حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم:
الحمد لله وكفى والصلاة على المصطفى وبعد:
لابدّ قبل الشروع في إصدار الحكم على هذه المسألة من أنْ نوضِّح المقام بالمراد من جملة :”الاحتفال بالمولد النبوي”فنقول وبالله التوفيق:
الاحتفال بالمولد النبوي هو القيام بأعمال وتصرفات تدل على الفرح والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فللحكم على هذا العمل لابد من النظر إلى الوسائل والمقاصد فيه، فإن كانت الوسائل مشروعة في الجملة بأن اندرجت تحت أصول عامة في التشريع، والمقاصد مشروعة بأن كانت تحقق أيضاً أمراً مطلوباً شرعاً الوصول إليه، كان العمل مشروعاً، ولا يشترط لكل عمل دليلاًخاصاً عليه بل يكفي لأن يندرج تحت أدلة عامة من الشرع، وهذا بدهي، وذلك لأن نصوص التشريع محدودة وحوادث الدهر ممدودة، فلا يمكن أن تستوعب نصوص الشرع أفعال الناس الجزئية إلا بأدلة وقواعد كلية إلا فيما نصّ الشارع على خصوصه وتخصيصه، وإليك توضيحاً للمقام كلام شيخ الإمام النووي العلامة أبي شامة رحمه الله حيث قال مانصّه: “فالبدع الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مُبتدَعٍ موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها ولا يلزم من فعله محذور شرعي، وذلك نحو بناء المنابر والربط والمدارس وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعد في الصدر الأول فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى”اهـ. الباعث على إنكار البدع 1/23.
ما يعمل في يوم الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم:
1-يقرأ بعض المسلمين قصة المولد الشريف، وهي سرد لأحداث السيرة النبوية العطرة منذ ولادته صلى الله عليه وسلّم إلى ذكر خصائصه ومعجزاته الباهرة، ولا أعتقد ان إنساناً لا يجيز هذا العمل الذي يرسِّخ في الناس فهم سيرته صلى الله عليه وسلم.
2- يذكر فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا أظن أن أحداً يناقش في فضل الصلاة على رسول الله إلا مكابر أو معاند، فهي ثابت بصريح القرآن الكريم بقوله تعالى” صلّوا عليه وسلّموا تسليماً”وهو دليل عام ومعلوم في علم الأصول أن العام يبقى على عمومه ما لم يرد مخصص، ولا مخصص هنا في أخراج استحباب الصلاة على النبي في هذا اليوم، فيبقى العمل بالعموم.
3- الإطعام وغيره من أعمال البر المرغوب فيها شرعاً، قال في روح السير/للعلامة إبراهيم الحلبي :وقد سئل الإمام ولي الدين العراقي عن عمل المولد فأجاب: بأن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت، فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور لنور النبوة في هذا الشهر الشريف، ولا نعلم غير ذلك عن السلف، ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهاً، فكم من بدعة مستحبة بل واجبةاهـ.وانظر أيضا النبهاني/جواهر البحار3/1121، والباعث لأبي شامة 1/23.
فهذه جملة وسائل كلها مشروعة بأصلها كما ترى، وأما ما يعمل عند بعض الجهلة من اختلاط محرم للرجال والنساء في مثل هذه الأعمال فهو حرام، ولكن هذا لا يعني أن عمل المولد نفسه حرام ، وعليه لا يجوز أن نبطل الحق لأن أناساً يخلطونه بالباطل ، بل القاعدة أن تقييد الحق خير من إلغائه.
وأما الأمر الثاني: بعدما نظرنا في الوسائل بقي لنا أن ننظر في المقصد من عمل المولد، هل هو مشروع مرغوب إليه أم لا؟
لا يشك أحدٌ أن محبة النبي صلى الله عليه وسلّم مقصد وغاية أوجبها الشرع الحنيف، كيف لا وهو النعمة الكبرى على العالمين، وللإمام ابن حجر الهيتمي كتاباً في المولد النبوي الشريف سماه (النعمة الكبرى بمولد سيّد ولد آدم)، واختصره، وقد شرح المختصر الإمام أحمد ابن عابدين فسماه(نثر الدرر على مختصر ابن حجر)،وكذا للإمام السيوطي رسالة في حكم الاحتفال بالمولد سمّاها (حسن المقصد في عمل المولد)، وعمل المولد هو مظهر ووسيلة من وسائل إظهار هذه المحبة للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وللتعبير عن شكر المنعم على ما جاد به وأنعم، والفرح والتذكير بأيام الله التي أنعم بها على عباده.
