ ـ من كلّ تسبيحة مَلَكاً يطير مع الملائكة الى يوم القيامة).
وقال ابن مسعود (رضي الله عنه): «الروح مَلَكٌ عظيم ; أعظم من السموات والارضين والجبال والملائكة، يسبّح كلّ يوم ألف ألف تسبيحة، يخلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ من كلّ تسبيحة مَلَكاً يجيء يوم القيامة صفّاً والملائكة بأسرهم يجيئون صفاً».
قال ابن عبّاس: وهو الذي ينزل ليلة القدر زعيم الملائكة، وبيده لواء طوله ألف عام، فيغرزه في ظهر الكعبة، ولو أذن الله ـ عزّ وجلّ ـ له أن يلتقم السموات والارض لفعل.
وقيل: الروح هنا جبريل (عليه السلام).
وقيل: هو مَلَكٌ ما خلق الله بعد العرش خلقاً أعظم منه، وقيل غير ذلك.
رُوي أنّه (عليه السلام) قال: (رأيت على كلّ ورقة من السِّدرة مَلَكاً قائماً يسبّح الله عزّوجلّ).
________________________________________
ومراده «سدرة المنتهى» سُمّيت بذلك لانّها لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم، ولا يعلم ما وراءها إلاّ الله عزّ وجلّ، وهي شجرة نَبق على يمين العرش، عندها جنّة المأوى، يأوي إليها الملائكة عليهم السلام، وقيل: أرواح الشهداء،
وقيل: أرواح المتّقين.
[ذو الجلال والاكرام]
وقال الله تعالى: (تبارك اسم ربِّك ذي الجلال والاكرام) معنى «تبارك» جلّ وعظم، ومعنى «ذي الجلال» المستحقّ للرفعة وصفات التعالي ونعوت الكمال.
جلّ أن يعرف جلاله غيره، تنزّه وعظُم شأنه عمّا يقول فيه المبطلون ; لانّ كلّ شيء يُثني عليه بقدرته، وكلّ ذاكر يذكره على قدر طاقته وطبعه وعلمه وفهمه.
والحقّ ـ جلّ جلاله ـ ذكره خارج عن أوهام الادميّين ; لانّ الحادث ناقص بقهر الايجاد والفناء، والعارف(1) دون الغايات الجلالية.
فسبحانه ما أثنى عليه حقّ ثنائه غيره، ولا وصفه بما يليق به سواه، عجز الانبياء والرسل بأجمعهم عن ذلك، قال أجلّهم قدراً، وأرفعهم محلاًّ، وأبلغهم نطقاً، مع ما أُعطي من جوامع الكَلِم: (لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
وأمّا(2) «الاكرام» فمعناه: ذو الانعام والمِنَن على العامّ والخاصّ والطائع والعاصي.
____________
(1) لم يظهر لي في هذه العبارة معنًى فلتحرّر. أنتهى. مصحّحه.
(2) «ذو الانعام» ليس معنى «الاكرام»، بل معنى «ذو الاكرام»، فهنا لفظ «ذو» ساقط. انتهى مصحّحه. بل ليس هناك سقط في العبارة حيث إنه يفسّر قوله تعالى
________________________________________

الكرامات-السيد محمد بن السيد علوي المالكي

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
ونستأنف مع إبداعات الشيخ الأستاذ العارف بالله سيدي رزق السيد عبده الحامدي الشاذلي في مجموعة “ويسألونني” حيث يقول سيادته:
بسم الله الرحمن الرحيم

سئلت عما سطره بعضهم فى إحدى الصحف فى موضوع الكرامة، وحيث قد كثر الكلام فى كرامات الأولياء، وما يتعلق بها خاصة ونحن فى زمان قد ظهرت فيه بعض الخوارق وإندرجت تحت العلوم المصدق بها، ولذا فإننا نورد فى هذه المقالة بعض الأصول الخاصة بهذا الأمر ثم نتكلم فيه من جانب جديد على أكثر المتكلمين فيه لكى نقفل هذا الباب من الناحية العلمية لكى يتفرغ المنكرون لهذه الأمور لإصلاح أنفسهم والسير فى الطريق إلى معرفة الله التى هى مناط التكليف والخلق قال تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” قال ابن عباس رضى الله عنهما: (إلا ليعرفون) ، فمعرفة الله هى الغاية من الطريق، وهى الكرامة الكبرى التى يلتمسها السائرون فى طريق الله.

فأولاً: ما ورد فى المقالة المذكورة من نفى إطلاع الأولياء على بعض المغيبات فهو أمر لا يُسلم لقائله، وقد تكلم عنه شيخنا العلامة ابن عطاء الله السكندرى تلميذ الشيخ أبى العباس المرسى، وننقل هنا كلامه بإختصار وتصرف يسير حيث يقول :
واعلم أن إطلاع أولياء الله على بعض الغيوب لا يحيله العقل وقد ورد به النقل. قال أبو بكر الصديق لعائشة رضى الله عنهما فى مرض موته وزوجته حامل: “إنما هما أخواك وأختاك، وبطن بنت خارجة أراها جارية” فأخبر بأن فى بطن امرأته جارية (أى أنثى) وكان كما قال رضى الله عنه.
وقول عمر رضى الله عنه “يا سارية الجبل” وسارية بأقصى العراق، فسمع سارية صوته وكان قد أطلعه الله على سارية وقد أحاط به العدو، فأمره بالإنحياز إلى الجبل، فإنحاز هو والجيش الذى كان معه فانتصروا وظفروا، وكان قد قال ذلك وهو فى أثناء خطبته على المنبر، فترك الخطبة وقال: يا سارية الجبل وعاد إلى خطبته .
وقول عثمان رضى الله عنه لداخل دخل عليه وكان قد نظر إلى محاسن إمرأة فى الطريق: يدخل احدكم وآثار الزنا بادية فى وجهه.
وأما على بن أبى طالب فقد جاء عنه فى هذا الباب العجب العجاب حتى أنه أرجف بالكوفة أن معاوية قد مات، فقال على رضى الله عنه إذ بلغه ذلك: والله ما مات ولن يموت حتى يملك ما تحت قدمى هاتين، وإنما أراد ابن هند أن يشيع ذلك حتى يستثير علمى فيه، فمن يومئذ كاتب أهل الكوفة معاوية وعلموا أن الأمر صائر إليه. وحكايات الأولياء فى كل عصر ومصر تتضمن ثبوت ذلك بما بلغ حد التواتر فلا يمكن جحده.
قال ابن عطاء الله: ثم أنا أدلك – رحمك الله – على أمر يسهل عليك التصديق بذلك، وهو أن إطلاع العبد المخصـوص على غيب من غيوب الله ليس بجثمانيته ولا وجود صورته، وإنما هو بنور الحق فيه، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
(اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)
فكيف يستغرب أن يطلع المؤمن على غيب من غيوب الله بعد أن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما ينظر بنور ربه لا بوجود نفسه. وكذلك قوله فى الحديث القدسى الصحيح:
“فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به” – الحديث إلى آخره.
ومن كان الحق بصره فليس الإطلاع على الغيب بمستغرب فيه، وفى بعض طرق هذا الحديث: “فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً وقلباً وعقلاً ويداً ومؤيدا” .

فإن قلت: كيف تصنع بهذه الآية، وهو قوله سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) – (وهو ما استدل به كاتب المقالة) – قـال ابن عطاء الله: فلم يستثن إلا الرسول؟ قال:
فاعلم أنى سمعت شيخنا أبا العباس (المرسى) رضى الله عنه يقول: وفى معناه: أو صديق أو ولى.
فإن قلت: هذه زيادة على ما تضمنه الكتاب العزيز.
فإعلم أنه إذا قيل إن السلطان لم يأذن اليوم إلا للوزير وحده ربما دخل مماليك الوزير معه، وكان الإذن لمتبوعهم إذناً لهم، كذلك الولى إذا أطلعه الله على غيب من غيوبه فإنما ذلك لانطوائه فى جاه النبوة وقيامه بصدق المتابعة، فما رأى ذلك بنفسه وإنما رآه بنور متبوعه.
وأيضاً إن الآية تشير إلى نفى إطلاع العباد على غيب الله إلا من أطلعه الله.
وبين سبحانه سبب إطلاعه من أطلعه على غيب من غيوبه وأن ذلك إنما كان لأنه مرتضى عنده بقوله (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى) .
وقوله (من رسول) خص الرسول بالذكر ولم يذكر النبى ولا الصديق ولا الولى وإن كان كل منهم ممن ارتضى، لأن الرسول أولى بذلك مما سواه.
انتهى الجزء المقصود نقله من كلام ابن عطاء الله السكندرى.

ونشير لك إشارة إلى أمر معروف بين الناس سُلِّمَ به وهو الرؤيا المنامية، فإن الإنسان قد يطلعه الله فى المنام على وقائع تحدث بعدها، وهى غيب من الغيوب.
وقد أطلعنا القرآن الكريم على رؤية الملك فى أيام سيدنا يوسف، ولم يكن الملك مؤمناً، وأطلعه الله على أمور تحدث فى أربعة عشر سنة مستقبلية. حقيقة أنها كانت بلغة لم يفهمها الرائى ولكن فهمها سيدنا يوسف، وكذا رؤية صاحبى السجن فهذا كشف للمستقبل وعلم بالغيب.
والذى يطلع على غيب ما فهل يحيط بجميع الغيبيات أم أنه يطلع على قبس من غيب يخصه أو نحو ذلك، والإحاطة بالغيوب كلها لا يكون إلا لله، فهو كمخيطٍ وضعته فى المحيط ثم أخرجته فماذا أخذ من المحيط؟!

ونقول لك إن الغيب أنواع، فمنها ما هو غيب زمانى لسبق زمانه عن الزمن الحالى، وهذا كحكاية سيدنا عثمان بن عفان السابقة، أو غيب زمانى لأن زمانه لم يأت، ومنها ما صح عن سيدنا أبى بكر الصديق وذكرناه سابقاً وما نقلناه عن سيدنا الإمام على، وقد يكون غيباً مكانياً لاختلاف المكان، وهو ما نقلناه وصح فى قصة سيدنا عمر بن الخطاب السابقة، ثم قد يكون غيباً ذاتياً كإطلاع الولى على بعض الأسماء الإلهية التى لم تكشف لغيره، ويدل عليها ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:
“أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك”
فقوله: “أو علمته أحداً من خلقك” دليل على ما ذكرنا.

ثم هناك الغيب المحض، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث السابق: “أو استأثرت به فى علم الغيب عندك” فهذا وما نحوه من الأسماء والصفات الإلهية التى استأثر الله بها فهى غيب محض لا ســبيل لمعرفته إذ لا يعرف الله إلا الله، وما تعرفنا إليه سبحانه إلا بقدر ما تعرف إلينا بما نتحمل من تجلياته علينا.
فإذا كان الله يطلــع الولى على أمور من غيب ذاته، فأمور غيب الزمان والمكان لا تقاس بذلك.
ثم هناك نوع آخر من الغيب وهو غيب الغيب، فإن الله قال عن العبد الصالح آصف بن برخيا الذى أتى بعرش بلقيس لسيدنا سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه:
(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك).
فأشار إلى أنه عنده علم من الكتاب، وقد يكون المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فقد ورد فى بعض التفاسير إشارة إلى أنه كتاب المقادير. فإن كان الغيب هو ما خُطَّ فى اللوح المحفوظ، فهناك غيب لم يدون فيه بدليل قوله تعالى:
(يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)
فما أُثبت فى أم الكتاب بعد المحو كان غيباً قبل ذلك لم يطلع عليه أحد إلا الله، وهذا هو غيب الغيب، ولذلك إذا كشف الله لعبد من عباده عن غيب من المغيبات المخطوطة فى أم الكتاب فإن هذا العبد لا يركن إلى ذلك، ولا يأمن مكر الله لوجود المحو والإثبات ولذا يقول الصديق الأكبر أبو بكر (لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمى فى الجنة).

ثانياً:
يقول كاتب المقالة المذكورة أن كل أئمة السنة يقرون الكرامات ويثبتونها ثم نراه يثبت ذلك نظرياً وينكره فعلياً، وقد أشار إلى ذلك سيدى ابن عطاء الله من كلامه على أحوال الناس فى مسألة الكرامات فيقول:
وفرقة أخرى يصدقون بأن فى مملكة الله أولياء لهم كرامات من غير أن يسلموا ذلك لأحد من أهل زمانهم معيناً، فكل من ذكر لهم أنه ولى أو نسبت إليه كرامة دافعوا إثبات ذلك بمقاييس اقتضتها عقولهم المعقولة بعقال الغفلة المخدوعة بمتابعة الهوى، فلن يجرى عليهم هذا التصديق وجود الاقتداء ولا اشراق نور الاهتداء، إذ الاقتداء لا يكون بولى مجهول العين فى كون الله، بل الإقتداء إنما يكون بولى دلك الله عليه وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته فى وجود خصوصيته، فألقيت إليه القياد فسلك بك سبيل الرشاد، يعرفك برعونات نفسك وكمائنها ودفائنها، ويدلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار عما سوى الله، ويسايرك فى طريقك حتى تصل إلى الله، ويوقفك على إساءة نفسك، ويعرفك بإحسان الله إليك، فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب منها وعدم الركون إليها، ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه، والقيام بالشكر إليه، والدوام على مر الساعات بين يديه.

ثالثا:
الكلام على خوارق العادات يقتدى تقسيمها إلى ما قسمه العلماء إلى ستة أقسام:
• فإن كان خرق العادة من نبى فهو معجزة.
• وإن كان من نبى قبل وصف النبوة فهو الإرهاص.
• وإن كان من ولى فإنه الكرامة.
• وإن كان من بعض العوام فهو المعونة وهو فيض كرم من الله لهذا العامى بشفاءه من داء عضال لا شفاء منه ونحو ذلك.
• وإن كان من فاسق ووافق مراده فهو الاستدراج.
• أما إن خالف مراده (الفاسق) وجاء خرق العادة عكس ما أراد فهو الإهانة.
• وزاد بعضهم السحر، وقيل إنه ليس من الخوارق لأنه معتاد عند تعاطى أسبابه.

رابعاً:
ما هى الكرامة؟
قال العلماء: هى أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبى كلف بشريعته مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح علم بها أو لم يعلم.

خامساً:
جاء بالمقالة المذكورة كلاماً عن الولى فيه تعميم وإسقاط للتخصيص، فمن هو الولى؟
يقول العلماء: الولى هو العارف بالله تعالى وبصفاته حسب الإمكان المواظب على الطاعات المجتنب للمعاصى المعرض عن الإنهماك فى اللذات والشهوات المباحة، فهو من تولى الله سبحانه وتعالى أمره فلم يكله إلى نفسه ولا إلى غيره لحظة، أو الذى يتولى عبادة الله تعالى وطاعته، فعباداته تجرى على التوالى من غير أن يتخللها عصيان. وكلا المعنيين واجب تحققه حتى يكون الولى ولياً فى نفس الأمر.
أما ما جاء فى المقالة فهو كلام على الولاية العامة، ونحن هنا بصدد الكلام عن الولاية الخاصة التى تعلوها مرتبة الصديقية، وعليه فالمتصف بهذه الصفات قد يكون أعلى مقاماً من الشهيد الذى مات فى ميدان القتال مرة واحدة، وأما من نحن بصدده فقد قتل نفسه عن الشهوات والمعاصى واللذات مرات ومرات.

وقد يكون الشهيد ولياً أو صديقاً ومن ذلك الأئمة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب فإنهم جمعوا بين الولاية والصديقية والشهادة رضى الله عنهم أجمعين.

ثم إن الشهداء مراتب ومنازل، فهل يستوى الشهيد الذى لم يكن له عبادات متميزة وربما كان تاركاً للفرائض ثم نال مرتبة الشهادة بطعنة لم تستغرق آلامها سوى دقائق بمن هو أمضى حياته فى محاربة الشهوات والنفس وأبلى فى الدين وفى الدنيا بلاءً حسناً مثل ساداتنا الصديقين عمر وعثمان وعلى. – (يتبع في مشاركة جديدة أسفله

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
تابع كلام الشيخ الأستاذ العارف بالله سيدي رزق السيد عبده الحامدي الشاذلي في إجابة السؤال بعاليه:

سادساً:
كرامة الأولياء جائزة وواقعة ودليل جوازها: لكونه بلا شك من الممكنات إذ لو لم تكن كذلك لكانت واجبة أو مستحيلة وكلاهما باطل لإجماع الطائفة على أنه قد يكون الولى ولياً وإن لم تخرق العادة له، والأخير باطل لأن المستحيل هو الذى لو قدر وجوده لزم منه محال عقلى، ووقوعها لا يلزم منه محال عقلى إذ أنه داخل فى القدرة الإلهية.

سـابعاً:
الكرامات قسمان: حسية ومعنوية، والأخيرة هى الأفضل عند أهل الله، وهى كالمعرفة بالله والخشية له ودوام المراقبة له والمسارعة لامتثال أمره ونهيه والرسوخ فى اليقين والقوة والتمكين، ودوام المتابعة والاستماع من الله والفهم عنه، ودوام الثقة به، وصدق التوكل عليه، إلى غير ذلك.

قال ابن عطاء الله السكندرى: وسمعت شيخنا أبا العباس رضى الله عنه يقول:
الطى على قسمين: طى أصغر وطى أكبر، فالطى الأصغر لعامة هذه الطائفة أن تطوى لهم الأرض من مشرقها إلى مغربها فى نفس واحد. والطى الأكبر طى أوصاف النفوس.
صدق رضى الله عنه فإن طى الأرض لو أعجزك الله عنه وأفقدك إياه ما نقص ذلك من رتبتك عنده إذا قمت له بالوفاء فى العبودية، وطى أوصاف النفوس لو لم تقدم عليه به لكنت من المغبونين وحشرت فى زمرة الغافلين.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه: “إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الإقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب وذو خطأ فى العلم والعمل بالصواب، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب وخلع الرضا. وكل كرامة لا يصحبها الرضا عن الله ومن الله فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص أو هالك مثبور”.
ونقول: إن الكرامة المعنوية أن يكرمك الله بالتأثير فى ذاتك أولاً، وأن تمحو منها كل النقائص وكل الشهوات، وهذا يؤهلك أن تؤثر فى غيرك وتأخذ بأيديهم دون مشقة لهم إلى معرفة الحق، وهذه لا يؤتاها إلا أولو العزم من الأولياء.

ثامنـاً:
جعل مؤلف المقالة المذكورة الشهداء والصالحين: أولياء، والصديقين هم كل مؤمن، وجعل التصديق والصديقية أمراً واحداً، ونحن نشير له إلى مختصر من كلام العلماء فى هذه الأقسام، فننقل جانباً مما قاله الشيخ الأكبر فى ذلك بتصرفٍ يسير حيث يقول:
(الصديقون) هم الذين تولاهم الله بالصديقية قال تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) فالصديق من آمن بالله وبرسله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيمانى الذى يجده فى قلبه المانع له من تردد أو شك يدخله فى قول المخبر الرسول.
(والشـهداء) لهم معنى آخر وهو الأقرب لتسلسل السياق، وهم الذين تولاهم الله بالشهادة وهم من المقربين وهم أهل الحضور مع الله على بساط العلم به قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) فجمعهم مع الملائكة فى بساط الشهادة، فهم موحدون عن حضور إلهى وعناية أزلية…
و(الصديق) أتم نوراً من الشهيد في الصديقية لانه صديق من وجهين من وجه التوحيد ومن وجه القربة والشهيد من وجه القربة خاصة لامن وجه التوحيد فان توحيده عن علم لا عن أيمان فنزل عن الصديق في مرتبة الايمان وهو فوق الصديق في مرتبة العلم فهو المتقدم في رتبة العلم المتأخر برتبة الايمان والتصديق فانه لايصح من العالم ان يكون صديقاً وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم انه صادق في توحيد الله إذا بلغ رسالة الله والصديق لم يعلم ذلك إلا بنور الايمان المعد في قلبه فعندما جاءه الرسول أتبعه من غير دليل ظاهر…
أما (الصالحون) تولاهم الله بالصلاح … إلى أن قال: فهم الذين لا يدخل فى عملهم ولا فى إيمانهم بالله وبما جاء من عند الله خلل، فإن دخله خلل بطل كونه صالحاً، انتهى كلام سيدى محيي الدين مختصراً فمن أراد كمال البحث فليراجعه .

ونقول فى قوله تعالى:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أن الشهادة هنا شهادة فى مرتبة الإحسان، وليست الشهادة التى نشهدها فى مرتبة الإسلام، فوصول صاحب المرتبة إلى درجة العلماء ليضاف للملائكة فى الشهادة لتصبح الشهادة هنا شاهد ومشهود، ولا بد أن يرى الشاهد المشهود ويكون هذا عودة إلى حالة المشاهدة الأولى يوم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) ، وهذا لا يتأتى إلا بالنوافل حتى يصل العبد إلى محبة الله ليكون سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به يده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها … إلى آخر الحديث.
قال تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) – الآية.
ونعود إلى ما قاله سيدنا جبريل ليعلمنا وكان أمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث سيدنا عمر المشهور الذى أشار فيه إلى مراتب الإسلام والإيمان والإحسان، ولو لم تكن متغايرة لم يكن ليتم التفرقة بينها.
والصديقية مرتبة أرقى من مراتب الإحسان التى فيها أن تعبد الله كأنك تراه. وقد ذكر القرآن الكريم (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) وقد فرق بينهم لتباينهم وبقى بينهم العموم والخصوص.

ثم هناك ولاية عامة وهم (الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فالإيمان والتقوى دليل الولاية العامة، أما الولاية الخاصة فهى ولاية الولى المرشد (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) وهذا الولى المرشد هو من تنطبق عليه الآية الكريمة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهو مكلف بالدعوة إلى الله شأنه شأن الأنبياء السابقين.
وهؤلاء هم أولو العلم من هذه الأمة الذين هم ورثة الأنبياء وهم كأنياء بنى إسرائيل ولهم شرطان: التبعية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجود البصيرة، وشرط التبعية أن يرى التابع المتبوع، وكما سبق أن قلنا فى رسائل سابقة أن رؤية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جائزة بنص الحديث (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثَّل الشيطان بي) وهو حديث صحيح رواه البخارى بهذا النص. متعنا الله بدوام رؤيته صلى الله عليه وسلم وصدق متابعته.
وقد تكلم الناس فى الكرامات وأفاضوا والأمر فيها يسير، فإن آدم خلقه الله من طين، وفى حال كونه طيناً قال عنه الله: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) ، فلما اقتضت العناية الإلهية إخراجه من ديوان الإهمال إلى ديوان الإختصاص قال للملائكة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) فكان السجود لآدم بعد نفخ الروح فيه وهى النور الذى غيَّرَ فى الجسد الذى كان كالحجر فلما نُفِخَ فيه هذا النور تغيرت مواصفاته وسرت فيه الحياة وصار من أعقد المخلوقات وأرقاها، فكانت الروح هى محل الخطاب بالسجود. وهى القوة التى غيرت من معالم الحجر وبالتالى فإنها ما دامت قد غيرت من مواصفات الحجر كما حدث فإنها تسـتطيع أن تأتى بأشـياء خارقة لا يتصورها العقل وتستطيع أن تغير فى هذا الكون إذ ليس هناك أعظم من تغيير الحجر إلى إنسان.

والإنسان ينقسم إلى شقين: روح وجسد، وقد غلفت الروح بهذا الجسد الترابى فحجبها عن سريانها وأسرارها، فإنها قد اقتبست من الأنوار الإلهية حين تجلى الله عليها فى عالم الذر حيث يقول تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) .
ولذلك نرى الصوفية يسعون إلى إرجاع الروح إلى حالة الشهود المشاهدة الأولى.
والشيخ العارف بالله والولى الكامل الجامع بين الشريعة والحقيقة عليه أن يأخذ بيد المريد فى المجاهدات والرياضات والعبادات إلى أن يوصله إلى حالة المشاهدة الأولى، وهذا معنى التصوف فى الإسلام.
والروح لها إشرافات على عالم الملكوت، فإذا استطاع الإنسان بالمجاهدات ومخالفة النفس أن يفتح للروح باباً للخروج عن سجن الجسد، ظهرت خوارق العادات على صاحبها بصرف النظر عن معتقداته الدينية، ومن ذلك ما نجده من التنويم المغناطيسى والخوارق التى يأتيها أصحاب الرياضات كاليوجا وفقراء الهنود والبوذيين وأصحاب الحاسة السادسة وتوارد الخواطر ونحوها، وكل ذلك قد ثبت فى العلم الحديث وصار واقعاً لا شك فيه، فإذا كان هؤلاء الذين لا يدينون بدين صحيح تظهر عليهم تلك الخوارق فما بالكم تنكرون ما يظهر على أيدى الأولياء من الكرامات وآثار الروحانية والصفاء؟!
والفرق بين الإثنين (من يدين بالإسلام من خلافه) فى حسن الخاتمة.
والقرآن يضرب لنا مثلاً لقوة الروح.
وفى حكاية آصف بن برخيا الذى أتى بالعرش فى طرفة عين خارقاً قوانين الحركة والسرعة والقوة بل ومتفوقاً على الجن فى إمكانياتهم (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ…) – فإن للروح قوانين غير قوانين المادة المعروفة.
وإذا كان الحسد يخالف ما اعتاده الناس من أسباب مادية وهو حق، والحاسد يحسد بحقد نفسه حتى وإن لم ينظر بعينيه، فهل حقد النفوس يخرق العوائد وصفاء الأرواح لا يخرقها؟!
وقد يتساءل بعضهم عن الفرق بين الأولياء فى إشراقاتهم الروحية وبين أصحاب الرياضات الذين ذكرنا؟
فنقول لهم الفرق بينهم شاسع، فالأولياء غايتهم الوصول إلى معرفة الله، ولو التفتوا فى طريقهم إلى الكرامات وإلى الخوارق، أوما يظهر لهم من العوالم لحجبهم ذلك عن هدفهم، ولنزلوا عن مقاماتهم، أما أصحاب الرياضات المشار إليها فهم يبتغون أن يصلوا إلى قوة السيطرة على الطبيعة فيكونون أناساً فوق الطبيعة يحكمون عليها لا تحكم عليهم، فشتان بين الغايتين.
ثم إن إشراقاتهم الروحية محدودة لاكتناف الظلمات بهم لما هم عليه من الشرك أو الكفر والعياذ بالله، أما إشراقات الأولياء الروحية فلا حد لها، والمثال المذكور سابقاً من القرآن من قصة آصف بن برخيا يدل على ذلك، فإن هناك قدرات لا تُكتَسب إلا بالإيمان، إذ هى منح وعطايا للمؤمن، وأنوار العبادات تزيد من صفاء الروح ونورها فوق نور المجاهدات، وفوق ذلك كله أنوار التجليات الإلهية فهو نور فوق نور يقول تعالى:
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ويقول سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)
ويزداد هذا النور..
قال تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا) – الأية ويقول (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) – الأية ويقول تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ويقول: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) ويقول: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) . وهذا النور يصاحبهم حتى فى الاخره قال تعالى : (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) .
فالذين وصلوا للاشراقات الروحيه عن غير طريق الاسلام كما سبق أن قلنا لهم حدود فى أنكشاف الروح لا يتجاوزوها من الاتيان بالخوارق وغيرها، أما المؤمن الذى أنكشفت له نوارنية روحه بالعبادات ووسائل التقرب الى الله من النوافل وغيرها فإنه يتطبق عليه قول الحق فى الحديث القدسى “أعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر” .
والصلوحيه درجة ومنزلة عندما يصل المرء إليها يستحق لمخصصاتها من (مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ألا ترى الى قول النبى صلى الله عليه وسلم (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) فأيما إنسان وصل من مجاهداته الى أن يضاف الى الصالحين أصبح إنسانا فوق مستوى العقل بل له عند الله ما يريد ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) وكما قيل (قوم إذا رفعت حواجبهم قضيت حوائجهم) وهذا أكثر من الكرامه ولذا قال سيدنا أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه ذهب العمى وجاء البصر بمعنى: فانظر الى الله تعالى فهو لك مأوى فإن تنظر فبه أو تسمع فمنه وإن تنطق فعنه وإن تكن فعنده وإن لم تكن فلا شئ غيره. وسئل رضى الله عنه عن الحقائق: فقال الحقائق هى المعانى القائمة فى القلوب وما اتضح لها وانكشف من الغيوب وهى منح من الله تعالى وكرامات وبها وصلوا الى البر والطاعات ودليلها قوله لحارثة (كيف أصبحت؟ قال أصبحت مؤمناً حقا) – الحديث.
وكان يقول : (من ادعى فتح عين قلبه وهو يتصنع بطاعه الله تعالى أو يطمع فيما فى أيدى خلق الله تعالى فهو كاذب).
ويقول: (سمعت هاتفا يقول أن أردت كرامتى فعليك بطاعتى وبالاعراض عن معصيتى).
ويقول رضى الله عنه : كل كرامه لايصحبها الرضا من الله وعن الله والمحبه لله ومن الله فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص هالك مثبور.
ويقول: لا تعطى الكرامات من طلبها وحدث بها نفسه, ولا من استعمل نفسه فى طلبها, وإنما يعطاها من لايرى نفسه ولاعمله وهو مشغول بمحاب الله تعالى, ناظر لفضل الله, أيس من نفسه وعمله. وقد تظهر الكرامه على من استقام فى ظاهره وإن كانت هناة النفس فى باطنه كما وقع للعابد الذى عبد الله فى الجزيره خمسمائه عام فقيل له ادخل الجنة برحمتى فقال بل بعملى.
ويقول أبو عمرو الدمشقى رضى الله تعالى عنه: إن الله تعالى افترض على الاولياء كتم الكرامات لئلا يفتتن بها الخلق وأوجب على الأنبياء عليهم الصلاه والسلام إظهارها بيانا وبرهانا بالحق.
والفرق بين المعجزه والكرامه التحدى فإن المعجزه مقرونه بالتحدى على صدق النبوه ويأتيها النبى قصداً أما الولى فأنه لا يقصد الكرامه ولا ينتظرها بل إنه يكتم الكرامة، وقد تظهر من غير قصد منه بل ويستغفر الله منها كما يستغفر صاحب الذنب من الذنب خوفاً من الاستدراج.
ثم إنَّ الفتوة ليست فى إظهار الكرامات بل الفتوة فى سترها فالفتى من الأولياء يكتم الكرامة ويسترها وهذا لأصحاب الدرجات العالية من الأولياء فإن الكرامة تعطى للولى فى بدايته وكلما إزداد رقياً إزداد ستراً وكتماً لها إلا أن يؤمر بالإظهار لأمر زائد مراد للحق تعالى فليس له إلا التسليم والجريان تحت مجرى الأقدار كما قال سيدى ابن عطاء الله (ســوابق الهمم لا تخترق أسوار الاقدار).
نسأل الله أن يكرمنا بالمحبة والمعرفة والاصطفاء ويحفظنا من الاستدراج والسلب بعد العطاء والمكر الذي قال عنه الصديق الأكبر سيدنا أبو بكر رضي الله عنه : لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمى في الجنة.

الكتاب : اللامذهبية قنطرة اللادينية المؤلف : العلامة محمد زاهد الكوثري

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)

الكتاب : اللامذهبية قنطرة اللادينية
المؤلف : العلامة محمد زاهد الكوثري
اللامذهبية قنطرة اللادينية

للعلامة الكوثري
رحمه الله
(1/1)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
لا تجد بين رجال السياسة – على اختلاف مبادئهم – من يقيم وزناً لرجل يدعي السياسة وليس له مبدأ يسير عليه ويكافح عنه باقتناع وإخلاص ، وكذلك الرجل الذي يحاول أن يخادع الجمهور قائلاً لكل فريق : أنا معك .
ومن أردإ خلال المرء أن يكون إمعة ، لا مع هذا الفريق ولا مع ذلك الفريق ، وإن تظاهر لكل فريق أنه معه . وقدماً قال الشاعر العربي :
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن = وإذا لقيت معديَّاً فعدناني
ومن يتذبذب بين المذاهب منتهجاً اللامذهبية في الدين الإسلامي فهو أسوأ وأردأ من الجميع .
وللعلوم طوائف خاصة تختلف مناهجهم حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص ؛ فمن ادعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة ، فإنه يعد سفيها منتسبا إلى السفه ، لا إلى الفلسفة ، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة حتى في العلوم العربية لا يمكن إغفالها ، ولا تسفيه أحلام المتمسكين بأهدابها لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصافية .
وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي القرون من أبعد عهد في الإسلام إلى أدنى عهوده القريبة منا مثل الفقه الإسلامي ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – كان يفقه أصحابه في الدين ، ويدربهم على وجوه الاستنباط ، حتى كان نحو ستة من الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – يفتون في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – .
(1/1)
________________________________________
وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى استمر الصحابة على التفقه على هؤلاء ، ولهم أصحاب معروفون بين الصحابة والتابعين في الفتيا ، فالمدينة كانت مهبط الوحي ، ومقر جمهرة الصحابة إلى آخر عهد ثالث الخلفاء الراشدين ، وعني كثير من التابعين من أهل المدينة بجمع شتات المنقول عن الصحابة من الفقه والحديث ، حتى كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه ، كان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر – رضي الله عنهما – عن أقضية أبيه ، تقديرا من ذلك الصحابي الجليل لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة .
ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة ، فقام مالك بجمعها وإذاعتها على الجماهير ، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا ، وانصاع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه ونور منهجه على توالي القرون ، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه وقوة نظره ، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة ، حرصا على جمع الكلمة ، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظرا برأي أصحاب الشأن من فقهاء المذهب ، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغَ القوة ، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فَقَدَ رأسه .
وهكذا باقي المذاهب للأئمة المتبوعين ، فها هي الكوفة بعد أن ابتناها الفاروق – رضي الله عنه – وأسكن حولها الفُصَّح من قبائل العرب ، بعث إليها ابن مسعود – رضي الله عنه – ليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم : إني آثرتكم على نفسي بعبدالله .
وعبدالله هذا منزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا ، وهو الذي يقول فيه عمر : كنيف ملئ علما . وفيه ورد حديث : ( إني رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد ) وحديث : ( من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد .
(1/2)
________________________________________
فقراءة ابن مسعود هي التي يرويها عاصم عن زر بن حبيش عنه ، كما أن قراءة علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – هي التي يرويها عاصم عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمي عنه .
فعُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان – رضي الله عنهم – عناية لا مزيد عليها ، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء .
ولما انتقل علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – إلى الكوفة ، سُرَّ من كثرة فقهائها جدا فقال : رحم الله ابن أم عبد ، قد ملأ هذه القرية علما .
ووالى بابُ مدينة العلم (يعني علي رضي الله عنه) تفقيههم ، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها ومحدثيها ، والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها على بن أبي طالب – كرم الله وجهه – عاصمة الخلافة ، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة وفقهاؤهم ، وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي ، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها ، ثم انتقل إلى بلد آخر فضلا عن باقي بلاد العراق ، فكبار أصحاب علي وابن مسعود – رضي الله عنهما – بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما ، وليس هذا موضع سرد لأسمائهم ، وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي ، وآراؤه مدونة في آثار أبي يوسف ، وآثار محمد بن الحسن ، ومصنف ابن أبي شيبة وغيرها ، ويعد النقاد مراسيله صحاحا ، ويفضله على جميع علماء الأمصار الشعبي الذي يقول عنه ابن عمر – رضي الله عنهما – حينما رآه يحدث بالمغازي : لهو أحفظ لها مني وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
ويقول أنس بن سيرين : دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا كما في الفاصل للرامَهُرْمُزِيّ .
(1/3)
________________________________________
وقد جمع أبو حنيفة علوم هؤلاء ودوَّنها بعد أخذ وردّ سديدين في المسائل بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية ، كما نص على ذلك الطحطاوي وغيره .
وعن هذا الإمام الأعظم يقول محمد بن إسحاق النديم ، الذي ليس هو من أهل مذهبه : والعلم برا وبحرا ، شرقا وغربا ، بعدا وقربا تدوينه رضي الله عنه .
ويقول الشافعي رضي الله عنه : الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة .
ثم أتى الشافعي – رضي الله عنه – فجمع عيونا من المعينين ، وزاد ما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد ، الذي تلقى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما – ، وقد امتلأ الخافقان بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه ، وملؤوا العالم علما ، وأهل مصر من أعرف الناس بعلومه وعلوم أصحابه حيث سكنها في أواخر عمره ، ونشر بها مذهبه الجديد ، ودفن بها – رضي الله عنه – .
ولا يتسع هذا المقال لبيان ما لسائر الأئمة من الفقهاء من الفضل على الفقه الإسلامي ، وهم على اتفاق في نحو ثلثي مسائل الفقه ، والثلث الباقي هو معترك آرائهم ، وحججهم في ذلك ومداركهم مدونة في كتب أهل الفقه .
فمذاهب تكون بهذا التأسيس وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعما في الشرع يدعو إلى نبذ التمذهب باجتهاد جديد يقيمه مقامها ، محاولا تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور ، تبقى تلك المذاهب وتابعوها في حيرة بماذا يحق أن يلقب من عنده مثل هذه الهواجس والوساوس ، أهو مجنون مكشوف الأمر ، غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب ، أم مذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدِّه من عقلاء المجانين ، أو مجانين العقلاء ؟! .
بدأنا منذ مدة نسمع مثل هذه النعرة من أناس في حاجة شديدة على ما أرى إلى الكشف عن عقولهم بمعرفة الطبيب الشرعي .
(1/4)
________________________________________
قبل الالتفات إلى مزاعمهم في الاجتهاد الشرعي القاضي – في زعمهم – على اجتهادات المجتهدين ، فعلى تقدير ثبوت أن عندهم بعض عقل ، فلا بد أن يكونوا من صنائع أعداء هذا الدين الحنيف ، ممن لهم غاية ملعونة إلى تشتيت اتجاه الأمة الإسلامية في شؤون دينهم ودنياهم ، تشتيتا يؤدي بهم إلى التناحر والتنابذ والتشاحن والتنابز يوما بعد يوم ، بعد إخاء مديد استمر بينهم منذ بزغت شمس الإسلام إلى اليوم .
فالمسلم الرزين لا ينخدع بمثل هذه الدعوة ، فإذا سمع نعرة الدعوة إلى الانفضاض من حول أئمة الدين الذين حرسوا أصول الدين الإسلامي وفروعه من عهد التابعين إلى اليوم ، كما توارثوه من النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم أجمعين – أو طرق سمعه نعيق النَّيْل من مذاهب أهل الحق ، فلا بد له من تحقيق مصدر هذه النعرة واكتشاف وكر هذه الفتنة ، وهذه النعرة لا يصح أن تكون من مسلم صميم درس العلوم الإسلامية حق الدراسة ، بل إنما تكون من متمسلم مندس بين علماء المسلمين أخذ بعض رؤوس مسائل من علوم الإسلام بقدر ما يظن أنها تؤهله لخدمة صنائعه ومرشحيه ، فإذا دقق ذلك المسلم الرزين النظرَ في مصدر تلك النعرة بنوره الذي يسعى بين يديه ، يجده شخصا لا يشارك المسلمين في آلامهم وآمالهم إلا في الظاهر ، بل يزامل ويصادق إناسا لا يتخذهم المسلمون بطانة ، ويلفيه يجاهر بالعداء لكل قديم وعتيق إلا العتيق المجلوب من مغرب شمس الفضيلة ، ويراه يعتقد أن رطانته تؤهله – عند أسياده – لعمل كل ما يعمل ، فعندما يطلع ذلك المسلم على جلية الأمر يعرف كيف يخلص نيئة الإسلام من شرور هذا النعيق المنكر بإيقاف أهل الشأن على حقائق الأمور ، والحق يعلو ولا يعلى عليه .
(1/5)
________________________________________
فمن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الأئمة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم – لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلها ، بحيث يباح لكل شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء مجتهد من المجتهدين ، بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيره في الاتباع ، وهذا ينسب إلى المعتزلة ، وأما الصوفية فإنهم يصوبون المجتهدين ، بمعنى الأخذ بالعزائم خاصة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد .
وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي – من رجال نور الدين الشهيد – في كتابه ( الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا ) حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى الفتوى ، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمة الأربعة خاصة ، وليس في هذا معنى التشهي أصلا ، بل هو محض التقوى والورع .
والرأي الذي ينسب إلى المعتزلة يبيح لغير المجتهد الأخذ بما يروقه من الآراء للمجتهدين ، لكن أقل ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخير لدينه مجتهدا يراه الأعلم والأورع ، فينصاع لفتياه في كل صغير وكبير ، بدون تتبع الرخص – في التحقيق – وأما تتبعه الرخص من أقوال كل إمام ، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمة ، فليسا إلا تشهيا محضا ، وليس عليهما مسحة من الدين أصلا ، كائنا من كان مبيح ذلك .
ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني الإمام ، عن تصويب المجتهدين مطلقا : أوله سفسطة وآخره زندقة . لأن أقوالهم تدور بين النفي والإثبات ، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معا ؟ .
نعم ، إن من تابع هذا المجتهد جميع آرائه فقد خرج من العهدة ، أصاب مجتهده أم أخطأ ، وكذا المجتهدون الآخرون ، لأن الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ، والأحاديث في هذا الباب في غاية من الكثرة .
(1/6)
________________________________________
وعلى اعتبار من قلد المجتهد خارجا من العهدة وإن أخطأ مجتهدُه ، جَرَت الأمةُ منذ بزغت شمس الإسلام ، ولا تزال بازغة إلى قيام الساعة – بخلاف شمس السماء فإن لها فجرا وضحى وغروبا – ولولا أن المجتهد يخرج من العهدة على تقدير خطئه لما كان له أجر ، وليس كلامنا فيه ، وكلام الأستاذ أبي أسحق الإسفراييني عن المصوبة حق ، يدل عليه ألف دليل ودليل ، ولكن ليس هذا بموضع توسع في بيان ذلك .
وأما إن كان الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الأئمة المتبوعين أنهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين ، وأن المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلهم على خطإ ، وأنه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأمة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى اليوم ، فهذا من التهور والمجازفة البالغين حد النهاية .
ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة ، وكذا الإجماع والقياس ، بل دلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط .
فبتهوين أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة من صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد وتفاسير بالرواية وغيرها ، وإذن فلا معجزة كونية تستفاد منها ولا أحكام شرعية تستمد منها ، فهل يسلك مثل هذه السبيل من سبل الشيطان غير صنائع أعداء الإسلام ؟ .
على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي ، بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن ، بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين – غير المنتقدة – من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن .
وبنفي الإجماع يتخلصون من مذاهب جمهرة أهل الحق ، وينحازون إلى الخوارج المرقة ، والروافض المردة .
وبِرَدِّ القياس الشرعي يسدون على أنفسهم باب الاجتهاد ومسالك العلة – على طرقها المعروفة المألوفة – منحازين إلى نفاة القياس من الخوارج والروافض وجامدي أهل الظاهر .
(1/7)
________________________________________
وبتلاعبهم بدلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط يتخذون القيود الجارية مجرى الغالب الملغاة باتفاق بين القائلين بالمفاهيم وغير القائلين بها من صدر الإسلام إلى اليوم وسيلة لتغيير كثير من الأحكام القطعية ، ويجعلون للعرف شأنا غير ما له عند جميع فقهاء هذه الأمة ، خانعين لما ألقاه بعض مستشرقي اليهود بمصر في عمل أهل المدينة ونحوه ، وكذلك صنيعهم في المصلحة المرسلة التي شرحنا دخائلها بعض شرح في مقالنا ( شرع الله في نظر المسلمين ) .
وكل ذلك يجري تحت بصر الأزهر وسمعه ، ورجاله سكوت ، والسكوت على تلك المخازي مما لا يرتضيه الأزهر السني الذي أسس بنيانه على التقوى منذ عهد الملك الظاهر بيبرس وأمرائه الأبرار ، حيث صيروه معقل العلم لأهل السنة ، بعد أن أحيوا معالمه ، ولم تزل ملوك الإسلام ترعاه على هذا الأساس إلى اليوم ، ولا يزال بابه مغلقا على غير أتباع الأئمة الأربعة ، وكم أدروا عليه من الخيرات لهذه الغاية النبيلة ، وللملك فؤاد الأول – رحمه الله – يد بيضاء في إنهاض الأزهر على ذلك الأس القويم ، والحكومة الرشيدة المتمسكة بأهداب الدين الإسلامي لم تزل تسدي إليه كل جميل مراعاة لتلك الغاية السديدة .
فإذا تم لدعاة النعرة الحديثة في قصر الاجتهاد على شخص واحد من أبناء العهد الحديث – بمؤهلات غير معروفة – وتمكنوا من إبادة المذاهب المدونة في الإسلام لهؤلاء الأئمة الأعلام ، ومن حمل الجماهير على الانصياع لآراء ذلك الشخص يتم لهم ما يريدون .
(1/8)
________________________________________
لكن الذي يتغنى بحرية الرأي على الإطلاق بكل وسيلة كيف يستقيم له منح الطامحين من أبناء الزمن مثله إلى الاجتهاد من الاجتهاد ، أم كيف يجيز إملاء ما يريد أن يمليه من الآراء على الجماهير مرغمين فاقدي الحرية ، أم كيف يبيح داعي الحرية المطلقة حرما الجماهير المساكين المقلدين حرية تخير مجتهد يتابعونه باعتبار تعويلهم عليه في دينه وعلمه في عهد النور!!؟ . ولم يسبق لهذا الحجر مثيل في عهد الظلمات !!! وهذا مما لا أستطيع الجواب عنه .
وقصارى القول أنك إذا قمت بدرس أحوال القائمين بتلك النعرة الخبيثة وجدتهم لا يألفون المألوف ، ولا يعرفون المعروف ، أعمت شهوة الظهور بصائرهم ، حتى تراهم يصادقون المتألبين على الشرق المسكين ، فنعرتهم هذه ما هي إلا نعيق الإلحاد المنبعث عن أهل الفساد ، فيجب على أهل الشأن أن يسعوا في تعرف مصدر الخطر ، وإطفاء الشرر ، وليست هذه الدعوة المنكرة سوى قنطرة اللادينية السائدة في بلاد أخرى منيت بالإلحاد وكتبت لها التعاسة ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، والعاقل من اتعظ بغيره ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
(1/9)
________________________________________

لكتاب : الرسائل الغمارية جزء فيه الرد على الألباني المؤلف : المحدث العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغُماريّ

الكتاب : الرسائل الغمارية جزء فيه الرد على الألباني
المؤلف : المحدث العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغُماريّ
الرّسَائِل الغُمَارية
جزءُ فيهِ الرّدُ عَلى الألبَانِي

تألِيف الشَيخ عَبدُ الله بن الصديق الغُماري
دار المَشارِيع للطِباعة والنَشر والتَوزِيع

الطَبعة الأولى.
________________________________________
بِسْمِ اللهِ الرَحْمن الرّحِيم
مقدمة الناشر
الحمدُ لله رب العَالمِين, سُبحانهُ تَنزه عَن شَريكٍ وعَن مَثيل, لا يَحويه مَكان ولا يَشبه الأنَام, والصَلاة والسّلام عَلى سَيدنا مُحمّد الصَادِق الوَعد الأمِين, وعَلى ءالهِ الطَيبين وصَحابته الكِرام.
وَبعد فإن الله سُبحانهُ وتَعالى يَقول: ( كُنتم خَير أمة أخرجَت للناسِ تأمرُون بالمعَروفِ وتَنهون عَن المُنكر), فعملاً بِهذه الأية الكَريمة أحبَبنا أن نَنشر هَذه الرِسَالة للشَيخ عبدُ الله الغُماري المَغربِي فإنهُ فَضحَ فِيها نَاصِراً الألبَانِي وبَيّن بَعض مَعايبه, وذَلكَ لأنهُ بَثّ السمّ فِي الدسم وخَدع بِتمويهاتهِ بَعض الجَهلة, وتَطاول عَلى أئِمة الهدَى مِن أشَاعِرة ومَاتُريدية الذِينَ هُم أهْل السُنة والجَماعة ولَم يكتفِ بِذلكَ بَل صَرّح بالتجسِيم وشَذَّ عَن مسلكِ السَلف والخَلف فَخرقَ الإجْماع فِي الأصُول والفُروع, وبدّع كُل مِن خَالفه, وألفَ مُؤلفات ضَعّف فِيها بَعض الأحَادِيث الجياد التِي لا تُوافِق هَواه, بَل إن صَحِيح البُخارِي ومُسلم لَم يَسلما منهُ فإنهُ أغَار عَلى بَعض أحاديثهما, إضَافة إلى الفَتاوى الشَاذة التِي مَا أنزلَ الله بِها مِن سلطَان.
وَقد هَبَّ لِنصرة الدِين جَماعة مِن العُلماء منهم مُؤلف هَذه الرِسَالة, ومنهُم الشَيخ المُحدث الفَقِيه عَبدُ الله الهَرري المَعروف بالحَبشِي فإنهُ رَدَّ عليهِ ردَّاً مُحكماً فَنَّد فِيه أقواله وبَيَّن زيغه وضَلاله.
وقَد أحبَبنا أن نَنشر هَذه الرِسَالة لِيحذَره مَن لَم يَعرفه, ولِيتنبه مَن قَلدهُ وانخدعَ بِتمويهاتهِ, ونسألُ الله مَولانا الكَريم أن يَنفع بِهذه الرِسَالة إنهُ عَلى كُل شئ قَدِير.
________________________________________
مُقدمة فِي أنّ مُحَاربة أهْل البِدع حَقّ وَاجِب:
قَال الله تَباركَ وتَعالى: ( وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلىَ الخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عِنِ الْمُنكَر)[سُورة ءال عمرَان], وقَال تَعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ للنّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) 110[ سُورة ءال عمرَان], والأحَادِيث فِي الأمْر بالمَعرُوفِ والنَهِي عَن المُنكر كَثيرة, وأقْوال الُعلمَاء فِي ذَلكَ مَشهُورة, وَقد قَال أبو عَلي الدقّاق: ” السَاكِت عَن الحَقّ شَيطان أخرَس”, فالتَحذيِر مِن أهْل الضَلال المُحرّفِين لِشريعَة الله, والمُكَذِبين للقُرءان والحَدِيث حَقّ وَاجِب لا يَجُوز التَقصِير فِيه, وَلئِن كَان مَن يَغش المُسلمِين فِي دُنياهم وَفِي طَعامهُم وَشَرابهِم يَجب التَحذِير منهُ, فَبالأولى مَن يغشّ المُسلمِين ببثّ العَقائِد الفَاسِدة, والفَتاوِى التِي مَا أنزَل الله بِها مِن سلطَان, ويَفترِي عَلى العُلمَاء والحُفّاظ والمُجتهدِين, وَيخرق الإجْمَاع, وَيُحرمَ مَا أحلّ الله, وَيُحلّل مَا حرّم الله.
رَوى البَيهَقِي فِي مَناقب الشَافعِي أن الشَافعِي حذّر مِن حَفص الفَرد أمَامَ جمعٍ وقَال له: ” لَقد كَفرتَ بالله العَظيم”, وثَبتَ عنهُ (1) أنهُ قَال في معَاصره حَرام بن عُثمان وَكان يَروي الحَدِيث ويكذِب: “الرِواية عَن حَرامٍ حَرامٌ”, وَقد جرحَ الإمَام مَالك فِي بلدِيّه ومعَاصره مَحمّد بن إسْحَاق صَاحِب كِتاب المغازِي فَقال فِيه: “كَذّاب”(2), وَقال الإمَام أحمَد عَن الواقدي: “ركن الكَذِب”(3)
أمّا قَول بَعض النَاس: ” لا يُقبَل قَول العُلماء المَتعاصِرين بَعضهم فِي بَعض” فهُو مَردُود لأنَ المَعتمد فِي الجرح والتَعدِيل معَاصر الرَاوِي, فإن لَم يقبَل قَول الذِي عرف خَبر الرَواي وعرفَ حَاله فزكّاه أو جَرحهُ, فَكيفَ يكُون كَلام مَن بَعد عَصره مَقبُولاً, ومِن أين يعرف حَال الرَاوي فيزكى أو يجرحَ إذا لَم يُؤخَذ مِن معَاصره الذِي خَالطهُ واجْتَمعَ بهِ؟ وأشنع مِن هَذه العِبارة التِي سقنَاها قَول ءاخَِر وهُو: ” إنَ العُلمَاء يَغار بَعضهُم مِن بعض كالتُيوس”.
وَبِما بينّا فليُعلم أن العمدة عِند أهْل الجرح والتَعدِيل كَلام المعَاصر فِي معَاصره, والغَرض مِن ذلكَ كلّه حفظ الشَريعة.
—————————
(1) لسَان المِيزان 1/182.
(2) تَهذِيب التَهذِيب 9/41.
(3) تَهذِيب التَهذِيب 9/366.
________________________________________
الألبَانِي ومبلغ عِلمه:
هُو مُحمّد نَاصِر الدِين الألبَانِي أصلاً, إعتكفَ فِي بَادئ أمْره فِي غُرفة المَكتبة الظَاهِرية – دِمشق – إنكبّ فِيها عَلى القِراءة, وإنعكفَ عَلى المُطالعة, فَظن فِي نفسهِ أنهُ أصبحَ مِن أهْل هَذا الشأن, فَتجرأ عَلى الفَتوى, وعَلى تضعِيف وَتصحِيح مَا لا يُوافِق هَواه مِن الأحَادِيث, وعَلى التهجّم عَلى العُلماء المُعتبرين, مَع إدعائه أنّ الحفظ إنقطعَ هَذه الأيَام فَتراه مَرة يغيِر عَلى أقْوال العُلماء بالتَشنِيع, ومَرة عَلى الأحَادِيث الجياد بالتَضعِيف والتَوهِين, حَتى إنّ صَحيح البُخارِي ومُسلم لَم يسلمَا منهُ.
وَعلى هَذا فإنَ إسناده مَقطُوع ويَعود إلى الكُتب التِي تَصفحهَا لَوحده, وإلى الأجْزاء التِي قَرأهَا مِن غَير تلقّ, ويدّعِي أنهُ خَليِفة الشَيخ بَدر الدِين الحسني الذِي كَانت السبحة لا تَسقطَ مِن يدهُ حَتى أثنَاء درسه ثُم يبدّع -أي الألبَانِي- من يستعملهَا, وَبعد هَذا كُله يدّعي أنه بَلغَ دَرجة الحفظ والتَصحِيح ويوهم أتبَاعه أنهُ محّدث الدُنيا قَاطِبة, وهَل مُجرّد الحصُول عَلى إجَازة تخوّل الشَخص التكلّم عَلى حَديث رسُول الله صَلى الله عليهِ وسَلم. ثُم إنهُ مما يشهد عليهِ معَاصروه مِن عُلماء دِمشق عَدم حِفظه للمتُون فضلاً عَن الأسَانِيد, بَل جلّ عمله أنهُ يعكف عَلى حَديث مُعين فَينظر فِي رِجال إسنَاده فِي بطُون كُتب الجرح والتَعديل وبِناء عَلى ذلكَ يَحكُم عَلى الحَديث بالتَصحِيح أو التَضعِيف, جَاهلاً أن للحَديث طرقاً وشَواهد ومُتابعات, غَافلاً أنّ الحَافظ وَحده هُو الذِي يصحّح ويضعف كَما قَال السُيوطِي فِي ألفيته:
وخذه حَيث حَافظ عليه نص ** أو من مصنَّف بِجمعه يخص
هذا مَع إن عِلم الدِين لا يُؤخذ بالمُطالَعة للكُتب فَقط دُون التَلقّي مِن أهْل المَعرفة والثِقة, لأنهُ قَد يكُون فِي هَذه الكُتب دسّ وإفترَاء عَلى الدّين, أو قَد يفهم منهَا أشيَاء عَلى خِلاف ما هِي عليه عِند السَلف والخَلف كَما تَناقلوه جِيلاً عَن جِيل مِن الأمة فَيُؤدِي عَبادة فَاسِدة, أو يَقع فِي تَشبِيه الله بِخلقه, أو غَير ذلكَ.
وَعلى كُلّ فَليس ذلكَ سَبِيل التعلُم الذِي نهجه السَلف والخَلف, قَال الحَافظ أبو بَكر الخَطِيب البَغدَادِي: “لا يُؤخَذ العِلم إلاّ مِن أفْواه العُلماء”, فَلا بُدّ مِن تعلُم أمُور الدِين من عَارف ثِقة أخَذ عَن ثِقة وَهكذا إلى الصَحابة, فالذِي يأخذَ القُرءان مَن المصحف يُسمى مصحفيّاً ولا يُسمى قَارئاً كَما ذَكر ذلكَ الخَطيب البَغدادي فِي كِتابهِ الفَقيه والمُتفقه عَن بَعض السَلف.
________________________________________
ثُم يَكفيِنا فِي الحثّ عَلى التلقّي قَول النَبي صَلى الله عليهِ وسَلم:”مَن يُرد الله بهِ خَيراً يُفقّهه فِي الدِين”(1), وفِي رِوَاية زيادة: “إنَما العِلم بالتعلُمِ, والفِقه بالتفقّه”(2).
ورَوى مُسلم فِي صحيحهِ(3) عَن ابن سِيرين أنهُ قَال: ” إنّ هَذا العِلم دِين فانظرُوا عمّن تأخذُون دينكُم”.
—————————————
(1) رَواه البُخارِي فِي صحيحهِ: كِتاب العِلم: بَاب مَن يُرد الله بهِ خَيراً يُفقّهه فِي الدّين, ومُسلم فِي صحيحهِ: كِتاب الزكَاة: بَاب النَهي عَن المسألة, والتِرمذي فِي سننهِ: كِتاب العلم: بَاب إذا أرادَ الله بعبدٍ خَيراً فقّهه فِي الدّين, وأحمد فِي مسندهِ 1/306 وغيرهم.
(2) المُعجم الكَبير للطَبرانِي فِي 19/395, وقَال الحَافظ فِي الفتح 1/131: ” إسنَاده حَسن”.
(3) أخرجهُ مُسلم فِي صَحيحهِ: المُقدمة: بَاب بَيان أن الإسنَاد مِن الدِين, وأنَ الرِوَاية لا تكُون إلاّ عَن الثقات, وان جرح الرواة بِما هُو فيهم جَائِز بَل وَاجِب وأنهُ ليسَ مِن الغِيبة المُحرّمة بَل مِن الذبّ عَن الشَريعة المُكرّمة.
________________________________________
وقَال أبو حَيان الأندلسِي:
يظنّ الغُمْرُ أن الكُتْبَ تَهدي ** أخَا جَهلٍ لإدْراكِ العُلومِ
ومَا يَدري الجهولُ بأنّ فِيها ** غَوامِض حَيّرت عَقلَ الفهيمِ
إذا رُمت العُلومَ بغيرِ شيخٍ ** ضللتَ عَن الصِراط المُستقِيم
وتلتَبِسُ الأمُورُ عليكَ حَتى ** تصيرَ أضلَّ مِن تُوما الحَكيم (1)
وقَد ذكرَ الشَيخ حَبِيْب الرّحمن الأعظمِي محدث الديار الهِندية فِي مُقدمة ردّه عَلى الألبَاني تَحت عِنوان مَبلغ عِلم الألبَانِي(2) مَا نصّه: ” الشَيخ نَاصِر الدِين الألبَانِي شَديد الولوع بتخطِئة الحذّاق مِن كِبار عُلماء المُسلمين ولا يحابي فِي ذلكَ أحداً كائِناً من كَان, فتَراه يوهّم البُخارِي ومُسلماً ومن دونهمَا” إلى أن قَال: “ويكثر من ذلكَ حَتى يظن الجَهلة والسذّج مِن العُلماء أنّ الألبَانِي نبغ فِي هَذا العَصر نبوغاً يندر مثله. وهَذا الذِي ينم عَنه ما يتبجّج بهِ الألبَانِي فِي كَثير مِن المواطِن, ويَلفتُ إليهِ أنظَار قَارئيه, فتارة يَقول: أغتنمُ هَذا التَحقِيق فإنكَ لا تجده فِي غَير هَذا الموضِع -يَعني عِند غيره من المصنّفين-, وتَارة يدّعي أنهُ خصّه الله تَعالى فِي هَذا العَصر بالوُقوف عَلى زيادات الحَديث الوَاردة فِي مُختلف طُرقه المُنتشرة فِي الكُتبِ المُبعثرة, وبِذلكَ وَصل إلى مَا لَم يصل إليهِ غَيره مِن المُحقّقين السَابِقين ولا اللاحقِين.
—————————
(1) حَاشية الطَالب إبن حَمدون عَلى شرح بحرق عَلى لامية الأفْعَال ص/44.
(2) الألبَانِي أخطاؤه وشُذوذه 1/9.
________________________________________
ولكِن مَن كَان يعرفَ الألبَانِي, ومَن له إلمام بِتاريخهِ, يعرفَ أنهُ لَم يتلقّ العِلم مِن أفواه العُلماء, ومَا جثا بَين أيديهم للاستِفادة, وإنَما العِلم بالتَعلُم, وقَد بَلغنِي أنّ مَبلغ علمه مُختصر القدوري, وجُلَّ مهارته فِي تَصليحِ السَاعات, ويَعترفَ بذلكَ هُو ويَتبجّح. ولازِمُ ذلك أنهُ واللهِ لا يعرف مَا يعرفه ءاحَاد الطَلبة الذِين يشتغلون بِدراسَة الحَدِيث فِي عَامة مَدارسنا”. إنتَهى كلام الشَيخ الأعظمي.
هَذا مَبلغ عِلم الألبَانِي, فإذا نظرتَ فِي كتبهِ تَجد الدَليل فإنهُ يذكر فِيما يُسمّيها بالصَحِيحة ما يُناقِض مَا يُسمّيها بالضَعِيفة, فَتراه يغير عَلى الأحَادِيث النَبويّة الشَريفة بِما لا يجُوز عِند أهْل العِلم بالحَديث, فيضعف الصَحِيح, ويجود الضَعيِف, وهَذا شأن مِن لَم يَشم رائِحة العِلم, وسَبيل مَن لَم يُعرف لهُ شيوخ الحَديث, وسماعٌ مِن ألفاظهم, ولا أراه إلا مطالعاً مِن المُطالعِين الذِين ظنّوا أن الكُتب تغنِي عَن الشيوخ والتلقّي, فإنا لَم نجدُ فِي تَرجمة لِحافظ أو محدث أنهُ اقتصَر عَلى المُطالعة مِن غير أن يدور عَلى الشيوخ, ويسمعَ منهُم كَما سمعُوا مِمن قبلهم عَلى عَادة أهْل الإسنَاد.
ومِن معايبهِ تطَاوله عَلى الأئِمة الكِبار, ويكفِيه ذمَّا أنهُ تَطاول عَلى البُخاري ومُسلم فأغار عَلى صحيحيهما ولَم يسلمَا منه, وليتهُ ضعّف تلك الأحَادِيث بِعلمِ ومعرفة, ولكِن بِجهل وَوقاحة, ومَن نَظر فِي كتبهِ وكَان لهُ مَعرفة وفهم وبَعُدَ عَن التعصّب الأعمَى والجَهل القتَّال تَبين لهُ أنّ الألبَانِي ضَعيف فِي عِلم الحَديث متناً ورجالاً.
ومِن معايبهِ أيضاً لمزه لِن يُخالفه بالابتدَاع فهُو ومَن كَان معهُ عَلى زعمهِ سني يستحقَ الجنّة, ومَن خَالفهُ فهُو مُبتدع يستحق النَار, وقصده بِهذا الشُهرة, ومُراده أنهُ أوحَد عَصره, وأنهُ سَبق معَاصريه, وتفوّق عَلى مُتقدميه.
________________________________________
وبالجملة فالألبانِي فِي فتاويه واستنباطاته بلايا وطَامات, وسَقطات عظِيمة تَراه يبدّع مَن يَذكر بالسبحة, أو يقرأ القُرءان عَلى المَيت, وتجِد فِي كتبهِ ولا سِيما شَرح الطَحاوي الضلال والفَساد, وينطَبق عليهِ مَا قَال فِي حقّه الشيخ محمّد يَاسِين الفَادانِي المشهُور: ” الألبَانِي ضَال مُضلّ”, ومَا قَال عنهُ الشَيخ حَبِيب الرّحمن: ” وإنِي حين أقرأ مَا كَتبه الألبَانِي فِي هَذا المبحث وفِي غيره أتذكّر دائماً قَول النَبي صَلى الله عليهِ وسَلم: ” إن ممَا أدرَك النَاس مِن كلام النُبوة الأولى إذا لَم تستحِ فاصْنع مَا شِئت”.
ونقُول للذِين اتَبعوه وانغرّوا بِكلامهِ, وانخدعوا بِصيتهِ الخَادِع: عُودوا إلى الجادة القويمة, واتبعُوا مَنهج الأبْرار, وانبذوا مَن يخرج عَن النَهجِ المُستقيم, واحذروا مِن الإقدَام عَلى التكلّم فِي حَديث رسُول الله صَلى الله عليهِ وسَلم بِغير عِلم, ولا تغترّوا بِكُل نَاعق ضَال ولَو كَان لهُ عَشرات المؤلّفات, ومَا أبشَع الجُرأة عَلى الخَوضِ فِي حَديث رسُول الله صَلى الله عليهِ وسَلم بِغيرِ عِلم, نسألُ الله السّلامَة والعَافِية, قَال الله تَعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُ أوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) 36 [ سُورة الإسراء].

*****************************************
________________________________________

الكتاب : السلفية بين التأصيل والابتداع الكاتب: مصطفى فرحات

السلفية بين التأصيل والابتداع
الكاتب: مصطفى فرحات
إن منهج السلف لم يكن بحال وقيعة في الأعراض أو صدا عن سبل الخير في زمن كشّر فيه الباطل عن أنيابه، و لم يكن قطُّ في يوم ما ذريعة للتنفير من دعاة أخطئوا وزلت بهم الأقدام في مزالق لا يسلم منها حتى الكبار، بل إنه من تمام الإتباع أن يقوّم الخطأ، وتقال العثرة، فإن لكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة.
” السلفية ” كلمة تثير اشمئزاز كثير من الناس كما أنها في الوقت نفسه تجد حماة وأنصارا يدافعون عنها بحرقة وإخلاص، سواء أكان ذلك الدفاع عن علم وبينة أم عن جهل وتقليد، وفي غمرة الأحداث اللامتناهية التي عرفها العالم الإسلامي عموما، تجاذب هذا المصطلح فئام من الناس زعم كل واحد منهم أنه يملك مفاتحه وأنه وجماعته هم الذين يمثلون السلفية الحقيقية، على سنن الشاعر إذ قال:
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
وبالمقابل، برز أناس أقض مضجعهم عودة الإسلام بهذا الكم والحجم إلى قلوب الناس، ورأوا من عجائب هذا الدين ما أخذ بألبابهم وهم يظنون أنه قد قُضي عليه فمضى إلى غير رجعة، فلم يجدوا سبيلا إلى التشويه والتدليس والكذب إلا انتهجوه، فألصقوا بدعاة الإسلام التهم و كالوا لهم بالباطل عسى أن يصرفوا عن دعوتهم كل أذن و قلب، لأن في عز هذا الدين مذلتهم، وفي قوته ضعفهم، و في فطنة أهله وبالٌ عليهم أجمعين.
و بين هؤلاء وأولئك، بين المدافعين عن أسماء ومصطلحات أُرضعوها وهم لم يعرفوا حقيقة كنهها ولا أصلها الصحيح القويم، اللهم إلا تقليدا للمشايخ وثقة بهم، وبين الذين يشوهون كل ما يرفع أعلام الإسلام فوق منارات الحق، ضاعت حقائق الأشياء وجواهرها، فلم تبق في نفوس مجملهم إلا أطلالا عفت رسومها، وجراحا لم تُشف كلومها
فما هي السلفية التي يدافع عنها البعض ويُقذع في سبها والتحامل عليها البعض الآخر؟
أصل نبوي
________________________________________
و ذلك أنه يجب أن يعلم المرء أن الله سبحانه و تعالى لما ختم الرسل برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يترك مسألة تحتاج إلى بيان إلا وبيّنها، ولم يترك حكما إلا أوضحه، مصداقا لقوله تعالى:
“اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا”
فما لم يكن يومئذ دينا فليس اليوم دينا.ثم إن الله عز وجل علق النجاة بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه، وجعل اتّباعه صلى الله عليه وسلم دليلا على محبة الله الصادقة، فقال عز وجل:
“قُل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم”
فمن أعرض عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهو معرض عن شريعة رب العالمين.
التيه و المخرج
ثم إن الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين هم النجوم التي يهتدي بها قد تفرقوا وتنافروا، وصار لكل جماعة منهج معين يحكمها ويحكم حتى طريقة تفكيرها، وتطاول السفهاء على الدين وفشت البدع والأهواء، وظهر علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم إذ أخبر أن أمته تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة التي تستمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، نابذة لأهوائها، مسلمة لله رب العالمين دون غيره،
وهذا ما تقتضيه شهادة الإيمان بأن محمدا صلى الله وعليه وسلم عبد الله ورسوله، أي أنه على المسلم أن يطيعه فيما أمر، و أن يجتنب ما عنه نهى وزجر، و أن لا يعبد الله إلا بما شرعه صلى الله عليه و سلم.
الإتباع لا الابتداع
و هذه القاعدة الجليلة هي التي سار عليها ونادي بها خير القرون التي زكاها الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكان هذا الشعار نفسه شعار الأئمة المقتدى بهم، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، كل يتبع النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه وينهج نهجهم ويتبع آثارهم، يعلمون أن البشر عرضة للخطأ فلا يرتضون بغير الوحيين بديلا: “الكتاب والسنة”
________________________________________
و لا أدل على ذلك من نصوصهم المجتمعة التي تشابهت على الرغم من تباعد الأوطان واختلاف الأزمان، والقاضية بأنه (ما من أحد إلا و هو راد أو مردود عليه إلا النبي صلى الله عليه و سلم)، فالواجب اتّباعه هو لا غيره
و لهذا رفض مالك حمل الناس على موطئه دون غيره بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور، وذلك لأن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلدان، ولكل بلد علم لم يبلغ غيرهم.
ونقدم هذا الكلام لمالك إمام الأئمة باقة لكل من تدثر بدثار مذهبه على طريقة المتأخرين لا المتقدمين من أصحابه، والذين يريدون حمل الناس على آراء تنسب لمذهب مالك وليس لمالك منها شيء
فإذا رفض المخالف الإذعان طُعن ورُمي بتهمة التعالم والطعن في العلماء، ناسين أنهم أول الناس خروجا على مذهبهم إذا اقتضت الأهواء ذلك، فإن أغلبهم لا يعرف من مذهب مالك إلا السدل في الصلاة، وأكثر الرواة عنه يذكرون القبض، بل ودليله رواه هو نفسه في الموطأ، وليت شعري أين مذهب مالك منهم وأين هم منه إذا نص على حرمة حلق اللحى وحرمة الغناء؟!
حينئذ يُخلع لباس التقليد ليحل محله لباس الاجتهاد زورا و بهتانا، و الله المستعان.
السلفية والسلفي
و من الغريب أن يظن بعض من كتب عن السلفية أنها من المحدثات التي لا أصل لها، أو من يظن أنها من اختراع ابن تيمية، إذ أن السلفية أرسخ من ذلك بكثير، وهي قديمة قدم الإسلام. السلف في لغة العرب هم المتقدمون من الآباء والأجداد، فكل من تقدمك فهو سلفُك
وفي اصطلاح العلماء هم أهل القرون المشهود لها بالخيرية من طرف النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”
ولذلك، فالمراد من كلمة السلفي هو النسبة إلى من يتّبع أصحاب القرون المزكاة المشهود لها بالخيرية اتباعا في أصول الدين وعقائده، واتباعا في فروعه ومقاصده.
هل “السلفية” مصطلح حادث؟
________________________________________
لا أجد تفسيرا لمن يكتب عن السلفية فيحشو كلامه زورا وجهلا وبهتانا، فكثير ممن تناول هذا الموضوع لم ينطلق من بحث علمي أو تأصيل شرعي، وإنما كان له الهوى قائدا والزور حاديا والجهل مطية، فيُوهم الكتّاب الجميعَ أن السلفية شيء مبتدع لم يكن له ذكر عبر مدار التاريخ، وأنه دُجّن في مصانع السعودية وصُدّر من خلالها إلى شتى أصقاع الأرض.
وهذا لعمري جهل فاضح، آفة صاحبه أنه يحارب ما لا يعلم كنهه، و أنه (يهرف بما لا يعرف)، فكانت كتاباته سقطا لا ميزان لها في العلم أو الفن.
والمتأمل لسير العلماء القدامى يعلم أن هذه الكلمة مما كان له ذكر شائع عندهم، يُمدح بها المتتبع للآثار والسنن، المجانب للبدع و الأهواء، ولا نطيل هنا فنستقصي ما ورد، وإنما نذكر كلمة للإمام الذهبي رحمه الله في ترجمة الإمام العلم أبي الحسن الدارقطني رحمه الله حيث قال:
“وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام، قلت (أي الذهبي): لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيا”
إهـ ج16 ص457.
ها هو الإمام الذهبي (المتوفى سنة 748 هـ) يقر هذا المصطلح الذي كان معروفا قبله.
بين السلفية و المالكية
ومن المغالطات البينة وضع السلفية في كفة والمالكية في كفة أخرى، مظهرين أنهما ضدان لا يجتمعان، كُتبت بينهما العداوة والبغضاء أبدا ما قامت السماوات والأرض، بينما تأبى الطبيعة العلمية إلا تفنيد هذا كله، وتقر في ثبات راسخ لا يلين أن الإمام مالكا رحمه الله إمام السنة والسلفية، وذلك لأن السلفية بمعنى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة الخيرين هو الدين الذي يريده الله تعالى لعباده شرعا، ويرتضيه منهجا
________________________________________
ومالك رحمه الله من الأئمة الذين نبذوا البدع واتبعوا السنن وحظوا عليها، ونفروا الناس من التقليد ونهوهم عنه إن كانت لهم أهلية الاستنباط، أما من لم يملك هذه الأهلية فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، و لا يُخرجه تقليد إمام من الأئمة المشهود لهم بالفضل والعلم وحسن المعتقد عن السلفية كما يظن البعض.
إشكالية المصطلح
فإذا تقرر ما سبق، وجب التنبيه على مسألة مهمة أخرى، وهي أن هذه الأسماء والمصطلحات التي لم ترد في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لا يجوز بحال أن يُبنى عليها ولاء أو عداء إذا كان المسلم ممن يسلّم بالمضمون، فإن الله تعالى ذكر عباده ونسبهم إلى الإسلام لا إلى غيره، فلما كثرت الفرق المنتسبة إلى الإسلام احتيج إلى التمييز فقيل: “أهل السنة و الجماعة”،
فلما انتسب إلى السنة من لم يكن من أهلها احتيج إلى تمييز آخر، فقيل: “السلفية” إشارة إلى أن أصحابها يتبعون السلف الصالح في الأصول والفروع، كما ذكرنا آنفا.
فإذا وجد من يسلّم بمضمون السلفية فلا يجب أن يلزم بتبني هذا الاسم أو تلك النسبة، بل متى ما تحقق المضمون لم يلتفت إلى الألقاب، ليس من قبيل الندب بل من قبيل الإلزام، وذلك لما يحدثه التعصب للألقاب والأسماء دون التلفت إلى المقاصد من مفاسد نهى الله سبحانه عنها وحذّر من الوقوع فيها.
و للناس فيما يعشقون… سلفيات!!
والمتأمل لواقع الدعوة الإسلامية اليوم يجد الكثير من الجماعات التي تنتسب إلى “السلفية” وتظن كل جماعة أنها على صواب دون غيرها، وهذا مما أدى إلى احتدام الخلاف وتأجج نار الصراع بينها، فكانت النتيجة أننا لا زلنا نسمع بين الفينة والأخرى بظهور جماعة جديدة تنتسب إلى السلفية
________________________________________
فطلعت علينا السلفية العلمية والجهادية والحركية، وأراد أحد الصحفيين الذين إخالهم من المهووسين بحمى السبق الصحفي أن يبتكر اسما لم يكن موجودا فأحدث ما أسماه بالسلفية الكلاسيكية، وكأنه يظن نفسه في معرض التأريخ لمراحل الأدب التي مرت بها أوروبا!
و يمكن أن نحصر جوهر الخلاف بين هذه الجماعات فيما يطلق عليه علماء الأصول “تحقيق المناط”، فتتجلى بذلك أهم القضايا التي يقع فيها النزاع..
هل تعد مناهج الدعوة توقيفية إجمالا وتفصيلا أم لا؟
هل تعتبر قضايا التحزب والانتخابات ودخول البرلمانات من القضايا التوقيفية أم أنها من مسائل السياسة الشرعية التي تخضع لتقدير المصالح والمفاسد؟
إلى غير ذلك من المسائل التي لو تُركت للعلماء لفصل فيما يجب الفصل فيه، وترك الخلاف قائما في المسائل التي تختلف فيها أنظار المجتهدين، و لوُفّر كثير من الجهد والوقت والمال على كثير من الساعين لنصرة رأي مّا، ظانين أنه الحق الذي لا محيد عنه، وهم من الذين لم يبلغوا بعد مستوى علميا يمكّنهم من النظر والاستنباط، بل وحتى الفهم السليم.
إذا دخل الصغار في شيء فسد
و لا ننسى أن نعرج على ما يجري في الساحة الإسلامية اليوم من انتهاك للأعراض وطعن في العلماء و الدعاة، والحط من قيمتهم وصد الناس عنهم وتزهيدهم فيهم، وكل ذلك يتم تحت غطاء “السلفية” و”منهج السلف”
و نود أن نؤكد أن منهج السلف لم يكن بحال وقيعة في الأعراض أو صدا عن سبل الخير في زمن كشّر فيه الباطل عن أنيابه، و لم يكن قطُّ في يوم ما ذريعة للتنفير من دعاة أخطئوا وزلت بهم الأقدام في مزالق لا يسلم منها حتى الكبار، بل إنه من تمام الإتباع أن يقوّم الخطأ، وتقال العثرة، فإن لكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة.
________________________________________
ولا يعني هذا بحال من الأحوال السكوت عن الباطل أو ترك البدع لتعشش في عقول الناس، بل يجب النصح والتحذير، إلا أن المقصود أن هذا الباب يقوم به أهل العلم الذين سارت بعلمهم وفضائلهم الركبان، أما أن يتصدى لذلك من كان عن العلم بمنأى أو معزل، فإن هذا من أعظم الظلم وأقبح الباطل، وإذا دخل الصغار في شيء فسد.
و بعد،
فهذا مجمل ما أردنا ذكره والتنبيه عليه، وذلك لأن الحابل اختلط بالنابل، وصار من هب ودب متصدرا للعلم والفتوى والتجريح والتعديل، كما أن جُلّ من كتب حول السلفية لم يكتب لا بعلم ولا بإنصاف، بل أضاف إلى ذلك تزويرا وتلبيسا لم يحمل عليه إلا الكيد للإسلام وأهله،
و إنما ذكرنا هنا ما تيسر ليحذر الخائض غمار الحياة دخول الفيافي بغير زاد، ويعلم أنه ليس كل ما يكتب حق، وأنه “ليس كل ما هو حق مما يجب نشره” مثلما ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه الماتع (الموافقات)، وإن كثيرا من الأقلام لتحركها مطامع وتنفخ فيها، وليستيقظ الوسنان وينشط الكسلان، لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا.
________________________________________

الكتاب : السيف الصقيل في الرَّدِّ عَلَى ابنِ زَفِيل المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي

الكتاب : السيف الصقيل في الرَّدِّ عَلَى ابنِ زَفِيل
المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)
السَّيفُ الصَّقِيلُ
في الرَّدِّ عَلَى ابنِ زَفِيل
تصنيفُ
الإمام الحافظ الحجة الأصولي المجتهد الرباني الولي الصالح العَلَم
أبي الحسن تقي الدين عليّ بن عبد الكافي السُّبْكي الخزرجي الأنصاري
رحمه الله تعالى
(683 – 756 هـ)
وبهامشه
تَكْمِلة الرَّدِّ على نونية ابن القيم
تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم
بقلم
الإمام العالم الفقيه المتكلِّم النَّظَّار
محمَّد زَاهِد بن الحسن الكوثري
رحمه الله تعالى
(1296 – 1371 هـ)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الإمام الكوثري
رحمه الله تعالى
الحمد لله القدوس المتعال، المنزه عن النظير والمثال، جلَّت ذاته وعَلَت صفاته عن أن يحوم حول اكتناهها وهْمٌ أو خيال، والعقولُ عن إدراك تلك المطالب في عقال.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث للتتميم مكارم الخلال، منقذاً لهذه الأمة من مخالب الوثنية وصنوف الضلال، وهادياً إلى مراضي مولاه ذي الجلال والجمال، وعلى آله خير الآل، وأصحابه أصحابِ كرائم الخصال.
[ انقشاع ظلمات الجاهلية بمبعثه - صلى الله عليه وسلم - ]
وبعد…
فلا يخفي على من دَرَسَ تاريخ الدين الإسلامي أنَّ الله سبحانه بعث خاتم رسله في بيئة عريقة في الوثنية، وقد أحدقت بتلك البيئة أمم يدينون بالإشراك والتشبيه وأنواع من التخريف والتمويه، فبمبعثه – صلى الله عليه وسلم – انقشعت تلك الظلمات الجاهلية، واستنارت بصائر الذين آمنوا به بأنوار التعاليم الإسلامية، حتى داسوا تحت أرجلهم تقاليد الوثنية، ونبذوا تلك الأساطير الهمجية، وخمدت عزائمُ أعداءِ الدين، وفترتْ مُواصَلتُهم العَداء إلى حين.
[ تَحَيُّن الأعداء الفرص للكيد بالمسلمين ]
لكنهم كانوا يتحينون الفرص لتفريق كلمة المسلمين، وتشويه تعاليم هذا الدين في الأخلاق والعمل والاعتقاد، حتى تذرعوا بعد وفاته – صلى الله عليه وسلم – بشتى الوسائل إلى بَذْر بذور الفساد كلَّما ظنوا أن الفرصة سانحة.
يلبسون في كل عصر ما يرونه أنجع في مخادعة الجمهور، وأغشى على بصائر الخاصة والدهماء، وأشد فتكاً بهم في صميم دينهم، إلى أن تمكنوا من إضلال طوائف في الأطراف، ورغم هذا بقيت بيضة الإسلام -بحمد الله جل شأنه- مصونة الجانب تحت كِلاءةِ الله سبحانه ورعايته، حيث لم يُمَكِّنهم من إبادة خضراء الملة، ولا من إحداث أحداث جوهرية في صميم الدين الإسلامي تشتت شمل الجماعة، بل بقى الإسلام في جوهره -بفضل الله جل جلاله- وَضَّاءَ المنار واضح المِنْهاج، نَيِّرَ الطريقة باديَ المعالم لمن ألقى إلى تعاليمه السمع وهو شهيد.
وغاية ما تخيل الأعداء أن يتمكنوا منه أن يوقِفوا نموَّه العظيم الذي كان ظهر في الصدر الأول، ويُعرقلوا رُقِيَّ معتنقيه السريعَ بعد أن بهر أبصار أولى الأبصار في أوائل انتشاره، لكن أبي الله إلا أن يتم نوره.
وكان أخطرُ هؤلاء الأعداء على الدَّهْمَاء وأبعدهم غوراً في الإغواء أناساً ظهروا بأزياء الصالحين، بعيونٍ دامعةٍ كحيلةٍ، ولحى مسرحة طويلة، وعمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، يحملون سُبْحات كبيرة الحبات، ويتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات، مع انطوائهم على مخازٍ ورثوها عن الأديان الباطلة، والنحل الآفلة.
وكان من مكرهم الماكر أن خلطوا الكذب المباشر بالتزيد في تفسير مأثور أو في حديث صحَّ أصله عند الجمهور، باعتبارهم ذلك أنجع في إفساد دلالة كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – على أفهام أناس قرب عهدهم من الجاهلية ولم تتكامل بعد عقولهم ولا نضجت أفكارهم.
وكم أضلَّ رواةٌ من هذا القبيل طوائف من سذج المسلمين منذ عهد التابعين، حيث اندسوا بين الصالحين من رواة الأعراب ومواليهم لإدخال ما اختلقوه من الأخبار بين مرويات هؤلاء الأخيار، حتى يتم إفساد دين المسلمين عليهم !!
________________________________________
ولكن أبي الله إلا أن يردَّ كيدهم في نحرهم حيث أقام جهابذةً يسعون في إبعاد مختلقاتهم عن مرتبة الاعتداد في جميع الطبقات، على أنَّ في عقول الذين أسلموا إسلاماً صحيحاً من النور ما يشق لهم الطريق إلى تعرف دخائل المرويات من نفس تلك الرِّوايات، وإن لم تخل طبقةٌ من طبقات الرواة من أغرار انخدعوا بها تعصبوا لها، لأن الفاتنين كانوا رَاعَوا في رواياتهم عقول هؤلاء ومداركهم في جاهليتهم؛ تيسيراً لزلل أقدامهم وتدهورهم في هاوية إغوائهم.
[ انخداع سذج الرواة ]
فالرُّواة السذج إذا انخدعوا بمثل هذا التمويه يكون عندهم بعض عذر، ومن الذي لا ينخلع قلبه إذا سمع السنة والدعوة إلى السنة من متقشف متظاهر بالورع الكاذب على تقدير جهل السامع بما وراء الأكمة ؟! فيجب أخذ هؤلاء بالرفق لتدريجهم إلى الحق من باطلٍ تورَّطوا فيه باسم السنة.
ومِنْ محققي أهل السنة من يشير إلى أنَّ العامي إذا بدر منه ما يوهم ظاهره التشبيه يُرجى من فضل الله أن يسامحه حيث يعلو التنزيهُ من الجهة ونحوها عن مداركه.
وأمَّا من جمع بين الرواية والدراية على زعمِه، وألَّف في ذات الله وصفاته، وصدر منه مثلُ هذا، فلا يوجد بين علماء أهل السنة من يعذر مثله، بل أطبقت كلماتهم على إلزامه مقتضى كلامه، وليس لعالم عذرٌ في الميل إلى شيء من التشبيه والقرمطة؛ لظهور سقوطهما لكل ناظر.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصم: (ما لقيت طائفة إلا وكانت لي معهم وقفة عصمني الله منها بالنظر- بتوفيقه- إلا الباطنية والمشبهة فإنهما زَعْنَفَةٌ تحققتُ أنه ليس وراءهما معرفة، فقذفت نفسي كلامهما من أول مرة) اهـ.
________________________________________
بل لا يتصور أن يميل إلى أحدهما عاقل إلا إذا كان له غاية إلحادية، وأنَّى يستعجم على عالِمٍ باللسان العربي المبين ما في كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – من الدلالة على تنزيه الله جل شأنه من الجسمية والجسمانيات والمادة والماديات، بخلاف العامي الذي هو قريب العهد من الجاهلية.
[ فضل علماء أصول الدين في حراسة الدين ]
جزى الله علماء أصول الدين عن الإسلام خيراً، فإنَّ لهم فضلاً جسيماً في صيانة عقائد المسلمين بأدلة ناهضة مدى القرون أمام كل فرقة زائغة، وإنما يكون التعويل في كل علمٍ على أئمته دونَ مَن سواهم؛ لأنَّ من يكون إماماً في عِلْمٍ كثيراً ما يكون بمنزلة العامي في علم آخر، فإذاً لا يُعَوَّلُ في العقائد إلا على أئمة أصول الدين لا على الرواة البعيدين عن النظر، وكم بينهم من يُرْثَى لمداركه حيث يقل عقله عن عقول الأطفال، وإن بلغ في السن مبلغ الرجال. ومن طالع ما ألَّفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد والصفات والسنَّة والردود على أهل النظر، يشكر الله سبحانه على النور الذي أفاضه على عقله حتى نبذ مثل تلك الطَّامات بأول نظرة.
[ محاولة ابن تيمية بعث الحشوية من مرقدها ]
وقد استمرت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط الله تعالى ولاستسخاف العقلاء، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حرَّانيٌ تجرَّدَ للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حَسَبِ فهمه من الكتب، بدون أستاذ يرشده في مواطن الزلل.
وحاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السخفاء، إلا إذا كان العقل عقل صابئ والنقل نقل صبي !!
________________________________________
وكم انخدع بخزعبلاته أناسٌ ليسوا من التأهل للجمع بين الروية والدراية في شيء، وله مع خلطائه هؤلاء موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه، ومن درس حياته يجدها كلّها فتناً لا يثيرها حاظٍ بعقله غيرُ مصاب في دينه.
وأنَّي يوجد نصٌ صريحٌ منقول، أو برهان صحيح معقول يثبت الجِهَة والحركة والثِّقل والمكان ونحوها لله سبحانه !!؟
وسيمرُّ بك سردُ بعض مخازيه مع نقضها إن شاء الله تعالى.
وكلُّ ما في الرجل أنَّه كان له لسان طلق، وقلمٌ سيَّال، وحافظةٌ جيدة، قلَّبَ -بنفسه بدون أستاذ رشيد- صفحات كتب كثيرة جداً من كتب النحل التي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغتر بما فهمه من تلك الكتب من الوساوس والهواجس، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوةً في المعتقد والأحكام العملية، ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين، مما هو وصمة عار وأمارة مروق في نظر الناظرين، فانفض من حوله أناس كانوا تعجلوا في إطرائه بادئ بدء قبل تجريبه، وتخلوا عنه واحداً إثر واحد على تعاقب فتنه المدونة في كتب التاريخ(1).
ولم يبق معه إلا أهل مذهبه في الحشو من جهلَةِ المقلِّدة، ومن ظنَّ أن علماء عصره صاروا كلهم إلباً واحداً ضده حَسَداً من عند أنفسهم فليتَّهِم عقله وإدراكه قبل اتهام الآخرين، بعد أن درس مبلغ بشاعة شواذه في الاعتقاد والعمل وهو لم يزل يُستتاب استتابه إثر استتابة، وينقل من سجن إلى سجن إلى أن أفضى إلى ما عمل وهو مسجون، فقبر هو وأهواؤه في البابين بموته وبردود العلماء عليه وما هي ببعيدة عن متناول رواد الحقائق.
__________
(1) وثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه ووجوه الزيغ في مؤلفاته، ومنهم مَن ظنَّ أنه دام على توبته بعدما استتيب، فداوم على الثناء، ولا حجَّةَ في مثل تلك الأثنية، وأقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلا غاوٍ غوى، نسأل الله السلامة. (ز).
________________________________________
[ مسايرة ابن القيم لابن تيمية في فتنته ]
وكان ابن زفيل الزرعي المعروف بابن القيم يسايره في شواذه كلها حياً وميتاً، ويقلده فيها تقليداً أعمى في الحق والباطل، وإن كان يتظاهر بمظهر الاستدلال لكن لم يكن استدلاله المصطنع سوى ترديد منه لتشغيب قدوته دائباً على إذاعة شواذ شيخه، متوخياً في غالب مؤلفاته تلطيف لهجة أستاذه في تلك الشواذ، لتنطلي وتنفق على الضعفاء، وعمله كله التلبيس والمخادعة والنضال عن تلك الأهواء المخزية حتى أفنى عمره بالدندنة حول مفردات الشيخ الحراني.
تراه يثرثر في كل واد، ويخطب بكل ناد بكلام لا محصل له عند أهل التحصيل، ولم يكن له حظ من المعقول، وإن كان كثير السرد لآراء أهل النظر، ويظهر مبلغ تهافته واضطرابه لمن طالع (شفاء العليل) له بتبصر، ونونيَّته وعزوَه من الدلائل.
على أنه لم يكن ممن له علم بالرجال ولا ينقد الحديث حيث أثنى فيهما على أناس هلكى، واستدل فيهما بأخبار غير صحيحة على صفات الله سبحانه، وقد ذكره في المعجم المختص بما فيه عبرة، ولم يترجم له الحسيني ولا ابن فهد ولا السيوطي في عداد الحفاظ في ذيولهم على طبقات الحفاظ.
وما يقع من القارئ بموقع الإعجاب من أبحاثه الحديثية في زاد المعاد وغيره فمختزل مأخوذ مما عنده من كتب قيمة لأهل العلم بالحديث، (كالمورد الهني شرح سير عبد الغني للقطب الحلبي) ونحوه(1).
ولولا محلي ابن حزم وإحكامه ومصنف ابن أبي شيبة وتمهيد ابن عبد البر لما تمكن من مغالطاته وتهويلاته في أعلام الموقعين.
__________
(1) وبمقارنه كتابه (بدائع الفوائد) مع كتاب الإمام السهيلي (نتائج الفكر في النحو)، تبين أنه سطا عليه وعزا كل الفوائد التي يجتنيها من هذا الكتاب لنفسه، وفعل الشيء نفسه باختزال بعض المباحث من كتاب الفروق للإمام القرافي دون عزو أو إشارة، وفي هذا ما فيه !!! (مصححه).
________________________________________
وكم استتيب وعزر مع شيخه وبعده على مخاز في الاعتقاد والعمل تستبين منها ما ينطوي عليه من المضي على صنوف الزيغ تقليداً لشيخه الزائغ وسيلقي جزاء عمله هذا في الآخرة- إن لم يكن ختم له بالتوبة والإنابة كما لقى بعض ذلك في الدنيا.
نماذج من أقوال أصحاب ابن القيم وأضداده والمتحايدين:
قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا: عُني بالحديث بمتونه وبعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين، وقد حبس مدة لإنكاره على شد الرحيل لزيارة قبر الخليل (إبراهيم عليه السلام) ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم لكنه معجب برأيه جرئ على الأمور اهـ.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة: غلب عليه حبُّ ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه .. واعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروباً بالدِّرَّة، فلما مات أفرج عنه، وامتحن مرة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية وكان ينال من علماء عصره وينالون منه اهـ.
قال ابن كثير: كان يقصد للإفتاء بمسألة الطلاق حتى جرت له بسببها أمور يطول بسطها مع ابن السبكي وغيره.. وكان جماعاً للكتب فحصَّل منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.. وهو طويل النفس في مصنفاته يتعاني الإيضاح جهده، فيسهب(1) جداً، ومعظمها من كلام شيخه يتصرف في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لها.. وجرت له محن مع القضاة منها في ربيع الأول طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يفتي به من ذلك. اهـ.
__________
(1) الإسهاب: الإطناب، وهو عكس الإيجاز.
________________________________________
وقال التقي الحصني: كان ابن تيمية ممن يعتقد ويفتى بأن شد الرحال إلى قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة، ويصرح بقبر الخليل وقبر النبي صلى الله عليهما وسلم، وكان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي وإسماعيل بن كثير الشركويني، فاتفق أن ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ورقى على منبر في الحرم ووعظ وقال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة: وها أنا راجع ولا أزور الخليل. ثم جاء إلى نابلس وعمل له مجلس وعظ وذكر المسألة بعينها حتى قال: فلا يزور قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقام إليه الناس وأرادوا قتله فحماه منهم وإلى نابلس، وكتب أهل القدس وأهل نابلس إلى دمشق يعرفون صورة ما وقع منه فطلبه القاضي المالكي فتردد وصعد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأسلم على يديه فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه ولم يعزره لأجل ابن تيمية.. ثم أحضر ابن قيم الجوزية وادعى عليه بما قاله في القدس الشريف وفي نابلس فأنكر، فقامت عليه البينة بما قاله فأدب وحمل على جمل ثم أعيد في السجن ثم أحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه فما كان جوابه ألا أن قال إن القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي، فأعيد إلى الحبس إلى أن أحضر الحنبلي فأخبر بما قاله فأحضر وعزر وضرب بالدرة وأركب حماراً وطيف به في البلد والصالحية وردوه إلى الحبس – وجرسوا ابن القيم وابن كثير وطيف بهما في البد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسألة الطلاق اهـ.
قال ابن رجب: قد امتحن وأوذي مرات وحبس مع الشيخ تقي الدين في المدة الأخيرة بالقلعة منفرداً ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ اهـ.
وقد سقت هنا نماذج من كلمات أصحابه وأضداده والمتحايدين في حقه في هذا الكتاب، وأرجو أن الحق لا يتعدى ما دللت عليه في حقه فيما كتبناه.
________________________________________
أحق الناس بالرثاء:
وأحق الناس بالرثاء وأجدرهم بالترحم من أفنى عمره في سبيل العلم منصاعاً لمبتدع يرديه من غير أن يتخير أستاذاً رشيداً يهديه، ومثله إذا دون أسفاراً لا يزداد بها إلا بعداً عن الله وأوزاراً، وهو الذي يصبح متفانياً في شيخه الزائغ بحيث لا يسمع إلا بسمعه ولا يبصر إلا ببصره في جميع شئونه، ويبقى في أحط دركات الجهل من التقليد الأعمى، ولو فكر قليلاً لكان أدرك أن من السخف بمكان وضعه لشيخه في إحدى كِفتي الميزان ليوازن به جميع العلماء والفقهاء من هذه الأمة في كفته الأخرى فيزنهم ويغالبهم به فيغلبهم في علومهم!
وهذا ما لا يصدر من حاظ بعقله، ولا سيما بعد التفكير في تلك المخازي من شواذه.
نعم يمكن أن يكون عنده أو عند شيخه بعض تفوق في بعض العلوم على بعض مشايخ حارته أو أهل خطته أو قريته أو مضرب خيام عشيرته، لكن لا يوجب هذا أن يصدق في ظنه في حق نفسه أو جو هذه يضيق عن واسع فهومه، وعرض هذه البحار لا يتسع لزاخر علومه.
________________________________________
أخطر ما يطغي من صنوف الاستغناء:
ومن الآفات المردية التي تعتري الإنسان وتقذف به إلى هاوية الخسران طغيانه حينما يرى نفسه على شيء من الاستغناء بمال أو جاه أو علم، لكن المال عرض زائل والجاه الدنيوي قلما يدوم على حال، وعلم الإنسان مهما اتسع فما أوتى من العلم إلا قليلاً، وتلك الخلال لو روعيت حدودها لكانت أكبر عون للمرء على إحراز مرضاة الله سبحانه، وأما إذا اتخذها أداة طغيان فإذ ذاك تنقلب تلك النعم مجلبة لسخط الله عز وجل ومقت الخلق، فيصبح ذلك الطاغي من الأخسرين أعمالا في الدارين، وليعلم أن ضرر العلم- إذا زاغ صاحبه- دونه كل ضرر، فإن الطاغي بالمال يزول ضرره بزوال ماله، كصاحب الجاه الذي لا يدوم جاهه، وأما صاحب العلم الذي لعب به الشيطان وخلد كتبا فيما طغى به فهمه وطاش قلمه، فيدوم ضرره ويتضاعف وزره ما دامت آثاره دارجة يضل بها أناس، فإذا هي أخطر تلك الآفات، ولا يخفف عن مؤلفها العذاب إلا بإعراض الناس عن كتبه المغوية بتنبيه أهل العلم المهتدين على ما حوته من صنوف الزيغ والضلال، فكيون في الكشف عن مواطن الغواية من أمثال تلك الكتب تخفيف لعذاب مؤلفيها، وصون للأمة عن الوقوع في مهاويها، وقد عنى الموفقون من علماء هذه الأمة بنقض أمثال تلك الكتب لتلك الغاية النبيلة قديماً وحديثاً ومن هلك بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
________________________________________
ردود السبكي على ابن تيمية والكلام في ردِّه على نونية ابن القيم:
وللحافظ التقي السبكي فضلٌ مشكورٌ وعمل مبرور في الرد على ابن زفيل وشيخه في شواذهما المردية، ومن جملة مؤلفاته في هذا الصدد (رده على نونية ابن القيم).
وقد نقل السيد محمد المرتضى الزبيدي في شرح الإحياء عند الكلام على إمامي أهل السنة عن هذا الردِّ المسمَّى (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل) جملة نافعة من مقدمته.
والتقي السبكي أوجز في ردِّه مكتفياً بلفتِ النظر إلى كلمات الناظم الخطرة في الغالب بدون أن يناقشه فيها كثيراً، باعتبار أن الاطلاع عليها يكفي بمجرده في نبذها وتضليل قائلها، ولو كان السبكي يرى ابن القيم يستأهل المناقشة لأوسع في الرد عليه، لأنه كان أنظر أهل عصره- كما قال الأسنوي وغيره من المحققين- لكنه كان يعدُّه في غاية من الغباوة فاكتفى في غالب الأبحاث بلفت نظر عامة العلماء إلى أهوائه البشعة.
والتقي السبكي من ألطف أهل العلم لهجة وأنزههم لساناً مع من يردُّ عليهم، لكن حيث إن الناظم أسرف في ضلاله وإضلاله اضطر التقي في ردِّه عليه إلى بعض إغلاظ في حقه صوناً لمن عسى أن ينخدع بتلبيساته، وقرعاً للعبد بالعصا، وهو معذور في ذلك بل إغلاظه ليس بشيء في جنب ما تقوَّل به ابن القيم في حقِّ جمهور أهل الحق.
ودونك نونيته التي ردَّ عليها السبكي وهي أصدق شاهد لما قلنا.
ونونية ابن القيم هذه من أبشع كتبه وأبعدها غوراً في الضلال وأشنعها إغراء للحشوية ضد أهل السنة، وأوقحها في الكذب على العلماء كما ترى إيضاح ذلك في مقدمة (السيف الصقيل) فلا نزاحم السبكي في شرح بشاعة طريقته فيها إلا أنا نشير هنا إلى أن ابن القيم كلما تراه يزداد تهويلا وصراخاً باسم السنة في كتابه هذا يجب أن تعلم أنه في تلك الحالة متلبس بجريمة خداع خبيث وأنه في تلك الحالة نفسها في صدد تلبيس ودس شنيعين، وإنما تلك التهويلات منه لتخدير العقول عن الانتباه لما يريد أن يدسه في غضون كلامه من بدعه المخزية كما يظهر من مطالعة النونية بتبصر ويقظة.
________________________________________
وإنما اختار طريق النظم في ذلك ليسهل عليه أن يهيم في كل واد، ولولا أنها طبعت مراراً وتكراراً ممن لا بغية له من طبعها غير عدد من القرش يملأ به الكرش, قام بذلك الدين أم قعد، بدون أن يقوم أحد من العلماء المعاصرين بالرد عليها، لكان إهمال الرد عليها أنسب، لكن لم يبق بعد تكرر طبعها مع تقاعس أهل العلم عن ردها مساغ للإهمال، فوجب تقويض دعائمها بنشر كتاب السبكي مع تعليق كلمات عليه في مواضع رأيناها في حاجة إلى التعليق، وقد سميت ما علقته (تكملة الردِّ على نونية ابن القيم).
والله سبحانه ولي النفع وعليه توكلت وإليه أنيب…
محمد زاهد بن الحسن الكوثري
عفي عنهما
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الكتاب للمؤلف
قال الإمام الحجة أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي – رضي الله عنه -:
يا عالماً بكل شيء، قادراً على كل شيء، أرحم عبداً جاهلاً بكل شيء، عاجزاً عن كل شيء، خُلِق ضعيفاً تنتوشه الآفات من جميع الجهات ويستغرقه احتياجه على ممر الأنفاس واللحظات، مدته في الدنيا قصيرة لو صرفها كلها في طاعة ربه، وعلم نافع به سلامة قلبه كان موفقاً يقتصر على خويصة نفسه وهذا يحتاج إلى مدد إلهي في دنياه في صحة جسمه وكفايته وكفاية من يتعلق به في القوت وما يتعلق به ودفع الأذى عنه، وفي دينه بسلامة قلبه من العقائد الفاسدة، وإقباله على الله تعالى وسلامة جوارحه من المعاصي وقيامها بما افترض الله عليها، وسلامته في قلبه وجسمه من شياطين الإنس والجن ونفسه وهواه وفي علمه فلا يشتغل من العلوم إلا بما ينفع وهو القرآن والسنة والفقه وأصول الفقه والنحو ويأخذها عن شيخ سالم العقيدة ويتجنب علم الكلام والحكمة اليونانية، والاجتماع بمن هو فاسد العقيدة أو النظر في كلامه.
وليس على العقائد أضر من شيئين: علم الكلام والحكمة اليونانية، وهما في الحقيقة علم واحد، وهو العلم الإلهي، لكن اليونان طلبوه بمجرد عقولهم، والمتكلمون طلبوه بالعقل والنقل معاً.
وافترقوا ثلاث فرق إحداها: غلب عليها جانب العقل وهم المعتزلة(1) والثانية: غلب عليها جانب النقل وهم الحشوية(2)
__________
(1) وعنهم يقول أبو الحسين محمد بن أحمد الطرائفي الشافعي المتوفى سنة 377 هـ في كتاب (الرد على أهل الأهواء والبدع): وهم أرباب أنواع الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم، والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل والمنصفون في مناظرة الخصوم، وهم عشرون فرقة يجتمعون على أصل واحد لا يفارقونه وعليه يتولون وبه يتعادون وإنما اختلفوا في الفروع وهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن على عليه السلام معاوية وسلم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس وذلك أنهم كانوا من أصحاب على- ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة اهـ.
ثم ذكر أئمتهم من البصريين والبغداديين وسرد بعض آرائهم في عدة أوراق. وهو من محفوظات الظاهرية بدمشق تحت رقم 59 في التوحيد.
ولمتقدميهم فضل الدفاع عن الدين الإسلامي والرد على الزنادقة والنصارى واليهود، لكن تحكيمهم للعقل وكثرة احتكاكهم بفرق الزيغ أديا بكثير منهم ولا سيما المتأخرين إلى صنوف من البدع الرديئة كما أشرت إلى ذلك في مقدمة ما كتبته على (تبيين كذب المفترى).
(2) ومنهم أصناف المشبهة والمجسمة، وسبب تسميتهم حشوية أن طائفة منهم حضروا مجلس الحسن البصري بالبصرة وتكلموا بالسقط عنده فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة- أي جانبها- فتسامع الناس ذلك وسموهم الحشَوية -بفتح الشين، ويصح إسكانها- لقولهم بالتجسيم؛ لأن الجسم محشو، راجع شفاء الغليل للشهاب الخفاجي، وذيل لب اللباب في تحرير الأنساب للشيخ المحدث أبي العباس أحمد العجمي، ومقدمة ما كتبنا، على تبين كذب المفتري.
والحشوية هم الذين حادوا عن التنزيه وتقولوا في الله بأفهامهم المعوجة وأوهامهم الممجوجة، وهم مهما تظاهروا باتباع السلف إنما يتابعون السلف الطالح دون السلف الصالح، ولا سبيل إلى استنكار ما كان عليه السلف الصالح من إجراء ما ورد في الكتاب والسنة المشهورة في صفات الله سبحانه على اللسان، مع القول بتنزيه الله سبحانه تنزيها عاماً بموجب قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } بدون خوض في المعنى ولا زيادة على الوارد ولا إبدال ما وَرَد بما لم يرد، وفي ذلك تأويل إجمالي بصرف الوارد في ذات الله سبحانه عن سمات الحدوث من غير تعيين المراد، وهم لم يخالفوا في أصل التنزيه الخلفَ الذين يعينون معنى موافقاً للتنزيه بما يرشدهم إليه استعمالات العرب وأدلة المقام وقرائن الحال، على أن الخلف يفوِّضون علم ما لم يظهر لهم وجهه كوضح الصبح إلى الله سبحانه.
فالخلاف بين الفريقين هيِّن يسير وكلاهما منزه، وإنما السبيل على الذين يحملون تلك الألفاظ على المعاني المتعارفة بينهم عند إطلاقها على الخلق ويستبدلون بها ألفاظاً يظنونها مرادفة لها ويستدلون بالمفاريد والمناكير والشواذ والموضوعات من الروايات. ويزيدون في الكتاب والسنة أشياء من عند أنفسم ويجعلون الفعل الوارد صفة إلى نحو ذلك، فهؤلاء يلزمون مقتضى كلامهم وهم الحشوية.
فمن قال: إنه استقر بذاته على العرش وينزل بذاته من العرش، ويُقعِد الرسول – صلى الله عليه وسلم – على العرش معه في جنبه وإن كلامه القائم بذاته صوت وإن نزوله بالحركة والنقلة وبالذات وإن له ثقلاً يثقل على حملة العرش، وأنه متمكن بالسماء أو العرش، وأن له جهة وحدَّاً وغاية ومكاناً، وأن الحوادث تقوم به وأنه يماس العرش أو أحداً من خلقه، ونحو ذلك من المخازي فلا نشك في زيغه وخروجه وبعده عما يجوز في الله سبحانه.
وهذا مكشوف جداً فلا يمكن ستر مثل تلك المخازي بدعوة السلفية، والذين يدينون بها هم الذين نستنكر عقائدهم ونستسخف أحلامهم، ونذكرهم بأنهم نوابت حشوية.
________________________________________
والثالثة: ما غلب عليها أحدهما بل بقي الأمران مرعيين عندها على حدِّ سواء وهم الأشعرية وجميع الفرق الثلاث في كلامها مخاطرة إما خطأ في بعضه وإما سقوط هيبة، والسالم من ذلك كله ما كان عليه الصحابة والتابعون وعموم الناس الباقون على الفطرة السليمة.
ولهذا كان الشافعي – رضي الله عنه – ينهي عن الاشتغال بعلم الكلام ويأمر بالاشتغال بالفقه فهو طريق السلامة، ولو بقى الناس على ما كانوا عليه في زمن الصحابة كان الأولى للعلماء تجنب النظر في علم الكلام جملة، لكن حدثت بدع أوجبت للعلماء النظر فيه لمقاومة المبتدعين ودفع شبههم حذراً من أن تزيغ بها قلوب المهتدين.

[الأشعرية أعدل الفرق]
والفرقة الأشعرية هم المتوسطون في ذلك وهم الغالبون من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة وسائر الناس.
وأما المعتزلة فكانت لهم دولة في أوائل المائة الثالثة ساعدهم بعض الخلفاء ثم انخذلوا وكفى الله شرهم.
وهاتان الطائفتان الأشعرية والمعتزلة هما المتقاومتان وهما فحولة المتكلمين من أهل الإسلام، والأشعرية أعدلهما لأنها بنت أصولها على الكتاب والسنة والعقل الصحيح.
وأما الحكمة اليونانية فالناس مكفيون شرها، لأن أهل الإسلام كلهم يعرفون فسادها ومجانبتها للإسلام.
وأما الحشوية فهي طائفة رذيلة جُهَّال(1)
__________
(1) وهم طوائف كالكرَّامية والبربهارية والسالمية، ولابن الجوزي كتاب (منهاج الوصول إلى علم الأصول) وكتاب (دفع شبه التشبيه بكف التنزيه) أجاد الرد عليهم فيهما، وسبق أن نشر الثاني، ومن جملة ما يقوله ابن الجوزي فيه: فقد فضحوا ذاك الإمام بجهلهم … ومذهبه التنزيه لكن هم اختلوا . وهو بديعٌ في بابه حجة على من سايرهم من الحنابلة.
________________________________________
ينتسبون إلى أحمد وأحمد مبرأ منهم. وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة وثبت في المحنة – رضي الله عنه – ، نقلت عنه كليمات ما فهمها هؤلاء الجهال فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيئ وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم، إلا من عصمه الله وما زالوا من حين نبغوا مستذلين ليس لهم رأس ولا من يناظر وإنما كانت لهم في كل وقت ثورات ويتعلقون ببعض أتباع الدول ويكفي الله شرهم، وما تعلقوا بأحد إلا كانت عاقبته إلى سوء , وأفسدوا اعتقاد جماعة شذوذ من الشافعية(1) وغيرهم ولا سيما بعض المحدثين الذين نقصت عقولهم أو غلب عليها من أضلهم فاعتقدوا أنهم يقولون بالحديث. ولقد كان أفضل المحدثين في زمانه بدمشق ابن عساكر(2) يمتنع من تحديثهم ولا يمكنهم أن يحضروا مجلسه وكان ذلك أيام نور الدين الشهيد وكانوا مستذلين غاية الذلة.
__________
(1) على طول القرون لكن كفى شرهم نظار أهل الحق من الشافعية ولسنا في صدد سرد أسمائهم هنا، ونشير عرضاً إلى بعضهم فيما نعلق على هذا الكتاب.
(2) وقد سبق أن نشر (تبيين كذب المفتى في الذب عن الأشعري) له مع مقدمة لنا عليه في بيان الحالة العامة عند البعثة النبوية ولمعة في نشأة الفرق وتعليقات على مواضع من الكتاب كنت كتبتها, ففيها وفي الكتاب كثيرٌ مما يتعلق بالحشوية.
ولابن عساكر أيضاً مجلس في إثبات التنزيه وآخر في نفي التشبيه، وكتاب في (بيان وجوه التخليط في حديث الأطيط) وكتاب في (سرد الأسانيد في حديث يوم المزيد) يبين فيها وجوه الضعف في أحاديث الأطيط وروايات يوم المزيد.
________________________________________
ثم جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء وإطلاع ولم يجد شيخا يهديه وهو على مذهبهم وهو جسور متجرد لتقرير مذهبه ويجد أموراً بعيدة فبجسارته يلتزمها فقال بقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى(1)
__________
(1) اتفقت فرق المسلمين سوى الكرامية وصنوف المجسمة على أن الله سبحانه منزَّه من أن تقوم به الحوادث وأن تحل به الحوادث وأن يحل في شيء من الحوادث بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة.
ودعوى أن الله لم يزل فاعلاً متابعة منه للفلاسفة القائلين بسلب الاختيار عن الله سبحانه، وبصدور العالم منه بالإيجاب.
ونسبة ذلك إلى أحمد والبخاري وغيرهما من السلف كذب صريح وتقوُّل قبيح.
ودعوى أن تسلسل الحوادث في جانب الماضي غير محال لا تصدر ممن يعي ما يقول, فمن تصور حوادث لا أول لها تصوَّرَ أنه ما من حادث محقق، وأن ما دخل بالفعل تحت العد والإحصاء غير متناه، وأما من قال بحوادث لا آخر لها فهو قائل بأن حوادث المستقبل لا تنتهي إلى حادث محقق إلا وبعده حادث مقدَّر، فأين دعوى عدم تناهي ما دخل تحت الوجود في جانب الماضي من دعوى عدم تناهي ما لم يدخل تحت الوجود في المستقبل ؟
على أن القول بالقدم النوعي في العالم من لازمه البيِّن عدم تناهي عدد الأرواح المكلفة فأني يمكن حشر غير المتناهي من الأرواح وأشباحها في سطح متناه محدود على هذا التقدير؟ فيكون القائل بعدم تناهي عدد الكلفين قائلاً بنفي الحشر الجسماني بل بنفي الحشر الروحاني أيضاً حيث إن هذا القائل لا يعترف بتجرد الروح فيكون أسوأ حالا من غلاة الفلاسفة النافين للحشر الجسماني.
وفي شواذ ذلك الزائغ كتب خاصة ترد عليه في بدعه الأصلية والفرعية، ولاستقصاء ذلك موضع آخر.
________________________________________
وأن الله سبحانه ما زال فاعلاً وأن التسلسل ليس بمحال فيما مضى ما هو فيما سيأتي, وشق العصا، وشوَّش عقائد المسلمين وأغرى بينهم ,ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام حتى تعدى وقال إن السفر لزيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – معصية(1) وقال إن الطلاق الثلاث لا يقع وإن من حلف بطلاق امرأته وحنث لا يقع عليه طلاق. واتفق العلماء على حبسه الحبس الطويل فحبسه السلطان(2) ومُنع من الكتابة في الحبس وأن يدخل إليه أحد بدواة ومات في الحبس. ثم حدث من أصحابه من يُشِيع عقائده ويعلم مسائله ويلقي ذلك إلى الناس سراً ويكتمه(3)
__________
(1) وضبطت فتواه بخطه بهذا المعنى وثبت ذلك ثبوتاً شرعياً وشهد بذلك الإمام جلال الدين القزويني صاحب التلخيص والإيضاح، وألَّف قاضي قضاة المالكية تقي الدين أبو عبد الله محمد الإخنائي في الرد عليه (المقالة المرضية في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية) كما ألَّف في الرد عليه المؤلف شفاء السقام في تلك المسألة, بل جمع الحافظ الصلاح العلائي طرق حديث الزيارة في الرد عليه أيضاً بطلب ابن الفركاح، ولم يستمر على مشايعته بعد ذلك إلا مكسرو الحشوية تحت الخفاء، وكم استتيب وأخذ خطه بالتوبة ثم نقض مواثيقه. راجع (نجم المهتدي) و (دفع الشبه) و (الدرر الكامنة).
(2) الملك الناصر محمد بن قلاوون ولم يكن له عداء شخصي نحو ابن تيمية أصلاً كما اعترف بذلك أشياع ابن تيمية لكن لما رأى توالي فتنه واتفق علماء المذاهب ضده ومعهم قاضي قضاة الحنابلة لم يسعه إلا أن يصدر مرسوماً لأهل دمشق ومرسوماً لسائر البلدان أسوة بما أصدره بمصر ضد هذا الزائغ ونصوص تلك المراسيم مدونة في (نجم المهتدي) و (عيون التواريخ) و (دفع الشبه) بألفاظ متقاربة في المعنى, وفي الاطلاع عليها عبرة بالغة، وقد تليت تلك المراسيم على المنابر نصحاً للأمة وإفهاما لها أن ذلك الرجل مجسم زائغ اعتقاداً وعملا فلا يجوز الاغترار به.
(3) ويظهر من ذلك أن نونية ابن القيم لم تكن تذاع في ذلك العهد إلا سراً وكفى هذا سعياً بالفساد، ولا يحسبن القارئ أن ابن القيم ربما يكون تاب وأناب عن هذه العقيدة الزائغة التي احتوتها تلك القصيدة، فإنَّه يرى في ترجمته من طبقات الحنابلة لابن رجب أن ابن رجب سمعها من لفظ ابن القيم عام وفاته، وهذا من الدليل على أنه استمر على هذا المعتقد الباطل إلى أواخر عمره. وعدد أبياتها ستة آلاف بيت إلا واحداً وخمسين بيتاً.
________________________________________
جهراً فعم الضرر بذلك, حتى وقفت في هذا الزمان على قصيدة نحو ستة آلاف بيت يذكر ناظمها فيها عقائده وعقائد غيره ويزعم بجهله أن عقائده عقائد أهل الحديث(1) فوجدت هذه القصيدة تصنيفاً في علم الكلام الذي نهى العلماء عن النظر فيه لو كان حقاً، فكيف وهي تقرير للعقائد الباطلة وبوح بها وزيادة على ذلك وهي حمل العوام على تكفير كل من سواه وسوى طائفته فهذه ثلاثة أمور هي مجامع ما تضمنته هذه القصيدة.
فالأول من الثلاثة: حرام لأن النهي عن علم الكلام إن كان نهي تنزيه فيما تدعو الحاجة إلى الرد على المبتدعة فيه فهو نهي تحريم فيما لا تدعو الحاجة إليه فكيف فيما هو باطل.
والثاني من الثلاثة: العلماء مختلفون في التكفير به إذا لم ينته إلى هذا الحد, أما مع هذه المبالغة ففي بقاء الخلاف فيه نظر.
وأما الثالث: فنحن نعلم بالقطع أن هؤلاء الطوائف الثلاثة الشافعية والمالكية والحنفية وموافقيهم من الحنابلة مسلمون ليسوا بكافرين، فالقول بأن جميعهم كفار وحمل الناس على ذلك كيف لا يكون كفراً وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: (إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) فالضرورة أوجبت العلم بأن بعض من كفرهم مسلم والحديث اقتضى أن يبوء بها أحدهما فيكون القائل هو الذي باء بها.

__________
(1) وبين أهل الحديث من القدرية والخوارج وصنوف الشيعة والمجسمة من كرامية وبربهارية وسالمية رجال لا يحصيهم العدّ، كما لا يخفي على من له إلمام بعلم الرجال فليس لهم عقيدة جامعة, فيكون عزو عقيدة إلى جماعة الحديث مخادعة وتمويها على العقول، فإن كان يريد تخصيص هذا الاسم بصنوف المجسمة فهذه التسمية إنما تكون تسمية ما أنزل الله بها من سلطان.
وإنما التعويل على أهل الحديث في روايتهم الحديث فقط فيما لا يتهمون به، وأما علم أصول الدين فله أئمة معرفون وبراهين مدونة في كتبهم، وأهل الحديث المبرءون من البدع يسيرون سيرهم.
________________________________________
مجامع الزيغ في نونية ابن القيم:
وها أنا أذكر مجامع ما تضمنته القصيدة ملخصا من غير نظم. وناظمها(1) أقل من أن أذكر كلامه لكني تأسيت في ذلك بإمام الحرمين في كتابه المسمى بنقض كتاب السجزي، والسجزي هذا كان محدثا له كتاب مترجم بمختصر البيان وجده إمام الحرمين حين جاور بمكة شرفها الله، اشتمل كتاب السجزي هذا على أمور منها أن القرآن حروف وأصوات. قال إمام الحرمين: وأبدي من غمرات جهله فصولا وسوى على قصبة سخافة عقله نصولا، ومخايل الحمق في تضاعيفها مصقولة وبعثات الحقائق دونها معقولة. وقال إمام الحرمين أيضاً: وهذا الجاهل الغر المتمادي في الجهل المصر، يتطلع إلى الرتب الرفيعة بالدأب في المطاعن في الأئمة والوقيعة. وقال إمام الحرمين أيضاً: صدر هذا الأحمق الباب بالمعهود من شتمه فأفِّ له ولخرقه ,فقد والله سئمت البحث عن عواره وإبداء شَنَاره، وقال الإمام أيضاً: وقد كسا هذا التيس الأئمة صفاته. وقال الإمام أيضاً: أبدي هذا الأحمق كلاماً ينقض آخره أوله في الصفات وما ينبغي لمثله أن يتكلم في صفات الله تعالى على جهله وسخافة عقله. وقال الإمام أيضاً: قد ذكر هذا اللعين الطريد المهين الشريد فصولا, وزعم أن الأشعرية يكفرون بها,فعليه لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى، وما رأيت جاهلا أجسر على التكفير وأسرع إلى التحكم على الأئمة من هذا الأخرق،
__________
(1) وهو ابن زفيل الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية كان بمتناول يده من كتب الفرق التي كانت دمشق امتلأت بها بعد نكبة بغداد ونكبة البلاد الشرقية باستيلاء المغول عليها ما يزداد به غواية إلى غوايته، وقد حشر في مؤلفاته ما لم يفهمه ولم يهضمه من أقوال أرباب النحل، شأن من خاض في المسائل النظرية الخطرة من غير أستاذ رشيد، فحصل في تفكيره ما يحصل في معدة الشره المتخوم فأصبحت مؤلفاته محشر الأقوال المتناقضة، ولم ينخدع بها إلا من ظن أن العلم هو حشد المصطلحات من غير نظام يربط بعضها ببعض وبدون تمحيص الحق من الباطل.
________________________________________
وتكلم السجزي في النزول والانتقال والزوال والانفصال والذهاب والمجئ فقال الإمام: ومن قال بذلك حل دمه , وتبرَّم الإمام كثيراً من كلامه معه(1).
وها أنا أيضاً أقتدي بالإمام في كلامي مع هذا الجاهل متبرماً لكن خشية على عقائد العوام تكلمت.
والسجزي الذي رد عليه الإمام أعرف ترجمته محدث(2)
__________
(1) وعن هذا السجزي يقول أبو جعفر اللبلي الأندلسي في فهرسته: وكذلك اللعين المعروف بالسجزي فإنه تصدَّى أيضاً للوقوع في أعيان الأئمة وسرج الأمة بتأليف تالف وهو على قلة مقداره وكثرة عواره ينسب أئمة الحقائق وأحبار الأمة وبحور العلوم إلى التلبيس والمراوغة والتدليس.وهذا الرذل الخسيس أحقر من أن يُكترث به ذما ولا يضر البحر الخضم ولغة كلب.
ما يضر البحر أمسى زاخراً … أن رمى فيه غلام بحجر
فمما ذكر هذا المنافق الحائد بجهله عن الحقائق أن من مذهب الأشعرية أن النبوة عرض من الأعراض والعرض لا يبقى زمانين وإذا مات النبي زالت نبوته وانقطعت دعوته، وهذه من جملة حكاياته وتقولاته المستبعدة اهـ، وسيأتي الرد على هذا الهذيان، وقد وفاه اللبلي الكيل صاعاً بصاع.
(2) ومن الغريب أن السجزيين مهما علت منزلتهم في الرواية يقل بينهم جداً من يكون طاهر الذيل ناصع الجبين من فحش التشبيه ووصمة التجسيم كما لا يخفى على من بحث مؤلفاتهم بتبصر, وأرى ذلك من عدوى مرض شيخ المجسمة أبى عبد الله محمد بن كرام السجزي الذي بتقشفه كان سحر ألباب أهل سجستان وتاريخه في غاية من الشهرة. وهذا السجزي هو أبو نصر الوائلي, مؤلف الإبانة المتوفى سنة 444 وصاحبه السعد الزنجاني بمكة مثله في التشبيه مع أنهما ينتحلان مذهب الشافعي. ومن هذا الطراز الآجري صاحب كتاب الشريعة قبلهما ويرثىلحال من يميل إلى التشبيه مع جلالة مقداره في الحديث.
ونحن لا نعول على الرجل إلا في العلم الذي يتقنه دون سائر العلوم، فكم بين أهل الحديث من هو أنزل منزلة من العامي في علم أصول الدين والفقه وكذلك سائر العلماء في غير علومهم !!
________________________________________
لا يصل ناظم هذه القصيدة إلى عشره في الحديث, ولكن الإنسان يضطر إلى الكلام مع الجهال والمبتدعين صيانة لعقائد المسلمين وليت كلامي كان مع عالم أو مع زاهد أو متحفظ في دينه صيِّن في عرضه قاصد للحق,ولكنها بلوى, نسأل الله حسن عاقبتها.وبعد أن كنت قصدت الاقتصار على اختصار مجامعها عنَّ لي هنا أن استوعب كلماتها لأطفئ جمراتها.
فصل:
مناظرة خيالية بين المشبه والمنزه … الخ
قال: (جمع مجلس المذاكرة بين مثبت للصفات والعلو ومعطل) إلى أن قال: (من كلام المثبت أن كهيعص وحمعسق وق ون كلام الله حقيقة وأن الله تكلم بالقرآن العربي الذي سمعه الصحابة).
مراده بذلك أن كلام الله حرف وصوت وهذا الجاهل لا يفرق بين كلام الله واللفظ الدال عليه(1).
__________
(1) بل بين الكلام اللفظي والكلام النفسي، وفي أوائل تفسير (روح المعاني) بسط لطيف في الكلام النفسي بحيث لا يدع شكاًَ لمرتاب.
وبعد أن انتهى الألوسي فيه من الكلام في الكلام النفسي قال: ومن أحاط بذلك اندفع عنه إشكال في هذا الباب، ورأى أن تشنيع ابن تيمية وابن القيم وابن قدامة -الموفق- وابن قاضي الجبل والطوفي -سليمان بن عبد القوي- وأبي نصر -السجزي- وأمثالهم صرير باب أو طنين ذباب.. وقد انحرفت أفكارهم واختلطت أنظارهم فوقعوا في علماء الأمة وأكابر الأئمة، وبالغوا في التعنيف والتشنيع وتجاوزوا في التسخيف والتفظيع, ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعاًَ بصاع، ولتقدمت إليهم بما قدموا باعاً بباع، ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء، ولعرفتهم إلام ينتهي المراء بلا مراء:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج
على أن العفو أقرب للتقوى والإغضاء مبنى الفتوة وعليه الفتوى، والسادة الذين تكلم فيهم هؤلاء إذا مروا باللغو مروا كراماً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً اهـ.
________________________________________
ثم قال: (ومن قال ليس لله في الأرض كلام فقد جحد رسالة محمد – صلى الله عليه وسلم -) هذا الكلام يحتمل وجهين(1) لا نطول بهما، ثم قال: (إن الله فوق سمواته) يقول له: أين قال الله أو رسوله إنه فوق سمواته؟ وأنت قلت في صدر كلامك (نقول ما قاله ربنا) وأين قال ربنا: إنه بأئن من خلقه , ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فقد نسبت إلى قول الله ما لم يقله، ومن هو المعطل الذي عنيته فإنا لا نعرف اليوم أحداً معطلاً يتظاهر بين المسلمين بل ولا معتزلياً ولا فيلسوفاً يتظاهر بقول الفلاسفة(2)
__________
(1) لعله يريد وجود الكلام النفسي ووجود الكلام اللفظي، فنفي وجود الثاني في الأرض نفيٌ لوجود كتاب الله وشرعه في الأرض وهو كفر صراح ولا قائل بذلك من فرق المسلمين.
وأما زعم وجود الكلام النفسي القائم بالله في الأرض فقولٌ بالحلول كقول النصارى في الكلمة، وقد كفر غير واحد من أئمة السنة السالميةَ على قولهم بأنه تعالى يقرأ على لسان كل قارئ، تعالى الله عما يأفكون، وقد ذكرنا ما يتعلق بذلك بنوع من البسط فيما علقناه على التبيين وفي (لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ).
(2) هذا بالنظر إلى عهد المؤلف، فإن العلماء كانوا قائمين بواجبهم إذ ذاك يوقفون المبتدعة الذين يحاولون الاعتداء على حريم قدس الدين عند حدِّهم، وما أُلف في الردِّ على هذا الزائغ وشيخه من الكتب في ذلك العصر يعدُّ بالعشرات فضلاً عن باقي أهل الضلالة.
وأما اليوم فقلما تجد بين العلماء من يسهر على السنة النقية البيضاء والدين الحنيف، فاتسع المجال لتمويه الضلال، وأدعو الله سبحانه أن يوقظ أهل الشأن من سباتهم العميق ويرشدهم إلى حراسة الشرع من اعتداء المعتدين.
________________________________________
فلعلك عنيت الأشعرية فإنهم القائمون اليوم من أكثر المذاهب ثم قال(1): (فلما سمع المعطل منه ذلك أمسك ثم أسرها في نفسه وخلا بشياطينه وبنى جنسه وأوحى بعضهم إلى بعض أصناف المكر والاحتيال وراموا أمراً يستحمدون به إلى نظرائهم من أهل البدع والضلال وعقدوا مجلساً بيتوا فيه ما لا يرضاه الله من القول وراموا استدعاء المثبت ليجعلوا نزله ما لفقوه من الكذب وتمموه فلم يتجاسروا وخذلهم المطاع فمزق ما كتبوه من المحاضر، فسعى في عقد مجلس عند السلطان فلم يذعنوا فطالبهم بإحدى ثلاث: مناظرة فأبوا، فدعاهم إلى مكاتبة فأبوا، فدعاهم إلى المباهلة(2) بين الركن والمقام فلم يجيبوا فحينئذ عقد المثبت لله مجلساً بينه وبين خصمه وما كان أهل التعطيل أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون).
هذا كله مقصوده به والله أعلم طوائف الأشعرية الشافعية والمالكية والحنفية الذين كانوا مقاومين لابن تيمية فهم الذين يسميهم المعطلة، وكان مراده بالمثبت ابن تيمية,والعاقد للمجلس فيما بينه وبين خصمه إما ابن تيمية وإما هذا النحس المتشبع بما لم يعط.
__________
(1) مما اختص به ناظم القصيدة من بين دعاة الحشوية تصوير مناظرات في مسائل يدس في غضون كلام الطرفين ما يشاء من وسائل استدراج الضعفاء إلى ضلاله.
وهذه طريقة الأقدمين من أعداء الدين بعثها من مرقدها هذا الناظم ليصل إلى إضلالهم بطريقة روائية خيالية، فمن مشى على الاستسلام له فيما يراه من مناظراته الخيالية في هذا الكتاب وفي شفاء العليل وأعلام الموقعين ونحوها فإنه معرض للانحلال، وسنكشف الستار عن وجوه تضليله وتدجيله بحول الله وتوفيقه.
(2) راجع الآية 61 من سورة آل عمران.
________________________________________
فصل:
أمثال مضروبة للمعطِّل والمشبِّه والموحِّد
قال: (وهذه أمثال حسان مضروبة للمعطل والمشبه والموحد).
مقصودة بالمعطل الجماعة الأشعرية، وبالموحد نفسه وطائفته، والمشبه لا وجود له عنده. ومقصود غرمائه بالمشبه هو وطائفته وبالموحد أنفسهم، والمعطل لا وجود له الآن عندهم، لأن المعطل هو المنكر للصانع، والمشبه هو الذي شبهه بخلقه وهذا على ظاهره لا يوجد من يقول به لكن بما يلزم عنه، ولا شك أن لزوم التشبيه له أظهر من لزوم التعطيل لغرمائه، وإذا امتحن الإنسان نفسه قطع بأن الأشعري ليس بمعطل وأن هذا النحس مشبه ولا ينجيه إنكاره باللسان وقد اعترف على نفسه بأن من شبه الله بخلقه فقد كفر.واندفع في ضرب الأمثلة بما لا نطول به.

فصل:
من قصيدته النونية
قال في قصيدته التي أهدت الجري إليه وفرقت سهام النبال عليه:
(إن كنت كاذبة الذي حدثتني … فعليك إثم الكاذب الفتان
جهم(1) بن صفوان وشيعته الألى … جحدوا صفات الخالق الديان
بل عطلوا منه السماوات العلى … والعرش أخلوه من الرحمن)
__________
(1) جهم بن صفوان زائغٌ باتفاق بين أهل السنة والمعتزلة، يقول بنفي الخلود في الجنة وفي النار، وتابعه ناظم القصيدة في شطر هذا المعتقد حيث يقول: لا خلود للكفار في النار، تبعاً لشيخه وهو كفر جمهور أهل الحق.
وكان جهم منبوذاً لم يبق بعد قتله من تابعه أصلاً، ومن يقال فيه من المتكلمين إنه جهمي من قبيل النبز بالألقاب، وقد توسعت في بيان ذلك بعض توسع فيما علقته على الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة.
وليس بين المعتزلة فضلاً عن الأشاعرة من ينفي أن الله سبحانه عالم قدير سميع بصير.. إلى آخر تلك الصفات الواردة في الكتاب والسنة المشهورة، حتى يصح رميهم بجحد الصفات, وجل الإله سبحانه من أن يكون له مكانٌ يحويه، فلا يقال: إن السماء ظرفٌ له ولا إن العرش مستقر ذاته، فأين في كتاب الله مثل ذلك أو تفسير الاستواء بالاستقرار ؟! إنما هو قول مقاتل بن سليمان شيخ المجسمة وقول الكلبي الزائغ.
________________________________________
أما جهم فمضى من سنين كثيرة ولا يعرف اليوم أحد على مذهبه فعلم أن مراد هذا الناظم بالجهمية الأشعرية من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة,فليعلم اصطلاحه وكل ما ينسبه إلى الجهمية فمراده بها هؤلاء، والمعتزلة يشاركون الأشعرية في ذلك,لكن ما منهم أحد موجود في هذه البلاد وإن كان موجوداً فلا ظهور له، فكل ما قال هذا الناظم عن جهم في هذه القصيدة فمراده، الذي مذهبه مذهب الأشعري.

فصل:
تخيل الناظم في أفعال العباد.. الخ
قال:
والعبد عندهم فليس بفاعل … بل فعله كتحرك الرجفان
كذب هذا الجاهل في قوله: إن العبد عندهم ليس بفاعل. ولكن مراده بذلك قولهم: إنه لا يخلق فعله، وليس بخالق والله سبحانه هو خالق أفعال العباد. فاعتقد هذا الجاهل(1) بسبب ذلك أنهم يقولون إنه ليس بفاعل. وكون العبد ليس بخالق حق، وكونه ليس بفاعل باطل، والفاعل من قام به الفعل والفعل قائم بذات العبد ، والخالق من أوجد الفعل ولا يوجده إلا الله. وقوله: كتحرك الرجفان جهل منه فإنه لم يفرِّق بين الجبر ومذهب الأشعري ثم قال:
__________
(1) أقل ما يقال في هذا الناظم أنه جاهل، فإذا طالعت ما ذكره في شفاء العليل عن كسب العبد تجده ينقل عن نظامية إمام الحرمين قوله في أفعال العباد فيسايره إلى أبعد حد، ثم يتراجع فيقع في أحط دركات الجبر، ثم يقع في المعتزلة وقيعة لا مزيد عليها ثم تجده يسبقهم في التجرؤ.
والحاصل أنه جمَّاع لآراء الناس من غير أن يعقلها على وجوهها، فيتخبط تخبط من به مس.
وهو يصور مناظرات خيالية بين سنى وجبري، وأخرى بين سنى وقدري في شفاء العليل يدس في خلالها أموراً ينقض بعضها بعضاً، وذلك كله من سوء فهمه وضغطه لذهنه بشتى الأنظار التي هو غير مستأهل لتحقيقها وتمحيص الحق من بينها، فتتشوه الحقائق في ذهنه وتكتسي أسمج الصور، كما هو شأن ما ينعكس في المرايا المحدبة والمقعرة, وشأن من اختلت بصيرته، نسأل الله العافية.
________________________________________
والله يصليه على ما ليس من … أفعاله حرَّ الحميم الآنِ
استمرَّ هذا الجاهل على جهله وكذبه. وكذلك قوله: (لكن يعاقبه على أفعاله) ثم قال: (والظلم عندهم المحال لذاته) نعم إن الله لا يظلم مثقال ذرة { وما ربك بظلام للعبيد } (1) وكيف يتصور الظلم والكل ملكه ثم قال: (أني ينزه عنه ويكون مدحاً ذلك التنزيه) قلنا يا جاهل اجترأت على الله وعلى عباده فلم تفرق بين الفعل والخلق وظننت بجهلك أنهما سواء وأنه لا يعاقب على فعله، وقلت: (ما هذا بمعقول لذي الأذهان) وأي ذهن لك حتى تعقل به وأنت عن تعقل أحكام الربوبية بمعزل؟ وهل مثلك ومثل من هو أكبر منك إلا كمثل الخفاش بالنسبة إلى ضوء النهار؟

فصل:
قال: وكذاك قالوا ما له من حكمة(2) هي غاية للأمر والإتقان
انظر هذه الجراءة والكذب والبهت على العلماء وما قال إنهم نسبوه إلى الله ثم قال:
__________
(1) الآية 46 من سورة فصلت.
(2) ولا قائل بذلك مطلقاً بين فِرَق المسلمين، الذين علموا من الدين بالضرورة أن الله عزيز حكيم.
وأما كون أفعال الله سبحانه غير معللة بالأغراض فليس من نفي الحكمة في شيء، بل من قبيل التهيب والاحتراز من القول بأن هناك غرضاً يحمل الله سبحانه على الفعل استحصالاً لذلك الغرض الذي لا يحصل إلا بذلك الفعل.
ولا يخفى أن هذا مما يجب الاحتراز منه لعدم ورود إطلاق مثل ذلك في الكتاب والسنة، ولما في ذلك من الاستكمال بالغير.
وأما قول محققي أهل الفقه بوجود حِكمٍ فيها مصالح ترجع إلى العباد سواء عقلناها أو لم نعقلها، فليس فيه ما يوجب التهيب، بل هو محض الصواب هذا عند القائلين بأن الله فاعل بالاختيار كما هو الحق.
وأما الذين يعدونه فاعلاً بالإيجاب كالفلاسفة فلا يتصورون هناك لا غرضاً ولا حكمةً، وليس المراد هنا بالوجوب الضرورة بشرط المحمول.
ومن الغريب أن ابن القيم قائل بالإيجاب حتى تراه يدافع عن أن الحوادث لا أول لها، ومع ذلك يرى أنها معللة بالأغراض وما هذا إلا تهاتر.
________________________________________
(ما ثم غير مشيئة قد رجحت … مثلاً على مثل بلا رجحان)
أبصر هذا الفدم البليد الفهم, ساء سمعاً فساء إجابة, كأنه سمع كلام الأشعرية فما فهمه وظن أنهم يقولون إن الأفعال كلها سواء بالنسبة إلى كل شيء وإن المشيئة رجحت بعضها على بعض مع تساويها وإنه ما ثم غير المشيئة وجعل المشيئة هي المرجحة ولم يذكر القدرة والتبس عليه الرجحان الحاصل في الفعل بالرجحان الذي هو موجب للفعل أو باعث عليه، ومن لا يكون اشتغل بشيء من العلوم كيف يتكلم في هذه الحقائق؟ ثم قال:
(هذا وما تلك المشيئة وصفه … بل ذاته أو فعله قولان)
ليتني ما شرعت في الكلام مع هذا … ينبغي أن يطالب بالقولين على هذه الصورة وبالقول بأنه ما تلك المشيئة وصفه وإنما سمع كلاماً إما من كلامهم وإما من شيخه فما فهمه هو أو ما فهمه شيخه وعبر عنه بهذه العبارة الرديئة، وإن أراد بهذا البيت المعتزلة فقد خلط كلام المعتزلة بكلام الأشعرية.
ثم قال: وكلامه مذ كان غيراً كان مخلوقاً به.
هذا بالنسبة إلى المعتزلة ثم قال:
(قالوا وإقرار العباد بأنه … خلاقهم هو منتهى الإيمان)
________________________________________
لم يقولوا كذلك، أما أولاً: فلأنه لابدَّ من الشهادتين، وأما ثانياً: فمنتهى الإيمان يشعر بالإيمان الكامل ولم يقل بهذا أحد، وأما ثالثاً: فقوله (فالناس في الإيمان شيء واحد) ليس مما يحسن(1) وأما رابعاً: فكما ذكره عن أبي جهل وغيره(2) أنه لم يكن فيهم منكر للخالق، يكفي في الردِّ عليه أن كلَّ من سمعه يتخذه ضحكة.
__________
(1) لأنه إن أراد أن الناس متساوون في الإيمان فهذا باطل؛ لأن من الناس من هو مؤمن ومن هو كافر، وإن أراد أن المؤمنين متساوون في الإيمان فلا يصح ذلك أيضاً فإن منهم من هو كامل الإيمان باستكمال العمل ومنهم من هو غير كامل الإيمان بإخلاله بالعمل وإن كانوا مستاوين في المؤمن به وفي الجزم المنافي لتجويز النقيض. على أن طريق حصول هذا الجزم مختلف في المؤمنين فيتفاوت إيمانهم باعتبار عدم قبوله الزوال أصلاً أو قبوله الزوال ببطء أو بسرعة، فالعامي الجازم معرض لزوال الإيمان بأدنى تشكيك والعالم الجازم بالبراهين يمكن زوال إيمانه بطروء شبهة، وإيمان الأنبياء لا يحتمل الزوال أصلا لأن طريق حصوله الوحي والمشاهدة.
(2) من عبدة الأوثان واليهود والنصارى وفرعون وقارون وهامان ونحوهم. ولو تذكر ابن القيم قول يوسف عليه السلام [كما حكى القرآن الكريم ] { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } وقول إبراهيم عليه السلام [كما حكى القرآن الكريم ] { أإفكا آلهة دون الله تريدون } وقول الكفار حينما دعاهم الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى كلمة التوحيد [كما حكى القرآن الكريم ] { أجعل الآلهة إلها واحداً } وقولهم في التلبية (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك) لاستحيا أن يفوه بذلك وبقوله:
هل كان فيهم منكر للخالق الـ…ـربِّ العظيم مكون الأكوان
فليبشروا ما فيهم من كافر … هم عند جهم كاملو الإيمان
= فأين توحيد الربوبية والألوهية من توحيد الخالقية والرازقية ؟ على تقدير تسليم شمول آية توحيد الخالقية لهم,بل الضمير في (ولئن سألتهم) بعيد عن العموم.
ومعتقد المؤمنين: أنه لا ربَّ ولا إله ولا خالق ولارازق سوى الله عزَّ وجلَّ، وهذا هو إيمان المؤمنين على رغم تقول الزائغين المائلين إلى الخوارج المستهجنين لمعتقد المؤمنين.
________________________________________
فصل:
قال: (وقضى- يعني جهما- وشيعته -الذين هم الأشعرية بزعمه- بأن الله كان معطلا، والفعل ممتنع بلا إمكان ثم استحال وصار مقدوراً له من غير أمر قام بالديان) مقصوده أن الله ما زال يفعل وهذا يستوجب(1) القول بقدم العالم وهو كفر.
فصل:
استنكار الناظم إعادة المعدوم … الخ
قال: (وقضى الله بأن يجعل خلقه عدما ويقلبه وجوداً ويعيد ذا المعدوم. هذا المعاد وذلك المبدأ لذي جهم وقد نسبوه للقرآن هذا الذي قاد ابن سينا والألى قالوا مقالته إلى الكفران لم تقبل الأذهان ذا، وتوهموا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – عناه بالإيمان، هذا كتاب الله أنى قاله أو عبده أو صحبه أو تابع، بل صرح الوحي بأنه مغير الأكوان وتحدث الأرض وتشهد أفيشهد العدم).
__________
(1) وهذا الاستلزام بيّن، وما يقال من أن لازم المذهب ليس بمذهب إنما هو فيما إذا كان اللزوم غير بيّن، فاللازم البيّن لمذهب العاقل مذهبٌ له، وأما من يقول بملزوم مع نفيه للازمه البين فلا يعد هذا اللازم مذهباً له لكن يسقطه هذا النفي من مرتبة العقلاء إلى درك الأنعام، وهذا هو التحقيق في لازم المذهب، فيدور أمر القائل بما يستلزم الكفر لزوماً بيناً بين أن يكون كافراً أو حماراً.
________________________________________
أجمع المسلمون على أن الله قادر على أن يعدم الخلق ثم يعيده وعلى أن إنكار ذلك كفر وجمهور المسلمين على أن الواقع ذلك لقوله تعالى { كل من عليها فان } (1) و { كل شيء هالك إلا وجهه } (2) وقيل إن الأجسام تتفرق ثم تعاد وقوله (أفيشهد العدم) أنحن قلنا تشهد وهي عدم إنما تشهد بعد الإعادة فانظر كلام هذا الجاهل وقوله (لم تقبل الأذهان ذا) إن كان ينكر إمكانه (وكونه مقدوراً لله) فهو كافر وإن لم ينكر إلا وقوعه فهو مذهب ضعيف. ثم قال (هذا الذي جاء الكتاب وسنة الهادي به، ما قال إن الله يعدم خلقه طراً كقول الجاهل الحيران) أقول: قد قال تعالى { كما بدأنا أول خلق نعيده } (3) ولو كانت الإعادة جمع الأجزاء بعد تفريقها أو الإتيان بغيرها لم تنطبق على الآية، فإن الآية تقتضي أن جميع ما بدأ به الخلق يعيده وإنما يكون كذلك إذا أعدمه ثم أعاده بعينه، والله قادر على ذلك وقال تعالى { وهو أهون عليه } (4) وإنما كان أهون بالنسبة إلى الشاهد لأن الإعادة في الشاهد فعل على مثال وهو أهون من الابتداء لأنه فعل على غير مثال مع اشتراكهما في الإخراج من العدم إلى الوجود.
وعند هذا المتخلف ما أخرج المعاد من العدم إلى الوجود بل من صفة إلى صفة يتعالى الله عن قوله، فهذا القول منه بما دل عليه من أن الإبراز من العدم إلى الوجود في الإعادة غير مقدور، كفر إلا إذا تأول على الوقوع مع الموافقة على الإمكان وليس ظاهر الكلام ففي قبول قوله إذا ادعاه نظر لأن هذا يتكرر وتكرير هذه الأمور يشبه الزندقة.

__________
(1) الآية: 26 من سورة الرحمن.
(2) الآية: 88 من سورة القصص.
(3) الآية: 104 من سورة الأنبياء.
(4) الآية: 27 من سورة الروم.
________________________________________
فصل:
زعم الناظم قيام الحوادث بالله
قال: (وقضى بأن الله ليس بفاعل فعلاً يقوم(1) به بلا برهان) مقصود الناظم أن الله يفعل فعلا في ذاته فيكون محلا للحوادث، تعالى الله عن قوله، فنسب إلى جهم خلاف قوله وأنه قول بلا برهان، وهذا الناظم لا يعرف حقيقة البرهان ثم قال: (والجبر مذهبه) إن أراد نفس جهم فهو ليس بموجود والكلام معه ضياع، وإن أراد الأشعري فقد كذب في قوله (إن الجبر مذهبه) ثم قال: (لكنهم حملوا ذنوبهم على رب العباد) هذا كذب أيضاً عليهم فإن الجبرية يقولون إن الله تعالى يعذب من يشاء بذنب وبغير ذنب، له ذلك { لا يسأل عما يفعل } (2) وقوله:
(وتبرأوا منها وقالوا إنها … أفعاله ما حيلة الإنسان)
__________
(1) قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر البغدادي في كتاب (الأسماء والصفات): إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفراً أو أدت إلى كفر، كمن زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حداً ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون… ولا إشكال لذي لب في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم إنه تعالى جسم له حد ونهاية من تحته وأنه مماس لعرشه وأنه محل الحوادث وأنه يحدث فيه قوله وإرادته اهـ، (راجع الفتاوى الحلبيات في أجوبة المؤلف عن 64 مسألة سأله عنها الشهاب الأذرعي).
وكثيراً ما ترى الناظم يلهج بقيام الأفعال الحادثة بالله تعالى وينطق بلوازم الجسمية والتشبيه بكل صراحة, وفي مثله قال القائل:
كم تزرع التشبيه في … سنخ القلوب فما انزرع
فاهجر دمشق وأهلها… واسكن ببصرى أو زرع
فهناك يمكن أن يصـ… ـدَّق ما تقول ويستمع
وحقُّ أمصار المسلمين أن لا تروج فيها أمثال تلك الأباطيل، وإن ترج فإنما تروج في مثل بصرى بلد ابن زكنون أو زرع بلد الناظم أو تلك القفار التي لا يشع فيها نور غير نور الشمس.
(2) الآية: 23 من سورة الأنبياء.
________________________________________
ما يتبرأ منها على هذه الصورة إلا ملحد، والذي يعتقد ذلك يقول إنه تعالى يفعل ما يشاء وأطال الناظم في هذا كثيراً بجهل وصبية أو تقليد لمن هو مثله ثم قال:
(وكذاك أفعال المهيمن لم تقم …أيضاً به خوفاً من الحدثان)
فإذا جمعت مقالتيه أنتجا … كذباً (وزوراً واضح البهتان)
يعني أن فعل العبد فعل الله وفعل الله ما هو في ذاته أنتجا بجهله ما يقوله وهو قوله:
(فهناك لا خلق ولا أمر ولا … وحي ولا تكليف عبد فان)
ما هذه إلا وقاحة وبلادة يأخذ ما يتوهمه لازماً فيستنتج وينكر على الناس إلزامه التجسيم اللازم، ثم قال:
(فانظر إلى تعطيله الأوصاف(1) والـ… أفعال والأسماء للرحمن)
يا جاهل من قال بحدوث الأفعال كيف يلزمه التعطيل؟ ثم قال:
(ماذا الذي في ضمن ذا التعطيل نفي ومن جحد ومن كفران)
إذا رجعنا إلى الخلاف بينك وبينه وجدناك كاذباً عليه ليس في القول بحدوث الأفعال لا نفي ولا جحود ولا كفران، ثم قال:
(لكنه أبدى المقالة هكذا … عِجلاً ليفتن أمة الثيران)
(وأتى إلى الكفر العظيم فصاغه … في قالب التنزيه للرحمن)
الله عند لسان كل قائل. الرجل إنما قال ذلك في قالب التنزيه ولم نعلم نحن باطنه فمن أين لك أنه قصد خلافه وصاغ الكفر عجلاً ثم قال:
__________
(1) والناظم المسكين قائل بحوادث لا أول لها انخداعاً منه بشبه أوردها الفلاسفة في بحث الحدوث، غير متصور اتصاف الله سبحانه بصفاته العليا قبل صدور الأفعال منه تعالى.
واستنكار شيخه (كان الله ولم يكن معه شيء) مما استبشعه ابن حجر في فتح الباري جد الاستبشاع.
وحدوث الأفعال فيما لا يزال لا يلزم منه تعطيل الصفات أصلاً، لا في زمن حدوث الأفعال ولا في غيره، وهو تعالى سريع الحساب وشديد العقاب قبل خلق الكون وقبل النشور، وهل يتصور عاقل أن يحاسب الله خلقه أو يعاقبه قبل أن يخلقهم !!؟
وهذا يهد مزاعم الناظم الذي يجرى الصفات على مجرى واحد، فالله القادر مختار يفعل ما يشاء متى شاء.
________________________________________
(فرآه ثيران الورى فأصابهم … كمصاب إخوتهم قديم زمان)
إن أراد طائفة لا وجود لها فما في ذكرها من فائدة، وإن أراد خصماءه من الأشعرية ونحوهم فيالها من مصيبة جعلهم ثيراناً إخوة اليهود ثم قال:
(عجلان قد فتنا العباد بصوته … إحداهما وبحرفه ذا الثاني)
وذكر أبياتاً إلى آخرها، والله أعلم أنه يقصد بها ربط قلوب الناس على أنه لا مسلم إلا هو وطائفته وسائر الناس كفار كاليهود الذين عبدوا العجل. فيا ترى من أحق بشبه من عبد العجل؟ المجسم أم غيره؟

فصل:
ثم قال:
(يا أيها الرجل المريد نجاته… (اسمع مقالة ناصح معوان)
واضرب بسيف الوحي كل معطل … ضرب المجاهد فوق كل بنان
(من ذا يبارز فليقدم نفسه … أو من يسابق يبد في الميدان)
ويلك من أنت؟ أو أنت تعرف المبارزة أو حضرت قط مبارزة أو ميداناً؟ ثم قال:
(لا تخش من كيد العدو ومكرهم… فقتالهم بالكذب والبهتانِ
فجنود أتباع الرسول ملائك … وجنودهم فعساكر الشيطان)
انظر كيف يقول عن خصومه وهم هداة العالمَ إنهم عساكر الشيطان وإن قتالهم بالكذب والبهتان ثم قال: (فإذا رأيت عصابة الإسلام قد وافت) يعني عصابة طائفته فانظر دلالته على كفر غيره (فإذا دعوك لغير حكمهما) يعني الكتاب والسنة (فلا سمعا لداعي الكفر والعصيان) فانظر إلى إيهامه العوام أن خصومه يدعون إلى غير الكتاب والسنة. ثم قال:
(واسمع نصيحة من له خبر بما… عند الورى من كثرة الجولان
ما عندهم والله خير غير ما … أخذوه عمن جاء بالقرآن)
نعم ولكنهم فهموه وأنت ما فهمته ثم قال:
(والكل بعد فبدعة أو فرية … أو بحث تشكيك ورأى فلان)
كأنه يصف طائفته.

فصل:
عقد مجلس خيالي.. كلامه في وحدة الوجود
وهذا أول عقد مجلس التحكيم قال:
واحكم إذاً في رفقة قد سافروا
فترافقوا في سيرهم وتفارقوا
فأتى فريق ثم قال وجدته … يبغون فاطر هذه الأكوان
عند افتراق الطرق بالحيران
هذا الوجود بعينه وعيان
________________________________________
فهو السماء بعينها وهو الغمام بعينه وهو الهواء بعينه، هذى بسائطه ومنه تركبت هذى المظاهر(1)
__________
(1) فتكون المظاهر على ما صوَّره الناظم محلاً له تعالى، تعالى الله عن ذلك، وأما كون الشيء مجلى لشيء فلا يفيد كونه محلاً له، فإن الظاهر في المرآة مثلاً خارج عنها بذاته قطعاً بخلاف الحال في محل، فإنه حاصل فيه، فالظهور غير الحلول فإن الظهور يجامع التنزيه بخلاف الحلول عند أشياع الشيخ الأكبر.
وأما كونه كلاًّ والكون جزءاً له على ما ذكره الناظم فعلى خلاف ما اشتهر عنهم أن العلم أعراض مجتمعة في عين واحد كالثلج مع الماء، تعالى الله عما يأفكون.
والواجب تعالى عندهم هو الوجود المحض المجرد عن الماهية، القائم بذاته المتعيّن بذاته، المطلق حتى عن قيد الإطلاق، بمعنى أنه واحد شخصي موجود بوجود هو نفسه فلا يكون المطلق عندهم بمعنى الكلى حتى يرد على ذلك ما أورده السعد في شرح المقاصد من تسعة أوجه.
وأول من نطق بوحدة الوجود في الإسلام- فيما نعلم- هو جهم بن صفوان، ولذلك ذهب إلى الجبر، فكم فتح هذا الرأي من أبواب للإباحة والزندقة على شرار الخلق.
وأما القول بأن الممكن الوجود كلا موجود بالنظر إلى واجب الوجود لاحتياجه إليه بدءاً ودواماً، فليس من الخطر في شيء كالقول بأن ذلك حالة خيالية تطرأ للسالك المقبل إلى الله بكليته ثم تنجلي كما ذكره السعد في شرح النسفية, والناظم في كثير من كتبه.
ومن الصوفية من يتصور مسألة الوجود بحيث لا يخل بالتكليف والتنزيه ويقول إنه طور وراء طور العقل، ولا كلام لنا فيما هو وراء طور العقل.
________________________________________
يلبسها ويخلعها وتكثر الموجود كالأعضاء في المحسوس أو كالقوى في النفس. هذه مقالة، أو كتكثر الأنواع في جنس فيكون كلياً وجزئياته هذا الوجود(1) فهذان قولان الأول نص الفصوص وما بعده قول ابن سبعين وما القولان عند العفيف التلمساني الذي هو غاية في الكفر إلا من الأغلاط في حس وفي وهم وتلك طبيعة الإنسان والكل شيء واحد) وأطال في أقوالهم.
فصل: قال:
(وأتى فريق ثم قال وجدته… بالذات موجوداً بكل(2)مكان
هو كالهواء بعينه لا عينه … ملأ الخلاء ولا يرى بعيان
والقوم ما صانوه عن بئر ولا … قبر ولا حش ولا أعطان
وعليهم رد الأئمة أحمد… وصحابه من كل ذي عرفان
فهم الخصوم لكل صاحب سنة… وهم الخصوم لمنزل القرآن)
فهؤلاء أيضا ًليس علينا منهم.
__________
(1) ولا وجود للكلى إلا في ضمن جزئياته، فيكون الواجب هو العالم وهو عين مذهب الطبيعيين على تصوير الناظم خذلهم الله، على أن هذا التصوير يخالف ما قرره ابن سبعين في بدء العرف فليراجع.
وترى شيخ الناظم ينسب إلى الصدر القونوي القول بأنه الموجود المطلق لا بشرط شيء، وإلى ابن سينا القول بأنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق فيعده نافياً للصانع باعتبار أن ما هو بشرط الإطلاق لا وجود له إلا في الأذهان، لكن الفلاسفة -ومنهم ابن سينا- يرون أن الواجب هو الوجود المقيد بقيد التجرد، بمعنى اللاعروض، وهو مبدأ الكون كله، فعلم أن شيخ الناظم لم يحك كلام ابن سينا على الوجه، وتغابى عن فهمه كما سبق مثل ذلك. ورأي الصدر القونوي يظهر من مفتاحه.
والحاصل أن بحث وحدة الوجود بحث خطر متشعب، والموفق من وقاه الله شره، وممن توسع في رد ذلك القاضي عضد الدين في المواقف.
(2) وهذا بظاهره قول بالتجسيم، كقول من يقول إنه مستقر على العرش، وإن كان مراده أنه لا يوصف بمكان دون مكان، بل نسبته إلى الأمكنة على حد سواء لتعاليه عن الجهات، فهو قول متكلمي أهل السنة والمعتزلة، ولعل هذا اللفظ لفظُ من حكى هذا المذهب تشنيعاً.
وأما إن كان بياناً لمذهب جهم على خلل في اللفظ فهو داخل في الفريق القائل بوحدة الوجود، فلا وجه لإفراده بكل حال. ونسبة كتاب (الرد على الجهمية) الذي فيه الرد على هؤلاء إلى أحمد نسبة كاذبة، وراويه الخضر بن المثنى مجهول، وقد أنصف الذهبي حيث قال: (وفي النفس شيء من صحة هذه النسبة)، ويقول الناظم في عزوه: إن الخضر المذكور عرفه الخلاَّل. لكن لو كان بمثل هذا القول تزول الجهالة لما وجد بين الرواة مجهول أصلاً.
على أن نظرنا إلى الخلال وغلامه ليس كنظر الناظم وشيخه إليهما، فضلاً عمن دونهما في السند من مقلدة الحشوية، بل في متن (الرد على الجهمية) ما يجل مقدار أحمد عن أن يفوه بمثله جزماً.
________________________________________
فصل: ثم قال:
(وأتى فريق(1) ثم قارب وصفه… هذا ولكن جد في الكفران
فأسرَّ قول معطل ومكذب … في قالب التنزيه للرحمن
إذ قال ليس بداخل فينا ولا … هو خارج عن جملة الأكوان
بل قال ليس ببائن عنها ولا …فيها ولا هو عينها ببيان
كلا ولا فوق السموات العلى … والعرش من رب ولا رحمان
والعرش ليس عليه معبود سوى … العدم الذي لا شيء في الأعيان
بل حظه من ربه حظ الثرى … منه وحظ قواعد البنيان
لو كان فوق العرش كان كهذه ال… أجسام سبحان العظيم الشان)
يعني أن هذا من قولهم، ثم قال:
(ولقد وجدت لفاضل منهم مقاماً قامه في الناس منذ زمان)
في قوله – صلى الله عليه وسلم -: (لا تفضلوني على يونس) قد كان يونس في قرار البحر ومحمد صعد السماء وجاوز السبع الطباق، وكلاهما في قربه من ربه سبحانه إذ ذاك مستويان.
فاحمد إلهك أيها السني إذ… عافاك من تحريف ذي بهتان
والله ما يرضى بهذا خائف … من ربه أمسى على الإيمان
هذا هو الإلحاد حقاً بل …هو التحريف محضاً أبرد الهذيان
والله ما بلي المجسم قط ذى الب…لوى ولا أمسى بذي الخذلان
أمثال ذا التأويل أفسد هذه الـ … أديان حين سرى إلى الأديان
والفاضل الذي أشار إليه(2)
__________
(1) وهم أهل السنة خصوم كل مجسم وزائغ، وهم يقولون إنه لا يقال إن الله في داخل العالم، كما لا يقال إنه في خارج العالم، ولا إنه مستقر على العرش لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولأن ذلك شأن الأجسام، ومن جوَّز في معبودة الدخول والخروج والاستقرار فهو عابد وثن، ويؤيدهم البراهين والآيات الواردة في التنزيه، وليس للمشبهة شبه شبهة في ذلك كما سيأتي رغم أنف هذا الناظم الزائغ.
(2) وهنا بياض في أصل المؤلف، والمراد بذلك الفاضل هو إمام الحرمين عبد الملك بن عبدالله بن يوسف الجويني.
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم منهم ابن فرح القرطبي في تذكرته رواية عن القاضي أبي بكر العربي عن غير واحد من أصحاب إمام الحرمين عنه ما معناه: أن ذا حاجة حضر عنده وشكا من دين ركبه، فأشار إليه بالمكث لعل الله يفرج عنه، وفي أثناء ذلك حضر غني يسأله عن الحجة في تنزه الله سبحانه عن الجهة فقال إمام الحرمين: الأدلة على هذا كثيرة جداً، منها نهيه – صلى الله عليه وسلم – عن تفضيله على يونس عليه السلام، فصعب فهم وجه دلالة ذلك على الحضور، فسأله السائل عن وجه الدلالة فقال إمام الحرمين: حتى تقضي حاجة هذا- مشيراً إلى صاحب الدين – فتولى قضاء دينه، ثم أجاب الإمام قائلاً: إن هذا الحديث يدل على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو عند سدرة المنتهى لم يكن بأقرب إلى الله من يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت في قعر البحر، فدل على أنه تعالى منزه عن الجهات. وإلا لما صح النهي عن التفضيل، فاستحسنه الحاضرون غاية الاستحسان.
ولفظ البخاري (لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى) والمعنى واحد، وذكره القاضي عياض في الشفاء على لفظ المؤلف.
ومن أطلق الكفر على إثبات الجهة في غاية من الكثرة بين الأئمة. ومن الدليل على تنزه الله سبحانه عن الجهة حديث (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) أخرجه النسائي وغيره.
________________________________________
… وتفسيره للحديث المذكور بما قاله صحيح، وقد سبقه إليه إمام دار الهجرة نجم العلماء أمير المؤمنين في الحديث، عالم المدينة أبو عبد الله مالك بن أنس ؛حكى ذلك الفقيه الإمام العلامة قاضي قضاة الإسكندرية ناصر الدين بن المنير المالكي(1) الفقيه المفسر النحوي الأصولي الخطيب الأديب البارع في علوم كثيرة في كتابه (المقتفى في شرف المصطفى) لما تكلم على الجهة وقرر نفيها؛ قال: ولهذا المعنى أشار مالك رحمه الله في قوله – صلى الله عليه وسلم -: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقال مالك: إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه لأنه – صلى الله عليه وسلم – رفع إلى العرش، ويونس عليه السلام هبط إلى قابوس البحر، ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق جل جلاله نسبة واحدة! ولو كان الفضل بالمكان لكان عليه الصلاة والسلام أقرب من يونس بن متى وأفضل مكانا، ولما نهى عن ذلك. ثم أخذ الفقيه ناصر الدين يبدي أن الفضل بالمكانة لأن العرش في الرفيق الأعلى، فهو أفضل من السفل، فالفضل بالمكانة لا بالمكان، فانظر أن مالكا – رضي الله عنه – - وناهيك به- قد فسر الحديث بما قال هذا المتخلف النحس، إنه إلحاد، فهو الملحد عليه لعنة الله(2) ما أوقحه وما أكثر تجرأه ؟! أخزاه الله.
فصل
__________
(1) صاحب (البحر الكبير في نخب التفسير) الذي يقول عنه بعض المحققين إنه لم يؤلف في التفسير مثله، وهو من مفاخر المالكية في القرن السابع، بل من مفاخر علماء الإسلام طرا، ويوجد بدار الكتب المصرية جزء من هذا التفسير وكتابه المقتفى يتوسع في بيان الإسراء.
(2) ترى المؤلف على ورعه البالغ يستنزل اللعنات على الناظم في كثير من مواضع هذا الكتاب، وهو يستحق تلك اللعنات من حيث خروجه على معتقد المسلمين بتلك المخازي، لكن الخاتمة مجهولة، فالأولى كف اللسان الآن عن اللعن. وأما استنزال المؤلف اللعنة عليه فكان في حياة الناظم وهو يمضي على زيغه وإضلاله عامله الله بعدله.
________________________________________
الفوقية الحسية … الخ
ثم قال:
(وأتى فريق ثم قارب وصفه
قال اسمعوا يا قوم لا تلهيكم … هذا وزاد عليه في الميزان
هذي الأماني هن شر أماني
أتعبت راحلتي وفتشت، ما دلني أحد عليه إلا طوائف بالحديث تمسكت تعزي مذاهبها إلى القرآن، قالوا: الذي تبغيه فوق عباده(1)
__________
(1) والوارد في القرآن الكريم { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] ومن الخرق أن يظن من قوله تعالى عن القبط { وإنا فوقهم قاهرون } [الأعراف: 127] ركوب القبط على أكتاف بني إسرائيل مع إمكان ركوب جسم على جسم، وكيف يتصور ذلك في الله تعالى المنزه عن الجسم ولوازم الجسمية؛ واعتبار ذات الله فوق عباده فوقية مكانية إلحادٌ ليس من مدلول الآية في شيء.
وكون ذاته جل جلاله فوق إحدى السماوات فوقية مكانية وفوق كل مكان فوقية مكانية مثل ما سبق في الزيغ، وأين في القرآن ما يوهم ذلك ؟ على أن القول الأخير موافقة منه لمن يقول: إن ذاته جل شأنه بكل مكان وكفى هذا تهاتراً، وإن كان يريد الاستواء الاستقرار تبعاً لمقاتل بن سليمان شيخ المجسمة فقد استعجمت عليه الآية الكريمة وتباعد عن بلاغتها أيما تباعد.
وقد أوضحتُ ذلك في (لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ).
ونسبة الصعود إلى الأعراض والمعاني من الدليل في أول نظر على أنه مجاز من القبول؛ وماذا من نزول الملائكة من السموات وعروجهم إليها، وإليه تعالى قصد السائلين، لكن رفعهم الأيدي إلى السماء ليس في شيء من الدلالة على استقرار وجود ذاته في السماء وإنما ذلك لمجرد أن السماء قبلة الدعاء ومنزل الأنوار والأمطار والخيرات والبركات { وفي السماء رزقكم } [الذاريات: 22].
وسمت الرأس مما يتبدل آناً فأنا كما يعرف ذلك صغار التلاميذ في المدارس، فهل ذات معبود الناظم في تنقل دائم لايبرح سمت رأسه؟! وما حال سائر الداعين في أقطار الأرض؟ وهذا هو الجهل المطبق.
لم يكن إسراء النبي – صلى الله عليه وسلم – ليغشى مكان الله -سبحانه عن المكان- بل أسرى به ربه ليريه من آياته الكبرى كما نص على ذلك القرآن؛ ومقام عيسى عليه السلام يظهر من حديث المعراج؛ فويح الناظم ما أجهله بالسنة.
نعم يوجد بين النصارى من يزعم أن الابن رفع إلى السماء وجلس في جنب أبيه، تعالى الله عما يقول المجسمة وإخوانهم النصارى واليهود علواً كبيراً، وصعود الأرواح إلى السماء مَن الذي يراه صالحاً لاتخاذه دليلا على التجسيم ؟
________________________________________
فوق السماء وفوق كل مكان وهو الذي حقا على العرش استوى وإليه يصعد كل قول طيب وإليه يرفع سعى ذي الشكران، والروح والأملاك منه تنزلت وإليه تعرج وإليه أيدي السائلين توجهت، وإليه قد عرج الرسول – صلى الله عليه وسلم – وإليه قد رفع المسيح حقيقة وإليه يصعد روح كل مصدق، لكن أولو التعطيل منهم أصبحوا مرضى بداء الجهل والخذلان.
تسمية الناظم أهل الحق بحزب جنكز خان
فسألت عنهم رفقتي أصحاب جهم حزب(1) جنكسخان مَن هؤلاء؟ قال مشبهة مجسمة(2)
__________
(1) انظر هذا الحشوي كيف يجعل أهل السنة المنزهين لله عن الجسم والجسمانيات من حزب جنكزخان الذي اكتسح معالم الإسلام من بلاد الصين إلى حدود الشام غرباً وإلى نهر ولجا وما والاها من بلاد البلغار القديم شمالاً، ذلك الكافر العريق في الكفر، المسود لتاريخ البشرية بعظائمه الهمجية. ولم تزل أعين المسلمين تفيض دمَاً على تلك الكوارث التي قضت على تلك العلوم الزاهرة وعلى هؤلاء العلماء النبهاء حراس الشريعة الغراء، حتى أصبح مثل الناظم يجد مجالا للكلام، بمثل هذه المخازي، كأنه وشيخه كانا يحاولان القضاء على البقية الباقية من الإسلام، ومن علوم الإسلام، إتماماً لما لم يتم بأيدي المغول، لكنهما قضيا على أنفسهما ومداركهما قبل أن يقضيا على السنة باسم السنة وعلى عقول الناس باسم النظر؛ عاملهما الله سبحانه وبعدله.
(2) يسعى الناظم بكل قواه في تهوين أمر التجسيم أسوة بشيخه، لكن القائلين بقدم الجسم طائفتان ليس بين طوائف البشر أسخف أحلاماً من كلتا الطائفتين: إحداهما الطبيعيون وقد تسمى الملاحدة والزنادقة والدهرية والمعطلة وهم القائلون بنفي الصانع، وهم كما يقول المطهر المقدسي أقل الناس عدداً وأفيلهم رأيا، وأشرهم حالا, وأوضعهم منزلة؛ يقولون بقدم أعيان العالم والأجسام وتولد النبات والحيوان من الطبائع باختلاف الأزمنة.
والثانية: المجسمة وقد تسمى الحشوية والمشبهة على اختلاف بينهم فيما يختلقونه في الله من السخافات والحماقات، تعالى الله عما يصفون. وهم مشاركون لهؤلاء في القول بجسم قديم قدماً ذاتياً، إلا أنهم يؤلهونه ويتعبدونه بخلاف هؤلاء، سواء أطلقوا لفظ الجسم عليه أم لم يطلقوا بعد أن قالوا بمعنى الجسم الشاغل للفراغ، الذاهب في الجهات، حيث خاضوا في ذات الله سبحانه بعقولهم الضئيلة التي تعجز عن اكتناه ذوات المخلوقات؛ وإنما علمهم بالمخلوقات عبارة عما تخيلوه بشأنها من إحساسهم بأغراضها، فكيف يجترئون على تخيل الحوم حول حمى الخالق جل وعلا.
قال ابن تيمية في التأسيس في رد أساس التقديس المحفوظ في ظاهرية دمشق في ضمن المجلد رقم 25 من الكواكب الدراري- وهذا الكتاب مخبأة ووكر لكتبهم في التجسيم وقد بينت ذلك فيما علقته على المصعد الأحمد (ص31): ( فمن المعلوم أن الكتاب والسنة والإجماع لم ينطق بأن الأجسام كلها محدثة وأن الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة) اهـ.
وقال في موضع آخر منه: ( قلتم ليس هو بجسم، ولا جوهر, ولا متحيز, ولا في جهة ولا يشار إليه بحس ولا يتميز منه شيء؛ وعبرتم عن ذلك بأنه تعالى ليس بمنقسم ولا مركب وأنه لا حد له ولا غاية، تريدون بذلك أنه يمتنع عليه أن يكون له حد وقدر أو يكون له قدر لا يتناهى.. فكيف ساغ لكم هذا النفي بلا كتاب ولا سنة) اهـ، وفي ذلك عِبَر للمعتبر، وهل يتصور لمارقٍ أن يكون أصرح من هذا بين قوم مسلمين ؟
________________________________________
فلا تسمع قولهم والعنهم وأحكم بسفك دمائهم فهم أضل من اليهود والنصارى، واحذر تجادلهم بـ (قال الله وقال الرسول) وهم أولى به، فإذا ابتليت بهم فغالطهم على التأويل للأخبار والقرآن، وعلى التكذيب للإحاد.
هذان أصلان أوصى بهما أشياخنا أشياخهم، وإذا اجتمعت بهم في مجلس فابدأ بإيراد وشغل زمان؛ لا يملكوه عليك بالآثار وتفسير القرآن، فإن وافقت صرت مثلهم، وإن عارضت صرت زنديقا كافراً، وإن سكت يقال جاهل، فابدأ ولو بالفشر والهذيان هذا الذي – والله -(1) وصانا به أشياخنا فرجعت عن سفري وقلت لصاحبي: عطل ركابك ما ثم شيء غير ذي الأكوان، لو كان للأكوان رب خالق كان المجسم صاحب البرهان أو كان رب بائن عن ذا الورى، كان المجسم صاحب الإيمان. فدع التكاليف واخلع عذارك ما ثم فوق العرش من رب، ولم يتكلم الرحمن بالقرآن لو كان فوق العرش رب لزم التحيز ولو كان القرآن عين كلامه حرفاً وصوتاً(2)
__________
(1) ثم انظر كيف يحلف كذباً على هذه المحاورة الخيالية، فهل يتصور أن يصدر منه مثل ذلك لو كان يخاف مقام ربه في ذلك اليوم الرهيب، وسيأتي ما يقضي على مزاعمه في استقرار معبودة على العرش-جلَّ إلهُ المسلمين عن مثل هذه الوثنية- كما سيأتي القضاء على مزاعمه في الحرف والصوت قضاء لا نهوض لها بعده إن شاء الله تعالى.
(2) واعتقاد الصوت في كلام الله خطر جداً، وكان الإمام عز الدين بن عبد السلام ابتلي بالمبتدعة الصوتية في عهد الملك الأشرف موسى, ابن الملك العادل الأيوبي، وكان الملك الأشرف هذا يميل إليهم ويعتقد فيهم أنهم على صواب حيث كان يخالطهم منذ صغره حتى منع العز المذكور من الإفتاء بسبب هذه المسألة كما هو مشروح مفصل في مطلب الأديب لأبي بكر بن علي الحسيني السيوطي، وفي طبقات التاج ابن السبكي وطبقات التقي التميمي، وفي خلاصة الكلام في مسألة الكلام للشيخ محمد عبد اللطيف ابن العز المذكور-وقد نقلت الرسالة الأخيرة من خط المؤلف-.
واستمر منعه من الإفتاء إلى أن ركب الإمام الكبير جمال الدين الحصيري- شارح الجامع الكبير، وشيخ الفقهاء في عصره- وتوجه إلى الملك الأشرف وأفهمه أن الحق مع العز، وقال له: إن ما في فتياه هو اعتقاد المسلمين وكل ما فيها صحيح ومن خالف ذلك فهو حمار.
وكان الجمال الحصيري عظيم المنزلة عند الملك لجلالة قدره عند جماهير أهل العلم، فأطلق الإفتاء للعز ومنع الصوتية من مزاعم الحرف والصوت في كلام الله سبحانه.
[فتاوى في الرد على القائلين بالحرف والصوت]
وأرى من النصح للمسلمين أن أنقل هنا أجوبة الإمام العز بن عبد السلام والإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي، والإمام علم الدين أبي الحسن على بن محمد السخاوي, مؤلف “جمال القراء وكمال الإقراء” حينما استفتوا في هذه المسألة، ومكانتهم السامية في العلم معروفة.
ونص السؤال والأجوبة كما هو مدون في “نجم المهتدي ورجم المعتدي” للفخر بن المعلم القرشي كالآتي:
صورة السؤال: ما يقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في كلام الله القديم القائم بذاته؟ هل يجوز أن يقال إنه عين صوت القارئ وحروفه المقطعة، وعين الأشكال التي يصورها الكاتب في المصحف؟ وهل يجوز أن يقال إن كلام الله القديم القائم بذاته حروف وأصوات على المعنى الظاهر فيها وإنه عين ما جعله الله معجزة لرسوله – صلى الله عليه وسلم – ؟ وما الذي يجب على من اعتقد جميع ذلك وأذاعه وغرّ به ضعفاء المسلمين ؟ وهل يحل للعلماء المعتبرين إذا علموا أن ذلك قد شاع أن يسكتوا عن بيان الحق في ذلك وإظهاره والرد على من أظهر ذلك واعتقد ؟ أفتونا مأجورين.
صورة جواب الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله:
القرآن كلام الله صفة من صفاته قديم بقدمه، ليس بحروف ولا أصوات ومن زعم أن الوصف القديم هو عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحدَ في الدين وخالف إجماع المسلمين، بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين، ولا يحل للعلماء كتمان الحق ولا ترك البدع سارية في المسلمين، ويجب على ولاة الأمر إعانة العلماء المنزهين الموحدين، وقمع المبتدعة المشبهين المجسمين.
ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جهل حقيقتها.
ولا يحل لولاة الأمر تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين، ويجب عليهم أن يلزموهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء المعتبرين، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضرب والتعزير، والله أعلم.
كتبه عبد العزيز بن عبد السلام
وصورة جواب الإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي:
من زعم أن أصوات القارئ وحروفه المتقطعة والأشكال التي يصورها الكاتب في المصحف هي نفس كلام الله تعالى القديم فقد ارتكب بدعة عظيمة وخالف الضرورة وسقطت مكالمته في المناظرة فيه، ولا يستقيم أن يقال: إن كلام الله تعالى القديم القائم بذاته هو الذي جعله الله معجزة لرسوله- صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك يعلم بأدنى نظر، وإذا شاع ذلك أو سئل عنه العلماء وجب عليهم بيان الحق في ذلك وإظهاره ويجب على من له الأمر وفقه الله أخذ من يعتقد ذلك ويغر به ضعفاء المسلمين وزجره وتأديبه وحبسه عن مخالطة من يخاف منه إضلاله إلى أن يظهر توبته عن اعتقاد مثل هذه الخرافات التي تأباها العقول السليمة، والله أعلم.
كتب عثمان بن أبي بكر الحاجب
وصورة جواب الإمام علم الدين أبي الحسن علي السخاوي:
كلام الله عز وجل قديم صفة من صفاته ليس بمخلوق، وأصوات القراء وحروف المصاحف أمر خارج عن ذلك، ولهذا يقال: صوت قبيح وقراءة غير حسنة وخط قبيح غير جيد، ولو كان ذلك كلام الله لم يجز ذمُّه على ما ذكر؛ لأن أصوات القراء به تختلف باختلاف مخارجها والله تعالى منزه عن ذلك.
والقرآن عندنا مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب محفوظ في الصدور غير حال في شيء من ذلك، والمصحف عندنا معظم محترم لا يجوز للمحدث مسه، ومن استخف به أو ازدراه فهو كافر مباح الدم.
والصفة القديمة القائمة بذاته سبحانه وتعالى ليست المعجزة، لأن المعجزة ما تحدى به الرسول – صلى الله عليه وسلم – وطالب بالإتيان بمثله ومعلوم أنه لم يتحدهم بصفة الباري القديمة، ولا طالبهم بالإتيان بمثلها، ومن اعتقد ذلك وصرح به أو دعا إليه فهو ضال مبتدع، بل خارج عما عليه العقلاء إلى تخليط المجانين، والواجب على علماء المسلمين إذا ظهرت هذه البدعة إخمادها وتبيين الحق والله أعلم،
علي السخاوي
انظر يا رعاك الله كيف كان العلماء يتكاتفون في قمع البدع وإحقاق الحق على اختلاف مذاهبهم في تلك العصور الزاهرة، بخلاف غالب أهل العلم في زماننا هذا، فإن لهم منازع وراء اختلاف المذاهب لا يهمهم ذيوع الباطل وقد خانوا دينهم الذي ائتمنهم الله عليه، وبه يعيشون، ويوم الخائنين يوم رهيب.
وكانت تلك الفتنة بالشام في النصف الأول من القرن السابع الهجري، وقد وقع مثلها في النصف الأخير من القرن السادس بمصر، وفتنة القاهرة معروفة بفتنة ابن مرزوق وابن الكيزاني وكلاهما من حشوية الحنابلة، وظن التاج ابن السبكي ابن الكيزاني من الشافعية فترجم له في طبقاته تبعاً لابن خلكان، فلا بأس في الإشارة هنا إلى فتاوى علماء ذلك العصر في حقهما.
وصورة الاستفتاء في شأنهما:
ما قولكم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله سبحانه يتكلم بحرف وصوت، تعالى الله عن ذلك، وأن أفعال العباد قديمة، هل تنفذ أحكامهم على أهل التوحيد وعامة المسلمين وهل تقبل شهادتهم على المسلمين أم لا؟
جواب الإمام شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود الطوسي الشافعي (صاحب الوقائع مع ابن نجية الحنبلي):
تقبل شهادة عدو لهم على أصحابهم ولا تسمع شهاداتهم على أهل الحق من الموحدين ولا ينفذ حكم قاضيهم على الموحدين فإنهم أعداء الحق – والله أعلم.
كتبه محمد الطوسي
وجواب الإمام يوسف الأرموي:
ما نص عليهم أعلاه اقترفوا حوبة عظيمة يجب عليهم القفول عما اعتقدوه، وهم كفار عند أكثر المتكلمين وكيف يسوغ قبول أقوالهم؟ ويجب على مَنْ إليه الأمر إحضارهم واستتابتهم عمَّا هم عليه، فإن تابوا وإلا قتلوا، وحكمهم في الاستتابة حكم المرتد في إمهاله ثلاثة أيام ولا يقتل في الحال.
كتبه يوسف الأرموي
وجواب الخطيب أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحموي:
من اعتقد أن أفعال العباد قديمة فقد قال قولا يلزم منه القول بقدم العالم ومن قال بقدم العالم فهو كافر لا تصح ولايته ولا تقبل شهادته والله أعلم،
كتبه محمد بن إبراهيم الحموي
واستفتاء آخر صورته:
ما قول الفقهاء الأئمة قادة علماء هذه الأمة أدام الله إرشادهم ووفق إصدارهم وإيرادهم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني؛ اللذين يعتقدان أن الله سبحانه متكلم بحرف وصوت، وأن أفعال العباد قديمة، هل تقبل شهادتهم على أهل الحق الموحدين الأشعرية، وهل تنفذ أحكام قضائهم على الأشعرية أم لا؟
جواب الإمام أبي المنصور ظافر بن الحسين الأزدي المالكي:
لا تقبل شهادة من يقول: إن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت؛ لأنهم مرتكبون كبيرة هي أعظم من سائر المعاصي كالزنا وشرب الخمر لأنها كبيرة تتعلق بأصل من أصول الدين.
وكتب ظافر بن حين الأزدي
وجواب شارح المذهب أبي إسحاق إبراهيم العراقي
جوابي كذلك. كتبه إبراهيم العراقي
وجواب الخطيب محمد بن إبراهيم الحموي
من قال إن الله متكلم بحرف وصوت فقد قال قولاً يلزم منه أن الله جسم, ومن قال: إنه جسم فقد قال بحدوثه، ومن قال بحدوثه فقد كفر، والكافر لا تصح ولا تقبل شهادته، والله أعلم،
كتبه محمد بن إبراهيم الحموي
وجواب الشيخ جمال الدين بن رشيق المالكي:
لا تقبل شهادتهم ولا يجوز أن يولوا الحكم ولا غيره من المناصب الدينية، لأنهم بين جاهل يصر على جهله بما يتعين عليه اعتقاده من صفات الله سبحانه وبين عالم معاند للحق، ومن هذه صفته يتعين تأديبه وزجره عما صار إليه بأبلغ الأدب، ومن جملته رد الشهادة وبالله التوفيق،
كتب حسين بن عتيق بن رشيق
وجواب الشيخ محيى الدين محمد بن أبي بكر الفارسي:
من قال إن الله سبحانه متكلم بالصوت والحرف فقد أثبت الجسمية وصار بقوله مجسماً، والمجسم كافر، ومن قال إن أفعال العباد قديمة فقد كذب الله تعالى في قوله { والله خلقكم وما تعلمون } [الآية: 96 من سورة الصافات] ومكذب الله بصفة الإصرار كافر؛ ولا تثبت عدالتهم ولا تقبل شهادتهم ولا تجوز الصلاة خلفهم، ويجب على الإمام وعلى نوابه في الأقاليم استتابتهم، فإن لم يرجعوا عما هم فيه من الكفر يعاقبهم على كفرهم أو يقبل الجزية منهم أذلاء، لا كاليهود والنصارى بل كفرهم أشنع وأبشع من مقالة النصارى واليهود، أما اليهود فشبهوه بالحادث صفة، وأما النصارى فقالوا إنه جوهر شريف والمجسمة يثبتون الجسم لله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وكتب محمد الفارسي.
وفي تلك الفتاوى ما ينزجز به من يخاف مقام ربه من تلك البدع الشنيعة، وبها يعلم أيضاً أن أبا عمرو عثمان بن مرزوق الحنبلي وأبا عبد الله الكيزاني الحنبلي مشتركان في إثارة البدع المذكورة بمصر، ولا مانع من أن يكون بينهما بعض اختلاف في فرع من فروع تلك البدع، ومَنْ حاول تبرئة أحدهما منها فلا حجة عنده أصلاً.
وقد تكلف ابن رجب في طبقاته تبرئة ابن مرزوق عن ذلك بدون جدوى بعد أن أقر بذلك الناصح الحنبلي وابن القطيعي الحنبلي، ولو كان ابن رجب رأى تلك النصوص من فتاوى علماء عصر ابن مرزوق وابن الكيزاني المنقولة عن خطوطهم المحفوظة في خزانة الملك الظاهر بيبرس لما سعى في تبرئة ساحته من تلك البدعة الشنيعة.
ونسبة القول بتلك البدعة إلى ابن الكيزاني في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي لا تبرئ ابن مرزوق منها، على أن ابن رجب قال بعد ذلك: ثم وجدت لأبي عمرو بن مرزوق مصنفاً في أصول الدين، ورأيته يقول فيه إن الإيمان غير مخلوق، أقواله وأفعاله وإن حركات العباد مخلوقة، لكن القديم يظهر فيها كظهور الكلام في ألفاظ العباد اهـ.
هذا طراز آخر في التخريف !! يدل على أنه قائل بالحلول على مذهب السالمية؛ ومثله لا يمكن ترقيع كلامه.
ووقعت بين الفتنتين فتنة عبد الغني المقدسي الحنبلي في الصوت ونحوه كما في ذيل الروضتين لأبي شامة فليراجع هناك.
وما حدث في القرن الخامس ببغداد في عهد أبي نصر بن القشيري من فتنة الحشوية فمشهور جداً. والمحضر الذي رفعه أبو إسحاق الشيرازي والحسين بن محمد الطبري ومحمد بن أحمد الشاشي والحسين بن أحمد البغدادي وعزيزي بن عبد الملك شيذلة، وغيرهم من أئمة العصر عن تلك الفتنة بخطوطهم إلى نظام الملك، مسجل في تبيين كذب المفترى لابن عساكر (ص 310) فيراجع هناك، ليُعلم مبلغ سعي الحشوية في إثارة الفتن في كل قرن وذلك مما يعرق به جبين الدهر خجلاً من تخريفاتهم التي يتبرأ منها العقلاء كلهم.
وأما ما أحدثوه من الفتن في أوائل القرن الرابع من الدعوة إلى القول بإجلاس محمد – صلى الله عليه وسلم – على العرش في جنبه تعالى، فمدوَّن في كتب التاريخ.
والمرسوم الذي أصدره الراضي العباسي ضد البربهاري الداعي إلى تلك البدعة مسجل في تاريخ ابن الأثير بنصه وفصه، فليراجع القارئ الكريم هذا وذاك ليعلم نصيب الحشوية من العقل والدين وكلا الكتابين بمتناول الأيدي، فنستغني عن نقل نصوص عنهما.
وفي كل ما تقدم عبر، ويالها من عبر، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.
________________________________________
كان ذا جثمان، فإذا انتفيا ما الذي يبقى من إيمان؟ فدع الحلال مع الحرام لأهله، فهما السياج فاخرقه ثم أدخل واقطع علائقك التي قد قيدت هذا الورى لتصير حراً(1)
__________
(1) انظر هذا الخبث المضاعف، يصور الناظم أن القول بعدم استقرار الإله جل شأنه على العرش استقرار تمكُّن وبعدم كون كلام الله القائم بذاته حرفاً وصوتاً حادثين في ذاته تعالى يكون انحلالاً عن الدين وانسلاخاً من التكاليف!!
ولست أشك أن من يجترئ على هذا التصوير ويدور في خلده مثل هذا التفكير أمام جماهير أهل الحق المعتقدين للتنزيه من فجر الإسلام إلى اليوم في مشارق الأرض ومغاربها على طول القرون لا يكون إلا منطوياً على الانسلاخ الذي يرمي به أهل الحق- قاتله الله ما أجزأه على الله وما أوقحه!
فمن الذي نفى أن للعالم مدبراً وأن القرآن كلام الله أنزل به الروح الأمين على قلب رسوله – صلى الله عليه وسلم – ؟ ومن الذي يجهل أن الملء والتخلية من شأن الأجسام نفياً وإثباتاً ولم يرد الملء في سنة صحيحة حتى يجوز إطلاقه عليه سبحانه.
على أن تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازم الجسمية مما أجمع عليه أهل الحق، ولم يشك فيه سوى من عنده نزعة الوثنية.
ولفظ (بائن من خلقه) لم يرد في كتاب ولا سنة، وإنما أطلق من أطلق من السلف بمعنى نفي الممازجة رداً على جهم لا بمعنى الابتعاد بالمسافة، تعالى الله عن ذلك، كما صرح بذلك البيهقي في الأسماء والصفات.
وأما لفظ أنه فوق العرش فلم يرد مرفوعاً إلا في بعض طرق حديث الأوعال -من رواية ابن منده في التوحيد- وعبد الله بن عميرة في سنده مجهول الحال، ولم يدرك الأحنف فضلاً عن العباس. وسماك انفرد به عن عبد الله هذا، في جميع الطرق، ويحيى بن العلاء في رواية عبد الرزاق عن سماك يقول عنه أحمد: كذاب يضع الحديث.
وتصحيح بعض الحشوية لبعض طرق حديث الأوعال لا يزيل ما به سنداً ومتناً، بل خبر الأوعال ملفق من الإسرائيليات كما نص عليه أبو بكر ابن العربي في شرح سنن الترمذي؛ وأنت تعرف مبلغ براعته في الحديث ونقده.
وتحسين الترمذي بالنظر إلى تعدد طرقه بعد سماك، وهذا مصطلح له وقوله: غريب إشارة إلى انفراد سماك عن ذلك المجهول ولا شأن للمجاهيل والوحدان والمنقطعات في إثبات الصفات أصلاً ولم يثبت عن القدمين حديث مرفوع، وقول ابن عباس لإفادة أن الكرسي صغير بالنسبة إلى العرش ككرسي قد وضع لقدمي القاعد على السرير كما قال ابن الجوزي.
ورواية من رواه بلفظ (قدميه) تحريف للرواية؛ وتقييد الرؤية بلفظ (من فوق) من كيس المجسم بدون كتاب ولا سنة.
ووصفه سبحانه بالصفات الواردة في الكتاب والسنة لم ينفه أحد من أهل الحق، كما لم ينف أحد منهم كلام الله لموسى بلا كيف.
والإقعاد معه على العرش يروى عن مجاهد بطريق ضعيفة, وتفسير المقام المحمود بالشفاعة متواتر تواتراً معنوياً. وأني ما ينسب إلى مجاهد من ذاك؟ وقد صرح غير واحد من الأئمة ببطلان ما يروى عن مجاهد، ويرى بعض النصارى رفع عيسى عليه السلام وإقعاده في جنب أبيه وهذا هو مصدر هذا التخريف.
________________________________________
لست تحت أوامر ولا نهي ولا فرقانا، لكن جعلت حجاب نفسك إذا ترى، فوق السماء من ديان، لو قلت ما فوق السماء مدبر والعرش تخليه من الرحمن، والله ليس متكلما بالقرآن لحلك طلسمه وفزت بكنزه وعلمت أن الناس في هذيان، لكن زعمت أن ربك بائن من خلقه وأنه فوق العرش والكرسي وفوقه القدمان وأنه يسمع خلقه ويراهم من فوق وأن كلامه منه بدا وإليه(1) يعود ووصفته بالسمع والبصر والإرادة والقدرة وكراهة ومحبة وحنان، وأنه يعلم كل ما في الكون، وأنه كلم موسى، والنداء صوت بإجماع النحاة، وأن محمداً – صلى الله عليه وسلم – أسري به (ليلا إليه) فهو منه داني وأنه يدنيه يوم القيامة حتى يرى قاعداً معه على العرش وأن لعرشه أطيطا(2) وأن الله أبدى بعضه للطور، وأن له وجها وله يمين، بل زعمت يدان، وأن يديه للسبع العلى والأرض (يوم الحشر) قابضتان(3)
__________
(1) قال ابن المعلم القرشي: وهذا الحديث أوردوه بإسناد فيه محمد بن يحيى ابن رزين، قال أبو حاتم البستي: كان كذاباً دجالاً يضع الأحاديث اهـ، وزيادة على ما سبق سيأتي الكلام على الصوت فانتظره، ودعوى الإجماع في أن النداء صوت كذب كما سيأتي.
(2) ويغنينا عن إبداء وجوه التخليط في حديث الأطيط ما ألَّفه الحافظ ابن عساكر في ذلك، وإبداء بعضه للطور بمعنى إبداء بعض آيه. على أنه مما أدخل على حماد بن سلمة، تعالى الله سبحانه عن الأبعاض والأجزاء رغم أنف المجسمة، ويأتي الكلام على قبض السماوات.
(3) قال البخاري في تفسير قوله تعالى: { والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } [الزمر:67] إن أبا هريرة قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض” اهـ، وهذا هو أصل الحديث، وهو مروي بأسانيد كثيرة جداً وهو الموافق لكتاب الله سبحانه، واليمين: القدرة كما هو مبسوط في أساس التقديس، وحاشا أن يكون قبض الله من قبيل احتواء الأنامل على شيء، وما زاد على ذلك في الروايات من أنه يأخذ السماوات بيده اليمنى ويأخذ الأرض بشماله -وحاشا أن يكون له شمال وكلتا يديه يمين- فمن تصرفات الرواة أثناء النقل بالمعنى كما لا يخفى على أهل هذه الصناعة المستحضرين لأحاديث الباب ومبلغ اضطرابها سنداً ومتناً.
وأما حديث الحبر اليهودي في وضع أجزاء الكون على إصبع, فضحك النبي – صلى الله عليه وسلم – فيه لا يدل على تصديق ذلك وإن ظنه بعض الرواة تصديقاً -في بعض الطرق- بل يدل على الإنكار والاستهجان. وقد برهن ابن الجوزي في دفع الشبه وابن حجر في الفتح على أن ذلك إنكار لا تصديق رغم توهم ابن خزيمة كونه تصديقاً لزيغ مشهور في معتقده، كما سيأتي بيانه، بل نزول قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } أي تحت تصرف مالك يوم الدين لا يجرى لأحد سواه حكم في ذلك اليوم { والسماوات مطويات بيمينه } أي بقدرته لا حساب على سكانها بخلاف أهل الأرض فإنهم محاسبون { سبحانه وتعالى عما يشركون } [الزمر: 67] عقب حديث حبر اليهود دليل واضح على الإنكار وعلى أن إثباتهم الأصابع الحسية بالوجه السابق إشراك. قال الله تعالى: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } [فاطر:41] فمن الذي يظن أن ذلك بالمماسة !؟ وكذلك القبض، وإن هذى الشيخ محمد المنبجي الحنبلي تلميذ الناظم في جزء (إثبات المماسة) بما شاء من صنوف الهذيان، وكل ذلك من بلايا ابن تيمية حيث لفق الروايات في هذا الصدد وقال ما شاء أن يقوله في الأجوبة المصرية، وذكر ما ورد في بعض طرق الحديث وهو (وقبض كفيه فجعل يقبضهما ويبسطهما) ثم قال: “وهنا شبه القبض والبسط بقبضه وبسطه” اهـ.
وهذا تشبيه صريح من ابن تيمية { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [النحل:17] ومغالطة مكشوفة، واللفظ المذكور لم يقع إلا في بعض الروايات، والاضطراب في الحديث سنداً ومتناً, زيادةً ونقصاً ظاهر جداً لمن اطلع على طرقه بحيث لا يصح الاستدلال به، ولا سيما في مثل هذا المطلب.
وعلى فرض ثبوت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قبض كفيه وبسطهما أثناء الخطبة لم ينسب إليه – صلى الله عليه وسلم – في حديث أنه قال: هكذا يقبض ويبسط حتى يصح كلام ابن تيمية، بل البسط غير موجود فيما يروى عما يفعله سبحانه عند قيام الساعة حتى يظن به – صلى الله عليه وسلم – إذا قبض كفيه وبسطهما أنه أراد تشبيههما بقبض الله وبسطه، على أن الخطيب كثيراً ما تصدر منه حركات وإشارات أثناء الخطبة، وحملها على معان لم ينطق هو بها تقويل للخطيب ما لم يقله.
ومن الظاهر جداً أن الأرض تحتوي على الأنجاس والأرجاس فكيف يتصور أن يكون قبض الله كقبض أحد من خلقه حقيقةً بحيث يستلزم ذلك القبضَ على الأخباث والأرواث ؟ تعالى الله عن ذلك.
وهذا مما لا يتصوره من يخاف مقام ربه ولو كان جاهلاً باستحالة الجسمية على الله سبحانه. ولا نتعرض هنا لرواية كاتب الليث في الخبر، ولعل فيما ذكرنا كفاية.
________________________________________
وأن يمينه ملأى من الخير، وأن العدل في الأخرى وأن الخلق طرا عنده يهتز فوق أصابع(1)
__________
(1) الأصابع في كلام الحبر]
لم يرد في حديث وضع السماوات على أصبع إضافة الأصابع إلى الرحمن أصلاً، وهذا كذب وتصرف في الحديث بالتحريف والتغيير.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصم: وأما ذكر الأصابع فصحيح، ولكن لم ترد مضافة إليه تعالى وإنما ورد أنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع ثم يهزهن.. الحديث، ومن أين لهم أن أصابع الوضع المطلقة هي أصابع التقليب المضافة إليه ؟ اهـ.
على أن قول النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد أن قال الحبر ذلك { وما قدروا الله حق قدره } يدل على إنكار ما قاله الحبر كما قال ابن حجر في شرح البخاري رداً على ابن خزيمة -وتوحيد ابن خزيمة من أهيف الكتب، راجع تفسير { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] من تفسير الفخر الرازي-.
وما أخرجه الضياء الحنبلي من حديث الخنصر فباطل بالمرة، وفيه من العلل ما بيِّن في موضعه.
وليس في حديث الترمذي رفع حديث طرف الإبهام إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – على انفراد حماد بن سلمة به، بل نسبة ذلك إلى سليمان بن حرب أو حماد، قال ابن العربي: وتمثيل سليمان بن حرب وأمثاله ما تجلى للجبل بالأنملة لا ينظر إليه لأنه كلام غير معصوم ولا واجب الاتباع؛ فالأمر هين والمخرج عنه سهل بيّن اهـ.
فيا سبحان الله ما أجهل هذا الناظم بلسان قومه !! كيف يفهم من اليد معنى الجارحة ومن الضحك إبداء التواجذ، راجع القواصم لابن العربي، ودفع الشبه لابن الجوزي، والأسماء والصفات للبيهقي.
وقد روى القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة والقاضي عياض في الشفاء عن الإمام مالك بن أنس – رضي الله عنه – أنه كان يرى قطع يد من أشار بيده إلى عضو من أعضائه عند ذكر شيء ورد في الله سبحانه، حيث إن الإشارة إلى عضو عند ذاك تشبيه، تعالى الله عن ذلك.
وأما ما وقع في صحيح مسلم من حديث القبض باليمين والشمال فلم يخرجه البخاري لاضطراب عبد العزيز بن سلمة في سنده؛ لأنه يرويه مرة عن أبيه عن ابن مقسم عن ابن عمر كما وقع في رواية سعيد بن منصور، وأخرى عن أبيه عن عبيد بن عمير عن ابن عمر، كما في رواية القعنبي، وتارة أخرى عن أبيه عن عبيد بن عمير عن عبد الله ابن عمرو بن العاص كما في رواية يحيى بن بكير، فدلت تلك الأسانيد المختلفة على أن عبد العزيز لم يضبط السند كما يجب.
وحال المتن توازي حال السند.
ومسلم حيث ترجح عنده روايته بطريق ابن مقسم بالنظر إلى متابعة يعقوب بن عبد الرحمن القاري لعبد العزيز في روايته عن سلمة عن ابن مقسم خرَّجه في صحيحه، لكن ما يحتاج إلى متابع يكون منحط الرتبة في الصحة؛ بل من أحاط بأسانيد هذا الخبر في توحيد ابن خزيمة وحلية أبي نعيم يعده مضطرب السند والمتن معاً.
على أن ما يقع في المنبر أمام الجمهور تتوفر فيه الدواعي إلى روايته فكيف ينفرد برواية مثله راو واحد؟! وإن صح الاحتجاج بمثل ذلك فإنما يصح عند -عدم المعارض- في الأعمال فقط دون الاعتقاد.
على أن تلاوته – صلى الله عليه وسلم – قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره } عند ذكر حديث الحبر في الصحيح تعارضه إذا لم يحمل خبر مسلم على المجاز، فيوجد بين أهل العلم من لا يستدل بمثله في الأعمال فضلاً عن الاعتقاد، ومع هذا كله لا يحتج بما دون المشهور من الأحاديث في ذات الله وصفاته عند جمهور أهل الحق؛ فكيف يحتج بذلك الحديث في باب الاعتقاد وقد بينا بعض ما فيه ؟
________________________________________
الرحمن وأن قلب العبد بين اثنتين من أصابعه، وأنه يضحك عند تقابل الصفين من عبده أتي فيبدي نحره لعدوه، ويضحك عندما يثب الفتى من فرشه لقراءة القرآن، ومن قنوط عباده إذا جدبوا، وأنه يرضى ويغضب، وأنه يُسمع صوته(1) ويشرق نوره يوم الفصل ويكشف ساقه(2)
__________
(1) وحديث جابر المعلَّق في صحيح البخاري مع ضعفه في سياق ما بعده من حديث أبي سعيد ما يدل على أن المنادي غير الله حيث يقول: (… فينادى بصوت إن الله يأمرك..) فيكون الإسناد مجازياً. على أن الناظم ساق في حادي الأرواح بطريق الدارقطني حديثاً فيه (يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت…) وهذا نص من النبي – صلى الله عليه وسلم – على أن الإسناد في الحديث السابق مجازي، وهكذا يخرب الناظم بيته بيده وبأيدي المسلمين.
وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت فليراجع ثمت.
(2) وفي القرآن { يوم يكشف عن ساق } [القلم: 42] بدون ضمير، وذلك استعارة عن الشدة كما ذكره الفرَّاء وابن قتيبة وابن الجوزي.
وذكر الإسماعيلي في مستخرجه أن رواية حفص بن ميسرة (يكشف ربنا عن ساق) بدون ضمير وروايته بالضمير منكرة، راجع ما كتبناه على دفع الشبه لابن الجوزي.
ومن عادة الحشوية حمل المجاز المشهور على الحقيقة باختلاق رواية حول ذلك وإلقائها على ألسنة الرواة، وتصرفات المجسمة هنا من هذا القبيل.
وإني أنقل للقارئ بليةً من بلايا المجسمة تُفهمه إلى أي حد يصل جنون هؤلاء، وقد رأينا في بعض كتب روافضهم أن فاطمة رضي الله عنها تحمل قميص حسين عليه السلام في يوم القيامة وتقول لله سبحانه وهو جالس على عرشه: هذا ما فعلته الأمة بابني سبط الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ويكشف الله سبحانه إذ ذاك عن ساقه فإذا هي مربوطة برباط ويقول ماذا أنا فاعل إزاء هذا وهم قد فعلوا بي ما ترونه؟ ويعللون هذا بما فعله نمروذ من توجيهه الرمي إلى السماء ليقتل إله إبراهيم عليه السلام فاهمين أن سهمه أصاب ساق الله فبقيت مربوطة من أثر الجرح في ذلك اليوم!!
فهل رأى القارئ كفراً أشنع من هذا وأبعد من هيبة الرب سبحانه وتقديره حق قدره وأدل على ذهاب العقول؟ قاتلهم الله.
________________________________________
ويبسط كفه ويمينه تطوي السماء وينزل(1) في الدجى في الثلث الأخير والثلث الثاني وأن له نزولا(2) ثانياً يوم القيامة للقضاء وأنه يبدو جهرة لعباده حتى يرونه ويسمعون كلامه وأن له قدماً(3) وأنه واضعها على النيران وأن الناس كل منهم يخاصر(4)
__________
(1) قال ابن حزم في الفِصَل: إن ثلث الليل مختلف في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه، فصح ضرورة أنه فِعل يفعله ربنا في ذلك الوقت لأهل كل أفق، وأما جعل ذلك نقلةً فقد قدمنا بطلان قوله في إبطال القول بالتجسيم اهـ.
وفي بعض طرق الحديث ما يعين أنه إسناد مجازي، ففي سنن النسائي (أن الله يأمر ملكا ينادي…) وفي شرحي البدر العيني وابن حجر على البخاري بسط واف في المسألة.
(2) ولفظ التنزيل { وجاء ربك } [الفجر: 22] قال أحمد: أمره، وقد بينه في قوله تعالى: { أو يأتي أمر ربك } [النحل: 33] رواه ابن حزم وأبو يعلى وابن الجوزي.
قال الخلال في السنة بسنده إلى حنبل عن عمه الإمام أحمد أنه سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم ونحوها فقال: (نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى).
(3) وضع القدم مجاز مشهور عن التسكين وعن الردع والقمع. راجع أساس البلاغة والفائق ودفع شبه التشبيه وأساس التقديس.
والأخيران مهمان جداً في الرد على الحشوية، وهما مطبوعان يسهل تناولهما, ففيهما غنية عن التوسع بأكثر مما ذكر.
(4) قال ابن العربي: أما حديث المخاصرة فضعيف، راجع العواصم.
فكم في سنن الترمذي ومسند أحمد من أحاديث ضعيفة، والناظم هو الذي يسميهما بالتجسيم، قال ابن الجوزي: هذا يرويه يوسف بن عبد الله وهو خطأ.
________________________________________
ربه، بالخاء والصاد والحاء والضاد وجهان محفوظان في الترمذي والمسند وغيرهما من كتب التجسيم، ووصفته بصفات حي فاعل بالاختيار، وذلك الأصلان أصل التفرق في الباري فكن في النفي غير جبان أو لا فلا تلعب بدينك تثبت بعض الصفات وتنفي بعضها فأنكر الجميع أو فرق بين ما أثبته ونفيته، فذروا المراء وصرحوا بمذاهب القدماء وانسلخوا من الإيمان أو قاتلوا مع أمة التشبيه والتجسيم تحت لواء ذي القرآن أو لا فلا تتلاعبوا بعقولكم وكتابكم وبسائر الأديان، فجميعها قد صرحت بصفاته وكلامه وعلوه والناس بين مصدق أو جاحد أو بين ذلك أو حمار، فنزه وانف الجميع ولقب مذهب الإثبات بالتجسيم واحمل على الأقران، فمتى سمحت لهم بوصف واحد حملوا عليك فصرعت فلذاك أنكرنا الجميع مخافة التجسيم إن صرنا إلى القرآن ولذا خلعنا ربقة الأديان من أعنقانا ولنا ملوك قاوموا الرسل في آل فرعون وقارون وهامان ونمروذ وجنكسخان ولنا الأئمة أرسطو وشيعته ما فيهم من قال: إن الله فوق العرش، ولا إن الله يتكلم بالوحي، ولهذا رد فرعون على موسى إذ قال موسى ربنا متكلم فوق السماء وأنه ناداني، وكذا ابن سينا لم يكن منكم ولا الطوسي قتل الخليفة والقضاء والفقهاء إذ هم مجسمة، ولنا الملاحدة الفحول أئمة التعطيل ولنا تصانيف مثل الشفاء ورسائل إخوان الصفاء والإشارات قد صرحت بالضد مما جاء في التوراة والإنجيل والفرقان، وإذا تحاكمنا فإليهم لا إلى القرآن، يا ويح جهم وابن درهم ومن قال بقولهما، بقيت من التشبيه فيه بقية ينفي الصفات مخافة التجسيم ويقال: إن الله يسمع ويرى ويعلم ويشاء وإن الفعل مقدور له والكون ينسبه إلى الحدوث ويصرخ بنفي التجسيم والله ما هذان متفقان، لكننا قلنا محال كل ذا حذراً من التجسيم والإمكان) أهـ.
تصوير الناظم أهل الحق أسوأ تصوير
________________________________________
انتهى كلام هذا الملحد تبّاً له وقطع الله دابر كلامه، انظر هذا الملعون كيف أقام طوائف الشافعية والمالكية والحنفية الذين هم قدوة الإسلام وهداة الأنام في صورة الملاحدة والزنادقة المقرين على أنفسهم باتباع فرعون وهامان وأرسطو وابن سينا، المقدمين كلامهم على القرآن، وأنهم أتباع أصحاب جنكسخان، وأن رائده، لعنه الله ولعنه، سألهم عما يقوله أهل الحديث فنسبوهم إلى ما نسبوهم إليه، وأنه لذلك انحل عن الأديان وخلع ربقة الإيمان؛ وأبرز ذلك في صورة مقامة وخيال ليرتسم به في ذهن من يقف عليه من العوام والجهال أن الطوائف المذكورة، على هذه الصفة.
وإذا كانت علماء الشريعة وقادة الأمة بهذه الصفة كيف يقبل قولهم في الدين؟ أو ماذا تكون قيمة فتاويهم عند المسلمين؟ فما أراد هذا إلا أن يقرر عند العوام أنه لا مسلم إلا هو وطائفته التي ما برحت ذليلة حقيرة، وما أدري ما يكون وراء ذلك من قصده الخبيث، فإن الطعن في أئمة الدين طعن في الدين وقد يكون هذا فتح باب الزندقة ونقض الشريعة ويأبى الله ذلك والمؤمنون.
وجماعة من الزنادقة يكون مبدأ أمرهم خفياً حتى تنتشر ناره ويشتعل شناره، نسأل الله العافية.
فينبغي لأئمة المسلمين وولاة أمورهم أن يأخذوا بالحزم ويحسموا مادة الشر في مبدئه قبل أن يستحكم فيصعب عليهم رفعه. ثم إن هذا الوقح لا يستحي من الله ولا من الناس، ينسب إلى طوائف المسلمين ما لم يقولوه فيه وفي طائفته، وأن شيوخهم وصوهم بذلك، وهو يزعم بكذبه أنه متمسك بالقرآن وأين قال الله في القرآن (إنه فوق السماء) وأين قال (إنه بائن من خلقه) وأين قال (إنه فوق العرش) بهذا اللفظ وأين قال (إن القدمين فوق الكرسي) وأين قال (إنه يسمع خلقه ويراهم من فوق) وأين قال (إن محمداً قاعد معه على العرش) إلى بقية ما ذكره جميعه.
________________________________________
والمتبع للقرآن لا يغيره ولا يغير لفظه بل يتسمك به من غير زيادة ولا نقصان، وكذلك الأحاديث الصحيحة يقف عند ألفاظها ولا يزيد في معناها ولا ينقص.
كذب الناظم على الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -
وهكذا أكثر ما ذكره لم يجيء لفظه في قرآن ولا سنة، بل هو زيادة من عنده قد كذب فيها على الله(1)
__________
(1) جرت سنة العلماء في تصانيفهم أن أحدهم إذا نقل عن أحد العلماء نقلاً ينص على أنه نقله بنصه أو مع شيء من التصرف بالزيادة فيه أو النقص منه، يفعلون ذلك حرصاً على صفة الأمانة، التي يهوي إلى الدرك الأسفل من الحقارة والصغار من حفظ عنه أنه أخل بها في تافه من الأمور، فهم يحرصون على تلك الصفة صفة الأمانة في النقل عن العلماء إخوانهم فاهمين أنهم لو خانوا في النقل عنهم -وهم ينقلون عنهم ديناً يدين به العباد- لهووا في هاوية من النقص لا قرار لها ولا تقوم لهم قائمة بعدها.
وهم إذا حفظوا عن واحد مما ينتسب إلى العلم شيئاً من الإخلال بتلك الأمانة سقط من نظرهم وأكنوا له في صدورهم من الأزدراء به كعالم ما يجعله في نظرهم كأنه مسخت إنسانيته وأصبح مخلوقاً آخر من المخلوقات التي لا يقع في النفوس أنها تكون في وقت من الأوقات مصدراً لأي معنى ينتفع به بنو الإنسان من الناحية الأدبية، هذا نظرهم لمن يخون في النقل عن رجل مثلهم ما قال الله ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم – إنه معصوم.
وإذا كان الأمر كذلك في هذا فليقل لي حضرات إخواننا المساكين المغرورين بابن القيم كيف يدومون على غرورهم به وإمامٌ عظيم من أئمة المسلمين يقول عنه بعبارة صريحة فصيحة بينة لا تحتمل التأويل، لا يقولها فقط بلسانه بل يكتبها في كتاب تبقى فيه على ممر الدهور يقرؤها البعيد والقريب والصغير والكبير والعالم والجاهل والمؤمن والكافر يقول تلك الكلمة هذا الإمام النادر المثال في فضله وزهده وورعه وعلمه وهو يعلم أنه مسؤول عنها عند ربه ولي أمره في دنياه وفي أخراه.
وأي كلمة هذه الكلمة هي قوله: إن ابن القيم كذب على الله ورسوله- ليقل لي حضرات المغرورين بابن القيم كيف يكون نظرهم إليه في الحقارة والصغار وهم يسمعون إماماً كبيراً لا ينسب إمامهم إلى الخيانة في النقل عن فريق العلماء جميعاً، بل ينسبه إلى الخيانة في النقل عن الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – يقول عنه إنه يكذب عليهما ويسند إليهما ما لم يقله كتاب ولا سنة.
أمع هذا يبقون على غرورهم وإفراطهم في تعظيم ذلك الرجل الذي يقول عنه الإمام السبكي بحق: إنه ما زاد عنه الزنادقة والملاحدة والطاعنون في الشريعة.. في الخروج على الإسلام والمسلمين؟!!
أنا لا أتوهم بعد اطلاع هؤلاء المساكين على حال هذا الرجل أن يبقى في قلوبهم مثقال ذرة من التعظيم له والعطف عليه، كيف لا وهم مؤمنون والله يقول في كتابه الكريم عن كل من اتصف بالإيمان { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } [المجادلة: 22].
وإني أعيذهم بالله من احترام رجل لا يزيد عنه في الخروج على الإسلام والمسلمين لا الزنادقة ولا الملاحدة ولا الطاعنون في الشريعة.
إني أرجو إخواننا المغرورين بابن القيم أن يفهموا أن كذب صاحبهم على الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – في أصول الإسلام. ليعلموا هذا جيداً ثم ليوقنوا أن الذي يكذب في الأصول هين جداً عنده أن يكذب في الفروع وإذن ترتفع بكل معناها عن ابن القيم، فلا يجوز لمسلم أن يعتمد عليه في نقل لا في أصول ديننا ولا في فروعه، وهو على هذه الحالة سيئة واحدة من سيئات شيخه الكبير إمامكم العظيم لا في هذا ولا عشر نظركم ابن تيمية، ما ثبت له يثبت لشيخه بالأولى ثم بالأولى.
وبناء على هذا أؤكد عليكم أن تنظروا إلى كل كتاب خطته براعة هذا الرجل وشيخه نظَر من لا أثر للثقة في قلبه بهما وبما يكتبانه؛ وإلا فمثلكم حينئذ مثل من يرى اللص بعينه يسرق العظائم من أموال الناس ثم في الوقت عينه يقول ما أصلحه وما اجله وما أوثق دينه.
________________________________________
وعلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – وفهمها على خلاف الحق ونسب إلى علماء المسلمين البرآء من السوء كل قبيح، وجعل ذلك طريقا للخروج من الدين والانسلاخ من الإيمان وانتهاك الحرام، وعدم اعتقاد شيء فهل وصلت الزنادقة والملاحدة والطاعنون في الشريعة إلى أكثر من هذا؟ بل هذا، وإيهامه الجهال أنه هو المتمسك بالقرآن والسنة، لينفق عندهم كلامه ويخفي عنهم سقامه.
فصل
قال: (في قدوم ركب الإيمان وعسكر القرآن) قال: (وأتى فريق ثم قال: ألا اسمعوا قد جئتكم من مطلع الإيمان.
من أرض طيبة، من مهاجر أحمد. سافرت في طلب الإله فدلني الهادي عليه، ومحكم القرآن مع فطرة الرحمن وصريح عقل شهدوا بأن الله منفرد بالملك والسلطان وهو الإله الحق).
هذا صحيح.
ثم قال: (لا معبود إلا وجهه) هذا عندنا صحيح وأما عنده فالوجه غير الذات فكيف يصح؟
ثم قال: (والناس بعد فمشرك أو مبتدع وكذلك شهدوا بأن اله ذو سمع وذو بصر هما صفتان).
هذا نحن نقوله لكن لو طولب بالشهادة بأنه ذو سمع وذو بصر أين يجدها(1) في ألفاظ القرآن والسنة ولو كان كذلك لم يكن بيننا وبين المعتزلة نزاع فيه.
__________
(1) بل الواجب على من يهاب مقام ربه أن لا يطلق عليه تعالى ما لم يرد إطلاقه عليه في الكتاب والسنة المشهورة مع الاقتصار على الوارد، فعلاً كان أو صفة أو مفرداً أو مجموعاً، فلا يقال له عينان ولا مستو.
فإبدال الفعل صفة، والمجموع مثنى، وإبدال اللفظ بما يظن مرادفاً له مما يجب أن يتهيبه كل مسلم. بل قال إمام الحرمين: أجمع المسلمون على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل لا يتوصل فيها إلى قطع بعقل أو سمع وأجمع المحققون على أن الظواهر يصح تخصيصها أو تركها بما لا يقطع به من أخبار الآحاد والأقيسة، وما يترك بما لا يقطع به كيف يقطع به ؟ اهـ.
________________________________________
قال: (وعموم قدرته(1) يدل بأنه هو خالق الأفعال للحيوان).
اعتقادنا أنه سبحانه خالق أفعال الحيوان ولكن كيف يدل عموم القدرة على ذلك بل لذلك أدلة أخر. واستدلال هذا الفدم بعموم القدرة من عدم شعوره.
ثم قال: (هي خلقه حقاً وأفعال لهم حقا ولا يتناقض الأمران).
عجب قد تقدم إنكار على جهم وشيعته قولهم: إن العبد ليس بفاعل فما هذا التناقض(2) ؟!ولعله نقل الكلامين تقليداً ولم يفهم معناهما فلذلك وقع التناقض بينهما؛ ويكونان من كلامين.
ثم قال: فحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن، واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد وقال شفى القلوب بلفظه).
__________
(1) وكم من شيء مقدور عليه لم يدخل في حيز الوجود فمن أين يدل عموم القدرة على أنه خالق أفعال الحيوان؟ بل الدليل على ذلك قوله تعالى { والله خلقكم وما تعملون } [الصافات: 96] وقوله تعالى { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] وكم لنا من براهين عقلية على ذلك لكن الناظم بالغ الجهل ظاهر البلادة حتى في مثل هذه المسائل الظاهرة لصغار المتعلمين، وحق مثله أن يقرع إيقافاً له عند حدِّه، فالمصنف معذور إذا قال عنه إنه حمار أو تيس.
(2) نفى عن العبد كونه فاعلاً في مذهب الجهمية يعني الأشاعرة فيما سبق وأثبته هنا مذهباً لهم، وعد اعتبار العبد فاعلاً مناقضاً لاعتبار أن الله خالق لفعل العبد! مع أن التناقض في كلامه نفسه كما شرحنا حيث نفى عنهم سابقاً ما أثبته لهم هنا. وأين التناقض بين كون الله خالقاً وبين كون العبد فاعلا ؟! فتدبّر.
________________________________________
وقال الناظم: (إن الجبرية والمكذبين بالقدر نظروا نظر الأعور) والكلام في ذلك يطول, وليس هذا من أهله(1), ولا هو متعلق به؛ بل كلامه فيه فضول فيما لا يعنيه.
فصل
قال: (أيكون أعطى الكمال وما له ذاك الكمال أيكون(2) إنسان سميع مبصر متكلم وله الحياة والقدرة والإرادة والعلم والله قد أعطاه ذاك وليس وصفه فاعجب من البهتان بخلاف نوم العبد وجماعه وأكله وحاجة بدنه إذ تلك ملزومات كون العبد محتاجاً وتلك لوازم النقصان وكذا لوازم كونه جسداً نعم، ولوازم الأحداث والإمكان يتقدس عنها وعن أعضاء ذي جثمان).
[عدم تمييز الناظم بين اللازم والملزوم]
__________
(1) نرجو حضرات المغترين بهذا الناظم ونلح في الرجاء أن يقفوا هنا طويلاً ليفهموا مقدار قدوتهم الذي لا يرضون أن يكون بجانبه أحد من علماء الأمة في العلم، فها هم أولاء يسمعون الشيخ السبكي وهو الإمام الجليل في تقواه وفضله يقرر بصراحة أن ابن القيم ليس بأهل للكلام معه في مسألة من المسائل العادية، وإني أعود فأرجوهم أن يتأملوا طويلاً في كلمة هذا الإمام الكبير – رضي الله عنه -.
(2) دليل اتصاف الله سبحانه بصفات الكمال من الكتاب والسنة والمعقول معروف عند أهله، وأما الطريق الذي سلكه الناظم في ذلك فليس في شيء من الأداء إلى ما يتوخاه، وإنما سلك هذا الطريق الغير النافذ ليخيل إلى العامة أن صفات الله من قبيل صفات العبد، فلا مانع من أن يكون الباري ينظر بعين ويسمع بأذن.. إلى آخر تلك المخازي كما هو مذهبه في إثبات الصورة له تعالى، مع أن تلك الصفات في العبد بآلات وجوارح فهي في العبد مقرونة بالنقائص والاحتياج، تعالى الله عن ذلك، فليتنبه إلى دسائس الناظم.
________________________________________
الجسدية والحدوث والإمكان يلزم منها ثلاثتها الاحتياج والنقص، فالنوم والجماع والأكل لوازم لذلك لا ملزومات(1) وتقديسه عن الأعضاء مع إثباته قدمين كيف يجتمعان.
[تخبط الناظم في الصوت]
قال: (والله ربي لم يزل متكلماً، هو قول ربي كله لا بعضه لفظا ومعنى، ما هما خلقان).
أمّا كونه لم يزل متكلما وقوله مع ذلك إنه لفظ وإنه غير مخلوق فكلام من لا يدري ما يقول(2).
قال: (لكن أصوات العباد مخلوقة، فإذا انتفت الوساطة كتكلم الله لموسى فالمخلوق نفس السمع(3)
__________
(1) يا حضرات المغترين بابن القيم، اعملوا معروفاً مع أنفسكم وانظروا كيف لا يميز صاحبكم اللازم من الملزوم، أيكون حاله هكذا في الجهل ويصل غروركم به إلى أن تعتقدوا أنه الإمام الذي لا يساميه بل لا يدانيه إمام.
(2) لأن اللفظ لا بد من أن يكون باعتبار وجوده الخارجي متعاقب الحروف فلا يتصور العاقل في مثله قدماً. نعم ليس للفظ باعتبار وجوده العلمي والنفسي تعاقب فيكون قديماً كما قال بذلك أحمد وتابعه ابن حزم, وهو الموافق لتحقيق القوم في الكلام النفسي، إلا أن وجوده أصلي بخلاف العلم فإنه بالإضافة إلى المعلوم.
والناظم ليس بقائل بما قال به أحمد كما يظهر من مواضع من نظمه فيكون قائلا بما هو غير معقول.
(3) لا فرق بين موسى عليه السلام وبين غيره في خلق السمع فيهما، وأما المسموع فإن كان يريد به الصوت المكيف فكذلك، وإن كان يريد ماهو قائم بالله فجلَّ الإله أن يقوم به عرَض سيال.
والوارد في الكتاب أنه تعالى كلم موسى –بدون ذكر الصوت أصلاً- والتكلم لا يستلزم الصوت قال تعالى: { ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا } [الشورى: 51] إذ لا صوت في الوحي إلى القلب والصوت في الثالث صوت الرسول دون المكلم، فليكن الكلام من وراء حجاب كذلك وهو الذي حصل لموسى. فمهما كان النبي بسماعه صوت الرسول إليه يعد أن الله كلمه فلا يكون أي مانع من أن يعد موسى كلمه ربه إذ نودي من الشجرة، فأي زائغ يتصور حلول الله في الشجرة حتى يقول: إن الذي سمعه صوتُ الله ؟ تعالى الله أن يكون كلامه صوتاً، والآية قاضية على جميع الأوهام في هذا البحث لمن أحسن التدبر فيها.
________________________________________
لا المسموع، هذى مقالة أحمد (يعني ابن حنبل) ومحمد (يعني البخاري)).
قلنا نعم نوافقه على ذلك على قول الأشعري إن الكلام النفسي يسمع ولا يلزم أن يكون هناك حرف وصوت. ومن اعترف بكلام الله تعالى وأن موسى سمعه ولم يقل إنه حرف أو صوت أو غير ذلك بل وقف عند حده وعجزه وجهله ونزه الله تعالى عن صفات خلقه، سَلِم.
ثم قال في بيت الأخطل:
يا قوم قد غلط النصارى في الكلمة
ونظير هذا من يقول كلامه معنى قديم غير محدث والشطر مخلوق وتلك حروفه ناسوته(1).
أبصر هذه الجراءة وتشبيهه أقوال العلماء بأقوال النصارى وجهله وكذبه بأن الحروف كالناسوت. والمعنى قائم بذات الرب سبحانه وتعالى والألفاظ بالقارئ لا يتحد أحدهما بالآخر ولا يحل فيه كما يقول النصارى تعالى الله عن قولهم.
فصل
__________
(1) لم يفهم الناظم كلام القوم فشنع كما شاء، قاتل الله البلادة ما أفتكها. ظن الناظم أن المراد بالمعنى معنى النظم فبنى عليه ما شاء، مع أن مرادهم بالمعنى هنا هو القائم بالله الشامل للدال ومدلوله؛ باعتبار وجودهما العلمي كما نص عليه أحمد في ردِّه على ابن أبي دؤاد، كما ذكر في كتاب السنة وغيره، فلا يكون للفظ الخارجي دخل أصلاً في القدم على مذهب إمامه نفسه.
نعم يوجد من يسير سير النصارى في الحلول بين الذين تكلموا في القرآن وهو من يقول إن الصوت من المصوت قديم, وإن الله تعالى قرأ على لسان كل قارئ كما ذهب إلى ذلك السالمية، تعالى الله عما يقول الظالمون. والناظم من أقرب المبتدعة إليهم.
________________________________________
قال: (الكلام قيل بغير مشيئة، وإنه معنى إما واحد وإما خمسة معان، وقيل: إنه لفظ مقترن فالسين مع الباء، والذين قالوا بمشيئة صنفان أحدهما جعله خارج ذاته وهو قول الجهمية ومتأخري المعتزلة والثانية في ذاته وهم الكرامية، وهم نوعان أحدهما جعله مبدوءاً به حذراً من التسلسل فلذلك قالوا له أول والأخرون كأحمد ومحمد قالوا: لم يزل متكلما(1) بمشيئة وإرادة وتعاقب(2) الكلمات).
__________
(1) افترى الناظم عليهما تمويهاً وتحميلاً على لفظ مجمل ما لا يحتمله وهما كباقي أهل السنة يقولان: إن الله متصف بصفة الكلام أزلاً كاتصافه بباقي صفاته الأزلية وهو يتكلم متى شاء، وهما بعيدان من المماحكات الزائفة، والله سبحانه سريع الحساب وشديد العقاب أزلاً، ولا يستلزم ذلك قدم البعث؛ وهو سبحانه لم تحدث له صفة بخلق الخلق؛ وهو خالق أزلا قبل أن يخلق الخلق.
(2) فيكون محلاً للحوادث، تعالى الله عن ذلك. وابن تيمية تابع الكرامية في ذلك؛ وأربي عليهم في الزيغ بدعوى القدم النوعي في الكلام، مع أنه لا وجود للكلى إلا في ضمن الأفراد، فلا معنى لوصف النوع بالقدم بعد الاعتراف بحدوث كل فرد من أفراده.
وقد أطال العلامة قاسم بن قطلوبغا الحافظ فيما كتبه على المسايرة الكلامَ في ذلك فلا نطيل الكلام بما هو في متناول أيدي صغار التلاميذ.
والناظم من أتبع الناس لابن تيمية في سخافاته، وقد نقل ابن رجب في طبقاته عن الذهبي في حق ابن تيمية أنه أطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر هو عليها اهـ، فيدور أمره بين أن يكون مصاباً في عقله أو دينه؛ فتباً لمن يتخذ مثله قدوة.
________________________________________
هذا هو الذي ابتدعه ابن تيمية والتزم به؛ حوادث لا أول لها، والعجب قوله مع ذلك إنه قديم، وحين النطق بالباء لم تكن السين موجودة؛ فإن قال النوع قديم وكل واحد من الحروف حادث عدنا إلى الكلام في كل واحد من حروف القرآن، فيلزم حدوثها وحدوثه، فالذي التزمه من قيام الحوادث بذات الرب لا ينجيه بل يرديه؛ وهذا آفة التخليط, والتطفل على العلوم, وعدم الأخذ عن الشيوخ.
[كلام واف في أحاديث الصوت]
ثم قال: (وأذكر حديثا في صحيح محمد ذاك البخاري فيه نداء الله(1)
__________
(1) إنّ كان يريد حديث جابر عن عبد الله بن أنيس (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب..) الحديث، فهو حديث ضعيف علَّقه البخاري بقوله: ويذكر عن جابر؛ دلالة على أنه ليس من شرطه. ومداره على عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف باتفاق، وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد, وعنه قالوا إنه ممن لا يحتج به.
وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور.
وأما إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري (يقول الله يا آدم يقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك …) الحديث، فلفظ ينادَى فيه على صيغة المفعول جزماً بدليل “إن الله يأمرك” ولو كان على صيغة الفاعل لكان إني آمرك كما لا يخفى، على أن لفظ (صوت) انفرد به حفص بن غياث وخالفه وكيع وجرير وغيرهما فلم يذكروا الصوت. وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه, كما ذكره ابن الجوزي، فأين الحجة للناظم في مثله؟
على أن الناظم نفسه خرج في حادي الأرواح –وفي هامشه إعلام الموقعين – (2-97) عن الدارقطني من حديث أبي موسى (يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أولهم وآخرهم إن الله وعدهم…) الحديث، وهذا يعين أن الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين.
فظهر بذلك أن الناظم متمسك في ذلك بالسراب؛ والمؤلف تساهل في الرد عليه؛ وفي (القواصم والعواصم) لابن العربي ما يقصم ظهر الناظم في (2-29) منه.
________________________________________
يوم معادنا بالصوت).
اللفظ الذي في البخاري (فينادى بصوت) وهذا محتمل لأن يكون الدال مفتوحة والفعل لم يسم فاعله وأن يكون مكسورة فيكون المنادي هو الله تعالى فنقله عن البخاري نداء الله ليس بصحيح، والعدالة في النقل أن ينقل المحتمل محتملا، وإذا ثبت أن الدال مكسورة فلم يقول إن الصوت منه؟ فقد يكون من بعض ملائكته أو من يشاء الله.
ثم قال: (أيصح في عقل وفي نقل(1) نداء ليس مسموعاً لنا).
أما العقل فلا مدخل له في ذلك وأما النقل فقد قال تعالى { إذ نادى ربه نداء خفياً } (2).
ثم قال: (والله موصوف بذاك حقيقة هذا الحديث ومحكم القرآن).
ليس في الحديث ومحكم القرآن أنه حقيقة.
قال: (ورواه عندكم البخاري المجسم بل رواه مجسم فوقاني).
هذا بهت لنا في أن البخاري مجسم عندنا والله ما اعتقدنا فيه ذلك ولا في أحمد الذي عناه بالفوقاني ولكن هذا بهت لنا وإساءة على البخاري ومن فوقه.
ثم قال: (واذكر حديثا لابن مسعود صريحا إنه ذو أحرف).
هو حديث في الترمذي: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة وقال حسن صحيح؛ ووقفه بعضهم على ابن مسعود. وعلى كل تقدير الحرف في قراءة القارئ، وقد تقدم من هذا الناظم أن الصوت فعل القارئ فلا وجه لاحتجاجه هنا، ولابن مسعود حديث آخر أنه على سبعة أحرف، والمراد نزوله بها. ثم قال: (وانظر إلى السور التي افتتحت بأحرفها لم يأت قط بسورة إلا أتى في أثرها خبر عن القرآن).
هذا منتقض بسورة (كهيعص) والعنكبوت والروم و (ن).
فصل
__________
(1) النداء طلب الإقبال عند النحاة واللغويين فيجرى مجرى القول؛ وكم في الكتاب والسنة مما يدل على القول والكلام بدون صوت؛ كما نسرد بعض ذلك عند التدليل على الكلام النفسي وقول صاحب القاموس: النداء الصوت تسامح منه، وكم له من مسامحات معروفة عند أهل العلم.
(2) الآية: 3 من سورة مريم.
________________________________________
قال: (إنه يلزم من نفي صفة الكلام نفي الرسالة(1)).
وهو جهل منه وإنْ كنا لا ننفي صفة الكلام.
فصل
وقال: (إنه يلزمهم تشبيه الرب بالجماد الناقص).
وهذا بلادة(2).
فصل
قال: في إلزامهم(3) أن كلام الخلق حقه وباطلة عين كلام الله سبحانه بخلقه أفعال العباد).
ما هذا إلا…
فصل
في التفريق بين الخلق والأمر قال: (وكلاهما عند المنازع واحد).
__________
(1) وقد نص الله سبحانه على أن تكليم الله سبحانه منحصر في الوحي إلى القلب وإرسال ملك يبلغ كلامه، والكلام وراء حجاب؛ وليس في واحد منها صوت للمكلِّم سبحانه فمن أين يلزم من نفي ما أثبته المجسمة من حرف وصوت نفي الرسالة؟! بل عد الإله سبحانه محلاً للأعراض هو المستلزم لنفي الصانع فضلاً عن الرسالة، قاتل الله هذه الفئة السخيفة، ما أجهلهم بما يجوز في الله وما لا يجوز.
(2) اكتفى بوصفه بالبلادة لئلا يوقع عليه الحكم بالكفر لو كان يعقل ما يقول، لأن إثبات الحرف والصوت لله تشبيه له بالإنسان وتشبيه الله بمخلوق كفر والصوت عرض سيال محال أن يقوم بالله سبحانه بل هو متكلم بكلام نفسي ليس له صوت.
(3) وجه هذا الإلزام لا يظهر إلا لمن هو على شاكلة الناظم في تخيل ما هو غير معقول. ولو ألزم القائلين بالحرف والصوت أن التالي قد يكون لاحناً قبيحاً الأداء فلا يتصور في صفة الله سبحانه مثل ذلك، فيبطل القول بأن كلام الله حرف وصوت لكان قوله هذا ملزماً حقيقة. وأما إلزام الناظم هنا فقلب للحقيقة بل هذيان ظاهر.
وأمام هذا لم يسع المصنف إلا أن يخرج الناظم من عداد العقلاء ومن الصعب جداً على العالم خطاب من لا يفهم.
________________________________________
المنازع هم المعتزلة، ولسنا منهم، لكن قوله: إنهما عندهم(1) واحد ليس بصحيح.
فصل
قال: (والله أخبر في الكتاب بأنه منه).
قلنا: الذي في الكتاب { تنزيل الكتاب من الله } (2) ونحوه وليس فيها الكتاب منه.
ثم قال: (والمجرور بـ (من) (3) نوعان: عين ووصف قائم بالعين، فالعين خلقه والوصف قام بالمجرور).
قوله قائم بالعين ليس بصحيح قد يكون قائماً بنفسه (؟).
فصل
[وقيعة الناظم وشيخه في ابن حزم]
قال: (وأتى ابن حزم فقال ما للناس قرآن ولا اثنان بل أربع كل يسمى بالقرآن وذاك قول بين البطلان. هذا الذي يتلى والمرسوم والمحفوظ والمعنى القديم فالشيء شيء واحد لا أربع فدهى ابن حزم(4)
__________
(1) وهم يفرقون بين الأمر التكليفي والأمر التكويني، وقد ذكروا فيما ألفوه في أصول الفقه ما هو موجب الأمر التكليفي. وقوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف:54] يحتمل معاني ومن أجلاها أنه هو الذي خلق الخلق وإليه فقط أن يأمرهم بما يشاء وأولو الأمر إنما يستمدون الأمر من أمره تعالى، فلا يكون للآية دخل في هذا البحث أصلاً وإن كان بعضهم يلهج بذلك.
(2) الآية: 2 من سورة غافر.
(3) يريد أن ما سبق على المجرور بـ “من” إما أن يكون عيناً أو وصفا، فالعين مخلوقه تعالى، قال: والوصف قائم به تعالى لكن في العبارة ارتباك، وكذا عبارة المصنف فليحرر.
(4) ومن المضحك المبكي وقيعة الناظم وشيخه في ابن حزم؛ وهو إمامهما في غالب المسائل الفرعية التي شذَّ بها عن الجماعة. وأنت تراهما يطعنان فيه طعناً مراً في المسائل الاعتقادية، وهو أقرب إلى الحق منهما في غالب تلك المسائل ولا سيما في مسألة القرآن؛ وهو من المنزهين دونهما؛ وهو عدو لدود للمجسمة؛ حتى إنهم تراهم ينبزون هذا الظاهري بالقرمطة!
وفي (الفصل) أبحاث جيدة تتعلق بقمع أهل التجسيم لعلها تكون كفارة عن بعض قسوته وشذوذه ومخالفاته لجمهور العلماء.
وقول ابن حزم بكون القرآن مشتركاً بين تلك الأربعة موافق لكتاب الله، قال الله تعالى: { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } [العنكبوت:49] وقال تعالى: { بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ } [البروج22,21] وقال تعالى: { وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن } [الأحقاف:29]، فصدور العلماء واللوح المحفوظ ولسان الرسول – صلى الله عليه وسلم – مخلوقة مع ما فيها، فالقديم هو ما قام بالله سبحانه دون ما في الصدور والألواح والألسنة، وهذا في غاية من الظهور وغلط ابن حزم إنما هو في قوله بعموم المشترك هنا.
________________________________________
ملة القرآن).
هذا لم يفهم كلام ابن حزم، مراد ابن حزم أن القرآن هو المعنى وهو واحد له وجود في نفسه ويتلى ويرسم ويحفظ فيوجد في اللفظ والخط والصدر ويطلق على الثلاثة أيضاً قرآن فاللفظ مشترك بين الأربعة.
ثم قال ما معناه: (إن اللفظ يطلق على المصدر ويطلق على الملفوظ وألفاظ العباد كذلك، فالأول مخلوق والثاني(1) غير مخلوق وهو القرآن وعلى ذلك حمل كلام أحمد(2) والبخاري).
[الكلام اللفظي]
__________
(1) يعني الملفوظ، فإن كان يريد وجوده العلمي في علم الله فقدمه بهذا الاعتبار موضع اتفاق، وإن كان يريد الصوت الصادر من فم اللافظ فهو حادث قطعاً، وأني يتصور القدم لعرض محسوس المبدأ والمقطع.
ومذهب الناظم اعتبار كلام الله صوتاً صادراً من الله حادثاً شخصاً, قديماً نوعاً، تعالى الله عن ذلك. ولم يقل به أحد قبل شيخ الناظم وتابعه الناظم المسكين كما يظهر من مواضع في هذا الكتاب فقوله (والثاني غير مخلوق) لا يصح بالنظر إلى الصوت وهو ظاهر والله سبحانه هو الهادي.
(2) الخلاف بين أحمد والبخاري في اللفظ]
والمعروف بين أهل العلم أن البخاري كان يقول بحدوث اللفظ -يعني لفظ التالي الدال دون تعرض للمعنى المدلول عليه وضعاً أو عقلاً- وأحمد يبدع من يقول ذلك، وتبديع هذا وقول ذاك متواردان على شيء واحد، والحقُّ مع البخاري في تلك المسألة وإن كان الذهلي وأصحابه جميعاً هجروه على ذلك، راجع كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
وليس بقليل بين أهل العلم الذين يقولون بأن المعنى المصدري أمر نسبي من قبيل الحال؛ فعندهم أن اللافظ هو العبد وهو مخلوق الله والملفوظ هو الصوت المكيف الخارج من فم العبد وهو مخلوق الله تعالى أيضاً واللفظ بالمعنى المصدري نسبة بين اللافظ والملفوظ فلا يتعلق به الخلق عندهم. وقول الناظم والمصنف بخلقه على مذهب نفاة الحال. وتفصيل هذا البحث فيما كتبناه على الاختلاف في اللفظ.
________________________________________
قلنا أمّا المصدر فمخلوق بلا شك(1) وهو فعل العبد وأما الملفوظ من فم العبد فهو الصوت الخارج منه، المخلوق لله تعالى، وقولنا له كلام الله كما يقال إذا قرأ المحدث (إنما الأعمال بالنيات): هذا كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – وإذا قرئ كتاب ملَِك علينا نقول: هذا كتاب الملك.
فصل
قال: في مقالة الفلاسفة والقرامطة:
هذا لا يتعلق بنا فعليهم غضب الله، ولكن غرضه أن يخلط الحق بالباطل حتى يروج(2) الباطل.
فصل
قال: في الاتحادية:
هو من النمط الذي قبله.
ثم قال: (هذى مقالات الطوائف كلها فاعطف على الجهمية المغل الذين خرقوا سياج العقل والقرآن شرد(3) بهم من خفلهم واكسرهم) ثم ذكر مذاهب المعتزلة ومذاهب الأشعرية وهما اللذان يسميهما الجهمية.
ثم قال: هذا الذي قد خالف المعقول والمنقول والفطرات للإنسان، أما الذي قد قال إن كلامه ذو أحرف قد رتبت ببيان وكلامه بمشيئة وإرادة كالفعل منه كلاهما(4)
__________
(1) يعني عند نفاة الحال، راجع شرح المواقف.
(2) هل يعد من علماء الإسلام بل من عامة المسلمين من يروج الباطل وهو يعلم أنه باطل؟
(3) التشريد المذكور في الآية مأمور أن يوقعه النبي – صلى الله عليه وسلم – بالكفار. ولينظر القارئ كيف يأمره حضرة الناظم أن يوقعه بجماعة المسلمين الأشاعرة وغيرهم من أجل أنهم لا يوافقونه في ضلاله.
(4) هذا إنما يصح في الكلام اللفظي الحادث باعتبار وجوده الخارجي؛ وأما باعتبار وجوده العلمي فقديم، كما سبق. قال أبو بكر الباقلاني في النقض الكبير: “من زعم أن السين من باسم الله بعد الباء والميم بعد السين الواقعة بعد الباء لا أول له فقد خرج عن المعقول وجحد الضرورة وأنكر البديهة، فإن اعترف بوقوع شيء فقد اعترف بأوليته، فإذا أدعى أنه لا أول له فقد سقطت محاجته وتعين لحوقه بالسفسطة. وكيف يرجى أن يرشد الدليل من يتواقح في جحد الضروري” اهـ. راجع الشامل لإمام الحرمين ونجم المهتدي لابن المعلم القرشي.
وفي شعب الإيمان للحليمي: “ومن زعم أن حركة شفتيه أو صوته أو كتابته بيده في الورقة هو عين كلام الله القائم بذاته فقد زعم أن صفة الله قد حلت بذاته ومست جوارحه وسكنت قلبه، وأي فرق بين من يقول هذا وبين من يزعم من النصارى أن الكلمة اتحدت بعيسى عليه الصلاة والسلام” اهـ.
ليحفظ القارئ هذا ثم أرجوه أن يقرأ قول الموفق الحنبلي صاحب المغنى في مناظرته المسجلة في المجموعة المحفوظة تحت رقم 116 بظاهرية دمشق ونصه: (قال أهل الحق: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقالت المعتزلة هو مخلوق، ولم يكن اختلافهم إلا في هذا الموجود دون ما في نفس الباري مما لا ندري ما هو ولا نعرفه)!!!
وعن الموفق هذا يقول شيخ الناظم: ما حل دمشق مثله بعد الأوزاعي !! وأنت ترى كلامه في المسألة، وإذا كان هذه حال الموفق فماذا تكون حال الناظم وشيخه؟
________________________________________
سيان فهو الذي قد قال قولا يعلم العقلاء صحته بلا نكران، فلأي شيء كان ما قلتم أولى؟ ولأي شيء كفرتم أصحاب هذا القول؟ فدعوا الدعاوي وابحثوا معنا وارفوا مذاهبكم إن أمكن).
ليت شعري من هو الذي من العقلاء يعلم صحة كلام ذي أحرف مترتبة مفعول قديم ولكن هذا صبي العقل غره، هجام على الحقائق بهواه.
ثم قال: (فاحكم- هداك الله- بينهم لا تنصرن سوى الحديث وأهله هم عسكر القرآن. فنقول هذا القدر قد أعيا على أهل الكلام وقاده أصلان، أحدهما: هل فعله(1)
__________
(1) إن كان المراد بالفعل ما هو بالمعنى المصدري من قوله تعالى { فعال لما يريد } [هود: 107] فليس في فِرَقِ الإسلام من ينفي الفعل بهذا المعنى عن الله سبحانه، بل إثباته موضع اتفاق بين الفرق كلها. وإن كان يريد ما هو مبدأ هذا المعنى فهو صفة قديمة غير الإرادة والقدرة عند طوائف من أهل الحق وهي المسماة عندهم بصفة التكوين. وأما الأشاعرة فيرجعونها إلى القدرة؛ وللقولين حظ من النظر.
وأما إن كان المراد بالفعل الفعل الحاصل بالمصدر أعني الأثر المترتب على التكوين أو القدرة فلا شك أنه مفعول الله ومخلوقه وغير قائم به أصلا، فأفعال الله بهذا المعنى هي مخلوقاته حتماً، ودعوى قيامها بالله لا تصدر ممن يعي ما يقول.
ومن المجسمة أناس يظنون أن أفعال الله تكون بالحركة كأفعال العباد وتصدر منه بالعلاج والمزاولة، مع أن الجوارح والآلات إنما وضعت للعباد ليتوصلوا بها إلى قصدهم وهي كلها نقص وآفات، وأما من له الحول والقوة جل جلاله فإنما هو إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون بدون آلة ولا جارحة ولا علاج ولا مزاولة يريد الشيء فيحدث. وبهذا البيان ظهر ما في كلام الناظم من الاختلال ووجوه الضلال.
________________________________________
مفعوله أو غيره، قولان والقائلون بأنه عينه فروا من الحدث في الصفات وحقيقة قولهم تعطيل الخالق عن فعله إذ فعله مفعوله لكنه ما قام به فعلى الحقيقة ما له فعل إذ المفعول منفصل عنه. والقائلون بأنه غيره طائفتان: إحداهما قالت قديم قائم بالذات، سموه تكوينا، وهم الحنفية. والآخرون رأوه حادثاً قام بالذات، وهم نوعان: أحدهما جعله مفتتحا به حذراً من التسلسل وهو قول الكرامية، والآخرون أهل الحديث كأحمد(1)
__________
(1) نسبة القول بقيام الفعل الحادث بالله سبحانه إلى أحمد وجعفر الصادق وابن عباس رضي الله عنهم نسبة كاذبة وفرية مكشوفة.
وقول أحمد: (إن الله لم يزل متكلماً إن شاء) بمعنى أن الكلام صفة قديمة، وأنه تعالى يكلم أنبياءه متى شاء بدون حرف ولا صوت، بالوحي ومن وراء حجاب أو بإرسال رسول، “وهو متكلم خالق قبل أن يكلم الرسل ويخلق الخلق” كما صرح بذلك غلام الخلال من قدماء الحنابلة في المقنع.
وأما عثمان بن سعيد الدارمي السجزي مؤلف النقض على المريسي فكان فيما سبق لا يخوض في صفات الله سبحانه كما هو طريقة السلف، ثم انخدع بالكرامية وأصبح مجسماً مختل العقل عند تأليفه النقض المذكور، وهو حقيق بأن يكون قدوة للناظم.
ونسجل هنا على الناظم اعتقاده قيام الحوادث بذات الله سبحانه وتعالى واعتقاده أن هذه الحوادث لا أول لها. وإني ألفت نظر حضرة القارئ إلى هذه العقيدة وهل تتفق مع دعوى أنه إمام دونه كل إمام؟ بل هل تتفق هذه العقيدة مع دعوى أنه في عداد المسلمين فقط؟
________________________________________
بن حنبل قال: إن الله لم يزل متكلما إن شاء، جعل الكلام صفة فعل قائمة بالذات لم يفقد من الرحمن، وكذاك نص على دوام الفعل وكذا ابن عباس وجعفر الصادق و(عثمان بن سعيد) الدارمي وصدق فالحياة والفعل متلازمان وكل حي(1) فعال إلا إذا عرضت آفة أو قسر، أولست تسمع قول كل موحد (يا دائم المعروف قديم الإحسان) أو ليس فعل الرب تابع وصفه وكماله؟ أفذاك ذو حدثان؟ وكماله سبب الفعال وخلقه أفعالهم سبب الكمال الثاني، أو ما فعال الرب عين كماله؟ أفذاك ممتنع على المنان أزلا إلى أن صار فيما لم يزل ممكنا؟ تالله قد ضلت عقول القوم إذ قالوا بهذا. وتخلف التأثير بعد تمام موجبه محال؛ والله ربي لم يزل ذا قدرة ومشيئة وعلم وحياة وبهذه الأوصاف تمام الفعل فلأي شيء تأخر فعله مع موجب(2) قد تم
__________
(1) ليست حياة الله كحياة العباد ولا فعله تعالى كأفعالهم، وإدخال الله سبحانه في مثل هذه الكلية لا يصدر إلا ممن هو مريض القلب بمرض التشبيه، وعثمان بن سعيد هذا يصرح في نقضه المنقوض بأن كل حي فعال متحرك ويثبت لله الحركة ويظهر من ذلك كيف يتصور فعل الله، والناظم يقتدي بمثل هذا المخذول، ولعل القارئ ازداد بصيرة وعلم من هذا الكلام بأن الحوادث لا أول لها فيكون فعله لا أول له، وهذه المسألة من المسائل التي كفر علماء الإسلام الفلاسفة بها فليعرفه المغرورون بابن القيم ثم ليعرفوه.
(2) وهذا تصريح منه بأن الله سبحانه فاعل بالإيجاب انخداعا منه بقول الفلاسفة القائلين بقدم العالم وقد أتى أهل الحق بنيانهم من القواعد؛ وإن كان الناظم المسكين بعيداً عن فهم أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء. ثم يناقض الناظم نفسه ويثبت لله الاختيار وهو في الحالتين غير شاعر بما يقول، تعالى الله عما يقول. وأرجو أن يفهم القارئ هنا معنى لابد من اعتقاده وهو أن القائل بأن الله فاعل بالإيجاب في ناحية ودين الإسلام كله في ناحية، وأي مسلم يستطيع أن يقول إن ربنا مرغم على فعل ما يفعله.
________________________________________
والله عاب على المشركين عبادتهم ما ليس بخالق ولا ينطق، والله إله حق دائماً، أفعنه الوصفان(1) مسلوبان أزلا، هذا المحال إن كان رب العرش لم يزل إله الخلق، فكذا لم يزل متكلما فاعلا- والله- ما في العقل ما يقضي لذا بالرد بل ليس في المعقول غير ثبوته، وما دون المهيمن حادث ليس القديم سواه والله سابق كل شيء ما ربنا والخلق مقترنان والله كان وليس شيء(2) غيره لسنا نقول كما يقول اليوناني بدوام هذا العالم المشهود والأرواح في أزل وليس بفان) واندفع في ذكر النصير الطوسي لعنه الله فهو معذور فيه، لكنه لا فرق بينه وبين القائلين بقدم العالم إلا أنه لا يقول بقدم هذه الأجسام المشاهدة والأرواح. وهذه الأجسام والأرواح كالحوادث اليومية التي أجمع كل عاقل على حدوثها، فلو جاء زنديق وقال إنه لم يزل أجسام وأرواح خلقاً من قبل خلق وإنه كان قبل هذه السموات سموات غيرها لا إلى نهاية، وأرواح غير هذه الأرواح لا إلى نهاية لم يكن بينه وبين هذا الناظم فرق إلا أن هذه في غير ذاته تعالى؛ وما قاله الناظم، بحدوثه في ذاته سبحانه وتعالى والتسلسل عنده جائز؛ فبم ينكر على الزنديق الذي يدعي ذلك؟ وأي فرق بين قوله وقوله؟ فإن التزم جوازهما فأي فرق بينهما وبين جرم هذه السماء؟(3)
__________
(1) ليس منذ خلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق، وهكذا كما نقله الطحاوي عن فقهاء الملة لكن أين للمجسم المسكين أن يفهم هذه الحقائق.
(2) والمسلمون جميعهم يعتقدون أن حياة الله لا افتتاح لها، وقد تقدم للناظم أنه يقول: إن كل حي فعال وإن الحياة والفعل متلازمان. ومعنى هذا أن الفعل لا افتتاح له أيضاً فإذن كيف يتفق قوله هذا السابق مع قوله هنا (كان الله وليس شيء غيره) فليعرف ذلك أهل الغرور بابن القيم ثم ليعرفوه.
(3) ولعل المصنف لم ير جزء (حوادث لا أول لها) لابن تيمية إذ قوله فيه خطر جداً.
________________________________________
وقوله (تخلف التأثير بعد تمام موجبه) ففيه اعتراضان: أحدها أن المؤثر خلاف الفاعل بالاختيار والله تعالى فاعل بالاختيار والثاني قوله (بعد تمام موجبه) إن أراد الإيجاب الذاتي فهو قول الفلاسفة والله فاعل بالاختيار، ومن ضرورة الفعل بالاختيار تأخر الفعل عن الاختيار، والتأخر يقتضي الحدوث فكيف يتخلص عن هذه اللكنة. [وإن أراد الوجوب عن الله فسياق العبارة ينافيه].
فصل
[القول في تجويز التسلسل في الماضي]
قال: (فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل قلنا صدقتم وهو ذو إمكان كتسلسل التأثير في مستقبل، وهل بينهما(1) فرق؟ وأبو على [ الجبائي ] وابنه [ أبو هاشم ] والأشعري وابن الطيب [ الباقلاني ] وجميع أرباب الكلام الباطل فرقوا وقالوا ذلك فيما لا يزال حق وفي الأزل ممتنع لأجل تناقض الأزلي والأحداث، فانظر إلى التلبيس في ذا الفرق ترويجاً على العوران والعميان ما قال ذو عقل بأن ذا أزلي لذي ذهن ولا أعيان بل كل فرد فهو مسبوق بفرد ونظيره كل فرد ملحوق بفرد فالآحاد تفنى والنوع(2) لا يفني أزلا وأبداً وتعاقب الآنات ثابت في الذهن كذا في العين، فإن قلتم الآنات حادثة فيقال ماذا تعنون بالآنات؟
__________
(1) لو كان الناظم سعى في تعلم أصول الدين عند أهل العلم قبل أن يحاول الإمامة في الدين لبان له الفرق بين الماضي والمستقبل في ذلك، ولعلم أن كل ما دخل في الوجود من الحوادث متناه محصور، وأما المستقبل فلا يحدث فيه حادث محقق إلا وبعده حادث مقدر لا إلى غير نهاية بخلاف الماضي كما سبق وسيأتي كلام أبي يعلى وغيره في ذلك.
(2) عدم فناء النوع في الأزل بمعنى قدمه، وأين قدم النوع مع حدوث أفراده؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس بخلاف المستقبل وقد سبق بيان ذلك، وقال أبو يعلى الحنبلي في المعتمد: “والحوادث لها أول ابتدأت منه خلافا للملحدة” اهـ، وهو من أئمة الناظم فيكون هو وشيخه من الملاحدة على رأي أبي يعلى هذا فيكونان أسوأ حالاً منه في الزيغ نسأل الله السلامة.
________________________________________
هل تعنون مدة من حين إحداث السموات؟ ونظنكم تعنون ذاك ولم يكن قبلها شيء من الأكوان، هل جاءكم في ذاك من أثر ومن نص ومن نظر ومن برهان؟ إنا نحاكمكم إلى ما شئتم منها أو ليس خلق الكون في الأيام أوليس ذلكم الزمان بمدة، فحقيقة الأزمان(1)
__________
(1) بل الزمان متجدد معلوم يقدر به متجدد مبهم إزالة لإبهامه عند المتكلمين، وجوهر مجرد عند بعض الفلاسفة، وعرض غير قار الذات عند جمهورهم أو هو الفلك الأعظم أو حركته أو مقدار تلك الحركة عند طوائف منهم، وقول الناظم لا يطابق واحداً منها والكلام في الزمان والمكان طويل الذيل مبسوط في موضعه، فكأن الناظم يريد أن يقول: إن الزمان كان موجوداً قبل هذه السموات بدليل تلك الأحاديث فلا مانع من وجوه حوادث لا أول لها متعاقبة في الماضي في آنات متعاقبة لا أول لها، وهو قول الدهرية نفاة الصانع.
فيا ترى ماذا يريد من كون العرش قبل القلم فإن كان أراد أن يجعل لله عرشاً يستقر عليه أزلا إما بقدم العرش قدما نوعيا، كما روى الدواني عن ابن تيمية أو قدما شخصياً لورود (أول ما خلق الله القلم) فحاشاه أن يستقر على عرش استقرار تمكن حادثاً كان العرش أو غير حادث. تعالى عن هذا وذاك.
ولأهل العلم كلام واف في الأحاديث الواردة في أول ما خلق الله تعالى ولا غرض لنا يتعلق بذلك هنا، والعرش هو المخلوق الثالث عند محققي أهل العلم بالحديث.
________________________________________
نسبة حادث لسواه، وأذكر حديث السبق بخمسين ألف سنة سابقة، وعرش الرب فوق الماء من قبل السنين بمدة وزمان والحق أن العرش كان قبل القلم والذين لم يقولوا بدوام فعله(1) عموا عن القرآن والحديث ومقتضى العقول وفطرة الرحمن والبرهان وأسسوا أصل الكلام وبنوا قواعدهم عليه وقادهم قسراً إلى التعطيل، نفي القيام لكل أمر حادث بالرب خوف تسلسل الأعيان فيسد ذاك عليهم بزعمهم إثبات الصانع إذا أثبتوه بخلاف الأجسام، هذى نهايات أقدام الورى في ذا المقام الضيق فمن يأتي بفتح ينجي الورى من الحيرة) انتهى كلامه في هذا الفصل.
وقد صرح بقبائح منها إمكان التسلسل ومنها نسبة أكابر علماء الأشعرية إلى التلبيس ومنها نسبة ذلك إلى القرآن والسنة وأنه لم يجئ أثر ينص على العدم المتقدم وقد جاء (كان(2) الله ولا شيء معه) والشيء يشمل الجسم والفعل والنوع والآحاد.
فصل
__________
(1) القول بدوام فعله تعالى في جانب الماضي قول بحوادث لا أول لها، وقد سبق تسخيف ذلك مرات، قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: “لا يجوز وجود موجدات لا نهاية لعددها سواء كانت قديمة أو محدثة خلافا للملحدة، والدلالة عليه أن كل جملة لو ضممنا إليها خمسة أجزاء مثلا لعلم ضرورة أنها زادت، وكذلك عند النقص، وإذا كان كذلك وجب أن تكون متناهية بجواز قبول الزيادة والنقصان عليها، لأن كل ما يأتي فيه الزيادة والنقصان وجب أن يكون متناهيا من جهة العدد” اهـ، راجع المعتمد المحفوظ تحت رقم 45 من التوحيد في ظاهرية دمشق.
وهذا بالنظر إلى الماضي كما سبق، فتباً لمن يكون أسوأ حالاً في هذه المباحث من أبي يعلى المذكور حاله في دفع شبه التشبيه لابن الجوزي.
(2) أخرجه ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة عن بريدة وفي رواية (ولا شيء غيره).
________________________________________
قال: (هذا(1) الدليل هو الذي أرداهم ما زال أمر الناس معتدلا إلى أن دار في الأوراق فرفعت لوازمه قواعد الإيمان وتركوا حق الأدلة وهي في القرآن ودليلهم لم يأت به الله ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم – بل حدث على لسان جهم وحزبه).
ينبغي أن يقال لهذا الردي انتصب للدليل حتى يرى ما عنده.
قال:
فصل
في الرد على الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش إله يعبد ولا فوق السموات إله يُصلَى له ويسجد).
هذا المدبر يأخذ الكلام يقلبه كما يقلب الحقائق، فإنه جعل مصب كلام خصومه إلى نفي الإله وهم أثبتوا الإله ونفوا كونه فوق العرش. وقوله (المعطلة) يوهم به أنهم معطلة العالم من الصانع وهو يريد به معطلة الخالق من قيام الفعل الحادث به فما أكثر تلبيسه(2) وتدليسه. ومراده بالجهمية (المعتزلة والأشعرية) وليس أحد من المعتزلة اليوم عندنا ظاهراً فلا كلام له إلا مع الأشعرية الذين أكثر الخلق يقتدون بهم، يريد تنقيصهم والطعن فيهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
__________
(1) وهو القول بأن الجسم لا يخلو من حادث في الاحتجاج على حدوث العالم وانتهائه إلى محدث واجب الوجود منزه عن الجسمية والجسمانيات، وهو حجة الله التي آتاها إبراهيم مهما تقولت المجسمة وهذت في ذلك، وقد اعترف بتلك الحجة مثل ابن حزم مع كونه ظاهريا فما للناظم لا يتابعه في ذلك وهو يتابعه في شواذه الباطلة؟ فلعله اتخذه قدوة في الباطل دون الحق.
(2) وكيف يرضى العاقل أن يعد من العلماء -وهم أمناء الله في أرضه- رجلاً كثير الغش لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم – كثرة يتعجب منها أئمة الإسلام، وليس هذا الغش في أمر من أمور الدنيا ولو كان هذا لهان الأمر ولكنه غش في صميم الإسلام فليعرف ذلك المغرورون بابن القيم ثم ليعرفوه.
________________________________________
قال: (والله كان وليس شيء(1) غيره وخلق البرية، فسل المعطل هل هي خارج ذاته أو فيها أو هو عينها لا رابع، ولذلك قال محقق القوم الذي رفع القواعد هو عين الكون فهو الوجود بعينه إن لم يكن فوق الخلائق إذ ليس يعقل بعد إلا أنه فيها كمقالة النصراني فاحكم على من قال ليس بخارج ولا داخل بأنه أوقع عليه(2) حد المعدوم، فإن زعم أن ذلك في الجسم، والرب ليس كذا
__________
(1) وهذا يناقض القول بحوادث لا أول لها ودوام الفعل في جانب الماضي، والناظر كم ينقض غزله وله هوى في إكفار الأمة بكل وسيلة، ولا أدري ماذا يكسب هذا المتهوس إذا لم يبق من الأمة مسلم سوى مكسري الحشوية.
وبين الصوفية أتقياء أبرار يراعون أدق أوامر الشرع في جميع شئونهم ويرون في الوجود ما لا يتنافى مع التكاليف الشرعية كما أن بين المتصوفة زنادقة إباحية، وإجراء الكلام في حق الفريقين بمجرى واحد ليس من الإنصاف في شيء. وكفى أن ينسب إليهم بعض بدع بدون تسرع في إكفارهم، وقال العلامة يوسف البحري من أجلة أصحاب السيد مرتضى الزبيدي فيما علقه على (المجموع في المشهود والمسموع): إن الواجب له عز الوجوب والعظمة والكبرياء فهو منزه عن اللواحق المادية والتعطيلات الإلحادية وإن الممكن له ذل الإمكان وحقارة الاحتياج إليه محقور مقهور محتاج إليه تعالى في وجوده وبقائه وجميع أطواره فلا ينقلب الواجب ممكنا ولا الممكن واجباً، بل الواجب خالق قادر غني والممكن مخلوق عاجز محتاج، فلا يكون أحدهما عين الآخر. وهذا بدهي وبه نزلت الكتب السماوية وجاء به الأنبياء والمرسلون ودعوا الناس إلى اعتقاده وقامت عليه البراهين واتحدت كشوف الأولياء مع طريق النظر في هذا المطلب اهـ ثم شرح كيف يضمحل الوجود الإمكاني في نظر المقبل إلى الله بكليته.
(2) من يعلم هذا البجباج النفاج أنواع التقابل والفرق بين الضدين والنقيضين؟ ومن يفهمه أن الخروج والدخول ضدان لا نقيضان قد يرتفعان عما ليس بجسم بخلاف النقيضين؟
________________________________________
فيقال هذا دعوى واصطلاح اليونان).
إن أراد بالدعوى نفي الجسمية عن الرب وبالاصطلاح ذلك فقد أظهر ما في نفسه، وإن أراد أن النفي إنما يصدق في الأجسام والظاهر أنه مراده فلا يقال فهي اصطلاح.
قال: (والشيء يصدق نفيه عن قابل وسواه ولذا ينفي عنه الظلم المحال والنوم والسنة والطعم والولادة والزوجة، والله وصف الجماد بأنه ميت أصم، ونفى عنه الشعور والنطق والخلق وهو لا يقبل، ولو سلم أن هذا شرط كان في الضدين لا في النقيضين ونفيكم لقبولهما يزيل الإمكان وهو كنفي قيامه بالنفس أو بالغير فإذا المعطل قال إن قيامه بالنفس أو بالغير باطل إذ ليس يقبلهما إلا جسم أو عرض فكلاكما ينفي الإله حقيقة ماذا يرد عليه من هو مثله في النفي صرفاً والفرق ليس بممكن لك والخصم يزعم أن ما هو قابل لهما كقابل لمكان فافرق أو أعط القوس باريها وخل الفشرة وكثرة الهذيان).
فهذا فشار كبير ممن لا يعرف الضدين ولا النقيضين ولا الإمكان ولا الامتناع، يا سبحان الله الدخول والخروج نقيضان أو نفي الوصف بهما يزيل الإمكان أو ينفي الإله؟ هذا خلط.
فصل
قال: في سياق هذا الدليل على وجه آخر إن نفي المعطل كون الإله خارج الأذهان بالغ في الكفر وإن أقر، فإن قال إنه عين الأكوان قال بالاتحاد وجحد ربه، وإن قال غيرها، فإن قال الخلق في ذاته أو ذاته فيهم فهو قول النصارى، وإن قال قائم بنفسه فهو وغيره مثلان أو ضدان أو غيران وعلى التقادير(1)
__________
(1) يلوك لسانه مصطلحات أهل المعقول من غير أن يفهم مرادهم ليظهر عند الحمقى بأنه جامع بين المعقول والمنقول، فالغيران إذا اشتركا في تمام الماهية فهما مثلان، وإلا فإن كانا وجوديين أمكن تعقل أحدهما مع الذهول عن الآخر فهما ضدان، والتباين عندهم باعتبار الصدق أو التحقق لا بمعنى البينونة المفيدة إشغال هذا حيزاً غير حيز ذاك.
والحاصل أنه جعل القسم قسيماً وحمل التباين على التباعد بالمسافة وإشغال كل حيزاً غير حيز الآخر، وحاول أن يستنتج من الدعوى المجردة ما يدعيه.
ولو كان المسكين درس الطوالع مثلاً قبل أن يخوض في هذه المباحث عند عالم كالأصبهاني لما فضح نفسه بهذيان المحمومين، وحق للمصنف أن يقول في ترثرة الناظم أسمع جعجعة ولا أرى طحناً؛ لأن معنى كلام الناظم: إن نفى المعطل الإله في خارج الأذهان فهو كافر، وأن أقر بوجوده بأن قال إنه عين الكون فهو اتحادي ملحد، وإن قال إنهما مثلان أو ضدان أو غيران بدون اختلاف في الجهات فهو قائل بالاتحاد أيضاً. فيا ترى هل لهذا التخريف من معنى عند أهل البصيرة؟
________________________________________
الثلاثة لولا التباين لم يكن شيئان فلذا قلنا إنكم باب من الاتحاد).
أسمع جعجعة ولا أرى طحنا آخره مطالبة بأن ما ليس في حيز كيف يكون موجوداً.
فصل
[نصوص عن ابن تيمية في الفوقية الحسية]
قال: (ولقد أتانا عشرة أنواع من المنقول في فوقية(1) الرحمن مع مثلها أيضاً يزيد بواحد، ها نحن نسردها بلا كتمان).
أخذ هذا الخَلْف السوء يذكر ما قاله شيخه في كتاب العرش وكأنه المقصود بهذا النظم فإنه أطال فيه.
__________
(1) شيخ الناظم يريد بالفوقية الفوقية الحسية كما صرح به فيما رد به على الرازي حيث قال: “إن العرش في اللغة السرير وذلك بالنسبة إلى ما فوقه كالسقف بالنسبة إلى ما تحته، فإذا كان القرآن جعل لله عرشاً وليس هو بالنسبة إليه كالسقف علم أنه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره وذلك يقتضي أنه فوق العرش” اهـ.
ومثل هذه الفوقية لا يقول به إلا مجسم، ونقل البيهقي في مناقب أحمد عن رئيس الحنابلة وابن رئيسها أبي الفضل التميمي أنه قال:” أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة؛ وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف؛ والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل” انتهى.
فالناظم وشيخه متقولان على الشرع وعلى اللغة وعلى إمامهما فضلاً عن باقي الأئمة، عاملهما الله بعدله.
________________________________________
قال: (هذا ومن عشرين وجها يبطل التفسير بـ (استولى) لذي العرفان قد أفردت بمصنف لإمام هذا الشأن بحر العالم(1)
__________
(1) بل هو وارث علوم صابئة حران حقاً، والمستلف من السلف ما يكسوها كسوة الخيانة والتلبيس. وعن هذا الحراني – الذي اتخذه الناظم إماماً- يقول ابن حجر في الدرر الكامنة في ترجمته: “واستشعر أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم، قديمهم وحديثهم، حتى انتهى إلى عمر [بن الخطاب - رضي الله عنه -] فخطأه في شيء فبلغ الشيخ إبراهيم الرقي الحنبلي فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر. وقال في حق على [كرم الله وجهه] أخطأ في سبعة عشر شيئاً ثم خالف فيها نص الكتاب، منها اعتداد المتوفى عنها زوجها أطول الأجلين. وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى إنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه. وذكروا أنه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا، فنسب إلى التجسيم. وافترق الناس فيه شيعا، منهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية [التي رد عليها ابن جهبل] والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله وأنه مستو على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال: أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بالتحيز في ذات الله تعالى، ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله: إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يستغاث به. لأن في ذلك تنقيصا ومنعا من تعظيم رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري، فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك، قال بعض الحاضرين: يعزر, فقال البكري: لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصا يقتل وإن لم يكن تنقيصا لا يعزر. ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في على [كرم الله وجهه ] ما تقدم، ولقوله إنه كان مخذولاً حيثما توجه، وإنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنما قاتل دون الرياسة لا للديانة، وأن عثمان – رضي الله عنه – كان يحب المال. ولقوله أبو بكر – رضي الله عنه – أسلم شيخاً لا يدري ما يقول وعلي كرم الله وجهه أسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قول، ونسب قوم إلى أنه كان يسعى في الإمامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر تومرت ويطريه فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه وله وقائع شهيرة، وكان إذا حوقق وألزم يقول لم أرد هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالا بعيداً” اهـ.
والدرر الكامنة من محفوظات دار الكتب المصرية وقد طبعت حديثاً بمعرفة دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن، وليس بين هؤلاء من ذكره بالإمامة والقدوة في الدين ومن اتخذه إماما إنما تخذه إماما في الزيغ والشذوذ من غير أن يتهيب ذلك اليوم الذي يُدعى فيه كل أناس بإمامهم، فليعتبر بذلك من ظن أن ابن حجر العسقلاني في صف المثنين على إمامته على الإطلاق.
وهذا كلام ابن حجر في هذا الزائغ مع أنه لم يطلع على جميع مخازيه.
ومن أثنى عليه من أهل السنة في مبدأ أمره قبل انكشاف الستر عن بدعه الطامة إنما أثنى عليه تشجيعاً له على العلم لما كانوا يرون فيه في مبدأ نشأته من القابلية للعلم كما كانوا يفعلون مثل ذلك مع كل ناشيء, لكن لما تشعبت هموم ابن تيمية وتوزعت مواهبه في مختلف الأهواء وضاع صوابه بين أمواج البدع التي ارتضاها لنفسه تراجع كل من أثنى عليه من هؤلاء على توالى فتنه بين الأمة وتعاقب أهوائه المخزية وانقلبوا ضده، ولولا مغامراته في شتى العلوم التي يكفى واحد منها ليختص فيه أذكى العلماء لربما برع في علم يتفرغ له بعزيمة صادقة لكن جنى على نفسه بتشتيت مساعيه وراء أهواء بشعة فأصبح في موضع هزء البارعين كلما اختبروه في علم من العلوم التي يدعي الإمامة فيها.
ومن أمثلة ذلك أن صفيّ الدين الأرموي المشهور كان طويل النفس في التقرير إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضاً إلا وقد أشار إليه في التقرير بحيث لا يتم التقرير إلا ويعز على المعترض مقاومته، وكان حضر حينما جمعت العلماء لأجل النظر في المسألة الحموية، ولما عقد المجلس لأجل امتحان ابن تيمية عما أورده في الحموية أخذ الصفي الأرموي يقرر المسألة على طريقته البارعة ليقطع الطرق على ابن تيمية من جميع الوجوه فبدأ ابن تيمية يعجل عليه على عادته ويخرج من شيء إلى شيء على أمل أن ينفق عليه تشغيبه لكن سقط في يده حيث قال له الصفي الأرموي: ما أراك يا بن تيمية إلا كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكان يفر إلى مكان آخر اهـ.
وما ابن تيمية في نظر مثل الأرموي إلا كعصفورة في العلم وإن اتخذه الجهلة الأغرار إماماً بأن نبذوا الأئمة المتبوعين وراء ظهورهم حيث راجت عليهم ثرثرته الفارغة، ولا غرو فإن كل ساقطة لاقطة والطير على أشكالها تقع.
والمسألة الحموية هذه تتضمن القول بالجهة وحبس ابن تيمية بعد هذا المجلس بسبب هذه المسألة ونودي عليه في البلد وعلى أصحابه وعزلوا من وظائفهم، وهذه المسألة هي التي رد عليها العلامة ابن جهبل رداً مشبعاً، وقد علمت بذلك قيمة علم ابن تيمية عند البارعين من أهل العلم.
وههنا لابد من التنبيه على شيء وهو أني كنت كتبت فيما علقت على دفع الشبه لابن الجوزي في (ص47): (بل يروى عنه نفسه أعني ابن تيمية) أنه نزل درجة وهو يخطب على المنبر في دمشق وقال: “ينزل الله كنزولي هذا”، على ما أثبته ابن بطوطة من مشاهداته في رحلته. وقال الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة): ذكروا أنه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: ” كنزولي هذا ” فنسب إلى التجسيم اهـ. وهنا انتهى ما علقته على الموضع المذكور.
وأما ما زاد على ذلك وهو: “ويقول بعض علماء دمشق بأنه رأى هذه الخطبة في مخطوط قديم بزيادة (لا) قبل (كنزولي) والله أعلم”. فزيادة من الأستاذ الناشر اعتماداً على ما سمعه من الشيخ بدران الدوماني كأنه لم يكن يعرف مبلغ اجترائه على المجازفات وإرسال الكلام بدون ميزان.
ولم تكن الجماعة تعتقد أن نزول الله كنزول ابن تيمية حتى يكون لهذا الكلام معنى ما ولأجل ما زيد في كلامي هنا نكت الشيخ خضر الشنقيطي رحمه الله على في (استحالة المعية) وأنا برئ من تلك الزيادة، سامحه الله.
________________________________________
الحراني).
[قول أبي حيان في ابن تيمية]
المصنف المذكور هو كتاب العرش لابن تيمية(1)
__________
(1) وقد استتيب مرات في أمور خطرة وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة وأوردت هنا صورة من صيغ استتابته كما هي مسجلة في (نجم المهتدي) لتكون عبرة للمعتبر وهي هذه:
” الحمد لله. الذي أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت وليس هو حالا في مخلوق أصلا، لا ورق ولا حبر ولا غير ذلك، والذي أعتقده في قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } [طه:5] أنه على ما قال الجماعة الحاضرون وليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلم ذلك إلا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه، لا أعرف كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله وليس على حقيقته وظاهره كما قال الجماعة الحاضرون، وكل ما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل، وكل ما في خطي أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل، وكل ما في ذلك مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا برئ منه، فقد برئت منه وتائب إلى الله من كل ما يخالفه. كتبه أحمد بن تيمية، وذلك يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة.
وكل ما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار في ذلك غير مكره، كتبه أحمد بن تيمية حسبنا الله ونعم الوكيل “.
وبأعلى ذلك بخط قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ما صورته:
اعترف عندي بكل ما كتبه بخطه في التاريخ المذكور، كتبه محمد بن إبراهيم الشافعي.
وبحاشية الخط: اعترف بكل ما كتب بخطه، كتبه عبد الغني بن محمد الحنبلي، وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات هذه صورتها:
كتب المذكور بخطه أعلاه بحضوري واعترف بمضمونه، كتبه أحمد بن الرفعة.
صورة خط آخر: أقر بذلك، كتبه عبد العزيز النمراوي.
صورة خط آخر: أقر بذلك كله بتاريخه، على بن محمد بن خطاب الباجي الشافعي.
صورة خط آخر: جرى ذلك بحضوري في تاريخه، كتبه الحسن بن أحمد بن محمد الحسيني.
وبالحاشية أيضاً ما مثاله: كتب المذكور أعلاه بخطه واعترف به، كتبه عبد الله بن جماعة.
مثال آخر: أقر بذلك وكتبه بحضوري، محمد بن عثمان البوريجي.
وكل هؤلاء من كبار أهل العلم في ذلك العصر، وابن الرفعة وحده له (المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي) في أربعين مجلداً وفي ذلك عبر.
ولولا أن ابن تيمية كان يدعو العامة إلى اعتقاد ضد ما في صيغة الاستتابة هذه بكل ما أوتي من حول وحيلة لما استتابه أهل العلم بتلك الصيغة وما اقترحوا عليه أن يكتب بخطه ما يؤاخذ به إن لم يقف عند شرطه، وبعد أن كتب تلك الصيغة بخطه توج خطه قاضي القضاة البدر ابن جماعة بالعلامة الشريفة وشهد على ذلك جماعة من العلماء كما ذكرنا، وحفظت تلك الوثيقة بالخزانة الملكية الناصرية، لكن لم تمض مدة على ذلك حتى نقض ابن تيمية عهوده ومواثيقه، كما هي عادة أئمة الضلال، وعاد إلى دعوته الضالة ورجع إلى عادته القديمة في الإضلال وكم له من فتن في مختلف التواريخ في سني 698، 705، 718، 721،722، 726 وهي مدونة في كتب التواريخ وفي كتب خاصة، ومجرد تصور شواذه التي ألممنا ببعضها في هذا الكتاب يدل المسترشد المنصف على ما ينطوي عليه من الزيغ وإضلال الأمة، والله سبحانه ينتقم منه.
والغريب أن أتباع هذا الرجل يسيرون وراءه ويتشبهون به في إثارة القلاقل والفتن بين الأمة بمواجهتها بالحكم على أفرادها بالشرك والزيغ والكفر وعبادة الأوثان والطواغيت، يعنون أحباب الله الأنبياء والأولياء يقولون إن من يزورهم يكون عابد الأوثان والطواغيت ومن هذا الطراز في زمننا كثير نراهم بأعيننا ونسمعهم بآذاننا، طهر الله الأرض منهم وأراح العباد من شرهم.
________________________________________
وهو من أقبح كتبه، ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان(1) ما زال يلعنه حتى مات بعد أن كان يعظمه. قال: (منا استوى(2)
__________
(1) قال أبو حيان الأندلسي الحافظ في تفسير قوله تعالى { وسع كرسيه السموات والأرض } [البقرة: 255]: “وقد قرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرناه وهو بخطه سماه كتاب العرش: “إن الله يجلس على الكرسي وقد أخلى مكانا يقعد معه فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم -”، تحيَّل عليه محمد بن عبد الحق وكان من تحيله أنه أظهر أنه داعية له حتى أخذ منه الكتاب وقرأنا ذلك فيه”
كما ترى في النسخ المخطوطة من تفسير أبي حيان؛ وليست هذه الجملة بموجودة في تفسير البحر المطبوع، وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة أنه استفظعها جداً وأكبر أن ينسب مثلها إلى مسلم، فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين.
وقد علمت العواتق في خدورهن حكاية هجر أبي حيان لابن تيمية لهذا السبب بعد أن كان تسرع في إطرائه، وإطراؤه مدون في (الدر الوافر) لابن ناصر الدين الدمشقي، وأما تقول بعض المداهنين بأنه إنما كان هجره لوقوعه في سيبويه حيث قال: أكان سيبويه نبي النحو وقد غلط في كيت وكيت، فرجمٌ بالغيب أمام تصريح أبي حيان صاحب القصة.
نعم هذا تهور وقلة أدب من ابن تيمية، وما هي قيمة نحوه في جانب استبحار سيبويه وأبي حيان في النحو، وإن كان لكل إمام غلطات معدودة في علمه لكن وقوعه في سيبويه في جنب الوقوع في الله سبحانه ليس بشيء مذكور، فحمل هجره الدائم على خلاف ما ذكره الهاجر ليس شأن من يخاف الله، ويتوخى مراضيه. بل ذلك شأن المخدوعين المفتونين.
(2) ويقال لهذا المتعلم بل لو كان (استوى) بمعنى (جلس) لأتى لفظ (جلس) في أحد المواضع السبعة.
ومما يقصر المسافة في الرد على الحشوية التي تدعى التمسك بالظاهر أن قوله تعالى: { ثم استوى } [الأعراف: 53] صيغة فعل مقرونة بما يدل على التراخي، وذلك يدل على أن الاستواء فعل له تعالى متقيد بالزمن وبالتراخي شأن سائر الأفعال وعد ذلك صفة إخراج للكلام عن ظاهره وهذا ظاهر جداً، ولم يرد (المستوي) في عداد أسماء الله الحسنى لا في الكتاب ولا في السنة حتى يصح إطلاقه على الذات العلية على أن يكون صفة أو علماً.
وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا تحدث له صفة فلا مجال لعد ذلك صفة، وقد ذكرتُ وجه حسن الاستعارة التمثيلية في الآية (في لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ) ولعل القارئ المنصف يكاد يعد ذلك متعيناً ولا حاجة إلى إعادة من هناك، فليراجع ثمت.
________________________________________
في سبع آيات بغير لام ولو كانت بمعنى استولى لجاءت في موضع).
وهذا الذي قاله ليس بلازم فالمجاز قد يطرد وحسنه أن لفظ استوى أعذب وأخصر وليس هذا من الاطراد الذي يجعله بعض الأصوليين من علامة الحقيقة، فإن ذلك هو الاطراد في جميع موارد الاستعمال والذي حصل هنا اطراد استعمالها في آيات فأين أحدهما من الآخر؟! ثم إن استوى وزنه افتعل فالسين فيه أصلية واستولى وزنه استفعل فالسين فيه زائدة ومعناه من الولاية فهما مادتان متغايرتان في اللفظ والمعنى، والاستيلاء قد يكون بحق وقد يكون بباطل والاستواء لا يكون إلا بحق؛ والاستواء صفة للمستوي في نفسه بالكمال والاعتدال، والاستيلاء صفة متعدية إلى غيره فلا يصح أن يقال استولى حتى يقول على كذا، ويصح أن يقول استوى ويتم الكلام. فلو قال استولى لم يحصل المقصود، ومراد المتكلم الذي يفسر الاستواء بالاستيلاء التنبيه على صرف اللفظ عن الظاهر الموهم للتشبيه واللفظ المجاز لو عبر عنه باللفظ الحقيقي لاختل المعنى؛ وقد يريد المتكلم أن الاستواء من صفات الأفعال كالاستيلاء المتمحض للفعل من كل وجه ويكون السبب في لفظ الاستواء عذوبتها واختصارها فقط دون ما ذكرناه؛ ولكن ما ذكرناه أحسن وأمكن مع مراعاة معنى الاستيلاء. وانظر قول الشاعر:
قد استوى قيس على العراق من غير سيف ودم مهراق
________________________________________
ولو أتى بالاستيلاء لم يكن له هذه الطلاوة والحسن، والمراد بالاستواء كمال الملك هو مراد القائلين بالاستيلاء، ولفظ الاستيلاء قاصر عن تأدية هذا المعنى، فالاستواء في اللغة له معنيان أحدهما استيلاء بحق وكمال فيفيد ثلاثة معان ولفظ الاستيلاء لا يفيد إلا معنى واحداً. فإذا قال المتكلم في تفسير الاستواء الاستيلاء مراده المعاني الثلاثة وهو أكر يمكن في حق الله سبحانه وتعالى فالمقدم على هذا التأويل لم يرتكب محذوراً ولا وصف الله تعالى بما لا يجوز عليه والمفروض المنزه لا يقدم على التفسير بذلك لاحتمال أن يكون المراد خلافه وقصور أفهامنا عن وصف الحق سبحانه وتعالى مع تنزيهه عن صفات الأجسام قطعاً. والمعنى الثاني للاستيلاء في اللغة الجلوس والقعود، ومعناه مفهوم من صفات الأجسام لا يعقل منه في اللغة غير ذلك والله تعالى منزه عنها، ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام قال شيئاً لم تشهد به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسم(1) المنكر له فيؤاخذ بإقراره ولا يفيد إنكاره. واعلم أن الله تعالى كامل الملك أزلا وأبداً، ولكن العرش وما تحته حادث، فإن قوله { ثم استوى على العرش } لحدوث العرش لا لحدوث الاستواء.
فصل
__________
(1) والإقرار بتجويز الجسمية بكل صراحة موجود في كلام شيخه فيما رد به على الفخر الرازي كما سبق، بل لصاحب الفرج بعد الشدة الشيخ محمد المنبجي الحنبلي من أخص تلاميذ الناظم رسالة في الرد على من ينفي المماسة بكل وقاحة ! وما تخفي صدور هؤلاء أكبر.
فالمؤمن الرشيد يجب عليه أن يتوقى من الوقوع في هاويتهم؛ والمسألة مسألة كفر وإيمان وسننقل نصوصاً من الكتابين المذكورين في مواضع تحذيراً للمغترين.
________________________________________
قال: (وثانيها لفظ العلي والأعلى(1) والعلو بمطلقه عام ونفيه نقص وعلوه فوق الخليقة كلها فطرت عليه الخلق) فيقال أسماء الله قديمة فإن لزم من العلى والأعلى كونه فوق جسم لزم قدم العالم. والذي فطرت عليه والبديهة التعظيم إلى أعلى غاية.
فصل
[كلمة ابن تيمية في العلو والفوقية والرد عليه]
قال: (وثالثها صريح الفوق(2)
__________
(1) العلو ومشتقاته من صفات التنزيه تعالى الله عما يصف به المجسمة، والحمل على علو المكان نزعة وثنية. قال ابن تيمية في التأسيس: “والباري سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة كما أن التقدم على الشيء قد يقال إنه بمجرد الرتبة كما يكون بالمكان مثل تقدم العالم على الجاهل وتقدم الإمام على المأموم فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هن قبلية حقيقية وكذلك العلو على العالم قد يقال إنه يكون بمجرد الرتبة كما يقال العالم فوق الجاهل وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو عال عليه علواً حقيقياً وهو العلو المعروف والتقدم المعروف” اهـ.
فهل يشك عاقل أن ابن تيمية يريد بذلك الفوقية الحسية والعلو الحسي، تعالى الله عما يأفكون، واستعمال العلو ومشتقاته في اللغة العربية بمعنى علو الشأن في غاية من الشهرة رغم تقول المجسمة.
(2) ينص شيخه في كتابه المذكور على أن المراد بالفوقية الفوقية الحسية فكأنه لم يتل في كتاب الله { يد الله فوق أيديهم } [الفتح: 10] و { وفوق كل ذي علم عليم } [يوسف: 76] والمراد بالفوقية فوقية العزة والقهر والتنزه. (والله فوق ذلك) في حديث الترمذي بمعنى أنه يعلو عن مدارك البشر بدليل ما في سنن الترمذي أيضاً من حديث (لو دليتم).
قال ابن جهبل: الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل، وهذا لا يقول به من لا يجسم، وثانيهما بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير، وكما يقال: جلس فلان فوق فلان, والعلم فوق العمل, والصياغة فوق الدباغة. قال تعالى: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } [الزخرف: 32] ولم يطلع أحدهم فوق أكتاف الآخر وقال تعالى عن القبط { وإنا فوقهم قاهرون } [الأعراف: 127] وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم اهـ.
فظهر بذلك بطلان التمسك بكلمة فوق في الآيات والأحاديث في إثبات الجهة له تعالى الله عن مزاعم المجسمة.
________________________________________
مصحوبا بمن وبدونها أحدهما قابل للتأويل والأصل الحقيقة والمجرور لا يقبل التأويل وأصخ لفائدة جليل قدرها إن الكلام إذا أتى بسياقه يبدي المراد أضحى كنص قاطع).
فيقال المجرور أولى بالتأويل لأن قوله تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } [النحل:50] يحتمل أن المراد خوفاً من فوقهم وليس في سياق الكلام ما يبدي المراد الذي ادّعاه فأين الفائدة؟ والفوقية بمعنى القهر وعلو القدر متفق عليها والجهة هي عين النزاع ويلزم منها قدم الجهة.
فصل
قال: (ورابعها عروج الروح والملائكة في سورتي السجدة والمعارج قالوا هما بزمان وعندي يوم واحد عروجهم فيه إلى الديان فالألف مسافة نزولهم وصعودهم إلى السماء الدنيا والخمسون ألف من العرش إلى الحضيض الأسفل).
فيقال له في الآيتين { إليه } فعلى قوله يكون الله في مكانين أحدهما في السطح التحتاني من السماء الدنيا لأنه نهاية الألف والثاني في العرش. ثم إن المسافة إذا فصلت على أن بين السماء والأرض خمسمائة عام وكذا ثخانة كل سماء وما بين كل سماء وسماء لا يبلغ هذا المقدار وهذا لا يتعلق بغرضنا، والمتعلق بغرضنا إلزامه بظاهر قوله { إليه } مع التزامه أن الغاية في المكان. وكون ما بين السماء والأرض خمسمائة عام روي بطرق ضعيفة وفي الترمذي من رواية العباس في حديث الأوعال إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة وهو يوافق قول أهل الهيئة وهذا يرجح أنهما يومان: أحدهما في الدنيا إلى العرش ألف سنة والثاني يوم القيامة خمسون ألف سنة من الشدة وقد جاء أن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين مائة عام في رواية؛ وفي رواية كما بين السماء والأرض (وكلاهما في الترمذي والفردوس أعلى الجنة وفوقه العرش فهذه المسافة أكثر من عشرة آلاف سنة) (1).
فصل
__________
(1) ما بين القوسين في هامش الأصل.
________________________________________
قال: (وخامسها صعود كلامنا(1) والصدقة والحفظة والسعي والمعراج(2) وعيسى وروح المؤمنين ودعاء المضطر ودعاء المظلوم).
وقال في المعراج: (وقد دنا منه إلى أن قدرت قوسان).
وقد علم كل واحد اختلاف المفسرين في قوله تعالى { ثم دنا فتدلى } [النجم: 8] فكيف يستدل به؟ وعيسى في السماء الرابعة ليس على العرش، ورفع الصدقة والكلام وشبههما من المعاني ليس بالانتقال من مكان إلى مكان لأن المعاني لا تنتقل.
فصل
حديث النزول
قال: (وسادسها وسابعها النزول(3) والتنزيل).
وتنزيل القرآن لنزول جبريل به من جهة العلو.
فصل
قال: (وثامنها رفيع الدرجات وفعيل بمعنى المفعول).
__________
(1) قال ابن جهبل: الصعود كيف يكون حقيقة في الكلام؟ مع أن الصعود في الحقيقة من صفات الأجسام فليس المراد إلا القبول اهـ وهذا ظاهر جداً.
(2) قال ابن جهبل: لم يرد في حديث المعراج أن الله فوق السماء أو فوق العرش حقيقة ولا كلمة واحدة من ذلك وهو لم يسرد حديث المعراج ولا بين وجه الدلالة منه حتى نجيب عنه. فلو بين وجه الدلالة لعرفنا كيف الجواب اهـ.
(3) قاتل الله الجهل ما أفتكه !! فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النزول إلى السماء الدنيا على النزول الحسي، وقد حمل حماد بن زيد النزول في الحديث على معنى الإقبال. ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر, ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه (ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النزول إلى الله مع التنزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمة.
________________________________________
ما بقي من تخلف هذا النَّحس إلا أن يجعل لله سلماً يصعد وينزل في درجاته، تعالى الله عما يقول. يحمل على اللفظ فوقَ ما يحتمله ويفهم منه غير مراده فسحقاً له.
فصل
(وتاسعها فوق السماء(1)).
فصل
قال: (وعاشرها الملائكة الذين هم عند الرحمن وكُتّاب رحمته عنده فوق العرش وسائر الأشياء ليست كذلك).
من هم الملائكة الذين هم معه في المكان وجبريل يتأخر عن المكان الذي وصل إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – ؟.
فصل
الإشارة إلى رفع الأيدي إلى السماء
قال: (وحادي عشرها إشارة النبي – صلى الله عليه وسلم – بأصبعه في الموقف لله(2)).
__________
(1) يريد حديث الرقية وفي لفظ الناظم تغيير للفظ الحديث وسيأتي بيان ذلك والرد عليه.
(2) أين في الحديث ذكر الإشارة إلى الله؟ هكذا تكون أمانة مثل الناظم وشيخه في النقل؟ وهل صدر منه – صلى الله عليه وسلم – في خطبة عرفات سوى أن رفع أصبعه ثم نكبها إليهم وهل في ذلك دلالة على أن رفعه كان ليشير به إلى جهة الله سبحانه؟ تعالى الله عن ذلك. والخطيب يرفع يده وينكبها كيف يشاء في أثناء خطبته. وجعل ذلك حجة في شيء لا يصدر إلا ممن في قلبه مرض على أن الأرض كرية فالواقف في شرق الأرض تكون إخمصه في مقابلة إخمص الواقف في غرب الأرض، ومن ضرورة ذلك أن يكون سمتا رأسيهما إلى جهتين متعاكستين فتكون إشارة أحدهما إلى جهة تعاكس الجهة التي يشير إليها الآخر، وهكذا. وكرية الأرض منصوصة في الكتاب والسنة كما في فصل ابن جزم والمنكر لذلك ليس بمنكر لقول أهل الهيئة فقط، ولا للمحسوس فقط. ونسي الناظم الاستدلال في هذا الصدد بالإشارة في التشهد!
________________________________________
جوابه: إن القلب متوجه إلى الرب العالي قدراً, وقهراً على كل شيء ؛ والإشارة إلى جهة العلو التي هي محل ملكه, وسلطانه, وملائكته, والعليين عن خلقه، وقبلة دعائه, ومنزل وحيه؛ وهكذا رفع(1) الأيدي في الدعاء.
فصل
قال: (وثاني عشرها وصفه تعالى بالظاهر وفسر في الحديث (أنت الظاهر فليس فوقك شيء)).
يقال لهذا المدبر إن كان الظاهر يقتضي الفوقية الحسية فاسم الباطن يقتضي التحتية الحسية- تعالى الله.
فصل
دعوى الناظم في الرؤية بدون مقابلة
قال: (وثالث عشرها إخباره أنا نراه في الجنة وهل نراه إلا من فوقنا(2)
__________
(1) ورفع الأيدي إلى السماء لأجل أن السماء منزل البركات والخيرات لأن الأنوار إنما تنزل منها والأمطار، وإذا ألف الإنسان حصول الخيرات من جانبٍ مال طبعه إليه؛ فهذا المعنى هو الذي أوجب رفع الأيدي إلى السماء وقال الله تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون } [الذاريات: 22] ذكره ابن جهبل فيما رد به على العقيدة الحموية لابن تيمية.
وهذا الرد يحق أن يكتب بماء الذهب، ومن حاول الرد عليه من الحشوية فقد وقع على رأسه وكتاب ابن جهبل حقه أن يُفرد بالطبع من طبقات ابن السبكي، ونسخة مخطوطة من كتاب ابن جهبل هذا توجد بمكتبة (لاله لي) باصطنبول.
(2) قال: “إذ رؤية لا في مقابلة من الرائي محال ليس في الإمكان”، وهذا صريح في أنه لا يرى رؤية لا يكون المرئي فيها في مقابلة الرائي فلا يكون؛ أصرح من هذا في القول بالتجسيم.
ومن جملة ما يهذي به الناظم في شفاء العليل (159): “كيف يصح عند ذي عقل، مرئي يرى بالأبصار عيانا لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه ولا أمامه” أهـ وهذا مثل ما هنا. وهو من أبعد الناس عن نفي الرؤية فيكون مجسما صريحاً.
ورؤية الله كما يرى القمر في ليلة البدر يقول عنها ابن قتيبة في (الاختلاف في اللفظ) لم يقع التشبيه فيها على حالات القمر من التدوير والمسير والحدود وغير ذلك وإنما وقع التشبيه في أن إدراكه يوم القيامة كإدراكنا القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك كما لا يختلف في هذا، والعرب تضرب بالقمر المثل في الشهرة والظهور اهـ.
فعار على الناظم وشيخه أن يغيب عنهما ما لم يغب عن مثل ابن قتيبة، لكن الهوى يعمي ويصم. وكلامهما ينبئ عن تشبيه المرئي بالمرئي؛ بل عادة ابن تيمية تهوين شأن التشبيه حتى تجده يقول فيما رد به على الرازي (24- الكواكب) “ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ولا الأكابر من أتباع التابعين ذم المشبهة وذم التشبيه ونفي مذهب التشبيه ونحو ذلك وإنما اشتهر ذم هذا من جهة الجهمية اهـ”كأنه لم يتل قوله تعالى { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] وقوله تعالى: { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [النحل:17] وهو الذي يروي عن ابن راهويه في موضع آخر من ذلك الكتاب (من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم)؛ ويروي أيضاً مثله عن نعيم بن حماد في موضع آخر وهو من أئمتهم بل يروي عن الإمام أحمد نفسه (لا يشبهه شيء من خلقه) في موضع آخر من كتابه المذكور؛ وهذا مما يدل على وقاحته البالغة وقلة دينه، وهل أدل على قلة عقل الرجل من تناقضه في كتاب واحد؟ والله ينتقم منه.
________________________________________
ودعوى سواها مكابرة ولذا قال محقق منكم للمعتزلة ما بيننا خلف فاحملوا معنا على المجسمة إذ قالوا يرى كما يرى القمران فيلزمهم العلو وليس فوق العرش رب هذا الذي والله مودع كتبهم).
ينبغي أن يحضر هذا النحس ويلزم بأن يخرج من كتبهم أنه ليس فوق العرش رب ولن يجده في كتبهم أبداً وتوهمه أنه لا يرى إلا من فوق لقصور عقله. ونقله اتفاقنا مع المعتزلة لعدم فهمه؛ بل بيننا وبينهم وفاق, وخلاف؛ فقوله: ما بيننا وبينكم خلف كذب علينا.
فصل
[بسط الكلام في السؤال بـ (أين) في حديث الجارية]
قال: (ورابع عشرها أين الله في كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث معاوية بن الحكم وفي تقريره لمن سأله رواه أبو رزين).
أقول: أما القول فقوله – صلى الله عليه وسلم – للجارية (أين(1)
__________
(1) وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له ” فمد النبي – صلى الله عليه وسلم – يده إليها وأشار إليها مستفهما من في السماء.. ” الحديث، فتكون المحادثة بالإشارة. على أن اللفظ يكون ضائعاً مع الخرساء الصماء فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لا لفظ الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة -دون كتاب الإيمان- حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنع النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الأفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث. وليس في رواية الليثي عن مالك لفظ (فإنها مؤمنة).
وأما عدم صحة الاحتجاج به في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات. قال الله تعالى: { قل لمن ما في السموات والأرض قل لله } [الأنعام:12] وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام:13] وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى، فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه سبحانه عن المكان والزمان، كما في” أساس التقديس” للفخر الرازي.
ولأن الحديث فيه اضطراب سنداً ومتناً رغم تصحيح الذهبي وتهويله؛ راجع طرقه في كتاب العلو للذهبي وشروح الموطأ وتوحيد ابن خزيمة حتى تعلم مبلغ الاضطراب فيه سنداً ومتناً.
وحمل ذلك على تعدد القصة لا يرضاه أهل الغوص في الحديث والنظر معاً في مثل هذا المطلب، فالروايات على رجل مبهم محمولة على ابن الحكم، ولم يصح حديث كعب بن مالك ولا حديث يروى عن امرأة، فمالك يرويه عن عمر بن الحكم غير مقر بأن يكون غلطاً فيه، ومسلم عن معاوية بن الحكم ولفظهما كما سبقت الإشارة إليه مع نقص لفظ (فإنها مؤمنة) في رواية مالك.
ولفظ ابن شهاب في موطأ مالك عن أنصاري- وهو صاحب القصة في الرواية الأولى – (فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أن محمداً رسول الله؟ قالت: نعم) وأين هذا من ذاك؟ وستعرف حال الذهبي في أواخر الكتاب فلا تلتفت إلى تهويله وتحريفه في هذا الباب فلعل لفظ (أين الله) تغيير بعض الرواة على حسب فهمه؛ والرواية بالمعنى شائعة في الطبقات كلها. وإذا وقعت الرواية بالمعنى من غير فقيه فهناك الطامة، وصاحب القصة لم يكن من فقهاء الصحابة ولا له سوى هذا الحديث في التحقيق، بل كان أعرابياً يتكلم في الصلاة.
على أن (أين) تكون للسؤال عن المكان وللسؤال عن المكانة حقيقة في الأول ومجازاً في الثاني أو حقيقة فيهما.
قال أبو بكر ابن العربي في شرح حديث أبي رزين في العارضة: المراد بالسؤال بأين عنه تعالى المكانة، فإن المكان يستحيل عليه، وأين مستعملة فيه، وقيل إن استعمالها في المكان حقيقة وفي المكانة مجاز وقيل هما حقيقتان، وكل جار على أصل التحقيق مستعمل على كل لسان وعند كل فريق اهـ.
وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى: يقال مكان فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه، فلعل الجارية تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف كل من شأنه العلو اهـ.
فيكون معنى (أين الله) ما هي مكانة الله عندك ومعنى (في السماء) أنه تعالى في غاية من علو الشأن، يتحد هذا المعنى مع معنى (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت نعم).
فإن قيل: فليكن لفظ الرسول – صلى الله عليه وسلم – هو (أين الله) ولفظ الراوي هو (أتشهدين..) رواية بالمعنى على الصورة السابقة.
فالجواب أنه لم يصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في تلقين الإيمان طول أداء رسالته السؤال بأين أو ذكر ما يوهم المكان ولا مرة واحدة في غير هذه القصة المضطربة بل الثابت هو تلقين كلمة الشهادة، فاللفظ الجاري على الجادة أجدر بأن يكون لفظ الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
على أن المحقق السيد الشريف الجرجاني أجاز في شرح المواقف أن يكون السؤال للاستكشاف عن معتقد الجارية هل هي عابدة وثن أرضى أم هي مؤمنة بالله رب السموات.
ومن أهل العلم من يعد العامي معذوراً في اللفظ الموهم, اعتداداً بأصل اعتقاده بالله سبحانه وإن أوهم بعض إيهام في وصفه تعالى، وإليه يشير القرطبي في المفهم في شرح حديث الجارية في صحيح مسلم، قال ابن الجوزي: قد ثبت عند العلماء أن الله لا تحويه السماء ولا الأرض، ولا تضمنه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق جل جلاله عندها اهـ
وعلى تقدير ثبوت لفظ (أين) فالمعنى الذي ذكره الباجي وابن العربي معنى لا حيدة عنه أصلا. وجلالة مقدار هذين الإمامين في الحديث واللغة وأصول الدين والفقه لا يجحدها إلا الجاهلون وقول ذلك الصحابي الذي كان يبغي فوق السماء مظهراً، من الأدلة على ما أشار إليه الباجي.
________________________________________
الله؟ قالت في السماء) وقد تكلم الناس عليه قديماً وحديثاً؛ والكلام عليه معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشاء على بدعه لا يقبل غيرها! وأما حديث أبي رزين(1)
__________
(1) وأما حديث أبي رزين ففي سنده حماد بن سلمة مختلط، وكان يدخل في حديثه ربيباه ما شاءا؛ وليس في استطاعة ابن عدي ولا غيره إبعاد هذه الوصمة عنه، ويعلى بن عطاء تفرد به عن وكيع بن حدس أو عدس، وهو مجهول الصفة، وهو تفرد عن أبي رزين، ولا شأن للمنفردات والوحدان في إثبات الصفات فضلا عن المجاهيل وعمن به اختلاط، فليتق الله من يحاول أن يثبت به صفة لله. وقد سئم أهل العلم من كثرة ما يرد بطريق حماد بن سلمة من الروايات الساقطة في صفات الله سبحانه. وقد روى أبو بشر الدولابي الحافظ عن ابن شجاع عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: ” كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث حتى خرج خرجة إلى عبدان فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر فألقاها إليه اهـ “.
وماذا يجدي تحمس ابن عدي في الدفاع عنه والرد على محمد بن شجاع الإمام افتراءً منه عليه؟ وابن شجاع هذا مات في صلاة العصر وهو ساجد ولا مغمز في علمه وثقته وورعه إلا أنه كان يقف في القرآن ولا يقول إنه مخلوق أو غير مخلوق لعدم ورود هذا وذاك نصاً في الكتاب والسنة، وألف كتاباً في الرد على المشبهة وهذا ذنب لا يغتفر عندهم.
وإنما يدل هذا التحمس على خبيئ لابن عدي الذي لم يتعلم من العربية ما يقوم به لسانه ويصونه من اللحون الفاضحة، وأنَّي لمثله أن يقوم فكرة حتى يتخذ قدوة ؟
وكان ابن شجاع يحذر الرواة من الأخذ بروايات تالفة أدخلها الوضاعون على بعض شيوخ الرواية فيرد عليه عثمان بن سعيد الدارمي المجسم قائلا كيف يجد الوضاعون سبيلا إلى الإدخال على شيوخ في الرواية؟
وابن عدي يعكس الأمر ويجعل الذي يدخل عليهم هو ابن شجاع بدون أي دليل وبدون سوق أي سند كما هو شأن المتقولين؛ وله مع ثقات الرواة وأئمة الأمة في الفقه الذين تكلم فيهم موقف في يوم القيامة، لا يغبط عليه.
والعقيلي على تعنته لم يذكره في كتابه وحديث إجراء الخيل كان ذائعاً بين شيوخ الرواية من الحشوية حتى يشكو من ذلك ابن قتيبة مرَّ الشكوى في (الاختلاف في اللفظ) وهو معاصر لابن شجاع، وكذلك خرجه أبو على الأهوازي بسنده بطريق حماد بن سلمة. وقول الحاكم (أنبأنا إسماعيل بن محمد الشعراني أنه قال: بلغت عن محمد بن شجاع عن حبان بن هلال عن حماد بن سلمة) لا يمكن اتخاذه حجة في كون هذا الخبر مروياً عن حماد بن سلمة بطريق ابن شجاع منفرداً به لأن بين الشعراني وبين ابن شجاع نحو مائة سنة فلا يقل الساقط من الرجال من بينهم عن نحو ثلاثة !! هكذا يفضح الله من يتطاول على الأئمة. راجع ما علقناه على تبيين كذب المفترى في (ص 369).
ومن اطلع على كتاب (نقض عثمان بن سعيد على الجهمي العنيد) الجاري طبعه يعرف سبب مقت الحشوية لهذا الإمام الجليل؛ بل يكفي في معرفة حال حماد ابن سلمة الاطلاع على كتب الموضوعات المبسوطة، في باب التوحيد منها خاصة, فيرى فيها القارئ أخباراً تالفة رويت بطريقه بكثرة بل ما سرده ابن عدي نفسه في الكامل في ترجمة حماد هذا من الأحاديث التالفة المروية بطريقه كاف في معرفة سقوط ما يروى بطريقه في الصفات بل سقوط ابن عدى المتحمس دونه.
منها روايته عن قتادة عن عكرمة.. (أن محمداً رأى ربه في صورة شاب أمرد..) وفي لفظ (..جعداً أمرد عليه حلة خضراء…) إلى غير ذلك من الألفاظ الفاضحة، وقد روى ابن عساكر بطريق أبي القاسم السمرقندي عن قتادة (الأعمى): إني ما حفظت عن عكرمة إلا بيت شعر، وهذا دليل على أنه لم يرض روايته الحديث، وأما ما يروى عن أحمد من سماع قتادة عن عكرمة عدة أحاديث فلا يثبت عن أحمد لأنه بريق رواة من المجسمة القائلين بإقعاد الله رسوله – صلى الله عليه وسلم – في جنبه على العرش، تعالى الله عن ذلك، وقد توسع الفخر بن المعلم القرشي في رد ما يروي عن عكرمة في هذا الصدد ثم قال :” فمعاذ الله أن يرى ربه على صورة أصلا فكيف على صورة قد ذكر مثلها أو أكثرها عن المسيخ الدجال ” اهـ.
فمن التهور البالغ قول ابن صدقة (من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق) بل من يقول به هو الزنديق، ويأسف المرء أن يرى بعض تلك الروايات التالفة مدوناً في كتاب (أخبار الصفات) للدارقطني. وابن المعلم القرشي يؤكد أنه مدسوس في كتاب الدارقطني وليس ببعيد بالنظر إلى أن راويه عنه العشاري والراوي عنه ابن كادش، وستعرف قيمتهما في أواخر ما علقناه على هذا الكتاب.
ويظهر مما رفعه أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه إلى نظام الملك من المحضر – في فتنة الحشوية ببغداد ضد ابن القشيري- اتخاذ رواية حماد هذه دينا؛ فليراجع المحضر المذكور في (تبيين كذب المفتري) لابن عساكر (ص 310) وفيه ما نصه ” … وأبوا إلا التصريح بأن المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنه ينزل بذاته ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط وعليه تاج يلمع وفي رجليه نعلان من ذهب…” تعالى الله عما يشركون. وفي مرسوم الخليفة العباسي الراضي الذي أصدره في فتنة البربهاري ما نصه ” … وتارة إنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين وهيئتكم الرذلة على هيئته وتذكرون الكف والأصابع والرجل والنعلين المذهبين والشعر القطط والصعود إلى السماء والنزول إلى الدنيا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً … ” كما في الكامل لابن الأثير (8-98) إلى غير ذلك من الفضائح المكشوفة.
وحديث أم الطفيل أنكره أحمد والنسائي فلا يمكن أن يصح مثل تلك الرواية, لا يقظة ولا مناماً. راجع (دفع الشبه) لابن الجوزي و (نجم المهتدي) والله ولي الهداية.
________________________________________
ففي سنن الترمذي عنه قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: (كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء, وخلق عرشه(1) على الماء) قال الترمذي: قال أحمد يعني ابن منيع راوي الحديث قال يزيد يعني ابن هارون شيخ أحمد: العماء أي ليس معه شيء. انتهى كلام الترمذي.
وفي رواية (كان في عما) بالقصر؛ ومعناه ليس معه شيء وقيل هو كل أمر لا يدركه عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف والفطن. قال ابن الأثير: ولا بد في قوله (أين كان ربنا) من مضاف محذوف فيكون التقدير أين كان عرش ربنا ويدل عليه قوله تعالى { وكان عرشه على الماء } [هود:7]. قال الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة؛ أي نجري اللفظ على ظاهره من غير تأويل. وقوله من غير أن نكيفه بصفة صريح في التنزيه؛ والعلماء في المتشابهات يؤمنون بها إما بأن يتأولوها وإما بأن يسكتوا مع التنزيه. وهذا المدبر يصدق بعضها ببعض ليقوي الشبهة ويمكن الريبة من قلوب الناس؛ لعنه الله(2).
فصل
قال: (وخامس عشرها الإجماع من(3)
__________
(1) قال أبو بكر ابن العربي في العارضة: والذي عندي أنه أراد بالعرش الخلق كله و(على الماء) بمعنى يمسكه بقدرته لا بعمد ترافده ولا أساس يعاضده، فإنها كانت تكون مفتقرة إلى أمثالها إلى غير نهاية وذلك غير محصول فترده أدلة العقول اهـ.
وهو معنى بديع جداً لمن ألقى السمع وهو شهيد، واستعمال العرش بمعنى الملك شائع. راجع كتاب “أصول الدين” لعبد القاهر البغدادي.
(2) ولعن كل من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وأنت قد جربت أن الإمام السبكي رحمه الله لا يستنزل اللعنات على الناظم إلا عند كلماته الخطرة جداً. عامله الله بعدله.
(3) فيا للعار والشنار على من يهون إجماع المسملين فيما يستدلون به عليه من المسائل الفرعية كيف يزعم إجماع رسل الله على محال؟
وتجد في الكتب المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر كثيراً مما يرده علماء أصول الدين في الاعتقاد كما تجد فيها كثيراً من الأحاديث الملفقة الموضوعة فلا يعول على مثل تلك الكتب في مثل هذا المطلب.
وقد قال ابن حجر المكي في فتاويه إن ذكر الجهة ونحوها مدسوس في كتب الشيخ عبد القادر، وذكر مثله اليافعي قبله في “نشر المحاسن”، وكذلك النجم الأصفهاني قبل اليافعي، وهم لا يعتدون بروايات أمثال الذهبي والناظم وشيخه وابن رجب عنه في هذا الصدد, لأنهم أظناء عندهم فيما يتعلق بالجهة.
ومن المقرر عند أهل السنة أن أهل البدع لا تقبل رواياتهم فيما يؤيدون به بدعهم، فالقائلون بصلاح الشيخ عبد القادر-وهم الجمهور- يبرئونه من تلك البدع ويعدونها مدسوسة في كتبه ولا يوجد بين أهل الحق من يعترف له بالصلاح مع فرض ثبوت تلك المخازي عنه، فعلى فرض ثبوتها عنه فلا حب ولا كرامة.
ومخارق حفيده عبد السلام المتربي لديه تدعو الباحث إلى غاية من الاحتياط في حقه، وقد أشار الحافظ أبو شامة المقدسي في “ذيل الروضتين” إلى ما جرى بينه وبين أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي والوزير العالم ابن يونس الحنبلي. نسأل الله السلامة.
وبين المتصوفة من يلهج كثيراً بمرتبة الإطلاق ومراتب التنزل في المظاهر أخذاً من مذهب السالمية لكن أئمة أصول الدين ليسوا على تصديق التجلي في الصور الذي يقول به هؤلاء بل يعدون ذلك والحلول على حد سواء. فمن حاول الجمع بين أقوال المتكلمين والمتصوفة والحكماء والحشوية في ذلك كالبرهان الكوراني فإنما حاول المحال, والانسلاخ من قيد العقل والنقل معاً. نسأل الله العافية.
وليس بقليل بين الأئمة من جاهر بإكفار القائلين بالجهة كما نقلت نص ذلك من شرح مشكاة المصابيح للعلامة ناصر السنة علي القاري فيما علقته على “دفع شبه التشبيه ” لابن الجوزي (ص 57). وشأن من يخاف الله سبحانه أن ترتعد فرائصه في موطن جاهر فيه بعض الأئمة المتبوعين في أصول الدين، بالإكفار.
[بسط الكلام في رد القول بالجهة]
ولم يرد لفظ الجهة في حديث ما بل قال أبو يعلى الحنبلي في ” المعتمد في المعتقد “: ولا يجوز عليه الحد ولا النهاية ولا قبل ولا بعد ولا تحت ولا قدام ولا خلف لأنها صفات لم يرد الشرع بها وهي صفات توجب المكان اهـ ولعله آخر مؤلفاته بدليل أن امتحانه في الصفات كان سنة 429 قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة.
فمن أثبت له تعالى جهة فقد أثبت له أمثالا وأشباها مع أنه لا مثل له ولا شبيه له تعالى، قال الله تعالى: { ليس كمثله شيء } [الشوري:11] وقال تعالى: { أفمن يخلق كم لا يخلق } [النحل:17] فلعائن الله على من يثبت له تعالى ما لم يثبت له الكتاب ولا السنة من الجهة ونحوها.
وأما ابن رشد الحفيد ففيلسوف ظنين يسعى في إثارة وجوه من التشكيك حول آراء المتكلمين من أهل السنة لينتقم منهم بسبب ردودهم على الفلاسفة إخوانه ولا سيما من أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي. فمن طالع “فصل المقال” و”مناهج الأدلة” لابن رشد وخاصة في بحث قدم العالم قدماً زمانياً وعلم الله بالجزئيات والبعث الجسماني يتيقن ما قلنا في حقه على أنه يقول في فصل المقال (ص13): إن ههنا ظاهراً من الشرع لا يجوز تأويله، فإن كان تأويله في المبادي فهو بدعة، وههنا أيضاً ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله؛ وحملهم إياه على ظاهره كفر في حقهم، وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول اهـ.
وهذا الكلام يهدّ على رأس ابن تيمية وتلميذه ما يريدان أن يبنيا على كلامه، ولو علما مغزى كلامه لأبيا كل الإباء أن يحوما حول كلامه في مثل هذه الأبحاث. فما يكون كفراً في حق طائفة عند ابن رشد يكون إيمانا في حق طائفة أخرى عنده وبالعكس، وهذا هو الذي يحتج ابن تيمية في التأسيس وغيره بقوله في الجهة من غير أن يعقل مغزى كلامه الطويل في مناهج الأدلة.
وأما ما وقع في كلام ابن أبي زيد وابن عبد البر مما يوهم ذلك فمؤول عند محققي المالكية. ولو كان ابن عبد البر لم يكتف بالطلمنكي في أصول الدين ورحل إلى الشرق كالباجي لم يقع في كلامه ما يوهم.
ولم يقع ذكر الجهة في حق الله سبحانه في كتاب الله ولا في سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ولا في لفظ صحابي أو تابعي ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله وصفاته من الفرق سوى أقحاح المجسمة؛ وأتحدى من يدعي خلاف ذلك أن يسند هذا اللفظ إلى أحد منهم بسند صحيح فلن يجد إلى ذلك سبيلا فضلا عن أن يتمكن من إسناده إلى الجمهور بأسانيد صحيحة.
وأول من وقع ذلك في كلامه ممن يدعي الانتماء إلى أحد الأئمة المتبوعين- فيما أعلم- هو أبو يعلي الحنبلي المتوفي سنة 458 حيث قال عند إثباته الحد له تعالى في كتابه (إبطال التأويلات لأحاديث الصفات): “إن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل؛ والعرش محدود؛ فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة له وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة واليسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية فلذلك لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة. وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها” اهـ.
تعالى الله عما يقول المجسمة علواً كبيراً. وهو عين ما ينسب إلى المانوية الحرانية من تلاقي النور من جهة الأسفل مع الظلمة وعدم تناهيه من الجهات الخمس- سبحانك ما أحلمك- ثم تابعه أناس من الحنابلة في نسبة الجهة إلى الله سبحانه منهم أبو الحسن على بن عبيد الله الزاغوني الحنبلي المتوفي سنة 527 ووقع بعده في غنية الشيخ عبد القادر؛ وقد سبق رده.
وإثبات ذلك له تعالى ليس بالأمر الهين عند جمهور أهل الحق بل قال جمع من الأئمة إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العلم العراقي، وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني اهـ فانظر قول ابن تيمية في التسعينية (ص 3): أما قول القائل، الذي نطلب منه أن ينفي الجهة عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفياً وإثباتاً بدعة اهـ، وهذه مغالطة، فإن ما لم يثبته الشرع في الله فهو منفي قطعاً، لأن الشرع لا يسكت عما يجب اعتقاده في الله، وقوله سبحانه { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] نص في نفي الجهة عنه تعالى إذ لو لم تنف عنه الجهة لكانت له أمثال لا تحصى. تعالى الله عن ذلك- ثم انظر قوله في منهاجه (1-264): فثبت أنه في الجهة على التقديرين اهـ لتعلم كيف رماه الله بقلة الدين وقلة الحياء في آن واحد.
وأما ما ينقله الذهبي وغيره من الحشوية من تفسير القرطبي في قوله تعالى: { ثم استوى على العرش } [الأعراف:54] من أنه قال: وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله فتساهل منه في العبارة، فإنه لم يرد لفظ الجهة في عبارة السلف ولا في كتاب الله، ولو أراد ورود هذا اللفظ لكذبه كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – والآثار المروية عن السلف لأن الوارد لفظ { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام:18] و { ثم استوى على العرش } [الأعراف:54] ونحو ذلك بدون تعرض للتكييف بالجهة، وهكذا الوارد في السنة وآثار السلف؛ ويعين قوله “كما نطق به كتابه” أن مراده الفوقية والعلو بلا كيف؛ وذِكْر الجهة سبق قلم منه فلا يكون متمسك للحشوية فيما ذكره القرطبي في تفسيره كيف وهو القائل فيه: “متى اختص بجهة يكون في مكان وحيز فيلزم الحركة والسكون” اهـ، وهو القائل أيضاً في (التذكار في أفضل الأذكار) ص 13: “يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شيء لكان محصوراً أو محدوداً ولو كان ذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق” اهـ.
وفي (ص 207) من الكتاب المذكور: “ثم متبعو المتشابه لا يخلو اتباعهم من أن يكون لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وغير ذلك من يد وعين وجنب وأصبع، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد” اهـ.
فبذلك تبين أن تمسك الحشوية بقول القرطبي السابق من قبيل الاستجارة من الرمضاء بالنار وبه يظهر مذهب المالكية فيمن يقول بذلك كما يظهر قول الشافعية فيه من كفاية الأخيار للتقي الحصني، حيث قال فيها بعد أن أشار إلى كلام الرافعي في كتاب الشهادات: “جزم النووي في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة، قلتُ: وهو الصواب الذي لا محيد عنه” اهـ.
ومن حذاق النظار من استدل على بطلان القول بالجهة بقوله تعالى: { وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق } [المؤمنون:91] باعتبار أن فيه استدلالاً على بطلان التعدد ببطلان لازمه الذي هو انحياز الإله إلى جهة. راجع “شعب الإيمان” للحليمي.
وفي الإكمال شرح مسلم للقاضي عياض: ” ثم من صار من دهماء الفقهاء والمحدثين وبعض متكلمي الأشعرية وكافة الكرامية إلى الجهة أوّل (في) بـ (على) ومن أحال ذلك- وهم الأكثر – فلهم فيها تأويلات… وقد أجمع أهل السنة على تصويب القول بالوقف من التفكر في ذاته تعالى لحيرة العقل هنالك، وحرمة التكييف. والوقف في ذلك غير شك في الوجود ولا جهل بالموجود فلا يقدح في التوحيد بل هو حقيقته. وقد تسامح بعضهم في إثبات جهة تخصه تعالى أو إشارة إليه بحيز يحاذيه، وهل بين التكييفين [أي التكييف المحرم إجماعاً والتكييف بالجهة ] فرق؟! وبين التحديد في الذات والجهة فرق ؟! وقد أطلق الشرع أنه القاهر فوق عباده وأنه استوى على العرش؛ فالتمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في العقل غيره وهي قوله تعالى { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] عصمة لمن وفقه الله تعالى” اهـ.
وقد تعقبه الأبي تعقباً شديداً، وقال ما نسب من القول بالجهة إلى الدهماء ومن بعدهم من الفقهاء والمتكلمين لا يصح ولم يقع إلا لأبي عمر في الاستذكار والتمهيد ولابن أبي زيد في “الرسالة” وهو عنهما متأول. ثم نقل عن الفقهاء التونسيين كابن عبد السلام وابن هارون والفاسيين كالسطي وابن الصباغ اتفاقهم على إنكار ذلك في مجلس الأمير أبي الحسن ملك المغرب. راجع شرح مسلم (2- 241) للأبي.
أقول: إنما ذكر القاضي عياض من صار من الدهماء إلى القول بالجهة، وأين في ذلك نسبة ذلك إلى الدهماء؟! على أن لفظ الجهة لم يقع في كلام أبي عمر ولا في كلام ابن أبي زيد وإن كان ظاهر كلامهما يوهم ذلك. وقد تأول كلامهما المالكية ليكونا مع الجمهور في هذه المسألة الخطرة ولو ترك كلامهما على الظاهر لهويا في هاوية التجسيم وذلك عزيز عليهم أيضاً، وقول القاضي عياض ليس يشمل المشارقة حيث لم يرحل إلى الشرق؛ وإنما قوله بالنظر إلى معنى كلام بعض الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أهل بلاده من أصحاب الطلمنكي وابن أبي زيد وأبي عمر؛ بل لا أذكر وقوع لفظ الجهة في كلام أحد منهم، وإنما جرى ابن رشد الفيلسوف في المناهج على التساهل بذكر ما لم يجر على لسانهم باعتباره معنى كلامهم كما سبق. والحاصل أن التكييف غير جائز إجماعاً – ويمكن جمع جزء في الآثار الواردة في المنع من التكييف والتشيه- ولا شك أن القول بالجهة تكييف لم يقع إلا في عبارات أناس هلكى. وأما تأويل القائلين بالجهة ما يوهم كونه في السماء بمعنى على السماء، كما ذكر القاضي عياض، فلا ينجيهم من ورطة التجسيم لأن (في)في قوله تعالى { ولأصلبنكم في جذوع النخل } [طه: 71] لم تزل تفيد تمكين المصلوب في الجذع كتمكين المظروف في الظرف، وكذلك قوله تعالى { قل سيروا في الأرض } [العنكبوت:20] فحمل لفظ (في) على معنى (على) لا يجدي في الإبعاد عن التمكن. وإنما التأويل الصحيح ما أشار إليه الباجي من استعمال العرب لفظ (هو في السماء) يعنون علو شأنه ورفعة منزلته بدون ملاحظة كونه في السماء أصلا كقول الشاعر:
علونا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنبغي فوق ذلك مظهراً
وظاهر أنه لم يرد إلا علو الشأن. وليس قوله تعالى: { أأمنتم من في السماء } [الملك:16] من هذا القبيل بل الظاهر أن المراد خاسف سدوم وعد (في السماء) بمعنى على السماء ثم جعل على السماء بمعنى (على العرش) باعتبار أن السماء مأخوذة من السمو، غفلة عن شمولها للسقف والسحاب على هذا التقدير غير المتبادر وتخصيصها بالعرش عن هوى مجرد كما لا يخفى. وفيما ذكرناه كفاية لأهل التبصر.
________________________________________
رسل الله، حكى إجماعهم
عبد القادر وأبو الوليد (ابن رشد الفيلسوف) وأبو العباس الحراني(1)
__________
(1) يوجد من يذكره بلقب شيخ الإسلام- وللمبتدعة افتتان بهذا التلقيب لزعمائهم- إيهاماً للضعفاء في العلم أن ما يدعو إليه هذا الزائغ هو الإسلام الصحيح. ويخاف على من يستمر على تلقيبه به بعد أن عرف مخالفاته لشرع الإسلام. ومن ذكره بهذا اللقب من أهل السنة إنما ذكره قبل أن يجاهر ذلك المبتدع ببدعه المعروفة، وأما من استمر على هذا التلقيب من المتأخرين فإنما استمر جهلا ببدعه التي نقلناها من أوثق المصادر أو ظناً منه أنه تاب وأناب وحافظ على عهوده. وقد توسعنا في بيان ذلك فيما علقناه على ذيول طبقات الحفاظ، على ترجمة العلاء البخاري فليراجع هناك، ولعل في كتبنا ولا سيما في هذا الكتاب ما يقنع المنصف في أمر هذا الزائغ.
ومما قال المصنف في حقه في فتاويه (2/210) في أثناء رده على فتيا له في الوقف: “وهذا الرجل كنت رددت عليه في حياته في إنكاره السفر لزيارة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وفي إنكاره وقوع الطلاق إذا حلف به ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي أنه ليس ممن يعتمد عليه في نقل ينفرد به لمسارعته إلى النقل لفهمه- كما في هذه المسألة- ولا في بحث ينشئه لخلطه المقصود بغيره وخروجه عن الحد جداً، وهو كان مكثراً من الحفظ ولم يتهذب بشيخ ولم يرتض في العلوم بل يأخذها بذهنه مع جسارة واتساع خيال وشغب كثير، ثم بلغني من حاله ما يقتضي الإعراض عن النظر في كلامه جملة، وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه، وحبس بإجماع العلماء وولاة الأمور على ذلك ولم يكن لنا غرض في ذكره بعد موته لأن تلك أمة قد خلت ولكن له أتباع ينعقون ولا يعون ونحن نتبرم بالكلام معهم ومع أمثالهم ولكن للناس ضرورات إلى الجواب في بعض المسائل كهذه المسألة.. ” اهـ. وهذا مما يزيدك معرفة بالرجل.
ومن جملة هذيانات هذا الزائغ قوله في (المحصل) للفخر الرازي:
محصل في أصول الدين حاصله
أصل الضلالات والشك المبين فما
من بعد تحصيله أصل بلا دين
فيه فأكثره وحي الشياطين
هذا رأي الرجل في معتقد أهل السنة ولأهل العلم ردود عليه وكنتُ قلت في معارضته:
محصل في أصول الدين حصله
أس الهداية والحق الصراح فمن
من اهتدى فغدا محصن الدين
يرتاب فيه قفا إثر الشياطين
كما قلت فيما سبق في معارضة بعضهم:
إن كان تنزيه الإله تجهماً
جل الإله عن الحوادث أن تحلـ
بخلاف زعم زعيمكم سفها فإن
فالمؤمنون جميعهم جهمي
ــل به وعن جهة وعن كم
تابعتموه فكلكم تيمي
والله سبحانه ولي الهداية.
________________________________________
(ابن تيمية) وله اطلاع، لم يكن من قبله لسواه من متكلم).
ونحن نقطع أيضاً بإجماعهم (على التنزيه) أما يستحي من ينقل إجماع الرسل على إثبات الجهة والفوقية الحسية لله تعالى؟ وعلماء الشريعة ينكرونها؟ أما تخاف منهم أن يقولوا له إنك كذبت على الرسل؟
فصل
قال: (وسادس عشرها إجماع أهل العلم(1)
__________
(1) الناظم يروي عن إمامه أحمد بن حنبل في أعلام الموقعين أن من ادعى الإجماع فهو كاذب. فكيف ساغ له أن يروي هنا الإجماع على الفوقية على خلاف البراهين العقلية والنقلية القائمة.
فابن عباس ومجاهد لم يرو عنهما ما يوهم ذلك إلا أناس هلكى لا تقبل أقوالهم في حيض النساء فضلا عن المسائل الاعتقادية، ومقاتل بن سليمان المروزي شيخ أهل التجسيم في عصره وقد أفسد جماعة من المراوزة. والكلبي هالك عند أهل النقد، وأبو العالية رفيع الرياحي فسر الاستواء بالارتفاع، كما ذكره ابن جرير بطريق أبي جعفر الرازي، وهو متكلم فيه حتى عند الناظم.
وروى الفريابي عن مجاهد تفسير استوى بقوله: علا بطريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. والكلام فيهما مشهور. ولذا ذكر هذا وذاك البخاري من غير سند، ومع ذلك أين الدلالة في ذا وذاك على الفوقية المكانية؟ وأبو عبيدة معمر بن المثني الشعوبي ماذا تكون قيمة كلامه في مثل هذه الأبحاث؟
والأشعري إن كنتم تعتقدون فيه أنه قائل بالفوقية المكانية فما سبب طعن الحشوية كلهم فيه؟ وإنما له رأيان: أحدهما عدم الخوض في الصفات مع إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة بدون تشبيه ولا تمثيل؛ والآخر تأويل ما يجب تأويله بما يوافق التنزيه إذا عنّ ضرورة. وليس في هذا ولا في ذاك القول بالفوقية المكانية، وتأليف “الإبانة” كان في أوائل رجوعه عن الاعتزال لتدريج البربهاري إلى معتقد أهل السنة، ومن ظن أنها آخر مؤلفاته فقد ظن باطلاً. وقد تلاحقت أقلام الحشوية بالتصرف فيها ولا سيما بعد فتن بغداد فلا تعويل على ما فيها مما يخالف نصوص أئمة المذهب من أصحابه وأصحاب أصحابه.
وابن درباس غير مأمون في روايتها لأنه أفسده شيخه في التصوف مع تأخر طبقاته..
والبغوي الشافعي إنما نقل في تفسيره ما يروى عن مثل مقاتل بن سليمان والكلبي تعويلاً على قول أهل النقد فيهما، ودلالة على أن هذا القول قول أهل الزيغ, ومالك قائل بالاستواء بلا كيف، وكذا الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وابن المبارك، وهم براء مما يوجد في روايات عبد الله ابن نافع الصائغ والعشاري والهكاري وابن أبي مريم ونعيم بن حماد والأصطخري وأمثالهم.
و(اعتقاد الشافعي) المذكور في ثبت الكواراني كذب موضوع مروي بطريق العشاري وابن كادش، وسيأتيان في أواخر الكتاب.
وابن خزيمة على سعته في الفقه والحديث جاهل بعلم أصول الدين وقد اعترف بذلك هو نفسه كما في “الأسماء والصفات” للبيهقي (ص200).
وكتاب التوحيد له يعده الرازي كتاباً في الشرك. ويستخف عقله وفهمه في تفسير قوله تعالى { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] وينقل جزءاً من سخفه ويرد عليه رداً مشبعاً فيجب الاطلاع عليه.
ومن الشافعية من يعد من الشافعية كل من تلقي بعض شيء من بعض الشافعية، وهذا ليس بصواب لأن كل متأخر يأخذ عمن تقدمه على أي مذهب كان المتقدم؛ كما لا يخفي على من درس أحوال الرجال.
وابن خزيمة هذا وإن تلقى بعض شيء من المزني في شبيبته لكن لم يكن شافعياً بل ثبتت مساعدته لمحمد بن عبد الحكم في تأليفه ذلك الرد القاسي على الشافعي. وعلى فرض أنه شافعي لا محاباة في المعتقد أيا كان مذهب من زاغ عن السبيل. وهذا المسكين ممن إذا أصاب مرة في المعتقد يخطئ فيه مرات، فليسمح لي ساداتنا العلماء أن أعجب غاية العجب من طبع مثل كتاب التوحيد هذا بين ظهرانيهم بدون أن يقوم أحد منهم بالرد عليه كما يجب. أيقظ الله أصحاب الشأن لحراسة السنة. وابن خزيمة الذي يروي عنه الطحاوي غير ابن خزيمة صاحب كتاب التوحيد وليعلم ذلك.
والإجماع الذي يرويه ابن عبد البر إنما يصح في العلو والفوقية بمعنى التنزه والقهر والغلبة لا بمعنى إثبات المكان له تعالى.
وأبو بكر محمد بن وهب شارح رسالة ابن أبي زيد مسكين مضطرب بعيد عن مرتبة الحجة. وقد ذكرنا ما يتعلق بابن أبي زيد فيما علقناه على “تبيين كذب المفترى” وقد أغنانا ذلك عن تكرير الكلام. ورأي القاضي أبي بكر بن العربي فيه مدون في “القواصم”، وأبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي صاحب الفصول مجسم صريح كأبي الخير يحيى العمراني، وقد كفانا مؤنة الرد عليهما ما قاله فيهما ابن السبكي واليافعي الشافعيان. وعثمان الدارمي السجزي صاحب النقض- وهو غير صاحب المسند- قد سبق القول فيه، وهو يثبت الحركة لله تعالى كحرب بن إسماعيل السيرجاني وقد نقلت فيما كتبت على شروط الأئمة الخمسة ما قاله الحافظ الرامهرمزي في حرب السيرجاني هذا.
وخشيش بن أصرم صاحب كتاب الاستقامة يعرف أهل الاستقامة مبلغ انحرافه، ومن جملة ما هذى به قوله: فإن زعمت الجهمية فمن يخلفه إذا نزل؟ قيل لهم: فمن خلفه في الأرض حين صعد؟!هـ. ولا ينجيه من ورطته كونه من مشايخ أبي داود كما لا ينجي عمران بن حطان كونه من رجال البخاري. وعبد الله بن أحمد إذا ثبت عنه كتاب السنة المنسوب إليه فلا حب ولا كرامة.
وابن أبي حاتم أقر على نفسه بأنه يجهل علم الكلام كما في “الأسماء والصفات” للبيهقي (ص199) وحق مثله أن لا يخوض في أمثال هذه المباحث وأن يهجر قوله إذا خاض.
ومحمد بن أبي شيبة صاحب كتاب العرش مشبِّه كذاب، ومن جملة تخريفاته في كتابه المذكور: أن الله تعالى أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى العرش فاستوى على العرش اهـ تعالى الله عن تخريفات المجسمة.
وابن أبي داود كفانا مؤنة الرد عليه كلام أبيه فيه.
وابن أسباط لا يحتج به في الرواية فكيف يعول على مثله في الصفات؟ وسامح الله اللالكائي والطلمنكي إسماعيل التيمي فإنهم تكلموا في غير علومهم. والباقون كلهم بخير خلا ما أدخل على ابن سلمة ولن يثبت عن هؤلاء سوى أنهم كانوا يقولون: إنه تعالى استوى على العرش بلا كيف وإنه القاهر فوق عباده بلا كيف وأين هذا مما يدعو إليه الناظم؟
تنبيه: روى الناظم في أعلام الموقعين عن أحمد: أن من ادعى الإجماع فهو كاذب ثم حكى هو نفسه في الكتاب نفسه (1-56و114،275،389) وفي (2-33و48و53و241و 290) وغيرها الإجماع والقول بالإجماع في مسائل عن أحمد وغيره ومثل هذا التناقض لا يصدر إلا من مثل الناظم.
وذكر أيضاً في عدة من كتبه في صدد الرد على من يقول بإجماع الصحابة على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد أنه لم يرو ذلك عن عشر الصحابة بل عن عشر عشرهم بل عن عشر عشر عشرهم بل لا تطيقون أن ترووه عن عشرين نفساً منهم. وهو يرمي بذلك إلى أن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا برواية نص عن مائة ألف صحابي مات عنهم النبي – صلى الله عليه وسلم – - وهذا تخريف لم يقل به أحد قبل الناظم لأن الظاهرية يكتفون باتفاق فقهاء الصحابة إلا أنهم يكثرون عدد الفقهاء منهم ويبلغون عددهم إلى نحو مائة وخمسين صحابياً على خلاف الواقع- ثم يناقض نفسه فيقول في إعلام الموقعين (3- 379): “إن لم يخالف الصحابي صحابياً آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع، وقالت شرذمة من المتكلمين (من أتباع النظام) وبعض الفقهاء المتأخرين لا يكون إجماعا ولا حجة، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا؟ فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن وذكر عن أبي حنيفة نصاً وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في موطئه دليل عليه وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جداً اهـ ” ثم ذكر وجه النظر.
وهذا القول هو الصواب لكن الناظم يناقض هذا حينما يؤول كلام أحمد المذكور على خلاف تأويل الجمهور في (1-33) من إعلام الموقعين وعند ما يشذ عن الجماعة في مسائل كالطلاق ونحوه في كثير من كتبه ويهون أمر الإجماع بل ينكره ويتابعه الجهلة الأغرار من أبناء الزمن وفي ذلك عبرة بالغة نلفت إليها أنظار المنصفين.
والحق أن الناظم ليس له أصل يبني عليه وإنما يلبس لكل ساعة لبوسها كما هو شأن أصحاب الأهواء والله ولي الهداية. والحق أن تكذيب أحمد لمن يدعي الإجماع على تقدير ثبوته عنه لابد من حمله على ادعاء من لم يتأهل لنقل الإجماع في مسألة وإلا لتناقض كلامه وعمله.
________________________________________
ابن عباس ومجاهد ومقاتل والكلبي ورفيع وأبو عبيدة والأشعري والبغوي ومالك والشافعي والنعمان ويعقوب وأحمد وابن المبارك وابن خزيمة وقال يقتل من ينكره وحكي ابن عبد البر إجماع أهل العلم أن الله فوق العرش وابن وهب وحرب الكرماني وحكى الإجماع ابن أبي زيد والكرجي في التصنيف الذي شرحه وتفسير عبد بن حميد والنسائي وعثمان الدارمي وابن أصرم وعبد الله بن أحمد والأثرم (وأبو حاتم وابنه ومحمد بن أبي شيبة) وابن أبي داود وابن أسباط وسفيان وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والبخاري والطبري واللالكائي الشافعي وإسماعيل التيمي والطبراني والطلمنكي والطحاوي والباقلاني وابن كلاب والطبري في التفسير والداني وابن سريج وأبو الخير العمراني صاحب البيان وسواهم والله قطاع الطريق أئمة تدعو إلى النيران ما في الذين حكيت عنهم آنفاً من حنبلي واحد بضمان، بل كلهم والله شيعة أحمد، فأصوله وأصولهم سيان، أتظنهم لفظية جهلية هم أهل العقول فتقذفون أولاء بل أضعافهم من سادة العلماء كل زمان بالجهل والتشبيه والتجسيم والتبديع والتضليل والبهتان، يا قومنا الله في إسلامكم لا تفسدوه لنخوة الشيطان، يا قومنا اعتبروا بمصارع من مضى في هذه الأزمان لم يغن عنهم كذبهم ومحالهم وقتالهم بالزور والتدليس عند الناس والحكام والسلطان وبدا لهم أنهم على البطلان ما عندهم شكاية ما يشتكي إلا عاجز، لبستم معنى النصوص وقولنا أسأتم الظن بأئمة الإسلام ما ذنبهم ما الذنب إلا للنصوص لديكم إذا جسمت).
________________________________________
انتهى كلام هذا المدبر، وقد تقدم النقل عن مالك رحمه الله بخلاف ما قاله ولكنه اغتر هنا بما رواه الحسن بن إسماعيل الضراب(1) في كتابه الذي صنفه في فضائل مالك – رضي الله عنه – بأسانيده إلى مالك – رضي الله عنه – أنه أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى(2) ؟ فأمسك عنه مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: الكيف منه غير معقول والاستواء فيه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وإني لأحسبك ضالا، ثم أمر به فأخرج. وفي رواية : فإني أخاف أن يكون شيطانا.
رد المصنف على الناظم في الفوقية
__________
(1) هو أبو محمد محدث مصر المتوفي سنة 392، راجع “إكمال” ابن ماكولا، و”أنساب” ابن السمعاني، و”حسن المحاضرة”، و”الشذرات”.
(2) قال أبو بكر بن العربي في القواصم والعواصم: المطلوب هنا ثلاثة معان: معنى الرحمن ومعنى استوى ومعنى العرش، فالرحمن معلوم والعرش في العربية جاء لمعان ولفظ استوى معه محتمل خمسة عشر معنى في اللغة، فأيها تريدون أو أيها تدعون ظاهراً منها، ولم قلتم إن العرش ههنا المراد به مخلوق مخصوص فادعيتموه على العربية والشريعة… فقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } [طه:5] إن علمنا معناه آمنا قولاً ومعنى، وإن لم نعلم معناه قلنا كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه والسؤال عنه بدعة، فكيف لو رأى من يفسر تعلقه بالله لا يقال إنه بدعة بل أشد من البدعة عنده، فكيف لو سمع من يقول: إن الله فوقه، فكيف بمن يعين فوقية الذات فكيف بمن يقول إنه يحاذيه ويليه تبا له اهـ راجع (24-26) في الجزء الثاني من الكتاب المذكور.
وقد توسع ابن المعلم المحدث في (نجم المهتدي) في بيان محتملات الآية الخمسة عشرة التي أشار إليها أبو بكر ابن العربي فليراجع هناك.
________________________________________
وهذا الكلام صحيح إن صح عن مالك، فإنه ليس فيه إلا الإيمان بآية استوى على العرش كما نطق به القرآن وأن كيفيته غير معقولة، والسائل عنها ضال مبتدع شيطان، وفي ذلك قطع بأن الاستواء ليس على ظاهره المعلوم عند الناس من أنه القعود، فإن ذلك معقول وليس فيه تصريح بفوقية الذات؛ ولا يلزم من قولنا استوى على العرش أن يكون هو على العرش إلا بعد أن نثبت أن الاستواء هو القعود والجلوس كما في المخلوق، وجل الله عن ذلك. فهذا الرجل لم يفهم كلام غيره من العلماء الكثيرين الذي حكى عنهم كلهم. وإنما يؤثر عنهم كلام مقتد بالكتاب يراد به معنى صحيح مع التنزيه، وما لا يوهم التشبيه ولا يقتضيه.
روايات الضراب عن مالك
________________________________________
وقد روى الضراب في هذا الكتاب قال حدثنا عمر بن الربيع ثنا أبو أسامة ثنا ابن أبي زيد عن أبيه عن حبيب كاتب مالك(1) قال: سئل مالك بن أنس عن قول النبي – صلى الله عليه وسلم – (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء كل ليلة) قال: ينزل أمره كل سحر وأما هو فهو دائم لا يزول وهو بكل(2)
__________
(1) وعلى روايته في تفسير النزول عن مالك عول القاضي عياض في المشارق، وقد تكلم في حبيب هذا أهل النقد، إلا أن مالكاً رضي الله عنه كان شديد الانتقاد للرجال، وقوله هو القول الفصل في رجال المدينة، فلا يطمئن القلب إلى أن يكون كاتبه وقارئ موطئه على جمهور المتقلين من مالك غير مرضي عنده.
(2) وظاهر هذا الكلام غير مراد قطعاً، بل المراد أنه لا يوصف بمكان دون مكان حيث تنزه عن الأمكنة. ومن هذا القبيل ما يروى عن بعضهم أن علمه بكل مكان، وحاشا أن يكون المراد بهما حلول ذاته أو صفته في الأمكنة، تعالى الله عما يظن به الجاهلون. وأما قول الترمذي في حديث لهبط على الله (وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف في كتابه) فقد تعقبه ابن العربي في العارضة وقال: إن علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى كل حال فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم. والمقصود من الخبر أن نسبة الباري من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته اهـ.
وما يرويه سريج بن النعمان عن عبد الله بن نافع عن مالك أنه كان يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان. لا يثبت، قال أحمد: عبد الله بن نافع الصائغ لم يكن صاحب حديث وكان ضعيفاً فيه، قال ابن عدي: يروي غرائب عن مالك، قال ابن فرحون: كان أصم أمياً لا يكتب، راجع ترجمة سريج وابن ناف في كتب الضعفاء وبمثل هذا السند لا ينسب إلى مثل مالك مثل هذا. وقد تواتر عنه عدم الخوض في الصفات وفيما ليس تحته عمل كما كان عليه عمل أهل المدينة على ما في شرح السنة للالكائي وغيره.
________________________________________
مكان. وروى الضراب أيضاً في هذا الكتاب بإسناده إلى عبد الرحمن بن القاسم قال سئل مالك عمن يحدث الحديث الذي قالوا: إن الله خلق آدم على صورته، وإن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وإنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد، فأنكر ذلك إنكاراً شديداً ونهى أن يتحدث بها أحد، فقيل له: إن ناساً من أهل العلم يتحدثون بها، فقال: من هم؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد، فقال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذا الأشياء ولم يكن عالما وذكر أبا الزناد فقال لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات وكان صاحب عمل يتبعهم، ورواه الضراب أيضاً من طريق ابن وهب عن مالك. وروى أيضاً عن طريق الوليد بن مسلم قال سألت مالكاً, والأوزاعي وسفيان وليثاً عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقالوا: ارووها كما جاءت! فانظر كلام مالك وكلام غيره، لم يصرحوا ولم يبيحوا إلا روايتها؛ لا اعتقاد ظاهرها الموهم للتشبيه. ومالك شدد(1) في روايتها إلا ما يعلم صحته فيروى مع التنزيه كالقرآن. وهذا النحس وأمثاله يروون في ذلك الجفلاء لأن لهم بدعة لا يبغون عنها حولا، وكل هؤلاء الذين نقل عنهم كلامه إما متأول أراد به قائله معنى صحيحاً غير ما أراد هذا المبتدع، وإما مختلق عليه وحقه أن يسبر. فمن سمى من المتأخرين لم يكن له بصر بالحقائق فزل كما زل شيوخ(2)
__________
(1) بل قال أبو بكر ابن العربي في العارضة: روي عن مالك وغيره أنه إذا روي هذه الأحاديث (أحاديث القبض ونحوه) لو أحد مثل بجارحة قطعت اهـ.
(2) من حشوية الحنابلة قال العفيف اليافعي في (مرهم العلل المعضلة في دفع الشبه والرد على المعتزلة) في الجزء الثالث منه: “ومتأخرو الحنابلة غلوا في دينهم غلواً فاحشاً وتسفهوا سفهاً عظيماً وجسموا تجسيما قبيحا وشبهوا الله بخلقه تشبيها شنيعاً وجعلوا له من عباده أمثالا كثيرة حتى قال أبو بكر بن العربي في العواصم: أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلي الحنبلي كان إذا ذكر الله سبحانه يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: (ألزموني ما شئتم، فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة). قال بعض أئمة أهل الحق: وهذا كفر قبيح واستهزاء بالله تعالى شنيع وقائله جاهل به تعالى لايقتدى به ولا يتلفت إليه ولا متبع لإمامه الذي ينتسب إليه ويتستر به بل هو شريك للمشركين في عبادة الأصنام، فإنه ما عبد الله ولا عرفه، وإنما صور صنما في نفسه، فتعالى الله عما يقول الملحدون والجاحدون علواً كبيراً اهـ “.
ومثل ما نقله ابن العربي عن أبي يعلى هذا منقول في كتب الملل والنحل عن داود الجواربي؛ تعالى الله عن ذلك.
ثم قال اليافعي: “ولقد أحسن ابن الجوزي من الحنابلة حيث صنف كتابا في الرد عليهم, ونقل عنهم أنهم أثبتوا لله صورة كصورة الآدمي في أبعاضها,وقال في كتابه:هؤلاء قد كسوا هذا المذهب شينا قبيحاحتى صار لا يقال عن حنبلي إلا مجسم,قال:وهؤلاء متلاعبون وما عرفوا الله ولا عندهم من الإسلام خبر ولا يحدثون,فإنهم يكابرون العقول وكأنهم يحدثون الصبيان والأطفال,قال:وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام وفضحوا التابع والمتبوع..انتهى”.
والكتاب الذي أشار إليه اليافعي هو (دفع شبه التشبيه) وهو مطبوع فليراجع.
________________________________________
هذا المبتدع وقادته ممن لم يكن قدوة.
فصل
قال: (وسابع عشرها إخباره سبحانه في القرآن عن موسى، وفرعون أنكر التكليم والفوقية العليا. ولنا مئتا دليل على أنه فوق السماء { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك } [ النساء:65] –بالله- هل حدثتكم قط أنفسكم بذا فسلوا أنفسكم عن الإيمان، لكن رب العالمين وجنده ورسوله – صلى الله عليه وسلم – المبعوث بالفرقان هم يشهدون بأنكم أعداء من ذا شأنه أبداً بكل زمان ولأي شيء كان أحمد(1) خصمكم أعني ابن حنبل الرضي الشيباني ولأي شيء كان أيضاً خصمكم شيخ الوجود العالم الحراني) (2)
__________
(1) وإنما خصوم أحمد هم الذين انتموا إليه كذبا وخالفوه في التنزيه، وقال الحافظ ابن شاهين: (رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد الصادق وأحمد بن حنبل) رواه ابن عساكر بطريق أبي ذر الهروي راوية الجامع الصحيح؛ يريد الروافض والمجسمة.
(2) ونحن معاشر أهل الحق لا نبالي بعداء مثله من المبطلين ولا تزال تطن في آذان رواد الحقائق شواذ ابن تيمية السخيفة باطلاعهم عليها في مؤلفاته نفسه وفيما رواه ثقات أهل العلم عنه وكلماته فيما رد به على الرازي في المجلد رقم 25 من الكواكب الدراري بظاهرية دمشق حيث قال: “لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته فكيف على عرش عظيم” آية من آيات خرقه وحمقه، فليصادق من شاء من الخرقي مثله على عدائه لأهل الحق.
والمراسيم الملكية الصادرة في حقه بعد محاكمته أمام جماعة كبار العلماء في عصره مسجلة في كتب التاريخ وكتب خاصة مثل عيون التواريخ ونجم المهتدي ودفع الشبه وغيرها، ولا بأس أن أسجل هنا صورة منها بالنقل من خط الحافظ شمس الدين بن طولون وهي كما رأيتها بخطه رحمه الله: “نسخة مثال شريف سلطاني ملكي تاريخه ثامن عشري رمضان سنة 705:
الحمد لله الذي تنزه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المثال فقال: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [الشورى:11] نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير ونزه خالقه عن التحيز في جهة لقوله تعالى { وهو معكم أينما كنتم والله بما تعلمون بصير } [الحديد:4] ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي نهج سبيل النجاة بما سلك طريق مرضاته وأمر بالتفكر في آلائه ونهى عن التفكر في ذاته- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين علا بهم منار الإيمان، ورفع وشيد بهم قواعد الشرع وما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع.
وبعد، فإن العقائد الشرعية وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية هي الأساس الذي يبنى عليه والموئل الذي يرجع كل أحد إليه والطريق الذي من سلكها فقد فاز فوزاً عظيماً، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ويؤكد دوامها وتصان عقائد هذه الملة عن الاختلاف وتزان بالائتلاف وتخمد نوائر البدع ويفرق من فرقها ما اجتمع.
وكان التقي ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه ومد عنان كلمه وتحدث في مسائل الصفات والذات، ونص في كلامه على أمور منكرات وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون وفاه بما تجنبه السلف الصالحون وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام وانعقد علي خلافه إجماع العلماء والحكام، وشهُر من فتاويه ما استخف به عقول العباد وخالف في ذلك فقهاء عصره وعلماء شامه ومصره وبعث برسائل إلى كل مكان وسمى فتاواه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان فلما اتصل بنا أنه صرح في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم، قمنا في الله مشفقين من هذا النبأ العظيم. وأنكرنا هذه البدعة وعز علينا أن يشيع عمن تضم ممالكنا هذه السمعة، وكرهنا ما فاه به المبطلون، وتلونا قوله سبحانه وتعالى عما يصفون، فإنه جل جلاله تنزه في ذاته وصفاته عن التعديل والنظير: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103] وتقدمت مراسيمنا باستدعاء التقي ابن تيمية إلى أبوابنا عندما سارت فتاواه في شامنا ومصرنا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فهم إلا وتلا { لقد جئت شيئاً نكراً } [الكهف:74].
ولما وصل إلينا تقدمنا بجمع أولى العقد والحل وذوي التحقيق والنقل وحضر قضاة الإسلام وحكام الأنام وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين وعقدوا له مجلس شرع في ملأ من الأئمة وجمع، فثبت عند ذلك جميع ما نسب إليه بمقتضى خط يده الدال على سوء معتقده، وانفصل ذلك الجمع وهم عليه وعلى عقيدته منكرون وآخذوه بما شهد به قلمه قائلين { ستكتب شهادتهم ويسألون } [الزخرف:19] وبلغنا أنه استتيب مراراً فيما تقدم وأخره الشرع لما تعرض إليه وأقدم ثم عاد بعد منعه ولم تدخل تلك النواهي في سمعه، ولما ثبت عليه ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي حكم الشرع الشريف أنه يسجن هذا المذكور ويمنع من التصرف والظهور.
ومن يومنا هذا نأمر بأن لا يسلك أحد مسلك المذكور من المسالك، وننهي عن التشبه به في اعتقاده مثل ذلك، أو يعود له في هذا القول متبعاً أو لهذه الألفاظ مستمعاً, وأن يسرى في التجسيم مسراه، أو يفوه بحد العلو مخصصا كما فاه أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف أو يوسع القول في ذات أو وصف أو ينطق بتجسيم أو يحيد عن الصراط المستقيم أو يخرج عن رأى الأئمة وينفرد به عن علماء الأمة أو يحيز الله تعالى في جهة أو يتعرض إلى حيث وكيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا إلا السيف، فليقف كل واحد على هذا الحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وليلزم كل الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة والخروج من هذه التشبهات الشريدة ولزوم ما أمر الله به والتمسك بأهل المذاهب الحميدة، فإنه من خرج عن أمر الله فقد ضل سواء السبيل، وليس له غير السجن الطويل مستقراً ومقيلاً.
فقد رسمنا أن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية وتلك الجهات مع النهي الشديد والتخويف والتهديد أن لا يتبع التقي ابن تيمية في هذا الأمر الذي أوضحناه، ومن تابعه منهم تركناه في مثل مكانه وأحللناه ووضعناه عن عيون الأمة كما وضعناه، ومن أعرض عن الامتناع وأبى إلا الدفاع أمرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم وإسقاطهم من مراتبهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا قضاء ولا إمامة ولا شهادة ولا ولاية ولا إقامة، فإننا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد وأبطلنا عقيدته التي ضل بها العباد أو كاد، ولتثبت المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك ولتسير إلينا المحاضر بعد إثباتها على قضاة الممالك، فقد أعذرنا حيث أنذرنا، وأنصفنا حيث حذرنا، وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر ليكون أبلغ واعظ وزاجر وأجمل ناه وآمر، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، الحمد لله، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم”.
انتهى ما رأيته بخط الحافظ ابن طولون في المجموعة الحسيبية التي كان فيها “الدرة المضية” و”المقالة في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية” للتقي الأخنائي و”الاعتبار في بقاء الجنة والنار” و”دفع شبه من شبه وتمرد” وغيرها، ونص المرسوم المقروء على الجمهور على منبر جامع القاهرة بعد صلاة الجمعة وعلى منبر جامع الفسطاط بعد العصر سلخ رمضان مدون في “نجم المهتدي” لابن المعلم القرشي.
وما قرئ على منبر جامع دمشق بعد وصول ابن صصري القاضي من مصر به في اليوم السادس عشر من شهر ذي القعدة سنة سبعمائة وخمس مدون في “دفع الشبه” للتقي الحصني. وما نقلناه هنا من المراسيم التي قرئت على منابر البلاد الشامية وألفاظ تلك المراسيم كلها متقاربة في المعنى وفي ذلك كله عبر بالغة، فماذا علينا من عداء مثل هذا الفاتن المفتون.
ومن أحاط علماً بما نقلناه في هذا الكتاب وغيره من نصوص عباراته وتأكد من الأصول صدق النقل واستمر على مشايعته وعلى عده شيخ الإسلام فعليه مقت الله وغضبه، ومن اشتبه في شيء مما نقلناه فنحن على استعداد أن نسهل عليه سبيل الاطلاع على الأصول إن كان لا يكفيه ما يراه بنفسه في منهاجه ومعقوله ونحوهما من كتبه المطبوعة والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.
________________________________________
.
وبالغ هذا الخبيث في الأقذاع والسفاهة بما هو صفته ونسي قول فرعون: [ كما حكي القرآن الكريم ] { ما علمت لكم من إله غيري } [القصص: 38] وتجرأ على علماء المسلمين بما لو نقلناه لطال ولا يحتمل الإبطال.
فصل
قال: (وثامن عشرها تنزيهه سبحانه عن موجب النقصان، فلأي شيء لم ينزه نفسه عن الفوقية).
فنقول قد قال: { ليس كمثله شيء } [ الشورى:11].
فصل
قال: (وتاسع عشرها إلزام المعطل لأي شيء لم يصرح النبي – صلى الله عليه وسلم – بنفس هذا) (1).
ثم استمر هذا السفيه على سفهه.
فصل
قال: (والعشرون نصوص الاستواء(2) سبع والفوق ثلاث والعلو خمسة والنزول أكثر من سبعين نصا، والسماء منفطر به لم يسمح المتأخرون بنقله جبنا(3)
__________
(1) ما للنقائص من آخر، فهل تدون مجلدات في نفي كل نقيصة عنه تعالى بالرواية عن النبي- صلى الله عليه وسلم -؛ وكفى قوله تعالى { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] والمحتاج إلى الإثبات هو المثبت دون المنفي، وكلمة هذا الرجل هذه تقول إن الله تعالى مثبت له من النقائص ملايين الملايين مما لم ينص النبي – صلى الله عليه وسلم – على نفيه بلفظ خاص، وهل يقول هذا عاقل فضلا عن فاضل فضلا عن إمام يعتقد تابعوه أنه وحيد الأمة فضلا وعلما ؟
(2) ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن الاستواء لم يذكر في تلك الآيات إلا بصيغة الفعل المقرونة بأداة التراخي في بعضها، وذلك نص على أن الاستواء فعل من أفعال الله سبحانه لا صفة ذات له تعالى، وجل الإله أن تحدث له صفة بعد أن لم تكن. ومن قال إنه مستو نطق بما لم يأذن الله به كائنا من كان ومن زاد وقال استوى بذاته بمعنى استقر فهو عابد وثن خيالي إن لم يكن عامياً.
(3) وروى الحشوية في تفسيره ألفاظاً وهي (ممتليء به) و (مثقلة به) و (مثقلة به موقرة) و (يئط من ثقل الذات) وركبوا لها أسانيد. فمن أثبت لله سبحانه ثقلا لم يدع ما لم يفه به في التجسيم.
والناظم استنكر إمساك المتأخرين عن ذلك حتى باح بما في نفسه، ويحاول شيخه أن يجعل قول كعب الأحبار في ذلك مما يمكن أن يكون سمعه من الصحابة، فحاشاهم عن ذلك.
وفي جزء المنبجي تلميذ الناظم في هذا الصدد مخاز.
ومن علم الحالة العامة عند مبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – من عراقة البيئة في الوثنية ومنازع الأمم المحدقة بها في التشبيه والتجسيم كما أشرت إلى بعض ذلك في مقدمة “تبيين كذب المفتري” لا يصعب عليه معرفة وجه اندساس أعداء الدين بين الجمهور من عهد التابعين, لبعث ما عندهم من صنوف الزيغ بين أعراب الرواة وبسطاء مواليهم حتى وجدت تلك الأساطير من يذيعها بين الأمة خلفاً عن سلف، قاتلهم الله، ولولا قيام علماء أصول الدين في كل قرن بكشف الستار عن وجوه هؤلاء المخذولين لاستفحل أمرهم؛ وله الحمد في الأخرة والأولى.
وهذا الناظم وشيخه قد جدد الكرة بسلاح جديد بتلبيس معتقدهما الزائغ بلباس النظر والتفلسف تارة على طريقة صاحب “المعتبر” أبي البركات البغدادي اليهودي وبلباس الرواية والأثر تارة أخرى؛ وأمرهما كما ترى مكشوف مفضوح في الحالتين بفضل الله وتوفيقه ولا عذر للمنخدعين بهما بعد ما سردناه في هذا الكتاب.
________________________________________
وضعفاً بل قاله المتقدمون).
هذا الرجل كما قال الله تعالى { فيتبعون ما تشابه منه } [ آل عمران: 7].
فصل
قال: (والحادي والعشرون إتيان رب العرش ومجيئه(1)
__________
(1) قال ابن حزم: روينا عن الإمام أحمد في قوله تعالى { وجاء ربك } [الفجر:23] إنما معناه وجاء أمر ربك كقوله تعالى { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك } [النحل: 33] والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وهكذا نقله ابن الجوزي في تفسيره “زاد المسير”؛ وقال البيهقي في “مناقب أحمد” أنبأنا الحاكم قال حدثنا أبو عمرو بن السماك قال حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت عمي أبا عبد الله يعني أحمد يقول: احتجوا على يومئذ – يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين- فقالوا تجيىء سورة البقرة يوم القيامة وتجيىء سورة تبارك فقلت لهم إنما هو الثواب قال الله تعالى { وجاء ربك } [الفجر: 23] إنما تأتي قدرته، وإنما القرآن أمثال ومواعظ، قال البيهقي وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيئ الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلا مكان كمجئ ذوات الجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته، فإنهم لما زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيئ والإتيان فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجيئ ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ. فعبر عن إظهاره إياها بمجيئه اهـ.
وقال اليافعي بعد أن ساق ذلك: قال العلماء وقد يقتضي الحذف من التعظيم والتفخيم ما لا يقتضيه الذكر، وشواهده من الكتاب كثيرة كقوله تعالى { إنما جزاء الذي يحاربون الله ورسوله } [المائدة: 33] و { إن الذين يؤذون الله ورسوله } [الأحزاب:57] وقد أجمع المسلمون على تقدسه تعالى عن التأذي والضرر، أي يحاربون عباد الله وأولياءه ويوضحه قوله تعالى { فأتى الله بنيانهم } [النحل:26] ليس المراد الإتيان بذاته بالاتفاق وإنما هو أمره ويشهد له قوله تعالى: { أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً } [يونس:24] اهـ. والناظم وشيخه يدعيان الانتماء إلى أحمد ولا يتابعانه في التنزيه كما رأيت نصوص أهل العلم عن أحمد؛ فلا ينخدعن الموفق بثرثرتهما المفضوحة, وتهويلهما المصطنع وإنما ذلك وقاحة منهما قاتلهما الله، ما أجرأهما على الله تعالى.
________________________________________
من أين يأتي لا يأتي إلا من العلو).
ما كفاه إثبات الفوقية حتى أثبت الحركة في الإتيان.
فصل
في الإشارة إلى ذلك من(1) السنة).
قال: (لما قضى الله ربنا الخليقة كتبت يداه كتاب ذي إحسان)
أين لفظ كتبت يداه؟
قال: (ولقد أشار نبينا في خطبة نحو السماء بأصبع وبنان)
تقدم جوابه.
__________
(1) قد أجمع أهل الحق على أنه لا يجوز إثبات صفة الله سبحانه بدون دليل يفيد العلم؛ ولهم في ذلك أدلة ناصعة قال أبو سليمان الخطابي في (الناصحة): لا يجوز أن يعتمد في الصفات إلا على الأحاديث المشهورة التي قد ثبتت صحة أسانيدها وعدالة ناقليها اهـ.
ثم أقام النكير على قوم من أهل الحديث تعلقوا برواية المفاريد والشواذ في الصفات، ونكتفي بهذه الإشارة هنا. ولم يقع كتبت يداه في الصحيح عند ذكر حديث “سبقت رحمتي غضبي”، وأما ما في ابن ماجه فبطريق ابن عجلان وقد ضعفه البخاري ولم يكن مالك يرضاه في الصفات فلا حجة في رواية مثله على أن لفظه (كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق رحمتي سبقت غضبي) قال الله تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54] فكتب إذا تعدى بلفظ على يكون بمعنى أوجب، فيكون معنى الحديث أوجب على نفسه بذاته لا بإيجاب أحد سواه، واستعمال (بيده) بمعنى بذاته شائع كثير، والإيجاب على النفس بمعنى الوعد والوجوب عن الله لا الوجوب على الله. فليس هناك خط ولا مخطوط، ومن الدليل على ما قلنا أن الخط حادث مخلوق فكيف يتصور أن يكون قبل الخلق فلا تغفل مع الغافلين.
________________________________________
قال: (ولقد أتى في رقية المرضى نص بأن الله فوق(1) سمائه وخبر رواه العباس أن الله فوق العرش(2).
__________
(1) ولفظ الحديث (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) يدور هذا اللفظ بين أن يكون بمعنى أنه تقدس اسمه في السماء لأن أهل السماء كلهم منزهون بخلاف أهل الأرض وبين أن يكون بمعنى أنه في السماء واستحالة الثاني تعين الأول والناظم غير اللفظ وادعي أنه نص تحريفا للكلم. على أن في سنده زيادة ابن محمد وهو منكر الحديث. والناظم يستدل بالمنكر في الصفات مع تغيير نص الرواية. والحديث مخرج في سنن أبي داود.
(2) في رواية عبد الرزاق (والله فوق ذلك) ولفظ فوق العرش إنما وقع في بعض الروايات كما سبق. على أن الحديث انفرد به سماك؛ وشيخه عبد الله بن عميرة لم يدرك الأحنف كما نص عليه البخاري فضلا عن أن يدرك عباسا مع كونه مجهول الصفة، وتحسين الترمذي باعتبار أنه مروى عن سماك بطرق لا بمعنى أنه محتج به حيث قال حسن غريب ثم ذكر وقفه عن شريك عن سماك فتكون في رفعه علة أيضاً، ويحيى بن العلاء في مسند عبد الرزاق متروك، هكذا تكون حجج الناظم في السنة لا يبالي أن يكون الحديث من المفاريد أو أن يكون فيه منكر أو مجهول أو انقطاع. دعنا من تخريج الضياء وقد عرف الناس مذهبه في الصفات وقال ابن العربي في العارضة عن حديث الأوعال هذا: وروى غير ذلك ولم يصح شيء منه وإنما هي أمور تلفقت من أهل الكتاب ليس لها أصل في الصحة وقد روي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – انشد قول أمية ابن أبي الصلت:
رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد
ولم يصح اهـ.
________________________________________
واذكر حديث حصين(1)
__________
(1) غلط الناظم في اسم والد حصين كما يظهر من الكتب المؤلفة في الصحابة، وإسلام حصين صاحب القصة مختلف فيه ووصفه بالثقة الرضى مطلقا مجازفة وأقل ما يقال فيه إنه لم يكن ثقة ولا رضى حين المحادثة على تقدير ثبوت الخبر. ولسنا في صدد استقصاء جهالات الناظم. ويريد بحديث حصين ما رواه أحمد بن منيع عن أبي معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران ابن حصين قال قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأبي: ” كم تعبد اليوم إلهاً؟ فقال ستة في الأرض وواحدا في السماء، قال: فأيهم تعده لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال يا حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك، فلما أسلم قال يا رسول الله علمني الكلمتين، قال: ” قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي”. وأخرجه عثمان بن سعيد السجزي الدارمي عن ابن منيع إلى ” الذي في السماء ” فقط في كتاب النقض محتجا به على إثبات الحد والنهاية والمكان له تعالى حتى قال: فلم ينكر النبي – صلى الله عليه وسلم – على الكافر إذ عرف أن إله العالمين في السماء فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله من المريسي وأصحابه…. وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحدوه بذلك… وكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية اهـ ” راجع معقول ابن تيمية في هامش منهاجه (2-30) تجده ينقل ذلك عنه بنصه وفصه بدون استنكار. والناظم أتبع له من ظله في كل صغير وكبير { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } [النور:40] وعثمان الدارمي هذا مجسم قح كما ترى وهو إمام الناظم وشيخه. وإسلام عمران بن حصين أيام خيبر وهذه المحادثة وقعت قبل الهجرة وحصين مشرك ولا يكون من التقرير في شيء ما يشاهده النبي – صلى الله عليه وسلم – في المشرك وسكت عليه، وكيف يتصور عاقل أنه أقره على ما يدعيه الناظم؟ إذ من المحال أن يقره على ستة في الأرض، على أن عرضه الإسلام يدل على استنكار ما قاله حصين وعلى أنه كان على شر وضلال فيما قال؛ وشبيب بن شيبة ضعفه النسائي وغيره وبمثل هذا السند لا يستدل في الأعمال فضلا عن الاستدلال به في المعتقد. وأما ما أخرجه ابن خزيمة في التوحيد فبلفظ آخر زيد فيه كلمة إنقاذاً للموقف لكن في سنده عمران بن خالد وحاله أسوأ من أن يقال: إنه ضعيف, بل هو مكشوف الأمر والروايتان مختلفتان فلا تجمعان ولا تلفقان ولا ينقذ هذا الموقف بمثل ذلك الترقيع، فليتق الناظم رب العالمين من أن يسوق في صفات الله سبحانه أمثال تلك الروايات.
________________________________________
بن المنذر الثقة الرضى أعنى أبا عمران إذ قال: ربي في السماء لرغبتي ولرهبتي أدعوه كل أوان، فأقره الهادي البشير – صلى الله عليه وسلم – ولم يقل أنت المجسم قائل مكان واذكر شهادته لمن قال ربي في السماء(1) بالإيمان وشهادة المعطل له بالكفران، وحديث(2) الأطيط، وحديث النزول(3) وحديث(4)
__________
(1) وليس في رواية يحيى الليثي عن مالك لفظ (فإنها مؤمنة) في حديث الجارية.وقد سبق بيان اضطراب هذا الحديث سنداً ومتناً وعدم صلاحية مثله للاحتجاج إلا في الأعمال دون المطالب الاعتقادية. وقد حمل الشريف الجرجاني لفظ (أين) في الحديث على السؤال الاستكشافي. ومن أهل العلم من قال إن العامي الذي يعلو عن مداركه التنزيه عن المكان يؤخذ بالرفق ويعذر لهذا الحديث بخلاف من عنده بعض إلمام بالعلم، وجعل ابن رشد الحفيد لصاحب البرهان شأنا غير شأن العامي في ذلك، وقد سبق بسط ذلك كله.
(2) قال الذهبي في كتاب العلو: لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت اهـ. وقد ألف الحافظ أبو القاسم بن عساكر جزءاً سماه (بيان التخليط في حديث الأطيط) بيّن فيه وجوه التخليط في روايات الأطيط فلا حاجة لتكلف التأويل بعد ثبوت بطلان تلك الروايات.
(3) وقد سبق بيان ما فيه كفاية في هذا الصدد فلا نعيد الكلام بدون موجب.
(4) يشير به إلى ما ينسب إلى عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – من أنه أنشد:
شهدت بأن وعد الله حقِّ
وأنَّ العرش فوق الماء طاف
وأن النار مثوى الكافرينا
وفوق العرش رب العالمينا
إيهاما لامرأته أنه يتلو القرآن دفعاً لما اتهمته به من نيله جارية له حتى قالت زوجته آمنت بالله وكذبت عيني اهـ
وهذه قصة تذكر في كتب المحاضرات والمسامرات دون كتب الحديث المعتمدة ولم ترد في كتب أهل الحديث بسند متصل ولو من وجه واحد وأما ما وقع في الاستيعاب من قول ابن عبد البر (رويناه من وجوه صحاح) فسهو واضح من الناسخ، وأصل الكلام (من وجوه غير صحاح) فسقط لفظ (غير) فتتابعت النسخ على السهو إذ لم يجد أهل الاستقصاء سنداً واحداً يحتج بمثله في هذه القصة بل كل ما عندهم في هذا الصدد أخبار منقطعة؛ وما يكون في عهد ابن عبد البر مروياً بطرق صحيحة كيف لا يكون مروياً عند من بعده ولو بطريق واحد صحيح ؟ وهذا يعين ما قلناه من سقوط لفظ (غير) في الكتاب.
ولم يتمكن الذهبي بعد بذل جهده من ذكر سند واحد غير منقطع في القصة وأفعال الصحابة كلها جد، وجل مقدار مثل هذا الصحابي عن أن يوهم صحابية أنه يتلو القرآن بإنشاده الشعر لها. وإيهام كون الشعر من القرآن ليس مما يقر عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – فمتن الخبر نفسه يدل على البطلان. على أن الحافظ ابن الجوزي ذكر في كتاب الأذكياء أنه قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
كما انشق مرموق من الصبح ساطع
به موقنات أن ما قال واقع
إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وأين هذا الشعر من ذاك الشعر والحكاية هي هي، ولا مجال لتعدد القصة لأن المرأة لا تخدع بمثل ذاك مرتين.
________________________________________
ابن رواحة.
والمعراج(1) وقريظة(2).
__________
(1) نحيل الناظم في حديث المعراج الذي يريد أن يستدل به هنا على ما كتبه هو نفسه في زاد المعاد في الأوهام الواقعة في حديث شريك في المعراج وقد بسط أهل العلم أغلاطه فيه.
(2) يعني ما يروى عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة بأن يقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم: ” لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة ” وفي سنده النسائي محمد بن صالح التمار ليس بقوي. قال أبو بكر ابن العربي في القواصم: لم يصح اهـ على أن حكم الله يطلع عليه الملائكة باطلاعهم على اللوح المحفوظ فيكون معنى كون حكمه في السماء كون حكمه في اللوح المحفوظ الذي هو في السماء.
________________________________________
وصعود الروح(1) عند الموت، وسخط الله(2) على المرأة التي تهجر زوجها، وحديث جابر في أهل الجنة إذا بنور(3) ساطع فإذا هو الرحمن.
__________
(1) أخرجه أحمد وابن خزيمة وفيه لفظ ” حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الرب. وليس السند إليهما كالسند إلى الأصول الستة، وقد أعرض عن تخريجه أصحاب الأصول الستة. وهذا اللفظ منكر والظاهر أنه من تغيير بعض الرواة وقد أجمع المسلمون على أن الله سبحانه لا تحويه السماء ولا الأرض وأنه منزه عن المكان. قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور أحدها أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا اهـ. وأما هذا فمخالف للكتاب والسنة والمعقول في آن واحد.
(2) ولفظ مسلم “كان الذي في السماء ساخطا عليها ” وليس في هذا اللفظ التصريح بما يرمى إليه الناظم، ومثل هذا الحديث من أخبار الآحاد يحمل على المحكمات. وليس في الحديث ذكر الرب سبحانه وحمله عليه تقول وعلى فرض حمله عليه ليس معنى كونه في السماء الاستقرار والتمكن فيها باتفاق بل معنى ذلك علو الشأن، كما سبق.
(3) أخرجه ابن ماجه بطريق العباداني وهو منكر الحديث؛ وفضل الرقاشي ممن لا يكتب حديثه وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وأقر الذهبي بكونه ضعيف الإسناد وبمثله يحتج الناظم!
________________________________________
وحديث فضل يوم الجمعة (1)، وأمين من في السماء (2)، واذكر حديث أبي رزين(3)
__________
(1) غير صالح للاحتجاج بالمرة ولا سيما في مثل هذا المطلب. ولابن عساكر الحافظ جزء سماه (القول في جملة الأسانيد الواردة في حديث يوم المزيد) وبين فيه وجوه الوهي فيها, وقال: إن لهذا الحديث عن أنس عدة طرق في جميعها مقال. وفي بعض طرق الحديث ما يخيل إلى الناظر أنه في احتفاء بأحد رجالات العرب تعالى الله عما اختلقه أعداء الدين وركبوا له أسانيد ما أنزل الله بها من سلطان.
(2) وهو أمين من في الأرض من المؤمنين وأمين سكان السماوات كلهم فماذا في هذا الحديث مما يرمي إليه الناظم.
(3) سبق الكلام في حديث أبي رزين، ونود أن نعلم هل كان الناظم يعتقد صحة جميع ما في كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن أحمد، فإذا ذاك يسقط التابع والمتبوع، وجل مقدار أحمد أن يصح عنه جميع ما في الكتاب المذكور.
ومن طالعه من أهل العلم لا يتردد أنه ليس بكتاب يحتج بجميع ما فيه. ومن جملة ما فيه: رآه على كرسي من ذهب يحمله أربعة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد وملك في صورة ثور وملك في صورة نسر، في روضة خضراء دونه فراش من ذهب. ومنها: كلمه بصوت يشبه الرعد. ومنها: أوحي الله إلى الجبال إني نازل على جبل منك، ومنها: أن الرحمن ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون حتى إذا قام المسبحون خفف عن حملة العرش ومنها { السماء منفطر به } [المزمل:18] مثقل وممتلئ به. ومنها: انه ليقعد عليه فما يفضل منه إلا قيد أربع أصابع. ومنها فأصبح ربك يطوف في الأرض.. إلى آخر ما تجده في النسخة المطبوعة من كتاب السنة.
وقوله ” نازل على جبل منك ” يذكرنا ما أخرجه أبو إسماعيل الهروي في الفاروق عن كعب: إن الله نظر إلى الأرض فقال إني واطئ على بعضك فاستبقت له الجبال وتضعضعت الصخرة فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه فقال هذا مقامي… اهـ.
وهذا الهروي المخرف يروي في ذم الكلام عن بعض قادته أنه لا تحل ذبائح الأشعرية لأنهم ليسوا بمسلمين ولا بأهل كتاب اهـ، والله ينتقم منه.
وأما الطبراني فمن المعروف عند أهل النقد أنه من الذين يروون الحديث الموضوع والضعيف بدون بيان كونه موضوعاً أو ضعيفاً, بل ينسب إليه تصحيح حديث عكرمة في الرؤية على صورة شاب أمرد… فلا حب ولا كرامة.
________________________________________
وبطوله ساقه ابن إمامنا والطبراني وأبو بكر بن زهير واذكر كلام مجاهد في قوله تعالى { أقم الصلاة … } في سبحان في ذكر تفسير المقام لأحمد(1)
__________
(1) مروي عنه بطرق ضعيفة وتفسيره بالشفاعة متواتر معنى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فأني يناهضه قول تابعي على تقدير ثوبته عنه؟ ومن يقول عن الله سبحانه قد أخلى مكانا للنبي – صلى الله عليه وسلم – في عرشه فيقعده عليه في جنب ذاته فلا نشك في زيغه وضلاله واختلال عقله رغم تقول جماعة البربهارية من الحشوية. وكم آذوا ابن جرير حتى أدخل في تفسيره بعض شيء من ذلك مع أنه القائل:
سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس
ولو ورد مثل ذلك بسند صحيح لرد وعد أن هذا سند مركب، فكيف وهو لم يرفع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أصلاً بل نسب إلى مجاهد بن جبر، نعم لا مانع من أن يكون الله سبحانه يقعده على عرش أعده لرسوله – صلى الله عليه وسلم – في القيامة إظهاراً لمنزلته لا أنه يقعد ويقعده في جنبه، تعالى الله عن ذلك. إذ هو محال يرد بمثله خبر الآحاد على تقدير وروده مرفوعاَ فكيف ولم يرد ذلك في المرفوع حتى قال الذهبي: لم يثبت في قعود نبينا – صلى الله عليه وسلم – على العرش نص، بل في الباب حديث واه. وقال أيضاً: ويروي مرفوعاً وهو باطل.
فما ذكره ابن عطية من التأويل وسايره الآلوسي فليس في محله لأن أصحاب الاستقراء لم يجدوه مرفوعاً حتى نحتاج إلى محاولة التأويل بما يمجه الذوق، ومن ظن أنه يوجد في مسند الفردوس ما يصح في ذلك لم يعرف الديلمي ولا مسنده وأرسل الكلام جزافاً.
جزى الله الواحدي خيراً حيث رد تلك الأخلوقة رداً مشبعاً وكذا ابن المعلم القرشي.
وأما ما يروى عن أبي داود أنه قال من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، فبطريق النقاش صاحب “شفاء الصدور” وهو كذاب عند أهل النقد.
وقال ابن عبد البر إن لمجاهد قولين مهجورين عند أهل العلم أحدهما تأويل المقام المحمود بهذا الإجلاس والثاني تأويل { إلى ربها ناظرة } [القيامة:23] بانتظار الثواب.
وفتنة أبي محمد البربهاري ببغداد في الإقعاد وصمة عار يأبى أهل الدين أن يميلوا إليها لاستحالة ذلك وتضافر الأدلة على تفسير المقام المحمود بالشفاعة وإنما هذه الأسطورة تسربت إلى معتقد الحشوية من قول بعض النصارى بأن عيسى عليه السلام رفع إلى السماء وقعد في جنب أبيه، تعالى الله عن ذلك فحاولوا أن يجعلوا للنبي – صلى الله عليه وسلم – مثل ما جعله النصارى لعيسى عليه السلام كسابقة لهم، تعالى الله عن ذلك، فعليك أن تتهم من يقول إني أتهم من ينفي حديث الإقعاد في جنب الله عز وجل.
________________________________________
إن كان تجسيماً، فإن مجاهداً هو شيخهم بل شيخه الفوقاني وقد أتي ذكر الجلوس به).
هذه الأحاديث كلها قد ذكرها الأئمة وذكروا تأويلاتها من قديم الزمان وإلى الآن.
فصل
(في جناية التأويل(1)
__________
(1) من كلام العرب ما يفهم منه مراد المتكلم بمجرد سماعه بدون احتياج إلى التدبر, ومنه ما لا يفهم المراد منه إلا بعد التأمل فيما يؤول إليه ذلك الكلام.
والتأويل تبيين ما يؤول إليه الكلام بعد التدبر فمن نفى التأويل جملة وتفصيلاً فقد جهل الكتاب والسنة ومناحي كلام العرب في التخاطب.
وأبو يعلى الحنبلي المسكين- من أئمة الناظم- ألف كتابا سماه (إبطال التأويلات في أخبار الصفات) أتى فيه بكل طامة حتى قال عنه أبو محمد رزق الله التميمي الحنبلي: لقد بال أبو يعلى على الحنابلة بولة لا يغسلها ماء البحار. كما ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان. ولفظ ابن الأثير في الكامل أفظع وأما لفظ ابن الجوزي في دفع الشبه فرواية بالمعنى.
وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي في “دفع شبه التشبيه” كثيراً من مخازيه، بل في “تأسيس” ابن تيمية نقول كثيرة من كتاب (إبطال التأويلات) منها إثبات الحد له تعالى من الجانب الأسفل، تعالى الله عن ذلك.
ويأسف الأنسان كل الأسف أن يضل مثل أبي يعلى هذا الضلال وما ذلك إلا من عدوى خلطائه، فلو كان والده الذي كان من أخص أصحاب أبي بكر الرازي الجصاص رأى ما آل إليه أمر ابنه اليتيم عنه لبكى بكاء مراً وتبرأ منه ومن عقائده.
ومما زاد في ويلات الكتاب اعتداده بكل خبر, غير مميز بين المختلق وغيره.
ولأبي يعلى هذا كتاب “المعتمد في المعتقد” وهو قريب إلى السنة ونرجو أن يكون هذا آخر مؤلفاته ليكون قاضياً على ما سلف منه، وإلا فيا للعار والشنار من مسايرة الأشرار.
فمن أول في كل موضع فهو قرمطي كافر، ومن أبي التأويل في كل آية وحديث فهو حجري زائغ كابن الفاعوس الحنبلي الذي لقب بالحجري حيث كان يقول إن الحجر الأسود يمين الله حقيقة.
قال أبو بكر بن العربي عن الظاهرية:
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا
بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً
عنها العدول إلى رأي ولا نظر
ما للأنام ومعلوف من البقر
وقد قال ابن عقيل الحنبلي: “هلك الإسلام بين طائفتين: الباطنية والظاهرية والحق بين المنزلتين وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم يصرفنا عنه دليل ونرفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع “.
وللغزالي جزء لطيف سماه “قانون التأويل” وهو يقول فيه عند البحث فيما إذا كان بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر: “والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلا والمنقول تابعاً وإلى من جعل المنقول أصلا والمعقول تابعاً وإلى من جعل كل واحد أصلا “.
ثم شرح هؤلاء الأصناف الخمسة شرحاً جيداً لا يستغني عنه باحث، حفظنا الله سبحانه من الإفراط والتفريط وسلك بنا سواء السبيل.
وفي الاطلاع على جزء الغزالي هذا فوائد في هذا الصدد.
وأما قول ابن حجر في فتح الباري ” إنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من الصحابة بطريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك- يعني المتشابهات- ولا المنع من ذكره ومن المحال أن يأمر الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – بتبليغ ما أنزل إليه ربه وينزل عليه { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة:3] ثم يترك هذا الباب فلا يميز ما يجوز نسبته إليه تعالى وما لا يجوز مع حثه على التبليغ عنه بقوله – صلى الله عليه وسلم – (ليبلغ الشاهد الغائب) حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وما فعل بحضرته فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله تعالى منها ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم وبالله التوفيق اهـ “.
فليس مما يستطيع الحشوى أن يتخذه سنداً في ترويج مزاعم المشبهة- رغم محاولة بعضهم ذلك- لأنَّ في سياق كلامه ما يحتم التفويض مع التنزيه وهو مذهب جمهور السلف، وليس أحد من أهل العلم يمنع من إجراء المتشابه في الكتاب والسنة المشهورة على اللسان بدون خوض في المعنى. فمن خاض وحمل على ما ينافي التنزيه فهو الذي خالف سبيلهم، بل الصحابة كلهم أجمعوا على تنزيه الله سبحانه عن مشابهة المخلوقات في ذاته وصفاته وأفعاله ومن ضرورة ذلك صرف الألفاظ المستعملة في الخلق عن معانيها المتعرفة بينهم إلى معان تتسامى عنها عند نسبة تلك الألفاظ إلى الله سبحانه على مقتضى قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } وهو تأويل إجمالي.
وأما تعيين تلك المعاني المتسامية تفصيلاً بقرائن قائمة فمما يختلف مبلغ انتباه أهل العلم إليه على اختلاف ما آتاهم الله من الفهم، فمن بان له وجه الكلام كوضح الصبح يسلك طريق التبيين بل يدخل هذا المتشابه في حقه في عداد المحكم- وذلك كالنظري بالنسبة إلى الحدسي وكم من نظري مستصعب عند أناس يكون حدسياً مكشوفاً عند أناس آخرين-.
فأحاديث النزول مثلاً إبعادها عن معان توجب التشبيه والنقلة موضع اتفاق بين أهل الحق سلفاً وخلفاً، وحملها على المجاز في الطرف أو على الإسناد المجازي استعمال عربي صحيح وموافق للتنزيه.
وقد يترجح عند بعضهم الأول وعند بعضهم الثاني، ولكن الذي صح عنده رواية الإنزال أو اطلع على صحة حديث أبي هريرة في سنن النسائي (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضى شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له) يجزم بإرادة الإسناد المجازي في باقي الروايات فيخرج حديث النزول في نظره من عداد المتشابه ويدخل في عداد المحكم حيث رده إليه.
قال الإمام المجتهد ابن دقيق العيد: ” إن كان التأويل من المجاز البين الشايع فالحق سلوكه من غير توقف، أو من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه، وإن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدم جوازه مسألة فقهية اجتهادية والأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة للفريقين اهـ “.
وهذا كلام نفيس جداً ينبئ عن علم جم، وصراحة في بيان الحق، وتوسط حكيم بخلاف كلام الذين يسعون في إرضاء الطوائف بكلام معقد متشابه يفتح باب التقول لمن بعدهم من الزائغين في المتشابهات، وأين هؤلاء من ابن دقيق العيد في التروي والأمانة والصراحة والتحقيق والجمع بين الأصلين والفقه والحديث؟.
وعن ابن دقيق العيد هذا يقول ابن المعلم: (كان مبارزاً لأهل البدع من الحشوية والصوتية والقائلين بالجهة… منكراً عليهم بيده ولسانه ولفظه وجنانه يغري ويؤلب عليهم ولا يدع لهم رأساً قائمة إلا اقتطعها ولا شجرة يخشى شرها إلا اقتلعها).
فتبين من ذلك أن المسلم في سعة من التفويض والتأويل فالأول في حينه أسلم والثاني بشرطه أحكم. فلا يتصور أن ينقل التصريح بوجوب التأويل التفصيلي عن الصحابة لأنه لو نقل لوجب التأويل التفصيلي على العالم والجاهل على حد سواء وهذا مما يبرأ منه الشرع الحنيف.
وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يخوضون في المعضلات حرصاً منهم على معتقد الذين قرب عهدهم بالجاهلية وتدريباً لهم على الأعمال النافعة دون المماحكات الفارغة، لأن الخوض فيها يضر ولا ينفع في شخص وفي وقت دون وقت- وعمل الفاروق- رضي الله عنه – في صبيغ معروف- ولم يتقاعس الصحابة عن الإجابة عند حدوث ضرورة كما فعل ابن عباس رضي الله عنهما مع نافع بن الأزرق فلا يكون المؤوِل بشرطه مخالفاً للصحابة رضي الله عنهم بل مقتديا بهم.
وقد سرد المحدث النظار الفخر بن المعلم القرشي الشافعي في (نجم المهتدي) في باب خاص منه نماذج كثيرة من التأويلات المروية عن الصحابة والتابعين وقد اكتظت كتب التفسير بالرواية بما روي عنهم في هذا الصدد، وكانت الصحابة يفهمون بسليقتهم كلام الله وكلام رسوله- صلى الله عليه وسلم – ولم يكن يصعب عليهم فهم ما يستعصي فهمه على كثير ممن تأخر زمنه عن زمن الوحي، ولم يقع في كلام أحد منهم شيء ينافي التنزيه أصلاً.
وأما ما وقع في بعض الروايات مما يوهم ذلك فمن تغيير أعراب الرواة وأعاجمهم؛ والرواية بالمعنى من غير فقهاء الرواة في حاجة إلى التنقيب والنظر وحيث كان غالب ألفاظ الروايات ألفاظ الرواة- على حسب فهمهم المعاني- لا يعول محققو علماء العربية في اللغة على ألفاظ الحديث المروي بالمعنى فكيف يتصور أن يتخذ علماء أصول الدين ألفاظ هؤلاء الرواة- على حسب أفهامهم- حجة في دين الله من غير نظر فيما إذا كان مخالفاً للتنزيه والبراهين القائمة؟ والحاصل أن التفويض مع التنزيه مذهب جمهور السلف لانتفاء الضرورة في عهدهم والتأويل مع التنزيه مذهب جمهور الخلف حيث عن لهم ضرورة التأويل لكثرة الساعين في الإضلال في زمنهم، وليس بين الفريقين خلاف حقيقي لأن كليهما منزه. ومن أهل العلم من توسط بين هؤلاء وهؤلاء كما أشرت إليه.
وأما المشبهة فتراهم يقولون: نحن لا تؤول بل نحمل آيات الصفات وأخبارها على ظاهرها وهم في قولهم هذا غير منتبهين إلى أن استعمال اللفظ في الله سبحانه بالمعنى المراد عند استعماله في الخلق تشبيه صريح, وحمله على معنى سواه تأويل. على أن الأخبار المحتج بها في الصفات إنما هي الصحاح المشاهير دون الوحدان والمفاريد والمناكير والمنقطعات والضعاف والموضوعات؛ مع أنهم يسوقون جميعها في مساق واحد في كتب يسمونها التوحيد أو الصفات أو السنة أو العلو أو نحوها.
ومن الأدلة القاطعة على رد مزاعم الحشوية في دعوى التمسك بالظاهر في اعتقاد الجلوس على العرش خاصة قوله تعالى: { وإذا سألت عبادي عني فإني قريب } [البقرة:186] وقوله تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } [ق:16] وقوله تعالى: { واسجد واقترب } [العلق:19] وقوله تعالى: { ألا إنه بكل شيء محيط } [فصلت:54] وقوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد:4] إلى غير ذلك مما لا يحصى في الكتاب والسنة والمشهورة مما ينافي الجلوس على العرش.
وأهل السنة يرونها أدلة على تنزه الله سبحانه عن المكان كما هو الحق، فلا يبقى للحشوية أن يعملوا شيئاً إزاء أمثال تلك النصوص غير محاولة تأويلها مجازفة أو العدول عن القول بالاستقرار المكاني فأين التمسك بالظاهر في هاتين الحالتين؟
وهكذا سائر مزاعمهم، على أن من عرف أقسام النظم باعتبار الوضوح والخفاء وأقر بكون آيات الصفات وأخبارها من المتشابه كيف يتصور في هذا المقام ظاهراً يحمل المتشابه عليه؟ وإنما حقه أن يحمل المتشابه في الصفات على محكم قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } [الشورى:11] بالتأويل الإجمالي.
ومن الحشوية من يزعم أن الآية المذكورة متشابهة ليتنكب الحمل المذكور، بل منهم من بلغ به الكفر إلى حد أن يقول: (له ساق كساقي هذه والمراد بالآية نفي المماثلة في الإلهية لا في كل أمر) كما تجد ذلك في ترجمة العبدري الظاهري في تاريخ ابن عساكر.
وهذا كفر بواح !! فتلاوة المشبه الآية المذكورة لا تفيد بمجردها التنزيه بالمعنى الذي يفهمه أهل الحق من الآية فلا تغفل ولا تنخدع.
فمن المضحك المبكي تمسكهم مرة في نفي العلم بالتأويل بقوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } [آل عمران:7] باعتبار الوقف على الاسم الكريم مع دعوى الحمل على الظاهر، وزعمهم أخرى أن التأويل بمعنى التفسير مع الوقف على { والراسخون في العلم } [آل عمران:7] مدعين أنهم يعلمون تأويل المتشابه باعتبار أنهم من الراسخين في العلم ومجترئين على النطق بكلمات في المتشابهات لا ينطق بمثلها من يخاف مقام ربه.
وأما أهل الحق فلا يدعون معرفة جميع التأويل بل يفوضون علمه إلى الله ويردون المتشابه إلى المحكم جملة وتفصيلا ولا يحملون لفظ التأويل في تلك الآية على خلاف معناه المعلوم من السياق، بل يحمل بعض المحققين منهم النفي في الآية- بالوقف على لفظة { الله } كما هو المؤيد دراية ورواية- على سلب العموم دون عموم السلب؛ بالنظر إلى أن التأويل مصدر مضاف؛ فيكون من ألفاظ العموم؛ فبانصباب النفي على العموم يكون المعنى: ما يعلم غيره تعالى بنفسه جميع التأويل وهذا لا يمانع معرفة الرسول – صلى الله عليه وسلم – جميع التأويل بتعليم الله سبحانه وحياً.
ولا يمنع أهل العلم من الأمة من السعي في معرفة ما دون الجميع من التأويل كما هو حكم رفع الإيجاب الكلي، ومنهج كثير من السلف الذين اختاروا الوقف على لفظة { الله } فضلاً عن الخلف وبهذا تعرف قيمة ما أطال به ابن تيمية الكلام في تفسير سورة الإخلاص متظاهراً بالمسايرة مع الخلف مخادعة منه في صدد توهين الوقف على لفظة { الله } مع إخراج التأويل عن معناه ليتمكن من حمل المتشابهات على معتقد الحشوية.
فإذا تدبرت كلامه الطويل هناك تحت نور هذا البيان تجده يضمحل ويذهب هباء ومن الطريف تأويل التأويل ممن ينكر التأويل ويدعي الأخذ بالظاهر.
ثم إني أوصى الشحيح بدينه أن لا يتلفت إلى كلام مثل البرهان الكوراني (وله أمثال) ممن ضاع صوابه بين نزعات متضاربة من حشوية وتصوف وفلسفة وكلام حيث أطلق عنان الهذيان في التلفيق بينها من غير أن يستبحر في علم منها؛ والكلام بعد الاستطراف المجرد موقع في التخريف ومصداق ذلك في (الأمم لإيقاظ الهمم) له في (ص23-26) منه؛ فما يرويه فيه عن كتب تنسب إلى الأشعري على خلاف ما هو مدون في كتب أصحابه وأصحاب أصحابه ليس بموضع تعويل لمنافاته لنقل الكافة ولإبادة الحشوية لكتبه في فتن بغداد ولتصرفهم في البقية الباقية التي يذيعونها بما يخالف نقل الكافة ولعدم روايتها سمعاً بطريق أهل السنة، كما بينت ذلك في موضع آخر. وأما ما يرويه عن عبد الغني المقدسي بسنده عن الشافعي من الاعتقاد فباطل موضوع وفي سنده العشاري وأبو العز بن كادش وسيأتي حالهما في أواخر الكتاب وعبد الغني نفسه ليس ممن يقبل قوله في الصفات. راجع ذيل الروضتين. فلا يعول على مثل هذا السند إلا مثل الكوراني.
وقول الكوراني بالتجلي في الصور مجون في مجون وجنون ليس فوقه جنون، وقال أبو بكر ابن العربي في القواصم والعواصم (2-28) فيمن يحمل حديث (… فيأتيهم في صورة ثم يأتيهم في صورة أخرى …) على التبدل والانتقال والتحول: إنه ليس من أهل القبلة بل حكم بخروجه أصلاً وفرعاً من الملة. وحمل الصورة على ظاهرها فضيحة ليس فوقها فضيحة- والله هو الهادي.
________________________________________
على ما جاء به الرسول).
فذكر أن التأويل أصل كل بلية ثم قال: (والتأويل الصحيح هو تفسيره وظهور معناه كقول عائشة يتأول القرآن وحقيقة التأويل معناه الرجوع إلى الحقيقة لا خلف بني أئمة التفسير في هذا، تأويله هو عندهم تفسيره بالظاهر(1)
__________
(1) وحمل التأويل على معنى التفسير في باب المتشابهات تحريف للكلم عن مواضعه. وملاحظة ظاهر للمتشابه جهل يأباه كثير من العامة فضلاً عن الخاصة؛ وقد رضي الناظم لنفسه بهذا الجهل وأنى يتصور ظاهر في متشابه؟
فالظاهر في اللغة يقابل الخفي فلا يتصور حيث لا يكون المدلول عليه واضحاً فلا يعقل أن يلاحظ هذا المعنى في المتشابه الذي هو غاية في الخفاء، وأما في أصول الفقه فهو بمعنى الراجح من الاحتمالين بالوضع أو بالدليل وهو من أقسام الوضوح المقابل للخفاء الذي من أقسامه المتشابه فلا يتصور اجتماعهما في لفظ.
ويطلق الظاهر أيضاً على ما يدل على المراد بإحدى الدلالات المعتبرة عند أهل اللسان فيكون مقابلا للباطن الذي ابتدعه القرامطة، ولا شأن لهذا المعنى في هذا المبحث.
وقد يطلق الظاهر بمعنى المستفيض المشهور وهو مراد من يقول من أهل السنة (بإجراء أخبار الصفات على ظاهرها) حيث يريد إجراء اللفظ المستفيض عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في صفات الله على اللسان كما ورد مع التفويض أو التأويل على ما سبق، وهذا المعنى هو المراد في قول الفقهاء (هذا ظاهر الرواية) يعنون أنه المروي عن صاحب المذهب بطريق الاستفاضة والشهرة.
وفيما علقت على الاختلاف في اللفظ (ص45): ” أما ما يروى عن بعض السلف من إجراء أحاديث الصفات وإمرارها على ظاهرها فليس بمعنى الظاهر المصطلح في أصول الفقه الذي يبقى حين ترجح الاحتمال الآخر بالدليل كالنجم عند شروق الشمس ولا بمعنى ما يظهر للعامة من اللفظ، بل بالمعنى المقابل للغريب الذي ينفرد بلفظه راو في إحدى الطبقات فيكون بمعنى تجويز إمرار اللفظ على اللسان وإجرائه عليه إذا كان اللفظ مرويا بطريق الظهور والشهرة في جميع الطبقات كما وقع إطلاق الظاهر بهذا المعنى في كلام الإمام مالك – رضي الله عنه – وغيره؛ وقد يغالط بعضهم في ذلك فيضل ويضل فلزم التنبيه على ذلك اهـ “.
________________________________________
ما قال منهم قط شخص واحد تأويله صرف عن الرجحان ولا نفي الحقيقة).
قال الله تعالى في المتشابه { ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } [ آل عمران:7] فكيف يكون تأويله تفسيره بالظاهر والمتشابه لا ظاهر له وقوله ما قال منهم أحد إن التأويل صرف عن الرجحان: كذب بل خلق قالوا ذلك ويطلق التأويل أيضاً على تدبر القرآن وتفهم معناه.
(فصل)
فيما يلزم مدعي التأويل.
ثم قال: (دليل صارف واحتمال الفظ وتعيين المقصود).
هذا كثرة كلام في أمر سهل مفروغ منه.
(فصل)
(في طريقة ابن سينا(1) وذويه من الملاحدة في التأويل).
ذكر ابن سينا والملاحدة هنا للتنفير وإلا لما جاء بابن سينا والملاحدة معنا.
قال: (ويقول تأويلي كتأويل الفوقية والصفات والعلو تأويله أشد من تأويل القيامة وحدوث العالم).
ليس مقصود هذا الناظم إلا أن يفظع مقالات خصومه من الفقهاء وأهل العلم ويجعلها في قلوب العامة أقبح من مقالات الفلاسفة لتشتد نفرتهم عنها؛ واندفع في مخارق وسفه ودعاوى لا حقيقة لها.
(فصل)
__________
(1) ذكر الغزالي مخالفته لما عليه أهل الحق في نحو عشرين مسألة أكفره بثلاث منها وبدعه في الباقي في كتاب “التهافت”، فقدم العالم وإنكار الحشر الجسماني ومسألة العلم بالجزئيات هي المكفرات عنده، لكن الناظم وشيخه قائلان بالقدم النوعي ولا يقولان بإعادة الأجزاء المعدمة بل ولا بجمع الأجزاء المفرقة -راجع تفسير سورة الإخلاص لشيخه- وقولهما في العلم بالمتجددات معروف- راجع ما سننقله من مفردات ابن تيمية من “ذخائر القصر”- فهما من أوقع الناس في شبكة التفلسف عن جهل.
على أن قول ابن رشد في “تهافت التهافت” و”مناهج الأدلة” وقول الرازي في “المطالب العالية” وقول الدواني في “شرح العضدية” مما يثير اهتمام الباحث بتلك المسائل. وقد صرح ابن سيناء في بعض كتبه بأن العقل لا يدرك غير الحشر الروحاني وأما البعث الجسماني فطريق معرفته وحي الرسل وليس في هذا إنكار للبعث الجسماني.
________________________________________
قال: (هذا وثَمَّ بلية مستورة ورث المحرف من اليهود وأتى إلى حزب الهدى وأعطاهم شبه اليهود قال استوى استولى وذا من جهله عشرون(1) وجها تبطله أفردت بتصنف حبر عالم رباني وشبه النون التي زادتها اليهود في حطة بلام تعطيل الجهمية).
وهذا من الخرافات.
(فصل)
قال: (ومن العجائب قولهم فرعون مذهبه العلو وفرعون قال إن موسى كاذب إذ ادعى فوقية الرحمن).
أين ادعى موسى فوقية الرحمن؟
(فصل)
قال: (تركيب استوى مع حرف الاستعلاء نص في العلو بوضع كل لسان).
نص في العلو أما في الذات فلا، فقولك: استوى قيس على العراق لا يستلزم أن يكون إذ ذاك في العراق بل ملكه فيها وعليها.
(فصل)
كله دعاوى وفقاقيع فارغة.
(فصل)
فيه إنكار المجردات(2).
(فصل)
سوى فيه بينهم وبين المنافقين والقرامطة وجعل المجسمة مقابل الجميع، وأن ما ثم إلا التجسيم أو التعطيل وقد تقدم مثله، وإنما زاد التكرير والتفظيع ليزرع الريبة في القلوب.
(فصل)
قال: (الاستواء ونحوه والمشيئة ونحوها كلاهما من صفات الأجسام- وطلب الفرق بينهما- والله لو نشرت شيوخك كلها لم يقدروا أبداً على فرقان).
انظر هذا الجلف الجاري على ما لا يعلم، وكل عاقل يعلم أن الاستواء بمعنى القعود أقرب إلى صفات الأجسام من المشيئة والقدرة.
__________
(1) وقد سبق إبطال جميع تلك الوجوه، والمصنف ذكر فيما سبق وجه حسن استعمال استوى مجازاً عن استولى بحيث لا يدع لقائل مقالاً، على أن الاستعارة التمثيلية في هذا المقام أقعد وأوقع فيكون المجاز على هذا التقدير في المركب دون أن يسري في مفرداته كما هو مدون في محله وقد أشرت إلى اختيار ذلك فيما علقته على” الاختلاف في اللفظ” لابن قتيبة (ص 41).
(2) القول بتجرد الروح مما ذهب إليه إمام الهدى أبو منصور الماتريدي والحليمي والراغب والغزالي والبيضاوي وغيرهم من كبار علماء السنة، وبه يزول كثير من الإشكالات، وإن خفيت أدلة ذلك على جمهور المتكلمين فضلاً عن مكسري الحشوية.
________________________________________
قال: (قال زعيمهم في الفرق هذه الصفات بالعقل والقرآن فيقال إن نفى العقل التجسيم فانفوها وانسلخوا من القرآن وإن أثبته فلم الفرار؟ وإن نفاه في وصف وأثبته في وصف فما الفرق؟.
انظر هل بعد هذا الكلام شيء في التجسيم(1)؟.
(فصل)
كله سفاهة.
(فصل)
حكى مذاهب خصومه بأقبح ما يكون ثم قال: (جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني حبر أتى من أرض حران فيا أهلاً بمن قد جاء من حران) (2)
__________
(1) وشيخه أصرح منه وأجهر صوتاً في ذلك حيث يقول فيما رد به على أساس التقديس: “ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات- يريد ما يشمل المجئ ونحوه- ولا سلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم، ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة” اهـ.
وهذا صريح جداً لعلك لا تحوجني إلى شرح ذلك، راجع الكواكب الدراري لابن زكنون الحنبلي المحفوظ بظاهرية دمشق ففي المجلد رقم 24و25و26 منه رده على أساس التقديس، وفيه فوق ما تقدم التصريح بأنه يمكنه التزام قدم بعض الأجسام يريد الباري سبحانه، فهل يتصور أن ينطق مبتدع مارق بأصرح من هذا في وسط المسلمين؟! والناظم متقلد مذهبه بدون تفكير والله سبحانه ينتقم منهما بما أثارا من الفتن بين العوام.
(2) وكم أضلَّ من خلطائه ولهم معه موقف يوم القيامة لا يغبط عليه، وهو الذي جاهر بقيام الحوادث بذاته تعالى-بعزو ذلك إلى أئمة أبرياء من مثل هذا الإلحاد- وبالقدم النوعي، وبالجهة والحركة والثقل وتجويز الجسمية والاستقرار في جانب الله سبحانه مع التطاول على كثير من الأئمة والشذوذ عما عليه جمهور أهل العلم في كثير من المسائل الفرعية، والرد على كبير العلماء وصغيرهم حتى الصحابة، وتلبيس ذلك بمذهب السلف خيانة وكذباً.
ومما يجب التنبه إليه أن من وجوه تحيل الناظم وشيخه ومن على شاكلتهما من المتشبعين بما لم يعطوا تتبع ما دون ضد الأئمة المتبوعين من مؤاخذات في مسائل, واتخاذ تل المؤاخذات وسيلة للتهجم عليهم كلما شاءوا لأجل أن يظهروا بمظهر أنهم من السعة في العلم بحيث تضيق علوم الأئمة عن علومهم ويجب هجر آراء هؤلاء إلى أهوائهم.
هذا شأنهم في أئمة علوم الشرع وهكذا صنيعهم مع علماء باقي العلوم بدون تفرغ العلم، ولا شك أن كل عالم مهما علت منزلته في علمه لابد وأن تقع منه هفوات تكون مدونة في كتاب لأحد نقاد هذا العلم المتفرغين للتمحيص فيه خاصة؛ إذ لا عصمة لغير الأنبياء عليهم السلام، فمن تعود أن يجمع تلك المؤاخذات من مظانها كالباب الخاص في مصنف أبي شيبة في مخالفات أبي حنيفة لأحاديث صحيحة صريحة في نظر صاحب المصنف، وكتاب إبراهيم ابن علية في مالك وكتاب محمد بن عبد الحكم في حق الشافعي، وكتاب الكياهراسي في مفردات أحمد وكتاب الأهوازي في الأشعري ونحوها، وأخذ يتحامل على الأئمة بتوجيه تلك المؤاخذات إليهم متظاهراً بأنها من بنات أفكاره داساً في غضون كلامه ما شاء من الأباطيل يظن به من لا بصر به بالحقائق من العامة أن له من العلم ما يجعله فوق الأئمة فهما وتحقيقا وإحاطة مع أنه لابس ثوبي زور. وقد رُدَّ على غالب تلك المؤاخذات في كتب خاصة بحيث لا تقوم لها قائمة لكن الذي يجهل ذلك ينخدع بخزعبلاته ويقع في المهالك إذا تقاعس علماء أهل الحق عن البحث والتنقيب والرد على الشذاذ بمثل أسلحتهم كما يجب. والله سبحانه يتولى هدانا بمنه وكرمه وأيقظنا جميعا من رقدتنا وألهمنا طريق حراسة مذاهب أهل الحق في الأصول والفروع وأشعرنا عظم المسئولية في الآخرة ووقانا شر التساهل في ذلك إنه سميع مجيب.
قال الحافظ ابن طولون في “ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر” عند ذكره سبب انتقال الشيخ عبد النافع بن عراق من المذهب الحنبلي إلى المذهب الشافعي بعد أن جعله والده حنبليا: “قال الحافظ صلاح الدين العلائي [وقلَّ من أفضله عليه من متأخري الشافعية في الجمع بين الفقه والحديث كما يجب]: ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع. فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف فيها الراجح في المذهب: فمن ذلك يمين الطلاق قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة فيها واحد من فقهاء المسلمين ألبتة ودام افتاؤه بذلك زماناً طويلاً، وعظم الخطب ووقع في تقليده جم غفير من العوام وعم البلاء، وأن طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته، وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك، وإن من خالفه فقد كفر، ثم إنه أفتى بخلافه وأوقع خلقاً كثيراً من الناس فيه، وأن الصلاة إذا تركت عمداً لا يشرع قضاؤها، وأن الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مباح لها، وإن المكوس حلال لمن أقطعها، وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم يكن باسم الزكاة ولا على رسمها، وأن المايعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها فيها، وأن الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد. وقد رأيتُ من يفعل ذلك ممن قلده فمنعته منه، وسمعته حين سئل عن رجل قدم فراشاً لأمير فيجنب بالليل في السفر ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه فأفتاه بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل [ومسألة أبي يوسف غير هذه]، وسئل عن شرط الواقف قال: غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية وعلى الفقهاء إلى الصوفية وبالعكس، وكان يفعل هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام ولا يحضر درساً على اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيها ميعاداً يوم الثلاثاء ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس، وسئل عن جواز بيع أمهات الأولاد فرجحه وأفتى به.
ومن المسائل المنفرد بها في الأصول مسألة الحسن والقبح التي يقول بها المعتزلة [بل أربى عليهم بتحكيم العقل في الخلود راجع المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي في المسألة وكلام ابن تيمية فيها حتى تعلم مبلغ مجازفته وتهوره] فقال بها ونصرها وصنف فيها وجعلها دين الله بل ألزم كل ما يبني عليه كالموازنة في الأعمال [فيالته حينما حكم العقل حكم العقل السليم ولم يحكم عقل نفسه الظاهر اختلاله جداً بما فاه به في ذات الله وصفاته، تعالى الله عما يقول الجاهلون ].
وأما مقالاته في أصول الدين فمنها أن الله سبحانه محلُّ للحوادث، تعالى الله عما يقول علواً كبيراً، وأنه مركب مفتقر إلى (اليد والعين والوجه والساق ونحوها) افتقار الكل إلى الجزء، وإن القرآن محدث في ذاته تعالى، وأن العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائماً فجعله موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار-سبحانه ما أحلمه- ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال- وهو منزه عن ذلك- وصرح في بعض تصانيفه بأن الله بقدر العرش لا أكبر ولا أصغر تعالى الله عن ذلك، وصنف جزءاً في أن علم الله لا يتعلق بما لا يتناهي كنعيم أهل الجنة, وأنه لا يحيط بغير المتناهي وهي التي زلق فيها الإمام [يعني ابن الجويني في البرهان] ومنها أن الأنبياء غير معصومين وأن نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا وأن يكون مخطئاً، وصنَّف في ذلك عدة أوراق، وأن إنشاء السفر لزيارة نبينا – صلى الله عليه وسلم – معصية لا تقصر فيها الصلاة وبالغ في ذلك، ولم يقل به أحد من المسلمين قبله، وإن عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد [وجزء التقي السبكي في الرد عليه مطبوع].
ومن أفراده أيضاً أن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلهما وله فيه مصنف [هذا يخالف كتاب الله والتاريخ الصحيح، وما في البخاري عن ابن عباس من الكلام الطويل في ذلك بين صدره وعجزه كلام مدرج، ما أسنده أحد وفيه الإيهام فلا يصح أن يتمسك به أحد على خلاف كتاب الله وخلاف ما صح عن ابن عباس نفسه في البخاري نفسه] آخَرُ ما رأيت وأستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلا عن اعتقاده” انتهى ما نقله ابن طولون عن الصلاح العلائي.
وصاحب هذه الطامات هو الذي يرحب به الناظم ويتخذه قدوة فتباً لهذا التابع وهذا المتبوع.
ومما ذكره ابن رجب في مفرداته ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه، وجواز المسح على كل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، وعدم توقيت المسح على الخفين مع الحاجة، وجواز التيمم خشية فوت الوقت لغير المعذور وفوت الجمعة والعيدين وأنه لا حدَّ لأقل الحيض ولا لأكثره ولا لسن الإياس، وأنَّ قصر الصلاة يجوز في قصير السفر وطويله، وأن البكر لا تستبرئ ولو كانت كبيرة وأنه لا يشترط الوضوء لسجود التلاوة، وأنه يجوز المسابقة بلا محلل، واستبراء المختلعة بحيضة وكذا الموطوءة بشبهة والمطلقة آخر ثلاث تطليقات وغيرها اهـ
فكم له من شواذ نحو ما تقدم.
وقد ذكر ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية كثيراً من شواذ ابن تيمية وقال عنه: “عبد خذله الله وأخزاه وأصمه وأعماه”.
وقد حاول الشيخ نعمان الألوسي-بإشارة صديق خان الذي كان له به صلة مادية متينة- الرد عليه في (جلاء العينين) متوخياً تبرئة ساحة ابن تيمية من غالب تلك الشواذ، لكن سقط في يده حيث فضحت هذه المرحلة من الدعاية لابن تيمية بطبع كتب له فيما بعد تصرح بما نفي هو عنه، بل ربما تطبع له كتب أخرى مثل (التأسيس في رد أساس التقديس) بالنظر إلى أن بعض صنائع الحشوية نقله حديثاً فيخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المسلمين.
وفيما ذكرناه كفاية في لفت النظر إلى نماذج من مفرداته.
والشيخ نعمان المذكور ناقض نفسه حيث يناقض كلامه في الكتاب المذكور ما سطره هو في (غالية المواعظ)، لكن قاتل الله المادة ما دخلت في شيء إلا أفسدته؛ وهو ليس بأمين على طبع تفسير والده ولو قابله أحدهم بالنسخة المحفوظة اليوم بمكتبة راغب باشا باصطنبول -هي النسخة التي كان المؤلف أهداها إلى السلطان عبد المجيد خان– لوجد ما يطمئن إليه، نسأل الله السلامة.
________________________________________
.
(فصل)
قال: (ومن العجائب قولهم حشوية(1) سمى به ابن عبيد) فيه سفه.
(فصل)
قال: (كم ذا مجسمة، وإذا سببتم بالمحال فسبنا بأدلة وحجاج ذي برهان فحقيقة التجسيم إن يك عندكم وصف الإله بصفاته العليا فتحملوا عنا الشهادة واشهدوا في كل مجتمع وكل مكان أنا مجسمة بفضل الله وليشهد بذلك معكم الثقلان).
__________
(1) فهل تلقيب عمرو بن عبيد لابن عمر – رضي الله عنه – بالحشوي إفكا وزوراً على تقدير ثبوت ذلك عنه يمنع من تلقيب الحسن البصري لطوائف المجسمة حشوية حقاً وصدقاً ؟! فاضحك ثم أضحك على عقل من يأبى هذا التلقيب وهو متلبس بهذه الوصمة الشنيعة بشهادة نفسه.
________________________________________
نقول له أنت أبديت لنا اعتقادك ووصفت بأمور يمتحن فيها كل عاقل منصف إذا عرضت على خال من الأعراض كلها من امرأة أو صبي أو أعجمي أو عربي عامي وعموم الناس هل يفهمون من الاستواء والقعود والنزول والمجئ والإتيان والوجه(1) واليد والساق والقدم والجنب والعين والانتقال في الدرجات وغير ذلك مما قد ذكرته معنى الجسم, ويرسم ذلك في نفسه أو لا؟ فإن قال إنه لا يفهم منها إلا معنى الجسم فيكفيك إثماً عند الله إضلال مثل هؤلاء وحملهم على اعتقاد التجسيم الذي تزعم أنت بلسانك أنك لا تقول به. فالمحقق منك إضلال أكثر العالم، وأما أنت في نفسك فإن كذبت في إنكارك فقد جمعت إلى فساد الاعتقاد الكذب، وإن صدقت في زعمك فقد لبست عليك نفسك وخيلت لك فرقا أو كان عندك فرق الله أعلم به، هذا في الباطن الذي أمره إلى الله في الآخرة؛ وأما في الدنيا فإن في قبول قولك عندنا نظراً فإن قبل أو لم يقبل- وإن كنا لم نقل بالتكفير ولا بالقتل- فلا أقل من القدر الذي ينكف به ضررك عن المسلمين. وهذه الأشياء التي ذكرناها هي عند أهل اللغة أجزاء لا أوصاف، فهي صريحة في التركيب؛ والتركيب للأجسام.
__________
(1) ليس بخاف على ملمٍّ باللغة العربية وبمناحي الكلام في اللسان العربي المبين أن لكل كلمة مع صاحبتها شأناً ليس لها مع كلمة أخرى، فمن جمع ما فرقه الله سبحانه في كتابه من الصفات العليا أو فرق ما جمعه فقد خان الله حيث جعل صفات الله سبحانه عرضة لتقولات المتقولين من أصحاب الأهواء؛ وكذلك ما ورد في السنة من الصفات والأفعال. وكم بين المجسمة من ألف فيما يسمونه التوحيد أو السنة أو الصفات أبواباً في اليد والعين والساعد والأصبع واليمين والذراع والكف والجنب والقدم والحقو والصدر ونحوها؛ جمعاً لما تفرق في الروايات المختلفة لمختلف الرواة لهوى في نفوسهم، وليس تفريق المجموع وجمع المفرق في هذا الباب من شأن من يخافه سبحانه، وأنت علمت معاني تلك الصفات على مذهب أهل الحق.
________________________________________
فذكرك لفظ الأوصاف تلبيس وكل أهل اللغة لا يفهمون من الوجه والعين(1)
__________
(1) ومن ذكر من السلف أن العين واليد صفتان تبرأ بهذا اللفظ عن القول بالجارحة بل يكون قائلا بأن المراد بالعين معنى قائم بالله وكذلك اليد لكن لا أعيّن ذلك المعنى المراد بأن أقول إنه الرؤية أو الحفظ، والقدرة أو النعمة أو العناية الخاصة لكون تعيين المراد من بين المحتملات الموافقة للتنزيه تحكماً على مراد الله؛ وتسميته لهما صفتين تدل على أنه جازم بأنهما ليستا من قبيل أجزاء الذات تعالى الله عن ذلك.
ومن قال وله يد بها يبطش وعين بها يرى جعلهما من قبيل الجوارح وخالف السلف الصالح.
وقد قال الترمذي عند الكلام على حديث (يمين الرحمن ملأى سخاء…): “وهذا حديث قد روته الأئمة نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم، هكذا قال غير واحد من الأئمة منهم الثوري ومالك بن أنس وابن عيينة وابن المبارك أنه تروي هذه الأشياء ويؤمن بها فلا يقال كيف” اهـ.
وأين هذا من عمل الناظم وشيخه؟ نعم قد يقع في كلامهما ذكر الوجه والعين واليد وغيرها بأنها صفات، لكن السياق والسباق في كلامهما يناديان أنهما أرادا بها أجزاء الذات لا المعاني القائمة بالله سبحانه كما يقول السلف، واصطلحا في الصفة على معنى يجامع الجزء على خلاف المعروف بين أهل العلم وإلا لما بقي وجه لتشددهما ضد أهل الحق.
وشيخ الناظم يقول في الأجوبة المصرية: “إن الله يقبض السموات والأرض باليدين اللتين هما اليدان” فماذا يجدي بعد هذا التصريح أن يسميها صفات؟ والله سبحانه هو الهادي.
وأهل العلم من الخلف يحملون القبض على أنه مجاز عن إخراج السموات من الإظلال, والأرض من الإقلال, وإيقافهما عن أن تكونا صالحتين لتناسل المتناسلين كما يشير إلى ذلك البيضاوي، وهو القابض الباسط أي الموقف عن المسير متى شاء والمجري للأمور كما يشاء. راجع العارضة في شرح الأسماء الحسنى.
والسلف يفوضون مع التنزيه، وأما حمل القبض على القبض الحسي فقول بالتجسيم والجارحة، تعالى الله عن ذلك.
________________________________________
والجنب والقدم إلا الأجزاء؛ ولا يفهم من الاستواء بمعنى القعود إلا أنه هيئة وضع المتمكن في المكان ولا من المجئ والإتيان والنزول إلا الحركة الخاصة بالجسم. وأما المشيئة والعلم والقدرة ونحوها فهي صفات ذات وهي فينا ذات أمرين أحدهما عرض قائم بالجسم، والله تعالى منزه عنه، والثاني المعاني المتعلقة بالمراد والمعلوم والمقدور وهي الموصوف بها الرب سبحانه وتعالى وليست مختصة بالأجسام فظهر الفرق.
فصل
قال: (يا وارد القلوط) (1).
فأتى ببضعة عشر بيتا من هذا القبيل فهل سمع أحد بأن هذا كلام أهل العلم، وما دعاني إلى الوقوف على هذا الوسخ؟. ينبغي أن يأتي له (مجلى) مثله يتكلم معه زيبق المشاعلي, أو غرير المرقد, أو أهل جعفر, أو عماد فكيف بابن حجاج؟.
(فصل)
فيه أكثر من تسعين بيتا… وقال في أواخره:
من قال بالتعطيل فهو مكذب
إن المعطل لا إله له
وكذا إله المشركين نحتته الأيـ
لكن إله المرسلين هو الذي … بجميع رسل الله والفرقان
سوى المنحوت في الأذهان
ــدي هما في نحتهم سيان
فوق السماء مكون الأكوان
وهذا الرجل يسمي خصومه معطلة؛ لأنهم نفوا الصانع الذي يقول هو به ويصفه بتلك الصفات بزعمه؛ ويجعلهم يعبدون إلهاً آخر ويكفرهم كالمشركين العابدين للأصنام.
__________
(1) لفظة عامية لا ينطق بها من العوام إلا من هو بالغ الوقاحة، فضلاً عن أهل العلم، فنأبى شرح هذه الكلمة القذرة المنتنة.
________________________________________
فياخيبة المسلمين إن كان يكفر بعضهم بعضاً، ولم لا يقول هذا الجاهل إن الكل يقرون بالله ووحدانيته ويغلط بعضهم في وصفه ولا يخرجهم ذلك الغلط عن الإسلام ؟ وإن كان ولابد من الإخراج فمن أولى به ؟ ومن أولى بعبادة ما نحته ذهنه ؟ من ركب أجزاء مقصودة معقولة أو من قال أعبد إلهاً واحداً أنا عاجز عن معرفته وعن كنه ذاته فهو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصف به عباده، وعقلي يقصر عن سبحات وجهه وعلمي يضل في علمه ويتضاءل دون عظمته وملكوت سلطانه وقدرته وقهره لا شريك له سبحانه وتعالى { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى:11] كل ما تصوره الذهن فالله بخلافه لو اجتمعت عقول العالمين كلها لم تبلغ معرفة حقيقة ذاته ولا كنه صفاته، وإنما علموا منها ما دلهم على التوحيد وأمر السيد العبيد وأنعم عليهم بالرسول أرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وأنزل عليهم كتاباً كلفهم فيه بتكاليف إن عملوا بها وصلوا إلى دار السلام فلا ينبغي لهم الاشتغال بغيرها- فاشتغالهم بغيرها فضول- وإن فكروا فكروا في آلائه لا في ذاته، فإن هناك تضل العقول. وانظر إلى هذه الصفات التي يثبتها هذا المبتدع لم تجئ قط في الغالب مقصودة وإنما في ضمن كلام يقصد منه أمر آخر؛ وجاءت لتقرير ذلك الأمر، وقد فهمها الصحابة, ولذلك لم يسألوا عنها النبي – صلى الله عليه وسلم – لأنها كانت معقولة عندهم بوضع اللسان وقرائن الأحوال وسياق الكلام وسبب النزول؛ ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك حتى حدثت البدع والأهواء؛ فيجيء مثل هذا المتخلف يجمع كلمات وقعت في أثناء آيات أو أخبار فهم الموفقون معناها بانضمامها مع الكلام المقصود فجعلها هذا المتخلف في أمثاله مقصودة وبالغ فيها فأورث الريب في قلوب المهتدين. وانظر إلى أكثرها لا تجده مقصوداً بالكلام بل المقصود غيره, إما بسياق قبله أو بسياق بعده، أو بأن يكون المحدث عنه معنى آخر والمحدث به ويكون ذلك مذكوراً على جهة الوصف
________________________________________
المقوي لمعنى ما سبق الكلام لأجله. وما مثل المشتغلين بذلك وبالكلام إلا مثل سرية أتاها كتاب السلطان يأمرهم بما يعتمدونه في الغزاة التي ندبهم لها ويوصيهم بأمور مهمة لما بين أيديهم وينهاهم عن أمور وينبههم على مكان لعدوهم وعدوه حتى يحترزوا عن غوائلها فأخذوا يتأملون في ذلك الكتاب ويفكرون فيمن كتبه وفي حروفه ومتى كتب وأين كان السلطان حين كتبه وعلم عليه، وهل كان في القلعة أو في غيرها وربما كان فيهم من لم ير السلطان قط فصار يسأل عن صفته وشغلوا الزمان بذلك وبسؤال حامل الكتاب عنه وبالفكرة فيه واشتغلوا به عما هم بصدده من الجهاد الذي أمرهم به وعن تلك الأمور التي وصاهم بها في الكتاب وأمرهم بها ونهاهم عنها وما كفاهم ذلك حتى أداهم اختلافهم في صفة السلطان وفي أين كان لمّا كتب, ومن كتب الكتاب عنه إلى أن قال كل فريق منهم عن الآخر الذي وصفه بخلاف ما وصفه به رفيقه إنه أنكر السلطان وقال إنه لا سلطان له فهل يكون لهؤلاء عقل، اللهم إنا نسألك أن لا تضل عقولنا ولا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وتحفظ علينا ديننا يا مقلب القلوب يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
(فصل)
أكثر من مائة بيت كلها إغراء بخصومه والله ينتقم لهم منه. ثم إنه يناقض قوله فينكر على خصومه تكفيره فلم لا ينكر على نفسه تكفيرهم بعين ما كفروه به.
(فصل)
مختصر في معناه.
(فصل)
قريب منه.
(فصل)
قال:
اسمع سراً عجيباً كا
جيم وجيم ثم جيم معها
فيها لدى الأقوام طلسم متى
فإذا رأيت الثور فيه تقارن الـ
دلت على أن النحوس جميعها سهـ
جبر وإرجاء وجيم تجهـ
فأحكم لطالعها لمن حصلت له … ن مكتوماً منذ زمان(1)
مقرونة مع أحرف بوزان
تحلله تحلل ذروة العرفان
__________
(1) هذا من الدليل على أنه من ورثة علوم الصابئة عبدة الأجرام العلوية. كاد أن يبوح بما عنده من عزائم الكواكب كما فعل عبد السلام الجيلي. راجع ترجمته من طبقات ابن رجب وذيل الروضتين لأبي شامة الحافظ.
________________________________________
جيمات بالتثليث شر قران
ـم الذي قد فاز بالخذلان
ـم فتأمل المجموع في الميزان
بخلاصه من ربقة الإيمان
وأخذ يذكر مفاسد المذاهب الثلاثة (وقياد الجبر(1) إلى الكف والبهتان والإرجاء كذلك بالجد في العصيان وشتم الرسل ومن أتوا من عنده والسجود للصنم، فإذا أضفت إلى الجيمين جيم تجهم أين الصفات والجهم أصلها جميعا والوارثون له أصحابها لا شيعة الإيمان لكن نجا أهل الحديث المحض أتباع الرسول وتابعوا القرآن).
فصل
قال: (وسل المعطل ماذا يقول لربه).
وساق ما يقولونه كله بقبح وأنهم يخاطبون به الله يوم القيامة، وعن طائفته ما يولونه ومخاطبتهم به وهاتان طائفتان من المسلمين يعرفون عظمة الله تعالى، وكل أحد قد بذل جهده وطاقته فيما اعتقده ويخاف ويفرق. ويوم القيامة يكون أشد خوفاً يوم لا يتكلم إلا الرسل, ويود كل من دونهم أن ينجو كفافاً، فتصوير مخاطبة الله تعالى بذلك في ذلك الموقف العظيم إنما يصدر عن قلب فارغ.
(فصل)
__________
(1) والجبر الذي يريده الناظم هو قول الأشعري إن العبد كاسب والرب سبحانه هو الخالق وحده، وأين الجبر في ذلك ؟ نعم جهم بن صفوان كان يقول بالجبر، لكن ليس له من يتابعه بعده، وأما الإرجاء الذي يريده فهو القول بأن الإيمان هو الاعتقاد الجازم كما نص عليه الحديث الصحيح (الإيمان أن تؤمن بالله …) ومن جعل الأعمال من أركان الإيمان حقيقة فقد تابع الخوارج من حيث يعلم أو لا يعلم- راجع (ص 27-28)- وأما التجهم الذي يذكره فمراده به نفي حلول الحوادث في الله سبحانه وتنزيهه تعالى عن قيام الحوادث به سبحانه كما هو مذهب أهل الحق فظهر أنه ينبز بتلك الألقاب السيئة جمهور أهل الحق افتراء منه عليهم, وإلا فلا وجود للجبرية حقيقة ولا للإرجاء بالمعنى البدعي ولا للجهمية في عصر الناظم والله سبحانه ينتقم منه.
________________________________________
في تحميل أهل الإثبات للمعطلين شهادة تؤدي عند رب العالمين) قال: (يا أيها الباغي على أتباعه قد حملوك شهادة فاشهد بها إن كنت مقبولا لدى الرحمن فاشهد عليهم إن سئلت بأنهم قالوا إله العرش والأكوان فوق السموات العلى حقاً على العرش استوى والأمر ينزل منه وإليه يصعد ما يشاء وإليه صعد الرسول – صلى الله عليه وسلم – وعيسى ابن مريم والأملاك تصعد دائماً من هنا إليه وروح العبد بعد الموت وأنه متكلم بالقرآن سمع الأمين كلامه منه هو قول رب العالمين حقيقة لفظا(1) ومعنى وأنهم وصفوا الإله بكل ما جاء في القرآن وأن قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – نص(2)
__________
(1) قد سبق إبطال القول بالفوقية الحسية والنزول الحسي والجلوس على العرش ونحوها مما هو معتقد المجسمة إبطالا لا مزيد عليه. وقوله هنا في الكلام إعادة لزعمه الحرف والصوت في كلام الله وقد سبق إبطال ذلك أيضاً.
ومن الغريب أن يؤلف مثل الموفق بن قدامة (الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم) وكفي ما سبق في إبطاله, وابن بطة صاحب “الإبانة” فضح نفسه بأن يزيد في رواية حديث موسى عليه السلام (من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟) ليجعل كلام الله من قبيل كلام الخلق فجمع بين الاختلاق وسوء المعتقد.
وابن بطة هذا من أئمة الناظم، ولست في صدد استقصاء أهل الكذب والزيغ من أئمته، وبين هذا المتأخر زمناً وعلما كلمات جوفاء في تزويق مزاعم الحشوية في تلك المسائل، ومن ظن به أنه أتى بشيء جديد غير الجمع بين الحشوية والتصوف السالمي الهاذي بالتجلي في الصور فقد ولى فهمه وأدبر علمه. وكم من مصاب في عقله ودينه يتكلم في هذه الأبحاث بدون علم ولا فهم ولا تقى، نسأل الله المعافاة.
(2) قول الرسول القطعي الثبوت والقطعي الدلالة نص يفيد علم اليقين من غير خلاف. وأما ما هو ظني الدلالة منه فلا، كما تقرر في الأصول.
ودعوى إفادة خبر الآحاد العلم من هواجس الظاهرية إلا إذا كان محتفاً بقرائن، وقد بيَّنا الحق في ذلك في تعليقاتنا المهمة على شروط الأئمة فليراجع هناك.
والحشوية يحشرون في كتبهم في المعتقد المنقطعات والوحدان وروايات المجاهيل والضعفاء والوضاعين ويقولون عنها إنها قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع إنها مما لا يحتج به في باب الاعتقاد أصلاً بل لا يتمسك بها في باب الأعمال أيضاً.
وتوثيق مثل ابن حبان لرجل لا يخرجه من الجهالة عند من يعرف مصطلح ابن حبان في التوثيق. وإنما الحجة في باب الاعتقاد هي الكتاب المنزل والصحاح المشاهير من الحديث.
________________________________________
يفيد علم اليقين).
فمن ينازع في ذلك؟ وإن أراد الآحاد أو الذي جوزت اللغة احتمال لفظه فحكمه عليه بإفادة علم اليقين جهل منه.
قال: (وإنهم قابلوا التعطيل والتمثيل بالنكران أن المعطل والممثل ما هما متيقنين عبادة الرحمن ذا عابد المعدوم لا سبحانه أبداً وهذا عابد الأوثان وأنهم يتأولون حقيقة التأويل وأن تأويلاتهم صرف عن المرجوح(1) للرجحان وأنهم حملوا النصوص على الحقيقة لا على المجاز إلا إذا اضطروا للمجاز بحس أو برهان وأنهم لا يكفرونكم بما قلتم من الكفران إذ أنتم أهل الجهالة عندهم لستم أولى كفر ولا إيمان) (2).
فالبالغ المكلف الذي بلغته الدعوة إما كافر وإما مؤمن فكيف ينتفيان عنه والجهل ليس عذراً في ذلك.
__________
(1) صرف اللفظ عن الاحتمال المرجوح إلى الراجح مما لا معنى له لأن اللفظ منصرف بنفسه إلى الراجح من الاحتمالين، واللفظ ظاهر بالنسبة إلى الراجح مطلقاً سواء كان بالوضع أو بالدليل كما ذكره أبو الخطاب في “التمهيد” في أصول الحنابلة.
فما يرى مرجوحاً بالنظر إلى الوضع فقط قد يكون راجحاً بالنظر إلى الدليل، فيكون اللفظ حينذاك ظاهراً في احتمال قد ترجح بالدليل حيث لا يكون هذا الاحتمال مرجوحاً عند قيام الدليل على الرجحان.
فقولهم بالظهور في جانب الوضع إنما هو بالنظر إلى حالة عدم قيام دليل مرجح للاحتمال المقابل.
والحاصل أن الظاهر بالوضع هو ما لا يقارنه دليل يرجح الاحتمال الآخر. فلا ظاهر بالوضع عند ترجح الاحتمال الثاني بالدليل.
فإطلاق الظاهر على ما بالوضع عند قيام الدليل المرجح للاحتمال الثاني ما هو إلا تسامح فليعرف ذلك.
(2) وهذا بظاهره قول بالمنزلة بين المنزلتين كما هو معتقد المعتزلة الذين هم من أبغض خلق الله إليه. وإخراج أهل الحق من الإيمان محض هذيان.
________________________________________
قال: (لا تفرقون حقيقة الكفران بل لا تفرقون حقيقة الإيمان إلا ذا عاندتم ورددتم قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأجل قول فلان فهناك أنتم أكفر الثقلين وأشهد عليهم أنهم فاعلون حقيقة والجبر عندهم محال هكذا نفي القضاء).
قد أشهد على نفسه بالفوقية وباللفظ والله يعلم ما تصوره قلبه منهما وبمعنى التأويل وأين هذا من التابعين الذين قيل فيهم ما منهم إلا من يخاف النفاق على نفسه كانوا مع صحة الاعتقاد والاجتهاد في العمل يخافون النفاق، ونحن اليوم مع البعد -وشتان ما بيننا وبينهم- بيننا من يتجاسر هذه الجسارة ويدل هذا الادلال.
فصل
في عهود المثبتين مع الله رب العالمين
قال: (يا ناصر الإسلام اشرح لدينك صدر كل موحد وانصر به حزب الهدى فوحق نعمتك التي وليتني وأريتني البدع المضلة لأجاهد لك عداك ما أبقيتني ولأجعلن لحومهم ودماءهم في يوم نصرك أعظم القربان).
هذا يقتضي أنه يعتقد كفرهم وسفك دمائهم، وقد حملهم في الفصل الذي قبل هذا شهادة أنه لا يكفرهم فيناقض كلامه. وقال هناك إنهم جهال لا كفار ولا مؤمنون فلعله يرى أنهم كالبهائم؛ لكنه صرح هنا بأنهم أعداء الله وغير الكافر ليس عدو الله.
فصل
افتراؤهم المثلث على الأشعرية
قال:
إنا تحملنا الشهادة بالـ
ما عندكم في الأرض(1) قرآن … ـذي قلتم نؤديها لدى الرحمن
كلام الله حقاً يا أولى العدوان
__________
(1) تلك الثلاثة هي أقانيم اختلاقهم على الأشعري وأصحابه، لهج بها أبو نصر الوائلي السجزي صاحب “الإبانة” وابن مت صاحب “ذم الكلام” ومن تابعهما في البهت على أئمة الدين. ومن قال إن القرآن القائم بالله في الأرض فهو حلولي زائغ وهذا ظاهر جداً.
________________________________________
كلا ولا فوق السموات العلى رب(1) مطاع ولا في القبر(2) عندكم من يرسل فالروح عندكم عرض قائم بجسم الحي، وكذا صفات الحي قائمة به مشروطة بالحياة، فإذا انتفت الحياة انتفى مشروطها ورسالة المبعوث مشروطة بها كصفاته بالعلم والإيمان فإذا انتفت تلك الحياة فكل مشروط بها عدم).
__________
(1) نعم هم لا يعتقدون صنماً متمكناً بمكان, وإنما يؤمنون بإله العالمين الذي ليس كمثله شيء، وله الأسماء الحسنى، تعالى الله عما يقول الجاهلون من الجاهلية بعد الإسلام.
(2) وقال إمام الحرمين فيما رد به على السجزي، السابق ذكره في مقدمة المصنف: “ما كنت أظن أن هذا الجاهل يبلغ حمقه وخرقه هذا المبلغ [وهو زعمه أن من مذهب الأشعرية أن النبوة عرض لا يبقى زمانين وإذا مات النبي زالت نبوته ] وهذا الذي حكاه لم يقل به قائل ولم ينقله قبله ناقل ولو سئل هذا الأحمق عن النبوة وحقيقتها ومعناها لتبلد في غمه وتردد في غيه ولم يتمسك إلا بدهش الحيرة كما نسب إليها غيره فليست النبوة عرضا من الأعراض باتفاق من المحققين وإطباق من المحصلين- ثم ذكر الدليل على أن النبوة ليست عرضاً ثم قال- فبطل المصير إلى أن النبوة عرض ووجب القضاء بأن النبوة هي حكم الله تعالى برسالة رسول وإخباره عن سفارته وأمره إياه بتبليغ الشرائع وشرع الحكام وقد حكم الله تعالى بنبوة الأنبياء عليهم السلام في حياتهم وبعد مماتهم وكونهم مرسلين، وعلم ذلك منهم في السابقة والعاقبة فهذا مذهب أهل الحق ودينهم، فعلى من يصفهم بغير ذلك لعنة الله ولعنة الملائكة والناس أجمعين”. انتهى ما ذكره إمام الحرمين وهو نص ما نقله اللبلى عنه.
________________________________________
قوله ما في الأرض قرآن شهادة زور. ونحن نطلق القرآن على ما في المصحف؛ وهو إن كان لا يطلقه عليه لزمه ما ألزمنا؛ وإن كان يقول إنه في المصحف حقيقة فهو قد قال فيما تقدم إن الصوت من العبد مخلوق فالخط بطريق الأولى. وعندنا أن القرآن مكتوب في المصاحف ولهذا يحرم على المحدث حمل المصحف ومتلو بالألسنة ومحفوظ في الصدور.
(فصل)
في حياة الأنبياء
قال:
ولأجل هذا رام ناصر قو لكم ترقيعه يا كثرة الخلقان
قال الرسول بقبره حي(1)
__________
(1) الناظم وشيخه ينفيان التوسل بالنبي – صلى الله عليه وسلم – باعتبار تفرقتهما بين حالتيه- صلى الله عليه وسلم – حال حياته وحال وفاته؛ وبإخراجهما للحديث الصحيح في التوسل عن دلالته الصريحة بالرأي عن هوى. وقد أقام قاضي قضاة الشافعية العلامة علاء الدين القونوي الشافعي النكير على ابن تيمية بعنف في هذه المسألة في كتابه (شرح التعرف) وهو من محفوظات التيمورية، وعد ذلك مأخوذاً من اليهود مع أنه كان من المثنين عليه قبل هذه الحادثة، وفي الاطلاع على شرح التعرف هذا تنوير للمسألة. وقد أغنانا عن بسط ذلك هنا ما نقله التقي الحصني منه في كتاب (دفع الشبه) وهو مطبوع. وفي كتاب “الروح” للناظم كثير مما ينافي ما ذكره هنا، والتناقض شأن من أصيب في عقله أو دينه، نسأل الله السلامة والمعافاة. وأما كلمة ابن حزم في الفصل فاغترار منه بتقولات الرواة من الحشوية في حق الأشعري كما بينت ذلك فيما علقته على “تبيين كذب المفتري” لابن عساكر.
وقد بلغ بالناظم وشيخه الغلو في هذا الصدر إلى تحريم شد الرحل لزيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – وعد السفر لأجل ذلك سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة فأصدر الشاميون فتيا في ابن تيمية وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطرا بأشياء إلى أن قال بتكفيره ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا لقاضي قضاة الشافعية بمصر البدر بن جماعة فكتب على ظاهر الفتوى: الحمد لله، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة وما ذكره من نحو ذلك وانه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أن زيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور- يعني ابن تيمية- ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويشهد أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.
وكتب محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي.
وكذلك يقول محمد بن الجريري الأنصاري الحنفي لكن يحبس الآن جزما مطلقا.
وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من المفاسد.
وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي، راجع دفعه الشبه (45-47) وهؤلاء الأربعة هم قضاة المذاهب الأربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة 726. والنهي عن شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة في الحديث باعتبار أنه لا مضاعفة لثواب المصلي في غيرها ولا علاقة له أصلا بمثل زيارة القبور، وهذا ظاهر جداً فمعنى الحديث النهي عن شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة التي يضاعف فيها الثواب حيث لا داعي إلى تجشم المشاق. والاستثناء المفرغ يقدر فيه المستثنى منه بقدر أدنى ما يصحح الاستثناء. لأن التقدير ضرورة فلا يزيد على القدر الضروري في تصحيح الكلام- وما زاد على ذلك ليس مما يعتبره أهل العلم. كما لا يخفي على أن شد الرحل لأجل العلم أو الجهاد أو التجارة أو الاعتبار أو استعادة الصحة ونحو هذا لا يتصور أن يتناوله النهي في الحديث فلا يصح تقدير المستثنى منه من أعم ما يتناول المستثنى. ومن تصور خلاف ذلك فقد غلط غلطاً فاحشاً واستعجم عليه الحديث.
والأحاديث في زيارته – صلى الله عليه وسلم – في غاية من الكثرة وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء كما سبق. وعلى العمل بموجبها استمرت الأمة إلى أن شذ ابن تيمية عن جماعة المسلمين في ذلك، قال على القاري في شرح الشفا: ” وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه … اهـ “.
فسعيه في منع الناس من زيارته- صلى الله عليه وسلم – يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسول- صلى الله عليه وسلم -. وكيف يتصور الإشراك بسبب الزيارة والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقه- صلى الله عليه وسلم – ” أنه عبده ورسوله ” وينطقون بذلك في صلواتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير إدامة لذكرى ذلك. ولم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شئونهم, ويرشدونهم إلى السنة في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شئ؛ ولم يعدوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل.كيف وقد أنقذهم الله من الشرك وأدخل في قلوبهم الإيمان. وأول من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية,وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودماءهم لحاجة في النفس. ولم يخف ابن تيمية من الله في رواية عد السفر لزيارة النبي – صلى الله عليه وسلم – سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي, وحاشاه عن ذلك-راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى- صلى الله عليه وسلم – والتوسل به كما هو مذهب الحنابلة- وإنما قوله بذلك في السفر إلى المشاهد المعروفة في العراق لما قارن ذلك من البدع في عهده وفي نظره.
وإليك نص عبارته في التذكرة المحفوظة بظاهرية دمشق تحت رقم 87 في الفقه الحنبلي.
” فصل: ويستحب له قدوم مدينة الرسول صلوات الله عليه فيأتي مسجده فيقول عند دخوله باسم الله اللهم صل على محمد وآل محمد وافتح لي أبواب رحمتك وكف عني أبواب عذابك، الحمد لله الذي بلغ بنا هذا المشهد وجعلنا لذلك أهلا، الحمد لله رب العالمين. ثم تأتي حائط القبر فلا تمسه ولا تلصق به صدرك، لأن ذلك عادة اليهود واجعل القبر تلقاء وجهك وقم مما يلي المنبر وقل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. إلى آخر ما تقوله في التشهد الأخير، ثم تقول اللهم أعط محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته، اللهم صل على روحه في الأرواح وجسده في الأجساد كما بلغ رسالاتك وتلا آياتك وصدع بأمرك حتى أتاه اليقين، اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك – صلى الله عليه وسلم – { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } [النساء:64] وإني قد أتيت نبيك تائبا مستغفراً فأسالك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه نبي الرحمة، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي، اللهم اجعل محمداً أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشربا صافيا رويا سائغاً هنيا لانظمأ بعده أبدا غير خزايا ولا ناكثين ولا مارقين ولا مغضوبا علينا ولا ضالين واجعلنا من أهل شفاعته. ثم تقدم عن يمينك فقل السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً، اللهم { اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان … } [الحشر: 10] وتصلى بين القبر والمنبر في الروضة وإن أحببت تمسح بالمنبر وبالحنانة وهو الجذع الذي كان يخطب عليه- صلى الله عليه وسلم – فلما اعتزل عنه حن إليه كحنين الناقة، وتأتي مسجد قباء فتصلي لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقصده فيصلي فيه، وإن أمكنك فأت قبور الشهداء وزرهم وأكثر من الدعاء في تلك المشاهد حتى كأنك تنظر إلى مواقفهم واصنع عند الخروج ما صنعت عند الدخول “.
ويقال عن كتاب الفنون لابن عقيل الحنبلي هذا إنه في ثمانمائة مجلد ويقول الذهبي عنه إنه لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب. ومن هو نظير ابن عقيل هذا بين الحنابلة في الجمع والتحقيق؟ وأنت رأيت نص عبارته في المسألة على خلاف ما يعزو إليه ابن تيمية.
________________________________________
.
وذكر أربعين نبياً في إنكار ذلك وقد صنف البيهقي(1) جزءاً في حياة الأنبياء ولكن هذا المدبر بعيد عن التوفيق.
فصل
قال: (فإن احتججتم بالشهيد).
وذكر غيره أشياء من حججنا.
فصل
قال في الجواب: (إن الشهيد حياته منصوصة مع النهي عن أن تدعوه ميتا، ونساؤه حل لنا من بعده وماله مقسوم وهو من ذلك حي فارح قلتم فالرسل أولى).
فانظر إلى قلب الدليل عليهم ما قلب شيئاً قلب الله قلبه.
قال: (ورؤيته موسى مصليا في قبره في القلب منه حسيكة هل قاله؟ ولذلك أعرض البخاري عنه عمداً والدارقطني أعله ورأى أنه موقوف على أنس لكن تقلد مسلماً، لكن هذا ليس مختصاً به روى ابن حبان صلاة العصر في قبر الذي مات مؤمنا فتمثل الشمس التي قد كان يرعاها لأجل الصلاة عند الغروب يخاف فوت صلاته فيقول للملكين تدعاني حتى أصلي العصر قالا ستفعل ذلك بعد الآن، هذا مع الموت المحقق لا الذي حكيت لنا بثبوته القولان.
وثابت البناني دعا أن لا يزال مصليا في قبره وحديث ذكر حياتهم بقبورهم لما يصح، وظاهر النكران ونحن نقول إنهم أحياء عند ربهم كالشهيد). يعني وننكر حياتهم في قبورهم.
قال: (هذي نهايات لأقدام الورى في ذا المقام الضنك والحق فيه ليس تحمله عقول بني الزمان لغلظة الأذهان ولجهلهم بالروح هل في عقولهم أن الروح في أعلى الرفيق مقيمة بجنان، وترد أوقات السلام عليه وأجواف الطير الخضر مسكنها لدى الجنات، من ليس يحمل عقله هذا فاعذره على النكران للروح شأن غير ذي الأكوان، وهو الذي حار الورى فيه فلم يعرفه غير الفرد في الأزمان، هذا وأمر فوق ذا لو قلته بادرت بالإنكار والعدوان فلذلك أمسكت العنان ولو أرى ذاك الرفيق جريت في الميدان، وقولي إنها مخلوقة وليست كما قال أهل الإفك لا داخلة فينا ولا خارجة عنا – والله – لا الرحمن أثبتم ولا أرواحكم، عطلتم الأبدان من أرواحها والعرش عطلتم من الرحمن).
__________
(1) وجزء البيهقي في حياة الأنبياء مطبوع فاستغنينا به عن الكلام في ذلك.
________________________________________
استشكال معرفة الروح صحيح؛ لكنه ما أظنه يفهمه وإنما قاله تقليداً وإنكاره حياة الأنبياء ليس له عليه حامل صحيح(1)
__________
(1) وعن أنس مرفوعا (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه أبو يعلي الموصلي والبزار. قال الهيثمي: ورجال أبي يعلي ثقات. والحياة البرزخية الثابتة للأنبياء فوق الحياة الثابتة للشهداء ويغنينا عن الكلام في حياة الأنبياء جزء البيهقي المطبوع. نعم انقطعت حاجتهم إلى الأكل والشرب من مآكل هذه الدار ومشاربها، ولذلك صح وصفهم بالموت { إنك ميت وإنهم ميتون } [الزمر:30]. وحامل الناظم على إنكار حياتهم البرزخية هو التذرع بذلك إلى تحريم التوسل بهم عن هوى وفي “دفع الشبه” للتقي الحصني و”وفاء الوفاء” للنور السمهودي وغيرهما أحاديث وآثار كثيرة في الندب إليه، وليس هذا موضع سرد لتلك الأحاديث وله موضع آخر. وفي “المطالب العالية” للرازي وفي “شرح المقاصد” للتفتازاني وفيما علقه الشريف الجرجاني على”شرح المطالع” ما يسكن إليه صدور المقتدين بأئمة أصول الدين من البيان في هذه المسألة. وكنت بسطت المسألة قبل سنين متطاولة في (إرغام المريد) الذي كنت ألفته سنة 1320 ولا بأس في أن أورد هنا بعض ما كنت نقلته فيه، مما قاله الفخر الرازي والسعد التفتازاني، والشريف الجرجاني في هذا الصدد فإنهم أئمة في أصول الدين يميزون بين الحق والباطل والتوحيد والإشراك حق التمييز، ولا يرميهم أحد من أهل الحق بنزعة تخالف مذهب أهل الحق في هذه المسألة. ومن الغريب رمي أهل التجسيم لأهل الحق بالإشراك بوسيلة التوسل. وفيما ننقله عن أئمة أصول الدين في هذا الصدد قمع من يرمي أهل الحق بدائه. وهم من أبعد الناس عن الإشراك بخلاف من يقول بالجهة والتحيز وسائر لوازم الجسمية تعالى الله عن ذلك.
قال الإمام فخر الدين الرازي بعد بسط مقدمات في الفصل الثامن عشر من كتابه “المطالب العالية” وهو من أمتع مؤلفاته في علم أصول الدين: ” وإذا عرفت هذه المقدمات فنقول إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجوهر شديد التأثير ووقف هناك ساعة وتأثرت نفسه من تلك التربة حصل لنفس الزائر تعلق بتلك التربة وقد عرفت أن لنفس الميت تعلقا بتلك التربة أيضاً؛ فحينئذ يحصل لنفس هذا الزائر الحي ولنفس ذلك الإنسان الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من واحدة منهما إلى الأخرى فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي من المعارف البرهانية والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخضوع لله تعالى والرضى بقضاء الله، ينعكس منه نور إلى روح ذلك الإنسان الميت وكل ما حصل في نفس ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرفة والآثار العلوية الكاملة فإنه ينعكس منه نور إلى روح هذا الزائر الحي، وبهذا الطريق تصير تلك الزيارة سببا لحصول المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح الزائر ولروح المزور، فهذا هو السبب الأصلي في مشروعية الزيارة، ولا يبعد أن يحصل فيها أسرار أخرى أدق وأحق مما ذكرناه، وتمام العلم بالحقائق ليس إلا عند الله اهـ “.
وأما بقاء النفس مدركة لبعض الجزئيات فقد بينها الرازي في الفصل الخامس عشر من الكتاب المذكور وقال الرازي أيضاً في تفسيره: ” إن الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية، المشتاقة إلى الاتصال بالعالم العلوي، بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ومنازل القدس، ويظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي المدبرات أمراً، أليس الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها اهـ “.
وقال العلامة سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد عند إثبات إدراك بعض الجزئيات للميت رداً على الفلاسفة: ” لما كان إدراك الجزئيات مشروطاً عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات؛ ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط؛ وعندنا لما لم تكن الآلات شرطاً في إدراك الجزئيات إما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس وإما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس بل الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات متجددة جزئية واطلاع على بعض جزئيات أحوال الأحياء، ولا سيما الذين كان بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا؛ ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستغاثة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات؛ فإن للنفس بعد المفارقة تعلقا بالبدن وبالتربة التي دفنت فيها، فإذا زار الحي تلك التربة وتوجهت تلقاء نفس الميت حصل بين النفسين ملاقاة وإفاضات اهـ “.
وقال العلامة الشريف الجرجاني في أوائل حاشية “شرح المطالع” معلقاً على ما ذكره شارح المطالع في صدد بيان الحكمة في التوسل والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم: ” فإن قيل هذا التوسل إنما يتصور إذا كانوا متعلقين بالأبدان وأما إذا تجردوا عنها فلا إذ لا جهة مقتضية للمناسبة، قلنا يكفيه أنهم كانوا متعلقين بها متوجهين إلى تكميل النفوس الناقصة بهمة عالية فإن أثر ذلك باق فيهم ولذلك كانت زيارة مراقدهم مدة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر اهـ ” ورأيت بخط الحافظ الضياء المقدسي الحنبلي في كتابه- الحكايات المنثورة- المحفوظ تحت رقم 98 من المجاميع بظاهرية دمشق أنه سمع الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي يقول إنه خرج في عضده شيء يشبه الدمل فأعيته مداواته، ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم يعد إليه، وفي تاريخ الخطيب (1-123) بسنده إلى الشافعي- رضي الله عنه – قال: “إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره كل يوم- يعني زائراً- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضي اهـ “.
فمن الذي يستطيع أن يعد هؤلاء قبوريين يتعبدون الضرائح ؟!
________________________________________
.
فصل
قال: (ما معناه منجنيق المعطلة ما يدعونه من التركيب، وللتركيب ستة معان أحدها: التركيب من متباين كتركيب الحيوان من هذه الأعضاء وتركيب الأعضاء من الأركان الأربعة، الثاني: تركيب الجوار من اثنين يفترقان، الثالث: التركيب من متماثل يدعى الجواهر الفردة، الرابع: الجسم المركب من هيولى وصورة عند الفيلسوف والجواهر الفرد ليس ممكنا، الخامس: التركيب من ذات وأوصاف سموه تركيبا وليس بتركيب، السادس: التركيب من ماهية ووجودها، واختلفوا هل الذات الوجود أو غيره فيكون تركيباً محالاً أو يفرق بين الواجب والممكن حتى أتى من أرض آمد ثور كبير(1)، بل حقير الشأن قال الصواب الوقف فقصاراه أن شك في الله).
__________
(1) سيف الدين الآمدي المعروف بين الفرق ببالغ الذكاء ذنبه عند الحشوية أنه نشأ حشوياً ثم هداه الله إلى مذهب الأشاعرة؛ ولأجل ذلك يرى متقشفو الحشوية من تمام ورعهم اختلاق حكايات في حقه ويسعى ابن تيمية جهده في مناقشته في معقولة، ويقوم الذهبي بحظه في الاختلاق عليه في ميزانه. وتآليفه الخالدة في أصول الدين وأصول الفقه والجدل هي آية كونه ثوراً كبيراً في نظر الناظم فليعتبر.
________________________________________
جوابه أنه لم يشك في الله وإنما شك في الوجود هل هو زائد أو لا. ولا يجوز أن يقال له ثور ولا أنه حقير الشأن، وقد اعترف في التركيبين الأخيرين بالامتناع؛ فيسأل من أهل اللغة هل القدم واليد والجنب أعضاء(1)
__________
(1) فإن اعترف بعد السؤال من أهل اللغة بأنها أعضاء يكون المركب منها من القسم الأول فيكون عابد جسم ذي أعضاء وإن لم يعترف بأنها أعضاء بل قال إنها مجازات عن صفات ثابتة له تعالى فقد ترك مذهبه وكان جهاده في غير عدو. ولكن أنّى يعترف بأنها مجازات مع الغلو المشهود في نحلته؟ ومن ألطف النكت الجارية مجرى الإلزامات الظاهرة على المجسمة ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره (7-148) حيث قال: إن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها وإما أن يزيد عليها، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } [القصص:88] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله تعالى: { تجرى بأعيننا } [القمر:14] وأن يثبت له جنبا واحداً لقوله تعالى { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } [الزمر: 56] وإن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى { مما عملت أيدينا } [يس:71] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله – صلى الله عليه وسلم – (وكلتا يديه يمين) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى { يوم يكشف عن ساق } [القلم: 42] فيكون الحاصل من هذه الصورة مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة, وجنب واحد؛ ويكون عليه أيد كثيرة, وساق واحد؛ ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد في شرائه فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة؟! وإن كان الثاني وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن بل يزيد وينقص على وفق التأويلات فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ولابد له من قبول دلائل العقل اهـ.
________________________________________
أو صفات.
فصل
قال: (ودلالة الأسماء مطابقة وتضمن والتزام فالمطابقة يفهم منها ذات الإله والوصف والتضمن دلالته على أحدهما واللازم دلالته على الصفة التي اشتق الاسم منها كالرحمن، فالذات والرحمة مدلولاه تضمنا ودلالته على الحياة بالالتزام).
مقصودة بهذا المبالغة في القول بالتركيب في المعنى(1) وإن أنكره باللفظ فيما تقدم. ومدلول الرحمن في اللغة ذو الرحمة وهو شيء واحد لا مركب وإن كان يقتضي أن له رحمة وكذا ضارب، مدلول شيء له الضرب ولا نقول بأن الضرب بعض مدلوله وإن كان قاله بعض الأصوليين من جهة تركيب العقل ما دل عليه اللفظ لا من جهة أن الواضع وضعه لهما كما أشعر به كلام هذا الفَدْم. واستعماله في الأسماء المقدسة جرأة جرأتها عقيدة سوء ميالة إلى معنى التركيب.
فصل
قال: (الملحدون ثلاثة: المشركون وإخوانهم الاتحادية، والثاني: المعطلة يقولون ما ثم غير الاسم عطل حرف ثم أول وافقها واقذف بتجسيم وبالكفران للمثبتين، فإن احتجوا عليك فقل مجاز فإن غلبت عن المجاز فقل الألفاظ لا تفيد اليقين فإن غلبت عن تقريره فقل العقل مقدم على النقل، والثالث: منكر الخالق الصانع لا يوحشنك غربة بين الورى قل لي متى سلم الرسول وصحبه وتظن أنك وارث لهم ولا جاهدت في الله حق جهاده).
__________
(1) لأن كلام أهل العربية في الدلالات الثلاث (دلالة اللفظ على تمام ما وضع له مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى الخارج اللازم التزام) والاجتراء على إجراء ذلك في الأسماء المقدسة مبالغة في القول بالتركيب في المعنى بإثبات الجزء في دلالتها كما قال المصنف. على أن ابن حزم قطع على الحشوية سبيل التقول بالمرة بأن قال إن الأسماء الحسنى أسماء أعلام للذات العلية لا تدل على الصفات باعتبار أن الله سماها أسماء. فضاقوا ذرعا من كلامه هذا جداً وليس هذا موضع توسع لبيان ما له وما عليه، وكفى للبصير مجرد الإشارة إليه.
________________________________________
هذا الرجل قال قبل ذلك إنه لم ينكر أحد الخالق وقد ناقض هنا وجعل القسم الثاني من الملحدة خصماءه ووصفهم بما قال، وهم هداة الأمة.
(فصل)
في النوع الثاني من توحيد المرسلين المخالف لتوحيد المعطلين والمشركين).
قال: (وهو أن لا تعبد غير الله، فالمشركون اتخذوا أنداداً يحبونهم كحب الله، ولقد رأينا من فريق يدعي الإسلام شركا جعلوا له شركاء سووهم به في الحب بل زادوا لهم حبا- والله- ما غضبوا إذا انتهكت محارم ربهم حتى إذا ما قيل في الوثن الذي يدعونه ما فيه من نقصان فأجارك الرحمن من غضب ومن حرب ومن شتم ومن عدوان وضرب وتعزير وسب وتسجان، قالوا تنقصت الأكابر والأمر- والله العظيم- يزيد فوق الوصف، وإذا ذكرت الله توحيداً رأيت وجوههم مكسوفة الألوان، وإذا ذكرت بمدحة شركاءهم يستبشرون – والله – ما شموا روائح دينه). انتهى ثناؤه على المسلمين قبحه الله.
(فصل)
في صفة العسكرين وتقابل الصفين واستدارة رحى الحرب العوان وتصاول الأقران).
أبصر كيف يوقع الملعون العداوة بين المسلمين.
فذكر جماعة ثم قال: (وخيار عسكرهم فذاك الأشعري الفدم) أو القرم (ذاك مقدم الفرسان).
سواء أقال الفدم أو القرم قد جعله من عسكر الملحدين.
قال: (لكنكم ما أنتم على إثباته صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا للحرب واقتربوا من الفرسان فهم إلى لقياكم بالشوق كي يوفوا بنذرهم من القربان، تباً لكم لو تستحون لكنتم خلف الخدور كأضعف النسوان، من أين أنتم والحديث وأهله ما عندكم إلا الدعاوي والشكاوي وشهادات على البهتان هذا الذي والله نلنا منكم قبح الإله مناصبا ومآكلا قامت على البهتان والعدوان).
أيكون أقبح من هذا الإغراء.
فصل
في الهدنة بين المعطلة والاتحادية حزب جنكسخان
قال: (يا قوم صالحتم نفاة الذات ولأجل ذا كنتم مخانيثاً لهم).
ينبغي أن يعرض عن كلام هذا المتخلف.
فصل
في مصارع المعطلة بأسنة الموحدين
________________________________________
قال: (وإذا أردت ترى مصارع من خلا من أمة التعطيل وترى وترى وترى فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة شيخ الوجود العالم الرباني أعني أبا العباس(1)
__________
(1) لمة صاحب الدرة المضية في ابن تيمية
( ) وعن هذا الشيخ الذي يطريه الناظم يقول صاحب الدرة المضية: ” قد أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان متستراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فخرج عن الاتباع إلى الابتداع، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتراكيب في الذات المقدسة, وبأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال, وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى وأن القرآن محدث تكلم الله بعد أن لم يكن وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعا مما تقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع فإن متلقي الأصول عنه وفاهم ذلك منه هم الأقلون؛ والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون؛ وإذا حوققوا في ذلك أنكروه. وأما ما أحدثه في الفروع فأمر قد عمت به البلوى.. وقد بث دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة وأضل بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين.. ولبس عليهم.. اهـ “.
والدرة المضية هذه مطبوعة ضمن المجموعة السبكية ونسخة مخطوطة منها موجودة في مكتبة أيا صوفيا في اصطنبول. ومثل هذا الضال المضل اتخذه الناظم قدوة في فتنه عاملهما الله تعالى بعدله. ولم يكن بغض علماء أهل الحق لهما إلا بغضا في الله شأنهم مع كل زائغ، ومن حمل ذلك على الحسد لم يعرف سيرة الرادين عليه ولا مبلغ زيغ الناظم وشيخه فمثل هذا القول ينبيء عن جهل قائله أو زيغه.
________________________________________
واقرأ كتاب العقل
والنقل، والمنهاج(1)، والتأسيس وغيرها وقرأت أكثرها عليه فزادني- والله- في علم وفي إيمان، هذا ولو حدثت أنه قبلي يموت لكان غير الشأن وله المقامات الشهيرة أبدى فضائحهم(2) وبين جهلهم وأصارهم تحت نعال أهل الحق، كانت نواصينا بأيديهم فصارت نواصيهم بأيدينا وغدت ملوكهم مماليكاً والفدم يوحشنا وليس هنا كم فحضوره ومغيبه سيان).
وهذا الفصل تسعون بيتا ماذا تضمن من الكذب الذي يدل على أن قائله خرق جلباب الحياء.
(فصل)
يزيد على مائة وعشرين بيتا مما يهيج ويوقع العداوة وليس فيه قط إفادة.
(فصل)
[في كسر الطاغوت الذي نفوا به الصفات]
ثمانية وثمانون بيتا كلها تهييج وإشلاء وسفاهة.
من جملتها:
فتعين الإلزام حينئذ على قو
وجعلتم أتباعه مانسترا خو … ل الرسول ومحكم القرآن
فاً من التصريح بالكفران
__________
(1) مطبوع في هامش منهاجه، وأما “التأسيس في رد أساس التقديس” فقد فضح ابن تيمية به نفسه وهو في ضمن الكواكب الدراري لابن زكنون الحنبلي في المجلدات (رقم 24 و25 و26) بظاهرية دمشق وقد سبق أن وصفت الكواكب فيما علقته على المصعد الأحمد لابن الجزري فلو قام بطبع التأسيس أحدهم لما بقى من أهل البسيطة أحد لم يعلم دخائل ابن تيمية. وقد نقلت منه نصوصا كثيرة فيما علقت على هذا الكتاب كما سبق في مواضع على أن مبلغ زيغه ظاهر من الكتابين المذكورين لمن ألقى السمع وهو شهيد، ويتبجح بهما هذا الزائغ كتبجحه بالتأسيس، هكذا شأن مقلدة الزائغين يثنون على الزيغ ويزدادون غواية. وقد أشرت إلى بعض ما في منهاجه ومعقولة في ” الإشفاق على أحكام الطلاق ” فليراجع هناك.
(2) كلا بل فضح نفسه وأذنابه وقادته وأصارهم تحت نعال أهل الحق بجهله وخرقه ولم يزل ينقل من محبس إلى محبس ومن هوان إلى هوان حتى أفضى إلى ما عمل وخلف شواذه وصمة الأبد، لكن قاتل الله الوقاحة تحاول قلب الحقائق.
________________________________________
(والله – ما قلنا(1) سوى ما قاله فجعلتمونا جنة والقصد مفهوم فنحن وقاية القرآن).
ما يحسن أن يتخيل أحد في مسلم أنه يقصد الرد على القرآن والرسول.
ثم قال: (والله لو نشرت لكم أشياخكم عجزوا
إن كنتم فحولاً فابرزوا
وإذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى إلى … ودعوا الشكاوي حيلة النسوان
الوحيين(2) لا القاضي ولا السلطان
(فصل)
في مبدأ العداوة بين الموحدين والمعطلين
__________
(1) اتق الله لا تحلف به كذباً !! هذا الكذب المكشوف أين قال الله أو قال رسوله – صلى الله عليه وسلم – إن الله متمكن على العرش تمكن استقرار أو إن من لم يقل ذلك معطل ملحد وإنه في جهة العلو من رءوس العباد أو إنه تكلم بحرف وصوت إلى آخر تلك المخازي أو أين قال الله أو قال رسوله – صلى الله عليه وسلم – إن المنزهين لله من المادة والماديات والجسم والجسمانيات من حزب جنكزخان.
(2) إن كان يريد بهما الكتاب والسنة فقد ظهر ظهوراً لا مزيد عليه بما بسطناه في هذا الكتاب من تحاكمنا إليهما أننا على الحق وخصومنا على الزيغ والضلال المبين. وإن كان يريد بهما وحي شياطين الجن ووحي شياطين الإنس على ما هو الظاهر من تلبيساته فلسنا نتحاكم معه إلى الطواغيت { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب } [الشعراء: 227] ولا بأس أن أهمس في أذنه وآذان أشياعه أنه لم يبق في غالب البلاد سلطان لأحكام الشرع يخاف الفاتنون جانبه بسبب تلك الفتن الدامية التي كانت الحشوية يثيرونها على طول القرون في أخطر أيام الإسلام حتى تركوا الشرع لا سلطان له إلا على قلوب المسلمين حقاً وأصبح الإسلام بالحالة التي نراها والله سبحانه وتعالى ينتقم من هؤلاء الفاتنين الدائبين على السعي في تفريق كلمة المسلمين وتوهين سلطان الدين وأعاد إلى الدين سلطانه، إنه قريب مجيب.
________________________________________
قال: (يا قوم تدرون العداوة بيننا من أجل ماذا؟ إنا تحيزنا إلى القرآن والنقل الصحيح والعقل الصريح فاشتد ذاك الحرب بين فريقنا وفريقكم وتأصلت تلك العداوة من يوم أمر إبليس بالسجود فأتى التلاميذ الوقاح فانظر إلى ميراثهم ذا الشيخ هذا الذي ألقى العداوة بيننا).
فصل
في أن التعطيل أساس الزندقة
قال: (من قال إن الله ليس بفاعل فعلا يقوم(1) به وليس أمره قائماً به وليس فوق عباده، فثلاثة لا تبقي من الإيمان حبة خردل وقد استراح من القرآن والرسول وشريعة الإسلام وتمام ذاك جحوده للصفات وتمامه الإرجاء وتمامه قوله في المعاد) (2).
(فصل)
في بهت أهل الشرك والتعطيل
قال: (قالوا تنقصتم رسول الله، واعجبا، ونظيره قول النصارى إنا تنقصنا المسيح).
هذه الفصول كلها كما ترى.
فصل
__________
(1) كم يكرر الناظم قيام الفعل به تعالى وهو الذي دعاه وشيخه إلى القول بحوادث لا أول لها وهذا من الخطورة بمكان، قال الإمام أبو منصور عبد القاهر في” أصول الدين”:” وأما جسمية خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم بأن الله له حد ونهاية من جهة السفل، ومنها يماس عرشه ولقولهم بأن الله محل للحوادث إنما يرى الشيء برؤية تحدث فيه ويدرك ما يسمعه بإدراك يحدث فهي ولو لا حدوث الإدراك به لم يكن مدركا لصوت ولا مدركا لمرئي. وقد أفسدوا بإجازة حلول الحوادث في ذات الله تعالى لأنفسهم دلالة الموحدين على حدوث الأجسام بحلول الحوادث اهـ”. وأنت عرفت مذهب الناظم في تلك المسائل.
(2) ثم قال: (وتمام هذا قولكم بفناء دار الخلد فالداران فانيتان) مع أن الناظم يقول في كثير من كتبه بنفي الخلود للكفار في النار وبهذا حكم على نفسه بالكفر. انظر كلامه فيمن لا يرى قيام الحوادث بالله والفوقية المكانية له تعالى. وجَعْل العمل جزءاً من الإيمان حقيقة مؤد إلى تكفير مرتكبي الكبائر كما هو مذهب الخوارج. ونفي قيام الأفعال الحادثة به تعالى بعده نفي الصفات والله ينتقم منه.
________________________________________
قال: (ولنا الحقيقة من كلام إلهنا ونصيبكم منه المجاز الثاني وخيامنا مضروبة بمشاعر الوحيين وخيامكم(1) مضروبة في التيه فالمكان كل ملدد حيران، هذه شهادتهم على محصولهم عند الممات والله يشهد أنهم أيضاً كذا ولنا المسانيد والصحاح ولكم تصانيف الكلام ونقول: قال الله قال رسوله في كل تصنيف وكل مكان لكن تقولون: قال أرسطو وقال ابن الخطيب(2)
__________
(1) بل أهل السنة هم الذين جمعوا بين الكتاب والسنة وآثار السلف والبراهين العقلية التي هي من حجج الله سبحانه، من غير إهمال شيء منها، مراعين مراتب الأدلة ووجوه الدلالة. وإنما مذهب السلف عدم الخوض في الصفات مع التنزيه العام وهم من أبعد الناس عن حمل ما في كتاب الله وما صح في السنة على ما يوهم التشبيه فإذا تكلموا إنما يتكلمون بما يوافق التنزيه وهم الذين يقولون فيما صح لفظه: ” أمروه كما جاء بدون تفسيره بل تفسيره. قراءته بلا كيف ولا معنى ” كما تواتر ذلك عن السلف ولا سيما عن أحمد. وقد ذكرنا بعض نصوص لهم في ذلك. وأما أصحاب الناظم فهم الذين جمعوا بين الإسرائيليات والجاهليات وأنواع الخرافات والأخبار الموضوعات كما يظهر من كتبهم في العلو والسنة والتوحيد والنحل. أين في الصحاح والسنن (ينزل بذاته) و (يستوي على العرش استواء استقرار وجلوس) و (يتحرك) و(يتكلم بصوت)؟ فلو وقفوا حيث وقف الكتاب والسنة والبرهان العقلي وأبوا الخوض في الصفات بعقولهم الضئيلة لكانوا على الهدى لكنهم حادوا وزادوا. قاتلهم الله ما أوقحهم وأشنع أفكهم على أهل الحق.
(2) هو الإمام فخر الدين الرازي، سيف الله المسلول على المجسمة وهو من أبغض أهل العلم إليهم لأنه تمكن ببيانه الواضح وبرهانه الدامغ من إزالة شرور المجسمة من بلاد الشرق كما أجهز على المجسمة الذين أووا إلى الشام بكتابه (أساس التقديس). وهو كتاب يحق أن يكتب بماء الذهب, وأن يجعل من كتب الدراسة في بلاد تشيع فيها مخازي المشبهة وهو كاف في قمعهم. والله سبحانه يكافيه على ذلك. وتفسيره الكبير من أهم الكتب في الرد على الحشوية وفي ذلك ما يكون كفارة لما بدر منه من بعض أغلاط، سامحه الله وأعلى منزلته في الجنة.
________________________________________
وقال ذو العرفان شيخ لكم يدعى ابن سينا، وخيار ما تأتون قال: الأشعري وتشهدون(1) عليه بالبهتان، والكفر عندكم خلاف شيوخكم ووفاقهم فحقيقة الإيمان).
انتهى، يكفيه أن ينسب القائلين عند موتهم بالعجز عن حقيقة الإدراك إلى الكفر وهي كلمة الصِّدَّيق الأكبر (إن العجز عن حقيقة الإدراك إدراك).
(فصل)
أنكر فيه على خصومه تكفيرهم إياه وقال: (اسمع إذن يا منصفا حكميهما وانظر إذن هل يستوي الحكمان، هم عندنا قسمان أهل جهالة ومعاند فالمعاند كافر والجاهل نوعان أحدهما متمكن من العلم فهو فاسق وفي كفره قولان، والوقف عندي فيهم لست الذي بالكفر أنعتهم ولا الإيمان، والله أعلم بالبطانة منهم لكنهم مستوجبون عقابه قطعاً لأجل البغي والعدوان، والنوع الثاني عاجز عن بلوغ الحق مع قصد وإيمان وهم ضربان أحدهما قوم دهاهم حسن ظنهم بشيوخهم فمعذورون إن لم يظلموا أو يكفروا والآخرين طالبون للحق لكن صدهم عن علمه شيئان أحدهما طلب الحقائق من سوى أبوابها فأولاء بين الذنب والأجرين فانظر إلى أحكامنا فيهم وأحكامهم فينا).
انتهى كلامه، وهو كلام من يعتقد أن خصومه خارجون بتكفيره. وخصومه يقولون لا نكفر أحداً من أهل القبلة.
فصل
في أذان أهل السنة بصريحها جهراً على رءوس منابر الإسلام.
__________
(1) ومذهبه هو ما في كتب أصحابه وأصحاب أصحابه كأبي منصور عبد القاهر البغدادي والقشيري وابن الجويني ونحوهم. وقد أفنى الحشوية مؤلفات الإمام في فتن بغداد, وتصرفوا فيما بالأيدي من كتبه, ودسوا ما شاءوا، قاتلهم الله.
________________________________________
قال: (شبهتم الرحمن بالأوثان(1)
__________
(1) بل من قال إن كلام معبوده حرف وصت قائمان به فهو الذي نحت عجلا جسداً له خوار يحمل أشياعه على تعبده، قال أبو بكر ابن العربي في العارضة: ” لا يحل لمسلم أن يعتقد أن كلام الله صوت وحرف لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع. فأما طريق العقل فلأنه الصوت والحرف مخلوقان محصوران، وكلام الله يجل عن ذلك كله. وأما من طريق الشرع فلأنه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة؛ ولهذا لم نجد طريقاً صحيحة لحديث ابن أنيس وابن مسعود اهـ”.
وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث. و”جزء الصوت” للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أي متمسك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين. ومن رأى نصوص فتاوى العز بن عبد السلام وابن الحاجب والجمال الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل الحق كما هو مدون في نجم المهتدي ودفع الشبه وغيرهما يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أن كلام الله حرف وصوت قائمان به تعالى. وقد سبق نقل بعض النصوص منها ولا تصح نسبة الصوت إلى الله إلا نسبة ملك وخلق؛ لكنّ هؤلاء السخفاء رغم تضافر البراهين ضدهم ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها يعاندون الحق, ويظنون أن كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية اهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان؛ تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم { أولئك كالأنعام بل هم أضل } [الأعراف: 179].
________________________________________
في عدم الكلام هم أهل تعطيل وتشبيه معاً بالجامدات تسعون وجها يبطل المعنى الذي قلتم هو النفس(1)
__________
(1) وقد صح عن أحمد فيما جاوب به المتوكل وغيره كما هو مذكور في كتاب “السنة” و”عيون التواريخ” وغيرهما أنه كان يقول القرآن من علم الله وعلم الله غير مخلوق فالقرآن غير مخلوق. وهذا دليل على أنه كان يريد بالقرآن ما هو قائم بالله، وتابعه ابن حزم في “الفصل”، فقوله تعالى { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا } [يوسف:77] فقال إما بدل من أسر أو استئناف بياني وعلى التقديرين تدل الآية على أن للنفس كلاما لقوله في نفسه (كما حكى القرآن الكريم) { أنتم شر مكانا } ؛ وكذلك قوله تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } [الزخرف : 80] وفي الحديث “السر ما أسره ابن آدم في نفسه” وقوله تعالى { … يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } [آل عمران: 154] أي يقولون في أنفسهم بدليل السياق وقوله تعالى { واذكر ربك في نفسك } [الأعراف: 205].
كل ذلك من أدلة الكلام النفسي؛ وحديث أم سلمة في الطبراني في رجل سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – قائلا: (إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري) فقال – صلى الله عليه وسلم – : لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن. وما في الحديث القدسي (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) من أدلة الكلام النفسي أيضاً وقد أقر الذهبي بحجية الأخير في ذلك في كتاب “العلو” له. ومن الدليل على ذلك أيضاً قوله تعالى { ويقولون في أنفسهم } [المجادلة:8] فقوله تعالى { بألسنتهم } و { بأفواههم } في قوله تعالى { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } [الفتح: 11] و { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } [آل عمران: 167] لم يجعل القول باللسان مجازاً حتى يظن المجازية في القول في النفس تمسكا بلفظ { في أنفسهم } كما توهم بعض أهل الأهواء. وقول عمر الفاروق (زورت في نفسي كلاما) أشهر من نار على علم؛ فمن رد أن يكون كلام في النفس رد على تلك الأدلة الصريحة. والحامل لأهل الحق على القول بالكلام النفسي هو إجماع التابعين على القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فخرَّجوا إجماعهم هذا على هذا الوجه المعقول وإلا لما صح قولهم. وتسفيه أحلام التابعين جميعاً لا يصدر إلا عن مجازف. فالفرق بين ما هو قائم بالخلق والمعنى القائم بالله سبحانه هو المخلص الوحيد في هذه المسألة؛ فاللفظي حديث والنفسي قديم كما أشار إلى هذا وإلى ذاك إمام الأئمة أبو حنيفة وتابعه أهل الحق. ويتضح بهذا البيان الواضح أن قول بعض زهاد الحشوية في هذا البحث: ” نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى { كهيعص } [مريم:1] ونحوه وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – (يجمع الله الخلائق يوم القيامة …) وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني (إن البيان لفي الفؤاد) بتحريف البيان إلى الكلام ” هراء بعيد عن الحقيقة بعد الأرض عن السماء وهراء لا يصدر إلا من السفهاء. ومثل هذا السفه حمل بعض الشافعية أن يشترط في مدرسة بناها بدمشق أن لا يطأ أرضها يهودي ولا نصراني ولا حشوي حنبلي كما في “الدارس في تاريخ المدارس” وقانا الله شر الغلو.
________________________________________
للقرآن).
ولا وجه واحد. (وتسعون إلى آخره ساقطة من المطبوع).
قال: (وإليه قد عرج الرسول حقيقة).
أين في القرآن إليه؟.
(قال والله أكبر من أشار رسوله حقاً إليه بأصبع وبنان).
أين في الحديث إليه؟
(قال والله فوق العرش والكرسي).
أين في القرآن إن الله فوق العرش ؟.
فصل
في تلازم التعطيل والشرك
(قال: واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ كانا هما لا شك مصطحبان أبداً فكل معطل هو مشرك).
سواء أراد بالتعطيل الإنكار للذات أو إنكار الصفات أو بعضها هو مباين للشرك.
قال: (والناس في ذا ثلاث طوائف: إحدى الطوائف مشرك بإلهه فإذا دعاه دعا إلهاً ثاني، وثانيها: جاحد يدعو سوى الرحمن، هو جاحد للرب يدعو غيره شركا وتعطيلا له قدمان).
هذا ما يستقيم يا هذا.
قال: (وثالث هذه الأقسام خير الخلق فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا ذو الشرك فهو معطل الرحمن).
فصل
قال:
(لكن أخو التعطيل شر من أخي الإشراك بالمعقول والبرهان)
والله لا معقول ولا برهان وأخذ يبينه بما لا يصح وإن كان فيه شيء كثير من الصحيح لا يحصل به مقصوده بل يلبس به.
ثم قال:
(لكن أخو التعطيل ليس لديـ ـه إلا النفي أين النفي من إيمان)
فصل
في مثل المشرك والمعطل
قال:
“أين الذي قد قال في ملك عظيـ ـم لست فينا قط ذا سلطان”
فذكر ثمانية أبيات من هذا الخطاب الذي قد خرق حجاب الهيبة ثم قال: (هذا وثان قال أنت مليكنا إذ حزت أوصاف الكمال ولقد جلست على سرير الملك متصفا بتدبير عظيم الشان).
________________________________________
هذا تصريح بالجلوس(1)
__________
(1) يعجب المصنف كيف يصرح الناظم بالجلوس. ولأحد تلامذته الأخصاء جزء في إثبات المماسة رداً على من ينزه الله سبحانه عن ذلك. وما ينطوي عليه هؤلاء أفظع بكثير من فلتات لسانهم؛ فلو كانوا بين قوم على معتقدهم لكنت تراهم يصرحون بكل ما تكن صدورهم. قال ذلك التلميذ أعني محمداً المنبجي صاحب “الفرج بعد الشدة” في الجزء المذكور: قال الخلال في كتاب “السنة” حدثنا أحمد بن الحسين الرقي حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح حدثني أبي عن سعيد بن الحارث عن عبيد بن حنين قال: بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءني قتادة بن النعمان يحدث وثاب إليه الناس، فقال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ” إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال إنها لا تصلح لبشر “.
قال الحافظ الذهبي وغيره إسناده على شرط البخاري ومسلم اهـ.
ولعلك علمت بذلك قيمة كتاب “السنة” للخلال، وفي ذلك الجزء من المخازي ما يضاهي ما نقلناه آنفاً، ولابن بدران الدشتي جزء في إثبات الحد والجلوس لله سبحانه؛ ويسوق فيه الحديث المذكور بطرق كما ذكرت ذلك فيما علقت على “ذيول طبقات الحفاظ” قاتلهم الله ما أجرأهم على الله. ولعلك علمت بذلك أيضاً قيمة تهويلهم بأنهم يتابعون السنة كما علمت قيمة تصحيحهم للروايات المطابقة لزيغهم.
” تنبيه ” الذهبي يبعد عن رشده ويفقد صوابه إذا جاء دور الكلام على أحاديث في الصفات, أو في فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, أو أهل بيته عليهم السلام. وكذلك حينما يترجم لشافعي من الأشاعرة, أو حنفي مطلقا؛ رغم تظاهره بالإنصاف والبعد عن التعصب في كثير من المواضع على سعة علمه في الحديث ورجاله. فهل يتصور من عالم يعقل ما يقول أن يصحح مثل هذا الحديث الذي بطلانه أظهر من الشمس في ضحوة النهار؟ فطالب الحق لا يعير سمعاً لأقواله فيما ذكرناه. وهو شافعي الفروع إلا أنه مجسم اعتقاداً رغم تبريه منه في كثير من المواضع؛ وعنده نزعة خارجية وإن كان أهون شراً بكثير من الناظم وشيخه في ذلك كله. ومن لا يكون متساهلاً في أمر دينه، لا يثق بكلام مثله فيما ذكرناه بعد أن عرف دخائله. والتاج ابن السبكي أطراه غاية الإطراء حيثما ترجم له في طبقات الشافعية الكبرى أداءً لحق التلمذة عليه, لكن لم يمنعه ذلك من الإشارة إلى ما ينطوي عليه من البدع والأهواء في مواضع من كتابه حيث قال في الكتاب المذكور (1-197): “وأما تاريخ شيخنا الذهبي فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط، لا آخذه الله. فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين- أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق-، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين؛ ومال فأفرط على الأشاعرة ومدح فزاد في المجسمة اهـ” حتى عده لا يعول على تراجمه لهؤلاء. وقال أيضاً في حقه (2-249) من الكتاب المذكور:” وتأتي أنت تتسكع في ظلم التجسيم الذي تدعي أنك برئ منه؛ وأنت من أعظم الدعاة إليه وتزعم أنك تعرف هذا الفن (يعني علم أصول الدين) وأنت لا تفهم منه نقيراً ولا قطميراً اهـ”.
حال الذهبي – ما له وما عليه
وقال أيضاً في ترجمة ابن جرير ناقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي أنه قال عن الذهبي ما نصه: ” لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله عن الناس ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديداً عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات. فإذا ترجم واحداً منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فهي من المحاسن ويبالغ في وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن. وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده دينا وهو لا يشعر؛ ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها. وكذلك يفعل في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته والله يصلحه… ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد، انتهى”.
قال التاج ابن السبكي عقب ما تقدم ما نصه: ” والحال في شيخنا الذهبي أزيد مما وصف. وهو شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه؛ وأنا أخشى عليه يوم القيامة عند من لعل أدناه عنده أوجه منه؛ فالله المسئول أن يخفف عنه وأن يلهمهم العفو عنه وأن يشفعهم فيه. والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله ولم يكن يستجرى أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه. وأما قول العلائي عن [دينه وورعه وتحريه فيما يقوله ] فقد كنت أعتقد ذلك وأقول عند هذه الأشياء ربما اعتقدها دينا، ومنها أمور أقطع بأنه يعرف بأنها كذب وأقطع بأنه لا يختلقها وأقطع بأنه يحب وضعها في كتبه لتنشر وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صحتها بغضا للمتحدث فيه وتنفيراً للناس عنه مع قلة معرفته بمدلولات الألفاظ ومع اعتقاده (أن ذلك) مما يوجب نصر العقيدة التي يعتقدها هو حقاً، ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة؛ غير أني لما أكثرت بعد موته النظر في كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقفت في تحريه فيما يقوله ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلامه ” … إلى آخر ما قاله فليراجع باقي كلامه من أراد المزيد على ما نقلنا.
وقال التاج أيضاً في طبقاته وهو يترجم لإمام الحرمين ما نصه: ” وقد كان الذهبي لا يدري “شرح البرهان”، ولا هذه الصناعة، ولكنه يسمع خرافات من طلبة الحنابلة فيعتقدها حقا ويودعها تصانيفه ” هذا قدر عقلية الذهبي وقدر تحريه عند صاحب “الطبقات”. ولعل القارئ يرى هذه العقلية من أسخف العقليات كيف لا وهي عقلية ترى الخرافات حقا تودع في المصنفات ويبنى عليها ما يتخذه عباد الله دينا. ورجل هذا حاله أي قدر يكون قدره عند أولى النهي، الذين عرفوا دخائله.
ولسنا نطيل النقل للقارئ في شأن سقوط كلام هذا الرجل في علماء الحنفية والمالكية والشافعية وهم قادة الأمة وأدلاؤها إذا ادلهم ليل المشكلات. وكفى القارئ في هذا الرجل قول ابن السبكي السابق (والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله) فإن هذا معناه القضاء على الرجل وإسقاطه من عداد العلماء الذين يحترم قولهم، ليتأمل القارئ طويلا في قول التاج ابن السبكي السابق أيضاً (ولم يكن يستجرى أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أن لا ينقل عنه ما يعاب عليه) فإن هذا معناه أن الرجل كان يعلم حق العلم أنه قال في تلك الكتب ما يوقن أنه ليس بحق، ولذلك كان يحرص على أن لا يطلع الناس عليه لئلا يفتضح بأكاذيبه البعيدة عما عليه العلماء الذين يكتب عنهم. وأرجو وألح في الرجاء أن لا يغفل القارئ عن قول صاحب الطبقات السابق في هذا الرجل من أنه (كان قليل المعرفة بمدلولات الألفاظ) ومن من العقلاء يرضى أن يسقط نفسه فيعد من زمرة العلماء رجلا يصل به الجهل إلى درجة قلة المعرفة بمدلولات الألفاظ؟ كما أرجو القارئ أيضاً وأشدد في هذا الرجاء أن يلتفت لقول صاحب جمع الجوامع (إن الذهبي لم يمارس علوم الشريعة) ومن فقد رشده وضاع صوابه حتى يستطيع أن يعد من العلماء رجلا لم يمارس الشريعة فليعلم حق العلم ليراعي حق الرعاية. ولا ينسى القارئ أن ما تقدم شهادة تلميذ هو إمام؛ فهو أعرف بشيخه. ولعل هذا يكفي في دفع ما ربما يقوله بعض المغرورين بالذهبي أو ينقله عن بعض المغرورين.
وقد أشرت إلى حاله في مواضع مما علقت به على “ذيول طبقات الحفاظ” و”زغل العلم”.
ومما يزيدك بصيرة في هذا الباب اجتراء الذهبي على حذف لفظ (إن صحت الحكاية عنه) من كلام البيهقي في الأسماء والصفات (ص 303) عندما نقل كلامه في كتاب العلو (ص126) في صدد نسبة القول بأن الله في السماء، إلى أبي حنيفة ليخيل إلى السامع أن سند هذه الرواية لا مغمز فيه مع أن نوحاً الجامع ربيب مقاتل بن سليمان المجسم، في السند هالك مثل زوج أمه، وكذلك نعيم بن حماد ربيب نوح، وقد ذكره كثير من أئمة أصول الدين في عداد المجسمة فأين التعويل على رواية مجسم فيما يحتج به لمذهبه؟ وليس بقليل ما ذكره الذهبي في حقهما في ميزان الاعتدال. على أنه لو سبق التفاف نحو عشرة آلاف شخص حول بدعة امرأة أتت من ترمذ إلى الكوفة للدعوة إلى مذهب جهم لكان لهذا النبأ شأن عظيم في كتب الأنباء والرواية ولما انفرد بمثل ذلك الخبر يحيى بن يعلى المجهول عن نعيم بن حماد الهالك عن نوح الجامع لكل شيء غير الصدق ولا كان انفرد أحمد بن جعفر بن نصر عن يحيى المذكور ولا أبو الشيخ بن حيان صاحب “كتاب العظمة” الذي يحوي كل هائف. وقد ضعفه بلديه الحافظ العسال، وقد أشار البيهقي بقوله (إن صحت الحكاية) إلى ما في الرواية من وجوه الخلل. وعندما حذف الذهبي هذا اللفظ يظن من لا خبرة عنده بالرجال أن الإله في السماء قول فقيه الملة إمام شطر هذه الأمة بل ثلثيها في جميع القرون؛ مع بطلان رواية ذلك عنه بالمرة. ولأبي حنيفة كلمة في “الفقه الأبسط” رواية أبي مطيع عنه وهي (من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض كفر) وعلل الأصحاب ذلك بأن هذا القائل جوز المكان في حقه تعالى وهو كفر؟ وما طبع في الهند باسم “شرح الفقه الأكبر” للماتريدي إنما هو شرح أبي الليث على “الفقه الأبسط” مع سقم النسخة الهندية. وبدار الكتب المصرية نسخة خطية جيدة من شرح أبي الليث. وقد زاد أبو إسماعيل الهروي في الفروق على تلك الكلمة ما شاء من كيسه مما يوافق مذهبه في التجسيم كذباً وزوراً بسند مركب، ونقل الذهبي في كتاب “العلو” جملة ذلك بدون أن يذكر سند الهروي في روايته تعمية وترويجاً للباطل، وكذا فعل الناظم في عزوه- راجع “شرح أبي الليث” و”شرح البزدوي” و”إشارات المرام في عبارات الإمام” للبياضي، و”دفع الشبه” للتقي الحصني و”شرح الفقه الأكبر” لعلي القارئ فيما نقله عن ابن عبد السلام. ولم يراقب الله من زاد على الكلمة السابقة ما أشرنا إليه كما وقع في بعض نسخ الكتاب المذكور من عهد ذلك الهروي. وقد روى الذهبي في كتاب “العلو” أيضاً عن الدارقطني الأبيات المعروفة عند المجسمة بسند يقول فيه أنبأنا أحمد بن سلامة عن يحيى بن بوش أنبأنا ابن كادش أنشدنا أبو طالب العشاري أنشدنا الدارقطني: حديث الشفاعة في أحمد إلى أحمد المصطفى بسنده الأبيات (آخرها كما في بدائع الفوائد لابن القيم 4-39).
فلا تنكروا أنه قاعد ولا تجحدوا أنه يقعد
فأحمد بن سلامة الحنبلي شيخ الذهبي مات سنة 678 والذهبي ابن خمس، ويحيى بن أسعد بن بوش الحنبلي الخباز المتوفى سنة 593 وأحمد بن سلامة ابن أربع كان أمياً لا يكتب، وأبو العز بن كادش أحمد بن عبيد الله المتوفى سنة 526 من أصحاب العشاري اعترف بالوضع ويقال ثم تاب، راجع “الميزان”. وحكم مثله عند أهل النقد معروف، وأبو طالب محمد بن علي العشاري الحنبلي المتوفى سنة 452 مغفل يتقن ما يلقن، وقد راجت عليه العقيدة المنسوبة إلى الشافعي كذبا، وكل ذلك باعتراف الذهبي نفسه في “الميزان” وغيره، فهل يصح عزو تلك الأبيات إلى الدارقطني بمثل هذا السند؟ وقال الذهبي أيضاً في “العبر” في ترجمة أبي يعلى الحنبلي: (صاحب التصانيف وفقيه العصر كان إماما لا يدرك قراره ولا يشق غباره وجميع الطائفة معترفون بفضله ومغترفون من بحره). وأنت علمت حال أبي يعلى مما ذكره ابن الجوزي في “دفع الشبه”، ومما نقلناه عن كتبه في هذا الكتاب ومما ذكره ابن الأثير في “الكامل” في حوادث سنة 429. وترى الذهبي كثيراً ما يقول في رد ما أخرجه الحاكم في المستدرك في فضائله – صلى الله عليه وسلم – وأهل بيته عليهم السلام: أظنه باطلا. بدون ذكر أي حجة، وقد ذكر ابن الوردي في “تاريخه” أنه آذى كثيراً من الأحياء بتدوين ما كان يسمعه من أحداث يجتمعون به.
وفيما ذكرنا كفاية في معرفة حال الذهبي نسأل الله السلامة، ومع ذلك هو أهون شراً من الناظم وشيخه كما سبق. وله رسالة إلى ابن تيمية ينصحه فيها ويمنعه من المغالاة، وسبق نشرها مع زغل العلم له. وترى الذهبي مع ثنائه البالغ في حق ابن تيمية في كثير من كتبه يقول عنه: “وقد أوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده وأنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية اهـ كما في “الدرر الكامنة”، ويقول عنه أيضاً: إنه أطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر هو عليها اهـ ” نقله ابن رجب عنه في طبقاته. ويقول عنه أيضاً في زغل العلم (ص17). وقد تعبت في وزنه وتفتيشه حتى مللت في سنين متطاولة، فما وجدت الذي أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار، فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور.. وما دفع الله عنه وعن أتباعه أكثر، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون فلا تكن في ريب من ذلك اهـ “.
ويقول عنه أيضاً في (ص23) من زغل العلم: ” … وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوراً مضيئاً على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجالا أفاكا كافراً عند أعدائه، ومبتدعاً مضلا محققا بارعا عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الإسلام، وحامي حوزة الدين ومحيى السنة عند عموم عوام أصحابه اهـ “. وهذه الكلمات نقلها السخاوي عنه أيضاً في (الإعلان بالتوبيخ) ومن الخطأ الفاحش عزوها إلى (قمع المعارض) للسيوطي اغتراراً بوضع رقم التعليق في (القول الجلي) غلطا عند كلمة (قمع المعارض) مع تصحيف (زغل العلم) إلى (رجل العلم) بعد أسطر في الطبعتين مع أن أصل التعليق كان على (زغل العلم) المصحف إلى (رجل العلم) كما نبهت على ذلك فيما علقته على الزغل المطبوع وإن لم ينفع تنبيهي عند أناس لا يوقظهم من سباتهم العميق غير نفخة الصور. ونسبة (زغل العلم) إلى الذهبي ليست بموضع ريبة أصلا، وهو من المخطوطات المحفوظة في التيمورية بدار الكتب المصرية. وسنأتي إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب بصورة رسالة الذهبي التي بعث بها إلى ابن تيمية ينصحه في شواذه ويكفي ما ذكرناه هنا في تبيين نظر الذهبي لابن تيمية مع أنه من أهل مذهبه المنخدعين به فنسجل للذهبي هذه الحسنات كتسجيلنا لسيئاته المذكورة مراعاة للعدل فيما له وفيما عليه وإيقاظا للمغترين به، والله ولي الهداية.
________________________________________
. (وفي المطبوع وقد استويت).
قال: (إن المعطل بالعداوة معلن والمشركون أخف في الكفران)
ما لمن يعتقد في المسلمين هذا إلا السيف(1).
فصل
في أسبق الناس دخولا إلى الجنة
قال: (وروى ابن ماجه أن أولهم يصافحه(2) إله العرش ذو الإحسان فاروق دين الله).
فصل
في عدد الجنات
قال: سبحانه من غرست يداه(3) جنة الفرودس ويداه أيضاً أتقنت لبنائها، هي في الجنان كآدم لكنما الجهمي ليس لديه من ذا الفضل شيء فهو ذو نكران) إنما ينكر العضو والجارحة فإن كنت أنت تثبتها فاعرف.
__________
(1) لأن ذلك زندقة مكشوفة ومروقا ظاهر وإصرار على اعتقاد الإيمان كفرا. قبحه الله كيف يعتقد في المشركين أنهم أخف في الكفر من المؤمنين المنزهين. والشيخ الإمام المصنف- رضي الله عنه – رجل معروف بالورع البالغ واللسان العفيف والقول النزيه لا تكاد تسمع منه في مصنفاته كلمة تشم منها رائحة الشدة، ولينظر القارئ حاله هذا مع قوله في ابن القيم (ما له إلا السيف) إنه إن فكر في هذا قليلا علم العلم القاطع أن هذا الناظم بلغ في كفره مبلغا لا يجوز السكوت عليه ولا يحسن لمؤمن أن يغضي عنه ولا أن يتساهل فيه.
(2) قاتله الله، حديث موضوع يستدل به. وشأن هذا الخبر في السقوط فوق أن يقال بين رجاله ضعيف بل بينهم ضعيف ومنكر الحديث وآخر قدري خلا استحالة المتن. وابن كثير أهون شراً من الناظم حيث أنكره جداً في جامع المسانيد (قال المنبجي الحنبلي في إثبات المماسة): قال ابن تيمية والمعروف عند أئمة أهل السنة وعلماء أهل الحديث أنهم لا يمتنعون عن وصف الله أنه يمس ما شاء من خلقه بل يروون في ذلك الآثار ويردون على من نفاه. انتهى ذكره في الأجوبة المصرية) قاتله الله، ما أجرأه على الله.
(3) خلق الله آدم بعناية خاصة وبدون سببية والد وأم؛ هذا المعنى المجازي يعقله كل من عنده ذوق العربية. وأما الخبر الذي يشير إليه الناظم ففي سنده ابن على زيد بن جدعان لا يحتج به.
________________________________________
قال:”ولد عقوق عق والده ولم يثبت بذا فضلا عن الشيطان”.
ما يستحيي يكذب على الناس.
قال: (ولقد روى حقا أبو الدرداء ذاك عويمر أثراً عظيم الشأن يهتز قلب العبد عند سماعه طربا بقدر حلاوة الإيمان ما مثله أبداً يقال برأيه فيه النزول(1) ثلاث ساعات: فإحداهن ينظر في الكتاب، الثاني: يمحو ويثبت ما يشاء بحكمة، والساعة الأخرى إلى عدن أهله هم صفوة الرحمن والساعة الأخرى إلى هذه السماء يقول هل من تائب ندمان).
الظاهر أنه ما ساق أبواباً في صفة الجنة إلا ليذكر هذا الحديث؛ وأيضاً ليسكت الناس بسماع صفات الجنة؛ فيقبلون على هذه القصيدة, ويعكفون عليها فيفتنهم. أسأل الله العافية ويحق له اسم الحشوي لأن الباطل محشو في هذه القصيدة اللحناء.
قال: (وروى ابن ماجه مسنداً عن جابر بينا هم في عيشهم إذا بنور ساطع رفعوا رءوسهم فرأوه نور الواحد وإذا بربهم تعالى فوقهم(2) قد جاء للتسليم وقال السلام عليكم جهراً، ومصداقه { سلام قولا من رب رحيم } [ يس: 58] من رد ذا فعلى رسول الله رد). الذي يحمله على محمل صحيح لا يرده, والذي يحمله على صفات الأجسام هو الذي يرد ما يجب.
فصل
__________
(1) هذا الخبر الموقوف ليس بثابت عن أبي الدرداء فضلا عن ثبوت رفعه إليه – صلى الله عليه وسلم -. وفي سنده زيادة بن محمد الأنصاري، قال البخاري هو منكر الحديث وقال ابن حبان يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. نقله ابن الجوزي. ولعلك علمت بذلك مبلغ قيمة ما يحتج به هذا البجباج النفاج.
(2) قال الذهبي: إسناده ضعيف, وقال ابن الجوزي: موضوع, وقال العقيلي: أبو عاصم العباداني- في سنده- منكر الحديث لا يتابع عليه. وأما فضل الرقاشي في السند فممن لا يكتب حديثه. وبمثل هذا الخبر يحتج الناظم في تكييف الرؤية.
________________________________________
في يوم المزيد(1)
قال: (فيرون ربهم تعالى جهرة ويحاضر الرحمن واحدهم محاضرة الحبيب يقول يا بن فلان، هل تذكر اليوم الذي قد كنت فيه مبارزاً بالذنب قالوا يحق لنا وقد كنا إذاً جلساء رب العرش).
فصل
كله فيما للعبد عند ربه في الآخرة. ولو كان مفرداً بالتصنيف كان حسنا، ولكن إدخاله في قصيدة انتصب فيها للحكم بين الحشوي وخصومه وإسعار الحرب بينهم لأي معنى؟
فصل
رجع فيه إلى ما كان عليه مما في نفسه, وذكر خصومه؛ وفصول معه ذكر فيها فرق المعادين له.
فصل
ختم به الكتاب؛ فيه شيء يسير؛ ولكن هذا آخر كلامنا في ذلك والله المستعان.
قال المؤلف شرعت فيه يوم السبت الرابع والعشرين من صفر سن 749 وفرغت منه يوم السبت مستهل ربيع الأول من السنة(2)
__________
(1) جمع طرقه أبو بكر بن أبي داود ذلك الكذاب الزائغ؛ وسبق بيان أن ابن عساكر ألف جزءاً في توهين طرقه فتذكّر. ولفظ الجلساء لم يقع إلا في بعض الطرق الواهية لحديث يوم المزيد. راجع جزء ابن عساكر.
(2) اتمة السيف الصقيل
( ) فيكون تأليف السبكي لهذا الكتاب قبل وفاة ابن القيم بنحو سنتين. هذا وكنا وعدنا عند الكلام على الذهبي أن نأتي في آخر الكتاب بصورة رسالة بعث بها الذهبي إلى ابن تيمية يحذره فيها عواقب إصراره على الشذوذ عن جمهور العلماء في مسائل أصلية وفرعية. وقد ظفرنا بها بخط التقي ابن قاضي شهبة منقولا عن خط البرهان ابن جماعة المنقول من خط الحافظ أبي سعيد الصلاح العلائي المنسوخ من خط الشمس الذهبي نفسه. وخط التقي ابن قاضي شهبة معروف وتوجد كتب بخطه في دار الكتب المصرية والخزانة الظاهرية بدمشق منها قطعة من طبقات الشافعية بدار الكتب المصرية، ومنها ما انتقاه من التاريخ الكبير للذهبي مما يتعلق بتراجم الشافعية بالخزانة الظاهرية. ففي إمكان الباحث الذي لا يعرف خط ابن قاضي شهبة أن يتأكد من خطه بالمقارنة بين الصورة الزنكوغرافية المنشورة هنا، المأخوذة عن الرسالة المذكورة المحفوظة بدار الكتب المصرية, وبين خطه المحفوظ في الدار والخزانة المذكورتين. وإلى تلك الرسالة أشار السخاوي حيث قال في “الإعلان بالتوبيخ”: ” ورأيت له رسالة كتبها لابن تيمية هي في دفع نسبته لمزيد تعصبه مفيدة “؛ وذلك في صدد الدفاع عن الذهبي رداً على من ينسبه لفرط التعصب كما ذكرت في صدر الرسالة عند نشرها مع الزغل قبل سنين.
مقدمة رسالة الذهبي إلى ابن تيمية
وقبل الرسالة لابد من ذكر مقدمة هنا ليكون القارئ على بينة من أمر ابن تيمية؛ وهي أن ابن تيمية هذا ولد بحران ببيت علم من الحنابلة, وقد أتى به والده الشيخ عبد الحليم مع ذويه من هناك إلى الشام خوفاً من المغول، وكان أبوه رجلا هادئاً أكرمه علماء الشام ورجال الحكومة حتى ولوه عدة وظائف علمية مساعدة له. وبعد أن مات والده ولوا ابن تيمية هذا وظائف والده بل حضروا درسه تشجيعاً له على المضي في وظائف والده وأثنوا عليه خيراً كما هو شأنهم مع كل ناشيء حقيق بالرعاية. وعطفهم هذا كان ناشئاً من مهاجرة ذويه من وجه المغول يصحبهم أحد بني العباس- وهو الذي تولى الخلافة بمصر فيما بعد- ومن وفاة والده بدون مال ولا تراث بحيث لو عين الآخرون في وظائفه للقي عياله البؤس والشقاء. وكان جملة المثنين عليه التاج الفزاري المعروف بالفركاح وابنه البرهان والجلال والكمال الزملكاني ومحمد بن الجريري الأنصاري والعلا القونوي وغيرهم. لكن ثناء هؤلاء غر ابن تيمية- ولم ينتبه إلى الباعث على ثنائهم- فبدأ يذيع بدعا بين حين وآخر؛ وأهل العلم يتسامحون معه في الأوائل باعتبار أن تلك الكلمات ربما تكون فلتات لا ينطوي هو عليها، لكن خاب ظنهم وعلموا أنه فاتن بالمعنى الصحيح فتخلوا عنه واحداً إثر واحد على توالي فتنه، كما سبق. والذهبي كان من أشياعه ومتابعيه إلا في مسائل، لكنه لما وجد أن فتنه تأخذ كل مأخذ ولم يبق معه سوى مقلدة الحشوية والمنخدعين به وهم شباب بدأ يسعى في تهدئة الفتنة، مرة يكتب إلى أضداده لأجل أن يخففوا لهجتهم معه – كما فعل مع السبكي على رواية ابن رجب ولم نطلع على غير صدر الجواب على تقدير صحة ذلك الصدر- ومرة يكتب هذه الرسالة إلى ابن تيمية نفسه.
________________________________________
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حسبنا الله ونعم الوكيل.
(تم السيف الصقيل)
نص الرسالة
ولا تخلو قراءة هذا الخط من بعض صعوبة على بعض القراء فإليك الرسالة الحروف المعتادة مع عنوانها:
رسالة كتب(1) بها الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية كتبتها(2) من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة رحمه الله وكتبها هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد بن العلائي وهو كتبها من خط مرسلها الشيخ شمس الدين.
__________
(1) بتضمين (بعث).
(2) والكاتب هو التقي ابن قاضي شهبة وقد ذكر في طبقات الشافعية أنه اطلع على مجاميع وفوائد بخط البرهان ابن جماعة.
________________________________________
الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي. واحفظ عليَّ إيماني. واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها. واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء. واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات. آه على وجود درهم حلال وأخ مونس. طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتباً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه. إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك!. إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك, وتذم العلماء وتتبع عورات الناس؛ مع علمك بنهي الرسول – صلى الله عليه وسلم – (لا تذكروا موتاكم إلا بخير، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) بل أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو جهاد. بلى -والله- عرفوا خيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز, وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. يا رجل بالله عليك كف عنا فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام. إياكم والغلوطات في الدين كره نبيك – صلى الله عليه وسلم – المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان) وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلوب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية, والفلاسفة, وتلك الكفريات التي تعمي القلوب. والله قد صرنا ضُحْكة في الوجود فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد بعقولنا ؟ يا رجل قد بلعت (سموم) الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات. وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم وتكمن والله في البدن. واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر, وخشية بتذكر, وصمت بتفكر؛ وآها لمجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. بلى عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة. كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما. بالله خلونا من ذكر
________________________________________
بدعة الخميس وأكل الحبوب وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها من أساس الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون. وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكرك إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد. يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال لا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليا شهوانيا. لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه. فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل, أو عامي كذاب بليد الذهن, أو غريب واجم قوي المكر أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل. يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادى الأخيار. إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار. إلى كم تعظمها وتصغر العباد. إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد. إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح- والله- بها أحاديث الصحيحين. يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار أو بالتأويل والإنكار. أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل. بلى- والله – ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري بمن يذكر الموت؛ فما أظنك تقبل على قولي, ولا تصغي إلى وعظي؛ بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجدات وتقطع لي أذناب الكلام ولا تزال تنتصر حتى أقول: وألبتة سكت. فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك. وأعداؤك – والله- فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر. قد رضيت منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سراً (فرحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي) فإني كثير العيوب غزير الذنوب. الويل لي إن أنا لا أتوب، ووافضيحتي من علام الغيوب ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى
________________________________________
آله وصحبه أجمعين.
وهنا انتهت صورة رسالة الذهبي إلى ابن تيمية وفيها عبر بالغة. وليكن هذا آخر تكملة الرد على نونية ابن القيم وبها يكون إن شاء الله تعالى (تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم).
لماذا يقال للناظم ابن القيم
وقد عرف الناظم بابن القيم حيث كان أبوه قيم المدرسة الجوزية الحنبلية التي أنشأها محيى الدين ابن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي بسوق القمح المعروفة اليوم بالبزورية بدمشق.
والغالب أن يقال له ابن قيم الجوزية لئلا يلتبس بابن القيم الكبير المصري الراوي عن الفخر الفارسي فإنه معمر مقدم.
وبذلك يعلم أن من يقول عنه: (ابن القيم الجوزي) واهم وهماً قبيحاً وإنما هو (ابن قيم الجوزية) كما قلنا.
ويجد القارئ الكريم في كتابنا هذا الرد على ابن تيمية كما يجد فيه الرد على ابن القيم باعتبار أن الثاني إنما يردد صدى الأول في أبحاثه كلها دون أن تكون له شخصية خاصة؛ بل هو ظل الأول في كل آرائه وجميع أهوائه فانتظمهما الرد. ولعل فيما رددنا به عليهما كفاية للمنصف وقطعاً لعذر كل متعسف. وأما من تعود أن يقول: (عنزة وإن طارت)، فليس خطابي معه { والله يقول الحق ويهدي السبيل } .
وكان فراغي من إعادة النظر في الكتاب بمنزلي في آخر العباسية بمصر القاهرة -حرسها الله تعالى- ضحوة يوم الخميس المصادف لليوم الثالث من رجب سنة 1356.
وأسأل الله سبحانه أن ينفع به المسلمين, وأن يجعله ذخراً لي يوم الدين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ إنه المجيب البر التواب الرحيم، وأنا الفقير إلى عفو الله ومسامحته محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري، خادم العلم بدار السلطنة العثمانية سابقاً عفا الله عن سيئاته, ورفع منزلته, ومنازل ذويه في الآخرة, وأغدق عليه, وعلى قرابته, ومشايخه سحب رحمته, ورضوانه, وغفر لهم, ولسائر المسلمين أجمعين..
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
________________________________________
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فهرس الكتاب
الموضوع … الصفحة
التعريف بموضوع الكتاب
مقدمة المعلق
انقشاع ظلمات الجاهلية بمبعثه – صلى الله عليه وسلم -
تحين الأعداء الفرص للكيد بالمسلمين
انخداع سذج الرواة
فضل علماء أصول الدين في حراسة الدين
محاولة ابن تيمية بعث الحشوية من مرقدها
مسايرة ابن القيم لابن تيمية في فتنته
نماذج من أقوال أصحاب ابن القيم وأضاده والمتحايدين
أخطر ما يطغى من صنوف الاستغناء
ردود السبكي على ابن تيمية والكلام في رده على نونية ابن القيم
مقدمة الكتاب للمؤلف
الأشعرية أعدل الفرق
مجامع الزيغ في نونية ابن القيم
تأسي السبكي بإمام الحرمين في الرد على بعض جهلة أهل الحديث
مناظرة خيالية بين المشبه والمنزه
فصل: أمثال مضروبة للمعطل والمشبه والموحد
فصل: في قصيدته النونية
فصل: تخيل الناظم في أفعال العباد
فصل: استنكار الناظم إعادة المعدوم
فصل: زعم الناظم قيام الله تعالى بالحوادث
فصل: عقد مجلس خيالي.. كلامه في وحدة الوجود
فصل: الفوقية الحسية
تسمية الناظم أهل الحق بحزب جنكزخان
فتاوى في الرد على القائلين بالحرف والصوت
رد حديث الأوعال
الأصابع في كلام الحبر
الكلام على الساق والنزول والمجيء ووضع القدم
تصوير الناظم أهل الحق أسوأ تصوير
كذب الناظم على الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -
فصل: قال: في قدوم ركب الإيمان وعسكر القرآن
عدم تمييز الناظم بين اللازم والملزوم
تخبط الناظم في الصوت
كلام واف في أحاديث الصوت
فصل: قوله: إنه يلزم من نفي صفة الكلام نفي الرسالة
فصل: وقيعة الناظم وشيخه في ابن حزم
الخلاف بين أحمد والبخاري رضي الله عنهما في اللفظ
فصل: في مقالة الفلاسفة والقرامطة
فصل: في الاتحادية
الرد على عثمان بن سعيد في إثباته الحركة
الرد على قول الناظم بالإيجاب
فصل: في تجويز التسلسل في الماضي
الرد على كلام الناظم في الزمان
فصل: في الرد على الجهمية
________________________________________
فصل: نصوص ابن تيمية في الفوقية الحسية
قول أبي حيان في ابن تيمية
صيغة استتابة ابن تيمية في الاستواء والصوت وخطوط كبار العلاء
فصل: كلمة ابن تيمية في العلو والفوقية والرد عليه
فصل: حديث النزول
فصل: الإشارة إلى رفع الأيدي إلى السماء
فصل: دعوى الناظم في الرؤية بدون مقابلة
فصل: بسط الكلام في السؤال بـ (أين) في حديث الجارية
توهين سند حديث أبي رزين
تفنيد زعم الإجماع على الفوقية الحسية
بسط الكلام في رد القول بالجهة
تناقض ابن تيمية في الجهة وكذبه
مخالفات ابن تيمية
رد المصنف على الناظم في الفوقية
روايات الضراب عن مالك في النزول
قول اليافعي في الحشوية
أحد المراسيم الصادرة في حق ابن تيمية
نص الإمام أحمد في المجيء
معنى كتب ربكم على نفسه بيده
سخف عثمان بن سعيد في التمسك بحديث حصين في الفوقية
الشعر المنسوب إلى ابن رواحة – رضي الله عنه -
حديث بني قريظة
حدث جابر – رضي الله عنه -
فصل: ممتع في التأويل
قول ابن حجر في التأويل
تحقيق ابن دقيق العيد
صنيع الصحابة في التأويل
اضطراب الحشوية
القول بالتجلي في الصور
تبديع الفلاسفة وإكفارهم
القول بتجرد الروح
نص من ابن تيمية في الحد والجسم
قول السلف في العين واليد
خداع الناظم وشيخه
معنى القبضة عند الخلف
المعطل في الأصل من ينفي الصانع
فصل: في عهود المثبتين مع الله رب العالمين
فصل: افتراؤهم المثلث على الأشعري
فصل: في حياة الأنبياء
فتيا الأئمة في إنكاره شد الرحل لزيارته – صلى الله عليه وسلم -
نص ابن عقيل الحنبلي في تذكرته
نصوص من المطالب العالية للفخر الرازي
فصل: في الهدنة بين المعطلة والاتحادية حزب جنكسخان
فصل: في مصارع المعطلة بأسنة الموحدين
كلمة صاحب الدرة المضيّة في ابن تيمية
فصل: في كسر الطاغوت الذي نفوا به الصفات
فصل: في مبدأ العداوة بين الموحدين والمعطلين
فصل: في أن التعطيل أساس الزندقة
فصل: في بهت أهل الشرك والتعطيل
________________________________________
عظم شأن الفخر الرازي في الرد على الحشوية
ناحت العجل
الكلام النفسي
قول ابن القيم في تلازم التعطيل والشرك
فصل: في مثل المشرك والمعطل
حال الذهبي ماله وما عليه
فصل: في أسبق الناس دخولا إلى الجنة
فصل: في عدد الجنات
فصل: في يوم المزيد
خاتمة السيف الصقيل
مقدمة رسالة الذهبي إلى ابن تيمية
نص الرسالة بخط ابن قاضي شهبة (بالزنكوغراف)
نص الرسالة بالحروف العادية
لماذا يقال للناظم ابن القيم
خاتمة تكملة الرد
تمت الفهرسة (بعون الله)
________________________________________

الكتاب : الصوفية والتصوف في ضوء الكتاب والسنة المؤلف : السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي

الكتاب : الصوفية والتصوف في ضوء الكتاب والسنة
المؤلف : السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي

منشورات منتديات دار الإيمان
الصوفية والتصوف
في ضوء الكتاب والسنة
” يتضمن آراء العلماء المتقدمين والمعاصرين
عن
التصوف ونشأته ورجاله ومعتقداته “
تأليف
الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي
(الكويت )
الطبعة الأولى
9141 هـ ـ 1999 م
________________________________________
المحتويات:
مقدة في نشأة التصوف وتعريف الصوفية
لمحة عامة على التصوف
نشأة التصوف
التصوف تعريفاً واشتقاقا
من هو الصوفي ؟
القرآن والسنة (مصدر التصوف الإسلامي)
عقيدة أهل التصوف
من هم الأشاعرة ومن أعلام الهدى فيهم ؟!
أقوال بعض كبار العلماء في التصوف والصوفية
رأي الصوفية في الاتحاد والحلول
رأي الأئمة الأربعة في التصوف والصوفية
المزيد من شهادات الأئمة وأكابر العلماء
رأي علماء الإسلام المعاصرين وفتاواهم في التصوف والصوفية
رد دار الإفتاء المصرية
المفتي العام للجمهورية العربية السورية
وزارة الشئون السلامية والأوقاف الإماراتية
القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية (مديرية الافتاء)
مفتي الجمهورية اللبنانية
جمهورية القمر الاتحادية (دار الإفتاء)
الصوفية وحركة الحياة الشاملة
دور الصوفية في الحروب الصليبية
وفي حروب التتار وفي العصر الحديث أيضاً
جريدة “الأنباء ” اليومية الكويتية تسأل والرفاعي يجيب
الخاتمة
________________________________________
نشأة التصوف وتعريف الصوفية

ليس التصوف لبس الصوف ترقعه *** ولا البكاء إذا غنى المغنونا
إن التصوف أن تصفو بلا كدر*** وتتبع الحق و القرآنَ و الدينا
*****
اشتقاق اسم الصوفي
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا *** فيه وظنوه مشتقاً من الصوفِ
ولست أنحل هذا الاسم غير فتى *** صافى فصوفي حتى سُمِّي الصوفي

*****
وقال ( المؤلف ) غفر الله تعالى له :-
ليس التصوف ثوباً أنت لابسه *** تزهو به بين أصناف الدواوين
بل التصوف إيمان ومعرفة *** وخدمة لفقير أو لمسكين
وهو التهجد في الليل البهيم إذا *** نام الأنام ليوم الحشر والدين
وهو الجهاد جهاد النفس عن سفه *** وشهوة وألاعيب الشياطين
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمده ونصلي ونسلم على رسوله الكريم
وبعد: فلقب ( الصوفية ) إذا أطلق اليوم فإنما يراد به جمهور الناس من المسلمين الذين يقلدون أحد أئمة المذاهب الأربعة ( الشافعي ومالك وأبن حنبل وأبو حنيفة ) رضوان الله تعالى عليهم أجمعين في الفروع ، وعقيدتهم عقيدة السلف الصالح ومنهم من يعتنق مذهب الأمام أبي الحسن الشعري ، وهي عقيدة عامة أهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي الفسيح ، والتي تدرس في ( الأزهر الشريف ) وغيره من المعاهد الدينية في شتى أصقاع العالم الإسلامي ما عدا المملكة العربية السعودية ومعاهدها الرسمية الواقعة تحت إشراف المشايخ المقلدين للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباع دعوته المسماة ” بالدعوة السلفية ” .
كما يطلق هذا اللقب ( الصوفية ) اليوم على من يحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف وبالإسراء والمعراج وبهما تحتفل الدول الإسلامية رسمياً في ( عطلة رسمية ) كما أن هؤلاءهم المستمرون على ما كان عليه سلفهم الصالح في العالم الإسلامي من زيارة ( القبر النبوي الشريف ) في المدينة المنورة قبل أو بعد أداء فريضة الحج أو العمرة الشريفة ، وختم القرآن في اليوم الثالث على موتاهم واستعمال السبحة في ذكر الله تعالى وتلقين الميت وزيارة المقابر في الأعياد والجمع للاعتبار وإهداء ثواب القرآن الكريم لأقاربهم وأرحامهم من الموتى ومن جاورهم من المسلمين مما عليه العمل في غالب بلاد المسلمين .. هكذا يتبين أن من يُنسبون إلى (الصوفية) ما هم إلا السواد الأعظم والأكثرية الصامتة من المسلمين المتمسكين بالعادات والأعراف الدينية التى ورثوها عن أجدادهم وأسلافهم مما لا يتعارض مع ما أجمع عليه علماء الأمة وفقهاؤها من كتاب الله تعالى وسنة المصطفى – صلَّى الله عليه و سلَّم – وآله , وقد قال النبي – صلَّى الله عليه و سلَّم – وآله ( عليكم بالسواد الأعظم ) رواه صاحب ( مشكاة المصابيح ) . هذا وقد استعنت الله تعالى في تأليف هذا الكتاب عن التصوف والصوفية لما رأيت التصوف يتعرض لهجمة شرسة ظالمة وخاصة هذه الأيام ، وذلك توضيحاً للحق وذبا عن أعراض أولياء الله الصالحين ودرءاً لبلادنا عن غضب الله تعالى الذي يقول في الحديث القدسي الصحيح : ((من عادى ولياً فقد آذنته بالحرب)) رواه البخاري وغيره .
والله سبحانه وتعالى أسأل السداد والتوفيق في جهدي هذا وأن يرينا جميعاً الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه .
وصلى الله تبارك وتعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين .
وكتبه راجي عفو مولاه الكريم
يوسف السيد هاشم االرفاعي الحسيني
________________________________________
لمحة عامة على التصوف :
إن من يلقي نظرة عابرة خلال القرون الغابرة التي مضت ويرى ما خلفه السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وحشرنا في زمرتهم من تأليف في كل فن من فنون العلم ، وفي كل جهة من جهات الفن والحضارة التي أشعت النور على العالم بعد أن كان يربض تحت تأثير الجهل والفوضى ليعترف بأن للإسلام الفضل الأول في مبعث هذه الحضارة وتثبيت دعائمها ، وأن الصدر الأول من الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين حملوا العبء الأكبر في نشر هذه الشريعة السمحة وبث أسرارها في هذا الكون وتحويله من طبيعة جرداء إلى نور أبلج يضئ لكل سالك في هذا الطريق . وكان للصوفية الحظ الأوفر في بعث هذا العمل المشرف فكانت المدرسة النبوية التي أخرجت أمثال : أبى بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ثم كانت مدرسة الصحابة التي أنجبت أمثال : سعيد بن المسيب والحسن البصري وطاوس اليماني وإبراهيم التيمي وسادة غيرهم لا يحصون فضلاً وعلماً وعملاً ، وهم الذين كان لهم الفضل الأكبر في تثبيت دعائم هذه الشريعة وبهم كان تأثر الأئمة الكبار أمثال : أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم فأبو حنيفة كان تأثره الأكبر بشيخه الزاهد المشهور عطاء بن أبي رباح وأمثاله كان يقول : مالقيت أفضل من عطاء .قال الشعراني في الأجوبة المرضية عن شيخه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري أنه قال : يكفينا في شرف طريق القوم قول موسى للخضر عليهما الصلاة والسلام : { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } فإن موسى طلب طريق الإرشاد من الخضر مع سعة علم موسى ومع كونه نبياً مرسلاً قال ذلك وكذلك يكفينا في شرفهم أن الإمام أحمد بن حنبل كان إذا توقف في مسألة يسأل عنها الشيخ أبا حمزة البغدادي وقوله : ما تقول في هذه المسألة يا صوفي ؟ فإذا حل أبو حمزة إشكال تلك المسألة تعجب أحمد من ذلك . وكان رضي الله عنه يقول لولده عبد الله : يا ولدي عليك بالحديث وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية فإنهم
ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه . فلما صحب أبا حمزة البغدادي وعرف أحوال القوم كان يقول لولده : (( يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم ذادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة )) وبلغنا أن الإمام أبا عمرو الأوزاعي طلب الصحبة لإبراهيم بن أدهم فلم يجبه إلى ذلك وقال له : يا عبد الرحمن لا يطير الطير إلا مع شكله فرجع الأوزاعي عن طلب الصحبة لعلمه بعلو مراقي الصوفية وهذا من الأوزاعي أعظم دليل على شرف الطريق وأهلها . وبلغنا أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه كان يجالس الصوفية كثيراً ويقول : يحتاج الفقيه إلى معرفة اصطلاح الصوفية ليفيدوه من العلم مالم يكن عنده . وقيل له مرة : ما الذي استفدته من مجالسة الصوفية ؟ فقال : استفدت منهم شيئين قولهم : الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك وقولهم : إن لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا يقول : يكفينا دليلاً على شرف الطريق إذعان الأئمة لأهلها في كل زمان وسؤالهم الدعاء منهم في الشدائد دون العكس انتهى . فهذا شيء قليل من شرف الصوفية وفضلهم . أما أوصافهم فهذه نبذة يسيرة على لسان أحد أئمتهم : قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغدادبسندهعن محمد بن شاذان الرازي قال :” سمعت يوسف بن الحسين يقول حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل ، وكان المتوكل مولعاً به يفضله على العباد والزهاد ” ، فقا له المتوكل :” يا أبا الفيض صف لنا أولياءالله ” ؟ فقال ذو النون :”يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته ، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته ، ووضع على مفارقهم ذخائر الغيوب ، فهي معلقة بمواصلة المحبوب فقلوبهم إليه إليه سائرة وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة ، ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء ، وعرفهم منابت الأدواء ، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى وضمن لهم الإجابة عند الدعاء، وقال يا أوليائي إن أتاكم
________________________________________
عليل من فرقي فداووه ، أو مريض من إرادتي فعالجوه ، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه ، أو فار مني فرغبوه ، أو آبق مني فادعوه ، أو خائف مني فأمنوه أو راغب في مواصلتي فمكنوه أو قاصد نحوي فأدوه ، أو جبان في متاجرتي فجرئوه ، أو آيس من فضلي فعدوه ، أو راج لإحساني فبشروه ،أو مستشرف نحوي فارشدوه ، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه ، أو ناس لإحساني فذكروه ، وإن أستغاث بكم ملهوف فأعينوه ، ومن وصلكم في فواصلوه ، فإن غاب عنكم فافتقدوه ، وإن ألزمكم جناية فاحتملوه ، وأنقصر في واجب حق فأتركوه ، وان أخطأ خطيئة فأنصحوه ، فإن مرض فعودوه ، وإن وهبت إليكم هبة فشاطروه وإن رزقتكم فآثروه ، يا أوليائي لكم عاتبت ، ولكم خاطبت ، وإياكم رغبت ، ومنكم ألوفاً طلبت ، لأنكم بالآثرة آثرت وانتخبت ن وإياكم استخدمت واصطنعت واختصصت ، لا أريد استخدام الجبارين ، ولا مطاوعة الشرهين ، جزائي لكم أفضل الجزاء ، وعطائي لكم أوفر العطاء ، وبذلي لكم أغلى البذل ، وفضلي عليكم أكبر الفضل ومعاملتي لكم أوفى معاملة ، ومطالبتي لكم أشد المطالب . أنا مفتش القلوب . انا علام الغيوب . أنا ملاحظ اللحظ ، أنا مراصد الهم ، أنا مشرف على الخواطر ، أنا العالم بأطراف الجفون ، لا يفزعكم صوت جبار دوني ولا مسلط سواي فمن أرادكم قسمته ، ومن آذاكم آذيته ، ومن عاداكم عاديته ومن والاكم واليته ، ومن أحسن إليكم أرضيته ، أنتم أوليائي وأنتم أحبائي . أنتم لي وأنا لكم )) . ويعقب الشيخ الأكبر رضي الله عنه في ( روح القدس ) بعد أن أورد بعض هذا الكلام النفيس بقوله : هذه أحوال العارفين يا ولي ، وهكذا تكون عمارة القلوب ، وأما أهل زمانك فوالله لو أطلعت عليهم لرأيت إن نظرت إلى نفوسهم رأيت نفوساً سامدة ، وإن نظرت إلى قلوبهم رأيت قلوبً لاهية من العمارة العلوية القدسية خالية ,على عروشها خاوية ، آجاماً لأسود ضارية ، ومرابض لذئاب عاوية ، نسأل الله تعالى عند رؤيتهم العافية . أين هم
________________________________________
يا ولي من قوم وصفهم أبو الفيض حيث قال : ان لله لصفوة ، وان لله لخيرة . قيل يا أبا الفيض ما علامتهم قال : إذا خلع العبد الراحة ، وأعطي المجهود في الطاعة ، وأحب سقوط المنزلة ثم قال :
منع القرآن بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن يهجعوا
فهموا عن الملك الكريم كلامه فهما تذل له الرقاب وتخضع
فقال له لعض من كان في مجلسه ؟ من هؤلاء القوم يا أبا الفيض رحمك الله ؟ قال : ويحك هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا ، والتراب لجنوبهم مهادا ، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم فشغلهم عن الأزواج ، وحركهم بالإدلاج فوضعوه على أفندتهم فأسرجت ، وضموه الي صدورهم فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت فجعلوه لظلمتهم سراجا ، ولسبيلهم منهاجا ، ولحجتهم افلاجا ، يفرح الناس وهم يحزنون وينام الناس ويسهرون ويفطر الناس ويصومون ، ويأمن الناس ويخافون . فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون ، مشمرون يبادرون من الفوت ويستعدون للموت الي آخر القصة رضي الله عنهم ورزقنا حبهم واتباعهم . فهذه هي بعض أوصاف القوم رضي الله عنهم .
قلت : ” وهل هذه الأوصاف إلا كما جاء وصفهم فى كتاب الله العزيز : { وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا }
سورة الفرقان / 63 ، 64 .
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
( نشأة التصوف )
إن اسم التصوف قد استحدث في القرآن الثاني ، ومسماه ومعناه هو الذي كان عليه النبي صلي الله عليه وسلم وآله وأصحابه في القرن الأول ، فكانت بواطن أصحاب النبي – صلَّى الله عليه و سلَّم – وآله على المعارف الذوقية الشهودية سواء منهم المتسبب للأرزاق أو المتجرد للعبادة من أهل الصفة ، فأقر النبي صلي الله عليه وسلم وآله أهل الصفة على تجريدهم لما رأي منهم القوة عليه وانتفاعهم به ، وأقر المتسببين علي أسبابهم لما رأي منهم التشوف للأسباب وانتفاعهم بها ( ومراد الله من الجميع ما هم عليه . وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان ) . وكلاهما على الجادة وعلى التوحيد الخالص والدين الخالص والنية الخالصة لله في تجريدهم أو أسبابهم ، وهذا هو العلم الرباني والكمال العقلي للنبي – صلَّى الله عليه و سلَّم – وآله حيث كان يخاطب الناس على قدر على عقولهم ويوجههم للعمل الصالح المصلح لهم لكمالهم أو ترقيتهم ومزيد صفائهم .
________________________________________
والتصوف الإسلامي هو الدين الخالص والنية الخالصة لله التي قامت على مبدأ تحقيق العبودية وتعظيم الربوبية وتحقيق عمارة البواطن بالمعارف والأسرار والرضا والتوكل والإخلاص وعمارة الظواهر بالعبادة والورع والتقوى ومتابعة النبي – صلَّى الله عليه و آله و سلَّم – وآله في أقواله وأفعاله . وهذا ما كان عليه النبي – صلَّى الله عليه و آله و سلَّم – وآله وأصحابه من التحقق بالدين ظاهراً وباطناً ، ورسوخاً في مراتب الدين الثلاث ( الإسلام والإيمان والإحسان ) الواردة في الحديث الصحيح الذي يرويه عمر بن الخطابوليس المراد من المسلم الموحد أن يعبد الله على حرف ، والحرف على التفسير الأول هو العلة وعلى التفسير الثاني الذي نحن بصدده هو الطرف والجانب أي أن تعبد الله على واحد وهو الظاهر فقط أو الباطن فقط وهذا خروج عن جادة التوحيد الخالص إذ من كان باطنياً فقط كان زنديقاً شيطاناً لرفضه الشريعة والحكمة ومن كان ظاهرياً فقط كان فاسقاً لخلو عبادته من الصدق والإخلاص .قال تعالى ] وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ[ أي اتركوا كل إثم بما فيه من الشرك الجلي والخفي . وصدق الله العظيم ] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ[ ، وإن منكم من يعبدون الله بتقوى شاملة بعيداً عن ظاهر الإثم وباطنه مع ترك الشرك جليه وخفيه حريصين على المتابعة المحمدية بحواسهم الحسية وطاقتهم المعنوية فهؤلاء هم الصوفية الذين لهم قدم صدق عند ربهم لرسوخهم في ( مقام الإحسان ) وتحققهم بأقوال النبي - صلَّى الله عليه و آله و سلَّم - وآله ، وأفعاله وأحواله . ومجمل القول في ذلك أن هذا الحال هو الذي كان عليه أهل القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث كما جاء في حديث الحبيب المصطفى - صلَّى الله عليه و سلَّم - وآله ، ثم بعد ذلك أختلط المسلمون بغيرهم ودخلت الفلسفات الأجنبية واللغات الأجنبية فهب رجال الدين الإسلامي لحمايته والدفاع عنه ، فقام كل باختصاصه يدون ويؤلف ويكتب ، فهب رجال اللغة العربية فعملوا وأحسنوا ، وقام رجال الفقه فعملوا وأحسنوا ، وقام الأصوليون ليدافعوا عن عقيدة
________________________________________
المسلمين ، وقام العابدون الورعون العارفون بربهم ليبينوا للناس الدين الخالص والحال الذي كان عليه أهل القرن الأول من الرسوخ، ( في مقام الإحسان والتحقق في الدين ظاهراً وباطناً ، وهم رجال التصوف )، فكان أسم التصوف علما ًعلى هذه الطائفة القائمة على الحق الظاهرين عليه إلى قيام الساعة .
وكما انه في المحدثين والفقهاء وغيرهم منحرفون عن الجادة فأنالا أنكر أن الصوفية منهم الغث السمين فمنهم المتحقق ومنهم المتبرك ومنهم المتلبس المتزندق . قال تعالى :
" هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ "
وعلى كل حال فالحجة قائمة وهي في الكتاب والسنة ، فمن ادعى أنه صوفي متحقق وخالف الكتاب والسنة في أقواله وأفعاله فمرفوض ادعاؤه ومردود قوله وما أكثر هذا الصنف بين صفوف المسلمين أعاذنا الله والمسلمين من شرهم .
والآن نرجع لأمر كثر الحديث حوله وهو موقف الصوفية من ( وحدة الوجود والاتحاد والحلول ) فأقول وبالله التوفيق :-
وحدة الوجود المشار إليها عند الصوفية المسلمين مغايرة لقول الفلاسفة ووحدتهم الفكرية التي لا تفرق بين الخالق والمخلوق والصنعة والصانع فأي كفر أعظم من هذا وأي نقص ينسب إلى الله أعظم من ذلك ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، والصوفية أهل الحق براء من ذلك .
فوحدةالوجود التي يرمز إليها بعض الصوفية أمر معنوي وعلم رباني يتعلق بتحقيق الوحدانية لله في ذاته وصفاته وأفعاله عرفوا ذلك وتحققوا فيه بنور رباني وقد قيل فيه ( أتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) ، وعرفوا ذلك أيضاً بتحققهم بالتبعية المحمدية حيث قال الله لنبيه في كتابه :
" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي "
________________________________________
... الآية فالبصيرة المشار إليها هي الؤية القلبية والمشاهدة الباطنية لحقائق الأمور وبواطن الأشياء فيكتسب صاحبها علماً لا مطمع للحصول عليه بالفكر أو بالعقل أو النظرة الحسية ،فنظر رحمك الله إلى قوله تعالى لنبيه :
" عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي "
... الآية فليس هذا النور وتلك المشاهدة القلبية خاصة بالنبي - صلَّى الله عليه و سلَّم - وآله ولكن يشاركه في هذا المشرب من اتبعه بحق وهم خواص أمته فمن لم يتحقق بتلك التبعية المحمدية في الأقوال والأفعال والأحوال ، أو قل في ( الإسلام والإيمان والإحسان ) أو قل في (عمل الظواهر من الوقوف عند الحدود ، وفي عمل البواطن من التوكل والرضا والتعلق بالمعبود ، وفي عمل السرائر من الأذواق والمعارف والتحقق بأسرار الوجود ) وإلا فلا مطمع له بالوصول إلى مراتب الكمال ومقامات الرجال لأنه مقيد بالوهم والخيال وبالنفس الأمارة التي تتغطرس وتتكبر فتظن أنها تخرق الأرض وتبلغ الجبال طولاً وما هؤلاء بالنسبة للرجال الكمل من ذوي المعارف والأسرار إلا بمنزلة الصبيان .
فليس المراد بوحدة الوجود عند هؤلاء الصوفية وجودين قديمين اتحدا ولا قديم وحادث اتحدا تعالى الله عن ذلك فإنه سبحانه لا يحل في شئولا يمازج شيئاً ولا شئ في ذاته في خلقه ولا من خلقه في ذاته ، وقربه وبعده ليس كقرب الأجسام وبعدها، ولا هو محصور ولا محدود ولا يحمله شئ ولا هو حامل لشيء استوى على عرشه بذاته استواء يليق به ، مطلق في ذاته وصفاته وأفعاله لا تقوم صفاته إلا بذاته ولا تفارق ذاته صفاته تنزه عن أوصاف خلقه قال تعالى :" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "
________________________________________
وكل من يتكلم في التصوف من غير أن يتذوقه ويتحققه وينصب نفسه قاضياً وحاكماً قاسياً على أولياء الله من رجال التصوف الإسلامي ويصدر حكمه فيهم بما عنده من الجهل بحقائقهم ويؤول كلامهم الذي لا يفهم معناه على مراده هو ، لا على مرادهم هم إنما ذلك لخبث في طويته أو جهل مركب أو هما معاً فلا يؤخذ بقوله في شأن الصوفية والتصوف الإسلامي لأنه جاهل بذلك إذ ليس من اختصاصه .
فقد قال أحد الصالحين ( إن كل من يتكلم في التصوف أو يحكم عليه من غير أن يعرف حقائقه ويتذوق معانيه إنما هو جاهل بالتصوف والصوفية فمثله كمن رأى جرة مملؤة مغلقة ورأى النحل يحوم حولها فحكم على ما في باطنها من تحويم النحل عليها من غير أن يتحقق بما فيها ) .
والنحل هو الإشارات والرموز التي توحي بأن هناك شيئاً لا يستطيع من يراه التعبير عنه لدقته وغرابته بين العامة لأنه من أسرار الله تعالى ، كما قال ابو هريرة رضي الله عنه ( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم أما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم مني هذا البلعوم ) صحيح رواه البخاري وقال الإمام زين العابدين :-
إني لأكتم من علمي جواهره *** كيلا يرى ذاك ذو جهل فيفتنا
وقد تقدم في هذا أبو الحسن*** إلى الحسين ووصى قبله الحسنا
يارب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا
وأما الأشخاص الذين حكموا على ما في الجرة خطأ فهم الذينيتكلمون في التصوف بغير علم ولا تحقق ويزعمون أنه على علموان لهم يداً على أهل الله وأوليائه وهم مخطئون لأنهم لم يعرفوا التصوف ولم يلموا بمصطلحاته ورموزه وعباراته.
________________________________________
وقدقال الشيخ محي الدين بن عربي في الباب 314 من الفتوحاتالمكية : " لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته ، والملك عن ملكيته ، ويتحد بخالقه تعالى ، لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلهاً ، وصار الحق خلقاً ، والخلق حقاً ، وما وثق أحد بعلم ، وصار المحال واجباً ، فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبداً " كما قال في ذلك شعراً :
ودع مقالة قوم قال عالمهم بأنه بالإله الواحد اتحدا
الاتحاد محال لا يقول به إلا جهول به عن عقله شرداً
وعن حقيقته وعن شريعته فاعبد إلهك لا تشرك به أحدا
فأنظر كيف ينفي الاتحاد والحلول بشدة ، فما كان في كتبه مما يوهم ذلك فهو إما مدسوس عليه ، وإما فهم على غير حقيقته... فليتقالله من يطلق لسانه على أهل الله تعالى ( راجع اليواقيت والجواهر جـ1 ص80 -81 ) ، وهذا أيضاً غير ما أشار إليه الشيخ محي الدين بن عربي في الفتوحات جـ4 ص372-379 (ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد ومن قال بالحلول فهو معلول لا دواء له) .
وقد قال الشيخ علوان الحموي ( ت 936هـ ) في أحكام النظر صـ187 ومن ذلك ما أثر من كلام محمد بن واسع تلميذ الحسن البصري في فنائه عن الخلق بالحق ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه. فقال معلقاً على المعنى : مذهب أهل الحق أن مولانا عز وجل لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ، وكلما ورد عليك ما يوهم ظاهره الحلول فاوله .
ومن التأويل الواعي ما قاله الشيخ أبن تيميه : ( في مجموعة الرسائل والمسائل صـ86 ) : " إذا قال قائل إلا ورأيت الله فيه " ، أو قبله وبعده ، بمعنى ظهور الصانع آثار الصانع في صنعته .
فهذا القول صحيح ـ بل القرآن كله مبنى على هذا ، وهو سبحانه نور السموات والأرض
________________________________________
أما الشيخ الهجويري (ت. 470هـ) في كتابه ( كشف المحجوب صـ115) تعليقاً على هذه العبارة فقد قال : " إن المرأ عندما تغلبه المحبة للذات الإلهية يصل إلى مرحلة لا يرى فيها الصنع وإنما يرى الصانع " وقال أحد العارفين : ( أراد بهذه الرؤية الشهود لا رؤية البصر لأن الرؤية من خصائص البصر ، والشهود من خصائص البصيرة ) ن فليتدبر ذلك من يهاجمون الصوفية ، وليتعظوا بمقولة الشيخ ابن تيمية ، وغيره من أهل المعرفة والبصيرة .
فعلى كل حال سنترك كل من يطوي خبثاً وإساءة لأولياء الله الذاكرين الله كثيراً من رجال التصوف الإسلامي سنتركه إلى الله يوم تنكشف الأستار ، وتبرز الأسرار فيعرف حين ذلك ما عندهم من الحقائق وما عنده من الخيال ، ولكن بعد أن يقطف ثمرة الخسران من القطيعة والحرمان ويندم حين لا ينفعه الندم . قال عليه الصلاة والسلام في شأن الذاكرين حديثاً له معناه ( لا يتحسر أهل الجنة في الجنة إلا على ساعة مرت في الدنيا لم يذكروا الله فيها ) وقال تعالى : (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) سورة الرعد / 28 .
فماذا نقول لأمثال هؤلاء إلا (أنهم نيام عن الحقائق فإذا ماتوا انتبهوا) فبدلاً من أن يثوبوا إلى رشدهم ويذكروا ربهم ويصحبوا هؤلاء الصادقين الذن امر الله بصحبتهم قال تعالى :
" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ "
فبدلاً من ذلك أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم لتمطر على الذاكرين والصالحين مطر السوء فرحماك اللهم فأنت أرحم الراحمين .
بما سبق لخص أحد المفكرين نشأة التصوف في الإسلام ويؤيد هذا الرأي عن نشوء التصوف ما ذكره العلامة القشيري حيث يقول الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في رسالته ( الرسالة القشيرية ) :-
________________________________________
( أعلموا رحمكم الله تعالى أن المسلمين بعد رسول الله - صلَّى الله عليه و سلَّم - لم يتسم أفضلهم في أجيالهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله - صلَّى الله عليه و سلَّم - إذ لا فضيلة لهم فوقها فقيل لهم ، ( الصحابة ) ، ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة ( التابعين ) ، ورأوا ذلك أشرف سمة ، ثم قيل لمن بعدهم ( أتباع التابعين ) ، ثم أختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين ( الزهاد والعباد ) ، ثم ظهرت البد وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق أدعوا أن فيهم زهادا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم ( الصوفية ) واشتهر هذا الأسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة .
وهكذا يتبين لنا أن التصوف نشأ مع اللإسلام وولد معه ، لأنه جزء منه وليس بشيء زائد عليه بل هو التطبيق العملي والجانب الروحي منه ، وهو لا يمت بصلة إلى ما يقوله أعداء الإسلام عنه أنه مأخوذ عن الأمم الأخرى ، بل ما هو في واقع الأمر إلا حال النبي - صلَّى الله عليه و سلَّم - وآله والقرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية ، وما الصوفي إلا المسلم الذي يكون في حاله مع الله ومع الناس أقرب شئ إلى ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وصفوة أصحابه .
________________________________________
التصوف تعريفاً واشتقاقاً:
تعريف التصوف:
للتصوف تعاريف كثيرة بلغت الألفين . أحسنها وأجمعها هذان التعريفان :
قال ابن عجيبة رحمه الله :
التصوف : (صدق التوجه إلى الله بما يرضاه ومن حيث يرضاه ).
وقال أيضاً :-
( التصوف علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك ، وتصفية البوان من الرزائل وتحليتها بأنواع الفضائل فأوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة ).
ولقد كادت كتب التصوف تجمع على أنه ( صدق التوجه المشروط برضى الله سبحانه وتعالى ) .
اشتقاق التصوف:
للتصوف عدة اشتقاقات ذكرت في كتب السادة الصوفية كالرسالة القشيرية والإحياء وغيرهما ، ولم يتفق الصوفية على واحدة منها تكون أصلاً لاشتقاق التصوف ، لكن الشيخ ابن عجيبة رحمه الله ذكر أكثرها واختار الأخيرة منها ، وإليك نص كلامه رحمه الله :-
واشتقاقه ـ أي التصوف إما : -
1- من الصفاء ، لأن مداره على التصفية .
2- أو من الصفوة (الكاملين) لأنه اتصاف بالكمالات .
3- أو من صفة المسجد النبوي ، لأن الصوفية متشبهون بأهل الصفة في التوجه والانقطاع . وليس هذا اشتقاقاً وإنما هو من قبيل النسبة لأهل الصفة .
4- أو من الصوف لأن جل لباسهم الصوف تقللاً من الدنيا وزهداً فيها ، واختاروا ذلك لأنه كان لباس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وقد أختار ابن عجيبة رحمه الله الاشتقاق الأخير فقال :
( هذا الاشتقاق أليق لغة وأظهر نسبة ، لأن لباس الصوف حكم ظاهر على الظاهر ونسبتهم إلى غيره أمر باطن ، والحكم بالظاهر أوفق وأقرب ) .
________________________________________
من هو الصوفي ؟
ويقول الشيخ ابن عجيبة رحمه الله :
( قال سهل التستري : الصوفي من صفا من الكدر وامتلاء من الفكر وأنقطع إلى الله عن البش واستوى عنده الذهب والمدر ـ أي لا رغبة له في شئ دون مولاه ) .
وقال الجنيد : ( الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح ) .
وقال أيضاً : الصوفي كالأرض يطؤه البر والفاجر ، وكالسماء تظل كل شئ وكالمطر يسقي كل شئ )
وزبدة القول :
والحق أن التصوف تفسير ( لمقام الإحسان ) الذي هو ( مقام الشهود والعيان ) ولا مشاحة في المصطلحات وإنما العبرة للحقيقة والجوهر ، فإذا كان إصلاح الظاهر واجباً فإصلاح الباطن أوجب لأنه موضع نظر الله عز وجل ، وإذا كان إصلاح باطن العبد وسريرته وقلبه جوهر الدين فذلك هو التصوف ، ولا يزيد أبداً عن كونه إصلاحاً للقلوب .
________________________________________
القرآن الكريم والسنة النبوية
( مصدر التصوف الإسلامي )
الطرق الصوفية المنسوبة إلى أكابر الأولياء ـ وبمعزل عما يلصقه بها الأدعياء والمنتسبون من الداخل أو يفتريه عليها السفهاء والمرجفون من الخارج ـ هي في حقيقتها مدارس عملية لتطبيق المنهج الإسلامي الشامل ( عقيدةً وشريعةً وسلوكاً وممارسةً وصوراً حيةً ومعبرةً لما كان عليه الصحابة والتابعون في القرون الإسلامية الزاهرة ) ، دعت إلى الله تعالى بالسلوك والتطبيق العملى في المقام الأول لأحكام الشريعة وبالموعظة الحسنة وسبت أغوار النفس الإنسانية بكل جوانبها السلبية والإيجابية فكان التوفيق حليفها في هذا المضمار . ومن أقوال أعلام التصوف وأئمته ننقل هنا مايشير إلى حقيقة ماهم عليه وما يدينون أنفسهم به ويدعون أتباعهم إليه .
قال أبو الفيض ذو النون المصري : ( مدار الكلام على أربع حب الجليل وبغض القليل ، وأتباع التنزيل ، وخوف التحويل ) ، القليل هنا بمعنى " ما قل من العمل الصالح " وقيل هو الدنيا لقوله تعالى ( قل متاع الدنيا قليل ) وهو الأرجح .
وقال أبوالحسن السري المغلس السقطي : ( التصوف اسم لثلاثة معان وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ، ولا يتحمله علي هتك أستار محارم الله ) .
وقال أبو يزيد طيفور بن عيسي البسطامي : ( لو نظرتم الي رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة ).
وقال أبو الحسن أحمد بن الحواري : ( من عمل بلا تباع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فباطل عمله ) .
وقال أبو حفص الحداد : ( من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال ) .
وقال أبو القاسم الجنيد بن محمد : ( من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ) .
وقال أبو الحسين أحمد بن حمد النوري : ( من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه ) .
وقال أبو سعيد أحمد بن عيسي الخراز : ( كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل ) .
وقال أبو العباس احمد بن محمد بن عطاء الله السكندري : ( من ألزم نفسه آداب الشريعة نور الله قلبه بنور المعرفة ، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلي الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه ) .
وقال أبو حمزة البغدادي البزار : ( من علم طريق الحق تعالي سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق الي الله تعالي الا متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله ) .
وقال الامام عبد الله بن علوي الحداد باعلوي الحسيني رحمه الله تعالى في قصيدته التائية الكبرى :
وما في طريق القوم بدء ولا انتهاء مخالفة للشرع فاسمع وأنصت
وخل مقالات الذين تخبطوا ولا تك إلا مع كتاب وسنة
فثم الهدي والنور والأمن من ردي ومن بدعه تخشى وزيغ وفتنه
ومتبعو حكم الكتاب وسنة هم المفلحون الفائزون بجنة
عليهم من الرحمن رضوانه الذي هو النعمة العظمي وأكبر منة
ومن حاد عن علم الكتاب وسنة فبشره في الدنيا يخزي وذله
وبشره في العقبى بسكني جهنم وحرمان جنات الخلود ورؤية
ويقول الشيخ ابن تيمية عن تمسك السادة الصوفية بالكتاب والسنة في قسم ( علم السلوك ) من فتاواه ما نصه :
________________________________________
" والشيخ عبد القادر ( الجيلاني رحمه الله ) ونحوه من مشائخ زمانهم أمروا بالتزام الشرع والأمر والنهي ، وتقديمه على الذوق والقدر ، وهو من أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى ، والإرادة النفسية ، فإن الخطأ في الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع من هذه الجهة . فهو يأمر السالك إن لا تكون له إرادة من جهته هو أصلاً ، بل يريد ما يريد الرب عز وجل ، إما إرادة شرعية إن تبين له ذلك ، و إلا جرى مع الإرادة القدرية ، فهو إما مع الرب ، إما مع خلقه ، وهو سبحانه له الخلق والأمر ، وهذه طريقة شرعية صحيحة " .
________________________________________
عقيدة أهل التصوف:
بعض أعداء الصوفية المعاصرين يتهمونهم بان لهم عقائد مخالفة لعقائد المسلمين أهل السنة والجماعة ، وهذه عقائد الصوفية ومعتقداتهم كما بينها الصوفي الكبير الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه (الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية ) الطبعة الثانية ـ دار جوامع الكلم ـ الدراسة ـ القاهرة .
ومنها يتبين أنها مطابقة تماماً لمعتقد أهل السنة والجماعة الموافقة للكتاب والسنة وعقيدة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.
عقائد القوم وبيان موافقتها لعقائد أهل السنة والجماعة :
" اعلم يا أخي أن القوم اجمعوا على أن الله تعالى إله واحد لا ثاني له ، منزه عن الصاحبة والوالد ، مالك الملك لا شريك له ، صانعه لا مدبر معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده ، بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو تعالى موجود بذاته ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجوده مطلق مستمر ، قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهة والأقطار مرئي بالقلوب والأبصار ، استوى تعالى على عرشه كما قال ، وعلي المعنى الذي أراده كما أن العرش وما حواه به استوى ، له الآخرة والأولي ، ليس له مثل معقول ولا دلت عليه العقول ، لا يجده زمان ، ولا يقله مكان ، وهو الآن على ما عليه كان خلق المتمكن والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ المخلوقات ولا ترجع إلية صفة لم يكن عليها ولا تلحقه صفة من صفات المصنوعات ، تعالي أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون قبله أو يكون قبلها ، بل يقال كان ولا شئ معه ، لأن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ، فلا نطلق عليه تعالي ما لم يطلقه علي نفسه فإنه أطلق علي نفسه : الأول والآخر لا القبل والبعد . فهو القيوم الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، خلق العرش وجعله حد الاستواء . أنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كاتباً في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء . أبدع العالم على غير مثال سابق وخلق الخلق ، وأخلق ما خلق
________________________________________
أنزل الأرواح إلى الأشباح أمنا ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلقا ، وسخر لها ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، فلا تتحرك ذرة إلا عنه ، خلق الكل من غير حاجة إليهم له ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه بذلك سبق ، فلا بد أن يخلق ما خلق . فهو (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(3)) ، أحاط بكل شئ علما ، وأحصى كل شئ عدداً ، يعلم السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كيف لا يعلم شيئا خلقه؟،
" أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "
علم الأشياء قبل وجودها ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجرد الأشياء ، أتقن الأشياء وأحكمها بعلمه ، يعلم الكليات والجزئيات على الإطلاق ، فهو عالم الغيب والشهادة فتعالي عما يشركون ، فعال لما يريد فهو مريد للكائنات في عالم الأرض والسموات ، لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شئ حتى أراده ، كما أنه سبحانه ما أوجده حتى علمه ، إذ يستحيل أن يريد سبحانه وتعالى ما لم يعلم ، أو يفعل المختار من ذلك الفعل ما لا يريده ، كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي ، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها .
________________________________________
فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلمه ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا سهاد ولا رقاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا رطب ولا يابس ، ولا قشر ولا لب ، ولا شئ من جميع المتضادات المختلفة والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى ، وكيف لا يكون مراداً له وهو أو جده ؟ . فكيف يوجد المختار ما لا يريد ؟ . لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .
لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئاً لم يرد الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئاً لم يرد الله إيجاده وأرادوا ما فعلوه ولا استطاعوا ولا أقدرهم عليه ، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته ، ولم يزل سبحانه وتعالى موصوفاً بهذه الإرادة أزلاً والعالم معدوم ، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر ، بل أوجده عن العلم السابق ، وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه إذ هو القائل سبحانه :
" وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا "
________________________________________
وأنه تعالى كما علم ما خلق ، وأراد فخص ، وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن ، ونطق في الورى ،من العالم الأسفل والأعلى ولا يحجب سمعه البعد ، فهو القريب ، ولا يحد بصره القرب ، فهو البعيد ، يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت المماسة الخفية عند اللمس ، يرى السواد في الظلماء والماء في الماء ، لا يحجبه الامتزاج ، ولا الظلمات ، ولا النور وهو السميع البصير .
تكلم سبحانه ، لا عن صمت متقدم ولا سكوت متوهم ، بكلام قديم ازلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته ، كلم به موسى عليه الصلاة والسلام ، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل والقرآن ، من غير تشبيه ولا تكييف ، إذ كلامه تعالى بغير لهاة ولا لسان كما ان سمعه من غير أصمخة ولا آذان ، كما أن بصره من غير أعين ولا أجفان ، كمت أن إرادته من غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير أضطرار ولا نظر في برهان كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الاركان كما أن ذاته لا تقبل الزيادة ولا النقصان
فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان عميم الإحسان جسيم المتنان ، كل ما سواه فهو عن وجود فائض ، وفضله وعدله الباسط والقابض ، أكمل صنع العالم وابدعه حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ولا مدبر معه فيه إن أنعم فنعم العبد فذلك فضله ، وإن أبلى فعذب فذلك عدله لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه من سواه حكم فيتصف بالجبر لذلك والخوف ، كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ومتصرف عن إرادته وامره ، فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور ] أي لتعمل بالتقوى وتجتنب الفجور أو تقوم عليها الحجة بالعلم بما تفعل [ . فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور لا يحكم عدله في فضله ولا فضله في عدله لقدم صفاته كلها ، وتنزهها عن الحدوث .
________________________________________
أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين ، فقال : هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثم سواه فالكل تحت تصرف أسمائه ، فقبضة تحت أسماء بلائه وقبضة تحت أسماء آلائه ، لو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيداً لكان ، أو شقياً لما كان في ذلك من شان لكنه سبحانه لم يرد ذلك فكان كما أراد فمنهم الشقي ومنهم السعيد ، هنا وفي يوم الميعاد ، فلا سبيل إلى تبدي ما حكم عليه القدم وقد قال تعالى في حديث فرض الصلاة :” هي خمس وهي خمسون “
قال تعالى : ” مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ “
وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ولم تعبر عنها عليها الأفكار ولا الضمائر إلا بوهب إلهي ووجود رحماني ، لمن أعتنى الله به من عباده ، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ، فعلم حين أعلم أن الألوهية أعطت هذا التقسيم ، وإنها من دقائق القديم فسبحان من لا فاعل سواه ، ولا موجود بذاته إلا إياه
قال تعالى : ” وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ “
” لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ “
” قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ “
وكما شهدنا لله تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العلية ، كذلك نشهد لسيدنا ومولانا محمد (- صلى الله عليه وسلم -) بالرسالة إلى جميع الناس كافة بشيراً ونذيرا ، ” وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا “
________________________________________
وأنه – صلى الله عليه وسلم – بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه وأدى أمانته ، ونصح للأمة ، وقد ثبن أنه – صلى الله عليه وسلم – ، وقف في حجة الوداع على كل من حضره من الأتباع ، فخطب وذكر وخوف وأنذر ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ،وما خص بذلك التذكير أحداً دون أحد ، عن إذن الواحد الصمد ثم قال : ألا هل بلغت؟ فقالوا جميعاً : قد بلغت يا رسول الله ، فقال – صلى الله عليه وسلم – وآله : اللهم فاشهد
ونؤمن بكل ما جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآله ، مما علمنا ومما لم نعلم فمما علمنا وتحققنا مما جاء به وقرر ، أن الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر ، فنحن مؤمنون بهذا إيماناً لا ريب فيه ولا شك ، كما آمننا وأقررنا وصدقنا أن سؤال منكر ونكير في القبر حق ، وأن عذاب القبر حق ، والبعث من القبور حق ، والعرض على الله تعالى حق والحوض حق ، والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة والنار حق ، وفريقاً فى الجنة وفريقاً في السعير حق ، وأن كرب ذلك اليوم على طائفة حق وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر حق ، وأن شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم حق وأن شفاعة الأنبياء والملائكة وصالحي المؤمنين حق ، وشفاعة أرحم الراحمين حق ، فتشفع أسماؤه من الحنان والرحمة عند أسماء الجبروت والنقمة والعدل وكذلك نؤمن بأن إيمان أهل النار كفرعون وغيره غير مقبول ولا نافع ، وأن جماعة من أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون بالشفاعة حق وأن كل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله تعالى حق .
________________________________________
كذلك نؤمن بأن التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم حق ، والتأبيد للكافرين والمشركين والمجرمين في النار حق ، فهذه عقيدة القوم رضي الله عنهم أجمعين . وعقيدة عليها حيينا وعليها نموت . كما هو رجاؤنا في الله عز وجل . فنسأل الله من فضله أن ينفعنا بهذا الإيمان ويثبتنا عليها عند الانتقال إلى الدار الحيوان . ويحلنا دار الكرامة والرضوان ، ويحول بيننا وبين دار( سرابيل أهل القطران) ، ويجعلنا من العصابة التي تأخذ كتبها بالإيمان ، وممن ينقلب من الحوض وهو ريان ويرجح له الميزان بالإحسان ، وثبت منه على السراط القدمان . إنه المنعم المنان آمين اللهم آمين ، اللهم آمين ( بفضل الله العظيم ورسول رحمته الكريم )
حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ” سورة التوبة / 59
فأمعن يا أخي النظر في هذه العقيدة فإنها عظيمة الشأن ،. وإن حفظتها عن ظهر قلب كان أولى لك فأولى ، والله يتولى هداك ، والله يرعاك ولك يتولى .
تلك كانت (عقيدة أهل التصوف ) كما بينها الصوفي الكبير الشيخ عبد الوهاب الشعراني صاحب المؤلفات الكثيرة في علم الصوف ، وهي عندما يتدبرها المنصف يراها مطابقة تماماً بل هي نفس عقيدة السواد الأعظم ، أهل السنة والجماعة ، التي عبر عنها كل من الإمام الطحاوي والإمام حجة ـ الإسلام الغزالي ، وأخيراً الإمام عبد الله ابن علوي الحداد الحضرمي الحسيني رحمهم الله تعالى أجمعين .
________________________________________
من هم الأشاعرة:
ومن أعلام الهدى فيهم ؟!
يتضح مما مر من اعتقاد الصوفية أنه اعتقاد الأشاعرة غالباً فمن هم الأشاعرة ؟
يقول العلامة السيد الشيخ محمد علوي المالكي :
يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة ، ولا يعرفون من هم الأشاعرة ، ولا طريقتهم في أمر العقيدة ، ولا يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلال أو يرميهم بالمروق من الدين والإلحاد في صفات الله . وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزق وحدة أهل السنة وتشتت شملهم حتى غدا البعض يسلك الأشاعرة ضمن طوائف أهل الضلال ، ولست أدرى كيف يقرن بين أهل الإيمان وأهل الضلال ؟
وكيف يساوى بين أهل السنة وبين غلاة المعتزلة وهم الجهمية ؟
” مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36)أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ” سورة القلم / 35-36
الأشاعرة هم أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها ، وأطبق الناس على فضلهم ودينهم . هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلام علمائهم الأفاضل الذين وقفوا في وجه طغيان المعتزلة أنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام :
شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني شيخ المحدثين بلا مراء صاحب كتاب ” فتح الباري على شرح البخاري ” أشعري المذهب وكتابه لا يستغنى عنه أحد من العلماء .
شيخ علماء أهل السنة الإمام النوري صاحب ” شرح صحيح مسلم ” وصاحب المصنفات الشهيرة أشعري المذهب .
شيخ المفسرين الإمام القرطبي صاحب تفسير ” الجامع لأحكام القرآن ” أشعري المذهب .
شيخ الإسلام ابن حجر الهيثمي صاحب كتاب ” الزواجر عن اقتراف الكبائر ” أشعري المذهب .
شيخ الفقه والحديث الإمام الحجة زكريا الأنصاري أشعري المذهب
الإمام ابن حجر العسقلاني ـ صاحب فتح الباري على شرح البخاري .
الإمام النسفي صاحب التفسير .
الإمام الشربيني .
أبو حيان التوحيدي صاحب تفسير ” البحر المحيط ” .
الإمام ابن جزي صاحب ” التسهيل في علوم التنزيل ” … الخ
الإمام ابن كثير صاحب التفسير .
الإمام الشوكاني .
الإمام ابن عطية صاحب التفسير .
________________________________________
كل هؤلاء من أئمة الأشاعرة . ولو أردنا أن نعدد هؤلاء الأعلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء من أئمة الأشاعرة لضاق بنا الحال واحتجنا إلى مجلدات في سرد هؤلاء العلماء الأفاضل الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها إن من الواجب أن نرد الجميل لأصحابه وأن نعرف الفضل لأهل العلم والفضل . الذين خدموا شريعة سيد المرسلين (من العلماء الأعلام) . وأي خير يرجى فينا إن رمينا علماءنا وأسلافنا الصالحين بالزيغ والضلال ؟ وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الإنحراف والزيغ عن طريق الإسلام ؟ إنني أقول : هل يوجد بين علماء العصر من الدكاترة والعباقرة من يقوم بما قام به شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي من خدمة السنة النبوية المطهرة كما فعل هذان الإمامان الجليلان تغمدهما الله بالرحمة والرضوان؟ فكيف نرميهما وسائر الأشاعرة بالضلال ونحن بحاجة إلى علوم هؤلاء ؟ وكيف نأخذ العلوم عنهم إذا كانوا على ضلال ؟ ، وقد قال الإمام الزهري رحمه الله : إن العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم .
أفما كان يكفي أن يقول المعارض : إنهم رحمهم الله اجتهدوا فأخطئوا في تأويل الصفات وكان الأولى أن لا يسلكوا هذا المسلك ، بدل أن نرميهم بالزيغ والضلال ونغضب على من عدهم من أهل السنة والجماعة ؟ . وإذا لم يكن الإمام النووي ، والعسقلاني والقرطبي والفخر الرازي والهيثمي وزكريا الأنصاري وغيرهم من جهابذة العلماء وفطاحل النبغاء إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة فمن أهل السنة والجماعة إذن؟
إنني أدعو مخلصاً كل الدعاة وكل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية أن يتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة في أجلة علمائها وأخيار فقهائها ولا خير فينا إذا لم نعرف لعلمائنا قدرهم وفضلهم .
وهذا محرر من ( مفاهيم يجب أن تصحح ) 38 ـ 40 للسيد محمد علوى المالكي ) وغيره من المراجع الموثقة .
________________________________________
أما الإمام محيي الدين النووي المتوفى سنة 676 هـ فيقول في رسالته ( المقاصد السبعة في أصول طريق التصوف ) :
وهي خمس . تقوى الله في السر والعلانية . واتباع السنة في الأقوال والأفعال . والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار . والرضا عن الله تعالى في القليل والكثير . والرجوع إلى الله في السراء والضراء .
( فتحقيق التقوى ) بالورع ، والاستقامة . وتحقيق السنة بالتحفظ ، وحسن الخلق . ( وتحقيق الإعراض ) بالصبر ، والتوكل . ( وتحقيق الرضا ) عن الله بالقناعة والتفويض . ( وتحقيق الرجوع إلى الله تعالى ) بالشكر له في السراء ، واللجوء إليه في الضراء .( وأصول ذلك خمسة ) علو الهمة، وحفظ الحرمة ، وحسن الخدمة ونفوذ العزيمة ، وتعظيم النعمة .
( فمن علت همته ) ارتفعت رتبته . ومن حفظ حرمة الله حفظ الله حرمته . ومن حسنت خدمته وجبت كرامته : ومن نفذت عزيمته دامت هدايته ، ومن عظم النعمة شكرها . ومن شكرها استوجب المزيد .
( وأصول المعاملات خمسة ) طلب العلم ، للقيام بالأمر . وصحبة المشائخ والأخوان للتبصر . وترك الرخص والتأويلات . للتحفظ . وضبط الأوقات بالأوراد ، للحضور . وأتهام النفس في كل شئ . للخروج عن الهوى . والسلامة من العطب .
( فطلب العلم ) آفته صحبة الأحداث سناً وعقلاً وديناً مما لا يرجع إلى أصل ولا قاعدة ، وآفة الصحبة الأغترار والفضول . وآفة ترك الرخص والتأويلات الشفقة على النفس : وآفة اتهام النفس الأنس بحسن أحوالها وأستقامتها : وقد قال الله تعالى وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا سورة الانعام / 70
( وأصول ما تداوى به علل النفس ) خمسة : تخفيف المعدة بقلة الطعام والشراب واللجأ إلى الله مما يعرض عند عروضه ، والفرار من مواقف ما يخشى الوقوع فيه ، ودوام الاستغفار مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأجتماع الخاطر ، وصحبة من يدلك على الله تعالى .
________________________________________
أقوال بعض كبار العلماء في التصوف والصوفية:
قال الشيخ ( عبد القاهر البغدادي ) : قد أشتمل كتاب تاريخ الصوفية لأبى عبد الرحمن السلمي على زهاء ألف شيخ من الصوفيه ما فيهم واحد من أهل الأهواء .
وقال ( أحمد بن زروق ) حد التصوف ورسم وفصل بوجوه تبلغ نحو ألفين ترجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ، وإنما هي وجوه فيه ( والله أعلم ) وصدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضاه الحق تعالى ، ولا يصح مشروط بدون شرط ـ
“وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُم ” فلزم تحقيق الإيمان
فلزم العمل بالإسلام فلا تصوف إلا بفقه ، إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه ، ولا فقه إلا بتصوف ، إذ لا عمل إلا بصدق التوجه إلى الله ( ومنه قول مالك رحمه الله ) : ” من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ” ( محرر من إيقاظ الهمم في شرح الحكم : 5-6 ) .
وقال الشيخ ( عبد الوهاب الشعراني ) : إن طريق القوم مشيدة بالكتاب والسنة ، ومبينة على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء ، وهي لا تكون مذمومة إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الأحكام لا غير ، وأما إذا لم تخالف فغاية الكلام أنه فهم أوتيه رجل مسلم ، فمن شاء فليعمل به ومن شاء تركه ، ومن بقى باب للإنكار إلا سواء الظن بهم ، وحملهم على الرياء وذلك لا يجوز شرعاً . فمن دقق النظر علم أنه لا يخرج شئ من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة ، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة ، والشريعة هي وصلتهم إلى الله عز وجل في كل لحظة ، ولكن أصل أستغراب من لا إلمام له بأهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة، وكونه لم يتبحر في علم الشريعة ، وذلك قال الجنيد رحمه الله تعالى : ( علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة ) رداً على من توهم خروجه عنهما في ذلك الزمان أو غير .
________________________________________
وقد أجمع القوم على أنه لا يصلح للتصدر في طريق الله عز وجل إلا من تبحر في علم الشريعة وعلم منطوقها ومفهومها وخاصها وعامها وناسخها ومنسوخها وتبحر في لغة العرب حتى عرف مجازاتها واستعارتها . وغير ذلك ، فكل صوفي فقي ولا عكس .
وبالجملة فما أنكر أحوال الصوفية إلا من جهل حالهم . وقال القشيري : لم يكن عصر في مدة الإسلام وفي شيخ من هذه الطائفة إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء قد أستسلموا لذلك الشيخ وتواضعوا معه وتباركوا به ولولا مزية وخصوصية القوم لكان الأمر بالعكس ( أنتهى ) (محرر من الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار :
1 – 4 للشعراني ) .
وقال الشيخ ( محمد أمين الكردي النقشبندي ) :
فحدالتصوف هو علم يعرف به أحوال النفس محمودها ومذمومها وكيفية تطهيرها من المذموم منها وتحليتها بالاتصاف بمحمودها ، وكيفية السلوك والسير إلى الله تعالى والفرار إليه .
” فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ” الذاريات / 50
وثمرته تهذيب القلوب بمعرفة علام الغيوب ذوقاً ووجداناً ، والنجاة في الآخرة ، والفوز برضا الله تعالى ، ونيل السعادة الأبدية ، وتنوير القلب وصفاؤه بحيث تتكشف له أمور جليلة ، ويشهد أحوالاً عجيبة ، ويعاين ما عميت عنه بصيرة غيره ( محرر من تنوير القلوب في معاملة علام الغيوم 406 ) .
________________________________________
رأي الصوفية في الاتحاد والحلول
( استحالة الحلول والاتحاد )
أ – الحلول :
يقول ( الإمام الغزالي ) : المفهوم من الحلول أمران أحدهما النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه وذلك لا يكون إلا بين جسمين فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك ، والثاني النسبة التي بين العرض والجوهر فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عنه بأنه حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا المعرض فإن كا ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بغيره ، إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصور الحلول بين عبدين فكيف يتصور بين العبد والرب تعالى .
ب ـ الأتحاد :
وأما الاتحاد فذلك أيضاً أظهر بطلاناً لأن قول القائل أن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه ، بل ينبغي تنزه الرب سبحانه عن أن يجري إنسان في حقه بأمثال هذه المحاولات ويقول قولاً مطلقاً ، إن قول القائل أن شيئاً صار شيئاً آخر محال على الإطلاق لأننا نقول إذا عقل زيد وحده ثم قيل أن زيداً صار عمراً واتحد به فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين أو زيداً موجوداً وعمرو معدوماً أو بالعكس ولا يمكن قسم وراء هذه الاربعة .
فإن كانا موجودين فلم يصر أحدهما عين الآخر . بل عين كل واحد منهما موجود وإنما الغاية أن يتحد مكانهما وذلك لا يوجب الاتحاد ، فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا يتباين محلها ولا تكون القدرة هي العلم والإرادة ولا يكون قد اتحدا بعضهما بالبعض . وإن كانا معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شئ . وإن كان أحدهما معدوماً والآخر موجوداً فلا اتحاد إذ لا يتحد موجود بمعدوم ، فالأتحاد بين الشيئين مطلقاً محال وهذا جار في الذوات المتماثلة فضلاً عن المختلفة ” فالقول في حق الله بذلك ضلال وغفلة .
يقول السيد أحمد الرفاعي إمام الطريقة الرفاعية في كتابه ( البرهان المؤيد ) :
________________________________________
* الطريق واضح : صلاة وصوم وحج وزكاة والتوحيد والشهادة برسالة الرسول – صلى الله عليه وسلم – أول الأركان واجتناب المحرمات .
* ويقول الفقير ـ أي الصوفي ـ على الطريق مادام على السنة ، فمتى حاد عنها زل عن الطريق .
* كونوا مع الشرع في آدابكم كلها ظاهراً وباطناً . فإن من كان مع الشرع ظاهراً وباطناً كان الله حظه ونصيبه ، ومن كان الله حظه ونصيبه كان من أهل مقعد صدق عند مليك مقتدر .
* ويقول الحارس (المحاسبي ) وأبو يزيد ( البسطامي ) ـ وهما من كبار الصوفية :- ( الشرع لا ينقص ولا يزيد ) ويقول الإمام الرفاعي ( في البرهان المؤيد ) : قال ابن أدهم قال : وأبو يزيد لا ينقص ولا يزيد وقال : الشافعي ومالك يهدي لأنجح الطرق وأقرب المسالك . شيدوا دعائم الشريعة بالعلم والعمل ، وبعدها ارفعوا الهمة للغوامض من أحكام العلم والعمل ) .
* وقال الإمام الرفاعي : والله ـ يا هذا، ما ثم اتصال ولا انفصال، ولا حول ولا أنتقال ، ولا حركة ولا زوال ) .
* ويقول نافياً للوحدة والاتحاد والحلول : اتبع ولا تبتدع .. كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة .
ويقول الشيخ محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية في كتابه ( فقه الصلوات والمدائح النبوية ) وهو من كبار الصوفية المعاصرين :
العقائد المنحرفة :
ونقرر بهذا أننا نبرأ إلى الله تعالى من القول : باتحاد العبد بالرب بمعنى حلول الرب في العبد ، أو فناء العبد في الرب ، ونبرأ إليه من القول بوحدة الوجود التي تجعل الكون هو الله والله هو الكون ، ونبرأ إليه من القول : بالحقيقة المحمدية بمعنى أن محمداً هو الله ، أو هو الكون ، فالأمر منه وإليه ونبرأ إلى الله من القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، ومن كل فكر أو قول أو عمل ، يخالف ظاهر الشرع الشريف ، ونستغفر الله ونتوب إليه .
________________________________________
الشيخ الصوفي وشروط المشيخة:
قال الشيخ ( أحمد بن زروق ) :
وشروط الشيخ الذي يلقى إليه المريد نفسه وقيادة خمسة : علم صحيح ، وذوق صريح ، وهمة عالية ، وحالة مرضية ، وبصيرة نافذة .
ومن فيه خصال من خمس خصال لا تصح مشيخته وهي :
الجهل بالدين ، وإسقاط حرمة المسلمين ، ودخول فيما لا يعنيه ، واتباع الهوى في كل شئ ، وسؤ الخلق من غير مبالاة .
وإن لم يكن شيخ مرشداً أو إن وجد ناقصاً عن الشروط الخمسة ، أعتمد على ما كمل فيه وعومل بالأخوة في الباقي ( محرر من كتاب قوانين حكم الإشراق إلى كافة الصوفية في جميع الآفاق ) .
وقال الإمام السيد أحمد الرفاعي في ( البرهان المؤيد ) صـ43،4:
( عليكم بنا : صحبتنا ترياق مجرب البعد عنا سم قاتل . أي محبوبي: تزعم أنك أكتفيت عنا بعلمك . ما الفائدة من علم بلا عمل . ما الفائدة من عمل بلا إخلاص . الإخلاص على حافة طريق الخطر . من ينهض بك إلى العمل ، من يداويك من سم الرياء ، من يدلك على الطريق القويم ، بعد الإخلاص ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( هكذا أنبأنا العليم الخبير، وقال أيضاً : ( لازم أبوابنا أيها المحبوب فإن كل درجة وآونة تمضي لك في أبوابنا درجة وإنابة إلى الله تعالى ، فقد صحت إنابتنا إلى الله .
قال تعالى : ” وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ” سورة لقمان /15 انتهى
________________________________________
ثم إن كلا من الصاحب والمصحوب . إما أن يكون شيخاً وإما أن يكون أخاً ، وإما أن يكون مريداً . فإن كان شيخاً فينبغي أن يكون مرشداً كاملاً متشرعاً متديناً عارفاً في أصول الطريقة وأركانها وآدابها وخلواتها وجلواتها وأذكارها وأسرارها وسلوكها مطابقاً للشرع الشريق في أقواله وأفعاله وأحواله . عارياً من الكبر ، والعجب ، والحقد والحسد لمشايخ القوم . والكذب . خالياً من دسائس النفس متواضعاً ذا حرمة للفقراء . والمشايخ والغرباء ، طلق اللسان في تعريف السلوك ، يراعي المسائل في الجواب ، مهذب الأخلاق ، صاحب قلب ولسان ثابت قدم ، متسللاً بإجازة مربوطة واصلة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآله .
وقال سيدي السيد أحمد عز الدين الصياد الرفاعي :
(( اعلم من تصدر للمشيخة في هذه الطريقة العلية الرفاعية فقد جلس على بساط النيابة عن شيخ الأمة سيدنا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه . فيجب عليه أن يكون عالماً بما أمره الله ونهاه عنه ، فقيهاً في الأمور التعبدية ، حسن الأخلاق طاهر العقيدة ، عارفاً بأحكام الطريقة سالكاً مسلكاً كاملاً شيخاً زاهداً متواضعاً حمولاً للأثقال ، صاحب وجد وحال وصدق مقال ، ذا فراسة وطلاقة لسان في تعريف أحكام الطريقة ، متبرئاً من عوائق الشطح ، طارحاً ربقة الدعوى والعلو ، محباً لشيخه حافظاً شأن حرمته في حياته وبعد وفاته يدور مع الحق أين دار ، منصفاً في أقواله وأفعاله ، متكلاً على الله في جميع أحواله .
________________________________________
وذكر شيخنا السيد محمد أبو الهدى الصيادي الرفاعي في كتابه ( العقد النضيض : في آداب الشيخ والمريد ) ، فقال : وينبغي أن يتصف الشيخ المسلك باثنتي عشرة صفة : صفتان من حضرة الله نعالى وهما ال