الكتاب : الدر الثمين ، مختصر الرد المحكم المتين المؤلف : المحدث العلامة السيد عبد الله الغُماريّ اختصار وتقريب : الأستاذ العلامة سعيد فودة

الكتاب : الدر الثمين ، مختصر الرد المحكم المتين
المؤلف : المحدث العلامة السيد عبد الله الغُماريّ
اختصار وتقريب : الأستاذ العلامة سعيد فودة
الدُّرُّ الثَّمِينُ
وهو اختصار لكتاب
“الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين”
تأليف المحدث العلامة السيد عبد الله الغُماريّ
اختصار وتقريب
الأستاذ العلامة سعيد فودة
حفظه الله تعالى
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعه بإحسان إلى يوم الدين:_
وبعدُ …
فلمَّا نظرتُ في كتاب العلامة المحدِّث السيد عبد الله الغماري غمره الله تعالى بإحسانه، وعرفتُ ما فيه من فرائد وفوائد، أحببتُ أن أكتب له مختصراً محرراً، أقرِّبه به إلى طلبة العلم المخلصين، لتعم فائدته الناس، فجردته مما فيه من تعقبات لذاك الذي وُضِعَ الكتاب أصلاً رَّداً عليه، وقد أشرتُ إليه في أول هذا المختصر.
وحذفتُ منه ما لا يؤثر على قوة الدِّلالة، كل هذا مع الاختصار غير المخل.
وأدعو الله تعالى أنْ ينفع به وبأصله، والحمد لله رب العالمين، وما توفيقنا إلا بالله.
سعيد فودة
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه فوائد اقتطفتها من كتاب “الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين” للسيد العلامة: عبد الله الغماري.
وقد ذكر المحدث الغماري كتابه هذا في ترجمته الذاتية التي سماها “سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق”؛ في عدة مواضع، فقال مثلاً في ص 92:
” واطّلعتُ على كتاب يسمى القول المبين في حكم دعاء ونداء الموتى من الأنبياء والصالحين، لواعظ اسمه الشيخ محمد مخيمر، فوجدتُ فيه أغلاطاً كثيرة، وتحريفاً في النقول، وجرأة على الكلام في التفسير بغير علم، فكتبت رداً عليه سميته “الردّ المحكم المتين على كتاب القول المبين” طبع ورآه المردود عليه، ولم يستطع أن ينقضه، ولما رآه صديقي الشيخ عبد الوهاب اللطيف، قال: هذا كتاب ممتلئ بالقواعد والفوائد، وهكذا أعجب به كل من رآه” انتهى.
وقال العلامة المحدث الأصولي الغماري في ص94:
“وكان الشيخ محمد مخيمر زعم في كتابه أن حديث “حياتي خير لكم” لا أصل له، فكتبتُ جزءاً في تصحيحه، سميته “نهاية الآمال في صحة حديث عرض الأعمال” طبع وأرسلته لأخي، فأثنى عليه كثيراً. ورأيت الألباني ذكره في الأحاديث الضعيفة، وأخطأ وانحرف عن القواعد التي استعملها في تصحيح أحاديث توافق هواه، وهو صاحب هوى” انتهى.
فصل
[بيان مختصر لحال المجسمة المنتسبين إلى السلف في هذا الزمان]
بعض الطوائف من المتنطعين أكثروا الصراخ والضجيج، وزعموا أن مَنْ زار قبراً من قبور الأنبياء أو الأولياء وتوسل بصاحبه إلى الله، أو استشفع به لديه خرجَ من زمرة الموحدين، ودخل في عداد المشركين !!
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً، فرقوا بين جماعة المسلمين، واتخذوا من ضعفاء العقول أنصاراً لنحلتهم يروجونها بأساليب تشبه الحق وليست بحق، فلبسوا على العامة أمور دينهم، فعظمت بهم الفتنة وجسمت المحنة.
فصلٌ
أجمع علماءُ الحديث وغيرهم على أن الحديث إذا استوفى شروط القبول وجب العمل به سواءً كان في الكتب الستة أو في غيرها، ولو كان في سيرة البكري مثلاً.
فصل
[لزوم تسويد وتوقير الرسول صلى الله عليه وسلم]
لا يجوز أن يقول قائلُ: “قال محمد” أو “فعل محمد” من غير سيادة أو صلاة.
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر)، والصحابة كانوا لا يذكرونه باسمه المجرد لقوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)، ومنهم مَنْ كان يسوِّده مبالغة في تعظيمه كما جاء في المستدرك من طريق عبد الواحد بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم حدثني جدتي الرباب قالت: سمعتُ سهل بن حنيف يقول:
مررنا بسيل فدخلتُ فاغتسلتُ فيه فخرجت محموماً، فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “مروا أبا ثابت يتعوذ” قال فقلتُ: يا سيدي، والرُّقى صالحة؟! فقال: “لا رقى إلا في نفس أو حمة أو لدغة”.
________________________________________
قال الحاكم: صحيح، وأقرَّه الذهبي ورواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى.
وصح أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له من حديث: “ومَنْ ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين”.
فصلٌ
[أصلٌ مهم في الحكم على الناس]
الأصل إحسان الظن بالمسلمين، وحديث أبي ذر في البخاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك”.
ورواه مسلم أيضاً ولفظه: “ومَنْ دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه”، ومع أن ظواهر هذه الأحاديث غير مراد، إلا أنها تفيد زجر المسلم عن ذلك.
ولا يفيد الرجل أن يقول: تأولتُ ذلك؛ لأن الأصل الاحتياط كما سبق.
والقاعدة المقررة: “أن المسلم لا يحكم بكفره أو ضلاله حتى يفعل أو يقول ما يقتضي ذلك، غير متأول فيه تأويلاً مقبولاً على قواعد الشريعة ولا له عليه دليل وإن كان مخطئاً فيه إن كان ميله يقبل منه مثل ذلك الخطأ”.
فصل
[قاعدة مهمة في الاجتهاد والتقليد وتبليغ العلم]
العالمُ المجتهد إذا اجتهد في أمرٍ ظنيٍ فأخطأ فله أجرٌ، لأن أصل الاجتهاد مطلوب منه، لأنه يستحق ذلك.
وأمّا العاميُّ الجاهل الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد، إذا اجتهد فأخطأ فإنه غير معذور ويعاقب على هذا ولا أجرَ لَهُ، لمخالفته أمْرَ الله تعالى له بسؤال أهل الذكر.
عن النعمان بن بشير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه” الحديث.
________________________________________
وعن أبي قرصافة نحوه بلفظ: “نضر الله امرأَ سمع مقالتي وحفظها فرب حامل علم إلى مَنْ هو أعلم منه” وذكر الحديث، وفي رواية أنس “نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ثم ذهب بها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه”، وللحديث طرق بلغت حدّّ التواتر.
فتبليغ العلم له أنواع، ولكل نوع شروط، فلا يحق لأي أحد أن يدَّعي أنه يجوز له نشر العلم.
ولا عذر لأحد في الاغترار بمن يسمَّى دكتور، فهذا ليس فيها دلالة الاجتهاد، بل ربما تكون علامة الجهل والغباء.
فصلٌ
[إشارات تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
يجب على المسلم الاهتمام بكل المنكرات والتنبه إليها، ولا يجوز له أن يقتصر على مسألة واحدة ويهمل غيرها مما هو أهمُّ وأخطر منها، فلا يجوز الاهتمام بزيارة القبور والتوسل والصراخ كذباً بأنهما شرك وبدعة، وترك انتشار الربا والزنا وبيوت الدعارة وانتشار الخمور، وإهمال المحاكم الأهلية التي تحكم بقانون وضعي بدلاً عن القانون السماوي الشرعي فتنفذ أحكاماً لم ينزل الله بها من سلطان، وتعطل إزاء ذلك أحكام الله وتلزم الناس أشياء ما ألزمهم الله ورسوله إياها، وهذا غاية ما يكون من الضلال والخذلان.
أفكان للمتنطع يد في إنكار هذه المحاكم التي وصف الله منفذ أحكامها بالكفر والفسوق والظلم ؟ كلا ثم كلا.
وما له ولهذا الإنكار الذي يكون سبب ذهاب مرتبه وربما يؤول به إلى السجن والحبس، فالمتنطع يتعامى عن هذا الحق كأنه ليس بموجود في البلد و لا يرى أن عليه التبليغ في هذا لأنه يؤدي إلى ذهاب الأموال وربما إلى السجن أيضاً.
ولكنه يبرق ويرعد ويشتم ويسب ويجهل ويسفه إذا ذكر التوسل والزيارة، لأنَّ هذا الكلام فيه مع حفظ المرتب تقبيل اليد من العوام الجالسين حوله والتشييع إلى البيت بكل إجلال واحترام !! فهؤلاء هم الذين يبيعون الدين بثمن قليل !!
فصلٌ
________________________________________
مبحث سماع الموتى، وحياتهم في قبورهم ووصول قراءة القرآن إليهم، وهذه المباحث لو جهلها المسلم طول حياته لما لزمه ضرر في دينه؛ لأنها ليست من المسائل الضرورية في الدين بحيث تجب معرفتها على كل مسلم.
والتوسل له اتصال ما بالعقائد، لكن الكلام فيه من حيث الجواز والحرمة هو مبحث فقهي، وكذا أحكام القبور وزيارتها وقراءة القرآن للموتى.
ولا يصح تنزيل ما جاء في مشتركي العرب وعباد الأصنام على غيرهم ممن آمن وصلى وصام.
فصلٌ
[بيان ناحية مهمة في معنى الشرك في الجاهلية]
مشركو العرب بجميع فرقهم كانوا يتخذون من يدعونه إلهاً من دون الله كما صرح به القرآن، فالتوسل غير الشرك؛ فدعاء المشركين دعاء ألوهية وتعبد، ودعاء المسلمين توسل واستشفاع، وفرقٌ كبير بين مَنْ يقول: يا رب أعطني كذا بحق فلان، وبين من يقول: أعل هبل !! خذلني اللات !!
فصل
[مسألة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وما فيها من تفصيل]
قال علماء الأصول:
خطاب الشارع: إما واردٌ ابتداءً فهو على حاله من عموم أو خصوص.
وإما واردٌ عقب سبب مخصوص كسؤال مثلاً، وهو: إما مستقل أوْ لا ، فإن لم يستقل بالإفادة بحيث لا يحصل الابتداء به فهو تابع للسبب في عمومه و خصوصه، وإن استقل بنفسه بحيث لو وردَ ابتداءً لكان كلاماً مفيداً فهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون أخص من السبب وهذا لا يجوز، إذ يلزم عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ممنوع، إلا إذا أمكنت معرفة المسكوت منه كأن كان في المذكور تنبيه عليه فيجوز حينئذ كما لو سئل الشارع عن حكم مَن أفطر في نهار رمضان فأجاب: مَن جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالظهار، فاقتصاره على الجماع يفيد بطريق المفهوم أن الإفطار بغيره لا كفارة فيه.
الثاني: أن يكون مساوياً للسبب في عمومه أو خصوصه، وهذا واضح.
الثالث: أن يكون أعمَّ من السبب، وهما قسمان:
________________________________________
أحدهما: أن يكون أعم منه في حكم المسؤول عنه وغيره، كما جاء في حديث الترمذي وغيره عن أبي هريرة أن أناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال: “هو الطهور ماؤه، الحل ميتته”.
سألوه عن الوضوء بماء البحر في حالة الضرورة، فأجابهم بجواب عام يشملها وغيرها، وزاد على ذلك حكم ميتته، فهذا القسم يبقى على عمومه بلا خلاف، وإن كان كلام أبي الطيب الطبري وابن بَرْهان يقتضي جريان الخلاف الآتي في القسم الثاني فيه.
ثانيهما: أن يكون أعمَّ من السبب في الحكم الذي وقع السؤال عنه مثلاً كما جاء في حديث الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: “إن الماء الطهور لا ينجسه شيء” وهذا القسم محل خلاف بين العلماء وفيه مذاهب:
1- يجب قصره على صورة السبب فلا يتناول غيرها، نقله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن السمعاني وابن بَرْهان عن الإمام مالك، وقال به من أصحابه أبو الفرج كما حكاه القاضي عبد الوهاب والباجي، وقال به أيضاً أبو ثور والمربي والقفَّال والدَّقَّاق، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي الحسن الأشعري، وحكي عن الشافعي ولم يصح عنه.
2- يجب حمله على العموم وهو مذهب الشافعي والجمهور، وهو الراجح.
3- الوقف، أي لا يحمل على العموم ولا الخصوص حتى يتبين أحدهما بالقرائن والأدلة، حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني في التقريب.
4- التفصيل: وهو أنه إذا كان السبب سؤال سائل فيختص به، وإذا كان السبب وقوع حادثة ورد الخطاب عقبها فلا يختص بها، حكاه عبد العزيز في شرح البزدوي.
________________________________________
5- تفصيل آخر: وهو أنه إن عارض هذا العام الوارد على سبب عام آخر ورد ابتداء بلا سبب فإنه يقصر على سببه، وإن لم يعارضه فالعبرة بعمومه، وصححه الأستاذ أبو منصور، قال الشوكاني: وهذا لا يصلح أن يكون مذهباً مستقلاً فإن هذا العام الوارد ابتداءً من غير سبب إذا صلح للدلالة فهو دليل خارجي يوجب القصر أي قصر العام ذي السبب على سببه، ولا خلاف في ذلك بين ذلك المذاهب كلها أو فكأن هذا تقييد لمحل الخلاف المذكور.
وعلى مذهب الجمهور: الراجح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فمعنى ذلك هنا أن تلك الآيات التي نزلت في مشركي العرب لا تختص بهم؛ لكونها وردت بسببهم، بل تعمُّ كلَّ مَنْ عبد شيئاً من دون الله واتخذه إلهاً، سواء كان هذا المشرك من العرب أم من العجم.
فصل
[الفرق بين الشرك وبين التوسل]
الإشراك في اللغة معناه اعتقاد شريك مع الله في الألوهية وهو كفرٌ بالله تعالى.
وأمّا التوسل فهو التقرب إلى الغير، يقال: توسل إلى فلان بكذا إذا تقرب إليه بشيء، والوسيلة ما يتقرب به ومنه قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة”. والاستغاثة معناه طلب الغوث والنجدة، والدعاء معناه النداء وطلب الإقبال.
فصل
[معنى الإشراك الذي وقع فيه العرب في الجاهلية]
الإشراك الذي حصل من المشركين الذين ذمهم القرآن هو عبادتهم للأنبياء والملائكة والأولياء بناءً على اعتقادهم فيهم أنهم شاركوا الله في الألوهية وأن لهم تأثيراً في الأشياء.
________________________________________
والمشركون كانوا يعبدون آلهتهم ويعتقدون أنها تستطيع أن تقربهم إلى الله، وهذا بنص القرآن، فاعترفوا على أنفسهم بأمرين عظيمين: أنهم يعبدون آلهتهم التي يعتقدون أنها تؤثر في الكون مع الله تعالى، وهذا كفر، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم “لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك”، وقد علم في علم التوحيد أنه لا فعل إلا لله، وأنه من أثبت لغير الله فعلاً كفعله ولو لم يرد الله فإنه كافر بالله تعالى، وإن زعم أنه مؤمن.
فصل
[بيان أهمية الدليل وأن الاعتماد عليه]
المدار في ثبوت الحكم على وجودُ الدليل، فحيث وجد ثبت الحكم سواء عمل به كل الصحابة أو بعضهم، وسواءً عمل به الأئمة المجتهدون أو لا.
ولا يوجد أحدٌ من العلماء اشترط في الدليل أن يعمل به الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان والأئمة المجتهدون، بل صرحوا بأن الدليل متى استوفى الشروط المقررة لقبوله وجبَ الأخذ به.
فصل
[جواز الاستعانة بالملائكة مع عدم رؤيتنا لهم]
روى الطبري بإسناد رجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله”.
في هذا الحديث جواز استغاثة المخلوق والاستعانة به، وذلك لا يكون بالضرورة إلا فيما يقدر عليه ويليق به، أما الاستغاثة المطلقة والإعانة المطلقة فهما مختصان بالله تعالى لا يطلبان إلا منه، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
فصلٌ
[دليل من القرآن على التوسل]
قال الله تعالى: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً”.
فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة، وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل وهو مفقود هنا.
فإن قيل: من أين أتى العموم للآية حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة يحتاج إلى دليل؟
________________________________________
قلنا: من وقوع الفعل في سياق الشرط، والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عامَّاً؛ لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً منكراً، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون للعموم وضعاً.
فإن قيل: طلب الدعاء والشفاعة من الحي معقولٌ، أما من الميت فلا، لأنه قد انقطع عن هذه الدنيا فلا يدري ما يقع فيها!!
قلنا: ليس كذلك، بل ثبت التواتر والإجماع أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وثبت أن نبينا محمد صلى اله عليه وآله وسلم يستغفر لسيئات أعمالنا، كما في حديث عرض الأعمال، بل ثبت لمطلق موتى المؤمنين أنهم يشعرون بمن يسلِّم عليهم ويردون عليه السلام ويستأنسون به ما دام جالساً عندهم إذا كانوا يعرفونه في الدنيا، فكيف يمتنع الدعاء منهم في هذه الحالة بل هو ممكن عقلاً وشرعاً ؟
فصل في
[بيان أصل مهم في معنى الترك
وهل يصح اعتماده دليلاً مستقلاً ؟]
عدم فعل الصحابة لشيءٍ يحتمل أن يكون أمراً اتِّفاقياً، ويحتمل أن يكون ذلك عندهم غير جائز أو يكون جائزاً وغيره أفضل منه فتركوه إلى الأفضل، ويحتمل أن يكون تركوه لئلا يتخذ عادةً متبعة ويترك ما سواه من أنواع الأدعية ويحتمل غير هذه الاحتمالات، والقاعدة أن ما دخلَه الاحتمال سقط به الاستدلال.
ثم إن هذا تركٌ، وهو وحده إن لم يصحبه نصٌّ على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع.
واعلم أن الجمعة لم تتعدد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا في عهد الصحابة وإنما حدث تعددها بعد ذلك بكثير، ومع هذا فليس ذلك دليلاً على تحريم تعدد الجمعة.
ثم لو كان تركُهم طلب الدعاء منه صلى الله عليه وسلم حجةً في منعه، فصحة ذلك ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد عارضه عموم قوله تعالى: “ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم”، فلا يحل ترك العموم الذي هو دليل اتفاقاً، إلى ما ليس بدليل على الصحيح، من عمل الصحابة أو بعضهم.
________________________________________
ومن العجب الاحتجاج بعمل عمر رضي الله عنه حين استسقى بالعباس، وترك عمل عمر وقوله الذي وافقه عليه الصحابة في أن الطلاق الثلاث يقع بكلمة واحدة، واعتبار هذا ليس بحجة، مع أن الاستسقاء بالعباس ليس فيه منع التوسل بالميت، بل ليس هو من هذا الباب على الإطلاق!!
ثم إن بعض الصحابة قد استسقى بالنبي، فقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة قال: أنبأنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي، قالا: أخبرنا أبو عمر ابن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي، ثنا يحيى، أبنائنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن مالك الدار وكان خازن عمر قال:
أصاب الناسَ قحطٌ في زمن عمر رضي الله عنه، فجاء رجلٌ إلى قبر النبي صلى اله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: أئت عمر، فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر رضي الله عنه، ثم قال: يا رب، ما آلو إلا ما عجزت عنه.
إسناد هذا الأثر صحيح، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح وعزاه إلى ابن أبي شيبة من طريق أبي صالح عن مالك الدار باللفظ المذكور، وقال: سنده صحيح.
والرجل هو بلال بن الحرث المزني أحد الصحابة كما رواه سيف في الفتوح، فهذا صحابي فعل ذلك كما تراه، وإن لم تصح رواية سيف فالرجل تابعي جزماً، ثم إن الحجة في إقرار عمر له حيث لم ينهه عما فعل.
وقد صحَّ عن عثمان بن حنيف أنه أمر الرجل الذي كانت له إلى عثمان بن عفان حاجة أن يدعو بهذا الدعاء الآتي، فدعا به فقضيت حاجته، وعثمان بن حنيف صحابي معروف، والرجل الذي دعا إما أن يكون صحابياً أو تابعياً.
________________________________________
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن محمد بن كثير ابن رفاعة قال: جاء رجل إلى عبد الملك بن أبجر، فجس بطنه فقال: بل داء لا يبرأ قال: ما هو ؟ قال: الدبيلة، قال: فتحول الرجل فقال: الله الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، اللهم أني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني بما بي، قال فجس بطنه فقال: قد برئت مما بك من علة.
وقد كان ابن أبجر حافظاً ثقةً، وكان مع ذلك طبيباً ماهراً يداوي الناس مجاناً، وهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
فصلٌ
[بيان معنى كلام منسوب إلى العز بن عبد السلام]
أمّا ما ينسب إلى الإمام العز بن عبد السلام من منع التوسل فهو تحريفٌ، بيانُه كما يلي.
فنص الفتوى للإمام العزِّ كما في الفتاوى الموصلية:
” الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، نسخة أسئلة أجاب عنها الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام بن أبي القاسم بن مهذب السلمي رضي الله عنه وأعاد علينا وعلى الكافة من بركاته.
مسألة: ما يقول وفقه الله تعالى في الداعي يقسم على الله تعالى بعظيم من خلقه في دعائه، كالنبي صلى الله عليه وسلم والولي والملك هل يكره له ذلك أم لا ؟ ثم ذكر عدة أسئلة، ثم قال:
أجاب الشيخ رضي الله عنه: أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بعضَ الناس الدعاء، فقال في أوله: “قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة”، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصوراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به نبينا على علو درجته ومرتبته” انتهى.
________________________________________
هذا كلام عز الدين بحروفه نقلناه من الفتاوى الموصلية، وهكذا نقله أصحاب الخصائص كالحافظ السيوطي والقسطلاني وغيرهما، مستدلين به على أن الإقسام على الله بالنبي صلى الله عليه وسلم من خصوصياته، وهذا غير ما نحن فيه وهو سؤال الله بجاه فلان من غير إقسامٍ عليه، وبين المسألتين بونٌ كبير كما لا يخفى.
فصل
[دليل من السنة التوسل]
أخرج الترمذي وابن ماجة في سننهما، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والطبراني، والحاكم، والبيهقي وغيرهم، عن عثمان بن حنيف:
أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني قال: “إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك” قال: فادعه قال: “فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعوا بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه فيّ”.
قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضرٌّ قط.
وقد يقول قائل: ليس في هذا الحديث جواز التوسل به في مغيبه وبعد مماته، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره.
نقول: هذه مغالطة وقلة إنصاف، فقد تقرر في علم الأصول أن الحديث إذا ورد في جواز شيء أو غيره كان شرعاً ثابتاً مستقِّراً لا يخص بحالة دون أخرى، بل يجب استمراره إلى قيام الساعة، إلا أن يخصصه الشارع بحالة من الأحوال أو ينسخه بالنسبة لبعض الأزمان.
ثم إذا فرضنا أن هذا صائب، فكيف أمر عثمان بن حنيف وهو راوي الحديث ومشاهد لسبب وروده ذلك الرجل الذي كانت له إلى عثمان بن عفان حاجة أن يدعو به؟ أترى عثمان بن حنيف كان أقل فهماً من المعترض ؟!!
فصل
[فائدة عظيمة]
قوله تعالى: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا”.
________________________________________
هذه الآية وإن كانت عامة، فهي بالضرورة العقلية مخصوصة بالعلماء من الأمة، للقطع بأنَّ من ليس له قدرة الاستنباط من الكتاب والسنة إنما سبيله أن يرجع إلى العلماء ويسأله عن حكم الله، وليس له أن يتكلم في شيء من التفسير والأحكام إلا ناقلاً عن العلماء غير متصرفٍ في ذلك، لأنَّه ليس أهلاً للتصرف في نقول العلماء.
هذا لا خلاف بين العلماء فيه، والدليل من القرآن على تخصيص هذه الآية قوله تعالى في السورة نفسها: “أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”.
فصل
[بيان أن نسب الرسول عليه السلام له وجاهةٌ وميزةٌ عن غيره]
روى الطبراني والدارقطني عن جابر أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول للناس حين تزوج ابنة علي رضي الله عنها: ألا تهنوني ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
“ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي”.
قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن ابن سهل وهو ثقة.
وروى الطبراني بإسنادٍ رجاله ثقات -كما قال الحافظ الهيثمي- عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كلُّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي”.
ورواه أحمد والحاكم والبيهقي عن المسور بن محزمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فاطمة مضغة مني ما يقبضني يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري”.
وصحح الحديثَ التاجُ السبكي في أول الطبقات، والحديث يدل دلالة صريحة على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ينفع أهله وأقاربه في الآخرة بالشفاعة.
________________________________________
وحديث الشفاعة الطويل وفيه: “فأستأذن على ربي فإذا رأيتُه وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله ثم يقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه وقل يسمع واشفع تشفع، فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعوذ فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن”، قال قتادة: أي وجب عليه الخلود.
وجاء عن أنس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي”، وهو صحيح، وأحاديث الشفاعة متواترة.
وأما حديث الصحيحين أنه لما نزَلَ عليه “وأنذر عشيرتك الأقربين”، صعد الصفا ونادى بطون قريش، فلما اجتمعوا ناداهم بطناً بطناً فقال: “يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني مرة بن كعب …”، إلى أن قال: “يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئاً”.
فمنطوق هذا الحديث يخالف ما ذكرناه أولاً، وأما مفهومه فيخالفه أحاديث الشفاعة المذكورة ثانياً.
وطريق الجمع بينها من وجوه ثلاثة:
1- هذا يخبر بالحقيقة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك من دون الله شيئاً، وهذا لا ينافي أن يملكه الله نفع أقاربه وجميع أمته.
2- أن يكون هذا الحديث قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه يشفع وينبع بالانتساب إليه دون غيره في يوم القيامة.
3- أن يكون المقصود من هذا الحديث تحذيرهم من الشرك، وأنه لا يملك لهم من الله إذا أشركوا شيئاً.
________________________________________
ويدل لهذا أن أغلب أقاربه كانوا إذ ذاك مشركين، وأنه لم يوجه الخطاب إلى المؤمنين منهم فقط، بل عمهم والمشركين، ولِمَا ثبت في الصحيح في قصة وفاة أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: “أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله”، وفي رواية للمحب الطبري: “أجادل عنك بها”.
فصل
[بيان حال كلام منسوب إلى الإمام الأعظم]
وأما قول أبي حنيفة: أكره أن يقول العبد: أسألك بأنبيائك ورسلك وبمعاقد العزِّ من عرشك وبالبيت الحرام والمشعر الحرام.
فهذه العبارة تدل على الكراهية عنده لا التحريم، والمكروه يجوز فعله مع رجحان تركه، فتكون هذه دليلاً على الجواز للتوسل.
وليست مسلَّمة، بل الذي كرهه أبو حنيفة أن يقول الرجل اللهم إني أسألك بمقعد العز من عرشك-بتقديم العين-، وعن أبي يوسف: لا بأس به، وبأن يقول: بحق فلان وبحق أنبيائك وبحق البيت والمشعر الحرام، لأنه لا حق للخلق على الخالق.
فيعلم من هذا أن المسألة أصلاً ليست في التوسل، بل هي في الإقسام.
فصل
[رد شبهة في نفي مطلق الشعور عن الأموات]
قال تعالى: “والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون”.
هذه الآية واردة في الأصنام والأوثان كما قال قتادة وأهل التفسير.
وقوله تعالى: “أموات غير أحياء” مجازٌ عن كونها جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل.
وقوله تعالى: “وما يشعرون أيان يبعثون” في تفسيره ثلاثة أقوال:
1- المراد به الأصنام، وفيه دليل على أنها تبعث وتجعل فيها الحياة فتبرأ من عابديها، وهذا جائز.
2- المراد به الأصنام على سبيل المجاز، وأن الأصنام لا تدري متى الساعة فكيف يرجى منها نفعٌ.
3- المراد به الكفار، أي لا يشعرون هؤلاء الذين يعبدون الأصنام متى يبعثون.
فصل
[رد شبهة على التوسل]
قال تعالى: “إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين”.
________________________________________
هذه الآية واردة فيمن يعبدُ غير الله تعالى، ولا يجوز الاستدلال بها للرد على المتوسلين إلى الله بخلقه، ثم إن المراد بالآية هو الأصنام لا الموتى من الأنبياء والأولياء والصالحين.
فصل
[بيان تقسيم البدعة وأساسه مع فوائد عظيمة]
قسَّم عز الدين بن عبد السلام في قواعده الكبرى البدعة باعتبار اشتمالها على المصلحة والمفسدة أو خلوها عنها إلى أقسام الحكم الخمسة: الوجوب والندب والحرمة والكراهية والإباحة.
ومثَّل لكل قسمٍ منها، وذكر ما يشهد له من قواعد الشريعة.
وكلامه في ذلك كلام ناقد بصير أحاط خبراً بالقواعد الفقهية وعرف المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها، ومَنْ مثل سلطان العلماء في معرفة ذلك ؟
فجاء تقسيمه للبدعة مؤسَّساً على أساس من الفقه وقواعده متين، ولذا وافقه عليه الإمام النووي والحافظ ابن حجر وجمهور العلماء، وتلقوا كلامه بالقبول ورأوا أن العمل به متعيِّن في النوازل والوقائع التي تحدث مع تطور الزمان وأهله.
حتى جاء صاحب الاعتصام فخرج عن جمهرة العلماء وشذَّ بإنكار هذا التقسيم، فبرهن بهذا الإنكار على أنه بعيد عن معرفة الفقه بعيد عن فهم قواعده المبينة على المصالح والمفاسد، لا يعرف ما فيه مصلحة فيطلب تحصيلها بفعله، ولا يدري ما فيه من مفسدة فيطلب اجتنابها بتركه، ولا ما خلا عنهما فيجوز فعله وتركه على السواء.
وأخيراً برهن على أنه لم يتذوق علم الأصول تذوقاً يمكنه من معرفة وجوه الاستنباط وكيفية استعمالها والتصرف فيها بما يناسب الوقائع، وإن كان له في الأصول كتاب الموافقات فهو كتاب قليلُ الجدوى عديم الفائدة، وإنما هو بارع في النحو، له فيه شرح على ألفية ابن مالك في أربعة مجلدات دلَّ على مقدرته في العربية.
على أنَّا وإن كنا نعلم أن للشاطبي دراية بعلم أصول الفقه على سبيل المشاركة فلا شك في أن سلطان العلماء فيه أمكن وعلمه بقواعده أتم، وقواعده الكبرى خيرُ شاهدٍ على ذلك.
________________________________________
وإني لأعجب من الشاطبي كيف أنكر على سلطان العلماء ذلك التقسيم مع أنه بناه كما قلنا على اعتبار المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع في ترتيب الأحكام على وفقها؛ ولم ينكر على المالكية القول بالاستصلاح الذي لم يعتبره الشارع ولا قَبِله جمهور العلماء، بل أنكروه وأبوا أن يرتبوا عليه أحكاماً كما فعل المالكية لعدم اعتبار الشارع له ؟!
ما القول بهذا مع إنكار ذاك إلا تعصب مذهبي ظاهر، ولا يمكنه أن يتمسك لإنكاره بحديث “كل بدعة ضلالة”؛ لأنَّ البدعة التي هي ضلالة من غير استثناء هي البدعة الاعتقادية كالمعتقدات التي أحدثها المعتزلة والقدرية والمرجئة ونحوهم، على خلاف ما كان يعتقده السلف الصالح، فهذه هي البدعة التي هي ضلالة، لأنها مفسدة لا مصلحة فيها، أما البدعة العملية بمعنى حدوث عمل له تعلق بالعبادة أو غيرها لم يكن في الزمن الأول، فهذا لا بد فيه من التقسيم الذي ذكره عز الدين بن عبد السلام، ولا يتأتى فيه القول بأنه ضلالة على الإطلاق، لأنه من باب الوقائع التي تحدث على ممر الأزمان والأجيال، وكل واقعة لا تخلو عن حكم لله تعالى، إما منصوص عليه أو مستنبط بوجه من وجوه الاستنباط، والشريعة إنما صلحت لكل زمان ومكان وكانت خاتمة الشرائع الإلهية وأكملها بما حوته من قواعد عامة وضوابط كلية، مع ما أتى به علماؤها من قوة الفهم في نصوصها ومعرفة بالقياس والاستصحاب وأنواعها لما غير ذلك مما حضت به شريعتنا الغراء.
ولو اتبعنا طريقة الشاطبي وقياساتها لأدى ذلك إلى تضييق دائرتها الواسعة، وفي ذلك ما لا يخفى، فظهر بهذا البيان الوجيز خطأ إنكار الشاطبي رحمه الله تعالى، وصواب ما ذهب إليه عز الدين بن عبد السلام ووافقه عليه جمهور العلماء كما قلنا.
فصل
[أدلة على مكانة قرابة
النبي صلى الله عليه وسلم]
________________________________________
حديث زيد بين أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يوماً خطيباً فينا بماء يدعى خمَّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال:
“أما بعد أيها الناس إنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله -ورغَّب فيه- وقال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي”، رواه أحمد ومسلم والنسائي من طرق.
ورواه الترمذي ولفظه: “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به له تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي، أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما”. قال الترمذي:هذا حديث حسن غريب.
ورواه الترمذي أيضاً عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: “أيها الناس، أني تركتُ فيكم ما أن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي”، قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وله طرق عن زيد بن ثابت عند أحمد بإسناد جيد كما قال الحافظ الهيثمي، وعن أبي هريرة عند البزار بإسناد ضعيف، وعن عليٍّ عند البزار بإسناد ضعيف أيضاً، وعن أبي سعيد الخدري عن الطبراني في الأوسط بإسناد مختلف فيه، وعن حذيفة بن أسيد عند الطبري بإسناد ضعيف، وعن غيرهم.
ومنها حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
“والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئٍ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي” رواهما أحمد، وإسناد الرواتين جيد. ورواه الترمذي باللفط الثاني وصححه.
ومنها حديث ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي”، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.
________________________________________
ومنها حديث ابن عمر قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اخلفوني في أهل بيتي”، رواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار”، رواه أحمد وابن حبان والحاكم.
وفي صحيح البخاري أيضاً أن أبا بكر قال لعلي رضي الله عنه قال: “ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته”.
وفي صحيح البخاري أيضاً أن أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما: “والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي؛ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه: والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.
وقال الحافظ ابن كثير: فحال الشيخين رضي الله عنهما هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين. اهـ.
فهذه الأحاديث وغيرها مما لم نذكره وهو بالغ حد التواتر، أصرح في المقصود وأوضح في الدلالة على منزلة أهل البيت.
وقد صح أن عمر استسقى بالعباس، وفي ذلك كما قال العلماء إشارة إلى الاستشفاع بآل البيت والتبرك بهم.
فصل
[فائدة حديثية: الفرق بين خرَّج وأخرج]
الفرق بين أخرج وخرَّج في اصطلاح المحدثين أن الأول يستعمل فيمن يسند، واللفظ الثاني فيمن يعزو الحديث إلى مَنْ أسنده، فيقولون: أخرج الطبراني والديلمي حديث كذا، وأخرَّجه ابن حجر أو السيوطي أي عَزَاه إلى من أخرجه، وقد يستعمل بعض المحدثين خرج بمعنى أخرج وهو اصطلاح الحافظ ابن رجب في كتبه، أما استعمال أخرج مكان خرج فلم يستعمله أحد منهم بل هو جهل صريح.
فصل
[بيان دليل للتوسل،
توسل آدم عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم]
________________________________________
عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما اقترف آدم عليه السلام الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي؛ فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه، قال: يا رب، لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، فعرفتُ أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليَّ إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمَّد ما خلقتك، وهو آخر الأنبياء من ذريتك”.
أخرجه الحاكم في المستدرك بإسناده قال: حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد العدل، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر رضي الله عنه وذكره … إلى قوله” ما خلقتك”.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
فكتب الحافظ الذهبي على قوله صحيح ما نعته: قلتُ: بل هو موضوع، وعبد الرحمن واه.
قال الحاكم: وهو أول حديث ذكرته له في هذا الكتاب، قلتُ: رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا، عن إسماعيل بن مسلمة عنه اهـ. بلفظه.
وقد غالى كلٌّ من هذين الحافظين الجليلين، وحكما على الحديث بما لا يسلم، والإنصاف خلاف قولهما معاً.
أمَّا أنه ليس بصحيح فظاهر؛ لأن عبد الرحمن بن زيد ضعيف.
وأما أنه ليس بموضوع، فلوجوه:-
1- عبد الرحمن ليس بكذاب ولامتهم بل ضعيف فقط، والقاعدة عندهم أن الحديث لا يحكم بوضعه بمجرد كونه من رواية ضعيف أو ضعيفين، بل لا بد أن توجد فيه قرائن تدل على الوضع، كنكارة المعنى، أو مخالفة لحديث مجزوم بصحته بحيث لا جمع بينهما، ونحو ذلك.
________________________________________
2- عبد الرحمن روى له الإمام أحمد في المسند، وهذا دليل على أنه لم يصل في الضعف إلى حدٍّ يكون حديثه موضوعاً، لأنَّ أحمد لم يرو في المسند على كبره حديثاً موضوعاً، وإن كان ابن الجوزي قد ذكر في كتاب الموضوعات أحاديث منه ذوات عدد، فقد ردَّ عليه الحافظ وانتدب للدفاع عنه في كتاب “القول المسدَّد”، وقال فيه: لا يوجد فيه حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً، قال: والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهواً، أو ضرب وكتب من تحت الضرب اهـ.
ولكن قد ذكر في القول المسدد شواهد لحديث عبد الرحمن بن عوف بعضها قوى الإسناد، وذكر الحافظ المنذري في الترغيب أن له طرقاً عن جماعة من الصحابة لا يخلو أجودها من مقال.
3- حديث توسل آدم عليه السلام رواه البيهقي في دلائل النبوة، وهو ملتزم أن لا يخرج في كتابه حديثاً يعلم أنه موضوع، كما نص عليه الحافظ السيوطي في كتاب التوحيد من اللآلي المصنوعة رداً على ابن الجوزي، حيث حكم بوضع حديث أورده من طريق ابن شاهين وهو عند البيهقي في الأسماء والصفات.
وقد ذكر البيهقي في مقدمة الدلائل ما يفيد ذلك فقال: ويعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه وجعلت الاعتماد على غيره إلخ ما ذكره. وذكر في باب ما يستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً بعينه ما نصه: وقد شرطت في أول الكتاب أن لا أخرج في هذا الكتاب حديثاً أعمله موضوعاً اهـ، وقد اقتصر البيهقي على تضعيف الحديث.
________________________________________
4- حديث توسل آدم عليه السلام له شاهدٌ يؤيده، فقد أخرج ابن المنذر في تفسيره عن محمد بن علي بن حسين بن علي عليهم السلام قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه واشتد ندمه، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: “يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه، قال بلى يا جبريل، قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده وامدح فليس أحب إلى الله من المدح، قال: فأقول ماذا يا جبريل؟ قال: فقل لا إله إلا الله وحده لا إله لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ثم تبوء بخطيئتك، فتقول:-
“سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إني أسألك بحماه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي”.
قال: ففعل آدم فقال الله يا آدم من عملك هذا، فقال يا رب إنك لما نفخت في الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر، رأيت على ساق عرشك مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، فلما لم أرَ على أثر اسمك ملك مقرب ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك. قال: صدقت، وقد تبتُ عليك وغفرت لك.
________________________________________
وله شاهد آخر، فقد روى ابن الجوزي في كتاب الوفا بفضائل المصطفى من طريق أبي الحسين ابن بشران، حدثنا أبو جعفر محمد بن سنان العوفي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن مسير، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة قال: قال: قلت يا رسول الله متى كنتَ نبياً قال: لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى أسمى فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرَّهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه”.
إسناد هذا الحديث قوي كما قال الحافظ في الفتح وغيره، وهو أقوى شاهد وقفت عليه لحديث عبد الرحمن بن زيد.
وفي الباب ما رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة قال: حدثنا هارون بن يوسف التاجر، ثنا أبو مروان العثماني، حدثني أبو عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك قال الله تعالى وما يدريك ما محمد، قال: يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوباً على عرشك لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك.
فانضمام هذا الأثر إلى حديث عبد الرحمن بن زيد يفيده قوة كما لا يخفي.
________________________________________
أما قوله في الحديث “لولاه يا آدم ما خلقتك”، فقد أخرج الحاكم نفسه شاهداً له عن ابن عباس فقال: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا هارون ابن العباس الهاشمي، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عمرو ابن أوس الأنصاري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى عليه السلام يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمنك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولاه ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن.
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، فكتب عليه الذهبي ما نصه: أظنُّه موضوعاً على سعيد اهـ.
ولا يخفى أن هذا الظن من الذهبي لم يقم عليه دليل فلا اعتداد به، فكيف وقد ورد من طريق آخر عن ابن عباس مرفوعاً، قال الديلمي في مسند الفردوس: أخبرنا أبي، ثنا أبو طالب بن علي بن الحسين، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا عبيد الله بن موسى القرشي، ثنا الفضل بن جعفر بن سليمان، عن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعاً: “أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار”.
وعبد الصمد ضعَّفه العقيلي، وقال: حديثه غير محفوظ.
والمقصود أن حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة توسل آدم عليه السلام ليس بموضوع، ولا تسمح القواعد الحديثية أن تكون موضوعاً للوجوه التي ذكرناها، خلافاً للذهبي رحمه الله تعالى، فإنه تشدد كثيراً كما أن الحاكم تساهل فيه كثيراً، والصواب أن الحديث ضعيف منجبر بحديث ميسرة الفجر، وهو حديث قوي كما سبق آنفاً، وبأثر الباقر وغيره رضي الله عنهم، وبذلك يكون حديث توسل آدم حسناً لغيره، فيحتج به بلا نزاع.
فصل
[بيان مفصل لحديث الأعمى الذي رواه عثمان بن حنيف]
________________________________________
قال الترمذي في أبواب الدعاء من جامعه: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا شعبة، عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف، أنَّ رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: “إن شئتَ دعوتُ وإن شئت صبرت فهو خير لك”، قال: فادعه. قال: “فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في”.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي.
قلت: كذا في نسختي المطبوعة في الهند من جامع الترمذي، ولعل زيادة لفظ “غير” سهو من الترمذي رحمه الله، وإلا فأبو جعفر هو الخطمي كما صرح به ابن أبي خيثمة والطبراني وغيرهما، وسيأتي كلامهم.
ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر بالسند المذكور.
ورواه أيضاً عن محمد بن معمر عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة عن عثمان ابن حنيف.
ورواه أيضاً عن زكريا بن يحيى عن ابن مثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، نحوه.
ورواه ابن ماجه في الصلاة عن أحمد بن منصور بن سيار عن عثمان بن عمر بسنده السابق وقال عقبه: قال أبو اسحق: هذا حديث صحيح.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، ثنا شعبة عن أبي جعفر المديني، سمعتُ عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدِّث عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله: ادع الله أن يعافيني قال: “إن شئت أخَّرتُ ذلك فهو لآخرتك وإن شئت دعوت لك”، قال: لا بل ادع الله لي. فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء، ثم ذكر الدعاء نحو رواية الترمذي، قال ففعل الرجل فبرئ.
________________________________________
ورواه الحاكم من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي.
ورواه أيضاً من طريق عون بن عمارة البصري ومن طريق شبيب بن سعيد الحبطي كلاهما عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين وقل: فذكر الدعاء المتقدم.
قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط.
ثم قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وأقرّه الذهبي أيضاً.
وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه: حدثنا مسلم ابن إبراهيم، ثنا حماد بن سلمة، أنا أبو جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف أن رجلاً أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: “اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري، اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك” فرد عليه الله بصره.
قال ابن أبي خيثمة: أبو جعفر هذا الذي حدث عنه شعبة ثم روى الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر.
وقال البيهقي في دلائل النبوة: ما جاء في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه حين لم يبصر، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة
________________________________________
أخبرنا أبو عبد الله- هو الحاكم- قال: ثنا أبو عباس محمد بن يعقوب، قال: ثنا العباس بن محمد الدوري، وأخبرنا أبو بكر بن الحسن القاضي، ثنا أبو علي حامد بن محمد الهروي، ثنا محمد بن يونس قالا: ثنا عثمان بن عمر شعبة عن أبي جعفر الخطمي، سمعتُ عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أنَّ رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني قال: “فإن شئت أخرت ذلك وهو خير لك وإن شئت دعوت الله”، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم بني الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها لي اللهم شفعه في وشفعني في نفسي”.
هذا لفظ حديث العباس، وزاد محمد بن يونس في روايته قال: فقام وقد أبصر.
ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة قال: ففعل الرجل فبرأ.
وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سهل الدياس بمكة، ثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ، ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي، حدثني أبي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني وهو الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمِّه عثمان بن حنيف، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“ائت الميضأة فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قل: اللهم إني أتوجه بك إلى ولي فيجلي لي عن بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي” قال عثمان: فوالله ما تطرقنا ولا طال الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن فيه ضير قط.
________________________________________
أخبرنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد رحمه الله، أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال، أخبرنا أو عروبة، ثنا العباس بن الفرج، ثنا إسماعيل بن شبيب، ثنا أبي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني، عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف أنَّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة وكان عثمان بن حنيف: أئت الميضأة فتوضأ ثم أئت المسجد فصل ركعتين ثم قل: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي”. واذكر حاجتك ثم رح حتى أروح، فانطلق الرجل وصنع ذلك ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة. فقال: انظر ما كنت لك من حاجة. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيراً، ما كان في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته، فقال له عثمان بن حنيف: ما كلمته ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءه ضرير فشكا غليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم” أو تصبر” فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال: “أئت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي لي عن بصري، اللهم شفعه وفي شفعني في نفسي” قال عثمان: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر.
وقد رواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله أيضاً، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد فذكره بطوله..
________________________________________
وذلك فيما ذكر شيخنا أبو عبد الله الحافظ أن علي بن عيسى بن إبراهيم حدثهم، ثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد السكوني، ثنا يعقوب بن سفيان الفارسي، ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني ،عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عته في حاجة فذكر الحديث.
ورواه أيضاً هشام الدستوائي عن أبي إمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف هذا كلام البهيقي بحروفه.
وقال الطبراني في ترجمة عثمان بن حنيف من معجمه الكبير:
حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري، ثنا أصبع بن الفرج، ثنا إبن وهب يعني عبد الله، عن أبي سعيد المالكي يعني شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الحظمي المدني، عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف، عن عمِّه عثمان بن حنيف أنَّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجةٍ له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف: أئت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي” وتذكر حاجتك، وروح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قاله له، ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك ؟ فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال ما كانت لك من حاجة فاذكرها.
________________________________________
ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلفت إليَّ حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أو تصبر”، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أتت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات” وقال ابن حنيف: فوالله ما تعرفنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأنه لم يكن به ضر قط.
ورواه في المعجم الصغير فيمن اسمه طاهر من شيوخه من هذا الطريق بهذا اللفظ، ثم قال ما نصه: لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يروي عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح اهـ كلام الطبراني.
قال ابن تيمية ما نصه: والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه، ولم يبلغه روايته بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح يبين أنه لم ينفرد به عثمان ابن عمر اهـ بلفظه.
________________________________________
وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ما نصه: الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري قال” أو أدعك” قال يا رسول الله أنه قد شق علي ذهاب بصري. وقال ” فانطلق وتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي. فرجع وقد كشف الله عن بصره. رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. والنسائي واللفظ له، وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم،وليس عند الترمذي ثم صل ركعتين. ورواه الطبراني وذكر في أوله قصة وهي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وذكر القصة بتمامها ثم قال: قال الطبراني بعد ذكر طرفه: والحديث صحيح هذا كلام الحافظ المنذري.
وكذا نقل تصحيح الطبراني ووافقه الحافظ الهيثمي في باب صلاة الحاجة من مجمع الزوائد، ووافق على تصحيح الحديث أيضاً النووي في باب أذكار صلاة الحاجة من كتاب الأذكار، والحافظ في أمالي الأذكار، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى.
وبالجملة فالحديث صحيح بإجماع الحفاظ، لا مطعن فيه ولا مَغْمز.
فصل
[دفع شبهة قد ترد على حديث عثمان بن حنيف]
لا يقترح في هذا الحديث كونه مروياً عن عثمان بن حبيب فقط وهو معجزة والأصل أن تشتهر هذه وتعم حتى يرويها غيره من الصحابة.
لا يقترح هذا، لأنه ليس من شرط المعجزة أن يرويها عدد متواتر، وهذا لا يخفي على من تتبع كتب السنة المطهرة.
فهذا حديث تسبيح الطعام وإخبار الذراع من المعجزات العظيمة بل هما أعظم من رد بصر الأعمى ومع هذا فهي مروية بطريق الآحاد. وهذه المعجزات يحتمل أنها كانت متواترة ثم أستغني عن نقلها على سبيل التواتر الموجود القرآن، وتواتر أصلها.
فصل
________________________________________
[فوائد من حديث عثمان بن حنيف، ودفع إشكالات تورد]
هذا الحديث يدل على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حضوره وغيبته في حياته وبعد موته، وذلك من وجوه:
– هذا الحديث وإن ورد بسبب سؤال الضرير فغيره مثله في ذلك، فخطابات الشارع محمولة على العموم وإن كانت خارجة مخرج الخصوص حتى يقوم الدليل على تخصيصها، ثم إن تعليم النبي له الدعاء مع طلب منه أن يدعو له إشارة إلى أنه تشريع لأمته لا لهذا الرجل فقط. وإن النبي عليه السلام عندما أرشد الرجل إلى الصلاة وهي مشروعة لجميع الناس علمنا أن الدعاء الذي علمه إياه أيضاً كالصلاة. ولو فرضنا أن النبي دعا لهذا الضرير مع أن الحديث لا يدل على هذا فدعاؤه يدل على جواز التوسل في عموم الحالات لما تقرر في الأصول أن فعله يدل على الجواز لا على غيره.
– ولو كان الحديث خاصاً بالرجل أو بحال الحياة دون الممات أو الحضور دون الغيبة لبين ذلك كما بين لأبي بردة أن الجذعة من المعز تجزئه في الأضحية ولا تجزيء أحداً غيره (متفق عليه من حديثه)، ثم إن عدم تبين اختصاص الحديث بما ذكر، لو كان خاصاً، فبه تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهو ممنوع لأنه تكليف بما لا يعلم.
– روى الحديث” عثمان بن حنيف” أعلم به من غيره أرشد الرجل في خلافة عثمان كما ذكر وهذا فيه دليل على عدم التخصيص. وزيادة على ذلك أن نقاد الحديث وحفاظه فهموا من هذا الحديث العموم كما مر، ولو لم يكن عاماً لنبهوا على أنه غير معمول به.
– ابن أبي خيثمة روى الحديث بزيادة في آخره وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم للضرير” فإن كانت حاجة فافعل مثلها”. وتقدمت هذه الرواية بإسنادها الصحيح، وهي دالة على العموم كما لا يخفى. وقد أعل ابن تيمية هذه الزيادة بعلل واهية لا يليق صدورها من عالم بالصناعة الحديثة لا داعي لنقلها والرد عليها هنا لضعفها.
________________________________________
– وأعلم أنه لا يجوز الرد على الحديث بحجة أن فيه إيهاماً للناس بصحة عقائد المشركين من حيث اتخاذ الوسائط، لأنه أصلاً لا يدل على ذلك، وقد مضت إشارة إلى بيان حقيقة معتقد المشركين، ولأن في هذا الكلام اتهام للرسول عليه السلام بإنارة الشبه في صدور أمته وهذا كفر ولا يجوز أن يقال كيف تتوسل بمن هو ميت لا يعلم، لأنه قد أجمع على أن النبي عليه الصلاة والسلام حي في قبره وأنه يعلم أعمال أمته كما سيأتي ذلك.
– ولا تتوهم أن الصحابة قد تركوا التوسل لأنه قد مرَّ نقل ذلك عن بعضهم، وأيضاً ورد عن السيدة عائشة ذلك: فقال الدارمي في سننه: حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا بن عمرو بن مالك النكري، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال:
قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت تنظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الأبل حتى من الشحم فسمي عام الفتق. وورد عن التابعين والعلماء أيضاً ذلك أي التوسل.
فصل
[توسل عمر رضي الله عنه بالعباس
لكونه عم النبي صلى الله عليه وسلم]
إن عمر رضي الله عنه أراد بالتوسل بالعباس رضي الله عنه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في إكرام العباس وإجلاله، وقد جاء هذا عن عمر صريحاً، فروى الزبير بن بكار في الأنساب من طريق داود، عن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى العباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذوه وسيلة إلى الله.
ورواه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن والده به.
وقد أراد عمر بيان جواز التوسل بغير النبي، وهذا ما أشار إليه الحافظ بن حجر في الفتح.
________________________________________
وأعلم أن توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما هو في الحقيقة توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه إنما توسل به لكونه عم النبي صلى الله عليه وسلم ولمكانته منه كما جاء صريحاً في كلام عمر والعباس، أما كلام عمر ففي البخاري عن أنس أن عمر رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن المطلب رضي الله عنه فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فاسقنا، قال فيسقون، هذا لفظ البخاري.
وأصرح منه ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب حيث قال ما نصه: وروى ابن عباس وأنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحط أهل المدينة استسقى بالعباس، قال أبو عمر-يعني نفسه- وكان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجداباً شديداً على عهد عمر زمن الرَّمادة وذلك سنة سبع عشرة فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كان إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، فقال عمر: هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه وسيد بني هاشم، فمشى إليه عمر وشكا إليه ما فيه الناس من القحط ثم صعد المنبر، ومعه العباس، فقال: اللهم إنا توجهنا إليك بعم نبينا وصنو أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال عمر: يا أبا الفضل قم فادع.
وقال أيضاً ما نصه روينا من وجوه عن عمر أنه خرج يستشفع به: فاحفظ فيه لنبيك صلى الله عليه وآله وسلم كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما، ثم ذكر بقية الخبر وفي آخره: فوالله ما برحوا حتى اعتقلوا الجدر وقلصوا المآذر وطفق الناس بالعباس يمسحون أركان ويقولون هنيئاً لك ساقي الحرمين.
________________________________________
وأما كلام العباس نفسه فأخرج الزبير بن بكار في الأنساب بإسناده: أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. ذكره الحافظ في الفتح.
فصل
[قراءة صاحب قبر للقرآن في قبره]
أخرج الترمذي في سننه قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال:
ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءة على قبر وهو لا يحسب أنه قد قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر” هذا حديث غريب من هذا الوجه اهـ كلام الترمذي .
ورواه ابن عدي في الكامل قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحي بن عمرو بن مالك، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس فذكره.
ورواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن عدي فقال: باب ما جاء في الرجل الذي سمع صاحب القبر يقرأ سورة الملك: أخبرنا أبو سعيد الماليني قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، فذكر الإسناد السابق، ثم قال البيهقي بعد ذكر الحديث ما نصه : تفرد به يحيى بن عمرو النكري وهو ضعيف، إلا أن لمعناه شاهداً عن عبد الله بن مسعود قال : توفي رجل أتى من جوانب قبره فجعلت سورة من القران تجادل عنه حتى منعته قال: فنظرت أنا ومسروق فإذا هي تبارك اهـ. وهذا وإن كان موقوفاً فله حكم المرفوع.
________________________________________
وقد روي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أن سورة من القران ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك ” قال الترمذي: هذا الحديث حسن.
وقال الحافظ ابن عبد البر :صحَّ عن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن سورة ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك . اهـ .
إذا تقرر هذا فاعلم أن حديث ابن عباس ليس بموضوع أصلاً، وإنما هو ضعيف ضعفاً قريباً .
فصل
[دليل آخر على حصول القراءة من الميت في قبره]
يؤيد حصول القراءة من الميت في القبر ما رواه ابن منده وأبو أحمد الحاكم في الكنى بسند ضعيف -كما قال الحافظ السيوطي- عن طلحة ابن عبيد الله قال:
أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: “ذلك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانها الذي كانت فيه “… وروى ابن جرير في تهذيب الآثار وأبو نعيم عن إبراهيم بن الصحة المهلبي قال: حدثني الذين كانوا يمرون بالحصن بالأسحار قالوا: كنا إذا أمررنا بجنبات قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القران.
وأخرج أبو نعيم عن جبير قال: أنا والله الذي لا إله هو أدخلت ثابتاً البناني لحده ومعي حميد الطويل، فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنة فإذا أنا به يصلي في قبره، وكان يقول في دعائه: اللهم إن كنت أعطيت أحداً من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها فما كان الله ليرد دعاءه.
________________________________________
وأخرج ابن منده قال أخبرنا أحمد بن محمد السلمي، أنبأنا أبو أحمد يوسف الخفاف، أنا القاضي أبو أحمد، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد الأشعري، سمعت سلمة بن شيب قال: سمعت أبا أحمد الحفار وكان ثقة ورعاً قال: دخلت يوم الجمعة المقبرة نصف النهار فما مررتُ بقبر إلا سمعت منه قراءة القرآن.
قال الحافظ زين الدين ابن رجب في كتاب القبور:
قد يكرم الله بعض أهل البرزخ بأعمال صالحة في البرزخ وإن لم يحصل له بذلك ثواب؛ لانقطاع عمله بالموت، لكنه إنما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله وطاعته كما تنعم بذلك الملائكة وأهل الجنة في الجنة وإن لم يكن على ذلك ثواب، لأن نفس الذكر والطاعة أعظم نعيماً عند أهلها من جميع النعم في الدنيا، فما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله وطاعته.
وروى أبو الحسن بن البراء في كتاب الروضة عن عبد الله بن محمد بن منصور، حدثني إبراهيم الحفار قال: حفرت قبراً فبدت لبنة فشممت رائحة المسك حين انفتحت اللبنة فإذا الشيخ جالس في قبره يقرأ القرآن.
قال ابن رجب: وحدثني المحدث أبو الحجاج يوسف بن محمد السريري، ثنا شيخنا أبو الحسن على بن الحسين السامري خطيب سامرا وكان رجلاً صالحاً وأراني موضعاً من قبور سامرا فقال: هذا الموضع لا نزال نسمع منه سورة تبارك الملك.
وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بسنده عن عيسى بن محمد الطوماري قال: أريت أبا بكر بن مجاهد المقري في النوم كأنه يقرأ وكأني أقول له: أنت ميِّتٌ وتقرأ، فكأنه يقول لي: كنت أدعو الله في دبر كل صلاة وعند ختم القرآن أن يجعلني ممن يقرأ فيه.
________________________________________
وأخرجه ابن البراء في الروضة من طريق حفص بن عمر العدني وفيه ضعف أيضاً عن الحكم بن أربان. وروى الحافظ أبو العلاء الهمداني في النوم بعد موته وهو في مدينة جدرانها وحيطانها كلها كتب، فسئل عن ذلك فقال: سألت الله تعالى أن يشغلني بالعلم كما كنت أشتغل به، فأنا أشتغل بالعلم في قبري، انتهى كلام الحافظ ابن رجب ونقله الحافظ السيوطي في شرح الصدور.
فصل
[السؤال بحق السائلين، دليل على التوسل]
أخرج ابن ماجة في سننه قال:
حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية -يعني العوفي-، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسَّألك أن تعيذني من النار وتغفر لي ذنوبي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك”.
ورواه أحمد عن يزيد بن هارون، والطبراني في الدعاء عن بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، وابن خزيمة في كتاب التوحيد من طريق محمد بن فضيل بن غزوان، ومن طريق أبي خالد الأحمر، وأبو نعيم الأصبهاني من طريق أبي نعيم الكوفي، خمستهم عن فضيل بن مرزوق به، فزال ما يخشى من ضعف الفضل بن الموفق بمتابعة هؤلاء له. ولم يبق إلا النظر في حال فضيل وشيخه فأما فضيل فثقة كما قال ابن عيينة وابن معين وغيرها وروى له مسلم والأربعة، وأكبر ما عيب به تشيعه وليس ذلك بعائبه على ما تقرر في هذا الشأن.
وأما عطية فقد ضعفه أحمد وتكلم فيه هشيم، لكن قال أبو حاتم: ومع ضعفه يكتب حديثه، وقال ابن معين: صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار: ضعف عطية إنما جاء من قبل تشيعه وقبل تدليسه، وإلا فهو صدوق اهـ.
________________________________________
والذي يتحصل في عطية أن حديثه يكون حسناً إذا سلم من تدليسه، وهذا الحديث كذلك.
وقد حسنه ثلاثة من كبار الحفاظ أولهم الحافظ أبو الحسن المقدسي نقله تلميذه المنذري في كتابه، وثانيهم الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء، وثالثهم شيخ الإسلام ابن حجر في أمالي الأذكار، نقله ابن علان في شرح الأذكار.
ولا يخفى أن الموقوف في هذا الباب له حكم المرفوع.
وله طريق آخر ضعيف نذكره استئناساً وتتميماً للفائدة قال ابن السني في عمل اليوم والليلة: حدثنا ابن منيع، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا علي بن ثابت الجزري، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الصلاة قال: “بسم الله آمنتُ بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا فإني لم أخرجه أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك، أسألك أن تعيذني من النار وتدخلني الجنة” الوازع بن نافع ضعيف.
فصل
[فائدة في غاية الأهمية، وفيه كلام للعلامة الكوثري]
هذا الحديث يدل على التوسل، فمعنى التوسل بالأولياء الذي نقول به هو سؤال الله بحقهم عليه وجاههم عنده وكرامتهم لديه، وذلك في التحقيق يرجع إلى التوسل بحب الله وإكرامه لهم، وهذا يستوي فيه الولي الحي والميت، لأن الله يحب أولياءه ويكرمهم جميعاً بل الولي الميت أولى لأنه في دار الكرامة والجزاء.
قال العلامة محمد زاهد الكوثري:-
________________________________________
وفي الحديث التوسل بعامة المسلمين وخاصتهم، وإدخال الباء في أحد مفعولي السؤال إنما هو في السؤال الاستعلامي كقوله تعالى: (فاسأل به خبيراً، سأل سائل بعذاب واقع)، وأما السؤال الاستعطافي لا تدخل الباء فيه أصلاً إلا على المتوسل به، فدونك الأدعية المأثورة، فتصور إدخالها هنا في المفعول الثاني إخراج للكلام عن سننه بهوى وصيحة باطل تمجها الأسماع، وليس معنى الحق الإجابة، بل ما يستحقه السائلون المتضرعون فضلاً من الله سبحانه وتعالى، فيكون عد “بحق السائلين” سؤالاً لهذا الداعي هذياناً محضاً، ولا سيما عند ملاحظة ما عطف عليه في الحديث، وأما زعم أنه ليس في سياق الحديث ما يصح أن يكون سؤالاً غير ذلك فمما يثير الضحك الشديد والهزء المديد، فأين ذهب من هذا الزاعم “أن تعيذني من النار” وكم يكرر الفعل للتوكيد، فالسؤال في الفعل الأخير هو السؤال في الفعلين المتقدمين، بل لو لك تكن تلك الأفعال من باب التوكيد لدخلت في باب التنازع، فيكون هذا القيد معتبراً في الجميع على كل تقدير.
وأما من يحاول ردّ التوسل بتصور دخوله في الحلف بغير الله، فإنما حاول الرد على المصطفى صلوات الله عليه لأنه هو الذي علم صيغ التوسل، وفيها التوسل بالأشخاص، وأين التوسل من الحلف اهـ.
فصل
[بلوغ السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في قبره،
وهو بيان لحديث العرض]
خرج البزار في مسنده قال:
ثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام” قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله، وما رأيت من شرٍّ استغفرت الله لكم”.
قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد.
________________________________________
قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من طرح التثريب في شرح التقريب: إسناده جيد.
وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد والمحدث القسطلاني في شرح البخاري: رجال إسناده رجال الصحيح.
وقال السيوطي في كتاب المعجزات والخصائص: إسناده صحيح، وكذا قال الملا علي القاري والشهاب الخفاجي في أول شرحيهما على الشفاء.
وروى الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن عَدِيّ في الكامل من طريق خراش عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا متّ كانت وفاتي خيراً لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمدت الله وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم”.
قال الحافظ العراقي في المغني: إسناده ضعيف لضعف خراش اهـ.
قلتُ: لكن له طريق آخر، قال الحافظ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم اليوناتي الأصبهاني في معجمه: سمعت الشريف واضح بن أبي تمام الزينبي يقول: سمعت أبا علي بن تومة يقول: اجتمع قوم من الغرباء عند أبي حفص ابن شاهين فسألوه أن يحدثهم أعلى حديث عنده، فقال لأحدثنكم حديثاً من عوالي ما عندي: ثنا عبد الله بن محمد البغوي، ثنا شيبان بن فروج الأيلي، ثنا نافع أبو هرمز السجستاني، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “حياتي خير لكم” الحديث.
وخرجه ابن النجار في تاريخ بغداد عن معمر بن محمد الأصبهاني عن الحافظ أبي نصر اليونارتي به.
وهذا إسناده ضعيف أيضاً، لاتفاقهم على ضعف أبي هرمز.
وعن أنس حديث آخر أخرجه أبو نعيم في الحلية قال: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي، ثنا محمد بن مصفى، ثنا بقية، ثنا عباد بن كثير، عن عمران -وهو القصير-، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أعمال أمتي تعرض علي كل يوم جمعة واشتد غضب الله على الزناة”.
________________________________________
وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده قال: ثنا الحسن بن قتيبة، ثنا جسر بن فرقد، عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض عليَّ أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله وما كان من سيء استغفرت الله لكم”.
إسناده ضعيف؛ لضعف الحسن بن قتيبة، لكن خرَّجه إسماعيل القاضي المالكي من طريق آخر فقال: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني به مرفوعاً وهذا إسناد صحيح، صححه الحافظ ابن الهادي مع تعنته.
وقال أيضاً: ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن كثير أبي الفضل، عن بكر بن عبد الله به مرفوعاً، وهذا إسناد صحيح أيضاً. وله شواهد أخرى.
وبالجملة فالحديث صحيح لا مطعن فيه، وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيء وقبيح، وإذا كان كذلك فيجوز لنا أن نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه؛ لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا، وهو الشفيع المشفَّع صلى الله عليه وسلم.
وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى اله عليه وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم.
فصل
[كلام عن حديثي العرض والحوض]
روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:-
بينما أنا أسقي الناس على حوضي يؤتى بأناس من أمتي يريدون أن يشربوا فيحال بيني وبينهم ويؤخذ بهم إلى جهة النار؛ فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ارتدوا على أدبارهم بعد ما فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح يعني عيسى عليه السلام “وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم” إلى “العزيز الحكيم”.
هذا الحديث لا يتعارض مع حديث عرض الأعمال لإمكان الجمع بينهما بأن يقال:-
– خبر العرض على الإجمال، وخبر (لا تدري) على سبيل التفصيل فهو يعلم إجمالاً ولا يعلم تفصيلاً.
________________________________________
– حديث العرض، وفيه أنه يعلم نفس الأعمال وأنها خير أو شر وأنها منسوبة إلى أمته، ولا يلزم أن يعرف أصحاب العمل الصالح بالتعيين، والفاسد كذلك.
تنبيه
اختلف العلماء في الرجال الذين يذادون عن الحوض اختلافاً كبيراً، وأنا أنقل كلام الحافظ ابن حجر ملخصاً، وفيه إشارة إلى صحة حديث عرض الأعمال وكونه أمراً ثباتاً متقرراً.
قال في الفتح في شرح حديث ابن عباس الذي فيه: “وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقول الله إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً إلى قوله الحكيم” قال: “فيقال أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم” ما ملخصه:-
وقع في ترجمة مريم قال الفربري ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم، يعني وماتوا على الكفر، وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحدٌ وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب، وقال غيره: قيل هو على ظاهره من الكفر والمراد بأمتي أمة الدعوة ورجح بقوله في حديث أبي هريرة فأقول بعداً لهم وسحقاً، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تعرض عليه، ويرد هذا قوله في حديث أنس وأبي هريرة حتى إذا عرفتهم، وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين أو من مرتكبي الكبائر، وقيل هم من جفاة الأعراب دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة، وقال النووي: قيل هم المنافقون والمرتدون.
وراجع بقية كلامه في شرح الحديث في باب الحشر من كتاب الرقاق.
والذي أرجحه واعتمد عليه أن المراد بالحديث الرجال الذين قاتلوا علياً وأهل البيت وناصبوهم العداوة، ومن جمع طرق الحديث وألفاظه وتأملها بإمعان ظهر له ذلك ظهور الشمس في كبد السماء والله أعلم.
وهناك إشكال في حديث الحوض بيانه كما يلي:
ظاهرُ الحديث يفيد أن بعض الصحابة يُطردون، فكيف وهم عدول.
________________________________________
فإن قيل: المطرود منهم هو المرتد، فقد قال الخطابي كما تقدم: لم يرتد منهم أحد، وإن قيل المنافقون، فالنفاق كان على عهد النبي والحديث يدل على أنهم أحدثوا أمراً بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن قيل: الذين حاربوا علياً، فكثير من العلماء لا يرضون بذلك لاعتبارهم إياهم مجتهدين مخطئين، وإن قيل المراد أمة الدعوة والعصاة من أمة الإجابة فمعارض بالحديث لأنه يصرح بأنهم أصحابه يعرفهم ويعرفونه.
ثم كيف يتبرأ من أصحابه فيقول: سحقاً سحقاً وهو صلى الله عليه وسلم لا يتبرأ من عصاة أمته بل يشفع لهم.
فالحديث مشكل جداً، ولذا نقل الأُبِّي عن الإمام مالك أنه ندم على روايته في الموطأ وقال: ليتني لم أروه. وهذا الحديث يقتضي ألا نترضى على جميع الصحابة، بل عمَّن لا يذاد عن الحوض منهم.
فالحاصل أن الحديث مشكل المعنى، متروك الظاهر لما يلزم عليه من المفاسد المذكورة، وأما حديث عرض الأعمال فمحكم واضح.
فصل
[أدلة أخرى على التوسل]
روى الطبراني في معجميه الكبير والأوسط قال: حدثنا أحمد بن حماد بن زعبة، ثنا روح بن صلاح، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
لما ماتت فاطمة بين أسد أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال: “رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني وتمنعين نفسك طيباً وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة”.
________________________________________
ثم أمر أن تغتسل ثلاثاً ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور وضعه صلى الله عليه وسلم بيده ثم خلع رسول الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه، وكفها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه قال: “إن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين”
وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهما.
قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح غير روح بن صلاح، وقد وثقه ابن حبان والحاكم وفيه أضعف اهـ.
والحاصل أن الحديث على القول بضعفه أحسن من كثير من الأحاديث التي يحتج بها الأئمة في الأحكام.
وأما قولهم الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام فليس على إطلاقه كما يفهم كثيرٌ من الناس، لأنك إذا نظرت في الأحاديث التي أخذ بها الأئمة مجتمعين ومنفردين وجدت فيها من الضعيف ما يبلغ نصفها أو يزيد.
________________________________________
ومنها ما رواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء “اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من اتبع، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت المالك لا شريك لك، والفرد لا يهلك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر وتعصى فتغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حلت دون الثغور، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما حللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك أن تقبلني في هذه الغداة أو في هذه العيشة أن تجيرني من النار بقدرتك”.
قال الحافظ الهيثمي: في سنده فضال بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه اهـ.
ولكن للحديث شاهد قوي وهو حديث: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، فإنه حسن كما رأيت.
ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت يهود خبير تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاودت اليهود بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فأنزل الله “وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا” يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد، إلى قوله: “فلعنة الله على الكافرين”.
________________________________________
هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الملك بن هارون، لكن للأثر طرق، فأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون الله ويدعون على الذين كفروا يقولون “يريد محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يشكوا فيه كفروا به”.
وأخرج أيضاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان يهود المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون عليهم ويستنصرون يدعون عليهم باسم نبي الله، فيقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا إنك باعثه في آخر الزمان.
ووجه الدلالة عن هذا الأثر ظاهر، فإن الله تعالى أقرهم على توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يذمهم عليه وإنما ذمهم على جحودهم وكفرهم به.
ومنها ما رواه الطبراني عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستفتح بصعاليك المسلمين.
قال الحافظ المنذري: رواته رواة الصحيح وهو مرسل اهـ.
فصل
[التمائم والتولة والرقية]
صح عن النبي النهي عن الرقى والتمائم، فعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ علَّق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعه فلا أودع الله له” رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وصححه الحاكم.
وعنه أيضاً أنه جاء في ركب عشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايع تسعة وأمسك عن رجل منهم فقالوا: ما شأنه ؟! فقال: “إن في عضده تميمة”، فقطع الرجل التميمة فبايعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: “مَنْ علَّق فقد أشرك”، رواه أحمد الطبراني والحاكم ورجال أحمد ثقات.
________________________________________
ودخل ابن مسعود على امرأته وفي عنقها شيء معقود فجذبه فقطعه ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الرقى والتمائم والتولة شرك”، قالوا يا أبا عبد الرحمن: هذه الرقى والتماتم قد عرفناهما، فما التولة ؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن، صححه ابن حبان والحاكم.
والرقي جمع رقي، وهي معروفة. والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس، وتولة هي من السحر كما مر بيانها في كلام ابن مسعود. وإنما كانت هذه الأشياء من الشرك لأن أهل الجاهلية أرادوا بها جلب المنافع ودفع المضار من عند غير الله.
قال الحافظ:- و لا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه، فقد بيَّنا في الأحاديث استعمال ذلك، وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية ؟ فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله. قلت: أيرقى أهل الكتاب المسلمين، قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله اهـ.
قال الإمام أبو سلمان الخطابي: المنهي عنه من الرقى ما كان بغير لسان العرب، فلا يدري ما هو، ولعله قد يدخله سحر أو كفر، فأما إذا كان مفهوم المعنى وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به اهـ.
وقال ابن التين في شرح البخاري: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني،إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى فلما عز هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسماني، وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعى تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم. اهـ.
وقال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك.
________________________________________
الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه، فيجوز، فإن كان مأثوراً فيستحب.
الثالث: ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى اهـ.
ونقل الحافظ إجماع العلماء على جواز الرقى بشروط ثلاثة الأول أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، الثاني أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، الثالث أن يعتقد أن الرقي لا تؤثر بذاتها بل بقدرة الله تعالى اهـ.
وقد ورد الإذن في كل رقية نافعة ليس فيها شرك ولا ما يؤدي إليه، ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال: “اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك”.
فصل
[سماع الموتى]
اختلف العلماء في سماع الموتى:
فذهب جماعة من أهل العلم وهم الأكثرون كما قال الحافظ ابن عبد البر إلى إثبات سماعهم في الجملة، وهو اختيار ابن جرير الطبري وابن قتيبة وغيرهما، ثم اختلف هؤلاء؛ فذهب قتادة إلى أن الميت يسمع القول بعد إعادة الروح إلى جسده، قال في حديث أهل القليب: أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة، رواه البخاري بعد حديث القليب، وصرح بذلك طوائف من السلف وغيرهم في سؤال القبر، فقالوا: لا يسأل إلا بعد إعادة الروح إليه.
وذهب ابن حزم وطائفة إلى أن السؤال للروح خاصة وكذلك سماع الخطاب، وأنكروا أن تعاد الروح للجسد في القبر لعذاب أو غيره، ورجح هذا القول ابن عقيل وابن الجوزي من الحنابلة في بعض تصانيفها.
وذهبت عائشة إلى نفي السماع إطلاقاً ووافقها جماعة من العلماء، ورجَّحه القاضي أبو يعلى من الحنابلة في كتاب الجامع الكبير له.
________________________________________
فالأقوال ثلاثة؛ استدل أهل القول الأول بأحاديث منها حديث القليب وهو ثابت في الصحيحين من وجوه متعددة عن أبي طلحة وعمر وابنه عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فألقوا في طوى من أطواء بدر، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماهم بأسمائهم: “يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة يا فلان بن فلان أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، إني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً”، فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها، فقال عليه الصلاة والسلام: “والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون”.
هكذا رواه الشيخان من حديث ابن عمر، والبخاري من حديث أنس عن أبي طلحة ومسلم من حديث أنس عن عمر. ورواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح، ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه، وفيه: قالوا يا رسول الله وهل يسمعون، قال: “يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون”.
ومنها ما رواه البزار وصححه ابن جبان من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولو مدبرين”، وقال البخاري في صحيحه: باب الميت يسمع خفق النعال، ثم روى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه” الحديث. ورواه مسلمٌ أيضاً.
ومنها ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته من السلام على أهل القبور ومخاطبتهم بلفظ السلام عليكم دار قوم مؤمنين.
وقد توارت الآثار بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به.
________________________________________
وروى الحافظ ابن عبد البر من طريق الربيع بن سليمان المؤذن- صاحب الشافعي- عن بشر ابن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام”.
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: صحيح، ووافقه الحافظ ابن رجب لكنه أعل الحديث بالنكارة.
ومنها ما رواه أبو الشيخ ابن حيان عن عبيد بن أبي مرزوق قال كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد، فماتت، فلم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فمر على قبرها فقال” ما هذا القبر” قالوا: قبر أم محجن قال: “التي كانت تقم المسجد”، قالوا: نعم، فصف الناس فصلى عليها ثم قال: “أي العمل وجدت أفضل ؟” قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ قال: “ما أنتم بأسمع منها” فذكر أنها أجابته “قم المسجد”، وهذا مرسل وأصل الحديث في الصحيحين.
ومنها حديث تلقين الميت بعد دفنه، رواه الطبراني وغيره عن أبي أمامه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات أحد من أخوانكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس القبر ثم ليقل يا فلان بن فلانة يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعداً ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يقول أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول انطلق بنا ما يقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجهما دونه. قال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه. قال ينسبه إلى حواء : يا فلان ابن حواء”.
هذا حديث ضعيف لكن جرى عليه عمل الناس، وتلقته الأمة بالقبول.
________________________________________
وأما الذين قالوا إن السؤال والسماع للروح خاصة، فاستدلوا بأن الروح لو عادت إلى البدن، لزم أن يحيى الإنسان ثلاث مرات ويموت ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما حياتان وموتتان.
ولكن هذا ضعيف جداً فإن حياة الروح ليست تامة مستقلة كحياة الدنيا كالحياة الآخرة بعد البعث، بل فيها نوع اتصال بالبدر بحيث يحصل شعور البدن، وليس ذلك حياة تامة حتى يكون الانفصال موتاً تاماً
وأما الذين قالوا: إن الميت لا يسمع أصلاً فاستدلوا بقوله تعالى: “إنك لا تسمع الموتى” وبقوله تعالى: “وما أنت بمسمع من في القبور”.
والجواب: إن المراد لأن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه ويراد به الانتفاع له الاستجابة له، والمراد نفي الثاني.
وقال في الإجابة عن حديث القليب: إن سماع الموتى وقع فيه معجزة على سبيل الخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن ابن عمر وهم في لفظ السماع، قالت عائشة: ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنهم ليسمعون الآن ما أقول” وقد وهم- تعني ابن عمر- إنما قال إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم أنه حق”.
والجواب: إن القول بأنها خصوصية يحتاج إلى دليل: وهو مفقود. ولو سلمت هنا لم تسلم في حديث خفق الفعال وغيره مما مر. ثم إن ابن عمر مثبت وعائشة نافية وهو مقدم لزيادة العلم عنده. وأيضاً عائشة استندت إلى فهمها وهو إلى رواية، ورواية الثقة لا ترد بمثل ذلك. ثم إن جاز العلم للميت جاز السمع له ولا فرق. ثم إن ابن عمر لم ينفر بهذه الرواية بل رواها غيره كما نقدم.
قال الحافظ: ومن الغريب أنه في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: “ما أنتم بأسمع لما أقول منهم “، وأخرجه أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظاً فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة اهـ.
فصل
[الأنبياء أحياء في قبورهم، وفيه فوائد عظيمة]
________________________________________
قال السيد عبد اله بن الصديق: وأنا أذكر هنا خلاصة وجيزة جامعة كتبها شقيقنا الحافظ المجتهد السيد أحمد محمد الصديق الغماري، قال حفظه الله:-
الأنبياء أحياء في قبورهم، وأجسادهم لا تبلى، الإجماع منعقد على هذا كما حكاه غير واحد منهم ابن حزم والسخاوي في المقاصد الحسنة وغيرهما للنصوص الصحيحة الصريحة والدلائل الكثيرة القاطعة، فمن أفتى بفناء أجسادهم فقد خرق الإجماع، وكذب بما صح عن الله ورسوله.
فقد ذكر الله تعالى في غير آية أن الشهداء أحياء في قبورهم، وأجمع المسلمون على أن الأنبياء أرفع درجة من الشهداء.
وصح عن النبي بطريق التواتر أن الأنبياء أحياء في قبورهم وأن أجسادهم لا تبلى، ونص على التواتر الكتاني والسيوطي في إتحاف الأذكياء بحياة الأنبياء.
وقد نص الإمام القرطبي على أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال، فموت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم.
ويحقق ما ذكره هؤلاء الأئمة من تواتر الأحاديث الدالة على حياة الأنبياء أن حديث عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وآله وسلم واستغفار لأمته ورد من عشرين طريقاً، وحديث “إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء” ورد من طرق كثيرة جمعها الحافظ المنذري في جزء مخصوص ذكره في اختصار لسنن أبي داود، وحديث الإسراء وإخباره صلى الله عليه وسلم فيه أنه رأى الأنبياء يصلون وغير ذلك مما هو صريح في حياتهم ورد من طرق وأربعين صحابياً، ذكرهم الكتاني.
________________________________________
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في مسنده وابن أبي عاصم في الصلاة له وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم والطبراني في معجمه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم والبيهقي في حياة الأنبياء وشعب الإيمان وغيرهما من تصانيفه من طريق حسين ابن علي الجعطي، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن ابن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي”.
قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت، يقولون بليت، فقال: “إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء”.
رجاله كلهم ثقات، وأبو الأشعث الصنعاني اسمه شراحبيل ابن آدة من رجال مسلم وثقة العجمي وذكره ابن جبان في الثقات، وعبد الرحمن بن جابر من رجال البخاري ومسلم، وثقة ابن معين والعجلي وابن سعد والنسائي ويعقوب بن سفيان وأبو داود وجماعة والحسين بن علي الجعفي من رحال الشيخين ثقة باتفاق، وكان عثمان بن أبي شيبة يقول: بخ بخ ثقة صدوق وبه تم الإسناد فإنه شيخ جماعة ممن أخرجوا الحديث.
وللحديث طريق آخر أخرجه ابن ماجة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: “أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة وإن أحداً لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها، قال: قلت وبعد الموت قال وبعد الموت إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله حي يرزق”.
قال السخاوي في “القول البديع” إسناده جيد، وكذا قال السمهوري في وفاء الوفاء.
وقال السخاوي في “القول البديع” رجاله ثقات لكنه منقطع اهـ. ولا يضر انقطاعه لأن الحديث الأول الصحيح شاهد له.
________________________________________
وللحديث طريق ثالث مرسل عن ابن شهاب ولفظه: “أكثروا علي من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر فإنهما يؤديان عنكم وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وكل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب” أخرجه النميري كما ذكره السخاوي في القول البديع.
وله طريق رابع أخرجه ابن ماجة من حديث شداد بن أوس بلفظ حديث أوس بن أوس المتقدم، فالحديث مع صحة إسناده وثقة رجاله وكونهم على شرط البخاري ومسلم ووجود هذه الطرق العاضدة له، لا يرتاب في صحته إلا جاهل أو متعصب معاند.
ثم إن للمسألة أدلة أخرى:
منها ما رواه أبو يعلى قال: حدثنا أبو الجهم الأزرق بن علي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا المستلم بن سعيد، عن الحجاج بن الأسود، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الأنبياء في قبورهم يصلون”.
ثابت هو البناني: لا يسأل عن جلالته وإمامته ثقة باتفاق.
والحجاج بن الأسود قال الحافظ في اللسان: قال أحمد: ثقة رجل صالح، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات.
والمستلم بن سعيد من رجال الأربعة، قال أحمد: شيخ ثقة من أهل واسط قليل الحديث، وقال ابن معين: صويلح، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات.
ويحيى بن بكير ثقة من رجال الشيخين وثقة ابن معين والعجلي وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حيان في الثقات.
وأبو الجهم روى له البخاري في الأدب المفرد والحاكم في صحيحه وذكره ابن حبان في الثقات.
فهذا حال رجال الإسناد كلهم ثقات، فهو صحيح على رأي ابن حبان والحاكم وأمثالهما، حسنٌ على رأي البخاري وأمثاله.
ثم له طرق أخرى غير هذا الطريق أخرجها البيهقي في حياة الأنبياء وبهذا يرتفع إلى درجة الصحيح المتفق عليه، وهو قاطع صريح.
ومنها حديث “مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره” أخرجه مسلم.
________________________________________
وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء واجتماعه بهم كما تقدم وأنها متواترة وورد من ثلاثة طرق عند عبد الرزاق والطبراني.
وحديث: “إن المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه وإذا مات لم يدور في قبره”. وورد من ثلاثة طرق أيضاً من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود أن حامل العامل به لا تأكل الأرض لحمه” أخرج جميعها ابن منده.
وإذا ثبت هذا فكيف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام اهـ.
قال السيد عبد الله: قد بقيت أحاديث وآثار، منها ما رواه أبو داود والنسائي والبيهقي في حياة الأنبياء وابن نفيل في جزئه المعروف من طريق عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم” رجاله ثقات.
ومنها ما رواه عبد الرزاق عن مجاهد عن أبي طلحة قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته مسروراً فقلت: يا رسول الله ما أدري متى رأيتك أحسن بشراً وأطيب نفساً من اليوم ؟ قال: “وما يمنعني وجبريل خرج من عندي الساعة فبشرني أن لكل عبد صلى عليّ صالة يكتب له بها عشر حسنات ويمحى عنه عشر سيئات ويرفع له بها عشر درجات وتعرض على كما قالها ويرد عليه بمثل ما دعا”.
ومنها ما رواه البيهقي في حياة الأنبياء من طريق أبي رافع عن سعيد المقبري عن أبي مسعود الانصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أكثروا الصلاة علي في يوم الجمعة فإنه ليس يصلي علي أحد يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته.” حديث ضعيف .
ومنها ما رواه البيهقي أيضاً من طريق حماد بن سلمة عن برد بن سنان عن مكحول الشامي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة”.
________________________________________
قال الحافظ المندري: إسناده حسن إلا أن مكحولاً قيل لم يسمع من أبي أمامة اهـ. والطبراني باسناد ضعيف عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من صلى علي صلى الله عليه عشراً ملك موكل بها حتى تبلغيها”.
وروى الطبراني في الكبير والأوسط من طريق حميد بن أبي زينب عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم وسلامكن يبلغني”.
قال الحافظ الهيثمي: حميد بن أبي زينب لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
وعزاه المنذري إلى الطبراني أيضاً وقال: إسناده حسن فلا بد أنه عرف حميد بن أبي زينب.
وقال أبن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن سهيل عن حسن بن حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني” إسناده صحيح وهو مرسل في حكم الموصول كما لا يخفى لأنه محمول على أنه سمعه من أبيه الحسن بن علي عليهم السلام بدليل الرواية السابقة.
ومنها ما رواه أبو الشيخ والبزار والحارث بن أ بي أسامة والطبراني وغيرهم من طريق نعيم بن ضمضم عن ابن الحميري عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تبارك وتعالى ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحدٌ يصلي على إلا قال يا محمد صلى عليك فلان بن فلان، قال فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً”.
نعيم بن ضمضم قال المنذري فيه خلاف، وقال الذهبي: ضعفه بعضهم. وقال الحافظ في اللسان: ما عرفت إلى الآن من ضعفه. وابن الحميري اسمه عمران ليَّنه البخاري وقال: لا يتابع على حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجال الحديث رجال الصحيح، كما قال الحافظ الهيثمي.
________________________________________
ومنها ما رواه النسائي وأحمد والدارمي والبيهقي وصححه الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله عز وجل ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام”، وروى ابن عدي من حديث ابن عباس مثله، وتقدم حديث “حياتي خير لكم” مع بيان صحته.
ومنها ما رواه أبو الشيخ ابن حيان من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومَنْ صلى عليّ مِنْ بعيداً علمته”، إسناد جيد كما قال الحافظ السخاوي.
فصل
[النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ على الدوام]
قال الحافظ السخاوي في القول البديع ما نصه:
السادسة: يؤخذ من هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ على الدوام، وذلك أنه محالٌ عادةً أنْ يخلوا الوجود كله من واحدٍ يسلم عليه في ليل ونهار، ونحن نؤمن ونصدق بأنه صلى الله عليه وسلم حي يرزق في قبره وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا. وزاد بعض العلماء: الشهداء والمؤذنين، وقد صح أنه كُشِفَ عن غير واحد مِنَ العلماء والشهداء فوُجِدُوا لم تتغير أجسادهم، والأنبياء أفضل من الشهداء جزماً اهـ.
فصل
[قراءة القرآن على الموتى، وحكمها]
قراءة القرآن على الموتى وإهداء ثوابها إليهم مسألة اختلف فيها العلماء، ونحن نلخص ما قالوه حتى يظهر الحق واضحاً لا غبارَ عليه، فنقول:
مشهور مذهب مالك والشافعي أن قراءة القرآن لا تصل الميت، ومذهب أحمد وأكثر المتقدمين أنها تصل، وهو الذي رجحه متأخرو المالكية وغيرهم.
وقال النووي في الأذكار: يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصِلْ ثواب ما قرأتُ إلى فلان اهـ.
وقال الحافظ: أكثر المتقدمين من العلماء على الوصول، وإن المختار الوقف عن الجزم على المسألة مع استحباب عمله والإكثار منه اهـ من الجواب الكافي عن السؤال الشافي.
________________________________________
وأفتى ابن رشد المالكي بانتفاع الميت بالقراءة ويحصل له أجره إذا نوى القارئ عند القراءة هبة ثواب قراءته له.
وهذا هو القول الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه لأنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أنّ رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها، ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إنْ تصدقتُ عنها ؟ قال: “نعم”.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أبي مات وترك مالاً ولم يوصِ فهل يكفي عنه أن أتصدق عنه ؟ قال: “نعم”.
وفي السنن ومسند أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل ؟ قال: “الماء” فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعد.
وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من مات وعليه صيام صام عنه وليه”.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها ؟ قال: “نعم فدين الله أحق أنْ يقضى”.
وفي صحيح مسلم عن بريدة قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت فقال: “وجب أجرك وردَّها عليك الميراث”، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها ؟ قال: “صومي عنها”، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها ؟ قال: “حجي عنها”.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال: “نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء”. وفي هذا الحديث مشروعية القياس.
وفي السنن وصحيح ابن خزيمة عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال:”حج عن أبيك واعتمر”.
________________________________________
فإذا ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها وصول الصدقة والصيام والحج والعمرة إلى الميت ثبت جزماً وصول قراءة القرآن إليه؛ لأن كلاً من قراءة القرآن والصدقة والصوم والحج والعمرة عبادة، فإذا ثبت وصول بعضها إلى الميت لزم وصول بعضها الآخر، والتفريق تحكم لا دليل عليه. بل في ورود النص بوصول الحج إلى الميت نص ضمني بوصول القراءة إليه لأن الحج يشتمل على عبادات كثيرة منها قراءة القرآن. وهذا واضح جداً.
روى الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “إذا مات أحدكم فلا تحسبوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب”، ولفظ البيهقي: “فاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة في قبرة”.
وقال الخلال في الجامع: كتاب القراءة عند القبور أخبرنا العباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن معين، ثنا مبشر الحلبي، حدثنى عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه قال: قال أبي: إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل بسم الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسن علي التراب سناً واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك. قال عباس الدوري سألت أحمد بن حنبل قلت: تحفظ في القراءة على القبر شيئاً؟ قال: لا، و سألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث.
________________________________________
قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق، حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقاً قال: كنتُ مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: يا هذا، إن القراءة عند القبر بدعة. فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله: ما تقول في مبشر الحلبي قال: ثقة، قال كتبت عنه شيئاً قال: نعم. قال فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء عن اللجلاج عن أبيه أنه وصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ.
وقال الحسن بن الصباح الزعفراني: سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال: لا بأس بها.
وغير هذه الآثار.
ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى” على المنع، لأن دعاء الرجل للرجل وإهداءه القراءة إنما بسعي منه لعلاقته الحسنة به وصلاحه في حال حياته.
فالإيمان سبب في انتفاع الميت بما يهدى إليه دلَّ عليه قوله تعالى في حملة العرش: “ويستغفرون للذين آمنوا” وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو”أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك”.
فصل
[قراءة الفاتحة وإهداؤها للنبي صلى الله عليه وسلم]
جرت عادة بعض الناس أن يقرأوا الفاتحة ويهدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مانع من إهداء قرآن أو غيره إليه صلى الله عليه وسلم وإن كان له ثواب ما تعمله أمته من الخير، إذ لم يأت دليل يمنع الإهداء المذكور، وكون الصحابة لم يفعلوه لا يدل على منعه.
فصل
[نصيحة]
________________________________________
رأيت أن أقوم بواجب النصيحة فأنبِّه على ما شاع بين كثير من الناس في توسلاتهم وزياراتهم للأولياء، فقد توسعوا في ذلك توسعاً غير مرضي، وخرجوا عن الحد المشروع وفاهوا بألفاظ منكرة مثل: يا سيد اشفعني سقت عليك النبي. الشكوى لأهل البصيرة عيب. العارف لا يعرف. خلِّ بالك معي، أنجحني في القضية الفلانية، أعطب عدوي، إلى ألفاظٍ من هذا القبيل ظاهرها يقتضي الكفر، مع ما ينضم إلى ذلك من تقبيل العتبات والأبواب والتمسح بالحديد والخشب والدخول إلى الضريح على هيئة الراكع الساجد مع تكيف الأيدي خلف الظهر.
وكل هذا ممنوع غير مشروع، والأولياء أنفسهم لا يرضون به.
فعلى المسلم الشحيح بدينه أن يكف عن كل لفظ موهم وكل تعظيم يؤدي به إلى المحظور الممنوع كتقبيل وتمسح وسجود وركوع، وإن كان أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي وقال لا بأس به. هذه نصيحتي إليك فاعمل بها واحرص عليها، والله يتولى هداك.
________________________________________
[خاتمة]
وهذا آخر الكتاب، جعله الله عملاً متقبلاً مشكوراً، وجعل سعينا صالحاً مبروراً أنه البر الرحيم والجواد الكريم.
قال السيد عبد الله الغماري العلامة المحدث المدقق المحقق:
وكان الفراغ من تبيضه صبيحة يوم الجمعة ثاني عيد الأضحى المبارك سنة 1364هـ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً والحمد لله رب العالمين.
قلتُ أنا الفقير إلى الله تعالى المدعو سعيد فودة:
انتهيتُ من هذا المختصر في ليلة الاثنين 30 جمادى الأولى 1414هـ الموافق لـ 14/11/1993م، وأدعو الله تعالى أن ينفعني به في الدنيا والآخرة وينفع سائر المسلمين والحمد لله رب العالمين.
________________________________________
فهرست:
بيان مختصر حال المجسمة المنتسبين إلى السلف في هذا الزمان
لزوم تسويد وتوقير الرسول صلى الله عليه وسلم
أصل مهم في الحكم على الناس
قاعدة مهمة في الاجتهاد والتقليد وتبليغ العلم
إشارات تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بيان ناحية مهمة في معنى الشرك في الجاهلية
مسألة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وما فيها من تفصيل
الفرق بين الشرك والتوسل
معنى الإشراك الذي وقع فيه العرب في الجاهلية
بيان أهمية الدليل وأن الاعتماد عليه
جواز الاستعانة بالملائكة مع عدم رؤيتنا لهم
دليل من القرآن على التوسل
بيان أصل مهم في معنى الترك وهل يصح اعتماده دليلاً مستقلاً
بيان معنى كلام منسوب إلى الامام عز الدين بن عبد السلام
دليل من السنة على التوسل
فائدة عظيمة
بيان أن نسب الرسول عليه السلام له وجاهة وميزة عن غيره
بيان حال كلام منسوب إلى الإمام الأعظم
رد شبهة في نفي مطلق الشعور عن الأموات
رد شبهة على التوسل
بيان تقسيم البدعة وأساسه مع فوائد عظيمة
أدلة على مكانة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم
فائدة حديثية: الفرق بين أخرج وخرج
بيان دليل للتوسل من توسل آدم عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم
بيان مفصل لحديث العمى الذي رواه عثمان بن حنيف
دفع شبهة قد ترد على حديث عثمان بن حنيف
فوائد من حديث عثمان بن حنيف، ودفع أشكالات تورد
توسل عمر رضي الله عنه بالعباس لكونه عم النبي صلى الله عليه وسلم
قراءة صاحب قبر للقرآن وهو في قبره
دليل آخر على حصول القراءة من الميت في قبره
السؤال بحق السائلين، دليل على التوسل
فائدة في غاية الأهمية، وفيه كلام للعلامة الكوثري
بلوغ السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في قبره، وهو بيان لحديث العرض
كلام عن حديثي العرض والحوض
تنبيه في غاية الأهمية، تدقيق في حديث الحوض وبيان عدم معارضته لحديث العرض
أدلة أخرى على التوسل
التمائم والتولة والرقية
سماع الموتى
الأنباء أحياء في قبورهم، وفيه فوائد عظيمة
النبي صلى الله عليه وسلم حي على الدوام
قراءة القرآن على الموتى وحكمها
قراءة الفاتحة واهداؤها للنبي صلى الله عليه وسلم
نصيحة
خاتمة
________________________________________

الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)

الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية
المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ)
الدُّرَّةُ الْمُضِيَّة
في الرَّدِّ علَى ابنِ تَيمِيَّة
تصنيف
الإمام الفقيه الأصولي المجتهد النظَّار
تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي
السبكي الأنصاري الشافعي
رحمه الله تعالى
(683 – 756 هـ)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
والصلاة والسلام على سيدنا محمَّدٍ الذي نصر دينه بالجلاد والجدال، وتكفَّلَ لأمَّته أن لا يزالوا على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرَهم الدجال، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الذين وصفهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وألحق التابعين بإحسان في رضاه بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد …
فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا أول للمخلوقات[1]!!، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة[2].
وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون[3]، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل.
وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث.
وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب[4]!!
———————-
[1] وقد ردَّ عليه في هذه المسألة الإمام الإخميمي، في رسالة مفردة، مطبوعة مع تعليقات نفيسة للأستاذ العلامة سعيد فودة حفظه الله تعالى، ومنشورة على صفحات الانترنت في موقع الإمام الرازي. (جلال)
[2] للاطلاع على آراء ابن تيمية العقائدية، والوقوف على ما خالف فيه أهل السنة والجماعة، انظر لزاماً (الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية) تصنيف الأستاذ العلامة أبي الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى، وهو مطبوع، وقد امتاز عن غيره من الكتب بالدِّقة والتحقيق، وقد اشترط أن كل رأي ينسبه إلى ابن تيمية ينقل فيه عدة نقول من كلامه من كتبه المتفرقة، ولذا لم يستطع مدافعوه أن يجيبوا عمَّا فيه، ولا أن يشاغبوا عليه، ولا يغرنك في هذا الباب الدعاية الكبيرة التي حظي بها ابن تيمية في هذا العصر، فلذلك أسبابه السياسية المعروفة. (جلال)
[3] وذلك أنهم يمنعون البحث في مسائل العقائد، ويعتبرون الحديث عنها من البدع المحدثة في الدين، مع أن ابن تيمية قد غاص في مذموم الكلام بغير إتقان، ففاه بما لا يقبله شرع، ولا يصدق به عقل صحيح، ولا يغرنك دعاوى التحقيق في مقلديه اليوم، فجلهم لا يتقن علوم العقائد، وعند المباحثة يتجلى مدى ما هم عليه من زيع، والله المستعان. (جلال)
[4] حتى تعدى ذلك إلى زماننا، رغم بعد الزمان، فدعا أهلُ الجهل إلى ترك أحكام الطلاق بالجملة، وسهلوا على الناس عدم إيقاعه لأدنى خلاف شاذ أو قول باطل لا اعتداد به، فأحلوا الفروج المحرمة، وخالفوا أمر الله تعالى في هذا الباب.
وقد تصدى الإمام الكوثري رحمه الله تعالى لبعض هذه المحاولات في كتابه (الإشفاق على أحكام الطلاق)، بين فيها مدى خطورة الأمر، ودحض بالدليل والبرهان تسهيلات المتساهلين، رحمه الله تعالى. (جلال)
________________________________________
وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء.
ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين وأهل البلاد البرَّانية، ولبَّس عليهم مسألة اليمين بالطلاق حتى أوهمهم دخولها في قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية، وكذلك في قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم).
فعسر عليهم الجواب وقالوا: هذا كتاب الله سبحانه!!
وبقي في قلوبهم شُبَهٌ من قوله، حتى ذاكرني بذلك بعض المشايخ ممن جمع علماً وعمَلاً، وبلغ من المقامات الفاخرة الموصلة إلى الآخرة أملاً، ورأيتُه متطلعاً إلى الجواب عن هذه الشبهة، وبيان الحق في هذه المسألة على وجه مختصر يفهمه من لم يمارس كتب الفقه ولا ناظر في الجدل، فكتبت هذه الأوراق على وجهٍ ينتفع به من نوَّر الله قلبه وأحب لزوم الجماعة، وكره تبعية من شذَّ من الشياطين، وبالله أستعين وعليه توكلتُ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد رتبت الكلام على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان حكم هذه المسألة.
الفصل الثاني: في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور.
الفصل الثالث: في الجواب عن ذلك الاستدلال بخصوصه تفصيلاً.
الفصل الأول
[بيان مجمل عن أنواع الطلاق]
اعلم أن الطلاق يقع على وجهٍ محرَّمٍ، ويسمى طلاقَ البدعة، كالطلاق في الحيض، وعلى وجهٍ غير محرم ويسمى الطلاق السني.
وقد أجمعت الأمة على نفوذ الطلاق البدعي كنفوذ السني، إلا ما يحكى في جمع الثلاث على قولنا إنه بدعي، فإذا طلق امرأته على الوجه المنهي عنه، وهذا ليس فيه بين الأمة خلافٌ يعتبر.
إلا أن الظاهرية الذين يخالفون الإجماع في مسائل من الطلاق وغيره خالفوا في هذه المسألة، وهم محجوجون بالإجماع[1] والحديث، فقد طلَّق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء)، وهو في الصحيحين.
وفي لفظٍ قال ابن عمر: (فطلقها وحسبت لها التطليقة التي طلقها)، وهو في الصحيح، مع أن أهل الظاهر يقولون لو طلقها في الحيض ثلاثاً نَفَذَ، وكذلك لو طلقها في طُهرٍ مسها فيه.
والقصدُ أن الطلاق في الحيض على وجه البدعة نافذٌ على ما دلَّ عليه الحديث المذكور.
—————————-
[1] وولع مبتدعة العصر ومدعو الاجتهاد ممن لم يحقق شروطه ولا شم رائحته، بإنكار حجية الإجماع، والتقليل من شأنه، ظاهرٌ في كل كتاباتهم، وما فتئوا يصيحون بعدم حجيته وعدم إمكانية وقوعه، وكل ذلك باطل عند علماء الأصول، كما تجده مفصلاً في تلخيص إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب الأصول. (جلال)
________________________________________
وما ورد في بعض روايات هذا الحديث أن عبد الله بن عمر قال: (فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً) متأوَّلٌ عند العلماء، ومحمولٌ على معنى الرواية الأخرى.
وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير وجهٍ الاعتدادُ بتلك الطلقة وإنفاذُها عليه، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) يعني لقبل عدتهن، وقد قرئ كذلك.
والمراد أن يوقع الطلاق على وجه تستقبل المرأة العدّة بعدَه، وإذا وقع الطلاق في الحيض لم تعتد المرأة بأيام بقية الحيض من عدتها، فتطول عليها العدة.
وقيل ليطلق في الطهر فربما كان الطلاق في الحيض لعدم حل الوطء فيه.
وقد جاء في بعض ألفاظه هذا الحديث: (فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، يعني في هذه الآية فقد دل الكتاب والسنة على أن الطلاق في الحيض محرم ومع ذلك فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بنفوذه والاعتداد به، وإن كان قد خالف الوجه الذي شرع الطلاق فيه، فرأينا الشرع أوقع بدعة الطلاق كما أوقع سنته، وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه، وكذلك إذا جمع الطلقات الثلاث في كلمةٍ فهو مخالفٌ لوجه السنة في قول جماعة من السلف، بل أكثرهم، ومع ذلك يلزمونه الثلاث.
وقد أتى ابنَ العباس رجلٌ فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إنَّ عمك عصى الله، فأندمه الله ولم يجعل له مخرجاً.
وعن أنس قال كان عمر رضي الله عنه إذا أتى برجل طلق امرته ثلاثاً في مجلس واحدٍ أوجعه ضرباً وفرق بينهما.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس قال: أثم وحرمت عليه امرأته.
وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما قال:من طلق امرأته ثلاثاً فقد عَصَى ربَّه، وبانت منه امرأته.
فهذه أقوال الصحابة في إثم من جمع الطلقات الثلاث لمخالفته السنة، ومع ذلك يوقعونها عليه، وما ذلك إلا لقوة الطَّلاق ونفوذه.
________________________________________
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة)، فجعل هزل الطلاق جداً.
ولم نعرف بين الأمة خلافاً في إيقاع طلاق الهازل، وما ذلك إلا لأنه أطلق لفظ الطلاق مريداً معناه، ولكنه لم يقصد حِلَّ قَيدِ نكاحِ امرأته بذلك ولا قصد إيقاع الطلاق عليها، بل هزل ولعب، ومع ذلك فلم يعتبر الشارع قصده وإنما ألزمه موجب لفظه الذي أطلقه وواخذه به، وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه.
ثم إن الطلاق يكون منجَّزاً، ويكون معلَّقاً على شرط:
فالمنجز كقوله: (أنت طالق)، والمعلَّق كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق)، وقد أجمعت الأمة على وقوع المعلَّق كوقوع المنجَّز، فإن الطلاق مما يقبل التعليق، لم يظهر الخلاف في ذلك إلا عن طوائف من الروافض.
ولما حدث مذهب الظاهرية المخالفين لإجماع الأمة المنكرين للقياس خالفوا في ذلك فلم يوقعوا الطلاق المعلّق، ولكنهم قد سبقهم إجماع الأمة فلم يكن قولهم معتبراً؛ لأن من خالف الإجماع لم يعتبر قوله، وقد سبق إجماع الأمة على وقوع الطلاق المعلق قبل حدوث الظاهرية.
وإنما اختلف العلماء إذا علَّق الطلاق على أمرٍ واقع أو مقصودٍ، كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق)، هل يتنجز الطّلاقُ من حين علَّق ولا يتأخر إلى وقوع الشرط، وهو مجيء رأس الشهر، أو يتأخر إلى مجيء رأس الشهر؟
فيه قولان للعلماء مشهوران؛ لأنه لمّا عُلِّق على شرط واقع فقد قصد إيقاع الطلاق ورضي به فتنجز من وقته.
وهذا ابن تيمية لم يخالف في تعليق الطلاق، وقد صرَّح بذلك، فليس مذهبه كمذهب الظاهرية في منع نفوذ الطلاق المعلق.
________________________________________
ثم إن الطلاق المعلَّق منه ما يعلق على وجه اليمين، ومنه ما يعلَّق على غير وجه اليمين: فالطلاق المعلَّق على غير وجه اليمين كقوله: (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق) أو (إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق)، والذي على وجه اليمين كقوله: (إن كلمت فلاناً فأنت طالق) أو (إن دخلت الدار فأنت طالق) وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علَّق الطلاق على هذا الوجه ثم وجد المعلق عليه وقع الطلاق.
وهذه المسألة التي ابتدأ ابن تيمية بدعته، وقصد التوصل بها إلى غيرها إن تمت له.
وقد اجتمعت الأمة على وقوع الطلاق المعلَّق، سواء كان على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين، هذا مما لم يختلفوا فيه وإجماع الأمة معصوم من الخطأ.
وكل من قال بهذا من العلماء لم يفرِّق بين المعلَّق على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين، بل قالوا: الكلُّ يقع.
وقد لبَّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة، وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الإسلام.
وقد نقل إجماع الأمة على ذلك أئمة لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم.
فممن نقل ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه، وناهيك به فانه الإمام القرشي الذي ملأ طبق الأرض علماً، وثناء إمام هذا المبتدع الذي ينتسب إليه وهو برئ من بدعته -وهو الإمام أحمد رضي الله عنه- على الشافعي معروف، وتبعيته له ومشيه في ركابه وأخذه عنه مشهور.
وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما.
وكذلك نقله أبو ثور وهو من الأئمة أيضاً.
وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطَّبري، وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة.
وكذلك نقل الإجماع الإمام أبو بكر بن المنذر.
ونقله أيضاً الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد ابن نصر المروزي.
________________________________________
ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه (التمهيد) و(الاستذكار)، وبسط القول فيه على وجهٍ لم يبق لقائل مقالاً.
ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب (المقدمات) له.
ونقله الإمام الباجي في (المنتقى)، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصُّوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصاً عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر ولا تدخل فيها الكفارة، وذكرَ[1] العتقَ وذكر الأثر الذي استدل به ابن تيمية فيه، وهو خبر ليلى بنت العجماء، الذي بنى ابن تيمية حجَّته عليه وعلَّله وردَّه، وأخذ بأثر آخر صحَّ عنده، وهو أثر عمان بن حاضر، وفيه فتوى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر رضي الله عنهم بإيقاع العتق على الحانث في اليمين به، ولم يعمل بأثر ليلى بنت العجماء، ولم يُبقِ في المسألة إلباساً رضي الله عنه، بل كان قصده الحق.
وإذا كانت الأمة مجمعة على وقوع الطلاق لم يجز لأحد مخالفتهم، فإن الإجماع من أقوى الحجج الشرعية، وقد عصم الله هذه الأمة عن أن تجتمع على الخطأ فان إجماعهم صواب.
وقد أطلق كثيرٌ من العلماء القول بأن مخالف إجماع الأمة كافرٌ.
وشرطُ المفتي أن لا يفتي بقول يخالف أقوال العلماء المتقدمين، وإذا أفتى بذلك ردتْ فتواه ومُنع من أخذ بقوله.
ودل الكتاب والسنة على أنه لا يجوز مخالفة الإجماع قال الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)، فقد توعد على مخالفة سبيل المؤمنين واتباع غير سبيلهم بهذا الوعيد العظيم، ومخالف إجماع الأمة متبع غير سبيل المؤمنين فكيف يعتبر قوله.
—————————–
[1] أي الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى .
________________________________________
وقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط الخيار، والشهداء على الناس العدول عليهم، فلا يجتمعون على الخطأ.
وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا يدل على أن مجموعهم يأمرون بكلِّ معروف وينهون عن كل منكر، فلوا أجمعوا على الخطأ لأمروا ببعض المنكر ونهوا عن بعض المعروف، ومحال أن يتصفوا بذلك وقد وصفهم الله بخلافه!!
وقد ورد في الأحاديث ما يدلُّ مجموعه على عصمة جماعتهم لهن عن الخطأ والضلال، والمسألة مبسوطة مقررة في موضعها.
والقصد هنا أن الأمةَ مجتمعةٌ على وقوع هذا الطلاق، فمن خالفهم فقد خالف الجماعة وخالف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بلزوم الجماعة، وكان الشيطان معه فان الشيطان مع الواحد.
ثم إن هذا المبتدع ابن تيمية ادَّعى أن هذا القول قال به طاوس، واعتمد على نقلٍ شاذٍ وجَدَه في كتاب ابن حزم الظاهري عن مصنف عبد الرزاق.
ولم يُنقل هذا القول عن أحدٍ بخصوصه في الطلاق إلا عن طاوس كما ذكر وعن أهل الظاهر.
أما طاوس فقد صحَّ النقل عنه بخلاف ذلك، وقد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة، ونقل ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها كتاب (السنن) لسعيد بن منصور، ومنها (مصنف عبد الرزاق) الذي ادعى المخالف أن النقل عنه بخلاف ذلك، وقد وَضَحَ كذبه في هذا النقل، فإن المنقول في مصنَّف عبد الرزاق عن طاوس خلاف هذا الذي نسبه ابن تيمية، والأثر الذي نقله عن طاوس إنما ذكره عبد الرزاق في طلاق المكره، فلبس ابن حزم الظاهري النقل وتبعه هذا المبتدع.
وعن كلام طاوس لو صحَّ عنه أجوبةٌ كثيرة غير هذا مبينة في كتابنا (الرد على ابن تيمية).
________________________________________
وأما أهل الظاهر فيقولون إن الطلاق المعلَّق كلَّه لا يقع، ولم يقل ابن تيمية بذلك، وهم مخالفون للإجماع لا يعتبر قولهم، ويقولون إن الطلاق المعلَّق على وجه اليمين لا كفارة فيه، ولم يقل ابن تيمية بذلك، فهو مخالف لهم في بدعته متمسك بقولهم الذي لا يعتبر.
وقد قال ابن حزم: إن جميع المخالفين له لا يختلفون في أن اليمين بالطلاق والعتق لا كفارة في حنثه، بل إما الوفاء بالمحلوف عليه أو باليمين.
وقال هذا المبتدع: إن هذه المسألة لم يتكلم فيها الصحابة، لأنه لم يكن يحلف بالطلاق في زمانهم، ثم بعد هذا القول نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم أنهم يقولون بقوله فكذب أولاً وآخراً:
أما كذبه أولاً فلأنه قال: (إن الصحابة لم تتكلم في هذه المسألة)، وليس كذلك، ففي صحيح البخاري فتوى ابن عمر رضي الله عنهما بالإيقاع.
قال البخاري: قال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء.
وهذه فتوى ظاهرها في هذه المسألة بإيقاع الطلاق البتة إن خرجت، وهو وقوع المعلَّق عليه، وبه يحصل الحنث، فأوقع ابن عمر الطلاق على الحالف به عند الحنث في يمينه، ومن مثل ابن عمر رضي الله عنهما في دينه وعلمه وزهده وورعه وصحة فتاويه؟!
ولا يُعرَفُ أحدٌ من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى ولا أنكرها عليه، وقد قضى علي رضي الله عنه في يمين بالطلاق بما يقتضي الإيقاع، فإنهم رفعوا الحالف إليه ليفرقوا بينه وبين الزوجة بحنثه في اليمين فاعتبر القضية، فرأى فيها ما يقتضي الإكراه، فردَّ الزوجة عليه لأجل الإكراه، وهو ظاهرٌ في أنه يرى الإيقاع لولا الإكراه.
وفي (سنن البيهقي) بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق ففعلته، قال: هي واحدة، وهو أحقُّ بها، فأوقع الطلاق واحدة عند الحنث بمقتضى اللفظ ولم يوجب كفارة.
________________________________________
ومن مثل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنيف مليء علماً)، وقال: (من أراد أن يقرأ القرآن غضَّاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)، ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وقول الصحابة حجَّةٌ شرعيةٌ في قول جمهور العلماء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أنهم كالنجوم يُهتدى بهم، فلا هدي أتمَّ من هديهم.
وأما كذبه ثانياً فلأنه قال: (لم يكن يحلف بالطلاق في عهد الصحابة)، وهذه وقائع فيها الحلف بالطلاق.
ونُقلت أيضاً حكومة أخرى وقعت عند علي رضي الله عنه في رجل حلف بالطلاق أنه لا يطأ امرأته حتى يعظم ولده، بل نقل عن بعض الصحابة أنه حلف بالطلاق وهو أبو ذر رضي الله عنه لما سألته امرأته عن الساعة التي يستجاب الدعاء فيها يوم الجمعة وأكثرت فقال لها: (زيغ الشمس) يشير إلى ذراع فإن سألتني بعدها فأنت طالق، فحلف عليها بالطلاق أن لا تعاود المسألة، وفي ذلك آثار كثيرة غير هذا مذكورة في المصنَّف المبسوط.
وأما كذبه آخراً فلأنه نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم القول بأن الطلاق لا يقع، وأنه تجب الكفارة، مع اعترافه أن ذلك لم يقع في عهدهم.
وهذه مكابرة قبيحة وكذبٌ صريح، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (كل يمين وإن عظمت ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين)، فاستشنت يمين الطلاق ويمين العتاق من الكفارة.
وهذا الأثر نقله ابنُ عبد البر في (التمهيد) وفي (الاستذكار) بهذا اللفظ مسنداً، ونقلَه هذا المبتدع فأسقط منه قولها: (ليس فيها طلاق ولا عتاق) ليوهم أن عائشة رضي الله عنها تقول بالكفارة في يمين الطلاق والعتق، (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه إلا الإفتاء بالوقوع.
________________________________________
وأما التابعون رضي الله عنهم فأئمة العلم منهم معدودون معروفون، وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم، ولم ينقل هذا المبتدع عن أحدٍ منهم بعينه نصَّاً في هذه المسألة غير ما نسبه إلى طاوس، مع أنه يدعي إجماعهم على قوله مكابرة كما فعل في الصحابة.
وقد نقلنا من الكتب المعروفة الصحيحة (كجامع عبد الرزاق) و(مصنف ابن أبي شيبة) و(سنن سعيد بن منصور) و(السنن الكبرى للبيهقي) وغيرها فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد، وكلهم بالأسانيد الصحيحة أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين ولم يقضوا بالكفارة، وهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، وشريح، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وأبو مخلد.
والفقهاء السبعة فقهاء المدينة وهم: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله بن عمر وسليمان بن يسار، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدَّماً على غيرهم.
وأصحاب ابن مسعود السادات وهم: علقمة والأسود ومسروق وعبيدة السلماني وأبو وائل شقيق بن سلمة وطارق ابن شهاب وزر بن حبيش.
وغير هؤلاء من التابعين مثل ابن شبرمة وأبو عمرو الشيباني وأبو الاحوص وزيد بن وهب والحكم وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمرو.
كل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في ذلك، ومن هم علماء التابعين غير هؤلاء.
فهذا عصر الصحابة وعصر التابعين كلهم قائلون بالإيقاع، ولم يقل أحدٌ أن هذا مما يجري به الكفارة.
وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة كلها تشهد بصحة هذا القول، كأبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وابن جرير الطبري، وهذه مذاهبهم منقولة بين أيدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة.
________________________________________
فإذا كان الصدر الأول وعصر الصحابة رضي الله عنهم وعصر التابعين لهم بإحسان بعدهم وعصر تابعي التابعين لم ينقل عنهم خلاف في هذه المسألة، وهذا المبتدع يسلِّم أنَّ بعد هذه الأعصار الثلاثة لم يقل إمام مجتهد بخلاف قولنا، فكيف يسوغ مخالفة قولٍ استقر من زمن النبي صلى الله عليه وسلم والى الآن، بقولِ مبتدِعٍ يقصد نقض عرى الإسلام ومخالفة سلف الأمة ؟!
أكان الحقُّ قد خفي عن الأمة كلها في هذه الأعصار المتتابعة حتى ظهر هذا الزائغ بما ظهر به؟!!
هيهات هيهات وهذا واضح لذوي البصائر وأرباب القلوب المنورة بنور اليقين، (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين) ولكن قد عميت البصائر والناس سراع إلى الفتنة، راغبون في المحدثات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة ضلالة).
الفصل الثاني
في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور
وذلك أنَّ الناس على قسمين:
عالم مجتهد متمكن من استخراج الأحكام من الكتاب والسنة أو عامي مقلد لأهل العلم:
ووظيفة المجتهد إذا وقعت واقعة أن يستخرج الحكم فيها من الأدلة الشرعية، ووظيفة العامية أن يرجع إلى قول العلماء،
وليس لغير المجتهد إذا سمع آية أو حديثاً أن يترك به أقوال العلماء، فإنه إذا رآهم قد خالفوا ذلك مع علمهم به عَلِمَ أنهم إنما خالفوه لدليلٍ دلَّهم على ذلك، وقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال: (ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وللمفسرين في الآية كلامٌ ليس هذا موضع ذكره، والقصد أنَّ غير العالم المجتهد -ولا سيما العوام-، إذا سمعوا آية فيها عمومٌ أو إطلاقٌ لم يكن لهم أن يأخذوا بذلك العموم أو الإطلاق إلا بقول العلماء، ولا يعمل بالعمومات والإطلاقات إلا من عَرَفَ الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز.
________________________________________
فإذا سمع قوله تعالى: (أو مما ملكت أيمانكم) وأخذ بعمومه في الجمع بين الأختين المملوكتين كان مخطئاً، فإذا سمع معه قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) قال: هذا يعم الأختين المملوكتين والمنكوحتين، فيتحير بأي العمومين يعمل ؟ فإذا سمع قول عثمان رضي الله عنه: (أحلتها آية وحرمتها آية والتحريم أولى)، عَلِمَ أنَّ العمل على دليل التحريم، وله ترجيحات أُخَر غير هذا يعرفها العلماء، فيعلم العامي أنه لا يمكنه الاستقلال بأخذ الحكم من الكتاب.
وكذلك إذا سمع الأدلة الدالة على تحريم اللواط والتأكيد، وسمع قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، فقد يخطر له أنَّ هذا يقتضي حل المملوك، وقد خطر ذلك لبعض الجهال، فإذا أخذ بهذا العموم ضلَّ.
وقد قال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه: إن من تأول هذا التأويل سَقطَ عنه الحدُّ، وأخطأ في هذا القول خطأً عظيماً.
وكذلك إذا سمع أنَّ قائلاً قال: يحل وطأ الزوجة في الدبر مستنداً إلى قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شيءتم)، ظَنَّ ذلك صحيحاً، وأن القرآن دلَّ على حِلِّ ذلك، وهو مخطئ؛ لأن هذا القول شاذٌّ، يقال إنه رواية عن مالك ولم يصح، والمالكية ينكرونه، وصحَّ عن مالك تحريم ذلك، والآية دالَّة على التحريم بخلاف ما يظن الجهال، فإن الحرث لا يكون إلا في موضع البذر، والحديث الصحيح في سبب نزول الآية يوضح المعنى، وهو أن اليهود كانوا يقولون: إن الرجل إذا أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شيءتم) أي كيف شيءتم، وفي الحديث الصحيح: (في صمام واحد)، وفي لفظٍ: (غير أن لا تأتوا في غير المأتي).
فإذا لم يجمع الإنسان بين الأدلة، وبين الكتاب والسنة، ويعرف سبب نزول الآية ومحملها، لا ينبغي أن يأخذ بظاهر من فهمه لا يعرف ما وراءه.
________________________________________
وإذا سمع العامي الحديث: (من شرب الخمر فاجلدوه) إلى أن قال في الرابعة: (فإن شربها فاقتلوه)، فعمل به وقتل الشارب في الرابعة كان مخطئاً؛ لأن الأمة أجمعت على ترك العمل بهذا الحديث.
وكذلك إذا سمع حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوف ولا مطر)، وقد رواه مسلم من طرق عدة، فيقول العامي بهذا الحديث، ولا يعلم أن الأمة أجمعت على ترك العمل به، إلا ما يروى عن ابن سيرين انه يجوز الجمع في الحضر للحاجة، وقد روى أبو العالية أنَّ عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (واعلم أنَّ جمع ما بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر)، وقد أخرجَ هذين الحديثين الترمذيّ، وقال في آخر كتابه: (ليس في كتابي هذا حديثٌ ترك العمل به بالإجماع سوى حديثين) فذكر هذين الحديثين.
وكذلك حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة، فلما رآهم عمر قد تتابعوا فيه قال: أجيزوهن عليهم، وهذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع، ومحمول عند العلماء على معان صحيحة، وقد صحت الرواية عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة.
فإذا سمعه العامي وحده وقف عنده ولم يعلم أنه معارض بما يدفعه، ومردود الظاهر بإجماع الأمة.
وأحاديث المتعة صحيحة، وقد صَحَّ فعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وصحَّ النهي عنها، فأبيحت مرتين ونسخت مرتين، فإذا سمع العامي الأحاديث الصحيحة بإباحتها ظَنَّ أنها مباحة ولم يعلم أن ذلك نسخ، وقد وقع هذا للمأمون وهو خليفة، فنادى بتحليل المتعة، فدخل عليه القاضي يحيى ابن أكثم وقال له: أحللت الزنى، وعرَّفه الحديث الصحيح في النسخ، ولم يكن سمعه، فنادى من وقته بتحريم المتعة.
________________________________________
وحديث قدامة بن مظعون رضي الله عنه صحيحٌ، وكان قد شرب الخمر فرفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه فاعترف وذكر أنه إنما شربها متأولاً قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فما طعموا) فردَّ عليه عمر وقال: (أخطأت التأويل ألم يقل الله سبحانه: (إذا ما اتقوا وآمنوا).) ولم يجعل تأويله موجباً لإسقاط الحد، بل حدَّه؛ لأنه لم يستنبط الحكم استنباطاً صحيحاً، ولكنَّه أخذ بعموم نفي الجناح في كل مطعوم وغفل عن القيد المخصص وهو قوله: (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية.
وهذا يوضح أن العمل بالعموم بمجرده من غير نظر في أدلَّة التخصيص والتقييد خطأٌ من العاملِ به، وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بذكرها.
والآية التي احتجَّ بها هذا المبتدِع وهي قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) إلى آخر الآية والآية الأخرى وهي قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إذا سمعها العامي يظن دخول يمين الطلاق في ذلك وقال: هي يمين، والله جعل في كل يمين كفارة، واعتقد صحَّة قول هذا المبتدع وتلبَّس عليه باطله، فإذا اعترف أنه لا ينبغي له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له مخصّص ويعرف ما يعارضه من الأدلة فوَّضَ الأمر إلى أهله، وعلم أن فوق كل ذي علم عليم.
وكذلك لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم ما في السنة مما يبينه أو يخصصه أو يقيِّده قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول لا أدري ما سمعنا في كتاب الله اتبعناه)..الحديث.
________________________________________
والحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا لي نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول إليه صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعضٍ وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها لم يخرجوا منها أبداً)، وقال: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)، ولم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بإطلاق قوله: (اسمعوا له وأطيعوا)، لما دلت الأدلة على أنَّ الطاعة إنما تكون فيما وافق الحق، ولا طاعة في المعصية، مع أنَّهم قد لا يكونون ممن سمع تلك الأدلة، فإن الممتنعين من الدخول فيها لم يأخذوا إلا بأنهم إنما أسلموا ليسلموا من النار، فكيف يؤمرون بالدخول فيها، فقيدوا إطلاق الأمر بالسمع والطاعة بدليل قياسي، ومع عدم علمهم بتلك الأدلة لم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل حكم باستمرارهم بالنار لو دخلوها لتقصيرهم في البحث عن الأدلة في محل الإشكال.
فمن لم يعرف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة لم يكن له أن يقف عند دليل يسمعه من غير إمام يرشده.
وقد نقل عن جماعة من الأئمة أنه ليس في القرآن عمومٌ إلا وقد دخله التخصيص، إلا قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم)، وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) إذا أريد بالوجه الذات والصفات المقدسة، حتى قالوا في قوله: (خالق كل شيء) ليس محمولاً على عمومه، بل هو مخصوص، فإن الله سبحانه شيء وليس مخلوقاً تعالى عن ذلك.
________________________________________
وفي هذا ومثله كلامٌ لا يليق بهذا الموضع، فعلمنا من ذلك أن قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) الآية، وقوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) لا يعمل بعمومه حتى ننظر فيما يخصصه أو يعارضه من كتاب أو سنة، فإذا تحقق المراد منه وأي مخرج خرج تبين ما فيه من الدليل أو عدمه.
ولكن هذا المبتدع قصده الترويج على العوامِ ومَن لا يعرف شروط الأدلة وكيفية استخراج الحكم، ويهوِّل عليهم بقوله: هذا نص القرآن وهذا قول الله، فتنخلع أفئدتهم لقوله، ولا يعلمون ما وراء ذلك.
الفصل الثالث
في الجواب عن استدلاله بالآيتين المذكورتين على وجه التفصيل
أما الآية الأولى وهي قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون).
وإنما يتم الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه.
والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة، قال الله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم).
وللمفسرين في معنى قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا) قولان:
أحدهما: أن المراد لا تجعلوا اليمين بالله تعالى متعرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، فتحلفوا لا تفعلوا ذلك، فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البرِّ والتقوى، فنهاهم الله عن اليمين على ذلك، ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع؛ ليكون طريقاً لحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح.
________________________________________
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير).
والقول الثاني: أن المراد لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم، فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء، وقوله: (أن تبروا) معناه إرادة أن تبروا، يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر.
ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم، ولا شك أن اليمين بالله تعالى مراده في الآيتين هي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلاً، فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا فإذا قال: والله لا أفعل أو والله لأفعلن فقد أكَّد عقده بهذا الاسم المعظم، كأنه يقول: إن فعلت كذا فقد خالفت موجب تعظيم ما عقدت به اليمين من الاسم المعظم، ولست معظماً له حقَّ تعظيمه.
هذا موضوع اليمين فإذا عقدها على الوجه ثم خالف موجبها وحنث فقد لزمه ما ألزم نفسه من انتهاك حرمة الاسم بالمخالفة، فجعل الله سبحانه الكفَّارة جابرة لهذا الأمر الذي ألزمه نفسه تعظيماً لاسمه المستحق للتعظيم.
وهذا أمرٌ لا يستحقه غير الله عز وجلَّ، فلا يشاركه غيره فيه، ولهذا نهي عن الحلف بغير الله عز وجل.
ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز لأحدٍ الحلف بها، ومن ههنا قال أهل الظاهر: لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله عز وجل وصفاته، ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك.
وممن قال بهذا القول الشعبي والحكم والحارث العكلي وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن، نقله ابن عبد البر وقال: هو الصواب عندنا، والحمد لله.
وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمانٍ غيرها، لكن على سبيل الإلحاق بها؛ لوجود علة وجوب الكفارة عندهم.
هذه أقوال المعتبرين من العلماء، وقد شذَّ بعضهم بأقوال لا يعرج عليها ولا يتأتى بيان ذلك إلا بتفصيل أنواع الأيمان، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى.
________________________________________
هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:
أحدهما: أن يمين الطلاق لا كفارة فيها، ولو قلنا هي يمين.
والثاني: أن عموم الآية مخصوصٌ، فلا تجب الكفارة في كلِّ ما يطلق عليه اسم اليمين لغةً، وإذا كانت الكفارة لا تجب في كل ما يسمى يميناً في اللغة لم تبق الاية الكريمة مجراة على عمومها.
وحينئذ فالآية إما محمولة على اليمين الشرعية، أو على اليمين اللغوية، والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند المحققين من العلماء، فإذا كان للفظٍ معنى في اللغة ومعنى في الشرع إما يقاربه وإما يباينه، ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع حملناه على معناه في الشرع، فإن تعذَّر حملناه على معناه في اللغة والعرف.
وههنا في الآية زيادة، وهي أنَّ الحمل فيها على الموضوع اللغوي يوجب تخصيص عمومها، والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب ذلك، وما سَلِم من التخصيص أو كان أقل تخصيصاً كان أولى، فيتعين حمل الأيمان في الآية الكريمة على المعنى الشرعي.
واليمين الشرعية هي ما شرع الحلف به أو لم يكره شرعاً ولم يحرم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)، وهو في الصحيحين، وفي لفظٍ لمسلم: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: (لا تحلفوا بآبائكم).
وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عزَّ وجل، وما نهى عنه لم يكن شرعياً، ولا فرق بين اليمين باسم الله عز وجل أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العليا، والكل شرعي ينعقد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول: (لا ومقلب القلوب).
________________________________________
وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها)، ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا ورب الكعبة)، فكل هذه أيمان شرعية؛ لأن المعنى في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على وجه لا يليق بغير الله عز وجل، فبأي اسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته حَلَفَ لم يكن معظِّماً لغير الله تعالى.
فإذا كانت اليمين الشرعية هي اليمين بالله عز وجل وصفاته، كانت الآية محمولة على ذلك، فدلت الآية على أن كل يمين بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث؛ لأن اللفظ شرعي فيحمل على المعنى الشرعي، وتكون الآية على عمومها في كل الأيمان الشرعية؛ فلا تكون الآية دالة على إيجاب الكفارة في شيء من الأيمان سوى الأيمان الشرعية، وهي الأيمان بالله وبأسمائه وصفاته.
ولا تدخل اليمين بالطلاق ولا غيرها في ذلك.
ثم إن العلماء رأوا أن بعض الأيمان ملحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة، فألحقوه بذلك لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لأجله فيها، وعند هذا اختلف نظرهم فمنهم من يلحق أنواعاً كثيراً، ومنهم من يلحق أقل من ذلك على اختلاف نظرهم واجتهادهم.
ويوجد هذا الاختلاف للصحابة والتابعين ومن بعدهم، فنتكلم فيما وعدنا به من تفصيل الأيمان التي جوَّزَ فيها العلماء المعتبرون الكفارة، ثم نتكلم على الطلاق والعِتَاق.
فمنها النَّذر الذي يسمى نذر اللجاج والغضب والغلق وقد قيل فيه بالوفاء، وقيل: بالكفارة على وجه التخيير.
فاعلم أن النذر في أصله قربة، ووضعه الأصلي أن يعلق التزام قربة على مطلوبٍ يريده: إما جلب نعمة أو دفع نقمة كقوله: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ صوم شهر، أو إن ردَّ الله تعالى الغائب فلله علي أن أتصدق بكذا.
________________________________________
وهذا نذر شرعي، ويسمى عند الفقهاء نذر التبرر والوفاء اللازم، فإذا حصل ما طلبه وهو المعلَّق عليه وجب عليه الوفاء بما نذر، ولا تجزئة في ذلك كفارة يمين.
هذا أصلُ البابِ ووضعه في الشرع، فإن التزم قربةً على غير مطلوب كقوله: لله علي أن أصوم كذا أو أن أتصدق بكذا، فهل يسمى هذا نذراً ؟ فيه خلاف، وأكثر العلماء على أنه نذر يجب الوفاء به.
ولكن أصل الباب هو التَّعليق، ثم إنَّ الناس توسعوا في ذلك فصاروا يعلِّقون لزوم القربة على ما يريدون الحثَّ عليه أو المنع منه، كقول القائل: إنْ كلمت فلاناً فعليَّ صوم شهر، وإنْ لم أعطِ فلاناً كذا فعليَّ صدقة وما أشبه ذلك، فهذا تعليقُ قربةٍ على أمرٍ يطالب وقوعه أو المنع منه، فهو تعليق قربة على مطلوب فمن هذا الوجه هو نذر يشبه نذر التَّبرر؛ لما فيه من صريح التعليق للقربة على مطلوب.
وفي معناه شبه اليمين من جهة أنَّه لا على التزام القربة على وجه التِّقرب، بل قصد حثّ نفسه أو منعها بما علّق من لزوم القربة التي إن خالف ولم يلتزمها عند وقوع الشرط فقد ترك حق الله ولم يقم به ولم يعظمه حق تعظيمه، فصار ذلك في المعنى كقول القائل: والله لأفعلن أو والله لا أفعل، فإنَّ معنى كلامه إني إنْ فعلت فقد خالفت ما عقدت به قولي من الاسم المعظَّم، فلست معظماً له حق تعظيمه، فصار في هذا النَّذر شبه من اليمين في المعنى، وهو بلفظ النذر لأجل الذي يجب الوفاء به، وقد مدح الله قوماً على الوفاء بالنذر فقال تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شرُّه مستطيراً) وذم النبي صلى الله عليه وسلم قوماً على ترك الوفاء بالنذر، فقال في حديث عمران بن حصين، وهو في الصحيح، (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، (ثم إن من بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ،ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن).
________________________________________
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وهو حديث صحيح.
فأوجب أولاً الوفاء، وهذا قول مالك رضي الله عنه في المشهور عنه ومن تبعه، وقول ربيعة وإحدى الروايات عن أبي حنيفة، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال بوجوب الوفاء.
روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الهيثم بن سنان أنه سمع ابن عمر وسأله بعض أهله أنه كسى امرأته كسوةً فسخطتها، فقالت: إن لبستها في رتاج الكعبة، قال ابن عمر: لتجعل مالها في رتاج الكعبة، قال: إنما مالها في الغنم والإبل، قال ابن عمر: لِتَبِع الغنم والإبل في رتاج الكعبة.
وروي عن أنس رضي الله عنه مثل ذلك عن مالك بن دينار، وأن امرأة أتته فقالت: إن زوجها كساها كسوة وأنها غضبت فجعلتها هدية إلى بيت الله إن لبستها، قال: فانطلقت إلى أنس فسألته فقال: إن لبستها فلتهدها، وإسناد هذا الأثر أيضاً جيد.
ونقل هذا القول وهو وجوب الوفاء عن إبراهيم النخعي.
وإنما سقت هذه الأقوال لأن هذا المبتدع قال: إن القول بوجوب الوفاء لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد صحَّ ذلك عمَّن ذكرنا.
وسيأتي أثر آخر فيه ابن عمر وابن عباس والزبير وجابر رضي الله عنهم إن شاء الله تعالى.
وقال طائفة أخرى: يكفِّر إن شاء ولا يلزمه الوفاء به، وهؤلاء أجروا هذا النذر مجرى اليمين لما ذكرنا من حصول المعنى الذي شرعت الكفارة في اليمين لأجله، وهو أنه عقد يمينه بما التزمه من طاعة الله التي إن خالف عند لزومها فقد انتهك حرمة الحق، فجبره بكفارة يمين كما يجبر انتهاك حرمة الاسم المعظم إذا حنث بكفارة يمين.
وقد أفتى بذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: إن هذا قول عائشة رضي الله عنها وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الشافعي في ذلك: يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
________________________________________
ومن العلماء من يفرق بين التزام الحج وغيره فيقول: إن التزم حجا لزمه وإن التزم غيره كان له الخروج بكفارة يمين.
ومنهم من فرَّق أن يكون قد التزم صدقةَ مالِه كلِّه أو جعله في سبيل الله فقال: يجزئه الثلث من ماله؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر، فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجزئ عنك الثلث).
وفي الصحيحين في حديث كعب بن مالك -أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم-، أنه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك)، قال: قلتُ: إني أمسك سهمي بخيبر.
ومنهم من أوجب الصدقة بقدر الزكاة، ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وسيأتي الأثر بذلك إن شاء الله تعالى.
والقول بأن يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين هو القول المرضي، وهو قول كثيرٍ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وسببه ما ذكرنا أن اللفظ لفظ نذر والمعنى معنى يمين، فإن وفَّى فقد أتى بموجب اللفظ، وإن كفَّر فقد أتى بموجب المعنى، فهذا النوع يلحق بالأيمان الشرعية من هذا الوجه، وليس يميناً في الحقيقة بما يعظم كالكعبة والنبي فلا كفارة فيها.
وفي مذهب أبي حنيفة قول إنه تجب الكفارة بالحلف بالنبي؛ لأن حقه من حق الله عز وجل فأشبه اليمين بالله، وهو ضعيف وجمهور العلماء على خلافه.
وأما الحلف بملة غير الإسلام فليس من الأيمان الشرعية، ولا ينبغي أن يعتقد دخوله في قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم)، لأنها يمين محرمة، والمحرم لا يكون شرعياً.
وأكثر العلماء على أن لا كفارة فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، وان كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالماً)، وفيه غير ذلك.
________________________________________
وورد فيه أن كفارته قول لا إله إلا الله، وفي مذهب أبي حنيفة إيجاب الكفارة، وهذه اليمين لا تحتاج إلى ذكرها.
لكن هذا المبتدع جعل إيجاب من وأوجب الكفارة فيها حجة له، وقال: لو لزمه ما التزم لحكم بكفره؛ لأنه التزم الكفر في قوله: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، وهذا خطأ، فإن التكفير مداره على اعتقاد القلب، واللسان ترجمان ذلك، فإذا صدر منه لفظ دلَّ على كفره في عقد قلبه حكمنا بكفره، وإذا صدر منه لفظ لا يدل على كفره في قلبه لم نحكم بكفره، وإن تلفظ بالكفر، ولهذا لم نحكم بكفر المكره على التلفظ بالكفر، وقد قال الله تعالى: (إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان)، والقائل: إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، لا يقوله ليكون يهودياً أو نصرانياً بقلبه، ولكنه يمنع نفسه من الفعل لئلا يلزمه أن يكون يهودياً أو نصرانياً، والممتنع من الفعل خشية من هذا اللزوم لم يعقد قبله على الكفر، وإنما عقده على الإيمان، فلم نحكم بكفره.
وأما الطلاق فمداره على إطلاق اللفظ للمعنى، وان لم يقصد به حل قيد النكاح، ولهذا اختلف العلماء في إيقاعه على المكره والسكران، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين بوقوع طلاق السكران، بل الأكثرون على ذلك، فلم يعتبروا فيه قصد حل قيد النكاح، ولهذا يلزم الهازل ويقع عليه، وما ذلك إلا لإطلاق اللفظ.
وإنما كفر الهازل بالكفر لأن كفره دلَّ على استهانته بالدين بقلبه، فهو كافر بعقد القلب الذي دلَّ عليه لفظه، والمطلِّق بالهزل مطلق اللفظ، لا بعقد القلب على الطلاق، فلا يقاس أحد البابين على الآخر.
وأما إيجاب الكفارة في مذهب أبي حنيفة في يمين الكفر فلأنه إذا قال: إن فعلت كذا فأنا كافر، كان قد علَّق يمينه بتعظيم حق الله عز وجل على أن يكفر به، فأشبه تعظيم اسم الله أن تنتهك حرمته إذا حلت به، فألحق باليمين بالله تعالى في إيجاب الكفارة فله وجه من القياس، وان كان الأصح أن الكفارة لا تجب.
________________________________________
وأما يمين العتق وهو ما إذا قال: إن فعلت كذا فعبدي حر، فإن جمهور العلماء على لزوم العتق عند الحنث، وأنه لا تجزئ في ذلك كفارة يمين، هذا هو القول المشهور الذي استقرت عليه المذاهب المتبوعة، حتى قال بعضهم: إن الأمة مجمعة عليه.
وروي عن أبي عبيد وأبي ثور أنهما قالا: تجزئ فيه الكفارة، وأما الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فقالوا بالعتق، وهو مذهب عامة علماء الأمصار.
وما يروى من أثر ليلى بنت العجماء أنها حلفت بالهدي والعتاق لتفرقن بين عبدها وأمتها، فأفتاها ابن عمر وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما بالكفارة، فهذا الأثر تختلف الألفاظ في روايته روي من عدة [طرق]، ومداره على أبي رافع مولى ليلى بنت العجماء، وبعضهم يذكر فيه العتق وبعضهم لا يذكره، وقد ذكرنا عنه عدة أجوبة في الكتاب المطول ظاهرة، وقد ذكر هذا الأثر الإمام أحمد، ولم يأخذ به، بل قال بلزوم العتق، وروى أثراً يعارضه عن عثمان بن حاضر، قال: حلفت امرأة من ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله وجاريتي حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء ذكره زوجها أن تفعله، فذكر ذلك لابن عمر وابن عباس فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها مالي في سبيل الله فلتتصدق بزكاة مالها.
وروي هذا الأثر من طرق وفيه أيضاً فتوى ابن الزبير وجابر بن عبد الله بذلك، فهؤلاء أربعة من الصحابة وعلمائهم أفتوا بالعتق.
وقد أخذ بهذا الأثر الإمام أحمد بن حنبل إمام هذا المبتدع في غير بدعته، ورد خبر ليلى بنت العجماء.
وقال الشيخ موفق الدين المقدسي الحنبلي: إن أحمد رضي الله عنه قال في خبر ليلى بنت العجماء: إن الصحابة قالوا لها: كفِّري يمينك واعتقي جاريتك، وقال: هذه زيادة يجب قبولها، فاتفق الخبران على لزوم العتق.
وقول عائشة: (كل يمين ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين) يدل على أنها لا ترى في العتق كفارة.
________________________________________
وقال الشافعي رضي الله عنه لما ذكر الكفارة في نذر اللجاج والغضب إن هذا مذهب عائشة وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من قال هذا يقوله في كل ما يحنث فيه سوى العتق والطلاق.
فالشافعي قد نقل عن عائشة والصحابة القائلين بالكفارة في نذر اللجاج والغضب أنهم لا يقولون بالكفارة في العتق والطلاق.
ثم إذا قلنا بالقول الشاذ الضعيف في إيجاب الكفارة في العتق فسببه أن العتق قربة، فإذا التزمه فقد التزم قربة على تقدير المخالفة، كما التزمها بالنذر الذي يخرج مخرج اليمين تجزئه الكفارة؛ لكونه قربة ملتزمة على تقدير الحنث، فشبهوه باليمين من هذا الوجه كما قدمنا؛ لكونه التزم قربة لله إن خالف ترك تعظيم حق لله فيها، وهذا المعني موجود في التزام العتق فقالوا فيه بالكفارة، هذا توجيه المذهب الشاذ.
ومن هنا يخرج الفرق بينه وبين الطلاق، فإن الطلاق يعلَّق ويقع معلقاً كما يقع منجَّزاً بالإجماع، فإذا علَّقه على وجه اليمين فهو لفظ تعليق، ولفظ التعليق في الطلاق نافذ، وما عرض له من معنى اليمين لا يؤثر في إيجاب الكفارة، لأن الطلاق ليس قربة حتى يقال: التزم قربة إن تركها عند الحنث لم يعظم حق الله فيها، كما أنه إذا حلف باسمه فخالف لم يعظم حرمة اسمه، فلم تجب الكفارة فيه؛ لأنها شرعت هناك للجبر في حرمة اسم الله وفي القربة إليه، وليس كذلك في الطلاق فنفذ تعليقه على وجهه.
________________________________________
ومن وجه آخر أنَّا إذا أوجبنا الكفارة في باب القربة أمكننا أن نوجبها على وجه التخيير فنقول: قد لزمك ما التزمت من القربة، فان شئت أن تقوم به فلك، وإن شئت أن تخرج منه بكفارة يمين فلك، وأما الطلاق فلا يقع مخيراً إن شاء أمضاه بعد وقوعه وإن شاء دفعه بكفارة، هذا لا يقوله عاقل ولا من مارس الشريعة ولا من فهم مقاصدها، فإن الطلاقَ حَلُّ قيد النكاح، فإذا انحلَّ فليت شعري ماذا عقده بعد حلّه، ولا سيما في يمين الثلاث وقد قال الله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل به من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
فلو فكَّر المسكين في منتهى قوله لاستحيا من الله ومن الناس، ولكن غَطَّى عليه الهوى ومحبة الرياسة والطاعة وقبول الكلمة !! اللهم أعذنا من هذه البلوى، وقنا شر الهوى وحظوظ النفوس برحمتك.
ثم إنا نقول: قد أجمعت الأمة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في أيمان الكفارة، فلا مَعدِلَ عن الإجماع، إذ لا يُعارض الإجماعُ بدليلٍ غيره، هذا أيضاً لم يقله أحد من المسلمين.
ثم إن هذه الأيمان التي ذكرناها هل تسمى أيماناً ؟
فيه خلافٌ، والأصح أنها لا تسمى أيماناً.
قال ابن عبد البر: وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند أهل التحصيل والنظر، وإنما هو طلاقٌ بصفةٍ أو عتقٌ بصفةٍ إذا أوقعه مُوقِعٌ وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء، كلٌّ على أصله.
وقول المتقدمين: (الأيمان بالطلاق والعتق) إنما هو كلامٌ خرج على الامتناع والمجاز والتقريب، وأما الحقيقة فإنما هو طلاقٌ على وصف وعتق على وصف ما، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عز وجل.
فقد تبيَّن خروج يمين الطلاق من الآية الكريمة.
وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: (قد فرض الله لكم تحلَّة أيمانكم)، فإن هذا المبتدع تعلَّق بها بناء على أنَّ الكفارةَ وجبت في التحريم خاصَّةً، وأن الله سبحانه وتعالى جعله يميناً وأجراه مجرى اليمين في الكفارة.
________________________________________
ونبَّه على دخوله في الآية المذكورة قبلها، وهذا ليس كذلك؛ فإن هذه الواقعة قد قيل إنها في قصة ماريّة، وقيل في قصة العسل.
ومن العلماء من لم يذكر فيها يميناً بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم، وعلى هذا القول يخرج الجواب ممَّا تقدم.
والنبي صلى الله عليه وسلم توقف عن الكفارة حتى قال له الله سبحانه ما قال، فلو كان الحرام يسمى يميناً حقيقةً لعلم دخوله في الآية الأولى، فلمَّا احتاج إلى إعلام الله إياه دلَّ على أنه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي.
وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء، وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الإطلاق، فلا يدخل في الآية الكريمة إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي.
هذا على قول من يوجب الكفارة لكونه تحريماً، وأما من لم يقل بذلك فيقول: الكفارة ليمين بالله تعالى اقترنت بالتحريم.
وقد قال هذا المبتدع: من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم حَلَفَ مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحدٌ!!
وقد روى البيهقي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فجعل الحلال حراماً، وجعل في اليمين الكفارة.
وروى أبو داود مرسلاً عن قتادة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فدخلت فرأت معه فقالت: في بيتي وفي يومي!! فقال: (اسكتي فوالله لا أقربها وهي علي حرام).
وقد روى البيهقي مرسلاً أيضاً عن مسروق أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال: (هي علي حرام)، فنزلت الكفارة ليمينه، وأُمر أن لا يحرم ما أحل الله له.
________________________________________
وأما قصَّة العسل وهي أشهر في سبب نزول الآية، فروى البيهقي أن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فليقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب، ولن أعود له، فنزلت (لم تحرم ما أحل الله لك) إلى (إن تتوبا إلى الله) لعائشة وحفصة (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً) لقوله: بل شربت عسلاً.
قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن الحسن بن محمد، ورواه مسلم عن محمد بن حاتم، كلاهما عن حجاج.
قال البخاري: وقال إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريح عن عطاء في هذا الحديث: (ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً).
قال ابن عبد البر: وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك): والله لا أشرب العسل بعدها.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف بالله فالكفارة لليمين بالله.
وهذا معني قول عائشة: فجعل الحلال حراماً، وجعل في اليمين الكفارة، فلم تكن الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى، ولا يحتاج إلى الجواب عن الآية والله أعلم.
________________________________________
[الخاتمة]
فهذه لمعة إقناعية لمن نظرها بعين الإنصاف، ووراء هذا من الأبحاث العقلية والمنقولات الصحيحة والنظر الفقهي ما لا يسعه إلا كتاب مطوَّل.
وقد ذكرنا في كتابنا في الردِّ عليه كثيراً منها ومن دقيقها طرد الباب كلِّه وجعل إيقاع الطلاق في اليمين بالطلاق نظيرَ إيجاب الكفارة في اليمين بالله تعالى عند الحنث، ومقتضى قياسه، فالعلةُ التي أوجبت ثبوت الكفارة في اليمين بالله تعالى هي بعينها التي اقتضت إيقاع الطلاق وإيقاع العتق عند الحنث.
هذا ما لا يفهمه إلا الفقيه المحقق، ولا يدركه من دأبه التخبيط والهذر، وهو في التحقيق على مفاوز.
أعاذنا الله من هوى يسد باب الإنصاف، ويصدُّ عن جميل الأوصاف بمنِّه وكرمه.
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
________________________________________
________________________________________

الكتاب : البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف تأليف : السيد حسن بن علي السقاف

الكتاب : البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف
تأليف : السيد حسن بن علي السقاف
الناشر : مكتبة الإمام النووي – عمَّان

البشارة والإتحاف
حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 1 ]
البشارة والإتحاف بما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف أو النقول الواضحة الجلية في عرض إنكار الألباني في العقيدة على ابن تيمية عرض الخلاف الواقع بين أدعياء السلفية في العقيدة وبعض الفروع كأمثال ابن تيمية وابن القيم و الشوكاني والألباني وبعض أتباع هذه الطائفة الحرانية بقلم حسن بن علي السقاف عفا الله عنه
________________________________________
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
________________________________________
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره . ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون . يا ايها الناس اتقوا ربكم ، الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ، ان الله كان عليكم رقيبا . يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .
________________________________________
[ 4 ]
________________________________________
اما بعد : فهذه رسمالتنا المسماة ب‍ ” النقول الواضحة الجلية في عرض انكار الالباني في العقيدة على ابن تيمية ” عرض فيها بعض ما وقفت عليه من مسائل عقائدية في التوحيد وقع الخلاف فيها بين ابن تيمية والالباني بشكل خاص وغيرهما من باقي اصحابهما بشكل عام . كما اعرض فيها بعض مسائل الفروغ التي وقع الخلاف فيها بين من ذكرنا وهي قليلة هنا . وكان السبب في تأليفها انني التقيت بشاب الباني المشرب فقال لي : لماذا تخالف الامام ابن تيمية في بعض مسائل العقيدة وتشنع عليه ؟ ! فقلت له : هذا السؤال يجب ان توجهه إلى شيخك لم الالباني قبل ان توجهه لي فإنه هومن جملة المشنعين والرافضين لبعض عقائد ابن تيمية في مسائل عديدة ربما لو جمعها الانسان زادت على مائتي مسألة ! فقال : معقول ؟ ! يا ليتي لم قف عليها . فقلت له انا اكتب لك رسالة في بعضها ثم اتفرغ بإذن الله تعالى لتجميعها كلها ووضعها في كتاب كبير أعرض لك فيه جميع
________________________________________
[ 5 ]
________________________________________
المسائل العقائدية التي وقع الخلاف فيها بين مثل ابن تيمية وابن القيم والشوكاني ومن يقلدهم أو كان على مشربهم كالالباني وبعض من يدعي السلفية ! ! هداهم الله تعالى الى الحق والى الطريق المستقيم فشرعت في هذه الرسالة الموجزة والله تعالى الموفق . وانني اوجه اولا سؤالين لهذا الشاب وامثاله هداه الله تعالى ارجو ان يجيب نفسه عليهما ان خلا بنفسه إذا كان لا يريد ان يجيبنا على الملا فاقول له : ما هو رايك في كل مسالة من هذه المسائل التي سأعرضها وخصوصا مسائل اصول الاعتقاد ! من الذي اصاب العقيدة الصحيحة فيها – ابن تيمية أو الالباني – ومن الذي يستحق بذلك دخول الجنة ! ومن الذي اخطا العقيدة الصحيحة منهما ولا يستحق دخول الجنة ؟ ! ! فإذا قلت : ان المخطئ منهما في هذه المسائل العقائدية ماجور – مع ان هذا عند اهل الحق وعلماء اهل السنة مرفوض لان اصول العقائد لا اجتهاد فيها – فاقول لك : لماذا لا تقول بان مخالفك – كما تزعم – في العقيدة وهم السادة
________________________________________
[ 6 ]
الاشاعرة وهم جمهور اهل السنة ماجورون ايضا ؟ ! ! ام انها حلال لكم حرام على غيركم ؟ ! !
________________________________________
[ 7 ]
– 1 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية والالباني في قضية قدم العالم بالنوع وحوادث لا اول لها وهي من مسائل اصول الاعتقاد ذكر ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه بان الحوادث لا اول لها مع كونها مخلوقة لله تعالى ! ! من تلك المواضع الكثيرة قوله : 1 – في (موافقة صحيح منقوله لصريح معقوله) على هامش (منهاج سنته) (1 / 245) ما نصه : (قلت : هذا من نمط الذي قبله ، فان الازلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث) اه‍ . 2 – وفي كتابه (شرح حديث عمران بن حصين) صحيفه (193) ما نصه : (وان قدر ان نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله) اه‍ .
________________________________________
________________________________________
[ 8 ]
3 – وقال ابن تيمية ايضا في (موافقة صحيح منقوله لصريح معقوله) (2 / 75) ما نصه : (واما اكثر اهل الحديث ومن وافقهم فانهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما) اه‍ . قلت : وقد اثبت العلماء ذلك على ابن تيمية (1) ومنهم الحافظ ابن حجر في (شرح صحيح البخاري) (13 / 410) إذ قال عند ذكره لحديث (كان الله ولا شئ معه) ما نصه) ما نصه : (وهو اصرح في الرد على من اثبت حوادث لا اول لها من رواية الباب ، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية ، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس ، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق) . انتهى من (الفتح) فتأمل .
________________________________________
(1) ولا يمكن التفلت من هذا الامر أو انكاره وقد بسطناه بسطا موسعا في رسالتنا (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فارجع إليها فانها مهمة جدا .
________________________________________
[ 9 ]
وقال في هذه المسالة الحافظ ابن دقيق العيد ايضا كما في (الفتح) (12 / 202) ما نصه : (وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل الى الفلسفة (2) فطن ان المخالف في حدوث العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع ، وتمسك بقولنا ان منكر الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع ، قال : وهو تمسك ساقط اما عن عمى في البصيرة أو تعام ، لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر بالنقل) اه‍ من الفتح فتأمل . وقد انكر ابن تيمية في (نقد مراتب الاجماع) ص (168) ان
________________________________________
________________________________________
(2) ينبغي التنبيه هنا الى ان ابن تيمية كان معاصرا للحافظ ابن دقيق العيد قائل هذه العبارة ، لا سيما والحافظ الذهبي يقول في رسالته (زغل العلم) ص (23) عند الكلام على المنطق والفلسفة وما اشبه ذلك : (فما اظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها وقد رايت ما آل امره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل ان يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكسوفا . . .) اه‍
________________________________________
[ 10 ]
يكون هناك اجماع على (ان الله لم يزل وحده ولا شئ معه غيره) وقد رد كلام ابن تيمية هذا الامام المحدث العلامة الكوثري رحمه الله تعالى هناك بما يليق به . رد الالباني لعقيدة ابن تيمية هذه واعلانه رفضها : قال الالباني في (صحيحته) (1 / 208) عن حديث : (ان اول شئ خلقه الله تعالى القلم ما نصه : (وفيه رد ايضا على من يقول بحوادث لا اول لها ، وانه ما من مخلوق الا ومسبوق بمخلوق قبله ، وهكذا الى ما لا بداية له ، بحيث لا يمكن ان يقال : هذا اول مخلوق ، فالحديث يبطل هذا القول ويعين ان القلم هو اول مخلوق ، فليس قبله قطعا اي مخلوق ، ولقد اطال ابن تيمية . . . الكلام في رده على الفلاسفة محاولا اثبات حوادث لا اول لها ، وجاء في اثناء ذلك بما تحار فيه العقول ، ولا تقبله اكثر القلوب) . ثم قال الالباني بعد ثلاثة اسطر : (فذلك القول منه غير مقبول ، بل هو مرفوض بهذا الحديث ، وكم
________________________________________
[ 11 ]
________________________________________
كنا نود ان لا يلج ابن تيمية . . . هذا المولج ، لان الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام . . . .) انتهى . فتأمل ! ! وقال الالباني في (شرحه المختصر) للعقيدة الطحاوية (طبع المكتب الاسلامي الطبعة الاولى (1398 ه‍ – 1978 م) ص (35) ما نصه : (فاني اقول الان : سواء كان الراجح هذا ام ذلك ، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على ان العلماء اتفقوا على ان هناك اول مخلوق ، والقائلون بحوادث لا اول لها مخالفون لهذا الاتفاق ، لانهم يصرحون بان ما من مخلوق الا وقبله مخلوق ، وهكذا الى ما لا اول له ، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه ، فان قالوا العرش اول مخلوق ، كما هو ظاهر كلام الشارح ، نقضوا قولهم بحوادث لا اول لها . وان لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق : فتأمل هذا فانه مهم ، والله الموفق) اه‍ . فالان لم نصغي في تصحيح هذه المسالة العقائدية التي هي
________________________________________
[ 12 ]
من اصول الدين لابن تيمية ام للالباني ؟ ! ! ومن الذي اخطا منهما ؟ وهل ادركتم الخلاف الواقع بينهما في هذه المسالة التوحيدية ؟
________________________________________
[ 13 ]
– 2 – ابن تيمية يقول (ان النار تفنى) والالباني يخطئه فيها ويقول انها لا تفنى وهي مسالة عقائدية خطيرة ثبت ان ابن تيمية يقول بفناء النار ويدعي ان في المسالة نزاعا معروفا عن التابعين ومن بعدهم فيها ، والكل منا يعرف ان هذه المسالة من مسائل العقيدة ، لانها لا تذكر في باب الوضوء من كتب الفقه ولا في باب الحيض والنفاس ولا في غير ذلك من الابواب كالاجارة والنكاح وغيرها ! ! فاذن هي من مسائل اصول الاعتقاد ومع ذلك جرى الخلاف فيها بين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من جهة وبين الالباني من جهة اخرى . واليك ذلك باختصار : 1 – قال الالباني في مقدمة كتاب (رفع الاستار لابطال ادلة القائلين
________________________________________
[ 14 ]
________________________________________
بفناء النار) لمحمد بن اسماعيل الامير الصنعاني (3) ص (7) ما نصه : [ فاخذت في البطاقات نظرا وتقليبا ، عما قد يكون فيها من الكنوز بحثا وتفتيشا ، حتى وقعت عيني على رسالة للامام الصنعاني ، تحت اسم (رفع الاستار لابطال ادلة القائلين بفناء النار) . في مجموع رقم الرسالة فيه (2619) ، فطلبته ، فإذا فيه عدة رسائل ، هذه الثالثة منها . فدرستها دراسة دقيقة واعية ، لان مؤلفها الامام الصنعاني رحمه الله تعالى رد فيها على شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ميلهما الى القول بفناء النار ، باسلوب علمي رصين دقيق ، (من غير عصبية مذهبية . ولا متابعة اشعرية ولا معتزلية) كما قال هو نفسه رحمه الله تعالى في آخرها . وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ اكثر من عشرين سنة بايجاز في (سلسلة الاحاديث الضعيفة) في المجلد الثاني منه (ص 71 – 75) بمناسبة تخريجي فيه بعض الاحاديث المرفوعة ، والاثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا إليه من القول بفناء النار ، وبينت هناك وهاءها وضعفها ، وان لابن القيم قولا آخر ، وهو ان النار لا تفنى ابدا ،
________________________________________
(3) طبع المكتب الاسلامي الطبعة الاولى 1405 ه‍ . (*)
________________________________________
[ 15 ]
________________________________________
وان لابن بيمية قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار . وكنت توهمت يومئذ انه يلتقي فيها مع ابن القيم في قوله الاخر ، فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم ، ان الرد المشار إليه ، انما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون من قال بفناء النار ! وانه هو نفسه – اعني ابن تيمية – يقول : بفنائها ، وليس هذا فقط بل وان اهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ! وذلك واضح كل الوضوح في الفصول الثلاثة التي عقدها ابن القيم لهذه المسالة الخطيرة في كتابه (حادي الارواح الى بلاد الافراح) (2 / 167 – 228) ، وقد حشد فيها (من خيل الادلة ورجلها ، وكثيرها وقلها ، ودقها وجلها ، واجري فيها قلمه ، ونشر فيها علمه واتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل ، واستنفر كل قبيل وجيل) كما قال المؤلف رحمه الله ، ولكنه اضفى بهذا الوصف على ابن تيمية ، وابن القيم اولى به واحرى لاننا من طريقه عرفنا راي ابن تيمية ، في هذه المسالة ، وبعض اقواله فيها ، واما حشد الادلة المزعومة وتكثيرها ، فهي من ابن القيم وصياغته ، وان كان ذلك لا ينفي انه
________________________________________
[ 16 ]
________________________________________
تلقى ذلك كله أو جله من شيخه في بعض مجالسه ] اه‍ . فتأملوا ! ! وقال الالباني ايضا في مقدمة (رفع الاستار) ص (25) ما نصه : [ فكيف يقول ابن تيمية : (ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة) ! فكان الرحمة عنده لا تتحقق الا بشمولها للكفار المعاندين الطاغين ! اليس هذا من اكبر الادلة على خطا ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسالة الخطيرة ؟ ! . ] انتهى كلام الالباني . قلت : ومن رجع الى كتاب (حادي الارواح) لابن القيم ، وما كتبه الالباني في مقدمة (رفع الاستار) يتحقق ان الالباني مخالف لابن تيمية وابن القيم ومن تبعهما في هذه المسالة العقائدية التي وصفها بانها خطيرة ، لا سيما وقد صرح بقوله كما تقدم : (اليس هذا من اكبر الادلة على خطا ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسالة الخطيرة ؟ !) . ومن العجيب الغريب اننا رأينا في هذه الايام كتابا لرجل معاصر مقلد لابن تيمية وهو يرد فيه على الالباني تعديه بزعمه ! ! على
________________________________________
[ 17 ]
________________________________________
ابن القيم وابن تيمية سماه (القول المختار لبيان فناء النار) واسم مؤلفه : عبد الكريم صالح الحميد (طبع مطبعة السفير – الرياض الطبعة الاولى 1412 ه‍) ويمكننا ان نجمل ما في الكتاب بنقل خلاصته المهمة وهي من ص (13 – 14) : قال عبد الكريم صالح الحميد – مقلد ابن تيمية – في رده على الالباني ما نصه : [ فصل : الباعث لكلامنا في هذه المسالة : كنت اسمع من يقول : في كتب ابن القيم اشياء ما تصلح مثل حادي الارواح وغيره ، والبعض يقول : لعل ذلك قبل اتصاله بشيخه أو انه دخل عليه من ابن عربي ولا ادري ما المراد ولكني انفي ان يكون في كتب ابن القيم شئ ما يصلح ! حتى وصلت الى نسخة (رفع الاستار) للصنعاني وفيها مقدمة الالباني وتعليقه ، فلما قرات المقدمة عرفت السر الذي من اجله تكلم من تكلم بكتب ابن القيم فقد رايت تهجما عنيفا من الالباني على الشيخ وتلميذه لاصبر عليه حيث قال : – سقطا بما سقط به اهل البدع والاهواء من الغلو في التأويل وان
________________________________________
[ 18 ]
ابن القيم انتصر لشيخه في ذلك . – وان ابن تيمية يحتج لهذا القول بكل دليل يتوهمه ويتكلف في الرد على الادلة المخالفة له تكلفا ظاهرا . وقال : – حتى بلغ بهما الامر الى تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه كما يفعل المعتزلة تماما . حتى زعم ان تأويل المعتزلة والاشاعرة لايات واحاديث الصفات كاستواء الله على عرشه ونزوله الى السماء ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من التأويل ايسر من تأويل ابن القيم النصوص من اجل القول بفناء النار . وقال : فهذا شيخ الاسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولا لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه . وغير ذلك من طعن الالباني وقدحه على الشيخ وتلميذه في مقدمة (رفع الاستار) . فلذلك كتبت في المسالة دفاعا عنهما وبيانا بان الحق معهما (4) وانا على بصيرة من ذلك حيث دعوت للمباهلة من اول المسالة .
________________________________________
________________________________________
(4) اي ان هذا المؤلف يقول بفناء النار ايضا ! ! فما حكم الالباني عليه ! ! (*)
________________________________________
[ 19 ]
ولو غلط الشيخ وتلميذه في هذه المسالة لم يوجب ذلك ولا بعض ما قاله الالباني كيف والحق والصواب معهما في ذلك ، وقد تكلما فيه دفاعا عن الاسلام كما تقدم فرضي الله عنهما وجزاهما خير الجزاء . فانا اهيب بمن تعجل في الانكار ان يراجع الصواب ويدع الاصرار ] . انتهى كلام خصم الالباني عبد الكريم الحميد فتأملوا ! ! وهناك خصم آخر لعبد الكريم صالح الحميد يدرس في جامعة ام القرى بمكة صنف رسالة سماها (كشف الاستار لابطال ادعاء فناء النار) حاول ان ينفي فيها القول بفناء النار عن ابن تيمية ، مع انه ثابت عنه كالشمس كما قال الالباني حفظه الله ! ! ومنه يتبين انهم يموجون في العقيدة ويضطربون كاضطراب الريح ! ! وهم متنازعون في هذه المسالة الاعتقادية ! ! فنقول الان اين الحق في هذه المسالة العقائدية هل هو عند ابن تيمية وابن القيم القائلين بفناء النار ام عند الالباني القائل ببقائها ؟ ! ! ولماذا يختلف هؤلاء في اصول العقيدة فيما بينهم وينعون على
________________________________________
[ 20 ]
غيرهم الاختلاف والمباينة عنهم في اصول عقيدتهم ؟ ! ! [ تنبيه مهم ] : ينبغي ان نعلم ان القول بفناء النار هو راي الجهم بن صفوان كما تجد ذلك في (لسان الميزان) (2 / 334 السطر الرابع من اسفل الطبعة الهندية) في ترجمة ابي مطيع البلخي ، فالجهم بن صفوان هو سلف من يقول بفناء النار ! !
________________________________________
[ 21 ]
________________________________________
– 3 – فصل ابن تيمية يثبت استقرار الله على العرش ويجوز استقراره على ظهر بعوضة والالباني يخالف عقيدة الاستقرار هذه ويعتبرها بدعة اعلم ان ابن تيمية يقول باستقرار الله – سبحانه وتعالى عما يقول على العرش ، والالباني يخالف ذلك فيقول بانه لا يجوز اعتقاد الاستقرار واليك ذلك مختصرا : قال ابن تيمية في (بيان تلبيس الجهمية) (1 / 568) : (ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم اكبر من السموات والارض ، فكيف على عرش عظيم اكبر من السموات والارض ، فكيف تنكر ايها النفاج ان عرشه يقله . . . .) (5) .
________________________________________
لايستطيع اي انسان عاقل ان ينكر ذلك ، ولا ان يقول ليس هذا كلام ابن تيمية انما هو نقل ، وذلك لان ابن تيمية مقر مقرر لهذا الكلام لم ينكره بل هو حاض عليه ! ! فقد ذكر ابن القيم في كتابه (اجتماع الجيوش الاسلامية) ص (88) طبعة = (*)
________________________________________
[ 22 ]
وكذلك صرح بلفظة الاستقرار التي لم ترد في كتاب ولا في سنة ابن عثيمين حيث قال في (شرح لمعة الاعتقاد) ص (41) : (وهو استواء حقيقي معناه العلو والاستقرار . . .) اه‍ . رد الالباني على ذلك : قلت : وقد رد الالباني عقيدة الاستقرار هذه التي يقول بها ابن تيمية ومقلدوه بكل صراحة في مقدمة (مختصر العلو) ص (17 الطبعة الاولى) 1401 ه‍ حيث قال : [ ولست ادري ما الذي منع المصنف – عفا الله عنه – من الاستقرار على هذه القول ، وعلى جزمه بان هذه الاثر منكر كما تقدم
________________________________________
________________________________________
= هندية ما نصه : (كتابا الدارمي – النقض على بشر المريسي والرد على الجهمية – من اجل الكتب المصنفة في السنة وانفعها ، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والائمة ان يقرا كتابيه ، وكان شيخ الاسلام ابن تيمية . . . يوصى بهما اشد الوصية ويعظمهما جدا ، وفيهما من تقرير التوحيد والاسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما) اه‍ . وقد اثبت هذه الفقرة حامد الفقي على خلف صفحة الغلاف الداخلي لكتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) فتنبه . (*)
________________________________________
[ 23 ]
عنه ، فانه يتضمن نسبة القعود على العرش لله عزوجل ، وهذا يستلزم نسبة الاستقرار عليه لله تعالى وهذا مما لم يرد ، فلا يجوز اعتقاده ونسبته الى الله عزوجل ] اه‍ . فتأملوا جيدا ! ! فهل الحق في هذه المسالة والصواب مع ابن تيمية الذي يثبت الاستقرار ام مع الالباني الذي ينفيه ؟ ! ! ولماذا يختلفان في هذا الاصل العقائدي الخطير ؟ ! ! ومن منهما الذي اصابه في توحيد الاسماء والصفات والاختلال ؟ ! !
________________________________________
[ 24 ]
– 4 – فصل ابن تيمية وابن القيم يقولان بقعود الله على العرش والالباني ينكر عقيدة القعود قال الحافظ أبو حيان في تفسيره (النهر الماد) (6) (1 / 254) ما نصه : [ وقرات في كتاب لاحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش : ان الله تعالى يجلس على الكرسي وقد اخلي منه مكانا يقعد فيه معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحيل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري وكان اظهر انه داعية له حتى اخذه منه وقرانا ذلك فيه ] . اه‍ فتأمل ! ! قلت : كتاب العرش هذا غير الرسالة العرشية المطبوعة .
________________________________________
(6) طبع دار الفكر / معتمد الطباعة والنشر والتوزيع : دار الجنان ومؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الاولى 1407 ه‍ 1987 م . (*)
________________________________________
________________________________________
[ 25 ]
وقد اثبت هذه العقيدة ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) (4 / 39) حيث قال : [ فائدة : قال القاضي : صنف المروزي كتابا في فضيلة النبي (صلى الله عليه وسلم) وذكر فيه اقعاده على العرش . . . ] ثم قال ابن القيم بعد : قلت : وهو قول ابن جرير الطبري وامام هؤلاء كلهم مجاهد امام التفسير وهو قول ابي الحسن الدارقطني ، ومن شعره فيه : حديث الشفاعة عن احمد * الى احمد المصطفى مسنده وجاء حديث باقعاده * على العرش ايضا فلا نجحده امروا الحديث على وجهه * ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروه انه قاعد * ولا تنكروا انه يقعده (7) ] انتهى كلام ابن القيم من كتابه (بدائع الفوائد) .
________________________________________
(7) ما شاء الله على هذه العقيدة ! ! وهنيئا لك يا ابن القيم بها ! ! الا يعتبر هذا من الاطراء المذموم الذي ينهى من يدعي السلفية غيرهم عنه ؟ ! ! والذي نهانا عنه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ؟ ! ! والذي فيه التشبيه بعقيدة النصارى القائلين ان لله ولد ! ! = (*)
________________________________________
[ 26 ]
انكار الالباني لذلك ورده عليه : اعلم ان الالباني رد هذه العقيدة في مقدمة (مختصر العلو) ص (20) حيث قال : [ قلت : وقد عرفت ان ذلك لم يثبت عن مجاهد ، بل صح عنه ما يخالفه كما تقدم . وما عزاه للدارقطني لا يصح اسناده كما بيناه في (الاحاديث الضعيفة) (870) (8) واشرت الى ذلك تحت ترجمة الدارقطني الاتية . وجعل ذلك قولا لابن جرير فيه نظر ] .
________________________________________
________________________________________
= ورحم الله البوصيري حيث قال : دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ومن المؤسف له جدا ! ! ان بعض المعاصرين الذين لا يميزون بين النقير والفتيل ! ! يذكر هذا عن ابن القيم ويعتبرها خصوصية عجيبة وغريبة ! ! في اللغرابة ويا للعجب ! ! ولاحول ولا قوة الا بالله ! ! (8) قلت : الصواب برقم (865) من الطبعة الثانية سنة (1404 ه‍) والنظر التعليقات على كتاب (البرهان في رد البهتان والعدوان) [ الذي نشره المكتب الاسلامي / زهير الشاويش / باشراف اعضاء قسم التصحيح في المكتب الاسلامي / الطبعة الاولى 1413 ه‍ ] ص (37) وتامل . (*)
________________________________________
[ 27 ]
ثم قال الالباني في آخر تلك الصحفية : [ وخلاصة القول : ان قول مجاهد هذا - وان صح عنه - لا يجوز ان يتخذ دينا وعقيدة ، ما دام انه ليس له شاهد من الكتاب والسنة ، فياليت المصنف إذ ذكره عنه جزم برده وعدم صلاحيته للاحتجاج به ، ولم يتردد فيه ] . انتهى كلام الالباني فتأمل ! ! فالان من هو المحق ابن تيمية وابن القيم اللذان يثبتان قعود الله على العرش واقعاد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة بجنبه ام الالباني النافي لذلك الذي يقول : (لا يجوز ان يتخذ هذا – دينا وعقيدة) ؟ ! ! تفكروا في الامر جيدا ! ! وافيدونا يرحمكم الله ؟ ! !
________________________________________
[ 28 ]
________________________________________
– 5 – فصل الالباني يصف ابن تيمية بانه جرئ على تكذيب الحديث الصحيح اورد ابن تيمية حديثا في (منهاج سنته) (4 / 86) فيه فضل سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه وارضاه ، فادعى بانه لم يصح اعتمادا على ابن حزم حيث قال ابن تيمية : [ واما قوله : (من كنت مولاه فعلي مولاه) فليس هو في الصحاح ، لكن هو مما رواه العلماء ، وتنازع الناس في صحته . . . ] ثم قال نقلا عن ابن حزم بزعمه ! ! : [ قال : واما (من كنت مولاه فعلي مولاه) فلا يصح من طريق الثقات اصلا ] . اه‍ قلت : هذا الحديث متواتر نص الذهبي على ذلك في (سير اعلام النبلاء) (8 / 335) .
________________________________________
[ 29 ]
رد الالباني على ابن تيمية في هذه المسالة : قال الالباني في (صحيحته) (5 / 263) : [ فمن العجيب حقا ان يتجرا شيخ الاسلام ابن تيمية على انكار هذا الحديث وتكذيبه في (منهاج السنة) (4 / 104) كما فعل بالحديث المتقدم هناك ] . ثم قال في الاخير : [ فلا ادري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ، الا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة . . . ] . انتهى كلام الالباني فتأمل ! ! [ تنبيه مهم جدا ] : الالباني لا يعول على تصحيح ابن تيمية ولا على تضعيفه للاحاديث بل ينصح طلاب العلم ان لا يعولوا عليه ايضا ويؤكد الالباني عليهم ذلك ومن امثلته : قوله في (صحيح الكلم الطيب) لابن تيمية (صحيفة (4) الطبعة الرابعة 1400 ه‍) ما نصه :
________________________________________
[ 30 ]
________________________________________
(انصح لكل من وقف على هذا الكتاب أو غيره ن لا يبادر الى العمل بما فيه من الاحاديث الا بعد التاكد من ثبوتها ، وقد سهلنا له السبيل الى ذلك بما علقناه عليها ، فما كان ثابتا منها عمل به وعض عليه النواجذ والا فاتركه . . .) انتهى فتأمل ! ! فالالباني يقول بصراحة : ارجعوا لي في الحديث ولا ترجعوا الى شيخ الاسلام ! ! ! ابن تيمية ! ! فيا للعجب ! ! فعلى من ينبغي ان يعول طلاب العلم على تصحيحات وتضعيفات ابن تيمية ام الالباني ؟ ! !
________________________________________
[ 31 ]
– 6 – ابن تيمية ينكر المجاز وبعض المتعصبين له يبالغون فينكرون المجاز في القرآن والالباني يثبته اعلم يرحمك الله تعالى ان ابن تيمية انكر المجاز وبين بطلان تقسيم اللفظ الى حقيقة ومجاز كما اثبت بطلان قول من قال (ان اللفظ إذا لم يكن معه قرينة دل على انه حقيقة وان لم يدل الا معها فهو مجاز) وله في ذلك نصوص كثيرة منها قوله في كتاب (الايمان) ص (109) (9) : (وقولهم : اللفظ ان دل بلا قرينة فهو حقيقة ، وان لم يدل الا معها فهو مجاز ، فقد تبين بطلانه) اه‍ . وتلميذ ابن تيمية وهو ابن القيم يعتبر المجاز في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة طاغوتا فيقول (كما في
________________________________________
(9) طبع المكتب الاسلامي الطبعة الثالثة (1408 ه‍ – 1988) . (*)
________________________________________
[ 32 ]
________________________________________
مختصر الصواعق المرسلة اول الجزء الثاني ص 2) ما نصه . (فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الاسماء والصفات وهو طاغوت المجاز) ! ! مع ان اسم كتاب ابن القيم مجازي لان كتابه ليس صواعق ومن راجع قواميس اللغة لن يجد ان معنى صواعق هو كتاب أو مصنف لابن القيم ! ! مع ان ابن القيم متناقض ! ! في هذه المسالة لانه اثبت المجاز في القرآن وجاء له بامثلة وكذا في لغة العرب بكل توسع في كتابه (الفوائد المشوقة الى علوم القرآن وعلم البيان) . انظر (الفوائد المشوقة) من ص (10 – 12) وما بعدها ! ! وتامل ! ! فيا للعجب ! ! مخالفة الالباني لابن تيمية في هذا : قال الالباني في مقدمة (مختصر العلو) ص (23) في الحاشية ما نصه :
________________________________________
[ 33 ]
[ قرائن المجاز الموجبة للعدول إليه عن الحقيقة ثلاث : العقلية كقوله تعالى (واسال القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) اي اهلهما . ومنه : (واخفض لهما جناح الذل) الثانية : الفوقية مثل (يا هامان ابن لي صرحا) اي مر من يبني ، لان مثله مما يعرف انه لا يبني . الثالثة : نحو (مثل نوره) فانها دليل على ان الله غير النور . قال اهل العلم : وامارة الدعوة الباطلة تجردها عن احد القرائن ، انظر (ايثار الحق على الخلق) (ص 166 - 167) للعلامة المرتضى اليماني ] . انتهى فتأمل ! !
________________________________________
[ 34 ]
________________________________________
– 7 – فصل في عرض اختلافهم في اثبات الصورة في حديث (خلق الله آدم على صورة الرحمن) اعلم يرحمك الله تعالى ان ابن تيمية يقول بثبوت حديث (ان الله خلق آدم على صورة الرحمن) بهذا اللفظ في كتابه (التأسيس في رد اساس التقديس) وهذا الذي يتبناه اتباعه أو مقلدوه الان حتى الف احدهم وهو حمود التويجري كتابا في اثبات ذلك سماه : (عقيدة اهل الايمان في خلق آدم على صورة الرحمن) (10) ! ! وقرظه له عبد العزيز بن باز كما يجده مطالع الكتاب في الصفحات الاولى
________________________________________
(10) ولا اتصور ان هناك منزه أو موحد يتخيل ان سيدنا آدم عليه السلام وبالتالي ذريته التي تشبهه مخلوقة على صورة الرحمن سبحانه وتعالى ! ! وإذا لم تكن هذه العقيدة هي التشبيه والتجسيم بعينه فما ادري ما هو التشبيه والتجسيم بعد ذلك ! ! نسال الله تعالى الهداية . (*)
________________________________________
[ 35 ]
منه ! ! وعلى كل حال فالذي ينبغي علمه هنا ان حمود التويجري رد على الالباني تضعيفه لهذا اللفظ الوارد في الحديث الذي فيه (على صورة الرحمن) واثبته حيث قال ص (21) من الكتاب الانف الذكر : (وقد ادعى الالباني في تعليقه على كتاب السنة لابن ابي عاصم ان هذا المرسل اصح من الموصول ، وهذه دعوى لا دليل عليها فلا تقبل) . اه‍ وقال التويجري ص (22) ايضا : (والجواب عن هذ التعليل من وجوه احدها ان يقال : ان العلل التي ذكرها ابن خزيمة والالباني واهية جدا) . [ وقد نقل شيخ الاسلام أبو العباس ابن تيمية في كتابه الذي سماه (نقض اساس التقديس) ما رواه الخلال عن اسحاق بن راهوية ثم قال فقد صحح اسحاق حديث ابن عمر مسندا خلاف ما ذكره ابن خزيمة ] اه‍ . ثم قال ص (25) :
________________________________________
[ 36 ]
________________________________________
(فلا ينبغي ان يلتفت الى تضعيف ابن خزيمة له فضلا عن تضعيف الالباني له تقليدا لابن خزيمة . . .) اه‍ رد الالباني على ذلك صريحا : قلت : اورد هذا الحديث الالباني في (ضعيفته) المجلد (3) برقم (1175) و (1176) وحكم على الاول بانه منكر وعلى الثاني بانه ضعيف ثم ختم بحثه في الحديث الثاني بقوله : (وهو ضعيف من طريقيه ، ومتنه منكر لمخالفته للاحاديث الصحيحة) اه‍ . فتأملوا ! !
________________________________________
[ 37 ]
– 8 – فصل في عرض الخلاف بينهم في معية الله تعالى فبعضهم يقول هو مع خلقه حقيقة وبعضهم ينفي ذلك ويراه بدعة اثبت ابن تيمية ومن تبعه بان صفة العلو أو الفوقية فوقية حقيقية وان معية الله تعالى لخلقه بالعلم ، فقال في كتابه (الرد على اساس التقديس) (1 / 111) : (والباري سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة) اه‍ . وقد اختلف في ذلك اثنان من اتباع ابن تيمية أو مقلديه واليك ذلك : قال ابن عثيمين في كتابه الذي سماه : (عقيدة اهل السنة
________________________________________
[ 38 ]
والجماعة) (11) ص (9) ما نصه : (ومن كان هذا شانه كان مع خلقه حقيقة وان كان فوقهم على عرشه حقيقة (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير)) اه‍ . وقال في فتوى له – ابن عثيمين – بتاريخ 24 / 6 / 1403 ما نصه : (فعقيدتنا ان لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي احاطته بكل شئ علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا . . .) الخ . ثم قال : (قال مقررا له ومعتقدا له منشرحا له صدره ولله الحمد محمد الصالح العثيمين في 24 / 6 / 1403 ه‍) . وقد رد عليه المدعو علي بن عبد الله الحواس في رسالة سماها : (النقول الصحيحة الواضحة الجلية – عن السلف الصالح في معنى المعية الالهية الحقيقية) وهو مطبوع في الرياض مطابع الخالد ! ! وكذلك رد عليه عبد الله بن ابراهيم القرعاوي في رسالته
________________________________________
________________________________________
(11) طبع مكتبة المعارف / الرياض توزيع : دار الكتب السلفية بالازهر القاهرة . وفي مقدمتها تقريظ لابن باز وقد بلغنا ان مؤلف كتاب (عقيدة اهل الايمان) له كتاب في تحريم الاكل بالملاعق ! ! فسبحان قاسم العقول ! ! (*)
________________________________________
[ 39 ]
(الاقوال السلفية النقية ترد على من قال ان معية الله ذاتية) مطبوعة في (مطابع الخالد للاوفست) الرياض . فتأملوا ! ! رد الالباني على ذلك : قال الالباني في (شرحه وتعليقة) ! ! على العقيدة الطحاوية ص (28) ما نصه : (المعطلة الذين ينفون علوه تعالى على خلقه ، وانه بائن من خلقه . بل يصرح بعضهم بانه موجود بذاته في كل الوجود !) اه‍ قلت : فتأملوا الان كيف يثبت بعضهم لله تعالى معية ذاتية لخلقه وبعضهم ينفيها ويرد على من يقول بها ! ! فسبحان الله تعالى وبحمده ! !
________________________________________
[ 40 ]
– 9 – فصل في عرض اختلافهم في سماع الاموات ابن القيم يثبت ذلك تبعا لشيخه ابن تيمية والالباني ينفي ذلك ذكر ابن القيم في كتابه (الروح) في المسالة الاولى منه ان الميت يسمع سلام من يسلم عليه واحتج له باحاديث منها الحديث الصحيح المشهور الذي فيه : (ان الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه) (12) ثم قال : (فان السلام على من لايشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد علم النبي (صلى الله عليه وسلم) امته إذا زواروا القبور ان يقولوا : سلام عليكم اهل
________________________________________
(12) وهو في صحيحي البخاري ومسلم . (*)
________________________________________
[ 41 ]
________________________________________
الديار من المؤمنين والمسلمين ، وانا ان شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستاخرين ، نسال الله لنا ولكم العافية . وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع ، ويخاطب ، ويعقل ، ويرد ، وان لم يسمع المسلم الرد ، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه ، وعلموا صلاته ، وغبطوه على ذلك) انتهى كلام ابن القيم . رد الالباني على هذا الامر وانتلافه مع ابن القيم وابن تيمية فيه : قال الالباني في مقدمة كتاب نعمان الالوسي (الايات البينات في عدم سماع الاموات) الذي حققه ! وقدم له ! ص (أ) مانصه : [ اما بعد فهذه هي الطبعة الثالثة من كتاب (الايات البينات) للشيخ نعمان الالوسي . . . بتحقيقي وتخريجي ، في ثوب جديد ، زاه مشيب ، قام عليها الاخ الفاضل الاستاذ زهير الشاويش ، جزاه الله خيرا (13) ، رغبة منا في توسيع دائرة نشره وتوزيعه في البلاد
________________________________________
(13) هذا الثناء من الالباني عن الشاويش تراجع عنه وعاد ذاما له ! ! راجع الملحق الخاص آخر هذه الرسالة الذي فيه بعض ما يجري بينهما وكيف يكيد كل منهما للاخر ! ! (*)
________________________________________
[ 42 ]
الاسلامية ، بعدما تبين للعديد من اهل الفضل والعلم اهمية موضوعه ، واحتياج الجماهير الى الاطلاع عليه ، لا سيما من كان منهم لا يزال يعيش في أو حال الجاهلية الاولى ، من الاستغاثة بغير الله والاستعانة بالانبياء والصالحين الاموات وغيره من عباد الله ، متوهمين انهم يسمعونهم حين ينادون . . . . .) ! ! انتهى كلام الالباني . فهل يا استاد الباني تعتبر وتعد ابن القيم ايضا ممن كان يعيش في أو حال الجاهلية الاولى ؟ ! ! وهل كان الحق مع ابن القيم حينما اثبت سماع الاموات بالاحاديث الصحيحة ام الحق معك حينما نفيت سماع الاموات واولت تلك الاحاديث ؟ ! ! راجعوا رسالة (الاغاثة بادلة الاستغاثة) ! !
________________________________________
________________________________________
[ 43 ]
– 10 – فصل ابن تيمية يدعي بان المشبهة طائفة غير مذمومة والالباني يتظاهر بذم هذه الطائفة من اعجب ما قرانا قول ابن تيمية في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) أو (نقض اساس التقديس) ! ! (1 / 109) ما نصه : (وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام احد من الصحابة والتابعين . . .) اه‍ . وقال قبل ذلك ص (100 – 101) ناقلا مقرا : (والموصوف بهذه الصفات لا يكون الا جسما فالله تعالى جسم لا كالاجسام) . وقال ص (101) : (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول احد من سلف الامة وائمتها انه ليس بجسم ، وان صفاته ليست اجساما واعراضا ، فنفي المعاني الثابتة بالشرع بنفي الفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال) انتهى .
________________________________________
[ 44 ]
تظاهر الالباني بمخالفة ابن تيمية في هذه العقيدة : قلت : خالف الالباني ابن تيمية في هذه العقيدة فقال في (شرحه وتعليقه) ! ! على العقيدة الطحاوية ص (28) ذاما المشبهة والمجسمة ما نصه : (والمشبهة انما زلوا لغلوهم في اثبات الصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى (14) ، والحق بين هؤلاء وهؤلاء اثبات بدون تشبيه ، وتنزيه بدون تعطيل . وما احسن ما قيل : المعطل يعبد عدما ، والمجسم يعبد صنما) اه‍ وله عبارات غير ذلك يجدها من يبحث عنها ! ! فهل اصاب ابن تيمية حينما نفى ذم السلف للمجسمة ام اصاب الالباني عندما قال والمجسم يعبد صنما ؟ ! ! فاللهم هداك ! !
________________________________________
(14) كقولهم ان صورة آدم على أو مثل صورة الرحمن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) . (*)
________________________________________
[ 45 ]
________________________________________
– 11 – فصل ابن تيمية يثبت الحركة لله تعالى والالباني ينفيها مدعيا عدم ثبوتها قال ابن تيمية في كتابه (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (2 / 4) – المطبوع على هامش سنته – ما نصه : (وائمة السنة والحديث على اثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما ، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة ، وان ذلك هو مذهب ائمة السنة والحديث من المتقدمين والمتاخرين . . . .) . ثم قال : (وقال عثمان بن سعيد وغيره ان الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك ، وجعلوا نفي هذا من اقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف والائمة على تضليلهم وتبديعهم) اه‍ .
________________________________________
[ 46 ]
اقول : فهذا كلام صريح بسبك وترتيب غريب يبرهن على ان ابن تيمية يقول بعقيدة الحركة وان ذلك مذهب اهل السنة وان كل من نفاها فهو ضال مبتدع جهمي ! ! ! ويا هل ترى ما موقف الالباني من عقيدة الحركة هذه ؟ ! ! تصريح الالباني بعدم ثبوت الحركة ورده لهذه العقيدة : قال الالباني في مقدمة كتاب (مختصر العلو) ص (16) ناقلا كلام العلامة المحدث الكوثري مقرا له ما نصه : [ (ويقولون في الله ما لا يجوزه الشرع ولا العقل من اثبات الحركة له (تعالى) والنقلة (ويعني بهما النزول) والحد والجهة (يعني العلو) والقعود والاقعاد) فيعني هذا الذي نحن في صدد بيان عدم ثبوته . ] اه‍ فتدبروا ! ! فهل يعتقد احد ثبوت لفظ الحركة صفة لله تعالى ؟ ! ! والسلف يقولون : (لا نصف الله الا بما وصف به نفسه) ؟ ! واين لفظة (الحركة) في القرآن الكريم أو السنة المطهرة ؟ ! ! اللهم هداك ! !
________________________________________
[ 47 ]
________________________________________
– 12 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية والذهبي والالباني في مسالة الحد كان الذهبي في اول حياته ايام شبابه في سن (العشرينات) قد تأثر بابن تيمية فصنف بعض التصانيف التي فيها ما يؤيد فكر ابن تيمية ، ثم رجع عن اكثر ذلك في كتبه المتأخرة وخاصة (سير اعلام النبلاء) اما كتابه (العلو) فقد الفه وهو ابن خمس وعشرين سنة اي قبل وفاته بنحو خمسين سنة ، ولذلك نجده يخالف ما فيه كما يخالف ايضا ابن تيمية بل يرد عليه ويخطئه في كثير من المواضع في (سير اعلام النبلاء) ، وما رسالة (زغل العلم والطلب) و (النصيحة الذهبية) (15) عنا ببعيد .
________________________________________
(15) وهذه الرسالة ثابتة رغم انف من يحاول نفيها ! ! ورغم انف من يقول بانها ليست من تصانيف الذهبي ! ! وهي تقع في ورقة واحدة وهي مشهورة باسم القبان . ذكرها الحافظ السخاوي في كتابه (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) طبعة دار الكتب العلمية ص (307) . (*)
________________________________________
[ 48 ]
________________________________________
ومن تلك المسائل التي وقع الخلاف اخيرا فيها بين ابن تيمية ومقلده الالباني وبين الذهبي مسالة اثبات الحد لله سبحانه وتعالى عما يقولون ويصفون ، فابن تيمية يثبتها ويكفر منكر الحد لله تعالى والذهبي ينكرها في آخر حياته بل ويعتبر اثارتها قبل ذلك بدعة واليك ذلك موضحا : قال ابن تيمية في (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (2 / 29) المطبوع على هامش (منهاج سنته) ما نصه : (فهذا كله وما اشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله) . فهذا نص صريح من ابن تيمية فيه تكفير كل من لم يعترف أو يؤمن بالحد ، ومقابل هذا نجد الحافظ الناقد الذهبي يقول في (سير اعلام النبلاء) (16 / 97) ما نصه : (وتعالى الله ان نحد أو يوصف الا بما وصف به نفسه ، أو علمه رسله بالمعنى الذي اراد بلا مثل ولا كيف (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) . اه‍ فتأملوا ! !
________________________________________
[ 49 ]
وتحايد الالباني المسالة لانه لم يفهمها جيدا فمر بها في تخريجه (لشرح الطحاوية) فلم يعلق بشئ ! ! والمنقول لنا عنه من طرق عن بعض مريديه ! ! انه ينكر الحد كالحافظ الذهبي فالله تعالى اعلم ! !
________________________________________
[ 50 ]
– 13 – فصل في عرض الخلاف الواقع بين هذه الطائفة في التوسل ابن تيمية اختلف قوله فيه ، والشوكاني يجيزه والالباني يحرمه اما مسالة التوسل فقد اختلف آراء دعاة السلفية فيه بشكل ملحوظ مع ان الموجودين في الساحة منهم اليوم يقولون بان هذه المسالة من مسائل العقائد ! ! وليست كذلك قطعا . اما ابن تيمية فقد انكر في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) التوسل – ومرادنا التوسل بالذوات – ثم رجع عن ذلك كما نقل تلميذه ابن كثير في (البداية والنهاية) (14 / 45) حيث قال : (قال البرزالي (16) : وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على
________________________________________
________________________________________
(16) هو الحافظ أبو محمد القاسم بن البهاء محمد الدمشقي البرزالي ترجم في (طبقات الحفاظ) للسيوطي ص (256) . (*)
________________________________________
[ 51 ]
الشيخ تقي الدين وكلموه في ابن عربي وغيره الى الدولة ، فردوا الامر في ذلك الى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء باشياء فلم يثبت عليه منها شئ ، لكنه قال : لا يستغاث الا بالله ، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة – ولعلها العبادة – ، ولكن يتوسل به ويتشفع به الى الله ، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ ، وراى القاضي بدر الدين بن جماعة ان هذا فيه قلة ادب) انتهى فتأمل ! ! واما الشوكاني فقد اجاز التوسل في كتابه (تحفة الذاكرين) كما يعلم ذلك القاصي والداني . ففي صحيفة (37) من كتاب الشوكاني (تحفة الذاكرين) (طبع دار الكتب العلمية) عقد بابا سماه : (وجه التوسل بالانبياء وبالصالحين) ثم قال : [ (قوله ويتوسل الى الله سبحانه بانبيائه والصالحين) . اقول : ومن التوسل بالانبياء ما اخرجه الترمذي . . . ] اه‍ واصرح من هذا ما ذكره الشوكاني ص (138) في (باب صلاة
________________________________________
[ 52 ]
الضر والحاجة) حيث قال ما نصه : (وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى الله عزوجل مع اعتقاد ان الفاعل هو الله سبحانه وتعالى . . .) اه‍ وقد نص الشوكاني ايضا على جواز التوسل ورد على ابن تيمية في كتابه (الدر النضيد في اخلاص كلمة التوحيد) فليرجع إليه من شاء . واما الالباني فمنع ذلك واعتبره من الضلال في كتابه (التوسل انواعه واحكامه) كما هو مشهور ومعلوم مع انه قال في مقدمة (شرح الطحاوية) ص (60 الطبعة 8) ان مسالة التوسل ليست من مسائل العقيدة وهذا خلاف ما يقوله كثير من ادعياء السلفية . فتأملوا يا ذوي الابصار ! !
________________________________________
[ 53 ]
________________________________________
– 14 – فصل ابن تيمية يمنع زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذهبي يخالف ذلك في (السير) ويرد عليه ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) (3 / 66) عند الكلام على حديث (لا تشد الرحال . . .) : ان ابن تيمية يقول بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ! ! وذكر ابن حجر انه انكر ذلك على ابن تيمية وان ذلك من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ، واليك نصه بحروفه من الموضع المشار إليه آنفا : (والحاصل انهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وانكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من ابشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ! ! ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الاجماع
________________________________________
[ 54 ]
________________________________________
على مشروعية زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ما نقل عن مالك انه كره ان يقول زرت قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ! ! وقد اجاب عنه المحققون من اصحابه بانه كره اللفظ ادبا لا اصل الزيارة ، فانها من افضل الاعمال واجل القربات الموصلة الى ذي الجلال وان مشروعيتها محل اجماع بلا نزاع والله الهادي الى الصواب) انتهى . وقال الحافظ الذهبي في (سير اعلام النبلاء) 4 / 484) رادا على ابن تيمية ما نصه : [ فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلا مسلما ، مصليا على نبيه ، فيا طوبى له فقد احسن الزيارة واجمل في التذليل والحب ، وقد اتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في ارضه أو في صلاته ، إذ الزائر له اجر الزيارة واجر الصلاة عليه ، والمصلي عليه في سائر البلاد له اجر الصلاة فقط . فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا ، ولكن من زاره – صلوات الله عليه – واساء ادب الزيارة ، أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع ، فهذا فعل حسنا وسيئا فيعلم برفق والله غفور رحيم ، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم ، والصياح وتقبيل الجدران ، وكثرة
________________________________________
[ 55 ]
________________________________________
البكاء ، إلا وهو محب لله ولرسوله ، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار . فزيارة قبره من أفضل القرب ، وشد الرحال إلى قبور الانبياء والاولياء ، لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه : (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فشد الرحال إلى نبينا (صلى الله عليه وسلم) مستلزم لشد الرحل الى مسجده ، وذلك مشروع بلا نزاع ، إذ لا وصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده ، فليبدأ بتحية المسجد ، ثم بتحية صاحب المسجد ، رزقنا الله وإياكم ذلك آمين ] انتهى . قال الشيخ شعيب الارناؤوط معلقا على كلمة الذهبي هذه في (سير أعلام النبلاء) (4 / 485) ما نصه : (قصد المؤلف رحمه الله بهذا الاستطراد الرد على شيخه ابن تيمية الذي يقول بعدم جواز شد الرحل لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ويرى أن على الحاج أن ينوي زيارة المسجد النبوي كما هو مبين في محله) انتهى . فتأملوا ! !
________________________________________
[ 56 ]
– 15 – فصل عرض الخلاف الواقع بين ابن تيمية في استعمال السبحة ونصه على انها حسنة وبين الالباني التي يراها بدعة ضلالة هذه المسالة من الفرعيات وليست من الاصول احببت ان اوردها في هذه الرسالة الصغيرة المتواضعة ، لكي الفت انظار طلاب العلم الى انه كما اختلف راي ابن تيمية والالباني وغيرهما من دعاة السلفية في اصول الاعتقاد كذلك اختلفوا في فروع المسائل الفقهية فلا ندري بعد ذلك لماذا يحارب الالباني ! ! ويعادي ! ! ويشتم ! ! ويضلل ! ! كل من يخالفه في اي مسالة سواء كانت صغيرة أو كبيرة ويتناسى الخلاف العقائدي القائم بينه وبين ابن تيمية في الراي ! ! وما الذي اسكته عن تضليل ابن تيمية كما يضلل بافي خصومه ولا يتلطف معهم تلطفه مع ابن تيمية وامثاله اهو الدرهم والدينار العائد من العمليات التجارية في البلدان التي تعشق ابن
________________________________________
[ 57 ]
________________________________________
تيمية وتعتبره امام الائمة ام ماذا ؟ ! ! نامل ان يجيب الالباني المسلمين عن هذا الاشكال الذي يقول لسان حاله فيه (دارهم ما دام كتابك يشترى في دارهم) ! ! وهل فقد الالباني الشجاعة العلمية والادبية لان يصرح في حق ابن تيمية ما يصرح في حق خصومه الاخرين ؟ ! ! مسالة السبحة : قال ابن تيمية في (فتاواه) (22 / 506) ما نصه : [ (وعد التسبيح بالاصابع سنة ، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) للنساء : (سبحن ، واعقدن بالاصابع فانهن مسؤولات مستنطقات) واما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن ، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك ، وقد راى النبي (صلى الله عليه وسلم) ام المؤمنين تسبح بالحصى ، واقرها على ذلك ، وروى ان ابا هريرة كان يسبح به . واما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه ، فقال فيه هو حسن غير مكروه) ] انتهى كلام ابن تيمية .
________________________________________
[ 58 ]
وقال الشوكاني في كتابه (نيل الاوطار) (2 / 353) ما نصه : (والحديثان الاخران – اي حديث السيدة صفية وسيدنا سعد – يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى ، وكذا بالسبحة ، لعدم الفارق ، لتقريره (صلى الله عليه وسلم) للمراتين على ذلك وعدم انكاره ، والارشاد الى ما هو افضل لا ينافي الجواز) اه‍ . انكار الالباني للسبحة اشد الانكار : لقد اعتبر الالباني السبحة بدعة منكرة ووصف من الف في بيان سنيتها بانه من اهل الاهواء ! ! كما تجد ذلك اثناء كلامه وتخريجه ! ! لحديث (نعم المذكر السبحة . . .) في المجلد الاول من (ضعيفته) (1 / 110 – 117) من الطبعة القديمة . و (1 / 184 – 193) من الطبعة الجديدة ! ! فتأملوا كيف لا يعد ابن تيمية والشوكاني من اهل الاهواء ويعد العلماء المعاصرين الذين يقولون بسنيتها اليوم من اهل البدع والاهواء ! ! ! فلماذا المحاباة ؟ ! !
________________________________________
[ 59 ]
عافى الله الالباني من هذه المحاباة (17) ! !
________________________________________
________________________________________
ومن رجع الى مقدمته الجديدة للجزء الاول من (ضعيفته) ص (35) وراى كيف عاب على الشيخ اسماعيل الانصاري محاباته كما يدعي ! ! لابن عمه حماد الانصاري وتامل في باقي اعمال هذا اللوذعي ! ! عرف من هو المحابي حقا ! ولله في خلقه شؤون . (*)
________________________________________
[ 60 ]
– 16 – فصل في (فائدة مهمة) تضليل الالباني لسيد قطب بعدما اثنى عليه كان الالباني قد اثنى على سيد قطب في مقدمة (مختصر العلو) ص (60) (الطبعة الاولى / المكتب الاسلامي) فقال عنه هناك ما نصه : [ (ولقد تنبه لهذا اخيرا بعض الدعاة الاسلاميين ، فهذا هو الاستاذ الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى فانه بعد ان قرر تحت عنوان (جيل قرآني جديد) . . . ] انتهى وهذا الكلام كتبه الالباني في دمشق / 8 جمادى الاولى سنة 1392 ه‍ ويوافق ذلك سنة 1972 م تقريبا كما تجد ذلك في صحيفة رقم (78) من مقدمة (مختصر العلو) ! ! ثم عاد ذاما له بل مضللا ! ! ونسخ كلامه السابق الانف
________________________________________
[ 61 ]
________________________________________
الذكر (18) حيث رمى (سيد قطب) بالحول والاتحاد وب‍ (وحدة الوجود) وذلك انه نشرت مقابلة مع الالباني في (مجلة المجتمع) العدد (520) المؤرخ في 11 / جمادى الاولى سنة 1401 ه‍ يقول فيها : ان قول سيد قطب في تفسيره سورة الاخلاص واول سورة الحديد (هو عين قول القائلين بوحدة الوجود . . . حيث قال ما نصه كما في ص (23) (مجلة المجتمع) : (ظاهر كلامه تماما انه لا وجود الحق ، وهذا هو عين القائلين بوحدة الوجود ، كل ما تراه بعينك فهو الله ، وهذه المخلوقات التي يسميها اهل الظاهر مخلوقات ليست شيئا غير الله ، وعلى هذا تاتي بعض الروايات التي تفصل هذه الضلالات الكبرى بما يرى بعض الصوفيين . . .) اه‍ فتأملوا ! ! وهذا الكلام حصل من الالباني بعد الثناء على (سيد قطب) بعشر سنوات تقريبا ، فيكون تضليله لسيد قطب وطعنه فيه ناسخا لثنائه
________________________________________
(18) كما نسخ كلامه في الثناء عن الشاويش بذمه في كتبه الجديدة المبينة تواريخها ! ! فتأملوا ! ! (*)
________________________________________
[ 62 ]
عليه حسب التاريخ وحسبما تقتضيه قواعد علم اصول الفقه في (باب الناسخ والمنسوخ) ! ! وقد رد على الالباني الشيخ عبد الله عزام في مجلة المجتمع في ثلاثة اعداد وهي (256 و 527 و 528) وافتتح مقاله الاول في العدد (526) بقوله : [ هزني من اعماقي : ولقد هزني في اعماقي ان تنشر المجتمع على صفحاتها هذا الكلام لقرائها في العالم . والمجتمع بالهيئة المشرفة عليها تدرك ان قراءها هم تلاميذ الاستاذ سيد قطب . ولقد حز في النفوس ان ينسب هذا الكلام (القول بوحدة الوجود) الى الاستاذ سيد قطب الذي جلى حقيقة التوحيد من كل غبش . . .) اه‍ وقال الشيخ عبد الله عزام في العدد التالي (للمجتمع) رقم (527) صحيفة 23 – 24 : [ (اهذه العبارات تشبه عبارة سيد قطب التي حملوها فوق ما تحمل ، وفسروها تفسيرا يفضي الى الكفر ، كما يقول الالباني (نحن
________________________________________
________________________________________
[ 63 ]
لانحابي في دين الله احدا نقول هذا الكلام كفر) . . . ] اه‍ فتأملوا (19) ! !
________________________________________
(19) فمن تأمل هذا جيدا وقرأ تلك الاعداد المشار إليها من مجلة المجتمع عرف يقينا ان ما املاه الالباني على بعض غلمانه في الرد علينا في كتاب اسماه (بالايقاف) لا قيمة له وفيه تدليس وتغرير لا يخفى ! ! والله المستعان ! وعلى نفسها جنت براقش ! ! (*)
________________________________________
[ 64 ]
– 17 – فصل الالباني يقول بان امهات المؤمنين وزوجات الانبياء غير محفوظات من الزنا والفاحشة وتلميذه القديم الشيخ محمد نسيب الرفاعي ينكر ذلك ويرد عليه في كتاب مستقل زعم الالباني ان امهات المؤمنين وزوجات الانبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهن الزنا والعياذ بالله تعالى (20) ! ! وقد استغربنا صدور ذلك منه جدا وتعجبنا من اثارته هذه المسالة حيث ان زوجات النبي عليه افضل الصلاة والتسليم توفاهن الله تعالى قبل نحو (1400) سنة تقريبا فما فائدة اثارة هذا الموضوع الان مع انهن مبرآت بنص القرآن الكريم ومنه قوله تعالى : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ومن اهل بيته (صلى الله عليه وسلم)
________________________________________
(20) وقد وقفت على كلام له في ذلك في احد كتبه الا انني نسيت الموضع الان وإذا لقيته اثبته باذنه تعالى . (*)
________________________________________
[ 65 ]
________________________________________
زوجاته بلا شك ولا ريب . ولما اثار الالباني هذه المسالة سنة (1387 ه‍ – 1967 م) تصدى له الشيخ محمد نسيب الرفاعي جزاه الله تعالى خير الجزاء وناقشه بدفاعه عن زوجات الانبياء وامهات المؤمنين فرد عليه فيها . ثم فارقه وصنف كتابا في الرد عليه في هذه المسالة سماه (نوال المنى في اثبات عصمة امهات وازواج الانبياء من الزنا) (21) . يقول في آخره بعد ان اورد الادلة من الكتاب والسنة واقوال اهل العلم في الرد على الالباني ما نصه : (واننى لاذكر ان الاخ الكبير الشيخ ناصر الالباني فارق بعض اخوانه لاسباب شخصية بحتة ، فلماذا يرى نفسه محقا في مفارقة اخوانه لاسباب شخصية ولا يراني محقا في مفارقته هو ومن معه لاسباب يعلم الله انها مفارفة في الله وغضبا له وغضبا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وان الشيخ الالباني ليعلم ذلك تماما ولا ينكره . فاين من يقر بالحق ولو على نفسه ؟ ؟ ! ! !) اه‍
________________________________________
(21) ويقع الكتاب في (198) صفحة وهو مكتوب بخط الشيخ محمد نسيب ولدي نسخة منه . (*)
________________________________________
[ 66 ]
وهذه صورة بعض صفحات الكتاب فليتأملها طالب الحق وهي من 184 – 188 بخط مؤلفه . الالباني يقول في تخريج حديث ان كلام ابن تيمية فيه لا ينبغي ان يلتفت إليه قال الالباني في (ارواء غليله) (3 / 13) اثناء تخريج حديث رقم (564) ما نصه : (واما انكار شيخ الاسلام ابن تيمية اللفظ الثاني في اول (كتاب الايمان) . فمما لا يلتفت إليه بعد وروده من عدة طرق بعضها صحيح كما سلف ] . اه‍ فتأملوا ! !
________________________________________
[ 67 ]
________________________________________
الخاتمة فعلى العاقل ان يكون منصفا وان لا يتعصب ممقوتا في الباطل يجره الى الاغضاء عن مخالفه من اهل نحلته من اصحابه ومحبيه الذين يخالفونه في بعض المسائل الاعتقادية فلا يصفهم بالضلال في حين انه يضلل مخالفه من غير اصحابه ومحبيه ولو في مسالة فرعية جدا ويشنع عليه ! ! وهذه الرسالة لا تدع مجالا للشك في ان الالباني يخالف الشيخ ابن تيمية في مسائل اصلية في العقائد والتوحيد فما هو جواب المتعصبين لذلك ؟ ! !
________________________________________
[ 69 ]
ملحق مهم ما بين الشيخ الالباني والشاويش
________________________________________
[ 71 ]
بسم الله الرحمن الرحيم جاء في الحديث الصحيح (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . . .) (البخاري 11 / 340 فتح) . وقد قام الالباني والشاويش بطبع كتاب مستقل وهو كتاب (التنكيل) الذي فيه اعتداء اثيم على علم من اعلام الامة الا وهو الامام المحدث محمد زاهد الكوثري الحنفي رحمة الله عليه ورضوانه ، كما انهما سعيا معا الى الطعن في كثير من العلماء العاملين – اولياء الله تعالى – ك‍ (سيدي) عبد الله بن الصديق والمحدث (حبيب الرحمن الاعظمي) وغيرهم كما تجد بعض ذلك مبسوطا في رسالتنا (قاموس شتائم الالباني والفاظه المنكرة في حق علماء الامة وفضلائها) ! ! وهما يقومان بذلك – كما انكشف جليا الان لكل عاقل – لتحقيق الفائدة المادية البحتة من بيع الكتب التي يكتبها أو يخرجها الالباني والمتاجرة باسم السنة والتي ظهر بكل وضوح جليا الان والحمد لله وحده وهاؤها وتناقضها وتخابط معلومات مؤلفها . فلترويج تلك الكتب التي كان يؤلفها الالباني وينشرها الشاويش
________________________________________
[ 72 ]
________________________________________
سعى كل منهما بالاغارة على الكتب العلمية التي ألفها جماعة من العلماء الاولياء حيث قاما بازدراء كثير من مصنفات العلماء والنيل والتسفيه لمؤلفيها والحط من أقدارهم لتلك الغاية النبيلة ! ! ! ولو نظر أي إنسان بعين البصيرة وتأمل وتفكر بقلبه إلى ما آل إليه أمر الالباني والشاويش من التنازع والتخاصم والسباب المقذع (1) هذا بالاضافة إلى إقامة الدعاوى على بعضهما في المحاكم النظامية وتوجيهات الانذارات العدلية التي سمع بقصصها القاصي والداني بل صار بعضها من جملة المنشورات المدونة المحفوظة في تاريخ دعاة السلفية ! ! المجيد ! ! لعرف وتحقق بأن الله تعالى نكل بهما إذ أظهر كرامة أحد من سعيا بكل قوتهما في النيل منه والحط عليه وتسفيهه من العلماء الاولياء ألا وهو العلامة المحدث الكوثري رحمه الله تعالى ، فأظهر سبحانه هذه الكرامة – وهو الذي يقتص للمظلوم ممن ظلمه ويأخذ له حقه – فجعلها نزاعا بينهما (اشتهر أمره ! ! وذاع صيته ! ! وأظهر الله سبحانه مقصد كل من المتنازعين ! ! وأنهما كانا يركضان وراء العائد المادي ويغض كل منهما عن عورات أخيه
________________________________________
(1) ومن ذلك ما رويناه من طرق بأن الشيخ المربي ! ! قال للمريد ! ! النابه المطيع ! ! عض بهن أبيك ! ! تطبيقا للسنة بزعمه ! !
________________________________________
[ 73 ]
________________________________________
لذلك ! ! (على طبع وعائد ذلك الكتاب الذي يتعلق بذم ذلك العالم الولي ! ! والذي فيه رد عليه بباطل من القول ! ! وزور من البهتان ! ! فبدل ان يؤيداه في دفاعه عن امام من ائمة المسلمين من اصحاب المذاهب الاربعة ، وبدل ان يعيناه في الذب عنه وتفنيد تلك الكلمات التي قالها بعض المتعصبين المخطئين فيه مما لا يقبله المنطق السليم من انه (استتيب من الكفر مرتين) و (ما ولد في الاسلام اشام نه) ! ! سارعا في السعي الى نشر مثالبه ومحاربة من اظهر بطلانها ! ! ففي سعيهما – الاول باكتابة والتخريج والثاني بالنشر – في نشر هذا الكتاب وتحقيقه ! ! يقول لسان حالهما بكل صراحة : (ان ما قيل في ذلك الامام الذي يدافع عنه الكوثري حق وصواب) ! ! وانني في هذا الملحق اعرض بعض ما يتعلق بتلك الكرامة الذي اظهرها الله تعالى للعلامة الكوثري الذي سعيا في النيل منه ببيان جزء يسير جدا فيما جرى بينهما ! ! وما يوجه ويضرب كل منهما الاخر الان ! ! بعدما كان احدهما يتظاهر بانه تلميذ للاخر ومريد من مريديه ! ! تغييرا للشكل من اجل الاكل في سبيل تحقيق
________________________________________
[ 74 ]
________________________________________
امتلاء الجيوب ! ! فاقول : ثناء الالباني على مريده القديم ! ! زهير الشاويش تراجع عنه وهو منسوخ بكلامه الجديد في مقدماته الجديدة الصادرة بعد اختلافاته المالية المادية البحتة مع ذلك المريد ! ! وإذا رجع المحدث ! ! من قول له قديم في رجل الى قول جديد اخذنا بالجديد لاسيما إذا كان جرحا مفسرا فيه بيان ما كان بينهما واسباب سكوت وثناء كل منهما على الاخر ! ! فعبارات المحدث ! ! الالباني الجديدة التي يراها اصح الاقوال في زهير مريده ! ! القديم بعد تربية اربعين عاما تقريبا هي : 1 – قوله عن الشاويش في مقدمته الجديدة للطبعة الجديدة المنقحة ! والمهذبة ! ! من (سلسلة احاديثه الضعيفة) 1992 م متهما له بالسرقة ! وعدم تقوى الله ! ! وبالتلاعب بحقوق العباد ! ! ما نصه ص (7) في الحاشية : (هذه الطبعة هي الشرعية ، واما طبعة المكتب الاسلامي الجديدة ، فهي غير شرعية لانها مسروقة عن الاولى ، وحق الطبع للمؤلف يعطيه من يشاء ، ويمنعه من لا يتقي الله ، ويتلاعب بحقوق العباد ، كما ان في هذه الطبعة المسروقة تصرفا بزيادة
________________________________________
[ 75 ]
________________________________________
ونقص ، والله المستعان ، واليه المشتكى من فساد اهل هذا الزمان) اه‍ . 2 – وقال الالباني ايضا في المصدر السابق ص (166) ما نصه : (ثم تفضل الله علي ، فيسر لي ذلك ، فجعلت من (الجامع الصغير) كتابين : (صحيح الجامع) ، و (ضعيف الجامع) وهو مطبوعان ، ولكننا نحذر القراء من دسائس الشاويش في طبعته الجديدة المكثفة للتجارة بهما ، في تعليقاته عليهما ، وفي تقديمه لهما والله المستعان) اه‍ . وقول الالباني (وهو مطبوعان) مما يدل على مهارته ! وبراعته ! ! وبلاغته وفصاحته في اللغة العربية ! ! وكذا مما يدل على انه فقد اولئك المصححين الذين كانوا يصححون كبته في المكتب الاسلامي من ناحية العربية ! ! 3 – وقال فضيلة ! ! الشيخ ! ! الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ! ! [ ص (3) الطبعة بالجديدة (دار المعارف 1991 م) ] عن الشاويش ما نصه : (فذهبت فائدتها – الطبعات السابقة لصفة صلاته – لقلة أو
________________________________________
[ 76 ]
________________________________________
جهل من يشرف على تصحيح التجارب في المكتب الاسلامي ، فانه الان ليس كما كنا نعهده قبل عشر سنوات !) اه‍ . قلت : وقد حاول الشاويش الان في هذه الايام ان يتنصل ويتفلت من هذه التهمة فقام بطريقة ملتوية جدا حيث طبع كتابا لا قيمة له سماه (البرهان في رد البهتان والعدوان) وضع في ص (3) منه صورة الشيخ ! ! الالباني وهو يعرف ان الشيخ ! ! لا يرضى بذلك ! ! ووضع معه صورتين اخرتين لتغطية طريقته العرجاء ! ! لاملتوية ! التي قصد منها – والله اعلم بالنيات والقلوب لكن لنا الظاهر – النيل من شيخه القديم ! ! ومربيه ! ! فقال ص (35) من (البرهان) المبين ! ! في الحاشية معلقا : (ان في هذا القول – من اشيخ ناصر الالباني – لفتة مناسبة نافعة ، تحدد تبعية (الاخطاء المطبعية) بالمؤلف دون سواه ، وان على المؤلف المتقن لعمله ، المتقي لربه ، الحريص على نفع الناس ، الصادق في النصح لهم . . . . ان لا يترك (الغلط المطبعي) أو (الغلط الطبعي) في كتابه ليشيع في الناس ، من غير المبادرة الى استدراكه . . .) اه‍ . وهدد شيخه تهديدا مبطنا قبل ذلك بصحيفة في الحاشية بانه يملك صورة خط الشيخ ! ! ناصر ليثبت ان الاخطاء الواردة في كتبه
________________________________________
[ 77 ]
________________________________________
هي اخطاء الشيخ ! ناصر وليس – الشاويش – المشرف على التصحيح في المكتب الاسلامي . وانظر ايضا حاشية ص (38 و 39) من (البرهان) المبين ! ! لترى العجب العجاب ! ! وعلى كل حال فما اورده الشاويش في برهانه لا يقدم ولا يؤخر في تفلته وتنصله مما وصفه به شيخه ! ! ولو كان لديه بعض الصور الخطية لكتابة شيخه القديم ! ! 4 – وقال الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ص (4) واصفا الشاويش بالاوصاف التالية : – (وما ذلك الا لغلبة الجشع التجاري على الناشر) . – (لا يعفيه من المسؤولية لظهور اصابع تلاعبه ببعض كتبي وتحقيقاتي التي جدد طبعها في غياتي عنها ، فتصرف فيها كما لو كانت من تأليفه أو تحقيقاته ! يعلم ذلك كل من تتبع ما جد منها وقابلها بما قبلها من المطبوعات منها) اه‍ ! ! وقال الالباني ايضا : – (فقد استغل صاحبنا القديم هجرتي الى عمان (1) . . . فحشر في
________________________________________
(1) وقد استقبل رضي الله عنه ب‍ (طلع البدر علينا . . .) ! ! (*)
________________________________________
[ 78 ]
________________________________________
التعليق عليها دون علمي واذني طبعا – ما شاء له هواه النفسي ، وجشعه التجاري مع استحلاله الكذب والتزوير) اه‍ . ف‍ (محدث الديار الشامية) و (حافظ الوقت) ! ! قد صرح بكل وضوح بان الشاويش وضاع ! ! يستحل الكذب والتزوير ! ! وارجو ان لا يكون هذا تكفيرا من الالباني للشاويش لان مستحل التزوير والكذب المصرح بتحريمه في القرآن كافر بلا ريب ! ! ومن هذا الكلام الذي قاله الشيخ ! ! الالباني يصح لاي شخص ان يتمسك بقول محدث الديار الشامية ! ! بعدم تصديق الشاويش في اي امر يقوله ويدعية حتى لو حلف عليه لانه يرى استحلال الكذب ! ! فاللهم هداك ! ! 5 – ووصف الشيخ ! ! الالباني الشاويش ص (7 و 8 و 9) من مقدمة (صفة صلاته) بالاوصاف التالية : – (السطو) و (المسخ) و (الحذف) و (الاصرار على الباطل) و (تحشية الكتب بالزور والمين) و (التلاعب بتواريخ طبعات الكتب والمقدمات) ! !
________________________________________
[ 79 ]
وقال هناك ان هذا التصرف من الشاويش : – (لا يصدر من متق لربه ، مخلص في عمله) اه‍ . وان الشاويش : – (وقع في طامة) . وان اعمال الشاويش : – (لا فقه فيها ولا علم ، وانما هي المصالح المادية والاهواء الشخصية ، وفي الكثير – من مطبوعاته – دعاية لمطبوعاته ومنشوراته . وبعضها زور وتدليس لا يصدر ممن يخشى الله) اه‍ . وقوله ص (10) انه تصرف : (تصرفا سيئا جدا لا يقدم عليه من عنده ادنى شعور بالامانة العلمية والالتزامات الادبية) . وقوله ص (11) عنه انه : (مسكين) و (مضلل) وان طبعته الجديدة : (مشوهة) . . . الخ وقوله ص (11) عنه انه : (ظالم لشيخه) (وباغي) . . . الخ وقوله عنه ص (12) بانه : (كذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اه‍ ! !
________________________________________
[ 80 ]
________________________________________
وقوله هناك ص (9) عن الشاويش : (ومن آخر ما طلع به علينا من افاعيله وتجبره وتجنيه وتدخله في شؤوني الخاسة انه قدم الي انذارا عدليا بواسطة كاتب عدل عمان المحترم بتاريخ 21 / 9 / 1409 ه‍ – 28 / 4 / 1989 . . . واتبعه بانذار ثان بتاريخ 13 / 5 / 1989 . . . وقد ضمن انذاره هذا عجائب من الادعاءات الباطلة التي لا مناسبة الان لذكرها ، راجيا ان لا يضطرنا استمراره على تجبره وتجنيه ان نكشف القناع عنها للناس . . .) اه‍ . فتأملوا يا ذوي الابصار ! ! قلت : ونحن نلاحظ ان كلا منهما يتوعد الاخر بان لديه كلام يهدد الاخر بنشره بطرق مختلفة ونحن نعرف هذا الكلام جيدا وقد نقل الينا بطريق التواتر المعنوي فإذا قارنت بين قول الالباني هنا : (وقد ضمن انذاره هذا عجائب من الادعاءات الباطلة التي لا مناسبة الان لذكرها راجيا ان لا يضطرنا استمراره . . . ان نكشف عنها للناس . . .) . وبين قول الشاويش في حاشية (برهانه) المبين ! ! ص (34) في حق الالباني : (هنا كلام رأينا تأخير نشره ، لانه من الامور الخاصة . . .) اه‍ . تدرك ما هو اللغز الدائر بينهما ! !
________________________________________
[ 81 ]
الالباني ينص صراحة على ان الشاويش ليس من اهل العلم نص الالباني على ان الشاويش (ليس من اهل العلم) على انه يحشر اسمه في بعض غلافات الكتب على انه محقق أو من ضمن المحققين ليروج بين الناس انه من اهل العلم والتحقيق ! ! والناس جميعا يدركون انه ليس محقق ولا هو من اهل العلم كما قال شيخه حقا وصدقا ! واليكم ذلك : 1 – قال الالباني في مقدمة (صفة صلاته) ص (11) : (ومن اعتدائه على العلم وفن التخريج لانه ليس من اهله) اه‍ . 2 – وقال عنه في مقدمة (التنكيل) ص (ب وج) من طبعة دار المعارف بعد ان ذكر انه زاد ضغثا على اباله ! ما نصه : (وذكر الناشر اسمه بينهما ! فكأنه يتبارى مع السارق الاول في تغيير شكل الواجهة) لكتاب التنكيل .
________________________________________
________________________________________
[ 82 ]
وقال الالباني هناك ص (ج) عن الشاويش ايضا : [ حشر نفسه بين المحقق الفعلي والمحقق الفعلي والمحقق المدعي ، زاعما ان له فيها تخريجات وتعليقات ليصبغ بذلك على طبعته صبغة الشرعية ، وهو يعلم انه ليس له فيها اي تخريج علمي يذكر ، ولو فرض العكس فهو مما لا يسوغ له فعلته كما لا يخفى ، ولا سيما وانه قد اضاف الى الكتاب : (التنكيل) رسالتين لغير المؤلف ، تأكيدا لما رمى إليه من اضفاء الصبغة الشرعية عليه ! فذكرني هذا وذاك بما يروى عن احد المتصوفة انه رئي يوما غير من شكل لباسه ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : تغيير الشكل من اجل الاكل ! ] اه‍ . وبالمقابل ماذا فعل زهير الشاويش بالالباني واضر به : (اولا) : قام زهير الشاويش بنشر رسالة محمود مهدي الاستنبولي التي اسماها (خطاب مفتوح للشيخ ناصر الالباني) الذي فيه انواعا واشكالا من السب والشتم الموجه من الاستنبولي لشيخه الالباني الموقر ! ! وقد تستر الشاويش ولم يذكر بانه هو ناشر الرسالة وكتب على غلافها نشر فئة من الجامعيين ، فضرب شيخه واستاذه من وراء
________________________________________
[ 83 ]
________________________________________
(الكواليس) واساء إليه غاية الاساءة مع انه يتظاهر بالبراءة من هذا الامر لجبنه وفقد انه الشجاعة العلمية والادبية ! ! وقد اثبت اذيال ادعياء السلفية ان الشاويش هو ناشر هذا (الكتاب المفتوح) ! ! وكذلك الاستانبولي . ففي كتاب (الايقاف) لغلام الالباني المنهزم من الناظرة (الخواف) ص (58) مانصه – وما تحته خط مهم جدا فانتبهوا له – : (لقد هاتفنا الاخ الاستاذ محمود مهدي استانبولي نزيل جدة لنخبره بهذا الذي وصل الى (البعض) بالبريد عن طريق (بيروت) وانه مطبوع باسمه ، منسوب إليه ، وان فيه الفاظا لا يتصور صدورها من مثل الاخ الاستاذ محمود مهدي الذي علم تبجيله لشيخنا الالباني . . . ففوجئ الاستاذ محمود . . . . . . بذلك مفاجاة كبرى ، واستنكر طبع تلك النشرة ، وذكر انه لم يعرف بذلك ، ثم اشار الى ان نشرها انما هو من كيد بعض (الناشرين) للسوء بين المسلمين ، الذين خالفوا جادة الحق المبين ، وجانبوا نهج الصواب المستبين . . .) الخ هرائه . ثم ذكر صاحب (الايقاف) ص (59) بان الاستانبولي ارسل
________________________________________
[ 84 ]
________________________________________
لهم رسالة خطية يقول فيها : (اني اعترف – آسفا – باني كنت حررت هذا الكتاب (1) منذ سنوات بعيدة اثر نزعة عاطفية بريئة (2) ، ولم اطلع عليه احدا كما اذكر ، وقد قدمته للمفتري ناشره – عليه من الله ما يستحق – زهير الشاويش . . . وإذا بهذا الشخص يخفى هذا الكتاب سنين طويلة من اجل استثماره في الكيد لشيخنا ، ليأكل حقوق الناس بالباطل ! عليه من الله ما يستحق . . . بل ليسئ الى سمعة هذا الشيخ المحدث الكبير ، وهو لولاه ، لكان (ابا جهل) حي الميدان ، أو اجيرا في المكتبة الهاشمية بدمشق التي كان يعمل فيها ! ! سائلا الله سبحانه انه يجازيه بما هو اهله ! . . . ولا يضير شيخنا الالباني . . . ما فعله الشاويش . . . المفتري . . . وهو لم يدفع لي حقوقي منذ عشرة اعوام باعترافه المسجل ، ثم ارسل الي كتابا آخر بانه دفع لي جميع
________________________________________
اذن يتصور صدور هذه الكلمات من الاستانبولي بصريح اعترافه ! ! وامثاله يتصور منهم اكثر من ذلك واطول واعرض واوقح وافحش ! ! لان السنتهم درجت وانذلقت بذلك ! ! (2) يا حرام ! ! كيف لو كانت هذه النزعة غير بريئة ؟ ! ! وما هي اشكال والوان السباب التي ستقع بها لو لم تكن بريئة ؟ ! ! (*)
________________________________________
[ 85 ]
________________________________________
حقوقي كاملة ! ! وهو ان يفرض علي ان يدفع لي بالمئة عشرة عليها (1) وفي مقدمتها تحفة العروس . . . بينما يدفع لي الشرفاء والامناء بالمئة (15) على كتبي العادية ! ! (2) . وانني لامل ان تكشف الايام عن بعض اسراره في معاملته لبعض موظفيه المحققين الذين يفرض على بعضهم ان يسجلوا اسمه الى جانب اسمهم ! . . . . . ومن المضحك والمبكي معا ان ينتهز هذا الشاويش فرصة اختلافه مع شيخه بشان الكتب التي طبعها ويطبعها من جديد في غير مكتبه ، فسارع للاساءة إليه – بزعمه – بنشر هذا الكتاب ليسئ الى سمعته – بظنه وزعمه – فعليه من الله ما يستحق) اه‍ . فتأملوا يا اولى الالباب ! !
________________________________________
(1) انظروا كيف يحقدون على انفسهم لاسباب مادية بحته ! ! (2) فميزان الشرف والامانة بنظر الاستانبولي والالبانيين هو اكبر واكثر نسبة دفع بالمئة على حقوق الطبع ! ! وعلى هذا فلو دفع ابليس اكثر للاستانبولي لكان اكثر شرفا وامانة ! ! (*)
________________________________________
[ 86 ]
(ثانيا) : قام الشاويش بطبع كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن ليس الثياب) واهداه لشيخه فقال في مقدمته : (الاهداء . . . واخص الذي آتاه الله العلم فانسلخ منه ! ! (بلعام) ذاك الزمان ، ومن سار على دربه ، واقتفى آثاره من (بلاعيم) هذه الايام تبكيتا . والى صاحب ابليس ، من هو بادس والاحتيال معروف ! ! والى المذمم الكريه . والى من هو بالشؤم في الغرب والشرق موصوف . والى من زاد على الابالة ضغثا ، وفاق كل ما سبقه ، وخالف كل مظنون . حتى كدنا نتوهم الحديث الموضوع صحيحا (ابت النفوس اللئيمة ان تغادر الدنيا حتى تسئ الى من احسن إليها) وكان من فعله ان اخرجت هذا الكتاب من محبسه الذي طال اكثر من عشر سنوات . الى هؤلاء وامثالهم ، ممن اظلت الزرقاء واقلت ، البلقاء جزاء وفاقا) اه‍ .
________________________________________
[ 87 ]
________________________________________
وقد عاتبه شيخه وعاب عليه هذه العبارات ، والغريب ان الشاويش يجادل ويماري في انه لا يقصد به شيخه (1) ! ! حتى ذكر في (برهانه) المبين ! ! موريا ايضا – لجبنه وفقد انه الشجاعة العلمية ! ! – بان شيخه ظن ان الكلام موجه إليه فقال في حاشية ص (4) من (برهانه) المبين ! ! على لسان انسان آخر : (ولم يقصد – الشاويش – شخصا معينا ، كما ظن احدهم حيث تذكر ذاته ، مقرا على انه فيمن عناهم ابن المرزبان والمرء حيث يضع نفسه !) اه‍ . فتأملوا في هذه الصفاقة ! ! وهل هؤلاء جميعا يصلح ان يكونوا دعاء للسنة ؟ ! ! وناشرين لها ؟ ! ! وكاشفين لصحيحها من ضعيفها ؟ ! وائمة للمسلمين ؟ ! ! ودعاة لاخلاق سيد المرسلين ؟ ! ! تفكروا جيدا ايها الناس ! ! وقال الشاويش معلقا على كتاب (تفضيل الكلاب على كثير
________________________________________
(1) مع ان الاحمق يفهم ذلك ، الا انها المراوغة والثعلبية ! ! عافانا الله تعالى ! ! من طينة هؤلاء المعروفة ! ! (*)
________________________________________
[ 88 ]
ممن ليس الثياب) ص (72) ما نصه : (ومن العجائب اننا رأينا من بعض المشايخ اشد من ذلك . فقد بلغني ان احدهم يقول لمن لهم عليه حقوق مادية : عليكم بالتسليم لما اقول . ولا تناقشوا ولا تجادلوا . واقبلوا ما اعترف لكم به فقط . . . لانني لا اكذب . . . الخ . وغفل هذا المغرور بانه – لو كان عندهم لا يكذب – فقد يهم أو ينسى . وفي طلبه هذا منهم عند وجبروت ، لان الله سبحانه يوم القيامة يسمح لكل نفس ان تجادل عن نفسها . بل اكاد اقول : انه بهذا ممن يسمى نفسه طاغوتا نعوذ بالله من الجهل والجبروت) اه‍ . فتأملوا ! ! واقول : ما هي فائدة هذا التعليق وما هي مناسبته في ذلك الكتاب يا زهير هداك الله تعالى ؟ ! ! لا سيما وانت تقول كما نقلنا آنفا في (البرهان) المبين ! ! الذي طبعته (ولم تقصد شخصا معينا كما ظن احدهم حيث تذكر
________________________________________
________________________________________
[ 89 ]
ذاته . . .) ! ! ويكفيك تلاعب ومراوغة ! ! (ثالثا) : ومن طالع مقدمات (صحيح السنن) الاربعة وضعيفها و (صحيح الجامع وزيادته) و (ضعيفه) طبع المكتب الاسلامي يرى بوضوح المشاكسة الكبيرة الواقعة بين الشاويش وشيخه ! ! ولله في خلقه شؤون ! !
________________________________________
[ 90 ]
فرع في ذكر بعض تلاعبات صاحب المكتب الاسلامي بالكتب والتراجم قام ناشر شرح الطحاوية – الشاويش – بالتلاعب هنا لك وذلك في ص (5) من الطبعة الثامنة في الحاشية حيث لم ينقل كلام الامام الحافظ السبكي بتمامه وبحروفة بل حرفه وحذف منه ما سيكون وبالا عليه عند الله تعالى ، ولننقل ما ذكره الناشر هناك ، ثم نردفه بكلام الامام السبكي من كتابه معيد النعم : قال الناشر (1) : كلمة العلامة السبكي في كتابه (معيد النعم) هي : (وهذه المذاهب الاربعة – ولله تعالى الحمد – في العقائد واحدة ، الا من لحق منها باهل الاعتزال والتجسيم ، والا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة ابي جعفر الطحاوي التي تلقاها
________________________________________
(1) وبصراحة لا يحمل اثم هذا العمل الناشر فحسب انما يحمل اثم ذلك شيخه المتناقض ! الذي كان يملي عليه هذه الافكار . (*)
________________________________________
[ 91 ]
________________________________________
العلماء سلفا وخلفا بالقبول) اه‍ . والامام السبكي يقول حقيقة في كتابه (معيد النعم) ص (62) من طبعة مؤسسه الكتب الثقافية الطبعة الاولى (1986) ما نصه : (وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة – ولله الحمد – في العقائد يد واحدة كلهم على راي اهل السنة والجماعة ، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة ابي الحسن الاشعري رحمه الله ، لا يحيد عنها الا رعاع من الحنفية والشافعية ، لحقوا باهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا باهل التجسيم ، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا الا اشعريا عقيدة ، وبالجملة عقيدة الاشعري هي ما تضمنته عقيدة ابي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة . . .) اه‍ . فتأمل بالله عليك كلام الناشر الذي زور كلام الامام الحافظ السبكي وحرفه ! ! ثم انظر وتامل كلام الامام السبكي الحقيقي الذي نقلته لك من كتابه (معيد النعم) لتدرك بان الشاويش محرف محترف يعيث في كتب التراث وعبارات علماء الاسلام فسادا وافسادا (!) .
________________________________________
[ 92 ]
________________________________________
والذي يؤكد انه محرف محترف انه حقق بزعمه كتاب (الرد الوافر) لابن ناصر الدين الدمشقي الذي رد فيه على الامام العلامة العلاء البخاري رحمه الله تعالى ، ونقل الشاويش في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور ترجمة العلاء البخاري وافرط في ذمه ! ونقل جزءا من ترجمته من كتاب (الضوء اللامع) للحافظ السخاوي فحرف في النقل حيث قال واصفا العلامة العلاء البخاري بقوله : (وكان شديد الالتصاق بالحكام) ! ! ! علما بان الكلام الاصلي في كتاب (الضوء اللامع) (9 / 291) للسخاوي هو : (وإذا حضر عنده اعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو اشد في الاغلاظ ويحضه على ازالة اشياء من المظالم) اه‍ . فتأمل كيف قلب الشاويش (وكان شديد الاغلاظ على الحكام) 180 درجة راسا على عقب فقال : (وكان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان ! ! . وقد راجعت الشاويش بهذه المسالة واثبت له ان هذا العمل
________________________________________
[ 93 ]
________________________________________
دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع بعد ان قطع شوطا من المجادلة بالباطل ! ! معي ثم وعد بتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة وانتظرنا ذلك ! ! وقد خرجت الان الطبعة الجديدة ولم نر فيها تراجعا الى الحق الذي وعد به ! ! مما يدل على اصرار اهل هذه النحلة على الباطل ! ! ولا املك اخيرا الا ان انصح الشاويش بان يتوب الى الله ويرجع عما يقترفه ، وان يحترم شيخه وان كنا نخالفهما ولا نرتضي طريقتهما ، فان التمرد على الشيخ وشن الغارات عليه ومعاداته بهذه الصورة لا يليق ابدا من اي عاقل ، فيجب عليه الرضوخ لشيخه للسخاوي هو : (وإذا حضر عنده اعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو اشد في الاغلاظ ويحضه على ازالة اشياء من المظالم) اه‍ . فتأمل كيف قلب الشاويش (وكان شديد الاغلاظ على الحكام) 180 درجة راسا على عقب فقال : (وكان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان ! ! . وقد راجعت الشاويش بهذه المسالة واثبت له ان هذا العمل
________________________________________
[ 93 ]
دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع بعد ان قطع شوطا من المجادلة بالباطل ! ! معي ثم وعد بتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة وانتظرنا ذلك ! ! وقد خرجت الان الطبعة الجديدة ولم نر فيها تراجعا الى الحق الذي وعد به ! ! مما يدل على اصرار اهل هذه النحلة على الباطل ! ! ولا املك اخيرا الا ان انصح الشاويش بان يتوب الى الله ويرجع عما يقترفه ، وان يحترم شيخه وان كنا نخالفهما ولا نرتضي طريقتهما ، فان التمرد على الشيخ وشن الغارات عليه ومعاداته بهذه الصورة لا يليق ابدا من اي عاقل ، فيجب عليه الرضوخ لشيخه واحترامه ومسامحته وان اخطا معه ، والتنازل عن حقوقه وايثار الشيخ بكل خير يراه ، والله يتولى هدانا وهداه ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
________________________________________

الكتاب : التوفيق الربَّاني في الردِّ على ابن تيمية الحرَّاني المؤلف : جماعة من العلماء

الكتاب : التوفيق الربَّاني في الردِّ على ابن تيمية الحرَّاني
المؤلف : جماعة من العلماء
التوفيق الربَّاني في الردِّ على ابن تيمية الحرَّاني
لجماعة
من العلماء
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل على خاتم الانبياء والمرسلين القرآن ، فكشف به ظلمات الجهل ، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب ، ووعد متبعه بالجنة
والثواب ، وأوعد المعرضين عنه والمتتبعين المتشابه منه ابتغاء الفتنة النار والعقاب .
واشهد ان لا اله إلا الله الواحد القهار ، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، الذي اصطفاه وجعله سيد ولد آدم
اجمعين ، وعلى آله وصحبه الغر الميامين : اما بعد : فإن الدافع
لجمع هذا الكتاب اسباب منها : اولا : كثرة الجهل والجهلاء
، همج رعاع اتباع كل ناعق ، غرتهم الدنيا ، ورنين وبريق الذهب
الزائل ، حتى باعوا دينهم بعرض من الدنيا . ثانيا : تحول الاحوال
فكثير منهم يرون التلقي مشافهة من الاكابر عادة القدماء ، وهذا
العصر يغنز عن الاستماع والاملاء ، وانتشار الكتب يوجز الوقت
ويغني عن العلماء . اقول : قال الشاعر : وما كل من هز الحسام
بضارب * ولا كل من اجرى اليراع بكاتب
[ 5 ]
________________________________________
فترى هؤلاء يهجمون على تفسير الايات برأيهم ، والاحاديث بظنونهم ، حتى قاسوا الخالق تعالى الله عن ذلك علواا كبيرا .
ولما كان ابن تيمية عمدتهم ، ورأس الفتنة قديما وحديثا ، افتتن به الاغرار ، وبالعبارات الرنانة ، (الشهيد ، شيخ الاسلام) ، وغيرها من الكلمات الزائقة وعكفوا على كتبه ومؤلفاته وتركوا كتب ومؤلفات الائمة الاعلام
، والجهابذة الاخيار ، وردوا نصوص الكتاب ، والسنة الثابتة المطهرة
، اجارنا الله من هذه الفتنة .
فقياماً بالواجب الذي علي رأيت ان اجمع في هذا الكتاب رسائل الامام المجتهد السبكي وغيره
[ 6 ]
________________________________________
من المعاصرين لابن تيمية ، ووضعت له مقدمة في كشف حاله ، فإن
هذا ليس أكلاً للحوم العلماء – كما يدَّعي الجهلة – انما هو نصرة
لهذا الدين ، فانظروا كتب الجرح للعلماء تجدوها مليئة بالتحذير
من الوضَّاعين والكذَّابين ونحوهم ، حتى قال الشافعي عن حرام بن عثمان
: الرواية عن حرام حرام ، فانظر وتمعن ، وقد قال رسولنا محمد
الصادق صلى الله عليه وسلم : (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول
للظالم يا ظالم فقد تُوُدِّعَ منهم) ، وقال الله تعالى : (كنتم خير
أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) . فإلى الجاهل
العنيد ، أقول لك : (ليس البيان كثرة الكلام إنما البيان اصابة
الحق) ، وعند الله تجتمع الخصوم . كتبه ناصح شفوق .
[ 7 ]
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
من هو ابن تيمية ؟
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي
الحنبلي ولد عاشر ربيع الاول سنة / 661 ه‍ .
جمهور الامة الاسلامية على تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث اتفق العقلاء من أهل السنة والجماعة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان والمشابهة لمخلوقاته .
كشف حال ابن تيمية ذكر العلامة تقي الدين الحصني المتوفى سنة 829 ه‍ في كتابه : ” دفع شبه من شبه وتمرد “
كثيرا من مسائل ابن تيمية التي حاد فيها عن طريق الحق . وإني أنقل للقراء مقدمة كلامه في ابن تيمية رقم مرسوم السلطان ابن قلاوون ثم بعض شواذ ابن تيمية .
[ 8 ]
قال رحمه الله : ” فاعلم أني نظرت في كلام هذا الخبيث الذي في قلبه مرض الزيغ المتتبع ما تشابه في الكتاب والسنة ابتغاء الفتنة ، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممن أراد الله عزوجل إهلاكه ، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به ، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره ،
لما فيه من تكذيب رب العالمين في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين
________________________________________
، وكذا الازدراء بأصفيائه المنتخبين وخلفائهم الراشدين وأتباعهم
الموفقين ، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الائمة المتقون وما
اتفقوا عليه من تبديعه وإخراجه ببعضه من الدين ، فمنه ما دون
في المصنفات ومنه ما جاءت به المراسيم العليا وأجمع عليه علماء
عصره ممن يرجع إليهم في الامور الملمات والقضايا المهمات ،
وتضمنه الفتاوى الزكيات من دنس أهل الجهالات ، ولم يختلف عليه
أحد كما اشتهر بالقراءة والمناداة على رؤوس الاشهاد في المجامع
الجامعة حتى شاع وذاع واتسع به الباع حتى في القلوب ، فمن ذلك
نسخة المرسوم الشريف السلطاني ناصر الدين والد محمد بن قلاوون
رحمه الله تعالى وقرئ على منبر جامع دمشق نهار الجمعة سنة خمسة
وسبعمائة . صورة مرسوم ابن قلاوون في ابن تيمية بسم الله الرحمن
الرحيم الحمد لله الذي تنزه عن الشبيه والنظير وتعالى عن المثل
، فقال تعالى : (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) ، أحمده
على ما ألهمنا من العمل بالسنة والكتاب ، ورفع في أيامنا أسباب
الشك والارتياب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير ، وينزه خالقه عن
التحيز في جهة لقوله تعالى : (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون
بصير) ، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نهج سبيل
النجاة لمن سلك سبيل مرضاته ، وأمر بالتفكر في الايات ونهى عن
التفكر في ذاته : صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين علا بهم
منار الايمان وارتفع ، وشيد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع ، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع .
[ 9 ]
________________________________________
وبعد فإن القواعد الشرعية ، وقواعد الاسلام المرعية ، وأركان
الايمان العلمية ، ومذاهب الدين المرضية ، هي الاساس الذي يبنى
عليه ، والموئل الذي يرجع كل أحد إليه ، والطريق التي من سلكها
فاز فوزا عظيما ، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما ، ولهذا
يجب أن تنعقد أحكامها ، ويؤكد دوامها ، وتصان عقائد هذه الامة
عن الاختلاف ، وتزان بالرحمة والعطف والائتلاف ، وتخمد ثوائر
البدع ، ويفرق من فرقها ما اجتمع . وكان ابن تيمية في هذه
المدة قد بسط لسان قلمه ، ومد بجهله عنان كلمه ، وتحدث بمسائل
الذات والصفات ، ونص في كلامه الفاسد على أمور منكرات ، وتكلم
فيما سكت عنه الصحابة والتابعون ، وفاه بما اجتنبه الائمة الاعلام
الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الاسلام ، وانعقد على
خلافه إجماع العلماء والحكام . وأشهر من فتاويه ما استخف به
عقول العوام ، وخالف في ذلك فقهاء عصره ، وأعلام علماء شامه ومصره
، وبث به رسائله إلى كل مكان ، وسمى فتاويه بأسماء ما أنزل
الله بها من سلطان ، ولما اتصل بنا ذلك وما سلك به هو ومريدوه
، من هذه المسالك الخبيثة وأظهروه ، من هذه الاحوال وأشاعوه
، وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه ، حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في
حق الله سبحانه بالحرف والصوت والتشبيه والتجسيم ، فقمنا في نصرة
الله مشفقين من هذا النبأ العظيم ، وأنكرنا هذه البدعة ، وعز
علينا أن تشيع عمن تضمه ممالكه هذه السمعة ، وكرهنا ما فاه
به المبطلون ، وتلونا قوله تعالى : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون)
، فإنه سبحانه وتعالى تنزه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير
(لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) ،
[ 10 ] فتقدمت مراسيمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى أبوابنا
حين سارت فتاويه الباطلة في شامنا ومصرنا ، وصرح فيها بألفاظ
ما سمعها ذو فهم إلا وتلا قوله تعالى : (لقد جئت شيئا نكرا) .
ولما وصل إلينا الجمع أولوا العقد والحل ، وذوو التحقيق والنقل
، وحضر قضاة الاسلام ، وحكام الانام ، وعلماء المسلمين ، وأئمة
الدنيا والدين ، وعقد له مجلس شرعي في ملا من الائمة وجمع ،
ومن له دراية في مجال النظر ودفع ، فثبت عندهم جميع ، ما نسب
________________________________________
إليه ، بقول من يعتمد ويعول عليه ، وبمقتضى خط قلمه الدال على
منكر ومعتقده ، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته الخبيثة منكرون ،
وآخذوه بما شهد به قلمه تالين : (ستكتب شهادتهم ويسألون) ، وبلغنا
أنه قد استتيب مرارا فيما نقدم ، وأخره الشرع الشريف لما
تعرض لذلك وأقدم ، ثم عاد بعد منعه ، ولم يدخل ذلك في سمعه . ولما
ثبت ذلك في مجلس الحاكم المالكي حكم الشرع الشريف أن يسجن
هذا المذكور ، ويمنع من التصرف والظهور ، ويكتب مرسومنا هذا بأن
لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك ، وينهى عن التشبيه
في اعتقاد مثل ذلك ، أو يعود له في هذا القول متبعا ، أو لهذه
الالفاظ مستمعا ، أو يسري في التشبيه مسراه ، أو يفوه بجهة
العلو بما فاه ، أو يتحدث أحد بحرف أو صوت ، أو يفوه بذلك إلى
الموت ، أو ينطق بتجسيم ، أو يحيد عن الطريق المستقيم ، أو يخرج
عن رأي الائمة ، أو ينفرد به عن علماء الامة ، أو يحيز الله
سبحانه وتعالى في جهة أو يتعرض إلى حيث وكيف ، فليس لمعتقد هذا
إلا السيف . فليقف كل واحد عند هذا الحد ، ولله الامر من قبل
ومن بعد ، وليلزم كل واحد من الحنابلة بالرجوع عن كل ما أنكره
الائمة من هذه العقيدة ، والرجوع عن الشبهات الزائغة الشديدة
، ولزوم ما أمر الله تعالى به ، والتمسك بمسالك أهل الايمان الحميدة
، فإنه من خرج عن أمر اللة [ 11 ] فقد ضل سواء السبيل ،
ومثل هذا ليس له إلا التنكيل ، والسجن الطويل مستقره ومقيله وبئس
المقيل . وقد رسمنا بأن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية
، وتلك الجهات الدانية والقاصية ، بالنهي الشديد ، والتخويف
والتهديد لمن اتبع ابن تيمية في هذا الامر الذي أوضحناه ، ومن
تابعه تركناه في مثل مكانه وأحللناه ، ووضعناه من عيون الامة
كما وضعناه ، ومن أصر على الامتناع وأبى إلا الدفاع ، أمرنا
بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم ، وأسقطناهم من مراتبهم مع إهانتهم
________________________________________
، وإن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا ولاية ولا شهادة ولا إمامة
بل ولا مرتبة ولا إقامة ، فإنا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد
، وأبطلنا عقيدته الخبيثة التي أضل بها كثيرا من العباد
أو كاد ، بل كم أضل بها من خلق وعاثوا بها في الارض الفساد ، ولتثبت
المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير المحاضر
بعد إثباتها على قضاة المالكية ، وقد أعذرنا وحذرنا وأنصفنا
حيث أنذرنا ، وليقرأ مرسومنا الشريف على المنابر ، ليكون أبلغ
واعظ وزاجر ، لكل باد وحاضر ، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه
وكتب ثامن عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة إ ه‍ . وهذه المراسيم
الصادرة في حقه بعد محاكمته أمام جماعة من كبار العلماء
في عصره مسجلة في كتب التواريخ ، وكتب خاصة مثل عيون التواريخ
، ونجم المهتدي ، ودفع الشبه وغيرها . وسأنقل الصورة الخطية لهذا
المرسوم لاحقا إن شاء الله . كلام ابن تيمية في الاستواء ووثوب
الناس عليه فمن ذلك ما أخبر به أبو الحسن علي الدمشقي في
صحن الجامع الاموي عن أبيه قال : كنا جلوسا في مجلس ابن تيمية
فذكر ووعظ وتعرض لآيات الاستواء ، ثم قال : (واستوى الله . على
عرشه كاستوائي [ 12 ] هذا ” ، قال : فوثب الناس إليه وثبة واحدة
، وأنزلوه من الكرسي وبادروا إليه ضربا باللكم والنعال وغير
ذلك ، حتى أوصلوه إلى بعض الحكام ، واجتمع في ذلك المجلس العلماء
فشرع يناظرهم . ضحك العلماء منه لما طالبوه بالدليل على ما
صدر منه وتحققهم جهله فقالوا : ما الدليل على ما صدر منك ؟ ،
قال قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوي) ، فضحكوا منه وعرفوا
أنه جاهل لا يجري على قواعد العلم ثم نقلوه ليتحققوا أمره فقالوا
ما تقول في قوله تعالى : (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، فأجاب
بأجوبة تحققوا أنه من الجهلة على التحقيق ، وأنه لا يدري
ما يقول ، وكان قد غره بنفسه ثناء العوام عليه وكذا الجامدون من
________________________________________
الفقهاء العارون عن العلوم التي بها يجتمع شمل الادلة على الوجه
المرضي . وقد رأيت في فتاويه ما يتعلق بمسألة الاستواء ، وقد
أطنب فيها وذكر أمورا كلها تلبيسات خارجة عن قواعد أهل الحق
، والناظر فيها إذا لم يكن ذا علوم وفطنة وحسن روية ظن أنها على
منوال مرضي ، ومن جملة ذلك بعد تقريره وتطويله (إن الله معنا
حقيقة وهو فوق العرش حقيقة) كما جمع الله بينهما في قوله تعالى
: (هو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش
يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما
يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) فأخبر
(أنه فوق العرش يعلم كل شئ وهو معنا أينما كنا) ، هذه عبارته
بحروفها ، فتأمل أرشدك الله تعالى هذا التهافت وهذه الجرأة بالكذب
على الله تعالى أنه سبحانه وتعالى أخبر عن نفسه أنه فوق العرش
محتجا بلفظ الاستواء ، وهذا وغيره مما هو كثير في كلامه يتحقق
به جهله [ 13 ] وفساد تصوره وبلادته ، وكان بعضهم يسميه حاطب
ليل ، وبعضهم يسميه الهدار المهذار . تفرقته في جواز التوسل
بالرسول ” صلى الله عليه وسلم ” في حياته ومنع التوسل به بعد
موته تلقاها عن شيخه وكان الامام العلامة شيخ الاسلام في زمانه
أبو الحسن علي بن إسماعيل القونوي يصرح بأنه من الجهلة بحيث لا
يعقل ما يقول ، ويخبر أنه أخذ مسألة التفرقة ، (أي تفرقته بين
جواز التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ، ومنع التوسل
به بعد موته) ، عن شيخه الذي تلقاها عن أفراخ السامرة واليهود
الذين أظهروا التشرف بالاسلام ، وهم من أعظم الناس عداوة للنبي
صلى الله عليه وسلم ، وقتل علي رضي الله تعالى عنه واحدا
منهم تكلم في مجلسه كلمة فيها ازدراء بالنبي صلى الله عليه وسلم
، وقد وقفت على المسألة ، أعني مسالة التفرقة التي أثارها اليهود
ليزدروه بها وبحثوا فيها على قواعد مأخوذة من الاشتقاق وكانوا
________________________________________
يقطعون بها الضعفاء من العلماء ، فتصدى لهم الجهابذة من العلماء
وأفسدوا ما قالوه بالنقل والعقل والاستعمال الشرعي والعرفي
وأبادوهم بالضرب بالسياط وضرب الاعناق ، ولم يبق منهم إلا
الضعفاء في العلم ، ودامت فيهم مسألة التفرقة حتى تلقاها ابن تيمية
عن شيخه . إه‍ . اتفاق الحذاق من جميع المذاهب في زمنه على
سوء فهمه وكثرة أخطائه وعدم إدراكه للمأخذ الدقيقة وكنت أظن
أنه ابتكرها واتفق الحذاق في زمانه من جميع المذاهب على سوء فهمه
وكثرة أخطائه وعدم إدراكه للمأخذ الدقيقة وتصورها ، عرفوا ذلك
منه بالمفاوضة في مجالس العلم . [ 14 ] ما ذكره ابن شاكر فيه
في عيون التواريخ (1) ولنرجع إلى ما ذكره ابن شاكر في تاريخه
قال : وفي سنة خمس وسبعمائة في ثامن رجب عقد مجلس بالقضاة والفقهاء
بحضرة نائب السلطنة بالقصر الابلق ، فسئل ابن تيمية عن عقيدته
، فأملى شيئا منها ثم أحضرت عقيدته الواسطية وقرئت في المجلس
ووقعت بحوث كثيرة وبقيت مواضع أخرت إلى مجلس ثان ثم اجتمعوا
يوم الجمعة ثاني عشر رجب وحضر المجلس صفي الدين الهندي وبحثوا
ثم اتفقوا على أن كمال الدين بن الزملكاني يحاقق ابن تيمية
ورضوا كلهم بذلك . إقحام كمال الدين بن الزملكاني ، ابن تيمية
في المناظرة وقد أقحم كمال الدين ، ابن تيمية ، وخاف ابن تيمية
على نفسه فأشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب ويعتقد ما
يعتقده الامام الشافعي ، فرضوا منه بذلك وانصرفوا ، ثم إن أصحاب
ابن تيمية أظهروا أن الحق ظهر مع شيخهم وأن الحق معه ، فأحضروا
إلى مجلس القاضي جلال الدين القزويني وأحضروا ابن تيمية وصفع
ورسم بتعزيره فشفع فيه ، وكذلك فعل الحنفي باثنين من أصحاب
ابن تيمية . (1) مخطوط في مكتبة قرة جلبي زادة رقم / 694 ص / 33
. (*) [ 15 ] وصول ابن تيمية إلى القاهرة وعقد مجلس القضاة والفقهاء
والعلماء والامراء له وادعاء شمس الدين بن عدنان الشافعي
________________________________________
عليه ثم قال : ولما كان سلح رجب حمعوا القضاة والفقهاء وعقد
مجلس بالميدان أيضا ، وحضر نائب السلطنة أيضا ، وتباحثوا في أمر
العقيدة ، وسلك معهم المسلك الاول ، فلما كان بعد أيام ورد
مرسوم السلطان صحبة بريدي من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة
نجم الدين بن صصري وبابن تيمية ، وفي الكتاب (تعرفونا ما وقع في
سنة ثمان وتسعين في عقيدة ابن تيمية) فطلبوا الناس وسألوهم عما
جرى لابن تيمية في أيام نقل عنه فيها كلام قاله وأحضروا للقاضي
جلال الدين القزويني العقيدة التي كانت أحضرت في زمن قاضي
القضاة إمام الدين وتحدثوا مع ملك الامراء في أن يكاتب في هذا
الامر ، فأجاب ، فلما كان ثاني يوم وصل مملوك ملك الامراء على
البريد من مصر وأخبر أن الطلب على ابن تيمية كثير وأن القاضي المالكي
قائم في قضيته قياما عظيما وأخبر بأشياء كثيرة وقعت من
الحنابلة في الديار المصرية وأن بعضهم صفع . فلما سمع ملك الامراء
بذلك انحلت عزائمه عن المكاتبة وسير شمس الدين بن محمد المهمندار
إلى ابن تيمية ، وقال له : قد رسم مولانا ملك الامراء بأن
تسافر غدا ، وكذلك راح إلى قاضي القضاة فشرعوا في التجهيز ،
وسافر بصحبة ابن تيمية أخواه عبد الله و عبد الرحمن وسافر معهم
جماعة من أصحاب ابن تيمية . شروع ابن تيمية في وعظ أهل المجلس
فقيل له إن الذي تقوله نحن نعرفه . وفي سابع شوال وصل البريدي
إلى دمشق وأخبر بوصولهم إلى [ 16 ] الديار المصرية ، وأنه عقد
لهم مجلس بقلعة القاهرة بحضرة القضاة والفقهاء والعلماء والامراء
: فتكلم الشيخ شمس الدين عدنان الشافعي وادعى على ابن تيمية
في أمر العقيدة ، فذكر منها فصولا فشرع ابن تيمية ، فحمد الله
تعالى وأثنى عليه ، وتكلم بما يقتضي الوعظ ، فقيل له : يا شيخ
إن الذي تقوله نحن نعرفه وما لنا حاجة إلى وعظك ، وقد ادعى
عليك بدعوى شرعية فأجب ، فأراد أن يعيد التحميد فلم يمكنوه من
________________________________________
ذلك بل قيل له أجب ، فتوقف وكرر عليه القول مرارا ، فلم يزدهم
على ذلك شيئا وطال الامر فعند ذلك حكم القاضي المالكي بحبسه وحبس
أخويه معه فحبسوه في برج من أبراج القلعة ، فتردد إليه جماعة
من الامراء فسمع القاضي بذلك ، فاجتمع بالامراء وقال : يجب عليه
التضييق إذا لم يقتل وإلا فقد وجب قتله وثبت كفره فنقلوه إلى
الجب بقلعة الجبل ونقلوا أخويه معه بإهانة . إرجاع نجم الدين
بن صصرى خصم ابن تيمية إلى قضاء القضاة بالشام ومعه مرسوم السلطان
بالتشديد العظيم على الحنابلة وفي سادس عشر ذي القعدة وصل
من الديار المصرية قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى ، وجلس يوم
الجمعة في الشباك الكمالي ، وحضر القبراء والمنشدون وأنشدت التهاني
وكان وصل معه كتب ولم يعرضها على نائب السلطنة ، فلما كان
بعد أيام عرضها عليه ، فرسم ملك الامراء بقراءتها ، والعمل بما
فيها امتثالا للمراسيم السلطانية ، وكانوا قد بيتوا على الحنابلة
كلهم بأن يحضروا إلى مقصورة الخطابة بالجامع الاموي بعد
الصلاة . وحضر القضاة كلهم بالمقصورة ، وحضر معهم الامير الكبير
ركن الدين بيبرس العلائي ، وأحضروا تقليد القضاء نجم الدين بن
صصري الذي حضر معه من مصر باستمراره على قضاء القضاة [ 17 ]
وقضاء العسكر ونظر الاوقاف وزيادة المعلوم ، وقرئ عقيبه الكتاب
الذي وصل على يديه ، وفيه ما يتعلق بمخالفة ابن تيمية في عقيدته
، وإلزام الناس بذلك خصوصا الحنابلة ، والوعيد الشديد عليهم
والعزل من المناصب والحبس وأخذ المال والروح لخروجهم بهذه العقيدة
عن الملة المحمدية ونسخة الكتاب نحو الكتاب المتقدم وتولى
قراءته شمس الدين محمد بن شهاب الدين الموقع ، وبلغ عنه الناس
ابن صبح المؤذن وقرئ بعده تقليد الشيخ برهان الدين بالخطابة ،
وأحضروا بعد القراءة الحنابلة مهانين بين يدي القاضي جمال الدين
المالكي بحضور باقي القضاة واعترفوا أنهم يعتقدون ما يعتقده
________________________________________
محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو قوله : آمنت بالله
وبما جاء عن الله على مراد الله ، وآمنت برسول الله وما جاء
عن رسول الله على مراد رسول الله . وفي سلخ صفر سنة / 709 ه‍
سفروا ابن تيمية من القاهرة إلى الاسكندرية ولم يمكن أحد من جماعته
من السفر معه وحبس في برج شرقي البلد . ورود مرسوم آخر من
السلطان يمنع ابن تيمية من الفتوى في الطلاق وفي سابع شهر صفر
سنة ثمان عشرة ورد مرسوم السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة
الطلاق التي يفتي بها ابن تيمية ، وقد أمر بعقد مجلس له بدار السعادة
، وذلك سنة 720 ه‍ اليوم الحادي عشر من جمادى الاولى وحضر
القضاة وجماعة من الفقهاء ، وحضر ابن تيمية وسألوه عن فتاويه
في مسألة الطلاق وكونهم نهوه وما انتهى ، ولا قبل مرسوم السلطان
ولا حكم الحكام بمنعه ، فأنكر فحضر خمسة نفر فذكروا عنه أنه
أفتاهم بعد ذلك فأنكر وصمم على الانكار فحضر ابن طليس وشهد أنه
أفتى لحاما اسمه قمر مسلماني في بستان ابن منجا ، [ 18 ] فقيل
لابن تيمية اكتب بخطك أنك لا تفتي بها ولا بغيرها ، فكتب بخطه
نه لا يفتي بها وما كتب بغيرها . فقال القاضي نجم الدين بن
صصري حكمت بحبسك واعتقالك فقال له : حكمك باطل لانك عدوي فلم يقبل
منه وأخذوه واعتقلواه في قلعة دمشق . وفي سنة إحدي وعشرين
وسبعمائة يوم عاشوراء افرج عن ابن تيمية من حبسه بقلعة دمشق وكانت
مدة اعتقاله خمسة أشهر ونصفا . في سنة / 726 / حبس ابن تيمية
في قلعة دمشق وفتوى الفقهاء من المذاهب الاربعة بتضليله وفي
سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة في سادس من شعبان قدم بريدي من الديار
المصرية ، ومعه مرسوم شريف باعتقال ابن تيمية ، فاعتقل في
قلعة دمشق ، وكان السبب في اعتقاله وحبسه أنه قال : (لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد وإن زيارة قبور الانبياء لاتشد إليها
الرواحل كغيرها كقبر إبراهيم الخليل وقبر النبي صلى الله عليه
________________________________________
وسلم) . ثم ان الفقهاء الشافعية والمالكية كتبوا فتيا أيضا في
ابن تيمية لكونه أول من أحدث هذه المسألة التي لا تصدر إلا ممن
في قلبه ضغينة لسيد الاولين والاخرين ، فكتب عليها الامام العلامة
برهان الدين الفزاري نحو أربعين سطرا بأشياء وآخر القول
إنه أفتى بتكفيره ، ووافقه على ذلك الشيخ شهاب الدين بن جهبل
الشافعي ، وكتب تحت خطه كذلك المالكي وكذلك كتب غيرهم ، ووقع الاتفاق
على تضليله بذلك وتبديعه وزندقته . ثم أراد النائب أن يعتقد
لهم مجلسا ويجمع العلماء والقضاة ، فرأي أن الامر يتسع فيه
الكلام ، ولا بد من إعلام السلطان بما وقع فأخذ الفتوى وجعلها
في مطالعه وسيرها ، فجمع السلطان لها القضاة فلما قرئت عليهم
أخذها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وكتب عليها : (القائل [
19 ] بهذه المقالة ضال مبتدع) ووافقه على ذلك الحنفي والحنبلي
فصار كفره مجمعا عليه ، ثم كتب كتاب إلى دمشق بما يعتمده نائب
السلطنة في أمره . مرسوم للسلطان أيضا باعتماد ما اتفق عليه علماء
القطرين وفي يوم الجمعة عاشر شهر شعبان ، حضر كتاب السلطان
إلى نائب البلد وأمره أن يقرأه على السدة في يوم الجمعة فقرئ
وكان قارئ الكتاب بدر الدين بن الاعزازي الموقع ، والمبلغ ابن
النجيبي المؤذن ، ومضمون الكتاب بعد البسملة ، أدام الله تعالى
نعمه ، ونوضح لعلمه الكريم ورود مكاتبته التي جهزها بسبب ابن
تيمية فوقفنا عليها ، وعلمنا مضمونها في أمر المذكور وإقدامه
على الفتوى بعد تكرير المراسيم الشريفة بمنعه حسبما حكم به القضاة
وأكابر العلماء ، وعقدنا بهذا السبب مجلسا بين أيدينا الشريفة
، ورسمنا بقراءة الفتوى على القضاة والعلماء ، فذكروا جميعا
من غير خلف أن الذي أفتى به ابن تيمية في ذلك خطأ مردود عليه
وحكموا بزجره وطول سجنه ومنعه من الفتوى مطلقا وكتبوا خطوطهم
بين أيدينا على ظاهر الفتوى المجهزة بنسخة ما كتبه ابن تيمية .
________________________________________
وقد جهزنا إلى الجانب العالي طي هذه المكاتبة فيقف على حكم ما
كتب به القضاة الاربعة ، ويتقدم باعتقال المذكور في قلعة دمشق
، ويمنع من الفتوى مطلقا ويمنع الناس من الاجتماع به والتردد
إليه ، وتضييقا عليه لجرأته على هذه الفتوى ، فيحيط به علمك الكريم
، ولكون اعتماده بحسب ما حكم به الائمة الاربعة . وأفتى به
العلماء في السجن للمذكور وطول سجنه ، فإنه في كل وقت يحدث للناس
شيئا منكرا وزندقة يشغل خواطر الناس بها ، ويفسد [ 20 ] على
العوام عقولهم الضعيفة وعقلياتهم وعقائدهم فيمنع من ذلك وتسد
الذريعة منه . فليكن عمله على هذا الحكم ويتقدم أمره به ، وإذا
اعتمد الجناب الرفيع هذا الاعتماد الذي رسمنا به في أمر ابن
تيمية ، فيتقدم منع من سلك مسالكه أو يفتي بهذه الفتوى أو يعمل
بها في أمر الطلاق ، وهذه القضايا المستحدثة ، وإذا اطلع على
أحد عمل بذلك أو أفتى به فيعتبر حاله ، فإن كان من مشايخ العلماء
فيعزر تعزير مثله ، وإن كان من الشبان الذين يقصدون الظهور
– كما يقصده ابن تيمية – فيؤدبهم ويردعهم ردعا بليغا ، ويعتمد
في أمره ما يحسم به مراد أمثاله لتستقيم أحوال الناس وتمشي على
السداد ، ولا يعود أحد يتجاسر على الافتاء بما يخالف الاجماع
، ويبتدع في دين الله عزوجل من أنواع الاقتراح ما لم يسبقه أحد
إليه ، فالجناب العالي يعتمد هذه الامور التي عرفناه إياها الان
وسد الذرائع فيها . وقد عجلنا بهذا الكتاب وبقية فصول مكاتبته
تصل بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . صورة الفتوى من خط
القضاة الاربعة وكتب في سابع عشرين رجب سنة ست وعشرين وسبعمائة
، صورة الفتوى المنقولة من خط القضاة الاربعة بالقاهرة على ظاهر
الفتوى : الحمد لله هذا المنقول ، باطنها جواب عن السؤال ،
عن قوله إن زيارة الانبياء والصالحين بدعة ، وما ذكره من نحو
ذلك ، وانه لا يرخص بالسفر لزيارة الانبياء باطل مردود عليه ،
________________________________________
وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة
عند الائمة والعلماء ويمنع من الفتاوى الغريبة ، ويحبس إذا لم
يمتنع من ذلك ، ويشهر أمره ، ليتحفظ الناس [ 21 ] من الا قتداء
به وكتب محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي ، وكذلك
يقول محمد بن الحريري الانصاري الحنفي ، لكن يحبس الان جزما
مطلقا ، وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي ، ويبالغ في زجره
، حسبما تندفع به هذه المفسدة وغيرها من المفاسد . وكذلك يقول
أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي . ووجدوا صورة فتوى أخرى ، يقطع
فيها بأن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الانبياء معصية
بالاجماع مقطوع بها ، وهذه الفتوى هي التي وقف عليها الحكام
، وشهد بذلك القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني
، فلما رأوا خطه عليها تحققوا فتواه ، فغاروا لرسول الله صلى
الله عليه وسلم غيرة عظيمة ، وللمسلمين الذين ندبوا إلى زيارته
وللزائرين من أقطار الارض ، واتفقوا على تبديعه وتضليله وزيغه
، وأهانوه ووضعوه في السجن انتهى من كتاب ابن شاكر الكتبي . قال
أبو حيان : قرأت في كتاب لابن تيمية وذكر أبو حيان النحوي الاندلسي
في تفسيره المسمى بالنهر في قوله تعالى : (وسع كرسيه السموات
والارض) ما صورته : وقرأت في كتاب لاحمد بن تيمية هذا الذي
عاصرنا ، وهو بخطه سماه كتاب العرش : إن الله يجلس على الكرسي
وقد أخلى منه مكانا يقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، تحيل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري ،
وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه (1) . إه‍
. وكما ترى ذلك في النسخ المخطوطة من تفسير أبي حيان وليست هذه
الجملة بموجودة في تفسير البحر المطبوع وقد ذكر الكوثري : في
(1) وقد نقل ذلك ايضا صاحب (كشف الظنون) 2 / 1438 . [ 22 ] تعليقه
على السيف / 85 ما نصه : ” وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة
________________________________________
أنه استفظعها جدا فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها أعداء
الدين ، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكا لما كان منه ونصيحة للمسلمين
” . ورأيت في بعض فتاويه أن الكرسي موضع القدمين ، وفي
كتابه المسمى بالتدمرية ما هذا لفظه بحروفه بعد أن قرر ما يتعلق
بالصفات المتعلقة بالخالق والمخلوق قال : ثم من المعلوم لما
وصف نفسه بأنه حي عليم قادر لم يقل المسلمون أن ظاهر هذا غير
مراد ، لان المفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا ، فكذلك لما
وصف نفسه أنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن ظاهره غير مراد ،
لان مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا . هذه عبارته بحروفها
وهي صريحة في التشبيه المساوي كما أنه جعل الاستواء على العرش
مثل قوله تعالى : (لتستوا على ظهوره) تعالى الله وتقدس عن ذلك
، وقال في الكلام على حديث النزول المشهور : إن الله ينزل إلى
سماء الدنيا إلى مرجة خضراء وفي رجليه نعالان من ذهب ، هذه عبارته
الزائغة الركيكة ، وله من هذا النوع وأشباهه مغالات في التشبيه
حريصا على ظاهرها واعتقادها وإبطال ما نزه الله تعالى به
نفسه في أشرف كتبه وأمر به عموما وخصوصا ، وذكره أخبارا عن الملا
الاعلى والكون العلوي والسفلي . ومن تأمل القران وجده مشحونا
بذلك ، وهذا الخبيث لا يعرج على ما فيه التنزيه وإنما يتبع
المتشابه ، ويمعن الكلام فيه ، وذلك من أقوى الادلة على أنه من
أعظم الزائغين ، ومن له أدنى بصيرة لا يتوقف فيما قلته إذ القرائن
لها اعتبار في الكتاب والسنة وتفيد القطع وتفيد ترتب الاحكام
الشرعية لاسيما في محل الشبه إه‍ . [ 23 ] احتجاج ابن تيمية
على إثبات الجهة لله تعالى وقد احتج ابن تيمية على إثبات الجهة
لله تعالى مقلدا سلفه المجسمة بقوله تعالى حكاية عن فرعون :
(يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع
إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا) . وقد نقل ذلك عنه عصريه الحافظ
________________________________________
أحمد بن يحيى الكلابي في رسالته . [ 29 ] ذكره مسائل من شواذه
ثم ذكره التقي الحصني مسائل من شذوذه انتقدها العلماء وبرهن
على بطلانها منها . 1 – زعمه أن النار تفنى وأن الله تعالى جعل
لها أمدا تنتهي إليه ، وهي من أقبح القبائح . 2 – قوله : (بحوادث
لا أول لها) . وتكلم بكلام لبس فيه على العوام وغيرهم من
سئ الافهام يقصد بذلك الازدراء برسول الله صلى الله عليه وسلم
، والحط من قدره ورتبته ، وما فيه رفعة يسكت عنه ، يفهم ذلك منه
كل عالم امتلا قلبه بتعظيمه وتوقيره بما خصه الله تعالى من المواهب
الالهية التي لم ينلها غيره صلى الله عليه وسلم ، وهو حريص
على حط رتبته والغض منه تارة يقع ذلك مكنه قريبا من التصريح
وتارة بالاشارة القريبة وتارة بالاشارة البعيد التي لا يدركها
إلا أهلها . حال ابن تيمية في فهرس الفهارس للكتاني ذكر عبد
الحي الكتاني في ترجمة ابن تيمية في فهرس الفهارس 1 : 201 – 202
ما نصه : ” ومن أبشع وأشنع ما نقل عنه قوله في حديث ” ينزل ربنا
في الثلث الاخير من الليل ” كنزولي هذا . وقال الرحالة ابن
بطوطة في رحلته : ” وشااهدته نزل درجة من المنبر الذي كان يخطب
عليه ” . وقال القاضي أبو عبد الله المقري [ 30 ] الكبير في
رحلته (نظم اللالي في سلوك الامالي) حين تعرض لشيخيه ابني الامام
التلمساني ورحلتهما : ناظرا تقي الدين ابن تيمية وظهرا عليه
وكان ذلك من أسباب محنته . وكان له مقالات شنيعة من أمرار حد
يث النزول على ظاهره ، وقوله فيه كنزولي هذا ، وقوله فيمن سافر
لا ينوي إلا زيارة القبر الكريم لا يقصر لحديث لا تشد الرحال
. ونقله عنه حفيده أبو العباس المقرى في (أزهار الرياض) وأقره
. ومن أشنع ما نقل عن ابن تيمية أيضا قوله في حق (شفاء القاضي
عياض) ” غلا هذا المغيربي ” وقد قال في ذلك شيخ الاسلا م بإفريقيا
الامام العلم أبو عبد الله ابن عرفة التونسي : شفاء عياض في
________________________________________
كمال نبينا * كواصف ضوء الشمس ناظر قرصها فلا غرو في تبليغه
كنه وصفه * وفي عجزه عن وصفه كنه شخصها وإن شئت تشبيها بذكر إمارة
* بأصل ببرهان مبين لنقصها وهذا بقول قيل عن (زائغ) غلا *
عياض فتبت ذاته عن محيصها ذكرهم له تلميذه البسيلي في تفسيره والمقري
في (أزهار الرياض) وفي حواشي البخاري لشيخ الجماعة بفاس
أبي السعود عبد القادر الفاسي ” . . انتهى كلام الكتاني . حال
ابن تيمية عند الحافظ المجتهد السبكي ذكر السبكي في مقدمة كتابه
الدرة المضية في الرد على ابن تيمية مانصه : أما بعد فإنه لما
أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الاسلام
الاركان والمعاقد بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة
مظهرا أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة فخرج عن الاتباع إلى الابتداع
وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الاجماع وقال بما يقتضى [
31 ] الجسمية والتركيب في الذات المقدس وان الافتقار إلى الجزء
ليس بمحال وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى وان القرآن محدث
تكلم الله به بعد أن لم يكن وانه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته
الارادات بحسب المخلوقات وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم
والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها
فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما ولم يجمع أحد
هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل فلم يدخل في
فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الامة ولا
وقفت به مع أمة من الامم همة وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما
تقل جملته بالنسبة لما أحدث في الفروع . انتهى . وأما ما وجد في
بعض النسخ السقيمة في كتابه شفاء السقام عند ذكر ابن تيمية “
رحمه الله ” فلا يدفع هنا النص الصريح في تكفيره ولاسيما والحال
أن من جملة ما اعتمد عليه في تكفيره قوله بحوادث لا أول لها
أي أزلية العالم فإنه ممن انعقد الاجماع على تكفير قائله فكيف
________________________________________
يصدر من السبكي بعد هذا بعد ذكر ابن تيمية ” رحمه الله ” . وكيف
يقول عنه رحمه الله ويقول عنه : يرى حوادث لا مبدأ لاولها *
في الله سبحانه عما يظن به ويزيد ذلك تأييدا قول الحافظ ابن حجر
في شرح البخاري ما نصه : فقد حكى عياض وغيره الاجماع على تكفير
من يقول بقدم العالم وقال ابن دقيق العيد وقع هنا من يدعي
الحزق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة وظن أن المخالف في حدوث
العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع وتمسك بقولنا ان منكر
الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا
عن صاحب الشرع . قال : وهو تمسك ساقط أما عن عمي في البصيرة أو
تعام لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر
بالنقل انتهى . [ 32 ] وذلك في صحيفة : 202 من الجزء الثاني عشر
ونقل قبل ذلك عن شيخه الحافظ العراقي أنه قال في شرح الترمذي
: إن القول بحدوث العالم مما علم وجوبه بالتواتر انتهى . حال
ابن تيمية عند الحاظ ولي الدين العراقي وقوله بأن ابن تيمية خرق
الاجماع بنحو ستين مسألة قال الحافظ ولي الدين العراقي أيضا
في جوابه عن سؤال الحافظ ابن فهد المسمى بالاجوبة المرضية عن الاسئلة
المكية (1) ما نصه : وأما الشيخ تقي الدين ابن تيمية .
. . لكنه كما قيل فيه علمه أكثر من عقله فأداه اجتهاده إلى خرق
الاجماع في مسائل كثيرة قيل إنها تبلغ ستين مسألة فأخذته الالسنة
بسبب ذلك وتطرق إليه اللوم وامتحن بهذا السبب وأسرع علماء
عصره في الرد عليه وتخطئته وتبديعه ومات مسجونا بسبب ذلك . والمنتصر
له يجعله كغيره من الائمة بأنه لا تضره المخالفة في مسائل
الفروع إذا كان ذلك عن اجتهاد لكن المخالف له يقول ليست مسائله
كلها في الفروع بل كثير منها في الاصول وما كان منها من الفروع
فما كان سوغ له المخالفة فيها بعد انعقاد الاجماع عليها .
ولم يقع للائمة المتبوعين مخالفته في مسائل انعقد الاجماع عليها
________________________________________
قبلهم بل ما يقع لاحد منهم إلا وهو مسبوق به عن بعض السلف كما
صرح به غير واحد من الائمة وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق
والزيارة وقد رد عليه فيهما معا الشيخ الامام تقي الدين السبكي
وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن . انتهى كلام الحافظ ولي
الدين . (1) مخطوط في المكتبة الظاهرية (*) [ 33 ] حال ابن تيمية
في ا لدرر الكامنة لابن حجر الحافظ ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة
ابن تيمية في الدرر الكامنة 1 / 144 انتقاد العلماء له ،
وإني أنقل بعض ما ذكره . قال : أول ما أنكر وقام عليه العلماء
سنة 698 بسبب المسألة الحموية ، ثم طلب إلى مصر سنة / 705 وحبس
بها ، ثم نقل منها سنة 709 إلى الاسكندرية ، ثم أعيد إلى القاهرة
، ثم أرجع إلى الاسكندرية ، ثم أفرج عنه سنة 712 ورجع إلى
الشام . وقد عقد له مجلس في التاريخ الاول سئل فيه عن عقيدته ،
فأملى منها شيئا ثم أحضروا عقيدته الواسطية فقرئ شئ منها ، وبحثوا
في مواضع منها ، ثم اجتمعوا بعد أيام وقرروا الصفي الهندي
لمناظرته ثم أخروه ، وقدموا الكمال الزملكاني ، ثم انفصل الامر
، على أنه أشهد على نفسه أنه شافعي المعتقد فأشاع أتباعه أنه
انتصر فغضب خصومه ، ورفعوا واحدا منهم إلى القاضي جلال الدين
القزويني فعزره ، وكذلك فعل القاضي الحنفي بإثنين من أتباعه ،
ثم قاموا عليه في سنة (719) بسبب مسألة الطلاق ، وأكد عليه المنع
من الفتيا ، ثم عقد له مجلس سنة (720) ، ثم حبس بقلعة دمشق
ثم أخرج سنة (721) ، ثم قاموا عليه سنة (726) ، بسبب مسألة الزيارة
وحبس بالقلعة إلى أن مات سنة (728) ، ونسبوه إلى التجسيم
. لما ذكره في عقيدته الحموية والواسطية وغيرهما في ذلك ، كقوله
إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله تعالى ، وانه
مستو على العرش بذاته ، فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام
. فقال : أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الاجسام ، فألزم
________________________________________
بأنه يقول بالتحيز في ذات الله تعالى ، وخطأ أمير المؤمنين
عمر بن [ 34 ] الخطاب رضي الله عنه ، وخطأ أمير المؤمنين عليا
كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف نص الكتاب . ونسبوه إلى
النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه ، ولقوله أيضا فيه انه
كان مخذولا حيثما توجه وانه حاول الخلافة مرارا فلم ينلها ،
وإنما قاتل للرياسة لا للديانة ، ولقوله أيضا انه كان يحب الرياسة
، ولقوله أيضا فيه أبو بكر أسلم شيخا يدري ما يقول ، وعلي
أسلم صبيا والصبي لا يصح إسلامه على قول ، وبكلامه في خطبة علي
رضي الله عنه بنت أبي جهل ، ومات وما نسيها . وقال إن عثمان رضي
الله تعالى انه كان يحب المال ؟ ونسبوه إلى الزندقة لقوله إن
النبي صلى الله عليه وسلم لا يستغاث به ، ونسبه قوم إلى السعي
في الامامة الكبرى لانه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه ، وكان
إذا حوقق وألزم يقول : لم أرد هذا ، وإنما أردت كذا ، فيذكر
احتمالا بعيدا . إ ه‍ = ملخصا من (الدرر الكامنة) . فقوله : (وقرروا
الصفي الهندي لمناظرته ثم أخروه) ، مجمل بينه العلامة تاج
الدين السبكي في طبقاته الكبرى في ترجمة الصفي الهندي قال :
ولما وقع لابن تيمية في المسألة الحموية ما وقع وعقد له المجلس
بدار السعادة بين يدي الامير تنكيز ، وجمعت العلماء ، وأشاروا
بأن الشيخ الهندي يحضر فحضر ، وكان الهندي طويل النفس في التقرير
إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضا إلا وقد أشار
إليه في التقرير ، بحيث لا يتم التقرير إلا ويعز على المعترض
مقاومته . فلما شرع يقرر أخذ ابن تيمية يعجل عليه – على عادته
– ويخرج من شئ إلى شئ ، فقال له الهندي : ما أراك يا ابن تيمية
إلا كالعصفور ، كلما أردت قبضه من مكان فر إلى مكان آخر ، وكان
الهندي شيخ الحاضرين كلهم ، وكلهم صدر عن رأيه ، وحبس ابن
تيمية بسبب تلك المسألة المتضمنة قوله بالجهة ، ونودي عليه في
________________________________________
البلد وعلى أصحابه [ 35 ] وعزلوا من وظائفهم إه‍ . وقوله : (ثم
قاموا عليه سنة 726 بسبب مسألة الزيارة وحبس بالقلعة إلى أن مات
سنة 728) ، أي علماء دمشق أيضا صحيح أيضا ، فقد أفتى بأن شد
الرحال إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بدعة ومعصية لا يجوز
قصر الصلاة فيها ، وقد رد عليه فيها علماء أعلام في مقدمتهم
الامام السبكي . وقوله : (ونسبوه إلى التجسيم لما ذكره في عقيدته
الحموية والواسطية وغيرهما إلى قوله وخطأ عمر بن الخطاب) صحيح
أيضا ولو لم يدل على تجسيمه من كلامه إلا زعمه أن اليد والقدم
والساق والوجه صفات حقيقية لله تعالى ، وأنه تعالى مستو على
العرش بذاته لكفى ذلك في تكفيره . وفي لسان الميزان 6 / 319 في
ترجمة يوسف الحلي يقول ابن حجر ما نصه : . . . ولابن تيمية رد
عليه أي الرد واستيفاء أجوبة لكنا نذكر بقية الابيات في ما يعاب
به ابن تيمية من العقيدة طالعت الرد المذكور فوجدته كما قال
السبكي في الاستيفاء لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد
الاحاديث التي يوردها ابن المطهر وإن كان معظم ذلك من الموضوعات
والواهيات لكنه رد في رده كثيرا من الاحاديث الجياد التي لم
يستحضر حالة التصنيف مظانها لانه كان لاتساعه في الحفظ يتكل
على ما في صدره والانسان عامد للنسيان وكم من مبالغة لتوهين كلام
الرافضي أدته أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه . [ 36 ] كلام
التقي الحصني أيضا وفي ابن تيمية وقال العلامة تقي الدين الحصني
في ” دفع شبه من شبه وتمرد ” : ومن قواعده المقررة عنده
، وجرى عليها أتباعه التوقي بكل ممكن ، حقا كان أو باطلا ، ولو
بالايمان الفاجرة سواء كانت بالله عزوجل أم بغيره . وأما الحلف
بالطلاق فإنه لا يوقعه البتة ولا يعتبره سواء كان بالتصريح أم
الكناية أم التعليق أم التنجيز وإشاعته هو وأتباعه أن الطلاق
الثلاث واحد خزعبلات ومكر ، وإلا فهو لا يوقع طلاقا على حالف
________________________________________
به ولو أتى به في اليوم مائة مرة على أي وجه ، سواء كان حثا أم
منعا أم تحقيق خبر فاعرف ذلك وأن مسألة الثلاث إنما يذكرونها
تسترا وخديعة ، وقد وقفت على مصنف له في ذلك وكان عند شخص شريف
زينبي . وكان يرد الزوجة إلى زوجها في كل واقعة بخمسة دراهم ،
وإنما أطلعني عليه لانه ظن أني منهم فقلت له : يا هذا أتترك قول
الامام أحمد وقول بقية الائمة بقول ابن تيمية ؟ ، فقال : اشهد
علي اني تبت وظهر لي أنه كذب في ذلك ، ولكن جرى على قاعدتهم
في التستر والتقية ، فنسأل الله تعالى العافية من المخادعة إنها
صفة أهل الدرك الاسفل إه‍ . كلام السخاوي ورأي الذهبي في ابن
تيمية ذكر الحافظ السخاوي في الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ
ص / 77 بعد الكلام على الذهبي ما نصه : ” . . . وقد رأيت – اي
الذهبي – له عقيدة مجيدة ورسالة كتبها لابن تيمية هي لدفع نسبته
لمزيد تعصبه [ 37 ] مفيدة (1) ، وقال مرة فيه مع حلفه بأنه
ما رمقت عينه أوسع منه علما ولا أقوى ذكاء مع الزهد في المأكل
والملبس والنساء ومع القيام في الحق بكل ممكن أنه تعب في وزنه
وتفتيشه سنين متطاولة فما وجد اخره بين المصريين والشاميين ومقتته
نفوسهم بسببه وازدروا به وكذبوه بل كفروه إلا الكبر والعجب
والدعاوى وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار ومحبة
الظهور بحيث قام عليه ناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم ولا أزهد
. . . إلى أن قال بنقله عن الذهبي الصحيفة / 78 من الاعلان
: ” . . . وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل
والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل أن يدخل في هذه
الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكشوفا
عليه قتمة عند خلائق من الناس ودجالا أفاكا كافرا عند أعدائه
. . . ” . قف على قوله : انه كان مضيئا قبل أن يشتغل بالفلسفة
ثم صار مظلما عليه قتمة ، وهذا كلام من ؟ كلام تلميذه الذي كان
________________________________________
يمدحه ثم بعد ذلك ذكر فيه ما ذكر ، وراجع كلامه في النصيحة التي
أرسلها له ويقول له فيها : ” . . . يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة
ومصنفاتهم مرات . . . ” ، ” يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم
منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والاهدار ، أو بالتأويل
والانكار ” . هذا كلام الذهبي الذي قال لابن تيمية ” وأنا الشفوق
المحب الواد ” فراجع النصيحة بتمعن وتفكر . (1) راجع ” بيان
زغل العلم والطلب للذهبي ” . (*) [ 38 ] فصل وقد استتيب مرات
في أمور خطرة وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة وأوردت هنا صورة
من صيغ استتابته كما هي مسجلة في (نجم المهتدي) لتكون عبرة
للمعتبر وهي هذه : (الحمد لله . الذي أعتقده أن في القرآن معنى
قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة الازلية وهو غير
مخلوق وليس بحرف ولا صوت وليس هو حالا في مخلوق أصلا ولا ورق
ولا حبر ولا غير ذلك ، والذي أعتقده في قوله : (الرحمن على العرش
استوى) أنه على ما قال الجماعة الحاضرون وليس على حقيقته وظاهره
ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله ، والقول
في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه لا أعرف
كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله وليس على حقيقته وظاهره
كما قال الجماعة الحاضرون وكل ما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل
وكل ما في خطى أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل وكل ما في ذلك
مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا برئ منه
فقد تبرأت منه وتائب إلى الله من كل ما يخالفه . كتبه أحمد
بن تيمية ، وذلك يوم الخميس سادس شهر ربيع الاخر سنة سبع وسعمائة
. وكل ما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار في ذلك غير
مكره . كتبه أحمد بن تيمية حسبنا الله ونعم الوكيل ” . وبأعلى
ذلك بخط قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ما صورته : اعترف عندي
بكل ما كتبه بخطه في التاريخ المذكور . كتبه محمد بن إبراهيم
________________________________________
الشافعي وبحاشية الخط : اعترف بكل ما كتب بخطه . كتبه عبد الغني
بن محمد الحنبلي . وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات هذه صورتها
: كتب المذكور [ 39 ] بخطه أعلاه بحضوري واعترف بمضمونه . كتبه
أحمد بن الرفعة . صورة خط آخر : أقر بذلك . كتبه عبد العزيز
النمراوي . صورة خط آخر : أقر بذلك كله بتاريخه . علي بن محمد
بن خطاب الباجي الشافعي . صورة خط آخر : جرى ذلك بحضوري في تاريخه
. كتبه الحسن ابن أحمد بن محمد الحسيني وبالحاشية أيضا ما
مثاله : كتب المذكور أعلاه بخطه واعترف به . كتبه عبد الله بن
جماعة . مثال خط أخر أقر بذلك وكتبه بحضوري محمد بن عثمان البوريجبي
. وكل هؤلاء من كبار أهل العلم في ذلك العصر ، وابن الرفعة
وحده له (المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي) في أربعين مجلدا
وفي ذلك عبر . ولولا أن ابن تيمية كان يدعو العامة إلى اعتقاد
ضد ما في صيغة الاستتابة هذه بكل ما أوتي من حول وحيلة لما
استتابه أهل العلم بتلك الصيغة وما اقترحوا عليه أن يكتب بخطه
ما يؤاخذ به إن لم يقف عند شرطه ، وبعد أن كتب تلك الصيغة بخطه
توج خطه قاضي القضاة البدر بن جماعة بالعلامة الشريفة وشهد على
ذلك جماعة من العلماء كما ذكرنا ، وحفظت تلك الوثيقة بالخزانة
الملكية الناصرية ، لكن لم تمض مدة على ذلك حتى نقض ابن تيمية
عهوده ومواثيقه كما هو عادة أئمة الضلال وعاد إلى دعوته الضالة
ورجع إلى عادته القديمة في الاضلال وكم له من فتن في مختلف
التواريخ * في سني 798 و 705 و 718 و 721 و 722 و 726 وهي مدونة
في كتب التواريخ وفى كتب خاصة ، ومجرد تصور شواذه التي ألممنا
ببعضها في هذا الكتاب يدل المسترشد المنصف على ما ينطوي عليه
من الزيغ وإضلال الامة . والغريب أن أتباع هذا الرجل يسيرون
وراءه ويشبهون به في إثارة القلاقل [ 40 ] والفتن بين الامة بمواجهتها
بالحكم على أفرادها بالشرك والزيغ والكفر وعبادة الاوثان
________________________________________
والطواغيت يعنون أحباب الله الانبياء والاولياء يقولون إن من
يزورهم يكون عابد الاوثان والطواغيت ومن هذا الطراز في زمننا
كثير نراهم بأعيننا ونسمعهم بآذاننا طهر الله الارض منهم وأراح
العباد من شرهم . وسأظهر الصورة الخطية لاستتابته منقولة من
كتاب ” نجم المهتدي ورجم المهتدي ، وبالصورة الخطية لمرسوم ابن
قلاورن في ابن تيمية ، كما وعدنا سابقا بإظهار هذا المرسوم كما
أخذتها من كتاب (نجم المهتدي ورجم المعتدي) للفخر بن المعلم
القرشي . والاصل المخطوط محفوظ بالمكتبة الاهلية بباريس تحت رقم
/ 638 ، كتب بخط مؤلفه . [ 41 ] صورة غلاف كتاب نجم المهتدي
ورجم المعتدي لابن المعلم القرشي . [ 43 ] الصورة الخطية لا ستتابته
، انظر مكان السهم . [ 44 ] الصفحة الاخيرة وعليها صور لتوقيعات
العلماء . [ 45 ] الصورة الخطية نمرسوم ابن قلاوون في
ابن تيمية انظر السهم [ 50 ] دليل على جهله وانطوائه على غرض سيئ
ويدل على جهله وانطوائه على غرض سيئ في مراوغته للعلماء عند
محاققتهم له بقوله : لم أرد هذا وإنما أردت كذا ويذكر احتمالا
بعيدا . ما ذكره العلامة الحصني في (دفع شبه من شبه وتمرد) في
آخر صفحة 34 قال : ثم شرع ينظر في كلام العلماء ويعلق في مسوداته
حتى ظن أنه صار له قوة في التصنيف والمناظرة وأخذ يدون ويذكر
أنه جاءه استفتاء من بلد كذا ، وليس لذلك حقيقة فيكتب عليها
صورة الجواب ويذكر ما لا ينتقد عليه وفي بعضها ما يمكن أن ينتقد
، إلآ أنه يشير إليه على وجه التلبيس بحيث لا يقف على مراده
إلا حاذق عالم متفنن ، فإذا ناظر أمكنه أن يقطع مناظره إلا ذلك
المتفنن الفطن إ ه‍ . وفي صفحة 36 منه قال : إنه يذكر في بعض
مصنفاته كلام رجل من أهل الحق ويدس في غضونه شيئا من معتقده الفاسد
فيجري عليه الغبي بمعرفة كلام أهل الحق فيهلك ، وقد هلك
بسبب ذلك خلق كثير ، وأعمق من ذلك أنه يذكر ان ذلك الرجل ذكر ذلك
________________________________________
في الكتاب الفلاني وليس لذلك الكتاب حقيقة وإنما قصده بذلك
انفضاض المجلس ، ويؤكد قوله بأن يقول ما يبعد أن هذا الكتاب عند
فلان ويسمي شخصا بعيد المسافة ، كل ذلك خديعة ومكر وتلبيس لاجل
خلاص نفسه ، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله إ ه‍ . [ 51 ] فائدة
في مسألة الطلاق وتبيان أن ابن تيمية ليس من المجتهدين روى
مسلم في صحيحه في كتاب الطلاق عن عبد الله بن عباس انه قال :
” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابي بكر
وسنتين من خلافة عمر ، طلاق الثلاث واحدة فقال عمر : إن الناس
قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فامضاه
عليهم ” لا يجوز العمل العمل بظاهره . ثم الجواب عنه : إما
أن يقال إنه ضعيف بالشذوذ كما حكم الامام أحمد بن حنبل عليه
وقد ذكر ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في رده على من جعل الثلاث
بلفظ واحد واحدا ، وبمخالفته لما ثبت عن عبد الله ابن عباس أنه
أفتى فيمن طلق بالثلاث دفعة واحدة بأنه ثلاث وقد تواتر ذلك عن
ابن عباس ، فقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى بأسانيده عن ثمانية
من ثقات تلاميذه أنه أفتى بذلك . وأما أن يقال انه مؤول بأن
معنى كان الطلاق طلاق الثلاث واحدا أن البتة كانت تستعمل للطلاق
الواحد للتأكيد ثم صار الناس يستعملونها في أثناء خلافة عمر
بقصد الثلاث فأجرى عليهم عمر الحكم على موجب قصدهم . وبيان ذلك
أن قول الناس أنت طالق ألبتة كانت تستعمل في أول الامر بنية
تأكيد الطلقة الواحدة ثم اشتهرت للطلاق الثلاث لذلك اختلف فيها
مذاهب الائمة كان منهم من يجعل البتة للثلاث ، وكذلك أنت حرام
علي وأنت بائن ومنهم من يجعلها على حسب القصد ويدل لذلك أن في
بعض نسخ مسلم عند المغاربة كانت البتة في عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة كما ذكر ذلك الحافظ
أبو بكر بن العربي في كتابه القبس على موطأ مالك بن أنس
________________________________________
، وأما أن يعارض هذا الحديث بالاجماع المنعقد على أن الثلاث بلفظ
واحد ثلاث ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في آخر بحث له واسع
في هذه المسألة أي مسألة جمع الثلاث في شرحه على البخاري [ 52
] فإن هذه المسألة ليس فيها خلاف معتد به عند أهل السنة ، ولم
يثبت عن أحد من مجتهدي أهل السنة الخلاف في هذه المسألة حتى أن
ابن تيمية الذي أحيا هذا الخلاف كان قد صرح قبل ذلك بأن هذه
المسألة إجماع ، وليس ابن تيمية من أهل الاجتهاد ، وخلافه هذا
نظير خلافه في مسألة بقاء النار ، بعد أن نقل في كتابه منهاج السنة
النبوية اتفاق المسلمين على بقاء الجنة والنار ، وإنه لم
يخالف في ذلك إلا جهم بن صفوان ثم إنه نقض هذا الاجماع فقال هو
– إن نار جهنم تفنى ولذلك قوله على ان الطلاق المعلق على وجه
اليمين لا يقع بوقوع المعلق إليه وانه ليس في ذلك إلا الكفارة
حرف في ذلك إجماع علماء الاسلام على أن الطلاق المعلق يقع إذا
وقع المعلق عليه إن كان على وجه اليمين أو على غير وجه اليمين
. فهل يجوزأن يعد مثل هذا إماما مجتهدا يأخذ بقوله الذي يجتهد
به . ونحمد الله على نبذ المحاكم السعودية لرأي ابن تيمية في الطلاق
والسبب في عدم موافقة القضاة في المحاكم السعودية لابن تيمية
أنه مخالف لاحمد في هذه المسألة التي ليس لاحمد فيها قول
مخالف بل جميع أصحاب أحمد متفقون على أن مذهبه أن الثلاث بلفظ
واحد ثلاثة . ثم إن من أخذ بظاهر هذا الحديث يكون خون عمر بن الخطاب
وابن عباس . أما تخوينهم لعمر فإنهم جعلوه حكم بتحريم النساء
المطلقات بالثلاث باللفظ الواحد على أزواجهن إلا بعد أن تنكحن
أزواجا آخرون وهو يعلم أن الرسول وأبا بكر حكمهما خلاف ذلك
بل في ذلك تكفير لعمر لان من حرف حكما لرسول الله وهو يعلم محرم
ما أحله فهو كافر . وهذا بخلاف ما فعله عمر من ضرب شارب الخمر
ثمانين بعد أن كان يضرب في زمن الرسول وأبي بكر أربعين لان
________________________________________
ذلك ليس فيه ما في هذا . كما قال علي بن أبي طالب عن جلد أربعين
أنه سنة وعن جلد [ 53 ] ثمانين انه سنة كما رواه مسلم وغيره
. فلا يجوز أن يجعل هذا نظير هذا لان ما فعله عمر في مسألة الجلد
ليس فيه إبطال حكم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان
فعل الرسول لذلك لا يتضمن أن ما سوى هذا العدد حرام . وأما تخوينهم
لابن عباس فمن قال منهم بأن ابن عباس أفتى بأن الثلاث بلفظ
واحد ثلاث مع علمه بأن حكم رسول الله خلاف ذلك فقد نسبه لتحريف
حكم رسول الله عمدا ، ومن اعتبر ابن تيمية من المجتهدين الذين
يجب تقليدهم فقد بعد عن الصواب . كيف وهو القائل إن العالم
أزلي بجنسه ، أي إن جنس العالم لم يتقدمه الله بالوجود وإنما
تقدم الافراد المعينة ، وقد اتفق المسلمون على تكفير من يقول بان
العالم أزلي مع الله سواء جعله أزليا بنوعه أو بنوعه وتركيبه
وأفراده المعينة (1) وقد نص ابن تيمية على ما ذكرنا عنه في خمسة
من كتبه . منهاج السنة النبوية – والموافقة – وشرح حديث النزول
– وشرح حديث عمران بن الحصين – وكتاب نقد مراتب الاجماع .
وسنظهر ذلك تباعا إن شاء الله . (1) كما نص على ذلك الزركشي وابن
حزم . (*) [ 54 ] لاتنافض عند أبي حيان في مدحه لابن تيمية
أولا وذمه له ثانيا والمفتتنون بالحراني يسجلون على أبي حيان
تناقضه ، قالوا إنه مدح إمامهم مدحا بليغا ، ولما جهل إمام النحوين
سيبويه نافره وذمه ، ويفتخرون بهذا الهذيان الذي صبه قدوتهم
على عمرو بن بشر : (يفشر سيبويه ، وما كان نبي النحو ، وأخطأ
في الكتاب في ثمانين موضعا لا تفهمها أنت) . ولا تناقض عند أبي
حيان ، أما مدحه له أولا فهو مبني على ، تحسين الظن وعلى الشهرة
الكاذبة والدعاية التي جعلها لنفسه ونشرها له الغوغاء ، وأما
ذمه بعد ذلك فلما انكشف له من عقيدته وعجرفته وغطرسته . قول
إبن حجر الهيتمي في ابن تيمية سئل في فتاواه الحديثية ص / 114
________________________________________
فأجاب بقوله : إبن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله وأعماه وأصمه
وأذله وبذلك صرح الائمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله
، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الامام المجتهد المتفق
على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد . ابي الحسن السبكي
وولده التاج والشيخ الامام العز بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من
الشافعية والمالكية والحنفية . ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية
بل اعترض على مثل عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي
الله تعالى عنهما ، والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في
كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال ، وأجارنا
من مثل طريقته وعقيدته . [ 55 ] وأفاض في ذكر أعيان من الصوفية
طعن فيهم ثم قال : ولا زال يتتبع الاكابر حتى تمالا عليه أهل
عصره ففسقوه وبدعوه ، بل كفره كثير منهم ، وقد كتب إليه بعض أجلاه
أهل عصره علما ومعرفة سنة خمس وسبعمائة . من فلان إلى الشيخ
الكبير العالم إمام أهل عصره – بزعمه – أما بعد ، فإنا أحببناك
في الله زمانا ، وأعرضنا عما يقال فيك إعراض الفضل إحسانا
، إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس
، وهل يشك في الليل عاقل إذا غربت الشمس ؟ ، وإنك أظهرت إنك
قائم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والله تعالى أعلم بقصدك
ونيتك ، ولكن الاخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول ، وما رأينا
آل أمرك إلا إلى هتك الاستار والاعراض باتباع من لا يوثق بقوله
من أهل الاهواء والاغراض ، فهو سائر زمانه يسب الاوصاف والذوات
ولم يقنع بسب الاحياء حتى حكم بتكفير الاموات . ولم يكفه
التعرض على من تأخر من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الاول ومن
له أعلى المراتب في الفضل ، فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة
، وهيهات أن لا يناله غضب وأنى له بالسلامة . وذكر سماعه
منه تخطئة الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب ، وقد تقدم
________________________________________
، ثم قال : فيما ليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ
علي بزعمك كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب ؟ ، والان قد بلغ هذا
الحال إلى منتهاه والامر إلى مقتضاه ولا ينفعني إلا القيام في
أمرك ودفع شرك ، لانك قد أفرطت في الغي ووصل أذاك إلى كل ميت وحي
، وتلزمني الغيرة شرعا لله تعالى ولرسوله ويلزم ذلك جميع المؤمنين
وسائر عباد الله المسلمين بحكم ما يقوله العلماء وهم أهل
الشرع ، وأرباب السيف الذين بهم الوصل والقطع ، إلى أن يحصل
منك الكف عن أعراض الصالحين رضي الله عنهم أجمعين إ ه‍ . [ 56
] وقال الهيتمي بعد هذا مباشرة : واعلم أنه خالف الناس في مسائل
نبه عليها التاج السبكي وغيره ، فمما خرق فيه الاجماع قوله في
(علي الطلاق) إنه لا يقع عليه بل عليه كفارة يمين ولم يقل بالكفارة
أحد من المسلمين قبله ، وان طلاق الحائض لا يقع ، كذا الطلاق
في طهر جامع فيه ، وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يجب قضاؤها
، وان الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا كفارة عليها ، وان
الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة ، وكان هو قبل ادعائه ذلك نقل إجماع
المسلمين على خلافه ، وأن المكوس حلال لمن أقطعها ، وانها
إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم تكن باسم الزكاة
ولا على رسمها ، وان المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة
، وان الجنب يصلي تطوعه بالليل ، ولا يؤخره إلى أن يغتسل قبل
الفجر إن كان بالبلد ، وان شرط الواقف غير معتبر بل ولو وقف على
الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس وعلى القضاة صرف إلى الصوفية
في أمثال ذلك من مسائل الاصول ، مسألة الحسن والقبح ، إلتزم
كل ما يرد عليها ، وأن مخالف الاجماع لا يكفر ولا يفسق ، وأن
ربنا سبحانه وتعالن عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا محل
الحوادث تعالى الله عن ذلك وتقدس ، وانه مركب تفتقر ذاته افتقار
الكل للجزء تعالى الله عن ذلك وتقذس ، وان القرآن محدث في
________________________________________
ذات الله ، تعالى الله عن ذلك ، وان العالم قديم بالنوع ولم يزل
مع الله مخلوقا دائما فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار
تعالى الله عن ذلك . وقوله بالجسمية والجهة والانتقال وانه بقدر
العرش لا أصغر ولا أكبر تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع
القبيح والكفر البراح الصريح وخذل متبعيه وشتت شمل معتقديه . وقال
إن النار تفنى ، وان الانبياء غير معصومين ، وان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا جاه له ولا يتوسل به ، وإن إنشاء السفر
إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه وسيحرم ذلك يوم الحاجة
الماسة إلى شفاعته ، وإن [ 57 ] التوراة والانجيل لم تبدل
ألفاظهما وإنما بدلت معانيهما إ ه‍ . نبذة من تشبيهه لله تعالى
بخلقه وتجسيمه (1) قال في منهاج السنة ج‍ (1) ص 216 و 217 ما
نصه : وأما قوله لانه ليس في جهة ، فيقال للناس في إطلاق لفظ
الجهة ثلاثة أقوال فطائفة تنفيها وطائفة تثبتها وطائفة تفصل ،
وهذا النزاع موجود في المثبتة للصفات من أصحاب الائمة الاربعة
وأمثالهم ، ونزاع أهل الحديث والسنة الخاصة في نفي ذلك وإثباته
نزاع لفظي ليس هو نزاعا معنويا . ولهذا كان طائفة من أصحاب أحمد
كالتميميين والقاضي في أول قوليه تنفيها ، وطائفة أخرى أكثر
منهم تثبتها وهو آخر قولي القاضي ، وذلك أن لفظ الجهة قد يراد
به ما هو موجود ، وقد يراد به ما هو معدوم . ومن المعلوم أن
لا موجود إلا الخالق والمخلوق ، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير
الله تعالى كان مخلوتا والله تعالى لا يحصره ولا يحيط به شئ
من المخلوقات ، وإن أريد بالجهة أمر عدمي ، وهو ما فوق العالم
فليس هناك إلا الله وحده ، فإذا قيل انه في جهة كان معنى الكلام
أنه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عال
عليه . ثم قال : فالاشعري وقدماء أصحابه كانوا يقولون انه بذاته
فوق العرش ومع ذلك ليس بجسم ، و عبد الله بن كلاب والحارث المحاسبي
________________________________________
وأبو العباس القلانسي كانوا يقولون بذلك إ ه‍ . قوله :
(وهذا النزاع موجود في المثبتة للصفات من أصحاب الائمة الاربعة
وأمثالهم) ، بهتان على أصحاب الائمة الاربعة وعلى المجهولين
(أمثالهم) ، ومن هؤلاء الامثال ، ألا سمى لنا ولو واحدا منهم إن
كان [ 58 ] صادقا حتى ينظر فيه ؟ وإني أتحدى كل من افتتن وأعجب
بهذا الانسان أن ينقل لنا تفصيله هذا للجهة عن أي واحد من السلف
المعتبرين الذين يلبس بهم على الغوغاء ولا سبيل له إلى ذلك
. وقوله : (فالاشعري وقدماء أصحابه كانوا يقولون إلى آخر الهراء)
، بهتان على الاشعري وقدماء أصحابه . وقد ذكر في فتاويه 5
: 18 ما نصه : وأما قولهم الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي عن
الله التحيز ” فالجواب من وجوه : أحدها : ان هذا اللفظ ومعناه
الذي أرادوه ليس هو في شئ من كتب الله المنزلة من عنده ولا هو
مأثور عن أحد من أنبياء الله ورسله ، لا خاتم المرسلين ولا غيره
، ولا هو أيضا محفوظا عن أحد من سلف الامة وأئمتها أصلا . إلى
أن قال : ” إن هذا الكلام ليس من دين الله ولا من الايمان ولا
من سبيل المؤمنين ” . إ ه‍ . قوله بالجسمية قال ابن تيمية في
التأسيس في رد أساس التقديس المحفوظ في ظاهرية دمشق في ضمن المجلد
رقم 25 من الكواكب الدراري – وهذا الكتاب مخبأة ووكر لكتبهم
في التجسيم : ” فمن المعلوم أن الكتاب والسنة والاجماع لم
ينطق بأن الاجسام كلها محدثة وأن الله ليس بجسم ولا قال ذلك إمام
من أئمة المسلمين فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا
عن الشريعة إ ه‍ ” . وقال في موضع آخر منه : ” قلتم ليس هو
بجسم ، ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا يشار إليه بحس ولا يتميز
منه شئ من شئ وعبرتم عن ذلك بأنه تعالى ليس بمنقسم ولا مركب
وأنه لا حد له ولا غاية ، تريدون بذلك أنه يمتنع عليه أن يكون
له [ 59 ] حد وقدر أو يكون له قدر لا يتناهى . . . فكيف ساغ
________________________________________
لكم هذا النفي بلا كتاب ولا سنة إ ه‍ ” . وانظر قوله : في التسعينية
(ص 3) : أما قول القائل ، الذي نطلب منه أن ينفي الجهة
عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لان إطلاق هذا
اللفظ نفيا وإثباتا . بدعة إ ه‍ . وهذه مغالطة فإن في قوله سبحانه
: (ليس كمثله شئ) نص في نفي الجهة عنه تعالى إذ لو لم تنف
عنه الجهة لكانت له أمثال لا تحصى تعالى الله عن ذلك . ئم انظر
قوله في منهاجه (1 – 264) : فثبت أنه في الجهة على التقديرين
إ ه‍) لتعلم كيف رماه الله بقلة الدين وقلة الحياء في آن واحد
. قوله إن الله تبارك وتعالى يشار إليه برفع الايدي في الادعاء
(3) وفي ص 250 منه قال : (وإن قال يستلزم أن يكون الرب يشار
إليه برفع الايدي في الدعاء وتعرج الملائكة والروح إليه ويعرج
محمد صلى الله عليه وسلم إليه وتنزل الملائكة من عنده وينزل منه
القرآن ، ونحو ذلك من اللوازم التي نطق بها الكتاب والسنة وما
كان في معناها ، قيل له : لا نسلم انتفاء هذا اللازم ، فإن قال
ما استلزم هذه اللوازم فهو جسم ، قيل إن أردت أنه يسمى جسما
في اللغة والشرع فهذا باطل ، لان أردت أنه يكون جسما مركبا من
المادة والصورة أو من الجواهر المركبة فهذا أيضا ممنوع في العقل
، فإن ما هو جسم باتفاق العقلاء كالاجسام لا نسلم أنه مركب
بهذا الاعتبار ، كما قد بسط في موضعه ، فما الظن بغير ذلك ؟ ،
وتمام ذلك بمعرفة البحث العقلي في تركيب الجسم الاصطلاحي من هذا
وهذا ، وقد [ 60 ] بسط في غير هذا الموضع إ ه‍) . وقال في كتابه
الموافقة 2 : 33 ما نصه : ” وقد اتفقت الكلمة في المسلمين
والكافرين أن الله في السماء وحدوه بذلك ، فانظر إلى هذا الكلام
الذي هو ظاهر في الفساد . وذكر ابن تيمية في الرساتة الحموية
: ص / 121 – 122 عن العرش والكرسي : فقال : ” ومن قول أهل السنة
ان الكرسي بين يدي العرش ، وانه موضع القدمين) . قوله بالحد
________________________________________
لله تعالى تقدس عن هذيانه هذا (4) وفي ج‍ 2 من موافقة صريح المعقول
لصحيح المنقول ص 29 قال : والله تعالى له حد لا يعلمه أحد
غيره ، ولا يجوز لاحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه ، ولكن يؤمن
بالحد ويكل علم ذلك إلى الله تعالى ، ولمكانه أيضا حد وهو على
عرشه فوق سماواته هذان حدان اثنان إ ه‍ . أما كتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح والمسلمون جميعا فهم بريئون
من هذا الافتراء . وقوله : (وهو على عرشه) – أي جالس عليه
على زعمه – . ونحن معاشر أهل الحق لا نبالي بعداء مثله من المبطلين
ولا تزال تطن في آذان رواد الحقائق شواذ ابن تيمية السخيفة
باطلاعهم عليها في مؤلفاته نفسه وفيما رواه ثقات أهل العلم
عنه وكلمته فيما رد به على الرازي في المجلد رقم 25 من الكواكب
الدراري بظاهرية دمشق حيث قال : ” لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة
فاستقلت به بقدرته فكيف على [ 61 ] عرش عظيم ” آية من آيات
خرقه وحمقه . وأما التأسيس في رد أساس التقديس فقد فضح ابن تيمية
به نفسه وهو في ضمن الكواكب الدراري لابن زكنون الحنبلي في
المجلدات (رقم 24 و 25 و 26) بظاهرية دمشق ولو طبع كتابه التأسيس
لما بقي من أهل البسيطة أحد لم يعلم دخائل ابن تيمية . وقد
نقلت منه نصوصا على أن مبلغ زيغه ظاهر من الكتابين المذكورين لمن
ألقى السمع وهو شهيد ، ويتبجح بهما هذا الزائغ كتبجحه بالتأسيس
، هكذا شأن مقلدة الزائغين يثنون على الزيغ الخامسة قوله :
إن كل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية تعالى وتقدس عن افكه
هذا (5) وهو في قوله في ص 30 منه : (وكل أحد بالله وبمكانه أعلم
من الجهمية) أفاك جان على جمهور الامة الاسلامية ، ومراده بالجهمية
الاشاعرة وهذا إفك ثان ونبز لطائفة عظيمة من فحول علماء
الاسلام برأي جهم بن صفوان ، وجهم هلك سنة ثمان وعشرين ومائة
وأقبر معه رأيه الفاسد ولم يكن له أتباع ، كان أقل ” واذل من
________________________________________
أن يكون له ذلك ، فما يوجد كثيرا في كلامه وفي كلام ابن القيم
من النبز بهذا اللفظ ، فالمراد بهم الاشاعرة لانهم أفحموه في المناظرة
بدمشق ولم يستطع حضور مجالسهم بالقاهرة فضلا عن مناظرتهم
، فعدل إلى أساليب ظن أنه يوهي بها جبالهم الشامخة ، كالتكفير
والنبز بالجهمية والاقذاع وأنواع الشتم وإظهار التنسك واستمالة
الامراء إليه ، ولا تروج هذه الاساليب إلا في سوق الغوغاء
وأشباههم ، والامة الاسلامية كلها ما عدا مشايخه المجسمة ، تنزه
الله تبارك وتعالى عن الحد والمكان ، ونقول : العجز عن إدراكه
تعالى إدراك والبجث عن ذاته إشراك . [ 62 ] وقال ابن تيمية في
” الحموية الكبرى : ص / 419 : ليس في كتاب الله ، ولا في سنة
رسول الله ولا عن أحد من سلف الامة ولا من الصحابة والتابعين
، ولا عن الائمة الذين أدركوا زمن الاهواء والاختلاف ، حرف واحد
يخالف ذلك لا نصا ولا ظاعرا . ولم يقل أحد منهم إن الله ليس
في السماء ، ولا انه ليمر على العرش ، ولا انه في كل مكان ” إ
ه‍ نعوذ بالله العظيم من الفساد والمفسدين . قوله ان القرآن والسنن
المستفيضة المتواترة وكلام السابقين والتابعين وسائر القرون
الثلاثة مملو / ئ‍ بما فيه إثبات العلى لاعلى عرشه (6) – وفي
ص 194 من رسالته صفات الله وعلوه على خلقه قال : ان القرآن والسنن
المستفيضة المتواترة وكلام السابقين والتابعين بل وسائر
القرون الثلاثة مملوء بما فيه إثبات العلو لله على عرشه بأنواع
من الدلالات إ ه‍ . أقول : في هذا الكلام تهويل وتلبيس ومآخذ
. أما التهويل والتلبيس فعلى العامة وأشباههم لانهم إذا سمعوا
القرآن والسنة المستفيضة و . . و . . إلى آخر هرائه يروعهم ذلك
ويؤثر فيهم ، وقد ظهر تلبيسه وإفساده لعقائد العامة المساكين
بهذا الكلام المرسل جزافا عليهما وعلى السابقين والتابعين وعلى
سائر القرون الثلاثة ، ولو كان صادقا محققا لمثل لزعمه بعلو الله
________________________________________
تعالى على عرشه بثلاثة أمثلة من أنواع الدلالة الثلاثة من
القرآن الكريم وكذلك من السنة المستفيضة ، ونقل كذلك عن السابقين
– أي الصحابة رضوان الته تعالى عليهم – بأسانيد صحيحة ونقل
عن التابعين مثل ذلك . [ 63 ] ونقل عن أتباعهم كذلك لينظر في ذلك
، ولكنه ملبس مفتر على كتاب الله تعالى وعلى سنة رسول صلى الله
عليه وسلم وعلى السلف الصالح وسائر القرون ، والخبط والتناقض
في قوله (بأنواع من الدلالات) ظاهران . [ 64 ] زعم أن العقل
الصريح موافق للنقل في ذلك (7) وفي ص 200 منها ، زعم أن العقل
الصريح موافق للنقل في ذلك . (8) وفي ص 202 منها ، زعم أنه لا
يتصور من الصحابة والتابعين أن يعرضوا عن السؤال عن علوه على
خلقه ، وهم ليلا ونهارا يتوجهون بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعا وخفية
إلى آخر ثرثرته . (9) وفيها فسر كلام الامام مالك في الاستواء
على مقتضى هواه وافترى على المالكية وخاصة قدماءهم ، بأنهم
حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله تبارك وتعالى فوق
عرشه بذاته . (10) وفي ص 213 منها : زعم اتفاق أهل السنة على ذلك
. (11) وفي ص 209 منها : نسب الحد لله تعالى لعبد الله بن المبارك
، وهو بهتان على الامام ابن المبارك ، وقال : وهو نظر صحيح
ثابت عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الائمة
إ ه‍ . فقوله ، وهو نظر صحيح ، أي عنده وعند مشايخه المجسمة
فقط ، وقوله ثابت عن أحمد وابن راهويه ، بهتان ثان على هذين الاماسين
وما كفاه البهتان الخاص على الائمة الثلاثة حتى ترقى فيه
إلى العام على الائمة بصيغة من صيغ العموم والتلبيس التي يلجأ
إلي أمثالها . [ 65 ] مزيد من افترائه (12) وفي الجزء الاول
من منهاج السنة ص 221 قال : إنه لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يقوم
به ، وهو متكلم بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يجعل
نفس الصوت المعين قديما ، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة
________________________________________
إ ه‍ . 13) وفي رأس ص 224 منه صرح أيضا بأن القرآن حادث الآحاد
قديم النوع ” وزعم أنه قول أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب
الشافعي وأحمد وسائر الطوائف . قلت : هو مذهب الكرامية زخرفه
بهذا التعبير الشنيع – قديم النوع خ دث الآحاد – وهو بهتان على
أئمة أصحاب الحديث ومن عطف عليهم ، ثم قال فيها بعد كلام التزم
فيه الجمع بين مذهب الاشاعرة القائلين بأنه قديم مع كونه مشتملا
على أمر ونهي ، ومذهب المعتزلة القائلين بأنه حادث : فإن
قلتم لنا فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب قلنا لكم : نعم ، وهذا
قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل إ ه‍ ، وهو بهتان على الشرع
وجناية على العقل ، حمله ودله عليه الشيطان . ثم قال فيها أيضا
بعد ثرثرة : وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب
وعدلنا عما يرده الشرع والعقل ، من قول كل منهما ، فإذا قالوا
لنا فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به ، قلنا : ومن أنكر
هذا قبلكم من السلف والائمة ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع
صريح العقل ؟ ، وهو قول لازم لجميع الطوائف إ ه‍ . [ 66 ] زعمه
أن الحروف في كتاب الله تعالى وفي الكتب المنزلة ليست مخلوقة
(14) وفي ص 45 من رسالته مذهب السلف القويم ، في تحقيق مسألة كلام
الكريم قال : وما تكلم الله به فهو قائم . به ليس مخلوقا منفصلا
عنه فلا تكون الحروف التي هي معاني أسماء الله الحسنى وكتبه
المنزلة مخلوقة لان الله تكلم بها إ ه‍ . يرد عليه أن الحروف
مخلوقة حادثة ، ولان كلامه تعالى لو تركب من الحروف والاصوات
لكان حادثا وكل ما سبق وجوده عدم أو طرأ على وجوده عدم فهو حادث
، فالحروف والاصوات لا تكون إلا حادثة أبدا . فكلام الله تعالى
ليس بحرف ولا صوت ، فيا أولي التشبيه والتجسيم ، الحاء في
الرحمن قبل الميم ويلزمه ومشائخه الحنابلة القائلين : كلام الله
القديم القائم بذاته جل وعلا الغير المخلوق ولا المنفصل عن
________________________________________
ذاته هو المنتظم من الحروف المسموعة الموجود بين دفتي المصحف وفي
جميع الكتب السماوية المنزلة على انبيائه ” ، لوازم كثيرة فاسدة
لا يمكنهم الجواب عنها ، ومنها لا تعقل الحروف المتعاقبة
إلا حادثة مخلوقة ، ومنها التلاوة والكتابة لا يعقلان إلا حادثتين
مخلوقتين . (15) وفي الجزء الاول من فتاواه ص 255 و 256 قال
بعد ثرثرة طويلة : ونحن لا نقول كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام
مخلوق ، بل هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء كما أنه
سبحانه وتعالى خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش
، وثرثر أيضا ثم قال : وما كان قائما بنفسه هو كلامه لا كلام
غيره والمخلوق لا يكون قائما بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات
، بل هو سبحانه يقوم به ما شاء من كلماته وأفعاله وليس
من ذلك شئ مخلوقا ، إنما المخلوق ما كان بائنا عنه ، وكلام الله
[ 67 ] من الله ليس ببائن منه إ ه‍ . فقوله : (ونحن لا نقول
كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام مخلوق) ، مجمل ملبس بينه سابقا
في قوله ان كلام الله تعالى (قديم النوع حادث الاحاد ، وان الحوادث
تقوم به) ، جل وعلا ، فشرع هذا الهراء على رأيه : نحن لا
نقول كلم الله موسى بكلام قديم على الاطلاق ، ولا بكلام مخلوق
على الاطلاق . وقوله : (بل هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا
شاء) ، تشبيه صريح لربه بالمخلوقات ولا معنى للسكوت إلا انعدام
الكلام ، فإن كان قبل وجود الكلام لزم سبق العدم عليه ، وسبق
العدم عليه نفي لقدمه وإثبات لحدوثه ، وإن كان بعد وجود الكلام
فقد طرأ عليه العدم ، وطروء العدم عليه ينفي بقاءه ، وإذا انتفى
البقاء انتفى القدم ، لان كل ما ثبت قدمه استحال عدمه ، فالسكوت
يستلزم عدم الكلام السابق وتجدد الكلام اللاحق ، فيكون اللاحق
حادثا بغير واسطة ، والسابق حادثا بواسطة أن ما لحقه العدم
لزم أن يسبقه العدم ، وإذا لزم من السكوت حدوث الكلام لزم منه
________________________________________
حدوث الذات الموصوف به ، لان قيام الحادث بشئ يوجب حدوث ذلك
الشئ ، ودعوى الاتصاف بذلك لمن تنزه عن الحدوث في ذاته وجميع
صفاته سبحانه وتعالى ، كفر لا محالة . وقوله : (والمخلوق لا يكون
قائما بالخالق ولا يكون الرب محلا للمخلوقات) ، صحيح مناقض
لقوله سابقا (بقيام الحوادث بذاته) جل وعلا ، هكذا دأب هذا المفتون
يقول الشئ في محل من تآليفه وينقضه في محل آخر . [ 68 ] زعم
أن ثم طائفة كثيرة تقول إنه تعالى تقوم به الحوادث وتزول وإنه
تعالى كلم موسى عليه الصلاة والسلام بصوت وذلك الصوت عدم (16)
وفي ص 21 من كتابه الفرقان قال : (وثم طائفة كثيرة تقول إنه
تعالى تقوم به الحوادث وتزول وانه تعالى كلم موسى عليه الصلاة
والسلام بصوت وذلك الصوت عدم ، وهذا مذهب أئمة السنة والحديث
من السلف وغيرهم إ ه‍) . أقول : الطائفة الكثيرة التي قالت هذا
الهراء هم مشايخه الكرامية ، وهم أقل من القليل التي بالنسبة
للامة الاسلامية التي لم تقله ، هكذا يضطرب هذا المفتون في عقيدته
. وقوله : (وهذا مذهب أئمة السنة والحديث من السلف وغيرهم)
، بهتان وإفك مبين على أئمة السنة والحديث من السلف وغيرهم .
وأرى من النصح للمسلمين أن أنقل هنا أجوبة الامام العز بن عبد
السلام والامام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي ،
والامام علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي مؤلف ” جمال
القراء وكمال الاقراء ” حينما استفتوا في هذه المسألة . ومكانتهم
السامية في العلم معروفة . ونص السؤال والاجوبة كما هو مدون
في ” نجم المتهدي ورجم المعتدي ” للفخر بن المعلم القرشي . كالاتي
: صورة السؤال : ما يقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في
كلام الله القديم القائم [ 69 ] بذاته ؟ هل يجوز أن يقال إنه
عين صوت القارئ وحروفه المقطعة ، وعين الاشكال التي يصورها الكاتب
في المصحف ؟ وهل يجوز أن يقال إن كلام الله القديم القائم
________________________________________
بذاته حروف وأصوات على المعنى الظاهر فيها وإنه عين ما جعله الله
معجزة لرسوله ؟ وما الذي يجب على من اعتقد جميع ذلك وأذاعه
وغر به صعفاء المسلمين وهل يحل للعلماء المعتبرين إذا علموا أن
ذلك قد شاع أن يسكتوا عن بيان الحق في ذلك وإظهاره والرد على
من أظهر ذلك واعتقده ؟ أفتونا مأجورين . صورة جواب الامام عز
الدين بن عبد السلام رحمه الله : القران كلام الله صفة من صفاته
قديم بقدمه ، ليس بحروف ولا أصوات ومن زعم أن الوصف القديم هو
عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحد في الدين وخالف
إجماع المسلمين ، بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين ولا يحل
للعلماء كتمان الحق ولا ترك البدع سارية في المسلمين ، ويجب على
ولاة الامر إعانة العلماء المنزهين الموحدين ، وقمع المبتدعة
المشبهين المجسمين ، ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جعل حقيقتها
، ولا يحل لولاة الامر تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين
، ويجب عليهم أن يلزموهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء
المعتبرين ، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضرب والتعزير
والله أعلم . كتبه عبد العزيز بن عبد السلام وصورة جواب الامام
جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي : من زعم أن
أصوات القارئ وحروفه المتقطعة والاشكال التي يصورها الكاتب في
المصحف هي نفس كلام الله تعالى القديم فقد [ 70 ] ارتكب بدعة
عظيمة وخالف الضرورة وسقطت مكالمته في ا لمناظرة فيه ، ولا يستقيم
أن يقال إن كلام الله تعالى القديم القائم بذاته هو الذي
جعله الله معجزة لرسوله ، فإن ذلك يعلم بأدنى نظر ، وإذا شاع ذلك
أو سئل عنه العلماء وجب عليهم بيان الحق في ذلك وإظهاره ويجب
على من له الامر وفقه الله أخذ من يعتقد ذلك ويغربه ضعفاء المسلمين
وزجره وتأديبه وحبسه عن مخالطة من يخاف منه إضلاله إلى
أن يظهر توبته عن اعتقاد مثل هذه الخرافات التي يأباها العقول
________________________________________
السليمة والله أعلم . كتب عثمان بن أبي بكر الحاجب وصورة جواب
الامام علم الدين أبي الحسن علي السخاوي : كلام الله عزوجل قديم
صفة من صفاته ليس بمخلوق ، وأصوات القراء وحروف المصاحف أمر
خارج عن ذلك ولهذا يقال صوت قبيح وقراءة غير حسنة وخط قبيح غير
جيد ، ولو كان ذلك كلام الله لم يجز ذمه على ما ذكر لان أصوات
القراء به تختلف باختلاف مخارجها والله تعالى منزه عن ذلك ، والقرآن
عندنا مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب محفوظ في الصدور
غير حال في شئ من ذلك والمصحف عندنا معظم محترم لا يجوز للمحدث
مسه ، ومن استخف به أو ازدراه فهو كافر مباح الدم ، والصفة
القديمة القائمة بذاته سبحانه وتعالى ليست المعجزة ، لان المعجزة
ما تحدى به الرسول صلى الله عليه وسلم وطالب بالاتيان بمثله
ومعلوم أنه لم يتحدهم بصفة الباري القديمة ، ولا طالبهم بالاتيان
بمثلها ، ومن اعتقد ذلك وصرح به أو دعا إليه فهو ضال مبتدع
، بل خارج عما عليه العقلاء إلى تخليط المجانين . والواجب على
علماء المسلمين إذا ظهرت هذه البدعة إخمادها وتبيين الحق والله
أعلم . علي السخاوي [ 71 ] انظر يا رعاك الله كيف كان العلماء
يتكاتفون في قمع البدع وإحقاق الحق على اختلاف مذاهبهم في تلك
العصور الزاهرة بخلاف غالب أهل العلم في زماننا هذا فإن لهم
منازع وراء اختلاف المذاهب لا يهمهم ذيوع الباطل وقد خانوا دينهم
الذي أئتمنهم الله عليه ، وبه يعيشون ويوم الخائنين يوم رهيب
. وكانت تلك الفتنة بالشام في النصف الاول من القرن السابع
الهجري ، وقد وقع مثلها في النصف الاخير من القرن السادس بمصر
، وفتنة القاهرة معروفة بفتنة ابن مرزوق وابن الكيزاني وكلاهما
من حشوية الحنابلة ، وظن التاج ابن السبكي ابن الكيزاني من الشافعية
فترجم له في طبقاته تبعا لابن خلكان ، فلا بأس في الاشارة
هنا إلى فتاوى علماء ذلك العصر في حقهما . وصورة الاستفتاء
________________________________________
في شأنهما : ما قولكم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن
الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله سبحانه يتكلم بحرف وصوت تعالى
الله عن ذلك وأن أفعال العباد قديمة هل تنفذ أحكامهم على جهل
التوحيد وعامة المسلمين وهل تقبل شهاداتهم على المسلمين أم لا
؟ . جواب الامام شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود الطوسي
الشافعي (صاحب الوقائع مع ابن نجية الحنبلي) تقبل شهادة عدو لهم
على أصحابهم ولا تسمع شهاداتهم على أهل الحق من الموحدين ولا
ينفذ حكم قاضيهم على الموحدين فإنهم أعداء الحق والله أعلم .
كتبه محمد الطوسي [ 72 ] وجواب الامام بوسف الارموي : ما نص عليهم
أعلاه اقترفوا حوبة عظيمة يجب عليهم القفول عما اعتقدوه وهم
كفار وكيف يسوغ قبول أقوالهم ؟ . ويجب على من إليه الامر إحضارهم
واستتابتهم عما هم عليه فإن تابوا وإلا قتلوا ، وحكمهم في
الاستتابة حكم المرتد في إمهاله ثلاثة أيام ولا يقتل في الحال
. كتبه يوسف الارموي وجواب الخطيب أبي عبد الله محمد بن إبراهيم
الحموي : من اعتقد أن أفعال العباد قديمة فقد قال قولا يلزم
منه القول بقدم العالم ومن قال بقدم العالم فهو كافر لا تصح ولايته
ولا تقبل شهادته والله أعلم . كتبه محمد بن إبراهيم الحموي
واستفتاء آخر صورته : ما قول الفقهاء الائمة قادة علماء هذه
الامة أدام الله إرشادهم ووفق إصدارهم وإيرادهم في الحشوية الذين
على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله
سبحانه متكلم بحرف وصوت ، وأن أفعال العباد قديمة هل تقبل شهاداتهم
على أهل الحق الموحدين الاشعرية ، وهل تنفذ أحكام قضاتهم
على الاشعرية أم لا ؟ جواب الامام أبي المنصور ظافر بن الحسين
الازدي المالكي : لا تقبل شهادة من يقول إن الله تعالى يتكلم بحرف
وصوت لانهم مرتكبون كبيرة هي أعظم من سائر المعاصي كالزنا
وشرب الخمر لانها [ 73 ] كبيرة تتعلق بأصل من أصول الدين . وكتب
________________________________________
ظافر بن حسين الازدي وجواب شارح المهذب أبي إسحاق إبراهيم العراقي
: جوابي كذلك . كتبه إبراهيم العراقي وجواب الخطيب محمد
بن إبراهيم الحموي : من قال إن الله متكلم بحرف وصوت فقد قال قولا
يلزم منه ان الله جسم ومن قال إنه جسم فقد قال بحدوثه ومن
قال بحدوثه فقد كفر والكافر لا تصح ولايته ولا تقبل شهادته والله
أعلم . كتبه محمد بن إبراهيم الحموي وجواب الشيخ جمال الدين
بن رشيق المالكي : لا تقبل شهادتهم ولا يجوز أن يولوا الحكم ولا
غيره من المناصب الدينية لانهم بين جاهل يصر على جهله بما يتعين
عليه اعتقاده من صفات الله سبحانه وبين عالم معاند للحق ،
ومن هذه صفته يتعين تأديبه وزجره عما صار إليه بأبلغ الادب ،
ومن جملته رد الشهادة وبالله التوفيق . كتب حسين بن عتيق بن رشيق
وجواب الشيخ محي الدين محمد بن أبي بكر الفارسي ؟ من قال إن
الله سبحانه متكلم بالصوت والحرف فقد أثبت الجسمية وصار بقوله
مجسما والمجسم كافر ومن قال إن أفعال العباد قديمة فقد [ 74 ]
كذب الله تعالى في قوله : (والله خلقكم وما تعملون ” ومكذب الله
بصفة الاصرار كافر ولا تثبت عدالتهم ولا تقبل شهادتهم ولا تجوز
الصلاة خلفهم ، ويجب على الامام وعلى نوابه في الاقاليم استتابتهم
فإن لم يرجعوا عما هم فيه من الكفر يعاقبهم على كفرهم
أو يقبل الجزية منهم أذلاء لا كاليهود والنصارى بل كفرهم أشنع
وأبشع من مقالة النصارى واليهود أما اليهود فشبهوه بالحادث صفة
، وأما النصارى فقالوا إنه جوهر شريف والمجسمة يثبتون الجسم لله
، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وكتب محمد الفارسي
: وفي تلك الفتاوى ما ينزجر به من يخاف مقام ربه من تلك البدع
الشنيعة . إفتراؤه بأن جمهور أهل ألسنة يقولون : إنه تبارك
وتعالى ينزل ولا يخلو منه العرش (17) وفي ج‍ 1 ص 262 من منهاج
السنة قال : جمهور أهل السنة يقولون إنه تبارك وتعالى ينزل ولا
________________________________________
يخلو منه العرش ، وزعم أن ذلك منقول عن إسحاق بن راهويه وحماد
بن زيد وغيرهما ، وعن الامام أحمد وهو مفتر أفاك على جمهور
أهل السنة على إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وعلى غيرهما وعلى
الامام أحمد . قال القرطبي في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى
: (والمستغفرين بالاسحار) ، بعد ذكره حديث النزول وما قيل
فيه ما نصه : وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن
أبي هريرة [ 75 ] وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر
الليل الاول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له ؟ ، هل
من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى ؟ ” – صححه أبو محمد عبد
الحق : وهو يرفع الاشكال ويوضح كل احتمال ، وإن الاول من باب
حذف المضاف ، أي ينزل ملك ربنا فيقول إلخ . . . وقد روى ينزل بضم
الياء وهو يبين ما ذكرنا إ ه‍ . وقال الحافظ ابن حجر في فتحه
في كتاب (التهجد) ما نصه : استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة
العلو ، وأنكر ذلك الجمهور لان القول بذلك يفضي إلى التحيز
، تعالى الله عن ذلك ، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال وأفاض
في ذكرهما ثم قال وقد حكى أبو بكر بن فورك ان بعض المشايخ ضبطه
بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا ، ويقويه ما رواه النسائي
من طريق الاغر عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما بلفظ
: (إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول :
هل من داع فيستجاب له ؟ – الحديث -) . وفي حديث عثمان بن أبي
العاص : (ينادي مناد هل من داع يستجاب له ؟ – الحديث -) ، قال
القرطبي : وبهذا يرتفع الاشكال إ ه‍ . زعم أن جمهور الخلف على
أن الله تعالى فوق العالم (18) وفي آخر هذه الصحيفة زعم : (ان
جمهور الخلف على أن الله تعالى فوق العالم) وهو كذاب يفتري على
الخلف ، كما هو كذاب على السلف فيما ينسبه إليهم من العقائد الزائفة
________________________________________
. [ 76 ] قوله في بيان زعمه قيام الحوادث بذات الله تعالى
: قال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة الجزء الاول ص / 224
: ” . . . فإن قلتم لنا فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب قلنا لكم
: نعم ، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل . . . . وفي عبارة
أخرى بنفس الصفة السابقة يقول : فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم
منه أن تكون الحوادث قامت به قلنا : ومن أنكر هذا قبلكم من السلف
والائمة ؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل وهو
قول لازم لجميع الطوائف ” . إ ه‍ . وقد ذكر في كتابه المسمى
شرح حديث عمران بن حصين ص / 193 ، ونصه : وإن قدر أن نوعها لم
يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله . وانظر
في كتابه نقد مراتب الاجماع ص / 168 بعد أن أورد ابن حزم
تحت عنوان : باب من الاجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع
قال ابن حزم : اتفقوا أن الله عزوجل وحده لا شريك له خالق كل
شئ غيره وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شئ غيره معه ثم خلق الاشياء
كلها كما شاء . . . فقال ابن تيمية عقيب هذا الكلام : واعجب
من ذلك حكايته الاجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده
ولا شئ غيره معه . قوله بحوادث لا أول لها (19) قوله : بحوادث
لا أول لها فهمه من رواية البخاري في كتاب التوحيد : (كان الله
ولم يكن شئ قبله) ، قال الحافظ ابن حجر في فتحه : تقدم في بدء
الخلق بلفظ (ولم يكن شئ غيره .) ، [ 77 ] وفي رواية أبي معاوية
: (كان الله قبل كل شئ) وهو بمعنى : (كان الله ولا شئ معه)
، وهي أصرح في الرد على من أثبت (حوادث لا أول لها) من رواية
الباب ، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية إ ه‍ . راجع
فتح الباري 13 / 348 . هذه تسعة عشر مسألة بينت مواضعها دالة
على جهله بأصول الدين وفساد عقيدته فيه بالتشبيه والتجسيم وغيرهما
، كافية في تبيين ضلاله لكل من نور الله بصيرته ، ومن عميت
________________________________________
بصيرته فافتتن به كالسرمري ، واليافعي اللذين هجوا الامام السبكي
. تنبيه وقد ذكر ابن تيمية في الموافقة 1 – 249 ما نصه :
” قلت : هذا من نمط الذي قبله ، فإن الازلي اللازم هو نوع الحادث
لا عين الحادث ” . وهذه من أعظم كفريات ابن تيمية . وقد نقل
المحدث الاصولي بدر الدين الزركشي في كتابه ” تشنيف المسامع “
اتفاق المسلمين على تكفير من يقول بما قال به ابن تيمية ، وتكفير
من يقول بما قال به ابن سينا من أن العالم بعينه ونوعه ومادته
أزلي حمانا الله من الضلالتبن . وقد ذكر الجلال الدواني في
شرح العضدية ما نصه : ” وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية) القول
بالقدم النوعي في العرش . إ ه‍ . وقال محمد عبده فيما علقه
عليه : وذلك أن ابن تيمية كان من الحنابلة الآخذين بظواهر الآيات
والاحاديث القائلين بأن الله استوى على العرش جلوسا ” . .
[ 78 ] فقد أثبت قوله بأزلية العالم بنوعه الحافظ المجتهد تقي
الدين السبكي في رسالته ” الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية
” ، والحافظ أبو سعيد العلائي ، كما نقل عنه الحافظ شمس الدين
محمد بن طولون الحنفي وهو محدث حافظ مؤرخ ذكر ذلك في كتابه “
ذخائر القصر ” . وللحافظ السبكي قصيدة يصرح فيها بأن ابن تيمية
يقول بأنه ما من حادث إلا وقبله حادث وهكذا لا إلى أول . وقد
ذكر العلامة البياضي في كتابه إشارات المرام ص / 197 بعد ذكر الادلة
على حدوث العالم ما نصه : فبطل ما ظنه ابن تيمية منهم من
قدم العرش كما في شرح العضدية ، . ما نقله الحافظ المحدث المؤرخ
ابن طولون الحنفي عن الحفاظ المعتبرين فقد ذكر ابن طولون في
كتابه ” ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر ” (وهذا الكتاب مخطوط
ومحفوظ في الخزانة التيمورية في القاهرة تحت رقم / 1420 تاريخ)
في أثناء ترجمة عبد النافع بن عراق الدمشقي ، فقال : ” وقد
كان أبوه أشغله حنبليا فتحول بعده شافعيا خصوصا لما رأى ما قال
________________________________________
الحافظ صلاح الدين العلائي في ذكر المسائل الذي خالف فيها ابن
تيمية الناس في الاصول والفروع ” . وسنذكره تباعا . [ 79 ] بسم
الله الرحمن الرحيم وهذا نص كلام الحافظ العلائي شيخ الحافظ
زين الدين العراقي وغيره من حفاظ الحديث منقول من مخطوطة كتاب
ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر لابن طولون من صحيفة 32 و 33
يذكر فيه ضلالات ابن تيمية التي شذ فيها عن أهل الحق في أصول
العقيدة والفروع فيقول : ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية
الناس في الاصول والفروع فمنها ما خالف فيها الاجماع ومنها ما
خالف فيها الراجح من المذاهب فمن ذلك يمين الطلاق قال بأنه لا
يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين ولم يقل
قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة ودام إفتاؤه بذلك زمانا طويلا
وعظم الخطب ووقع في تقليده جم غفير من العوام وعم البلاء
. وإن طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته
وإن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين
في هذه المسألة على خلاف ذلك وإن من خالفه فقد كفر ثم إنه
أفتى بخلافه وأوقع خلقا كثيرا من الناس فيه . وإن الحائض تطوف
في البيت من غير كفارة وهو مباح لها . وإن المكوس حلال لمن
أقطعها وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وان لم تكن باسم
الزكاة ولا على رسمها . وإن المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها
فيها وإن الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن
يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد وقد رأيت من يفعل ذللك ممن قلده
فمنعته منه . سئل عن رجل قدم . فراشا لامير فتجنب بالليل في
السفر ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه بغلمانه فأفتاه
بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل . وسئل عن شرط الواقف
فقال غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية
وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس وكان [ 80 ] يفعل
________________________________________
هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام . ولا يحضر درسا على
اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيها ميعادا يوم الثلاثاء
ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس . وسئل عن جواز بيع أمهات
الاولاد فرجحه وأفتى به ومن المسائل المنفرد بها في الاصول مسألة
الحسن والقبح التي يعول بها المعتزلة فقال بها ونصرها وصنف
فيها وجعلها دين الله بل الزم كل ما يبنى عليه كالموازنة في
الاعمال . وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله إن الله سبحانه
محل الحوادث تعالى الله عما يقول علوا كبيرا . وإنه مركب مفتقر
إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء . وان القرآن محدث في ذاته
تعالى وان العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما فجعله
موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار سبحانه ما أحلمه . ومنها
قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مردود . وصرح في بعض تصانيفه
بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر تعالى الله
عن ذلك وصنف جزء في أن علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم
أهل الجنة وأنه لا يحيط بالتناهي وهي التي زلق فيها الامام ومنها
أن الانبياء غير معصومين وأن نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام
ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا وصنف في ذلك
عدة أوراق . وإن إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه وسلم
معصية لا يقصر فيها الصلاة وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين
قبله . وإن عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه . بعض
الفقهاء عن تصانيفه . ومن إفراده أيضا أن التوراة والانجيل حم
تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في
تأويلها وله فيه مصنف آخر ما رأيت ، واستغفر الله من كتابة مثل
هذا فضلا عن اعتقاده إ ه‍ . [ 81 ] صورة لغلاف كتاب القصر فز
تراجم نبلاء العصر لابن طولون الحنفي [ 85 ] افتراؤه على الامام
علي وقد مر أن الحافظ بن حجر ذكر في الدرر الكامنة أن ابن تيمية
________________________________________
خطأ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف
نص الكتاب ، وإن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي
كرم الله وجهه ، ولقوله أيضا فيه انه كان مخذولا ، وانه قاتل
للرياسة لا للديانة ، فمن شاء فليراجع قول ابن حجر في الدرر الكامنة
1 : 114 . وقد ذكر ابن تيمية في حق علي في كتابه منهاج
السنة 2 : 203 مانصه : ” وليس علينا أن نبايع عاجزا عن العدل علينا
ولا تاركا له ، فأئمة السنة يسلمون أنه ما كان القتال مأمورا
به لا واجبا ولا مستحبا ” . وذكر في نفس المصدر السابق 3 :
156 بعد كلام ما نصه فلا رأي أعظم ذما من رأي أريق به دم ألوف
مؤلفة من المسلمين ، ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم
ولا في دنياهم بل نقص الخير كما كان وزاد الشر على ما كان
. . . ” إ ه‍ . قوله : (إنه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا
ولا مستحبا) هذا غير صحيح ، وهو مخالف لما رواه النسائي بالاسناد
الصحيح في الخصائص عن علي رضي الله عنه أنه قال : (أمرت بقتال
الناكثين والقاسطين والمارقين ” ، فالناكثين هم الذين قاتلوه
في وقعه الجمل ، والقاسطين هم الذين قاتلوه في صفين ، والمارقين
وهم الخوارج ، وهذا الحديث ليس في إسناده كذاب ولا فاسق كما
زعم ابن تيمية . ثم إن عليا خليفة راشد واجب الطاعة على المؤمنين
لقوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول
وأولي الامر منكم) . وقد ذكر الامام أبو القاسم الرافعي محرر المذهب
الشافعي : وثبت أن أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة وقد أثبتها
الحافظ ابن حجر في [ 86 ] تلخيص الحبير 4 / 44 فقال بعد
إيرادها : هو كما قال . ويدل عليه : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين
والمارقين . . رواه النسائي في الخصائص والبزار والطبراني
. . والقاسطين أهل الشام لانهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته
. ومثله ذكر الحافظ في فتحه 13 / 57 وقد ثبت أن من قاتل عليا كانوا
________________________________________
بغاة . وأما قوله : (إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا
في دينهم ولا في دنياهم) فهو باطل ، روى الحاكم في المستدرك
وابن حبان في صحيحه والنسائي في الخصائص أن الرسول صلى الله عليه
وسلم قال : إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على
تنزيله فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله قال : لا ، قال عمر
: أنا يا رسول الله قال : لا ولكنه خاصف النعل – (وكان علي يخصف
النعل) . فالرسول زكى قتال عليا في جميع الوقائع ، ومن قاتله
كان عاصيا ، ويؤيد هذا الحديث الذي رواه . أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال للزبير : ” إنك لتقاتلنه وأنت ظالم له ” فالزبير
مع جلالة قدره ظلم ولكنه ندم ورجع . ثم يرد قوله هذا الحديث المتواتر
الذي رواه البخاري : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم
للجنة ويدعونه إلى النار : فعمار الذي كان في جيش علي كان
داعيا إلى الجنة بقتاله مع علي ، فعلي داع إلى الجنة بطريق الاولى
، وعمار ما نال هذا الفضل إلا بكونه مع علي ، فهو وجيشه دعاة
إلى الجنة ومقاتلوهم دعاة إلى النار ، فلو لم يكن إلا حديث
البخاري لكفى في تكذيب ابن تيمية . فكيف يقول إن القتال لا واجبا
ولا مستحبا والرسول زكى قتال علي في جميع الوقائع ، وكيف يقول
إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم
، وعلي كان داعيا إلى الجنة ومن قاتل معه فله أجر ومن خالفه
فهو باغ ظالم . فائدة في الثناء على علي في حروبه الثلاثة : ذكر
في كتاب الفرق بين الفرق ص / 350 – 351 . ما نصه : [ 87 ] وقالوا
بإمامة علي في وقته وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة
وبصفين وبنهروان . وقالوا بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال
علي لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من
الحرب ، وطلحة لما هم بالانصراف رماه مروان بن الحكم – وكان
مع أصحاب الجمل – بسهم فقتله . وقالوا : إن عائشة رضي الله عنها
________________________________________
قصدت الاصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة والازد على رأيها
وقاتلوا عليا دون إذنها حتى كان من الامر ما كان . فائدة ويح عمار
بالجر على الاضافة وهو ابن ياسر تقتله الفئة الباغية قال القاضي
في شرح المصابيح يريد به معاوية وقومه انتهن . وهذا صريح
في نفي طائفة معاوية الذين قتلوا عمار رضي الله عنه في وقعة صفين
وان الحق مع علي رضي الله عنه وهو من الاخبار بالمغيبات يدعوهم
أي عمار رضي الله عنه يدعو الفئة وهم أصحاب معاوية الذين
قتلوا بوقعة صفين في الزمان المستقبل إلى الجنة أي إلى سببها وهو
طاعة الامام الحق ويدعونه إلى سبب النار ومقاتلته . قالوا وقد
وقع ذلك في يوم صفين دعاهم فيه إلى الامام الحق ودعوه إلى النار
وقتلوه فهو معجزة للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلم من أعلام
نبوته . وأما قول بعضهم المراد أهل مكة الذين عذبوه أول الاسلام
فقد تعقبوه بالرد قال القرطبي رحمه الله تعالى : وهذا الحديث
من أثبت الاحاديث وأصحها ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال
: إنما قتله من أخرجه ، فأجابه على كرم الاه وجهه بأن رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه . قال ابن دحية
وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه [ 88 ] وحجة لا اعتراض عليها
. وقال الامام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الامامة : أجمع
علماء الحجاز والغراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي
وأبو حنيفة والاوزاعي والجمهور الاعظم من المتكلمين والمسلمين
أن عليا كرم الله وجهه مصيب في قتاله لاهل صفين كما هو مصيب
في أهل الجمل وان الذين قاتلوه بغاة ظالموا ، له لكن لا يكفرون
ببغيهم . وقال الامام أبو منصور في كتاب الفرق في بيان عقيدة
أهل السنة اجمعوا أن عليا كرم الله وجهه كان مصيبا في قتال
أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة وأهل صفين . وقد روى البيهقي
في السنن الكبرى 8 / 174 بالاسناد المتصل الى عمار بن ياسر
________________________________________
قال : لا تقولوا كفر اهل الشام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا .
وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 15 / 290 بروايات . وفي إحداها
: ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق ، فحق علينا أن نقاتلهم
حتى يرجعوا إليه . تنبيه ليس من سب الصحابة القول ان مقاتلي علي
منهم بغاة لان هذا مما صرح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل
صفين ، وقد روى البيهقي في كتاب الاعتقاد ص / 196 بإسناده المتصل
إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال : ” . . . وكل من نازع
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ على هذا عهدت
مشايخنا ، . وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي رحمه الله ” انتهت
بحروفها ، فلا يعد ذكر ما جاء في حديث البخاري سبا للصحابة
إلا ممن بعد عن التحقيق العلمي فليتفظن لذلك . ثم هل نترك كلام
عمار الذي ورد أن الجنة تشتاق إليه ، ونتبع كلام زائغ جاهل
؟ وأما من يعارض هذا الحديث المتواتر بمثل ما روي أنه صلى الله
عليه وسلم قال : [ 89 ] ” إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ” فهو بعيد
من التحقيق بعدا كبيرا لان هذا لم يثبت ، فكيف يحتج به في معارضة
حديث ثابت متواتر فقد روى حديث ” ويح عمار ” أربعة وعشرون صحابيا
. ومرادنا من هذا الكلام تبين أن عليا هو الخليفة الواجب
الطاعة ، وأن مخالفوه بغاة ، فكيف يقول هذا السخيف أنه ما كان
القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا . وأنه لم يحصل للمسلمين
فيه مصلحة لا في دينهم ولا دنياهم . فهذا فيه مخالفة للاحاديث
التي أوردناها أليس هذا ذما بعلي . وراجع كلام ابن تيمية في
منهاجه ص 202 من الجزء الثاني يقول فيها : وعلي رضي الله تعالى
عنه كان عاجزا عن قهر الظلمة من العسكرين ولم تكن اعوانه يوافقونه
على ما يأمر به ، واعوان معاوية يوافقونه ، وكان يرى ان القتال
يحصل به المطلوب فما حصل به الا ضد المطلوب . . . إلى أن
قال : فائمة السنة يعلمون انه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا
________________________________________
ولا مستحبا ولكن يعذرون من اجتهد فأخطأ . إ ه‍ . وانظر الصحيفة
204 من الكتاب السابق يقول فيها : فان قال الذاب عن علي :
هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة فقد ثبت في الصحيح ان النبي
صلى الله عليه وسلم قال لعمار رضي الله عنه ” تقتلك الفئة الباغية)
وهم قتلوا عمارا فههنا للناس اقوال : منهم من قدح في حديث
عمار ، ومنهم من تأوله على ان الباغي الطالب وهو تأويل ضعيف
، واما السلف والائمة فيقول اكثرهم كابي حنيفة ومالك واحمد وغيرهم
لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية ” إ ه‍ . اقول : السؤال
في هذا الكلام صحيح منطبق على مذهب اهل الحق ، اما جوابه – اي
ابن تيمية – عنه فههنا للناس اقوال الى آخره فاسد وكذب ، فهل يسمي
لنا القادحين في حديث عمار . [ 90 ] بعض العلماء الرادين على
ابن تيمية والمناظرين له أذكر بعض من رد عليه وناظره من العلماء
المعاصرين له والمتأخرين عنه . فممن رد عليه من الشافعية
ردا محكما ونقض رسالته الحموية في الجهة العلامة : (1) شهاب الدين
أحمد بن يحيى الحلبي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ،
وقد ذكرها السبكي في طبقاته في نحو ثلاثين ورقة ، فمن شاء فليراجع
ذلك الحقناها في هذا الكتاب للفائدة . (2) وناظره العلامة
محمد بن عمر بن مكي صدر الدين بن المرحل المتوفى سنة ستة عشرة
وسبعمائة . قال التاج السبكي في طبقاته الكبرى 6 / 23 : وله مع
ابن تيمية المناظرات الحسنة ، وبه حصل عليه التعصب من اتباع ابن
تيمية وقيل فيه ما هو بعيد عنه ، وكثر القائل فارتاب العاقل
إ ه‍ . وراجع الواقي 4 / 264 . (3) وناظره فأفحمه العلامة كمال
الدين الزملكانى المتوفى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، ورد عليه
برسالة في مسألة الطلاق وأخرى في مسألة الزيارة . (4) ورد عليه
العلامة عز الدين بن جماعة وشنع عليه . (5) والامام المحقق أبو
الحسن السبكي رد عليه بشفاء السقام في زيارة خير الانام ، والدرة
________________________________________
المضيئة في الرد على ابن تيمية ، ونقد الاجتماع والافتراق
في مسائل الايمان والطلاق ، والنظر المحقق في الحلف بالطلاق
المعلق ، والاعتبار ببقاء الجنة والنار ، وهي الرسائل التي بين
أيدينا . [ 91 ] (6) والعلامة الشريف تقي الدين الحصني الدمشقي
المتوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة ب‍ : (دفع شبه من شبه وتمرد
، ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام أحمد) وهو مطبوع . (7) والعلامة
ابن حجر الهيتمي المتوفى سنة أربع وسبعين وتسعمائة ب‍
: (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم) وهو مطبوع . . (8) ورد
عليه من المالكية المعاصرين له في الزيارة العلامة عمر بن أبي
اليمن اللخمي الشهير بالتاج الفاكهاني المتوفى بالاسكندرية سنة
أربع وثلاثين وسبعمائة ب‍ (التحفة المختارة في الرد على منكر
الزيارة) . (9) وقاضي القضاة العلامة محمد السعدي المصري الاخنائي
المتوفى سنة خمسين وسبعمائة برسالة محكمة سماها : (المقالة
المرضية في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية) وهي مطبوعة
ضمن البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة للعلامة الشيخ سلامة
العزامي الشافعي المتوفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وألف .
(10) ورد عليه في مسألة الطلاق العلامة عيسى أبو الروح الزواوي
المتوفى بالقاهرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . (11) ” تطهير
الفؤاد من دنس الاعتقاد ” لمفتي المسلمين بالديار المصرية الشيخ
محمد بخيت المطيعي وهو من أهل هذا العصر مطبوع . ويذكر الحافظ
ابن حجر في الدرر 3 / 102 في ترجمة الباجي – أنه حاقق ابن تيمية
على أربعة عشر موضعا فغير ما كان كتب به ” وقد ذكر الكتاني
في فهرس الفهارس 1 : 20 ما نصه : (وقد تصدى للرد على ابن السبكي
ابن عبد الهادي الحنبلي ولكنه ينقل الجرح ويغفل عن التعديل
وسلك سبيل العنف والتشديد وقد رد [ 92 ] عليه وانتصر للسبكي جماعة
منهم : (1) الامام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر ، الشمس
________________________________________
محمد علي ابن علان الصديقي المكي له كتاب (المبرد المبكي في
رد الصارم المنكي) . (2) البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري
من أهل هذا العصر (نصرة الامام السبكي برد الصارم المنكي)
. (3) الحافظ ابن حجر له (الاثارة بطرق حديث الزيارة) ونظر مبحثها
في فتح الباري ، والمواهب اللدنية وشروحها ” . حال ابن تيمية
عند الشيخ زروق قال الشيخ زروق : ” وهو مطعون عليه في العقائد
، (أي ابن تيمية) وذكر غيره أنه ظاهري يقول بالتجسيم) إ ه‍
انظر فهرس الفهارس 1 : 202 . الرد على من قال لعلها دسا عليه
وقد يأتيك بعض الغلاة المتعصبين لابن تيمية فتراه يدافع في أول
الامر عن ابن تيمية وينكر أن يكون قد قالها لان هذا ضلال ، فلما
يرى بعينه في كتبه تراه يراوغ ويتململ ويحاول أن يؤول له مع
أنه قد سبق أن اعترف أن هذا كفر صراح لا يقبل التأويل . ثم لما
تقام عليه الحجة يقول : ” هذا دس على الشيخ ، فلما تثبتونها
في حق ابن تيمية ، وتبرؤون ابن العربي مع أن كتبه الموجودة مليئة
بالكفر والحلول والاتحاد ؟ ” . نقول له : نحن نمنع من التسليم
لما يرى في كتاب ” الفتوحات [ 93 ] المكية ” من العبارات التي
هي صريحة في الكفر ، ونرى في ذلك أنها مدسوسة عليه لامرين :
أحدهما : أن الحفاظ الثقات من أهل عصره والمتأخرين عنه قد مدحوه
وزكوة فقد قال الحافظ ابن حجر في ” لسان الميزان 5 : 314 في
ترجمة ابن عربي : ” إعتد به حفاظ عصره كابن النجار وابن الدبيثي
” . وقد نقل إطراء بعضهم ومنهم ابن الزملكاني الذي قال عن ابن
العربي : ” هو البحر الزاخر في المعارف الالهية ” إ ه‍ . وانظر
أيضا ما ذكر عنه ابن العماد في ” شذرات الذهب 5 : 190 ، والكتبي
في ” فوات الوفيات ” 3 : 438 فقال : وعلى الجملة فكان رجلا
صالحا عظيما ” إ ه‍ . فنرى من هنا أن الحفاظ من أهل عصره قد
زكوه ومدحوه ، أما ذاك – ابن تيمية – فقد طعن فيه وجرحه الحفاظ
________________________________________
من أهل عصره ونسبوا له تلك الكلمات . وراجع كلام الذهبي فيه
الذي هو محب له وشفوق عليه . وعدا عن ذلك فإنه كما مر في هذا الكتاب
توقيعه بأنه تراجع عن هذه الاباطيل ، ولكنه عاد إليها حتى
حبس ومات في السجن . فيا ليت شعري كيف يتراجع عن شئ لم يقله
. والثاني : أن الشعراني قال : إنه اطلع على النسخة الاصلية التي
هي بخط الشيخ فوجدها خالية من هذه الكفريات ، وإن صاحب (المعروضات
المزبورة ” أحد الفقهاء المشهورين من أهل المذهب الحنفي
قال : ” تيقنا أن اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم ” . راجع كتابه
” لطائف المنن والاخلاق ” . ويؤيد ذلك أن في الفتوحات ” المكية
” عبارات صريحة في إبطال القول بعقيدة الحلول والاتحاد .
والتنزيه الصريح لله تعالى عما ينزهه أهل الحق ، ففيها الكثير
من هذا والكثير من ذلك . والكلمة الاخيرة في هذا الموضوع أن نقول
لهذا المموه : (إذا [ 94 ] اعترفت أن هذا ضلال وابن تيمية لا
يقول به ، وان هذا دس عليه ، فلما تصر على الاعتماد على هذه
الكتب ” . فارجع إلى الصواب والحق ، والزم العمل بالكتاب والسنة
. نصيحة وأخيرا أوجه هذه الاسطر إلى كل من تشرب حب هذا الرجل
في قلبه ، وعميت بصيرته عن قبول الحق أقول : ليس الحق يعرف بالرجال
ولكن الرجال يعرفون بالحق . فنحن لسنا مبتكرين نسبة ذلك
إلى ابن تيمية بل اتبعنا غيرنا من الثقات فلا يكن عليك في هذا
الامر التباس ولا تصغ إلى هؤلاء العصريين الذين لهم غرض دنيوي
في تقديس هذا الرجل ومداهنة أتباعه ، ينفون الشئ الثابت للتعصب
له ويثبتون الشئ الذي لا وجود له في سبيل الدفاع عن هذا الرجل
. وقد رأيت لمصري في عصرنا هذا كلاما يفند فيه ما قاله الذهبي
في ابن تيمية من تأنيب لابن تيمية . نفى هذا المصري ثبوت هذا
الشئ مع أنه نص في رسالة له سماها ” بيان زغل العلم والطلب ” وهي
مطبوعة على أن ابن تيمية متكبر ومزدر بالاكابر حتى قال : “
________________________________________
وما جرى عليه وعلى أتباعه إلا بعض ما يستحقون ” . ووصفه في هذه
الرسالة بأنه خاض في الفلسفة فعاد مظلما مكسوفا . وهذه الرسالة
نقل منها الحافظ السخاوي في كتابه ” الاعلان بالتوبيخ لمن ذم
التاريخ ” في صحيفة 77 . وهذا المصري جره مجرد هوى في الدفاع
عن ابن تيمية لامر في نفسه من غير أن يكون له اطلاع على رسالة
الذهبي ولا على كتاب الحافظ السخاوي الذي نقل فيه كلام الذهبي
في هذه الرسالة في شأن ابن تيمية . فارجع إلى صوابك وتفكر بعين
التبصر بعيدا عن العصبية العمياء ، فإلى متى تبقى في جهلك وتقديسك
لهذا الرجل ، إلى متى تبقى مقلدا [ 95 ] أعمى ، يقودك البريق
الباهت إلى الحفر ، أتبيع دينك بعرض من الدنيا . أأنت أشد
علما وحرصا وورعا من الحفاظ المعاصرين له ، والفقهاء الفحول ،
أتنتظر نزول ملائكة من السماء تقول لك فلان كذا وفلان كذا ؟ ألم
تسمع بالحديث الذي رواه البخاري : المؤمنون شهداء الله في الارض
فإذا لم تقبل شهادة العدول الثقات فمن تقبل شهادتهم . فإن
الحفاظ الثقات من أهل عصره نقلوا عنه ما أوردنا في هذه الورقات
. ويكفيك كلام الحافظ السبكي الذي شبهه الصفدي بسفيان الثوري
وكان – أي الصفدي – تلميذا له ولابن تيمية ، ثم إنه حبس بفتوى
القضاة من المذاهب الابعة . [ 97 ] الرسالة الاولى الدرة المضية
في الرد على ابن تيمية للحافظ المجتهد تقي الدين علي بن عبد
الكافي السبكي المتوفى سنة 756 ه‍ [ 99 ] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى
الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الذي نصر دينه بالجلاد والجدال وتكفل لامته أن لا
يزالوا على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم الدجال وعلى آله الطيبين
وأصحابه الذين وصفهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم وألحق
________________________________________
التابعين بإحسان في رضاه بالسابقين الاولين من المهاجرين والانصار
وسلم تسليما كثيرا . أما بعد فإنه لما أحدث ابن تيمية
ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الاسلام الاركان والمعاقد
بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة مظهرا أنه داع الى
الحق هاد إلى الجنة فخرج عن الاتباع إلى الابتداع وشذ عن جماعة
المسلمين بمخالفة الاجماع وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في
الذات المقدس وان الافتقار إلى الجزء ليس بمحال وقال بحلول الحوادث
بذات الله تعالى وان القرآن محدث تكلم الله به بعد ان لم
يكن وانه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الارادات بحسب المخلوقات
وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا
أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة
[ 100 ] والمخلوف الحادث قديما ولم يجمع أحد هذين القولين
في ملة من الملل ولا نحلة من النحل فلم يدخل في فرقة من الفرق
الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الامة ولا وقفت به مع أمة
من الامم همة ، وكل ذلك وان كان كفرا شنيعا مما تقل جملته بالنسبة
إلى ما أحدث في الفروع فان متلقي الاصول عنه وفاهم ذلك منه
هم الاقلون والداعي إليه من أصحابه هم الارذلون وإذا حوققوا
في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه ، ونبهاء أصحابه
ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرد التبعية للكتاب والسنة والوقوف
عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل . وأما ما
أحدثه في الفروع فأمر قد عمت به البلوى وهو الافتاء في تعليق
الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث وقد استروح العامة إلى
قوله وتسارعوا إليه وخفت عليهم أحكام الطلاق وتعدى إلى القول
بأن الثلاث لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة وكتب
في المسألتين كراريس مطولة ومختصرة أتى فيها بالعجب العجاب وفتح
من الباطل كل باب ، وكان الله تعالى قد وفق لبيان خطئه وتهافت
________________________________________
قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع
الامة ، وقد عرف ذلك خواص العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء
، ثم بلغني أنه بث دعاته في أقطار الارض لنشر دعوته الخبيثة
وأضل بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين وأهل البلاد البرانية
ولبس عليهم مسألة اليمين بالطلاق حتى أوهمهم دخولها في
قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية وكذلك في
قوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فعسر عليهم الجواب
وقالوا هذا كتاب الله سبحانه وبقي في قلوبهم شبه من قوله حتى
ذاكرني بذلك بعض المشايخ ممن جمع علما وعملا وبلغ من المقامات
الفاخرة الموصلة إلى الآخرة أملا ورأيته متطلعا الى الجواب عن
هذه الشبهة وبيان الحق في هذه المسألة على وجه مختصر يفهمه من
لم يمارس كتب الفقه ولا ناظر في الجدل فكتبت هذه الاوارق على
وجه ينتفع به من نور الله قلبه [ 101 ] وأحب لزوم الجماعة وكره
تبعية من شذ من الشياطين وبالله أستعين وعليه توكلت وهو حسبي
ونعم الوكيل . وقد رتبت الكلام على ثلاثة فصول : الفصل الاول في
بيان حكم هذه المسألة . الفصل الثاني : في كلام إجمالي يدفع
الاستدلال المذكور . الفصل الثالث : في الجواب عن ذلك الاستدلال
بخصوصه تفصيلا . الفصل الاول اعلم أن الطلاق يقع على وجه محرم
ويسمى طلاق البدعة كالطلاق في الحيض ، وعلى وجه غير محرم ويسمى
الطلاق السني ، وقد أجمعت الامة على نفوذ الطلاق البدعي كنفوذ
السني إلا ما يحكى في جمع الثلاث على قولنا انه بدعي فإذا طلق
امرأته على الوجه المنهي عنه وهذا ليس فيه بين الامة خلاف يعتبر
إلا أن الظاهرية الذين يخالفون الاجماع في مسائل من الطلاق
وغيره خالفوا في هذه المسألة وهم محجوجون بالاجماع والحديث فقد
طلق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال مرة فليراجعها ثم ليمسكها
________________________________________
حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وان شاء طلق قبل أن
يمس فتلك العدة التي امر الله أن تطلق لها النساء وهو في الصحيحين
وفي لفظ قال ابن عمر فطلقها وحسبت لها التطليقة التي طلقها
وهو في الصحيح مع أن أهل الظاهر يقولون لو طلقها في الحيض ثلاثا
نفذ وكذلك لو طلقها في طهر مسها فيه ، والقصد أن الطلاق في
الحيض على وجه البدعة نافذ على ما دل عليه الحديث المذكور ، وما
ورد في بعض روايات هذا [ 102 ] الحديث ان عبد الله بن عمر قال
فردها علي ولم يرها شيئا متأول عند العلماء ومحمول على معنى
الرواية الاخرى وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من غير وجه
الاعتداد بتلك الطلقة وانفاذها عليه وقد قال الله سبحانه وتعالى
في كتابه العزيز (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن
لعدتهن) يعني لقبل عدتهن وقد قرئ كذلك والمراد أن يوقع الطلاق
على وجه تستقبل المرأة العدة بعده وإذا وقع الطلاق في الحيض
لم تعتد المرأة بأيام بقية الحيض من عدتها فتطول عليها العدة
وقبل ليطلق في الطهر فربما كان الطلاق في الحيض لعدم حل الوطء
فيه وقد جاء في بعض ألفاظه هذا الحديث ” فتلك العدة التي أمر
الله أن تطلق لها النساء ” يعني في هذه الآية فقد دل الكتاب والسنة
على أن الطلاق في الحيض محرم ومع ذلك فقد قضى النبي صلى الله
عليه وسلم بنفوذه والاعتداد به وان كان قد خالف الوجه الذي
شرع الطلاق فيه فرأينا الشرع أوقع بدعة الطلاق كما أوقع سنته
وما ذلك إلا لقوة الطلاق ونفوذه وكذلك إذا جمع الطلقات الثلاث
في كلمة فهو مخالف لوجه السنة في قول جماعة من السلف بل أكثرهم
ومع ذلك يلزمونه الثلاث ، وقد أتى ابن العباس رجل فقال ان عمي
طلق امرأته ثلاثا فقال ان عمك عصى الله فأندمه الله ولم يجعل
له مخرجا ، وعن انس قال كان عمر رضي الله عنه إذا أتى برجل طلق
امرته ثلاثا في مجلس واحد أوجعه ضربا وفرق بينهما ، وعن عمران
________________________________________
بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس
قال : أثم وحرمت عليه امرأته ، وعن نافع ان ابن عمر رضي الله
عنهما قال من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه امرأته
. فهذه أقوال الصحابة في اثم من جمع الطلقات الثلاث لمخالفته السنة
ومع ذلك يوقعونها عليه وما ذلك إلا لقرة الطلاق ونفوذه وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم ” ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاج
والطلاق والرجعة ” فجعل هزل الطلاق جدا ولم نعرف بين الامة
خلافا في ايقاع طلاق الهازل وما ذلك إلا لانه أطلق لفظ الطلاق
مريدا معناه ولكنه لم يقصد حل قيد نكاح امرأته بذلك ولا قصد ايقاع
الطلاق [ 103 ] عليها بل هزل ولعب ومع ذلك فلم يعتبر الشارع
قصده وإنما ألزمه موجب لفظه الذي أطلقه وواخذه به وما ذلك إلا
لقوة الطلاق ونفوذه . ثم ان الطلاق يكون منجزا ويكون معلقا على
شرط فالمنجز كقوله أنت طالق والمعلق كقوله إذا جاء رأس الشهر
فأنت طالق وان دخلت الدار فأنت طالق ، وقد أجمعت الامة على وقوع
المعلق كوقوع المنجز فان الطلاق مما يقبل التعليق ، لم يظهر
الخلاف في ذلك إلا عن طوائف من الروافض ، ولما حدث مذهب الظاهرية
المخالفين لاجماع الامة المنكرين للقياس خالفوا في ذلك فلم
يوقعوا الطلاق المعين ولكنهم قد سبقهم إجماع الامة فلم يكن قولهم
معتبرا لان من خالف الاجماع لم يعتبر قوله وقد سبق إجماع
الامة على وقوع الطلاق المعلق قبل حدوث الظاهرية ، وإنما اختلف
العلماء إذا علق الطلاق على أمر واقع أو مقصود كقوله إذا جاء
رأس الشهر فأنت طالق هل يتنجز الطلاق من حين علق ولا يتأخر إلى
وقوع الشرط وهو مجئ رأس الشهر أو يتأخر إلى مجئ رأس الشهر فيه
قولان للعلماء مشهوران لانه لما علق على شرط واقع فقد قصد ايقاع
الطلاق ورضي به فتنجز من وقته ، وهذا ابن تيمية لم يخالف في
تعليق الطلاق وقد صرح بذلك فليس مذهبه كمذهب الظاهرية في منع
________________________________________
نفوذ الطلاق المعلق . ثم ان الطلاق المعلق منه ما يعلق على وجه
اليمين ومنه ما يعلق على غير وجه اليمين ، فالطلاق المعلق على
غير وجه اليمين كقوله إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو ان اعطيتني
ألفا فأنت طالق ، والذي على وجه اليمين كقوله إن كلمت فلانا
فأنت طالق أو إن دخلت الدار فأنت طالق وهو الذي يقصد به الحث
أو المنع أو التصديق فإذا علق الطلاق على هذا الوجه ثم وجد المعلق
عليه وقع الطلاق وهذه المسألة التي ابتدأ ابن تيمية بدعته
وقصد التوصل بها إلى غيرها ان تمت له وقد اجتمعت الامة على وقوع
الطلاق المعلق سواء كان على وجه اليمين أو لا على وجه اليمين
هذا مما لم يختلفوا فيه وإجماع الامة معصوم من الخطأ وكل من
قال بهذا من العلماء لم يفرق بين المعلق على وجه اليمين أولا [
104 ] على وجه اليمين بل قالوا الكل يقع وقد لبس ابن تيمية بوجود
خلاف في هذه المسأنة وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الاسلام
وقد نقل اجماع الامة على ذلك ائمة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقف
في صحة نقلهم . فممن نقل ذلك الامام الشافعي رضي الله عنه وناهيك
به فانه الامام القرشي الذي يملا طبق الارض علما ، وثناء
امام هذا المبتدع الذي ينتسب إليه وهو برئ من بدعته – وهو الامام
أحمد رضي الله عنه – على الشافعي معروف وتبعيته له ومشيه في
ركابه وأخذه عنه مشهور ، وممن نقل الاجماع على هذه المسألة الامام
المجتهد أبو عبيد وهو من ائمة الاجتهاد كالشافعي وأحمد وغيرهما
وكذلك نقله أبو ثور وهو من الائمة ايضا ، وكذلك نقل الاجماع
على وقوع الطلاق الامام محمد بن جرير الطبري وهو من أئمة
الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة ، وكذلك نقل الاجماع الامام أبو
بكر بن المنذر ونقله أيضا الامام الرباني المشهور بالولاية
والعلم محمد ابن نصر المروزي ونقله الامام الحافظ أبو عمر بن عبد
البر في كتابيه ” التمهيد ” و ” الاستذكار ” وبسط القول فيه
________________________________________
على وجه لم يبق لقائل مقالا ونقل الاجماع الامام ابن رشد في كتاب
” المقدمات ، له ونقله الامام الباجي في ” المنتقى ” وغير
هؤلاء من الائمة ، وأما الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم فلم
يختلفوا في هذه المسألة بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق وهذا مستقر
بين الامة ، والامام أحمد أكثرهم نصا عليها فإن نص على وقوع
الطلاق ونص على أن يمين الطلاق والعتاق ليست من الايمان الي
تكفر ولا تدخل فيها الكفارة وذكر العتق وذكر الاثر الذي استدل
به ابن تيمية فيه وهو خبر ليلى بنت العجماء الذي بنى ابن تيمية
حجته علية وعلله ورده وأخذ بأثر آخر صح عنده وهو اثر عمان بن
حاضر وفيه فتوى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر رضي الله
عنهم بإيقاع العتق على الحانث في اليمين به ولم يعمل بأثرليلى
بنت العجماء ولم يبق في المسألة إلباسا رضي الله عنه بل كان قصده
الحق ، وإذا كانت الامة مجمعة على وقوع الطلاق لم يجز لاحد
مخالفتهم فإن الاجماع من أقوى [ 105 ] الحجج الشرعية وقد عصم الله
هذه الامة عن أن تجتمع على الخطأ فان اجماعهم صواب ، وقد أطلق
كثير من العلماء القول بأن مخالف اجماع الامة كافر وشرط المفتي
أن لا يفتي بقول يخالف أقوال العلماء المتقدمين وإذا أفتى
بذلك ردت فتواه ومنع من أخذ بقوله ، ودل الكتاب والسنة على أنه
لا يجوز مخالفة الاجماع قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من
بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله
جهنم وساءت مصيرا) فقد توعد على مخالفة سبيل المؤمنين واتباع
غير سبيلهم بهذا الوعيد العظيم ، ومخالف إجماع الامة متبع
غير سبيل المؤمنين فكيف يعتبر قوله ، وقال تعالى (وكذلك جعلناكم
أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) والوسط الخيار والشهداء على
الناس العدول عليهم فلا يجتمعون على الخطأ ، وقال تعالى (كنتم
خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا
________________________________________
يدل على أن مجموعهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلوا
اجمعوا على الخطأ لامروا ببعض المنكر ونهوا عن بعض المعروف ومحال
أن يتصفوا بذلك وقد وصفهم الله بخلافه ، وقد ورد في الاحاديث
ما يدل مجموعه على عصمة جماعتهم لهن عن الخطأ والضلال والمسألة
مبسوطة مقررة في موضعها والقصد هنا أن الامة مجتمعة على وقوع
هذا الطلاق فمن خالفهم فقد خالف الجماعة وخالف النبي صلى الله
عليه وسلم في أمره بلزوم الجماعة وكان الشيطان معه فان الشيطان
مع الواحد . ثم ان هذا المبتدع ابن تيمية ادعى أن هذا القول
قال به طاوس واعتمد على نقل شاذ وجده في كتاب ابن حزم الظاهري
” عن مصنف عبد الرزاق ” ولم ينقل هذا القول عن أحد بخصوصه في
الطلاق إلا عن طاوس كما ذكر وعن أهل الظاهر ، أما طاوس فقد صح
النقل عنه بخلاف ذلك وقد أفتى بوقوع الطلاق في هذه المسألة ونقل
ذلك عنه بالسند الصحيح في عدة مصنفات جليلة منها كتاب ” السنن
” لسعيد بن منصور [ 106 ] ومنها ” مصنف عبد الرزاق ” الذي ادعى
المخالف ان النقل عنه بخلاف ذلك وقد وضح كذبه في هذا النقل
فان المنقول في مصنف عبد الرزاق طاوس إنما ذكره عبد الرزاق في
طلاق للمكره فلبس ابن حزم الظاهري النقل وتبعه هذا المبتدع ،
وعن كلام طاوس لو صح عنه أجوبة كثيرة غير هذا مبينة في كتابنا
(الرد على ابن تيمية) وأما أهل الظاهر فيقولون ان الطلاق المعلق
كله لا يقع ولم يقل ابن تيمية بذلك وهم مخالفون للاجماع لا يعتبر
قولهم ، ويقولون ان الطلاق المعلق على وجه اليمين لا كفارة
فيه ولم يقل ابن تيمية بذلك فهو مخالف لهم في بدعته متمسك بقولهم
الذي لا يعتبر ، وقد قال ابن حزم ان جميع المخالفين له لا
يختلفون في ان اليمين بالطلاق والعتق لا كفارة في حنثه بل إما
الوفاء بالمحلوف عليه أو باليمين . وقال هذا المبتدع ان هذه المسألة
لم يتكلم فيها الصحابة لانه لم يكن يحلف بالطلاق في زمانهم
________________________________________
: ثم بعد هذا القول نسب الى الصحابة رضوان الله عليهم أنهم
يقولون بقوله فكذب أولا وآخرا اما كذبه أولا فلانه قال ان الصحابة
لم تتكلم في هذه المسألة وليس كذلك ففي صحيح البخاري فتوى
ابن عمر رضي الله عنهما بالايقاع قال البخاري قال نافع طلق رجل
امرأته البتة ان اخرجت فقال ابن عمر ان خرجت فقد بنت منه وان
لم تخرج فليس بشئ وهذه فتوى ظاهرها في هذه المسألة بإيقاع الطلاق
البتة ان خرجت وهو وقوع المعلق عليه وبه يحصل الحنث فأوقع
ابن عمر الطلاق على الحالف به عند الحنث في يمينه ، ومن مثل ابن
عمر رضي الله عنهما في دينه وعلمه وزهده وورعه وصحة فتاويه ،
ولا يعرف أحد من الصحابة خالف ابن عمر في هذه الفتوى ولا أنكرها
عليه ، وقد قضى علي رضي الله عنه في يمين بالطلاق بما يقتضي
الايقاع فإنهم رفعوا الحالف إليه ليفرقوا بينه وبين الزوجة بحنثه
في اليمين فاعتبر القضية [ 107 ] فرأى فيها ما يقتضي الاكراه
فرد الزوجة عليه لاجل الاكراه وهو ظاهر في أنه يرى الايقاع
لولا الاكراه ، وفي ” سنن البيهقي ” بسند صحيح عن ابن مسعود رضي
الله عنه في رجل قال لامرأته ان فعلت كذا وكذا فهي طالق ففعلته
قال هي واحدة وهو أحق بها فأوقع الطلاق واحدة عند الحنث بمقتضى
اللفظ ولم يوجب كفارة ، ومن مثل عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم (كنيف ملئ علما ” وقال
” من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن
أم عبد ” ولم يخالفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك ، وقول
الصحابة حجة شرعية في قول جمهور العلماء وقد اخبر النبي صلى
الله عليه وسلم في أنهم كالنجوم يهتدى بهم فلا هدي اتم من هديهم
، وأما كذبه ثانيا فلانه قال لم يكن يحلف بالطلاق في عهد الصحابة
وهذه وقائع فيها الحلف بالطلاق ونقلت أيضا حكومة أخرى وقعت
عند علي رضي الله عنه في رجل حلف بالطلاق أنه لا يطأ امرأته
________________________________________
حتى يعظم ولده بل نقل عن بعغى الصحابة أنه حلف بالطلاق وهو أبو
ذر رضي الله عنه لما سألته امرأته عن الساعة التي يستجاب الدعاء
فيها يوم الجمعة واكثرت فقال لها زيغ الشمس يشير الى ذراع
فإن سألتني بعدها فأنت طالق فحلف عليها بالطلاق ان لا تعاود المسألة
، وفي ذلك آثار كثيرة غير هذا مذكورة في المصنف المبسوط
، وأما كذبه آخرا فلانه نسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم القول
بأن الطلاق لا يقع وأنه تجب الكفارة مع اعترافه ان ذلك لم يقع
في عهدهم وهذه مكابرة قبيحة وكذب صريح وقد قالت عائشة رضي الله
عنها كل يمين وأن عظمت ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة
يمين فاستشنت يمين الطلاق ويمين العتاق من الكفارة ، وهذا الاثر
نقله ابن عبد البر في ” التمهيد ” وفي ” الاستذكار ” بهذا اللفط
مسندا ، ونقله هذا المبتدع فأسقط منه قولها ليس فيها طلاق
طلاق ولا عتاق ليوهم أن عائشة رضي الله عنها تقول بالكفارة في
يمين الطلاق والعتق فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يكسبون
فهذا عصر الصحابة لم ينقل فيه الا الافتاء بالوقوع وأما التابعون
رضي الله عنهم [ 108 ] فأئمة العلم منهم معدودون معروفون
وهم الذين تنقل مذاهبهم وفتاويهم ولم ينقل هذا المبتدع عن أحد
منهم بعينه نصا في هذه المسألة غير ما نسبه إلى طاوس مع انه
يدعي اجماعهم على قوله مكابرة كما فعل في الصحابة ، وقد نقلنا
من الكتب المعروفة الصحيحة ” كجامع عبد الرزاق ” و ” مصنف ابن
أبي شيبة ” و ” سنن سعيد بن منصور ” والسنن الكبرى للبيهقي “
وغيرها فتاوى التابعين أئمة الاجتهاد وكلهم بالاسانيد الصحيحة
أنهم أوقعوا الطلاق بالحنث في اليمين ولم يقضوا بالكفارة وهم :
سعيد بن المسيب أفضل التابعين والحسن البصري وعطاء والشعبي وشريح
وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وقتادة والزهرة وأبو مخلد والفقهاء
السبعة فقهاء المدينة وهم : عروة بن الزبير والقاسمك بن محمد
________________________________________
بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبرة بن مسعود وخارجة
بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله بن عمر وسليمان
بن يسار ، وهؤلاء إذا أجمعوا على مسألة كان قولهم مقدما
على غيرهم ، وأصحاب ابن مسعود السادات وهم : علقمة والاسود ومسروق
وعبيدة السلماني وأبو وائل شقيق بن سلمة وطارق ابن شهاب وزر
بن حبيش وغير هؤلاء من التابعين مثل ابن شبرمة وأبو عمرو الشيباني
وأبو الاحوص وزيد بن وهب والحكم وعمر بن عبد العزيز وخلاس
بن عمرو كل هؤلاء نقلت فتاويهم بإيقاع الطلاق لم يختلفوا في
ذلك ، ومن هم علماء التابعين غير هؤلاء ، فهذا عصر الصحابة وعصر
التابعين كلهم قائلون بالايقاع ولم يقل أحد أن هذا مما يجري
به الكفارة ، وأما من بعد هذين العصرين فمذاهبهم معروفة مشهورة
كلها تشهد بصحة هذا القول كأبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك والشافعي
وأحمد واسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر وابن جرير
الطبري وهذه مذاهبهم نقولة بين أيدينا ولم يختلفوا في هذه المسألة
فإذا كان الصدر الاول وعصر الصحابة رضي الله عنهم وعصر التابعين
لهم بإحسان بعدهم وعصر تابعي التابعين لم ينقل عنهم خلاف
في هذه المسألة ، وهذا المبتدع يسلم أن بعد هذه الاعصار الثلاثة
لم يقل أمام مجتهد بخلاف [ 109 ] قولنا فكيف يسوغ مخالفة قول
استقر من زمن النبي صلى الله عليه وسلم والى الان بقول مبتدع
يقصد نقض عرى الاسلام ومخالفة سلف الامة ، أكان الحق قد خفي عن
الامة كلها في هذه الاعصار المتتابعة حتى ظهر هذا الزائغ بما
ظهر به هيهات هيهات وهذا واضح لذوي البصائر وأرباب القلوب المنورة
بنور اليقين أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ولكن قد
عميت البصائر والناص سراع الى الفتنة راغبون في المحدثات وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم كل محدثة ضلالة ” . الفصل الثاني
________________________________________
في كلام إجمالي يدفع الاستدلال المذكور وذلك ان الناس على قسمين
: عالم مجتهد متمكن من استخراج الاحكام من الكتاب والسنة أو
عامي مقلد لاهل العلم ، ووظيفة المجتهد إذا وقعت واقعة ان يستخرج
الحكم فيها من الادلة الشرعية ووظيفة العامية أن يرجع إلى
قول العلماء ، وليس لغير المجتهد إذا سمع آية أو حديثا أن يترك
به أقوال العلماء فإنه إذا رآهم قد خالفوا ذلك مع علمهم به علم
أنهم إنما خالفوه لدليل دلهم على ذلك وقد قال الله تعالى (فاسألوا
أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) وقال (ولو ردوه إلى الرسول
وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وللمفسرين
في الاية كلام ليس هذا موضع ذكره والقصد أن غير العالم المجتهد
ولا سيما العوام إذا سمعوا آية فيها عموم أو اطلاق لم يكن لهم
أن يأخذوا بذلك العموم أو الاطلاق إلا بقول العلماء ولا يعمل
بالعمومات والاطلاقات الا من عرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص
والمطلق والمقيد والمجمل والمبين [ 110 ] والحقيقة والمجاز
فإذا سمع قوله تعالى (أو مما ملكت أيمانكم) وأخذ بعمومه في الجمع
بين الاختين المملوكتين كان مخطئا فإذا سمع معه قوله تعالى
(وأن تجمعوا بين الاختين) قال هذا يعم الاختين المملوكتين والمنكوحتين
فيتحير بأي العمومين يعمل فإذا سمع قول عثمان رضي الله
عنه : أحلتها آية وحرمتها آية والتحريم أولى علم ان العمل على
دليل التحريم وله ترجيحات أخر غير هذا يعرفها العلماء فيعلم العامي
انه لا يمكنه الاستقلال بأخذ الحكم من الكتاب وكذلك إذا
سمع الادلة الدالة على تحريم اللواط والتأكيد وسمع قوله تعالى
(أو ما ملكت أيمانكم) فقد يخطر له أن هذا يقتضي حل المملوك ، وقد
خطر ذلك لبعض الجهال فإذا أخذ بهذا العموم ضل ، وقد قال بعض
أصحاب الشافعي رضي الله عنه ان من تأول هذا التأويل سقط عنه الحد
وأخطأ في هذا القول خطأ عظيما ، وكذلك إذا سمع أن قائلا قال
________________________________________
يحل وطأ الزوجة في الدبر مستندا إلى قوله تعالى (نساؤكم حرث
لكم فأتوا حرثكم انى شئتم) ظن ذلك صحيحا وأن القرآن دل على حل
ذلك وهو مخطئ لان هذا القول شاذ يقال انه رواية عن مالك ولم يصح
والمالكية ينكرونه وصح عن مالك تحريم ذلك والاية دالة على التحريم
بخلاف ما يظن الجهال فإن الحرث لا يكون إلا في موضع البذر
، والحديث الصحيح في سبب نزول الاية يوضح المعنى وهو ان اليهود
كانوا يقولون أن الرجل إذا أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء
الولد أحول فأنزل الله هذه الاية (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم
أنى شئتم) أي كيف شئتم ، وفي الحديث الصحيح ” في صمام واحد “
وفي لفط ” غير أن لا تأتوا في غير المأتي ” فإذا لم يجمع الانسان
بين الادلة وبين الكتاب والسنة ويعرف سبب نزول الاية ومحملها
لا ينبغي أن يأخذ بظاهر من فهمه لا يعرف ما وراءه ، وإذا سمع
العامي الحديث ” من شرب الخمر فاجلدوه ” إلى أن قال في الرابعة
” فإن شربها فاقتلوه ” فعمل به وقتل الشارب في الرابعة كان
مخطئا لان الامة أجمعت على ترك العمل بهذا الحديث وكذلك إذا سمع
حديث ابن عباس [ 111 ] رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم ان النبي
صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في المدينة من غير خوف
ولا مطر وقد رواه مسلم من طرق عدة . فيقول العامي بهذا الحديث
ولا يعلم أن الامة أجمعت على ترك العمل به ، إلا ما يروى عن
ابن سيرين انه يجوز الجمع في الحضر للحاجة ، وقد روى أبو العالية
أن عمر رضي الله عنه كتب الى أبي موسى الاشعري رضي الله عنه
: وأعلم أن جمع ما بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر ، وقد
أخرج هذين الحديثين الترمذي وقال في آخر كتاب : ليس في كتابي هذا
حديث ترك العمل به بالاجماع سوى حديثين فذكر هذين الحديثين
، وكذلك حديث ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة فلما رآهم
________________________________________
عمر قد تتابعوا فيه قال أجيزوهن عليهم ، وهذا الحديث متروك الظاهر
بالاجماع ومحمول عند العلماء على معان صحيحة ، وقد صحت الرواية
عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة فإذا سمعه العامي وحده وقف
عنده ولم يعلم أنه معارض بما يدفعه ومردود الظاهر بإجماع الامة
، وأحاديث المتعة صحيحة وقد صح فعلها في زمن النبي صلى الله
عليه وسلم وصح النهي عنها فأبيحت مرتين ونسخت مرتين فإذا سمع
العامي الاحاديث الصحيحة بإباحتها ظن أنها مباحة ولم يعلم أن ذلك
نسخ ، وقد وقع هذا للمأمون وهو خليفة فنادى بتحليل المتعة فدخل
، عليه القاضي يحيى ابن أكثم وقال له أحللت الزنا وعرفه الحديث
الصحيح في النسخ ولم يكن سمعه فنادى من وقته بتحريم المتعة
، وحديث قدامة بن مظعون رضي الله عنه صحيح وكان قد شرب الخمر
فرفع الامر إلى عمر رضي الله عنه فاعترف وذكر انه إنما شربها
متأولا قوله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
فما طعموا) فرد عليه عمر وقال أخطأت التأويل ألم يقل البه سبحانه
(إذا ما اتقوا وآمنوا) ولم يجعل تأويله موجبا لاسقاط الحد بل
حده لانه لم يستنبط الحكم استنباطا صحيحا ولكنه أخذ بعموم نفي
الجناح في كل [ 112 ] مطعوم وغفل عن القيد المخصص وهو قوله (إذا
ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) إلى آخر الاية ، وهذا يوضح
أن العمل بالعموم بمجرده من غير نظر في أدلة التخصيص والتقييد
خطأ من العامل به ، وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بذكرها ، والاية
التي احتج بها هذا المبتدع وهي قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما
عقدتم الايمان) إلى آخر الاية والاية الاخرى وهي قوله تعالى
(قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) إذا سمعها العامي يظن دخول يمين
الطلاق في ذلك وقال هي يمين والله جعل في كل يمين كفارة واعتقد
صحة قول هذا المبتدع وتلبس عليه باطله فإذا اعترف انه لا ينبغي
له أن يعمل بالعموم حتى يعرف هل له مخصص ويعرف ما يعارضه من
________________________________________
الادلة فوض الامر إلى أهله وعلم أن فوق كل ذي علم عليم ، وكذلك
لا ينبغي أن يأخذ بأدلة الكتاب حتى يعلم ما في السنة مما يبينه
أو يخصصه أو يقيده قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين
للناس ما نزل إليهم) وقال صلى الله عليه وسلم ” لا ألفين أحدكم
متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري فيقول لا أدري ما سمعنا
في كتاب الله اتبعناه ” الحديث ، والحديث الصحيح عن علي رضي
الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل
عليهم رجلا من الانصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه
في شئ فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا له ثم قال أوقدوا لي نارا
فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول إليه صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا
لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم الى بعض وقالوا
إنما فررنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فكانوا
كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” لو دخلوها لم يخرجوا منها
أبدا ” وقال : ” لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف
” ولم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الاخذ بإطلاق قوله
” اسمعوا له وأطيعوا ” لما دلت الادلة على أن الطاعة إنما تكون
فيما وافق الحق ولا طاعة في المعصية مع أنهم قد لا يكونون ممن
سمع للك الادلة فان الممتنعين من الدخول فيها لم يأخذوا الا بأنهم
إنما أسلموا ليسلموا من النار فكيف يؤمرون [ 113 ] بالدخول
فيها فقيدوا اطلاق الامر بالسمع والطاعة بدليل قياسي ومع عدم
علمهم بتلك الادلة لم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بل حكم
باستمرارهم بالنار لو دخلوها لتقصيرهم في البحث عن الادلة في
محل الاشكال فمن لم يعرف الكتاب والسنة وأقوال الائمة لم يكن له
ان يقف عند دليل يسمعه من غير إمام يرشده وقد نقل عن جماعة من
الائمة أنه ليس في القرآن عموم إلا وقد دخله التخصيص الا قوله
________________________________________
تعالى (والله بكل شئ عليم) وقوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه)
إذا أريد بالوجه الذات والصفات المقدسة حتى قالوا في قوله (خالق
كل شئ) ليس محمولا على عمومه بل هو مخصوص فإن الله سبحانه
شئ وليس مخلوقا تعالى عن ذلك ، وفي هذا ومثله كلام لا يليق بهذا
الموضع فعلمنا من ذلك أن قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
الايمان) الاية وقوله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) لا يعمل
بعمومه حتى ننظر فيما يخصصه أو يعارضه من كتاب أو سنة فإذا تحقق
المراد منه وأي مخرج خرج نبين ما فيه من الدليل أو عدمه ، ولكن
هذا المبتدع قصده الترويج على العوام ومن لا يعرف شروط الادلة
وكيفية استخراج الحكم ويهول عليهم بقوله هذا نص القرآن وهذا
قول الله فتنخلع أفئدتهم لقوله ولا يعلمون ما وراء ذلك . الفصل
الثالث في الجواب عن استدلاله بالايتين المذكورتين على وجه
التفصيل أما الاية الاولى وهي قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو
في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام
عشرة مساكين من أوسط [ 114 ] ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير
رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم
واحفظوا ايمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون)
وإنما يتم الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله
(ذلك كفارة ايمانكم إذا حلفتم) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها
فيه والكلام على هذه الاية يلتفت على الكلام على الاية الاخرى
في سورة البقرة قال الله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم
أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناص والله سميع عليم لا يؤاخذكم
الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله
غفور حليم) وللمفسرين في معنى قوله تعالى (ولا تجعلوا الله
عرضة لايمانكم أن تبروا) قولان : أحدهما أن المراد لا تجعلوا
اليمين بالله تعالى متعرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا
________________________________________
بين الناس فتحلفوا لا تفعلوا ذلك فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف
وبين البر والتقوى فنهاهم الله عن اليمين على ذلك ثم شرع لهم
الكفارة للتخلص من هذا المنع ليكون طريقا لحالف الى الرجوع
الى البر والتقوى والاصلاح ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
(إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمين
وأتيت الذي هو خير ” والقول الثاني : ” ان المراد لا تجعلوا
اسم الله عرضة لايمانكم فتبتذلوه بالحلف به في كل شئ وقوله (ان
تبروا) معناه ارادة أن تبروا يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في
كل يمين قدرتم على البر ، ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما
يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم ولا شك أن اليمين بالله تعالى
مراده في الايتين هي اليمين الشرعية وهي التي شرعت الكفارة
فيها أصلا فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا
يفعل كذا فإذا قال : والله لا أفعل أو والله لافعلن فقد أكد
عقده بهذا الاسم المعظم كأنه يقول : ان فعلت كذا فقد خالفت ، موجب
تعظيم ما عقدت به اليمين من الاسم المعظم ولست معظما له حق
تعظيمه ، هذا موضوع اليمين فإذا عقدها على الوجه ثم خالف موجبها
وحنث فقد لزمه ما ألزم نفسه من انتهاك حرمة الاسم [ 115 ] بالمخالفة
فجعل الله سبحانه الكفارة جابرة لهذا الامر الذي ألزمه
نفسه تعظيما لاسمه المستحق للتعظيم وهذا أمر لا يستحقه غير الله
عزوجل فلا يشاركه غيره فيه ، ولهذا نهي عن الحلف بغير الله
عزوجل ، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن اليمين بغير
الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لاحد الحلف بها ومن ههنا قال أهل
الظاهر : لا كفارة الا في اليمين بأسماء الله عزوجل وصفاته ولا
تجب الكفارة في يمين غير ذلك ، وممن قال بهذا القول الشعبي
والحكم والحارث العكلي وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن نقله ابن
عبد البر وقال هو الصواب عندنا والحمد لله . وقال جمهور العلماء
________________________________________
بوجوب الكفارة في أيمان غيرها لكن على سبيل الالحاق بها لوجود
علة وجوب الكفارة عندهم ، هذه أقوال المعتبرين من العلماء ،
وقد شذ بعضهم بأقوال لا يعرج عليها ولا يتأتى بيان ذلك إلا بتفصيل
أنواع الايمان وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى ، هذا مع اتفاق
العلماء كلهم على أمرين ، أحدهما أن يمين الطلاق لا كفارة فيها
ولو قلنا هي يمين ، والثاني : أن عموم الاية مخصوص فلا تجب
الكفارة في كل ما يطلق عليه اسم اليمين . لغة ، وإذا كانت الكفارة
لا تجب في ، كل ما يسمى يمينا في اللغة لم تبق الاية الكريمة
مجراة على عمومها ، وحينئذ فالاية اما محمولة على اليمين الشرعية
أو على اليمين اللغوية والحمل على الموضوع الشرعي أولى عند
المحققين من العلماء فإذا كان للفظ معنى في اللغة ومعنى في
الشرع اما يقاربه وأما يباينه ووجدنا ذلك اللفظ في خطاب الشارع
حملناه على معناه في الشرع فان تعذر حملناه على معناه في اللغة
والعرف ، وههنا في الاية زيادة وهي أن الحمل فيها على الموضوع
اللغوي يوجب تخصيص عمومها والحمل على المعنى الشرعي قد لا يوجب
ذلك وما سلم من التخصيص أو كان أقل تخصيصا كان أولى فيتعين
حمل الايمان في الاية الكريمة على المعنى الشرعي ، واليمين الشرعية
هي ما شرع الحلف به أو لم يكره شرعا ولم يحرم ، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم ” من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت
” وهو في [ 116 ] الصحيحين ، وفي لفظ لمسلم ” من كان حالفا فلا
يحلف إلا بالله ” وكانت قريش تحلف بآبائها فقال (لا تحلفوا بآبائكم)
وفي سنن النسائي من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال ” لا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون
” فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يمين بغير الله عزوجل
وما نهى عنه لم يكن شرعيا ولا فرق بين اليمين باسم الله عزوجل
أو غيره من الاسماء الحسنى والصفات العليا والكل شرعي ينعقد
________________________________________
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف فيقول ” لا ومقلب القلوب
” وفي حديث صفة الجنة أن جبريل قال وعزتك لا يسمع بها أحد
إلا دخلها ، ولما حلف الصحابة بالكعبة قال لهم النبي صلى الله
عليه وسلم ” قولوا ورب الكعبة ” فكل هذه أيمان شرعية لان المعنى
في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف تعظيم للمحلوف به على
وجه لا يليق بغير الله عزوجل فبأي اسم من أسماء الله عزوجل أو
صفة من صفاته حلف لم يكن معظما لغير الله تعالى فإذا كانت اليمين
الشرعية هي اليمين بالله عزوجل وصفاته كانت الاية محمولة على
ذلك فدلت الاية على أن كل يمين بالله أو بإسم من أسمائه أو صفة
من صفاته يوجب الكفارة عند الحنث لان اللفظ شرعي فيحمل على
المعنى الشرعي وتكون الاية على عمومها في كل الايمان الشرعية فلا
تكون الاية دالة على ايجاب الكفارة في شئ من الايمان سوى الايمان
الشرعية وهي الايمان بالله وباسمائه وصفاته ، ولا تدخل اليمين
بالطلاق ولا غيرها في ذلك . ثم إن العلماء رأوا أن بعض الايمان
ملحق باليمين بالله تعالى في ايجاب الكفارة فألحقوه بذلك
لوجود المعنى الذي شرعت الكفارة لاجله فيها وعند هذا اختلف نظرهم
فمنهم من يلحق أنواع كثيرا ومنهم من يلحق أقل من ذلك على
اختلاف نظرهم واجتهادهم ويوجد هذا الاختلاف للصحابة والتابعين
ومن بعدهم فنتكلم فيما وعدنا به من تفصيل الايمان التي جوز فيها
العلماء المعتبرون الكفارة ثم نتكلم على الطلاق والعتاق فمنها
النذر الذي يسمى نذر اللجاج والغضب والغلق وقد قيل فيه بالوفاء
[ 117 ] وقيل بالكفارة على وجه التخيير فاعلم أن النذر في أصله
قربة ووضعه الاصلي أن يعلق التزام قربة على مطلوب يريده أما
جلب نعمة أو دفع نقمة كقوله : ان شفى الله مريضي فلله علي صوم
شهر أو ان رد الله تعالى الغائب فلله علي أن اتصدق بكذا ، وهذا
نذر شرعي ويسمى عند الفقهاء نذر التبرر والوفاء اللازم فإذا
________________________________________
حصل ما طلبه وهو المعلق عليه وجب عليه الوفاء بما نذر ولا تجزئة
في ذلك كفارة يمين ، هذا أصل الباب ووضعه في الشرع فان التزم
قربة على غير مطلوب كقوله : لله علي أن أصوم كذا أو أن اتصدق
بكذا فهل يسمى هذا نذرا فيه خلاف وأكثر العلماء على أنه نذر يجب
الوفاء به ، ولكن أصل الباب هو التعليق ، ثم ان الناس توسعوا
في ذلك فصاروا يعلقون لزوم القربة على ما يريدون الحث عليه أو
المنع منه كقول القائل : إن كلمت فلانا فعلي صوم شهر وان لم
أعط فلانا كذا فعلي صدقة وما أشبه ذلك فهذا تعليق قربة على أمر
يطالب وقوعه أو المنع منه فهو تعليق قربة على مطلوب فمن هذا الوجه
هو نذر يشبه نذر التبرر لما فيه من صريح التعليق للقربة على
مطلوب وفي معناه شبه اليمين من جهة انه لا على التزام القربة
على وجه التقرب بل قصد حث نفسه أو منعها بما علق من لزوم القربة
التي ان خالف ولم يلتزمها عند وقوع الشرط فقد ترك حق الله
ولم يقم به ولم يعظمه حق تعظيمه فصار ذلك في المعنى كقول القائل
: والله لافعلن أو والله لا أفعل فان معنى كلامه اني ان فعلت
فقد خالفت ما عقدت به قولي من الاسم المعظم فلست معظما له حق
تعظيمه فصار في هذا النذر شبه من اليمين في المعنى وهو بلفظ النذر
لاجل الذي يجب الوفاء به ، وقد مدح الله قوما على الوفاء بالنذر
فقال تعالى (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا)
وذم النبي صلى الله عليه وسلم قوما على ترك الوفاء بالنذر فقال
في حديث عمران بن حصين وهو في الصحيح ” خير امتي قرني ثم الذين
يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين
أو ثلاثة ثم ان من بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون
ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر [ 118 ] فيهم السمن ” وروت
عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من
نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي الله فلا يعصه ” وهو
________________________________________
حديث صحيح فأوجب أولا الوفاء وهذا قول مالك رضي الله عنه في المشهور
عنه ومن تبعه وقول ربيعة وإحدى الروايات عن أبي حنيفة وقد
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما انه قال بوجوب الوفاء روى ابن
المنذر بإسناد صحيح إلى الهيثم بن سنان أنه سمع ابن عمر وسأله
بعض أهله انه كسى امرأته كسوة فسخطتها فقالت ان لبستها في رتاج
الكعبة قال ابن عمر لتجعل مالها في رتاج الكعبة قال انما مالها
في الغنم والابل قال ابن عمر : لتبع الغنم والابل في رتاج
الكعبة ، وروي عن انس رضي الله عنه مثل ذلك عن مالك بن دينار وان
امرأة أتته فقالت ان زوجها كساها كسوة وانها غضبت فجعلتها هدية
إلى بيت الله ان لبستها قال فانطلقت الى أنس فسألته فقال أن
لبستها فلتهدها واسناد هذا الاثر أيضا جيد ، ونقل هذا القول
وهو وجوب الوفاء عن ابراهيم النخعي . وإنما سقت هذه الاقوال لان
هذا المبتدع قال ان القول بوجوب الوفاء لم ينقل عن الصحابة ولا
عن التابعين وقد صح ذلك عمن ذكرنا وسيأتي أثر آخر فيه ابن عمر
وابن عباس والزبير وجابر رضي الله عنهم ان شاء الله تعالى ،
وقال طائفة أخرى : يكفر ان شاء ولا يلزمه الوفاء به وهؤلاء أجروا
هذا النذر مجرى اليمين لما ذكرنا من حصول المعنى الذي شرعت
الكفارة في اليمين لاجله وهو أنه عقد يمينه بما التزمه من طاعة
الله التي ان خالف عند لزومها فقد انتهك حرمة الحق فجبره بكفارة
يمين كما يجبر انتهاك حرمة الاسم المعظم إذا حنث بكفارة يمين
وقد افتى بذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين
وقد قال الشافعي رضي الله عنه ان هذا قول عائشة رضي الله عنها
وعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشافعي في
ذلك يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين . [ 119 ] ومن
العلماء من يفرق بين التزام الحج وغيره فيقول : ان التزم حجا لزمه
وإن التزم غيره كان له الخروج بكفارة يمين ، ومنهم من فرق
________________________________________
أن يكون قد التزم صدقة ماله كله أو جعله في سبيل الله فقال يجزئه
الثلث من ماله لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر فانه قال للنبي
صلى الله عليه وسلم أن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة لله عزوجل
ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يجزئ عنك الثلث
” وفي الصحيحين في حديث كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلفوا
وتاب الله عليهم أنه قال يا رسول الله ان من توبتي أن انخلع
من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(امسك عليك بعض مالك فهو خير لك ” قال قلت إني أمسك سهمي بخيبر
، ومنهم من أوجب الصدقة بقدر الزكاة ويروى ذلك عن ابن عمر
وابن عباس وسيأتي الاثر بذلك إن شاء الله تعالى ، والقول بأن
يتخير بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين هو القول المرضي وهو
قول كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وسببه ما ذكرنا أن اللفط
لفظ نذر والمعنى معنى يمين فان وفى فقد أتى بموجب اللفظ وان
كفر فقد أتى بموجب المعنى فهذا النوع يلحق بالايمان الشرعية
من هذا الوجه وليس يمينا في الحقيقة بما يعظم كالكعبة والنبي
فلا كفارة فيها ، وفي مذهب أبي حنيفة قول انه تجب الكفارة بمالحلف
بالنبي لان حقه من حق الله عزوجل فأشبه اليمين بالله وهو ضعيف
وجمهور العلماء على خلافه ، وأما الحلف بملة غير الاسلام فليس
من الايمان الشرعية ولا ينبغي أن يعتقد دخوله في قوله تعالى
(ذلك كفارة أيمانكم ” لانها يمين محرمة والمحرم لا يكون شرعيا
، وأكثر العلماء على أن لا كفارة فيها وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم ” من حلف على يمين بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما
قال وان كان صادقا لم يعد إلى الاسلام سالما ” وفيه غير ذلك .
وورد فيه ان كفارته قول لا إله إلا الله ، وفي مذهب أبي حنيفة
ايجاب الكفارة وهذه اليمين لا تحتاج إلى ذكرها . وأما الطلاق
بمداره على اطلاق اللفظ للمعنى وان لم يقصد به حل [ 120 ] قيد
________________________________________
النكاح ولهذا اختلف العلماء في ايقاعه على المكره والسكران وقد
قال كثير من الصحابة والتابعين بوقوع طلاق السكران بل الاكثرون
على ذلك فلم يعتبروا فيه قصد حل قيد النكاح ولهذا يلزم الهازل
ويقع عليه وما ذلك إلا لاطلاق اللفظ ، وإنما كفر الهازل بالكفر
لان كفره دل على استهانته بالدين بقلبه فهو كافر بعقد القلب
الذي دل عليه لفظه والمطلق بالهزل مطلق اللفظ لا يعقد القلب على
الطلاق فلا يقاس أحد البابين على الآخر وأما ايجاب الكفارة
في مذهب أبي حنيفة في يمين الكفر فلانه إذا قال ان فعلت كذا فأنا
كافر كان قد علق يمينه بتعظيم حق الله عزوجل على أن يكفر به
فأشبه تعظيم اسم الله أن تنتهك حرمته إذا حلت به فالحق باليمين
بالله تعالى في ايجاب الكفارة فله وجه من القياس وان كان الاصح
ان الكفارة لا تجب ، وأما يمين العتق وهو ما إذا قال ان فعلت
كذا فعبدي حر فان جمهور العلماء على لزوم العتق عند الحنث وانه
لا تجزئ في ذلك كفارة يمين ، هذا هو القول المشهور الذي استقرت
عليه المذاهب المتبوعة ، حتى قال بعضهم ان الامة مجمعة عليه
وروي عن أبي عبيد وأبي ثور انهما قالا تجزئ فيه الكفارة ، وأما
الائمة الاربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فقالوا بالعتق
وهو مذهب عامة علماء الامصار ، وما يروى من أثر ليلى بنت العجماء
أنها حلفت بالهدي والعتاق لتفرقن بين عبدها وامتها فأفتاها
ابن عمر وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما بالكفارة
فهذا الاثر تختلف الالفاظ في روايته روي من عدة ومداره على
أبي رافع مولى ليلى بنت العجماء وبعضهم يذكر فيه العتق وبعضهم
لا يذكره ، وقد ذكرنا عنه عدة أجوبة في الكتاب المطول ظاهرة
وقد ذكر هذا الاثر الامام أحمد ولم يأخذ به بل قال بلزوم العتق
وروى اثرا يعارضه عن عثمان بن حاضر قال حلفت امرأة من ذي أصبح
فقال : مالي في سبيل الله وجاريتي حرة ان لم تفعل كذا وكذا لشئ
________________________________________
ذكره زوجها ان تفعله فذكر ذلك لابن عمر وابن عباس فقالا : أما
الجارية فتعتق وأما قولها مالي في سبيل الله فلتتصدق بزكاة مالها
، وروي هذا الاثر من طرق وفيه أيضا [ 121 ] فتوى ابن الزبير
وجابر بن عبد الله بذلك فهؤلاء أربعة من الصحابة وعلمائهم افتوا
بالعتق وقد أخذ بهذا الاثر الامام أحمد بن حنبل إمام هذا
المبتدع في غير بدعته ورد خبر ليلى بنت العجماء ، وقال الشيخ موفق
الدين المقدسي الحنبلي ان أحمد رضي الله عنه قال في خبر ليلى
بنت العجماء أن الصحابة قالوا لها كفري يمينك واعتقي جاريتك
وقال هذه زيادة يجب قبولها فاتفق الخبران على لزوم العتق ، وقول
عائشة : كل يمين ليس فيها طلاق ولا عتاق ففيها كفارة يمين .
يدل على أنها لا ترى في العتق كفارة ، وقال الشافعي رضي الله
عنه لما ذكر الكفارة في نذر اللجاج والغضب ان هذا مذهب عائثة وعدد
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وان من قال هذا يقوله في
كل ما يحنث فيه سوى العتق والطلاق . فالشافعي قد نقل عن عائشة
والصحابة القائلين بالكفارة في نذر اللجاج والغضب انهم لا يقولون
بالكفارة في العتق والطلاق ثم إذا قلنا بالتول الشاذ الضعيف
في ايجاب الكفارة في العتق فسببه أن العتق قربة فإذا التزمه
فقد التزم قربة على تقدير المحلفة كما التزمها بالنذر الذي يخرج
مخرج اليمين تجزئة الكفارة لكونه قربة ملتزمة على تقدير الحنث
فشبهوه باليمين من هذا الوجه كما قدمنا لكونه التزم قربة لله
ان خالف ترك تعظيم حق لله فيها وهذا المعني موجود في التزام
العتق فقالوا فيه بالكفارة هذا توجيه المذهب الشاذ ، ومن ههنا
يخرج الفرق بينه وبين الطلاق فان الطلاق يعلق ويقع معلقا كما يقع
منجزا بالاجماع فإذا علقه على وجه اليمين فهو لفظ تعليق ولفظ
التعليق في الطلاق نافذ وما عرض له من معنى اليمين لا يؤثر في
ايجاب الكفارة لان الطلاق ليس قربة حتى يقال التزم قربة ان تركها
________________________________________
عند الحنث لم يعظم حق الله فيها كما انه إذا حلف باسمه فخالف
لم يعظم حرمة اسمه فلما تجب الكفارة فيه لانها شرعت هناك للجبر
في حرمة اسم الله وفي القربة إليه وليس كذلك في الطلاق فنفذ
تعليقه على وجهه ، ومن وجه آخر انا إذا أوجبنا الكفارة في باب
القربة أمكننا أن نوجبها على وجه التخيير فنقول قد لزمك ما
التزمت من القربة فان شئت أن تقوم به [ 122 ] فلك وإن شئت أن تخرج
منه بكفارة يمين قلك وأما الطلاق فلا يقع مخيرا ان شاء أمضاه
بعد وقوعه وإن شاء دفعه بكفارة هذا لا يقوله عاقل ولا من مارس
الشريعة ولا من فهم مقاصدها فإن الطلاق حل قيد النكاح فإذا
انحل فليت شعري ماذا عقده بعد حله ولا سيما في يمين الثلاث وقد
قال الله تعالى (فإن طلقها فلا تحل به من بعد حتى تنكح زوجا غيره)
فلو فكر المسكين في منتهى قوله لاستحيا من الله ومن الناس
ولكن غطى عليه الهوى ومحبة الرياسة والطاعة وقبول الكلمة اللهم
أعذنا من هذه البلوى وقنا شر الهوى وحظوظ النفوس برحمتك . ثم
انا نقول : قد اجمعت الامة على أن يمين الطلاق ليست داخلة في
ايمان الكفارة فلا معدل عن الاجماع إذ لا يعارض الاجماع بدليل
غيره هذا ايضا لم يقله أحد من المسلمين ثم ان هذه الايمان الي
دكرناها هل تسمى إيمانا ؟ فيه خلاف والاصح انها لا تسمى ايمانا
قال ابن عبد البر : وأما الحلف بالطلاق والعتق فليس بيمين عند
أهل التحصيل والنظر وإنما هو طلاق بصفة أو عتق بصفة إذا أوقعه
موقع وقع على حسب ما يجب في ذلك عند العلماء كل على أصله ، وقول
المتقدمين الايمان بالطلاق والعتق إنما هو كلام خرج على الامتناع
والمجاز والتقريب وأما الحقيقة فانما هو طلاق على وصف وعتق
على وصف ما ، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله عزوجل فقد تبين
خروج يمين الطلاق من الاية الكريمة . وأما الاية الثانية وهي
قوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم) فان هذا المبتدع تعلق
________________________________________
بها بناء على ان الكفارة وجب في التحريم خاصة وان الله سبحانه
وتعالى جعله يمينا وأجراه مجرى اليمين في الكفارة . ونبه على
دخوله في الاية المذكورة قبلها وهذا ليس كذلك فان هذه الواقعة
قد قيل انها في قصة مارية وقيل في قصة العسل ومن العلماء من
لم يذكر فيها يمينا بالله تعالى وجعل الكفارة للتحريم وعلى هذا
القول [ 123 ] يخرج الجواب مما تقدم والنبي صلى الله عليه وسلم
توقف عن الكفارة حتى قال له الله سبحانه ما قال فلو كان الحرام
يسمى يمينا حقيقة لعلم دخوله في الاية الاولى فلما احتاج إلى
اعلام الله اياه دل على انه لم يدخل في اليمين إلا في الحكم
لا في الاسم الحقيقي ، وفي مسألة التحريم أقوال كثيرة للعلماء
وأكثرهم على أنه ليس بيمين على الاطلاق فلا يدخل في الاية الكريمة
إلا في الحكم لا في الاسم الحقيقي هذا على قول من يوجب الكفارة
لكونه تحريما وأما من لم يقل بذلك فيقول الكفارة ليمين بالله
تعالى اقترنت بالتحريم وقد قال هذا المبتدع : من قال بأن النبي
صلى الله عليه وسلم حلف مع الكفارة فقد قال ما لم يقله أحد
وقد روى البيهقي باسناده الى عائشة رضي الله عنها قالت آلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحلال حراما
وجعل في اليمين الكفارة وروى أبو داود مرسلا عن قتادة قال كان
النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فدخلت فرأت معه فقالت في
بيتي وفي يومي فقال ” اسكتي فوالله لا أقربها وهي علي حرام “
وقد روى البيهقي مرسلا ايضا عن مسروق انه قال ان رسول الله صلى
الله عليه وسلم حلف لحفصة ان لا يقرب أمته وقال ” هي علي حرام
” فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له ، وأما
قصة العسل وهي أشهر في سبب نزول الاية فروى البيهقي أنء عبيد
بن عمير قال سمعت عائشة تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يمكث عند زينت بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أيتنا
________________________________________
دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فليقل إني أجد منك ريح
مغافير أكلت مغافير فدخل على احداهما فقال ذلك له فقال بل شربت
عسلا عند زينب ولن أعود له فنزلت (لم تحرم ما أحل الله لك) الى
(أن تتوبا الى الله) لعائشة وحفصة وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه
حديثا لقوله بل شربت عسلا قال البيهقي رواه البخاري في الصحيح
عن الحسن بن محمد ورواه مسلم عن محمد بن حاتم كلاهما عن
حجاج قال البخاري وقال ابراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن
جريح عن عطاء في هذا الحديث ولن اعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك
أحدا قال ابن عبد البر وقد روي عن ابن [ 124 ] عباس في تأويل
قوله تعالى (يا ايها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) والله لا
أشرب العسل بعدها فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حلف
بالله فالكفارة لليمين بالله ، وهذا معني قول عائشة فجعل الحلال
حراما وجعل في اليمين الكفازة فلم تكن الكفارة الا في اليمين
بالله تعالى ولا يحتاج إلى الجواب عن الاية والله اعلم . فهذه
لمعة اقناعية لمن نظرها بعين الانصاف ووراء هذا من الابحاث العقلية
والمنقولات الصحيحة والنظر الفقهي ما لا يسعه الا كتاب مطول
، وقد ذكرنا في كتابنا في الرد عليه كثيرا منها ومن دقيقها
طرد الباب كله وجعل ايقاع الطلاق في اليمين بالطلاق نظير ايجاب
الكفارة في اليمين بالله تعالى عند الحنث ومقتضى قياسه فالعلة
التي أوجبت ثبوت الكفارة في اليمين بالله تعالى هي بعينها الي
اقتضت ايقاع الطلاق وايقاع العتق عند الحنث ، هذا ما لا يفهمه
الا الفقيه المحقق ولا يدركه من دأبه التخبيط والهذر وهو في
التحقيق على مفاوز أعاذنا الله من هوى يسد باب الانصاف ويصد عن
جميل الاوصاف بمنه وكرمه . الحمد لله رب العالمين وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . [ 125 ] الرساة الثانية نقد
الاجتماع والافتراق في مسائل الايمان والطلاق للمؤلف السابق
________________________________________
[ 127 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام
على عباده الذين اصطفى وبعد فهذه مؤاخذات على التصنيف الصغير
الذي عمله ابن تيمية في مسألة الطلاق وسماه بالاجتماع والافتراق
في مسائل الايمان والطلاق ، لاني تكلمت على كلامه قبل ذلك
ولكن أنبه على المواضع التي في هذا التصنيف بحسب الاختصار والله
الموفق . قوله ان صيغة قوله : الطلاق يلزمني لافعلن كذا يمين
باتفاق أهل اللغة فانها صيغة قسم . قلت كيف يدعي اتفاق أهل اللغه
على ذلك ولا تعرف هذه الصيغة وردت في كلام أهل اللغة ولا سمعت
من عربي لا في نظم ولا في نثر ، وقوله : وهو ايضا يمين في
عرف الفقهاء ولم يتنازعوا في أنها تسمى يمينا . قلت : قد تكلمنا
عليه فيما مضى من كلامنا وبتقدير صحته لا يلزم حمل كلام الشارع
على عرف الفقهاء ما لم يعلم وجود في زمنه صلى الله عليه وسلم
، وقوله ان منهم من غلب جانب اليمين فلم يوقع به بل قال عليه
كفارة يمين . قلت : هذا القول لا أعرف أحدا صرح به من سلف ولا
من خلف وأما اقتضاء كلام ابن حزم في كتابه المصنف في الاجماع
فقد تكلمت عليه فيما مضى من الكتاب المسمى بالتحقيق في مسألة التعليق
. التي ستكتب بعد هذا ، وقوله ان الحلف بالطلاق إنما عرف
عن التابعين ومن بعدهم . فقد تكلمنا عليه في التحقيق . وقوله
ان التعليق الذي قصد صاحبه الحلف حكمه [ 128 ] حكم الحلف بالطلاق
باتفاق الفقهاء . أما أن يريد في كونه يسمى حلفا أو في تساوي
أحكامهما فان أراد الاول فقد تكلمنا في التحقيق وان ارد الثاني
فممنوع وسند المنع من وجوه : منها انهم لم يختلفوا ان التعليق
صريح واختلفوا في ” الطلاق يلزمني ” هل هو صريح أو كناية ،
ومنها أنه لا يجد أحدا من الفقهاء سوى بين الصيغتين بمعنى أنه
يقول أما أن يقع الطلاق فيهما أو لا يقع فيهما بل أكثرهم سوى
بينهما في الوقوع ومنهم من يفرق ، والحكم بالوقوع فيهما الذي من
________________________________________
لازمه التسوية فيه ليس حكما بالتسوية بالتفسير المتقدم حتى يستنتج
منه عدم الوقوع فيهما الذي هو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء
، ومن أراد اشباع القول في ذلك فعليه بالتحقيق مع اختصاره ، وقوله
: أنواع الايمان ثلاثة ، 1 – بالله ، 2 – لله ، 3 – أن يعقدها
بغير الله أو لغير الله . قلت : الاقسام أربعة الاول بالله
لله كقوله : والله لاتصدقن ، الثاني بالله لغير الله كقوله والله
لاسرقن ، الثالث بغير الله لله : كقوله : والكعبة لاتصدقن
، ويدخل في هذا : ان فعلت كذا لاتصدقن أو فعلي الحج ، الرابع
بغير الله لغير الله كقوله : والكعبة لاسرقن ولدخل في هذا القسم
: (ان فعلت كذا لاسرقن أو فهو يهودي أو نصراني فالقسمان الاولان
منعقدان يجب فيهما الكفارة ، والثالث فيه مثالان : أحدهما
القسم الصريح كقوله والكعبة لا ينعقد ولا يلزم به شئ ، والثاني
: ان فعلت كذا فعلي الحج أو الحج يلزمن لافعلن كان القياس يقتضي
أنه لا يلزم كالاول إذا كان القسم الصريح لا يلزم به شئ لكنه
لما لم يكن في الصيغة الثانية تعظيم لغير الله بل التزام مجرد
فارق قوله والكعبة وما أشبهه فان فيها تعظيم غير الله فلذلك
أبطل أثرها ، وأما الصيغة الثانية فليس فيها إلا التزام مجرد والشخص
متمكن من الزام نفسه بدليل النذر المطلق ونذر التبرر والضمان
فقد التزم شيئا ليس فيه تعظيم غير الله وليس منهيا عنه وهذا
المأخذ اعوص وأقرب وعليه أكثر السلف أعني من اعتبار ذلك وأنه
يترتب عليه حكم لكنهم اختلفوا في المترتب فمن قائل وجوب الوفاء
بما التزم لما أشرنا إليه من أنه التزم شيئا ليس فيه [ 129
] تعظيم لغير الله فلا مانع من اعتباره كنذر التبرر ، ومنهم من
رأى أن الملتزم لذلك لم يقصد التزامه تقربا إلى الله تعالى بل
إنما قصد ذلك ليمنع نفسه مما حلف عليه أو غيرها ، والنذر الذي
حكم الشرع بوجوبه انما هو فيما يقصد التقرب فلا يجب عليه هنا
________________________________________
الوفاء ويتخلص منه بكفارة يمين لانه مشبه باليمين من حيث كونه
منع نفسه بالتزام شئ ليس فيه تعظيم غير الله ، وأما قوله في آخرها
: أنه حلف حقيقة على الحج مثلا . فرده أن السلف والخلف يطلقون
في مثل ذلك أنه حلف بالحج وحلف بالعتاقة حلف بالصدقة فيمن
قال : ان فعلت كذا فعلي حج أو عتاقة أو صدقة ولو كان الامر كما
يقول لكانوا يقولون حلف أن يحج أو يتصدق أو يعتق وهم لا يقولون
إلا حلف على هذا الفعل بالحج وما أشبهه وذلك هو الذي يفهمه الذين
يحلفون فالفعل المقصود منه هو المحلوف عليه والحج مثلا هو
المحلوف به ويسمونه إذا فعل ذلك الفعل حانثا ، ولو كان كما يقول
لم يكن حانثا إلا بترك الحج وما أشبهه فهو نادر حقيقة لكنه
غير داخل في قوله صلى الله عليه وسلم ” من نذر أن يطيع الله فليطعه
” لان من نذر على وجه الحلف ليس قصده الطاعة وان كان قصده
المشي على تقدير المخالفة لانه قصد المشي له جهتان : احداهما
أن يكون امتثالا للامر وذلك هو الطاعة وهو مفقود هنا والثاني :
ان يكون لغرض آخر كما ههنا فانه إنما قصده ليكون مانعا له من
الفعل فإذا لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم ” من نذر أن يطيع
الله فليطعه ” فلا يجب وان كان مقتضى كلامه أنه أوجبه على نفسه
لانه ليس كل ما أوجبه الانسان على نفسه يجب عليه الا بإيجاب
الله تعالى ففيما إذا كان المقصود الطاعة أوجبه الله تعالى عليه
فوجب وههنا ليس المقصود الطاعة ودخل في قوله كفارة النذر كفارة
يمين وفي قوله تعالى (يوفون بالنذر ” فإذا فعل ذلك الفعل
فقد ترتب المنذور في ذمته ولا يجب عليه وفاؤه عينا بل له أن يسقطه
بالكفارة ، وقد بسط ذلك أكثر من هذا في التحقيق ، وقوله ان
من حلف بغير الله مثل أن يحلف بالطواغيت أو بأبيه أو بالكعبة
أو غير ذلك من المخلوقات انها يمين غير محترمة فلا تنعقد ولا [
130 ] كفارة فيها باتفاق العلماء . يرد عليه في ايجابه الكفارة
________________________________________
في الطلاق والعتق وأما حكمنا نحن بانعقادها فانها ليست في معنى
ما اتفقوا على عدم انعقادها لانه ليس فيها تعظيم غير الله بخلاف
الحلف بالطواغيب وأبيه والكعبة ، وقوله في المعقودة لله :
فيما إذا كان مقصوده التقرب لا الحلف إلى آخره . يقتضي وجوب الكفارة
في كل نذر وليس كذلك فان نذر التبرر لا خلاف فيه انه لا
يجب فيه الكفارة ، وادراكه الحلف بالطلاق والعتاق في القسم الثاني
من اليمين المعقودة لله أن الحلف بالطلاق يفين معقودة لله
وفيه نظر فان قوله معقودة لله أن أريد بها التقرب لله فاليمين
بالطلاق ليس كذلك وان اريد به ان التزم بها شيئا يجب لله تعالى
كالحج والصدقة فليس كذلك لان الحالف بالطلاق ليس مقصوده أنه
إذا حصل الحنث يجب عليه الطلاق والعتاق فقالوا في الاول كفارة
وفي الثاني يلزمه ما حلف عليه ، هذا وان كان قول الجمهور ولكن
لم يقولوه بهذه العبارة وليس مأخذهم كون هذا تحريما وإيجابا ولو
كان ذلك مأخذهم لزمهم أن يقولوا به في كل تحريم كما قال : ان
فعلت كذا فامرأتي أو أمتي حرام وهذا الطعام علي حرام فيحرم إذا
وجد الشرط ، وهذا لم يقل به أحد بل مأخذهم أن هذا وقوع وذلك
التزام والاول مفوض إلى العبد نصب سببه تنجيزا وتعليقا وحتى وجد
سببه لا يتأخر عنه ، والثاني ليس مفوضا إليه مطلقا بل على وجه
خاص وإذا وجد سببه وترتب في الذمة يمكن سقوطه بخلاف الاول ،
واستدلاله بالايات والاحاديث الدالة على تكفير الايمان ودعواه
انها شاملة لهذه اليمين ممنوعة ، وقوله ان هذه داخلة في ايمان
المسلمين وايمان البيعة ودعواه انه لا يعلم فيها نزاعا فاعلم أن
قولنا ايمان المسلمين وايمان البيعة انما صارت يدخل فيها الطلاق
والعتق من زمن الحجاج فانه زادها في ايمان البيعة وصار يحلف
المسلمين بها واشتهرت من ذلك الوقت فإذا نواها الحالف دخلت وان
لم ينوها لا تدخل ولولا ذلك دخلت اليمين بالطلاق والعتاق فيها
________________________________________
نوي أو لم ينو بالايهام بكونها من ايمان المسلمين لا يفيد ومما
يبين ذلك أن قول القائل ايمان المسلمين اما [ 131 ] أن يراد
بها ما شرع للمسلمين الحلف بها أو ما يتعارف المسلمون الحلف
به وجرت عادتهم به فان أريد الاول فاليمين بالطلاق والعتاق لم
يشرع للمسلمين الحلف بها بل هي منهي عنها بقوله صلى الله عليه
وسلم ” من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ” وان اريد به ما يتعارفه
المسلمون وجرت عادتهم بالحلف به فاليمين بالطلاق والعتاق
لم تجر عادة المسلمين في الصدر الاول ولا في زمنه صلى الله عليه
وسلم بالحلف بهما وهو قد سلم فكيف يقول انها داخلة في ايمان
المسلمين ويحتج بعرف طارئ بعد النبي جمب صلى الله عليه وسلم
بنحو من سبعين سنة ، ثم ان سياق الايات الكريمة في معرض ايجاب
الكفارة في الايمان لا في معرض تبيين ما يجب فيه الكفارة من الايمان
وأنها من ايمان المسلمين دون ايمان غيرهم ، وقد قال تعالى
(ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) وهي أعم وقال النبي صلى الله
عليه وسلم ” من حلف على يمين ” والخطاب وان سلم أنه للمؤمنين
خاصة فيدخل في حكمه كل مكلف لعموم شريعة رسول الله صلى الله
عليه وسلم لكل أحد فكل مكلف بر أو فاجر يدخل في حكم هذ الخطاب
، ولكن تبين بدليل آخر ان الايمان التي لا حرمة لها لا يجب فيها
كفارة فعلمنا خروجها من الايات والحديث بالادلة الخاصة ، وقد
كان المسلمون يحلفون بآبائهم حتى نهوا وقد قال تعالى (والليل)
(والضحى) (والشمس) وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” افلح
وأبيه ان صدق ” وهو سيد المسلمين ، قوله : وأما من جهة المعنى
فهو ان فرض الكفارة لئلا يكون الايمان موجبة أو محرمة لا مخرج
منها فلو كان من الايمان ما لا كفارة فيه كانت هذه المفسدة موجودة
قلنا : لا نسلم وجودها لان تلك المفسدة على تقدير مخالفة اليمين
ارتكاب معصية الله من فعل محرم أو ترك واجب وقد تدعو الضرورة
________________________________________
إلى مخالفة اليمين فشرعت الكفارة لذلك والمفسدة هنا وقوع
الطلاق فليس فيه معصية وان كان فيه مفسدة أخرى لكن المعصية اشد
عند المسلم من كل مفسدة دنيوية والمفسدة على تقدير المحافظة على
اليمين مشتركة لا نسلم ان هذه المفسدة وحدها هي الملاحظة بل
المجموع الذي هو موجود في اليمين بالطلاق والعتق فان [ 132 ]
قلت : ففي نذر اللجاج لم حلت الكفارة ؟ قلت لانه حصل فيه ايجاب
ويحصل بتركه المعصية فلو لم تشرع فيه الكفارة لكان بمنزلة اليمين
قبل شرع الكفارة لحصول العصيان على تقدير ترك ما التزمه فهو
أشبه باليمين من تعليق الطلاق والعتق الذي لا معصية فيه البتة
. وقوله : ان الله نهاهم أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم إلى
آخره . قلت : الذي فهمته من كلام السلف في قوله (ولا تجعلوا
الله عرضة لايمانكم) أن المنهي عنه الحلف لاجل هذا الغرض وعليه
ينبغي أن يحمل ما ورد عنهم مما ظاهره خلاف ذلك ذلك فكيف يجعل
الحالف بالبقاء على اليمين جاعلا الله عرضة ليمينه هذا مما ينبو
الفهم عنه وكلام الصحابة والتابعين المعتمد على تفسيرهم ليس
فيه تصريح به بل يفهم منه ما قلته أولا والله أعلم ، وقوله في
الايلاء إلى آخره قلنا لا نسلم دخول الحالف بالطلاق في لفظ الاية
بل في حكمها بالقياس ولو سلمنا وقوله تعالى (فإن فاءوا فان
الله غفور رحيم ” والله اعلم فيئة مقصودة للزوجة وهي متعذرة هنا
وليس في الاية ان كل مول يمكن أن يفئ هذه الفيئة الخاصة ولو
سلمنا ذلك فالمرأة إذا تحققت انها متى وطئت يقع الطلاق عليها يكره
صحبته وان كانت راغبة في الوطء فيحصل مقصودها وأما ان كانت
غير راغبة في الوطء وتكتفي بمجرد الصحبة فلا تطلبه ، والفيئة
انما تكون بعد الطلب والتعرض له ، وقوله انه على هذا التقدير فلا
فائدة في التأجيل بل التعجيل إليها . قلنا : التأجيل ليس لاجلها
بل لاجله فيمهل هذه المدة التي لا تضر بالمرأة ثم تطالب بعد
________________________________________
المدة دفعا لضررها ” وأما أن التأجيل شرع لنفع المرأة فلا .
وما ذكره من فتوى الصحابة فيمن قال : ان فعلت كذا فعبيدي أحرار
قد حصل الكلام عليه في ” التحقيق ” وفيه كلام طوبل لا يحتمل
ذكره هنا والامام أحمد لم يثبته وتقريره أن هذه ايمان محضة وقد
تقدم التنبيه على شئ منه وقد ذكرت أنا قريبا منه في ” التحقيق
” قبل أن أقف [ 133 ] على كلامه فيه ولكن بينه وبين كلامه بعض
المباينة وهو أنني إنما أجعله بوجود الشرط في نذر اللجاج صار
بمنزلة الحالف مثلا وصيرورته كذلك ليس من مقتضى كلامه بل الشرع
نزل منزلته ، وأما مقتضى كلامه فالتزام التزمه لا غير ، وأما
ابن تيمية فظاهر كلامه هذا ان يجعله مقتضى كلامه الحلف لا النذر
، وأما احتجاجه بقوله : ان فعلت كذا فهو يهودي وما أشبه فقد
أجبت عنه في ” التحقيق ” وكذلك قياسه على قوله : ان فعلت كذا فعلي
أن أطلق امرأتي وقوله ان المعلق للطلاق ملتزم لوقوعه وقوله
بعد ذلك ان من عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله ولهذا
كان النذر أبلغ من اليمين وقد بينا أن الحلف بالطلاق ليس عقد
يمين لا بالله ولا لله بل هو عقد يمين لغير الله وهو الطلاق على
فعل قد يكون لله وقد يكون لغيره وسلوكه به مسلك النذر هو أصل
ما بني عليه وحصل له منه الاشتباه وبينهما من الافتراق بون عظيم
ولم يوجب له هذا الشغب الكثير الا تسويته بينهما ولا يستويان
والله تعالى يلهمنا رشدنا بمحمد وآله ، كتبت ذلك مختصرا جدا
بحسب الراغب فيه ولانه قد تقدم الكلام بما يغني وذلك بكرة نهار
الاربعاء عشري شهر رمضان سنة ثماني عشرة وسبعمائة نفعني الله
بها والناظر فيها بمحمد وآله . كتب علي عبد الكافي السبكي انتهى
. نقل من خط من نقله من خطه . [ 135 ] الرسالة الثالثة النظر
المحقق في الحلف بالطلاق المعلق للمؤلف السابق [ 137 ] بسم الله
الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين
________________________________________
اصطفى . مسألة : علق الرجل طلاق زوجته على شرط قاصدا لليمين
اما لحث أو منع أو تصديق ثم وجد ذلك الشرط وقع الطلاق وبيان
ذلك ان مقتضى القضية الشرطية الحكم بالمشروط على تقدير الشرط خبرية
كانت أو انشائية والمعلق فيها هو نسبة أحد الجزئين إلى الاخر
لا الحكم بتلك النسبة الذي هو منقسم إلى الخبر والانشاء لان
كلا منهما يستحيل تعليقه فالمعلق في مسألتنا هو الطلاق وأما
التطليق فهو فعل الزوج يوقعه منجزا أو معلقا ، ويوصف التعليق بكونه
تطليقا عند وجود الشرط حقيقة فان لم يجز التعليق يخرج الذي
حصل مقتضاه عن الشرط ويشهد لذلك أحكام الشريعة كلها المعلقة
بالشروط ، ومن منع تعليق الطلاق بالصفات مطلقا فقد التبس عليه
التعليق بتعليق الانشاء فظن أن تعليق الطلاق من الثاني وإنما هومن
الاول ، وقد علق الله احلال امرأة لنبيه صلى الله عليه وسلم
على يمينها نفسها له وارادته استنكاحها وان خرج مخرج اليمين
فالامر كذلك لوجوه : أحدها أنه تعليق خاص فيجب ثبوت حكم التعليق
العام له ، الثاني قوله تعالى (والخامسة ان لعنة الله عليه ان
كان من الكاذبين) وجه الاستدلال أن الملاعن يقصد [ 138 ] بهذا
الثرط التصديق فهو خارج مخرج اليمين ومع ذلك فهو موجب اللعنة
والغضب على تقدير الكذب بدليل قوله انها موجبه وبأنه لو كان المترتب
على ذلك الكفارة لكان الاتيان بالقسم أولى ، الثالث : ان
في القرآن والسنة وأشعار العرب الفصحاء من التعليقات التي فيها
الحث والمنع أو التصديق ما لا يحصى مع القطع بحصول المشروط
فيها عند الشرط ، الرابع : أن تسمية التعليق المذكور يمينا لا
يعرفه العرب ولم يتفق عليه الفقهاء ولم يرد به الشرع وإنما يسمى
بذلك على وجه المجاز فلا يدخل تحت النصوص الواردة في حكم الايمان
وأنها قابلة للتكفير الخامس : ان هذا التعليق وان قصد به
المنع فالطلاق مقصود فيه على ذلك التقدير ولذلك نصبه الزوج مانعا
________________________________________
له من ذلك الفعل ولولا ذلك لما امتنع ، ولا استحالة في كون
الطلاق غير مقصود للزوج في نفس الامر ومقصودا له على تقدير وإذا
كان مقصودا ووجد الشرط وقع الطلاق على مقتضى تعليقه وقصده ،
والسادس انه عند الشرط يصح اسم التطليق اصا تقدم فيندرج تحت قوله
تعالى (فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) السابع
: ان التطليق مفوض إلى العبد بقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن)
وهو أعم من المنجز والمعلق فيندرج المعلق تحت الاية . الثامن
الاجماع نقله محمد بن نصر المروزي وأبو ثور وابن المنذر وغيرهم
فان قلت : يرد عليك أمران : أحدهما طلب الفرق بين هذا وبين نذر
اللجاج عند من جعله يتخلص منه بكفارة يمين والثاني في دعواك
الاجماع ، وقد نقل بعض الناس قولين آخرين : أحدهما أنه لا يلزمه
به شئ والثاني انه لا يلزمه به كفارة قلت : اما الاول فالجواب
عنه أن الطلاق إسقاط حق لا يشترط فيه قصد القربة وفي اللجاج
لم يوجد هذا الشرط ولم يأذن الشرع فيه وليس للعبد ايجاب ولا تحريم
إلا بإذن الله وأيضا فان الدليل قد قام على ما قلناه وهو
على وفق الاصل فإن دل دليل على خروج اللجاج عنه بقي ما عداه على
الاصل ، وأما ان يجعل اللجاج المختلف له الخارج عن الاصل أصلا
ويلحق به الجاري على وفق [ 139 ] الاصل فغبر سديد ، وأما الثاني
فان القول بعدم الوقوع ما قاله أحد من الصحابة ولا من التابعين
إلا أن طاوسا نقل عن لفظ محتمل لذلك أولناه ولا ممن بعدهم
إلا الشيعة ومن وافقهم ممن لا يعتد بخلافه ، وأما القول بالكفارة
في دلك فلم يثبت عن أحد من المسلمين قبل ابن تيمية وان كان
مقتضى كلام ابن حزم في مراتب الاجماع نقل ذلك الا أن ذلك مع ابهامه
وعدم تعيين قائله ليس فيه انه في مسألة التعليق فيجوز أن
يحمل على غيرها من صور الحلف والله أعلم . كتبه مصنفه علي السبكي
في ليلة الاربعاء التاسع والعشرين من المحرم خمس وعشرين وسبعمائة
________________________________________
. [ 141 ] الرسالة الرابعة الاعتبار ببقاء الجنة والنار
للمؤلف السابق رد به على ابن تيمية بما الفه في نفي الخلود في
النار تبعا لجهم بن صفوان المبتدع المشهور . [ 143 ] في ظهر الاصل
بخط الحافظ الشمس بن طولون : (فائدة) قال شيخ الاسلام تقي
الدين السبكي في فتاويه في أثناء مسألة ” إذا وقف على بنيه الثلاثة
إلى آخرها ” : وهذا الرجل يعني ابن تيمية كنت رددت عليه
في حياته في إنكاره السفر لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي
انكاره وقوع الطلاق إذا حلف به وحنث ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي
أنه ليس ممن يعتمد عليه في نقل ينفرد به لمسارعته إلى النقل
بفهمه كما في هذه المسألة ولا في بحث ينسبه لحلطه المقصود بغيره
وخروجه عن الحد جدا ، وهو كان مكثرا من الحفظ ولم يتهذب بشيخ
ولم يرتض في العلوم بل يأخذها بذهنه مع جسارة واتساع خيال
وشغب كثير ، ثم بلغني من حاله ما يقتضي الاعراض عن النظر في كلامه
جملة وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه وحبس
باجماع العلماء وولاة الامور على ذلك ثم مات ولم يكن لنا غرض
في ذكره بعد موته الان تلك أمة قد خلت ولكن له اتباع ينعقون
ولا يعون ونحن نتبرم بالكلام معهم ومع أمثالهم . وأطال رحمه الله
في الرد عليهم في فتاويه في الوقف فراجعه فانه مهم ونسأل الله
حسن الاستقامة في القول والعمل بحق محمد وآله والحمد لله وحده
. [ 144 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى
الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . وبعد فان اعتقاد المسلمين
أن الجنة والنار لا تفنيان وقد نقل أبو محمد بن حزم الاجماع
على ذلك وان من خالفه كافر باجماع ، ولا شك في ذلك فانه معلوم
من الدين بالضرورة وتواردت الادلة عليه قال الله تعالى : (والذين
كفررا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون)
وقال تعالى (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب
________________________________________
النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (ان الذين كفروا وماتوا وهم
كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها
لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) وقال تعالى (ومن يرتدد
منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة
وأولثك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (والذين كفروا
أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب
النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (خالدين فيها لا يخفف عنهم
العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا) وقال تعالى (ان الذين
كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (ومن يعص الله ورسوله
ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) وقال تعالى (ومن يقتل مؤمنا
متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) وقال تعالى (ان الذين كفروا
وظلموا) إلى قوله (خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (النار مثواكم
خالدين فيها إلا ما شاء الله) وقال تعالى (والذين كذبوا بآياتنا
واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها [ 145 ] خالدون)
وقال تعالى (ألم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فان له نار
جهنم خالدا فيها) وقال تعالى (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار
نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم)
وقال تعالى (كلما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى (فأما الذين شقوا ففي
النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والارض
إلا ما شاء ربك) وقال تعالى (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك
الاغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال
تعالى (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين)
وقال تعالى (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون) وقال
تعالى (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)
________________________________________
وقال تعالى (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) وقال تعالى
(يضاعف له يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) وقال تعالى (ان الله
لعن الكافرين واعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا) وقال تعالى
(قل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) وقال
تعالى (ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد) وقال تعالى
(ان المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم) وقال تعالى
(كمن هو خالد في النار) وقال تعالى (لن تغني عنهم أموالهم ولا
أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال
تعالى (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) وقال تعالى
(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها
وبئس المصير) وقال تعالى (ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم
خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (ان الذين كفروا من أهل الكتاب
والمشركين في نار جهنم خالدين فيها) فهذه أربع وثلاثون آية فيها
لفظ الخلود وما اشتق منه أربع من التأبيد ، والايات التي فيها
معناه كثيرة ايضا كقوله تعالى (فلا يخفف عنهم العذاب) وقوله
تعالى (لا يخفف عنهم العذاب) وقوله تعالى (وما هم بخارجين من
النار) وقوله تعالى (وما [ 146 ] له في الاخرة من خلاق ” وقوله
تعالى (وما لهم من ناصرين) وقوله تعالى (كلما نضجت جلودهم بدلناهم
جلودا غيرها) وقوله تعالى (لا يجدون عنها محيصا) وقوله تعالى
(وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) وقوله تعالى (ليس مصروفا
عنهم) وقوله تعالى (أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار)
وقوله تعالى حكاية عنهم (ما لنا من محيص ” وقوله تعالى (جهنم
يصلونها وبئس القرار) وقوله تعالى (اخسؤا فيها ولا تكلمون
” وقوله تعالى (أولئك يئسوا من رحمتي) وقوله تعالى (فاليوم لا
يخرجون منها) وقوله تعالى (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم
أعيدوا فيها) وقوله تعالى (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا
________________________________________
فيها) وقوله تعالى (لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخنف عنهم من عذابها)
وقوله تعالى (مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا) وقوله
تعالى (فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون) وقوله تعالى (ادعوا
ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) إلى قوله (وما دعاء الكافرين
إلا في ضلال) وقوله تعالى (ألا ان الظالمين في عذاب مقيم) وقوله
تعالى (فليس له اليوم ههنا حميم ولا طعام الا من غسلين) وقال
تعالى (فلن نزيدكم إلا عذابا) وقال تعالى (ثم لا يموت فيها
ولا يحيى) وقال تعالى (نار موصدة) وقال تعالى (وما هم عنها بنائبين
” وغيرها من الايات كثير في هذا المعنى جدا وذلك يمنع من
احتمال التأويل ويوجب القطع بذلك ، كما أن الايات الدالة على
البعث الجسماني لكثرتها يمتنع تأويلها ، ومن أولها حكمنا بكفره
بمقتضي العلم جملة وكذلك الاحاديث متظاهرة جدا على ذلك كقوله
صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتواجأ
بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ” ومن تردى من
جبل فتتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا “
متفق عليه من حديث أبي سعيد وقوله صلى الله عليه وسلم ” أما أهل
النار الذين هم أهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون ” صحيح
من حديث أبي سعيد وقوله عليه السلام ” إذا صار أهل الجنة إلى
الجنة [ 147 ] وأهل النار الى النار جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة
والنار فيذبح فينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار
لا موت ” وفي رواية صحيحة ” فخلود فلا موت وفي الجنة مثل ذلك
” . وقال تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب
الجنة هم فيها خالدون) وقال تعالى (قل أؤنبئم بخير من ذلكم للذين
اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج
مطهرة ورضوان من الله) وقال تعالى (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
وقال تعالى (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها
________________________________________
الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله) وقال تعالى (ومن يطع
الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك
الفوز العظيم) وقال تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم
جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا وعد الله حقا)
وقال تعالى (فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها) وقال تعالى (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم
جنات من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا) وقال تعالى (أعد الله
لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) وقال تعالى (والسابقون
الاولون) إلى قوله (وأعد لهم جنات تجري تحتها الانهار
خالدين فيها) وقال تعالى (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا
إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) وقال تعالى (للذين
أحسنوا الحسنى وزيادة) إلى قوله (أولئك أصحاب الجنة هم فيها
خالدون) وقال تعالى (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها
ما دامت السموات والارض الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) وقال
تعالى (أكلها دائم وظلها) وقال تعالى (وادخل الذين آمنوا وعملوا
الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها باذن ربهم)
وقال تعالى (لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين) وقال تعالى
(وبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم أجرا حسنا ماكثين
فيه ابدا ، وقال تعالى (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات
كانت لهم جنات [ 148 ] الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها
حولا) وقال تعالى (جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها
وذلك جزاء من تزكى) وقال تعالى (وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون)
وقال تعالى (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وقال تعالى
(أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) وقال تعالى (خالدين
فيها حسنت مستقرا ومقاما) وقال تعالى (لنبوئنهم من الجنة غرفا
تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) وقال تعالى (ان الذين آمنوا
________________________________________
وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا)
وقال تعالى (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) وقال تعالى (ان
الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) وقال تعالى
(وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وأنتم فيها خالدون) وقال
تعالى (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) إلى قوله (خالدين
فيها جزاء بما كانوا يعلمون) وقال تعالى (ليدخل المؤمنين والمؤمنات
جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) وقال تعالى (ويطوف
عليهم ولدان مخلدون) وقال تعالى (بشراكم اليوم جنات تجري
من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) وقال تعالى
(ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا رضي الله
عنهم ورضوا عنه) وقال تعالى (ذلك يوم الخلود) وقال تعالى (ومن
يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من
تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم) وقال تعالى
(ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها ابدا قد أحسن الله له رزقا) وقال تعالى (الا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) وقال تعالى (أولئك
هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها ابدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ” فهذه الآيات التي
استحضرناها في بقاء الجنة والنار وبدأنا بالنار لانا وقفنا على
تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها وقد ذكرنا نحو مائة آية منها
نحو من ستين في النار ونحو من أربعين في الجنة وقد ذكر [ 149
] الخلد أو ما اشتق منه في اربع وثلاثين في النار وثمان وثلاتين
في الجنة وذكر التأبيد في أربع في النار مع الخلود وفي ثمان
في الجنة منها سبع مع الخلود وذكر التصريح بعدم الخروج أو معناه
في أكثر من ثلاثين ، وتضافر هذه الايات ونظائرها يفيد القطع
بإرادة حقيقتها ومعناها وأن ذلك ليس مما استعمل فيه الظاهر في
________________________________________
غير المراد به ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفا
عن سلف عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو مركوز في فطرة المسلمين
معلوم من الدين بالضرورة بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون
ذلك ومن رد ذلك فهو كافر ومن تأوله فهو كمن تأول الايات الواردة
في البعث الجسماني وهو كافر أيضا بمقتضى العلم . وقد وقفت
على التصنيف المذكور وذكر فيه ثلاثة أقوال في فناء الجنة والنار
: أحدها أنهما تفنيان وقال انه لم يقل به أحد من السلف والثاني
أنهما لا تفنيان والثالث أن الجنة تبقى والنار تفنى ومال إلى
هذا واختاره وقال انه قول السلف ومعاذ الله وأنا أبرئ السلف
عن ذلك ولا أعتقد أن أحدا منهم قاله وإنما روي عن بعضهم كلمات
تتأول كما تتأول المشكلات التي ترد وتحمل على غير ظاهرها فكما
أن الايات والاحاديث يقع فيها ما يجب تأويله كذلك كلام العلماء
يقع فيه ما يجب تأويله ومن جاء إلى كلمات ترد عن السلف في ترغيب
أو ترهيب أو غير ذلك فأخذ بظاهرها وأثبتها أقوالا ضل وأضل
وليس ذلك من دأب العلماء ودأب العلماء التنقير عن معنى الكلام
والمراد به وما انتهى الينا عن قائله فإذا تحققنا ان ذلك مذهبه
واعتقاده نسبناه إليه وأما بدون ذلك فلا ولا سيما في مثل هذه
العقائد التي المسلمون مطبقون فيها على شئ كيف يعمد إلى خلاف ما
هم عليه ينسبه إلى جلة المسلمين وقدوة المؤمنين ويجعلها مسألة
خلاف كمسألة في باب الوضؤ ما أبعد من صنع هذا عن العلم والهدى
وهذه بدعة من أنحس البدع وأقبحها أضل الله من قالها على علم
فان قلت قد قال الله تعالى (لابثين فيها أحقابا) قلت : هو جمع
منكر [ 150 ] يصدق على القليل والكثير وعلى ما لا نهاية له فان
قلت هو جمع قلة لان أفعالا من جموع القلة قلت قد تجمع القلة بجمع
الكثرة وأيضا فالحقب الزمان والزمان يصدق على القليل والكثير
فإذا كان المفرد كذلك فما ظنك بالجمع فان قلت : قد قيل ان الحقب
________________________________________
ثمانون سنة السنة ثلثمائة وستون يوما اليوم كألف سنة مما
تعدون اليوم منها كالدنيا كلها . قلت : إذا صح ذلك فغايته الاخبار
بأنهم لابثون فيها ذلك ولا يدل على نفي الزيادة إلا بالمفهوم
والمنطوق يدل على التأبيد والمنطوق مقدم على المفهوم ، هذا
ان جعلنا أحقابا آخر الكلام وقد جعله الزجاج وغيره موصوفا بقوله
(لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا) وعلى هذا لا يبقى فيه متعلق
البتة فان قلت : قد روي عن الحسن الاحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن
الحقب سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون . قلت
: ان ثبت ذلك عنه يرجع الجواب إلى بعض ما تقدم من الصفة أو الغاء
المفهوم أو ان الذي لا يتناهى يقال انه لا يدري أحد ما هو وان
كان يدري انه لا يتناهى فان دراية عدم العدد يلزم منها عدم
دراية العدد فان قلت : قد قال هذا المصنف ان قول الحسن لا يدري
ماهي يقتضي ان لها عددا والله أعلم به ولو كانت لا عدد لها لعلم
كل أحد انه لا عدد لها قلت ان قوله لا يدري ما هي يقتضي ان
لها عددا ليس بصحيح لانه لم يقل لا يدرى عددها بل قال لا يدري
ما هي وما هي أعم المطالب فيدخل فيه المتناهي وغير المتناهي وقوله
ولو كانت لا عدد لها لعلم كل أحد انه لا عدد لها عجب لانه
كيف يلزم من انها لا عدد لها علم كل أحد بذلك فقد يعلمه بعض الناس
دون بعض ، والحاصل أن الاحقاب قيل محدودة وهو قول الزجاج القائل
بان ” لا يذوقون صفة ” وقيل غير محدودة وقيل الآية منسوخة
بقوله تعالى (فلن نزيدكم الا عذابا) ولا يستبعد النسخ في الاخبار
ولا سيما مثل هذا فان هذا مما يقبل التغيير وهو أمر مستقبل
والاكثرون على انها غير محدودة وان المراد كلما مضى حقب جاء
حقب فان قلت : فما تقول فيما روي عن الحسن البصري انه سئل عن هذه
[ 151 ] الاية فقال الله اعلم بالاحقاب فليس فيها عدد الا الخلود
؟ قلت : قول صحيح لا يخالف لما تقدم وتصريحه بالخلود بين
________________________________________
مراده فان قلت : فقد قال هذا المصنف أن قول الحسن حق فانهم خالدون
فيها لا يخرجون منها ما دامت باقية . قلت : قوله أن الحسن
حق صحيح وأما فهمه اياه وتفسيره الخلود بعدم الخروج منها ما دامت
باقيه فليس بصحيح وليس ذلك بخلود فانك إذا قلت فلان خالد في
هذه الدار الفانية لا يصح وحقيقة الخلود التأبيد وقد يستعمل
في المكث الطويل مجازا وأما استعماله في الخلود في مكان إلى حين
فنائه فهذا معنى ثالث لم يسمع من العرب فان قلت : ما تقول في
قول من قال ان الاية في عصاة المؤمنين قلت : ضعيف لقولة (انهم
كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا) اللهم الا أن نجعلها
عامة ويكون التعليل ليس للجميع بل لبعضهم وقد يجئ في الكلام
الفصيح مثل ذلك أو يراد بالطاغي الكفار فانها مرصاد لهم والعصاة
فيها تبع لهم فجاء قوله (لابثين فيها أحقابا) للتابعين والمتبوعين
جميعا ثم جاء التعليل للمتبوعين لانهم الاصل فان قلت :
قوله تعالى في سورة الانعام (يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس)
إلى قوله (مثواكم النار خالدين فيها الا ما شاء الله) وأولياؤهم
هم الكفار لقوله (وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) وقوله
في سورة هود في أهل الجنة وأهل النار (إلا ما شاء ربك) على
ماذا يحمل إذا كانتا باقيتين ؟ قلت : قد تكلم الناس في ذلك واكثروا
وذكر أبو عمرو الداني في تصنيف له في ذلك سبعة وعشرين قولا
ليس فيها ان الكفار يخرجون من النار وإنما أقوال أخر منها أنه
استثناء المدة التي قبل دخولهم أو الازمنة التي يكون أهل النار
فيها في الزمهرير ونحوه وأهل الجنة فيما هو أعلى منها من رضوان
الله وما لا يعلمه الا هو أو أنه استثناء معلق بالمشيئة وهو
لا يشاء خروجهم فهو أبلغ في التأبيد أو أن الا بمعنى الواو كقوله
الا الفرقدان أو انها بمعنى سوى حكاه الكوفيون كقوله (إلا
ما قد سلف) وقوله (لو كان فيهما آلهة إلا الله) أو ان الاستثناء
________________________________________
لما بعد السموات [ 152 ] والارض كقوله لا تكسل حولا الا ما
شئت معناه الزيادة على الحول أو انه لعصاة المؤمنين والذي يدل
على التأبيد قوله في الجنة (عطاء غير مجذوذ) فلو لم يكن مؤبدا
لكان مقطوعا فيتعين الجمع بين أول الاية وآخرها فبقي يقينا الاستثناء
على ظاهر هذا المجاز في قوله (عطاء غير مجذوذ) وليس التجوز
فيه بأولى من التجوز في الاستثناء ويرجح التجوز في الاستثناء
الادلة الدالة على التخليد وقوله في النار (ان ربك فعال لما
يريد) يناسب الوعيد والزيادة في العذاب ولا يناسب الانقطاع ،
واعلم ان (ما شاء ربك) ظاهره استثناء مدة زمانية من قوله (ما دامت
السموات والارض) ويحتمل أن يراد بها ظرف مكان ويكون الاستثناء
من الضمير في فيها ويراد به الطبقة العليا التي هي لعصاة المؤمنين
فكأنه قال الا ما شاء ربك من امكنة جهنم فان قلت قد قال
أبو نضرة : القرآن كله ينتهي إلى هذه الاية (ان ربك فعال لما
يريد) قلت : هذا كلام صحيح والله يفعل ما يريد وليس في ذلك انه
يخرج الكفار من النار فان قلت : قد قال أبو سعيد الخدري رضي
الله عنه وقتادة الله اعلم بتثنيته على ما وقعت . قلت صحيح لان
تعيين كل واحد من الاقوال التي حكيناها ضعيف والله أعلم به وبغيره
وليس في كلام أبي سعيد وقتادة ما يحتمل خروج الكفار من النار
فان قلت : قد روى الطبراني عن يونس عن ابن ابي ذئب عن ابن
زيد في قوله (عطاء غير مجذوذ) قال أخبرنا الذي شاء لاهل الجنة
فقال (عطاء غير مجذوذ) ولم يخبربا بالذي شاء لاهل النار . قلت
: هذا الذي يقتضي ان ابن زيد يقول بعدم الانقطاع لانه جعل (عطاء
غير مجذوذ) هو الذي شاءه وهو الذي بعد الاستثناء فكذا يكون في
أهل النار ان الاستثناء لا يدل على الانقطاع ولكنه لم يبين ما
بعده بل قال ثعالى (ان ربك فعال لما يريد) فان قلت : فقد قال
السدي انها يوم نزلت كانوا يطمعون في الخروج . قلت : ان صح هذا
________________________________________
عن السدي انها يوم نزلت كانوا يطمعون في الخروج فهو محمول على
أنه حملها على العصاة لان الطعامعين هم المسلمون فان قلت : قد
روى عبد بن حميد في تفسيره عن سليمان بن حرب نا حماد [ 153 ]
ابن سلمة عن ثابت عن الحسن قال عمر رضي الله عنه لو لبث أهل النار
في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون . قلت
: الحسن لم يسمع من عمر وقد رأيت هذا الاثر في تفسير عبد في
موضعين في أحدهما يخرجون وفي الاخر يرجون لا تصريح فيه فقد يحصل
لهم رجاء ثم يبأسون ويخرجون يحتمل أن يكون من النار إلى الزمهرير
ويحتمل أن يكون ذلك في عصاة المؤمنين فلم يجئ في شئ من الاثار
انه في الكفار فان قلت : قد قال : هذا المصنف انه يحتج على
فناء النار بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة وان القائلين ببقائها
ليس معهم كتاب ولا سنة ولا أقوال الصحابة رضي الله عنهم .
قلت . : هذا الكتاب والسنة بين أظهرنا بحمد الله وهما دالان على
بقائهما . فان قلت : قد ليس في ” مسند أحمد ” حديث ذكر فيه انه
ينبت فيها الجرجير . قلت ليس في ” مسند أحمد ” ولكنه في غيره
وهو ضعيف ولو صح حمل على طبقة العصاة . فان قلت : قال حرب الكرماني
: سألت اسحق عن قول الله تعالى (الا ما شاء ربك) فقال أتت
هذه الاية على كل وعيد في القرآن وعن أبي نضرة عن بعض اصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذه الاية تأتي على القران كله
حيث كان في القرآن (خالدين فيها) تأتي عليه . قلت : ان صحت هذه
الاثار حملت على العصاة لان القرآن لم يرد فيه خروج العصاة
من النار صريحا انما ورد في السنة بالشفاعة فالمراد بهذه الاثار
موافقة القرآن للسنة في ذلك فان السلف كانوا شديدي الخوف ولم
يجدوا في القرآن خروج الموحدين من النار وكانوا يخافون الخلود
كما تقوله المعتزلة فان قلت : قال ابن مسعود رضي الله عنه ليأتين
على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون
________________________________________
فيها أحقابا . قلت ان صح هذا عن ابن مسعود حمل على طبقة العصاة
وقوله أحقابا يحمل على أحقاب غير الاحقاب المذكورة في القرآن
حتى يصح الحمل على العصاة . فان قلت : قال الشعبي جهنم أسرع
الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا . قلت أنا أعيذ الشعبي من ذلك فانه
يقتضي خراب الجنة . فان [ 154 ] قلت : قد اعترض هذا المصنف
على الاجماع لانه غير معلوم فان هذه المسائل لا يقطع فيها باجماغ
نعم قد يظن فيها الاجماع وذلك قبل أن يعرف النزاع وقد عرف
النزاع قديما وحديثا بل إلى الساعة . قلت : الاجماع لا يعترض عليه
بأنه غير معلوم بل يعترض بنقل خلاف صريح ولم ينقله وانما هو
من تصرفه وفهمه وقوله ان هذه المسائل لا يقطع فيها باجماع دعوى
مجردة . فان قلت قد قال لم أعلم أحدا من الصحابة رضي الله عنهم
قال لا تفنى إنما المنقول عنهم ضد ذلك لكن التابعون نقل عنهم
هذا وهذا . قلت : هو مطالب بالنقل عن الصحابة رضي الله عنهم
والتابعين ولن يجده وغايته كما قلت لك أن يأخذه من كلمات وردت
فهم منها ذلك ، ويجب تأويلها تحسينا للظن بهم . فان قلت : قد
قال انه ليس في القرآن ما يدل على انها لا تفنى بل الذي يدل عليه
ظاهر القرآن انهم خالدون فيها ابدا وأنه يقتضي خلودهم فيها
ما دامت باقية لا يخرجون منها مع بقائها وبقاء عذابها كما يخرج
أهل التوحيد . قلت : قد قلت لك ان حقيقة الخلود في مكان يقتضي
بقاء ذلك المكان وقد تأملت كلام المصنف فلم أر فيه زيادة على
ذلك بل اندفع في ذكر الايات وأحاديث الشفاعة ولم يبين ما يؤول
إليه أمر الكفار بعد فناء النار . فان قلت : قد فرق بين بقاء الجنة
والنار شرعا وعقلا أما شرعا فمن وجوه : أحدهما ان الله تعالى
أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامها وانه لا نفاد له ولا انقطاع
في غير موضع من كتابه كما أخبر ان أهل الجنة لا يخرجون منها
، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك بل اخبر أن أهلها
________________________________________
لا يخرجون منها . قلت : قد أخبر في النار وأهلها انهم في عذاب
مقيم وانهم لا يفتر عنهم ولا يخفف عنهم فلو فنيت لكان اما أن يموتا
فيها أو يخرجوا وكل منهما أخبر في القرآن بنفيه . فان قلت
: قد ذكره من الوجوه الشرعية أن الجنة من مقتضى رحمته والنار
من عذابه فالنعيم من موجب اسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب دوامه
بدوام معاني اسمائه وصفاته والعذاب من مخلوقاته والمخلوق
قد يكون له انتهاء لا سيما مخلوق خلق لحكمة تتعلق بغيره . [ 155
] قلت : ومن اسمائه تعالى شديد العقاب والجبار والقهار والمذل
والمنتقم فيجب دوامه بدوام ذاته وأسمائه ايضا فنقول لهذا الرجل
ان كانت هذه الاسماء والصفات تقتضي دوام ما يقتضيه من الافعال
فيلزم قدم العالم وان كانت لا تقتضي فلا يلزم دوام الجنة فأحد
الامرين لازم لكلام هذا الرجل وكل من الامرين باطل فكلام هذا
الرجل باطل فان قلت : قد قال انه خبر أن رحمته وسعت كل شئ وسبقت
رحمتي غضبي فإذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة
. قلت : الاخرة داران دار رحمة لا يشوبها شئ وهي الجنة ودار
عذاب لا يشوبه شئ وهي النار وذلك دليل على القدرة والدنيا مختلطة
بهذا وبهذا فقوله إذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة
البتة ان اراد نفي الرحمة مطلقا فليس بصحيح لان هناك كمال الرحمة
في الجنة وان اراد لم يكن في النار قلنا مه وان قال انها شئ
والعقاب شئ وقد قال تعالى (فسأكتبها للذين يتقون) فان قلت قد
ثبت أنه حكيم رحيم والنفوس الشريرة التي لو ردت إلى الدنيا لعادت
لا تصلح ان تسكن دار السلام فإذا عذبوا عذابا تخلص نفوسهم من
ذلك الشر كان هذا معقولا في الحكمة أما خلق نفوس تعمل الشر في
الدنيا وفي الاخرة لا تكون إلا في العذاب فهذا تناقض يظهر فيه
من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر في غيره ، ولهذا كان جهم
ينكر أن يكون الله تعالى أرحم الراحمين بل يفعل ما يشاء والذين
________________________________________
سلكوا طريقته كالاشعري وغيره ليس عندهم في الحقيقة له حكمة
ولا رحمة وإذا ثبت انه حكيم رحيم وعلم بطلان قول جهم تعين اثبات
ما تقتضيه الحكمة والرحمة وما قاله المعتزلة أيضا باطل فقول
القدرية والمجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل ومن أعظم غلطهم
اعتقادهم تأبيد جهنم فان ذلك مستلزم ما قالوه وقد أخبر تعالى
أن أهل الجنة والنار لا موتون فلا بد لهم من دار ومحال أن يعذبوا
بعد دخول الجنة فلم يبق الا دار النعيم والحي لا يخلو من لذة
أو ألم فإذا انتفى الالم تعينت اللذة الدائمة قلت : قد صرح بما
صرح به في آخر كلامه فيقتضي ان ابليس وفرعون وهامان وسائر الكفار
يصيرون إلى النعيم [ 156 ] المقيم واللذة الدائمة وهذا ما
قال به مسلم ولا نصراني ولا يهودي ولا مشرك ولا فيلسوف اما المسلمون
فيعتقدون دوام الجنة والنار وأما المشرك فيعتقد عدم البعث
وأما الفيلسوف فيعتقد أن النفوس الشريرة في ألم فهذا القول
الذي قاله هذا الرجل ما نعرف أحدا قاله وهو خروج عن الاسلام بمقتضى
العلم إجمالا وسبحان الله إذا كان الله تعالى يقول (اولئك
الذين يئسوا من رحمتي) وكذلك قوله تعالى (كلما خبت زدناها سعيرا)
ونبيه صلى الله عليه وسلم يخبر بذبح الموت بين الجنة والنار
ولا شك أن ذلك انما يفعل اشارة إلى اياسهم وتحققهم البقاء الدائم
في العذاب فلو كانوا ينتقلون إلى اللذة والنعيم لكان ذلك
رجاء عظيما لهم وخيرا من الموت ولم يحصل لهم اياس فمن يصدق بهذه
الايات والاحاديث كيف يقول هذا الكلام وما قاله من مخالفة الحكمة
جهل وما ينسبه إلى الاشعري رضي الله عنه افتراء عليه نعوذ
بالله تعالى منه . فان قلت : قد يقول انه تخلص نفوسهم من الشر
بذلك العذاب فيسلمون . قالت : معاذ الله أما اسلامهم في الاخرة
فلا ينفعهم باجماع المسلمين وبقوله تعالى (لا ينفع نفسا ايمانها
لم تكن آمنت من قبل) وأما خلوصهم من الشرط فباطل لقوله تعالى
________________________________________
(ختم الله على قلوبهم) و (طبع على قلوبهم) فهذا يستحيل ان
يخرج الشر من قلوبهم أو يدخل فيها خير . فان قلت : ما في خلق هؤلاء
من الحكمة قلت اظهار القدرة واعتبار المؤمنين وفكرتهم في
عظمة الله تعالى القادر على أن يخلق الملائكة والبشر الصالحين
والانبياء ومحمدا صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وعلى أن يخلق من
الطرف الآخر فرعون وهامان وأبا جهل وشياطين الجن والانس وابليس
رأس الضلال والقادر على خلق دارين متمحضة كل واحدة منهما هذه
للنعيم المقيم وهذه للعذاب الاليم ودار ثالثة وهي الدنيا ممتزجة
من النوعين فسبحان من هذه قدرته وجلت عظمته وكان الله سبحانه
قادرا أن يخلق الناس كلهم مؤمنين طائعين ولكن اراد سبحانه أن
يبين الشئ وضده علمه من علمه وجهله من جهله ، والعلم منشأ السعادة
كلها نشأ عنه الايمان والطاعة ، والجهل منشأ الشقاوة [ 157
] كلها نشأ عنه الكفر والمعصية وما رأيت مفسدة من أمور الدنيا
والاخرة تنشأ إلا عن الجهل فهو أضر الاشياء . فان قلت : قد
نقل عن جهم وأصحابه انهم قالوا بفناء الجنة والنار وان أئمة الاسلام
كفروهم بذلك لاربع آيات من القرآن قوله تعالى (أكلها دائم)
و (ماله نفاد) (لا مقطوعة ولا ممنوعة) (عطاء غير مجذوذ) ولما
رواه الطبراني وابن ماجة في التفسير . قلت : من قال بفناء الجنة
والنار أو أحدهما فهو كافر . فان قلت : قد قال هذا المصنف
ان هذا قاله جهم لاصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى
من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام استدلوا به على حدوث الاجسام
وحدوث ما لا يخلو من الحوادث قلت : في هذا دسيسة يشبه أن يكون
هذا المصنف قصد به التطرق إلى حلول الحوادث بذات الباري تعالى
وتنزه وقد أطال الكلام في ذلك وقال بعده أنه اشتبه هذا على كثير
من أهل الكلام هذا ما اعتقدوه حقا حتى بنوا عليه حدوث ما لم
يخل عن الحوادث ثم قال وعليه أيضا نفي الصفات لانها اعراض لا
________________________________________
تقوم الا بجسم هذا كلامه ويشبه أن يكون عمل هذا التصنيف وسيلة
إلى تقرير ذلك نسأل الله تعالى العافية والسلامة والحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه وذريته والتابعين
لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا . . قال مصنفها التقي السبكي
صنفتها في ذي الحجة سنة ثمان واربعين وسبعمائة والحمد لله رب
العالمين [ 159 ] الرسالة الخامسة رسالة في نفي الجهة تأليف شهاب
الدين أحمد بن يحيى بن جبريل الكلابي المتوفى سنة 733 ه‍ [
161 ] بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله العظيم شأنه القوي
سلطانه القاهر ملكوته الباهر جبروته الغني عن كل شئ وكل شئ مفتقر
إليه فلا معول لشئ من الكائنات الا عليه أرسل محمدا صلى الله
عليه وسلم بالمحجة البيضاء والملة الزهراء ، فأتى بأوضح البراهين
ونور محجة السالكين ووصف ربه تعالى بصفات الجلال ونفى عنه
ما لا يليق بالكبرياء والكمال فتعالى الله الكبير المتعال عما
يقوله أهل الغي والضلال ، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون
بلطيف قدرته مقهورون في قبضته أحاط بكل شئ علما وأحصى كل
شئ عددا ، مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر ، فسبحانه
ما أعظم شأنه وأعز سلطانه يسأله من في السموات والارض لافتقارهم
إليه كل يوم هو في شأن لاقتداره عليه والصلاة والسلام على سيدنا
محمد خاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعلى آله وصحبه وسلم . أما
بعد فالذي دعا إلى تسطير هذه النبذة ما وقع في هذه المدة مما
علقه بعضهم في اثبات الجهة واغتر بها من لم يرسخ في التعليم قدمه
، ولم يتعلق بأذيال المعرفة ولا كبحه لجام الفهم ولا استبصر
بنور الحكمة ، فأحببت أن أذكر عقيدة أهل السنة والجماعة ثم أبين
فساد ما ذكره مع أنه لم يدع دعوى الا نقضها ولا اطرد قاعدة
الا هدمها ، ثم (1) راجع طبقات الشافعية 6 / 181 ترجمة أحمد بن
يحيى بن إسماعيل الكلابي . (*) [ 162 ] استدل على عقيدة أهل السنة
________________________________________
وما يتعلق بذلك وها أنا أذكر قبل ذلك مقدمة يستضاء بها في
هذا المكان . فأقول وبالله المستعان : مذهب الحشوية في اثبات
الجهة مذهب واه ساقط يظهر فساده من مجرد تصوره ، حتى قالت الائمة
لولا اغترار العامة بهم لما صرف إليهم عنان الفكر ولا خط القلم
في الرد عليهم وهم فريقان فريق لا يتحاشي في اظهار الحشو ويحسبون
أنهم على شئ ألا انهم هم الكاذبون ، وفريق يتستر بمذهب
السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه أو هوى يجمع عليه الطغام الجهلة
والرعاع السفلة لعلمه أن ابليس ليس له دأب الا خذلان أمة محمد
صلى الله عليه وسلم ولذلك لا يجمع قلوب العامة إلا على بدعة
وضلالة يهدم بها الدين ويفسد بها اليقين فلم يسمع في التواريخ
أنه خزاه الله جمع غير خوارج أو رافضة أو ملاحدة أو قرامطة وأما
السنة والجماعة فلا تجتمع إلا على كتاب الله المبين وحبله المتين
* وفي هذا الفريق من يكذب على السابقين الاولين من المهاجرين
والانصار ويزعم أنهم يقولون بمقالته ولو أنفق ملء الارض ذهبا
ما استطاع أن يروج عليهم كلمة تصدق دعواه ، وتستر هذا الفريق
بالسلف حفظا لرياسته والحطام الذي يجتلبه يريدون أن يأمنوكم
ويأمنوا قومهم وهؤلاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الروث مفضضا
والكنيف مبيضا ويزهدون في الذرة ليحصلوا الدرة أظهروا للناس
نسكا وعلى المنقوش داروا ومذهب السلف انما هو التوحيد والتنزيه
دون التجسيم والتشبيه والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف .
وكل يدعون وصال ليلى * وليلى لا تقر لهم بذاكا وكيف يعتقد في
السلف أنهم يعتقدون التشبيه أو يسكتون عند ظهور أهل البدع وقد
قال الله (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)
وقال الله تعالى (واذ أخذنا ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه
للناس ولا تكتمونه) وقال الله تعالى (لتبين للناس ما نزل [ 163
] إليهم ” ولقد كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يخوضون في شئ
________________________________________
من هذه الاشياء لعلمهم ان حفظ الدهماء أهم الامور مع أن سيوف حججهم
مرهفة ورماحهم مشحونة ولذلك لما نبغت الخوارج راجعهم حبر
الامة وعالمها وابنا عم رسولها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
وعبد الله بن عباس فاهتدى البعض بالمناظرة وأصر الباقون عنادا
فتسلط عليهم السيف . ولكن حكم السيف فيكم مسلط * فترضى إذا ما
أصبح السيف راضيا وكذلك لما نبع القدر ونجم به معبد الجهمي قيض
الله تعالى له زاهد الامة وابن فاروقها عبد الله بن عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما ولو لم تنبع هذان البدعتان لما تكلمت الصحابة
رضي الله عنهم في رد هذا ولا ابطال هذا ولم يكن دأبهم الا
الحث على التقوى والغزو وأفعال الخير ، ولذلك لم ينقل عن سيد البشر
صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم أنه
جمع الناس في مجمع عام ثم أمرهم أن يعتقدوا في الله تعالى كذا
وكذا ، وقد صدر ذلك في أحكام شتى وانما نتكلم فيها بما يفهمه
الخاص ولا ينكره العام وبالله أقسم يمينا برة ما هي مرة بل ألف
ألف مرة أن سيد الرسل صلى الله عليه وسلم لم يقل أيها الناس
اعتقدوا ان الله تعالى في جهة العلو ولا قال ذلك الخلفاء الراشدون
ولا أحد من الصحابة بل تركوا الناس وأمر التعبدات والاحكام
ولكن لما ظهرت البدع قمعها السلف أما التحريك للعقائد والتشمير
لاظهارها واقامة ثائرها فما فعلوا ذلك بل حسموا البدع عند ظهورها
. ثم الحشوية إذا بحثوا في مسائل أصول الدين مع المخالفين
تكلموا بالعقول وتصرفوا في المنقول فإذا وصلوا إلى الحشو تبلدوا
وتأسوا فتراهم لا يفهمون بالعربية ولا بالعجمية كلا والله
والله لو فهموا لهاموا ولكن اعترضوا بحر الهوى فشقوه وعاموا وأسمعوا
كل ذي عقل ضعيف وذهن سخيف ، وخالفوا السلف في الكف عن ذلك
مع العوام ولقد كان الحسن [ 164 ] البصري رضي الله عنه إذا تكلم
في علم التوحيد أخرج غير أهله وكانوا رحمهم الله تعالى لا
________________________________________
يتكلمون فيه إلا مع أهل السنة منهم إذ هي قاعدة أهل التحقيق وكانوا
يضنون به على الاحداث ، وقالوا : الاحداث هم المستقلون الامور
المبتدؤون في الطريق فلم يجربوا الامور ولم يرسخ لهم فيها
قدم وان كانوا أبناء سبعين سنة ، وقال سهل رضي الله عنه : لا
تطلعوا الاحداث على الاسرار قبل تمكنهم من اعتقاد ان الاله واحد
وأن الموجد فرد صمد منزه عن الكيفية والاينية لا تحيط به الافكار
ولا تكيفه الالباب . وهذا الفريق لا يكتفي من ايمان الناس
إلا باعتقاد الجهة وكأنه لم يسمع الحديث الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
الحديث أفلا يكتفي بما اكتفى به نبيهم صلى الله عليه وسلم
حتى أنه يأمر بالخوض في بحر لا ساحل له ويأمرهم بالتفتيش عما لم
يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتفتيش عنه ولا أحد من
أصحابه رضي الله عنهم ولا تنازل واكتفى بما نقل عن إمامه الامام
أحمد بن حنبل رضي الله عنه حيث قال : لا يوصف الله تعالى الا
بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا
نتجاوز القرآن والحديث ، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو
حق ليس فيه لغز ولا أحاج ، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم
بكلامه وهو مع ذلك ليس كمثله شئ في نفسه المقدسة المذكورة
بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله فكان ينبغي أن الله سبحانه له
ذات حقيقية وأفعال حقيقية وكذلك له صفات حقيقية وهو ليس كمثله
شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وكل ما أوجب نقصا أو
حدوثا فإن الله عزوجل منزه عنه حقيقة فانه سبحانه مستحق للكمال
الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام
الحدوث سابقا لعدم وافتقار الحدث إلى المحدث وجوب وجوده
بنفسه سبحانه وتعالى هذا نص إمامه فهلا اكتفى به ولقد أتى إمامه
في هذا الكلام بجوامع الكلم وساق أدلة المتكلمين على ما يدعيه
________________________________________
[ 165 ] هذا المارق بأحسن رد وأوضح معان مع أنه لم يأمر بما
أمر به هذا الفريق ، وقد قال الشافعي رضي الله عنه . : سألت
مالكا عن التوحيد فقال : محال ان نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم
أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد وقد قال صلى الله
عليه وسلم أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث
فبين مالك رضي الله عنه ان المطلوب من الناس في التوحيد هو
ما اشتمل عليه هذا الحديث ولم يقل من التوحيد اعتقاد أن الله
تعالى في جهة العلو . وسئل الشافعي رضي الله تعالى عنه عن صفات
الله فقال حرام على العقول ان تمثل الله تعالى وعلى الاوهام
ان تحدوا على الظنون ان تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر
ان تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه
صلى الله عليه وسلم ، ومن تقصى وفتش وبحث وجد ان الصحابة رضي
الله عنهم والتابعين والصدر الاول لم يكن دأبهم غير الامساك
عن الخوض في هذه الامور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها
إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب
الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم
وعلى ذلك بنينا عقيدتنا وأثبتنا نحلتنا وسيظهر لك ان شاء الله
تعالى موافقتنا للسلف ومخالفة المخالف طريقتهم وان ادعى الاتباع
فما سالك غير الابتداع . وقول المدعي انهم أظهروا هذا ويقول
علم النبي كل شئ حتى الخرأة وما علم هذا المهم هذا التبهرج
لا يمشي على الصيرفي النقاد أو ما علم أن الخرأة يحتاج إليها كل
واحد وربما تكررت الحاجة إليها في اليوم مرات وأي حاجة بالعوام
إلى الخوض في الصفات نعم الذي يحتاجون إليه من التوحيد قد تبين
في حديث أمرت ان أقاتل الناس ثم هذا الكلام من المدعي يهدم
بنيانه ويهد أركانه فان النبي صلى الله عليه وسلم علم الخرأة
تصريحا وما علم الناس ان الله في جهة العلو وما ورد من العرش والسماء
________________________________________
في الاستواء قد بني المدعي مبناه وأوثق عرى دعواه على أن
المراد بهما شئ واحد وهو جهة العلو ، فما قاله هذا المدعي [
166 ] لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته وعلمهم الخرأة فعند
المدعي يجب تعليم العوام حديث الجهة وما علمها رسول الله صلى
الله عليه وسلم . وأما نحن فالذي نفوله انه لا يخاض في مثل
هذا ولنسكت عنه كما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
ويسعنا ما وسعهم ولذلك لم يوجد منا أحد يأمر العوام بشئ من الخوض
في الصفات والقوم قد جعلوا دأبهم الدخول فيها والامر بها فليت
شعري من الاشبه بالسلف * وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة (فنقول)
: عقيدتنا أن الله قديم أزلي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ ليس
له جهة ولا مكان ولا يحتوي عليه وقت ولا زمان ولا يقال له أين
ولا حيث يرى لا عن مقابلة ولا على مقابلة كان ولا مكان كون المكان
ودبر الزمان وهو الآن على ما عليه كان . هذا مذهب أهل السنة
وعقيدة مثايخ الطريق رضي الله عنهم قال الجنيد رضي الله عنه
: متى يتصل من لا شبيه ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ، وكما
قيل ليحيى بن معاذ الرازي أخبرنا عن الله عزوجل فقال : إله واحد
، فقيل له : كيف هو ؟ فقال : ملك قادر فقيل له أين هو فقال
: بالمرصاد فقال السائل لم أسألك عن هذا فقال : ما كان غير هذا
كان صفة المخلوق فاما صفته فما أخبرت عنه ، وكما سأل ابن شاهين
الجنيد رضي الله عنهما عن معنى مع فقال مع على معنيين مع الانبياء
بالنصرة والكلاءة قال الله تعالى (إنني معكما أسمع وأرى)
ومع العالم بالعلم والاحاطة قال الله تعالى (ما يكون من نجوى
ثلاثة إلا هو رابعهم) فقال ابن شاهين مثلك يصلح دالا للامة على
الله ، وسئل ذو النون المصري رضي الله عنه عن قوله (الرحمن على
العرش استوى) فقال أثبت ذاته ونفى مكانه فهو موجود بذاته والاشياء
بحكمته كما شاء ، وسئل عنه الشبلي رضي الله عنه فقال : الرحمن
________________________________________
لم يزل والعرش محدث والعرش بالرحمن استوى ، وسئل عنها جعفر
بن نصير فقال استوى علمه بكل شئ وليس شئ أقرب إليه من شئ ،
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : من زعم أن الله في شئ أو من شئ
أو على شئ فقد أشرك إذ لو كان في شئ لكان [ 167 ] محصورا ولو
كان على شئ لكان محمولا ولو كان من شئ لكان محدثا ، وقال محمد
بن محبوب خادم أبي عثمان المغربي قال لي أبو عثمان المغربي يوما
يا محمد لو قال لك قائل أين معبودك أيش تقول ؟ قلت : أقول حيث
لم يزل . قال فان قال فأين كان في الازل ايش تقول ؟ قلت : حيث
هو الان يعني أنه كان ولا مكان فهو الان كما كان قال فارتضي
ذلك مني ونزع قميصه وأعطانيه . وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد
شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت
إلى أصحابي بمكة اني أسلمت جديدا قال فرجع كل من كان تابعه على
ذلك فهذه كلمات أعلام أهل التوحيد وأئمة جمهور الامة سوى هذه
الشرذمة الزائفة وكتبهم طافحة بذلك وردهم على هذه المنازعة لا
يكاد يحصر وليس غرضنا من ذلك تقليدهم لمنع ذلك في أصول الديانات
بل انما ذكرت ذلك ليعلم أن مذهب أهل السنة ما قدمناه . ثم ان
في قولنا ان آيات الصفات وأخبارها على من يسمعها وظائف التقديس
والايمان بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم
على مراد الله تعالى ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق
والاعتراف بالعجز والسكوت والامساك عن التصرف في الالفاظ
الواردة وكف الباطن عن التفكر في ذلك واعتقاد أن ما خفي عليه
منها لم يخف عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم وسيأتي
شرح هذه الوظائف ان شاء الله تعالى فليت شعري في أي شئ نخالف السلف
هل هو في قولنا كان ولا مكان أو في قولنا انه تعالى كون المكان
أو في قولنا وهو الان على ما عليه كان أو في قولنا تقدس
الحق عن الجسمية ومشابهتها أو في قولنا يجب تصديق ما قاله الله
________________________________________
ورسوله بالمعنى الذي أراد أو في قولنا يجب الاعتراف بالعجز أو
في قولنا نسكت عن السؤال والخوض فيما لا طاقة لنا به أو في قولنا
يجب امساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان ، وليت
شعري فيما ذا وافقوا هم السلف هل في دعائهم إلى الخوض في هذا
والحث على البحث مع الاحداث المغترين والعوام الطغام الذين يعجزون
عن غسل [ 168 ] محل النجو وإقامة دعائم الصلاة أو وافقوا
السلف في تنزيه الباري سبحانه وتعالى عن الجهة وهل سمعوا في كتاب
الله أو أثارة من علم عن السلف أنهم وصفوا الله تعالى بجهة
العلو وان كل ما لا يصفه به فهو ضال مضل من فراخ الفلاسفة واليهود
واليونان انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا
ونحن الان نبتدئ بافساد ما ذكره ثم بعد ذلك نقيم الحجة على
نفي الجهة والتشبيه وعلى جميع ما يدعيه وبالله المستعان . (فأقول)
: ادعى أولا أنه يقول بما قاله الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم
ثم انه قال ما لم يقله الله ولا رسوله ولا السابقون الاولون من
المهاجرين والانصار ولا شيئا منه . فأما الكتاب والسنة فسنبين
مخالفته لهما ، وأما السابقون الاولون من المهاجرين والانصار
فذكره لهم في هذا الموضع استعاره للتهويل والا فهو لم يورد من
أقوالهم كلمة واحدة لا نفيا ولا اثباتا . وإذا تصفحت كلامه عرفت
ذلك اللهم الا أن يكون مزاده بالسابقين الاولين من المهاجرين
والانصار مشايخ عقيدته دون الصحابة وأخذ بعد هذه الدعوى في مدحه
صلى الله عليه وسلم وفي مدح دينه وأن أصحابه أعلم الناس بذلك
والامر كما قاله وفوق ما قاله ، وكيف المدائح تستوفي مناقبه
ولكن كلامه كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه
كلمة حق أريد بها باطل ثم أخذ بعد ذلك في ذم الائمة وأعلام الامة
حيث اعترفوا بالعجز عن ادراكه سبحانه وتعالى مع أن سيد الرسل
________________________________________
صلى الله عليه وسلم قال : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت
على نفسك ، وقال الصديق رضي الله عنه العجز عن درك الادراك ادراك
وتجاسر إلمدعي على دعوى المعرفة وأن ابن الحيض قد عرف القديم
على ما هو عليه ولا غرور ولا جهل أعظم ممن يدعي ذلك فنعوذ بالله
من الخذلان ثم أخذ بعد ذلك في نسبة مذهب جمهور أمة محمد صلى
الله عليه وسلم إلى أنه مذهب فراخ الفلاسفة وأتباع اليونان
اليهود ستكتب شهادتهم ويسئلون ثم قال كتاب الله تعالى [ 169 ]
من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى
آخرها ، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين ثم كلام سائر الائمة مملوء
بما هو اما نص واما ظاهر في الله تعالى أنه فوق كل شئ وعلى
كل شئ وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء وقال في أثناء كلامه وأواخر
ما زعمه انه فوق العرش حقيقة وقاله في موضع آخر عن السلف
فليت شعري أين هذا في كتاب الله تعالى على هذه الصورة التي نقلها
عن كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهل في كتاب الله
تعالى كلمة مما قاله حتى يقول انه فيه نص والنص هو الذي لا يحتمل
التأويل البتة وهذا مراده فانه جعله غير الظاهر لعطفه له
عليه وأي آية في كتاب الله تعالى نص بهذا الاعتبار فأول ما استدل
به قوله تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب) فليت شعري اي نص في
الاية أو ضاهر على أن الله تعالى في السماء أو على العرش ثم نهاية
ما يتمسك به أنه يدل على علو يفهم من الصعود وهيهات زل حمار
العلم في الطين فان الصعود في الكلام كيف يكون حقيقة مع أن المفهوم
في الحقائق أن الصعود من صفات الاجسام فليس المراد الا
القبول ومع هذا لا حد ولا مكان وأتبعها بقوله تعالى : (اني متوفيك
ورافعك الي) وما أدرى من أين استنبط من هذا الخبر ان الله
تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن
أو الالتزام أو هو شئ أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله
________________________________________
اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة ، فإن كان كما خطر
له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وانه لم يقل بهما
فلا حقيقة فيما استدل به ، وان قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة
، ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقرب في المكانة مع
استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه وأتبع ذلك بقوله
(أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض) وخص هذا المستدل من بالله
تعالى ولعله لم يجوز ان المراد به ملائكة الله تعالى ولعله
يقول ان الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف
بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الاية ، ولعلها هي النص [ 170 ] الذي
أشار إليه وأتبعه بقوله تعالى : (تعرج الملائكة والروح إليه)
والعروج والصعود شئ واحد ولا دلالة في الاية على ان العروج إلى
سماء ولا عرش ولا شئ من الاشياء التي ادعاها بوجه من الوجوه
لان حقيقته المستعملة في لغة العرب في الانتقال في حق الاجسام
إذ لا تعرف العرب الا ذلك فليته أظهره واستراح من كتمانه وأردفه
بقوله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم) وتلك أيضا لا دلالة له
فيها على سماء ولا عرش ولا أنه في شئ من ذلك حقيقة . ثم الفوقية
ترد لمعنيين : (أحدهما) نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى
والاخر أسفل بمعنى ان أسفل الاعلى من جانب رأس الاسفل وهذا
لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس
بجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ليخافون ويكون تقدير
الكلام يخافون من فوقهم ربهم أي ان الخوف من جهة العلو وأن العذاب
يأتي من تلك الجهة . وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة
فوق السلطان والسلطان فوق الامير وكما يقال جلس فلان فوق
فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة وقد وقع ذلك في
قوله تعالى حيث قال (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) ولم يطلع أحدهم
على أكتاف الاخر ومن ذلك قوله تعالى (وإنا فوقهم قاهرون) وما
________________________________________
ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم . وأردف ذلك بقوله
تعالى (الرحمن على العرش استوى) وورد هذا في كتاب الله في ستة
مواضع من كتابه وهي عمدة المشبهة وأقوى معتمدهم حتى انهم كتبوها
على باب جامع همذان فلنصرف العناية إلى ايضاحها . (فنقول) :
اما انهم يعزلون العقل بكل وجه وسبب ولا يلتفتون إلى ما يسمى فهما
وادراكا فمرحبا بفعلهم وتقول الرحمن على العرش استوى وان تعدوا
هذا وقالوا هذا يدل انه مستو على العرش فلا حبا ولا [ 171
] كرامة فان الله تعالى ما قاله مع أن علماء البيان كالمتفقين
على أن في . اسم الفاعل من الثبوت ما لا يفهم من الفعل ، وان
قالوا هذا يدل على انه فوقه فقد تركوا ما التزموه وبالغوا في التناقض
والتشهي والجرأة ، وان قالوا بل ننفي العقل ونفهم ما هو
المراد فنقول لهم ما هو الاستواء في كلام لعرب فان قالوا الجلوس
والاستقرار ، قلنا : هذا ما تعرفه العرب الا في الجسم يقولوا
يستوي جسم على العرش وان قالوا جلوس واستقرار نسبته إلى ذات
الله تعالى كنسبة الجلوس إلى الجسم فالعرب لا تعرف هذا حتى يكون
هو الحقيقة ثم العرب تفهم استواء الفدح الذي هو ضد الاعوجاج
فوصفوه بذلك وتبرؤوا معه من التجسيم وسدوا باب الحمل على غير الجلوس
ولا يسدونه في قوله تعالى (وهو معكم أين ما كنتم) وقوله
تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولا تقولوا معهم في العلم
وان قلتم ذلك فلم تحلونه عاما وتحرمونه عاما ومن أين لكم أن
ليس الاستواء فعلا من أفعاله تعالى في العرش . فان قالوا : ليس
هذا كلام العرب قلنا : ولا تعرف العرب استوى بالمعنى الذي تقولونه
بلا جسم ولقد رام المدعي التفلت من شرك التجسيم بما زعمه
من أن الله تعالى في جهة وانه استوى على العرش استواء يليق بجلاله
فنقول له قد صرت الان إلى قولنا في الاستواء . وأما الجهة
فلا تليق بالجلال . وأخذ على المتكلمين قولهم ان الله تعالى لو
________________________________________
كان في جهة فاما أن يكون أكبر أو أصغر أو مساويا وكل ذلك محال
قال فلم يفهموا من قول الله تعالى على العرش إلا ما يثبتون لاي
جسم كان على أي جسم كان قال وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم وأما
استواء يليق بجلال الله فلا يلزمه شئ من اللوازم فنقول له
أتميميا مرة وقيسيا أخرى إذا قلت استوى استواء يليق بجلال الله
فهو مذهب المتكلمين وإذا قلت استواء هو استقرار واختصاص بجهة
دون أخرى لم يجد ذلك تخلصا من الترديد المذكور والاستواء بمعنى
الاستيلاء وأشهد لله في هذه الاية أنها لم ترد قط إلا في اظهار
العظمة والقدرة والسلطان [ 172 ] والملك والعرب تكنى بذلك عن
الملك فيقولون فلان استوى على كرسي المملكة وان لم يكن جلس عليه
مرة واحدة ويريدون بذلك الملك . وأما قولهم : فان حملتم الاستواء
على الاستيلاء ؟ لم يبق لذكر العرش فائدة فان ذلك في حق
كل المخلوقات فلا يختص بالعرش . فالجواب عنه : أن كل الموجودات
لما حواها العرش كان الاستيلاء عليه استيلاء على جميعها ولا كذلك
غيره وأيضا فكناية العرب السابقة ترجحه وقد تقدم الكلام عن
السلف في معنى الاستواء كجعفر الصادق ومن تقدم وقولهم استوى بمعنى
استولى انما يكون فيما يدافع عليه ، قلنا واستوى بمعنى جلس
أيضا انما يكون في جسم وأنتم قد قلتم انكم لا تقولون به ، ولو
وصفوه تعالى بالاستواء على العرش لما أنكرنا عليهم ذلك بل نعدهم
إلى ما يشبه التشبيه أو هو التشبيه المحظور والبه الموفق .
واستدل بقوله تعالى حكاية عن فرعون (يا هامان ابن لي صرحا لعلي
أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) فليت شعري كيف
فهم من كلام فرعون أن الله تعالى فوق السموات وفوق العرش يطلع
إلى إله موسى أما ان إله موسى في السموات فما ذكره وعلى تقدير
فهم ذلك من كلام فرعون فكيف يستدل بظن فرعون وفهمه مع اخبار
الله تعالى عنه انه زين له سوء عمله وانه حاد عن سبيل الله عزوجل
________________________________________
وأن كيده في ضلال مع انه لما سأل موسى عليه السلام وقال وما
رب السموات لم يتعرض موسى عليه السلام للجهة بل لم يذكر الا
أخص الصفات وهي القدرة على الاختراع ، ولو كانت الجهة ثابتة لكان
التعريف بها أولى لان الاشارة الحسية من أقوى المعرفات حسا
وعرفا وفرعون سأل بلفظة ما فكان الجواب بالتحيز أولى من الصفة
وغاية ما فهمه من هذه الاية واستدل به [ 173 ] فهم فرعون فيكون
عمدة هذه العقيدة كون فرعون ظنها فيكون هو مشيدها فليت شعري لم
لا ذكر النسبة إليه كما ذكر ان عقيدة سادات أمة محمد صلى الله
عليه وسلم الذين خالفوا اعتقاده في مسألة التحيز والجهة الذين
ألحقهم بالجهمية متلقاة من لبيد بن الاعصم اليهودي الذي سحر
النبي صلى الله عليه وسلم وختم الايات الكريمة بالاستدلال بقوله
تنزيل من حكيم حميد منزل من ربك بالحق وما في الآيتين لا عرش
ولا كرسي ولا سماء ولا أرض بل فيهما مجرد التنزيل ، وما أدري
من أي الدلالات استنبطها المدعي فان السماء لا تفهم من التنزيل
فان التنزيل قد يكون من السماء وقد يكون من غيرها ولا تنزيل القرآن
كيف يفهم منه النزول الذي هو انتقال من فوق إلى أسفل فان
العرب لا تفهم ذلك في كلام سواء كان من غرض أو غير غرض وكما تطلق
العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه
العزيز (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) وقوله تعالى (وأنزل لكم
من الانعام ثمانية أزواج) ولم ير أحد قطعة حديد نازلة من السماء
في الهواء ولا جملا ينزل من السماء إلى الارض فكما جوزنا هنا
أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل ، فلنجوزه هناك
هذا ما استدل به من الكتاب العزيز . وقد ادعى أولا أنه يقول ما
قاله الله وان ما ذكره من الايات دليل على قوله اما نصا واما
ظاهرا وأنت إذا رأيت ما ادعاه وأمعنت النظر فيما قلناه واستقريت
هذه الايات لم تجد فيها كلمة على وفق ما قاله أولا لا نصا ولا
________________________________________
ظاهرا البتة وكل أمر بعد كتاب الله تعالى والدعوى عليه خلل .
ثم استدل من السنة بحديث المعراج ولم يرد في حديث المعراج ان
الله فوق السماء أو فوق العرش حقيقة ولا كلمة واحدة من ذلك وهو
لم يسرد حديث المعراج ولا بين الدلالة منه حتى نجيب عنه ، فان
بين وجه الدلالة عرفناه كيف الجواب واستدل بنزول الملائكة من
عند الله تعالى . والجواب عن ذلك ان نزول الملائكة من السماء انما
كان لان [ 174 ] السماء مقرهم والعندية لا تدل على ان الله
في السماء لانه يقال في الرسل الادميين انهم من عند الله وان
لم يكونوا نزلوا من السماء على ان العندية قد يراد بها الشرف والرتبة
قال الله تعالى : (وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) وتستعمل
في غير ذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حكابة عن ربه
عزوجل : أنا عند ظن عبدي بي وذكر عروج الملائكة وقد سبق ، وربما
شد فقار ظهره وقوى منه متنه بلفظة إلى ربهم وان إلى لانتهاء
الغاية وانها في قطع المسافة وإذا سكت عن هذا لم يتكلم بكلام
العرب فان المسافة لا تفهم العرب منها الا ما تنتقل فيه الاجسام
وهو يقول انهم لا يقولون بذلك وقد قال الخليل صلى الله عليه
وسلم اني ذاهب إلى ربي وليس المراد بذلك الانتهاء الذي عناه
المدعي بالاتفاق فلم يجترى على ذلك في كتاب الله تعالى ولا يجاب
به في خبر الواحد . وذكر قوله صلى الله عليه وسلم ألا تأمنوني
وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء
وليس المراد بمن هو الله تعالى ولا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
ذلك ولا خصه به ومن أين للمدعي انه ليس المراد بمن الملائكة
فانهم أكبر المخلوقات علما بالله تعالى وأشدهم اطلاعا على القرب
وهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين وهو عندهم
في هذه الرتبة فليعلم المدعي انه ليسن في الحديث ما ينفي هذا
ولا يثبت ما ادعاه ، ثم ذكر حديث الرقية ربنا الله الذي في السماء
________________________________________
تقدس اسمك امرك في السماء والارض كما رزقك في السماء الحديث
وهذا الحديث بتقدير ثبوته فالذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم
فيه ربنا الذي في السماء تقدس اسمك ما سكت النبي صلى الله
عليه وسلم على في السماء فلاي معنى نقف نحن عليه ونجعل تقدس اسمك
كلاما مستأنفا هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أو
أمر به ، وعند ذلك لا يجد المدعي مخلصا الا أن يقول الله تقدس
اسمه في السماء والارض فلم خصصت السماء بالذكر ؟ فنقول له :
ما معنى تقدس ان كان المراد به التنزيه من حيث هو تنزيه فلذلك
ليس في سماء ولا أرض إذ التنزيه نفي النقائص وذلك لا تعلق له [
175 ] بجرباء ولا غبراء ، فان المراد ان المخلوقات تقدسه وتعرفه
بالتنزيه فلا شك أن أهل السماء مطبقون على تنزيهه تعالى كما
أنه لا شك أن في أهل الارض من لم ينزه وجعل له ندا ووصفه بما
لا يليق بجلاله فيكون تخصيص السماء بذكر التقديس فيها لانفراد
أهلها بالاطباق على التنزيه . كما انه سبحانه لما انفرد في الملك
في يوم الدين عمن يتوهم ملكه خصصه بقوله تعالى (ملك يوم الدين)
وكما قال سبحانه وتعالى بعد زمان من ادعى الملك والملك لمن
الملك اليوم لله الواحد القهار وأعاد هذا المدعي على الحديث من
أوله ووصل إلى أن قال فليقل ربنا الذي في السماء ، قال وذكره
ووقف على قوله في السماء فليت شعري هل جوز أحد من العلماء أن
يفعل مثل هذا وهل هذا الا مجرد ايهام أن سيد المرسلين صلى الله
عليه وسلم وعليهم قال ربنا الله الذي في السماء . وأما حديث الاوغال
وما فيه من قوله والعرش فوق ذلك كله والله فوق ذلك كله
فهذا الحديث قد كثر منهم ايهام العوام انهم يقولون به ويروجون
به زخارفهم ولا يتركون دعوى من دعواتهم عاطلة من التحلي بهذا الحديث
ونحن نبين أنهم لم يقولوا بحرف واحد منه ولا استقر لهم قدم
بان الله تعالى فوق العرش حقيقة بل نقضوا ذلك وايضاح ذلك بتقديم
________________________________________
ما أخر هذا المدعي ، قال في آخر كلامه : ولا يظن الظان ان
هذا يخالف ظاهر قوله تعالى (وهو معكم أينما كنتم) وقول النبي
صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فان الله قبل وجهه
ونحو ذلك قال فان هذا غلط ظاهر وذلك ان الله تعالى معنا حقيقة
فوق العرش حقيقة قال كما جمع الله بينهما في قوله : (هو الذي
خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش
يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما
يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) قال هذا
المدعي بملء ماضغيه من غير تكتم ولا تلعثم فقد أخبر الله تعالى
أنه فوق العرش ويعلم كل ! شئ وهو معنا أينما كنا كما قال صلى
الله عليه وسلم في [ 176 ] حديث الاوغال والله فوق العرش وهو
يعلم ما أنتم عليه فقد فهمت ان هذ المدعي ادعى ان الله فوق العرش
حقيقة واستدل بقوله تعالي (ثم استوى على العرش) وجعل أن ذلك
من الله تعالى خبر انه فوق العرش وقد علم كل ذي ذهن قويم وفكر
مستقيم أن لفظ استوى على العرش ليس إلا مراد فاللفظ فوق العرش
حقيقة وقد سبق منا الكلام عليه ، ولا في الاية ما يدل على الجمع
الذي ادعاه ولا بين التقريب في الاستدلال بل سرد آية من كتاب
الله تعالى لا ندري هل حفظها أو نقلها من المصحف . ثم شبه
الاية في الدلالة على الجمع بحديث الاوغال كما قال صلى الله عليه
وسلم فيه والله فوق العرش وقد علمت أنه ليس في الحديث ما يدل
على المعية بل لا مدخل لمع ، في الحديث قال وذلك ان مع إذا أطلقت
فليس ظاهرها في اللغة الا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة
ولا محاذاة عن يمين أو شمال ، فإذا قيدت بمعنى من المعاني
دلت على المقارنة في ذلك المعنى فانه يقال ما زلنا نسير والقمر
معنا والنجم معنا ويقال هذا المتاع معنا وهو لمجامعته معك وان
كان فوق رأسك فان الله مع خلقه حقيقة ثم هذه المعية تختلف أحكامها
________________________________________
بحسب الموارد فلما قال (يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها
وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله
بما تعملون بصير) دل ظاهر الخطاب على ان حكم هذه المعية ومقتضاها
أنه مطلع عليكم عالم بكم ، قال وهذا معنى قول السلف انه
معهم بعلمه قال وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته قال وكذلك في قوله تعالى
(ما يكون من نجوى ثلاثة) الاية وفي قوله تعالى (لا تحزن ان
الله معنا) (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (انني
معكما أسمع وأرى) قال ويقول أبو الصبي الذي فوق السقف لا تخف أنا
معك تنبيها على المعية الموجبة لحكم الحال ، فليفهم الناظر
أدب هذا المدعي في هذا المثل وحسن ألفاظه في استثمار مقاصده ثم
قال ففرق بين المعية وبين مقتضاها المفهوم من معناها الذي يختلف
باختلاف المواضع فليفهم الناظر هذه العبارة التي ليست بالعربية
ولا بالعجمية فسبحان المسبح [ 177 ] باللغات المختلفة . قال
فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل
موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الاخر هذه عبارته بحروفها ،
ثم قال : فاما ان تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر
مشترك بين جميع مواردها وان امتاز كل موضع بخاصية فليفهم تقسيم
هذا المدعي وحسن تصرفه قال فعلى التقديرين ليس مقتضاها ان يكون
ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال صرفت عن ظاهرها ، ثم قال في
موضع آخر : من علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات
كإضافة الربوبية مثلا وأن الاستواء على العرش ليس إلا العرش
وان الله تعالى يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية ولا يوصف بالسفول
ولا بالتحتية قط لا حقيقة ولا مجازا علم أن القرآن على ما
هو عليه من غير تحريف فليفهم الناظر هذه المقدمات القطعية وهذه
العبارات الرائقة الجلية ، وحصر الاستواء على الشئ في العرش مما
لا يقوله عاقل فضلا عن جاهل . ثم قال من توهم أن كون الله في
________________________________________
السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب ان نقله عن
غيره وضال ان اعتقده في ربه وما سمعنا أحدا يفهمه من اللفظ ولا
رأينا أحدا نقله عن احد فليستفد الناظر ان الفهم يسمع قال : ولو
سئل سائر المسلمين هل يفهمون من قول الله تعالى ورسوله صلى
الله عليه وسلم ان الله تعالى في السماء أنها تحويه لبادركل أحد
منهم إلى أن يقول هذا شئ لعله لم يخطر ببالنا ، وإذا كان الامر
هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس
منه ثم يريد ان يتأوله قال بل عند المسلمين ان الله في السماء
وهو على العرش واحد إذ السماء انما يراد بها العلو فالمعنى
الله في العلو لا في السفل هكذا قال هذا المدعي فليشد الناظر
على هذه بالخناصر وليعض عليها بالنواجذ ، وليعلم ان القوم يخربون
بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين . قال : وقد علم المسلمون أن
كرسيه تعالى وسع السموات والارض وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة
بأرض فلاة وأن العرش خلق من [ 178 ] مخلوقات الله تعالى لا
نسبة له إلا قدرة الله وعظمته وكيف يتوهم متوهم بعد هذا ان خلقا
يحصره ويحويه وقد قال تعالى (ولاصلبنكم في جذوع النخل) وقال
تعالى (فسيروا في الارض) بمعنى على ونحو ذلك وهذا كلام عربي حقيقة
لا مجاز وهذا يعلمه من عرف حقائق معنى الحروف وأنها متواطئة
في الغالب هذا آخر متمسك به فنقول : أولا ما معنى قولك ان مع
في اللغة للمقارنة المطلقة من غير مماسة ولا محاذاة وما هي المقارنة
فان لم يفهم من المقارنة غير صفة لازمة للجسمية حصل المقصود
وان فهم غيره ، فليتنبه حتى ينظر هل تفهم العرب من المقارنة
ذلك أو لا . ثم قوله فإذا قيد بمعنى من المعاني دلت على المقارنة
في ذلك المعنى فنقول له ومن نحا ذلك في ذلك قوله انها في
هذه المواضع كلها بمعنى العلم قلنا : من أين لك هذا ؟ فان قال
من جهة قوله تعالى (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم) الاية
________________________________________
دل ذلك على المعية بالعلم وانه على سبيل الحقيقة فنقول له
قد كلت بالصاع الوافي فكل لنا بمثله . واعلم ان فوق كما يستعمل
في العلو في الجهة كذلك يستعمل في العلو في المرتبة والسلطنة
والملك وكذلك الاستواء فيكونان متواطئين كما ذكرته حرفا بحرف وقد
قال الله تعالى (وهو القاهر فوق عباده) وقال تعالى (وفوق كل
ذي علم عليم) وقال الله تعالى (يد الله فوق أيديهم) وقال تعالى
حكاية عن قوم فرعون (وانا فوقهم قاهرون) وقال تعالى (ورفعنا
بعضهم فوق بعض درجات) ومعلوم أنه ليس المراد جهة العلو فاعد البحث
وقل فوق العرش بالاستيلاء وكذا في حديث الاوغال وما فعلته
في مع فافعله في فوق وخرج هذا كما خرجت ذلك والا اترك الجميع .
ثم قوله ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات
وان الاستواء على الشئ ليس الا العرش ، قلنا : حتى نبصر لك رجلا
استعملها يعلم ما تقوله من غير دليل فانك ان لم تقم دلالة
على [ 179 ] ذلك والا أبرزت لفظة تدل على تحتم فوق للاستواء في
جهة العلو فليت شعري من أين تعلم ان المعية بالعلم حقيقة وان
آية الاستواء على العرش وحديث الاوغال دالان على صفة الربوبية
بالفوقية الحقيقية ، اللهم غفرا هذا لا يكون الا بالكشف والا فالادلة
التي نصبها الله تعالى لتعرف بها ذاته وصفاته وشرائعه لم
يورد هذا المدعي منها حرفا واحدا على وفق دعوى ولا ثبت له قدم
الا في مهوى ثم قوله لا يوصف الله تعالى بالسفول والتحتية لا
حقيقة ولا مجازا ليت شعري من ادعى له هذه الدعوى حتى يكلف الكلام
فيها . ثم ان قوله بعد ذلك من توهم كون الله تعالى في السماء
بمعنى ان السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب ان نقله عن غيره وضال
ان اعتقده في ربه أيها المدعي قل ما تفهم وافهم ما تقول وكلم
الناس كلام عاقل لعاقل تفيد وتستفيد إذا طلبت ان تستنبط من
لفظة في الجهة وحملتها على حقيقتها هل يفهم منها غير الظرفية أو
________________________________________
ما في معناها ، وإذا كان كذلك فهل يفهم عاقل أن الظرف ينفك عن
احاطته ببعض أو جميع أو ما يلزم ذلك وهل جرى هذا على سمع وهل
من يخاطر ان في على حقيقتها في جهة ولا يفهم منها احتواء ولا
احاطة ببعض ولا كل فان كان المراد أن يعزل الناس عقولهم وتتكلم
أنت وهم يقلدون ويصدقون ، ثم تأمن أن بعض المسؤولين من المخالفين
للمسألة يأمرك بذلك أو يثبت الباطل عليك ثم قولك لو سئل سائر
المسلمين هل يفهمون من قول الله تعالى ورسوله ان الله في السماء
تحويه لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول هذا شئ لعله لم يخطر
ببالنا فنقول : ما الذي أردت بذلك ان أردت ان هذا اللفظ لا يعطي
هذا المعنى فإياك أن تسأل عن هذا من هو عارف بكلام العرب فانه
لا يصدقك في أن هذا اللفظ لا يعطي هذا مع كون في للظرفية وانها
على حقيقتها في الجهة ، وان أردت ان العقول تأبى ذلك في حق
الله تعالى فلسنا نحن معك الا في تقرير هذا ونفي كل ما يوهم
نقصا في حق الله تعالى ثم قولك عند المسلمين ان الله في السماء
وهو على العرش واحد لا ينبغي ان تضيف هذا الكلام [ 180 ] الا
إلى نفسك أو إلى من تلقيت هذه الوصمة منه ولا تجعل المسلمين يرتبكون
في هذا الكلام الذي لا يعقل ، ثم استدللت على أن كون الله
في السماء وعلى العرش واحد بأن السماء انما يراد بها العلو فالمعني
الله في العلو لا في السفل قل لي هل قال الله تعالى ورسوله
صلى الله عليه وسلم والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
رضي الله عنهم أجمعين ان الله تعالى في العلو لا في السفل ،
وكل ما قلت من أول المقدمة إلى آخرها لو سلم لك لكان حاصله ان
الله تعالى وصف نفسه بأنه استوى على العرش وان الله تعالى فوق
العرش . وأما ان السماء المراد بها جهة العلو فما ظفرت كفاك بنقله
، ثم قولك قد علم المسلمون ان كرسيه تعالى وسع السموات والارض
وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة فليت شعري إذا
________________________________________
كان حديث الاوغال يدلك على ان الله فوق العرش فكيف يجمع بينه
وبين طلوع الملائكة إلى السماء التي فيها الله وكيف يكون مع
ذلك في السماء حقيقة ولعلك تقول ان المراد بها جهة العلو توفيقا
فليت شعري أيمكن ان تقول بعد هذا التوفيق العازي عن التوقيف
، والتوفيق ان الله في السماء حقيقة وعلى السماء حقيقة وفي العرش
حقيقة وعلى العرش حقيقة ثم حقيقة السماء هي هذه المشاهدة المحسوسة
يطلق عليها هذا الاسم من لم يخطر بباله السمو ، وأما أصل
الاشتقاق فذلك لا مزية لها فيه على السقف والسحاب فتبارك الله
خالق العقول ثم قولك بعد ذلك العرش من مخلوقات الله تعالى لا
نسبة له الا قدرة الله وعظمته وقع إلينا الا قدرة الله فان كانت
بألف لام الف كما وقع الينا فقد نفيت العرش وجعلت الجهة هي
العظمة والقدرة وصار معنى كلامك جهة الله عظمته وقدرته ، والان
قلت ما لا يفهم ولا قاله أحد وان كان كلامك بألف لام ياء فقد
صدقت وقلت الحق ومن قال خلاف ذلك لعمري ولعمري لقد رممنا لك هذا
المكان ولقناك إصلاحه . ثم قلت كيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره
أو يحويه قلنا : نعم ومن [ 181 ] أي شئ بلاؤنا الا ممن يدعي
الحصر أو يوهمه ، ثم قلت وقد قال الله تعالى (ولاصلبنكم في جذوع
النخل) أو ما علمت ان التمكن والاستقرار حاصل في الجذع فان
تمكين المصلوب في الجذع كتمكين الكائن في الظرف وكذلك الحكم في
قوله تعالى (قل سيروا في الارض) وهذا الذي ذكرناه هو الجواب
عن حديث الاوغال وحديث قبض الروح وحديث عبد الله بن رواحة رضي
الله عنه وحديث أمية بن أبي الصلت وما قال من قوله : مجدوا الله
فهو أهل لمجد * ربنا في السماء أمسى كبيرا فيقال للمدعي : ان
كنت ترويه في السماء فقط ولا تتبعها أمسى كبيرا فربما يوهم ما
تدعيه لكن لا يبقى شعرا ولا قافية ، وان كان قال ربنا في السماء
أمسى كبيرا فقل مثل ما قال أمية وعند ذلك لا يدري هل هو كما
________________________________________
قلت ان الله كبير في السماء . فان قلت : وهو كبير في الارض فلم
خصت السماء ؟ قلنا : التخصيص بما أشرنا إليه من أن تعظيم أهل
السموات اكثر من تعظيم أهل الارض له فليس في الملائكة من ينحت
حجرا ويعبده ولا فيهم دهري ولا معطل ولا مشبه ، وخطاب أمية لكفار
العرب الذين اتخذوا هبل ومنات واللات والعزى وغير ذلك من الانداد
وقد علمت العرب أن أهل السماء أعلم منهم حتى كانوا يتمسكون
بحديث الكاهن الذي كان يتلقى من الجنى الذي يسترق الكلمة من
الملك فيضيف إليها مائة كذبة فكيف اعتقادهم في الملائكة فلذلك
احتج عليهم أمية بالملائكة هذا ليس ببعيد ولا خلاف قطعي . ثم
قال من المعلوم بالضرورة ان الرسول المبلغ عن الله : ألقى إلى
أمته المذعنين ان الله تعالى على العرش وانه فوق السماء ، فنقول
له هذا ليس بصحيح بالصريح بل ألقى إليهم ان الله استوى على
العرش هذا الذي تواتر من تبليغ هذا الني صلى الله عليه وسلم وما
ذكره المدعي من هذا الاخبار فأخبار آحاد لا يصدق عليها جمع كثرة
ولا حجة له فيها وذلك واضح لمن سمع كلام الرسول صلى الله عليه
وسلم ونزله [ 182 ] على استعمال العرب واطلاقاتها ولم يدخل
عليها غير لغتها ثم قلت كما فطر الله جميع الامم عربهم وعجمهم
في الجاهلية والاسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته هذا كلام
من أوله إلى آخره معارض بالمثل والترجيح معنا ، ثم قلت عن
السلف في ذلك من الاقوال ما لو جمعت لبلغت مائتين ألوفا فنقول
ان أردت بالسلف عن السلف المشبهة كما سيأتي في كلامك فربما قاربت
وان أردت سلف الامة الصالحين فلا حرف ولا شطر حرف وها نحن معك
في مقام مقام ومضمار مضمار بحول الله وقوته . ثم قلت ليس في
كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا عن أحد من سلف الامة لا من
الصحابة ولا من التابعين حرف واحد يخالف ذلك لا نص ولا ظاهر ،
قلنا : ولا عنهم كما ادعيت أنت ولا نص ولا ظاهر وقد صدرت أولا
________________________________________
أنك تقول ما قال الله ورسوله والسابقون الاولون من المهاجرين
والانصار ثم دارت الدائرة على ان المراد بالسابقين الاولين من
المهاجرين والانصار مشايخ عقيدتك وعزات العشرة وأهل بدر والحديبية
عن السلف والتابعين عن المتابعة وتولى هؤلاء غير الله والله
اعلم حيث يجعل رسالاته ، ثم قولك : لم يقل أحد منهم أنه ليس
في غير السماء ولا انه ليس على العرش ولا انه في كل مكان ولا ان
جميع الامكنة بالنسبة إليه سواء ولا انه داخل العالم ولا خارجه
ولا متصل ولا منفصل . قلنا : لقد عممت الدعوى فذكرت ما لم تحط
به علما . وقد ذكرنا لك عن جعفر الصادق والجنيد والشبلي وجعفر
بن نصير وأبي عثمان المغربي رضي الله عنهم ما فيه كفاية فان
طعنت في نقلنا أو في هذه السادة طعنا في نقلك وفيمن اسندت إليه
من أهل عقيدتك خاصة فلم يوافقك على من ادعيته غيرهم ، ثم انك
أنت الذي قد قلت ما لم يقله الله ولا رسوله ولا السابقون الاولون
من المهاجرين والانصار ولا من التابعين ولا من مشايخ الامة
الذين لم يدركوا الا هؤلاء فما نطق أحد منهم بحرف في أن الله
[ 183 ] تعالى في جهة العلو . وقد قلت : وصرحت وبحثت وفهمت بأن
ما ورد من أنه في السماء وفوق السماء وفي العرش وفوق العرش المراد
به جهة العلو ، فقل لنا : من قال هذا ؟ هل قاله القه أو رسوله
أو السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والتابعين لهم
باحسان ؟ فلم تهول علينا بالامور المغمضة وبالقه المستعان . ثم
ستدل على جواز الاشارة الحسية إليه بالاصابع ونحوها بما صح انه
صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفات جعل يقول : ألا هل بلغت ؟
فيقولون : نعم فيرفع اصعه إلى السماء وينكثها إليهم ويقول : اللهم
أشهد غير مرة ، ومن أي دلالة يدل على هذا على جواز الاشارة
إليه هل صدر منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رفع أصبعه ثم نكثها
إليهم هل في ذلك دلالة على أن رفعه كان يشير به إلى جهة الله
________________________________________
تعالى ولكن هذا من عظيم ما رسخ في ذهن هذا المدعي من حديث الجهة
حتى انه لو سمع مسألة من عويص الفرائض والوصايا وأحكام الحيض
لقال هذه دالة على الجهة ثم أتى بالطامة الكبرى والداهية الدهياء
، وقال : فإن كان الحق ما يقوله هؤلاء السابقون النافون
من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة اما نصا
أو ظاهرا كيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله صلى الله عليه
وسلم ثم على حبر الامة أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر
في خلاف الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون
عليه لا نصا ولا ظاهرا حتى يجئ أنباء الفرس والروم وأفراخ
اليهود يبينون للامة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مؤلف أو
فاضل أن يعتقدها لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلفون هو الاعتقاد
الواجب وهم مع ذلك أحيلوا على مجرد عقولهم ، وأن يدفعوا المقتضى
قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا . لقد كان
ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير
بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصول الدين ، فإن حقيقة
الامر على ما يقوله هؤلاء أنكم يا معشر العباد [ 184 ] لا تطلبون
معرفة الله تعالى وما يستحق من الصفات نفيا ولا اثباتا لا
من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الامة ، ولكن أنظروا
أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به سواء كان موجودا
في الكتاب والسنة أو لم يكن وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم
فلا تصفوه بها . ثم قال : هما فريقان أكثرهم يقول ما لم تثبته
عقولكم فابقوه ومنهم من يقول بل توقفوا فيه وما نفاه قياس عقولكم
الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافا أكثر من جميع اختلاف
على وجه الارض فانفوه وإليه عند الشارع فارجعوا فإنه الحق
الذي تعبدتكم به وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم
هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم على طريقة أكثرهم فاعلموا
________________________________________
انني امتحنتكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدي منه لكن لتجتهدوا في
تخريجه على شواذ اللغة ووحشى الالفاظ وغرائب الكلام أو تسكتوا
عنه مفوضين علمه إلي هذا حقيقة الامر على رأى المتكلمين هذا ما
قاله . وهو الموضح الذي صرح فيه وتخبطه الشيطان من المس . فتقول
له : ما تقول فيما ورد من ذكر العيون بصفة الجمع وذكر الجنب
وذكر الساق الواحد وذكر الايدي ؟ فإن أخذنا بظاهر هذا يلزمنا
اثبات شخص له وجه واحد عليه عيون كثيرة وله جنب واحد عليه أيد
كثيرة وله ساق واحد وأي شخص يكون في الدنيا أبشع من هذا وان تصرفت
في هذا بجمع وتفريق بالتأويل فلم . لا ذكره الله ورسوله وسلف
الامة وقوله تعالى في الكتاب العزيز (الله نور السموات والارض)
فكل عالم يعلم ان النور الذي على الحيطان والسقوف وفي الطرق
والحشوش ليس هو الله تعالى ولا قالت المجوس بذلك ، فإن قلت
بأنه هادي السموات والارض ومنورها فلم لا قاله الله تعالى ولا
رسوله ولا سلف الامة وورد قوله تعالى : (ونحن أقرب إليه من حبل
الوريد) وذلك يقتضي أن يكون الله داخل الرزدمة فلم لا يبينه الله
ولا رسوله ولا سلف الامة وقال تعالى (واسجد واقترب) ومعلوم
أن التقرب في الجهة ليس إلا بالمسافة فلم [ 185 ] لا بينه الله
تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا سلف الامة وقال تعالى
(فأينما تولوا فثم وجه الله) وقال تعالى (وجاء ربك) وقال تعالى
(فأتى الله بنيانهم من القواعد) وقال تعالى (وما يأتيهم من
ذكر من ربهم محدث) وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه عزوجل
” من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلى ذراعا تقربت
منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ” وما صح في الحديث ” أجد
نفس الرحمن من قبل اليمن) ومن قوله صلى الله عليه وسلم : “
الحجر الاسود يمين الله في الارض ” ومن قوله صلى الله عليه وسلم
حكاية عن ربه سبحانه وتعالى ” أنا جليس من ذكرني ” وكل هذه هل
________________________________________
تأمن من المجسم أن يقول لك ظواهر هذه كثيرة تعدت الحصر أضعاف
أحاديث الجهة فإن كان الامر كما يقولون في نفي الجسمية مع أنه
لم يأت في شئ من هذه ما بين خلاف ظواهرها لا عن الله تعالى ولا
عن رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف الامة فحينئذ يكيل لك
المجسم بصاعك ويقول لك لو كان الامر كما قلت لكان ترك الناس
بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم ، وان قلت ان العمومات قد بينت خلاف
ظواهر هذه لم نجد منها نافيا للجسمية الا وهو ناف للجهة ثم ما
يؤمنك من تناسخي يفهم من قوله (في أي صورة ما شاء ركبك) مذهبه
ومن معطل يفهم من قوله تعالى مما تنبت الارض مراده فحينئذ لا
تجد مساغا لما نقص به من ذلك إلا الادلة الخارجة عن هذه الالفاظ
، ثم صار حاصل كلامك أن مقالة الشافعية والحنفية والمالكية يلزمها
أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم افتراهم يكفرونك
بذلك أم لا . ثم جعلت أن مقتضى كلام المتكلمين أن الله تعالى
ورسوله وسلف الامة تركوا العقيدة حتى بينها هؤلاء فقل لنا
ان الله ورسوله وسلف الامة بينوها ثم نقل عنهم أنهم قالوا كما
تقول ان الله تعالى في جهة العلو لا في جهة السفل وان الاشارة
الحسية جائزة إليه فإذا لم تجد ذلك في كتاب الله تعالى ولا كلام
رسوله صلى الله عليه وسلم ولا كلام أحد من العشرة ولا كلام
أحد من السابقين الاولين من المهاجرين والانصار رضى الله عنهم
، فعد على نفسك باللائمة وقل : لقد ألزمت القوم بما لا يلزمهم
ولو لزمهم [ 186 ] لكان عليك اللوم . ثم قلت عن المتكلمين انهم
يقولون ما يكون على وفق قياس العقول فقولوه وإلا فانفوه والقوم
لم يقولوا ذلك بل قالوا صفة الكمال يجب ثبوتها لله وصفة النقص
يجب نفيها عنه كما قاله الامام أحمد رضي الله عنه قالوا وما
ورد من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم فليعرض على لغة
العرب التي أرسل الله تعالى محمدا بلغتها كما قال تعالى (وما
________________________________________
أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فما فهمت العرب فافهمه ومن جاءك
بما يخالفه فانبذ كلامه نبذ الحذاء المرقع واضرب بقوله حائط
الحش ثم نعقد فصلا ان شاء الله تعالى بعد افساد ما نزع به في
سبب ورود هذه الايات على هذا الوجه فإنه إنما تلقف ما نزع به في
مخالفة الجماعة وأساء القول على المسألة من حثالة الملاحدة الطاعنين
في القرآن وسنبين إن شاء الله تعالى ضلالهم ويعلم إذ ذاك
من هو من فراخ الفلاسفة واليهود ثم لو استحيى الغافل لعرف مقدار
علماء الامة رحمهم الله تعالى ثم هل رأى من رد على الفلاسفة
واليهود والروم والفرس غير هؤلاء الذين جعلهم فراخهم وهل اتكلوا
في الرد على هذه الطوائف على قوم لا عقل لهم ولا بصيرة ولا
ادراك ثم يدرونهم يستدلون على اثبات الله تعالى في الحجاب على
منكره بالنقل وعلى منكري النبوة بالنقل حتى يصير مضغة للماضغ
وضحكة للمستهزئ وشماتة للعدو وفرحا للحسود وفي قصة الحسن بن زياد
اللؤلؤي عبرة للمعتبر ، ثم أخذ بعد هذا في أن الامور العامة
إذا نفيت عنها إنما يكون دلالتها على سبيل الالغاز ، قلنا :
وكذلك المجسم يقول لك دلالة الامور العامة على نفي الجسمية الغاز
ثم قال بعد هذا يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول صلى الله عليه
وسلم يوما من الدهر ولا أحد من سلف الامة هذه الايات والاحاديث
لا تعتقدوا ما دلت عليه فيقال له ما الذي دلت عليه حتى يقولوا
انه لا يعتقد هذا تشنيع بحت ، ثم يقول لك المجسم يا سبحان
الله لم لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من سلف
الامة [ 187 ] ان الله تعالى ليس بجسم ولا قالوا لا يعتقدون من
الاحاديث الموهمة للجسمية ظواهرها ، ثم استدل بقوله صلى الله
عليه وسلم في صفة الفرقة الناجية ومن كان عليه ” مثل ما أنا عليه
اليوم وأصحابي ” قال المدعي فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن
في آيات الاعتقاد فهو ضال وإنما الدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم
________________________________________
فليعلم الناظر أنه هاهنا باهت وتزخرف وتشيع بما لم يعظه فإنه
قد ثبت أن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله
عنهم الكف عن ذلك فما نحن الامرون به وانه هو ليس بساكت بل طريقة
الكلام وأمر الدهماء بوصف الله تعالى بجهة العلو وتجويز الاشارة
الحسية إليه فليت شعري من الموافق رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه ، ولكن صدق القائل رمتني بدائها وانسلت ثم المجسم
يقول له حذو النعل بالنعل ما قاله لنا ونقول له : لم لا قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناجية من قال إن الله في جهة
العلو وان الاشارة الحسية إليه جائزة ؟ فإن قال : هذه طريقة السلف
وطريقة الصحابة ، قلنا : من أين لك هذا ثم لا تأمن من كل
مبتدع أن يدعي ذلك ، ثم أفاد المدعي وأسند أن هذه المقالة مأخوذة
من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين قال : فإن أول من
حفظ عنه هذه المقالة الجعد بن درهم وأخذها عنه جهم بن صفوان
وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه والجعد أخذها عن أبان بن سمعان
وأخذها أبان من طالوت بن أخت لبيد بن الاعصم وأخذها طالوت من
لبيد اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم قال وكان الجعد
هذا فيما يقال من أهل حران ، فيقال له : أيها المدعي ان هذه
المقالة مأخوذة من تلامذة اليهود قد خالفت الضرورة في ذلك فإنه
ما يخفى على جميع الخواص وكثير من العوام أن اليهود مجسمة مشبهات
فكيف يكون ضد التجسيم والتشبيه مأخوذا عنهم . وأما المشركون
فكانوا عباد أوثان وقد بينت الائمة أن عبدة الاصنام تلامذة
المشبهة وأن أصل عبادة الصنم التشبيه فكيف يكون نفيه مأخوذا عنهم
، وأما الصابئة فبلدهم معروف واقليمهم مشهور وهل نحن [ 188
] منه أو خصومنا وأما كون الجعد بن درهم من أهل حران فالنسبة
صحيحة وترتيب هذا السند الذي ذكره سيسأله الله تعالى عنه والله
من ورائه بالمرصاد . وليت لو اتبعه أن سند دعواه وعقيدته أن فرعون
________________________________________
ظن أن إله موسى في السماء ثم أضاف المقالة إلى بشر المزني
وذكر أن هذه التأويلات هي التي أبطلتها الائمة ورد بها على بشر
وأن ما ذكره الاستاذ أبو بكر بن فورك والامام فخر الدين الرازي
قدس الله روحهما هو ما ذكره بشر وهذا بهرج لا يثبت على محك
النظر القويم ولا معيار الفكر المستقيم فإنه من المحال أن تنكر
الائمة على بشر أن يقول ما تقوله العرب وهذان الامامان ما قالا
إلا ما قالته العرب وما الانكار على بشر إلا فيما يخالف فيه
لغة العرب وأن يقول عنها ما لم تقله ثم أخذ بعد ذلك في تصديق عزوته
إلى المهاجرين والانصار رضي الله عنهم وشرع في النقل عنهم
فقال قال الاوزاعي كنا والتابعون متوافرون نقول ان الله تعالى
ذكره فرق عرشه فنقول له أول ما بدأت به الاوزاعي وطبقته ومن بعدهم
، فأين السابقون الاولون من المهاجرين والانصار ؟ وأما قول
الاوزاعي فأنت قد خالفته ولم تقل به لانك قلت ان الله ليس فوق
عرشه لانك قررت أن العرش والسماء ليس المراد بهما الا جهة العلو
، وقلت المراد من فوق عرشه والسماء ذلك فقد خالفت قول الاوزاعي
صريحا ، مع أنك لم تقل قط ما يفهم فإن قررت أن السماء في
العرش كحلقة ملقاة في فلاة فكيف تكون هي بعد ثم من أين لك صحة
هذا النقل عن الاوزاعي وبعد مسامحتك في كل ذلك ما قال الاوزاعي
الله فوق العرش حقيقة ، فمن أين لك هذه الزيادة ؟ ونقل عن مالك
بن أنس والثوري والليث والاوزاعي انهم قالوا في أحاديث الصفات
أمروها كما جاءت فيقال له لم لا أمسكت على ما أمرت به الائمة
بل وصفت الله بجهة العلو ولم يرد بذلك خبر ولو بذلت قراب الارض
ذهبا على أن تسمعها من عالم رباني لم تفرح بذلك بل تصرفت ونقلت
[ 189 ] على ما خطر لك وما أمررت ولا أقررت ولا امتثلت ما نقلته
عن الائمة ، وروى قول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول فليت
شعري من قال انه مجهول بل أنت زعمت أنه لمعنى عينته وأردت أن
________________________________________
تعزوه إلى الامامين ونحن لا نسمح لك بذلك ثم نقل عن مالك انه
قال للسائل الايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك الا مبتدعا
فأمر به فأخرج فيقال له ليت شعرى من امتثل منا قول مالك هل
امتثلناه نحن حيث أمرنا بالامساك وألجمنا العوام عن الخوض في
ذلك أو الذي جعله دراسته يلقيه ويلفقه ويلقنه وبكتبه ويدرسه ويأمر
العوام بالخوض فيه وهل أنكر على المستفتي في هذه المسألة بعينها
وأخرجه كما فعل مالك رضي الله عنه فيها بعينها وعند ذلك
يعلم أن ما قاله عن مالك حجة عليه لاله ثم نقل عن عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أنه قال وقد سئل عما جحدت به
الجهمية . اما بعد : فقد فهمت فيما سألت فيما تتابعت الجهمية .
ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير
وكلت الالسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول دون معرفة قدرته ردت
عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وهي حسيرة وإنما أمروا
بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير وإنما يقال كيف لمن لم يكن
مرة ثم كان ، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل
فإنه لا يعلم كيف (1) هو الا هو وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن
لا يموت ولا يبلى وكيف يكون لصفته لشئ منه حدا ومنتهى يعرفه
عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا
شئ أبين منه . والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن
تحقيق صفة أصغر خلقه فلا تكاد تراه صغيرا يحول ويزول ولا يرى
له سمع ولا بصر بل ما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك
مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم
وسيد السادات وربهم ، ثم نقل عنه الاحاديث الواردة في الصفات وذكر
قوله (والارض جميعا قبضته (1) لا يقال عن الله كيف قال أبو
سليمان الخطابي : والكيفية منفية عن الله وعن صفاته . [ 190 ]
يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) قال فوالله ما دلهم على
________________________________________
عظيم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظرها منهم عندهم
أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم فما وصف من
نفسه فسماه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سميناه كما سماه
لم نتكلف منه صفة ما سواه إلا هذا ولا هذا الا بجحد ما وصف
ولا نتكلف معرفة ما لم يتصف وبسط الماجشون كلامه في تقرير هذا
فنقول لهذا الحاكي نعم الحجة أتيت بها ولكن لنا ونعم السلاح حملت
ولكن للعدى أما كلام عبد العزيز رضي الله عنه وما ذكر من كبرياء
الله وعظمته وانها تحير العقول وتشده الفهوم فهذا قاله العلماء
نظما ونثرا وأنت أزريت على سادات الائمة وأعلام الامة في
ثاني صفحة ترغب بها حيث اعترفوا بالعجز والتقصير وتعيب على ذلك
وعددته عليهم ذنبا وأنت معذور وهم معذورون وجعلت قول عبد العزيز
حجة . وقد ذكرنا في القضية ما يقوله المتكلمون في كل موضع
وأمر عبد العزيز أن يصف الرب بما وصف به نفسه وأن يسكت عما وراء
ذلك وذلك قولنا وفعلنا وعقيدتنا وأنت وصفته بجهة العلو وما وصف
به نفسه وجوزت الاشارة الحسية إليه وما ذكرها ونحن أقررنا الصفات
كما جاءت وأنت جمعت بين العرش والسماء بصفة العلو وقلت :
في السماء حقيقة ، وفي العرش حقيقة فسبحان واهب العقول ، ولكن
كان ذلك في الكتاب مسطورا . ثم ذكر عن محمد بن الحسن اتفاق الفقهاء
على وصف الرب بما جاء في القرآن وأحاديث الصفات فنقول له
: نحن لا نترك من هذا حرفا وأنت قلت أصف الرب تعالى بجهة العلو
وأجوز الاشارة الحسية إليه فأين هذا في القرآن وأخبار الثقات
ما أفدتنا في الفتيا من ذلك شيئا ونقل عن أبي عبيد القاسم بن
سلام رضي الله عنه أنه قال : إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وأنه
قال ما أدركنا أحدا يفسرها فنقول له الحمد لله حصل المقصود
ليت شعري من فسر السماء والعرش وقال : معناهما جهة العلو ومن
ترك تفسيرهما وأمرهما كما جاء ثم نقل عن ابن المبارك رضي الله
________________________________________
[ 191 ] عنه أنه قال يعرف ربنا بأنه فوق سمائه ، على عرشه بائن
من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية انه هاهنا في الارض ، فنقول
له : قد نص عبد الله انه فوق سمائه على عرشه فهل قال عبد الله
ان السماء والعرش واحد وهي جهة العلو ، ونقل عن حماد بن زيد
انه قال هؤلاء الجهمية انما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شئ
فنقول له : أيضا أنت قلت بمقالتهم فإنك صرحت بأن السماء ليى
هي ذاتها بل المعنى الذي اشتقت منه وهو السمو وفسرته بجهة العلو
فالاولى لك أن تنعي على نفسك ما نعاه حماد على الجهمية . ونقل
عن ابن خزيمة أن من لم يقل ان الله فوق سمواته على عرشه بائن
من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب والا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة
لئلا يتأذى به أهل القبلة وأهل الذمة فيقال له : الجواب عن
مثل هذا قد تقدم على أن ابن خزيمة قد علم الخاص والعام حديثه
في العقائد والكتاب الذي صنفه في التشبيه وسماه بالتوحيد ورد الائمة
عليه أكثر من أن يذكر وقولهم فيه ما قالوه له هو في غيره
معروف * ونقل عن عباد الواسطي و عبد الرحمن بن مهدي وعاصم بن
علي بن عاصم نحوا مما نقله عن حماد وقد بيناه ثم ذكر بعد ذلك ما
صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كانت زينب تفتخر على أزواج
النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله
من فوق سبع سموات فنقول : ليس في هذا الحديث أن زينب قالت : إن
الله فوق سبع سموات ، بل إن تزويج الله إياها كان من فوق سبع
سموات * ثم نقل عن أبي سليمان الخطابي ما نقله عن عبد العزيز
الماجشون وقد بينا موافقتنا له ومخالفته لذلك * وحكاه أيضا عن
الخطيب وأبي بكر الاسماعيلي ويحيى بن عمار وأبي إسماعيل الهروي
وأبي عثمان الصابوني ، وحكي عن أبي نعيم الاصبهاني أن الاحاديث
الثابتة في الاستواء يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا
تمثيل ولا تشبيه وهومستو على عرشه في سمائه دون أرضه * وحكاه عن
________________________________________
معمر الاصبهاني وقد بينا لك غير ما مرة أنه مخالف لهذا وأنه
ما قال به طرفة عين إلا ونقضه لان السماء عنده [ 192 ] ليست هي
المعرفة وأن السماء والعرش لا معنى لهما إلا جهة العلو * وحكي
عن عبد القادر الجيلي أنه قال : الله بجهة العلو مستو على عرشه
فليت شعرى لم احتج بكلامه وترك مثل جعفر الصادق والشبلي والجنيد
وذي النون المصري وجعفر بن ابي نصير وأضرابهم رضي الله عنهم
* وأما ما حكاه عن ابي عمر بن عبد البر فقد علم الخاص والعام
مذهب الرجل ومخالفة الناس له ونكير المالكية عليه أولا وآخرا
مشهور ومخالفته الامام المغرب أبي الوليد الباجي معروفة حتى أن
فضلاء المغرب يقولون : لم يكن أحد بالمغرب يرى هذه المقالة غيره
وغير ابن أبي زيد غير أن العلماء منهم من قد اعتذر عن ابن أبي
زيد بما هو موجود في كلام القاضي الاجل أبي محمد عبد الوهاب
البغدادي المالكي رحمه الله ثم إنه قال : إن الله فوق في السماء
على العرش من فوق سبع سموات ولم يعقل ما معنى في السماء على
العرش من فوق سبع سموات ولم إن ابن عبد البر ما تأول هذا الكلام
ولا قال بمقالة المدعي إن المراد بالعرش والسماء جهة العلو
* ثم نقل عن البيهقي رحمه الله ما لا تعلق له بالمسألة وأعاد كلام
من سبق ذكره ثم ذكر بعد ذلك شيخنا أبا الحسن علي بن إسماعيل
الاشعري وأنه يقول الرحمن على العرش استوى ولا نتقدم بين يدي
الله تعالى في القول بل نقول استوى بلا كيف * وهذا الذي نقله
عن شيخنا هو نحلتنا وعقيدتنا لكن نقله لكلامه ما أراد به إلا قصد
الايهام بأن الشيخ يقول بالجهة فإن كان كذلك فقد بالغ في البهت
وكلام الشيخ في هذا أنه قال كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي
فلم يحتج إلى مكان وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه وكلامه
وكلام أصحابه رحمهم الله يصعب حصره في ابطالها . ثم حكى ذلك
عن القاضي أبي بكر وامام الحرمين ثم تمسك برفع الايدي إلى السماء
________________________________________
. وذلك إنما كان لاجل أن السماء منزل البركات والخيرات لان
الانوار إنما تنزل منها والامطار وإذا ألف الانسان حصول الخيرات
من جانب مال طبعه إليه فهذا المعنى الذي أوجب رفع الايدي إلى
السماء . وقال الله تعالى [ 193 ] (وفي السماء رزقكم وما توعدون)
ثم اكتفى بمثل هذه الدلالة في مطالب أصول العقائد فما يؤمنه
من مبتدع يقول الله تعالى في الكعبة لان كل مصل يوجه وجهه
إليها ويقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض أو يقول الله في
الارض فإن الله تعالى قال (كلا لا تطعه واسجد واقترب) والاقتراب
بالسجود في المسافة إنما هو في الارض وقال النبي صلى الله
عليه وسلم ” اقرب ما يكون العبد في سجوده ” . ثم ذكر بعد ذلك ما
أجبنا عند من حديث الاوغال ، وذكر بعد ذلك ما لا تعلق له بالمسألة
وأخذ يقول إنه حكى عن السلف مثل مذهبه وإلى الان ما حكى
مذهبه عن أحد لا من سلف ولا من خلف غير عبد القادر الجيلي ، وفي
كلام ابن عبد البر بعضه ، وأما العشرة وباقي الصحابة رضي الله
عنهم فما ثبت عنهم بحرف ثم أخذ بعد ذلك في مواعظ وأدعية لا تعلق
لها بهذا ثم أخذ في سب أهل الكلام ورجمهم وما ضر القمر من
قبحه وقد تبين بما ذكرناه أن هذا الخبر الحجة ترجم فتياه أنه يقول
ما قاله الله ورسوله والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
ولم ينقل مقالته عن أحد من الصحابة وإذ قد أتينا على إفساد
كلامه وإيضاح إيهامه وإزالة إبهامه ونقض إبرامه وتنكيس أعلامه
فلنأخذ بعد هذا فيما يتعلق بغرضنا وإيضاح نحلتنا فنقول وبالله
التوفيق . على سامع هذه الايات والاخبار المتعلقة بالصفات ما
قررناه من الوظائف وهي التقديس والايمان والتصديق والاعتراف بالعجز
والسكوت والامساك عن التصرف في الالفاظ الواردة وكف الباطن
عن التفكر في ذلك واعتقاده أن ما خفي عنه لم يخف عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا عن الصديق ولا عن أكابر الصحابة رضي
________________________________________
الله عنهم ولنأخذ الان في إبراز اللطائف من خفيات هذه الوظائف
فأقول وبالله المستعان . أما التقديس فهو أن يعتقد في كل آية أو
خبر معنى يليق بجلال الله تعالى مثال ذلك إذا سمع قوله صلى الله
عليه وسلم ” إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ” وكان
النزول يطلق على ما يفتقر إلى جسم عال وجسم [ 194 ] سافل وجسم
منتقل . من العالي إلى السافل وإلى انتقال جسم من علو إلى سفل
ويطلق على معنى آخر لا يفتقر إلى انتقال ولا حركة جسم كما قال
تعالى (وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) مع أن النعم لم تنزل
من السماء بل هي مخلوقة في الارحام قطعا ، فالنزول له معنى
غير حركة الجسم لا محالة وفهم ذلك من قول الامام الشافعي رضي
الله عنه دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت ولم
يرد حينئذ الانتقال من علو إلى سفل ، فليتحقق السامع أن النزول
ليس بالمعنى الاول في حق الله تعالى فإن الجسم على الله محال
وإن كان لا يفهم من النزول الانتقال فيقال له من عجز عن فهم نزول
البعير فهو عن فهم نزول الله عز وجل أعجز فاعلم أن لهذا معنى
يليق بجلاله وفي كلام عبد العزيز الماجشون السابق إلى هذا مرامز
، وكذلك لفظة فوق الواردة في القرآن والخبر فليعلم أن فوق
تارة تكون للجسمية وتارة للمرتبة كما سبق فليعلم أن الجسمية على
الله محال وبعد ذلك ان له معنى يليق بجلاله تعالى . وأما الايمان
والتصديق به فهو أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
صادق في وصف الله تعالى بذلك وما قاله حق لا ريب فيه بالمعني
الذي أراده والوجه الذي أراده وإن كان لا يقف على حقيقته ولا
يتخبطه الشيطان فيقول كيف أصدق بأمر جمل لا أعرف عينه بل يخزي
الشيطان ويقول كما إذا أخبرني صادق أن حيوانا في دار فقد أدركت
وجوده وإن لم أعرف عينه فكذلك ههنا . ثبم ليعلم أن سيد الرسل
صلى الله عليه وسلم قد قال ” لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت
________________________________________
على نفسك ” وقال سيد الصديقين رضي الله عنه العجز عن درك الادراك
إدراك . وأما الاعتراف بالعجز فواجب على كل من لا يقف على حقيقة
هذه المعاني الاقرار بالعجز ، فإن ادعى المعرفة فقد كلف وكل
عارف وإن عرف فما خفي عليه أكثر . وأما السكوت فواجب على العموم
لانه بالسؤال يتعرض لما لا يطيقه فهو إن سأل جاهلا زاده جهلا
وإن سأل عالما لم يمكن العالم إفهامه كما لا يمكن البالغ تعليم
الطفل لذة الجماع وكذلك تعليمه مصلحة البيت وتدبيره بل يفهمه
مصلحته في خروجه إلى [ 195 ] المكتب فالعامي إذا سأل عن مثل
هذا يزجر ويردع ويقال له ليس هدا بعشك فادرجي وقد أمر مالك بإخراج
من سأله فقال ما أراك إلا رجل سوء وعلاه الرحضاء ، وكذلك
فعل عمر رضي الله عنه بكل من سأل عن الايات المتشابهة ، وقال
صلى الله عليه وسلم ” إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال ” وورد
الامر بالامساك عن القدر فكيف الصفات . وأما الامساك عن التصرف
في هذه الاخبار والايات فهو أن يقولها كما قالها الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف فيها بتفسير ولا تأويل
ولا تصريف ولا تفريق ولا جمع ، فأما التفسير فلا يبدل لفظ لغة
بأخرى فإنه قد لا يكون قائما مقامه فربما كانت الكلمة تستعار في
لغة دون لغة وربما كانت مشتركة في لغة دون لغة وحينئذ يعظم الخطب
بترك الاستعارة وباعتقاد أن أحد المعنيين هو المراد بالمشترك
، وأما التأويل فهو أن يصرف الظاهر ويتعلق بالمرجوح فإن كان
عاميا فقد خاض بحرا لا ساحل له وهو غير سابح وإن كان عالما لم
يجز له ذلك إلا بشرائط التأويل ولا يدخل مع العامي فيه لعجز
العامي عن فهمه ، وأما كف باطنه فلئلا يتوغل في شئ يكون كفرا ولا
يتمكن من صرفه عن نفسه ولا يمكن غيره ذلك ، وأما اعتقاده أن
النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك فليعلمه ولا يقس نفسه به ولا
بأصحابه ولا بأكابر العلماء فالقلوب معادن وجواهر . ثم الكلام
________________________________________
بعد هذا في فصلين أحدهما في تنزيه الله تعالى عن الجهة فنقول
: الاول أن القوم إن بحثوا بالاخبار والاثار فقد عرفت ما فيها
وأنهم ما ظفروا بصحابي ولا تابعي يقول بمقالتهم على أن الحق
في نفس الامر أن الرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال وقد
روى أبو داود في سننه عن معاذ رضي الله عنه أنه قال : ” إقبلوا
الحق من كل من جاء به وإن كان كافرا أو قال فاجرا واحذروا زيغة
الحكيم قالوا كيف نعلم أن الكافر يقول الحق ؟ قال : إن على الحق
نورا ، ولقد صدق رضي الله عنه ولو تطوقت قلادة التقليد لم
نأمن أن كافرا يأتينا بمن هو معظم في ملته ، ويقول : إعرفوا الحق
بهذا وإذ قد علمت أن القوم لا مستروح لهم في النقل فاعلم أن
الله سبحانه وتعالى لم يخاطب إلا أولي العقول [ 196 ] والالباب
والبصائر والقران طافح بذلك والعقل هو المعرف بوجود الله تعالى
ووحدته ومبرهن رسالة أنبيائه إذ لا سبيل إلى معرفة إثبات ذلك
بالنقل والشرع قد عدل العقل وقبل شهادته ، واستدل به في مواضع
من كتابه كالاستدلال بالانشاء على الاعادة وقوله تعالى (وضرب
لنا مثلا ونسي خلقه) ولقد هدم الله تعالى بهذه الاية مباحث الفلاسفة
في إنكار المعاد الجسماني واستدل به على التوحيد فقال الله
تعالى : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقال تعالى :
(وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على
بعض) وقال تعالى : (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والارض) وقال
تعالى : (أنظروا ماذا في السموات والارض) وقال تعالى : (قل
إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) وقال
تعالى : (سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم) فيا خيبة من رد
شاهدا قبله الله وأسقط دليلا نصبه الله فهم يلقون مثل هذا ويرجعون
إلى أقوال مشايخهم الذين لو سئل أحدهم عن دينه لم يكن له
قوة على إثباته وإذا ركض عليه في ميدان التحقيق جاء سكيتا ، وقال
________________________________________
سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وفي صحيح البخاري في حديث الكسوف
ما يعرف به حديث هؤلاء في قبورهم وبعد ذلك يقول العقل الذي
هو مناط التكليف وحاسب الله تعالى الناس به وقبل شهادته في نصه
وأثبت به أصول دينه وقد شهد بخبث هذا المذهب وفساد هذه العقيدة
وانها آلت إلى وصفه تعالى بالنقائص تعالى الله عما يقول الظالمون
علوا كبيرا ، وقد نبهت مشايخ الطريق على ما شهد به العقل
ونطق به القرآن بأسلوب فهمته الخاصة ولم تنفر منه العامة وبيان
ذلك بوجوه . (البرهان الاول) وهو المقتبس من ذي الحسب الزكي
والنسب العلي سيد العلماء ووارث خير الانبياء جعفر الصادق رضي
الله عنه قال : لو كان الله في شئ لكان محصورا ، وتقرير هذه الدلالة
أنه لو كان في جهة لكان مشارا إليه بحسب الحس وهم يعلمون
ذلك ويجوزون الاشارة الحسية إليه وإذا كان في جهة مشارا إليه
لزم تناهيه وذلك لانه إذا كان في [ 197 ] هذه الجهة دون غيرها
فقد حصل فيها دون غيرها ولا معنى لتناهيه إلا ذلك ، وكل متناه
محدث لان تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص
فقد ظهر بهذا البرهان الذي تبديه العقول أن القول بالجهة يوجب
كون الخالق مخلوقا والرب مربوبا وأن ذاته متصرف فيها وتقبل
الزيادة والنقصان تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
(البرهان الثاني) المستفاد من كلام الشبلي رضي الله عنه شيخ الطريق
وعلم التحقيق في قوله الرحمن لم يزل والعرش محدث والعرش بالرحمن
استوى وتقريره أن الجهة التي يختص الله تعالى بها على قولهم
تعالى الله عنها وسموها العرش . أما أن تكون معدومة أو موجودة
والقسم الاول محال بالاتفاق ، وأيضا فإنها تقبل الاشارة الحسية
والاشارة الحسية إلى العدم محال فهي موجودة وإذا كانت موجودة
فإن كانت قديمة مع الله فقد وجد قديم غير الله وغير صفاته
، فحينئذ لا يدرى أيهما الاله وهذا خبث هذه العقيدة وإن كانت
________________________________________
حادثة فقد حدث التحيز بالله تعالى فيلزم أن يكون الله قابلا لصفات
نفسية حادثة تعالى الله عن ذلك . (البرهان الثالث) المستفاد
من لسان الطريقة وعلم الحقيقة وطبيب القلوب والدليل على المحبوب
أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه قال : متى يتصل من لا شبيه
له ولا نظير بمن له شبيه ونظير هيهات هيهات هذا ظن عجيب ، وتقرير
هذا البرهان أنه لو كان في جهة . فإما أن يكون أكبر أو مساويا
أو أصغر والحصر ضروري فإذا كان أكبر كان القدر المساوي للقدر
منه للجهة مغايرا للقدر الفاضل منه فيكون مركبا من الاجزاء
والابعاض وذلك محال ، لان كل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره
وكل مركب مفتقر إلى الغير وكل مفتقر إلى الغير لا يكون إلها
وإن كان مساويا للجهة في المقدار والجهة منقسمة لامكان الاشارة
الحسية إلى أبعاضها فالمساوي لها في المقدار منقسم وإن كان أصغر
منها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فإن كان مساويا لجوهر
فرد فقد رضوا لانفسهم بأن إلههم قدر جوهر فرد وهذا لا يقوله عاقل
وإن كان مذهبهم لا يقوله عاقل لكن هذا [ 198 ] في بادئ الرأي
يضحك منه جهلة الزنج وإن كان أكبر منه انقسم فانظروا إلى هذه
النحلة وما قد لزمها تعالى الله عنها . (البرهان الرابع) المستفاد
من جعفر بن نصير رحمه الله وهو أنه سئل عن قوله تعالى (الرحمن
على العرش استوى) فقال استوى علمه بكل شئ فليس شئ أقرب إليه
من شئ وتقرير هذا البرهان أن نسبة الجهات إليه على السوية
فيمتنع أن يكون في الجهة وبيان أن نسبتها إليه على السوية أنه
قد ثبت أن الجهة أمر وجودي فهي إن كانت قديمة مع الله لزم وجود
قديمين متميزين بذاتيهما لانهما إن لم يتميزا بذاتيهما ، فالجهة
هي الله تعالى والله هو الجهة تعالى الله عن ذلك وإن لم تكن
قديمة فاختصاصه بها إما أن يكون لان ذاته اقتضت ذلك فيلزم كون
الذات فاعلة في الصفات النفسية أو غير ذاتية فنسبة الجهات إلى
________________________________________
ذاته على السوية فمرجح جهة على جهة أمر خارج عن ذاته فلزم افتقاره
في اختصاصه للجهة إلى غيره والاختصاص بالجهة هو عين التحيز
والتحيز صفة قائمة بذات المتحيز فلزم افتقاره في صفة ذاته إلى
غيره وهو على الله تعالى محال . ثم اعلم أن هذه البراهين التي
سردناها وتلقيناها من مشايخ الطريق فإنما استنبطناها من الكتاب
العزيز ولكن ليس كل ما في الكتاب العزيز يعرفه كل أحد وكل يغترت
بقدر إنائه وما نقصت قطرة من مائه ولقد كان السلف يستنبطون
ما يقع من الحروب والغلبة من الكتاب العزيز ولقد استنبط ابن
برجان رحمه الله من الكتاب العزيز فتح القدس على يد صلاح الدين
في سنته واستنبط بعض المتأخرين من سورة الروم إشارة إلى حدوث
ما كان بعد ثلاث وسبعين وستمائة ولقد استنبط كعب الاخبار رضي الله
عنه من التوراة أن عبد الله بن قلابة يدخل إرم ذات العماد
ولا يدخلها غيره وكان يستنبط منها ما يجري من الصحابة رضي الله
عنهم وما يلاقيه أجناد الشام وذلك مشهور والله تعالى أنزل في
كتابه ما يفهم أحد الخلق منه الكثير ولا يفهم الاخر منه ذلك ،
وقد تختلف المراتب في [ 199 ] استنباط الاحكام من كلام الفقهاء
والمعاني من قصائد الشعراء فإما ما ورد في الكتاب العزيز مما
ينفي الجهة فتعرفه الخاصة ولا تشمئز منه العامة فمن ذلك قوله تعالى
(ليس كمثله شئ) ولو حصرته جهة لكان مثلا للمحصور في ذلك البعض
وكذلك قوله تعالى : (هل تعلم له سميا) قال ابن عباس رضي الله
عنه : هل تعلم له مثلا ، ويفهم ذلك من القيوم وثناء المبالغة
في أنه قائم بنفسه وما سواه قائم به فلو قام بالجهة لقام بغيره
ويفهم من قوله تعالى المصور لانه لو كان في جهة لتصور فإما
أن يصور نفسه أو يصوره غيره وكلاهما محال ويفهم من قوله تعالى
: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) ولو كان على العرش حقيقة
لكان محمولا ويفهم من قوله تعالى : (كل شئ هالك إلا وجهه) والعرش
________________________________________
شئ يهلك فلو كان سبحانه وتعالى لافي جهة ثم صار في جهة لوجد
التغير وهو على الله محال والمدعي لما علم أن القرآن طافح بهذه
الاشياء وبهذه الاشارات قال هذه الاشياء دلالتها كالالغاز
أو ما علم المغرور أن أسرار العقائد التي لا تحملها عقول العوام
لا تأتي إلا كذلك وأين في القرآن ما ينفي الجسمية إلا على سبيل
الالغاز وهل تفتخر الاذهان إلا في استنباط الخفيات كاستنباط
الشافعي رضي الله عنه الاجماع من قوله تعالى : (ويتغ غير سبيل
المؤمنين) وكاستنباط القياس من قوله تعالى : (فاعتبروا يا أولى
الابصار) وكاستنباط الشافعي خيار المجلس من نهيه صلى الله عليه
وسلم عن البيع على بيع أخيه وزبدة المسألة أن العقائد لم يكلف
النبي صلى الله عليه وسلم الجمهور منها إلا بلا إله إلا الله
محمد رسول الله كما أجاب مالك الشافعي رضي الله عنهما ووكل الباقي
إلى الله وما سمع منه ولا من أصحابه فيها شئ إلا كلمات معدودات
فهذا الذي يخفي مثله ويلغز في إفادته . [ 200 ] (الفصل
الثاني) في إبطال ما موه به المدعي من أن القرآن والخبر اشتملا
على ما يوهم ظاهره ما تنزه الله تعالى عنه على قول المتكلمين
فنقول : قال الله تعالى : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات
محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ)
الاية دلت هذه الاية على أن من القرآن محكم ومنه متشابه والمتشابه
قد أمر العبد برد تأويله إلى الله وإلى الراسخين في العلم
فنقول بعد ذلك إنما لم تأت النبوة بالنص ظاهرا على المتشابه لان
جل مقصود النبوة هداية عموم الناس فلما كان الاكثر محكما وألجمت
العامة عن الخوض في المتشابه حصل المقصود لولا أن يقيض الله
تعالى لهم شيطانا يستهويهم ويهلكهم ولو أظهر المتشابه لضعفت
عقول العالم عن إدراكه . ومن فوائد المتشابه رفعة مراتب العلماء
بعضهم على بعض كما قال تعالى : (وفوق كل ذي علم عليم ” وتحصيل
________________________________________
زيادة الاجور بالسعي في تفهمها وتفهيمها وتعلمها وتعليمها ،
وأيضا لو كان واضحا جليا مفهوما بذاته لما تعلم سائر العلوم بل
هجرت بالكلية ووضح الكتاب بذاته ، ولما احتيج إلي علم من العلوم
المعينة على فهم كلامه تعالى ثم خوطب في المتشابه بما هو عظيم
بالنسبة إليهم وإن كان في الامر أعظم منه كما نبه عليه عبد
العزيز الماجشون في القضية وكما قال تعالى في نعيم أهل الجنة :
(في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب) الاية فهذا عظيم
عندهم وإن كان في الجنة ما هو أعظم منه كما قال صلى الله عليه
وسلم حكاية عن الله عزوجل : ” أعددت لعبادي الصالحين ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ” نسأل الله العظيم
أن يجعل فيها قرارنا [ 201 ] وأن ينور بصيرتنا وأبصارنا وأن يجعل
ذلك لوجهه الكريم بمنه وكرمه ونحن ننتظر ما يرد من تمويهه
وفساده لنبين مدارج زيغه وعناده ونجاهد في الله حق جهاده والحمد
لله رب العالمين . [ 203 ] الرسالة السادسة النصيحة الذهبية
لابن تيمية لشمس الدين محمد الذهبي المتوفى سنة 748 ه‍ عن اصل
منقول من نسخة البرهان بن جماعة التي كتبها من نسخة الحافظ الصلاح
العلائي المأخوذة من خط الذهبي [ 205 ] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ذلتي يا رب ارحمني وأقلني عثرتي . واحفظ علي
ايماني . وآحزناه على قلة حزني . وآأسفاه على السنة وذهاب أهلها
. وآشوقاه إلى اخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء . وآحزناه
على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات
. آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب
الناس وتبا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه ، إلى كم ترى القذاة
في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك ؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك
وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول
صلى الله عليه وسلم لا تذكروا موتاكم إلا بخير فانهم قد أفضوا
________________________________________
إلى ما قدموا بلى أعرف إنك تقول لي لتنصر نفسك : إنما الوقيعة
في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الاسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم وهو جهاد ، بلى والله عرفوا خيرا مما إذا
عمل به العبد فاز وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم و : من حسن
اسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، يا رجل بالله عليك كف عنا فانك
محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام ، اياكم والاغلوطات في الدين
، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وفي عن كثرة
السؤال وقال (ان أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)
وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام
فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي
تعمي القلوب ؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود ، فإلى كم تنبش
دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا ، يا رجل قد بلعت
سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات ، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها
الجسم وتكمن [ 206 ] والله في البدن . واشوقاه إلى مجلس فيه
تلاوة بتدبر ، وخشية بتذكر . وصمت بتفكر ، وآها لمجلس يذكر
فيه الابرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، لا عند ذكر الصالحين
يذكرون بالازدراء واللعنة ، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم
شقيقين فواخيتهما بالله خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب
، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسا من الضلال قد صارت هي محض السنة
وأساس التوحيد ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار ومن لم يكفر
فهو أكفر من فرعون ، وتعد النصارى مثلنا ، والله ان في القلوب
شكوك ان سلم لك إيمانك بالشهادتين فانت سعيد يا خيبة من اتبعك
فانه معرض للزندقة والانحلال ، ولا سيما إذا كان قليل العلم
والدين باطوليا شهوانيا لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه وفي
الباطن عدو لك ، بحاله وقلبه فهل معظم اتباعك الا قعيد مربوط
خفيف العقل أو عامي كذاب بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر ،
________________________________________
أو ناشف صالح عديم الفهم ، فان لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل
. يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي
الاخيار ؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالابرار ، إلى كم تعظمها وتصغر
العباد ، إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد ، إلى متى تمدح كلامك
بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين ، يا ليت أحاديث الصحيحين
تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف ، والاهدار
، أو بالتأويل والانكار ، أما آن لك أن ترعوي ؟ أما حان لك أن
تتوب وتنيب ، أما أنت في عشر السبعين وقد حمار شهوتك لمدح نفسك
، إلى كم تصادقها وتعادي الاخيار ؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالابرار
، إلى كم تعظمها وتصغر العباد ، إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد
، إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين
، يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تغير عليها
بالتضعيف ، والاهدار ، أو بالتأويل والانكار ، أما آن لك
أن ترعوي ؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب ، أما أنت في عشر السبعين
وقد قرب الرحيل . بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري
بمن يذكر الموت ، فما أظنك تقبل على قولى ولا تصغي إلى وعظي بل
لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام
ولا تزال تنتصر حتى أقوالك : والبتة سكت فإذا كان حالك عندي
وأنا الشفوق المحب الواد ، فكيف يكون حالك عند أعدائك ، وأعداؤك
والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة
وجهلة وبطلة
[ 207 ] وعور وبقر ، قد رضيت منك بأن تسبني علانية
وتنتفع بمقالتي سراً (رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي) فاني
كثير العيوب غزير الذنوب ، الويل لي إن أنا لا أتوب ووافضيحتي
من علام الغيوب ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته ، والحمد
لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين .
[ 209 ]
سورة بخط ابن قاضي شهبة نقلا عن خط ابن جماعة نقلا عن خط العلائي المنسوخ من خط الذهبي نفسه . وهذه الصورة موجودة في دار الكتب المصرية تحت رقم / 18823 ب
________________________________________

الكتاب : التنديد بمَن عدَّد التوحيد المؤلف : السيد حسن بن علي السقاف العلوي الهاشمي

الكتاب : التنديد بمَن عدَّد التوحيد
المؤلف : السيد حسن بن علي السقاف العلوي الهاشمي .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 3
التنديد بمن عدد التوحيد إبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية
تأليف حسن بن علي السقاف القرشي الهاشمي الحسيني الشافعي
دار الإمام النووي
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 4

حسن بن علي السقاف حسن التنديد بمن عدد التوحيد / حسن بن علي السقاف
– عمان : دار الامام النووي .
1 . الاسلام – توحيد 2 . الاسلام – عقيدة أ .
العنوان ( تمت الفهرسة بمعرفة المكتبة الوطنية ) دار الامام النووي عمان – الاردن
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 5
مقدمة
الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على عبده المصطفى ، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه المنتخبين أهل الوفا ، ومن لهم اقتفى .
أما بعد : فهذا جزء لطيف ، ومنار منيف ، أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات ، حيث انتشر هذا التقسيم في هذا الزمان ، وقد دعاني إلى ذلك ما رأيت من بعض من كتب في التوحيد والعقائد إثبات هذا الفرق واستساغته تقليدا من غير استبصار بحقيقة الامر والحال ،
وخصوصا أن هذا التقسيم لا يعرف عند السلف البتة وإنما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري ، فأردت التنبيه عليه لئلا يغتر بهذا التقسيم أحد من طلاب العلم ، فنسأل الله تعالى لنا الاعانة ، فيما توخينا من الابانة .
ولا بد أيضا من التنبيه على القسم الثالث للتوحيد وهو : ( توحيد الاسماء والصفات ) وبيان المراد منه عند من يقول به في هذه الرسالة المختصرة وبالله تعالى التوفيق . ( فاعلم ) : أن تقسيم التوحيد إلى هذه الاقسام الثلاث تقسيم غير صحيح ، تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 6
________________________________________
الطحاوية ابن أبي العز المنسوب للحنفية خطأ الذي رد على صاحب الكتاب الاصلي الامام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه – متن الطحاوية – في التوحيد فزيف ابن أبي العز بعض كلام الامام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى ، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح ،
فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والاجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الوارد في كلام الامام أبي جعفر الطحاوي ، وظن الساعون في نشر هذا الشرح للطحاوية والمروجون له أنهم يستطيعون أن يقنعوا الناس بأنه يمثل عقيدة الاسلام الحقة حيث ستروا وغطوا ما لم يعجبهم من عقيدة الطحاوي رحمه الله تعالى وهي العقيدة المتفق على قبولها وصحتها والتى تمثل عقيدة أهل الحق من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية بهذا الشرح المشحون بالاخطاء والمغالطات المختلفة المتنوعة ! ! ،
وكما قيل : لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل وقد نص ابن أبي العز في شرحه المذكور على هذا التقسيم فقال ( 1 ) : ( فان التوحيد يتضمن ثلاث أنواع : أحدهما الكلام في الصفات ، والثاني : توحيد الربوبية ، وبيان أن الله وحده خالق كل شئ ، والثالث : توحيد الالهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له ) ا ه‍.
فلنبدأ بإثبات تحقيق عدم وجود هذا التقسيم وتفنيد هذه العبارة فنقول وبالله تعالى التوفيق .
( هامش ) *
( 1 ) انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ، بتخريج الالباني ، وتوضيح الشاويش المقرين لما فيها جملة وتفصيلا ، طبع المكتب الاسلامي ، الطبعة السادسة ص ( 78 ) . ( * ) ?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 7
تمهيد
________________________________________
لقد أرسل الله تعالى سيدنا محمدا ص بكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وحث عليها ووعد قائلها ومعتقدها الجنة ، وقد وردت بذلك الايات والاخبار الصحيحة ، منها قول الله تعالى : * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) * محمد : 19 ،
ومنها قوله : * ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا ) * الفتح : 13 ،
وقال النبي ص : ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ( 2 ) ألقاها إلى مريم وروح منه ( 3 ) ، والجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ) رواه البخاري ( 6 / 474 فتح ) ومسلم ( 1 / 57 برقم 46 ) .
وقال ص : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) رواه البخاري ( 1 / 75 فتح ) ومسلم ( 1 / 53 برقم 36 ) .
فمن هذه الايات الكريمة والاحاديث الشريفة يتضح وضوحا جليا أن الله سبحانه بين لنا أن التوحيد هو ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، ولم يذكر
* ( هامش ) *
( 2 ) معنى ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) أي : بشارته أرسلها بواسطة الملك إلى السيدة مريم .
( 3 ) معنى ( وروح منه ) أي : منه خلقا وتكوينا ، لا جزءا كما تعتقد النصارى . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 8
الله تعالى في كتابه ، ولا النبي ص في سنته أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات ، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة ، بل ولا أحد من التابعين ، بل ولا أحد من السلف الصالح رضي الله عن الجميع .
________________________________________
بل إن هذا التقسيم بدعة خلفية مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري ، أي بعد زمن النبي ص بنحو ثمانمائة سنة ، ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل ، والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج المتمسلفين بالكفار ، بل تكفيرهم بدعوى أنهم وحدوا توحيد ربوبية كسائر الكفار بزعمهم ! ! ولم يوحدوا توحيد ألوهية – وهو توحيد العبادة الذين يدعونه -
وبذلك كفروا المتوسلين بالانبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالاولياء وكفروا أيضا كثيرا ممن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها ، وكل ذلك سببه ذلك الحراني ، وعلى ذلك سار شارح الطحاوية ابن أبى العز الملقب بالحنفي فخالف الامام الحافظ الطحاوي الحنفي في عقيدته في مواضع عديدة !
منها أن صاحب المتن الامام الطحاوي ينفي الحد عن الله سبحانه والشارح يرد عليه فيثبت الحد ! ومنها أن صاحب المتن ينفي الجهة وينزه الله سبحانه أن يوصف بها والشارح يرد عليه فيثبتها !
حتى قال العلامة علي القاري الحنفي عن شارحها ابن أبي العز في شرح الفقه الاكبر ص ( 172 ) بأنه : ( صاحب مذهب باطل ، تابع لطائفة من المبتدعة ) .
ولا بد أن نبطل هذا التقسيم للتوحيد في هذه المقدمة الصغيرة المتواضعة باختصار تلخيصا للبحث الذي تحويه هذه الرسالة التي سنسلك فيها طريقة :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 9
خير الكلام ما قل ودل ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :
( أولا ) : لا يعرف في الشرع اطلاق اسم موحد على من كفر ولو بجزء من العقيدة الاسلامية وذلك بنص الكتاب والسنة ، بل لا يجوز أن نقول الشرع ما لم يقل ولم يرد ، فلا يحل لنا أن نطلق على من كان يقر بوجود الله ويدرك أنه هو الا له المستحق للعبادة دون أن يذعن ويدخل في هذا الدين بأنه موحد ، بل نطلق عليه أنه كافر ،
________________________________________
بدليل قول الله تعالى : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 . فقد وصفهم الله تعالى بالكذب وبالكفر ، بل وصفهم بصيغة مبالغة وهى : ( كفار ) كما تقول : ضارب وضراب . فكيف يقال إنهم موحدون توحيد ربوبية والله تعالى وصفهم بالكفر صراحة ؟ ! !
( ثانيا ) : هؤلاء الكفار الذين كانوا يقولون فيما وصفهم الله تعالى بقوله : * ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ) * الزمر : 38 ولقمان : 25 ، والذين كانوا يقولون : * ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ) * الزمر : 3 ، ما كانوا يقرون بتوحيد ربوبية لو سلمنا جدلا بقسم توحيد الربوبية ، وما كانوا يقرون بوجود الله تعالى ،
ولذلك أدلة سأوردها الان إن شاء الله تعالى ، وإنما قالوا ذلك عند محاججة النبي ومجادلته إياهم وإفحامه لهم بالادلة التي تثبت وجود الله تعالى وتبطل إلهية ما يعبدون من دون الله سبحانه .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 10
فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه ص أن يجادلهم ويناقشهم في عقيدتهم وباقي أمورهم الفاسدة ليثبت لهم الحق قائلا له :
* ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * النحل : 125 ،
فلما كان ص يثبت لهم وجود الله ووحدانيته وأن لا إله إلا هو سبحانه ويلزمهم بترك عبادة هذه الاصنام التي كانوا يعبدونها ويسجدون لها من دون الله ، كانوا يتحرجون ولا يعرفون بماذا سيجيبون فكانوا يقولون عند سؤال النبي ص لهم : من خلق السموات والارض ؟ : الله . وكانوا يتحججون قائلين * ( ما نعبدهم ) * أي هذه الاوثان * ( إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) *.
وهذا كذب صريح منهم لانهم ما كانوا يعتقدون بوجود الله الذي خلق السموات والارض البتة بدليل أن الله أمرهم في القرآن الكريم أن يتفكروا في خلق السموات والارض ليعرفوا أن لها إلها خلقها وأوجدها فيؤمنوا به ،
________________________________________
قال تعالى : * ( أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت ، والى السماء كيف رفعت ، والى الجبال كيف نصبت ، وإلى الارض كيف سطحت ، فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمصيطر ) * الغاشية : 17 – 22 ،
وقال تعالى : * ( وإلهكم إله واحد ، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون ) * البقرة : 163 – 164 .
فكانوا يردون ما جاء في صدر هذه الايات الشريفة قائلين : * ( أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ) * ص : 5 ، ولو كانوا مقرين بأن الله سبحانه هو خالق السموات والارض وما فيهن ، لما ذكر الله لهم تلك الايات الامرة
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 11
بالتفكر في الابل كيف خلقت وفي الجبال كيف نصبت وفي الارض كيف سطحت وفي السماء كيف رفعت . فقولهم عند سؤال النبي لهم وقت إلزامهم الحجة في المناظرة : من خلق السموات والارض ؟ ! فيقولون : الله .
وقولهم * ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى ) * ما هو إلا كذب وكفر بنص القرآن الكريم ، حيث قال الله تعالى في آخر الاية : * ( ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 ،
كما قال سبحانه * ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) * التوبة : 8 . فلا يحل ولا يجوز لانسان أن يستنبط بعد هذا البيان من الايتين * ( ما نعبدهم . . ) * و * ( ولئن سألتهم . . ) * أنهم كانوا موحدين توحيدا يسمى توحيد ربوبية ، بل هذا استنباط معارض لنص القرآن الذي حكم عليهم بالكفر بل بالمبالغة بالكفر ،
ومنه يتبين أنه استنباط سطحي سخيف لا يقول به الا من لم يتعمق في فهم آيات القرآن الكريم وسنة النبي ص وقواعد علم التوحيد المبنية على الكتاب والسنة الصحيحة ، والذي يؤكد ذلك :
________________________________________
( ثالثا ) : أن أولئك الكفار اشتهر عنهم أنهم كانوا يعبدون تلك الاصنام ويحجون لها ويتقربون إليها * ( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ) * يس : 74 ، * ( أفرأيتم اللات والعزى ، ومنوة الثالثة الاخرى ) * النجم : 19 – 20 .
بل واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون : ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر . قال الله تعالى مخبرا لنا عنهم * ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 12
وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) * ( 4 ) الجاثية : 24 .
بل قال للنبي ص أحدهم : * ( من يحي العظام وهي رميم ) * يس : 78 ، فرد الله عليه * ( قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) * يس : 79 .
فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأن الله خالق ومحيي بأنه موحد توحيد ربوبية والله تعالى يقول عنه : * ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * ؟ ! الزمر : 3 .
بل بلغ من كفرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز إذ قال * ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا : وما الرحمن ؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) * الفرقان : 60 ،
فهل هؤلاء يقولون بوجود الرحمن الرحيم ؟ ! ! ولو كانوا يقرون أن الله هو الخالق لما قال الله لهم : * ( وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) * المؤمنون : 91 ، وعبر بالاله أيضا ولم يعبر بالرب إشارة الى أنهم لا يوحدون لا الرب ولا الاله ولان الرب هو الاله ، والاله هو الرب .
( رابعا ) : ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد الى ألوهية وربوبية يقول إن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الالوهية وأن المسلمين
* ( هامش ) *
________________________________________
( 4 ) والحق والواقع أن من ثلث التوحيد وقسمه إلى ثلاثة أقسام أبطل – سواء قصد أم لا – وألغى مثل هذه الايات الثابتة كالجبال في كتاب الله تعالى زيادة على قصده الباطل من هذا التقسيم الذي فيه عدة مخالفات ومحظورات شرعية ! ! فالله تعالى المستعان ! ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 13
الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبية ولم يوحدوا ألوهية ، فهو يكفرهم بذلك ، وهذا مراده من هذا التقسيم .
قال في كتابه ( منهاج السنة ) ( 2 / 62 ) بعد أن دمج وخلط بعض أئمة الاسلام كالسهروردي ( 5 ) وأبي حامد الرازي والامدي وغيرهم بمن يخالفهم في آرئهم من الفلاسفة كأرسطو طاليس والفارابي وابن سينا ما نصه :
( دخلوا في بعض الباطل المبدع ، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الالهية وإثبات حقائق أسماء الله ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الاقرار بان الله خالق كل شئ وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم :
* ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ) * . . ) .
وهذه مغالطة منه وتلبيس ، وهو كلام غلط كما بينا . وهل يعقل عاقل أو يقول إنسان بأن فرعون الذي كان من جملة المشركين كان يوحد ربوبية ولا يوحد ألوهية ؟ ! .
وهو الذي يقول * ( ما علمت لكم من إله غيري ) * القصص : 38 ، كما أنه هو القائل * ( أنا ربكم الاعلى ) * النازعات : 24 ولو كان يقر بالربوبية لما قال : * ( أنا ربكم الاعلى ) * ، بل لقال : ( أنا الهكم الاعلى ) .
* ( هامش ) *
( 5 ) علما بأن السهروردي من علماء أهل السنة والجماعة ، وعنه ينقل أكابر الائمة وعلماء الاسلام العقيدة ، فالامام الحافظ ابن حجر العسقلاني ينقل عنه في الفتح ( 13 / 390 سلفية دار المعرفة ) مذهب السلف الصالح في الصفات ويقول عقب ذلك : قال الطيبي : هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح اه‍. ( * )
?
________________________________________
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 14
ولو تذكر ابن تيمية قول الله تعالى في سورة الاعراف : * ( قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) * الاعراف : 76 ،
وقول سيدنا يوسف عليه السلام * ( ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) * يوسف : 39 ،
وقول سيدنا ابراهيم عليه السلام * ( أإفكا آلهة دون الله تريدون ) * الصافات : 86 ، مع قول الله عزوجل * ( واتخذوا من دون الله آلهة ) * يس : 74 ،
وقول الكفار حينما دعاهم الرسول ص الى كلمة التوحيد * ( أجعل الالهة إلها واحدا ) * ص : 5 لاستحى أن يفوه بذلك ! ومن هذا الايضاح والبيان يتبين بطلان تقسيم التوحيد إلى هذه الاقسام ، بل يتضح أن هذا التقسيم يعارض القرآن وعقيدة الاسلام ، فلا يصح أن يقال : هذا تقسيم تعليمي ، بل يجب أن يقال هذا تقسيم مغلوط معارض للقرآن الكريم .
ويجب أن يعلم كل أحد أن شرح الطحاوية يحوى هذا الخطأ وهذه الاغلاط المتناقضة ، وأن التعويل على مثل هذا الكتاب واعتماد تدريسه ما هو إلا خطأ جسيم لم يتنبه له كثير من المدرسين والطلاب فاحذروه واتقوه وإني لكم منه نذير مبين .
[ تنبيه ] :
اعلم أن متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه الامام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى ، كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح ، ولانه أيضا – أعني الطحاوي – ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنه عقيدة الامام الاعظم أبو حنيفة رضي الله عنه وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبو يوسف رحمهما الله تعالى .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 15
وأما شرحه المنتشر في الاسواق لابن أبي العز ففيه أمور كثيرة مخالفة للكتاب الاصلي – متن الطحاوية – ، وفيه أيضا عقائد فاسدة كإثبات قدم العالم بالنوع وتسلسل الحوادث الى غير أول ( 6 ) ، وإثبات الحد لذات الله تعالى ( 7 ) ،
________________________________________
وإثبات الحرف والصوت لكلامه سبحانه ( 8 ) وقيام الحوادث بذات الله سبحانه ( 9 ) إلى غير ذلك من أخطاء جسيمة ، وأغلاط أليمة ، فتنبهوا .
( هامش ) *
( 6 ) وذلك صفحة ( 129 ) من الطبعة الثامنة / المكتب الاسلامي .
( 7 ) انظر ص ( 219 ) من شرح الطحاوية ، وقد رددنا هذا وأبطلناه في رسالتنا ( التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد ) فارجع إليها .
( 8 ) انظر ص ( 169 ) من شرح الطحاوية .
( 9 ) انظر ص ( 177 ) من شرح الطحاوية . ( * ) ?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 16
فصل هام
بيان أن من اعترف بوجود الله ولم يوحده فهو كافر إجماعا ولا يسمى موحدا توحيد ربوبية بنص القرآن الكريم وتنزلا مع بعض أصحاب العقول ذات التفكير السطحي الضحل وعلى سبيل الجدل المنصوص على جوازه في القرآن الكريم بقوله تعالى : * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) *
أقول : هب أن هناك قسما من الجاهليين أو من أي طائفة من طوائف الكفار فيها أشخاص يقرون ويعترفون في غير مجال المضايقة في المناظرة ، بأن الله هو الخالق المحي المميت ، فإن هذا الاقرار منهم أو هذه المعرفة لا تجعل صاحبها يسمى أو يطلق عليه مؤمنا أو موحدا لا شرعا ولا لغة ولا عرفا البتة ،
أما شرعا فلادلة منها قوله تعالى : * ( ألا لله الدين الخالص ، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 ،
فقد صرح هذا النص لنا بأن الواحد من أولئك مع قوله : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * وتسليمنا جدلا بأنه مقر بقلبه بأنه معترف بوجود الله ! ! وهو ما يسميه الخصم
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 17
( توحيد الربوبية ) ومع ذلك كله أطلق عليه الله تعالى في كتابه كما ترون بأنه * ( كاذب كفار ) * .
________________________________________
وأما اللغة والعرف فلم يرد عن سيدنا رسول الله ص في سنته الواسعة أنه سماهم موحدين للربوبية ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه قال في حقهم أو عنهم ( إيمان دون إيمان ) مثل ما نقل عن بعضهم كابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أنه قال في بعض الامور ( كفر دون كفر ) وهذا مما يؤكد لنا ويدل بأن اللغة التي كان ص وأصحابه ينطقون بها والعرف الذي كان سائدا بينهم يمنعان إطلاق موحد أو توحيد ربوبية على ذلك الانسان .
ثم إن الايمان والتوحيد والعقيدة هو ( ما وقر في القلب وصدقه العمل ) وتعريف الايمان والتوحيد واضح من حديث سيدنا جبريل في السؤال عنه الذي رواه مسلم ، وظاهر في كتب التوحيد التي نصت على أن الايمان أو الدخول في التوحيد هو
( الاتيان بالشهادتين لسانا مع الاقرار القلبي بكل ما جاء عن الله تعالى ورسوله مع الاذعان ) فأين ذلك من ذا ، وبذلك اتضح جليا بطلان ما ذهب إليه المخالف وادعاه ، والله الموفق .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 18
وأما القسم الثالث من التوحيد وهو ما سموه بتوحيد الاسماء والصفات
فقد أشار إليه وذكره ابن تيمية في منهاج سنته ( 2 / 62 ) باسم ( إثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) والمراد من هذا القسم إثبات التشبيه والتجسيم وبيان أنه غير مذموم ،
ولا تستعجب أخي القارئ من ذلك ، واصبر فإنني سأنقل لك ذلك من كتب ابن تيمية مثبتا رقم المجلد والصحيفة .
قال ابن تيمية في كتابه التأسيس ( 1 / 101 ) : ( وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا ؟ ! فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل ، جهل وضلال ) اه‍.
________________________________________
وابن تيمية يقول كما هو ثابت عنه في كتبه وكما هو مشهور : ( لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ) ! ! فنقول له : إذا كنت لا تصف الله إلا بما وصف به نفسه فلماذا تثبت استقرار الله تعالى عما تقول على ظهر بعوضة وتجوزه ، هل هذا هو توحيد الاسماء والصفات أيها الشيخ الحراني ؟ ! وهل هذا مما وصف الله به نفسه ؟ !
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 19
قال ابن تيمية في كتابه ( التأسيس في رد أساس التقديس ) ( 1 / 568 ) : ( ولو قد شاء – الله – لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم ) اه‍.
فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لارائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة ؟ ! ولقد استحى عباد الاوثان والمشركون أن يصفوا آلهتهم بذلك ! !
وهل من توحيد الاسماء والصفات إثبات الحركة لله تعالى كما يقول ابن تيمية في كتابه ( موافقة صريح المعقول ) ( 2 / 4 ) على هامش منهاج سنته وقد نسب ذلك لاهل الحديث والسلف زورا ؟ ! ! وأين وصف الله تعالى نفسه في كتابه بلفظ الحركة ؟ !
وابن تيمية يقول في كتابه التأسيس ( 1 / 101 ) : ( وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا ) اه‍.
ونقول له : بل في كتاب الله وفي سنة رسول الله وفي كلام السلف نفي لذلك ، قال تعالى : * ( ليس كمثله شئ ) * الشورى : 11 ،
وقال * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * الاخلاص : 4 ، وهذا نص صريح في القرآن في تنزيه الله عن الجسمية والتركيب لان الجسم له مكافئ ومماثل ، ولا يصح أن يقال فيه * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 20
________________________________________
وأما السنة : فقد روى الامام الحاكم في المستدرك ( 2 / 540 ) عن أبى بن كعب رضى الله عنه : ( أن المشركين قالوا : يا محمد أنسب لنا ربك . فأنزل الله عزوجل : * ( قل هو الله أحد * الله الصمد ) *
قال : الصمد الذى : * ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) * ، لانه ليس شئ يولد الا سيموت ، وليس شئ يموت الا سيورث وان الله لا يموت ولا يورث ، * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * قال : لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شئ ) .
قال الحاكم : ( صحيح الاسناد ولم يخرجاه ) وقال الذهبي : ( صحيح ) وسكت عليه الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري )
( 13 / 356 ) .
قلت : وهو صحيح . وسيأتى بعد صحيفة ان شاء الله تعالى عن الامام أبى حنيفة ذم التشبيه ، وذكر الحافظ البيهقى في كتابه مناقب الامام أحمد الذى هو من أئمة السلف ورؤساء المحدثين رضى الله عنه ما نصه :
( أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال ان الاسماء مأخوذة من الشريعة واللغة ، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذى طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه خارج عن ذلك كله ، فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل ) . انتهى بحروفه .
وهذا الكلام من الامام أحمد ينسف كلام ابن تيمية نسفا ، وابن القيم تلميذ ابن تيمية يثبت في كتاب ( بدائع الفوائد ) ( 4 / 39 ) أن الله يجلس على
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 21
العرش ، ويجلس بجنبه سيدنا محمد ص وهذا هو المقام المحمود ( 10 ) !
ويثبت في كتابه ( الصواعق المرسلة ) أن لله ساقين ، وأنه إذا لم يذكر الله في كتابه إلا ساقا واحدة فهذا لا ينفي أنه ليس له ساق أخرى فيقول ما نصه :
________________________________________
( هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة ، فمن أين في ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه الا تلك الصفة الواحدة ؟ ( 11 ) وأنت لو سمعت قائلا يقول : كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط ؟ ) اه‍.
فانظر الى هذا التجسيم الصريح وإلى هذا الهراء والهذيان ص ( 31 – 32 ) من ( مختصر الصواعق المرسلة ) ( طبع مكتبة الرياض الحديثة ) وانظر كتاب ( الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ) لابن القيم ( 1 / 245 طبع دار العاصمة الرياض )
وابن القيم متعصب لذلك وسائر على قاعدة شيخه الحراني التي أسسها له في كتابه التأسيس ( 1 / 109 ) حيث قال هناك : ( وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ) ا ه‍! ! .
قلت : ليس كذلك ! ! وأبسط مثال لهدم هذا الكلام غير ما تقدم قبل قليل أن الحافظ الذهبي . ذكر في ( سير أعلام النبلاء ) ( 7 / 202 ) نقلا عن الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال :
* ( هامش ) *
( 10 ) مع أنه ثبت في الصحيحين تفسير المقام المحمود بالشفاعة وارجع إلى تعليقنا على كتاب الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) ص 127 التعليق رقم ( 53 ) .
( 11 ) أعوذ بالله تعالى من هذا الهذيان ! ! ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 22
( أتانا من المشرق رأيان خبيثان : جهم معطل ، ومقاتل مشبه ) اه‍.
فخذ مجدك في التجسيم يا ابن القيم ! ! ولا يهمنك المعارضون من أهل السنة ! ! الذين تلقبهم بالجهمية والمعطلة ! !
وقد أثبت ابن القيم أيضا جنبا لله تعالى عما يقول ! ! واستنبط ذلك من قوله تعالى * ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) * الزمر : 56 ، ففي ( الصواعق المرسلة ) ( 1 / 250 ) و ( مختصر الصواعق ) للموصلي ( 1 / 33 ) ما نصه :
________________________________________
( هب أن القرآن دل على إثبات جنب هو صفة ، فمن أين لك ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ؟ ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل على أنه شق واحد ، كما قال النبي ص لعمران بن حصين : ( صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ) وهذا لا يدل على أنه ليس للمرء إلا جنب واحد ) . اه‍! ! !
قلت : وهل يصح قياس الله سبحانه وتعالى بعمران بن حصين وتشبيهه به ؟ ! وهل يقول أحد من الموحدين أن لله جنبا ؟ ! . والله ما الاتيان بمثل هذا الكلام في الصفات إلا رجوع للوثنية الاولى ف‍* ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) * الصافات : 180 ! ! ! !
وامام ابن تيمية وقدوته في هذه الطامات هو أبو يعلى الحنبلي ( 12 ) الذي كان يقول : ( ألزموني ما شئتم إلا اللحية والعورة ) أي في صفات الله تعالى ! ! كما
* ( هامش ) *
( 12 ) وقد رد على أبي يعلى هذا الحافظ ابن الجوزي في كتابه المشهور ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) وقد حققناه وعلقنا عليه وقدمنا له ما يشفي غليل طالب الحق . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 23
نقل ذلك ابن العربي المالكي في كتابه ( العواصم ) ( 2 / 283 ) وهذا هو توحيد الاسماء والصفات الذي يريدونه والذي يحاولون إثباته وقد أثبتوا هذا التقسيم ليقولوا للناس : إن هذه الصفات التي أثبتناها من أنكر منها شيئا فتوحيده ناقص وغير صحيح ، ويلزم من ذلك أن يكون كافرا ، ليهاب الناس من إنكار هذه الصفات التي ابتدعوها وأطلقوها على الله تعالى خشية أن لا يكونوا قد وحدوا توحيد الاسماء والصفات . فتأمل .
________________________________________
وكتاب أبى يعلى في الصفات المسمى بـ ( ابطال التأويل ) فيه من الطامات والعجائب ما يكفي لاي لبيب أن يحكم على مصنفه أنه ليس معه من الاسلام خبر كما قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه ( دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ) ، ولا معه من تنزيه الله شئ معتبر ، وقد طبع حديثا جزء منه ، بتحقيق أحد البسطاء ، وهو دليل قاطع عند أي قارى لبيب على الوثنية التي يدعو إليها هؤلاء باسم : توحيد الاسماء والصفات .
[ تنبيه مهم جدا ] :
ومما يدل على أن هؤلاء المتمسلفين أتباع ابن تيمية وابن القيم مجسمة أيضا يسيرون على نفس نهج شيخيهما ، مؤلفاتهم المطبوعة والتي تثبت ذلك ، منها كتاب طبع حديثا لمتمسلف وهابي يدعى ( عبد الله بن محمد الدويش ) اسم الكتاب ( المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال ) يسفه فيه الشيخ ( سيد قطب ) ويصفه بالابتداع وأنه جهمي أشعري معتزلي واليك بعض ما يقول هذا المتمسلف :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 24
1 – يقول ص ( 10 ) ما نصه : ( فقد عاب – سيد قطب – قول أهل السنة والجماعة وهذا هو مسلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وسيجئ من كلامه ما يبين أنه سلك مسلكهم ) . اه‍.
2 – ويقول ص ( 19 ) ما نصه : ( وأقول قوله – سيد قطب – في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان ، هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والاشاعرة ، وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه . . ) .
ثم قال بعد ذلك بخمسة أسطر في نفس الصحيفة ذاما أهل البدع بنظره ما نصه : ( ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز . . ) . اه‍
فهو يرى تبعا لابن تيمية وابن القيم أن من صفات الله تعالى الجسم والتحيز ، وأن كلام سيد قطب والاشاعرة الذين ينزهون الله عن التحيز والمكان ويقولون * ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) * الشورى : 11 ، مبتدعة جهميون ، فالله حسيبه وحسيب هذه الطائفة .
________________________________________
وقد قال الامام الحافظ القرطبي في كتابه ( التذكار ) في شأن المجسمه ص ( 208 ) : ( والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الاصنام والصور ) اه‍. وكذلك قال الامام النووي رحمه الله تعالى في ( المجموع ) شرح المهذب
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 25
( 4 / 253 ) . بل أجمعت الامة على تكفير المجسمة كما هو معلوم .
3 – صاحب كتاب ( المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال ) متمسلف وهابي يرى تضليل كل من خالف مشربهم ، يدل على ذلك أنه يقول ص ( 13 ) : ( وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام هذه الدعوة قدس الله روحه . . ) ! ! ! وأنه حيثما ذكر ابن تيمية وصفه بشيخ الاسلام دون باقي العلماء ، فليتدبر أولو الابصار وليستيقظ النائمون .
[ تكميل ] : يجدر بنا في هذا المقام أن نلفت نظر أهل العلم إلى ان ابن أبى العز المنسوب للحنفية ، صاحب شرح الطحاوية الذي خالف عقيدة الامام الحافظ الطحاوي ونصوصه قائل بالتفريق بين توحيد الالوهية والربوبية ، وأن المكتب الاسلامي الذي طبع ذلك الشرح بتوضيح الشاويش مديره ، وتخريج الالباني إمامه وشيخه سابقا ! !
قد وضعوا صورة بعض صفحات مخطوطة شرح الطحاوية ( الباطل ) وتعمدوا أن تكون تلك الصفحات هي التي ذكر فيها توحيد الالوهية وتوحيد الربوبية ( انظر ص 64 من الطبعة الثامنة ) ، ثم إن موضحها الشاويش ، ومحققها ! ! ومخرج أحاديثها ! ! الالباني
وضع على الغلاف الداخلي كلام الامام الحافظ السبكي في قوله عن عقيدة الطحاوي : ( جمهور المذاهب الاربعة على الحق يقرون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول ) ليوهما البسطاء أن هذا الثناء من الامام الحافظ السبكي يشمل أيضا شرحها الذي صنفه ابن أبي العز المنسوب للحنفية ، والحق خلاف ذلك وهذا منهما تدليس وقلب للحقائق من أوجه :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 26
________________________________________
( الاول ) : أن هذا الشرح كتب بعد وفاة الامام السبكي .
( الثاني ) : أن الامام السبكي رحمه الله تعالى لا قيمة لكلامه عند هؤلاء المتمسلفين لانه أشعري العقيدة ، ولانه لا يحب ابن تيمية ويعرف حقيقة أمره وفداحة غلطه وهو محذر منه .
فإيرادهما لكلام الامام الحافظ السبكي هنا هو لايهام البسطاء والمبتدئين وأنصاف المتعلمين أن الامام السبكي يثني على هذا الشرح الذي صنفه ابن أبي العز الملئ بمخالفات عقيدة الاسلام ، كقدم العالم بالنوع ، وإثبات حوادث لا أول لها ، وقيام الحوادث بذات الله تعالى وإثبات الحد له تعالى والجهة وغير ذلك ، وفعلا انطلى هذا التمويه على كثير من الناس وراج الكتاب بسبب ذلك وخصوصا :
( الثالث ) : أن الناشر – الشاويش – قام بأمر شيخه ! وإمامه ! سابقا ! ! الالباني بالتلاعب في ص ( 5 ) من الطبعة الثامنة في الحاشية حيث لم ينقل كلام الامام الحافظ السبكي بتمامه وبحروفه بل حرفه وحذف منه ما سيكون وبالا عليه عند الله تعالى ، ولننقل ما ذكره الناشر هناك ، ثم نردفه بكلام الامام السبكي من كتابه معيد النعم :
قال الناشر ( 13 ) : كلمة العلامة السبكي في كتابه ( معيد النعم ) هي : ( وهذه المذاهب الاربعة – ولله تعالى الحمد – في العقائد واحدة ، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم ، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول ) اه‍ .
* ( هامش ) *
( 13 ) وبصراحة لا يحمل إثم هذا العمل الناشر فحسب إنما يحمل إثم ذلك شيخه المتناقض ! الذي كان يملي على الناشر هذه الافكار . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 27
والامام السبكي يقول حقيقة في كتابه ( معيد النعم ) ص ( 62 ) من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الاولى ( 1986 )
________________________________________
ما نصه : ( وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة – ولله الحمد – في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة ، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبى الحسن الاشعري رحمه الله ،
لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية ، لحقوا بأهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم ، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعريا عقيدة ، وبالجملة عقيدة الاشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة . . . ) اه‍ .
فتأمل بالله عليك كلام الناشر الذي زور كلام الامام الحافظ السبكي وحرفه ، ثم انظر وتأمل في كلام الامام السبكي الحقيقي الذي نقلته لك من كتابه ( معيد النعم ) لتدرك أن هؤلاء المتمسلفين محرفون محترفون عاثوا في كتب التراث وعبارات علماء الاسلام فسادا وإفسادا ( ! ) .
( الرابع ) : والذي يؤكد أنهم محرفون محترفون وخصوصا ناشر الطحاوية وكذلك مخرج أحاديثها ! ! المتناقض ! ! أن الناشر الشاويش حقق بزعمه كتاب ( الرد الوافر ) لابن ناصر الدين الدمشقي الذي رد فيه على الامام العلامة العلاء البخاري رحمه الله تعالى ،
ونقل الشاويش في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور ترجمة العلاء البخاري وأفرط في ذمه ! ونقل جزءا من ترجمته من كتاب ( الضوء اللامع ) للحافظ السخاوي فحرف في النقل حيث قال واصفا العلامة العلاء البخاري بقوله : ( وكان شديد الالتصاق بالحكام ) ! ! !
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 28
علما بأن الكلام الاصلي في كتاب ( الضوء اللامع ) ( 9 / 291 ) للسخاوي هو : ( وإذا حضر عنده أعيان الدولة بالغ في وعظهم والاغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو أشد في الاغلاظ ويحضه على إزالة أشياء من المظالم ) اه‍ فتأمل كيف قلب ( وكان شديد الاغلاظ على الحكام ) 180 درجة رأسا على عقب فقال : ( كان شديد الالتصاق بهم ) فالله تعالى المستعان ! ! .
________________________________________
وقد راجعت الشاويش بهذه المسألة وأثبث له أن هذا العمل دال على الخيانة وفقدان الامانة العلمية فوعد بالتراجع وتصحيح عبارة ( كان شديد الالتصاق بالحكام ) في الطبعة الجديدة ونحن بالانتظار ( 14 ) . وسنعقد الان إن شاء الله تعالى فصلين : الاول : في إبطال تقسيم
* ( هامش ) *
( 14 ) وقد رأيت حديثا الطبعة الجديدة ولم أر فيها تراجعا إلى الحق وهذا مما يدل على إصرار أهل هذه النحلة على الباطل ! ! ومن تحريف المتمسلفين أيضا وعياثهم في كتب العلماء وتراث الامة فسادا أنهم قاموا بطباعة كتاب ( الاذكار ) للامام النووي طبعة جديدة وهي طبعة ( دار الهدى ! ) الرياض ، بإشراف ( إدارة هيئة البحوث والدعوة والارشاد ) 1409 ه‍،
فبدلوا في كلام الامام النووي ، وحرفوا منه قسما كما حذفوا منه ما لم يمكنهم تحريفه مما لا يوافق أهواءهم ومشربهم ! وذلك في كتاب الحج من ( الاذكار ) في فصل ما يتعلق بزيارة سيدنا محمد ص والذي يتحمل جل المسؤولية في ذلك أمام الله تعالى هو عبد القادر الارنأووط الذي حقق الكتاب وخرج أحاديثه وعلق عليه كما هو ثابت على غلاف الكتاب
وقد انغر بهذا الشخص ( الالباني المشرب ) الوهابي العقيدة بعض المغفلين لما يظهر لهم من حلاوة لسان كما جاء * ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) * ومثله مضارعة الاخر . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 29
التوحيد إلى ربوبية وألوهية ،
والثاني : في إبطال القسم الثالث وهو توحيد الاسماء والصفات منبهين على المحاذير والاخطار من هذا التقسيم فنقول :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 30
فصل في إبطال تقسيم التوحيد الى ربوبية وألوهية
________________________________________
إعلم أن العبادة شرعا هي غاية الخضوع والتذلل لمن يعتقد الخاضع فيه أوصاف الربوبية ، وأما في اللغة فالعبادة هي الطاعة ، والعبودية هي الخضوع والذل ، فالعبادة شرعا غير العبادة لغة ، فلا يقال لمن خضع وذل لانسان إنه عبده شرعا وهذا شئ لا يختلف فيه إثنان ،
فمن تذلل عند قبر نبي أو ولي وتوسل به لا يقال إنه عبده من دون الله تعالى ، لان مجرد النداء والاستغاثة والخوف والرجاء لا يسمى عبادة شرعا ولو سمي عبادة لغة ودليل ذلك أمور منها : الصلاة ، فالصلاة في اللغة هي التضرع والدعاء ، وأما شرعا واصطلاحا فهي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم ، فليس كل دعاء صلاة ، ولا يقال لمن دعا فلانا بمعنى أنه طلب من فلان شيئا أنه صلى له فكذلك العبادة .
وأما الدعاء فليس جميعه عبادة إلا إذا دعونا من نعتقد فيه صفات الربوبية أو صفة واحدة منها ، فقول النبي ص : ( الدعاء هو العبادة ) كما رواه
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 31
الحاكم وغيره بأسانيد صحيحة ( 15 ) ليس معناه أن كل دعاء عبادة ، كما سيتضح بعد قليل إن شاء الله تعالى ، وإنما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي ان للمدعو صفة من صفات الربوبية ،
وقال بعض العلماء كما نقل المناوي في الفيض ( 3 / 540 ) : ( إن معنى حديث ( الدعاء هو العبادة ) أي أن الدعاء هو من أعظم العبادة ، فهو كخبر ( الحج عرفة ) أي ركنه الاكبر ، فالدعاء له عدة معان منها النداء ، والنداء ليس عبادة وهذا المعنى موجود بكثرة في كلام العرب وفي القرآن الكريم
________________________________________
فمن شواهده في كلام العرب قول الشاعر وهو : دثار بن شيبان النمري : فقلت ادعي وأدعو ان أندى لصوت أن ينادي داعيان وهذا البيت من شواهد النحاة على نصب المضارع بعد الواو بعد الامر ، كما صرح به الاشموني وغيره عند قول صاحب الالفية : والواو كالفا إن تفد مفهوم مع كلا تكن جلدا وتظهر الجزع ومعنى قوله ادعي نادي فهو خطاب لانثى وهي حليلة لدثار ومعنى أدعو أنادي أنا ، ومعنى إن أندى أي أن أبعد وأرفع للصوت أن ينادي داعيان أي
* ( هامش ) *
( 15 ) رواه الامام أحمد ( 4 / 271 ) وابن أبي شيبة ( 7 / 23 الفكر ) وأبو داود ( 2 / 77 برقم 1479 )
والترمذي ( 5 / 375 برقم 3247 ) وقال : حسن صحيح .
والنسائي في الكبرى ( 6 / 450 ) وابن ماجه ( 2 / 1258 ) وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 120 )
والطبراني في ( معجمه الصغير ( 2 / 208 الروض الداني ) والطبري في تفسيره ( مجلد 12 / جزء 24 / ص 78 )
وابن حبان في صحيحه ( 2 / 124 دار الفكر ) والحاكم في ( المستدرك ) ( 1 / 491 ) وصححه وأقره الذهبي وهو كما قالا . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 32
مناديان فظهر من هذا البيت أن الدعاء عند العرب يأتي بمعنى النداء .
وأما في القرآن فمنه قوله تعالى : * ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) * النور : 63 ، أي لا تجعلوا نداءه بينكم كما ينادي بعضكم بعضا ، باسمه الذي سماه به أبوه ، فلا تقولوا يا محمد ولكن قولوا يا نبي الله ، ويا رسول الله ، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض لقوله تعالى : * ( ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) * الحجرات : 2 .
ويأتي الدعاء بمعنى العبادة وهو موجود في كلام العرب وفي القرآن الذي نزل بلغتهم الفصيحة ،
ومنه قوله تعالى : * ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ) * فاطر : 13 ، أي والذين تعبدون من دونه ،
________________________________________
وكقوله تعالى أيضا : * ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) * يونس : 106 ، أي ولا تعبد من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك .
وللدعاء معنى آخر أيضا وهو الاستعانة نحو قوله تعالى : * ( وادعوا شهداءكم ) * البقرة : 23 ، ومن معانيه أيضا السؤال كقوله تعالى : * ( أدعوني أستجب لكم ) * غافر : 60 ،
ومن معانيه أيضا الثناء كقوله تعالى : * ( ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) * الاسراء : 110 ،
ومن معانيه أيضا التسمية كقوله تعالى : * ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ) * الاعراف : 180 ، أي سموه بها ، إلى غير ذلك من المعاني .
فاتضح أن مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمى عبادة ، فقد يتذلل الولد لابيه والجندي لقائده ويخافه ويرجو منه أشياء فلا يسمى ذلك عبادة له باتفاق العقلاء ، وليس مجرد
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 33
النداء عبادة ، ولو كان هذا النداء لاموات ، ففي الصحيحين : ( أن النبي ص قال لاهل البئر واسمها القليب ، التي ألقي فيها جماعة من الكفار في بدر : ( هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا ) ،
خاطب النبي كفار قليب بدر ، قال عمر : يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها ، قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا على شيئا ) رواه البخاري ( 7 / 301 فتح ) ومسلم ( 4 / 2203 ) .
وليس التوسل عبادة للمتوسل به إلى الله ، فقد علم رسول الله ص الاعمى أن يقول : ( اللهم إني أتوجه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى . . ) الحديث وهو صحيح مشهور بين أهل العلم ، رواه الترمذي ( 5 / 569 ) والبيهقي في ( دلائل النبوة ) ( 6 / 166 – 168 ) والحاكم ( 1 / 313 ) وصححه على شرطهما وأقره الذهبي وغيرهم بأسانيد صحيحة .
________________________________________
كما أن الاستغاثة أيضا بمخلوق ليست عبادة له كما ثبت في الصحيحين ( أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ص فيشفع ليقضى بين الخلق ) انظر فتح الباري ( 3 / 338 ) ، فما زعمه الجهلة أن كل نداء للميت عبادة له فهو من التخبط في الجهل القبيح .
وملخص ما مر أن العبادة في اللغة هي مطلق الطاعة والخضوع لاي أحد كان بخلاف العبادة في اصطلاح الشرع فهي غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد الخاضع له بعض صفات الربوبية ، فإذا فهمت ذلك علمت يقينا أن من أطاع أحدا وخضع له لا لاعتقاده أن له بعض صفات الربوبية لا يسمى
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 34
عابدا له شرعا وإن كان الخضوع والتذلل لغير الله تعالى قد يحرم في بعض صوره كما إذا كان لغني لاجل غناه ، لكنه لا يسمى عبادة شرعا ، ولا يكون صاحبه مشركا ، كما أفاد ذلك العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي في زاد المسلم .
ويوضح ذلك أيضا أن نقول : إن العبادة شرعا معناها الاتيان بأقصى الخضوع قلبا وقالبا ، فهي إذن نوعان قلبية وقالبية ،
( فالقلبية ) : هي اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لمن اعتقد فيه ذلك ،
( والقالبية ) : هي الاتيان بأنواع الخضوع الظاهرية من قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبي ،
فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعا ولو كان سجودا ، وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم لانه أمارة وعلامة على ذلك الاعتقاد ، لا لانه كفر من حيث ذاته ، إذ لو كان كفرا لذاته – السجود – لما حل في شريعة قط ، وقد حل كما هو معلوم في آيات كثيرة ، فكيف حل وهو كفر ، والله لا يأمر بالفحشاء ،
________________________________________
قال تعالى : * ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) * الاعراف : 27 . فقد كان كما هو معلوم السجود لغير الله عزوجل على وجه التحية والتكريم مشروعا في الشرائع السابقة وإنما حرم في هذه الشريعة ، فمن فعله لاحد تحية وإعظاما من غير أن يعتقد فيه ربوبية كان آثما بذلك السجود ، ولا يكون به كافرا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له ،
ويرشدك الى ذلك قوله عز وجل في سيدنا يعقوب نبي الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وامرأته وبنيه حين دخلوا على سيدنا يوسف * ( وخروا له سجدا ) * يوسف : 100 ، قال ابن كثير في تفسيرها :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 35
( أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا ، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم ، إذا سلموا على الكبير يسجدون له ، لم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام ، فحرم هذا في هذه الملة ) ا ه‍ المقصود منه .
ويوضح ذلك أيضا أمره عزوجل الملائكة بالسجود لادم ، فكان سجودهم له عليه الصلاة والسلام عبادة للامر عزوجل ، وإكراما لآدم عليه الصلاة والسلام .
ومن هنا نعلم أن تعظيم الكعبة بالطواف حولها وتعظيم الحجر الاسود باستلامه وتقبيله والسجود عليه ليس عبادة شرعا للبيت ولا للحجر ، وإنما هو عبادة للامر بذلك سبحانه وتعالى ، الذي اعتقد الطائف بالبيت ربوبيته سبحانه ، فليس كل تعظيم لشئ عبادة له شرعا ، حتى يكون شركا ، بل منه ما يكون واجبا أو مندوبا إذا كان مأمورا به أو مرغبا فيه ،
ومنه ما يكون مكروها أو محرما ، ومنه ما يكون مباحا ، ولا يكون التعظيم لشئ شركا حتى يقترن معه اعتقاد ربوبية ذلك الشئ ، أو خصيصة من خصائصها ، فكل من عظم شيئا فلا يعتبر في الشرع عابدا له إلا إذا اعتقد فيه ذلك الاعتقاد ، وقد استقر في عقول بني آدم ما داموا على سلامة الفطرة أن من ثبتت له الربوبية فهو للعبادة مستحق ،
________________________________________
ومن انتفت عنه الربوبية فهو غير مستحق للعبادة ، فثبوت الربوبية واستحقاق العبادة متلازمان فيما شرع الله في شرائعه وفيما وضع في عقول الناس ، وعلى أساس اعتقاد الشركة في الربوبية بنى المشركون استحقاق العبادة لمن اعتقدوهم أربابا من دون الله تعالى ، ومتى انهدم هذا الاساس من نفوسهم تبعه ما بني عليه من استحقاق غير الله للعبادة ، ولا
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 36
يسلم المشرك بانفراد الله تعالى باستحقاق العبادة حتى يسلم بانفراده عزوجل بالربوبية ، وما دام في نفسه اعتقاد الربوبية لغيره عزوجل استتبع ذلك الاعتقاد في هذا الغير الاستحقاق للعبادة ولذلك كان من الواضح عند أولي الالباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الالوهية شئ واحد ولا فرق بينهما وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الاخر في الوجود وفي الاعتقاد ،
وتقسيم التوحيد الى توحيد ألوهية وربوبية باطل ، كما سيتبين الان إن شاء الله تعالى ، فمن اعترف أنه لا رب إلا الله كان معترفا بأنه لا يستحق العبادة غيره ، ومن أقر بأنه لا يستحق العبادة غيره كان مذعنا بأنه لا رب سواه ، وهذا هو معنى لا إله إلا الله في قلوب جميع المسلمين ،
ولذلك نرى القرآن في كثير من المواضع يكتفي بأحدهما عن الاخر ، ويرتب اللوازم المستحيلة على انتفاء أي واحد منهما ليستدل بانتفائها على ثبوته فانظر إلى قوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * الانبياء : 22 ،
وقوله تعالى : * ( وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) * المؤمنون : 91 ، حيث عبر بالاله ولم يعبر بالرب .
وكذلك في الميثاق الاول ، قال سبحانه : * ( ألست بربكم ) * الاعراف : 172 ، ولم يقل بالهكم ، واستفاض عن رسول الله ص : أن الملكين يقولان للميت في قبره : ( من ريك ؟ ) ويكتفيان بالسؤال عن توحيد الربوبية ،
________________________________________
ويكون جوابه بقوله : ( الله ربي ) ، كافيا ، ولا يقولان له إنما عرفت توحيد الربوبية واعترفت به فقط ، ولم تعترف بتوحيد الالوهية ، ولا يقولان له ليس توحيد الربوبية كافيا في الايمان . وهذا خليل الله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول لذلك الجبار :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 37
* ( ربى الذي يحيى ويميت ) * البقرة : 258 ، فيجادله بأنه كذلك يحيي ويميت ، الى أن حاجه خليل الله بما يكذب دعوى ربوبيته فتندحض دعوى استحقاقه للعبادة .
ويثبت أنه لا فرق بين توحيد الالوهية والربوبية أيضا أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال مرة : * ( ما علمت لكم من إله غيري ) * القصص : 38 ، ومرة أخرى : * ( أنا ربكم الاعلى ) * النازعات : 24 ، فاتضح أن الاله هو الرب ، والرب هو الاله ولا فرق .
وبالجملة فقد أومأ القرآن الكريم والسنة المستفيضة الى تلازم توحيد الربوبية والالوهية وأن ذلك مما قرره رب العالمين ، واكتفى سبحانه من عبده بأحدهما عن صاحبه ، لوجود هذا التلازم ، وكذلك اكتفى به الملائكة المقربون عند السؤال ، وفهم الناس هذا التلازم حتى الفراعنة الكافرون بداهة ،
ولم يقل أحد من السلف ولا من الصحابة ولا من التابعين بالفرق ، وأن هناك توحيد ألوهية يغاير توحيد الربوبية ، ولم ينقل ذلك التفريق عن واحد منهم فضلا عن نقله من الكتاب أو السنة ، حتى ابتدع وتكلم بذلك بعض أهل القرن الثامن الهجري ، ولا عبرة بذلك قطعا ،
فما هذا الهذيان بهذا التقسيم الذى يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون ، فيرمون المسلمين بأنهم قائلون بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة – أي الالوهية – وأنه لا يكفي المسلمين توحيد الربوبية في إخراجهم من الكفر وإدخالهم في الاسلام .
________________________________________
وينبغي لفت النظر أيضا الى قوله تعالى : * ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . . ) * فصلت : 30 ، وهى في موضعين من كتاب الله تعالى ، ولم يقل إلهنا بل قال – ربنا الله – ، وقول رسول الله ص لمن سأله عن وصية جامعة : ( قل
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 38
ربى الله ثم استقم ) ، ولم يقل له : قل إلهي الله ثم استقم ، فاكتفى بتوحيد الربوبية في النجاة والفوز لاستلزامه وعدم تغايره لتوحيد الالوهية ، وهذا بشهادة الله ورسوله كما ترى ،
فمن رافقه التوفيق وفارقه الخذلان ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف علم يقينا علما لا تخالطه ريبة أن مسمى العبادة شرعا لا يدخل فيه شئ مما عداه ، كالتوسل والاستغاثة وغيرهما ، بل لا يشتبه بالعبادة أصلا ، فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم أو صفة من صفاتها الخاصة بها .
ألا ترى الجندي يقوم بين يدي رئيسه ساعة وساعات إحتراما له وتأدبا معه ، فلا يكون هذا القيام عبادة لرئيسه لا شرعا ولا لغة ، ويقوم المصلى بين يدي ربه في صلاته بضع دقائق قدر قراءة الفاتحة ونحوها ، فيكون هذا القيام عبادة شرعا ، وسر ذلك أن هذا القيام وإن قلت مسافته مقترنا باعتقاد القائم ربوبية من قام له .
ولم يأت عن واحد من الائمة الاربعة أو غيرهم من أئمة السلف ، ولا عن أتباع التابعين ، ولا عن التابعين ولا عن الصحابة ، ولا عن رسول الله ص في سنته الواسعة في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها أن التوحيد ينقسم الى توحيد ربوبية والى توحيد الوهية ، وأن من لم يعرف توحيد الالوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية .
وأما قوله تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ) * الزمر : 38
________________________________________
وقوله تعالى : * ( قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله ) * . . المؤمنون : 86 – 87 ، معناه أنهم يقولون ذلك إذا سألتهم عند ظهور الحجج القاطعات عليهم والايات البينات ، وذلك مجرد
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 39
قول بألسنتهم وليس ذلك في قلوبهم ، لانهم ما كانوا يقرون بوجود الخالق خلافا لمن زعم أنهم كانوا موحدين توحيد ربوبية ، وخلافا لمن زعم أن الرسل لم يبعثوا إلا لتوحيد الالوهية ، وهو إفراد الله بالعبادة وأن توحيد الربوبية يعرفه المشركون والمسلمون مستدلا بقوله تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ) * لقمان : 25 ،
فهذا الزعم لا شك أنه باطل لان هذا الزاعم لبس على البسطاء معنى الاية أو لم يفهمها هو ! ! وقد بينا معناها ، : أنهم أقروا بألسنتهم فقط ،
لذلك قال الله تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون ) * العنكبوت : 61 ، معناه كما قال القرطبي في التفسير ( 13 / 161 ) : ( أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي ، معناه : أنهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك ) .
وأيضا قال الله تعالى : * ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها ) * العنكبوت : 63 ، قال الامام القرطبي : أي جدبها وقحط أهلها * ( ليقولن الله ) * أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الاعادة * ( قل الحمد لله ) * أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته * ( بل أكثرهم لا يعقلون ) * انتهى من القرطبي .
________________________________________
فإذا تنبهت لمعنى هذه الايات وأمثالها عرفت بأنها ليست دليلا على أنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما يتوهم بعض الناس ، لان القرآن وواقع هؤلاء الكفار يبين أنهم كانوا ينكرون الخالق وينكرون السجود له ، كما سيأتي الان إن شاء الله تعالى في ذكر الايات الموضحة لذلك ، وكانوا ينكرون البعث
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 40
ويعتقدون التأثير والتدبير لغير الله فيقولون : ( أمطرنا بنوء كذا ونوء كذا ) ولو كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما زعم الخراصون لما قال لهم المولى سبحانه : * ( يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) * البقرة : 21 ، بل كان اللازم أن يقول لهم : – أعبدوا الهكم – ،
وقال تعالى : * ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) * . . الاية البقرة : 258 ، وكان اللازم على زعم من قال : إن النمرود كان يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الالوهية ، أن يقول الله تعالى – ألم تر الى الذي حاج إبراهيم في إلهه – وكان اللازم على زعمهم أن يقول الله تعالى بدل قوله : * ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) * الانعام : 1 ،
أن يقول : – بالههم يعدلون – ولكن ذلك فاسد لانهم لم يكونوا مقرين ، ودليل ذلك قوله تعالى : * ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهى رميم ، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) * يس 78 – 79 ،
وقوله تعالى : * ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السموات والارض ) * النمل : 25 ،
وقوله تعالى : * ( وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى ) * الرعد : 30 ، فأما هم فلم يجعلوه ربا ،
وقال تعالى : * ( ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) * يوسف : 39 ،
________________________________________
وقال تعالى : * ( ولا تسبوا الذين يدعون ) * – أي يعبدون – * ( من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) * الانعام : 108 ، وقد اشتهر إنكارهم للبعث أشد الانكار ، وأنهم ما يهلكهم إلا الدهر ، وقد اشتهر ذلك في أقوالهم وأشعارهم ، حتى قال أحدهم : أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون : ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ،
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 41
فهل يقول عاقل في هؤلاء مع هذا الكفر الصريح أنهم موحدون توحيد الربوبية ؟ ! ولو كانوا يقرون بتوحيد الربوبية عند إقامة الحجة عليهم ، فإن مجرد الاقرار به لا يسمى توحيدا عند علماء المسلمين ، ولو كان الاقرار بالربوبية توحيدا كما زعم الخراصون لكان تصديق عتاة قريش النبي ص وتكذيبهم بآيات الله تعالى توحيدا ، ولا يقول بهذا عاقل ،
قال تعالى : * ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) * الانعام : 33 ، ولو كان الاقرار بالربوبية توحيدا كما زعموا لكان علم عاد بالخالق مع تكذيبهم آياته ورسوله هودا عليه السلام لما هددهم بالعذاب توحيدا زاجرا لهم عن قولهم ، كما أخبر الله عنهم : * ( من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ) * فصلت : 15 ، ولا يقول بهذا عاقل ،
أيقول عاقل في فرعون الذي قال * ( أنا ربكم الاعلى ) * النازعات : 24 ، وقال * ( يا أيها الملا ما علمت لكم من اله غيري ) * القصص : 38 ، وقوله * ( لئن اتخذت إله غيري لاجعلنك من المسجونين ) * الشعراء : 29 ،
مع قوله : * ( إن رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون ) * الشعراء : 27 ، لما أجابه سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام عن سؤاله عن حقيقة رب العالمين قائلا له : * ( قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين ) * الشعراء : 24 ،
________________________________________
وقوله له أيضا : * ( ربكم ورب آبائكم الاولين ) * الشعراء : 26 ، فهل يقال بعد هذا : إن فرعون كان يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الالوهية ؟ ! فهذا التقسيم للتوحيد باطل غير صحيح ، وكل من قال به مخطئ .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 42
وأما معنى قوله تعالى : * ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) * يوسف : 106 ، فمعناه وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بوجود الخالق عند إقامة الحجة والبراهين عليهم تكذبه قلوبهم ويكذبه واقعهم ،
فإيمانهم أمامكم عند إقامة الحجة والبرهان على وجود الله تعالى بألسنتهم غير معتبر ولا مقبول عند الله تعالى * ( يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ) * التوبة : 8 ، فهم كاذبون باتخاذهم آلهة يعبدونها غير الله ، أو باتخاذهم الاحبار والرهبان أربابا ، أو اعتقادهم الولد له سبحانه والتعبير في هذه الآية في جانب شركهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام الواقعة حالا لازمة ،
والتعبير في جانب إيمانهم أي إقرارهم بالجملة الفعلية الدالة على التجدد دليل لغوي على أن شركهم دائم مستمر ، وأن إقرارهم بوجود الخالق الرازق المحي المميت مع ارتكابهم ما ينافي ذلك الاقرار من أقوالهم وأفعالهم وعبادتهم لغير الله تعالى كما قال تعالى : * ( واتخذوا من دون الله آلهة ) * يس : 74 ، لا يكون توحيدا ولا إيمانا لغة ولا شرعا ،
لان الايمان في اللغة هو التصديق بالقلب مطلقا ، وفي الشرع تصديق النبي ص فيما علم مجيئه به بالضرورة ، فقولهم عند إقامة الحجة عليهم : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * الزمر : 3 ، كذب منهم ليبرئوا أنفسهم ، والله تعالى بين أنهم كاذبون إذ قال كما في آخر هذه الآية : * ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) * الزمر : 3 .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 43
فصل في إبطال القسم الثالث من التقسيم المزعوم وهو توحيد الاسماء والصفات
________________________________________
إعلم يرحمك الله تعالى أن أهل السنة والجماعة بما فيهم الاشاعرة والماتريدية يثبتون لله من الصفات ما أثبت لنفسه ، وما يشوشه المجسمة عليهم من أنهم معطلة وجهمية تشويش فارغ لا قيمة له بعد التمحيص العلمي والتدقيق ( 16 ) .
فأهل السنة يثبتون لله العلم والقدرة والارداة والمشيئة والرحمة والحياة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك من الصفات ، وينزهون الله سبحانه عما لا يليق به ، ولا يطلقون بعض الالفاظ والاضافات الواردة في الكتاب والسنة والتي لا يراد منها حقيقتها صفات لله تعالى ، لان نفس القواعد التي أسستها آيات القرآن المحكمة وأحاديث النبي ص ترفض ذلك ،
فمثلا لا يثبتون صفة النسيان مع أن لفظ النسيان ورد مضافا لله تعالى في القرآن ، قال تعالى :
* ( هامش ) *
( 16 ) والمؤمن لا ينغر بالشعارات ولا بالاشاعات ، وانما يتثبت من كل أمر يسمعه ويمحص ويبحث بنفسه ، وأسأل الله أن لا ينطبق فينا نحن الامة الاسلامية قول أحد أعدائنا فينا : هذه أمة تسمع ولا تقرأ ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 44
* ( نسوا الله فنسيهم ) * التوبة : 67 ، فلم يصفوا الله بذلك – أعني النسيان – لان الله تعالى يقول أيضا : * ( وما كان ربك نسيا ) * مريم : 64 ،
وكذلك لفظ الهرولة والضحك والمرض والجوع وردت في أحاديث لا يجوز لاي عاقل أن يطلقها صفات على الله سبحانه ، فالحديث الصحيح الذي فيه : ( ومن أتاني ماشيا أتيته هرولة ) لا نثبت به صفة الهرولة لله سبحانه التي معناها الحقيقي في اللغة المشي السريع ، بل يعرف جميع العقلاء ويدركون بأن المراد بذلك هو المعنى المجازي في اللغة وهو : ( من أطاعني وتقرب إلى تقربت إليه بإكرامه والانعام عليه أكثر وأسرع ) .
________________________________________
وكذلك ما جاء في الحديث القدسي الصحيح : ( عبدي مرضت فلم تعدني . . ) الحديث رواه مسلم ( 4 / 1990 برقم 2569 ) ، لا نقول أن الله أثبت لنفسه مرضا وأضافه إليه فنحن نثبت له صفة المرض ، بل لا يقول بهذا عاقل ، وقد أرشد الحديث أن الصفة هي للعبد ، وإنما صرفنا تلك الصفة من أن نعدها من صفات الله ، قواعد التنزيه المأخوذة من الكتاب والسنة الناصة على أنه سبحانه * ( ليس كمثله شئ ) * .
والضحك كذلك لا يليق أن يطلق حقيقة على الله وإنما يطلق على سبيل المجاز ، وتأويله عند أهل العلم الرضا أو الرحمة ، فإذا ورد في حديث أن الله يضحك الى فلان فالمراد به أنه يرضى عنه ويرحمه وهكذا ،
فهناك قواعد وأصول لا بد أن نرجع إليها ضبطها أهل العلم من الائمة الراسخين الربانيين وقد عرضناها وبيناها في التعليق على ( دفع شبه التشبيه ) . روى الامام البيهقي في كتاب ( الاسماء والصفات ) ( ص 298 ) ( 17 ) أن الامام
* ( هامش ) *
( 17 ) بتحقيق الامام المحدث الكوثري عليه الرحمة والرضوان ، طبعة دار إحياء = ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 45
البخاري رحمه الله تعالى أول الضحك بالرحمة ، وهذا هو نهج السلف والمحدثين والبخاري بلا شك من أئمة المحدثين ومن أهل القرون الثلاث ، قرون السلف المشهود لها بالخيرية .
??
* ( هامش ) *
= التراث .
( تنبيه ) : لقد طبع كتاب ( الاسماء والصفات ) للحافظ البيهقى الذي قدم له وعلق عليه الامام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى طبعتين جديدتين ،
إحداهما : قد حذف منها كتاب ( فرقان القرآن ) للشيخ العزامي رحمه الله تعالى كما حذف منها مقدمة العلامة الكوثري ،
والثانية : طبعة بصف جديد لم يكتب عليها أن التعليقات التي عليها هي للعلامة الكوثري ،
________________________________________
ثم رأيت طبعة ثالثة : بصف وتنضيد جديد أيضا حذفت منها تعليقات المحدث الكوثري ، ثم رأيت من يحيك هذا التلاعب من تجار الكتب قد طبعوا كتابا آخر سموه ( الاسماء والصفات ) بشكل وبحجم كتاب ( الاسماء والصفات ) للحافظ البيهقي ، ولكنه باسم ابن تيمية الحراني ، ليضللوا القارئ المبتدئ عن كتاب الحافظ البيهقي بشكل عام ! ! ويبعدوه عن تعليقات ومقدمه العلامة المحدث محمد زاهد الكوثري بشكل خاص ! ! فلتكونوا جميعا على علم تام بهذا التلاعب المشين ! ! وهذه المؤامرات الخبيثة .
ثم اعلموا أنه ليس لابن تيمية كتاب يسمى ( الاسماء والصفات ) كما أنه ليس له كتاب يسمى ( دقائق التفسير ) ( 6 مجلدات نفخ طباعي ) كما بينا ذلك في تعليقنا على ( دفع شبه التشبيه ) ( ص 51 ) وإنما ذهب المفتونون بالشيخ الحراني وعشاقه والمروجون لاقواله الخاطئة إلى – فتاواه – المباركة ! ! فاستخرجوا منها الكلام على مسائل الصفات ! ! فجمعوها وطبعوها باسم جديد ! ! خداعا ! ! وتمويها ! ! وليكثروا مصنفات الشيخ الحراني في أعين المغفلين من السذج أو القراء البسطاء ! ! فالله تعالى حسيبهم ! ! ( * ) … التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 46
فرع التأويل من منهج السلف يشيع المجسمة والمشبهة
أن مذهب السلف عدم التأويل وإمرار النصوص واعتقاد حقيقة ظواهرها ، وأن مذهب الخلف وعلى رأسهم الاشاعرة هو تأويل الصفات والتعطيل .
وهذه إشاعة لا أصل لها من الصحة البتة ، وقد انغر بها كثير من الناس ، بل كثير من أهل العلم فظنوا صحتها ، والصواب أن السلف بما فيهم الصحابة والتابعون كانوا يؤولون كثيرا من الالفاظ التي لا يراد منها إثبات صفات لله تعالى ،
________________________________________
وتفسير الامام الحافظ ابن جرير السلفي ( توفي 310 ه‍) أكبر برهان على ذلك فقد أورد الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره وروى بأسانيده عن سيدنا ابن عباس تأويل ( الساق ) الواردة في قول الله تعالى : * ( يوم يكشف عن ساق ) * القلم : 42 ، بالشدة ، لان العرب تقول كشفت الحرب عن ساقها أي اشتدت .
كما نقل الحافظ ابن جرير تأويل النسيان بالترك ، انظر تفسير الطبري ( مجلد 5 / جزء 8 ص 201 – 202 ) ونقل تأويل قوله تعالى : * ( والسماء بنيناها بأيد ) * الذاريات : 47 ، أي بنيناها بقوة انظر ( 27 / 7 ) من تفسيره ( 18 ) .
* ( هامش ) *
( 18 ) ( الايد ) : في اللغة جمع يد وهي الكف ، وليس كما يشيع بعضهم باطلا بتلبيس = ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 47
وهذه التأويلات منقولة عن سيدنا ابن عباس وعن مجاهد وقتادة والحسن ومنصور وابن زيد وغيرهم من أعلام السلف الصالح رضى الله عنهم ، وكلها تشهد بكذب من قال إن السلف لم يؤول أحد منهم ولم يكن التأويل من منهجهم وإنما هو عند الخلف والاشاعرة المعطلة الجهميين ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم يطمسون بها الحق والحقائق ، وينصرون بها آرائهم الخاطئة المغلوطة .
والتأويل أيضا ثابت عن الامام أحمد ثبوت الشمس في رابعة النهار وهو من أعلام السلف وأئمة المحدثين ، وإليه تظهر المجسمة الانتساب وهو مؤول وقد بينا ذلك في مقدمتنا لكتاب الحافظ ابن الجوزي ( دفع شبه التشبيه ) .
أول الامام أحمد قوله تعالى : * ( وجاء ربك ) * الفجر : 22 ، أنه جاء ثوابه ، كما ثبت عنه بإسناد صحيح ، انظر البداية والنهاية لابن كثير ( 10 / 327 ) .
________________________________________
وهناك تأويلات أخرى كثيرة وردت عن الامام أحمد لا أريد الاطالة بذكرها ، ذكرت بعضها في كتابي ( الادلة المقومة لاعوجاجات المجسمة ) فلتراجع وكل ذلك يثبت بطلان وتهافت قول من قال : إن الاشاعرة والخلف معطلة لانهم أولوا ، والسلف لم يؤولوا بل اثبتوا لله تعالى ما أثبت لنفسه .
??
* ( هامش ) *
= غريب أن ( الايد ) في اللغة لا تطلق إلا على القوة ، ليصلوا إلى أن ابن عباس لم يؤول في هذه الاية ، فهؤلاء تكذبهم قواميس اللغة ، ففي القاموس المحيط للمجد الفيروز أبادي في مادة ( يدي ) يقول : اليد : الكف ، أو من أطراف الاصابع الى الكتف ، جمعها : أيد ويدي . اه‍. فتأمل .
ويكذبهم قبل ذلك القرآن الكريم فإن الله سبحانه يقول في كتابه : * ( أم لهم أيد يبطشون بها ) * الاعراف : 195 . ( * ) … التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 48
فرع كشف حقيقة قول من قال لا نصف الله الا بما وصف به نفسه ، ونثبت لله ما أثبت لنفسه إن ابن تيمية إمام هذه الطائفة ، يقول بهذا الكلام ويدعو الى توحيد الاسماء والصفات ثم نراه يثبت لله ما لم يثبته الله لنفسه ويصف الله بما لا يليق به سبحانه ، ويسير معه تلامذته وأتباعه على ذلك .
نرى ابن تيمية يثبت لله الحركة والجلوس والاستقرار على ظهر بعوضة والحد و . . . . ، ويثبت لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنه أثبت أن الله سبحانه يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد ( 19 ) بل يقول بجواز إطلاق أن الله جسم ( 20 ) ،
بل يقول بأن التجسيم والتشبيه غير مذمومين ، لا في الكتاب ولا في السنة ، ولا عند السلف الصالح كما تقدم ، وهو غير صادق في ذلك ، فيقول في كتابه ( بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ) ( 1 / 109 ) ما نصه :
* ( هامش ) *
( 19 ) انظر كتابه موافقة صريح المعقول المطبوع على هامش منهاج السنة ( 2 / 151 ) .
( 20 ) منهاج السنة ( 1 / 180 ) والتأسيس ( 1 / 101 ) . ( * )
?
________________________________________
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 49
( فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ) . اه‍.
ويقول في كتابه التأسيس ( 1 / 101 ) ما نصه : ( وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها أنه ليس بجسم ) . اه‍.
ويقول في كتابه التأسيس ايضا ( 1 / 568 ) : ( ولو قد شاء – الله – لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم ) . اه‍.
ويثبت ابن تيمية في التأسيس والموافقة ( 2 / 29 ) : الحد لله تعالى والحد لمكان الله تعالى ، علما بأن لفظة ( حد ) لم ترد في الكتاب ولا في السنة ، فأين قوله : لا نصف الله الا بما وصف به نفسه ؟ !
بل يقول هناك في الموافقة ( 2 / 29 ) بكفر من لا يقول بالحد لله تعالى وهو بنظره جاحد بآيات الله كافر بالتنزيل فيقول ما نصه : ( فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله ) . اه‍.
فالمسلمين جميعا الذين لا يعتقدون بعقيدته هذه التي لم ترد بالكتاب والسنة كفار بنظره ، حتى تلميذه الحافظ الذهبي الذي يقول في كتابه ( ميزان الاعتدال ) ( 3 / 507 ) إن الاشتغال بمسألة الحد اشتغال بفضول الكلام والذي يقول في ( سير أعلام النبلاء ) ( 16 / 27 ) : ( وتعالى الله أن يحد أو يوصف إلا بما وصف به نفسه . . . ) ، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي نفى الحد
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 50
عن الله تعالى في ( لسان الميزان ) ( 5 / 114 ) يكون كافرا على قاعدة ابن تيمية هذه ! ! ومعاذ الله ، والمسلمون قبل ابن تيمية بقرون اتفقوا على تنزيه الله تعالى عن الحد ونقل ذلك الاتفاق جماعة من الائمة والعلماء ،
________________________________________
قال الامام الاستاذ أبو منصور البغدادي الذي يعول على كلامه الحافظ ابن حجر وأمثاله من العلماء في كتابه ( الفرق بين الفرق ) ( ص 332 بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ) ما نصه : ( وقالوا – أي أهل السنة مجمعين – بنفي النهاية والحد عن صانع العالم . . ) اه‍.
فمما قدمته ووضحته ودللت عليه يتضح ما هو توحيد الاسماء والصفات عند من يدعو إليه ، وأن ذلك مجرد الدعوة الى تجسيم الله تعالى وتشبيهه بخلقه ووصفه بما لم يصف به نفسه ، أو اطلاق بعض الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة والتي لم يقصد منها أنها صفات على الله وحملها على أنها صفات حقيقية لله تعالى ،
وإشاعة أن التأويل بدعة مذمومة وأن الاشاعرة وغيرهم فرق ضالة لانهم عطلوا صفات الله تعالى بزعمهم ، وكل ذلك باطل لا أصل له .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 50
تكملة لصفحة 50
وتتميما للبحث لا بد من أن نتكلم عن أصل أكبر فرقة قديمة من فرق المجسمة هي الكرامية وبيان بعض آرائها في الصفات التي توافق ما يدعو إليه ابن تيمية وأتباعه ، وخصوصا أن ابن تيمية يثني عليها في منهاج السنة ( 1 / 181 ) ويعتبرها من أكابر نظار المسلمين ( 21 ) ، ثم نعرض نماذج من كتاب ( شرح
* ( هامش ) *
( 21 ) لا يقال عن شخص من نظار المسلمين إلا إذا كان صحيح العقيدة مستقيما غير مطعون فيه ، فإذا كان كذلك وكان مبرزا في التأليف والتصنيف قوي الحجة شجى في حلوق أعداء الاسلام والفرق الاسلامية الضالة فيقال عنه حينئذ إنه = ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 51
= من نظار المسلمين ، وأجلب لك على هذا مثال واضح محسوس :
ذكر الحافظ الذهي في ترجمة أبو محمد بن كلاب في ( سير أعلام النبلاء ) ( 11 / 175 ) ما نصه : ( وقال بعض من لا يعلم : إنه ابتدع ما ابتدعه ليدس دين النصارى في ملتنا وإنه أرضى أخته بذلك ، وهذا باطل ، والرجل أقرب المتكلمين الى السنة ، بل هو في مناظريهم ) اه‍.
________________________________________
وقال المعلق على كلام الذهبي هذا في ( سير أعلام النبلاء ) ( 11 / 175 ) : ( كان إمام أهل السنة في عصره ، وإليه مرجعها ، وقد وصفه إمام الحرمين ت 478 ه‍في كتابه ( الارشاد ) ص ( 119 ) : بأنه من أصحابنا .
وقال السبكي في ( طبقاته ) : أحد أئمة المتكلمين . وابن تيمية يمدحه في غير ما موضع في كتابه ( منهاج السنة ) وفي مجموعة رسائله ومسائله ، ويعده من حذاق المثبتة وأئمتهم ،
ويرى أنه شارك الامام أحمد وغيره من أئمة السلف في الرد على مقالات الجهمية ، وحين تكلم أبو الحسن الاشعري في كتابه ( مقالات الاسلاميين ) 1 / 189 ، 299 عن أصحابه ، ذكر أنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة ) اه‍كلام المعلق .
قلت : بل ذكر الحافظ أن الامام البخاري كان على مذهبه في علم الكلام حيث قال في الفتح ( 1 / 423 ) : ( مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن كأبي عبيد والنضر بن شميل والفراء وغيرهم ، وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد وأمثالهما ، وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كلاب ونحوهما ) اه‍.
ولنعد إلى ما بدأنا به ولنتذكر أن النظار أو نظار المسلمين هم أكابر العلماء المتخصصين في الرد على المبتدعة ، وهم : أهل التأمل وتقليب البصر والبصيرة وأهل التفحص في مسائل العلم ،
وابن تيمية الحراني يعطي هذا اللقب للكرامية الجهلاء الذين أجمعت الامة على كفرهم كما نص على ذلك الامام البغدادي في كتابه ( الفرق ) ( ص 215 بتحقيق محمد محي الدين ) فيقول ابن تيمية في ( منهاج سنته ) ( 1 / 181 ) . = ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 52
________________________________________
العقيدة الطحاوية ) لابن أبي العز المنسوب للحنفية خطأ والحنفية منه براء ، لان ذلك الكتاب كتاب خطير يحوي على كثير من العقائد الفاسدة التي سأذكر بعضها إن شاء الله تعالى ، والذى ينبغي أن يحذره المدرسون وطلاب العلم ويعلموا بأن ابن أبي العز شارحها يرد على صاحب العقيدة الطحاوية الامام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى ،
فأقول : إمام الكرامية الذين يثني عليهم ابن تيمية هو محمد بن كرام السجزي المجسم صاحب العقائد الوثنية المشهورة في كتب الفرق ، واليك نبذة عن هذا الامام المقتفى ! ! لتكون على بينة منه ومن ضلالات عقائده : قال الامام عبد القاهر البغدادي في أصول الدين ص ( 337 ) : ( وأما جسمية خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم : بأن الله تعالى له حد ونهاية من جهة السفل ومنها يماس عرشه ، ولقولهم : بأن الله تعالى محل للحوادث ) . اه‍.
وقال الامام البغدادي أيضا في الفرق بين الفرق ( 22 ) : ( فصل في ذكر مقالات الكرامية ، وبيان أوصافها : الكرامية بخراسان ثلاثة أصناف ، وهذه الفرق الثلاث لا يكفر بعضها بعضا وإن أكفرها سائر
* ( هامش ) *
= ( كما قال ذلك من قال من الكرامية وغيرهم من نظار المسلمين ) اه‍.
فكأنه يقول : كما قال ذلك من قال من الشافعية وغيرهم من فقهاء المسلمين ، فتأمل ! !
وهل يعتبر من نظار المسلمين من يقول : بأن الله له حد وأنه جسم جالس على العرش مماس له وأن الحوادث تقوم بذاته ؟ فتدبروا يا أولي الابصار !
( 22 ) انظر كتاب ( الفرق بين الفرق ) لعبد القاهر البغدادي ( ص 337 ) بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 53
الفرق ، فلهذا عددناها فرقة واحدة ، وزعيمها المعروف محمد بن كرام . . وضلالات أتباعه . . نذكر منها المشهور ، الذي هو بالقبح مذكور ،
________________________________________
فمنها : أن ابن كرام دعا أتباعه الى تجسيم معبوده ، وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه ، وقد ذكر ابن كرام في كتابه – أيضا – أن الله تعالى مماس لعرشه ، وأن العرش مكان له ، وأبدل أصحابه لفظة المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش . .
واختلف أصحابه في معنى الاستواء المذكور في قوله تعالى : * ( الرحمن على العرش استوى ) * طه : 5 ، فمنهم من زعم : أن كل العرش مكان له ، وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانا له ، ومنهم من قال : إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ، ولا يفضل منه شئ على العرش ، وزعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث ) اه‍.
وقد نقل أيضا الشيخ علي القاري في شرح المشكاة ( 2 / 137 ) : إجماع السلف والخلف على أن من اعتقد أن الله تعالى في جهة فهو كافر كما صرح به العراقي وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الاشعري والباقلاني . اه‍ولا يخفى أن اعتقاد الجهة نوع من التجسيم .
وقال الامام القرطبي في التذكار صحيفة ( 208 ) : ا ( والصحيح القول بتكفيرهم – المجسمة – إذ لا فرق بينهم وبين عباد الاصنام والصور ) اه‍.
وجزم الامام النووي في المجموع ( 4 / 253 ) بتكفير المجسمة وهو مذهب الشافعي رحمه الله . وأما رد الامام أحمد رضى الله تعالى عنه على المجسمة والمشبهة فمنقول في
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 54
( دفع شبه التشبيه ) لابن الجوزي الحنبلي ، وكتاب ( مرهم العلل المعضلة ) لليافعي بتوسع .
والامام الطحاوي الذي أرادوا أن يشوهوا عقيدته يقول في أولها : ( اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ) وهؤلاء من أئمة السلف كما لا يخفى ثم قال فيها : ( وتعالى الله عن الحدود والغايات والاركان والاعضاء والادوات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبدعات ) اه‍( 23 ) .
________________________________________
أقول : وقد اتضح بهذا كله مذهب أهل السنة والجماعة واتضح أيضا حكمهم على أهل الزيغ من المشبهة والمجسمة ، وأن أصل التشبيه والتجسيم أسسه في هذه الامة ابن كرام السجستاني صاحب العقائد الزائغة ، وأن الامة أكفرته وكفرت من قال بمقالاته المنحرفة ،
وأن من جملة مقالاته الكفرية : قوله بالحد في حق الله تعالى ، وقوله بالجسمية لله تعالى ، وأن الله تعالى يماس عرشه من جهة السفل لانه فوق العرش ،
ويجدر التنبيه هنا على أن أهل السنة يقولون بأن الله تعالى فوق العرش لكن فوقية من جهة المعنى لا من جهة الحس ( 24 ) ، أي أن الله تعالى فوق خلقه فوقية قهر وربوبية على عبودية ، * ( وهو القاهر فوق عباده ) * الانعام : 61 ، وقد أجمع أهل السنة على تنزيه الباري سبحانه عن المكان كما هو معلوم ،
لكن ابن كرام قال بالفوقية الحسية والمكانية ، فأكفره أهل السنة
* ( هامش ) *
( 23 ) انظر شرح العقيدة الطحاوبة لابن أبي العز ، بتخريج الالباني ، وتوضيح الشاويش ( ص 238 ) الطبعة الثامنة .
( 24 ) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح 6 / 136 : ( لان وصفه تعالى بالعلو من جهة المعنى ، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس ) اه‍فانظره . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 55
ومن تبعه على ذلك ،
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 55
تكملة لصفحة 55
ومن تبعه على ذلك ، ثم قال : إن الله تعالى محل للحوادث ، أي جوز قيام الحوادث بذات الله سبحانه ، تعالى الله عن هذا الكفر الصريح * ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) * ومرادنا من ذلك كله بيان ان أدعياء توحيد الاسماء والصفات قائلون بذلك ومنهم فضيلة العلامة ابن أبى العز صاحب شرح الطحاوية ، وإليك إثبات ذلك :
________________________________________
1 – أما قول شارح الطحاوية المشار إليه بحوادث لا أول لها ، أو بقدم نوع الحوادث والمخلوقات ففي صحيفة ( 129 من الطبعة الثامنة ) : ( فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا ؟ أو في المستقبل فقط ؟ أو الماضي فقط ؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لاهل النظر من المسلمين وغيرهم : أضعفها قول من يقول : لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل ، كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف .
وثانيها قول من يقول : يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي ، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم .
والثالث : قول من يقول : يمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة الحديث ) اه‍.
فانظر كيف نسب الكفر الصريح الى أهل الحديث فقال إنهم يقولون إن الحوادث وهي المخلوقات يمكن أن تكون دائمة في الماضي ، معناه قديمة النوع حادثة الافراد وأهل الحديث برآء من ذلك بلا شك ، وقد نص القرآن الكريم على بطلان ذلك في آيات كثيرة كما لا يخفى ، وكذا السنة المطهرة نص
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 56
فيها سيدنا رسول الله ص على بطلان ذلك ، ففي البخاري : ( كان الله ولم يكن شئ غيره ) ( 25 ) وأجمعت الامة على أن الحوادث قبل حدوثها لم تكن أشياء ولا أعيان ،
كما نقل ذلك الاستاذ أبو منصور البغدادي في الفرق ( 26 ) وقال الاستاذ أبو منصور أيضا : ( وقد زعم البصريون من القدرية أن الجواهر والاعراض كانت قبل حدوثها جواهر وأعراضا ، وقول هؤلاء يؤدي الى القول بقدم العالم ، والقول الذي يؤدي الى الكفر كفر في نفسه ) اه‍يعني أن القول بقدم الحوادث لا شك أنه كفر .
________________________________________
وكذلك نص على هذا الاجماع المؤيد بقول الله تعالى * ( هو الاول ) * ابن حزم في كتابه مراتب الاجماع ، حيث قال في آخره : ( باب من الاجماع في الاعتقادات ، يكفر من خالفه بإجماع : اتفقوا أن الله عزوجل وحده لا شريك له خالق كل شئ غيره ، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شئ غيره معه ، ثم خلق الاشياء كلها كما شاء ، وأن النفس مخلوقة ، والعرش مخلوق ، والعالم كله مخلوق ) اه‍( 27 ) .
ثم بعد هذا كله أحكم على ابن أبي العز المنسوب لاهل الاثبات ولاهل الحديث غلطا ولمن تبعه وقال بمقالته ونشر كتابه بين العامة وخرج أحاديثه مادحا كتابه بما تراه مناسبا ، ولا سيما إذا عرفت أيضا أنه قال صحيفة 133 من
* ( هامش ) *
( 25 ) انظر فتح الباري ( 13 / 410 ) .
( 26 ) انظر الفرق بين الفرق ( ص 332 ) وانظر أيضا : ( ص 328 ) .
( 27 ) انظر مراتب الاجماع المطبوع مع نقد مراتب الاجماع ( ص 167 ) . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 57
شرح الطحاوية الطبعة الثامنة بتخريج الالباني وتوضيح الشاويش : ( والقول بان الحوادث لها أول ، يلزم منه التعطيل قبل ذلك وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا ) اه‍ .
نعوذ بالله تعالى من هذا الهذيان ما أشنعه ، ومن هذا الرجل ما أجرأه ، وكيف يشنع على المتكلمين ثم يأتي بأصول الشناعات ! ! ! .
ثم هو رد صريح الكتاب والسنة والاجماع ، وتأول لذلك بالباطل كما ترى ، فأين ذهب ذمه للتأويل وللمتكلمين ولعلم الكلام الذي تشدق به أول ما يقرب من عشرين صحيفة من كتابه وحيثما سنحت الفرص ، لكن كما قالوا : رمتني بدائها وانسلت .
ثم انظر الى قوله صحيفة ( 135 ) من الطبعة الثامنة مبرهنا على حوادث لا أول لها ، رادا رواية ( كان الله ولم يكن شئ معه ) ورواية ( ولم يكن شئ غيره ) مثبتا رواية ( ولم يكن شئ قبله )
________________________________________
ليستدل بها على حوادث لا أول لها حيث قال : ( وقد أجابهم النبي ص – أي الاشعريين – عن بدء هذا العالم الموجود لا عن جنس المخلوقات ، لانهم لم يسألوه عنه ) اه‍يعني أنه قبل هذا العالم الموجود الان كان هناك عالم آخر ،
يعني أن العالم قديم النوع أزلي ، حادث الافراد ، وهى مقالة متأخري الفلاسفة ، وقد قال العلماء سابقا : بثلاثة كفر الفلاسفة العدا في نفيها وهى حقيقا مثبته علم بجزئي حدوث عوالم حشر لاجساد وكانت ميته ونكتفي بهذا القدر الذي ذكرناه من الكلام على نقطة حوادث لا أول لها ، ولنعرض أمرا آخر من تلك الطامات فنقول : ( راجع نموذج ثاني )
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 58
قال ابن أبي العز في شرحه مثبتا أن كلام الله تعالى حروف وأصوات ، وأن الله تعالى يتكلم إذا شاء ويسكت متى شاء وهو المفهوم من كلام فضيلة الشارح ، ومن اللازم القريب لكلامه ( 28 ) : ( إن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ، وهو يتكلم به بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما ، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة ) اه‍( 29 )
وفى هذا الكلام الخطير والفلسفة الزائدة في الخوض في ذات الله تعالى وصفاته التي يذم بها هؤلاء علماء الكلام ، إثبات قيام الحوادث بذات الله تعالى عما يقولون ، وقد تقرر عند أهل العلم أن ما قام به الحادث فهو حادث ، وقد كفرت علماء الاسلام الكرامية لامور منها هذا القول كما نقلناه فيما مضى أول هذه العجالة ،
وقد أثبت ذلك ابن أبي العز وحاول الدفاع عنه ، فقال صحيفة 177 منها : ( فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به ، قلنا : هذا القول مجمل ، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الائمة ؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك ، ونصوص الائمة أيضا مع صريح العقل ) . اه‍ويكفي في رد ذلك عرضه للقارئ ( 30 ) .
* ( هامش ) *
________________________________________
( 28 ) بل صرح بذلك – أي بصفة السكوت – ابن تيمية إمامه ، أنظر الموافقة على هامش منهاجه ( 2 / 38 ) .
( 29 ) انظر شرح الطحاوية ( ص 169 ) واعلم أن أئمة الحديث والسنة براء من هذا كالذي قبله ، وهو رميهم وتهمتهم بأنهم يقولون بحوادث لا أول لها .
( 30 ) علما بأن هذا النص منقول من منهاج السنة ( 1 / 224 ) فشرح العقيدة الطحاوية هي تلخيص ل‍( منهاج السنة )
ولـ‍( موافقة مريح المعقول ) للشيخ الحراني ! ! ولذلك يركزون عليها ويحرصون على نشرها ! ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 59
واستدل لهذه العقيدة الفاسدة بحديث موضوع فقال صحيفة ( 170 ) : ( قال رسول الله ص : ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع نور ، فرفعوا أبصارهم ، فإذا الرب جل جلاله قد اشرف عليهم من فوقهم ، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة ، وهو قول الله تعالى : * ( سلام قولا من رب رحيم ) * فلا يلتفتون إلى شئ مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ، وتبقى بركته ونوره ) رواه ابن ماجه ) اه‍.
قلت : في إسناده أبو عاصم العباداني واسمه عبد الله بن عبيد الله ، قال عنه الذهبي في الميزان 2 / 458 / 4437 : ( واه ) . وهو واعظ زاهد إلا أنه قدري اه‍.
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ( 3 / 314 ) : ( وأورد له العقيلي عن روايته عن الفضل الرقاشي عن ابن المنكدر عن جابر : ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع نور ) الحديث ، وقال لا يتابع عليه ولا يعرف الا به ) اه‍،
وانظر الضعفاء الكبير للعقيلي ( 2 / 274 ) ، وأما الفضل الرقاشي الذي يروي عنه أبو عاصم فهو منكر الحديث كما قال الحافظ في التقريب : ( برقم 5413 ) ،
وفي الكامل في الضعفاء لابن عدي ( 6 / 2039 ) : ( قال البخاري عن ابن عيينه ليس أهلا أن يروى عنه ) اه‍،
________________________________________
ولذلك أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات وقال : ( الفضل رجل سوء ) اه‍، فانظر كيف استدل ابن أبي العز على عقيدته بهذا الحديث والله تعالى المستعان ، ولم أذكر جميع بلياته في هذا الباب وإنما أشرت إلى بعضها وإن سنح الوقت مستقبلا سأذكرها جميعا وأرد عليها إن شاء سبحانه ، وفيما ذكرنا الان كفاية .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 60
3 – قال ابن أبي العز مثبتا الحد لذات الله سبحانه وتعالى عن هذا الهذيان صحيفة ( 219 ) ما نصه : ( فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في الامر أصلا ، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته ( 31 ) اه‍.
فإنه بهذه العبارة أثبت الحد لذات الله تعالى ، فقال بما قال أهل الزيغ من قبل : ( من نفى الحد عن الله تعالى أخبر بعدم الرب سبحانه ) ، وهؤلاء الاصل عندهم الجسمية ، فلما تخيلوا أن المولى سبحانه عما يتخيلون جسما أجروا عليه أحكام الاجسام ، فالجسم متى لم يكن له حد كان عدما وكذلك تخيلوا الباري سبحانه .
وقولهم لاهل السنة : ( إنكم إذا نفيتم الحد ساويتم ربكم بالشئ المعدوم ) ، تكفل برده الحافظ ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ( 5 / 114 ) حيث بين أن قول المجسمة هذا قول نازل ساقط لا عبرة به فقال : ( وقوله ( قال له النافي ساويت ربك بالشئ المعدوم إذ المعدوم لا حد له ) نازل ،
فإنا لا نسلم أن القول بعدم الحد يفضي إلى مساواته بالمعدوم بعد تحقق وجوده ) اه‍. وقدمنا في أول هذه الرسالة تكفير الامة للمجسمة ولابن كرام في قوله
* ( هامش ) *
( 31 ) علما بأن الطحاوي في المتن يقول : ( وتعالى عن الحدود والغايات ) والالباني يحاول أن يشكك في كلام الطحاوي هذا في تعليقاته على الطحاوية ص ( 29 ) نقلا عن ابن مانع فيقول بأنه لا يستبعد أن يكون هذا مدسوسا على الطحاوي .
________________________________________
وهذا تشكيك فارغ باطل لا التفات إليه ، وإذا كان هذا حقا فمتن الطحاوية وشرحه لا يستبعد أيضا أن يكون بجملته مدسوسا من أعداء الاسلام . . الخ . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 61
بالحد ، وقال الامام أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق 332 : ( إن أهل السنة اتفقوا على نفي النهاية والحد عن صانع العالم خلافا للهشامية والكرامية المجسمة ) اه‍.
وكلام ابن أبي العز قبل العبارة التي نقلناها وبعدها كله تمويه على الناس لترويج بضاعته وإقناع المغفلين بها ، فهو تارة يكذب على الامام عبد الله بن المبارك : فينقل عنه زورا أنه قال بالحد ، ولو قال به فهو مردود عليه ( 32 ) ، لان الكفر كفر كائنا من كان الناطق به والزيغ زيغ كائنا ما كان مصدره ، وليس في الاسلام دين يختلف باختلاف الاشخاص فالايمان إيمان مطلقا والكفر كفر مطلقا ،
فما جاء في الكتاب والسنة ثبوته مجملا أو مفصلا أثبتناه وما نفاه الكتاب أو السنة مجملا أو مفصلا نفيناه ، والمعصوم هو السنة والاجماع كما هو مقرر عند أهل السنة ، وتارة ينفي ابن أبي العز الحد ، محتجا بأن للحد معاني كثيرة ، كقوله ( ص 219 ) : ( وأما الحد بمعنى العلم والقول ، وهو أن يحده العباد ، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة ) اه‍ .
فانظر إلى هذا الروغان ما أشنعه وأقبحه ، فلم هذا التخبط وهذه الفلسفة التي لا معنى لها ؟ ! لا شك أن ذلك كله لقلب الحقائق ، ولترويج عقيدة الزيغ وإقناع الناس بها ، وأهل السنة والجماعة عندما أجمعوا على نفي الحد عن الباري سبحانه وأكفروا من قال به لم يقل أحد منهم من أثبت الحد بمعنى كذا جاز ، ومن أثبته بمعنى كذا لم يجز ، وإنما قالوا : ( وأما جسمية
* ( هامش ) *
( 32 ) أو هو مؤول كما ذكره البيهقي في الاسماء والصفات ص 427 بتحقيق الامام المحدث الكوثري اه‍. وقد بينت ذلك بوضوح في رسالتي ( التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد ) . ( * )
?
________________________________________
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 62
خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب ، لقولهم بأن الله تعالى له حد ونهاية . . ) الخ كما قدمناه أول هذه الرسالة فانظره .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 62
تكملة لصفحة 62
4 – وأما مسألة الجهة فابن أبي العز ممن يقول بها ويقاتل من أجلها قتال مستميت ، فانظر إلى الروغان حيث قال صحيفة ( 221 ) من شرح الطحاوية : ( وأما لفظ الجهة ، فقد يراد به ما هو موجود ، وقد يراد به ما هو معدوم ، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق ) اه‍.
فانظر كيف قاس الخالق على المخلوق ، ومعنى كلامه : أي كما أن المخلوق في جهة فكذا الخالق في جهة بجامع الوجود لكل منهما ، ولا شك أن هذا قياس وثني فاسد قطعا .
ثم قال ابن أبي العز في نفس الصحيفة ما نصه : ( وإن أريد بالجهة أمر عدمي ، وهو ما فوق العالم ، فليس هناك إلا الله وحده ، فإذا قيل إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح ) اه‍.
فقد قرر بأن الله تعالى في جهة ما فوق العالم ، وهذا المكان الذي عينه للمولى سبحانه وتعالى عن هذيانه ، سماه بالمكان العدمي أو بالامر العدمي ، وإني استغرب جدا كيف يكون لمعبوده مكان يشار إليه بالاصبع كما جاء في حديث الجارية الذي يتشدقون به ثم كيف يكون هذا المكان عدما ؟ وهل يشار للعدم ؟ ! .
ولا يخفاك أخي المؤمن أن أهل السنة أجمعوا على تنزيه الله تعالى عن المكان لدلالة الكتاب والسنة المصرحة بذلك . وقد نص ابن أبي العز في سلسلة أغلاطه أيضا زيادة في نغمة طنبوره في
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 63
________________________________________
رأس صحيفة ( 221 ) : أن الجهات لا نهاية لها . اه‍ومعنى ذلك أنه لا حد لها ، فجعل للخالق حدا ونزه المخلوق عن الحد فسبحان قاسم العقول الوهاب ! ! مع أن أهل السنة كما قال الامام البغدادي في الفرق ص ( 330 ) : ( أجمعوا على أن الارض متناهية الاطراف من الجهات كلها ، وكذلك السماء متناهية الاقطار من الجهات الست ، خلاف قول الدهرية ) اه‍.
ثم اعترض ! ! ! على الامام الطحاوي في تنزيهه الله تعالى عن الجهات فقال ( ص 221 ) : ( لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، هو حق ، باعتبار انه لا يحيط به شئ من مخلوقاته ) اه‍.
فأول كلام الشيخ حسب مراده ، لينفي أن الشيخ الطحاوي يقول بهذا ! ! فاعترض عليه لينفي ما تبقى من احتمال ذلك على زعمه فقال في نفس الصحيفة : ( لكن بقي في كلامه شيئان أحدهما : إن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الاجمال والاحتمال كان تركه أولى ، وإلا تسلط عليه وألزم بالتناقض في إثبات الاحاطة والفوقية ونفي جهة العلو ) اه‍! !
واليك بعض عقائد الكرامية أيضا المندرجة في كلام ابن أبى العز في شرح الطحاوية : ( راجع نموذج خامس و سادس )
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 63
تكملة لصفحة 63
5 – قال صحيفة ( 282 ) : ( فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سمواته ؟ أو يدني إليه من يشاء خلقه ؟ فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره ) اه‍.
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 64
6 – قوله صحيفة ( 286 ) : ( الثاني عشر : التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا ، والنزول المعقول عند جميع الامم إنما يكون من علو إلى سفل ، الثالث عشر : الاشارة إليه حسا الى العلو ، كما أشار إليه من هو أعلم بربه ) اه‍.
وذكر قبل ذلك وبعده أدلة بزعمه دالة على هذا العلو الحسي ، والمعبر عنه أحيانا بفوق وبذاته وبجهة السماء . . الخ .
________________________________________
ولا أدري أين ذهب بقول الله تعالى : * ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني ) * البقرة : 186
وبقوله تعالى : * ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) * الواقعة : 85 ،
وقوله : * ( وهو معكم أين ما كنتم ) * الحديد : 4 ،
وقوله : * ( وهو الله في السموات والارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) * الانعام : 3 ،
وقوله : * ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) * ق : 16 ، وغير ذلك من الايات ( 33 ) ،
ومن الحديث قوله ص : ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) رواه مسلم ( 1 / 350 ) ،
وقوله أيضا : ( اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الاهل ) رواه الترمذي ( 5 / 497 ) وقال : حديث حسن صحيح اه‍وغير ذلك من الاحاديث الصحيحة .
وإذا كان يؤول هذه النصوص الموهمة للحلول فما أجدره أيضا أن يؤول تلك النصوص الموهمة للتجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه ، عند المغفلين الذين
* ( هامش ) *
( 33 ) وإذا كانت تلك الايات التي أوردها قرآنا وهذه الايات أيضا قرآنا فما الذي أوجب اعتقاد ظاهر تلك دون هذه ؟ ! ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 65
لا يعرفون أصول عقيدة الاسلام التي منها تنزيه الله سبحانه عن مشابهة خلقه ، المعبر عنها بقول العلماء : كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك ، المأخوذ من قوله سبحانه : * ( ليس كمثله شئ ) * الشورى : 11 ،
ومن قوله : * ( ولم يكن له كفوا أحد ) * الاخلاص : 4 ، ومن قوله : * ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) * النحل : 17 .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 65
________________________________________
7 – والقول بالجهة والفوقية الحسية يفضي إلى القول بأنه خارج العالم على العرش بذاته كما يقول أهل التجسيم ، أو داخل العالم في السماء حسا لا معنى كما يقول الحلوليون وكلا القولين باطل ، فقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى منزه عن المكان يعني أنه لا تعين له جهة كالمخلوق فيقال إنه مستقر فيها وحال بها فقول الحلولية : إنه في كل مكان باطل ،
وقول المجسمة : إنه فوق العالم خارج عنه فوق العرش باطل أيضا ، لان هذا يلزم منه وصفه سبحانه بالاتصال أو الانفصال ووصفه بأنه خارج أو داخل العالم ، وكل ذلك باطل لانهم بنوا ذلك على ما أصلوه وهو الجسمية ، فوصفوه بأنه خارج العالم ، لتثبيت عقيدة الزيغ واقناع الناس بها ولذلك صرح أهل السنة والجماعة بان الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله لان هذا نوع من إدراك الخالق والله سبحانه لا يحيط به أو يدركه أحد من خلقه ،
وهؤلاء يريدون أن يدركوه وأن يعينوا له مكانا ف‍* ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) * لذلك قال ابن أبى العز في شرحه ( ص 222 ) : ( ولا نظن بالشيخ – يعني الطحاوي – رحمه الله أنه ممن يقول إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي التعيينين ) اه‍. واليك بعض أقوال علماء الاسلام في ذلك :
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 66
قال الامام الغزالي رحمه الله تعالى : ( الله تعالى مقدس عن المكان ، ومنزه عن الاقطار والجهات ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه ، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته ) اه‍الاحياء ( 4 / 434 ) ( 34 ) . .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري ) ( 1 / 220 – 221 ) : ( فإن إدراك العقول لاسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه لم ولا كيف ، كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث ) اه‍. .
________________________________________
وقال إمام الحرمين في ( الارشاد ) ص ( 61 ) : ( ثم نقول : إن سميتم الباري تعالى جسما وأثبتم له حقائق الاجسام ، فقد تعرضتم لامرين : إما نقض دلالة حدث الجواهر ، فإن مبناها على قبولها للتأليف والمماسة والمباينة – أي الانفصال – وإما تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث في وجود الصانع ، وكلاهما خروج عن الدين ، وانسلال عن ربقة المسلمين ) اه‍. .
وقال الامام الحافظ البيهقي في ( الاسماء والصفات ) ص 410 : ( والقديم سبحانه عال على عرشه لا قاعد ولا قائم ولا مماس ولا مباين عن العرش ، يريد به مباينة الذات التي هي بمعنى الاعتزال أو التباعد ، لان المماسة والمباينة التي هي ضدها والقيام والقعود من أوصاف الاجسام ، والله عز وجل أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فلا يجوز عليه ما يجوز على الاجسام تبارك وتعالى ) اه‍.
* ( هامش ) *
( 34 ) وانظر أيضا شرح الاحياء للزبيدي 10 / 181 . ( * )
?
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 67
وقال الامام أبو المظفر الاسفراييني في التبصير ( 97 بتحقيق الامام الكوثري ) : ( وأن تعلم أن الحركة والسكون ، والذهاب والمجئ ، والكون في المكان ، والاجتماع والافتراق ، والقرب والبعد من طريق المسافة والاتصال والانفصال ، والحجم والجرم ، والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والاقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لان جميعها يوجب الحد والنهاية ) اه‍.
وقال الامام النووي في الروضة ( 10 / 64 ) ما نصه : ( من اعتقد قدم العالم ، أو حدوث الصانع ، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالاجماع ، أو حدوث الصانع ، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالاجماع ، ككونه عالما قادرا ، أو أثبت ما هو منفي عنه بالاجماع كالالوان ، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا ) اه‍.
________________________________________
وقال الامام المحدث ملا علي القاري في ( شرح الفقة الاكبر ) مشنعا على ابن أبي العز هذا ، شارح الطحاوية ومشوهها ما نصه ( ص 172 ) : ( والحاصل أن الشارح يقول بعلو المكان مع نفي التشبيه وتبع فيه طائفة من أهل البدع ) . . الخ اه‍. فانظره .
وقال العلامة القاري أيضا صحيفة 172 : ( ومن الغريب أنه استدل على مذهبه الباطل برفع الايدي في الدعاء إلى السماء ) اه‍.
وقد عرضنا البعض اليسير مما في شرح الطحاوية من أخطاء مستشنعة مرفوضة في عقيدة الاسلام ، محذرين لطلاب العلم والمدرسين في شتى المجالات من تدريسها ودراستها وتقريرها على الطلاب وموافقة ما فيها من
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 68
الخطأ من باب قول النبي ص : ( الدين النصيحة ) وأرجو أن يعرف أهل العلم وطلابه ما هو المراد من توحيد الاسماء والصفات عند من يدعو إليه ، وأن المراد منه عند ، هؤلاء المتمسلفين ما رأينا من التجسيم وإقامة الوثنية التي حاربها الاسلام وجاء بهدمها .
وأن يدركوا ما كتبناه وقررناه من الادلة الواضحة في إبطال تقسيم التوحيد الى ربوبية وألوهية وليكن هذا آخر كتابنا ( التنديد بمن عدد التوحيد ) فنسأله سبحانه حسن الختام والحمد لله رب العالمين ، وكان الفراغ من تصنيف أصل هذه الرسالة غير ما ألحقته بها 5 / ربيع الاول / 1407 ه‍.
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 69
آثار المؤلف
1 – شرح لعمدة السالك وعدة الناسك على طريقة المحدثين ( 5 ) مجلدات لباب الحج ( مخطوط ) .
2 – إحتجاج الخائب بعبارة من ادعى الاجماع فهو كاذب ( طبع ) .
3 – الامتاع والاستتصاء لادلة تحريم نقل الاعضاء ( مطبوع ) .
4 – عقيدة أهل السنة والجماعة . مع تعليقات على رسالة الامام النووي في التصوف ( مطبوع ) مرتين .
5 – بهجة الناظر في التوسل بالنبي الطاهر ( مطبوع ) .
________________________________________
6 – تعليقات على كتاب المحدث الغماري ( إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي ) ( مطبوع ) .
7 – الاغاثة بأدلة الاستغاثة ( مطبوع ) .
8 – وهم سئ البخت الذي حرم صيام السبت ( مخطوط ) .
9 – حكم المصافحة والمس والرد على من به مس ( مطبوع ) .
10 – إمتاع الالحاظ بتوثيق الحفاظ ( مخطوط ) .
11 – التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد ( مطبوع ) ( مرتين ) .
12 – الجام المفتري العنود المتمسلف عمر محمود ( مخطوط ) .
13 – القول العطر في نبوة سيدنا الخضر ( مخطوط ) .
14 – تحذير العبد الاواه من تحريك الا صبع في الصلاة ( مطبوع ) .
15 – الادلة الجلية لسنة الجمعة القبلية ( مطبوع ) . 16 – إرشاد العاثر إلى وضع حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ( مطبوع ) .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 70
17 – التنديد بمن عدد التوحيد ( مطبوع ) .
18 – رسالة في نجاسة الاسبيرتو والكحول واستعمالهما ( مطبوعة ) سميناها : الدلائل والنقول في تحريم الكولونيا والاسبيرتو لنجاسة الكحول . .
19 – الرد لمنيف على إمام التزييف ( مخطوط ) .
20 – تعليقات على رسالة الامام الكوثري ( اللامذهبية قنطرة اللادينية ) ( مخطوط ) .
21 – تطهير الصديد النازف من فم الدكتور مروان المجازف ( مخطوط ) .
22 – التنكيت على التوضيح وبيان صحة صلاة التسابيح ( مخطوط ) .
23 – الباهر ( مخطوط ) .
24 – شرح سلم التوفيق الى محبة الله على التحقيق ( شرح في التوحيد والفقه والتصوف ) يقع في مجلدين . ( مخطوط ) .
25 – شرح أبيات العزيزي في مسائل تخلف المأموم عن الامام ( مخطوط ) .
26 – إعمال المبارد في الحديد البارد ( مخطوط ) .
27 – حكم الاسلام في صرف العملة وبيان جوازها ( مخطوط ) .
28 – اللجيف الذعاف للمتلاعب بأحكام الاعتكاف ( مخطوط ) .
29 – كشف الهابط من ضبط الضابط ( مخطوط ) رسالة في ثلاث ورقات .
30 – إبطال التصحيح الواهن لحديث العاجن ( مخطوط ) .
________________________________________
31 – القام الحجر للمتطاول على الاشاعرة من البشر ( مطبوع ) .
32 – الادلة المقومة لا عوجاجات المجسمة ( مخطوط ) .
33 – الاتحاف بأسانيد وشيوخ حسن بن علي السقاف ( مخطوط ) .
34 – تعليقات وتكملة على كتاب المحدث الغماري ( فتح المعين بنقد كتاب الاربعين للهروي المجسم ) ( مطبوع ) .
35 – مقالة في رثاء العلامة محمد عبدو هاشم رحمه الله تعالى .
36 – مجموعة فتاوي ومسائل علمية وأبيات شعرية علمية في جزئين ( مخطوط ) .
37 – إعلام المبيح الخائض بتحريم مس القرآن وقراءته على الجنب والحائض ( مطبوع ) .
التنديد بمن عدد التوحيد – حسن بن علي السقاف ص 71
38 – القول المبتوت بصحة حديث صلاة الصبح بالقنوت ( مطبوع ) .
39 – تعليقات على رسالة المحدث الغماري بيني وبين الشيخ بكر ( مطبوع ) .
40 – برد الاكباد في الانتصار للعلامة الصابوني من إفتراء متعصبي العباد ( مخطوط ) .
41 – الشهاب الناري المنقض على عدو المحدث الغماري ( مطبوع ) .
42 – إرشاد الحيران لفساد قولهم في المسألة قولان ( مخطوط ) .
43 – تناقضات الالباني الواضحات ، الجزء الاول في مجلد ( مطبوع ) فيه ذكر ( 300 ) تناقض وخطأ للالباني طبع سبع مرات .
44 – إمعان النظر في مسألتي المسح على الخفين والجمع بين الصلاتين في المطر ( مطبوع ) .
45 – تعليقات على ( دفع شبه التشبيه ) ( مجلد ) مطبوع .
46 – قاموس شتائم الالباني ( مطبوع ) .
74 – البراهين الناسفة للانوار الزائفة ( مطبوع ) .
48 – الشهاب الحارق المنقض على إيقاف المتناقض ! ! المارق ( مطبوع ) .
49 – أقوال الحفاظ المنثورة في وضع حديث رأيت ربى في أحسن صورة ( مطبوع ) .
50 – تناقضات الالباني الواضحات ( الجزء الثاني ) فيه ( 652 ) ممسك ومأخذ ما بين تناقض وخطأ ( مطبوع ) .
51 – شرح جوهرة التوحيد على طريقة المحدثين المسمى ( عقد الزبرجد النضيد في شرح جوهرة التوحيد ) تحت الطبع .
________________________________________
52 – رسالة في عدم جواز قول ( عدد كمال الله ) مخطوط .
53 – البيان الكافي بعدم صحة نسبة كتاب الرؤية للدارقطني بالدليل الوافي ( طبع ) .
54 – الشماطيط في بيان ما يهذي به الالباني في مقدماته من تخبطات وتخليط ( مطبوع ) .ثء
محمد
محمد
احمدمحمدسا
تم…………………………….
________________________________________

لإغاثة بأدلة الاستغاثة تأليف حسن بن علي السقاف

الإغاثة بأدلة الاستغاثة

تأليف

حسن بن علي السقاف

________________________________________
[ 1 ]
الإغاثة بأدلة الاستغاثة بسم الله الرحمن الرحيم الإغاثة بأدلة الاستغاثة بقلم حسن بن علي السقاف القرشي الهاشمي الحسيني الشافعي مكتبة الإمام النووي عمان
________________________________________
[ 1 ]
(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله وكفى، والصلاة على عباده الذين اصطفى، وعلى آلهم وصحبهم ومن لهم اقتفى، وبعد: فقد ضمني مجلس ببعض الأساتذة الفضلاء، والإخوان النجباء فوجه إلي أحد الأساتذة سؤالا، فقال: بلغنا عنك أنك تجيز الاستغاثة – أي بغير الله تعالى – فهل هذا صحيح؟! فأجبت – نعم أجيزها ومستندي في ذلك أحاديث صحيحات، مع أقوال جماعات من العلماء من السلف والخلف وأهل الحديث المرجوع إليهم في المشكلات. فقال ذاك الأستاذ: وما دليلك في ذلك؟ فقلت ما رواه البخاري في صحيحه مرفوعا: (تدنو الشمس يوم القيامة من رؤوس العباد فبينا هم كذلك إذ استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد (صلى الله عليه وآله) فيشفع ليقضي بين الخلق). فأحال أحد الأساتذة الجواب إلى أحد الأساتذة المشتغلين بعلم الحديث ليجيبني على ذلك، فقال ما ملخصه: إنه لا يوجد دليل في الكتاب ولا في السنة يفيد جواز ذلك، ولا في أقوال من يرجع إليه بن السلف بل لم ينقل ذلك عن أحد من المعتبرين وطلب مني ذاك الأستاذ أن أعيد نص الحديث، وأن أعيد نص حديث الأعمى، وأن أتاكد من سند حديث آخر حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح، وأضاع البحث في أساس القضية منكرا أن يكون هناك دليل في الاستغاثة والتوسل البتة. وقد قبل باقي الأساتذة الفضلاء بكلامه باعتباره متخصص في علم الحديث، ولم أقبل ما قاله البتة، وقد تعجبت منه لأني أعرف أنه مطلع تماما على كثير من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الاستغاثة والتوسل، وخصوصا أنه حاول ختم البحث بقوله:
________________________________________
[ 2 ]
منذ أربعين سنة وأنا أبحث في هذه المسألة وقد تحققت أنه لا دليل ثم ذكر أستاذ آخر: أن نداء الأموات هو دعاء لهم، وأن الدعاء عبادة، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (الدعاء هو العبادة) وجاء: (الدعاء مخ العبادة) وكلمة (يا) أداة نداء ودعاء فهي عبادة. فأجبت الأستاذ: بأن الدعاء له عدة معان منها العبادة والحديث لا يحصر الدعاء بالعبادة باتفاق العلماء، وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لما رأى ولده إبراهيم عليه السلام يجود بنفسه: وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون وكان يأمر من زار المقابر أن يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. نسال الله العافية لنا ولكم. وعن أبي مويهبة مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأهل البقيع: (السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنكم ما أصبحتم فيه) … الحديث رواه الإمام أحمد (3/489) والطبراني قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) بإسنادين ورجال أحدهما ثقات. وفي مصنف الإمام عبد الرزاق (3/576/حديث 6724 بتحقيق المحدث الأعظمي) بسند صحيح عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. أه‍. ولم يكن هذا من النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه عبادة للمنادى مع أنه نداء باتفاق العقلاء. وكذلك قول سيدنا أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موته بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين. (الفتح 3/13) رواه البخاري وغيره. فقال الأستاذ: لكنه لم يطلب منه شئ فقلت: نحن نريد أن نثبت نقطتين:
________________________________________
[ 3 ]
الأولى: جواز نداء الأموات وقد فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، كما تقدم في الأحاديث والآثار مع أقوال العلماء التي قدمتها وثبت في نداء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأصحاب قليب بدر كما هو ثابت في الصحيحين، فإذا ثبت أن ذلك جائز انتقلنا إلى النقطة: الثانية وهي: هل يجوز طلب شئ من النبي بعد وفاته أو أحد من صالحي أمته؟ ونحن نقول بأن من اعتقد أن المدعو وهو من استغثنا به سواء كان حيا أو ميتا في الدنيا والآخرة له صفة من صفات الربوبية كفر لا محالة وهذا مقرر مشهورة في علم التوحيد. ومن طلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يستغفر له بعد مماته لم يعتقد أنه رب محي مميت خالق رازق حقيقة، والنبي لا يعلم أمته ما يؤدي إلى الكفر والشرك، وقد علم الأعمى أن يقول في دعائه: “يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي”. والمستغيث يقول كذلك، وأما قول من قال: إن ذلك ذريعة إلى الشرك والأفضل تركه. فنقول له: ليس كذلك، لأن النبي لا يعلم الأمة ما يؤدي للشرك، وفي ذلك تعطيل العمل بالأحاديث الصحيحة بحجة أنها ذريعة للشرك وهو كلام خطير جدا. والأئمة من المحدثين والفقهاء ما يزالون يذكرون في أبواب صلاة الحاجة حديث الأعمى حاثين الأمة أن تقول في ذاك الدعاء: يا رسول الله إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي … فليس في ذلك ما يتعلق في العقيدة ولا في التوحيد البتة، إلا عند من يقول أن هناك توحيدان: توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وأنه من وحد توحيد ربوبية ولم يوحد توحيد ألوهية فهو كافر. وهذه مسألة اخترعها ابن تيمية ليكفر بها عباد الله تعالى وتبعه عليها محمد ابن عبد الوهاب، ونصوص الكتاب والسنة تنقض ذلك نقضا مبرما كما أوضحت ذلك مفصلا في رسالة (التنديد بمن عدد التوحيد) وأجبت عن جميع الآيات التي توهم منها بعض الناس أنها تدل على ذلك كقوله سبحانه (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله).
________________________________________
[ 4 ]
وبينت معانيها الثابتة بنصوص القرآن من سياقاتها وأقوال الأئمة الفحول في ذلك فلتراجع. فقد وجب الآن أن نكتب في بيان مشروعية الاستغاثة بسرد أدلتها الثابتة وأقوال السلف وأهل الحديث فيها، ليعلم الأساتذة الثلاثة الذين اجتمعت معهم خاصة وباقي الناس عامة أدلة جواز الاستغاثة، وهذا ما أدين الله به وأراه حقا وصوابا وتمسكا بالسنة فأن كان حقا أسأل الله تعالى أن يثبتني عليه وأن يلهم من أنكر ذلك أن يرجع إليه، كما أسأله تعالى إن كان باطلا أن يجنبنا إياه (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين). (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه به.
(فصل): في تعريف الاستغاثة وما يتعلق بذلك: الاستغاثة عندي هي: الطلب من النبي قبل وفاته أو بعد وفاته – لأنه بعد وفاته حي كما أخبر يسمع وتعرض عليه أعمال أمته – أن يدعو الله تعالى في تلبية حاجة لصاحب الحاجة، فقد طلب الناس منه (صلى الله عيه وسلم) الاستسقاء في حياته وبعد مماته كما سيأتي إن شاء الله في أدلة الاستغاثة، مع كون المطر بيد الله ليس بيد النبي كما هو معلوم ومشهور فقد جاء الرجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا – أي يمطرنا -.. الحديث وكان الرجل مسلما كما في الفتح (2/502) والصحابة كانوا يعرفون قول الله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) والنبي لم يقل لذلك الرجل إذا نزل بك قحط أو بلاء فلا تأتيني وتطلب مني الدعاء بل! عليك أن تدعو الله وحدك للآية. فاتضح أن هذه الآية لا تنفي الاستغاثة لان ذكر الشيء لا ينفي ما عداه كما هو مقرر في الأصول.
________________________________________
[ 5 ]
فلا بد من عقد فرع لإثبات حياة الأنبياء في قبورهم فإذا اتضح ذلك تبين جواز خطابهم ومناداتهم لأنهم يسمعون. (فرع): إثبات حياة النبي في قبره: 1) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي في حياة الأنبياء وغيرهم. قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/211): رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات. وفي فيض القدير (3/84): رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك وهو حديث صحيح أه‍. قلت: وصححه الألباني، علما بأني لا أعتد بتصحيحه ولا بتضعيفه وأقول أنه ليس أهلا لذلك كما سأبين في عدة مواضع، وإنما أذكر كلامه هو وابن تيمية وأمثالهما ليتنبه بذلك مقلدوهم وعاشقوهم. انظر صحيحته حديث (621). قال المحدث الكتاني في نظم المتناثر 135 (حديث رقم 115): قال السيوطي في مرقاة الصعود: تواترت – بحياة الأنبياء في قبورهم – الأخبار، وقال – الحافظ السيوطي – في أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء ما نصه: حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا، لما قام عندنا من الأدلة في ذلك، وتواترت بها الأخبار الدالة على ذلك، وقد ألف الأمام البيهقي رحمه الله تعالى جزءا في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم أه‍. وقال ابن القيم في كتاب الروح: صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء خصوصا بموسى، وقد أخبر بأنه: ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام. إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم ا ه‍…. انتهى من نظم المتناثر للمحدث الكتاني.
________________________________________
[ 6 ]
وهذا الكلام لابن القيم موجود في كتاب الروح ص (53 – 54) طبعة دار الفكر الطبعة الثانية سنة 1986). وهذا الكلام المتقدم نص عليه الإمام المناوي في فيض القدير (3/184) فراجعه. 2) وهناك أدلة عدة في حياة الأنبياء ستأتي أثناء عرض أدلة الاستغاثة فلا نريد التكرار والإطالة. (فرع): في إثبات أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يسمع بعد موته وكذا سائر الأموات اعلم يرحمك الله تعالى أن بعض من توهم أن الأموات لا يسمعون ظنوا أن قول الله تعالى (وما أنت بمسمع من في القبور) دليلا على ذلك، وليس كذلك، بل هذه الآية دليل على أن الكفار المصرين على الباطل لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة كما أن الأموات الذين صاروا إلى قبورهم لن ينتفعوا بما يسمعونه من التذكير والموعظة بعد أن خرجوا من الدنيا على كفرهم، فشبه الله تعالى هؤلاء الكفار المصرين بالأموات من هذا الوجه، ونص على ذلك أهل التفسير فراجعه، واني أنقل لك قول واحد منهم: جاء في مختصر تفسير ابن كثير رحمه الله للشيخ الصابوني حفظه الله تعالى (3/45) في تفسير آية (وما أنت بمسمع من في القبور) إن المعنى: أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم (إن أنت إلا نذير). أه‍ واعلم أن الله تعالى قال (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) النمل/80، وأنت تعلم أن الأموات لا يولون مدبرين بعد العظة والتذكير وإنما المراد بذلك الكفار ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (مثل الذي يذكر الله تعالى والذي لا يذكره مثل الحي والميت) (1). فتأمل. (1) الضمير في قوله سبحانه: (إذا ولوا مدبرين) عائد على الموتى وعلى الصم، لأن المراد بكل منهما الكفار، وهذا ظاهر بداهة، فالموتى والصم هم الكفار لا الأجساد،
________________________________________
[ 7 ]
ونص على ذلك أئمة محققو المفسرين، بالإضافة إلى الأدلة التي أوردتها في هذه الرسالة في إثبات سماع الأموات بلا شك، أما قول أئمة التفسير: فقال الطبري في تفسيره (مجلد 11 جز 25 صحيفة 12): وقوله (إنك لا تسمع الموتى) يقول: إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه (ولا يسمع الصم الدعاء) يقول: ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله عن سماعه سمعه (إذا ولوا مدبرين) يقول: إذا هم أدبروا معرضين عنه لا يسمعون له، لغلبة دين الكفر على قلوبهم ولا يصغون للحق ولا يتدبرون ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه وينكرون القول به والاستماع له. انتهى من. الطبري. وهذا يثبت بلا شك أن الضمير في قوله (ولوا) يعود على الأموات وعلى الصم. وكذا قال الإمام الحافظ أبو حيان في تفسيره النهر الماد (مطبوع مستقل دار الجنان 1407 صحيفة 2/632) فليراجع. وأما حديث: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) فحديث ثابت في الصحيحين، انظر الفتح (11/208) وقال الحافظ صفحة 210: وقع في مسلم عن أبي كريب بلفظ: (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر فيه مثل الحي والميت) ثم قال: الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السكن، وإن إطلاق الحي والميت في وصف البيت إنما يراد به سكن البيت، فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره تزين بنور الحياة…. الخ كلامه أه‍ فتبين بهذا التحقيق أن تشدق الألباني فيما ادعى فيه التحقيق في تعليقه على سنه ابن أبي عاصم (414) المسمى عنده بظلال الجنة: غلط محض بل باطل. وكذا سيظهر في هذه الرسالة أن صاحب الكراسة المتهافتة التي رد بها على (الميداني) بنقل الرد من كتاب (التوصل إلى حقيقة التوسل) غلط، لأن الأصل وهو التوصل متهافت ملئ بالأغلاط وقد دنس فيه مؤلفه ثم: ضعف ما يشا من الحديث برأيه المستهجن الرثيث فلا يعول على كلامه كما سيتجلى أثناء هذه الرسالة، وخصوصا في حديث عائشة رضي الله عنها عند الدارمي كما ستراه إن شاء الله تعالى، فكيف بمن نقل عنه ونسخ من كتابه وهو لا يميز بين الغث والسمين، فظن نفسه أنه رد الحق بشيء هو في الحقيقة مل غيره لكنه نسبه إلى نفسه، ثم تبجح به، وقد رددت أيضا على أحد خريجي مانشستر ممن يقول بقريب من ذلك من نفس فصيلة هذه الطائفة وكما قيل: والقوم إخوان وشتى في الشيم وقيل في شأنهم اشتدي زيم
________________________________________
[ 8 ]
إذا فهمت ذلك فتدبر الآن في أدلة سماع الأموات: 1) روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول….. وفي رواية في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. أه‍ ولا أدري أيصحح الألباني هذا الحديث أم يضعفه؟! ومن رد هذا الكلام الصريح بكلام السيدة عائشة قلنا له: ذكر العلامة حبيب الله الشنقيطي في كتابه زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم (4/4 – 5) نقلا عن الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: ومن الغريب أن في المغازي لابن اسحق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة – يعني أنها أثبتت أن الأموات يسمعون – وفيه ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. وأخرجه أحمد بإسناد حسن فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة. اه‍ قلت: لا حجة بمعارضتها رضي الله عنها، وقد ثبت أنها رجعت، وكلام من شهد القصة مقدم على كلامها بلا ريب وهم رجال عدة. والحمد لله تعالى. 2) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) رواه الحاكم في المستدرك (2/421) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
________________________________________
[ 9 ]
وأقره الحافظ الذهبي، وفي فيض القدير (2/479): رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ العراقي: الحديث متفق عليه دون قوله سياحين أه‍ قلت: فليراجع. 3) قال الحافظ السيوطي في اللمعة في أجوبة الأسئلة السبعة (الحاوي 2/175): روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام) صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق. قلت: والحافظ بن عبد الحق إمام في العلل ومعرفة الحديث كما في تذكرة الحفاظ للذهبي وكذا أشار إلى صحة الحديث صاحب عون المعبود فيه (3/370). وسيأتي الكلام على هذا الحديث إن شاء الله في تنبيه آخر هذه الرسالة وبيان كيف ضعفه الألباني بلا حجة. 4) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام) رواه أبو داود وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير. قال الإمام الحافظ السيوطي في رسالته: (أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء) المطبوعة ضمن الحاوي (2/147): قوله (رد الله) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدرت (قد)، كقوله تعالى: (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) أي: قد حصرت، وكذا تقدر هنا والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد، و (حتى) ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث: (ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك فأرد عليه).
________________________________________
[ 10 ]
وإنما – جاء الإشكال على من ظن أن جملة (رد الله علي) بمعنى الحال، أو الاستقبال، وظن أن (حتى) تعليلية، وليس كذلك، وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله وأيده من حيث المعنى: أن الرد لو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرر سلام المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة، وتكرر المفارقة يلزم عليه محذوران: أحدهما: تأليم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه، أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم. والآخر: مخالفة سائر الشهداء وغيرهم، فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة. انتهى كلام الحافظ السيوطي. 5) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلن عيسى بن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا، فليكسرن الصليب ويقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد، ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته). قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/211): قلت: هو في الصحيح باختصار رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. أه‍ قلت: وفي قوله (لأجبته) دلالة ظاهرة في سماعه إياه. 6) وجاء في الصحيحين البخاري (الفتح 3/205) ومسلم وكذا عند أحمد والسدي والبزار وابن حبان مرفوعا: (إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم). 7) جاء في حديث أبي هريرة والسيدة عائشة وبريدة واللفظ له عند مسلم وغيره كما في تلخيص الحبير (2/137): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية).
________________________________________
[ 11 ]
قلت: وهذا نداء ودعاء للأموات صريح من النبي صلى الله عليه واله وسلم وتعليم للأمة فليس ذلك عبادة لهم، وليس لأحد أن يقول هنا (الدعاء هو العبادة) كما أنه ليس لأحد أن يقول: وجب تغيير نداء النبي في الصلاة بعد وفاته بإبدال (السلام عليك أيها النبي) بلفظة (السلام على النبي)، فتنبه، ولها جواب في كتاب (القول المقنع) لشيخنا المحدث الغماري حفظه الله تعالى، وأظن أن هذه الأدلة يعضد بعضها بعضا وهي كافية في إثبات السمع للأموات، وإنما أوردتها وأوردت قبلها الدليل على حياة النبي في قبره، وأثبت أثناء ذلك أن النداء ليس عبادة إلا إن كان دعاء لمن اعتقدنا فيه صفات الربوبية، وهذا هو الصواب الذي تثبته أدلة النقل الشرعية والعقل المنطقية، وقد فصلته في (التنديد بمن عدد التوحيد) وقد أوردت كل فا تقدم ليكون مقدمة لأدلة الاستغاثة بالأنبياء الموصوفين بأنهم أحياء في قبورهم يسمعون وتعرض عليهم أعمال أممهم، ومن أثبت التوسل والاستغاثة بذات الأنبياء والصالحين حال حياتهم فقط أثبت لهم تأثيرا، كما أنه جردهم من منزلتهم بعد موتهم وهنا يكمن الخطر الجسيم. وإني أذكر حديث عرض الأعمال فيما يلي بين يدي أدلة الاستغاثة فأقول: (فصل:): في تحقيق: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم… روي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم). قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) رجاله رجال الصحيح أه‍ قلت: وسأفصل ذلك إن شاء الله تعالى بعد قليل – أعني صحة إسناده والرد على من يحاول أن يوهم أن الحديث ضعيف.
________________________________________
[ 12 ]
فأقول: ضعف هذا الحديث بعض من لم يوافق الحديث مشربه بلا حجة، فلبس بذلك على بعض الطلبة البسطاء، وذهب هذا المضعف يحتج بأن هذا الحديث يعارض حديثا ثابتا في الصحيح وهو: (حديث الحوض) وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم القيامة داعيا أمته إلى الحوض: هلموا، فتضرب الملائكة بعض من أراد الورود على الحوض، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لماذا تذودوهم؟! فتقول الملائكة: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: سحقا، سحقا. انتهى الحديث بمعناه. قال مضعف حديث عرض الأعمال: فكيف تقول الملائكة في الحديث الصحيح إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك يا رسول الله؟! فلو كانت الأعمال تعرض عليه لعرف ما صنعوا بعده. فالجواب على هذا الإشكال هو ما أجاب به الحافظ في فتح الباري (11/385) جامعا بين الحديثين ناقلا ذلك عن أربع من أكابر حفاظ الأمة وهم: النووي وابن التين والقرطبي والقاضي عياض وهو خامسهم حيث قال ما معناه ملخصا: هؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم المنافقون والذين ارتدوا عن الإسلام، فهؤلاء لا تعرض أعمالهم عليه في الدنيا لخروجهم من أمته حقيقة، وان كانوا في الصورة يصلون ويتوضأون فيحشرون بالغرة والتحجيل، فإذا أبعدتهم الملائكة وقال لهم سحقا سحقا أطفا الله تعالى غرتهم وتحجيلهم وأذهبه ساعتئذ. أه‍ من الفتح. وحديث (حياتي خير لكم….) رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (1/397) بإسناد رجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ نور الدين الهيثمي في المجمع (9/24) وقال الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى (2/281) سنده صحيح، وقال الحافظان العراقيان – الزين وابنه ولي الدين – في طرح التثريب (3/297): إسناد جيد، وطرح الثريب من آخر مؤلفات الحافظ الزين العراقي. وروى الحديث ابن سعد بإسناد حسن
________________________________________
[ 13 ]
مرسل كما في فيض القدير (3/401) وصنف في هذا الحديث مولانا محدث العصر سيدي عبد الله بن الصديق الغماري جزءا حديثيا خاصا سماه (نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال) قرظه له شقيقه الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري الحسني. فمما قدمناه بان أن الذين صححوا الحديث من أهل الحديث: 1) الحافظ النووي. 2) والحافظ ابن التين. 3) والحافظ القرطبي. 4) والحافظ القاضي عياض. 5) والحافظ ابن حجر العسقلاني كما نقل ذلك عمن تقدم ذكرهم في الجمع بينه وبين حديث الشفاعة كما في الفتح (11/385). 6) والحافظ زين الدين العراقي إمام زمانه. 7) وولده الحافظ ولي الدين العراقي أبو زرعة. 8) والإمام الحافظ السيوطي. 9) والحافظ الهيثمي كما في مجمع الزوائد. 10) وكذا المحدث المناوي في فيض القدير. 11) وكذا الحافظ المحدث السيد أحمد الغماري. 12) وكذا مولانا محدث العصر المحقق سيدي عبد الله بن الصديق. وهؤلاء الأئمة النقاد بلا شك ولا ريب مقدم تصحيحهم عند كل عاقل كما نظن على تضيف الألباني له في سلسلته الضعيفة (2/404). ولا أشك أن الألباني ضعف الحديث لا لضعف سنده وإنما لمخالفته لمشربه فقط. وأعجب منه كيف أنه يصحح أحاديث ضعيفة بشواهد شبه موضوعة كما فعل مثلا بحديث (لحوم البقر) الذي ذكرته في رسالة رد التصحيح الواهن لحديث العاجن، ثم يضعف هذا الحديث برجل من رجال مسلم والأربعة ووثقه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وروى عنه أئمة من كبار المصنفين كالشافعي والحميدي وأمثالهم.
________________________________________
[ 14 ]
والطعن في هذا الرجل (ابن أبي رواد) مردود رده الذهبي في سير أعلام النبلاء فلينظر. ومن كان مؤهلا للمناقشة في علم الرجال واعترض على ما قررناه مما تبعنا فيه أهل الشأن فليناظرنا وليباحثنا في ذلك، مع أني لم أر إلى الآن أحدا من أهل العلم المعتبرين ضعف حديث (عرض الأعمال). والله الموفق للصواب. ومن المؤسف جدا أن: صاحبي كتيب (أوهابية أم كتاب وسنة) الذي كان مطبوعا قبلا باسم الإسلام والغلو في الدين ص 23 من أوهابية وص 15 من الغلو يقولان عن حديث عرض الأعمال ما نصه: قال في الصارم المنكي: هذا حديث مرسل ضعيف لا يحتج به. أه‍ والصحيح: أن صاحب الصارم المنكي لم يقل ذلك وإنما قال: حديث مرسل صحيح الإسناد. أه‍ فقد حرف صاحبا كتاب (أوهابية) في النقل على عادة هذه الطائفة، وهما ممن لا يعرف في علم الحديث لا قليلا ولا كثيرا. ولم يطلع ابن عبد الهادي الحافظ صاحب الصارم المنكي على إسناد البزار، ولو اطلع لقال حديث متصل صحيح الإسناد. ولنتناقش في شأن ابن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي مناقشة موضوعية هادئة بعيدة عن التعصب بتروي وتدبر وذلك على ضوء الكتاب والسنة فنقول: قال الإمام المحدث الكتاني في فهرس الفهارس والاثبات (1/277) كاشفا حال ابن عبد الهادي وكتابه الصارم المنكي ما نصه: وتصدى للرد على ابن السبكي: ابن عبد الهادي الحنبلي، ولكنه ينقل الجرح ويغفل عن التعديل (2)، وسلك سبيل العنف والتشديد، وقد رد عليه (2) أي في رد ابن عبد الهادي في الصارم المنكي على كتاب الإمام السبكي في كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) وهو مطبوع مشهور متداول أعني شفاء السقام.
________________________________________
[ 15 ]
وانتصر للسبكي جماعة (3) منهم الإمام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر الشمس محمد علي بن علان الصديقي المكي له – كتاب – (المبرد المبكي في رد الصارم المنكي) ومن أهل عصرنا البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري سماه (نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي) وكذا الحافظ ابن حجز له (الإنارة بطرق حديث الزيارة) وانظر مبحثا من فتح الباري والمواهب اللدنية وشروحها. أه‍ قلت: وابن عبد الهادي من شدة تعصبه لابن تيمية وملازمته له اغتر بكثير من أخطائه المشهورة، لا سيما أن ابن تيمية كان يحثه على قراءة مصنفات المجسمة والمشبهة وخصوصا أن ابن تيمية يرى أن التشبيه والتجسيم لم يأت لهما ذم في كتاب أو في سنة أو في قول أحد من السلف، كما يقول في كتابه التأسيس في نقد أساس التقديس (1/1 00): ولم يذم أحد من السلف أحدا بأنه مجسم ولا ذم للمجسمة. أه‍. وقال في التأسيس أيضا (1/109): وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين. أه‍ وكان ابن تيمية – شيخ ابن عبد الهادي – هنا يتناسى أن الإسلام جاء لهدم الوثنية المبنية على تجسيم الإله وتشبيهه بخلقه… إلى غير ذلك مما لا يحتاج لدليل ولا برهان كما قيل: وليس يصح في الأذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل كما يظهر أنه نسي ما يقوله هو وأصحابه: (المشبه يعبد صنما) وإثبات ابن تيمية في التأسيس (1/568) عقيدة تجويز جلوس معبوده على ظهر بعوضة فضلا عن العرش مما تشمئز منه نفوس أهل الإيمان حيث يقول ما نصه هناك: (3) ونحن الآن إن شاء الله تعالى على أتم الاستعداد للانتصار للسبكي في هذا الزمان، وكذا في كل مسألة يثيرها المغرضون مما نرى الحق على خلافها، والله تعالى يهيئ في كل مكان وأوان من يزهق الباطل ويدافع عن الحق كما قال الكوثري عليه الرحمة والرضوان.
________________________________________
[ 16 ]
(ولو قد شاء – الله – لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم). ويشير في منهاج السنة (1/260) إلى تقوية حديث: جلوس الله على العرش وبقاء فراغ بمقدار أربع أصابع إلى غير ذلك من طامات ورثها عنه الإمام الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي الذي كان يسمع أهله وخاصته كتاب (إثبات الحد لله عز وجل وأنه قاعد وجالس على عرشه) للمجسم المحترق ابن سفنديار الدشتي الحنبلي كما تجد ذلك بخط ابن عبد الهادي على جزء الدشتي المذكور، مع أن المعروف عند كل مؤمن عاقل أن الأهل من زوجة وأولاد وكذا خاصة الرجل ممن ينبغي صونهم من الكفر البواح، وتسميعهم ما فيه تنزيه للباري تبارك وتعالى، وعناوين هذه الكتب تنبئ العاقل المتبصر بحال مصنفيها والمشتغلين بتسميعها لأهلهم وخاصتهم. ومن تعصب ابن عبد الهادي لابن تيمية وتصنيفه للانتصار لذلك عاب عليه كبار العلماء كالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره من الأكابر، ففي الفتح (3/66) مثلا ما نصه: قال الكرماني: وقع في هذه المسألة – مسألة الزيارة – في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة وصنف فيها رسائل من الطرفين، قلت: يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وما انتصر به الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي وغيره لابن تيمية وهي مشهورة في بلادنا، والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنكرنا صورة ذلك (4)…. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية. أه‍ [تنبيه]: لمسألة تتعلق باستحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي: أنه قد تلاعب أحد أتباع ابن تيمية بكلام الإمام النووي في الأذكار فحرفه إقتداء بمن قال الله فيهم (يحرفون الكلم عن مواضعه) وإني أسوق كلام الإمام النووي الأصلي الآن إن شاء الله تعالى ثم أردفه بالكلام المبدل لنتبين حقيقة الأمر، وليعشق من يعشق سلفية العصر على بينة فأقول:
________________________________________
[ 17 ]
كلام الإمام النووي الأصلي غير المحرف: في كتاب الحج من الأذكار (ص 306 طبع دار الفكر دمشق) وكذا في المخطوط وباقي الطبعات وفي شرح الأذكار لابن علان ما نصه: (فصل في زيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأذكارها): اعلم أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلى زيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن فان زيارته (صلى الله عليه وسلم) من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات فإذا توجه للزيارة أكثر من الصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وسلم) في طريقه. فإذا وقع بصره على أشجار المدينة… أه‍ كلام الإمام النووي الأصلي. كلام الإمام النووي المحرف الذي حرفه (عبد القادر الأرناؤوط) المتمسلف بأمر من سادته طمعا في المادة: في كتاب الأذكار للإمام النووي (طبع دار الهدى الرياض 1409 د بإشراف وموافقة مراقبة المطبوعات برئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء ص 295) ما نصه: فصل في زيارة مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اعلم أنه يستحب من أراد زيارة مسجد رسول (صلى الله عليه وسلم) أن يكثر من الصلاة عليه (صلى الله عليه وسلم) في طريقه فإذا وقع بصره على أشجار المدينة…. فتأمل هذا التحريف ولا أدري كيف حصل هذا تحت أنظار رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة (!) علما بأن الكتاب إذا كان فيه كلمة توسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أو بيت من الشعر فيه مدح له (صلى الله عليه وسلم) فإن عين رئاسة البحوث تضبطه وتصادر الكتاب وتمنع دخوله. فهل أصاب عين رئاسة البحوث العمى فلم تر هذا التحريف لأنه يوافق مشربها؟!! ثم تمادى المحقق المتمسلف المذكور فاسقط بعد صحيفة من كتاب الأذكار قصة العتبي التي ذكرها الإمام النووي لأنها تخالف ذاك المشرب العكر، فهل هذه هي الأمانة العلمية؟! وكان بإمكانه أن يعلق عليها بالإنكار كما فعل بعض إخوانه في طبعات أخرى دون أن يقترف هذا التحريف والتلاعب المشين الذي يؤدي إلى تشكيك المسلمين بما يطبع ويطرح بين أيدي عامة الناس من أمهات المراجع وكتب التراث. سبب هذا التحريف فيما نرى: أقول: والذي دعا المحقق والمشرف إلى أن يحرف عبارة الإمام النووي ويحذف منها هو التعصب لرأي ابن تيمية الحراني والذي أنكره عليه فحول علماء أهل السنة، وإليك بيان ذلك: قال الحافظ ابن حجر في الفتح (3/66): والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنكرنا صورة ذلك…. وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية أه‍
________________________________________
[ 18 ]
قلت: فهذا الإنكار لا شك يشمل كتاب الصارم المنكي (5)، الذي كان مؤلفه يحيد عن الصواب بتضعيف الأحاديث بعرض رجالها وذكر الجرح فيهم دون التعديل كما قال ذلك الأئمة المختصون في هذا الفن ورأيناه أيضا بأعيننا، وسلك أيضا مثل هذه الطريق الشاذة البعيدة عن التمحيص العلمي (السهسواني) وأمثاله ممن لا يعبأ بقولهم البتة. هذا مع ملاحظة أن ابن عبد الهادي قال عن حديث (حياتي خير لكم…. الحديث): مرسل صحيح، فحرف ذ لك صاحبا (أوهابية أم كتاب سنة) فقالا: قال ابن عبد الهادي ضعيف لا يحتج به. أه لأنه يخالف مشربهما، ولا شك أن هذا من الغلو في الدين!! فلا حول ولا قوة إلا بالله. قلت: وهذا التحريف اعتاد عليه الحشوية المجسمة في كل عصر كما أثبتت ذلك وقائع التاريخ وعندي على ذلك أمثلة تزيد على الثلاثمائة سأصدرها قريبا في رسالة أسردها فيها سردا، وانظر إلى ما يقوله الإمام الحافظ التاج السبكي في كتابه (قاعدة في الجرح والتعديل ص 48 من الطبعة الخامسة): وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا إلى أن كتب شرح ” صحيح مسلم ” للشيخ محي الدين النووي، وحذف من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات، فإن النووي أشعري العقيدة فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفه. وهذا عندي من كبائر الذنوب، فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات فقبح الله فاعله وأخزاه… الخ انتهى كلام الإمام الحافظ السبكي. (5) قال المحدث يوسف النبهاني في شواهد الحق ص (287): (الصارم المنكي) غير صحيح، لان أنكى الرباعي غير وارد ولا وجود له في كتب اللغة… فلا يقال أنكاه وأنكاه حتى يصبح منكي كما في اللسان والقاموس والمصباح…. (والظاهر أن الله طمس على بصيرته في تسمية الكتاب كما طمس على بصيرته في مسماه ليحصل الخطأ في الاسم والمسمى جميعا. أه‍.
________________________________________
[ 19 ]
(فصل): في أدلة الاستغاثة الصحيحة وآثار السلف أيضا: 1) ثبت في صحيح البخاري في كتاب الزكاة باب رقم (52) أنظر فتح الباري (3/338) الطبعة السلفية ما نصه: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):. (إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق…). أقول: وهذا تصريح بالاستغاثة بغير الله تعالى في أمر لا يملك تفريجه يومئذ إلا الله تعالى وحده، وكلنا يعتقد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عبد من عبيد الله ليس له الملك يومئذ لأن (الملك اليوم لله الواحد القهار)، واستغاثة الناس بعد اتضاح الشرك من الإيمان يومئذ وخصوصا بسيدنا آدم الذي يعترف بأنه لا يستطيع ذلك ثم بمن بعده من أكابر الأدلة وأنصعها وأصحها على أن الاستغاثة بغير الله تعالى ولو لم يكن المستغيث يملك النفع ليس شركا ولا كفرا كما يظن البعض بل هو حق في موقف يشهده الخلق جميعا بين يدي رب العالمين النافع الضار سبحانه، وذكر لفظة الاستغاثة في هذا الحديث نص صريح على حقية ذلك، فليس لأي إنسان أن يقول: هذا حديث الشفاعة ونحن نعرفه، لأن قوله هذا لا ينفي الاستغاثة، بل يثبت هذا عليه أن التوسل والاستغاثة والاستعانة والشفاعة كلها بمعنى واحد وهو توسيط النبي أو غيره بين صاحب الحاجة وبين الله تعالى وهو يعتقد أن الأمر بيد الله. ولذلك قال الحافظ ابن حجر معلقا على نحو هذا الحديث في الفتح (11/441) وفية أن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدنيا من التوسل إلى الله في حوائجهم بأنبيائهم أه‍. قلت: وهؤلاء الناس منهم من أدرك الأنبياء في حياتهم الدنيوية قبل وفاتهم ومنهم من أدركهم بعد الوفاة، وال