وقد ورد ” أنه رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك فقال في النار إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين وذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي، قال ابن الجزري إذا كان هذا الكافر الذي نزل ذمه في القرآن يخفف عنه لفرحه ليلة مولده الشريف صلى الله عليه وسلم، فما حال الموحد من أمته الذي يسر بمولده ويقدم القربات والطاعات فرحاً بمولده الشريف؟!.انظر البيهقي،شعب الإيمان1/261، مصنف عبد الرزاق7/478،ابن حجر، فتح الباري9/145، القسطلاني/ المواهب اللدنية 1/27.
وقد أورد في ذلك الإمام السيوطي في حسن المقصد:
إذا كان هذا جاء ذمّه وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره بأحمد مسروراً ومات موحدا.
وإظهار الشكر بأنواع العبادات ثابت في الشرع، قال تعالى : { وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء [ عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوارء فقال : ما هذا اليوم الذي تصومون ؟ قالوا : هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه ] وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم، وفي هذا الحديث دلالة واضحة على جواز تخصيص يوم معين لشكر الله على نعمة حصلت، وأي نعمة أعظم من ظهور نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالصيام والصدقة والتلاة والذكر بأنواعه وغير ذلك من أعمال البر والخير، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال” ذاك يوم ولدت فيه”رواه مسلم برقم(1162).وهذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم على القيام بالعبادات شكراً على النعم.
وإليك ما قاله الإمام ابن عاشور بعدما ذكر تعظم الله لليلة القدر لأنه أنزل فيها القرآن، وأمرنا بالاجتهاد فيها فجعلها الله عيداً قال: ” وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم الله عليهم وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى ( وذكرهم بأيام الله )”. التحرير والتنوير1/4873.
وبعد هذا الذي ذكرنا من بيان أن الوسائل التي تعمل في المولد مشروعة في أصلها من تلاوة قصة المولد الشريف وكثرة الذكر والصلاة على النبي الكريم، وتقديم الطعام وغيره، والمقاصد أيضاً مشروعة فيه وهي محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وشكر المنعم على إرساله لنبينا العظيم ليكون رحمة للعالمين، وغير ذلك كلها مقاصد مشروعة بنصوص صريحة من القرآن والسنة الشريفة، قال الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثيّة ” المولد والأذكار التي تفعل أكثرها مشتمل على خير، كصدقة، وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدحه…” ص202.
وعلى هذا فلا يعول على قول من خالف في مشروعية عمل المولد،فقد دأب العلماء والصالحون على عمل المولد الشريف من قرون بعيدة حيث بدأ العمل لمولد النبي الكريم من القرن الثالث الهجري وهي قرون الخيرية التي شهد لها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان الملك المظفر حاكم إربل التقي النقي الورع كما جاء في ترجمته يقوم بعمل المولد النبوي في كل سنة ويجمع له العلماء الصالحين انظر الوافي في الوفيات1/3139، قال السخاوي :” إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم”انظر فيض الوهاب/ قيلوبي5/137.انظر محمد رسول الله 1/31.
وقال الإمام أبو شامة شيخ النووي :” ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور . فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين” الباعث 1/23.وانظر أيضاً مولد خير خلق الله/ البناني ص152، المواهب اللدنية/ القسطلاني1/27.
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وآله وأصحابه أجمعين.
محمد العايدي

About these ads

The URI to TrackBack this entry is: http://ahlalsonnah.wordpress.com/2009/07/25/%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d9%85%d9%88%d9%84%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%8a-%d8%b5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87/trackback/

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه المقالة.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: